الاجتهاد والتقليد

- السيد رضا الصدر المزيد...
415 /
217

[المسألة 1] لزوم الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط

المسألة 1: يجب على كلّ مكلّف في عباداته و معاملاته أن يكون مجتهداً، أو مقلّداً، أو محتاطاً. و هذه المسألة تشتمل على أُمور:

أ) المقصود من الوجوب‏

إنّ الأثر المطلوب من عبادة، أو عقد، أو إيقاع إنّما يتحقّق إذا وقعت صحيحة.

و الصحّة حكم شرعي وضعي ينتزع من مطابقة ما وقع في الخارج لما جعل في الشرع. و تحصيل العلم بهذه المطابقة غير ممكن، إلا بالاجتهاد أو بالتقليد، أو بالاحتياط، و ذلك هو الذي نقصده من وجوب أحد الأُمور الثلاثة.

ب) الوجوب شرعي أم عقلي؟

إذا فرض كون الوجوب شرعيّاً فلا بدّ له من حجّة شرعيّة، لكنّه لم نجد في لسان الشرع دليلًا عليه، و لا سبيل إلى القول بدلالة النصوص الواردة لبيان وجوب تعلّم الأحكام عليه فإنّها غير ممكنة الشمول للدلالة على وجوب الاحتياط؛ إذ العمل بالاحتياط غير واقع في طريق تعلّم الحكم، إنّ الاحتياط طريق إلى إطاعة التكاليف، و ليس بطريق إلى معرفتها.

و أمّا حكم الفقهاء بهذا الوجوب فهو غير كاشف عن تحقّق إجماع عليه؛

218

لأنّه من قبيل اللازم الأعمّ للشي‏ء، فاحتمال أن يكون حكمهم بذلك من ناحية حكم العقل محكم.

أضف إلى ذلك، أنّ الوجوب الشرعي على ثلاثة أقسام: نفسي، و إرشادي، و مقدّمي، و لا سبيل إلى أحد من هذه الوجوبات الثلاثة في المقام.

أمّا الوجوب النفسي: فعلى فرض تسليم صحّة تعلّقه بالاجتهاد و التقليد، لكن تعلّقه بالعمل بالاحتياط غير معقول؛ إذ الاحتياط طريق لتحصيل العلم بإتيان الواجب النفسي، أو بترك المحرّم النفسي، مع أنّ سلوك طريق بما هو طريق غير صالح لأن يصير متعلّقاً للوجوب النفسي، و لا يمكن القول بكونه وجوباً نفسيّاً طريقيّاً.

و نقصد من الوجوب النفسي الطريقي أن يكون الإيجاب بداعي تنجيز التكليف الواقعي، أو التعذير عنه، و هذا الوجوب مساوق للحجّيّة، و لا يصحّ أن يكون أحد الأُمور الثلاثة واجباً بهذا الوجوب؛ لأنّ وجوب كلّ واحد من الاجتهاد، أو التقليد، أو الاحتياط إنّما يكون بعد تنجّز التكليف الواقعي، فلا معنى لصيرورة أحدها منجّزاً له، مضافاً إلى أنّ الاحتياط نفس عمل خارجي، و الفعل الخارجي أبكم لا يجوز أن يصير أمارة على حكم لفعل خارجي آخر، فاتّصاف الاحتياط بالمنجّزيّة و المعذّريّة غير معقول.

ثمّ إنّ العمل الخارجي إمّا نفس المأمور به، أو غيره؛ فعلى الأوّل: يكون التغاير بين الكاشف و المنكشف غير موجود، و على الثاني يكون الاتّحاد اللازم بين الكاشف و المنكشف غير موجود، فأحد المتباينين كيف يصير كاشفاً عن الآخر؟.

و لا يخفى أنّ الاحتياط يستحيل أن يوصف بالتعذير؛ فإنّ التعذير يكون في صورة خطإ الحجّة، و تطرّق الخطإ في الاحتياط غير ممكن.

و أمّا الوجوب الإرشادي: و نقصد منه الإيجاب بداعي الوصول إلى ملاكات الأحكام، و تلك الملاكات هي المرشد إليها بهذا الوجوب، فبيان عدم صحّته في المقام هو: أنّ الشرط المقوّم للوجوب الإرشادي أن لا يتطرّق الخطأ في الإرشاد بهذا الوجوب، و عدم تطرّق الخطإ في الاجتهاد، و في التقليد غير ممكن بحسب العادة؛ فإنّه‏

219

كثيراً ما يقع الخطأ في إراءتهما فلا يمكن أن يحفظ بهما جميع الملاكات.

و أمّا الوجوب المقدّمي: فعدم صحّته في المقام فمن جهة أنّ كلّ واحد من الأبدال الثلاثة: الاجتهاد، و التقليد، و الاحتياط ليس بمقدّمة وجوديّة لواجب نفسي، على أنّ التحقيق عدم وجوب مقدّمة الواجب، (1) فقد ثبت من هذا البحث أنّ وجوب أحد الأبدال ليس بشرعي، فهو وجوب عقلي بمعنى أنّ العقل حاكم به.

ج) الملاك للوجوب العقلي‏

إذا ثبت كون الوجوب عقليّاً فيجب البحث عن ملاك حكم العقل به.

قال السيد دام ظلّه في مستمسكه: «إنّ الوجوب فطري بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل». (2) أقول: إن كان المراد من الفطري ما هو المصطلح عند أصحاب صناعة الميزان و هو القضيّة التي يحكم بها العقل بواسطة لا يخلو الذهن عنها في حين من الأحيان، و تسمّى ب «قضايا قياساتها معها» كالعلم بأنّ الواحد نصف الاثنين؛ فالوجوب المبحوث عنه في المقام ليس من هذا القبيل، فإنّ كثيراً ما تخلو الأذهان عن واسطة: «دفع الضرر المحتمل» فهي مغفول عنها كثيراً.

و إن كان مراده من الفطري ما يكون من قبيل صفة الأفعال الصادرة عن الغرائز، و هي الأفعال التي لا دخل للعقل في صدورها من الإنسان، فذلك مختصّ بمقولة الفعل، و لا صلة له بالإدراكات النفسيّة.

مضافاً إلى أنّ صدور فعل عن الغريزة أمر بالطبع لا بالعقل، فلا التفات من ناحية النفس إلى آثار ذلك الفعل، فلا واسطة هناك.

ثمّ قال دام بقاؤه: «و عقلي بمناط وجوب شكر المنعم» (3)

____________

(1) قد أثبتنا عدم وجوب المقدمة، في رسالة أفردناها للبحث عن مقدمة الواجب.

(2) المستمسك، ج 1، ص 6.

(3) المستمسك، ج 1، ص 6.

220

أقول: لا ريب في أنّ العقل يرى كفران النعم، و استحقاق تاركه اللوم، كما لا ريب في أنّ ترك شكر المنعم كثيراً ما يصير مصداقاً لكفران النعم.

و من المعلوم: أنّ العقل و إن كان يرى حسن شكر المنعم، لكن شدّة هذا الحسن عنده بحيث يحكم باستحقاق تاركه العقاب و اللوم غير مسلّم، إذا لم يصر ذلك الترك مصداقاً لكفران النعم، و إلا يجب أن يكون كلّ مخلوق عاقل مستحقّاً للوم و للعقاب؛ لإنعام غير محدود عليه من قبل الله تعالى، فإنّه غير شاكر بالمقدار الذي يجب الشكر و يقتدر عليه.

ثمّ إنّ حكم العقل باستحقاق اللوم لكافر النعم غير ملازم لحكمه باستحقاق اللوم و العقاب لتارك شكر المنعم، سيّما إذا كان المنعم أجلّ قدراً، و أعظم منزلة من أن ينتفع من شكر الشاكر.

و الحاصل أنّ وجوب إطاعته تعالى من باب مجرّد شكر المنعم محلّ تأمّل، بل وجوب إطاعته تعالى من باب كونه تعالى أهلًا لوجوب الإطاعة، و من باب تحقّق المصلحة الذاتيّة الملزمة في طاعته تعالى.

و من دواعي أُخر نعرض عن ذكرها.

فالتحقيق: أنّ وجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط عقلي بمعنى أنّ العقل بعد الالتفات إلى ثبوت تشريع من قبله تعالى، و إلى أنّ الناس لم يجعلوا مهملين كالحيوانات، و إلى أن هناك وعداً من قبله تعالى للمطيع، و وعيداً للعاصي يدرك استحقاق العقاب لمن خالف التشريعات الإلهيّة، و مقتضى ذلك حكمه بلزوم الفرار عن العقاب حال عدم المؤمّن عنه.

و العقاب بالنسبة إلى كلّ تكليف محتمل محتمل احتمالًا منجزّاً. و نقصد من الاحتمال المنجّز: أنّه لا عذر لعدم الاعتداد به عند العقل إذا كان الاحتمال مصادفاً لتكليف واقعي، فهو مسؤول عنه بدون أن يكون له عذر يقبله العقل.

و هذا الاحتمال المنجّز متحقّق عند عدم انحلال العلم الإجمالي بوجود أحكام و تشريعات من قبله تعالى، و انحلال هذا العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بعدد من‏

221

التكاليف و إلى شكّ بدويّ في وجود تكاليف أُخر إنّما يتحقّق بالاجتهاد، أو بالتقليد في الأحكام غير الضروريّة.

و إذا انتفى الاجتهاد أو التقليد فالعقل حاكم بلزوم العمل بالاحتياط؛ فإنّ العقل مدرك للزوم دفع الضرر المحتمل إذا كان الضرر معتدّاً به، و لم يزاحمه نفع أو ضرر أو مشقّة، و أمّا عند مزاحمته مع أحد هذه الأُمور فيلاحظ الكسر و الانكسار مع الجانبين، و يراعى ما هو الأهمّ في البين.

د) متعلّق الوجوب‏

إنّ متعلّق هذا الوجوب العقلي كلّ فعل أو ترك لا يعلم حكمه الشرعي عند الابتلاء به.

نعم، الضروريّات الدينيّة خارجة عن ذلك؛ إذ لا يحتاج العلم بتلك الضروريّات إلى اجتهاد أو تقليد، فظهر النظر في كلام الماتن حيث خصّ متعلّق الوجوب بالعبادات و المعاملات.

و يمكن الدفاع عنه بأحد وجهين: أحدهما: أن يقصد من ذلك الحكم بالصحّة، فإنّها تخصّ بالعبادات و المعاملات.

و ثانيهما: أنّ سيرة المتشرّعة في غير العبادات و المعاملات ليست على ذلك.

فالمجتهدون منهم غير مقيّدين بالاجتهاد في كثير من المستحبّات و المكروهات و المباحات.

و غير المجتهدين منهم غير مقيّدين بالتقليد في غير العبادات و المعاملات، بل هؤلاء غير مقيّدين بالتقليد في مطلق المندوبات و المكروهات و المباحات، مثل التقليد الذي يتقيّدون به في الواجبات و المعاملات.

فهم يعملون في هذه الأحكام الثلاثة بقول كلّ من يدّعي العلم، و لا بأس بدعوى اتّصال هذه السيرة إلى زمان الحضور، و ممّا ذكرنا ظهر حال الاحتياط؛ فإنّه لا يجري إلا في الواجبات و المحرّمات.

222

ه) بدليّة الأبدال على سبيل منع الخلوّ

إنّ متعلّق الوجوب العقلي أحد الأُمور الثلاثة: الاجتهاد، التقليد، الاحتياط على سبيل التخيير بحسب معناه اللغوي.

فلا نقصد من التخيير المعنى المصطلح عندهم؛ فإنّه لا سبيل إلى كلّ واحد من معنييه في المقام.

أمّا التخيير العقلي فلعدم وجود جامع بين الأبدال الثلاثة. و أمّا التخيير الشرعي فلعدم كون الوجوب شرعيّاً، فالوجوب العقلي التخييري بين الأبدال إنّما يكون على سبيل منع الخلوّ؛ لأنّ رفع الجميع غير جائز، و لكن ليس بين الأبدال، منع جمع؛ إذا يمكن الجمع بين الاجتهاد و الاحتياط، أو بين التقليد و الاحتياط.

و) الحصر استقرائي‏

حصر الإطاعة في هذه الإبدال الثلاثة إنّما يكون بحسب الاستقراء؛ فإنّ الطرق العقلائيّة لتحصيل العلم بالإطاعة منحصر فيها، لكن تحقّق الإطاعة بطريق الاجتهاد، أو بطريق التقليد من جهة حصول العلم بأداء الوظيفة الواجبة.

أمّا تحقّق الإطاعة في العمل بالاحتياط فمن جهة حصول العلم بالوصول إلى الواقع. و إن لم تحصل للمكلّف المحتاط معرفة تفصيليّة بالتكليف الواقعي؛ فإنّ المعرفة التفصيليّة غير ممكنة لجميع الناس، سيّما في عصر الغيبة.

ز) الأبدال عرضيّة أم طوليّة؟

هل التخيير بين الأبدال الثلاثة عرضي أم طولى؟ فإن كان التخيير عرضيّاً فللمكلّف أن يختار أيّها شاء ابتداء. و إن كان طوليّاً لا يجوز له عند تمكّنه من المتقدّم التعرض لإتيان المتأخّر.

إنّ البحث حول ذلك يقع تارة في تقدّم الاجتهاد، و التقليد على العمل بالاحتياط،

223

و أُخرى يقع في تقدّم الاحتياط عليهما. و ثالثة يقع في تقدّم الاجتهاد على التقليد.

أمّا البحث عن المرحلة الأُولى فسيجي‏ء في المسألة التالية إن شاء الله تعالى.

و أمّا البحث عن المرحلة الثانية، و هي البحث عن تقدّم الاحتياط على بدليّة.

فنقول: إنّ المراد من العمل بالاحتياط هو الاحتياط الذي لا يكون عند الشرع مبغوضاً، كما لو استلزم منه اختلال النظام، أو الذي لا يكون عند الشرع مرفوعاً، مثل العمل بالاحتياط الذي يستلزم منه الحرج. إذا عرفت ذلك فاصغ لما نتلو عليك:

إنّ الدليل على تقدّم مثل هذا الاحتياط و هو الذي لا يكون مبغوضاً و لا مرفوعاً أنّه مصيب دائماً، و لا يتطرّق إليه الخطأ في العمل به، و به يمكن الوصول إلى المكلّف به الواقعي، و إلى المصالح المتحقّقة في نفس الأمر، و به يمكن الاجتناب عن المفاسد الواقعيّة غير المعلومة.

فما دام الوصول إلى الحكم الواقعي حاصلًا لا سبيل إلى التعرّض للحكم الظاهري الموجود في الاجتهاد و التقليد.

أقول: و هذا الدليل مبتن على وجوب الوصول إلى التكاليف الواقعيّة. فإذا فرض عدم وجوب الوصول فلا يبقى له محلّ.

