الاجتهاد والتقليد

- السيد رضا الصدر المزيد...
415 /
317

وجه الدلالة ما مرّ فيفيد عموم الكفّ عن القبائح الشرعيّة و العرفيّة.

الثالثة: قوله (عليه السلام): «و أن يكون ساتراً لجميع عيوبه» (1).

وجه الدلالة أنّ لفظ الجميع من أدوات العموم.

و التحقيق: عدم صحّة هذا الاحتجاج؛ إذ المتبادر من الستر و الكفّ في كلام الشارع تعلّقهما بما يكون عيباً عنده و يقبح لديه، و مناسبة الكلام مع المتكلّم شاهدة لذلك، فالحمية في لسان الطبيب منصرفة إلى عموم ما يجب الاحتماء عنه عند الطبيب، فلا يشمل الاحتماء المطلوب عند قائد الجيش في ساحة القتال، فإفادة حذف المتعلّق توجب الانصراف إلى العيوب التي تكون عيباً لدى الشارع دون غيره، كما يشهد بذلك قوله (عليه السلام): «و يعرف باجتناب الكبائر» (2).

فدعوى أنّ المتبادر من الكفّ في كلام وليّ الله هو الكفّ عن حرمات الله لا الكفّ عن حرمات قرية شدغيث مسلّمة، مع أنّ المتبادر من الستر و العفاف هو التستر و التعفّف عن العيب الحقيقي، لا العيب الذي يكون عيباً عند قوم و ليس بعيب عند قوم آخرين، فظهر النظر في الاحتجاج بعموم قوله (عليه السلام): «أن يكون ساتراً لجميع عيوبه» (3).

و لا يخفى أنّ اشتراط العدالة في الشاهد في الإسلام إنّما يكون من باب حصول الوثوق بصدق كلامه، و أنّه لا يكذب، و أين المروءة من ذلك؟

و من العجب أنّ الفقهاء الذين اعتبروا المروءة في العدل فرّعوا بعد تفسيرهم للعدالة بما يخالف العدالة، و لم يفرّعوا بفرع من ناحية خلاف المروءة.

قال العلامة في القواعد:

العدالة كيفيّة نفسانيّة راسخة تبعث على ملازمة التقوى و المروءة، فلا تقبل شهادة الفاسق، و يخرج المكلّف عن العدالة بفعل كبيرة. (4)

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 295.

(2) مرّ تخريجه في ص 295.

(3) مرّ تخريجه في ص 295.

(4) قواعد الأحكام، ج 2، ص 236.

318

ثمّ قال (عليه السلام): «و يخرج بفعل الصغائر مع الإصرار أو الأغلب، و لا يقدح النادر؛ للحرج» (1).

و لا يخفى الإشكال في دليله؛ لأنّ الحرج رافع للحكم التكليفي لا الحكم الوضعي.

و نظير هذا الكلام غيره ممّن اعتبر المروءة في العدالة، و لم يفرّعوا عليه عدم قبول شهادة فاقد المروءة و إن كان تاركاً للكبائر.

و من المعلوم: أنّ التقيّد الشديد بالاجتناب عمّا ينافي المروءة يكشف عن كثرة الاعتداد بالناس و شدّة الاهتمام بهم، و لعلّه صفة لا يحبّذها الموحّد المؤمن.

إنّ التصوّف الملامي ليس بممدوح عند الشرع بل هو مبغوض الشارع؛ فإنّ الإسلام قد صدع بإصلاح ظاهر المسلم و إصلاح باطنه، فتطهير السرّ و تنزيه العلن جناحان للمسلم، قال الله تعالى:

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ (2) و قال تعالى‏ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خِلالٌ‏ (3).

إنّ الحجّ و صلاة الجماعة من أفضل العبادات و لا يمكن الإتيان بهما سرّاً.

العدالة و العصمة

إنّ لملكة العدالة مراتب، و هي بحسب قوّة فاعليّتها تجاه الموانع و ضعف فاعليّتها في قبال المعارضة.

فإنّ العدالة هي الصفة النفسيّة التي تدافع الهوى، و تبعث إلى الاجتناب عن‏

____________

(1) نفس المصدر.

(2) البقرة (2) الآية 274.

(3) إبراهيم (14) الآية 31.

319

المعصية، و تزجر عن الإثم، و أفضل مراتبها و أقومها هي التي لا تغلب أبداً، فهي التي تزجر عن ارتكاب أيّ إثم حدوثاً و استمراراً في أيّ حالة من الأحوال مهما كان الذنب مطلوباً و محبوباً، و هذه المرتبة متحقّقة في الأنبياء و الأولياء (صلوات الله عليهم أجمعين)، إنّما الكلام في اختلافها عن العصمة الموجودة فيهم، أو اتّحادها معها، اختار الثاني في المستمسك‏ (1)، لكن المتبادر من أية التطهير إنّ العصمة مرتبة أعلى من جميع مراتب العدالة، و هي المرتبة التي تكون بإرادة الله تعالى.

فالعدالة هي الصفة التي تمنع عن ارتكاب الإثم، و العصمة هي التي تمنع عن التفكّر في ارتكابه، و عن الشوق و الميل إليه.

فهل العصمة من مقولة العلم، أو من مقولة أُخرى، للبحث عنها مقام آخر.

على أنّ العصمة قوّة قدسيّة تحفظ المعصوم عن الخطإ و السهو أيضاً. بشهادة قوله تعالى‏ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ، وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (2).

فلو لم يكن الرسول و أُولو الأمر معصومين عن الخطإ و الزلل و السهو و النسيان للزم أمره تعالى بارتكاب منهياته و محرّماته، كما أنّ سوق الكلام حيث جعل إطاعة الرسول و أُولي الأمر واجباً كإطاعته تعالى يدلّ على أنّ أو أمرهم جميعاً ليس ممّا يسخط الله و يبغضه، بل كلّها من الكتاب و الحكمة اللذين بعث الرسول لتعليمهما.

كاشفيّة حسن الظاهر عن العدالة

هل جعل حسن الظاهر أمارة على العدالة؟

إنّ الجواب عن هذا السؤال يتحقّق ببيان أُمور:

الأمر الأوّل: في النظر على ما يدلّ على ذلك‏

. قد تضافرت النصوص و استفاضت في الدلالة على كون حسن الظاهر كاشفاً

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 51، 52.

(2) النساء (4) الآية 59.

320

عن العدالة.

منها: قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الله بن أبي يعفور: «و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النار» (1).

و منها: قوله (عليه السلام) فيها: «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه» (2).

و منها: مرسلة يونس بن عبد الرحمن عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن البيّنة إذا أُقيمت على الحقّ أ يحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة؟

فقال (عليه السلام): «خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات، و المناكح، و الذبائح، و الشهادات، و الأنساب، فإذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأموناً جازت شهادته، و لا يسأل عن باطنه» (3).

و لا يضرّها الإرسال؛ إذ المرسل هو يونس من كبار علماء الصحابة، و هو يعرف ب «الثقة» و يميّزه عن غيره، و لم يوصف بالرواية عن الضعفاء، بل حكي عن العلامة شيخ الشريعة الأصفهاني: أنّ يونس يروي عن ستّين رجلًا كلّهم ثقات». (4) و في التعبير عن بعض رجاله إشعار بتعدّد رواية يونس عنه، و هذا كاشف عن ثبوت وثاقته عند يونس.

ثمّ إنّ الراوي عن يونس محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، و هو ثقة على الأقوى، فقد مدحه مثل: الفضل بن شاذان، فلا عبرة بتضعيف ابن الوليد له و إن تبعه الصدوق و الشيخ. فإنّ تضعيفه معارض بتوثيق من تقدّم على ابن الوليد كالفضل، و من تأخّر عنه كالكشي و ابن نوح و النجاشي. مع أنّ رواية علي بن إبراهيم عنه تدلّ على ثبوت وثاقته عند عليّ. مضافاً إلى أنّ هذه المرسلة مشهورة بين الأصحاب،

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 295.

(2) مرّ تخريجه في ص 295.

(3) مرّ تخريجه في ص 300.

(4) انظر دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 160.

321

و الظاهر أنّها معمول بها.

و منها: صحيح ابن المغيرة عن الرضا (عليه السلام) حيث قال: «كلّ من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته» (1)، فإنّ الصلاح هو حسن الظاهر.

و منها: صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لو كان الأمر إلينا لأجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير» (2) الحديث، و الخير هو حسن الظاهر.

و منها: خبر أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) حيث قال: «لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً» (3) الحديث العفّة و الصون هو ستر العيوب و حسن الظاهر.

و منها: صحيحة حريز عن الصادق (عليه السلام) في حديث: «إذا كان أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم جميعا» (4) الحديث.

و منها: خبر عبد الكريم بن أبي يعفور عن أبي جعفر (عليه السلام): «تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كنّ مستورات، من أهل البيوتات، معروفات بالستر و العفاف، مطيعات للأزواج، تاركات للبذاء و التبرّج إلى الرجال في أنديتهم» (5).

و من المعلوم: أنّ كلّ واحد من هذه الأوصاف من مصاديق حسن الظاهر.

و منها: رواية البزنطي في الصحيح على الأقوى عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث قال:

«من ولد على الفطرة أُجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خير» (6).

و من المعلوم: أنّ المراد من الخير هو الخير الظاهر؛ لأنّه الذي يعرف، و ليس ذلك إلا التأدّب بالآداب الشرعيّة.

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 300.

(2) وسائل الشيعة، ج 27، ص 394، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 8.

(3) مرّ تخريجه في ص 298.

(4) مرّ تخريجه في ص 300.

(5) مرّ تخريجه في ص 297.

(6) وسائل الشيعة، ج 22، ص 26، الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه، ح 4.

322

هذه جملة من نصوص الباب، و المستفاد منها أنّ الشارع جعل حسن الظاهر أمارة للعدالة، و وجوداً تنزيليّاً لها، و كاشفاً عن ثبوتها عند الجهل بها مفهوماً أو مصداقاً، و إن كان الأكثر في باب جعل الأمارات هو الأماريّة عند الجهل بالمصداق لا المفهوم.

الأمر الثاني: أنّ حسن الظاهر هل هو حجّة تعبّديّة

فيكون لحجّيّته إطلاق يتناول صورة عدم إفادته الوثوق، أم هو حجّة عقلائيّة أمضاها الشارع فتكون غير متناولة لتلك الصورة؟

و التحقيق: أنّ حسن الظاهر و إن كان مفيداً للوثوق الشخصي لكن إطلاقات النصوص تدلّ على اعتباره مطلقاً حتّى في تلك الصورة، و أمّا شمول الإطلاقات لصورة الظنّ بالخلاف ففيه تأمّل؛ من أنّ جعل الأمارة إنّما يكون عند الجهل بالواقع، و أمّا عند العلم به فجعل الكاشف أمراً لغواً.

و الظنّ مرتبة من مراتب العلم، فالظنّ بالخلاف ليس بجاهل، بل هو داخل في العارف، و الشاهد على ذلك صحيح أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) حيث قال: سألته عمّا يردّ من الشهود؟

فقال (عليه السلام): «الظنين و المتّهم و الخصم» (1).

و المتّهم هو الذي صار محلّا للظنّ بالخلاف و إن كان ظاهره حسناً.

و ممّا ذكرنا ظهر النظر فيما ذكره بعض الأساطين:

من أنّ حسن الظاهر أمارة تعبّديّة على العدالة الواقعيّة، و مقتضى إطلاق ما دلّ على أماريته عدم اعتبار الظنّ بحسن الباطن، بل مقتضاه عدم قدح الظنّ بالخلاف في أماريته كما هو الحال في جميع الأمارات التعبّديّة. و يؤيّد ذلك في خصوص المقام قوله (عليه السلام) في مرسلة يونس: «و لا يسأل عن باطنه» (2). لدلالته على عدم الاعتبار بالباطن رأساً،

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 373، الباب 30 من أبواب الشهادات ح 3.

(2) مرّ تخريجه في ص 300.

323

بل صريح قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن أبي يعفور: «حتّى يحرم على المسلمين التفتيش عمّا وراء ذلك من عثراته و عيوبه» (1) و (2).

حرمة التجسّس عن الباطن‏

و من المعلوم: أنّ الظنّ بحسن الباطن يتوقّف على تتبّع زلاته و الفحص عن إسراره في الجملة.

بيان النظر: أنّ قوله دام ظلّه: «إنّ حسن الظاهر أمارة تعبّديّة على العدالة الواقعيّة» ليس بصحيح؛ فإنّه أمارة عقلائيّة أيضاً من جهة إفادته الوثوق بالعدالة.

و أمّا قوله: «و مقتضى إطلاق ما دلّ على أماريّته عدم اعتبار الظنّ بحسن الباطن» فهو صحيح.

و أمّا قوله: «بل مقتضاه عدم قدح الظنّ بالخلاف في أماريّته» فليس بصحيح؛ لأنّ الخطاب في دليل جعل الأمارة موجّه إلى الجاهل، و الظانّ ليس بجاهل؛ فإنّ الظنّ مرتبة من مراتب العلم، و من ذلك ظهر النظر في قوله: «كما هو الحال في جميع الأمارات التعبّديّة» فإنّ هذا المعنى و إن اشتهر بين المعاصرين و من قارب عصرنا لكنّك عرفت الإشكال فيه. اللهم إلا أن يدلّ دليل على عدم اعتبار الظنّ حتّى يصير الظانّ في حكم الشاكّ تعبّداً، لكن نفس دليل اعتبار الأمارة قاصر عن الدلالة على ذلك.

و أمّا قوله: «لدلالته على عدم الاعتبار بالباطن» فلا يخلو من إشكال. فإنّ النهي في قوله (عليه السلام): «و لا يسأل عن باطنه» (3) قد ورد في مقام دفع توهّم وجوب الفحص عن الباطن، فلا يدلّ على عدم الاعتبار بالباطن، و لو كان الباطن غير معتبر لكان جعل حسن الظاهر دليلًا عليه لغواً، بل و لو كان الباطن غير معتبر لما كان معرفته مضرّاً.

و أمّا قوله: «إنّ الظنّ بحسن الباطن يتوقّف إلخ» فلا يخلو من خفاء؛ لأنّ الظنّ‏

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 295.

