الاجتهاد والتقليد

- السيد رضا الصدر المزيد...
415 /
267

إلى موضوع ملحوظ مستقلا من قبيل القياس، بل هو نفس القياس.

و هناك تقريب آخر لحجّيّة خبر الثقة في الموضوعات بملاك التعدّي، و الأولويّة من حجّيّته في الأحكام.

و بيانه: أنّ العرف حينما يرى أنّ الشارع يعتمد على خبر الثقة في إيصال الحكم الكلّي أو نفيه مع اهتمامه بأحكامه، و ما يترتّب عليه من وقائع كثيرة من الامتثال و العصيان فيقول: إنّه يعتمد في إثبات الموضوع الذي لا يترتّب عليه مثل ذلك الترتّب بخبر الثقة بطريق أولى.

أقول: إنّ الرجوع إلى العرف إنّما يكون في مداليل الألفاظ، فإنّه المرجع فيها، و أمّا الرجوع إليه في غير مداليل الألفاظ فلا يخلو من خفاء.

فالصواب أن يجعل مكان العرف العقل، فإنّه المرجع في مثل هذا الباب، بل في جميع الأبواب، غير التعبّديّات و مداليل الألفاظ، و لكن نناقش معه عندئذ صغرويّاً:

أوّلًا: فإنّه من المحتمل اعتماد الشارع في ثبوت الموضوعات المرتبطة به على ما يثبت به الموضوع عند العقلاء، كما صنعه في كثير من موضوعات أحكامه، فلا يحكم العقل بالتعدّي، و لا بالأولويّة لمكان هذا الاحتمال.

و ثانياً: أنّ العقل عند علمه بتصرّف من الشارع في ثبوت بعض الموضوعات كحكمه بتوقّف ثبوت موضوع على بيّنة، و بتوقّف ثبوت موضوع آخر على بيّنتين يأبى عن الحكم كلّيّاً بهذه الأولويّة و ذلك التعدّي. و يمكن أن يقال: إنّ الرواة يخبرون كثيراً عن لفظ الإمام كما في حكاية الأدعية و الأوراد و الأذكار، أو يخبرون عمّا تفضّل به الإمام في غير الأحكام، أو يخبرون عن فعله (عليه السلام) من دون أن يقصدوا به إفادة حكم شرعي، و هذه الحكايات كلّها إخبار عن الموضوع، و لم يفصّل أحد في حجّيّة خبر الراوي الثقة بين إخباره عن الأحكام، و بين إخباره عن مثل هذه الأُمور.

و سيرة صحابة المعصومين و جميع العلماء على الاعتماد و العمل بقول الثقة إذا أخبر بمثل هذه الأُمور، و لقائل أن يقول: نسلّم ثبوت هذه السيرة، لكن سيرة هؤلاء

268

إن كانت بما هم متشرّعة لا إطلاق لها حتّى تشمل خبر الثقة في جميع الموضوعات؛ فإنّ السيرة دليل لبّي ليس له إطلاق حتّى يتمسّك به.

و أمّا البحث على دلالة أدلّة حجّيّة الخبر في الأحكام على حجّته في الموضوعات على وجه التفصيل، فنقول:

أمّا الكتاب، فالكريمة التي يمكن الاستدلال بها أية النبإ، و هي قوله تعالى في سورة الحجرات:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ (1).

و تقريب الاستدلال بها لحجّيّة خبر الثقة عن الحكم قد تبيّن في علم أُصول الفقه، و ذلك التقريب على فرض خلوّه عن الخلل شامل للموضوعات أيضاً، سيّما بعد ملاحظة نزولها في شأن الخبر عن ارتداد بني المصطلق، و هو من الموضوعات، لكنّه قد أشكل على ذلك بأنّ الارتداد من الموضوعات التي لا تثبت إلا بالبيّنة، فيلزم خروج المورد عن عموم المفهوم، مع أنّ العامّ نصّ في مورده و لا يجوز تخصيص به.

و أجاب العلامة النائيني عن هذا الإشكال كما في تقرير تلميذه الكاظمي:

«بأنّ المورد إنّما كان إخبار الوليد بارتداد بني المصطلق» (2) و الآية الشريفة إنّما نزلت في شأنه لبيان كبرى كلّيّة، و المورد داخل في عموم الكبرى، و هي قوله تعالى‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ‏ (3) الآية. فخبر الفاسق لا اعتبار به مطلقاً، لا في الموضوعات، و لا في الأحكام.

و أمّا المفهوم فلم يرد كبرى لصغرى مفروضة الوجود و التحقّق؛ لأنّه لم يرد في مورد إخبار العادل بالارتداد، بل يكون حكم المفهوم من هذه الجهة حكم سائر العمومات الابتدائيّة التي لم ترد في مورد خاصّ قابل للتخصيص بأيّ مخصّص،

____________

(1) الحجرات (49) الآية 6.

(2) فوائد الأُصول، ج 3، ص 172.

(3) الحجرات (49) الآية 6.

269

فلا مانع من تخصيص عموم المفهوم بما عدا الخبر الواحد القائم على الموضوعات الخارجيّة، و لا فرق بين المفهوم و العامّ الابتدائي، سوى أنّ المفهوم كان ممّا تقتضيه خصوصيّة في المنطوق استتبعت ثبوت المفهوم، و إلا فهو كالعامّ الابتدائي الذي لم يرد في مورد خاصّ، و لا ملازمة بين المفهوم و المنطوق من حيث المورد حتّى إذا كان المنطوق في مورد خاصّ فالمفهوم أيضاً لا بدّ و أن يكون في ذلك المورد، بل القدر اللازم هو أن يكون الموضوع في المنطوق عين الموضوع في المفهوم، انتهى بطوله.

و ملخّص هذا الكلام و هو غير خال عن تطويل مخلّ أنّ المورد يختصّ بالمنطوق و لا صلة له بالمفهوم، و أمّا التلازم بين المنطوق و المفهوم فهو في الموضوع فقط دون أمر آخر، فحكم المفهوم الذي لمنطوقه مورد خاصّ حكم العمومات التي لا مورد لها و من شأنها قبول التخصيص بكلّ شي‏ء؛ إذ لا مورد له.

و لا يخفى أنّ الناقد البصير يعرف أنّ هذا الكلام مجرّد ادّعاء من دون ذكر دليل، بل الدليل على خلافه، فإنّ دلالة المفهوم من حيث السعة و الضيق تابعة لدلالة المنطوق، فلا يكون حكم المفهوم حكم العمومات الابتدائيّة، فإنّ دلالتها تابعة لأنفسها، بخلاف المفهوم فإنّ دلالته تابعة للمنطوق، فإنّ الفرع لا يزيد على الأصل.

و من المعلوم: أنّ المفهوم بمقتضى تبعيّة الدلالة يكون ناظراً في مورد المنطوق و ليس بأجنبي عنه؛ إذن فوجوب التبيّن عن خبر العادل الواحد إذا أخبر بالارتداد تخصيص بالمورد، فإنّ للمستشكل أن يقول:

«إنّ ضمّ خبر عادل آخر إليه عبارة عن التبيّن عن خبره».

و التحقيق في حلّ الإشكال أن يقال:

إنّ هذا الإشكال ينشأ عن توهّم دلالة مفهوم الآية على وجوب العمل بخبر العادل و ليس كذلك، فإنّ الحجّيّة غير الوجوب.

و توضيح هذه الدعوى أنّ منطوق الآية يدلّ على شرطيّة التبيّن للعمل بخبر الفاسق، سواء أ كان الفاسق واحداً أم متعدّداً، و مفهوم الآية يدلّ على أنّ التبيّن ليس بشرط للعمل بخبر العادل سواء أ كان العادل واحداً أو متعدّداً، و ذلك معنى حجّيّته،

270

و هذا المعنى غير مناف مع النهي عن العمل بخبر العادل عن موضوع.

و أمّا خروج المورد عن حكم المنطوق فهو عبارة عن عدم اشتراط التبيّن عن صحّة خبر الفاسق بالارتداد، و خروج المورد عن حكم المفهوم عبارة عن اشتراط التبيّن عن صحّة خبر العادل بالارتداد إذا قصد العمل به، و لم يقل بذلك أحد، و أين ذلك من النهي عن العمل بخبر العادل بالارتداد.

فتبيّن عموم دلالة أية النبإ لإثبات حجّيّة خبر الثقة في الموضوعات بناءً على تماميّة دلالتها في الأحكام.

و أمّا السنّة: فيمكن الاحتجاج ببعض النصوص التي استدلّ بها هناك.

فإنّ ذلك غير متوقّف على تواتر النصّ، كما كان الاحتجاج به على حجّيّة الخبر في الأحكام متوقّفاً عليه من جهة لزوم الدور.

فمن النصوص: قوله (عليه السلام) في الصحيح: «العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و أطع؛ فإنّه الثقة المأمون» (1).

و تقريب الاستدلال به من وجهين:

أحدهما: من التفريع الوارد فيه و هو قوله (عليه السلام): «فما أدى إليك إلخ»، حيث جعلت التأدية السليمة من فروع الوثاقة، و من الآثار المترتّبة عليها، و قال أصحاب الأدب: إنّ تعليق الحكم على الوصف مشعر بعليّة الوصف للحكم، فالتأدية الصحيحة هي الحكم، و هي الصغرى المصرّحة بها، و العلّة المشار إليها هي الوثاقة فتكون هي الكبرى المقدّرة، و هي حجّيّة قول الثقة، فإن كان هذا النصّ مشيراً إلى سيرة العقلاء القائمة على حجّيّة قول الثقة فيكون مدلوله حكماً عامّاً، و إمضاء لتلك السيرة، و تتمّ الكلّيّة.

فدعوى ظهوره في ذلك غير بعيدة، و إلا فالكبرى المقدّرة لا يستفاد منها الإطلاق؛ لكونه من خواصّ اللفظ، و لا لفظ في المقام، فيقتصر في دلالتها على الحجّيّة في الأحكام.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 138، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 4.

271

ثانيهما: التمسّك بعموم التعليل المنصوص الحاكم بأنّ الثقة لا يخبر عن خلاف الواقع، و هو الصادق المصدّق.

و من المعلوم: أنّ عموم التعليل تامّ الدلالة سواء كان مشيراً إلى سيرة العقلاء، أو إلى حكم شرعي تعبّدي يدلّ على حجّيّة قول الثقة في جميع ما أخبر به.

و من النصوص: كلام الحسن بن عليّ بن يقطين لأبي الحسن الرضا (عليه السلام):

جعلت فداك، إنّي لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة أخذ عنه ما احتاج إليه من معالم ديني؟

قال (عليه السلام): «نعم» (1).

و تقريب الاستدلال به: أنّ ظاهر كلام السائل يدلّ على ثبوت كبرى كلّيّة ثابتة في ذهنه، و هي حجّيّة قول الثقة بقرينة قوله: «أخذ عنه» إلخ، فإنّ السؤال يكون عن وثاقة يونس، و هي صغرى لتلك الكبرى التي حجّيّتها ثابتة عنده، فإن كان ثبوتها من جهة كونه متشرّعاً فيكشف عن حجّيّتها لدى الشرع، و إن كان ثبوتها من جهة كونه عاقلًا فهو من باب سيرة العقلاء، و على كلا الفرضين يتمّ المطلوب لإمضاء الإمام (عليه السلام) لها، و ذلك ظاهر من تصديقه لوثاقة يونس، مضافاً إلى أنّ الإطلاق المقامي أيضاً يدلّ على ذلك، فإنّ حجّيّة الكبرى لو لم تكن ثابتة عند الإمام (عليه السلام) لكان بمقتضى عطفه و رحمته على المؤمنين أن يخبر السائل بذلك حين تفضّل (عليه السلام) بالجواب، ثمّ إنّ الإجماع الذي ادّعوا قيامه على حجّيّة الخبر غير مفيد للمقام.

فإنّ المتيقّن منه هو الاعتماد على قول الثقة في مقام التعرّف على الحكم، و مثله الحال في سيرة المتشرّعة إلا أن يدّعى قيام سيرتهم على العمل بقول الثقة في الموضوعات أيضاً، و هو مفيد إن لم ترجع إلى سيرة العقلاء.

و أمّا سيرة العقلاء القائمة على حجّيّة قول الثقة فسيأتي الكلام فيها و البحث عنها.

____________

(1) رجال الكشي، ج 2، ص 490، الرقم 935؛ وسائل الشيعة، ج 27، ص 147، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 33.

272

المقام الثاني في البحث عمّا يدلّ على حجّيّة قول الثقة في غير الأحكام‏

و لنا في هذا البحث طريقان:

الطريق الأوّل: الاحتجاج بسيرة العقلاء

. و سيرتهم قائمة على الاعتماد على كلّ خبر، و على العمل بقول كلّ مخبر ما عدا الخبر الذي يسيئون الظنّ بمخبره.

و بعبارة أُخرى: الأخبار عند العقلاء منقسمة إلى طوائف ثلاث:

الأُولى: هي التي يعرفون مخبريها بالوثاقة و الصدق، و لا ريب في حجّيّتها عندهم.

الثانية: هي التي يعرفون المخبر بالكذب و بعدم الوثاقة، و لا ريب في عدم حجّيّتها عندهم، و في عدم ترتيبهم الآثار على مثل هذه الأخبار.

الثالثة: الأخبار التي لا يعرفون قائليها، لا بالوثاقة، و لا بعدمها. و هذه حجّة عندهم في الجملة، فيعملون بها، و يرتّبون الأثر عليها، و الشاهد على ذلك سيرتهم القائمة على العمل بمثل هذه الأخبار في موارد:

منها: أنّهم يعتمدون على أقوال أهل الخبرة و الأخصائيّين عموماً، و لا يشترط العمل بها عندهم معرفة الخبير بالوثاقة و الصدق.

و منها: أنّهم يعتمدون على خبر من يرشدهم إلى دار يقصدونها أو بلد أو شارع أو مكسب، كما أنّهم يعتمدون على خبر من أخبرهم بعنوان أحد أو رقم هاتفه و نحو ذلك. و هم لا يعرفون المرشد بالوثاقة، بل هم يعتمدون بقول كلّ مخبر و لو كان طفلًا.

و منها: أنّهم يرتّبون الأثر على خبر من أخبرهم بأنّ فلاناً مدحك أو ذمّك أو ذكرك بخير أو بسوء.

