الأنوار البهية في القواعد الفقهية

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
211 /
53

قال: السيف و السلاح و الرحل و ثياب جلده‏ (1). فإنّه يدل على خلاف مدلول الحديثين فلاحظ.

ثم أن اليد إذا كانت يد المسلم هل تكون إمارة على التذكية؟ الظاهر أن الأمر كذلك و يمكن الاستدلال على المدعى بوجوه:

الوجه الأول: السيرة القطعية الجارية بين أهل الإسلام بلا نكير و هذه السيرة متصلة الى زمان مخازن الوحي أرواحنا فداهم.

الوجه الثاني: الإجماع المدعى في المقام و عدم الخلاف.

الوجه الثالث: الارتكاز المتشرعي.

الوجه الرابع: إنه لو لم يكن كذلك لشاع و ذاع و الحال أن خلافه كذلك.

الوجه الخامس: أنه لو لم تكن يد المسلم إمارة على التذكية يلزم العسر و الحرج.

الوجه السادس: النصوص لاحظ ما رواه إسماعيل بن عيسى قال: سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن الجلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل أ يسأل عن ذكاته إذا كان البائع مسلما غير عارف؟ قال: عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك و إذا رأيتم يصلون فيه فلا تسألوا عنه‏ (2).

الوجه السابع: أن النصوص الدالة على إمارية سوق المسلمين على التذكية تدل على المدعى إذ السوق لا موضوعية له بل هو طريق الى الإسلام من يكون فيه فتلك النصوص تدل على المدعى بالأولوية.

الجهة الثالثة: أن الظاهر أن اليد إمارة في قبال بقية الإمارات‏

و الوجه فيه أنه‏

____________

(1) نفس المصدر: الحديث 2.

(2) الوسائل: الباب 50 من أبواب النجاسات، الحديث 7.

54

لا يكون تعبد من قبل العقلاء على جعل اليد إمارة على الملكية بل حيث أن الطبع الأولي يقتضي أن ما في اليد مملوك لذيها و خلافه خلاف الأصل الأولي بنوا على العمل على طبقها و من الظاهر أن هذا كاشف عن الواقع.

و إن شئت فقل: إن اليد إما موجبة للاعتقاد بكون ما في اليد مملوكا لذيها و إما موجبة للظن بالملكية و لو نوعا و على كلا التقديرين تكون كاشفة عن الواقع و هذا ظاهر واضح.

الجهة الرابعة: في موارد التعارض بين أمارية اليد و الأدلة الاخر

فنقول:

لا إشكال في تقدّمها على الاستصحاب لوجهين:

الوجه الأول: أن القاعدة أمارة و كاشفة عن الواقع و الاستصحاب قد أخذ في موضوعه الجهل و الشك فتكون القاعدة حاكمة عليه.

الوجه الثاني: أن الاستصحاب لو كان مانعا عن الأخذ بالقاعدة تكون القاعدة لغوا أو كاللغو إذ ما من مورد إلا القليل الّا و كان الاستصحاب خلاف مقتضاها.

و أما مع الإقرار فلا إشكال في تقديمه عليها فإن دليل اعتبار القاعدة السيرة و من الظاهر أن السيرة لا لسان لها فلا مجال لتوهم الإطلاق.

و أما مع البينة فلا إشكال أيضا في تأخر القاعدة عنها أما أولا فلما تقدم آنفا، و أما ثانيا، فلأن الحاكم يحكم بمقتضى البينة فيعلم أنّها مقدّمة على اليد في الشرع الأقدس.

و أما في مورد تنافيها مع قول العدل الواحد أو الثقة كذلك فلا يمكن الجزم بتقدّم القاعدة عليهما.

إذ يرد على القول بالتقديم أنّه قد تقدم أن دليل اعتبارها السيرة و الجزم بتحققها عند معارضتها معهما مشكل و مقتضى الأصل عدمها.

55

بل لقائل أن يقول لا بد من تقديم قول العدل الواحد و الثقة الواحد لاحظ ما عن الامام العسكري‏ (1).

لكن يشكل الاستدلال على المدعى بالحديث المشار إليه فإن المذكور في الحديث عنوان شاهدين و لا يشمل العدل الواحد.

و أما الثقة فلم يذكر فيه.

إذا عرفت ما تقدم نقول: يقدم الاستصحاب على القاعدة في موردين:

المورد الأول: ما لو أقرّ ذو اليد بعدم ما فيها مملوكا له سابقا و كان ملكا للمدعي لكن يدعي بعد ذلك أنه صار مملوكا له فإن الاستصحاب يقتضي عدم انتقال العين إليه و الوجه فيه القصور في دليل اعتبار اليد.

المورد الثاني: ما لو كانت اليد عادية سابقا و ادّعى ذو اليد أن ما في يده صار ملكا له فإن الاستصحاب يقدم عليه لما تقدم آنفا من قصور دليل أمارية اليد فلا يمكن أن يستدل بها على صحة دعواه.

و في المقام فروع:

الفرع الأوّل: أن اليد على شي‏ء و الاستيلاء عليه [هل تدل على زوجية امرأة تكون تحت استيلائه‏]

كما تدل على كون ذلك الشي‏ء ملكا لذيها هل تدل على زوجية امرأة تكون تحت استيلائه و في داره أم لا؟

و إن شئت فقل: اليد على العرض هل تكون دالة على الزوجية بحيث لا يحتاج الى الإثبات بل من يدعي الخلاف عليه إقامة البيّنة أم لا؟

الذي يختلج بالبال في هذه العجالة أن يقال لا بد من التفصيل بأن يقال: تارة يكون المنكر للزوجية نفس المرأة و أخرى شخص آخر أجنبي يدعي زوجيّتها و على الثاني قد تكون الزوجة مصدّقة للمدعي و أخرى منكرة لدعواه و ثالثة

____________

(1) لاحظ ص 44.

56

تكون ساكتة فهنا صور:

الصورة الأولى: أن يكون المنكر نفس الزوجة، و في هذه الصورة لا يبعد أن يكون القول قول المنكر أي المرأة و الوجه فيه أن غاية ما يمكن أن يقال في اعتبار اليد و الاستيلاء في المقام و غيره، السيرة العقلائية الممضاة من قبل الشارع و لا سيرة في هذه الصورة و لا أقل من الشك فيها و مع الشك يكون مقتضى القاعدة عدم الاعتبار فيكون المرجع أصالة عدم الزوجية.

الصورة الثانية: أن يكون المدعي شخصا أجنبيا و في هذه الصورة إن كانت المرأة مكذبة إيّاه أو كانت ساكتة فالظاهر أن اليد و الاستيلاء دليل على الزوجية و المدعي للخلاف يحتاج الى إقامة البيّنة و إن كانت مصدقة إيّاه فالظاهر عدم الاعتبار باليد لعدم الدليل على اعتبارها فالذي تكون المرأة في داره يحتاج الى إقامة البيّنة و لا يبعد أن يحكم بزوجية المرأة للأجنبي إذ الحق لا يعدوهما.

الفرع الثاني: إن إخبار ذي اليد بنجاسة ما في يده أو طهارته‏

هل يكون معتبرا أم لا؟

ما يمكن أن يذكر في تقريب الاستدلال على الاعتبار أو ذكر وجوه:

الوجه الأول: اتّفاق الأصحاب، قال في الحدائق: (ظاهر الأصحاب الاتفاق على قبول قول المالك في طهارة ثوبه و إنائه و نحوهما و نجاستهما).

الوجه الثاني: السيرة بدعوى أنّها جارية على معرفة الأشياء من إخبار المتولي عليها لأنه أعرف من غيره بحال ما في يده و هذه السيرة ممضاة من قبل الشارع الأقدس و قال سيدنا الأستاذ في هذا المقام في شرحه على العروة الوثقى:

«لقيام السيرة القطعية على المعاملة مع الأشياء المعلومة نجاستها السابقة معاملة الأشياء الطاهرة لدى الشك إذا أخبر ذو اليد بطهارتها و يؤكد السيرة المدعاة أن الإنسان بحسب فطرته و جبلّته يسأل المتولّي على شي‏ء اذا كان جاهلا

57

بما يتعلق به و الظاهر أن هذه العادة الجارية بين العقلاء غير قابلة للإنكار».

الوجه الثالث: جملة من النصوص، منها ما رواه أبو بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه فقال: إن كان جامدا فتطرحها و ما حولها و يؤكل ما بقي و إن كان ذائبا فأسرج به و أعلمهم إذا بعته‏ (1).

و منها ما رواه معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في جرذ مات في زيت ما تقول في بيع ذلك؟

فقال: بعه و بيّنه لمن اشتراه ليستصبح به‏ (2).

و منها ما رواه إسماعيل بن عبد الخالق عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سأله سعيد الأعرج السمان و أنا حاضر عن الزيت و السمن و العسل تقع فيه الفأرة فتموت كيف يصنع به؟ قال: أما الزيت فلاتبعه الّا لمن تبيّن له فيبتاع للسراج و أما الأكل فلا و أما السمن فإن كان ذائبا فهو كذلك و إن كان جامدا و الفأرة في أعلاه فيؤخذ ما تحتها و ما حولها ثم لا بأس به و العسل كذلك إن كان جامدا (3).

بتقريب إن العرف يفهم أن الأمر بالإخبار لزوم قبول قول المخبر.

و فيه: إن الوارد في هذه النصوص عنوان الإعلام و التبيين و من الواضح أن مجرد الإخبار لا يكون إعلاما و تبيينا بل العنوانان إنما يتحققان عند حصول العلم بالمخبر به فلا تكون دليلا على اعتبار الإخبار بما هو إخبار.