و الحقّ هو القول بعدم وجوب الوصول إليها؛ فإنّه لو كان الوصول إليها واجباً لدى الشرع لوجب الاحتياط في كثير من الأُمور الشرعيّة، و لو كان ذلك لبان، فإنّه ليس بشي‏ء يخفى من جهة كثرة ابتلاء الناس به.

مضافاً إلى أنّ الاحتياط في كثير من الأُمور الشرعيّة إمّا داخل في الاحتياط المبغوض، أو في الاحتياط المرفوع.

ثمّ إنّه يدلّ على عدم تقدّم العمل بالاحتياط على العمل بالاجتهاد أو بالتقليد أُمور:

أحدها: إطلاق دليل حجّيّة الأمارة الشامل لصورة تمكّن المجتهد من الاحتياط.

ثانيها: أنّ دليل حجّيّة الأمارة قد جعل الأمارات نازلة منزلة العلم الوجداني بالواقع لدى الشارع، و من المعلوم أنّ سيرة العقلاء قائمة على عدم العمل بالاحتياط

224

عند وجود العلم الوجداني. ثالثها: أنّ سيرة المتشرّعة المتّصلة بزمان المعصومين «جارية على عدم العمل بالاحتياط يكشف ذلك عن عدم تقدّم الاحتياط في الشرع على عدليه، بل سيرتهم العمليّة قائمة على تقديم الاجتهاد أو التقليد على الاحتياط.

رابعها: إطلاق أدلّة التقليد اللفظيّة حاكم بعدم تقدّم الاحتياط على التقليد.

و أمّا البحث عن المرحلة الثالثة فنقول:

إنّ تحصيل ملكة الاستنباط غير واجب بالوجوب العيني إذا وجد مفت يجوز الرجوع إليه. و قد مرّ عليك سابقاً أنّ الاجتهاد واجب كفائي. و ذلك هو المتبادر من: «كريمة النفر» حيث خصّ لزوم النفر بطائفة من كلّ فرقة.

و تدلّ على ذلك سيرة العقلاء؛ فإنّهم لا يفرّقون في رجوع الجاهل إلى العالم بين الجاهل الذي يستطيع أن يصير عالماً، و بين من لا يستطيع، و لم يصل من الشارع ردع لإجرائها في الأُمور الشرعيّة، مع أنّ إطلاقات أدلّة التقليد اللفظيّة تشمل لصورة تمكّن المستفتي من الاجتهاد.

و أمّا دعوى قيام سيرة المتشرّعة على عدم تقدّم الاجتهاد على التقليد فثبوتها متوقّف على كون سيرتهم كذلك بما أنّهم متشرّعة، لا بما أنّهم عقلاء، و إثبات ذلك خرط القتاد.

ح) التقليد و واجد الملكة

هل يجوز التقليد لمن حصلت له ملكة الاجتهاد في المسائل التي لم يستنبط أحكامها؟ قد مرّ عليك ما حكاه شيخنا الأنصاري:

أنّ المعروف عندنا العدم، بل لم ينقل الجواز عن أحد منّا؛ لعدم ثبوت السيرة على جوازه، و لانصراف إطلاقات الآيات، و الأخبار عمّن حصلت له الملكة. (1)

____________

(1) مجموعة رسائل، ص 48 (طبعة قديمة) ص 53 (طبع مكتبة مفيد).

225

ثمّ نسب (قده) القول بالجواز إلى صاحب المناهل. (1) أقول: لا ريب في أنّ سيرة العقلاء قائمة على رجوع الجاهل إلى العالم، و ليست بقائمة على رجوع العالم إلى العالم.

و لا ريب في أنّ المأمور بالحذر و السؤال في الآيتين الكريمتين من ليس بمتفقّه، و لا من أهل الذكر.

و لا ريب في أنّ من أمر بالرجوع إلى الرواة، و إلى من عرف الأحكام، و نظر في الحلال و الحرام هو غير الراوي، و غير العارف، و غير الناظر.

إنّما الكلام في أنّ الواجد للملكة إذا لم يكن مستنبطاً للحكم فعلًا داخل في أيّ الطائفتين؟ و أيّ المفهومين الإيجابي، و السلبي صادق عليه؟ إذ لا واسطة بين النقيضين.

و الذي ينبغي أن يقال: إنّه يصحّ سلب جميع هذه الأوصاف عن مثل هذا الشخص، فهو ليس بعالم بالفعل، و ليس بمتفقّه في الدين، و ليس من أهل الذكر، كما أنّه ليس بعارف للأحكام، و لا بناظر في الحلال و الحرام، و لا براوٍ للحديث و إن كان مستطيعاً لأن يجعل نفسه مصداقاً لهذه العناوين في زمان قصير.

فحال هذا الشخص حال المسافر الذي قرب إلى المقصد، لكنّه لم يصل بعد، و هو مشترك في صفة عدم الوصول مع المسافر الذي بعد عن مقصده غاية البعد و هناك فرق بين القريب إلى شي‏ء، و بين لاحق به، و هو أنّه إذا أُطلق اللاحق على القريب فهو إطلاق مجازي و ليس بحقيقي، فالأقوى جواز التقليد له؛ وفاقاً لصاحب المناهل‏ (2).

و ممّا يؤيّد ما اخترناه: أنّ المجتهد الفعلي إذا حدثت له مرافعة عليه أن يرجع إلى غيره في باب القضاء، و حكم القاضي نافذ عليه، سيّما إذا كانت الشبهة حكميّة.

____________

(1) المناهل، كتاب القضاء، ص 699.

(2) المناهل، كتاب القضاء، ص 698.

226

و كذا رجوع أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى شريح قاضي الكوفة في قصّة درعه (عليه السلام)، و درع طلحة، و هو الخليفة على المسلمين.

هذا حال المجتهد بالفعل، فكيف بحال المجتهد بالقوّة. فلما ذا لا يجوز له الرجوع إلى المجتهد بالفعل في باب الفتوى؟.

ط) نظرة إلى بعض الكلمات‏

علّق السيّد الشاهرودي على كلمة «الاحتياط» في العروة، بقوله:

بعد أن اجتهد، أو قلّد في مسألة عدم اعتبار الجزم بالنيّة، و إلا لا يتمكّن من الاحتياط أصلًا إلا بالتشريع المحرّم. (1) أقول: إنّ كثيراً من موارد الاحتياط غير محتاج إلى الجزم بالنيّة.

أمّا في المعاملات فقد لا يكون الترديد في النيّة حال الاحتياط مضرّاً، كما لو أدّى المثل و القيمة معاً حال الشكّ في ضمان أيّهما، و كما لو احتاط و لم يتصرّف في العوض و لا في المعوّض عند فوات بعض ما يحتمل اشتراطه في العقد، و قد يكون الجزم بالنيّة موجوداً في المعاملة بسبب الاحتياط، كما لو أجرى العقد حال وجود جميع ما شكّ في اشتراطه فيه.

أضف إلى ذلك أنّ الترديد في النيّة غير مضرّ بالاحتياط في ترك ما يشكّ في كونه محرّماً، و في فعل ما يشكّ في كونه واجباً في الواجبات التوصّليّة.

و أمّا الحال في التعبّديّات فقد يكون الجزم بالنيّة عند الاحتياط موجوداً كما في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر؛ إذ يأتي المحتاط بالأكثر في صورة عدم احتمال كون المشكوك فيه مضرّاً.

و من المعلوم: أنّه يكفي للمحتاط في الاجتهاد في هذه المسألة إحراز حكم عقله بعدم اعتبار الجزم في النيّة، فإذا حصل له الوثوق بذلك، و بكفاية الإتيان الرجائي‏

____________

(1) العروة الوثقى، ج 1، ص 3.

227

فلا يكون مؤاخذاً.

أُمنيّة: يا ليت كان دأب علمائنا المتأخّرين عن الشيخ الأنصاري حلّ الإشكالات في المسائل، و إراءتهم الشريعة الإسلاميّة سمحة سهلة كما هي كذلك.

[المسألة 2] جواز العمل بالاحتياط

المسألة 2: الأقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهداً كان أولا، لكن يجب أن يكون عارفاً بكيفيّة الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد.

هل الاحتياط متأخّر عن عدليه؟

إذا كان العمل بالاحتياط عند العقل متأخّراً بحسب الرتبة عن الاجتهاد و التقليد فلا يجوز العمل به ما دام المكلّف قادراً على الاجتهاد أو التقليد.

و قبل الدخول في البحث ينبغي التنبيه على أمرين:

أحدهما: أنّ المقصود من الاحتياط عند القدرة على الاجتهاد و التقليد هو الاكتفاء به في سقوط التكليف الواقعي، سواء أ كان التكليف معلوماً أم محتملًا.

ثانيهما: أنّ المقصود من الاحتياط المبحوث عنه في المقام هو الاحتياط الذي لا يكون مبغوضاً لدى الشارع، فيعمّ البحث الاحتياط المرفوع في الشرع.

فإنّ دليلي نفي العسر و الحرج حاكمان برفع وجوب المعسور و الأمر الحرجي، فجواز هما باق على حاله، و لا بأس بدخول هذا الاحتياط في البحث.

إذا تبيّن ذلك فنقول:

الحقّ وفاقاً للمتن جواز العمل بالاحتياط حتّى عند التمكّن من الاجتهاد أو التقليد، فلا يكون عدلاه متقدّمين عليه، و ذلك من غير فرق في العمل به في العبادات و غيرها بحكم العقل بتحقّق الامتثال به، و ما يمكن أن يكون رادعاً لإجراء هذا الحكم العقلي أُمور ثلاثة:

أحدها: ما دلّ على وجوب تعلّم الأحكام، كرواية مسعدة بن زياد في الصحيح عن‏

228

أبي عبد الله (عليه السلام) حيث قال: سئل جعفر بن محمّد «عن قوله تعالى‏ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ (1) فقال (عليه السلام): «إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أ كنت عالماً؟ فإن قال: نعم قال: أ فلا عملت بما علمت؟

و إن قال: كنت جاهلًا قال له: أ فلا تعلّمت حتّى تعمل؟ فيخصمه، و ذلك الحجّة البالغة لله عزّ و جلّ في خلقه». (2) لكن هذا الحديث غير مناف لذلك الحكم العقلي؛ لأنّه ينظر إلى من عصى و لم يعمل بالتكاليف الإلهيّة، و ليس بناظر إلى من كان عاملًا بها، و منقاداً لها، سيّما بطريق الاحتياط، فإنّ ذلك من أعلى مراتب الإطاعة و الانقياد، ثمّ إنّ الحديث غير مفيد للوجوب النفسي للتعلّم؛ إذ المتبادر منه أنّ وجوب تعلّم الأحكام طريق لامتثالها، و إرشاد فيه إلى أنّ الجهل بالتكليف لا يصحّ أن يكون عذراً لترك المكلّف به.

ثانيها: ما عن شيخنا الأنصاري (قده):

أنّ الجزم المعتبر في العقود و الإيقاعات ينافيه الترديد الموجود في العمل بالاحتياط.

أقول: إن كان مراده من منافاة الترديد كونه مانعاً من تحقّق الإنشاء فذلك باطل؛ فإنّ الإنشاء قد يتحقّق حال القطع بالخلاف فضلًا عن حال الترديد، و إن كان مراده أنّ الترديد مانع من تأثير الإنشاء إذا تحقّق فهو أيضاً فاسد؛ لاستحالة تفكيك الإنشاء عن المنشإ.

و من المعلوم: أنّ مقتضى الاحتياط في هذه الصورة عدم التصرّف في كلا العوضين، أو إبطال العقد بطريق يقيني، أو إجراء العقد حال وجود جميع ما شكّ في اشتراطه فيه حتّى يحصل القطع بوجود الأثر.

و إن كان المراد وجود الترديد فيما هو الممضى شرعاً من الأسباب فهو غير مضرّ أصلًا، كما لو شكّ في ضمان بالمثل أو بالقيمة، فإنّ الاحتياط قاض بدفعهما معاً.

____________

(1) الأنعام (6) الآية 149.

(2) جامع أحاديث الشيعة، ج 1، ص 94 و 95.

229

ثالثها: ما يتوهّم من كونه مانعاً عن جريان الاحتياط في العبادات فقط.

و البحث عنه قد يكون فيما يستلزم الاحتياط تكرار العبادة، و سيأتي في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى، و قد يكون فيما لا يستلزم التكرار.

فنقول: قال شيخنا الأنصاري في رسالة القطع:

أمّا إذا لم يتوقّف الاحتياط على التكرار كما إذا أُتي بالصلاة مع جميع ما يحتمل أن يكون جزءً فالظاهر عدم ثبوت اتّفاق على المنع، و وجوب تحصيل اليقين التفصيلي، لكن لا يبعد ذهاب المشهور إلى ذلك، بل ظاهر كلام الرضي في مسألة الجاهل بوجوب القصر، و ظاهر تقرير أخيه المرتضى له ثبوت الإجماع على بطلان صلاة من لا يعلم أحكامها. (1) أقول: الإجماع الذي ادّعاه الأخوان (قدس سرهما) على فرض ثبوت تعبّديّته مختصّ بالصلاة، فلا يعمّ جميع العبادات، و منه يظهر النظر في كلام صاحب المستمسك حيث توهّم دام ظلّه عموم الإجماع لجميع العبادات‏ (2)،؛ ثمّ إن هذا الإجماع غير مانع عن القول بجواز الاحتياط في محلّ البحث؛ لأنّ المتيقّن منه صورة الجهل بمقدار كثير من أحكام الصلاة، بحيث لا يمكن معه إتيان الصلاة صحيحة، و الصلاة حينئذ باطلة قطعاً، هذا مع قطع النظر عن إيراد شيخنا الأنصاري النافي للاتّفاق.

اشتراط معرفة طريق الاحتياط بأحد عدليه‏

إنّ الوجوب في كلام الماتن يجب أن يكون عارفاً بكيفيّة الاحتياط إلخ شرطي، إمّا من جهة كون المعرفة من قبيل الشرط لتحقّق الاحتياط، و إمّا لكون عدمها من قبيل المانع عنه، فالعمل بالاحتياط بدون معرفة كيفيّته غير ممكن التحقّق، نعم، لو كانت كيفيّة العمل الذي يقصد الاحتياط فيه معلومة بالضرورة فلا يجب فيها الرجوع‏

____________

(1) فرائد الأُصول، ج 1، ص 25.

(2) المستمسك، ج 1، ص 7.

230

إلى الاجتهاد أو التقليد؛ لأنّهما مختصّان بالمسائل النظريّة غير اليقينيّة.