و منها: أنّهم يرتّبون الأثر على خبر من أخبرهم بمقدار مسافة، أو بمقدار طول الطريق في أسفارهم، بل يعتمدون على الأمارات المنصوبة في الطريق لبيان مقادير

273

المسافة و هم لا يعرفون من نصب تلك الأمارات.

و منها: أنّهم يرتّبون الأثر على الأخبار المنشورة في الصحف، و على ما تذاع من دور الإذاعات و هم لا يعرفون الصحفي و لا المذيع.

و منها: اعتمادهم على خبر من يخبرهم بحال من يقرعون باب داره، فإذا أُخبروا بوجوده في داره أو بعدمه يصدّقون المخبر و هم لا يعرفونه.

و منها: اعتماد الرؤساء على تقارير أعضائهم كما يعتمدون على أخبار البوليس.

و منها: اعتمادهم على رسالات الرسل و هم لا يعرفونهم.

و منها: اعتمادهم على قول من أخبرهم بالوقت من الساعة أو اليوم أو الشهر أو السنة.

و منها: اعتمادهم على أخبار الناس عن أنفسهم و أحوالهم.

و منها: اعتمادهم على أخبار المؤرّخين في كتبهم التأريخيّة.

هذه هي سيرة العقلاء القائمة على الاعتماد بقول من لا يعرفونه بالصدق و الوثاقة في أُمورهم العادية، و في حوائجهم اليوميّة، فهم يثقون بهذه الأخبار، و لا يحتملون في حقّ مخبريها الكذب.

و هناك أُمور أُخر لهم فيها اهتمام، أو يعلمون أنّها مواقع للأغراض الشخصيّة، و في مثل هذه الأُمور لا يكتفون بخبر من لا يعرف قائله بالكذب، بل سيرتهم فيها على الفحص عن حال المخبر، و على التبيّن عن صحّة خبره، بل قد يطلبون تعدّد الخبر و المخبر إذا كان المخبر به محلّا لاهتمام أكثر؛ و لذا كانت سيرتهم في باب المرافعات، و فصل الخصومات على هذه الطريقة.

و السبب في اختلاف سيرتهم في العمل بالأخبار أنّ ملاك الحجّيّة عندهم هو الوثوق الشخصي، و ذلك حاصل من الخبر الذي لا يعرف قائله بالكذب في أُمور تقدّمت الإشارة إليها، لكنّ الوثوق لا يحصل لهم من نفس الخبر في الأُمور الهامّة، أو التي تكون محلّا للحبّ و البغض؛ فلذلك يطلبون فيها وثاقة المخبر، بل تعدّده، و ذلك يختلف بحسب اختلاف الموارد و الأحوال و الأشخاص.

274

و بعبارة أُخرى: هذه الأُمور ممّا يحدث لهم سوء ظنّ بالخبر أو بالمخبر؛ فلذلك لا يكتفون بنفس الخبر، بل يجب الفحص عندهم عن صدقه.

إذا تبيّن الحال في سيرة العقلاء فلنصرف عنان الكلام عن إمضاء الشارع لها و عن إجرائها في الأُمور الشرعيّة.

فنقول: إنّ إجراء سيرة العقلاء فيما له صلة بالشرع هل هو محتاج إلى إمضاء من ناحية الشارع، أو يكفي عدم الردع من ناحيته؟

و جهان، بل قولان: لا يخلو ثانيهما من قوّة فيما إذا لم يكن للشارع طريق خاصّ فيه.

لنا: حكم العقل بصحّة الاحتجاج بسيرة العقلاء إذا لم تكن مردوعة من قبل الشرع، فلا يكون العامل بها و المتعمد عليها مؤاخذاً عنده و مسؤولًا لديه إذا خالف الواقع، بل العقل يحكم بقبح المؤاخذة عن مثل هذا الشخص؛ لكونه من قبيل التكليف بما لا يطاق، فإنّه من المعلوم طلب الشارع أمراً حال عدم جعل طريق من ناحيته عند الحكم بعدم حجّيّة الطرق العقلائيّة تكليف بما لا يطاق. مضافاً إلى أنّ نفس عدم جعل طريق خاصّ من قبل الشارع كاشف عن توكيل الأمر إلى الطرق العقلائيّة، فعدم الردع عن سيرة العقلاء كاشف عن إمضائه لها، و يشبه أن يكون النزاع في اعتبار إمضاء الشارع للسيرة، أو عدم ردعه لها لفظيّاً، و ينبغي التنبيه على أُمور:

الأوّل: أنّ الرّدع الذي يأتي من قبل الشارع حول إجراء أمر عقلائي يجب أن يكون بحسب القوّة و الضعف متناسباً مع المردوع، فإذا كان المردوع أمراً راسخاً في أذهان الناس، و شيئاً متداولًا بينهم، يجب أن يكون الردع قويّاً متتابعاً مكرّراً بحيث تكون الحجّة بالغة من قبل الشارع، كما صنعه الشارع في الردع عن العمل بالقياس، و عن العمل بالرأي و الاستحسان.

فإذا فرض صدور ردع عمّا أشرنا إليه من السيرة العقلائيّة القائمة على الاعتماد بقول من لا يعرف بالكذب في موارد، و على العمل بقول الثقة في موارد أُخر لوجب أن يكون الردع قويّاً متتابعاً، و لو كان كذلك لذاع و شاع، مثل ردعه عن القياس‏

275

و الاستحسان، و من المعلوم أنّ عدم تبيّن الردع عنها و عدم استفاضته كاشف عن عدمه، فلا سبيل إلى القول بصدور ردع عنها، محتجّاً برواية أو روايتين، سيّما إذا كانت محلّا للكلام متناً و دلالة.

الثاني: أنّه قد وقعت إمضاءات من ناحية الشرع لهذه السيرة العقلائيّة.

و بيان ذلك: أنّ السيرة كانت مشتملة على عقدين: سلبي و إيجابي.

أمّا عقدها السلبي و هو عدم الاعتماد على خبر من يسيئون الظنّ بقوله فإمضاؤه متحقّق بآية النبإ، و هي قوله تعالى‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ (1)؛ الآية.

و أمّا عقدها الإيجابي فقد كان متناولًا لأمرين:

أحدهما: اعتمادهم على قول كلّ مخبر لا يساء الظنّ به في صنف من أُمورهم.

ثانيهما: اشتراط وثاقة المخبر، أو تعدّده في الاعتماد على خبر في صنف آخر.

أمّا إمضاء الشرع للصنف الأوّل فهو في موارد:

أحدها: ما ورد من النصوص المستفيضة، بل المتواترة إجمالًا في باب صلاة المسافر، و هي التي وردت لبيان مقادير المسافة المعتبرة لتقصير الصلاة و الصوم من البريد و الفرسخ و الميل، فإنّ تعيين هذه المقادير في الطرق قد تحقّق من قبل من لا معرفة بحاله من جهة الوثاقة.

ثانيها: ما ورد في باب الحجّ في أحكام الحرم، فإنّ لازمه إمضاء تعيين حدود الحرم بيد من لا معرفة بحاله.

ثالثها: ما ورد في باب المعاملات من الاعتداد بخرص الخارصين لبيع الثمار على الأشجار، أو إيجار البساتين.

رابعها: ما ورد في العمل بقول المرأة عند إخبارها بكونها خليّة، و ما ورد في قبول خبر البائع باستبراء الأمة، هذا مع وجود الاحتياط في باب الفروج من قبل الشرع.

خامسها: ما ورد في اعتبار إخبار ذي اليد.

____________

(1) الحجرات (49) الآية 6.

276

سادسها: ما ورد في اعتبار شهادة القابلة.

سابعها: خبر ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال (عليه السلام):

«اغتسل أبي من الجنابة، فقيل له: قد أبقيت لمعة من ظهرك لم يصبها الماء، فقال (عليه السلام): ما كان عليك لو سكتّ، ثمّ مسح تلك اللمعة بيده» (1).

فإنّ مسح الإمام لتلك اللمعة و حكاية الإمام عنه دليلان على جواز الاعتماد على قول من لا يعرف بقرينة قوله (عليه السلام): «فقيل له» الظاهر في ذلك.

ثامنها: اعتماد أبي الحسن موسى (عليه السلام) في سجن الفضل بن ربيع على قول الغلام عند إخباره بدخول الوقت، و قد حكاه الفضل:

فلست أدري متى يقول الغلام: قد زالت الشمس إذ يثب فيبتدئ الصلاة من غير أن يحدث حدثاً. إلى أن قال: فلست أدري متى يقول الغلام: إنّ الفجر قد طلع إذ قد وثب هو لصلاة الفجر (2).

و يمكن أن تجعل أماريّة يد المسلم على التذكية من هذا الباب، و كذا أماريّة سوق المسلم، فهما داخلان في الإخبار الفعلي، و كذا أماريّة اليد على الملكيّة عند عدم معرفة المالك، فإنّ عليها سيرة العقلاء أيضاً.

و أمّا إمضاء الشارع للصنف الثاني فما سيأتي من النصوص الدالّة على ترتيب الآثار على قول الثقة عند إخباره ببعض الموضوعات، و كذا ما يدلّ على اعتبار البيّنة في باب المرافعات، و لثبوت موضوعات خاصّة عند الحاكم، إمضاء لهذا الصنف أيضاً.

ثمّ إنّ في بيان الفرق بين الصنفين يمكن أن يقال:

بأنّ الصنف الذي لم يعتبر في التصديق بها وثاقة المخبر أو تعدّده؛ إنّما هو من جهة كثرة ابتلاء الناس بها، و لصعوبة معرفة حال المخبر فيها، بل قد يكون غير ممكن في بعض الأحوال بحسب العادة، و قد يوجب التفحّص عن حال المخبر فوق المقصود، بخلاف‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 2، ص 259 260، الباب 41 من أبواب الجنابة، ح 1، مع اختلاف يسير في اللفظ؛ الكافي، ج 3، ص 45، ح 15.

(2) عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 107.

277

الصنف الآخر، فإنّ الحال فيها ليس من هذا القبيل، فكثير منها قضايا شخصيّة، أو ممّا يجب فيه التفحّص عن حال المخبر لظروف مقتضية لذلك.

الثالث: قد يتوهّم ثبوت الردع عن هذه السيرة بحديثين:

أحدهما: خبر مسعدة بن صدقة (1) و قد مرّ الكلام فيه، و سيأتي أيضاً.

ثانيهما: خبر عبد الله بن سلمان، و رواه الكليني في الفروع عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الجبن، قال (عليه السلام): «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى يأتيك شاهدان يشهدان عندك أنّ فيه ميتة» (2).

و إثبات الردع به موقوف على إلغاء خصوصيّة المورد بحسب المتفاهم العرفي، فيشمل جميع الموضوعات، و لكنّ التحقيق عدم صلاحيّته للردع عن السيرة.

أمّا أوّلًا: فلضعف في سنده. فإنّ ابن سليمان لم يذكر بمدح، و إثبات حجّيّة قوله بالسيرة مستلزم لعدمها، و إنّ الراوي عنه أبان بن عبد الله لم تعرف وثاقته، و لا مذهبه، و الراوي عنه محمّد بن الوليد و هو مشترك، و سيرة علمائنا القطعيّة على عدم العمل بمثل هذا السند ما لم يكن محفوفاً بقرائن، و هذه هي السيرة العقلائيّة فإنّها قائمة على عدم قبول قول من يساء الظنّ بخبره. كروايات هؤلاء الراوة، فإنّ العلم بوجود أخبار موضوعة كاذبة يرويها أمثال هؤلاء يحدث الريب في أخبارهم، فلا يحصل الوثوق بها عند العقلاء.

و ثانياً: ما عرفت، بأنّ الردع عن مثل هذه السيرة يجب أن يكون متتابعاً متواصلًا مشتهراً بين الأصحاب، فلا يصلح هذا الحديث للردع عنها في غاية الحلّيّة.

تقتضي صعوبة ثبوتها و هي الحرمة، توسعة على الناس، و يشهد على ذلك نفس المفتي، و هو الحلّيّة، فإنّها حكم يسهل على الكلّ.

و ثالثاً: أنّ إلغاء الخصوصيّة محلّ تأمّل؛ لاحتمال اشتراط خصوصيّة، و يمكن إلغاء خصوصيّة عن الغاية بأن يقال: إنّ ذكر شاهدين كناية عمّا يحصل من كلامهما

____________

(1) قد مرّ تخريجه في ص 264.

(2) الكافي، ج 6، ص 339، ح 2؛ وسائل الشيعة، ج 25، ص 118، الباب 61، من أبواب الأطعمة المباحة ح 2.

278

و هو الوثوق، و لا تبعد دعوى الظهور في ذلك بقرينة أمثال ذلك من النصوص التي جعل فيها العلم غاية للحلّيّة أو النجاسة.

و رابعاً: أنّ منتهى ما يستفاد منه اختصاص مدلوله بحكم جزئي حتّى يصعب إثباته، فإنّ الحرمة الكلّيّة تثبت بخبر الواحد بمقتضى دليل حجّيّة الخبر في الأحكام.

الرابع: أنّ معرفة المخبر بالوثاقة ملازم مع الوثوق بخبره عند العقلاء، فلا يخطر ببالهم احتمال الكذب في حقّ المخبر الثقة.

لست أقول: إنّهم لا يعتدّون بهذا الاحتمال، بل أقول: إنّ الاحتمال لا يخطر ببالهم بحسب طبعهم، و لا يلتفتون إلى احتمال الكذب في حقّ المخبر الموثوق به.

إذا تبيّن ذلك فلا معنى للتكلّم في حجّيّة خبر الثقة عندهم إذا لم يفد الوثوق، إذ لا فائدة في هذا البحث.

الطريق الثاني: نصوص واردة في مقامات خاصّة تدلّ على حجّيّة قول الثقة في الموضوعات‏

، بعضها بالإطلاق، و بعضها بإلغاء الخصوصيّة عن المورد بحسب المتفاهم العرفي.

منها: إطلاق قوله (عليه السلام) في موثّقة سماعة: سألته عن رجل تزوّج جارية، أو تمتّع بها، فحدّثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: إنّ هذه امرأتي و ليست لي بيّنة، فقال (عليه السلام): «إن كان ثقة فلا يقربها، و إن كان غير ثقة فلا يقبل منه» (1).

و تقريب الاستدلال بإطلاق الجواب على حجيّة قول الثقة مطلقاً واضح.