اللهم إلا أن يقال: أن العرف يفهم أن المراد بالإعلام و التبيين، الاخبار عن‏

____________

(1) الوسائل: الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.

(2) نفس المصدر: الحديث 4.

(3) نفس المصدر: الحديث 5.

58

الواقع و هذا العرف ببابك.

و إن شئت قلت: إذا أخبر شخص عن شي‏ء يصحّ أن يقال أنه أعلم أو بيّن.

الوجه الرابع: ما رواه عبد اللّه بن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلى فيه و هو لا يصلي فيه قال: لا يعلمه، قلت: فإن أعلمه، قال: يعيد (1).

و فيه أنه لا يمكن الأخذ بمفاد الخبر فإنه خلاف ما استفيد من الشرع من صحة الصلاة مع الجهل بالنجاسة.

الوجه الخامس: ما رواه معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول: قد طبخ على الثلث و أنا أعرفه أنه يشربه على النصف فقال: خمر لا تشربه، قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممّن لا نعرفه يشربه على الثلث و لا يستحلّه على النصف يخبرنا أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه يشرب منه؟ قال: نعم‏ (2).

و ما رواه أيضا قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحقّ يأتيني بالبختج و يقول: قد طبخ على الثلث و أنا أعرف أنّه يشربه على النصف أ فأشربه بقوله و هو يشربه على النصف؟

فقال: لا تشربه.

قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممّن لا نعرفه يشربه على الثلث و لا يستحلّه على النصف يخبرنا أن عنده بختجا على الثلث قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه يشرب منه؟ قال: نعم‏ (3).

____________

(1) الوسائل: الباب 47 من أبواب النجاسات، الحديث 3.

(2) تهذيب الأحكام: ج 9 ص 122 الحديث 526.

(3) الوسائل: الباب 7 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 4.

59

الفرع الثالث: أنه هل يجوز الشهادة مستندة الى اليد أم لا

؟ جاء في بعض الكلمات في هذا المقام أنها جائزة إذ القطع في مورد الشهادة لازم لكن على نحو الطريقية و من ناحية أخرى قد حقق في محله قيام الأمارات مقام القطع الطريقي أو الموضوعي الذي أخذ على الطريقية و من ناحية ثالثة أن اليد من الأمارات فعلى طبق القاعدة تجوز الشهادة على طبق اليد.

أقول: يقع الكلام هنا في مقامين:

المقام الأول: في مقتضى القاعدة الأولية.

المقام الثاني: فيما يستفاد من النصوص الخاصة.

أما المقام الأول فنقول: مقتضى القاعدة الأولية عدم الجواز و الوجه فيه: أن الشهادة من الحضور عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ* و بعبارة اخرى: كون الشي‏ء معلوما غير كونه مشهودا و لذا نحن بحمد اللّه قائلون و عالمون بوجود الإمام الغائب (سلام اللّه عليه) و مع ذلك لا يكون حاضرا.

و بعبارة واضحة مع القطع الوجداني بالواقعة لا تجوز الشهادة فكيف بغيره و لذا لا تجوز الشهادة بالزنا و لو مع القطع به و لا بدّ فيها من رؤيته كالميل في المكحلة.

و لتوضيح المقام أزيد مما تقدم، نقول: تارة يريد الشخص الإخبار عن ملكية ما في يد أحد بأنه لذيها فإنه جائز بلا إشكال إذ حقق في محله قيام الأمارات مقام القطع و أما الشهادة فلا فإن الشهادة إخبار خاص في إطار مخصوص و لا يتحقق مفهوم الشهود الّا بالحضور و العرف و اللغة ببابك.

بل التبادر يقتضي هذا المعنى، و إن شئت قلت: مجرد كون الشخص عالما بشي‏ء لا يكون شاهدا عليه و لو شك في سعة المفهوم و ضيقه يكون مقتضى الصناعة و الأصل عدم التوسعة فإن أصالة عدم كون اللفظ موضوعا للأعم يقتضي عدم الصدق الّا مع الحضور و أصالة عدم كونه موضوعا للخاصّ لا يقتضي كونه‏

60

موضوعا للعام الّا على القول بالمثبت الذي لا نقول به.

إن قلت: على هذا كيف يشهد الموحدون في العالم بقولهم «أشهد أن لا إله الّا اللّه» مع عدم حضور ذاته سبحانه.

قلت: يمكن أن يكون الوجه فيه أن جميع الموجودات الكونية برمّتها أدلة وجوده و كاشفة عن تلك الذات الحقيقية و الشاهد لما نقول ما صدر عن مخزن الوحي خامس أصحاب الكساء في يوم عرفة فإن من جملة دعائه (عليه السّلام): (عميت عين لا تراك).

و إن أبيت عمّا قلنا، نقول: لا بد من الحمل على المجاز فلاحظ، و يؤكد المدعى بل يدلّ عليه أنه لو كانت الشهادة عند الحاكم جائزة، لا يبقى أثر لإقامة البينة على صدق ذي اليد إذ لو كانت اليد سببا لجواز الشهادة على واقع الأمر يكون الشهود كثيرا فالنتيجة عدم الجواز نعم تجوز الشهادة بالملكية الظاهرية.

و أما المقام الثاني فقد وردت في المقام عدة نصوص، منها: ما رواه حفص ابن غياث‏ (1).

بتقريب أنه يستفاد من الحديث جواز الشهادة على طبق اليد.

و يرد عليه أن السند ضعيف بقاسم بن يحيى و كون الرجل في أسناد كامل الزيارات لا أثر له كما بيّناه في محله.

مضافا الى أنّه لا يبعد أن يكون المراد بالشهادة، الشهادة بالملكية الظاهرية و الدليل عليه ذيل الحديث إذ من الظاهر أن الشهادة بالملكية الظاهرية كافية لقيام الأسواق للمسلمين.

ثم أنه هل تجوز الشهادة بمقتضى الاستصحاب؟

____________

(1) لاحظ ص 50.

61

الكلام فيه هو الكلام بل ما ذكرناه في مقام التأكيد يدل على عدم الجواز بالاستصحاب بطريق أولى.

و أما حديث معاوية بن وهب قال: قلت له: إن ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان و تركها ميراثا و أنّه ليس له وارث غير الذي شهدنا له فقال اشهد بما هو علمك، قلت: إن ابن أبي ليلى يحلفنا الغموس فقال: احلف إنما هو على علمك‏ (1) و حديثه الآخر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام):

الرجل يكون له العبد و الأمة قد عرف ذلك فيقول أبق غلامي أو أمتي فيكلّفونه القضاة شاهدين بأن هذا غلامه أو أمته لم يبع و لم يهب أ نشهد على هذا إذا كلّفناه، قال: نعم‏ (2).

فربما يتوهم دلالتهما على جواز الشهادة ببركة الاستصحاب لكن يمكن أن يكون الإمام (عليه السّلام) ناظرا الى جواز الشهادة في المقام بما يكون معلوما في الظاهر و من الواضح أن هذا المقدار جائز على طبق القاعدة و بعبارة أخرى في الحديث الأول قد صرح بجواز الشهادة بالمقدار المعلوم و كذلك يجوز الحلف بهذا المقدار و المستفاد العرفي من كلامه (عليه السّلام) أن المقدار المعلوم للسائل و هو كون زيد وارثا و كون الدار كانت ملكا بحسب الموازين لمن مات و أما الشهادة على عدم وارث آخر و بقاء الدار في ملك الميت الى آخر زمان حياته بحيث تكون الشهادة على الواقع، فلا يستفاد من الحديث.

و يفهم من الجملة الواقعة في الذيل أي قوله (عليه السّلام): (إنما هو على علمك) أن الميزان في الجواز في الشهادة المقدار المعلوم بحسب الظاهر و لا يكون الإمام (عليه السّلام) في مقام بيان اعتبار الاستصحاب و أنّه تجوز الشهادة بالاستصحاب و إلّا لم يكن مورد

____________

(1) الوسائل: الباب 17 من أبواب الشهادات، الحديث 1.

(2) نفس المصدر: الحديث 3.

62

لحصر الجواز في المقدار المعلوم إذ بالاستصحاب ينكشف بقاء الدار في ملكه إلى آخر زمان حياته و ينكشف أيضا عدم وارث آخر.

و أما الحديث الثاني فإن قلنا بأن المستفاد منه ما هو المستفاد من الحديث الأول فهو و إلا نقيده بالحديث الأول و ان أبيت عما قلنا و قلت بأنهما متعارضان نقول:

يسقطان عن الاعتبار إذ الأحدث منهما غير معلوم فلاحظ.

الفرع الرابع: أن اليد على العين إذا كانت متعددة فهل يقع التعارض‏

بحيث ينفي كل واحد منهما الملكية للآخر أم لا؟

الحق هو الثاني و لتوضيح المدعى و ما هو الحق لا بدّ من بيان الشركة في عين واحدة بين متعدد فنقول:

ربما يقال: أن الشركة في عين واحدة لا تنافي الاستقلال أي يمكن أن يكون كل من الشريكين مالكا للعين بالاستقلال.

و هذا الذي أفيد بمراحل عن الواقع إذ تارة نقول: الاعتبار خفيف المئونة في كل أمر و لو كان من المحالات كاجتماع النقيضين و قابل للاعتبار و أخرى نقول: لا بد في الاعتبار من القصر على موارد قابلة لترتب الأحكام و الآثار و تكون قابلة للعرض الى السوق العقلائي و من الظاهر أن المتيقن الشق الثاني و عليه نقول:

الاستقلال ينافي الاشتراك و كل منهما يطارد الآخر و هذا ظاهر عند اللبيب.