(2) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 159.

(3) مرّ تخريجه في ص 300.

324

بحسن الباطن و إن كان غير معتبر لكنّه يحصل من نفس حسن الظاهر من دون توقّف على تتّبع زلاته و الفحص عن إسراره، بل قد عرفت أنّ حسن الظاهر مفيد للوثوق فضلًا عن إفادته الظنّ.

و لا يخفى أنّ النصّ ليس كما ذكره بل هو هكذا: «حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه، و تفتيش ما وراء ذلك» (1).

و ذهب شيخنا الأنصاري إلى لزوم تقييد هذه الإطلاقات بما دلّ على اعتبار الوثوق بالعدالة كقوله (عليه السلام) في مرسلة يونس: «إذا كان ظاهره ظاهراً مأموناً جازت شهادته» (2) بدعوى أنّ المراد يكون موجباً للوثوق بباطنه لعدم حصول الأمن إلا بذلك، و كقوله (عليه السلام) في رواية أبي عليّ بن راشد: «لاتصلّ إلا خلف من تثق بدينه» (3) و في رواية الشيخ بإسناد عن سهل بن زياد زيادة «و أمانته» (4) و أورد عليه بعض الأساطين بقوله:

و لا يخفى أنّه لا يصلح شي‏ء من الروايتين لتقييد الإطلاقات المتقدّمة، أمّا المرسلة فمضافاً إلى ضعفها بالإرسال لا دلالة لها على لزوم الأمن بالباطن؛ لأنّ الموصوف بالأمن هو ظاهر الرجل دون باطنه، فهي على عكس المطلوب أدلّ، فالمراد أن يوثق بظاهره، و أنّه لا يتجاهر بالفسق، لا أن يوثق بموافقة ظاهره باطنه، و أنّ حسن الظاهر مسبّب عن الملكة.

و أمّا ما دلّ على اعتبار الوثوق بالعدالة فهو محكوم بما دلّ على أماريّة حسن الظاهر كسائر الطرق و الأمارات؛ لأنّ ظاهر ما دلّ على اعتبار الوثوق بها هو اعتباره على نحو الطريقيّة لا الموضوعيّة، و إلا لزم تقييد حجّيّة البيّنة على العدالة و استصحابها بالدليل المذكور. (5)

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 294.

(2) مرّ تخريجه في ص 299.

(3) وسائل الشيعة، ج 8، ص 315، الباب 11 من أبواب صلاة الجماعة، ح 8.

(4) وسائل الشيعة، ج 8، ص 309، الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة، ح 2.

(5) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 160.

325

أقول: قد مرّ البحث في سند المرسلة، و نزيد على ما ذكره دام ظلّه في بيان دلالتها أنّ قوله (عليه السلام): «إذا كان ظاهره ظاهراً مأمونا» (1) مرادفاً لقوله (عليه السلام): «ساتراً لجميع عيوبه» (2) فإنّ المقصود هو العيوب الظاهرة بقرينة لفظ الستر، فاتّصاف الظهور بالأمن باعتبار نفسه لا باعتبار إفادته الوثوق بكاشفيّته عن الباطن؛ لأنّ ذلك خلاف ما يتبادر منه.

و أمّا قوله (عليه السلام): «تثق بدينه» فلا يدلّ على اعتبار الوثوق بالعدالة؛ لأنّه لو كان المراد من الدين كونه إماميّاً فلا صلة له بالبحث، و إن كان المراد منه هو التديّن و هو الذي يفسّر بالتعبّد بالشرع فليس ذلك إلا حسن الظاهر، كما يشهد بذلك عطف الأمانة عليه تفسيراً في رواية الشيخ، فيدلّ النصّ على اعتبار الوثوق بثبوت حسن الظاهر.

فهذه الرواية مثل قوله (عليه السلام): «كلّ من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته» (3) و مثل قوله (عليه السلام): «فإذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلا خيراً، مواظباً على الصلوات، متعاهداً لأوقاتها في مصه، فإنّ ذلك يجيز شهادته» (4).

الأمر الثالث: في بيان المراد من حسن الظاهر

. نقصد من حسن الظاهر حكومة الدين في أفعال المرء و أقواله، و إنّ ما ورد في النصوص تعبيراً عنه أو مصداقاً له صنفان:

أحدهما: مفاهيم عامّة مبيّنة لحسن الظاهر و مرادفة له، مثل قوله (عليه السلام): «ساتراً لجميع عيوبه» (5) و قوله (عليه السلام): «إذا كان مرضيّاً» (6) و قوله (عليه السلام): «عرف بالصلاح» (7) و قوله (عليه السلام): «ظاهره ظاهراً مأمونا» (8) و قوله (عليه السلام): «أن يعرف منه خير» (9) و قوله (عليه السلام):

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 300.

(2) مرّ تخريجه في ص 295.

(3) مرّ تخريجه في ص 300.

(4) مرّ تخريجه في ص 300.

(5) مرّ تخريجه في ص 295.

(6) وسائل الشيعة، ج 27، ص 397 398، الباب 41 من أبواب الشهادات، ح 19.

(7) مرّ تخريجه في ص 300.

(8) مرّ تخريجه في ص 300.

(9) مرّ تخريجه في ص 321.

326

«فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً» (1) و قوله (عليه السلام): «إذا كان لا يعرف الفسق» (2).

فإن المتبادر من السلب في الأخيرين هو السلب عند وجود الموضوع.

و من المعلوم: أنّ هذه العناوين المنصوصة و إن كانت متخالفة بحسب التعبير أو بحسب السلب و الإيجاب لكنّها متّحدةٌ بحسب المضمون، فإنّ الساتر للعيوب هو المرضيّ، و المرضيّ هو المعروف بالصلاح، و هو الذي فيه خير، و يكون ظاهره مأموناً، و لم ير ارتكاب ذنب منه، و لم يعرف بفسق، فكلّ واحد من هذه التعبيرات تفسير لحسن الظاهر.

الصنف الثاني: مصاديق خاصّة ذكرت لحسن الظاهر و محقّقة له، مثل: اجتناب الكبائر، و مثل: التعاهد للصلوات الخمس.

و من هذا الباب قوله (عليه السلام): «من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم» (3) و قوله (عليه السلام): «مطيعات للأزواج، تاركات البذاء و التبرّج مع الرجال في أنديتهم» (4) و قوله (عليه السلام): «ليس يعرفون بشهادة الزور» (5).

فقد جعل في بعض هذه النصوص ترك محرّم أو محرّمات مصداقاً، و جعل في بعضها إتيان بعض الواجبات مصداقاً، و في بعضها قد جمع بين فعل واجب و ترك محرّم، و لمّا كان ذكر كلّ واحد منها من باب المصداق، فحصول حسن الظاهر ليس بمنحصر بها، فقد يتحقّق بغيرها أيضاً من فعل واجب أو ترك محرّم. فإنّ مجي‏ء هذه الأُمور في النصوص ليس من باب الموضوعيّة، بل من باب ذكر المصداق و بيان المثال.

الأمر الرابع: في الإشارة إلى طرق معرفة حسن الظاهر

.

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 300.

(2) مرّ تخريجه في ص 300.

(3) مرّ تخريجه في ص 294.

(4) مرّ تخريجه في ص 297.

(5) مرّ تخريجه في ص 300.

327

فقد يعرف بالمعاشرة و المخالطة في مقدار من الزمان بحيث لم ير منه إثم، و لم يعرف بفسق.

و قد تحصل معرفته بالشياع عنه بذلك و إن لم يكن مفيداً للعلم؛ لإطلاق قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن أبي يعفور: «فإذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلا خيراً» (1) أمّا الوصول إلى الشياع فقد يحصل بالوجدان كما إذا صار الشياع ملموساً للإنسان، و قد يحصل العلم بذلك كما هو الحال في كثير من أئمّة الجماعات في المحلات الواقعة فيها المساجد التي يقيم الجماعة فيها، و قد يعرف بإخبار من يوثق بقوله، و يحصل الاطمئنان بخبره.

الأمر الخامس: في تقوّم حسن الظاهر بعدم العلم بالمعصية

. إنّ المتبادر من قوله (عليه السلام): «و يعرف باجتناب الكبائر» (2) بحسب الظهور العرفي عدم العلم بارتكابها، فلا يتوهّم دلالته على حصول العلم بالاجتناب، و الشاهد على ذلك قوله (عليه السلام): «ليس يعرفون بشهادة الزور» (3) و قوله (عليه السلام): «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً، و لم يشهد عليه شاهدان» (4) و قوله (عليه السلام): «إذا كان لا يعرف بفسق» (5).

فعدم حصول العلم بارتكاب الكبيرة عند المعاشرة في مقدار من الزمان كاف في تحقّق إحراز حسن الظاهر، فلا يعتبر حصول العلم بعدم الارتكاب.

[طرق ثبوت العدالة]

ثبوت العدالة بخبر الثقة

قد مر منّا إثبات حجّيّة قول الثقة في جميع الموضوعات إلا ما خرج بالدليل فتثبت به العدالة، و أمّا الدليل الدالّ على ثبوت العدالة بخبر الثقة خصوصاً فلم أعثر عليه في كتب القوم، بل لم يقل به كثير منهم.

و يمكن الاحتجاج له بتوثيقات الأئمّة الواردة في الروايات حول عدّة من الناس؛

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 295.

(2) مرّ تخريجه في ص 295.

(3) مرّ تخريجه في ص 300.

(4) مرّ تخريجه في ص 300.

(5) مرّ تخريجه في ص 300.

328

إرشاداً لشيعتهم، كي يعرفوهم و يعملوا بأقوالهم و رواياتهم عنهم.

و من المعلوم: أنّ حكاية هذه التوثيقات عنهم تكشف عن حجّيّة قول الثقة عندهم؛ إذ لو لم يكن قول الثقة حجّة عندهم لم يكن في صدور هذه التوثيقات عنهم كثير فائدة.

و بعبارة أُخرى: إنّ إخبار الإمام (عليه السلام) عن وثاقة رجل دليل على حجّيّة قول الراوي عنه (عليه السلام)، فإذا لم يكن خبر الراوي عنه حجّة عنده لم يفد توثيقه (عليه السلام) لخصوص ذلك الراوي.

فحكاية الراوي عنه، و كذلك نقل الأصحاب خبر هذا الراوي كاشف يقيني عن حجّيّة قوله عند الإمام، و مثله الحال في صدور الجرح عنهم بالنسبة إلى بعض، فإذا لم يكن خبر الراوي الثقة عندهم (عليه السلام) حجّة حتّى يخبر بهذا الجرح الآخرين لم يكن في صدور هذا الجرح منهم كثير فائدة.

و يمكن الاستدلال على حجّيّة خبر الثقة بالعدالة بسيرة المتشرّعة من الصحابة و العلماء على العمل بأقوال الرجاليين الموثّقين للرواة، فلو لم ترجع هذه السيرة إلى سيرة العقلاء لكانت دليلًا خاصّاً على ثبوت العدالة و الوثاقة بإخبار الثقة.

ثبوته العدالة بالبيّنة

لا ريب في حجّيّة البيّنة في الجملة كما في باب المرافعات، و فيما ورد النصّ على حجّيّتها فيه بالخصوص كثبوت الهلال و الفسق و الطلاق و الزندقة و غيرها.

و لعلّك بما تلونا عليك في البحث عن حجّيّة قول الثقة في مطلق الموضوعات، و في خصوص العدالة عرفت غناء البحث عن ثبوت العدالة بالبيّنة، فالبحث هنا على فرض عدم حجّيّة قول الثقة في الموضوعات كما اشتهر بين المعاصرين.

و لقد مرّت حجّيّة البيّنة في مطلق الموضوعات أيضاً حتّى بناء على عدم حجّيّة قول الثقة فيها، و احتجّ على ثبوت العدالة بالبيّنة بما حكي عن فعل النبيّ في الفحص عن أحوال الشهود، فكان يبعث رجلين من خيار صحابته إلى قبيلتهم أو محلّتهم‏

329

حتّى يفحصا عن حالهم حتّى يعملُ في القضاء على إخبار هما جرحاً و تعديلًا (1).

أقول: لا بأس بهذا الدليل من حيث الدلالة، و الشواهد الحاليّة تشهد بصحّة هذا الخبر، فلا وقع للإشكال عليه بأنّ سند هذا الخبر غير خال عن الضعف؛ لكونه منقولًا عن التفسير المنسوب إلى العسكري (عليه السلام)، و لم تثبت النسبة.

و أورد عليه بعض الأساطين: «من أنّه وارد في مقام الحكومة، فلا يدلّ على الحجّيّة في جميع الموضوعات» (2).

أقول: إنّ الإيراد غير وارد لعدم وروده في باب الحكومة، بل هو وارد في ثبوت موضوع قد تتوقّف عليه أركان الحكومة؛ فإنّ عدالة الشهود من قبيل وجود المترافعين.

و يمكن الاحتجاج على ثبوت العدالة بالبيّنة بخبر علقمة: «فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً، و لم يشهد عليه شاهدان، فهو من أهل الستر و العدالة» (3).

و تقريب الاستدلال به: أنّه قد جعل فيه ثبوت الفسق موقوفاً على أحد أمرين: الرؤية، و شهادته الشاهدين، كما جعل فيه ثبوت العدالة على فقدان كلا الأمرين.

فيقال: إنّ للعدالة صلة بهما، و تثبت بكلّ واحد منهما، أعني العلم الوجداني أو البيّنة.

و ببيان آخر: إنّ العرف لا يرى للفسق خصوصيّة حتّى يختصّ ثبوته بشهادة الشاهدين دون ضدّه و هو العدالة، فإذا كانت الخصوصية ملغاة عند العرف و معتبرة عند الشرع للزم الإرشاد إليها من جانب الشرع، فانتفاء الإرشاد دليل موافقة الشرع للعرف.

و يمكن تعميم هذا البيان حتّى يدلّ على حجّيّة البيّنة في جميع الموضوعات، بأن يقال: قد جعل في الحديث عدم شهادة الشاهدين عطفاً على عدم العلم الوجداني،

____________

(1) تفسير العسكري ص 674.