فإن قلت: إنّ هذه الرواية واردة في باب الدعاوي و الخصومات؛ لأنّ المرأة منكرة لزوجيّة الرجل بطبيعة الحال، و الأصل معها. و لم يقل أحد باعتبار خبر الثقة في باب المرافعات، فالحديث معرض عنه و مطروح.

قلت: التدبّر في معنى الرواية حاكم بعدم صلتها بباب المرافعات، فإنّ الراوي ليس‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 20، ص 300، الباب 23 من أبواب عقد النكاح، ح 2؛ تهذيب الأحكام، ج 7، ص 461، ح 1845.

279

في مقام السؤال عن وظيفة القاضي عند فقدان المدّعى للبيّنة، فإنّه لو حملت الرواية على هذا المعنى لكان فرض اتّصاف المدّعى بالوثاقة، أو عدمها لغواً، فإنّ هذا الوصف غير معتبر في المدّعى سلباً أو إيجاباً.

مضافاً إلى أنّ إنكار المرأة بطبيعة الحال غير مقوّم للخصومة، بل المقوّم لها هو الإنكار الصريح بالفعل، و لعلّ فيه إشعاراً بعدم معرفة المرأة عمّا أخبر به الرجل.

فالمتبادر من السؤال أنّ السائل طالب عن معرفة حكم هذا الزوج مع زوجته، و الجواب يشهد بذلك.

و منها: صحيحة هشام بن سالم الواردة في باب ثبوت عزل الوكيل بإبلاغ الثقة أو بالمشافهة، قال (عليه السلام): «و الوكالة ثابتة حتّى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلّغه، أو يشافه بالعزل عن الوكالة» (1).

و تقريب الاستدلال بها: أنّ ظاهر النصّ ثبوت عزل الوكيل بطريقين: إبلاغ الثقة، و المشافهة؛ إذ هما جعلا في سياق واحد، فهما متّفقان في الاتّصاف بصفة الحجّيّة، فالنصّ مفيد بأنّ حجّيّة خبر الثقة عامّة مثل حجّيّة المشافهة، و أمّا تقديم إبلاغ الثقة بحسب اللفظ فلعلّه لإفادة هذا المعنى، مضافاً إلى أنّ تعليق ثبوت العزل على أحد الأمرين مشعر بعلّيّة كلّ واحد منهما، و ذلك من لوازم الحجّيّة المشتركة بينهما.

ثمّ إنّ العرف لا يرى للعزل عن الوكالة خصوصيّة لها دخل في ثبوته بخبر الثقة دون بقيّة الموضوعات، و إلغاء الخصوصيّة عند العرف مفيد للإطلاق.

و يشهد لإلغاء الخصوصيّة صحيح إسحاق بن عمّار (2)، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل كانت له عندي دنانير و كان مريضاً، فقال لي: إن حدث لي حدث فأعط فلاناً عشرين ديناراً، و أعط أخي بقية الدنانير، فمات و لم أشهد موته، فأتاني رجل مسلم صادق، فقال لي:

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 19، ص 162، الباب 2 من أبواب الوكالة، ح 1؛ الفقيه، ج 3، ص 49، ح 170.

(2) إن التحقيق قاض بأنّه رجل واحد و هو إسحاق بن عمار بن حيان الصيرفي الكوفي، و أمّا توصيفه بالساباطي فهو زلة من قلم الشيخ (قده) في الفهرست.

280

إنّه أمرني أن أقول لك: انظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها إلى أخي فتصدّق منها بعشرة دنانير، اقسمها في المسلمين، و لم يعلم أخوه أنّ عندي شيئاً؟

فقال (عليه السلام): «أرى أن تصدّق منها بعشرة دنانير» (1).

و يشهد له أيضاً صحيح ابن أبي نصر، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يصيد الطير، يساوي دراهم كثيرة، و هو مستوي الجناحين، فيعرف صاحبه، أو يجيئه، فيطلبه من لا يتّهمه؟

قال (عليه السلام): «لا يحلّ له إمساكه، يردّه عليه» (2) الحديث.

فإنّ المتبادر من قوله: «من لا يتّهمه» أنّه يعرفه و يثق به.

و منها: النصوص الدالّة على أماريّة أذان المؤذّن المؤتمن لدخول الوقت، سيّما المعلّلة منها بأنّ المؤذّنين أُمناء، فإنّ عموم التعليل حاكم بصحّة الاعتماد على خبر كلّ من يكون مؤتمناً.

و منها: صحيح إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يتزوّج المرأة فيدخل بها فيغلق باباً و يرخي ستراً عليها و يزعم أنّه لم يمسّها و تصدّقه هي بذلك، عليها عدّة؟ قال (عليه السلام): «لا» قلت: فإنّه شي‏ء دون شي‏ء؟ فقال (عليه السلام): «إن أخرج الماء اعتدّت، يعني إذا كانا مأمونين صدّقا» (3).

و تقريب الاستدلال به: أنّ وصف المأمونيّة علّة لوجوب التصديق فيستفاد منه الإطلاق، و احتمال كون الظهور مختصّاً بما إذا كان الخبر موافقاً للأصل فلا يتعدّى إلى الخبر المخالف للأصل يدفعه الإطلاق، مضافاً إلى أنّ الظاهر من النصّ تعليق التصديق على نفس المأمونيّة لأعلى كون الخبر مطابقاً للأصل.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 19، ص 433، الباب 97 من أبواب الوصايا، ح 1؛ تهذيب الأحكام، ج 9، ص 237، ح 923.

(2) وسائل الشيعة، ج 23، ص 388، الباب 36 من أبواب الصيد، ح 1؛ الكافي، ج 6، ص 222، ح 1؛ تهذيب الأحكام، ج 9، ص 61، ح 258.

(3) وسائل الشيعة، ج 21، ص 325، الباب 56 من أبواب المهور، ح 2؛ الكافي، ج 6، ص 110، ح 9.

281

نعم، احتمال كون الجملة التفسيريّة من كلام الراوي مضرّ بالاستدلال، و ليس ببعيد؛ لظهور كلمة «يعني».

ثمّ إنّ من المعلوم انصراف هذه النصوص عن صورة المخاصمة و المرافعة، كما يشهد بذلك كلام ابن عمّار: «و لم يعلم أخوه أنّ عندي شيئاً» (1) فلا معارضة بينها و بين ما دلّ على حجّيّة البيّنة في باب المرافعات.

و أمّا ما دلّ على اعتبار البيّنة لثبوت بعض الموضوعات كالهلال و الطلاق و العتق و الرضاع و موت الزوج، أو ما دلّ على اعتبار البيّنتين لثبوت الزنى، فذلك إنّما يكون للقاضي، فيدخل في باب الحكم و القضاء، و قد عرفت انصراف هذه النصوص عن ذلك الباب، و على فرض تسليم إطلاق لهما فنقول بالتخصيص و التقييد.

و قد يتوهّم وقوع التعارض بين هذه النصوص، و بين خبر مسعدة بن صدقة المشتهر بينهم، فقد جاء فيه:

«و الأشياء كلّها على ذلك حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة» (2) حيث يدلّ على انحصار ثبوت الموضوع بطريقين:

الاستبانة الواقعيّة، أو قيام البيّنة، و يقصد منها شهادة عدلين.

و يرد عليه ما أوردناه على خبر أخيه ابن سليمان‏ (3) من قبل، فهو ضعيف السند، فلا يصلح لمعارضة الصحاح، و لا للردع عن السيرة، و يمكن أن يقال: إنّ ظهور لفظ البيّنة في شهادة عدلين في غير باب المرافعات الذي يصلح لأن يكون قرينة لهذا المعنى محلّ نظر، فلدعوى ظهور البيّنة في الحجّة مجال.

فيصير لسان هذا الخبر لسان صحيحة هشام بن سالم، (4) فيدلّ على أنّ ثبوت الأشياء بأمرين: الاستبانة الواقعيّة، أو قيام الحجّة عليها، مضافاً إلى أنّ الاحتمال كاف‏

____________

(1) قد مرّ تخريجه في ص 279.

(2) قد مرّ تخريجه في ص 264.

(3) قد مرّ تخريجه في ص 277.

(4) مرّ تخريجه في ص 279.

282

في سقوط دلالته عن الاستدلال.

فإن قلت: إنّ الحمل على المعنى اللغوي العرفي و هو الحجّة و الدليل يوجب دخول الأوّل في الثاني، و ذلك خلاف ظهور التقابل.

قلت: إنّ المتبادر من الاستبانة ظهور الشي‏ء بنفسه لا بمظهر، كما في قوله تعالى‏ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ‏ (1) و ذلك مقابل للظهور بالحجّة.

الثالث: البيّنة

و لعلّك بما تلونا عليك في البحث عن حجّيّة قول الثقة في الموضوعات تعرف بأنّنا أغنياء عن البحث عن ثبوت الاجتهاد بالبيّنة إذن الحجّيّة قد ثبتت لقول الثقة مطلقاً و لم تثبت له بشرط أن يكون واحداً، مضافاً إلى أنّه إذا ثبتت حجّيّة خبر عدل واحد في الموضوعات فالأولويّة القطعيّة حاكمة بحجّيّة قول العدلين، فالبحث هاهنا مبتن على تقدير عدم حجّيّة قول الثقة في الموضوعات.

فنقول: لا ريب في حجّيّة البيّنة في الجملة، بل هي من ضروريّات الفقه، و ذلك واضح في باب المرافعات و الخصومات، كما أنّها معتبرة لصدور الحكم عن الحاكم الشرعي، لثبوت بعض الموضوعات، مثل: الهلال و الفسق و الطلاق و الزندقة، و من المعلوم أنّها تفيد الوثوق، و هو حجّة طبيعيّة ذاتيّة لدى العقلاء، و قال الفقيه الهمداني (قده) عند البحث عن ثبوت النجاسة:

المتتبع فيما دلّ على اعتبار البيّنة إذا أمعن النظر لا يكاد يرتاب في عدم مدخليّة خصوصيّات الموارد التي ثبت اعتبار البيّنة فيها في ذلك، بل هي طريق شرعي تعبّدي لم يلغها الشارع في شي‏ء من مواردها، نعم، اعتبر في بعض المقامات شهادة الأربعة أو كون الشاهدين رجلين، و أمّا نفي اعتبارها رأساً فلم يعهد في الشرعيّات. (2)

____________

(1) البقرة (2) الآية 187.

(2) مصباح الفقيه، كتاب الطهارة، ص 609.

283

و لا بأس بهذا الكلام، نعم، قوله (قده): «فهي طريق شرعي تعبّدي» لا يخلو من خفاء؛ لكونها طريقاً عقلائيّاً أيضاً من جهة إفادتها الوثوق، و قد عرفت قيام السيرة العقلائيّة على حجّيّتها، سيّما في الأُمور الهامّة، و فيما يكون محلّا للأغراض، و قال العلامة الحائري في كتاب الصلاة: «يعلم ممّا ورد في الشرع أنّ اعتبارها و كونها كالعلم مفروغ عنه» (1).

و يمكن أن يقال: بعد ما ثبتت حجّيّة البيّنة عند العقلاء مطلقاً، و عند الشرع في الجملة، فهي مرتكزة في جميع الأذهان، فإذا لم تكن حجّة عامّة عند الشارع لوجب عليه الإعلام؛ تخطئة لما تقرّر في جميع الأذهان، كما صنع ذلك في ثبوت الزنى، و حيث لم يصدر إعلام منه في موضوعات أُخرى؛ إذ لو كان لبان، فيحكم العقل بحجّيّتها عند الشارع في جميع الموضوعات.

و يشعر بكون حجّيّة البيّنة لإثبات جميع الموضوعات من الأُمور المسلّمة في الشرع ما روي في الكافي و التهذيب عن الكاظم (عليه السلام): «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميتة» (2)؛ فقد أقام البيّنة مقام العلم الوجداني، أو جعلها كناية عنه.

تذنيب:

إنّ جميع ما ذكر لثبوت معرفة اجتهاد المجتهد جار لمعرفة أعلميّة الأعلم؛ لما عرفت من عموم الدليل.

[المسألة 21] إذا لم يعرف الأعلم‏

المسألة 21: إذا كان هناك مجتهدان لا يمكن تحصيل العلم بأعلميّة أحدهما، و لا البيّنة، فإن حصل الظنّ بأعلميّة أحدهما تعيّن تقليده، بل لو كان في أحدهما

____________

(1) كتاب الصلاة، ص 13، مع بعض الاختلاف.

(2) وسائل الشيعة، ج 25، ص 118، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، ح 2؛ الكافي، ج 6، ص 339، ح 2، و اللفظ فيه: «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميته» و الرواية فيهما عن الإمام الصادق (عليه السلام).

284

احتمال الأعلميّة يقدّم، كما إذا علم أنّهما إمّا متساويان، أو هذا المعيّن أعلم، و لا يحتمل أعلميّة الآخر، فالأحوط تقديم من يحتمل أعلميّته.

قد عرفت مقتضى التحقيق في تقديم الأعلم، و أمّا وجه تقديم مظنون الأعلميّة على غيره فلأصالة التعيين عند دوران الأمر بين التعيين و التخيير في الحجّة، و عليها لا وجه للقول بالتقديم الاحتياطي كما مرّ، كما أنّ ما زعموه من بناء العقلاء على الرجوع إلى الأعلم على فرض تسليم إطلاق لها شامل للمقام.

و من المعلوم: أنّ جميع هذه الأدلّة على فرض خلوّها من الخلل مختصّة بصورة العلم بالمخالفة في الفتوى في المسائل المبتلى بها، فالأحوط في هذه الصورة الأخذ بأحوط القولين، و قد مرّ عدم الدليل على عدم جواز مثل هذا الاحتياط.

[المسألة 22] أوصاف المفتي‏

المسألة 22: يشترط في المجتهد أُمور: البلوغ و العقل و الإيمان و العدالة و الرجوليّة، و الحرّيّة على قول و كونه مجتهداً مطلقاً، فلا يجوز تقليد المتجزّئ، و الحياة، فلا يجوز تقليد الميّت ابتداء، نعم، يجوز البقاء كما مرّ، و أنّ يكون أعلم، فلا يجوز على الأحوط تقليد المفضول مع التمكّن من الأفضل، و أن لا يكون متولّداً من الزنى، و أن لا يكون مقبلًا على الدنيا، و طالباً لها، مكبّاً عليها، مجدّاً في تحصيلها، ففي الخبر:

«من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه» (1).