[المسألة 3] الاحتياط ذو صور

المسألة 3: قد يكون الاحتياط في الفعل كما إذا احتمل كون الفعل واجباً، و كان قاطعاً بعدم حرمته، و قد يكون في الترك كما إذا احتمل حرمة فعل و كان قاطعاً بعدم وجوبه، و قد يكون في الجمع بين أمرين مع التكرار، كما إذا لم يعلم أنّ وظيفته القصر أو التمام.

الصور الممكنة للاحتياط قد عقدت هذه المسألة للإشارة إلى إخراج الاحتياط المستحيل من البحث، مثل: دوران الأمر بين الواجب و الحرام، و إليك صور الاحتياطات الممكنة:

منها: دوران الأمر بين الحرام و غير الواجب، و الاحتياط هنا مقتض للترك.

و منها: دوران الأمر بين الواجب و غير الحرام، و الاحتياط مقتض للفعل.

و منها: دوران الواجب بين فعلين، و الاحتياط هنا مقتض لفعلهما معاً.

و منها: دوران الحرام بين فعلين، و الاحتياط هنا مقتض لتركهما معاً.

و منها: دوران الأمر بين الشرطيّة و المانعيّة.

فقد يمكن الجمع بينهما في فعل واحد، مثل: دوران الأمر بين الجهر و الإخفات، و الاحتياط في هذه الصورة أن يأتي بالقراءة جاهراً مرّة و أُخرى خافتاً، إمّا بنيّة القرآنيّة في كليهما، أو بنيّة تحقّق القراءة الواجبة بإحداهما و الاستحباب بالأُخرى، و قد لا يمكن الجمع بينهما، فيأتي بالمأمور به أوّلًا مع المشكوك فيه، و يأتي به ثانياً بدون المشكوك فيه.

[المسألة 4] حكم الاحتياط المستلزم للتكرار

المسألة 4: الأقوى جواز الاحتياط و لو كان مستلزماً للتكرار و أمكن الاجتهاد أو التقليد.

231

جواز مثل هذا الاحتياط البحث في جواز الاحتياط و عدم جوازه إنّما يصحّ في صورة تمكّن المكلّف من الاجتهاد أو التقليد؛ إذ لا إشكال في جوازه في صورة عدم التمكّن منهما، و الأقوى وفاقاً للمتن و لكثير من الأصحاب هو القول بالجواز؛ لقضاء العقل بتحقّق الامتثال إذا قصد المكلّف الإطاعة بإتيان فعلين حال كونه عالماً بأنّ أحدهما مأمور به؛ إذ العقل لا يرى فرقاً من حيث تحقّق الإطاعة بين هذا الامتثال، و بين ما إذا أتى بفعل واحد و هو يعلم بكون ذلك الفعل مأموراً به.

فإنّ ملاك الامتثال لدى العقل هو حصول اليقين بإتيان المأمور به، و ذلك متحقّق في كلا الامتثالين بلا ريب، هذا حكم العقل في المقام.

و أمّا حكم الشرع فالدالّ على الجواز ترك الاستفصال الوارد في النصّ جواباً عن السؤال عن قبلة المتحيّر بالأمر بالصلاة إلى أربع جوانب، و ترك الاستفصال كالإطلاق شامل لصورة إمكان الفحص عن القبلة، و إليك قوله (عليه السلام): «إذا كان ذلك فليصلّ لأربع وجوه» (1).

و ما يمكن أن يكون مانعاً عن القول بالجواز أُمور:

أحدها: الإجماع‏

، و قد حكي على عدم جواز الاكتفاء بالاحتياط إذا توقّف على تكرار العبادة. و يرد عليه: أنّ دعوى الإجماع موهونة؛ بعدم ذكر أحد من الفقهاء في أبواب العبادات أنّ التكرار من مبطلات العبادة، مضافاً إلى أنّهم أفتوا في بعض المسائل في باب العبادات بالاحتياط بالتكرار.

سلّمنا تحقّق الإجماع، لكن الكلام في تعبّديّته؛ إذ من المحتمل اعتماد المجمعين على بعض الاستحسانات العقليّة التي سنشير إليها، و من المحتمل استناد دعواه إلى السيرة العمليّة الجارية بين المسلمين على الاجتهاد أو التقليد، فهي تقوم على الإعراض عن‏

____________

(1) تهذيب الأحكام، ج 2، ص 45، ح 144؛ الاستبصار، ج 1، ص 295، ح 1085.

232

العمل بالاحتياط، لكنّ الإعراض ناشئ عن المشقّة و الصعوبة الموجودة في الاحتياط، فالسيرة خُلقيّة و ليست بشرعيّة محضة.

الثاني: احتمال اشتراط قصد الوجه في العبادة

، و كذا احتمال اشتراط قصد التمييز فيها.

و هذا الاحتمال نشأ من قول بعض أصحابنا بالاشتراط، و قد حكي عن ابن إدريس في مسألة الصلاة في الثوبين المشتبهين أنّه قال: بعدم جواز التكرار للاحتياط حتّى في صورة عدم التمكّن من العلم التفصيلي بالمتنجّس. (1) و ذلك لفوات قصد الوجه المعتبر عنده في العبادات وصفاً أو غاية.

و التحقيق: أنّ اشتراط قصد الوجه في العبادات سيّما فيما تعمّ به البلى محلّ منع؛ لكونه ممّا لا يعتبره العقل، فيجب أن يكون اعتباره من ناحية الشرع، و إذا كان معتبراً في العبادة من قبل الشرع لكونه ممّا يغفل عنه الناس عامّة، فالواجب على الشارع الإعلام بذلك مثل بقيّة الشرائط المعتبرة عنده؛ فإنّ عدم الإخبار مخلّ بمقصوده.

و من المعلوم: أنّ قصد الوجه إذا كان معتبراً شرعاً فليس هناك دواع متوفّرة إلى إخفائه؛ و لذا يكون عدم وصول إعلام من الشارع يكشف عن عدم اشتراطه في العبادة عنده، مضافاً إلى أنّ الإطلاق المقامي في بعض النصوص الواردة في مقام بيان ما يشترط في عامّة العبادات كالنيّة و الإخلاص يدفع احتمال اشتراطه.

و مثله الكلام في قصد التمييز.

الثالث: أنّ في تكرار العبادة فوات نيّة الأمر

؛ لأنّ الفعل يكون حينئذ بداعي احتمال الأمر، لا بداعي نفس الأمر.

و فيه: أوّلًا: أنّه إن أُريد به فوات نيّة الأمر في أحد الفعلين فالمفروض أنّه لا يكتفى به، و إن أُريد به في مجموع الفعلين فقصد ذات الأمر فيها موجود؛ لأنّ الإتيان بهما قد كان بداعي ذات الأمر المعلوم إجمالًا، لا احتماله.

____________

(1) السرائر، ج 1:، ص 184 و 185 (منقول بالمعنى).

233

و ثانياً: أنّ الفعل المأتي بداعي احتمال الأمر إنّما أُتي به بداعي نفس الأمر؛ إذ لا موضوعيّة للاحتمال، فإنّ المراد منه هو الرجاء، و لا شكّ في أنّ كلّ عمل يؤتى به رجاء يقصد منه المرجوّ، و يشهد لذلك أنّ الاهتمام بالاحتمال قد جاء من ناحية الاهتمام بالمحتمل.

هذا هو الحال في صورة العلم بالأمر، فإنّه لا موضوعيّة للعلم و إن كان من شرائط تنجّز الأمر و داعويّته، من دون فرق بين العلم الإجمالي و التفصيلي.

و ثالثاً: سلّمنا فوات نيّة الأمر و تحقّق الإخلال بقصده، لكن ذلك غير مضرّ بالعبادة؛ إذ لا دليل على اعتبار قصد الأمر في العبادة؛ لأنّ قوام العبادة بكونها لله تعالى، و ذلك محقّق في داعي الأمر المحتمل.

الرابع: أنّ الامتثال في الاجتهاد أو التقليد جزمي، و في العمل بالاحتياط احتمالي‏

. و لا ريب في تقدّم الامتثال الجزمي على الامتثال الاحتمالي عند العقل.

و فيه: أنّ الامتثال في الاحتياط أيضاً جزمي؛ إذ المفروض الإتيان بكلا الفعلين و عدم الاكتفاء بأحد الفعلين.

الخامس: أنّ التكرار لعب بأمر المولى جلّ ثناؤه‏

. و فيه: منع هذه الكلّيّة، بل في التكرار شدّة اهتمام بأمر المولى.

السادس: ما جاء في تقرير الكاظمي للعلامّة النائيني:

من اختيار تقدّم الامتثال التفصيلي على الامتثال الإجمالي المستلزم للتكرار إن كان عبادة؛ لفوات الانبعاث من بعث المولى في الإجمالي، فالانبعاث فيه عن احتمال البعث لا عنه نفسه. (1) أقول: هذا الوجه راجع إلى الوجه الثالث، فيرد عليه ما أُورد على ذلك الوجه، و نزيد عليه:

أوّلًا: أنّ قوله: «لفوات الانبعاث من بعث المولى في الإجمالي» مجرّد دعوى‏

____________

(1) انظر فوائد الأُصول، ج 3، ص 72 و 73.

234

بلا دليل، بل التحقيق خلاف ذلك، و هو أنّ الانبعاث الحقيقي في الامتثال الإجمالي من نفس بعث المولى موجود، و الوجدان خير شاهد على ذلك.

و ثانياً: أنّ قوله: «فالانبعاث فيه إنّما يكون عن احتمال البعث لاعن نفسه» أيضاً دعوى بلا دليل، بل الدليل على خلافها؛ إذ لا موضوعيّة للاحتمال، فلو كان نفس الاحتمال باعثاً لكان الإتيان بفعل واحد كافياً.

ثمّ قال (قده):

لو سلّم الشكّ في ذلك فالأصل يقتضي الاشتغال لا البراءة؛ لرجوعه إلى الشكّ في التعيين و التخيير. (1) أقول: الملاك في حكم الشكّ عند دوران الأمر بين التعيين و التخيير أنّ التخيير المحتمل إن كان من قبيل التخيير العقلي فالمرجع هو البراءة؛ لرجوع الشكّ فيه إلى اشتراط أمر زائد على الطبيعة المأمور بها، و إن كان من قبيل التخيير الشرعي فالمرجع هو الاشتغال؛ لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في بدليّة أمر مباين عن مباين آخر، و المقام من قبيل الأوّل، لا الثاني؛ لاتّحاد الفعلين في كلا الامتثالين التفصيلي و الإجمالي في جميع الجهات، عدا معرفة المأمور به بعينه، فيشكّ في اشتراطها في المأموريّة زائداً على ما فيه من الأجزاء و الشرائط، و الأصل الحاكم هنا أصالة البراءة، لا أصالة الاشتغال.

[المسألة 5] جواز الاحتياط مشروط

المسألة 5: في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهداً أو مقلّداً؛ لأنّ المسألة خلافيّة.

اشتراط جواز العمل بالاحتياط بالاجتهاد أو التقليد لا يجوز العمل بالاحتياط ما لم يقم على جوازه اجتهاد أو تقليد؛ لوجود القول‏

____________

(1) انظر فوائد الأُصول، ج 3، ص 73.

235

بعدم الجواز، فالاحتياط بدون أحدهما خلاف الاحتياط، فإنّ ما يلزم من وجوده عدمه محال، فالاحتياط بلا اجتهاد أو تقليد ليس باحتياط، و من ذلك ظهر النظر في المتن حيث عبّر بالجواز، مع أنّ أصل تحقّقه مشروط.

ثمّ إنّ المقصود من جواز العمل بالاحتياط هو الاكتفاء به عن التكليف الواقعي، فالحكم بجوازه موقوف على حكم العقل بأنّ العمل بالاحتياط مبرئ للذمّة، و أنّه به يخرج عن مخالفة المولى، فإذا كان العامل بالاحتياط مدركاً لذلك بحسب عقله و مذعناً له فهو مجتهد في هذه المسألة؛ إذ الاجتهاد في مثلها مغاير بحسب الكيفيّة مع الاجتهاد في الفروع الفقهيّة، كما أنّ العامل بالاحتياط إذا أذعن بهذا الإدراك العقلي تبعاً لغيره فهو مقلّد في المسألة.

فالحكم الكلّي أنّ العامل بالاحتياط ما لم يذعن بذلك الإدراك العقلي لا سبيل له إلى العمل بالاحتياط؛ لعدم حصول العلم له ببراءة الذمّة من التكليف الواقعي، فالصواب في التعليل ذلك، لا بأنّ المسألة خلافيّة، فإنّه لو كانت المسألة إجماعيّة أيضاً كان يلزم عليه الاجتهاد، أو التقليد في حجّيّة الإجماع، و في تحصيله، و يمكن حمل قوله: «خلافيّة» على كون المسألة نظريّة، و ليست بضروريّة حتّى لا يحتاج فيها إلى الاجتهاد أو التقليد.

[المسألة 6] لا تقليد في الضروريات‏

المسألة 6: في الضروريّات لا حاجة إلى التقليد كوجوب الصلاة و الصوم و نحوهما، و كذا في اليقينيّات إذا حصل له اليقين، و في غير هما يجب التقليد إن لم يكن مجتهداً إذا لم يمكن الاحتياط، و إن أمكن تخيّر بينه و بين التقليد.

إنّ التقليد يكون في المسائل النظريّة من الفقه الإسلامي؛ ليرتفع به جهل العامّي بها، فلا تقليد و لا اجتهاد في الأحكام الإسلاميّة البديهيّة، و كذا لا اجتهاد و لا تقليد فيما حصل له اليقين من أحكامها، فلا وجه لاختصاص عدم التقليد فيهما، فإنّه لا اجتهاد فيهما أيضاً.

236

و من هنا يمكن تصحيح أعمال كثير من العوامّ الذين ليسوا بمقلّدين لأحد من المفتين؛ لحصول اليقين لهم بها من أيّ شي‏ء حصل، و لو من قول أحد.

ثمّ إنّ عدم ذكر مثال في المتن لليقينيّات؛ لعلّه من جهة اختلافها بحسب الأحوال و الأشخاص؛ إذ قد يكون حكم عند أحد يقينيّاً و ليس بيقيني عند آخر، أو يكون يقينيّاً في حال دون حال.

و علّل صاحب المستمسك عدم الاحتياج إلى التقليد في الضروريّات و اليقينيّات ب:

وضوح أنّ وجوب العمل شرعاً برأي الغير حكم ظاهري كوجوب العمل بظاهر الحجج، و من المعلوم: أنّ الحكم الظاهري يختصّ جعله بحال الشكّ، فيمتنع جعل حجّيّة رأي الغير مع العلم‏ (1).

أقول: وجوب العمل برأي الغير كوجوب العمل بسائر الحجج حكم واقعي، و ليس بحكم ظاهري، فإنّ عدم جعل طريق من ناحية الشارع لمعرفة أحكامه، أو عدم إمضاء طريق لها غير محتمل في حقّ الشارع، و الحكم الظاهري هو الذي يستفاد من مداليل تلك الحجج.