(2) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 162، مع بعض الاختلاف في الألفاظ.

(3) مرّ تخريجه في ص 300.

330

و جعلا في سياق واحد، فيفيد الخبر أنّ شهادة الشاهدين عند الشارع مثل العلم الوجداني عنده في الحجّيّة.

مضافاً إلى أنّ إلغاء خصوصيّة المورد عند العرف يفيد التعميم، و لكنّ الرواية ضعيفة السند، بل و الدلالة، فإنّها تدلّ على إجراء أصالة العدالة في كلّ مسلم، و ما أسهل الأمر لو كان كذلك، بل ما أحرج الأمر لو كان كذلك، إنّ أقوال أئمّتنا المعصومين «و أفعالهم على خلافها.

ثبوت العدالة بالشياع‏

و تثبت العدالة بالشياع؛ فإنّه مفيد للوثوق، و هو حجّة عند العقلاء.

و أما إذا لم يفد الوثوق فلم أعثر على قائل بحجّيّته حتّى قيل: «ربّ مشهور لا أصل له» (1).

لكن في نصوص الباب إطلاقات قد يخطر بالبال جعل الشياع طريقاً تعبّديّاً للعدالة.

منها: قوله (عليه السلام) في الصحيح: «فإذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلا خيراً» (2). مع أنّه قد علّق في ذيله نفوذ شهادته بين المسلمين على كونه مشهوراً بالخير.

و منها: قوله (عليه السلام): «كلّ من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح جازت شهادته» (3) إنّ المعروفيّة هي الشياع دون غيره.

و منها: قوله (عليه السلام): «إذا كان لا يعرف بفسق» (4). إنّ عدم المعروفيّة بالفسق عند العرف ملازم للمعروفيّة بالصلاح، كما أنّ عدم الفسق عند الشرع هو الصلاح، و يدلّ‏

____________

(1) بحار الأنوار، ج 53، ص 286.

(2) مرّ تخريجه في ص 295.

(3) مرّ تخريجه في ص 300.

(4) مرّ تخريجه في ص 300.

331

على ذلك ما حكي عن فعل النبيّ من بعثه رجلين من صحابته إلى محلّة الشهود للاختبار عن أحوالهم، فإنّ حصول المعرفة للرجلين المبعوثين كثيراً ما يحصل من الشياع، سيّما إذا ضممنا إلى ذلك كونهما أجنبيّين عن ذلك المحلّ، و لا يعرفان أحداً بالوثاقة هناك.

الشهادة بالعدالة

الشهادة و الإخبار بالعدالة كما يكون قوليّاً كذلك يكون كتبيّاً أيضاً، و لا فرق بينهما في الحكم من جانب العقل و النقل؛ فإنّ العقلاء لا يفرّقون بينهما، و لصدق الإخبار و الشهادة على الكتبي منهما كاللفظي، و كذلك الحال في الإقرار الكتبي فإنّه مثل اللفظي.

و أمّا الإخبار الفعلي بالعدالة كأن يجعله شاهداً أو يقتدي به في الصلاة، فتحقيق الحال فيه أنّ العقل يرى الشهادة الفعليّة كالقوليّة إذا كان الثقة في مقام الحكاية بخبره الفعلي؛ لصدق عناوين الشهادة و الإبلاغ و الخبر و نحوها من الألفاظ الواردة في النصوص على الفعلي منها كما يصدق على القولي.

و يشهد لذلك صلاح هذه العناوين للانقسام إلى القولي و الفعلي من دون عناية، كما تتّصف بهما، و صحّة المخبر بالإخبار الفعلي بأن يوصف بالصدق و الكذب اللّذين من خواصّ الخبر.

و من المعلوم: أنّ العقلاء لا يفرّقون بين الخبر القولي و بين الخبر الفعلي من حيث إفادته الوثوق، فكما يكون الخبر القولي حجّة عندهم كذلك يكون الخبر الفعلي.

و ممّا مثّل به أصحاب أُصول الفقه لتصوير المصلحة في نفس الأمر، بما إذا قصد الأمير الإخبار بأمانة رجل فيعطيه مفتاح خزانته تجاه الناس و يأمره بأخذه، أو يأمر الأُستاذ أحد تلامذته بالجواب عن مسألة غامضة؛ إخباراً عن علم التلميذ.

و قد اتّفق المسلمون على أنّ السنّة لا تختصّ بالقول فقط، بل هي تعمّ الفعل و التقرير، فلو لم يكن الفعل أو التقرير مفيداً للخبر، لما عمّتهما السنّة.

332

فإن قلت: لماذا يشترط التلفّظ في البيّنة على الدعاوي و لا تكفي الكتابة فضلًا عن الفعل؟

قلت: ذلك من أجل دليل خاصّ به في باب المرافعات، و ليس من أجل عدم شمول الشهادة على الفعل، فذلك تخصيص تعبّدي و ليس بتخصّص. ثمّ إنّ إجمال الفعل في قبال اللفظ غير مضرّ بصلاحيّة الفعل للإخبار؛ فإنّ أخبار الفعل أيضاً إجمالي، بل الذي يضرّه الإجمال هو الإطلاق، و لذلك لا نقول بإطلاق الفعل، بل يجوز التمسّك به حتّى إذا كان الفاعل في مقام البيان عن تمام مقصده.

فظهر النظر فيما ذكره العلامة الأنصاري في رسالته في البحث عن العدالة حيث قال:

إنّ الاعتماد على الإخبار الفعلي إذا لم يفد الوثوق بالعدالة في غاية الإشكال؛ لفقد ما يطمئن به النفس من الدليل عليه تعبّداً (1).

وجه النظر: أنّ إطلاقات الأدلّة و الصدق العرفي للألفاظ و سيرة العقلاء خير دليل لاطمئنان النفس، فالمسألة كادت أن تكون بديهيّة.

فإن قلت: إنّ الشهادة الفعليّة لا تكشف إلا عن اعتقاد فاعلها بعدالة من يخبر عنه، فلا يدلّ على أمر ذي أثر؛ لأنّ جواز الاقتداء مثلًا مرتّب على العدالة الواقعيّة، لأعلى اعتقاد المخبر، و ذلك بخلاف الشهادة القوليّة فإنّها تدلّ على العدالة الواقعيّة و لو بالالتزام.

قلت: لا فرق بين الخبر القولي و الخبر الفعلي من حيث نفس الإخبار، فكما يكون الخبر القولي إخباراً عن الواقع بزعم المخبر كذلك يكون خبره الفعلي إخباراً عن الواقع بزعمه، و يشهد لذلك اتّحاد الخبرين، و انطباق كلّ منهما على الآخر، إذا أخبره المخبر بالخبر الفعلي نفس خبره بالخبر القولي، و لا تفيد فائدة زائدة على إفادة خبره الفعلي.

و التحقيق: أنّ الخبر الفعلي حقيقة الخبر و مصداقه الواقعي؛ إذ اللفظ غير مقوّم‏

____________

(1) رسالة العدالة ضمن رسائل فقهيّة، ج 23، ص 61.

333

لخبريّة الخبر، و إلى ما ذكرنا يحمل ما عن الشهيد (قده) في الدروس من القول «بعدم الفرق بين القولي من الشهادة و بين الفعلي منها».

فروع‏

أحدها: إذا لم يكن الثقة في مقام الإخبار بفعله أو كتابته فلا سبيل إلى القول بحجّيّة ذلك‏

؛ للتأمّل في صدق الشهادة و صدق الخبر على هذا الفعل، فهو نظير التلفّظ بالخبر القولي الذي لا يكون القائل به ملتفتاً إلى ما يقول، فلا يوصف كلامه بالصدق و لا بالكذب.

الثاني: كما يصحّ الإخبار بالفعل يصحّ الإنشاء بالفعل‏

إلا ما يصدّنا الدليل عن القول بصحّته؛ و لذا يصحّ بيع المعاطاة بل كثير من العقود تصحّ بالفعل عند جميع العقلاء و المتشرّعة، بل يتحقّق الإنشاء لدى العقلاء بمجرّد النسبيّة و إن كان الشرع لم يمضه و لم ينفذه كما قيل.

الثالث: أنّ الإخبار قد يتحقّق بالتقرير

؛ فلذا يقال: إنّ سكوت المرأة في بعض الأحوال مخبر عن رضاها.

فهل التقرير يقوم مقام الخبر عن العدالة؟ فيه تأمّل إلا إذا كان المقام ممّا يكون السكوت فيه حراماً.

و هل إجراء أصالة الصحّة في فعله يجعل السكوت في هذا المقام إخباراً أم لا؟ وجهان: من حجّيّة لوازمها غير الشرعيّة، و من كونه لازماً أخصّ، و هو الأوجه.

و اعلم أنّ هناك أبحاثاً هامّة أُخرى حول العدالة أوردناها في رسالتنا التي أفردناها للبحث عن العدالة، و نعرض عن ذكرها خوف الإطالة، فراجع.

[المسألة 24] فقدان المفتي للشرائط

المسألة 24: إذا عرض للمجتهد ما يوجب فقده للشرائط يجب على المقلّد العدول إلى غيره.

334

إنّ الشرائط المعتبرة في المفتي لجواز تقليده هل هي معتبرة أيضاً في جواز البقاء على تقليده أم لا؟ فعلى الأوّل يجب العدول عنه عند فقد أحدها، وجهان، بل قولان:

و قبل الدخول في البحث عن المسألة يجب أن يبيّن مورد النزاع و مقتضى الأصل فيها، أمّا مورد النزاع أنّه لو زال وصف الاجتهاد عن المفتي مثلًا فهل يجوز البقاء على تقليد آرائه الصادرة قبل زوال الاجتهاد أم لا، بعد القطع بعدم جواز تقليد الآراء الصادرة منه بعد زوال صفة الاجتهاد؟

أمّا مقتضى الأصل فالأصل العقلي و اللفظي و العملي حاكمة بالجواز.

أمّا الأصل العقلي فهو سيرة العقلاء فإنّها قائمة على الرجوع إلى الآراء الصادرة من الخبراء عند زوال الخبرويّة عنهم، و هذا ممّا لا إشكال.

و أمّا الأصل اللفظي فهو الإطلاقات الواردة في الباب فيصدق على هذا التقليد أنّه رجوع إلى راوي الحديث، و ناظر في الأحاديث، و إلى عالم صائن لنفسه، و هكذا.

و أمّا الأصل العملي فالاستصحاب، و قد مرّ الإشكال عليه مع جوابه. إذا تقرّر ذلك فنقول:

احتجّ لوجوب العدول بوجهين:

أحدهما: إطلاق معاقد الإجماعات في اعتبار العلم و العدالة عند العمل برأي الفقيه من غير فرق بين الابتداء و البقاء.

و يرد عليه:

أوّلًا: أنّ تحصيل الإجماع في مسألة لم يكن مبحوثاً عنها عند قدماء الأصحاب غير ممكن.

و ثانياً: سلّمنا، لكنّ الكلام في تعبّديّة الإجماع لاحتمال استناد المجمعين إلى العقل.

و ثالثاً: أنّ دعوى الإطلاق لعقد إجماع موقوف على قيام الإجماع على لفظ خاصّ، و كون الإجماع المدّعى في المقام من هذا القبيل غير معلوم، بل الشكّ كاف لعدم إحراز الإطلاق.

ثانيهما: أنّ ظاهر الأمر بتقليد الفقيه العادل، مثلًا: أنّ المسوق لوجوب اتّباع رأيه‏

335

هو تحقّق الرأي المضاف إلى الفقيه حال تعلّق العمل به، و إلا كان عملًا بغير الرأي، أو برأي غير الفقيه، أو برأي الفقيه غير العادل.

أقول: توضيح ذيل هذا الدليل أنّ المقوّم للتقليد رأي الفقيه الموصوف بتلك الصفات المعتبرة، و هذه الصفات قد يكون زوالها مزيلًا للرأي بحيث لا يقدر الفقيه بعد زواله على الاستنباط، مثل: الفهم، فينعدم المضاف و هو الرأي، و مثل: العلم، فينعدم المضاف إليه فيصير التقليد عملًا برأي غير الفقيه، و مثل: العدالة، فيصير التقليد عملًا برأي الفقيه غير العادل.

و قد تقدّم منّا البحث عن معنى اعتبار الرأي و زواله، فراجع.

و نزيدك هنا فنقول: إنّ المفروض أنّ المقلّد بعد زوال بعض الأوصاف عن المفتي يعمل أيضاً برأي الفقيه الموصوف بتلك الصفة و إن كان المفتي حال عمل المقلّد بالفتوى غير موصوف بتلك الصفة، و إذا طلبت توضيح ذلك، فافرض أنّ المفتي قد انعدم حال عمل المقلّد برأيه، فهو لا يعمل برأي معدوم؛ فإنّ المعدوم لا رأي له، بل هو عامل برأي موجود.

و أورد على هذا الدليل بعض الأساطين ب:

أنّ مقتضى إطلاقات الأدلّة اللفظيّة للتقليد جواز البقاء من غير فرق بين الشرائط؛ لأنّها إنّما تدلّ على اعتبار الوصف حين الرجوع إلى المجتهد لا حين العمل بفتواه. (1) أقول: بل الإطلاقات إنّما تدلّ على اعتبار الوصف حين صدور الفتوى من الفقيه بشهادة شمولها للتقليد الابتدائي عن البحث.

و قال صاحب المستمسك:

الذي يظهر من بعض أدلّة وجوب العدول عن الميّت أنّ وجوب العدول هنا من المسلّمات. (2)

____________

(1) انظر دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 169، مع اختلاف في الألفاظ.

(2) المستمسك، ج 1، ص 57.

336

أقول: لا قيمة للمسلّمات إن لم تكن مورداً لإجماع تعبّدي عند القدماء.

و قال بعض الأساطين:

المعلوم من مذاق الشرع أنّ من زال عقله أو علمه أو عدالته أو إيمانه المستلزم ذلك نقصه و نزول مقامه لا يليق بمنصب الزعامة و المرجعيّة في الدين. (1) أقول: ما ذكره دام ظلّه إنّما يكون مانعاً من مرجعيّته الفعليّة و عن زعامته حال فقدان الشرائط، و لا سبيل إلى هذا الاحتمال فضلًا عن القول به، و أين ذلك من العمل بآرائه الصادرة قبل فقدان الشرائط؟ و هذا العمل لا يلازم المرجعيّة و الزعامة، و إلا لزمه دام ظلّه أن يقول بمرجعيّة الميّت و زعامته؛ لأنّه قائل بالبقاء على تقليد الميّت.