لا يخفى من الخلل في العبارة، فإنّ المراد من الموصوف بهذه الأوصاف هو المفتي، و من قصد تقليده و الرجوع إليه، لا المجتهد، فإنّ فتواه حجّة على نفسه و إن لم يكن واجداً لهذه الأوصاف.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 131، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، ح 20.

285

و اعلم أنّ بناء العقلاء قائم على عدم اعتبار هذه الأوصاف في الخبراء و الأخصّائيّين سوى العقل، فاشتراط اتّصاف المفتي بها إنّما يكون من ناحية الشرع.

و قد مرّ في المباحث الأصليّة من التقليد ما يصلح دليلًا لاشتراط هذه الأوصاف، فراجع، ثمّ إنّ الخبر الذي تمسّك به لاشتراط الأوصاف الأخيرة المترادفة بحسب المعنى لا يدلّ على أكثر من العدالة.

[المسألة 23] العدالة و ما تعرف به‏

المسألة 23: العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرّمات، و تعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً أو ظنّاً، و تثبت بشهادة العدلين، و بالشياع المفيد للعلم.

هذه المسألة مشتملة على أُمور ثلاثة:

بيان مفهوم العدالة عند الشرع، و بيان ما تعرف به العدالة، و بيان ما تثبت بها. و المناسب أن يجعل البحث عن العدالة أوسع من ذلك.

العدالة بحسب اللغة

قال ابن منظور: «قد عدل الرجل بالضمّ عدالة» (1) و قال في تاج العروس: «عدل الرجل ككرم عدالة صار عدلًا» (2). و قال الشيخ الطوسي في المبسوط: «العدالة في اللّغة أن يكون الإنسان متعادل الأحوال متساوياً» (3) و صرّح بمثل ذلك الحلّي في السرائر (4).

____________

(1) اللسان، ج 11، ص 431.

(2) تاج العروس، ج 8، ص 11.

(4) السرائر، ج 2، ص 117.

286

أقول: إنّ تفسير العدالة بالمتعادل من باب تفسير المجمل بالمبيّن فلا يرد عليه إشكال الدور.

و اعلم أنّ المتبادر من التفسير اللغوي و هو الذي حكاه الشيخ و ابن إدريس أنّ العدالة عند أهل اللغة صفة للفعل، لا صفة للنفس.

و لكنّ التفسير الذي ذكره صاحب التاج لا ظهور له في ذلك، بل فيه إشعار بكونها من صفات النفس.

قال بعض الأساطين: «فالعدالة شرعاً من صفات الفعل لا النفس، و يشير إلى هذا قوله تعالى‏ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا (1) و قوله تعالى‏ وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ (2) (3).

و نحن تناقش في ذلك بما يلي:

أوّلا: أنّ إثبات الحقيقة الشرعيّة بما ورد في الكتاب سيّما في غير المجعولات الشرعيّة محلّ منع.

و ثانياً: أنّ فعل «عدل» الذي جاء في الآيتين الشريفتين متعدّ، و أنّه من باب «ضرب».

و العدالة حسب تصريح أكابر علم اللغة مصدر عدل، و هو فعل قاصر، و من باب «كرم» فكيف يصحّ الاستدلال بأحدهما على الآخر؟.

ثمّ إنّ المقصود من المتعادل هو القائم الذي لا يكون له ميل إلى أحد الجانبين، يقال: تعادل الميزان إذا تساوت كفّتاه، و لم تترجّح إحداهما على الأُخرى.

قال صاحب المدارك: «العدالة لغة: الاستواء و الاستقامة» (4).

أقول: الاستقامة عطف تفسيري؛ إذ المراد من المعطوف و المعطوف عليه أمر واحد.

____________

(1) النساء (4) الآية 3.

(2) النساء (4) الآية 129.

(3) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 135.

(4) مدارك الأحكام، ج 4، ص 67.

287

فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ العدالة بحسب معناها اللغوي أن يكون الإنسان مستقيماً في مشيه، و متساوياً في أحواله و أفعاله و أقواله عند ثورة الغضب، و صولة الطرب، و نحوهما، فلا يكون فيه شذوذ و إفراط أو تفريط.

العدالة في لسان الفقهاء

لهم في تعريف العدالة مسالك:

المسلك الأوّل: قال الشيخ المفيد (قده) كما في المختلف: «العدل من كان معروفاً بالدين و الورع عن محارم الله»

(1).

أقول: إنّ المتبادر و الظاهر من مثل مادّة «المعرفة» إذا أُطلقت أن يراد منها الواقع بأن تكون المعرفة طريقاً إليه.

و لكن توصيفه (قده) «العدل» بمن كان معروفاً يشهد بأنّ المعروفيّة في التفسير قد أُطلقت على العدل بعنوان الموضوعيّة، فيصير المراد من التعريف:

أنّ العدالة نفس المعروفيّة بالدين، و هي الاشتهار بالورع عن محارم الله، و هذا المعنى قد اصطلح عليه في لسان القوم بحسن الظاهر، و قد ذهب إلى أنّ العدالة نفس حسن الظاهر جمع من المتأخرين (قدّس الله أسرارهم)(2).

لكن إذا فرضنا إفادة التعريف معنى آخر و هو أنّ العدل هو الموصوف بالدين و الورع كانت العدالة عنده (قده) صفة نفسانيّة؛ لأنّ الورع من صفات النفس، و على هذا التفسير تكون العدالة أمراً حقيقيّا، سواء أ كان معروفاً أم لا.

و قال الشيخ الأنصاري في رسالته في العدالة:

إنّ ظاهر كلام المفيد «أنّ العدالة عبارة عن الاستقامة الفعليّة لكن عن ملكة، فلا يصدق العدل على من لم يتّفق له فعل كبيرة مع عدم الملكة. (3)

____________

(1) المختلف، ج 8، ص 498؛ المقنعة، ص 725.

(2) منهم ابن البرّاج في المهذّب، ج 2، ص 556.

(3) انظر رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 7.

288

و لنا في هذا نظر، لأنّ صفة المعروفيّة في التفسير قد أُخذت على سبيل الموضوعيّة. فمن لم يتّفق له فعل كبيرة لا محالة يصير معروفاً بالدين و الورع و لو لم تكن له ملكة.

المسلك الثاني: قد عرّفها الشيخ في المبسوط قائلًا: «العدالة في الشريعة هو من كان عدلًا في دينه‏

، عدلًا في مروءته، عدلًا في أحكامه». (1) ثمّ قال (قده):

فالعدل في الدين أن يكون مسلماً و لا يعرف منه شي‏ء من أسباب الفسق. و في المروءة أن يكون مجتنباً للأُمور التي تسقط المروءة، مثل: الأكل في الطرقات، و لبس الثياب المصبغة، و ثياب النساء و ما أشبه ذلك. و العدل في الأحكام أن يكون بالغاً عاقلًا عندنا، و عندهم أن يكون حرّا. (2) و قريب من ذلك تفسير الحلّي في السرائر، (3) و إن اختلف عنه في تعريف العدل في الدين، بأن لا يخلّ بواجب، و لا يرتكب قبيحاً، و ظاهر هذا التعريف أنّ العدالة صفة للأفعال الخارجيّة، فتكون هي الاستقامة في الأعمال، و إن شئت قلت:

إنّها عبارة عن عدم الإخلال بواجب، و عدم ارتكاب قبيح، و المقصود من القبيح الحرام بقرينة المقابلة.

و لا يخفى أنّ الفقرة الأخيرة من هذا التعريف و هي العدل في الأحكام خارجة من حقيقة العدالة في الشريعة.

أمّا المروءة فسيأتي بيان الأمر فيها.

و أمّا البالغ العادل فلأنّه الموصوف بالعدالة، و الموصوف يكون في رتبة متقدّمة على الوصف، فكيف يكون داخلًا فيه؟

و عرّفها ابن حمزة في الوسيلة: بأنّ العدالة في الدين الاجتناب من الكبائر، و من الإصرار على الصغائر. (4)

____________

(1) المبسوط، ج 8، ص 217.

(2) المبسوط، ج 8، ص 217.

(3) السرائر، ج 2، ص 117.

(4) الوسيلة، ص 230.

289

أقول: هذا التعريف راجع إلى تعريف الشيخ في المبسوط، و إليه يرجع أيضاً ما اختاره الشيخ الأنصاري من التعريف حيث قال:

التحقيق: أنّ العدالة في كلام الشارع الاستقامة، و الاستقامة المطلقة في نظر الشارع هو الاستقامة على جادّة الشرع و عدم الميل عنها» (1) إنّ الاستقامة على جادّة الشرع و عدم الميل عنها مرادف لاجتناب الاثام.

و لعلّه قد أخذ منه بعض الأساطين حيث فسّر العدالة في تعليقته على المتن:

«بأنّها الاستقامة في جادّة الشرع، و عدم الانحراف عنها يميناً و شمالا». (2)

المسلك الثالث: قال العلّامة في التحرير: العدالة كيفيّة راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى و المروءة

، و تحصل بالامتناع من الكبائر، و من الإصرار على الصغائر. (3) و قال (قده) في المختلف.

و التحقيق: «أنّ العدالة كيفيّة نفسانيّة راسخة تبعث المتّصف بها على ملازمة التقوى و المروءة، و تتحقّق باجتناب الكبائر، و عدم الإصرار على الصغائر. (4) و عرّفها في القواعد بمثل ذلك‏ (5).

و هذا التعريف هو المشهور بين العلامة و من تأخّر عنه كما ذكره الشيخ الأنصاري. (6) و هل يمكن إرجاع المسلك الثاني إلى المسلك الثالث؟

بدعوى أنّ المراد من اجتناب الذنب في المسلك الثاني هو الذي انبعث عن داع إلهي، فلا يراد منه الاجتناب المطلق حتّى يعمّ ما يكون عن داع غير إلهي.

____________

(1) انظر رسالة العدالة ضمن رسائل فقهية، ج 23، ص 20.

(2) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 133.

(3) تحرير الأحكام الشرعيّة، ج 2، ص 208.

(4) المختلف، ج 8، ص 501.

(5) قواعد الأحكام، ج 2، ص 236.

(6) رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 5.

290

فإذا كان الباعث لعدم الإخلال بواجب، و عدم الارتكاب لقبيح هو الداعي الإلهي، فلا محالة يكون الباعث أمراً نفسيّاً، و هو الكيفيّة الراسخة النفسانيّة، و أمّا اعتبار الرسوخ لتلك الكيفيّة فلتقوّم صدق الاجتناب من الذنوب بمضيّ مقدار من الزمان على هذه الحالة؛ إذ لا يصدق المجتنب عن الذنوب على من اجتنب عن الذنب مرّة أو ساعة، و مضيّ مقدار من الزمان ملازم لرسوخ الكيفيّة المراد منها الملكة و إن كان مقتضى الجهود على إطلاق بعض كلماتهم هو الاجتناب المطلق.

و قال شيخنا الأنصاري في رسالة العدالة:

ربما يذكر في معنى العدالة قولان آخران:

أحدهما: الإسلام، و عدم ظهور الفسق. و الثاني: حسن الظاهر. (1) أقول: إنّ المراد من القولين معنى واحد؛ لأنّ حسن الظاهر نفس عدم ظهور الفسق عند وجود الموضوع.

و التعبيران و إن كانا مختلفين بحسب الإيجاب و السلب لكنّهما متّفقان في المقصود بقرينة صحّة الحمل بينهما.

فإنّه لا ريب في اعتبار الإسلام فيمن وصف بحسن الظاهر عند من يقول بأنّ العدالة هي حسن الظاهر؛ إذ العادل الذي رتّب عليه أحكام في الشريعة هو المسلم دون غيره.

على أنّ القول بكون العدالة نفس حسن الظاهر ليس بقول حادث في المسألة، بل هو نفس قول الشيخ المفيد (قده) كما مرّ. (2) ثمّ قال (قدس سره): «لا ريب في عدم كونهما قولين في العدالة، بل هما طريقان إليها» (3). و استشهد بكلمات جماعة من الأصحاب، فإنّهم جعلوا هذين التفسيرين‏

____________

(1) رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 8.

(2) مرّ في ص 287.

(3) رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 8.

291

تحت عنوان «ما به تعرف العدالة».

أقول: بعد أن ثبت وحده المراد من التفسيرين، و أنّهما يشيران إلى معنى واحد، فالقولان مشيران إلى طريق واحد للعدالة، لا إلى الطريقين.

هل العدالة نفس حسن الظاهر؟

إنّ العدالة هل هي نفس حسن الظاهر، أم حسن الظاهر طريق إليها؟ الذي ينبغي أن يقال: إنّ صفات الإنسان الطبيعيّة على نوعين:

أحدهما: ما يكون الاتّصاف به غير متوقّف على وجود الغير، و على معرفته، فيكون الإنسان متّصفاً به، عرفه غيره أم لا، و تكون الصفة أمراً ثبوتيّاً واقعيّاً، و ذلك مثل: الشجاعة و السخاوة و نظائرهما، فإنّ الشجاع شجاع و لو لم يعرفه أحد، و إنّ الكريم كريم و لو لم ير كرمه أحد.

و من المعلوم: أنّ العدالة من قبيل هذه الأوصاف.

ثانيهما: ما يكون الاتّصاف به موقوفاً على وجود الغير، فالصفة حقيقيّة إضافيّة، و هي مثل: الشهرة و الظهور و المعروفيّة.

إنّ الرجل لا يوصف بالشهرة إلا بعد وجود غيره، و إنّ الشي‏ء لا يوصف بالظهور إلا بلحاظ غيره، و من المعلوم أنّ حسن الظاهر من هذا القبيل، فتبيّن أنّ العدالة صفة للشخص باعتبار نفسه، و حسن الظاهر صفة له باعتبار غيره، و الأُولى معنى اسمي، و الثانية معنى حرفي، فلا يجوز اتّحادهما، فإنّ كلا منهما من مقولة.

و لو كانت العدالة نفس حسن الظاهر لزم أن يكون من يجتنب عن الذنوب ليس بعادل إذا كان لا يعرفه أحد بهذه الصفة، و ذلك خلاف المتبادر من التوصيف بالعدالة.