و ربما يقال: أن العين المشتركة مملوكة لكلا الشريكين أي يكون المالك مجموعهما.

و هذا القول ملحق بالأول في البطلان فإن الاشتراك أشرب في مفهومه إن كل واحد من الشريكين أو الشركاء مالكا لمقدار من العين.

و صفوة القول: إن القول المذكور مردود عند العقلاء و أهل الشرع.

و ربما يقال: إن كل واحد من الشريكين مالك لمقدار معين في الخارج و هذا

63

القول مضافا الى عدم كونه مقبولا عند العرف و أهل الشرع لا دليل عليه فهو أيضا ملحق بالقولين السابقين في البطلان.

و القول الصحيح الموافق لآراء العقلاء و أهل الشرع إن كل واحد من الشريكين مالك لمقدار من العين على نحو الإشاعة أي مالك للكسر المشاع.

إذا عرفت ما تقدم نقول: إذا فرضنا استيلاء أكثر من واحد على عين فهل تكون يد كل واحد منهما أمارة على مملوكية جزء معين خارجي أو أمارة على كونه مالكا للكسر المشاع، أما الأول فقد قلنا أنه غير تام و يكون تصرف أحدهما في المعين جورا و عدوانا في نظر العقلاء.

و أما الثاني فالمفروض أنه لا يدل للشريك على الكسر المشاع فما الحيلة و ما الوسيلة؟

إلا أن يقال: ان اليد في مثله لا تكون أمارة و هو كما ترى، و الذي يهون الخطب أنّ العرف يراهما ذا اليد على مجموع الدار مثلا فتكون أمارة لكون الدار لهما.

و من ناحية اخرى أن الاشتراك في نظر العقلاء عبارة عن كون كل منهما مالكا للكسر المشاع فالنتيجة أن يد المتعدد على عين تدل على كون كليهما مالكين على نحو الاشتراك الصحيح.

هذا فيما يكون مجموع العين في يدهما و أما إذا فرضنا أن الطبقة الأولى تحت يد أحدهما و الطبقة الثانية تحت يد الآخر تكون اليد أمارة مملوكية كل طبقة لمن يكون مستوليا عليها.

و لما انجر الكلام إلى هنا نقول:

قد أشير في بعض الكلمات إلى أن مملوكية الأخماس و الزكوات التي لأربابها على أي نحو و هل تكون الأخماس مثلا مملوكة للمذكورين في الآية على نحو الإشاعة أو يكون المذكورون مصرفا لها؟

64

أقول: الظاهر من قوله تعالى في آية الخمس، أن الخمس مملوك للمذكورين على نحو الإشاعة لكن لا يمكن الالتزام به اذ لازم التقريب المذكور أن دينارا من الخمس مملوكا لملايين من فقراء السادة و لا يمكن الالتزام به فيدور الأمر بين رفع اليد عن ظهور اللام في الملكية و جعلها للمصرف و بين رفع اليد عن ظهور الجمع المحلى في العموم و الالتزام بأن المالك هو الكلي فيكون الكلام مجملا.

و لكن يمكن أن يقال: بأن صدر الآية يدل على كون سهم الإمام ملكا له تعالى و للرسول و للإمام (عليهما السّلام) و وحدة السياق تقتضي وحدة المراد.

و من ناحية أخرى يمكن أن يقال: أن ظهور اللام في الملكية في الصدر يكون قرينة على كون المراد من الذيل هو الكلي لا كل شخص نظير قول القائل لا تضرب أحدا فإن ظهور الضرب في المؤلم يكون قرينة على كون المراد من لفظ أحد الإنسان الحي.

أضف إلى ذلك أنّه كيف يمكن أن يكون كل واحد من المذكورين مالكا و الحال أن القضية لا تكون خارجية بل تكون حقيقية و من الظاهر أن أفراد الكلي و مصاديقه تختلف بحسب مرور الزمان فهل المال مملوك لأفراد عصر واحد أو جميع الأعصار؟

و كيف يتصور فلا إشكال في أن الأفراد لا يكونون مالكين و في بعض الكلمات نسب الى بعض أنه مال الى القول بكون الخمس و الزكاة مملوكين للحكومة الإسلامية و هذا القول مخالف مع نص الكتاب و الروايات الصريحة الواردة في الباب و الإجماع و السيرة و الارتكاز و ضرورة المذهب بل ضرورة الدين.

الفرع الخامس: أن اليد و الاستيلاء [هل تكون في مقام الثبوت سببا لحصولها أم لا]

كما أنها تكون في مقام الإثبات و الكشف أمارة و كاشفة عن الملكية هل تكون في مقام الثبوت سببا لحصولها أم لا؟

ما يمكن أن يقال في تقريب السببية وجوه:

65

الوجه الأول: أن الحيازة موجبة لحصول الملكية للحائز بالنسبة الى المحوز.

و فيه أن دليل الحيازة الموجبة لحصول الملكية إما السيرة و إما قوله: «من حاز شيئا ملك»، أما السيرة فحيث إنها لا لسان لها لا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقن من موردها و هو ما لو قصد الحائز التملك.

و أما الحديث فيحتمل أن يكون المراد ما ورد في حديث السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السّلام) أنه سئل عن رجل أبصر طيرا فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجل آخر فأخذه قال: للعين ما رأت و لليد ما أخذت‏ (1) لكنه ضعيف.

الوجه الثاني: ما دلّ على أحقية السابق لاحظ ما رواه محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قلت: نكون بمكة أو بالمدينة أو الحيرة أو المواضع التي يرجى فيها الفضل فربما خرج الرجل يتوضأ فيجي‏ء آخر فيصير مكانه قال: من سبق إلى موضع فهو أحقّ به يومه و ليلته‏ (2).

و حديث طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السّلام):

سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق الى مكان فهو أحق به الى الليل و كان لا يأخذ على بيوت السوق كراء (3).

و الحديثان لا يرتبطان بالمقام أصلا كما هو ظاهر عند من له خبرة بالصناعة.

الوجه الثالث: حديث يونس بن يعقوب‏ (4) بتقريب أن المستفاد منه أن الاستيلاء سبب لكون المستولى عليه مملوكا للمستولي‏

____________

(1) الوسائل: الباب 15 من أبواب اللقطة، الحديث 2.

(2) الوسائل: الباب 56 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 1.

(3) نفس المصدر: الحديث 2.

(4) لاحظ ص 52.

66

و فيه أولا: أن الحديث ضعيف بضعف إسناد الشيخ الى علي بن الحسن.

و ثانيا: أن المستفاد من الخبر أنه لو شك في المالك و أنّه من هو؟ يكون الاستيلاء كاشفا فيكون الحديث ناظرا إلى مقام الإثبات و الكلام في مقام الثبوت فلاحظ.

67

القاعدة السادسة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده‏

الكلام في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده: يقع الكلام في المقام في جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: ان هذه القاعدة تنحل الى قاعدتين‏

الأولى قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و الثانية أن ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، و لا بد من التكلم في كل واحد منهما بنحو الاستقلال.

الجهة الثانية: في بيان المراد من القاعدتين‏

فنقول المراد من القاعدة الأولى أنه لو كان مقتضى العقد الضمان كالبيع أو الاجارة و أمثالهما إذا فرض فساد العقد يتحقق الضمان و المراد من القاعدة الثانية أنّ العقد لو لم يكن موجبا للضمان كالهبة أو العارية و أمثالهما أنه لو فرض فساد العقد لا يتحقق الضمان.

الجهة الثالثة: في مدرك القاعدة الأولى‏

: و الذي يمكن أن يقال أو قيل في تقريب الاستدلال عليها وجوه:

الوجه الأول: قاعدة الاقدام و قبل الخوض في البحث نقدم مقدمة و هي أن تحقق كل حكم وضعي يحتاج الى قيام دليل عليه و مع الشك تكون النتيجة عدمه كما هو الظاهر و إن شئت فقل الضمان امر حادث و مع الشك فيه يحكم بعدمه بالاستصحاب.

فنقول: تقريب الاستدلال بقاعدة الاقدام أنه لو باع زيد داره من عمرو بألف‏

68

دينار مثلا فقد أقدم على كون المشتري للدار ضامنا في قبال ألف دينار فاذا فرض فساد البيع يبطل الضمان بالمثل أي الدينار و يبقى أصل الضمان أي الدار تكون مضمونة في يد المشتري.

و يرد عليه ان دليل صحة البيع يقتضي ضمان الدار بالدينار و المفروض بطلانه و الاقدام تعلق بهذا المقيد و غيره لم يتعلق به الاقدام مضافا الى أن أيّ دليل دل على كون الاقدام بنفسه موجبا للضمان و بعبارة واضحة لا يجوز تملّك مال الغير الّا بأحد الاسباب الشرعية و لا دليل على أن الاقدام بما هو يوجب الضمان و صفوة القول في المقام ان الاقدام لم يتعلق بالمثل أو القيمة و على فرض تعلقه لا دليل على كونه مؤثرا و مقتضى الأصل عدم تأثيره و الذي يدل على المدعى أنه لو أقدم أحد على ضمان تلف مال غيره و بنى عليه لا يكون ضامنا و لا أظن أن يدعي أحد كونه موجبا لضمان المقدم بل التفوه به يقرع الاسماع.