و يمكن أن يقال: إنّ الأدلّة الدالّة على اعتبار أوصاف و شرائط في المفتي إنّما تدلّ على اعتبارها حال الاستنباط بالإطلاق؛ بأن تكون الفتوى صادرة من الفقيه الجامع للشرائط، و أمّا على أكثر من ذلك فلا دلالة لها، و لو كان في أدلّة التقليد لأعلى اشتراط تلك الأوصاف في المفتي حال عمل المستفتي بفتاواه لكان دليلًا لهذا القول، لكنّي لم أعثر على مثل هذا الدليل، و لم أر من عثر عليه، أو من ادّعى وجوده، و قد مرّ عليك ما احتجّوا به من الوجوه التي لا تخلو كلّها من ضعف.

[المسألة 25] تقليد من لا يصلح للتقليد

المسألة 25: إذا قلّد من لم يكن جامعاً للشرائط و مضى عليه برهة من الزمان كان كمن لم يقلّد أصلًا، فحاله حال الجاهل القاصر أو المقصّر.

لا فرق بين عمل من لم يكن مقلّداً، و بين عمل من قلّد عمّن لا يصلح للتقليد من جهة فقد شرط؛ فإنّ فقد الشرط يوجب فقدان المشروط، فالتقليد عن الفاقد للشرط كلا تقليد، و في هذا الحكم لا يختلف حكم العقل عن حكم الشرع بل كلّهما متّفقان.

ثمّ إنّ الصفات المعتبرة في المفتي جهة تعليليّة للتقليد، و جهة تقييديّة له، فتقليد

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 170.

337

الرجل الموصوف بتلك الصفات بحسب الحقيقة تقليد عن تلك الصفات، فإذا فقدت إحداها فتقليد العامّي عنه ليس بتقليد لتلك الصفات، و إن شئت قلت: إنّه تقليد باطل.

و اعلم أنّ حال هذا المقلّد حال الجاهل، فهو قاصر إن كان رجوعه إليه على طبق الموازين الشرعيّة، و إلا فمقصّر.

و قد مرّ البحث عن أحوالهما في المسألة السادسة عشرة.

[المسألة 26] البقاء على تقليد من يحرّم البقاء

المسألة 26: إذا قلّد من يحرّم البقاء على تقليد الميّت فمات، و قلّد من يجوّز البقاء، له أن يبقى على تقليد الأوّل في جميع المسائل إلا مسألة حرمة البقاء.

اعلم أنّه يقصد من الجواز في هذه المسألة معناه الوضعي، فالبحث فيها يعمّ تقليد الحيّ الذي يقول بوجوب البقاء، و إنّ صورة اشتراط الحيّ العمل في جواز البقاء حال كون المقلّد غير عامل بهذه الفتوى للميّت خارجة عن مفروض البحث؛ فإنّ الحيّ عندئذ لا يجوّز البقاء على تقليد الميّت في تلك المسألة.

إذا تبيّن ذلك فنقول: قد ذكر للقول بحرمة البقاء على تقليد الميّت في تلك المسألة وجوه:

الأوّل: أنّ تجويز الحيّ للبقاء على تقليد الميّت لا يمكن شموله لتلك المسألة

و للمسائل الفرعيّة؛ للزوم التناقض، مثلًا: شموله للمسائل الفرعيّة مستلزم للحكم بوجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة في صورة كون الميّت قائلًا به، و شموله لمسألة تحريم البقاء مستلزم للحكم بعدم وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة في صورة كون الحيّ قائلًا به. فيجب أن يشمل تجويز الحيّ للبقاء لإحداهما؛ فإنّ عدم الشمول لكليهما ملازم للغويّة تجويز البقاء، مضافاً إلى أنّه ليس مانع لفظي أو عقلي من الشمول في الجملة حال وجود المقتضي.

و من المعلوم: أنّه لا يجوز شموله لتحريم البقاء؛ إذ يلزم من قول الحيّ بجواز البقاء عدمه، فتعيّن شموله لبقيّة المسائل.

338

الثاني: أنّ فتوى الميّت بتحريم البقاء غير قابلة لشمول الحجّيّة لها

؛ لأنّ حرمة البقاء مستلزمة لعدمها؛ إذ مقتضى هذه الحرمة وجوب الرجوع إلى الحيّ، و المفروض أنّ الحيّ قائل بجواز البقاء، و ما يستلزم من وجوده عدمه محال في التكوينيّات.

و أمّا الأُمور الاعتباريّة فغير قابلة لشمول دليل الحجّيّة لها؛ لأنّ ثبوت الحجّيّة لها ملازم لسلب الحجّيّة عنها.

أضف إلى ذلك أنّ المعتبر في المشمول لدليل الحجّيّة التعبّديّة أن يكون له أثر شرعي، و إلا فلا يشمله دليل الحجّيّة؛ للزوم اللغويّة، و لا أثر شرعيّاً لما يستلزم من حجّيّته عدمها، فليس بقابل لشمول دليل الحجّيّة له.

الثالث: إذا سلّم قابليّتها لشمول دليل الحجّيّة لها

، لكن دليل الحجّيّة عاجز عن الشمول؛ لأنّ فتوى الحيّ بجواز البقاء على تقليد الميّت حتّى في هذه الفتوى مستلزمة لعدم جواز البقاء على تقليده حتّى في هذه الفتوى، و الحكم في القضيّة الطبيعيّة شامل لنفسها، فجواز البقاء مستلزم لحرمة البقاء.

أقول: إنّ الوجوه الثلاثة راجعة إلى أصل واحد، و هو أنّ شمول رأي الحيّ بجواز البقاء لرأي الميّت مستلزم لعدم الشمول من ناحية الشامل و من ناحية المشمول، و هذا لا يخلو من خفاء؛ لأنّ الشمول يستلزم عدم جواز البقاء على تقليد الميّت في المسائل الفرعيّة، و ذلك لا يستلزم من الشمول عدم الشمول.

نعم، لو كان مستلزماً لعدم جواز البقاء على تقليده في نفس هذه المسألة لكان ممّا يستلزم من وجوده العدم، و ليس كذلك.

و علّق بعض الأعاظم على عبارة المتن بقوله:

بل الظاهر تعيّن تقليده في مسألة حرمة البقاء، فيرجع إلى الحيّ بسبب تقليده للميّت في هذه المسألة (1).

و قال دام ظلّه في وجه ذلك:

____________

(1) تعليقات على كتاب العروة الوثقى، ص 3، ليس تامّاً.

339

إنّ حكم البقاء على تقليد الميّت في المسائل الفرعيّة تابع لحكم البقاء على تقليده في مسألة البقاء؛ إذ بينهما تسبّب، و إنّ الحكم في الأوّل مستفاد من الحكم في الثاني، فرأى الحيّ بالجواز غير شامل لكلا الأمرين في عرض واحد، بل يشمل ابتداء لفتوى الميّت في مسألة البقاء، فلا يجوز تقليده في المسائل الفرعيّة.

و الذي ينبغي أن يقال: إنّ البحث مبتن على أنّ رأي الميّت هل هو شامل لنفسه أم لا؟

و على فرض الشمول لا اقتضاء له للحجّيّة؛ لاستلزامه حجّيّة عدمها، فلا صلاحيّة له لأن يصير متعلّقاً لفتوى الحيّ، فيختصّ تعلّق فتوى الحيّ بالمسائل الفرعيّة فقط.

و على فرض عدم شموله لنفسه يصير متعلّقاً لفتوى الحيّ دون المسائل الفرعيّة؛ لكون صيرورتها متعلّقة لفتوى الحيّ مستلزمة لعدم كونها متعلّقة.

فلا يجوز البقاء على تقليد الميّت في تلك المسائل.

و من المعلوم: أنّ رأي الميّت شامل لنفسه؛ لإطلاق الدليل، و لعدم التصريح بالتفصيل، و قد اشتهر أنّ قضيّته الطبيعيّة شاملة لنفسها.

[المسألة 27] وجوب معرفة العبادات و شرائطها

المسألة 27: يجب على المكلّف العلم بأجزاء العبادات و شرائطها و موانعها و مقدّماتها، و لو لم يعلمها لكن علم إجمالًا أنّ عمله واجد لجميع الأجزاء و الشرائط و فاقد للموانع صحّ و إن لم يعلمها تفصيلًا.

إنّ المقصود من العبادات هي الواجبة منها، فإنّ وجوب تحصيل المعرفة قد نشأ من وجوبها، و قد مرّ الكلام في وجوب تحصيل المعرفة في المسألة الثانية.

إنّ من طرق حصول العلم بامتثال واجب معرفته بأجزائه و شرائطه و موانعه و ما يتوقّف عليه فعله من المقدّمات، فيتحقّق الامتثال التفصيلي.

و أمّا الامتثال الإجمالي الذي يحكم العقل بكفايته أيضاً فهو عبارة عن الإتيان بالواجب واجداً لجميع ما يعتبر فيه من شرط و جزء، و فاقداً لجميع ما يضرّ به، مع عدم معرفة الأجزاء و الشرائط و الموانع تفصيلًا، و إن علم إجمالًا أنّ المأتي به كامل‏

340

لا نقص فيه، فالذي يحكم العقل بوجوبه هو العلم التفصيلي أو الإجمالي.

و اعلم أنّ حكم العقل بوجوب المعرفة غير مشروط بدخول وقت الواجب و حصول الفعليّة له، بل حكمه عامّ شامل للصورة التي لم يدخل وقت الواجب أيضاً إذا يعلم تضيّق الوقت عن تحصيل العلم.

فإنّ العقلاء لا يفرّقون في لزوم التهيّؤ لإتيان واجب بين ما جاء وقته و بين ما قرب، فانظر إلى سيرتهم في أُمورهم، فإنّهم يدّخرون الطعام من السنين الخصبة للسنين المجدبة كما فعل ذلك يوسف الصديق (عليه السلام).

و إنّ من المعلوم: أنّ الأُمّهات يبدأن لتهيئة جهاز العروس من زمان رضاعها، و سيرة العقلاء حجّة بين الخالق و المخلوق.

سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قوله تعالى‏ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ (1) فقال (عليه السلام): «إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة عبدي أ كنت عالماً؟ فإن قال: نعم قال له: أ فلا عملت بما علمت؟ و إن قال: كنت جاهلًا قال له: أ فلا تعلّمت حتّى تعمل؟ فيخصم. فتلك الحجّة البالغة» (2).

و نحصّل ممّا ذكرنا أنّ التعرّف على الواجب إجمالًا أو تفصيلًا بشرائطه و أجزائه و موانعه من المقدّمات العلميّة للواجب، و ليست من المقدّمات الوجوديّة له؛ إذ تجب السنخيّة بين الشي‏ء و مقدّماته الوجوديّة، و لا سنخيّة بين العلم و وجود شي‏ء، فظهر النظر فيما ذكره بعض الأساطين:

إنّه قد يكون التعلّم مقدّمة وجوديّة لذات الواجب كما في الجاهل باللغة العربيّة فإنّه لا يتمكّن من الإتيان بالقراءة إلا بتعلّم اللغة (3).

وجه النظر: أنّ كلّ جاهل غير متمكّن من الإتيان بشي‏ء فعلًا كان أو قولًا إلا بعد معرفته به، و هذا معنى المقدّمة العلميّة.

____________

(1) الأنعام (6) الآية 149.

(2) بحار الأنوار، ج 2، ص 29، ح 10.

(3) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 173.

341

و لست أدري ما الفرق بين القراءة و السجود؟ فإنّ الجاهل بالسجود و بما يشترط فيه غير قادر على الإتيان به إلا بعد معرفته و معرفة كيفيّته.

و خلاصة الكلام: أنّ مقدّمة وجود الشي‏ء داخل في علله، و يجب السنخيّة بين العلّة و المعلول و إلا لجاز كلّ شي‏ء أن يصير علّة لكلّ شي‏ء.

[المسألة 28] يجب تعلّم أحكام الخلل‏

المسألة 28: يجب تعلّم مسائل الشكّ و السهو بالمقدار الذي هو محلّ الابتلاء غالباً، نعم، لو اطمأنّ من نفسه أنّه لا يبتلى بالشكّ و السهو صحّ عمله و إن لم يحصل العلم بأحكامهما.

إنّ حدوث الشكّ و السهو للإنسان من ميزاته الخاصّة به، و سيرة العقلاء عند عروض الشكّ أو السهو لهم هو العمل على الوثوق و اليقين، فهم يهتمّون بسدّ ثغور جميع احتمالات الخلاف في أُمورهم، و لا يكتفون فيها بالشكّ، سواء أ كان شكّهم في أصل إتيان فعل، أو في صحّة ما أتوا به.

هذا و لكنّ الشارع المقدّس قد منّ على الأُمّة الإسلاميّة بوضع قواعد للأعمال الشرعيّة عند حدوث الشكّ فيها، تسهيلًا عليهم، و قناعة منهم في مقام الامتثال.

إنّ الشكّ و السهو يعرضان لجميع العبادات، سيّما في التي لها أجزاء كثيرة، و شرائط متنوّعة، و موانع متعدّدة، و قد خصّ فقهاؤنا (رضوان الله عليهم) كتاب الصلاة في الفقه بالبحث عن أحكام الشكّ و السهو، و يعلم منه حكمهما في بقيّة العبادات و العقود و الإيقاعات و الأحكام.

إذا عرفت ذلك فنقول:

إنّ أحكام الشكّ و السهو إن كانت مولويّة متعلّقة بمقام الامتثال فيصير البحث عن هذه المسألة من صغريات المسألة السابقة؛ لرجوع هذه الأحكام إلى بيان التفصيل فيما يعتبر في العبادات الواجبة، فهل هو معتبر فيها مطلقاً أم هو معتبر فيها حال الالتفات و الذكر؟ ثمّ الذي يعتبر فيها، فهل اعتباره من جانب الوجود أم من جانب العدم؟

342

و أمّا إذا كانت أحكام الشكّ و السهو في مقام الإرشاد إلى أسهل طريق للامتثال عند حدوث شكّ أو سهو فلا يجب على المكلّف تعلّمهما؛ لإمكان استئناف العمل من جديد.