ثمّ إنّ ظاهر اشتراط وصف الشاهد بالعدل في الكتاب و السنّة كون العدالة صفة واقعيّة، كسائر الأوصاف المعتبرة في الموضوعات التي لها أحكام في الشرع، فكيف تكون العدالة صرف عدم ظهور الفسق، أو مجرّد ظهور الصلاح؟ فإنّها صفة للشخص في مقام المعرفة، و ليست بصفة واقعيّة له.

292

مضافاً إلى أنّه يلزم من ذلك اتّحاد المعرّف مع المعرّف، و ذلك خلاف المتبادر من قوله (عليه السلام) في صحيح ابن أبي يعفور: «و تعرف باجتناب الكبائر» (1). و يلزم منه اتّحاد الدالّ و المدلول، و هو خلاف ظاهر قوله (عليه السلام) في الصحيح و الدلالة عليها، أضف إلى ذلك ما أجاد به شيخنا الأنصاري قائلًا:

إنّه لا يعقل كون عدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر نفس العدالة؛ لأنّ ذلك يقتضي أن تكون العدالة من الأُمور التي يكون وجودها الواقعي عين وجودها الذهني، و هذا لا يجامع كون ضدّه أعني الفسق أمراً واقعيّاً لا دخل له للذهن فيه. (2) و حينئذ فمن كان في علم الله مرتكباً للكبائر مع عدم ظهور ذلك لأحد يلزم أن يكون عادلًا في الواقع، فاسقاً في الواقع، و كذا لو حصل الاطّلاع على أنّ شخصاً كان في الزمان السابق مع اتّصافه بحسن الظاهر لكلّ أحد مصرّاً على الكبائر يقال: كان فاسقاً و لم نطّلع، و لا يقال: كان عادلًا فصار فاسقاً عند اطّلاعنا.

و هذا الكلام مبنيّ على ما هو المسلّم عند الكلّ و المرتكز في الأذهان، و منهم القائل بذلك القول: إنّ الفسق أمر واقعي، و من المعلوم أنّ صيرورة الرجل فاسقاً غير متوقّف على معرفة أحد.

و يمكن الاحتجاج لتغاير العدالة مع حسن الظاهر بنفس تقابلها مع الفسق؛ لأنّ المتقابلين يجب أن يكونا من حقيقة واحدة إذا كانا موجودين، و إلا لم يكونا متقابلين.

تقابل العادل و الفاسق‏

لا ريب في تقابل العادل و الفاسق؛ بمعنى استحالة اجتماعهما في محلّ واحد، و بمعنى عدم جواز صدق هذين الوصفين على شخص واحد في زمان واحد، ثمّ إنّ تقابلهما ليس من قبيل تقابل العدم و الملكة؛ لأنّ كلّا منهما أمر وجودي، و قد أُخذ في‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 391، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 1. الفقيه، ج 3، ص 24، ح 65.

(2) رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 9.

293

كلّ من مفهوميهما معنى إيجابي.

أمّا اعتبار هذا المعنى في مفهوم الفاسق فظاهر.

و أمّا اعتباره في مفهوم العادل؛ فلأنّ العدالة أمّا ملكة، أو استقامة في الأفعال، أو حسن ظاهر، و كلّ واحد من هذه المعاني أمر إيجابي حتّى الأخير منها.

كيف و هو ظهور الصلاح و حسن الفعال؟

و التحقيق: أنّ تقابلهما من قبيل التضادّ المشهوري لا التضادّ الحقيقي، فهما من قبيل الضدّين اللذين قد يوجد لهما ثالث، فيصحّ ارتفاعهما عن موضوع واحد بأن لا يكون الرجل عادلًا، و لا فاسقاً، و ذلك مثل المكلّف في ابتداء زمان تكليفه إذا لم تتهيّأ له ظروف ارتكاب الكبيرة، و مثل المكلّف الذي يأتي بواجباته بداع إلهي، و لكن يترك المحرّمات بداع غير إلهي، و مثل الفاسق التائب من فسقه في أوّل زمان توبته؛ إذ لا يصدق عليه الفاسق؛ لأنّه متلبّس بترك الفسق، و إنّ التائب من الذنب لا ذنب له، و لا يصدق عليه العادل؛ لما مرّ من اعتبار مضيّ مقدار من الزمان على ترك الفسق حتّى يوصف بالعادل بأيّ معنى أُريد من العدالة.

ثمّ إنّ الموصوف بالعدالة و الفسق من وضع عليه قلم التكليف، فمن كان القلم عنه مرفوعاً كالصغير و المجنون خارج عن المقسم بينهما، و كذا النائم، فإنّ ارتكابه الكبيرة حال ما يراه من الرؤيا غير موجب لصدق عنوان الفاسق عليه شرعاً؛ لانصراف ارتكاب الكبائر إلى حال اليقظة، و لأنّ الإنسان في حال النوم غير الإنسان في حال اليقظة.

إنّ بعض القوى الحاكمة على الإنسان في حال النوم مغاير للقوى الحاكمة عليه في حال اليقظة.

إنّ العاقل قد يرضى في حال الرؤيا بأُمور لا يرضاها قطعاً في حال اليقظة.

و الفرق بين العادل عند الناس و بين العادل عند الشرع أنّ ارتكاب الذنب مرّة واحدة غير مضرّ بصدق العادل عند الناس مع كونه مضرّاً بالعدالة عند الشرع، كما سيجي‏ء.

294

العدالة في النصوص‏

تحقيق البحث عن تفسير العدالة يقتضي النظر إلى النصوص فنتّخذ منها صورة، و من هذه النصوص ما عن الإمام أبي الحسن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن عليّ (عليه السلام) قال: قال رسول الله: «من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروءته، و ظهرت عدالته، و وجبت أُخوّته، و حرمت غيبته». (1) بيان: المتبادر من هذا النصّ أنّ العدالة صفة نفسيّة تظهر في أفعال المرء و أقواله، و أنّ المروءة صفة خارجيّة تخصّ بأفعال المرء و أقواله.

و منها: في التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام) قال رسول الله في قوله تعالى‏ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏ (2).

«ليكونوا من المسلمين منكم، فإنّ الله إنّما شرّف المسلمين العدول بقبول شهادتهم، و جعل ذلك من الشرف العاجل، و من ثواب دنياهم» (3).

إنّ لفظ العدول جمع عدل و هو اسم من عدل بضمّ العين و مصدره العدالة، و العدل من كان مستقيماً في أقواله و أفعاله، ماشياً على صراط الشرع القويم، فالخشبة العدلة هي القائمة التي لا تميل إلى جانب.

و منها: صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، و هي أوفاها دلالة:

قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال (عليه السلام): «أن تعرفوه بالستر و العفاف،

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 396، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 15؛ الخصال، ج 1، ص 208، ح 28.

(2) البقرة، (2) الآية 282.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 399، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 22؛ تفسير الإمام العسكري، ص 651.

295

و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار من شرب الخمر و الزنى و الربا، و عقوق الوالدين، و الفرار من الزحف، و غير ذلك» و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه، حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه، و تفتيش ما وراء ذلك، و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته في الناس، و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ، و حفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين، و أن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصهم إلا من علّة، فإذا كان كذلك لازماً لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس، فإذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلا خيراً، مواظباً على الصلوات، متعاهداً لأوقاتها في مصه، فإنّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين، و ذلك أنّ الصلاة ستر و كفّارة للذنوب، و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي إذا كان لا يحضر مصه، و يتعاهد جماعة المسلمين» (1) الحديث.

بيان: قول الراوي: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين؟

هل هذا سؤال عن مفهوم العدالة؟ أو هو سؤال عن الطريق إلى معرفة العدالة؟

قال صاحب المستمسك: «إنّ ظاهر السؤال كونه عن الطريق إلى العدالة بعد معرفة مفهومها». (2) أقول: ظهور السؤال فيما ادّعاه محلّ منع؛ لأنّ هذا المعنى يخطر ببال من قد ألف بالاصطلاحات العلميّة، و تقرّر في خاطره أنّ لهذا الوصف مفهوماً و طريقاً، و أنّه عارف بمفهومه، فيسأل عن الطريق إلى معرفته.

و أمّا من تقرع سمعه هذه الاصطلاحات مثل ابن أبي يعفور، و من في زمانه، فقد حدثت هذه الاصطلاحات العلميّة بعد ذلك الزمان، فكونه ملتفتاً إلى أنّ للعدالة طريقاً و مفهوماً، و كان عارفاً بالأخير، و جاهلًا بالأوّل، فلذا سأل فهو بعيد جدّاً.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 391، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 1؛ الفقيه، ج 3، ص 24، ح 65.

(2) المستمسك، ج 1، ص 47.

296

فالمتبادر من السؤال بحسب الطبع الأوّل للرجل هو الاستكشاف عن نفس حقيقة العدالة، و عمّا إذا وجد في رجل تقبل شهادته.

فيصلح أن يقع في الجواب بيان مفهوم العدالة، كما يصلح أن يقع فيه الإرشاد إلى الطريق إلى معرفتها.

قوله (عليه السلام): «أن تعرفوه» مأخوذة على نحو الطريقيّة، لأعلى سبيل الموضوعيّة، فإنّه المتبادر من أمثال هذه العناوين، فيكون الجواب: أنّ العدالة هي الستر و العفاف.

قال بعض الأساطين:

لا بدّ في معرّف الشي‏ء من صحّة حمله عليه؛ و في الصحيحة الشريفة لم تجعل نفس الأُمور المذكورة أى الستر و العفاف و الكفّ معرّفاً كي تحمل على العدالة حمل المعرّف على المعرّف، و إنّما جعل (عليه السلام) معرّفها معروفيّة الرجل بهذه الأُمور، و لا يصحّ حملها على العدالة بأن يقال: «العدالة معروفيّة الرجل بالستر و العفاف» و لا مجال لاحتمال أن يكون قوله (عليه السلام): «أنّ تعرفوه» إعادة لقول السائل، فكأنّه قال السائل: بم تعرف عدالة الرجل؟ فقال (عليه السلام): «تعرف بكذا» كي يكون المعرّف في الحقيقة نفس هذه الأُمور؛ لأنّ هذا الاحتمال لا يلائم إدخال «أن» المصدريّة على «تعرفوه» و لا تذكير الضمير الراجع إلى الرجل؛ إذ اللازم على هذا أن يقول: «تعرف» كي يرجع الضمير فيه إلى العدالة من دون إدخال «أن» المصدريّة، فالجواب بقوله (عليه السلام): «أن تعرفوه بالستر و العفاف إلخ» ظاهر في إرادة المعروفيّة بهذه الأُمور، بمعنى الشياع عند الناس، فيدلّ على أنّ الشياع بها طريق لمعرفة العدالة تعبّداً. (1) و هذا الكلام لا يخلو من نظر؛ لصحّة حمل الستر و العفاف على العدالة، فيصحّ أن يكون معرّفاً لها.

و أمّا توهّم عدم صحّة حمل الجملة المفسّرة على العدالة فقد نشأ من أخذ المعرفة بنحو الموضوعيّة كما هو الظاهر من كلامه: «لا يصحّ حملها على العدالة» بأن يقال:

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 144 و 145.

297

العدالة معروفيّة الرجل بالستر و العفاف.

و قد ثبت في محلّه أنّ الظاهر من أمثال هذه الموارد كالعلم و التبيّن و الظهور، و نحو ذلك كونها طريقاً إلى الواقع، فإرادة الموضوعيّة منها خلاف ظاهر إطلاقاتها، و تحتاج إلى قرينة شاهدة لها.

و يشهد لذلك أعني أخذ وصف المعروفيّة في النصّ طريقاً إلى الاتّصاف الواقعي قوله (عليه السلام): فيما رواه ابن أبي يعفور عن أبي جعفر (عليه السلام) بواسطة أخيه عبد الكريم، قال (عليه السلام): «تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات، معروفات بالستر و العفاف، مطيعات للأزواج، تاركات للبذاء و التبرّج إلى الرجال في أنديتهم» (1).

فإنّ المتبادر من قوله (عليه السلام): «معروفات بالستر و العفاف» هو المستورات العفيفات بشهادة بقية الأوصاف و وحدة السياق، فلا يراد منه: المعروفات بالستر و العفاف و إن لم يوصفن بحسب الواقع بالستر و العفاف، مضافاً إلى أنّ الظاهر العرفي من قولنا: الرجل معروف بالورع و التقى أنّه ورع تقيّ، فلا يراد منه صرف الاشتهار بالوصفين و إن لم يكن موصوفاً بهما واقعاً.

ثمّ إنّ قوله دام ظلّه: «و لا مجال لاحتمال» إلخ. لا يخلو أيضاً عن نظر؛ لأنّ نحواً من الاتّحاد الذي يكون بين المبدإ و المشتقّ يقتضي صحّة وقوع أحدهما مقام تعريف الآخر فيفسّر العادل في تعريف العدالة، و ذلك أمر متداول في التعريفات العرفيّة، مع أنّ الواقع في السؤال ليس لفظ العدالة وحده، بل الواقع فيه العدالة المضافة إلى الرجل، فالسؤال يكون حقيقة عن العادل، لاعن نفس العدالة من حيث هي.

و ثالثاً: أنّه لو كان الجواب بيان للطريق إلى العدالة و لم يكن بياناً لنفس معرفتها كان المناسب أن يقال في الجملة التالية: و تعرف أيضا باجتناب الكبائر؛ ليفيد أنّ المتكلّم‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 398، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 20؛ تهذيب الأحكام، ج 6، ص 242، ح 597؛ الاستبصار، ج 3، ص 13، ح 34.

298

في مقام بيان طريق ثان لها، و عدم إتيان لفظة أيضاً و نحوها يكشف عن كون بيان الطريق إلى العدالة قد ابتدأ من قوله (عليه السلام): «و تعرف» (1) فقرّر أنّ الجملة الأُولى قد أتت لبيان نفس مفهوم العدالة، فالمراد من قوله (عليه السلام): «أن تعرفوه بالستر و العفاف» (2) أن يكون الرجل ساتراً عفيفاً، و يشهد لذلك قوله (عليه السلام) في موثّقة سماعة: «لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً» (3).

قوله (عليه السلام): «بالستر و العفاف» الستر في اللغة تغطية الشي‏ء، و أُطلق في النصّ على الإباء عن ارتكاب الإثم، و هذا تغطية الإثم من الله تعالى و من الناس، و الإباء عن ترك ما يجب و عن فعل ما يحرم هو الستر، و يشهد بذلك العفاف الذي عطف عليه عطفاً تفسيريّاً، و العفاف بمعنى الكفّ عمّا لا يحلّ و لا يجمل، فالستر هو العفاف، و العفاف هو الستر.