ثمّ إنّ المقصود من وجوب التقليد في غيرهما أنّه شرط للحكم بصحّة عبادات العامّي و معاملاته، فالوجوب إرشاد من العقل إلى ذلك، و قد مرّ في البحث عن المسألة الأُولى ما يفيد في المقام.

و أمّا تعيّن التقليد لغير المجتهد إذا لم يتمكّن من الاحتياط؛ فلأنّه إذا تعذّر أحد الطريقين تعيّن عند العقل سلوك الطريق الآخر، و هذا هو الحال في الواجب التخييري.

[المسألة 7] عمل العامّي بلا تقليد و احتياط

المسألة 7: عمل العامّي بلا تقليد و لا احتياط باطل.

يجب تقييد إطلاق قوله: «باطل» بالمسألة السابقة، فيقال: عمل العامّي في‏

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 10.

237

غير الضروريّات، و في غير ما حصل له اليقين به بلا تقليد و لا احتياط باطل.

إذا تبيّن ذلك فنقول: التقليد للعامّي ليس بشرط في صحّة ما يأتي به من الأفعال الشرعيّة، بل هو طريق لحصول العلم بامتثال الأحكام، فإذا لم يحصل له العلم بمطابقة فعله لما أُمر به فعمله محكوم عند العقل بالبطلان.

و اعلم أنّ المراد ممّا أُمر به ما هو الأعمّ من المأمور به الواقعي أو الظاهري، أمّا المأمور به الواقعي فظاهر، و أمّا المراد من المأمور به الظاهري هو فتوى المفتي، و نعبّر عنها بالظاهري لاحتمال الخطإ في اجتهاده.

و بهذا البيان ظهر النظر في إطلاق قول الماتن: «باطل» إذ لو كان عمل العامّي بلا تقليد مطابقاً للواقع، أو مطابقاً لفتوى من يجوز تقليده حال العمل لحكم عليه بالصحّة، و بترتّب الأثر، و ذلك في المعاملات و الواجبات التوصّليّة واضح.

و أمّا حال الصحّة في عباداته فهي موقوفة على تمشّي قصد القربة من العامّي حال الإتيان بها إضافة على ما ذكر، فإذا قصد القربة و كانت عبادته مطابقة لما أُمر به واقعاً أو ظاهراً فالعبادة صحيحة، نعم، إذا كان الجهل بالمسألة مانعاً من تمشّي القربة منه فالعمل باطل من جهة عدم المطابقة؛ فإنّ من شروط العبادة إتيانها بقصد القربة.

الملاك للمطابقة

سؤال: هل الملاك في مطابقة عمل العامّي لفتوى من يجوز تقليده هو المطابقة في حال العمل لفتوى من يكون مفتياً في ذلك الحال، أو الملاك فيها هو المطابقة في حال النظر لفتوى من رجع إليه بعد ذلك؟.

إذا كان المرجعان مختلفين في الفتوى اختار صاحب المستمسك القول الثاني‏ (1) بلا ذكر دليل، و لست أدري، إذا وقع المأتي به مطابقاً لما قامت عليه الحجّة لماذا لا يقع صحيحاً، و لماذا لا يترتّب عليه الأثر؟! فما وقع صحيحاً لا يتغيّر عمّا هو عليه،

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 10.

238

فما وصف بالصحّة حال وقوعه لا يوصف بالفساد بعداً، و قول من رجع إليه بعداً بفساد العمل غير كاشف عن فساد العمل واقعاً؛ فإنّ حكمه حكم من عدل عن مجتهد إلى آخر.

ثمّ إنّ لازم قوله دام ظلّه أن لا يوصف فعله بالصحّة، و لا بالفساد في مقدار من الزمان، مع أنّه لا واسطة بينهما شرعاً و لا عقلًا.

نعم، لو اعتبر في صحّة عمل الاستناد إلى الفتوى لاحتمل كون الملاك حال النظر، فإنّ الاستناد لم يتحقّق إلا في ذلك الوقت إن قلنا بكفاية مطلق الاستناد، و عدم اشتراطه بكونه سابقاً على الفعل، لكن لم يذكر أحد في شرائط صحّة عبادات العامّي، و لا في شرائط صحّة معاملاته الاستناد إلى فتوى.

إنّ التقليد للعامّي طريق للعمل بالأحكام و لا موضوعيّة له، فهو نظير الاجتهاد للمجتهد.

و قد فسّر البطلان بعض الأساطين في تعليقته بالبطلان الظاهري‏ (1)، بمعنى عدم جواز الاقتصار على المأتي به ما لم تنكشف المطابقة، و لا بأس به لو لم يكن خلاف ظاهر التعبير.

[المسألة 8] التقليد بحسب الاصطلاح‏

المسألة 8: التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معيّن و إن لم يعمل بعد، بل و لو لم يأخذ فتواه، فإذا أخذ رسالته و التزم بما فيها كفى في تحقّق التقليد.

قد مرّ سابقاً أنّ الالتزام خارج عن التقليد، و أنّ حقيقة التقليد أمر من سنخ ما يقع التقليد فيه، و إلا لم يتحقّق تقليد.

فالموضوع لوجوب التقليد على العامّي في الأُمور الشرعيّة هو العمل دون غيره، و قد استوفينا البحث عن ذلك، فراجع.

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 34.

239

هل المرجع يجب أن يكون معيّناً؟

المتبادر من المتن تقوّم التقليد بقول مجتهد معيّن، و الحقّ عدم تقوّمه بذلك.

فإنّ المفتي إذا تعدّد فإمّا أن يكون المفتون متّفقين في الفتيا، أو مختلفين فيها، فإن كانوا متّفقين فيها فالتقليد عن بعضهم يكون تقليداً عن جميعهم؛ إذ لا موضوعيّة لقائل القول في تحقّق التقليد، بل القائل جهة تعليليّة لحجّيّة القول، و تمام الحجّيّة للقول، و لا مدخل للقائل فيها، و المفروض في البحث اتّحاد الأقوال، فلا اعتداد بالقائل.

و هذا الكلام يجري فيما يفسّر به التقليد؛ إذ الالتزام بقول أحد المجتهدين هو الالتزام بقول المجتهد الآخر، كما أنّ العمل بقول أحدهما عمل بقول الآخر؛ لأنّ الأقوال كلّها متساوية من جهة الحجّيّة، و من أنّ سيرة العقلاء القائمة على رجوع الجاهل إلى العالم غير متقوّمة بتعيين العالم عند وحدة النظر بين الخبراء، بل لا يشترط عندهم في رجوعهم إلى الخبراء معرفة نفس الخبير، فإذا حصلت لهم معرفة برأيه يعملون به من غير توقّف على معرفة صاحب الرأي واحداً أ كان أم متعدداً، كما أنّ الرجوع إلى أحد المفتين المتّفقين في الأقوال يصدق عليه أنّه رجوع إلى راوي حديثهم، من غير فرق في ذلك بين أن يكون ذلك المفتي معيّناً في نظر المستفتي أم غير معيّن، بل و إن كان غير معيّن بحسب الواقع.

نعم، أنكره صاحب المستمسك محتجّاً ب:

أنّ الفرد المردّد ليس له خارجيّة كي يصلح أن يكون موضوعاً للحجّيّة، أو غيرها من الأحكام. (1) و يرد عليه: أنّ الحجّيّة و ما شابهها من الأحكام الوضعيّة إنّما هي من الأُمور الاعتباريّة، و ليست من الأعراض الخارجيّة حتّى تكون مفتقرة إلى معروض خارجي؛ إذ حقيقة الأمر الاعتباري تابعة لكيفيّة اعتباره من ناحية من بيده الاعتبار.

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 13.

240

فانظر إلى العقلاء، فإنّهم يرون صحّة الاحتجاج بقول أحد الخبراء إن كانوا متّفقين في الآراء. و مثل ذلك إذا كانت النصوص متوافقة الدلالة على حكم، فإنّه يصحّ الاحتجاج عليه بأحدها غير المعيّن، كما يصحّ عليه الاحتجاج بالكلّ، أو بأحدها المعيّن.

و أمّا إذا كان المفتون مختلفين في الفتيا فقد قال صاحب المستمسك:

إنّه لمّا امتنع أن يكون الجميع حجّة للتكاذب الموجب للتناقض، و لا واحد معيّن لأنّه بلا مرجّح، و لا التساقط و الرجوع إلى غير الفتوى؛ لأنّه خلاف الإجماع و السيرة، فتعيّن أن يكون الحجّة هو ما يختاره. (1) أقول: للإشكال فيما ذكره مجال؛ لعدم كون الحصر حاصراً في جميع الصور التي أشار إليها؛ لإمكان الرجوع إلى أحوط الأقوال، أو إلى ما وافق المشهور، أو إلى ما يحتمل فيه الأصوبيّة، أو إلى خلاف من يكون الرشد في خلافهم، كما يمكن الرجوع إلى الأعدل أو الأصدق أو الأورع و نحو ذلك من المرجّحات.

و ثانياً: أنّ امتناع كون الجميع حجّة للتكاذب الموجب للتناقض إنّما يستلزم إذا قلنا ببقاء الجميع على المنجّزيّة، و أمّا لو قلنا بأنّ المنجّزيّة تسقط عن الكلّ بسبب التعارض، و لكنّ المعذّريّة باقية، فلا مانع من هذا القول.

و قد أشبعنا الكلام سابقاً في ذلك، و أنّ دليل حجّيّة الفتوى مغاير بحسب الدلالة مع دليل حجّيّة الخبر، و أنّهما لا يرتضعان من لبن أحد، و دلالة دليل حجّيّة الفتوى تكون بحيث لا يتصوّر فيها التعارض، فراجع.

[المسألة 9] تقليد الميّت‏

المسألة 9: الأقوى جواز البقاء على تقليد الميّت، و لا يجوز تقليد الميّت ابتداء.

قد مرّ تحقيق البحث عن كلا شطري المسألة، و ليس عندنا شي‏ء من البحث يزيد

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 13.

241

على ما سبق، فراجع.

[المسألة 10] العود إلى تقليد الميّت‏

المسألة 10: إذا عدل عن الميّت إلى الحيّ لا يجوز له العود إلى الميّت، للمسألة صور ثلاث:

الصورة الأُولى: أن يكون البحث عن العود على القول بوجوب البقاء على تقليد الميّت، و الحكم في هذه الصورة وجوب العود؛ لانحصار الحجّة في قول الميّت، فالعدول إلى الميّت عدول عن غير الحجّة إلى الحجّة، فإنّه على هذا الفرض كان تقليده للحيّ كلا تقليد من جهة فساده، و المظنون خروج هذه الصورة عن مفروض الكلام في المتن، فإنّ المتبادر منه كون الرجوع إلى الحيّ كان على وجه صحيح.

الصورة الثانية: أن يكون البحث عن العود على القول بعدم جواز البقاء، و الحكم فيها عدم الجواز.

فإنّ المفروض عدم حجّيّة قول الميّت، و انحصار الحجّة في قول الحيّ، فالعود يصير من أفراد العدول من الحجّة إلى غير الحجّة.

الصورة الثالثة: أن يكون البحث عنه على القول بجواز البقاء، و تخيير المقلّد بين البقاء على تقليد الميّت و بين الرجوع إلى الحيّ، إمّا لكونهما متساويين في الفضل، أو لتعميم التخيير لصورة التفاضل أيضاً، و هذه الصورة هي التي تليق لأن يبحث عنها، و ما يمكن أن يدلّ على عدم الجواز أُمور:

الأوّل: الإجماع، و نقصد منه ما ادّعى على عدم جواز العدول من الحيّ إلى الحيّ، كما سيجي‏ء في المسألة الاتية.

و الاستدلال بهذا الإجماع لهذا البحث إمّا بالأولويّة، أو بتنقيح المناط في معقد الإجماع؛ بأن يقال: إنّ الملاك فيه عدم جواز العدول من مجتهد إلى مثله، و ذكر الحياة في المعدول إليه لا موضوعيّة له، بل هو من باب المثال، و أمّا في المعدول عنه، فيمكن أن تكون الحياة دخيلًا فيه.

242

الثاني: صيرورة العود إلى الميّت تقليداً ابتدائيّاً له، فإنّه ليس ببقاء للتقليد السابق.

الثالث: الأصل العقلي الحاكم بالتعيين في صورة دوران الحجّة بين التعيين و التخيير؛ لعروض الشكّ في حجّيّة فتوى الميّت، و حصول العلم بحجّيّة فتوى الحيّ؛ لأنّ حجّيّة فتوى الحيّ بعد العدول إليه إن كانت تخييريّة فقول الميّت حجّة أيضاً، و إن كانت تعيينيّة فقول الميّت ليس بحجّة، فرأي الحيّ معلوم الحجّيّة لكونه حجّة في كلا الفرضين، و رأي الميّت مشكوك الحجّيّة لعدم كونه حجّة في أحد الفرضين، و الشكّ في حجّيّة الأمارة مستلزم للحكم بعدم حجّيّتها؛ إذ لا يمكن الاحتجاج بها.

أقول: و في جميع هذه الأدلّة نظر:

أمّا الإجماع فالأولويّة القطعيّة منتفية بعد ثبوت مساواة الميّت للحيّ. و أمّا تنقيح مناط الإجماع فهو مناف لما عليه الكلّ من أنّ الأخذ بالإجماع إنّما يكون بالمتيقّن من مدلوله، و لنا في أصل تحقّق الإجماع كلام يأتي إن شاء الله تعالى.

و أمّا كون العود إلى تقليد الميّت من التقليد الابتدائي فيرد عليه ما مرّ: من أنّه لم يرد في لسان أدلّة التقليد لفظ الابتداء أو البقاء حتّى يقع البحث عن صدق أحد العنوانين و عدمه.

فالمتّبع حينئذ دلالة الأدلّة، و لا دليل على عدم جواز تقليد الميّت، و إن فرض وجود دليل فهو الإجماع دون غيره، و المتيقّن من مفهوم معقده المجمل عدم جواز التقليد للميّت إذا لم يسبقه تقليد بأيّ معنى من معانيه.

مضافاً إلى أنّ التقليد العودي ليس بتقليد ابتدائي قطعاً إذا قصد التكلّم في مفهوم هذا العنوان.