نعم، يجب تعلّم أحكامهما بناء على ما هو المعروف بين الأصحاب من حرمة إبطال الصلاة؛ إذ الواجب عندئذ هو القيام بوظيفة الشاكّ أو الساهي عند حدوث الشكّ أو النسيان في الأثناء؛ لعدم جواز قطع الفريضة حتّى تستأنف، و عدم جواز البناء على أحد الطرفين، و الإتمام، ثمّ الإعادة؛ من جهة احتمال أن يكون ما بني عليه مبطلًا للصلاة، و لكنّ الكلام في الدليل على ذلك، و في إطلاق الدليل على فرض ثبوته.

و لعلّ وجه التقيّد بقوله: «غالباً» عدم إحراز الإطلاق لحكم العقل بوجوب التعلّم حتّى في المقدار الذي لا يصير محلّا للابتلاء غالباً، و أمّا ما مرّ من الخبر الدالّ على وجوب التعلّم‏ (1) فاستفادة الإطلاق من مثله مشكل؛ فإنّ احتمال دلالته على إمضاء حكم العقل بهذا الوجوب محكّم، فدلالته على تأسيس وجوب نفسي مولوي محلّ إشكال.

و أمّا قوله: «صحّ عمله» فلعلّه من سهو القلم؛ لأنّ ملاك الصحّة مطابقة الواقع لا الاطمئنان بعدم حدوث الشكّ، و من خاف على نفسه الابتلاء بهما إذا أتى بواجبه مطابقاً للواقع من دون شكّ و سهو صحّ، و كذا إذا عرض له أحدهما أتى رجاء بوظيفته صحّ عمله.

فالمراد من قوله: «صحّ عمله» عدم وجوب تعلّم أحكامهما لمن اطمأنّ بعدم الابتلاء بهما، و عدم استحقاقه العقاب؛ لأنّ حكم العمل قبل الفحص عن الدليل مع الاطمئنان بعدم الابتلاء حكم العمل بعد الفحص عن الدليل و اليأس عنه، و هو عدم استحقاق العقاب على المخالفة.

____________

(1) مرّ تخريجه في ص 340.

343

[المسألة 29] التقليد في المندوبات و المكروهات‏

المسألة 29: كما يجب التقليد في الواجبات و المحرّمات يجب في المستحبّات و المكروهات و المباحات، بل يجب تعلّم حكم كلّ فعل يصدر منه، سواء كان من العبادات أم المعاملات أو العاديات.

إنّ الملاك لوجوب التقليد صحّة الاحتجاج بالفتوى عند مخالفة المكلّف للحكم الواقعي الإلزامي، و ذلك متحقّق في صورتين:

إحداهما: إذا كان مفاد الفتوى حكماً غير إلزامي، فإنّه حجّة للمكلّف، فاللازم من هذه الفتوى تخيير المكلف بين الفعل و الترك.

الثانية: إذا كان مفاد الفتوى حكماً إلزاميّاً مخالفاً للحكم الواقعي.

و أمّا صحّة احتجاج المولى على المكلّف بالتقليد كما إذا كان مدلول الفتوى حكماً إلزاميّاً مطابقاً للواقع فغير واضح؛ لأنّ حكم العقل بوجوب الاحتياط موجود في هذه الصورة، و ممّا ذكرنا ظهر عدم حجّيّة الفتوى إذا كان الفعل بحسب الواقع محكوماً بحكم غير إلزامي، فلا يجب فيه التقليد عند العقل لفقدان الحجّيّة.

فقول الماتن لا يخلو من إشكال، مضافاً إلى أنّ سيرة المتشرّعة الملتزمين بالتقليد في الأحكام الإلزاميّة قائمة على عدم مثل هذا التقليد في المستحبّات و المكروهات، فلا يفحصون عن الأعلم، و لا يعملون بقول فقيه، بل يعملون بقول كلّ من أخبرهم بذلك، و الشاهد على ذلك عملهم بكتب الأدعية و الزيارات و الصلوات المستحبّة.

فإنّ القول بأنّ جميع المستحبّات و المكروهات من الضروريّات فلا يجب فيها التقليد مجازف، نعم، يجب التقليد في الجملة في العقود و الإيقاعات، بل في مطلق الوضعيّات التي لها آثار في صورة فقدان ما يحتمل اعتباره فيها وجوداً، أو عدماً؛ للشكّ في تحقّق الأثر عند ذلك الفقدان.

قال صاحب المستمسك:

هذا كلّه بلحاظ العمل؛ و أمّا بلحاظ التشريع فيصحّ اعتبار الحجّيّة لها؛ أي الفتوى، على‏

344

أن تكون حجّة للعبد في جواز اعتقاد الإباحة؛ إذ لولاها كان اعتقاد الإباحة تشريعاً محرّماً، فيجب التقليد في جميع الأحكام إلزاميّة كانت أو غيرها، من حيث جواز الالتزام بها و نفي التشريع‏ (1).

أقول: لا بدّ من تقييد هذا الكلام بغير الضروريّات و اليقينيّات.

و من المعلوم: أنّ الوثوق حاصل بكثير من المستحبّات و المكروهات و المباحات، بل و في العقود و الإيقاعات، و إن كان الوثوق نشأ من السماع من كبير، أو من عالم، أو ممّن يدّعي العلم، أو من قراءة كتاب، و غير ذلك ممّا هو من أسباب المعرفة عند الناس، كالمكتوبات على اللوحات، أو المخطوطات على ظهور الكتب و الدفاتر.

ثمّ إنّ دليل التسامح في أدلّة السنن على فرض إطلاق له قد يفيد عدم لزوم التقليد في المندوبات، كما يفيد عدم لزوم الاجتهاد فيها.

[المسألة 30] الإتيان بفعل لاحتمال مطلوبيّته‏

المسألة 30: إذا علم أنّ الفعل الفلاني ليس حراماً و لم يعلم أنّه واجب أو مباح أو مستحبّ أو مكروه يجوز له أنّ يأتي به لاحتمال كونه مطلوباً و برجاء الثواب، و إذا علم أنّه ليس بواجب و لم يعلم أنّه حرام أو مكروه أو مباح له أن يتركه لاحتمال كونه مبغوضاً.

الإتيان بفعل بداعي احتمال تعلّق الأمر به في صورة التمكّن من تحصيل العلم به، و كذا ترك فعل بداعي احتمال النهي عنه من أفضل مراتب الانقياد الحسن عند العقل، و الممدوح عند الشرع. إنّ الفاعل لذلك الفعل و التارك لذلك الفعل أطوع من الفاعل لفعل مظنون الحكم، فضلًا عن كونه مقطوعاً.

و قال بعض الأساطين: «هذا بناءً على عدم اعتبار قصد الوجه في العبادة كما هو الصحيح» (2).

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 60.

(2) انظر دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 177.

345

أقول: بل بناءً على اعتباره أيضاً؛ لأنّ اعتبار قصد الوجه عند من قال به في جميع أنواع الإطاعة حتّى في صورة الشكّ في تعلّق الأمر غير معلوم، بل معلوم العدم؛ إذ ليس للفعل في هذه الصورة وجه حتّى يقصد. مع أنّ الترك باحتمال وجود نهي داخل في البحث أيضاً، و لم يقل أحد باعتبار قصد الوجه في ترك المحرّمات المعلومة؛ فضلًا عن المشكوك فيها.

[المسألة 31] تبدّل رأي المفتي‏

المسألة 31: إذا تبدّل رأي المجتهد لا يجوز للمقلّد البقاء على رأيه الأوّل.

قال صاحب المستمسك:

هذا ينبغي أن يكون من الواضحات؛ لاختصاص أدلّة جواز الرجوع إلى العالم بصورة عدم اعترافه بالخطإ (1).

أقول: ما ذكره مختصّ بالخطإ الواقعي، و أمّا انكشاف الخطإ بالحجّة التعبّديّة فلا يستلزم علم المقلّد بخطإ الرأي الأوّل، و ذلك نظير الظنّ المانع و الممنوع في باب الانسداد، فالرأي الثاني كما يخطّئ الرأي الأوّل كذلك الرأي الأوّل يخطّئ الرأي الثاني، و كلّ واحد من الرأيين من حيث احتمال المطابقة للواقع متساويان، فهما نظير رأيين متخالفين من مجتهدين، نعم، لو كان بطلان الرأي الأوّل منكشفاً بالعلم الوجداني لكان لما ذكره دام ظلّه من الوجه مجال، و يمكن الفرق بينهما بأنّ التخطئة في رأيين من مجتهدين موجودة من ناحية كلّ واحد من ذوي الرأي، بخلاف المقام فإنّ التخطئة من ذي الرأي من جانب واحد.

فالوجه أن يقال: إنّ حكم العقل بوجوب الرجوع إلى العالم مختصّ بما يراه العالم صواباً و واثقاً به، فلا يعمّ ما يشكّ العالم في صحّته من الرأي، فضلًا عمّا قامت الحجّة لديه على خطئه.

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 61.

346

و الأدلّة اللفظيّة للتقليد منصرفة عن الفتوى التي قامت الحجّة لدى المفتي على فسادها؛ فإنّه غير متمكّن من إسناد مدلولها إلى الشرع، بل يصحّ عنده إسناد ما يقابله إلى الشرع.

[المسألة 32] عدول المفتي عن الفتوى إلى التوقّف‏

المسألة 32: إذا عدل المجتهد عن الفتوى إلى التوقّف و التردّد يجب على المقلّد الاحتياط، أو العدول إلى الأعلم بعد ذلك المجتهد.

أمّا عدم جواز البقاء على رأيه السابق فلما مرّ في المسألة السابقة، فتعيّن عليه الاحتياط أو الرجوع إلى مجتهد آخر، و شرط في المتن أن يكون من يرجع إليه أعلم من غيره، هذا الاشتراط على مذهبه، و قد مرّ الكلام فيه، و قد مرّ أيضاً عدم جواز الرجوع إلى الغير في المسائل التي يقول الأعلم فيها بالاحتياط؛ بناء على وجوب التقليد عنه. فراجع كلامنا في بيان المسألة الرابعة عشرة.

[المسألة 33] حكم التقليد بين المتساويين‏

المسألة 33: إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلّد تقليد أيّهما شاء، و يجوز التبعيض في المسائل، و إذا كان أحدهما أرجح من الآخر في العدالة أو الورع أو نحو ذلك فالأولى بل الأحوط اختياره.

التخيير في التقليد

قال صاحب المستمسك:

إنّ ذلك إجماع من القائلين بجواز التقليد من دون فرق بين صورة الاتّفاق في الفتوى أو الاختلاف، أو موافقة فتوى أحدهما للاحتياط المطلق دون الآخر، و غيرها. (1) أقول: تحصيل الإجماع التعبّدي في مثل هذه المسألة التي لم تكن مبحوثاً عنها بين‏

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 61.

347

قدماء الأصحاب محلّ تأمّل، و علم فرض تسليم ثبوت الإجماع فتعبّديّته محلّ نظر؛ فإنّ للمسألة ممّا للعقل إليها سبيل.

و يمكن حمل الإجماع في كلامه على الإجماع العملي المقصود منه سيرة المتشرّعة، فهي قائمة على تخيير المقلّد في رجوعه إلى أيّ مفت؛ و هذه السيرة متّصلة بزمان الحضور.

و الإشكال عليها بأنّ المتيقّن منها صورة عدم العلم بالاختلاف في الفتوى قد مرّ مع الجواب عنه.

التبعيض في التقليد

نقصد من التبعيض في التقليد الرجوع إلى أحد المجتهدين في مسألة و إلى الآخر في مسألة أُخرى، ثمّ إنّه قد تكون المسألتان غير مرتبطتين، كأن قلّد أحدهما في العبادات و قلّد الآخر في المعاملات، و قد تكون المسألتان مرتبطتين.

أمّا الصورة الأُولى فجواز التقليد فيها ظاهر؛ لصيرورته من صغريات البحث السابق، و هو التخيير بين المتساويين. مع أنّ السيرة العقلائيّة قائمة على مثل هذا التبعيض، و لا يبعد قيام سيرة المتشرّعة عليه أيضاً، سيّما في المندوبات و المكروهات، مضافاً إلى أنّ إطلاقات نصوص الباب حاكمة بالجواز أيضاً.

و أمّا إذا كانت المسألتان مرتبطتين فإنّه لا يلزم من تقليدهما في المسألتين العلم بمخالفة الواقع، فالظاهر جوازه، مثاله: لو أفتى أحدهما بوجوب الإقامة و عدم وجوب السورة، و أفتى الآخر بالعكس، فصلّى بلا إقامة تقليداً للثاني، و من دون السورة تقليداً للأوّل.

و أمّا إذا لزم العلم بالمخالفة فالوجه عدم الجواز، كما لو ترك الظهر بقول من يقول‏

348

بوجوب الجمعة، و ترك الجمعة بقول من يقول بوجوب الظهر.

و أمّا التبعيض في مسألة واحدة كأن يعامل معاملة الطهارة مع النصارى بقول من يقول بطهارة أهل الكتاب، و أن يعامل معاملة النجاسة مع اليهود بقول من يقول بنجاستهم، نعم، التبعيض في واقعة واحدة غير معقول، و المعقول فيها العدول، و قد عرفت الجواز فيه سابقاً.

ثمّ إنّ الكلام في ترجيح الأعدل أو الأورع قد مضى، و الوجه في الاحتياط في الترجيح فيهما فتوى جماعة بذلك كما قيل.

[المسألة 34] العدول إلى الأعلم‏

المسألة 34: إذا قلّد من يقول بحرمة العدول حتّى إلى الأعلم، ثمّ وجد أعلم من ذلك المجتهد، فالأحوط العدول إلى ذلك الأعلم و إن قال الأوّل بعدم جوازه.

إنّ البحث عن هذه المسألة موقوف على أمرين:

أحدهما: وجوب تقليد الأعلم و إطلاق لوجوبه حتّى لا يختصّ بالتقليد الابتدائي.