قوله (عليه السلام): «و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» (4) هذا عطف تفسيري على الستر و العفاف، فإمّا أن يكون المعطوف و المعطوف عليه جميعاً تعريفاً واحداً للعدالة، أو كلّ واحد منهما تعريفاً مستقلا لها، و على كلا التقديرين فهما مفيدان لمعنى واحد، و إن كان دعوى الظهور في الاحتمال الثاني غير بعيدة.

و كيف كان فالستر و العفاف عبارة أُخرى عن كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، كما أنّ كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان هو الستر و العفاف.

قوله (عليه السلام): «و يعرف باجتناب الكبائر» (5).

بعد أنّ تفضّل (عليه السلام) ببيان أصل مفهوم العدالة أجاد بذكر طريق لمعرفتها بقرينة إتيان الفعل مبنيّاً للمفعول، فإنّه (عليه السلام) كان يستطيع أن يقول: و هي اجتناب الكبائر، لكنّه (عليه السلام) لم يقل، بل قال (عليه السلام): «و يعرف باجتناب الكبائر». و يشهد لذلك أنّ اجتناب‏

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 295.

(2) مرّ تخريجه في ص 295.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 372، الباب 29 من أبواب الشهادات، ح 3؛ الفقيه، ج 3، ص 27، ح 77.

(4) مرّ تخريجه في ص 295.

(5) مرّ تخريجه في ص 295.

299

هذه الكبائر التي أُشير إليها في النصّ ليست بعدالة قطعاً، بل الاجتناب عن كبائر أُخرى داخل في العدالة أيضاً، و إنّ الإتيان بالواجبات داخل فيها، فكيف يجوز أن يكون ذلك تعريفاً للعدالة؟ فهو إشارة إلى الطريق إلى ثبوتها، و يشهد له أيضاً أنّ الظاهر من الاجتناب ليس هو الاجتناب الواقعي حتّى يتناول الاجتناب الذي لا يراه أحد، بل المراد هو الاجتناب في المحضر حتّى يمكن أن يعرفه الناس، و يكون كاشفاً عن الاجتناب في الخلاء، و من المعلوم أنّ هذا الاجتناب أحد المصاديق لحسن الظاهر، فهو الطريق إلى معرفة العدالة.

قوله (عليه السلام): «و الدلالة على ذلك كلّه». (1) هذه الدلالة مصداق آخر لحسن الظاهر.

فإنّ قوله (عليه السلام): «أن يكون ساتراً لجميع عيوبه» (2) مترادف بحسب العمل الخارجي مع الاجتناب عن الكبائر.

و إن كان ستر جميع العيوب بحسب المفهوم أعمّ؛ لشموله الإتيان بجميع الواجبات و ترك جميع المحرمات.

قوله (عليه السلام): «و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس». (3) ذلك أيضاً من مصاديق حسن الظاهر، فأحد مصاديقه اجتناب المحرّمات، و أحد مصاديقه الإتيان ببعض الواجبات و التعاهد على المستحبّات التي يراها الناس كالصلاة جماعة، و الشاهد على ما قلناه قوله (عليه السلام): «فإذا سئل في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلا خيراً» (4) فإنّ من يقال هذا الكلام في حقّه يكون موصوفاً بحسن الظاهر في محلّته و قبيلته.

و اعلم أنّ العدالة هي الاجتناب عن جميع المعاصي، و حسن الظاهر عبارة عن الاجتناب عن قسم منها، و المراد من طريقيّة حسن الظاهر إلى العدالة أنّه قد جعل الاجتناب عن بعض المحرّمات طريقاً إلى معرفة الاجتناب عن جميعها.

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 295.

(2) مرّ تخريجه في ص 295.

(3) مرّ تخريجه في ص 295.

(4) مرّ تخريجه في ص 295.

300

حجّة القول بأنّ العدالة هي حسن الظاهر

استدلّ القائل بكون العدالة هي حسن الظاهر بنصوص:

منها: قوله (عليه السلام) في صحيح حريز: «إذا كان أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم». (1) و قوله (عليه السلام) في صحيح ابن المغيرة: «كلّ من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح جازت شهادته». (2) و قوله (عليه السلام) في مرسل يونس: «إذا كان ظاهره ظاهراً مأموناً جازت شهادته، و لا يسأل عن باطنه». (3) و قوله (عليه السلام) في خبر علقمة: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً و لم يشهد عليه شاهدان فهو من أهل الستر و العدالة، و شهادته مقبولة و إن كان في نفسه مذنباً». (4) و قوله (عليه السلام) في خبر علاء بن سيابة: «لا بأس، إذا كان لا يعرف الفسق» (5).

و التحقيق: عدم ظهور هذه النصوص في المدّعى؛ فإنّ الدليل أعمّ من المدّعى، لأنّ جميعها قد وردت لمقام بيان ما يترتّب عليه آثار العدالة في مقام العمل، فتصلح أن تكون الأوصاف الواردة فيها طريقاً إلى معرفة العدالة، فلا سبيل إلى دعوى دلالة هذه النصوص لبيان حقيقة معنى العدالة.

ثمّ إنّ ما يترتّب عليه آثار العدالة في مقام العمل قد يكون عند الجهل بمفهومها،

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 397، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 18؛ تهذيب الأحكام، ج 6، ص 277، ح 759؛ الاستبصار، ج 3، ص 14، ح 36.

(2) الفقيه، ج 3، ص 29، ح 87؛ تهذيب الأحكام، ج 6، ص 284، ح 783.

(3) وسائل الشيعة، ج 27، ص 392 393، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 3؛ الفقيه، ج 3، ص 9، ح 29.

(4) وسائل الشيعة، ج 27، ص 395 396، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 13؛ أمالي الصدوق، ص 91، ح 3.

(5) وسائل الشيعة ج 27، ص 413، الباب 54 من أبواب الشهادات، ح 3؛ الفقيه، ج 3، ص 30، ح 88.

301

و قد يكون عند الجهل بمصداقها حال العلم بمفهومها، و ليس ذلك إلا حسن الظاهر، فهو الذي يتنزّل منزلة العدالة، أو يكون طريقاً إلى معرفة ثبوتها، و يشهد لذلك أنّ هذه النصوص إنّما تكون في مقام بيان ما يترتّب عليه آثار العدالة.

فقوله (عليه السلام): «فهو من أهل الستر و العدالة» ظاهر في تنزيل الموصوف بهذه الصفات منزلة العادل، و إلا كان (عليه السلام) يقول: «فهو عدل».

مضافاً إلى أنّ جميع هذه النصوص متّفقة بحسب المعنى مع ما وقع في ذيل صحيحة عبد الله بن أبي يعفور بعد قوله (عليه السلام): «و الدلالة على ذلك كلّه» (1).

و الدالّ يجب أن يكون مغايراً للمدلول.

العدالة ملكة

الحريّ بالبحث أن ننظر إلى ما يفيد النصّ في حقيقة معنى العدالة.

فنقول و بالله التوفيق و عليه التكلان: إنّ العفاف صفة نفسيّة، و هي التي تمنع العفيف عن ارتكاب فعل ليس بحلال. و الكفّ أيضاً فعل نفسي، و هو الذي يكون مصدراً للكفّ الخارجي.

فالإباء و الامتناع و الحياء و الكفّ و العفاف و ما شابه ذلك من الأفعال و الصفات كلّها تعبيرات عن أفعال نفسيّة، و يدلّ على ذلك أنّ العفيف عفيف و أنّ الحيّ حيّ و لو لم يتّفق لهما في الخارج ما يعفّ عنه أو يستحيي منه.

ثمّ إنّ الاتّصاف بالستر و العفاف لا يصدق على الإباء عن ارتكاب إثم مرّة، بل الصدق موقوف على استمرار الإباء في برهة من الزمان، كما أنّ لقوله (عليه السلام): «كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» (2) ظهور في الفعل المستمر، فلا يصدق على من امتنع عن ارتكاب ذنب في زمان حال دخوله في الإثم في زمان آخر أنّه كافّ لبطنه و فرجه و يده و لسانه.

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 295.

(2) مرّ تخريجه في ص 295.

302

فالفقرتان ظاهرتان في اشتراط الاستمرار لذلك الفعل النفسي، و لا تشملان الصفة النفسيّة التي منعت عن ارتكاب الجريمة مرّة واحدة؛ لأنّ الامتناع عن الدخول في الجريمة مرّة واحدة موجود في كثير من الاثمين لو لم نقل بوجوده في جميعهم.

فالنصّ ظاهر في كون العدالة هي الإباء المستمرّ عن الإثم في زمان غير قصير، و لا نعني من الملكة إلا ذلك، فإنّها صفة نفسانيّة راسخة لا تزول بسرعة، و تصير سبباً لصدور أفعال أو تروك في الخارج على سبيل الاستمرار في زمان غير قصير.

فانظر إلى ملكة الشجاعة، أو ملكة الكرم، فإنّ من أظهر البسالة في موقف حال ظهور جبن منه في موقف آخر لا يقال له: شجاع، أو من أعطى في ساعة و بخل في ساعة أُخرى لا يقال له: كريم، فدوام البسالة و استمرار العطاء مقوّم لصدق الشجاع و الكريم، و كذلك الحال في سائر الصفات النفسيّة.

فللعدالة ملكة نفسانيّة مثل: ملكة الشجاعة و ملكة الكرم، و يدلّ على كون العدالة صفة نفسيّة قوله: «من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروءته و ظهرت عدالته» (1).

فالمتبادر من قولهُ: «ظهرت عدالته» أنّ العدالة شي‏ء، و ظهورها شي‏ء آخر، فالعدالة صفة كامنة في النفس تظهر من أثارها الخارجيّة، و منها الأُمور الثلاثة التي تفضّلُ بالتصريح بها، و المروءة صفة للمرء باعتبار أفعالها الخارجيّة، و إليها يشير قوله: «كملت مروءته».

و يدلّ على أنّ المبدأ في أمثال هذه الصفات مأخوذ بنحو الملكة، يصدق العفيف على الموصوف بالعفّة في جميع حالاته حتّى في حال لا يكون فاعلًا لواجب، أو تاركاً لحرام، كما يصدق الشجاع على الموصوف بالشجاعة حتّى حال عدم صدور فعل منه، و يصدق الكريم على الموصوف بالكرم حال كونه نائماً.

و كذلك الحال في صدق بقيّة العناوين الواردة في النصوص و قد كانت ألفاظها

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 294.

303

مختلفة، و معانيها متقاربة، مثل: الخيّر و الصائن و العدل.

فإن قال أحد: هذه العناوين و إن كانت دالّة على الملكة لكنّها لا تدلّ على الملكة الخاصّة المعتبرة في العدالة؛ لإمكان حصول الملكة للمتلبّس بها من جهة أُخرى، كطلب المنزلة عند الناس.

يقال له: إنّ من يأبى الدخول في الجريمة و هو في المحضر، و لا يأبى الدخول فيها في الخلوة ليس بعفيف و إن كان الناس يتوهّمون أنّه عفّ، و هو فاقد لملكة العفّة؛ لأنّ واجدها يأباه في جميع أحواله. كيف و نسبة الملكة إلى الأفعال الصادرة منها نسبة العلّة إلى المعلول؟ و التفكيك بينهما غير جائز، ففاعليّة الملكة بالنسبة إلى الأفعال الخارجيّة طبيعيّة، نعم، قد تصير الملكة مغلوبة في بعض الأحوال من جهة معارضتها بأقوى منها، لكن المغلوبيّة لا تنافي وجود الملكة، و هذه غير الامتناع في المحضر، و الاقتراب في الخلوة؛ فإنّ الملكة عند صيرورتها مغلوبة لا تختلف عن الخلوة و الجلوة.

و ممّا تلونا عليك قد ظهر لك قوّة المسلك الثالث من مسالك القوم في العدالة، و هو الذي سلكه العلامة (قده) و تبعه كثير ممّن تأخّر عنه.

قال صاحب الذخيرة على ما حكي عنه بعد ذكر تعريف العدالة بالملكة.

إنّي لم أجد ذلك في كلام من تقدّم على المصنّف، و ليس في الأخبار منه شاهد و لا أثر، و كأنهم اقتفوا في ذلك أثر العامّة، حيث يعتبرون ذلك في مفهوم العدالة، و يوردونه في كتبهم. (1) أقول: أمّا عدم وجود هذا التعريف في كلام من تقدّم على العلامة فغير مضرّ به، فكم ترك الأوّل للآخر؟ و أمّا دعوى عدم وجود شاهد عليه في الأخبار فغير صحيحة، فقد مرّ بيان دلالة النصّ الصريح عليه، بل و نصوص أُخرى، ثمّ إنّ هناك وجوهاً أُوردت على القول بالملكة:

أحدها: ما عن المحقّق البهبهاني في شرح المفاتيح:

____________

(1) ذخيرة المعاد، ص 305.

304

من أنّ حصول الملكة بالنسبة إلى جميع المعاصي بمعنى صعوبة الصدور، ربّما يكون نادراً بالنسبة إلى نادر من الناس إذا فرض تحقّقه، و يعلم أنّ العدالة ممّا تعمّ به البلوى، و تكثر إليها الحاجات في العبادات و المعاملات و الإيقاعات.

فلو كان الأمر كما يقولون لزم الحرج، و اختلّ النّظام، مع أنّ القطع حاصل بأنّ في زمان الرسولُ و الأئمّة «ما كان الأمر على هذا النهج، بل من تتبّع الأخبار الكثيرة يحصل له القطع بأنّ الأمر لم يكن كما ذكروه في الشاهد، و لا في إمام الجماعة، و يؤيّده ما ورد في أنّ إمام الصلاة إذ أحدث، أو حدث له مانع آخر أخذ بيد آخر و أقامه مقامه. (1) انتهى بتلخيص و تغيير.

و الجواب: بعد تسليم الندوة أنّ القول بالملكة إنّما يستلزم الحرج و اختلال النظام إذا لم يجعل حسن الظاهر وجوداً تنزيليّاً للعدالة، و أمّا إذا جعل كما هو الحقّ فلا يستلزم ذلك، مضافاً إلى أنّ الندور محلّ منع.