و أمّا الجواب عن الأصل العقلي فقد تكرّر منّا أنّ التخيير إن كان من قبيل التخيير العقلي فالمرجع في دوران الأمر بينه و بين التعيين هو البراءة عن التعيين، و إن كان من قبيل التخيير الشرعي فالمرجع في الدوران قاعدة الاشتغال الحاكمة بالأخذ بالمتيقّن الذي هو التعيين، و مورد البحث من قبيل الأوّل؛ لأنّ الشكّ و الترديد بين التعيين و التخيير مسبّب عن الشكّ في اشتراط الحياة في المفتي، و المرجع للشكّ في اشتراط أمر

243

عند وجود إطلاقات هو البراءة عنه، ثمّ إنّ الشكّ في حجّيّة قول الميّت مجرى لاستصحاب بقاء الحجّيّة من زمان حياته، و هذا الأصل الشرعي حاكم على قاعدة الاشتغال على فرض تسليم جريانها.

هذا تمام البحث على مسلك القوم، و أمّا على ما سلكناه فإطلاقات أدلّة التقليد حاكمة، فالأقوى جواز العود في هذه الصورة أيضاً.

[المسألة 11] العدول عن الحيّ إلى الحيّ‏

المسألة 11: لا يجوز العدول عن الحيّ إلى الحيّ إلا إذا كان الثاني اعلم.

اختلفوا في جواز العدول عن الحيّ إلى الحيّ، فقد حكي عن العلامة في النهاية و الكركي و الشهيد الثاني اختيار الجواز، و قال قوم بعدم الجواز، و هو المحكي عن الشهيد في الذكرى و الشيخ الأنصاري‏ (1)، و اختاره في المتن، و استدلّ للقول بعدم الجواز بأُمور:

الأوّل: الإجماع، قال في المستمسك: «حكاه غير واحد». (2) الثاني: الأصل العقلي الاشتغالي الحاكم بالأخذ بالمتيقّن، و هو التعيين عند دوران الأمر بينه و بين التخيير.

و بيانه: أنّ البقاء على فتوى المعدول عنه واجب تعييني إذا لم يجز العدول إلى غيره، و واجب تخييري إذا جاز، فالبقاء متيقّن الحجّيّة، و العدول مشكوك الحجّيّة.

الثالث: أنّ جواز العدول مستلزم لجواز المخالفة القطعيّة، كما إذا أفتى المعدول عنه بوجوب القصر لمن سافر أربعة فراسخ قاصداً مبيت ليلة ثمّ الرجوع، و أفتى المعدول إليه بوجوب التمام في المسألة، فقلّد الأوّل في صلاة الظهر، و قلّد الثاني في صلاة العصر، فهو بعد الفراغ من العصر يعلم بفساد إحدى الصلاتين، و جواز العدول مستلزم للحكم‏

____________

(1) انظر دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 62 و 63.

(2) المستمسك، ج 1، ص 25.

244

بصحّتهما الملازم للعلم بالمخالفة القطعيّة.

الرابع: استصحاب حجّيّة فتوى المعدول عنه، فإنّها بعد ما صارت بسبب اختيار المكلّف حجّة فعليّة، فإذا أراد العدول يحدث الشكّ في بقائها على الحجّيّة، أو خروجها عنها.

و التحقيق أن جميع هذه الأُمور لا يخلو من خلل.

أمّا الأمر الأوّل: فلأنّ المسألة حادثة فلا سبيل إلى الاستدلال بالإجماع.

فكلّ مسألة لا يكون مبحوثاً عنها بين القدماء لا يصغى إلى دعوى الإجماع فيها، و لا يمكن إحراز تعبّديّته على فرض التسليم للدعوى؛ لاحتمال اعتماد المجمعين على قواعد عقليّة، أو شرعيّة، ممّا أُشير إليها.

و أمّا الأمر الثاني: فلأنّه على فرض تماميّته مفيد عند عدم وجود دليل على الخلاف، مع أنّه غير تامّ في نفسه؛ لأنّ مرجع هذا الشكّ إلى الشكّ في اشتراط المفتي بوصف عدم سبق تقليد غيره، و لم يذكر أحد منهم هذا الوصف في أوصاف المفتي، فهم متّفقون على عدم اعتباره فيه، و لو كان هذا الوصف معتبراً شرعاً في المفتي لبان، مضافاً إلى أنّ استصحاب التخيير مقدّم على ذلك الأصل العقلي، و أورد في المستمسك على استصحاب التخيير، بأنّه معارض باستصحاب عدم حجّيّة فتوى من يريد العدول إليه قبل الاختيار (1).

و الصواب عدم ورود هذا الإيراد، فإنّه إن أراد من عدم حجّيّة فتوى من يريد العدول إليه عدم حجّيّة فتواه شأناً فهو باطل؛ فإنّ الحالة السابقة وجود هذه الحجّيّة كما هو المفروض، و إن أُريد عدم حجّيّته فعلًا فهو معلوم، فإنّ حجّيّة فتواه الفعليّة مشروطة بالاختيار.

ثمّ إنّ سيرة العقلاء أيضاً حاكمة بجواز العدول؛ فإنّ الرجوع إلى خبير غير مانع عندهم عن الرجوع إلى آخر، و الإيراد عليها بأنّها غير شاملة لصورة الاختلاف، إلا إذا

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 25.

245

كان المعدول إليه أعلم من جهة عدم الفرق في وجوب الرجوع إلى الأعلم عندهم بين أن قلّد غيره أم لا غير وارد؛ كما مرّ أنّ سيرتهم قائمة على التخيير في الرجوع إلى أيّ واحد من الخبراء في صورة العلم الإجمالي باختلافهم في الأنظار.

و أمّا سيرتهم في صورة العلم التفصيلي باختلاف الخبيرين في النظر فليست بقائمة على الرجوع إلى الأعلم، كما اشتهر في ألسنة المعاصرين، فإنّ سيرتهم عندئذ قائمة على أمر آخر، أشرنا إليه في البحث عن تقليد الأعلم.

و أمّا الأمر الثالث: فبيان الخلل فيه أنّ تماميّة هذا الدليل مستلزمة للقول بوجوب البقاء على تقليد الميّت مطلقاً، و بحرمة العدول من المفضول إلى الأفضل، و بحرمة العدول إلى فقيه آخر إذ عرض لمرجعه ما يزول به وصف جواز التقليد، و بعدم جواز العمل بالفتوى الثانية عند تبدّل رأي المرجع من الأُولى، و لا يمكن القول بأحدها لفقيه.

و ثانياً: أنّ تماميّة هذا الدليل مستلزمة للقول بعدم حجّيّة الاستصحاب مطلقاً، فإنّها أيضاً مستلزمة لجواز المخالفة القطعيّة، و إليك المثال: إنّ المسافر إذا شكّ في خروجه عن حدّ الترخّص يجب عليه التمام بالاستصحاب، و عند الرجوع يجب عليه القصر في ذلك المكان بالاستصحاب.

و ثالثاً: أنّها داخلة في مسألة أجزاء الأمر الظاهري عن الواقع.

و رابعاً: أنّ حدوث مورد يجب فيه العمل بالاحتياط لخصوصيّة في مورده غير مستلزم للقول بعدم جواز العدول في كلّي المسألة.

أما الأمر الرابع: فبيان الخلل فيه أنّه إن أريد من حجّيّة قول المعدول عنه حجّيّته الفعليّة المشروطة بالرجوع فهي باقية و ليست بمشكوكة البقاء، و إن أريد منها الحجّيّة الفعليّة المطلقة فهي لم تكن ثابتة لقوله من أوّل الأمر، فليست لها حالة سابقة.

و أُورد عليه أيضاً: أنّ استصحاب التخيير حاكم على هذا الاستصحاب؛ إذ بعد الأخذ بقول أحدهما يشكّ في زوال الحجّيّة الشأنيّة عن قول الآخر، فيجري‏

246

الاستصحاب فيها، أو يستصحب نفس التخيير الذي كان بينهما قبل الرجوع و التخيير حكم شرعي.

أقول: حكومة استصحاب التخيير على ذلك الاستصحاب محلّ نظر، إلا أن يقال: إنّ استصحاب التخيير مانع عن ثبوت الحجّيّة الفعليّة لقول المعدول عنه، و كيف كان، فلا إشكال في معارضته له.

و قد يجري الاستصحاب في المسألة الفرعيّة، فيحكم ببقاء فعليّة الأحكام التي أفتى بها المجتهد المعدول عنه، كوجوب القصر، أو الجمعة مثلًا.

و الجواب الجواب، فإن أُريد من الفعليّة هي الفعليّة المطلقة فليست لها حالة سابقة، و إن أُريد منها الفعليّة المشروطة بالأخذ فذلك غير مناف لخروج الحكم عن الفعليّة بالعدول.

و اعلم أنّ الأمرين: الثالث و الرابع على فرض خلوّهما من الخلل مطلقان يدلان على عدم جواز العدول مطلقاً، فلا وجه لما في المتن من التفصيل، و اختيار الجواز إذا كان المعدول إليه أعلم.

احتجاج القول بجواز العدول وجهان:

أحدهما: سيرة المتشرّعة، فإنّها قائمة على التخيير في الرجوع إلى أيّ فقيه من الفقهاء.

أقول: إنّ قيام سيرتهم على العدول غير ثابت، و الثابت قيام سيرتهم على الرجوع إلى أيّ فقيه في أيّ واقعة جديدة، و هي غير دالّة على العدول بنحو الإطلاق؛ لاحتمال كونها من التقليد الابتدائي، بجواز تقليد كلّ مجتهد في أيّ مسألة.

و المفيد في البحث قيام السيرة على تقليد أحد في مسألة، ثمّ العدول إلى غيره في نفس المسألة.

نعم، السيرة العقلائيّة قائمة على العدول، و قد مرّ بيانها.

ثانيهما: إطلاقات أدلّة التقليد اللفظيّة، فإنّها كما تدلّ على التخيير البدوي كذلك تدلّ على التخيير الاستمراري.

247

و أورد عليه بعض الأساطين ب:

أنّه إن كان المراد منها الأدلّة الأوليّة على حجّيّة الفتوى فهي ساقطة في موارد معارضة الفتاوي؛ بناء على ما هو المختار في باب الأمارات من الطريقيّة، و إن كان المراد أدلّة التخيير فقد أشرنا سابقاً إلى أنّه لم يتمّ عندنا دليل على التخيير، لا في باب الأخبار؛ للمناقشة في سند ما دلّ على التخيير من الأخبار العلاجيّة. (1) و لنا في هذا الكلام نظر؛ لما عرفت من شمول أدلّة التقليد لموارد معارضة الفتاوى، و أنّ توهّم عدم الشمول قد نشأ من قياس دليل حجّيّة الفتوى بدليل حجّيّة الأمارة، و قد عرفت أنّه زعم باطل، و على فرض صحّة هذا التوهم لا وجه للحكم بالسقوط أيضاً؛ لأنّ التكاذب يرتفع بحملهما على المعذّريّة فقط، برفع اليد عن المنجّزيّة من جهة العلم بعدمها، مضافاً إلى أنّه يمكن القول بصحّة الاعتماد على دلالة الأخبار العلاجيّة الحاكمة بالتخيير عند تكافؤ الخبرين، إذن المناقشة مندفعة، و تحقيق الكلام في محلّه.

و من جميع ما ذكرنا ظهر الحال في القول باختيار أحوط القولين إذا كانا متساويين كما احتمله العلامة العراقي في تعليقته الاستدلاليّة (2)، و اختاره بعض الأساطين‏ (3) دام ظلّه، و هو القول بالتوقّف في المسألة، و مرجعه إلى القول بعدم الجواز.

[المسألة 12] تقليد الأعلم‏

المسألة 12: يجب تقليد الأعلم مع الإمكان على الأحوط، و يجب الفحص عنه.

قد مرّ ما هو مقتضى التحقيق في هذه المسألة، و لنتكلّم حول بعض ما في المتن من التعبير على مسلك القوم، فنقول: أمّا قوله: «يجب تقليد الأعلم» فلا يخل من نظر؛ لأنّ عدم جواز تقليد المفضول عند التمكّن من تقليد الأفضل غير مستلزم للقول بوجوب تقليد الأفضل لإمكان الاحتياط.

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 63.

(2) تعليقة استدلالية، ص 10.

(3) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 63.

248

و أمّا ما عن الشيخ الأنصاري من دعوى الإجماع على عدم لزوم الاحتياط على العامّي فهو غير مستلزم للقول بوجوب تقليد الأعلم. نعم، المستلزم لذلك هو الإجماع على حرمة الاحتياط عليه، و لا إجماع على ذلك، مع أنّ المتيقّن منه هو الاحتياط الواقعي، فلا يمنع من الذهاب إلى اختيار أحوط القولين.

و كذا قوله: «على الأحوط» فلا يخل من نظر أيضاً و إن كان مراده الاحتياط في المسألة الأُصوليّة؛ فإنّه لو كان دليل وجوب تقليد الأعلم تامّاً و فاقداً من الخلل لزم القول بالأقوى، و إن لم يكن خالياً من الخلل فلا وجه لجعل الاحتياط بوجوب الرجوع إلى الأعلم.

و نقول أيضاً: إنّ الماتن إن لم يكن قائلًا بوجود إطلاق في الباب حاكم بالتخيير فيلزم القول بوجوب تقليده على الأقوى، لأعلى الأحوط؛ فإنّ الشكّ في حجّيّة قول المفضول ملازم للحكم بعدم حجّيّته، و إنّ كان قائلًا بوجود إطلاق لزمه القول بعدم وجوب تقليد الأعلم، فلا وجه للاحتياط.

و كذا قوله: «يجب الفحص عنه» لا يخلو من نظر؛ إذ على فرض وجوب تقليد الأعلم لا يجب الفحص عنه أيضاً، لإمكان العمل بفتواه بالأخذ بأحوط الأقوال، و لعلّ الوجه لوجوب الفحص عنده أنّه بعد فرض ثبوت الاختلاف في الفتوى بين المفتين، و بعد فرض عدم جواز تقليد المفضول، فاشتباه الأفضل بغيره اشتباه الحجّة بلا حجّة.

و على هذا، يكون عدم جواز العمل بقول أحدهم قبل الفحص لا يختصّ بصورة العلم بوجود الأعلم، بل يتناول لصورة الشكّ في وجوده أيضاً.

حكم محتمل الأعلميّة

و لا يخفى أنّ حكم محتمل الأعلميّة حكم الأعلم إن قلنا بوجوب تقليد الأعلم؛ لعموم دلالة بعض الأدلّة المستدلّة عليه، مثل: دوران الأمر بين التعيين و التخيير، و لأنّ أصالة عدم بلوغه مرتبة الأعلم لا تثبت مساواته مع غيره التي هي الموضوع للحكم‏

249

بالتخيير على هذا القول، مع أنّها معارضة بأصالة عدم بلوغ غيره مرتبة التساوي معه، و لا يخفى اختلاف مجاري الأُصول في صورة اختلاف الأحوال السابقة.

و علّق بعض الأساطين على كلام الماتن: «على الأحوط» بقوله: «بل وجوبه مع العلم بالمخالفة و لو إجمالًا فيما تعمّ به البلوى هو الأظهر» (1).