الوجه الثاني: النبوي المعروف: على اليد ما أخذت حتى تؤديه‏ (1) بتقريب أنّ المستفاد من الحديث ان من أخذ مال الغير يكون ضامنا لما أخذه الى زمان أدائه الى مالكه.

و يرد على الاستدلال بالحديث أولا انّ الحديث ضعيف سندا فان أحد رواته سمرة و هو من الملاعين و الاشقياء فلا اعتبار بحديثه إن قلت ان الأمر و إن كان كذلك لكن عمل المشهور به يجبر ضعفه قلت: قد ذكرنا مرارا ان عمل المشهور بالخبر الضعيف لا يجبر ضعفه كما ان اعراضهم لا يوجب و هن الخبر المعتبر كيف و قد ثبت في الأصول عدم اعتبار الشهرة الفتوائية فيكف يمكن ان ما لا يكون معتبرا في حد نفسه يكون جابرا لما لا اعتبار له أو يكون مسقطا لأمر معتبر أ ليس مرجعه‏

____________

(1) سنن البيهقي: ج 6 كتاب العارية ص 90 و كنز العمال: ج 5 ص 257 نقله عنهما مصباح الفقاهة: ج 3 ص 87.

69

الى التناقض.

مضافا الى أنّ استنادهم في فتاويهم الى هذا الخبر غير معلوم و مجرد ذكرهم الخبر في كلماتهم لعله من باب كونه مؤيدا للمراد.

و ثانيا: ان المستفاد من الحديث انّ الثابت على الآخذ ما أخذه الى زمان ادائه أي يكون تلفه بعهدته و بعبارة أخرى الآخذ لعين مملوكة للغير ضامن لدركه الى زمان تأديته الى مالكه و لازم هذه القاعدة أنه لو وصل ما أخذه الى المالك بسبب آخر كما لو آخذه ثالث بغير اذن الآخذ و رده الى مالكه عدم رفع الضمان عن الآخذ إذ الغاية التي توجب ارتفاع الضمان أن يؤديه الى مالكه و المفروض أنه لم يتحقق هذا المعنى.

و ثالثا: انّ لازم المستفاد من الحديث أنه لو تعدد الآخذ كما لو كانوا عشرة و تلف ما أخذه في يد الأخير يكون جميع الأخذين ضامنين للمالك و هل يمكن الالتزام به.

إن قلت كيف لا يمكن الاستدلال على المدعى بالنبوي المشهور و الحال ان جملة من الاساطين في كلماتهم اسندوا هذا الحديث الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فانهم في مقام الاستدلال قالوا لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على اليد ما أخذت حتى تؤديه هذا من ناحية و من ناحية أخرى ان الظاهر من الإخبار كونه حسيا فيكون الحديث معتبرا من حيث السند و بعبارة أخرى بعد اسناد هؤلاء الاعلام كالشهيد و ابن زهرة و العلامة الحديث الى النبي الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و احتمال كون أخبارهم حسيا حيث أنه يمكن انّه وصل اليهم بواسطة كابر عن كابر يكون الحديث تاما سندا.

قلت: يرد على التقريب المذكور أولا ان هذه الجملة لا تكون ظاهرة في الإسناد الحسي و لذا نرى كثيرا ما يطلق في كلمات الأصحاب للنبوي و امثاله و الحال أن القائل لا يكون في مقام الاسناد و ثانيا ان الدليل على حجية قول الثقة سيرة العقلاء

70

لا أنه هناك اطلاق أو عموم يؤخذ به فلا بد من الأخذ بالقدر المتيقن منها فاذا فرض ان هذا الحديث كان مشهورا من قديم الزمان و لم يتعرض المحدثون لسنده و كانوا يعاملون معه معاملة المرسل و بعد ذلك أحد الفقهاء اسنده الى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالاسناد الحسي مع كونه بعيدا لا نجزم بأن العقلاء يحملون مثل الخبر المشار إليه على الحس و يعملون به فالنتيجة عدم امكان اثبات اعتباره صناعة الا أن يقال ان السيرة و إن كانت كذلك لكن يكفي لإثبات الاطلاق النصوص الدالة على حجية قول الثقة اللهمّ الّا أن يقال: ان الأخبار الدالة على حجيّة قول الثقة لا تكون حكما تأسيسا بل حكم امضائي لبناء العقلاء و سيرتهم فلا يكون مدلول الأخبار أوسع من مفاد السيرة و بعبارة واضحة انّ الأخبار ناظرة الى ما يكون مورد ارتكاز العقلاء فلاحظ و اغتنم.

الوجه الثالث: الروايات الواردة الدالة على ان الامة المبتاعة اذا وجدت مسروقة بعد أن أولدها المشتري أخذها صاحبها و أخذ المشتري ولده بالقيمة منها ما رواه جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم يجي‏ء مستحق للجارية فقال يأخذ الجارية المستحق و يدفع إليه المبتاع قيمة الولد و يرجع على من باعه بثمن الجارية و قيمة الولد الذي اخذت منه‏ (1) و منها ما رواه جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في رجل اشترى جارية فاولدها فوجدت الجارية مسروقة قال:

يأخذ الجارية صاحبها و يأخذ الرجل ولده بقيمته‏ (2) و منها ما رواه زرارة قال:

قلت لأبي جعفر (عليه السّلام) الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم يجي‏ء رجل فيقيم البينة على آنها جاريته لم يبع و لم يهب قال فقال ان يرد إليه‏

____________

(1) الاستبصار: ج 3 ص 84 الباب 57 الحديث 1.

(2) الاستبصار: ج 3 ص 84 الباب 57 الحديث 2.

71

جاريته و يعوّضه بما انتفع قال كان معناه قيمة الولد (1) و منها ما رواه زرارة أيضا قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) رجل اشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها الى أرضه فولدت منه أولادا ثم أتاها من يزعم أنها له و أقام على ذلك البينة قال يقبض ولده و يدفع اليه الجارية و يعوّضه من قيمة ما أصاب من لبنها و خدمتها (2) بتقريب انّ ضمان الولد مع كونه نماء لم يستوفه المشتري يستلزم ضمان الأم بالأولية فتدل هذه الروايات الشريفة على ان ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

و يرد عليه أولا ان هذه الروايات لا ترتبط بالمقام فانّ الضمان في مورد الروايات من الواضحات إذ الامة المبتاعة قد فرضت مغصوبة و البائع هو الغاصب و الكلام في المقام فيما لو باع العين المالك و ثانيا أنه لو اغمضنا النظر عن الجواب الأول و فرضنا ارتباط النصوص المشار إليها بالمقام لكن نقول الروايات الواردة في مورد خاص و اطار مخصوص و الكلام في المقام في الكبرى الكلية و بعبارة واضحة ان الموجبة الجزئية لا تكون دليلا على الكبرى الكلية فلاحظ.

الوجه الرابع: الروايات الدالة على عدم حلية مال امرء الّا بطيب نفسه و الدالة على عدم جواز التصرف في مال الغير الّا باذنه منها ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال من كانت عنده أمانة فليؤدّها الى من ائتمنه عليها فانه لا يحل دم امرئ مسلم و لا ماله الّا بطيبة نفسه‏ (3) و منها ما في حديث آخر عن صاحب الزمان (عليه السّلام) قال: لا يحل لأحد أن يتصرف‏

____________

(1) نفس المصدر الحديث 3.

(2) نفس المصدر ص 85 الحديث 5.

(3) الوسائل الباب 3 من أبواب مكان المصلي الحديث 1.

72

في مال غيره بغير اذنه‏ (1) بتقريب ان العقد لو لم يكن صحيحا لا تنتقل العين الى الطرف المقابل و تكون باقية في ملك المالك و المستفاد من هذه الروايات عدم حلية مال الغير الّا باذنه كما أنه لا يجوز التصرف في ماله الّا باذنه و حيث انه غير راض على الفرض يكون تلقه موجبا للضمان.

و يرد على التقريب المذكور انّ الحكم التكليفي لا يتعلق بالاعيان الخارجية و الظاهر من هذه الروايات حرمة التصرف كما صرح به في بعضها و بعبارة واضحة اذا استند الحكم التكليفي الى العين الخارجية لا بد من تقدير الفعل كي يصح الاستعمال فلا مجال للاستدلال بهذه الطائفة على المدعى.

الوجه الخامس: النصوص الدالة على ان حرمة مال المؤمن كحرمة دمه.

منها ما رواه أبو ذر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في وصية له قال: يا أبا ذر ايّاك و الغيبة فانّ الغيبة اشدّ من الزنا قلت و لم ذاك يا رسول اللّه قال: لأنّ الرجل يزني فيتوب الى اللّه فيتوب اللّه عليه و الغيبة لا تغفر حتّى يغفرها صاحبها يا أبا ذر سباب المسلم فسوق و قتاله كفر و أكل لحمه من معاصي اللّه و حرمة ماله كحرمة دمه قلت يا رسول اللّه و ما الغيبة قال ذكرك أخاك بما يكره قلت يا رسول اللّه فان كان فيه الذي يذكر به قال اعلم انك اذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته و اذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهته‏ (2) و منها ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): سباب المؤمن فسوق و قتاله كفر و أكل لحمه معصية و حرمة ماله كحرمة دمه‏ (3) بتقريب انّ إتلاف مال المؤمن مثل إتلاف نفسه يوجب الضمان.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من أبواب الغصب الحديث 4.

(2) الوسائل الباب 152 من أبواب العشرة الحديث 9.

(3) الوسائل الباب 158 من أبواب العشرة الحديث 3.