قال شيخنا الأنصاري (قده):

إنّ المعتبر في العدالة هو الحالة التي يجد الإنسان بها مدافعة الهوى في أوّل الأمر و إن صارت مغلوبة بعد ذلك؛ و لذا تصدر الكبيرة عن ذي الملكة كثيراً، و هذه الحالة غير عزيزة على الناس و ليس بنادر حتّى يلزم من اعتبارها الحرج و الاختلال.

بل الإنصاف أنّ الاقتصار على ما دون هذه المرتبة يوجب تضييع حقوق الله و حقوق الناس‏ (2).

ثانيها: ما عن السيّد الصدر شارح الوافية و ملخّصه:

«أنّي لم اطّلع على دليل ظنّي فضلًا عن القطعي على اعتبار الشارع العدالة بمعنى الملكة» (3).

____________

(1) رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 25.

(2) انظر رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 28.

(3) انظر رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 26، مع اختلاف يسير.

305

و صحيح ابن أبي يعفور (1) على خلاف ذلك أدلّ.

و أمّا جعل حسن الظاهر طريقاً إلى معرفة الملكة فمستلزم لئلا تكون ثمرة للنزاع في أنّ العدالة ماذا؟

أقول: و لعلّه قد أخذ ذلك من كلام المحقّق السبزواري في الذخيرة (2). و إنّك قد عرفت دلالة النصوص على اعتبار الشارع العدالة بمعنى الملكة.

و كيف يكون صحيح ابن أبي يعفور على خلاف القول بالملكة أدلّ؟ و قد فسّر فيه العدالة بالستر و العفاف تارة، و بكفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان أُخرى، مع أنّ العفاف و الكفّ من أفعال النفس.

و أمّا الثمرة لجعل حسن الظاهر طريقاً إلى ثبوت العدالة بمعنى الملكة فهي عدم اشتراط القطع، و الوثوق بوجود الملكة لترتيب آثار العدالة، و عدم لزوم الفحص عن خفايا الناس و أسرارهم، و كفاية ظاهرهم المأمون لترتيب آثار العدالة، و لو لم يكن حسن الظاهر طريقاً للزم الفحص عنها، و لم يكن الظاهر المأمون كافياً.

ثالثها: أنّ الحكم بزوال العدالة عند عروض ما ينافيها من معصية أو خلاف مروءة، و رجوعها بمجرّد التوبة ينافي كون العدالة هي الملكة.

و قد أجاب عنه شيخنا الأنصاري (قده) ب:

أنّ المعتبر في مانعيّة الملكة عن صدور المعصية هو المنع الفعلي؛ إذ لا قائل بكون العدالة مجرّد الملكة من غير اعتبار للمنع الفعلي.

و أمّا التوبة فهي رافعة لحكم المعصية و تجعلها كغير الواقع، فزوال العدالة بالكبيرة حقيقي، و عودها بالتوبة تعبّدي، بل الندم على المعصية يعيد الحالة السابقة، و هي الملكة المتّصفة بالمنع؛ إذ لا فرق بين من يمنع ملكته عن ارتكاب المعصية، و بين من توجب عليه تلك الملكة الندم على ما مضى منه لامتناع صدور المعصية حال الندم‏ (3).

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 295.

(2) ذخيرة المعاد، ص 305.

(3) راجع رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 30 و 31.

306

و يرد عليه:

أنّ زوال العدالة بالكبيرة ليس بحقيقي، بل هو تعبّدي، فإنّ الملكة في جميع الصفات النفسيّة التي تكون سبباً لأفعال خارجيّة لم تؤخذ بنحو العليّة التامّة، بل أُخذت بنحو المقتضي؛ و لذا قالوا: إنّ الجواد قد يكبو و إنّ الصارم قد ينبو، فأخذ ملكة العدالة بنحو العلّيّة التامّة أمر تعبّدي جاء من ناحية الشارع، و أمّا عودها بالتوبة فليس بتعبّدي؛ لأنّ مغلوبيّة الملكة في مورد غير ملازم لزوالها، فهي عند صدور كبيرة ليست بزائلة حتّى يكون عودها بالتوبة تعبّديّاً، و من المعلوم أنّ الندم على المعصية يصحّ أن يجعل أمارة على بقاء الملكة، فليس بمعيد لها.

فالصواب في الجواب أن يقال: إنّ زوال العدالة عند عروض ما ينافيها غير مناف لكون العدالة هي الملكة؛ لأنّ ملكة العدالة قد أُخذت بنحو الاقتضاء كبقيّة الملكات للصفات، كما أنّ رجوعها بمجرّد التوبة غير مناف أيضاً مع كون العدالة ملكة بهذا المعنى، نعم، ملكة العدالة عند الشرع قد أُخذت بنحو العلّيّة، و هي تزول عند ارتكاب كبيرة.

و بعبارة أُخرى: إنّ صدور المعصية من صاحب الملكة لازم أعمّ لزوالها، بمعنى أنّه غير كاشف عن زوال ملكة العدالة الطبيعيّة و إن كان يكشف عن زوال العدالة الشرعيّة، فإذا صدرت معصية من عادل فإمّا أن يحصل الندم على فعلها أم لا. فإن حصل فهو كاشف عن بقاء الملكة الطبيعيّة، فبالندم و العزم على عدم العود يمكن القول بتحقّق مصداق العدالة الشرعيّة، فإنّ ما يزول بسرعة يعود بسرعة، و أمّا إذا لم يحصل الندم على فعلها فلم تعد العدالة.

رابعها: ما هو المشتهر بينهم من تقديم الجارح على المعدّل. و ذلك لا يتأتّى إلا على القول بأنّ العدالة هي نفس حسن الظاهر، و أمّا على القول بأنّها الملكة فلا يتّجه؛ لأنّ المعدّل إنّما ينطق عن علم حصل له بعد طول المعاشرة و الاختبار، أو بعد الجهد في تتبّع الآثار، فيبعد صدور الخطإ منه.

و يرشد إلى ذلك تعليلهم تقديم الجرح بأنّ الأخذ بقول الجارح تصديق له و تصديق للمعدّل؛ لأنّه لا مانع من وقوع الجرح و التعديل، بأن يكون كلّ منهما اطّلع على‏

307

ما يوجب أحدهما، و أنت خبير بأنّ المعدّل على القول بالملكة إنّما يخبر عن علم بالملكة، و ما هو عليه في نفس الأمر، ففي تقديم الجرح و تصديقهما معاً جمع بين النقيضين.

و الجواب عنه:

أوّلًا: أنّ ذلك يرد على القائل بالملكة إن لم يكن قائلًا بجعل حسن الظاهر طريقاً لها، و إلا فإن كان قائلًا بذلك كما هو الحقّ فأخبار المعدّل كما يمكن أن يكون عن علم حصل له بالملكة، كذلك يمكن أن يكون حصوله من ناحية ظاهر الراوي المأمون، و لا بأس بدعوى كون كثرة التعديلات ناشئة من إحراز حسن الظاهر.

و ثانياً: أنّه على القول بأنّ العدالة هي الملكة لا يصير تقديم الجرح و تصديقهما معاً جمعاً بين النقيضين؛ فإنّ حصول الملكة لأحد غير ملازم لدوامها و بقائها في جميع حياته، فأخبار المعدّل و إن كان عن وجودها، و إخبار الجارح و إن كان عدمها لكنّهما غير متعرّضين لوحدة الزمان فيما يخبران عنه، فلا يكون تصديقهما معاً جمعاً بين النقيضين؛ لأنّ وحدة الزمان شرط في التناقض.

تكميل: إنّ القول بأنّ العدالة هي الاستقامة في الأعمال‏

و أنّها صفة للأفعال الخارجيّة فقط لا يخلو من ضعف؛ إذ يرد عليه:

أوّلًا: إنّ هذا القول مستلزم لصدق العدل على من أتى بالواجبات بداع إلهي و ترك المحرّمات بداع غير هذا الداعي.

و ثانياً: أنّ الاستقامة في العمل ليس هي الاستقامة فيه من بدء زمان التكليف إلى آخر العمر قطعاً، كما أنّه ليس المراد منها هي الاستقامة خصوص زمان ترتيب أثر العدالة، بل المراد هو الاستقامة في مقدار من الزمان يمضي في إتيان الواجبات و ترك المحرّمات، بحيث يصدق عليه أنّه مستقيم العمل أو عدل أو خيّر أو غيرها من الأوصاف الواردة في النصوص، و هذا يدلّ على أنّ العدالة هي ملكة نفسانيّة؛ إذ لا حصول للاستقامة في المقدار المعتبر من الزمان إلا بالملكة، فالاستقامة لا تحقّق لها إلا بالمراقبة، و هي حاصلة

308

بالملكة، بل المراقبة في زمان غير قصير محصّلة للملكة.

و ثالثاً: أنّ الاستقامة في العمل جعلت في النصوص معرّفاً للعدالة، و وجوداً تنزيليّاً لها، و سيجي‏ء الكلام فيها تفصيلًا، فليست هي نفس العدالة؛ لأنّ المعرّف مغاير للمعرّف.

اشتراط التأثير الفعلي للملكة

قد أجمع فقهاؤنا على أنّ ارتكاب الكبيرة و لو مرّة واحدة مضرّ بالعدالة. (1) فالعدل من لا يرتكب كبيرة أصلًا، و يدلّ على ذلك إطلاق قوله (عليه السلام) في الصحيحة: «و يعرف باجتناب الكبائر» (2) و إطلاق قوله (عليه السلام): «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه» (3). و يشهد لذلك خبر علقمة: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً و لم يشهد عليه شاهدان فهو من أهل الستر و العدالة» (4) و خبر علاء بن سيابة: «لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق» (5).

فإنّ تنكير الذنب و الفسق في الخبرين يشمل الدخول في الجريمة و لو مرّة واحدة، فمن دخل فيها مرّة فقد خرج عن نطاق العدالة. هذا كلّه بمقتضى الشرع.

فإنّ ظاهر النصّ و الفتوى اشتراط التأثير الفعلي للملكة، فهي مأخوذة بنحو العلّيّة، لكن ملكات الصفات عند غير الشارع مأخوذة بنحو المقتضي، لا بنحو العلّيّة التامّة، و لذا جبن الشجاع في ملحمة غير دالّ على زوال ملكة الشجاعة، فقد يجتمع الجبن مع الشجاعة إمّا لضعف في الملكة، أو لقوّة المعارضة، بخلاف ملكة العدالة عند الشارع فإنّها لا تجتمع مع أيّ كبيرة أصلًا.

و قد تحصّل ممّا ذكرنا أنّ العدالة صفة نفسانيّة حاصلة من خوف الله تعالى، تجعل‏

____________

(1) منهم العلامة الحلّي في المختلف، ج 8، ص 499.

(2) مرّ تخريجه في ص 295.

(3) مرّ تخريجه في ص 295.

(4) مرّ تخريجه في ص 300.

(5) مرّ تخريجه في ص 300.

309

المرء مراقباً لنفسه، و مواظباً على أفعاله و أقواله في جميع أحواله، و إن شئت قلت: إنّها ملكة الاجتناب عن محارم الله، و لا يخفى أنّ تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلّيّة، فالاجتناب من الحرام من جهة كونه من محارم الله جعلنا الله و إيّاكم من زمرة المجتنبين عنها.

الاجتناب عن الصغيرة

هل الاجتناب عن صغار الذنوب داخل في العدالة أم لا؟

و جهان، بل قولان:

احتجّوا للقول الأوّل بإطلاق متعلّق الستر و العفاف، فإنّ حذف المتعلّق مفيد للإطلاق، و مثله قوله (عليه السلام): «و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» (1) و هما مفيدان بأنّ العدالة متقوّمة بالاجتناب عن مطلق الاثام، كبارها و صغارها، و مثلهما عموم قوله (عليه السلام): «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه» (2) إذ من المعلوم أن كلمة الجميع من أدوات العموم.

و يمكن أن يقال: إنّه لمّا كانت الكبيرة لا يختصّ صدورها بالبطن و الفرج و اليد و اللسان، بل قد تكون صادرة من عضو آخر، مثل: الفرار من الزحف، و مثل: الرياء، فإنّ صدورها غير مختصّ بكونه من عضو خاصّ، و مثلها: عقوق الوالدين، فيكون تخصيص الأعضاء الأربعة بالذكر من جهة كثرة صدور الكبائر منها.

إذا تبيّن ذلك فإطلاق الكفّ لا يخلو من إشكال، من جهة احتمال قرينيّة الموجود لسوق الكلام إلى الكبائر فقط، كما يسري الإشكال في إطلاق الستر و العفاف.

فإنّ الفقرتين متداخلتان من حيث المدلول و واردتان لإفادة معنى واحد.

و ممّا ذكرنا ظهر النظر في الاستدلال بعموم قوله (عليه السلام): «بجميع عيوبه» (3).

فإنّ سبق الكلام بشي‏ء قد يصير قرينة على أنّ المقصود من العيب هو الكبيرة فقط،

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 295.

(2) مرّ تخريجه في ص 295.

(3) مرّ تخريجه في ص 295.

310

و هناك قرينة أُخرى شاهدة، و هي الفقرة التي جاءت في ذيل هذا الكلام، و هي قوله (عليه السلام): «حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه» (1) فلو كان المقصود من قوله (عليه السلام): «جميع عيوبه» جميع الكبائر و الصغائر لما بقي ما وراء ذلك عيب و عثرة، مع أنّ المتبادر منه وجود عيوب و عثرات ما وراء تلك العيوب.

و يمكن الاستدلال لعدم دخول الاجتناب عن الصغائر في العدالة بإطلاق قوله (عليه السلام): «و يعرف باجتناب الكبائر» (2) فإطلاقه حاكم بعدالة من عرف باجتناب الكبائر، سواء عرف باجتناب الصغائر أم لا.

و من القريب أن تكون الكبائر مبيّنة لما حذف من متعلّقي الجملتين. فيكون إطلاق المتعلّق فيهما منفيّاً.

ثمّ إنّ الاجتناب عن الكبائر إمّا يكون نفس العدالة بناء على كونها الاستقامة في الأعمال، و إمّا أن يكون كاشفاً عنها بناء على كونها ملكة، و على كلا التقديرين يدلّ الكلام على عدم اشتراط الاجتناب عن الصغائر في العدالة، أمّا على الأوّل فواضح، و أمّا على الثاني فلاعتبار المساواة بين الكاشف و المنكشف.