و زيّف دام ظلّه كما في تقريره جميع ما استدلّ به للقول بالوجوب سوى بناء العقلاء، حيث قال:

عمدتها بناء العقلاء على العمل بقول الأعلم إذا اختلف مع غيره في مختلف الأنحاء الشرعيّة و العرفيّة. و استوضح ذلك من مراجعة الناس إلى الأطبّاء إذا كان أحدهم أعلم من الآخرين خالفوه في الرأي، فإنّه جرى عملهم على الأخذ برأيه و ترك رأي الباقين، و لم يثبت ردع من الشرع عن العمل به في الأحكام الشرعيّة.

و عليه فلا ينبغي الشكّ في لزوم العمل بفتوى الأعلم إذا كانت موافقة للاحتياط، و أمّا إذا كانت مخالفة له فالظاهر التخيير بينه و بين فتوى غير الأعلم؛ لبناء العقلاء على الرجوع إلى الأعلم و إن كان رأيه مخالفاً للاحتياط، فتكون فتواه حجّة في هذه الصورة أيضاً، و أمّا جواز العمل بفتوى غير الأعلم فإنّما هو من باب الاحتياط، لا الحجّيّة، فلا يصحّ إسناد الحكم الذي أفتى به إلى الله تعالى و إن كان موافقاً للاحتياط. (2) أقول: قد أشبعنا الكلام سابقاً حول هذه السيرة التي نحلوها إلى العقلاء، فراجع، و نزيدك هنا توضيحاً:

أنّك إذا نظرت إلى سيرتهم الجارية تجد أنّ سيرتهم قائمة على التخيير بين الرجوع إلى أيّ خبير من الخبراء في صورة العلم بوجود من هو الأفضل فيهم.

و من المعلوم: أنّه لو كانت سيرة الناس قائمة على الرجوع إلى أفضل الخبراء دائماً لمات كثير من الخبراء جوعاً؛ فإنّ الأكثريّة تتحقّق من المفضولين.

و إذا أحببت معرفة سيرتهم عند العلم التفصيلي باختلاف الأفضل و المفضول في‏

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 74.

(2) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 79.

250

الرأي فاصغ لما نتل عليك، و لها صور ثلاث:

الأُولى: أن يكون كلّ واحد من رأي الأعلم و رأي غيره مخالفاً للاحتياط.

مثلًا أفتى الطبيب الأفضل بتذريق إبرة لعلاج مريض قائلًا: إنّه لو لم يعمل بذلك لهلك المريض، و خطّأ الطبيب المفضول رأي الأفضل قائلًا: إنّ الإبرة مهلكة للمريض، أ تراهم يعملون بقول الأفضل عملًا أعمى؟ كِ، و قد مضى بيان سيرتهم في هذه الحالة.

الثانية: أن لا يكون كلّ واحد من الرأيين مخالفاً للاحتياط.

و قيام سيرة العقلاء على الرجوع إلى الأفضل في هذه الصورة في جميع فروضها مستلزم لانسداد باب معيشة جميع الخبراء المفضولين من جهة الرجوع إلى الأفضل.

الثالثة: أن يكون أحد الرأيين مخالفاً للاحتياط فقط.

و سيرتهم في هذه الصورة على العمل بما يوافق الاحتياط بلا ترديد، فأين قيام السيرة على العمل برأي الأفضل عند الاختلاف في الرأي؟.

و تحصّل من جميع ذلك عدم وجود سيرة للعقلاء بالرجوع إلى الأفضل عند اختلاف رأيه مع رأي المفضول، و من زعم ذلك فإنّما أخبر عمّا تخيّله، و لم ينظر إلى سيرتهم الخارجيّة الدائرة بينهم حتّى يخبر عنها.

و تحقيق البحث: أنّ العقلاء ليس لهم طريق تعبّدي، فإنّ الطريق عندهم واحد، و هو الذي يفيد الوثوق، و نقصد من الطريق التعبّدي ما يجب العمل به و إن كان غير مفيد للوثوق، فإذا صار رأي الأعلم معارضاً برأي غيره، فإمّا أن تكون إفادته للوثوق باقية أو زائلة، فعلى الأوّل يعملون به، و على الثاني لا يعتدّون به، و إلا يكون طريقاً تعبّدياً، هذا خلف، فليس عندهم قاعدة كلّيّة حاكمة بوجوب الرجوع إلى الأعلم في جميع الأحوال، و لا موضوعيّة لديهم لرأي الأعلم، بل هو عندهم طريق من الطرق.

[المسألة 13] تقديم الأورع‏

المسألة 13: إذا كان هناك مجتهدان متسايان في الفضيلة يتخيّر بينهما، إلا إذا كان أحدهما أورع فيختار الأورع.

251

قد مرّ الكلام مشبعاً في حكم التخيير بين المتساويين في العلم سابقاً فلا نعيد.

و أمّا الوجه في تقديم الأورع على الورع فقد حكي عن المحقّق الثاني دعوى الإجماع عليه‏ (1)، و يمكن الاستدلال عليه بقوله (عليه السلام) في خبر داود بن حصين: «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفّذ حكمه، و لا يلتفت إلى الآخر» (2)، و مثله مقبولة عمر بن حنظلة، (3) و روى أيضاً: بأنّه لا يحلّ الفتيا إلا لمن كان أتبع أهل زمانه برسول الله‏ (4)، الحديث، و قال صاحب المستمسك: «و يقتضيه أصالة التعيين الجارية عند الدوران بينه و بين التخير» (5).

أقول: أمّا الإجماع فلدعوى عدم ثبوته مجال، و الشاهد عليها كلام المرتضى في الذريعة. (6) و قد حكيناه سابقاً، و على فرض تسليم ثبوته فالكلام في تعبّديّته.

و أمّا الخبران فقد مرّ بيان اختصاصهما من حيث الدلالة بقاضي التحكيم، فإسراء الحكم منه إلى المفتي مع ما بينهما من الفروق محتاج إلى الدليل.

و أمّا الرواية فمع ما فيها من الإرسال أنّ ظهورها خلاف لأقوال الأئمّة «و سيرتهم؛ إذ لو كانت الفتيا غير جائزة إلا لمن كان أتبع أهل زمانه لرسول الله فكيف كانوا يرشدون إلى رجلين من فقهاء صحابتهم؟! مع أنّ الاستحالة العادية قاضية في المساواة في الورع، مضافاً إلى أنّ الرواية غير معمول بها بين الأصحاب؛ فإنّ كثيراً من الأصحاب قائلون بتقديم الأفضل على الكلّ، و الأورع داخل في المفضّل عليه، فالأولى حملها على تحريض المفتي إلى الورع.

____________

(1) حكاه السيّد الحكيم في المستمسك، ج 1، ص 31؛ راجع دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 94.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 113، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 20؛ الفقيه، ج 3، ص 5 ح 17؛ تهذيب الأحكام، ج 6، ص 301، ح 843.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 106، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح 1.

(4) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 94.

(5) المستمسك، ج 1، ص 31.

(6) الذريعة إلى أُصول الشريعة، ج 2، ص 317.

252

و أمّا أصالة التعيين فلا رجحان عند العقل لخبر الأورع على خبر الورع بعد حصول الوثوق من خبر الورع، فلا يدور الأمر بين التعيين و التخيير.

و بعبارة أُخرى: أنّ احتمال التعيين يجب أن يكون ناشئاً ممّا يكون له دخل في الطريقيّة و الإراءة، أو في الحجّيّة، و إلا فلا اعتداد بصرف هذا الاحتمال عند العقل، و من المعلوم، أنّ الأورعيّة ليس لها دخل في أيّهما، مضافاً إلى ما مرّ حول هذا الكلام في البحث عن تقليد الأعلم.

ثمّ إنّ العقلاء غير قائلين باشتراط العدالة و الورع في العمل بقول الخبير، فلا يسألون عن عدالة طبيب أو مقوّم عند قصد الرجوع إليه، نعم، لا يعملون بقول من يساء به الظنّ، و ذلك غير اشتراط العدالة، و الورع فيه، فاشتراط مثل هذا الوصف في المفتي يجب أن يكون من ناحية الشرع، و قد عرفت عدم وصول دلالة من ناحيته في هذا الباب، فالظاهر أنّ إطلاقات الباب حاكمة بالتخيير بين الأورع و غيره.

و اعلم أنّه لا فرق فيما ذكرنا من التخيير بين الأورع و غيره في أن تكون الأورعيّة في مقام العمل الشخصي، أو في مقام الاستنباط، بأن يكون مبالغاً في بذل جهده في الإحاطة بمدارك الحكم، بحيث لم تحصل له الأفضليّة، و إلا فيكون داخلًا تحت عنوان الأفضل.

[المسألة 14] إن لم تكن للأفضل فتوى‏

المسألة 14: إذا لم تكن للأعلم فتوى في مسألة من المسائل يجوز في تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم و إن أمكن الاحتياط.

هذه المسألة مبتنية على القول بوجوب تقليد الأعلم، و عليه فاللازم اشتراط مراعاة الأعلم فالأعلم بين المفضولين، و جملة القول فيها أنّه إذا لم تكن للأعلم في مسألة فتوى و قد صارت محلّا لابتلاء المستفتي فوجود الأعلم في هذه الحالة كالعدم، فإن كان بين المفضولين من هو أفضل من البقيّة فيجب الرجوع إليه إن كان له رأي في تلك المسألة، و إلا فإلى الأفضل بعده فالأفضل؛ لما مرّ من الأدلّة، فإن لم يكن هناك أفضل‏

253

فالحال كصورة تعدّد المفتين مع مساواتهم في الفضيلة.

ثمّ إنّ إطلاق المتن لا يخل من إشكال؛ لأنّ ما ذكره إنّما يصحّ إذا كان عدم فتوى للأعلم من جهة عدم مراجعته للأدلّة، و أمّا إذا كان في صورة مراجعته للأدلّة، و عدم حصول فتوى له من جهة مشاهدته نقصاً في دلالة الأدلّة، إمّا من حيث نفسها، أو من حيث معارض يعارضها، فالرجوع إلى غيره في هذه الصورة محلّ منع؛ لأنّ رأي المفضول حينئذ غير صحيح في نظر الأفضل؛ لأنّه يرى عدم وفاء المدارك بحكم المسألة، و لعلّه لذلك ما كان يجيز العلامة الخراساني الرجوع فيما يقول بالاحتياط إلى غيره‏ (1)، و من المعلوم أنّ الاحتياط في الفتوى كثيراً ما يكون من هذا القبيل.

[المسألة 15] تقليد الميّت في مسألة البقاء

المسألة 15: إذا قلّد مجتهداً كان يجوّز البقاء على تقليد الميّت فمات ذلك المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة، بل يجب الرجوع إلى الحيّ الأعلم في جواز البقاء و عدمه.

لا يجوز تقليد الميّت في مسألة البقاء على تقليده و إن كان العامّي مقلّداً له في المسائل الفرعيّة؛ لأنّ الميّت إن كان رأيه جواز البقاء فجواز تقليده في هذه المسألة مستلزم للدور، و كذلك إن كان رأي الميّت وجوب البقاء فاللازم هو الرجوع إلى الحيّ في نفس هذه المسألة سواء أ كان قائلًا بعدم جواز البقاء، أم بوجوبه، أو بجوازه فإذا بقي على تقليد الميّت بإجازة الحيّ ثمّ مات الحيّ فلا يجوز تقليده أيضاً في هذه المسألة، أمّا بدون إجازة حيّ ثالث فقد مرّ وجهه، و أمّا بعد الرجوع إلى حيّ ثالث، فإن توافق رأياهما بحسب المدلول سعة و ضيقاً، أو كان رأي الثالث أوسع مدلولًا، فلا ثمرة في الرجوع إلى الثاني في هذه المسألة بعد الرجوع إلى الثالث؛ فإنّه كضمّ الحجر إلى الإنسان.

____________

(1) كفاية الأُصول، ص 542.

254

نعم، إذا كان رأي الثاني أوسع مدلولًا كما لو كان مجوّزاً للبقاء فيما عمل، و فيما لم يعمل، و كان الثالث مجوّزاً للبقاء فيما عمل فقط، و المفروض عمل العامّي برأي الثاني في هذه المسألة، فيرجع العامّي إلى الثاني بعد رجوعه إلى الثالث، و يبقى على تقليده للأوّل فيما عمل به و فيما لم يعمل به. هذا كلّه إذا كان الثاني و الثالث متّفقين في الحكم التكليفي بالبقاء. و أمّا إذا كانا مختلفين فيه بأن كان رأي أحدهما وجوب البقاء و رأي الآخر جوازه، فالمرجع هو رأي الثالث؛ فإن رأي الثاني قد سقط عن الحجّيّة بواسطة اختلافه عن رأي الثالث، لأنّ حجّيّته قد أتت بدلالة من رأي الثالث، و الدليل لا يقوم على أمر يوجب إثبات ذلك الأمر انتفاء دلالة الدليل، و انتفاء دلالته مستلزم لعدم حجّيّة رأي الثاني، فإنّ الدلالة على حجّيّته صارت منتفية.

مثلًا: إذا كان رأي الثاني وجوب البقاء، و رأي الثالث الجواز، فلا أثر عمليّاً لتقليده بعد الرجوع إلى الثالث؛ لكون الرجوع إلى الحيّ جائزاً بسبب رأي الثالث، و إن كان رأي الثالث وجوب البقاء فالواجب على المقلّد هو البقاء على تقليده و إن كان الثاني مفتياً بجواز البقاء؛ لأنّ حجّيّة رأي الثاني مشروطة بعدم تنافيه لرأي الثالث الذي تقوم حجّيّة رأي الثاني عليه، و قد تقرّر أنّ الحجّة لا تقوم على أمر يوجب انسلابها عن الحجّيّة.

[المسألة 16] الجاهل المقصّر و القاصر

المسألة 16: عمل الجاهل المقصّر الملتفت باطل و إن كان مطابقاً للواقع، و أمّا الجاهل القاصر أو المقصّر الذي كان غافلًا حين العمل، و حصل منه قصد القربة، فإن كان مطابقاً لفتوى المجتهد الذي قلّده بعد ذلك كان صحيحاً، و الأحوط مع ذلك مطابقته، لفتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده حين العمل.

ينبغي تقديم أُمور لعلّها تفيدنا في البحث عن هذه المسألة:

الأوّل: الظاهر أنّ المراد من قوله: «عمل الجاهل المقصّر» هو عباداته‏

بقرينة لفظ البطلان؛ فإنّه كثير الدوران في ألسنتهم، و يستعمل فيما لا يصحّ من العبادات، كما أنّ‏

255

الاصطلاح عندهم هو الفساد فيما لا يصحّ من العقد و الإيقاعات، و يشهد لما استظهرناه من كلامه قوله: «و حصل منه قصد القربة.»