73

و يرد عليه ان الوجه المذكور على فرض تماميته اخص من المدعى إذ الموضوع المذكور فيها عنوان المؤمن أي الشيعي الاثنى عشري و الحال انّ البحث في المقام عام.

و ثانيا: انه على تقدير تماميته يختص الضمان بصورة الإتلاف و الحال ان الكلام أعم من الإتلاف فيكون الدليل أخص من المدعى أيضا.

و ثالث انّ الجملة المذكورة ذكرت في سياق عدة أمور ظاهرة في الحكم التكليفي فلا ترتبط هذه الطائفة بالجهة الوضعية و إن أبيت عن ذلك فلا أقل من الاجمال إذ وحدة السياق لو لم تكن موجبة لانعقاد الظهور في الحكم التكليفي فلا أقل من كونه مانعا عن انعقاد في الحكم الوضعي و إن شئت فقل اقتران اللفظ بما يصلح للقرينية مانع عن الظهور فتكون الجملة مجملة فلاحظ.

إن قلت يمكن إثبات المدعى بتقريب آخر و هو انّ حرمة المال تقتضى عدم جواز المزاحمة حدوثا و بقاء و هذا و إن لم يفد الّا الحكم التكليفي ما دامت العين موجودة لكن عدم تدارك التالف نحو من المزاحمة فلا تجوز فيجب التدارك باداء البدل فبالنتيجة انّ هذه الطائفة و إن لم تدل على الضمان بالمطابقة لكن تدل عليه بالالتزام.

قلت: تمامية التقريب المذكور تتوقف على اشتغال الذمة بالتالف و تمام الاشكال في اثبات هذه الجهة و إن شئت فقل ان الحكم لا يتعرض لموضوع نفسه بل لا بد من احرازه و ببيان آخر الموضوع مقدم على الحكم رتبة و الحكم متوقف على موضوعه فلو احتاج اثبات الموضوع الى الحكم يلزم الدور المحال.

الوجه السادس: انه قد ورود في جملة من النصوص أنه لا يصلح ذهاب حق أحد: منها ما رواه عبيد اللّه بن علي الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) هل تجوز شهادة أهل الذمة على غير أهل ملتهم؟ قال: نعم إن لم يوجد من أهل ملتهم‏

74

جازت شهادة غيرهم أنه لا يصلح ذهاب حق أحد (1) و منها ما رواه سماعة قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن شهادة أهل الملة قال، فقال: لا تجوز الّا على أهل ملتهم فان لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم على الوصية لأنه لا يصلح ذهاب حق أحد (2) و قد حقق عندهم ان العلة تعمم فبعموم العلة نحكم في المقام بالضمان كي لا يذهب حق المالك.

و يرد عليه ان التقريب المذكور يتوقف على أمرين أحدهما أن يكون المراد من الحق المال، ثانيهما ان يكون المراد من عدم صلاح ذهابه الضمان و كلا الأمرين محل الاشكال و لا شاهد عليهما أضف الى ذلك أنه لا يشمل صورة التلف و يختص بالاتلاف يضاف الى جميع ذلك ان الحديث الرابع من الباب غير تام سندا.

الوجه السابع: قاعدة لا ضرر المستفاد من عدة نصوص: منها ما رواه عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكن و قال: لا ضرر و لا ضرار و قال اذا ارّفت الأرف و حدّت الحدود فلا شفعة (3) و منها ما رواه أبو عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر (عليه السّلام) كان لسمرة بن جندب نخلة في حائط بني فلان فكان اذا جاء الى نخلته ينظر الى شي‏ء من أهل الرجل يكرهه الرجل قال: فذهب الرجل الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فشكاه فقال يا رسول اللّه ان سمرة يدخل عليّ بغير اذني فلو ارسلت اليه فامرته ان يستأذن حتى تأخذ اهلي حذرها منه فارسل إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فدعاه فقال يا سمرة ما شأن فلان يشكوك و يقول يدخل بغير اذني فترى من أهله ما يكره ذلك يا سمرة استأذن اذا أنت دخلت ثم قال رسول‏

____________

(1) الوسائل الباب 40 من أبواب الشهادات الحديث 1.

(2) الوسائل الباب 40 من أبواب الشهادات الحديث 4.

(3) الوسائل الباب 5 من أبواب الشفعة الحديث 1.

75

اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يسرّك أن يكون لك عذق في الجنة بنخلتك قال: لا قال لك ثلاثة قال لا قال ما أراك يا سمرة الّا مضارّا اذهب يا فلان فاقطعها و اضرب بها وجهه‏ (1) و منها ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: ان سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار و كان منزل الأنصاري بباب البستان فكان يمرّ به الى نخلته و لا يستأذن فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فأبى سمرة فلما تأبّى جاء الانصاري الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فشكا إليه و خبره الخبر فأرسل إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و خبّره بقول الأنصاري و ما شكا و قال اذا أردت الدخول فاستأذن فأبى فلما أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه فابى ان يبيع فقال لك بها عذق يمدّ لك في الجنة فأبى أن يقبل فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للأنصاري اذهب فاقلعها وارم بها اليه فانه لا ضرر و لا ضرار (2) و منها ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) نحوه الّا أنه قال: فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رجل مضارّ و لا ضرر و لا ضرار على مؤمن قال ثم أمر بها فقلعت و رمى بها اليه فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) انطلق فاغرسها حيث شئت‏ (3) و منها ما رواه عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال: لا ضرر و لا ضرار (4) و منها ما عن دعائم الإسلام: روينا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنه سئل عن جدار لرجل و هو سترة بينه و بين جاره سقط فامتنع من بنيانه قال: ليس يجبر على ذلك الا أن يكون وجب ذلك لصاحب الدار الاخرى بحق أو بشرط في أصل الملك و لكن يقال لصاحب المنزل استر على نفسك في حقك ان شئت قيل له فان‏

____________

(1) الوسائل الباب 12 من أبواب احياء الموات الحديث 1.

(2) نفس المصدر الحديث 3.

(3) نفس المصدر الحديث 4.

(4) نفس المصدر الحديث 5.

76

كان الجدار لم يسقط و لكنه هدمه أو أراد هدمه اضرارا بجاره لغير حاجة منه الى هدمه قال: لا يترك و ذلك ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: لا ضرر و لا ضرار و انّ هدمه كلّف ان يبنيه‏ (1) و منها ما عن دعائم الإسلام: و روينا عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: لا ضرر و لا ضرار (2) بتقريب انّ المستفاد من هذه القاعدة ان الحكم الضرري لم يجعل في الشريعة و حيث انّ عدم الحكم بالضمان ضرري على المالك ينفى و النفي في النفي يقتضي الاثبات: أقول المعتبر في هذه النصوص الحديث الثالث‏ (3) من الباب الثاني عشر و قد ذكرنا في بحث القاعدة انّ الحق هو الالتزام بان المستفاد من الحديث النهي عن الضرر و الاضرار بالغير و لا يكون الحديث ناظرا الى ادلة الأحكام و حاكما عليها و تفصيل هذه الجهة موكول الى ذلك البحث و من اراد التفصيل فليراجع ما حققناه في المجلد الثاني من كتابنا الموسوم بآرائنا في اصول الفقه هذا أولا، و ثانيا أنه على فرض الاغماض عما تقدم و سلمنا كون الحديث ناظرا الى الأحكام فانما يكون ناظرا الى الأحكام المجعولة و المفروض أن عدم الجعل لا يكون من مصاديق المجعولات و ثالثا أنّه يقع التعارض بين الطرفين فان الحكم بعدم الضمان على الآخذ يقتضي الضرر على المالك و أيضا الحكم بالضمان يقتضي الضرر على الآخذ و لا وجه للترجيح و رابعا ان الضمان على تقدير القول به بمقتضى التقريب المتقدم و اغماض النظر عن الاشكال المتقدم، يختص بصورة الإتلاف أو الانتفاع و الحال أن المدعى أعم أي الضمان حتى مع التلف السماوي فهذا الوجه أيضا لا يترتب عليه أثر.

____________

(1) مستدرك الوسائل: ج 17 ص 118 الباب 9 من أبواب احياء الموات الحديث 1.

(2) نفس المصدر الحديث 2.

(3) لاحظ ص 75.

77

الوجه الثامن: السيرة العقلائية بتقريب ان العقلاء بما هم كذلك يرون الآخذ ضامنا للبدل في صورة تلف العين هذا من ناحية و من ناحية أخرى ان الشارع الأقدس لا يكون له قانون خاص في قبال القوانين العقلائية فاذا فرض تحقق السيرة و لم يردع عنها الشارع نكشف أنه أمضاه و بعبارة أخرى مجرد عدم الردع لا يكون كافيا بل الأمر متوقف على الامضاء و حيث ان الشارع يرى سيرة العقلاء و لم يردع يكشف عن امضائه فيتم الأمر و يثبت المدعى.

أقول: التقريب المذكور تام و لكن لا ينطبق على المقام و ببيان جلي اثبات المدعى بالتقريب المذكور يتوقف على عدم الردع و الحال أن الشارع ردع هذه السيرة بقوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ‏ (1).

توضيح المقام ان المستفاد من الآية الشريفة ان تملك مال الغير بايّ سبب كان يكون فاسدا و السبب الوحيد عبارة عن التجارة عن تراض فتملك المالك بدل العين من الآخذ أكل بالباطل فيكون فاسدا فالسيرة على فرض تماميتها مردوعة بالآية و لعمري ما افدته في هذا المقام في كمال الجودة و الدقة فما الحيلة و ما الوسيلة.