ثانيهما: عدم فتوى الأعلم بحرمة العدول مطلقاً؛ إذ بناءً على هذه الفتوى يكون البقاء على تقليد الأوّل متعيّناً؛ لوجود الحجّة على وجوب البقاء و عدم جواز العدول.

ثمّ إنّ صاحب المستمسك دام ظلّه قد قرّر البحث عن هذه المسألة: بأنّه تارة يقع في وظيفة المقلّد عند نفسه، و أُخرى في نظر المجتهد إلى حقيقة البحث حتّى يفتي بما يقتضيه الحقّ في المقام.

و قال في البحث عن الأوّل:

إذا التفت إلى ذلك فهو يشكّ في جواز البقاء و حرمته و حينئذ يمتنع أن يرجع في جواز البقاء إلى المجتهد الذي قد قلّده للشكّ في حجّيّة قوله، فلا بدّ من الرجوع إلى الأعلم، و لا يلتفت إلى فتوى من قلّده‏ (1).

انتهى بتلخيص.

أقول: لعلّ تشطير البحث بهذا النحو قد بدأ من صاحب الكفاية في بعض مسائل التقليد، فعمّمه صاحب المستمسك إلى مباحثه الأُخرى.

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 62 و 63.

349

ثمّ إنّك تراهم عند البحث عن شعور العامّي بوظيفته يأتون بدليل يحتجّ به العالم، و الحال أنّ ذلك ليس بحثاً عن شعور العامّي بوظيفته من حيث إنّه عامّي بل هو بحث عن شعور العامّي من و جهة نظر العالم.

فانظر إلى هذا الدليل الذي أتى به من رجوعه إلى الشكّ في الحجّيّة، و أنّه يمتنع الرجوع إلى ما شكّ في حجّيّته، فإنّ هذا الدليل قد وصل إليه العالم بعد طيّه مدارج العلم سنين، و اللائق بالبحث عن شعور العامّي هو التكلّم عن شعوره من حيث إنّه عامّي، و هذه الحيثيّة لا يعرفها العالم لاستلزامها سلب العلم عن نفسه.

و العالم لا يصل إلى كيفيّة قضاء الجاهل في أُمور؛ لأنّه لا يعرف مبادئ تفكيره، للبون الشاسع بين العالم و الجاهل في كيفيّة التفكير. ربّما يحصل اليقين بسبب حدوث أمر للجاهل يقضي العالم منه العجب.

و إنّ من الميزات بين العالم و الجاهل انقداح احتمال الخلاف لدى العالم، و عدم انقداح ذلك الاحتمال في بال الجاهل أصلًا.

و لو كان الجاهل ينطر إلى المسائل الدينيّة كما ذكروه لما كان يبقى في الدهر جاهل يتّبع لمذهب فاسد و دين باطل.

و الميزة الأُخرى أنّ الجاهل قلّما يقدر أن يتخلّى عن التعصّب، و أن ينظر إلى المسائل بنظر الإنصاف و الحياد، فقد لا يلتفت إلى حكومة التعصّب عليه.

و من المعلوم: أنّ ما يحكيه القرآن من عبدة الأوثان دليلًا لعبادتهم إيّاها خير مبيّن للتباعد الفكري بين العالم و الجاهل.

فالصواب الصفح عن هذا البحث إذ لا طائل تحته و الرجوع إلى البحث الثاني.

فنقول: إن كان الأعلم قائلًا بجواز العدول فالوجه تعيّن البقاء عليه، إنّه عمل بالحجّة القطعيّة؛ لأنّ فتوى الأوّل بالحرمة أمّا حجّة بنفسها أو بإمضاء الأعلم، و من ذلك يظهر الحال في كلّي المسألة، و هو العدول من مفت الى مفت آخر لو قلنا بعدم وجوب تقليد الأعلم، فإنّ الحكم فيه لزوم البقاء؛ لاحتمال وجوبه من جهة سبق العمل على تقليده، و هو المرجّح عند قوم، فيدور الأمر بين التعيين و التخيير في الحجّة.

350

و إذا كان الأعلم قائلًا بوجوب العدول فالعدول متعيّن بناءً على فرض الإطلاق لدليل وجوب تقليد الأعلم، و أمّا بناءً على عدم إطلاق له فهناك احتمالات ثلاثة:

أحدها: كون فتوى الأوّل هي الحجّة دون غيرها لسبق العمل بها، و هذا هو الوجه للقول بعدم جواز العدول إلى المساوي.

ثانيها: كون الحجّة قول الأعلم و وجوب العدول لاحتمال التعيين فيه.

ثالثها: كون المقلّد مخيّراً بين أحد التعيينين، و التخيير لاحتمال التعيين في كلّ منهما، و لاحتمال التخيير بينهما من جهة احتفاف كلّ منهما بما يمكن أن يكون مرجّحاً.

فيجب الرجوع إلى أحوط القولين في المسائل الفرعيّة من جهة عدم إمكان الأخذ بالأحوط في المسألة الأُصوليّة.

نعم، لو كان الأوّل متعيّن التقليد في زمان فأصالة بقاء تعيّن تقليده حاكمة.

[المسألة 35] الخطأ في تعيين المفتي‏

المسألة 35: إذا قلّد شخصاً بتخيّل أنّه زيد فبان عمراً فإن كانا متساويين في الفضيلة و لم يكن على وجه التقييد صحّ، و إلا فمشكل.

قال صاحب المستمسك:

يشكل فرضه بناءً على أنّ التقليد هو العمل، و قد كان المجتهدان متّفقين في الفتوى. نعم، مع الاختلاف فيها أو القول بأنّه الالتزام يكون الفرض ظاهراً. (1).

القصد على وجه التقييد

وجه الإشكال في نظر الماتن توهّم معنى سلبي في مفهوم «القصد على وجه التقييد» و هو عدم ترتيب الأثر عند فرض انتفاء القيد كما صرّح به نفسه في موارد من كتابه، لكنّ التحقيق أنّ المعنى السلبي غير داخل في مفهوم «القصد على وجه التقييد»

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 64.

351

فإنّه عبارة عن قصد الطبيعة متقيّدة بقيد على نحو البساطة و وحدة المطلوب، و هذا المعنى كما يجتمع مع عدم ترتيب الأثر عند فقدان القيد، كذلك يجتمع مع ترتيب الأثر عند قيام قيد آخر مقام هذا القيد. فالمراد من «التقييد» البساطة، و ذاك المعنى السلبي خارج عن هذا المفهوم و ليس بلازم له.

إنّ «القصد على وجه التقييد» في قبال القصد بنحو تعدّد المطلوب، أو قصد مطلق الطبيعة، فإذا قصد أمراً على وجه التقييد ثمّ انكشف خطؤه يعني كان المقصود فاقداً لذلك القيد، و لهذا المعنى موارد في مسائل الفقه:

منها: ما إذا نوى الفريضة أداءً، فذلك هو «القصد على وجه التقييد» و قد لا ينوي تقييد الصلاة بالأداء، بل ينوي ما في ذمّته من الواجب فعلًا فذلك هو «القصد لأعلى وجه التقييد».

و لا ريب في وقوع الصلاة صحيحة أداءً في كلتا الصورتين، إنّما الاختلاف بينهما في صورة الخطإ و كشف الخلاف، مثلًا: زعم دخول الوقت و أتى بالصلاة الحاضرة فانكشف عدم دخول الوقت، ففي الصورة الأُولى لا تصحّ الصلاة أداءً لفقد شرطه، و هو الوقت، و لا تصحّ قضاءً لعدم كونه منويّاً، و في الصورة الثانية تصحّ الصلاة قضاءً لما فاتته من الصلوات؛ لأنّه لم يقصد القيد الأدائي، أو الصلاة على وجه التقييد بالأداء، بل قصد أمراً مطلقاً ينطبق على القضاء.

و هل انكشاف الخلاف و تبيّن الخطإ عند «القصد على وجه التقييد» موجب لفساد المأتي به مطلقاً، و في جميع الموارد، حتّى يعمّ مسألة التقليد التي نبحث عنها أم لا؟

ظاهر بعضهم هو الأوّل؛ و لعلّه من جهة فوات المقيّد بفوات قيده، و لأنّ ما قصد لم يقع، و ما وقع لم يقصد، و الحقّ هو الثاني، فإنّ الأمر تابع لكيفيّة اعتبار القيد في المأمور به، إنّ القيد قد يكون مقوّماً للمأمور به، و تخلّفه عن الفعل بعدم قصده يوجب البطلان، و نقصد من البطلان عدم حصول المأمور به في الخارج، و إن شئت قلت: عدم انطباق المأتي به مع المأمور به.

ثمّ إنّ القيد المقوّم قد يكون متقوّماً بالقصد بأن يكون تميّز المأمور به عن نظائره‏

352

بالقصد فقط، كالأداء و القضاء؛ فإنّ القصد من مقوّمات وجودهما، و قد لا يكون القيد المقوّم متقوّماً بالقصد، و على كلا الفرضين يكون انتفاء القيد موجباً للبطلان؛ لفوات المقيّد بفوات قيده، و لأنّ ما وقع لم يقصد، و ما قصد لم يقع.

و أمّا إذا لم يكن القيد مقوّماً للمأمور به فانكشاف الخلاف فيه غير مضرّ، كما لو قصد الصوم بعنوان اليوم الأخير من شعبان، فانكشف الخلاف بأنّه اليوم الأوّل من رمضان، فقد صحّ صومه واجباً و إن كان قاصداً له مندوباً؛ إذا لا يعتبر في الصوم قيد كونه من رمضان حتّى يصير داخلًا في القصد، بل يكفي فيه إتيانه بقصد القربة، فتقييده في القصد بآخر شعبان غير مضرّ، و كذا لو تشهّد في الرباعيّة بقصد الركعة الرابعة ثمّ تبيّن أنّها الثانية، فيصحّ التشهّد، فيقوم للثالثة؛ لعدم دخل قيد عقيب الركعة الثانية، أو الرابعة في التشهّد، فإنّ المعتبر فيه إتيان بقصد الصلاة و قد حصل، و الخلاف المنكشف كان في شي‏ء خارج عن المأمور به، و ليس بقيد داخل فيه.

و من الباب، لو اقتدى بإمام زعماً أنّه زيد فبان أنّه عمرو و هو واجد لشرائط إمامة الصلاة صحّت صلاته؛ لأنّ قيد زيديّة الشخص غير مقوّم لإمامة صلاة الجماعة، و مسألتنا من هذا القبيل؛ لعدم دخل زيديّة شخص في المفتي، فعدم كون المرجع زيداً حتّى على وجه التقييد غير مضرّ، و يصحّ تقليده إذا كان عمرو جامعاً للشرائط.

[المسألة 36] طرق معرفة فتوى المجتهد

المسألة 36: فتوى المجتهد تعلم بأحد أُمور:

الأوّل: أن يسمع منه شفاهاً.

الثاني: أن يخبر بها عدلان.

الثالث: إخبار عدل واحد، بل يكفي إخبار شخص موثّق يوجب قوله الاطمئنان و إن لم يكن عادلًا.

الرابع: الوجدان في رسالته، و لا بدّ أن تكون مأمونة من الغلط.

الطرق العقلائيّة لمعرفة فتوى المجتهد هي التي توجب الوثوق بها، و الطرق الأربعة

353

المذكورة في المتن كلّها طرق عقلائيّة توجب الوثوق، و لا فرق في الخبر المفيد للوثوق عند العقلاء بين كونه كتبيّاً أو شفاهيّاً.

و من الطرق العقلائيّة لمعرفة فتوى المجتهد فعل المجتهد إذا كان مخالفاً للاحتياط.

و منها: تصحيحه لعمل المقلّد إذا كان مخالفاً للاحتياط.

و منها: عدم تعليقه على مسألة في الرسالة التي علّق عليها؛ فإنّه أيضاً من طرق معرفة فتواه؛ لأنّ ديدن المعلّقين على الرسالات إظهار النظر عند مخالفة نظرهم مع المتن الذي علّقوا عليه إذا كان مخالفاً للاحتياط.

ثمّ إنّ خبر العدل الواحد عن الحكم قد ثبتت حجّيّته في أُصول الفقه، و يمكن أن تجعل الطرق الأربعة المذكورة في المتن من مصاديق الخبر العدل الواحد.

فحجّيّة خبر العدل الواحد عن الحكم حجّة تعبّديّة، و نقصد منها صحّة الاعتماد عليه و لو لم يكن مقيّداً للوثوق، و بذلك تفترق عن الحجّيّة العقلائيّة؛ فإنّ العقلاء لا يعتدّون بحجّة لا تفيد الوثوق عندهم.

و أورد على كلام المتن بعض أهل النظر من مدقّقي العصر ب:

أنّه بناءً على عدم الدليل على حجّيّة البيّنة في أمثال المورد ممّا يرجع إلى الحكم، فأخبار عدلين ليس بطريق آخر في قبال إخبار العدل الواحد، بل هو طريقان إلى فتوى المجتهد و لو بنى على عموم دليل البيّنة لمثل المورد فلازمه عدم حجّيّة خبر العدل الواحد، فالجمع بين الطريقين كما في المتن غير واضح.

أقول: لنا: اختيار الشقّ الأوّل، لكن إخبار عدلين ليس بطريقين؛ لأنّ إخبار العدل الواحد موصوف بلا شرطيّة، فيكون خبر عدلين من مصاديق خبر العدل الواحد أيضاً، فقد أشرنا أنّ الطرق الأربعة من مصاديق العدل الواحد، فأخبار المجتهد أيضاً منها؛ إذ المفروض أنّ العدالة من أوصاف المفتي.

و لنا: اختيار الشقّ الثاني، لكن حجّيّة البيّنة في الموضوعات تستلزم عدم حجّيّة خبر العدل الواحد فيها؛ فإنّ ذلك مختصّ بباب المرافعات بتصريح من الدليل، و قد عرفت أنّ القول بحجّيّة البيّنة في الموضوعات من جهة حصول العلم بحجّيّتها في‏

354

موارد خاصّة، لأمن جهة دليل عامّ شامل لها.