الثاني: أنّ المقصود من الجاهل المقصّر

من كان ملتفتاً إلى أنّه مكلّف بتكاليف لكنّه لم يتعلّم تلك التكاليف تهاوناً، و المقصود من الجاهل القاصر من لم يكن ملتفتاً إلى تكاليفه.

الثالث: أنّ الملحوظ في هذه المسألة مطابقة عمل الجاهل للواقع أو لفتوى المجتهد

، بخلاف «مسألة 7» فإنّه لم يلحظ فيها هذه الخصوصيّة، فهذه المسألة أخصّ مدلولًا من تلك، على أنّه قد فصّل هنا بين مصاديق الجاهل بخلافه هناك، فقد تكلّم فيها بنحو الإجمال.

إذا تبيّنت الأُمور الثلاثة فنقول: إنّ البحث في هذه المسألة مشتمل على جهتين:

الجهة الأُولى: في حكم عمل الجاهل المقصّر الملتفت إلى جهله‏

. و قد اختار فيه البطلان، و ما يمكن أن يحتجّ به على هذا القول أُمور:

منها: الإجماع.

و فيه: أنّ المسألة ممّا يمكن أن يكون العقل فيها حاكماً، فلا مجال لدعوى تعبّديّة الإجماع، أُضيف إلى ذلك أنّ ثبوت أصل الاتّفاق غير معلوم.

سلّمنا ثبوت الاتّفاق، و سلمنا ثبوت تعبّديّته، لكن المتيقّن منه عدم جواز اكتفاء الجاهل بعمله.

و أمّا عدم صحّته واقعاً فلا دلالة عليه.

و منها: عدم تمشّي قصد القربة من الجاهل المقصّر.

فإنّ الشاكّ في مقرّبيّة شي‏ء كيف يمكنه التقرّب به إلا على وجه التشريع؟.

و فيه: أنّ الشاكّ في مقرّبيّة شي‏ء لا يمكنه التقرّب به على الوجه اليقيني، و أمّا على الوجه الاحتمالي فهو قادر عليه؛ إذ يكفي في صحّة العبادة بعد المطابقة إتيان الفعل برجاء كونه عبادة؛ لأنّ العقل لا يشترط في مقام الامتثال أكثر من ذلك، نعم، لا يجوز له الاكتفاء بالعمل ما لم تتبيّن له الصحّة؛ لأنّها تدور مدار المطابقة لكونها أمراً

256

ثبوتيّاً، بخلاف الاكتفاء فإنّه أمر إثباتي يدور مدار قيام الحجّة على الصحّة، مضافاً إلى أنّ الجاهل قد يحصل له القطع بصحّة عمله كما نشاهد كثيراً.

و منها؛ ما ذكره الشيخ الأنصاري في التنبيه الثاني من تنبيهات البحث عن الشبهة الموضوعيّة الوجوبيّة في رسالة البراءة:

و هو أنّ من قصد الاقتصار على أحد الفعلين فهو ليس بقاصد لامتثال الواجب الواقعي على كلّ تقدير، نعم، هو قاصد لامتثاله على تقدير مصادفة هذا المحتمل للواقع، لا مطلقاً، و هذا غير كاف في العبادات المعلوم وقوع التعبّد بها. (1) ثمّ قال (قده): «ما علم فيه ثبوت التعبّد بأحد الأمرين، فإنّه لا بدّ فيه من الجزم بالتعبّد» (2).

أقول: إنّ اشتراط الجزم بالتعبّد في عباديّة العبادة ممنوع، فإنّ المعتبر فيها بعد المطابقة كون الداعي لإتيان الفعل هو المولى فقط، فمن يكون قاصداً للامتثال على تقدير مطابقة هذا المحتمل يكون عمله صحيحاً إذا طابق الواقع؛ إذ العقل لا يعتبر في الامتثال أكثر من ذلك، و إذا كان أمر معتبر في الامتثال أكثر من ذلك فيجب أن يكون من قبل الشرع؛ إذ للشارع حقّ التصرّف في مقام امتثال أو أمره و نواهيه، و من المعلوم أنّه لم يرد شي‏ء في ذلك من الشرع، و لو كان لبان، فعدم وروده كاشف عن عدم اشتراط شي‏ء زائد على ما يراه العقل عند الشرح في تحقّق الامتثال.

و منها: أنّ الامتثال على تقدير تعلّق الأمر بفرد من الأفراد مستلزم للإخلال بقصد الخلوص، فلو كان الداعي للامتثال نفس الأمر لكان أتياً بجميع محتملات المأمور به، و ذلك كاشف عن أنّ الداعي مركّب من الأمر و من تعلّقه بمورد خاصّ، و هو مضرّ بالعبادة كما لا يخفى، و فيه:

أوّلًا: بعد كون المفروض مطابقة الفعل للواقع، فالامتثال على تقدير تعلّق الأمر بالمأتي به امتثال للأمر المتوجّه نحوه بلا ضميمة، فهذا الجاهل لم يقصد شيئاً زائداً على‏

____________

(1) فرائد الأُصول، ج 2، ص 455.

(2) فرائد الأُصول، ج 2، ص 455.

257

الأمر المتوجّه نحوه، فلم يكن الداعي مركّباً.

و ثانياً: أنّ الامتثال الاحتمالي برجاء كون الفعل هو المأمور به شي‏ء، و الامتثال على تقدير تعلّق الأمر بفرد مخصوص شي‏ء آخر، و هو قاصد للأوّل دون الثاني، فإنّ نفي الفرد الآخر مقوّم للقصد في الثاني، و ليس بمقوّم لامتثال الاحتمال الرجائي في الأوّل، و الفرق واضح.

فظهر ممّا ذكرنا صحّة عمل الجاهل المقصّر إذا أتى بفعل برجاء المطابقة للواقع و طابق الواقع، و قد مرّ في «مسألة 7» ما يرتبط بالمقام.

و لا يعدّ خافياً على أحد أنّه لا ثمرة عمليّة للنزاع في هذا البحث؛ لعدم السبيل إلى معرفة مطابقة الواقع إلا في الضروريّات، و أمّا اليقينيّات فهي تابعة ليقين الجاهل شخصاً.

و يمكن إدخال هذا البحث تحت عنوان البحث في الجهة الثانية التي يبحث فيها عن مطابقة العمل لرأي المجتهد، لكن ذلك خلاف ظاهر المتن حيث جعلها قسمين.

الجهة الثانية: في بيان حكم عمل الجاهل المقصّر الغافل حين العمل، أو الجاهل القاصر

إذا طابق العمل لفتوى المجتهد.

و إنّما لم يتعرّض لصورة مطابقة عمل كلّ منهما للواقع؛ لأنّ الصحّة الواقعيّة غير مفيدة ما لم تكن محرزة، و السبيل للإحراز هو المطابقة لفتوى المجتهد.

و هل المجتهد هو الذي كان يجب عليه الرجوع إليه حال العمل، أو هو الذي رجع إليه بعد العمل، أو كليهما، أو أحدهما؟ أقوال.

و تحقيق البحث: أن يقال لمّا كانت حجّيّة الحجّة مشروطة بالعلم، و إنّ علم الجاهل بفتوى من كان مفتياً في حال العمل، و من كان مفتياً في حال الرجوع، و هو بعد العمل طبعاً حصل في زمان واحد، فيصحّ الاعتذار بمطابقة عمله لفتوى كلّ منهما.

فالأقوى هو القول الأخير، و هو أنّ الملاك مطابقة عمله لقول أحدهما، فإنّ كلّ واحد من القولين حجّة واصلة، و الوصول مقوّم لفعليّة الحجّة، بل و لحجّيّة الحجّة، و ذلك نظير رجوع العامّي للتقليد عند تعدّد المفتي في زمان واحد، فإنّه يصحّ طريقيّة

258

كلّ واحد منهم إلى الواقع.

و ما ذكرناه في المسألة السابعة من أنّ لازم القول الثاني أن لا يوصف المأتي به بالصحّة، و لا بالفساد عند وقوعه، و في برهة بعد زمان وقوعه، مع أنّه لا واسطة بينهما شرعاً، و لا عقلًا. يجاب عنه: بأنّه ليس الكلام في الصحّة الواقعيّة، فإنّه قد اتّصف العمل بها أو بنقيضها عند وقوعه، بل الكلام في الصحّة الظاهريّة، و هي التي نقصد منها الاكتفاء بها في مقام الامتثال، و هذه لا تعرف إلا بعد العلم بالحجّة.

و أمّا ما قيل: «من أن فتوى المجتهد الأوّل سقط عن الحجّيّة بقاءً» فلا يخلو من خلل؛ لأنّه إذا فرض عروض الحجّيّة لهذه الفتوى هو كذلك قطعاً، فالحكم بسقوطها عن الحجّيّة بقاءً يحتاج إلى دليل حاكم على الاستصحاب، و إذا فرضنا عدم عروض الحجّيّة لها فلا ثبوت للحجّيّة فضلًا عن سقوطها.

و ذهب المدقّق الأصفهاني إلى أنّ الملاك هو المطابقة لرأي المجتهد حال العمل، محتجّاً بأنّ الفتوى حجّة على العامّي، و منجّزة لتكاليفه، من حين وجوب رجوعه إلى ذلك المفتي، فتؤثّر في الوقائع المتجدّدة و الأعمال المستقبلة.

و وجوب القضاء و عدمه هنا و إن كان مربوطاً بالأعمال المستقبلة، لكنّه فرع بطلان العمل، و صحّته المنوطين بنظر من كانت وظيفة العامّي الرجوع إليه، و الأخذ منه، و هو أعلم عصره حال العمل دون هذا المفتي، بل ربّما لا وجود له في تلك الحال، أو لم يكن بمجتهد، أو كان مفضولًا بالإضافة إلى غيره‏ (1).

و يرد عليه:

أوّلًا: أنّه لا ملازمة بين وجوب الرجوع إلى مفت و بين حجّيّة قوله الفعليّة؛ فإنّ الحجّيّة الفعليّة تعرض بالرجوع لا بوجوب الرجوع، و في المقام تعرض الحجّيّة لقوله بعد علم العامّي به؛ إذ لا حجّيّة للحجّة ما لم تكن معلومة تفصيلًا.

____________

(1) بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 188.

259

و ثانياً: أنّ قوله: «بطلان العمل و صحّته منوطان بنظر من كانت وظيفة العامّي الرجوع إليه» فإن أُريد بذلك في حال العمل فهو مصادرة؛ لأنّه نفس المدّعى، و ليس بدليل؛ إذ يمكن قلبه عليه. و يقال: «إنّ بطلان العمل و صحّته منوطان بنظر من رجع إليه في حال التنبّه، و هو بعد العمل» و إن أُريد بذلك في حال العمل أو في حال التنبّه كما هو الحقّ فلا مرية فيه.

ثمّ قال: «إنّ فعليّة الداعويّة في التكاليف الواقعيّة، و فعليّة الحجّة في باب الأمارات، و إن كانتا متقوّمتين عقلًا بالوصول، إلا أنّ مناط الصحّة و البطلان و عدمه هو فعليّة ما بيد المولى من إنشاء الحكم، بداعي جعل الداعي، أو بداعي إيصال الواقع، فإنّه الذي يتمكّن منه المولى و يتحقّق، و وصوله إلى العبد لا دخل له في تحقّقه، و المناط للصحّة فيما نحن فيه موجود لوجوب التقليد، و الرجوع إلى أعلم عصره حقيقة من قبل المولى و إن لم يتنبّه له أصلًا؛ فضلًا عن المقصّر الذي تنبّه له، و غفل منه حال العمل» (1) انتهى بتلخيص.

أقول: إنّ مناط الصحّة الثبوتيّة و إن كان ذلك، لكن مناط الصحّة الإثباتيّة و هي التي عبارة عن الاجتزاء بالعمل، و ترتيب آثار الصحّة الواقعيّة عليه هو وصول الحجّة، فلوصول الفتوى إلى العامّي تمام الدخل في هذه الصحّة، و إن شئت زيادة توضيح فافرض أنّ عمل الجاهل كان مخالفاً للواقع، فهل تصلح الفتوى التي ليس له علم بها لأن تكون عذراً له، و لأن يحكم عليه بعدم وجوب الإعادة و القضاء؟ بل الصالح لأن يكون عذراً له هو الفتوى التي حصل له العلم بها.

[المسألة 17] المقصود من الأعلم‏

المسألة 17: المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد و المدارك للمسألة، و أكثر اطّلاعاً لنظائرها، و للأخبار، و أجود فهماً للأخبار، و الحاصل، أن يكون أجود

____________

(1) بحوث في الأُصول، الاجتهاد و التقليد، ص 188 و 189.

260

استنباطاً، و المرجع في تعيينه أهل الخبرة و الاستنباط.

ظاهر هذا الكلام، أنّ الملاك في الأعلميّة هو الأجوديّة في الاستنباط، و المقصود منها هي الأجوديّة في تشخيص الوظيفة في المسائل، لا الأقربيّة إلى الواقع؛ فإنّه لا يمكن جعلها ملاكاً للأعلميّة؛ إذ الأقربيّة إلى الواقع تقوم بالانحياز إلى جانب الاحتياط، و هذا لا يعدّ خبرة عند العقلاء، كما لا يعدّونه معرفة للخبير، فالاجتهاد ليس إلا التخصّص في تشخيص الوظيفة الفعليّة في كلّ مسألة، و الأعلم هو الذي صار واجداً لهذه الملكة على النحو الأكمل.

و اعلم أنّ ظاهر المتن أنّ الأجوديّة في الاستنباط متوقّفة على اجتماع أوصاف ثلاثة في المجتهد:

كونه أعرف بالقواعد و المدارك للمسألة، و كونه أكثر اطّلاعاً للأخبار و نظائر المسألة، و كونه أجود فهماً للأخبار.

و منها تظهر أوصاف المجتهد: و هي كونه عارفاً بالقواعد و المدارك، و كونه مطّلعاً على الأخبار و المسائل، و كونه فهيماً للأخبار.

لكنّ الوصف الأخير في المجتهد ليس بوصف مقابل للوصف الأوّل، بل و للثاني؛ لأنّ معرفة القواعد و المدارك لا تتحقّق إلا أن يكون العارف بها فاهماً لها.

و المقصود من الاطّلاع على الأخبار ليس هو الاطّلاع على ألفاظها، بل هو الاطّلاع على معانيها.

و هل الأوصاف الثلاثة المقوّمة للأعلميّة متساوية التأثير في تحقّق هذا الملاك، أو يكون بعضها أقوى تأثيراً؟

إنّ الوصف الأوّل أقوى تأثيراً لتحقّق ملكة الأعلميّة، و أشدّيّة قوّة الاستنباط، و أمّا الوصفان الآخران فلهما ثأثير أقوى في تحقّق فعليّة الأعلميّة.