الوجه التاسع: و هو الوجه الأخير ارتكاز المتشرعة بما هم كذلك.

ان قلت الآية الشريفة تردع الارتكاز قلت أين ذهبت فان المدعى انّ المتشرعة بما هم كذلك يرون الآخذ في مفروض الكلام ضامنا و حيث انجر الكلام الى هنا ننبّه بنكتة و هي انه فرق بين السيرة العقلائية و الارتكاز الشرعي أو السيرة الجارية بين المتشرعة فان السيرة العقلائية لا ترتبط بالشرع و لكن الارتكاز الشرعي أو السيرة الجارية بين أهل الشرع من الشرع و من الشارع و ينبغي أن‏

____________

(1) النساء: 29.

78

يحفظ على التحقيق المذكور و يستفاد منه في جملة من الموارد و اللّه وليّ التوفيق هذا تمام الكلام في القاعدة الأولى.

و أما الكلام في القاعدة الثانية:و هي ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده: فربما يقال في وجه عدم الضمان أنه اذا فرض العقد صحيحا لا يوجب الضمان فلا ضمان في فاسده بالأولوية و التقريب المذكور فاسد إذ عدم الضمان في صورة الصحة من باب ان العين تصير مملوكة للطرف المقابل بالعقد و من الواضح ان المالك لا يكون ضامنا لمملوكه و أما في فرض الفساد فان المفروض بقاء العين في ملك مالكها فلا جامع بين المقامين و كل منهما يباين الآخر و الذي يختلج بالبال في هذه العجالة أن يقال لا موجب للضمان أما حديث على اليد فقد تقدم انه غير تام سندا و لا سيرة على الحكم بالضمان لا من العقلاء و لا من اهل الشرع و إذا وصلت النوبة الى الشك يكون مقتضاه عدم الضمان هذا بالنسبة الى تلف العين و أما في صورة الإتلاف فالظاهر أنه يشكل الجزم بعدم الضمان إذ مقتضى قاعدة الاتلاف كون المتلف ضامنا، و اللّه العالم بحقائق الأمور و عليه التوكل و التكلان.

79

القاعدة السابعة قاعدة الاشتراك في التكاليف‏

و ما يمكن أن يقال أو قيل في تقريب المدعى وجوه:

[وجوه البحث‏]

الوجه الأول: أنه لو ثبت حكم لطائفة و شك في بقاء ذلك الحكم‏

و شموله للموجودين بعد ذلك الزمان يحكم ببقائه بالاستصحاب.

و يرد عليه أولا: أنه لا يمكن اجراء حكم مترتب على موضوع على موضوع آخر بالاستصحاب فانه لا دليل عليه و لذا نقول يعتبر في الاستصحاب اتحاد الموضوع و ثانيا ان استصحاب الحكم الكلي دائما معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد فهذا الوجه لا اعتبار به.

الوجه الثاني: اتفاق الفقهاء على عدم الاختصاص و اشتراك جميع المكلفين في الاحكام الشرعية

و يرد عليه ان مرجعه الى الاجماع و قد ثبت في محله عدم اعتبار الاجماع الا أن يكون كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السّلام).

الوجه الثالث: تنقيح المناط

و إن شئت قلت ان الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها فاذا ثبت حكم بالنسبة الى شخص يكون ثابتا بالنسبة الى غيره.

و يرد عليه ان الملاكات الشرعية مجهولة عندنا و لذا نرى تغاير الأحكام و اختلافها من جهات عديدة و العالم بها علام الغيوب.

الوجه الرابع: قول الصادق (عليه السّلام) في حديث: فكل نبيّ جاء بعد المسيح‏

أخذ

80

بشريعته و منهاجه حتى جاء محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فجاء بالقرآن و بشريعته و منهاجه فحلاله حلال الى يوم القيامة و حرامه حرام الى يوم القيامة (1) و الانصاف أنه لا يستفاد المدعى من هذه الرواية فان المراد منها بحسب الظهور ان الحكم الالهي في الشريعة المحمدية لا يختص بزمان خاص و لا يكون محدودا من حيث الزمان و ليس ما شرع في هذه الشريعة مثل ما جعل في بقية الشرائع و أما كون المكلفين مشتركين في كل حكم شرعي اسلامي فلا يستفاد من الحديث.

الوجه الخامس: ما رواه ابان عن سلمان‏

حين نقل خطبة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الى أن قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): هم مع القرآن و القرآن معهم لا يفارقونه حتى يردوا عليّ الحوض فليبلّغ الشاهد الغائب الحديث‏ (2).

تقريب الاستدلال بالحديث قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في آخر الرواية فليبلّغ الشاهد الغائب إذ يستفاد من هذه الجملة أنه يجب على الحاضرين اخبار الغائبين فيعلم اشتراك جميع المكلفين في الأحكام الشرعية و الّا لم يكن وجه لوجوب تبليغ الحاضرين الغائبين و الاستدلال على المدعى بهذا التقريب من غرائب الاستدلالات إذ لا كلام و لا ريب ان رسول الإسلام رسول و نبي لجميع الامة و لا اشكال في ان الائمة الاثنى عشر ائمة و أولياء على جميع الخلق و قوام اسلام كل مسلم به و إن شئت فقل لا كلام في ان الإسلام بما ذا يتحقق و لا كلام في المقام في أن اصول الدين بما ذا تتحقق انما الكلام في ان الاحكام الفرعية الثابتة لفرد أو جماعة لا تختص بموردها بل جميع المكلفين مشتركون في تلك الأحكام و جميع الفروع الشرعية مشتركة بين جميع الأفراد.

الوجه السادس: ما رواه ابن طاوس نقلا من كتاب الوصية

للشيخ عيسى بن‏

____________

(1) الكافي: ج 2 ص 17 الحديث 2.

(2) بحار الأنوار: ج 22 ص 148- 150 الحديث 142.

81

المستفاد الضرير عن موسى بن جعفر عن أبيه (عليه السّلام) في نقل خطبة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال في جملة كلام له ايها الناس اسمعوا وصيتي من آمن بي و صدّقني بالنبوة و أنّي رسول اللّه فاوصيه بولاية علي بن ابي طالب و طاعته و التصديق له فان ولايته ولايتي و ولاية ربي قد ابلغتكم فليبلّغ الشاهد الغائب، الحديث‏ (1).

و تقريب الاستدلال بالحديث ذلك التقريب و الجواب هو الجواب فلا نعيد.

الوجه السابع: ان الأحكام الشرعية مجعولة على المكلفين من الازل‏

على نحو القضية الحقيقية لا بنحو القضية الخارجية مثلا قوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (2) يشمل جميع من يكون مستطيعا و لا يختص بجماعة خاصة و افراد مخصوصين كي نحتاج الى قاعدة الاشتراك و في الحقيقة ان الوجه المذكور يهدم القاعدة.

أقول: الاستدلال بالمدعى بالوجه المذكور اغرب و اعجب من سابقه إذ الكلام في هذه القاعدة لا يكون بالنسبة الى مقام الثبوت إذ ذلك المقام معلوم عند اللّه و من يكون متصلا بعالم الوحي و لا يكون الكلام في الادلة العامة أو المطلقة في مقام الاثبات إذ مع احراز الاشتراك بالعموم أو الاطلاق لا مجال للبحث و القيل و القال انما الكلام فيما ثبت تكليف لشخص أو جماعة فنتكلم في ان ذلك الحكم هل يشمل غير مورده من بقية آحاد المكلفين أم لا و اللّه وليّ التوفيق.

الوجه الثامن: الأحاديث التي تدل على ارجاع المعصوم (عليه السّلام) الناس الى رواة الحديث‏

منها ما رواه أحمد بن اسحاق عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: سألته و قلت من أعامل و عمن آخذ و قول من أقبل؟ فقال العمري ثقتي فما ادّى إليك عنّي‏

____________

(1) بحار الأنوار: ج 22 ص 476- 478 الحديث 27.

(2) آل عمران: 97.

82

فعنّي يؤدّي و ما قال لك عني فعنّي يقول فاسمع له و أطع فانه الثقة المأمون، قال و سألت أبا محمد (عليه السّلام) عن مثل ذلك فقال العمري و ابنه ثقتان فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤديان و ما قالا لك فعنّي يقولان فاسمع لهما و اطعهما فانهما الثقتان المأمونان الحديث‏ (1).

و منها ما رواه اسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المتعة فقال: الق عبد الملك بن جريح فسله عنها فان عنده منها علما فلقيته فأملى عليّ شيئا كثيرا في استحلالها و كان فيما روى فيها ابن جريح أنه ليس لها وقت و لا عدد الى ان قال فاتيت بالكتاب أبا عبد اللّه (عليه السّلام) فقال صدق و اقرّ به‏ (2) و منها ما رواه عبد اللّه بن ابي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) انه ليس كل ساعة القاك و لا يمكن القدوم و يجئ الرجل من اصحابنا فيسألني و ليس عندي كل ما يسألني عنه فقال ما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي فانه سمع من أبي و كان عنده وجيها (3) و منها ما رواه علي بن المسيب الهمداني قال:

قلت للرضا (عليه السّلام) شقّتي بعيدة و لست أصل إليك في كل وقت فممن آخذ معالم ديني قال من زكريّا ابن آدم القمي المأمون على الدين و الدنيا قال علي بن المسيب فلما انصرفت قدمنا على زكريا بن آدم فسألته عمّا احتجت اليه‏ (4) و منها ما رواه محمد بن عيسى عن عبد العزيز بن المهتدي و الحسن بن علي بن يقطين جميعا عن الرضا (عليه السّلام) قال: قلت لا أكاد أصل إليك أسألك عن كل ما احتاج اليه من معالم ديني أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج اليه‏

____________

(1) الوسائل الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 4.