[المسألة 37] تقليد غير الأهل‏

المسألة 37: إذا قلّد من ليس له أهليّة الفتوى ثمّ التفت وجب عليه العدول، و حال الأعمال السابقة حال عمل الجاهل غير المقلّد، و كذا إذا قلّد غير الأعلم وجب على الأحوط العدول إلى الأعلم، و إذا قلّد الأعلم ثمّ صار بعد ذلك غيره أعلم وجب العدول إلى الثاني على الأحوط.

إنّ رجوع المستفتي إلى من ليس له أهليّة الإفتاء كأن كان المفتي فاقداً لبعض الشرائط المعتبرة في المرجع، و هذا التقليد كلا تقليد؛ لأنّ فقد الشرط موجب لفقدان المشروط، فيجب عليه التقليد لا العدول.

و حكم أعماله التي أتى بها طبقاً لأقواله حكم عمل الجاهل، فإن كان قد قصّر في معرفة الفقيه فهو الجاهل المقصّر، و إلا فهو الجاهل القاصر، و قد مضى حكمهما في «المسائل 7 و 16 و 25».

و قال بعض الأساطين:

هذا إذا لم يكن تقليده له على طبق الموازين الشرعيّة، و إلا فيدخل في كبرى مسألة البحث عن إجزاء الحكم الظاهري إذا انكشف خلافه بالقطع، أو بأمارة معتبرة (1).

أقول: إنّ البحث عن إجزاء الحكم الظاهري إنّما يكون عند كشف الخلاف عن الحجّة الثابتة حجّيّتها شرعاً. و بعبارة أُخرى: عند كشف خطإ الأمارة المعتبرة. و أين ذلك ممّا ليس بحجّة شرعاً و قد توهّم حجّيّته؛ غاية الأمر عدم كونه مقصّراً كمن زعم يزيد بن معاوية حسين بن عليّ».

و أمّا رجوع المستفتي إلى غير الأعلم فقد قال بوجوب العدول عليه إلى الأعلم على الأحوط، و هذا الحكم من فروع الوجوب الاحتياطي لتقليد الأعلم، و قد مرّ

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 183.

355

الكلام فيه تفصيلًا.

و من المعلوم: في هذا الفرع. كون رجوع العامّي أوّلًا إلى غير الأعلم من باب الاشتباه في الموضوع، لأمن ناحية اجتهاده في نفس هذه المسألة، و إلا فوجوب العدول عليه تابع لما اتّخذه من الرأي.

و أورد صاحب المستمسك على المتن ب: «أنّ كون العدول أحوط غير ظاهر لوجود القول بحرمة العدول حتّى إلى الأعلم» (1).

أقول: فيلزمه الاحتياط في المسألة الفرعيّة، و هو الرجوع إلى أحوط القولين، و ذلك من جهة عدم إمكان الاحتياط في المسألة الأُصوليّة حسبما أفاد دام ظلّه.

و أمّا إذا رجع المستفتي إلى الأعلم ثمّ صار غيره أعلم وجب العدول إلى الثاني على الأحوط.

أقول: في هذا الاحتياط نظر، و هو أصالة بقاء حجّيّة قول المرجع الأوّل، و أصالة بقاء عدم حجّيّة قول المرجع الثاني. مضافاً إلى ما حكيناه عن الإشكال في الفرع السابق.

[المسألة 38] اشتباه الأعلم بغيره‏

المسألة 38: إذا كان الأعلم منحصراً في شخصين و لم يمكن التعيين فإن أمكن الاحتياط بين القولين فهو الأحوط، و إلا كان مخيّراً بينهما.

هذه المسألة أيضاً من فروع مسألة تقليد الأعلم، فالعمل بأحوط القولين إن أمكن من باب تحصيل العلم بقول الأعلم و إن لم يعرف شخصه، و إذا لم يكن الاحتياط كما إذا أفتى أحدهما بوجوب الجمعة و أفتى الآخر بوجوب الظهر فتخيير المستفتي بين هذين القولين حكم عقلي.

____________

(1) المستمسك، ج 1، ص 66.

356

[المسألة 39] الشكّ في موت المفتي‏

المسألة 39: إذا شكّ في موت المجتهد أو تبدّل رأيه أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده يجوز له البقاء إلى أن يتبيّن الحال.

الدليل لجواز البقاء في جميع هذه الفروع الثلاثة هو الاستصحاب بصحيحة عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعيّة.

ثمّ إنّ قوله: «ما يوجب عدم جواز تقليده» محتمل لوجهين:

أحدهما: عدم جواز تقليده في الفتيا التي يصدرها بعد ذلك.

ثانيهما: عدم جواز البقاء على تقليده في الفتيا الصادرة منه.

و لعلّه المراد بقرينة العطف، لكنّه محلّ بحث، و قد مرّ الكلام فيه.

[المسألة 40] العبادة بلا تقليد

المسألة 40: إذا علم أنّه كان في عباداته بلا تقليد مرّة من الزمان و لم يعلم مقداره، فإن علم بكيفيّتها و موافقتها للواقع أو لفتوى المجتهد الذي يكون مكلّفاً بالرجوع إليه فهو، و إلا فيقضي المقدار الذي يعلم معه بالبراءة على الأحوط و إن كان لا يبعد جواز الاكتفاء بالمقدار المتيقّن.

من أتى بعباداته الواجبة بلا تقليد، فإمّا أن يحصل له العلم بمطابقة ما أتى به للواقع أو لفتوى المجتهد الذي كان مكلّفاً بالرجوع إليه، و إمّا أن لا يحصل له العلم، فإن حصل له العلم فلا شي‏ء عليه من الإعادة و القضاء، و إن لم يحصل له العلم فله صورتان:

الصورة الأُولى أن يعلم بوقوعها مخالفة للواقع‏

، أو لفتوى من يكون مكلّفا بالرجوع إليه، و الحكم في هذه الصورة وجوب الإعادة أو القضاء إذا لم يتحقّق منه الامتثال لتكاليفه، و العقل حاكم بلزوم الامتثال، فإن كان الالتفات إلى ذلك في الوقت تجب الإعادة، و إن كان‏

357

بعد مضيّ الوقت يجب القضاء.

حكم مخالفة المأتي به للمأمور به‏

فقد تكون المخالفة فيما يعتبر في المأمور به على وجه الإطلاق كالأركان في الصلاة، ففيها تجب الإعادة أو القضاء بلا إشكال، و قد تكون المخالفة فيما يعتبر في المأمور به لأعلى وجه الإطلاق، كأن يكون معتبراً في حال الذكر و الالتفات، و كان المأتي به الناقص ممّا يقبله الشارع مكان الكامل؛ تصرّفاً منه في مقام الامتثال، تسهيلًا على العباد، فوجوب الإعادة أو القضاء في هذه الصورة محلّ تأمّل بل منع، مثلًا: حكم الشارع بأنّ من أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحجّ، و ذلك ملازم للحكم بصحّة الحجّ إذا فاتت المناسك الأُخر جهلًا، أو نسياناً، أو عجزاً، و حكم في باب الصلاة بنصّ «لا تعاد» و ذلك دالّ على عدم وجوب الإعادة و القضاء إذا كان المأتيّ به فاقداً لغير الخمسة المستثناة في النصّ؛ بناء على شمول النصّ للجاهل القاصر، أو المقصّر غير الملتفت؛ اقتضاءً لعمومه اللغوي، و هو النفي و الاستثناء، و إليك النصّ المستفيض:

روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: «لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع، و السجود» ثمّ قال (عليه السلام): «القراءة سنّة، و التشهّد سنّة، فلا تنقض السنّة الفريضة (1)».

القول في فقه الحديث: ذهب العلامة النائيني إلى:

أنّ دلالة النصّ مقصورة بصورة السهو و النسيان، فلا يشمل حال الجهل، محتجّاً بأنّ الظاهر من قوله (عليه السلام): «لا تعاد» توجّه الخطاب إلى من يكون تكليفه الإعادة بمقتضى طبعه، و هو الساهي من جهة عدم كونه مكلّفاً بإتيان المنسيّ واقعاً؛ لعدم إمكان توجيه الخطاب إلى الغافل، فإنّ ذلك يخرجه عن الغفلة، فلا أمر له بالمنسيّ حتّى‏

____________

(1) تهذيب الأحكام، ج 2، ص 152، ح 597.

358

يكون داعياً إلى الإتيان بالعمل الكامل، فينحصر خطابه بإتيان العمل كاملًا في الأمر بالإعادة بعد الالتفات إلى الترك، و فوات محلّ المتروك، فيشمله حديث «لا تعاد».

و أمّا الجاهل فلا مانع من توجيه الخطاب إليه بالإتيان بما جهل؛ إذ الجهل غير مانع عن التوجيه، فهو في حال الجهل مخاطب بالأمر بالعمل كاملًا. (1) أقول: و لا يخلو كلامه من ضعف؛ لأنّ الحاكم بالإعادة عند فساد العبادة هو العقل في جميع موارد الفساد، فهو الحاكم المطلق في مقام الامتثال، و حكم العقل بالإعادة من مصاديق حكمه الكلّي بوجوب الامتثال لكلّ تكليف فعليّ منجّز؛ تحصيلًا للبراءة اليقينيّة عند الاشتغال اليقيني بذلك التكليف.

و من المعلوم: أنّه إذا لم يكن المأتيّ به مطابقاً للمأمور به من جهة وقوع نقص فيه فالامتثال غير محقّق، فالعقل يحكم بالإعادة حتّى يتحقّق الامتثال المطلوب، و ذلك من غير فرق بين أن يكون النقص ينشأ من سهو أو جهل بالموضوع أو بالحكم؛ فإنّ الموجب لطلب العقل بالإعادة نفس النقص الحادث في المأتي به من غير نظر إلى سبب حدوث ذلك النقص.

ثمّ إنّ هذا الحكم العقلي اقتضائي مشروط بعدم تصرّف من الشارع في مقام الامتثال، و عند تصرّفه في هذا المقام كما في نصّ «لا تعاد» يرتفع حكم العقل بلزوم الإعادة.

فإن قال أحد: إنّ العموم اللغوي لنصّ «لا تعاد» شامل لصورة حدوث النقص العمدي، فيجب الحكم بعدم إعادة الصلاة إذا كان فيها نقص عمدي من غير الخمسة.

نقول له: إنّ النصّ ناظر إلى ما خلا العمد من النقص، فإنّ الحصر فيه إضافي ينظر إلى النقصان الذي لم يحدث عن عمد، و الشاهد على ذلك قرينتان: معنويّة و لفظيّة.

____________

(1) كتاب الصلاة، ج 2، ص 405 و 406.

359

أمّا الأُولى: فلأنّ المتبادر من هذه الخطابات الواردة في مثل هذه الأحكام أنّها موجّهة إلى من يكون في مقام الإطاعة و الانقياد.

فالمخاطب بالنصّ من صلّى ممتثلًا، و من أحدث نقصاً عمديّاً في صلاته فليس بممتثل، و ليس في مقام الانقياد و إطاعة الأمر.

و أمّا الثانية: فهي ذيل الحديث المصرّح بأنّ نقص التشهّد أو نقص القراءة غير ناقض للصلاة، و الحال أنّ النقص العمدي لكلّ منهما ناقض للصلاة بضرورة من الفقه، فالنصّ منصرف عن النقص العمدي.

نعم، إذا ثبت وجود دليل على أنّ حكم الجاهل المقصّر حكم العامد، و ثبت أيضاً إطلاق لهذا الدليل بحيث يعمّ الجاهل غير الملتفت، و ثبت له إطلاق آخر حتّى يعمّ جميع العبادات، و جميع أصناف النقص من الأجزاء و الشرائط، يدلّ على بطلان عبادة الجاهل المقصّر غير الملتفت إن كانت ناقصة.

دوران الفوائت بين الأقلّ و الأكثر

إذا وجب القضاء بالنسبة إلى صلواته الناقصة، فهل يجب عليه قضاء جميع الصلوات التي يحتمل فيها نقصاً، أو يكفي القضاء في المقدار المتيقّن منها، و هو الذي يعلم حدوث النقص فيه؟

و الجواب عن هذا السؤال موقوف على البحث عن حال من فاتته فرائض لم يعلم عددها، فهل يجب عليه القضاء فيما يعلم منها من العدد، أو يجب قضاء المقدار المشكوك فيه أيضاً؟

أفتى جماعة بالثاني، بل نسب إلى المشهور وجوب القضاء بمقدار يحصل معه العلم بالبراءة ما لم يصر حرجيّا (1)، و إلا فيأتي بمقدار من القضاء يحصل معه الظنّ بالبراءة، لكنّ الحق مع الأوّل، فيجوز الاكتفاء في القضاء بالمقدار المتيقّن من الفوائت؛

____________

(1) مدارك الأحكام، ج 1، ص 306 و 307؛ دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 191.

360

لأنّ أمرها دائر بين الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين.

و مقتضى القاعدة فيها هو البراءة عن وجوب القضاء في المقدار المشكوك فيه الزائد على الأقلّ المعلوم، بل تجري فيه قاعدة الحيلولة، و ما يمكن أن يكون وجهاً لما نسب إلى المشهور مع الشكّ في صحّة النسبة ما حكي عن صاحب الحاشية على معالم الأُصول:

من أنّ الشكّ في التكليف قد يكون مجرى للاشتغال؛ لرجوعه حقيقة إلى الشكّ في السقوط، و هي الصورة التي لو كان التكليف بحسب الواقع ثابتاً لصار منجّزاً بواسطة حصول العلم به، كما في موارد الشبهة قبل الفحص، و كما في دوران الأمر بين المتباينين. و حال الفوائت من هذا القبيل؛ لأنّ المكلّف عند حضور وقت صلاته قد حصل له العلم بالتكليف المنجّز، فتنجّز عليه التكليف القضائي من جهة تركه الأداء، فإذا شكّ بعد ذلك في مقدار القضاء كان الشكّ في سقوط التكليف المنجّز.