و يمكن الاستدلال على عدم دخول الاجتناب عن الصغيرة فيها بإطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة حريز: «إذا كان أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم» (3). فإنّ شهادة الزور في النصّ من باب المثال، فهي كناية عن مطلق الكبائر. و مثله ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ المسلمين عدول، بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حدّ لم يتب منه، أو معروفاً بشهادة الزور، أو ظنيناً» (4).

و أمّا خبر علا بن سيابة، حيث قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام): عن شهادة من يلعب بالحمام؟

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 295.

(2) مرّ تخريجه في ص 295.

(3) مرّ تخريجه في ص 300.

(4) وسائل الشيعة، ج 27، ص 211 212، الباب 1 من أبواب آداب القاضي، ح 1؛ الكافي، ج 7، ص 412 413، ح 1.

311

فقال (عليه السلام): لا بأس، إذا كان لا يعرف بفسق» (1).

و خبر علقمة: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً أو لم يشهد عليه شاهدان فهو من أهل الستر و العدالة» (2).

فلا سبيل للمعارضة في حقّهما؛ لضعف في سنديهما، و في دلالتيهما من جهة الشكّ في إطلاق الفسق و الذنب بحيث يعمّ الصغيرة.

فإنّهما واردان مورداً آخر، فلا نظر لهما من هذه الجهة؛ و لاحتمال انصراف الفسق و الذنب إلى الكبيرة؛ إذ لا يطلق الفسق أو الذنب على الصغيرة إلا بالتوصيف بالصغر، فيقال: ذنب صغير.

نعم، الإصرار على الصغيرة داخل في الكبيرة بحكم النصّ كما سيأتي.

إذن الاجتناب عن الإصرار عليها داخل في الاجتناب عن الكبائر.

هل المروءة معتبرة في العدل؟

إنّ من الأصحاب من قد اعتبر المروءة في العدل و منهم من لم يعتبر.

و الذي ينبغي أن يقال: إنّ للمروءة في لسان الأخبار و كلمات الفقهاء إطلاقات.

منها: قول أبي عبد الله (عليه السلام): «المروءة مروءتان: مروءة الحضر و مروءة السفر، فأمّا مروءة الحضر فتلاوة القرآن، و حضور المساجد، و صحبة أهل الخير، و النظر في الفقه، و أمّا مروءة السفر فبذل الزاد، و المزاح في غير ما يسخط الله، و قلّة الخلاف على من صحبك، و ترك الرواية عليهم إذا أنت فارقتهم» (3).

و يقصد من المروءة في هذا الحديث صنف من محاسن الاداب التي تتعلّق بالمرء باعتبار نفسه، و باعتبار عشرته مع غيره.

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 300.

(2) مرّ تخريجه في ص 300.

(3) وسائل الشيعة، ج 11، ص 436، الباب 49 من أبواب آداب السفر، ح 12، مع اختلاف يسير؛ معاني الأخبار، ص 258، ح 8.

312

و منها: قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا تتمّ مروءة الرجل حتّى يتفقّه في دينه، و يقتصد في عيشته، و يصبر على النائبة إذا نزلت به، و يستعذب مرارة إخوانه» (1).

و يقصد من المروءة في هذا الكلام الفضيلة و حسن الشيم.

و منها: قوله (عليه السلام) حين سئل عن المروءة فقال (عليه السلام): «لا تفعل شيئاً في السرّ تستحي منه في العلانية» (2) و قول السبط الأكبر (عليه السلام) في جواب من سأله عن المروءة: «شحّ الرجل على دينه، و إصلاحه ماله، و قيامه بالحقوق» (3) و يقصد من المروءة فيهما ما يقرب من معنى العدالة.

و منها: قولهُ: «من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممّن كملت مروءته و ظهرت عدالته» (4).

و يقصد من المروءة في هذا الكلام ما يقرب العدالة، لكنّها تفترق عنها بأنّ المروءة صفة للجوارح، و العدالة صفة للجوانح.

لكنّ المروءة في لسان الفقهاء الذين قالوا بدخولها في العدالة زائداً على أصل معناها غير المعنى الذي يراد من النصوص، و أوّل من اعتبرها منهم حسب ما أعلم العلامة (5) (قده)، فإنّك قد عرفت أنّ المفيد (6) و الشيخ‏ (7) و الحلّي‏ (8) لم يجعلوها داخلة في مفهوم العدالة عند الشرع.

و من المناسب أن نبيّن المراد من المروءة في لسانهم قبل الدخول في البحث عن‏

____________

(1) بحار الأنوار، ج 78، ص 63، ح 148.

(2) بحار الأنوار، ج 78، ص 63، ح 149.

(3) وسائل الشيعة، ج 11، ص 435، الباب 49 من أبواب آداب السفر، ح 6؛ معاني الأخبار، ص 257، ح 2.

(4) مرّ تخريجه في ص 294.

(5) تحرير الأحكام الشرعية، ج 2، ص 208؛ قواعد الأحكام، ج 2، ص 236.

(6) المقنعة، ص 725.

(7) النهاية، ص 325.

(8) شرائع الإسلام، ج 4، ص 127.

313

اعتبارها في العدالة حتّى يكون البحث على بصيرة، فنقول: إنّ أكثرهم لم يفسّروا المروءة في كلماتهم حقّ التفسير، و اكتفوا لها بالمثال، و قد مرّ عليك كلام الشيخ و ابن إدريس في أوائل البحث.

قال صاحب الحدائق:

فسّروا المروءة باتّباع محاسن العادات، و اجتناب مساوئها، و ما تنفر عنه النفس من المباحات، و يؤذن بدناءة النفس و خسّتها كالأكل في الأسواق و المجامع، و البول في الشوارع، و كشف الرأس في المجامع، و تقبيل الزوجة أو الأمة في المحضر، و لبس الفقيه لباس الجندي، و المضايقة في اليسير الذي لا يناسب الفقيه‏ (1).

أقول: إنّ الذي يؤذن بدناءة النفس و لؤمها هو المثال الأخير فقط دون البقيّة، و إنّ بعض هذه الأمثلة يكشف عن قلّة العقل فلا صلة له بالعدالة.

ثمّ إنّ محاسن العادات و مساوئها مختلفة بحسب الأقوام و الأعصار و البلاد، بل بالنسبة إلى الأفراد، بل بالنسبة إلى شخص واحد في حال دون حال.

ثمّ قال (قده):

إنّ اعتبار المروءة في العدالة يدفعه ما ورد عنه: أنّه كان يركب الحمار العاري، و يردف خلفه، و أنّه كان يأكل ماشياً إلى الصلاة بجمع من الناس في المسجد، و أنّه كان يحلب الشاة، و نحو ذلك. (2) و نظير هذا الكلام ما ورد من إظهار حبّه لبنته الصدّيقة و الحسنين»، و حملهما على نفسه الكريمة حال الصلاة، حال كونه إماماً للجماعة.

و التحقيق: أنّ هذه السيرة غير دالّة على عدم اعتبار المروءة في العدالة لما عرفت من اختلاف العادات بحسب الأشخاص و الأزمان و البلاد، فقد تكون عادة تنافي المروءة بحسب رجل و لا تنافي المروءة بحسب رجل آخر.

و من المعلوم: أنّ المصلح العظيم الذي يقصد كسر أصنام الجاهليّة و السنن الوثنيّة

____________

(1) الحدائق، ج 10، ص 15.

(2) الحدائق، ج 10، ص 16.

314

مريداً إرشاد قومه و إسعادهم يجب أن تكون له مثل هذه السيرة.

مضافاً إلى أنّه قد ورد عنهُ التزامه بترك منافيات المروءة، فلم ير على غائط قطّ و ما شابه ذلك من محاسن الأوصاف و فضليات الاداب، و فسّر الماتن منافيات المروءة بما يدلّ على عدم مبالاة مرتكبها بالدين.

و يرد عليه: أنّ هذا المعنى كيف يكون زائداً على معنى العدالة؟ فالعادل الذي حصلت له ملكة الكفّ عن الذنوب هل يمكن أن يكون غير مبال بالدين، حتّى يصير اعتبار المروءة أمراً زائداً على وصف العدالة؟ بل ذلك المعنى نفس العدالة دون غيرها.

و من المعلوم: أنّ فرض وجوب العدالة من دون المبالاة بالدين فرض لاجتماع النقيضين، فهل يكون العدل غير مبال بالدين؟

و الحقّ في تفسير المروءة ما ذكره فخر الدين في الإيضاح من أنّها:

اجتناب ما يسقط المحلّ و العزّة من القلوب، و يدلّ على عدم الحياء، و عدم المبالاة من الاستنقاص‏ (1).

إذن، إنّ المروءة ليست بصفة واقعيّة، بل هي أمر اعتباري يختلف حسناً و قبحاً باختلاف الأزمان و البلاد و الأشخاص و الأشغال و سنيّ العمر، بل يختلف أيضاً بحسب اختلاف النظّار، فلا سبيل إلى الحكم عليها بالحسن المطلق، و على منافياتها بالقبح المطلق.

نعم، هناك أوصاف منافية للمروءة، ربّما تكون قبيحة عند جميع الناس في جميع الأحوال. قال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام):

«المروءة أن لا تطمع فتذلّ، و لا تسأل فتقلّ، و لا تبخل فتشتم، و لا تجهل فتخصم» فقيل: و من يقدر على ذلك؟ فقال (عليه السلام): «من أحبّ أن يكون كالناظر في الحدقة، و المسك في الطيب، و كالخليفة في يومكم هذا في القدر» (2).

____________

(1) إيضاح الفوائد، ج 4، ص 420.

(2) بحار الأنوار، ج 78، ص 172، ح 5.

315

و لا يعدّ خافياً على أحد أنّه لا يجوز الحكم بالفسق على الصفة التي تسقط عزّة الموصوف بها عن القلوب، بل إذا نفي عن الموصوف بها كمال العقل أولى من أن تنفي عنه العدالة.

و قريب لما ذكره الفخر ما عن الشهيد (قده):

«إنّ المروءة تنزيه النفس عن الدناءة التي لا تليق بأمثالها» (1).

ثمّ اعلم أنّ المنافي للمروءة لا يختصّ بالأفعال كما توهم الأمثلة المذكورة في كلمات القوم، بل يعمّ الأقوال التي تسقط عزّة فاعلها عن القلوب. فإذا تبيّن معنى المروءة نقول: الحقّ عدم اعتبار المروءة في العدل زائداً على الكفّ عن الاثام؛ لأنّه يلزم من اعتبارها فيه أن يكون الرجل عادلًا في بلد أو عند قوم، و ليس بعادل عند الشرع في بلد آخر و عند قوم آخر، مع اتّحاد في أفعاله الشرعيّة، و لا يجوز اجتماع النقيضين عند الشرع.

مضافا إلى ذلك أنّ لازم اعتبار وصف المروءة في العادل ارتفاع وصفي العادل و الفاسق عمّن يصلح للاتّصاف بكلّ منهما إذا كان كافّ عن الاثام، دون منافيات المروءة مع أنّ العدالة صفة للشخص باعتبار نفسه، و اتّصافه بها غير تابع لمعرفة أحد بذلك، فللعدالة وجود واقعي ثبوتي غير تابع لوجودها العلمي الإثباتي، و لذلك جعلت من ناحية الشرع أمارات لمعرفتها عند الجهل بها، بخلاف صفة المروءة فإنّ ثبوتها عين إثباتها، و وجودها العيني تابع لوجودها العلمي، و افتراض وجودها مخفيّاً عن الغير فرض لاجتماع النقيضين. سيّما أنّ المروءة أمر يظهر بمجرّد المعاشرة، فلا تحتاج إلى أمارة منصوبة لمعرفتها، و هذا هو الحال في جميع الأوصاف التي تكون موجوديّتها تابعة لمعلوميّتها.

و يلزم من اعتبار الاجتناب عن منافي المروءة في العدالة أن يكون صدور فعل واحد في المحضر مضرّاً بالعدالة، لكنّه إذا صدر في الخلوة يكون غير مضرّ، فيصير حكم الخالق تابعاً لحكم المخلوق!

____________

(1) الدروس، ج 2، ص 125.

316

و يدل على عدم اعتبار المروءة في العادل إطلاق قوله (عليه السلام): «و يعرف باجتناب الكبائر» (1) فإنّ المتبادر منه أنّ من عرف باجتناب الكبائر تقبل شهادته بين المسلمين لهم و عليهم و لو كان مرتكباً لخلاف المروءة، و يدلّ عليه أيضاً الإطلاق المقامي الوارد في صحيح ابن أبي يعفور، فإنّ الإمام عند الجواب عن سؤاله يكون في مقام بيان جميع ماله دخل في قبول الشهادة، فهذا الإطلاق حاكم بعدم اعتبار المروءة في العادل.

و كذا إطلاق قوله (عليه السلام): «إذا كان أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم» (2) و أمّا خبر علاء بن سيابة فهو نصّ على عدم اعتبار المروءة حيث قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شهادة من يلعب بالحمام؟ قال (عليه السلام): «لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق» و مثله إطلاق خبر علقمة: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً، و لم يشهد عليه شاهدان، فهو من أهل الستر و العدالة، و شهادته مقبولة و إن كان في نفسه مذنباً» (3).

ثمّ إنّه لو كانت المروءة معتبرة في العدل لدى الشارع لبان من جهة كثرة الابتلاء به، و أنت لا تجد الدلالة عليها، و لا الإشارة إلى اعتبارها في خبر، فعدم الدليل على اعتباره دليل العدم، و يشهد على عدم اعتبارها اتّفاق النصّ و الفتوى على عود العدالة بالتوبة من الفسق، فالتائب من الذنب عادل و لو كان مرتكباً لخلاف المروءة.

احتجّ من قال باعتبار المروءة في العدل بفقرات ثلاث من صحيح ابن أبي يعفور:

الأُولى: قوله (عليه السلام): «بأن تعرفوه بالستر و العفاف» (4).

وجه الدلالة أنّ حذف المتعلّق دليل على العموم فيعمّ جميع العيوب الشرعيّة و العرفيّة.

الثانية: قوله (عليه السلام): «كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان» (5).

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 295.

(2) مرّ تخريجه في ص 300.

(3) مرّ تخريجه في ص 300.

(4) مرّ تخريجه في ص 295.

(5) مرّ تخريجه في ص 295.