(2) الوسائل الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث 5.

(3) نفس المصدر الحديث 23.

(4) نفس المصدر الحديث 27.

83

من معالم ديني فقال نعم‏ (1) فان ارجاع الامام (عليه السّلام) الناس الى رواة الحديث يستلزم الاشتراك في التكليف و هذا التقريب غير تام اذ المستفاد من هذه الأحاديث ان الأحكام الشرعية تؤخذ من الرواة الثقات و كلامنا في المقام انه لو ثبت حكم لفرد من آحاد المكلفين أو جماعة منهم هل يشترك غيرهم معهم في ذلك الحكم أم لا و لا ارتباط بين المقامين أصلا.

الوجه التاسع: ما رواه أبو عمرو الزبيري عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)

الى أن قال:

لأن حكم اللّه عزّ و جلّ في الأولين و الآخرين و فرائضه عليهم سواء الّا من علة أو حادث يكون و الأولون و الآخرون أيضا في منع الحوادث شركاء و الفرائض عليهم واحدة يسأل الآخرون من اداء الفرائض عما يسأل عنه الأولون و يحاسبون عما به يحاسبون الحديث‏ (2) فانه قد صرح في الحديث بعدم الفرق بين الأولين و الآخرين في فرائض اللّه و أحكامه و جميع الخلق مشتركون في حكم اللّه و هذا هو المدعى في المقام.

و يرد على التقريب المذكور ان الحديث المشار اليه غير تام سندا فان بكر بن صالح لم يوثق فاذا فرض كون بقية رواة الحديث ثقاة يكفي لعدم الاعتبار عدم اعتبار واحد من الرواة الواقعين في السند.

الوجه العاشر: ما رواه جابر عن أبي جعفر (عليه السّلام)

قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اوصي الشاهد من أمّتي و الغائب منهم و من في اصلاب الرجال و ارحام النساء الى يوم القيامة ان يصل الرحم و ان كانت منه على مسيرة سنة فان ذلك من الدين‏ (3) بتقريب ان المستفاد من الحديث ان وجوب صلة الرحم‏

____________

(1) نفس المصدر الحديث 33.

(2) الوسائل الباب 9 من أبواب جهاد العدو الحديث 1.

(3) بحار الأنوار: ج 74 ص 114 الحديث 73 و الكافي ج 2 ص 151 الحديث 5.

84

لا يختص بطائفة خاصة و حيث أنه لا فرق بين هذا الحكم و بقية الأحكام نلتزم بالاشتراك.

و هذا الاستدلال كما ترى من غرائب الاستدلالات و البراهين إذ لو كان الأمر كذلك و نجزم بعدم الفرق بين الأحكام فلا نحتاج الى التوسل الى هذه الرواية بل الأحكام المشتركة و العامة الى ما شاء اللّه فان الصلوات اليومية واجبة على جميع الآحاد من المكلفين و قس عليها صوم شهر رمضان و الحج و حرمة شرب الخمر و الزنا و امثالها أعاذنا اللّه من الزلل و وفقنا لما يحب و يرضى و العمدة في الاشكال انه بأيّ تقريب يمكن تعميم حكم وارد في خصوص شخص الى بقية الآحاد.

اذا عرفت ما تقدم نقول: تارة يكون لسان الدليل على نحو يشمل المكلفين كقوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1) و قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) و أمثال ما ذكر و اخرى ليس الأمر كذلك بان لا يشمل الدليل الا شخصا أو اشخاصا كما يكون الامر كذلك في نصوص كثيرة الى ما شاء اللّه منها ما رواه زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) رجل شك في الاذان و قد دخل في الاقامة قال يمضي قلت رجل شك في الاذان و الاقامة و قد كبّر قال يمضي قلت رجل شك في التكبير و قد قرأ قال يمضي قلت شك في القراءة و قد ركع قال يمضي قلت شك في الركوع و قد سجد قال يمضي على صلاته ثم قال يا زرارة اذا خرجت من شي‏ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء (3) و منها ما رواه محمد بن أبي حمزة عن عبد الرحمن بن الحجاج و علي جميعا عن أبي ابراهيم (عليه السّلام) في السهو في الصلاة قال تبني على اليقين‏

____________

(1) آل عمران: 97.

(2) المائدة: 1.

(3) الوسائل الباب 23 من أبواب الخلل الحديث 1.

85

و تأخذ بالجزم و تحتاط بالصلوات كلها (1) و منها ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) انه قال: اذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاقض الذي فاتك سهوا (2) و منها ما رواه علي بن مهزيار قال: كتب اليه سليمان بن رشيد يخبره انه بال في ظلمة الليل و انه اصاب كفه برد نقطة من البول لم يشك انه أصابه و لم يره و انه مسحه بخرقة ثم نسي ان يغسله و تمسح بدهن فمسح به كفيه و وجهه و رأسه ثم توضأ وضوء الصلاة فصلى فاجابه بجواب قرأته بخطه اما ما توهمت مما أصاب يدك فليس بشي‏ء الّا ما تحقق فان حققت ذلك كنت حقيقا ان تعيد الصلوات اللواتي كنت صليتهن بذلك الوضوء بعينه ما كان منهن في وقتها و ما فات وقتها فلا اعادة عليك لها من قبل ان الرجل اذا كان ثوبه نجسا لم يعد الصلاة الا ما كان في وقت و اذا كان جنبا أو صلى على غير وضوء فعليه اعادة الصلوات المكتوبات اللواتي فاتته لان الثوب خلاف الجسد فاعمل على ذلك ان شاء اللّه‏ (3) و منها ما رواه زرارة قال: قلت أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‏ء من مني فعلمت اثره الى أن أصيب له الماء فاصبت و حضرت الصلاة و نسيت ان بثوبي شيئا و صليت ثم اني ذكرت بعد ذلك قال تعيد الصلاة و تغسله قلت فاني لم أكن رأيت موضعه و علمت انه اصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلما صليت وجدته قال تغسله و تعيد الحديث‏ (4) و منها ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ان أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله و ان صليت فيه فأعد

____________

(1) نفس المصدر الحديث 2.

(2) نفس المصدر الحديث 7.

(3) الوسائل الباب 42 من أبواب النجاسات الحديث 1.

(4) الوسائل الباب 42 من أبواب النجاسات الحديث 2.

86

صلاتك‏ (1).

و منها ما رواه زرارة قال: قلت أصاب ثوبي دم رعاف أو شي‏ء من مني الى أن قال ان رأيته في ثوبي و أنا في الصلاة قال تنقض الصلاة و تعيد اذا شككت في موضع منه ثم رأيته و ان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت و غسلته ثم بنيت على الصلاة لأنك لا تدري لعله شي‏ء أوقع عليك فليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك‏ (2) و منها ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال ان رأيت في ثوبك دما و انت تصلي و لم تكن رأيته قبل ذلك فأتم صلاتك فاذا انصرفت فاغسله قال و إن كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله ثم رأيته بعد و أنت في صلاتك فانصرف فاغسله و اعد صلاتك‏ (3) و منها ما رواه قاسم الصيقل قال: كتبت الى الرضا (عليه السّلام) اني أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي فاصلّي فيها فكتب (عليه السّلام) إليّ اتخذ ثوبا لصلاتك فكتبت الى ابي جعفر الثاني (عليه السّلام) اني كتبت الى ابيك (عليه السّلام) بكذا و كذا فصعب عليّ ذلك فصرت اعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية فكتب (عليه السّلام) إليّ كل أعمال البر بالصبر يرحمك اللّه فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس‏ (4) و منها ما رواه سماعة قال: سألته عن جلود السباع ينتفع بها قال اذا رميت و سميت فانتفع بجلده و اما الميتة فلا (5) و منها ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السّلام) في حديث قال: سألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس لا يدري لمن كان‏

____________

(1) الوسائل الباب 43 من أبواب النجاسات الحديث 2.

(2) الوسائل الباب 44 من أبواب النجاسات الحديث 1.

(3) الوسائل الباب 44 من أبواب النجاسات الحديث 3.

(4) الوسائل الباب 49 من أبواب النجاسات الحديث 1.

(5) نفس المصدر الحديث 2.

87

هل تصلح الصلاة فيه قال ان اشتراه من مسلم فليصل فيه و ان اشتراه من نصراني فلا يصلي فيه حتى يغسله‏ (1) و منها ما رواه الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الخفاف التي تباع في السوق فقال اشتر و صل فيها حتى تعلم انه ميت بعينه‏ (2) و منها ما رواه الحسن بن الجهم قال: قلت لأبي الحسن (عليه السّلام) اعترض السوق فاشتري خفا لا ادري أ ذكي هو أم لا قال صل فيه قلت فالنعل قال مثل ذلك قلت اني أضيق من هذا قال أ ترغب عمّا كان أبو الحسن (عليه السّلام) يفعله‏ (3) و ندعي ان هذه النصوص و إن كانت متعرضة لحكم شخص خارجي و مكلف معين و ليس فيها عموم أو اطلاق بحسب الموازين و لكن مع ذلك يستفاد منها الحكم لعامة المكلفين و هذا العرف ببابك و الوجه في هذا المدعى ان العرف بما هو كذلك يفهم ان السؤال و إن كان عن الشخص الخارجي لكن لا بما هو ابن بكر أو والد خالد أو نجفي أو مدنيّ.