و يرد عليه:

أوّلًا: بالنقض بالدين المردّد مقداره بين الأقل و الأكثر فإنّ الأكثر على فرض ثبوته كان معلوماً حين الاستدانة، مع أنّه لم يقل أحد فيه بالاشتغال ثمّ بالنقض بالشكّ الساري فإنّ التكليف الذي صار مشكوكاً فيه بهذا الشكّ على فرض ثبوته في الواقع صار منجّزاً من جهة صيرورته متعلّقاً للعلم، مع أنّه لم يقل أحد فيه بالاشتغال، و إطلاق رفع لا يعلم‏ (1) في قوله حاكم بعدم الاعتداد بهذا الشكّ ثمّ بالنقض بالشكّ في إتيان الصلاة إذا حدث بعد مضيّ الوقت؛ فإنّه على فرض ثبوت التكليف بالواقع كان منجّزاً من جهة حصول العلم به.

و ثانياً: إن كان المراد من التكليف هو الأمر الأدائي الذي تعلّقت العلّة به و وقع الشكّ في امتثاله، فقاعدة الحيلولة حاكمة بعدم الاعتداد بالشكّ بالأكثر، و إن كان المراد منه هو الأمر بالقضاء بناءً عل كونه أمراً جديداً فلم يتعلّق العلم بالمقدار الزائد على‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 15، ص 369، الباب 56 من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه، ح 1.

361

المتيقّن، فهو مجرى للبراءة.

مضافاً إلى ما ذكره بعض الأساطين:

من أنّ العلم بوجوب القضاء إنّما حصل بعد العلم بالمخالفة لفتوى المجتهد، فليس التكليف المحتمل مسبوقاً بالعلم كي يجري فيه التوهّم المزبور (1).

الصورة الثانية و هي فرض كون العامّي شاكّاً في مطابقة عباداته مع فتوى من يكون مكلّفاً بتقليده‏

من جهة نسيانه أعماله السابقة.

و بيان الحال فيها: أنّ وجوب القضاء إن قلنا بأمر جديد فالظاهر عدم وجوب القضاء عليه؛ لأصالة البراءة عن هذا الوجوب، و لقاعدة الفراغ.

و أمّا قاعدة الحيلولة فيمكن القول بعدم جريانها بدعوى ظهور لسان دليلها بصورة الشكّ في أصل إتيان الفعل كما ذكرنا في رسالتنا المحرّرة في القواعد الثلاث: التجاوز، و الفراغ، و الحيلولة.

و أمّا أصالة عدم إتيان المأمور به في وقته فلا يثبت بها وجود الموضوع؛ لوجوب القضاء، و هو الفوت، فاتّصاف فعل بالفوت عبارة عن عدم إتيانه حال كون الفعل موصوفاً بذهاب وقته، فالفائتة في قبال الحاضرة، و هي التي لم يؤت بها و قد بقي وقتها، فأصالة عدم إتيانها في الوقت لا تثبت اتّصافها بالحضور، و الفائتة هي التي لم يؤت بها و قد خرج وقتها، فأصالة عدم إتيانها في الوقت لا تثبت اتّصافها بالفوت إلا أن يقال بإحراز مضيّ الوقت بالوجدان، و عدم الإتيان بالأصل.

و إن قلنا: إنّ وجوب القضاء بالأمر الأوّل، و إنّ وجوب الأداء في الوقت من باب تعدّد المطلوب، فيجري استصحاب التكليف، فيجب القضاء.

فإنّ قاعدة الحيلولة مختصّة بالشكّ في أصل الإتيان، و لا سبيل إلى القول بجريانها

____________

(1) دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 191 و 192.

362

عند الشكّ في الصحّة، و لكن قاعدة الفراغ قاضية بصحّتها و حاكمة على استصحاب التكليف، فجميع ما أتى به من العبادات السابقة من غير تقليد محكوم بالصحّة إذا كان شاكّاً في مطابقته لما أمر به. و أمّا احتمال عدم شمول قاعدة الفراغ لصورة العلم بالغفلة حال العمل فمندفع بإطلاق لسان دليلها، فلا يختصّ بصورة احتمال الالتفات إلى العمل حال صدوره، و بخبر الحسين بن أبي العلاء الذي رواه في الكافي، حيث قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسلت؟ قال (عليه السلام): «حوّله من مكانه» و قال (عليه السلام) في الوضوء: «تديره، فإن نسيت حتّى تقوم في الصلاة فلا أمرك أن تعيد الصلاة» (1) و النصّ ظاهر في خصوص حكم الشكّ في انطباق المأتيّ به للمأمور به، فإنّ حدوث الشكّ في وصول الماء إلى ما تحت الخاتم إنّما كان بسبب نسيان إدارته، أو تحويله في حال العمل، و ظاهر النصّ أنّ هذا الشكّ إذا حدث بعد الفراغ من العمل لا يعتدّ به.

قال بعض الأساطين:

إنّها قاصرة عن الدلالة على عدم وجوب الاعتناء بالشكّ مع فرض الغفلة من حين الشروع، على أنّها ضعيفة السند (2).

أقول: أمّا دلالتها فليست بقاصرة؛ فإنّ قوله (عليه السلام): «حوّله» أو «تديره» إرشاد إلى طريق لحصول الوثوق بوصول الماء إلى تحت الخاتم. و لا وجه لاحتمال الاستحباب النفسي في التحويل و الإدارة، فهل يظنّ أحد أنّ من مستحبّات الغسل تحويل الخاتم، و من مندوبات الوضوء إدارته؟

ثمّ إنّها قويّة السند بتصريح من ابن الغضائري المشهور بكثرة الجرح حيث قال: «إنّ الحسين أوجه إخوته» (3) و من المعلوم: عدم حسن هذا التعبير إلا إذا كان إخوته وجهاء، مضافاً إلى أنّ عبد الحميد من إخوته و مصرّح بوثاقته، و من يعرف‏

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 1، ص 468، الباب 42 من أبواب الوضوء، ح 2؛ الكافي، ج 3، ص 45، ح 14.

(2) انظر دروس في فقه الشيعة، ج 1، ص 188.

(3) معجم رجال الحديث، ج 5، ص 184.

363

ابن الغضائري يعرف قيمة هذا التوصيف.

و ممّا يفيد وثاقته رواية عدّة من أصحاب الإجماع و فضلاء الأصحاب عنه، كابن أبي عمير (1)، و صفوان‏ (2)، و عبد الله بن مغيرة (3)، و علي بن حكم‏ (4)، و جعفر ابن بشير (5)، و هم الذين قيل في حقّهم: «إنّهم لا يروون إلا عن ثقة» (6).

و منه إرسال الصدوق هذه الرواية في الفقيه إرسالًا مسلّماً، و يكشف ذلك عن حسن ظنّ الصدوق بالحسين. (7) مضافاً إلى دلالة بعض الأخبار على أنّه كان مورداً لعناية خاصّة من الإمام، مثل الخبر الذي يحكي نهي الإمام عمّا كان يفعله في سفر الحجّ، و هو ذبح شاة في كلّ يوم. (8)

[المسألة 41] الشكّ في صحّة التقليد

المسألة 41: إذا علم أنّ إعماله السابقة كانت مع التقليد لكن لا يعلم أنّها كانت عن تقليد صحيح أم لابني على الصحّة.

قوله: «بنى على الصحّة» محمل لوجهين:

أحدهما: أن يكون المراد البناء على صحّة تقليده.

أقول: إنّ الشكّ في صحّة تقليد قد يحدث بعد العدول عن تقليد مجتهد، و قد يحدث حال التقليد عن مجتهد بحيث يشكّ في صحّة تقليده الفعلي، أمّا الشكّ‏

____________

(1) قاموس الرجال، ج 7، ص 508.

(2) الفهرست، ص 171.

(3) الفهرست، ص 196.

(4) الفهرست، ص 220.

(5) الفهرست، ص 142.

(6) عدّة الأُصول، ص 387.

(7) الفقيه، ج 1، ص 31، ح 106.

(8) وسائل الشيعة، ج 11، ص 415، الباب 33، من أبواب آداب السفر، ح 6.

364

فيه بعد العدول، فإن قلنا: إنّ التقليد هو الالتزام و نحوه فالبناء على صحّة التقليد عند الشكّ فيها لا دليل عليه؛ لانصراف قاعدة الفراغ عن مثل هذه الأُمور، و إلا يجب أن تشمل صورة شكّ المجتهد في صحّة اجتهاده، و على فرض شمولها لمثل الالتزام يحكم بصحّة أعماله السابقة؛ لأنّ الشكّ في صحّتها مسبّب عن الشكّ في صحّة تقليده، و قد حكمت قاعدة الفراغ بصحّته.

و أمّا إذا حدث الشكّ في صحّة تقليده الفعلي فلا سبيل إلى الحكم بصحّته، فهو من قبيل الشكّ الحادث قبل التجاوز عن المحلّ، فيجب عليه تحصيل العلم بصحّة تقليده.

نعم، تصحّ أعماله السابقة من جهة صيرورتها مجرى لقاعدة الفراغ، و أمّا بالنسبة إلى الأعمال الاتية فلا بدّ من إحراز الصحّة.

و ممّا ذكرنا ظهر الحال إن قلنا: إنّ التقليد هو العمل فالحكم هو الصحّة في جميع أعماله السابقة في كلا الفرضين، لكن إذا كان الشكّ في صحّة تقليده الفعلي يجب إحراز الصحّة بالنسبة إلى الأعمال المستقبلة.

ثانيهما: أن يكون المقصود البناء على صحّة أعماله السابقة.

و قد عرفت أنّها مجرى لقاعدة الفراغ بشرط أن يكون لجريانها أثر شرعي من نفي الإعادة أو القضاء.

و اعلم أنّ الحكم بقاعدة الفراغ لصحّة الأعمال السابقة غير مفيد لإحراز صحّة أعماله المستقبلة، فيجب عليه بالنسبة إلى تقليده الاتي و أعماله في المستقبل ما يجب على كلّ عامّي عند صيرورته مكلّفاً، و حكمه يظهر في البحث عن المسألة الاتية.

[المسألة 42] الشكّ في حائزيّة المفتي للشرائط

المسألة 42: إذا قلّد مجتهداً ثمّ شكّ في أنّه جامع للشرائط أم لأوجب عليه الفحص.

إنّ هذا الشكّ قد يحدث من جهة الشبهة في الحكم، كما إذا كان معتقداً عدم اشتراط وصف في المفتي عند رجوعه إليه، ثمّ حدث له الشكّ في ذلك بعد رجوعه‏

365

إليه، و قد يحدث من جهة الشبهة في الموضوع، كما إذا كان معتقداً اتّصاف المفتي بوصف عند رجوعه إليه ثمّ حدث له الشكّ في ذلك.

و يجمع الشكّين الشكّ في حجّيّة قول المفتي في كلا الصورتين، و قد مرّ أنّ الشكّ في الحجّيّة ملازم للحكم بعدمها من غير فرق في كون الشكّ حادثاً قبل العمل بالحجّة، أو بعد العمل بها.

و من المعلوم: أنّ الحجّة للعامّي قول الفقيه الجامع للشرائط، فكما يجب الفحص على العامّي في ابتداء تقليده، كذلك يجب عليه الفحص إذا حدث له الشكّ في جواز البقاء على تقليده؛ لأنّ الحجّة يجب أن تكون حجّة حال الحدوث و البقاء عند الابتداء و الانتهاء.

[المسألة 43] من ليس أهلًا للفتوى و للقضاء

المسألة 43: من ليس أهلًا للفتوى يحرم عليه الإفتاء، و كذا من ليس أهلًا للقضاء يحرم عليه القضاء بين الناس، و حكمه ليس بنافذ، و لا يجوز الترافع إليه، و لا الشهادة عنده، و المال الذي يؤخذ بحكمه حرام و إن كان الأخذ محقّاً، إلا إذا انحصر استنقاذ حقّه بالترافع عنده.

حرمة الإفتاء على غير الأهل‏

يحرم الإفتاء على من ليس له أهليّة للفتوى، كأن يكون فاقداً لمرتبة الاجتهاد، و الدليل على ذلك أنّ تصدّي من لا يصلح لمقام يعدّ خيانة للمجتمع عند العقلاء، فهو من أقبح الأُمور، و هو الكذب العملي.

على أنّ الإفتاء منصب إلهي، و من كان جالساً على منصّة الإفتاء و هو ليس بأهل فهو الغادر بالله، و الغاصب للحقوق الإلهيّة، و طغيان على الله تعالى. إنّ بيان الفتوى هو الإخبار عن حكم الله بحسب رأيه، فإذا كان لأعلم له بحكم إلهي و مخبر عنه فهو يكذب على الله و على رسوله. مضافاً إلى دلالة الكتاب و السنّة على ذلك.

366

حرمة القضاوة على غير الأهل‏

من ليس بأهل للقضاء يحرم عليه القضاء بين الناس، فالقضاوة من المناصب الإلهيّة التي تحتاج إلى النصب من جانب الله تعالى من طريق رسوله الكريم و خلفائه الطيّبين الطاهرين نصباً عامّاً أو خاصّاً.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح:

«يا شريح، قد جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبيّ، أو وصيّ، أو شقيّ‏ (1)» إنّ من لم يكن منصوباً من قبله تعالى و جلس على كرسيّ القضاء فهو الغاصب لمنصب إلهي، و الغاصب هو الشقيّ، و يحرم عليه الحكم بين الناس.

لا نفوذ لحكمه‏

إنّ القضاء الذي قضى به من لا أهليّة له فيه ليس بنافذ، فلا تجب إطاعته.

فإنّ نفوذ الحكم أمر من جانب الله تعالى، و من لم يكن منصوباً من قبله تعالى لا يصلح حكمه للنفوذ، فحكمه كالعدم.

إنّ نفوذ الحكم نوع من الولاية، قال الله تعالى‏ هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِ‏ (2).

ثمّ إنّ حرمة التصدّي لمنصب القضاء تنافي عرفاً نفوذ الحكم، فهو غاصب، و الغاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال، و ذلك مناف لنفوذ حكمه. أضف إلى ذلك، أنّ الأصلين: العقلي و النقلي حاكمان بعدم نفوذه أيضاً.

عدم جواز الترافع إليه‏

من لا أهليّة له للقضاء لا يجوز الترافع إليه، فإنّ ذلك طغيان على الله، و جعل ربّ من دونه؛ إذ إنفاذ حكمه عبادة له.

____________

(1) وسائل الشيعة، ج 27، ص 17، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، ح 2.

(2) الكهف (18) الآية 44.