و إذا تعارضت الأوصاف، بأن يفرض هناك مجتهدون ثلاثة كلّ أحد منهم قويّ في أحد هذه الأوصاف، فمن هو الأعلم منهم؟

لعلّ المقدّم يدور بين الموصوف بأحد الوصفين الأخيرين.

261

[المسألة 18] تقليد المفضول‏

المسألة 18: الأحوط عدم تقليد المفضول حتّى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الأفضل.

إنّ الحكم بالاحتياط نشأ من مذهب الماتن في التقليد، حيث جعل الالتزام داخلًا في حقيقته، و أمّا بناءً على كون التقليد هو العمل فلا وقع لهذه المسألة، حتّى بناءً على القول بوجوب تقليد الأعلم، فإنّه بناءً على أنّ التقليد هو العمل يصير تقليد المفضول بعينه تقليداً للأفضل فيما إذا توافقت فتواهما، و ما يمكن أن يكون وجهاً للقول بالاحتياط هو الشكّ في إطلاق وجوب تقليد الأعلم، و في شموله لصورة الموافقة في الفتوى؛ إذ على فرض الإطلاق له تكون فتوى المفضول في هذه الصورة ساقطة عن الحجّيّة، و على فرض الشكّ تكون مشكوكة الحجّيّة، و لكن هذا الوجه على فرض تماميّته يصلح لأنّ يكون وجهاً للاختيار، لا للاحتياط.

نعم، لو انضمّ إليه قصد العامّي للتكليف الفعلي المنجّز و امتثاله كانت النتيجة هي الاحتياط، و التحقيق شاهد للقول بالجواز حتّى بناءً على أخذ الالتزام في مفهوم التقليد، و بناءً على وجوب تقليد الأعلم؛ لأنّ المستند للوجوب إن كان هو الإجماع فالمتيقّن منه صورة المخالفة بين فتوى الأفضل و بين فتوى غيره. و إن كان هو النصوص فالإرجاع إلى الأفقه مختصّ بصورة العلم التفصيلي بمخالفة الرأيين. و إن كان حكم العقل بالتعيين عند دوران الأمر بين التعيين و التخيير فإنّه مختصّ أيضاً بصورة المخالفة؛ إذ التخيير إنّما يكون بين أمرين و لا تخيير بين أمر واحد، فتأمّل. و إن كان بناء العقلاء فهم لا يقولون بوجوب ترجيح الأفضل على نظر المفضول الموافق له، فهما سيّان عندهم في الاعتماد.

فإنّ الموجود في مفروض البحث نظر واحد، لا نظران، مع أنّ الملاك للحجّيّة عند العقلاء هو الوثوق، سواء أ كان حاصلًا من المرجّح الداخلي أو من المرجّح الخارجي، و هو في المقام اتّحاد رأي الأفضل مع رأي المفضول، فثبوت عدم جواز تقليد المفضول‏

262

عند موافقة رأيه مع رأي الأفضل موقوف على وصول نصّ خاصّ من الشارع و لم يرد.

[المسألة 19] تقليد غير المجتهد

المسألة 19: لا يجوز تقليد غير المجتهد و إن كان من أهل العلم، كما أنّه يجب على غير المجتهد التقليد و إن كان من أهل العلم.

إنّ المستفاد من نصوص الباب أنّ المقصود من المجتهد هو الفقيه العارف بالأحكام، الناظر في الحلال و الحرام، فيرجع إليه و يقلّد، و يقابله غير المجتهد و هو العامّي الذي لا يكون عارفاً بالأحكام، و من ليس بناظر في الحلال و الحرام و إن كان من أهل العلم.

إذا تبيّن ذلك فنقول: لا يجوز التقليد عن غير المجتهد و إن كان من أهل الفضل؛ لصحّة سلب العناوين الواردة في النصوص عنه.

و قد مرّ أنّ الأصل الأوّل العقلي و الشرعي حاكم بعدم جواز تقليد أحد عن أحد، و إنّه خرج عن تحت هذا الأصل الكلّي خروجاً عقليّاً و شرعيّاً العالم و الخبير، و من انطبقت عليه العناوين الواردة في الباب.

و يدلّ أيضاً على عدم جواز التقليد عن غير المجتهد ما دلّ على عدم جواز الرجوع إلى من يفتي بالقياس، أو بالرأي و الاستحسان، و إنّه دالّ أيضاً على عدم جواز تقليد المجتهد إذا أفتى بالقياس و بالرأي، فكيف بغيره؟ و يدلّ عليه أيضاً ما دلّ من الكتاب و السنّة على عدم جواز الفتوى بغير علم؛ فإنّ حرمة الفتوى ملازمة لحرمة اتّباعها.

و من المعلوم: أنّ المراد من العلم هو الذي يحصل من الأدلّة الشرعيّة للمسائل، فلا دليل، و لا رخصة من جانب الشرع على جواز الإفتاء بمطلق العلم الحاصل من أيّ شي‏ء.

وجوب التقليد على غير المجتهد

قد مرّ الكلام في ذلك في البحث حول المسألة الأُولى، و نشير هنا إلى بعض النصوص الواردة في إرجاع بعض الصحابة الذي كان من أهل الفضل إلى علماء

263

الصحابة، مثل إرجاع حمّاد الرازي إلى عبد العظيم الحسني، و إرجاع يونس بن يعقوب إلى الحارث بن المغيرة، و إرجاع ابن أبي يعفور إلى محمّد بن مسلم الثقفي، و إرجاع علي بن مسيّب إلى زكريّا بن آدم، و إرجاع ابن المهتدي إلى يونس بن عبد الرحمن، و إرجاع عليّ بن راشد إلى عليّ بن حديد، و هذه النصوص تدلّ على أمرين آخرين:

1 جواز التقليد لواجد الملكة الذي لم يجتهد فعلًا.

2 رجوع المجتهد المتجزّئ فيما لم يجتهد إلى المجتهد المطلق فيما اجتهد.

[المسألة 20] طريق معرفة اجتهاد المجتهد

المسألة 20: يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني، كما إذا كان المقلّد من أهل الخبرة و علم باجتهاد شخص، و كذا يعرف بشهادة عدلين إذا لم تكن معارضة بشهادة آخرين من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد، و كذا يعرف بالشياع المفيد للعلم، و كذا الأعلميّة تعرف بالعلم، أو البيّنة غير المعارضة، أو الشياع المفيد للعلم.

إنّ الموضوعات الخارجيّة التي تكون لها آثار شرعيّة تعرف بالحجّة العقلائيّة، أو بالحجّة الشرعيّة، أمّا الأُولى فكالعلم الوجداني، و أمّا الثانية فكالبيّنة، و هي في اصطلاح المتشرّعة عبارة عن شهادة عدلين، و قد ثبتت حجّيّة البيّنة شرعاً في باب المرافعات، و في ثبوت موضوعات خاصّة كالطلاق و رؤية الهلال و الفسق و الزندقة و غيرها، و اعلم أنّ الحجّيّة عند الشرع أخصّ دائرة ممّا عند العقلاء، فكلّ حجّة شرعيّة حجّة عقلائيّة أيضاً، و لا عكس.

إذا تقرّر ذلك فنقول: إنّ اجتهاد المجتهد من أهم الموضوعات التي تكون لها آثار شرعيّة و القوم ذكروا طرقاً ثلاثة لمعرفته:

الأوّل: الشياع‏

أقول: و هو حجّة عقلائيّة و إن لم يبلغ حدّ التواتر، فهو مفيد للوثوق، و الذي لا يفيد

264

الوثوق نادر جدّاً، و إنّي لم أعثر على دليل شرعي يدلّ على حجّيّة الشياع في مطلق الموضوعات، نعم، قد ورد في باب معرفة العدالة ما يدلّ على ثبوتها بالشياع، و سنشير إليه في البحث عن العدالة إن شاء الله تعالى.

الثاني: خبر الثقة

و لعل عدم تعرّض الماتن له لإشكال حول حجّيّته في مطلق الموضوعات، و الأقوى ثبوت الاجتهاد بخبر الثقة لإفادته الوثوق، و هو حجّة عند العقلاء.

و أمّا احتمال تحقّق الردع عنه شرعاً فمندفع بخروجه موضوعاً عن عموم ما ورد من الآيات و الروايات الناهية عن العمل بالظنّ أو بغير علم، فإنّ الوثوق ليس بظنّ، بل هو علم عادي.

و أمّا دعوى دلالة خبر مسعدة بن صدقة على حصر ثبوت الموضوعات بالعلم، أو بالبيّنة من جهة قوله (عليه السلام): «و الأشياء كلّها على ذلك حتّى يستبين لك، أو تقوم به البيّنة» (1)؛ فلا يمكن الاعتماد؛ لكونها دعوى بلا دليل، بل صدقها موقوف على أمرين:

أحدهما: ثبوت الحقيقة الشرعيّة للبيّنة في شهادة العدلين في زمان صدور هذا النصّ، و ذلك غير معلوم.

ثانيهما: صيرورة معناها اللغوي العرفي و هو الحجّة مهجوراً في ذلك الزمان، و هو ممنوع؛ لأنّ لازم مهجوريّة هذا المعنى إقامة القرينة عليه عند إرادته في الاستعمال، و لم نشاهدها.

فغاية الحلّ في النصّ هي الاستبانة بنفسه أو بقيام الدليل.

حجّة قول الثقة في مطلق الموضوعات‏

و لا بأس بصرف عنان الكلام إلى البحث عن حجّيّة قول الثقة في مطلق‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 17، ص 89، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4؛ الكافي، ج 5، ص 313، ح 40.

265

الموضوعات، فإنّه بحث قيّم لا يخلو من فائدة، و هو محلّ الابتلاء للفقيه في كثير من الموارد.

و لا يخفى أنّ قولنا: «في مطلق الموضوعات» إشارة إلى موضوعات خاصّة قامت أدلّة خاصّة علي حجّيّته فيها.

فنقول مستعيناً بالله الكريم، و عليه التكلان: اختلفوا في ثبوت مطلق الموضوعات بخبر الثقة بعد تسالمهم على ثبوت الأحكام به على قولين، و المعروف بين المتأخّرين و المعاصرين عدم الثبوت. لكن ظاهر كلام السيّد دام ظله في المستمسك الثبوت‏ (1)، و هو الأقوى.

لنا في الاحتجاج على ذلك مقامان:

المقام الأوّل: في إمكان الاستدلال له بما يدلّ على حجّيّة خبر الثقة في الأحكام‏

، و هذا الاحتجاج قد يكون على وجه الإجمال، و قد يكون على وجه التفصيل، فستعرض أدلّة حجّيّة خبر الواحد فرداً فرداً.

أمّا البحث عن إمكان الاحتجاج به على وجه الإجمال، فنقول:

إنّ صاحب المستمسك قد أقام حجّة لإثبات حجّيّة خبر الثقة إذا كان المخبر به اجتهاد شخص، أو وثاقة راوٍ، و أفاد دام ظلّه في بيان ذلك:

بأنّ المراد من عموم ما دلّ على حجّيّة الخبر في الأحكام الكلّيّة ما يؤدّي إلى الحكم الكلّي، سواء أ كان بمدلوله المطابقي أم الالتزامي، و إنّ خبر العادل عن اجتهاد شخص، أو عن وثاقة راوٍ و إن كان بلحاظ مدلوله المطابقي إخباراً عن الموضوع الخارجي، و لكن مدلوله الالتزامي هو ثبوت الحكم الواقعي الكلّي الذي يؤدّي إليه نظر المجتهد، أو يخبر به الراوي، و إخبار زرارة كذلك أيضاً، فإنّه بمدلوله المطابقي إخبار عن موضوع، و هو كلام الإمام (عليه السلام)، و بالالتزام إخبار عن الحكم الكلّي، فلا فرق بين الخبرين في الحجّيّة (2).

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 38.

(2) المستمسك، ج 1، ص 38 و 39.

266

أقول: و للنظر فيما ذكره دام بقاؤه مجال؛ فلأنّه يعتبر في صحّة الخبر أن يكون المخبر به محسوساً للمخبر، فالإخبار هو المدلول المطابقي للخبر، و هو المحسوس للمخبر، و هو الذي يكون مشمولًا لعموم ما دلّ على حجّيّة الخبر، و أمّا مدلوله الالتزامي فليس بمشمول لذلك العموم؛ لما مرّ، و لانصرافه عنه. نعم، ثبوته يكون بحكم العقل بالملازمة بعد ثبوت مدلوله المطابقي بما دلّ على حجّيّته.

و أمّا خبر زرارة فإن كان حاكياً لمعنى كلام المعصوم فالمدلول المطابقي له هو الحكم الكلّي، و مدلوله الالتزامي هو فهم زرارة لمقصود الإمام، و أمّا إن كان حاكياً للفظ الإمام فالمدلول المطابقي لحكايته هو الحكم الكلّي أيضاً؛ إذ اللفظ فانٍ في المعنى و غير ملحوظ استقلالًا، إلا إذا احتمل عدم وصول فهم زرارة لمراد الإمام، و ذلك احتمال بعيد لا يعتدّ به عند العقلاء، و لو كان كذلك لكان زرارة يطلب من الإمام تفسير مراده (عليه السلام).

فثبت أنّ المدلول المطابقي للخبر هو الحكم الكلّي عند حكاية لفظ الإمام؛ لأنّه الملقى منه (عليه السلام) إلى زرارة، و لأنّ اللفظ فانٍ في المعنى.

إذا تقرّر ذلك فاصغ لما نتلو عليك:

إنّ إسراء حكم من موضوع غير ملحوظ بنحو الاستقلال إلى موضوع ملحوظ مستقِلا محتاج إلى دليل؛ لوضوح الفرق بين الإخبار عن الأوّل، و بين الإخبار عن الثاني.

و من هذا البيان ظهر الإشكال فيما ذكره بعضهم من الوجه لبيان حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات مستفاداً من دليل حجّيّته في الأحكام و هو أنّ الراوي لا يخبر عن الحكم الكلّي ابتداء، بل المخبر به في كلامه ظهور كلام الإمام، و هذا أخبار في الحقيقة عن الموضوع، فدليل حجّيّة خبر الثقة عن الحكم بنفسه دليل لحجّيّة خبره عن الموضوع.

بيان الإشكال: أنّ ظهور كلام الإمام غير ملحوظ استقلالًا، بل الملحوظ الاستقلالي هو الحكم دون غيره؛ إذ الظهور ملحوظ إله و فانياً في الظاهر، و إخبار الراوي إنّما يكون عن الحكم حقيقة، لاعن الموضوع، و إسراء حكم موضوع غير ملحوظ استقلالًا