الى غير ذلك من المشخصات بل بعنوان انه فرد من افراد المكلفين.

و إن شئت فقل لا يفرق العرف بين ان يكون السؤال عن نفسه بقوله غسلت يدي بماء الورد و بين ان يقول رجل غسل يده بماء الورد و بين ان يقول شخص غسل يده بماء الورد.

و الذي يدل على هذه المقالة بوضوح انه لو سئل أحد مقلّده بأن يقول له غسلت يدي بماء الورد ما حكمه و اجابه المجتهد بان الغسل لا بد ان يكون بالماء المطلق يفهم العرف ان السؤال عن الحكم الشرعي العام و هذا الذي أقول واضح و لا مجال للتأمل فيه و بهذا التقريب يتم الامر و نحكم بالاشتراك الا فيما قام الدليل‏

____________

(1) الوسائل الباب 50 من أبواب النجاسات الحديث 1.

(2) نفس المصدر الحديث 2.

(3) نفس المصدر، الحديث 9.

88

على خلاف هذا الظهور كما هو كثير أيضا فانه يفترق حكم المرأة عن الرجل في أحكام الصلاة و في كثير من الأحكام.

و يمكن اثبات المدعى بتقريب آخر أيضا و هو ارتكاز اهل الشرع بان الأحكام الشرعية عامة لجميع المكلفين الا في موارد قيام الدليل على الخلاف و العرف الشرعي و السوق الارتكازي نصب عينيك كما انه يمكن اثبات المدعى بوجه ثالث و هو انه لا اشكال في ان كل من يكون بالغا عاقلا مكلف بتكاليف و لا يكون مطلق العنان و مرسلا بلا قيد هذا من ناحية و من ناحية اخرى أنه لو كان تغاير بين المكلفين في الأحكام كان على الشارع الأقدس البيان و الاعلام و حيث لم يعلم و لم يظهر التفريق من قبله يعلم و يكشف ان الحكم المترتب على شخص مترتب على غيره أيضا و إن أبيت عن جميع ذلك نقول‏ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ* ... وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* هذا تمام الكلام في هذه القاعدة و يقع الكلام ان شاء اللّه تعالى في قاعدة نجاسة الكافر و عدمها.

89

القاعدة الثامنة قاعدة نجاسة الكافر و عدمها

و يقع الكلام في هذه القاعدة من جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: في بيان مفهوم الكافر

و توضيح المراد منه فنقول المستفاد من اللغة ان الكافر عبارة عن الانكار و عبارة عن الستر و بهذا الاعتبار يقال و يطلق عنوان الكافر على من ينكر الالوهية و الرسالة و اما من حيث النصوص الواردة في المقام فهي مختلفة و على طوائف: الطائفة الأولى: ما يدل على ان الإسلام متقوم بالصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الولاية: منها ما رواه أبو حمزة عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: بني الإسلام على خمس على الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الولاية و لم يناد بشي‏ء كما نودي بالولاية (1) و منها ما رواه عجلان أبي صالح قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) اوقفني على حدود الايمان فقال شهادة أن لا إله إلّا اللّه و انّ محمدا رسول اللّه و الاقرار بما جاء به من عند اللّه و صلاة الخمس و اداء الزكاة و صوم شهر رمضان و حج البيت و ولاية وليّنا و عداوة عدوّنا و الدخول مع الصادقين‏ (2) و منها ما رواه فضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: بني الإسلام على خمس على الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الولاية و لم يناد

____________

(1) الكافي: ج 2 باب دعائم الإسلام ص 18 الحديث 1.

(2) نفس المصدر الحديث 2.

90

بشي‏ء كما نودي بالولاية فأخذ الناس باربع و تركوا هذه يعني الولاية (1) و منها ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية قال زرارة فقلت و ايّ شي‏ء من ذلك أفضل فقال الولاية افضل لأنها مفتاحهنّ و الوالي هو الدليل عليهن‏ (2).

عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: بني الإسلام على خمس: الولاية و الصلاة و الزكاة و صوم شهر رمضان و الحج‏ (3) و منها ما رواه فضيل عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: بني الإسلام على خمس: الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الولاية و لم ينادي بشي‏ء ما نودي بالولاية يوم الغدير (4) و منها ما رواه عيسى بن السريّ قال لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) حدثني عما بنيت عليه دعائم الإسلام اذا أنا أخذت بها زكي عملي و لم يضرّني جهل ما جهلت بعده فقال: شهادة أن لا إله الّا اللّه و انّ محمدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الاقرار بما جاء به من عند اللّه و حق في الأموال من الزكاة و الولاية التي أمر اللّه عزّ و جلّ بها ولاية آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: من مات و لا يعرف امامه مات ميتة جاهلية، قال اللّه عزّ و جلّ:

أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (5) فكان علي (عليه السّلام) ثم صار من بعده حسن ثم من بعده حسين ثم من بعده علي بن الحسين ثم من بعده محمد بن علي ثم هكذا يكون الأمر ان الأرض لا تصلح الّا بامام و من مات لا يعرف امامه مات ميتة جاهلية و أحوج ما يكون أحدكم الى معرفته اذا بلغت‏

____________

(1) نفس المصدر الحديث 3.

(2) نفس المصدر الحديث 5.

(3) الكافي: ج 2 باب دعائم الإسلام الحديث 7.

(4) نفس المصدر الحديث 8.

(5) النساء: 59.

91

نفسه هاهنا قال و اهوى بيده الى صدره يقول حينئذ لقد كنت على أمر حسن‏ (1) و منها ما رواه أبو بصير قال: سمعته يسأل أبا عبد اللّه (عليه السّلام) فقال له جعلت فداك أخبرني عن الدين الذي افترض اللّه عزّ و جلّ على العباد ما لا يسعهم جهله و لا يقبل منهم غيره ما هو؟ فقال أعد عليّ فأعاد عليه فقال شهادة أن لا إله الّا اللّه و انّ محمدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أقام الصلاة و ايتاء الزكاة و حج البيت من استطاع اليه سبيلا و صوم شهر رمضان ثم سكت قليلا ثم قال و الولاية مرتين ثم قال هذا الذي فرض اللّه على العباد و لا يسأل الربّ العباد يوم القيام فيقول ألا زدتني على ما افترضت عليك و لكن من زاد زاده اللّه ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سنّ سننا حسنة جميلة ينبغي للناس الأخذ بها (2) و منها ما رواه عمرو بن حريث قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) و هو في منزل أخيه عبد اللّه بن محمد فقلت له: جعلت فداك ما حوّلك الى هذا المنزل قال: طلب النزهة فقلت: جعلت فداك الا أقصّ عليك ديني فقال: بلى قلت أدين اللّه بشهادة أن لا إله الّا اللّه وحده لا شريك له و انّ محمدا عبده و رسوله‏ وَ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ و إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ و صوم شهر رمضان و حج البيت و الولاية لعلي أمير المؤمنين بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الولاية للحسن و الحسين و الولاية لعلي بن الحسين و الولاية لمحمد بن علي و لك من بعده (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و انكم ائمتي عليه أحيا و عليه أموت و أدين اللّه به فقال: يا عمرو هذا و اللّه دين اللّه و دين آبائي الذي أدين اللّه به في السرّ و العلانية فاتّق اللّه و كفّ لسانك الّا من خير و لا تقل أني هديت نفسي بل اللّه هداك فادّ شكر ما أنعم اللّه عزّ و جلّ‏

____________

(1) الكافي: ج 2 باب دعائم الإسلام الحديث 9.

(2) الكافي: ج 2 باب دعائم الإسلام الحديث 11.

92

به عليك و لا تكن ممن اذا أقبل طعن في عينه و اذا أدبر طعن في قفاه و لا تحمل الناس على كاهلك فانك أو شك ان حملت الناس على كاهلك أن يصدعوا شعب كاهلك‏ (1).

الطائفة الثانية: ما يدل على ان من صدق و شهد بالتوحيد و الرسالة يكون مسلما و يجري عليه أحكام الإسلام: منها ما رواه سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) أخبرني عن الإسلام و الايمان أ هما مختلفان فقال ان الايمان يشارك الإسلام و الإسلام لا يشارك الايمان فقلت فصفهما لي فقال الإسلام بشهادة أن لا إله الّا اللّه و التصديق برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث و على ظاهره جماعة الناس و الايمان الهدى و ما يثبت في القلوب من صفة الإسلام و ما ظهر من العمل به و الايمان أرفع من الإسلام بدرجة ان الايمان يشارك الإسلام في الظاهر و الإسلام لا يشارك الايمان في الباطن و ان اجتمعا في القول و الصفة (2) فان المستفاد من هذه الطائفة ان من شهد بالتوحيد و صدّق رسالة رسول الإسلام تجري عليه أحكام الإسلام و هو مسلم.

الطائفة الثالثة: ما يدل على كفر من لا يكون شيعيا اثنى عشريا: منها ما رواه المفضل بن عمر قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السّلام) و عليّ ابنه في حجره و هو يقبّله و يمص لسانه و يضعه على عاتقه و يضمّه إليه و يقول بأبي أنت ما أطيب ريحك و اطهر خلقك و أبين فضلك الى أن قال قلت هو

____________

(1) الكافي: ج 2 باب دعائم الإسلام الحديث 14.

(2) الكافي: ج 2 ص 25 باب ان الايمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الايمان الحديث 1.

93

صاحب هذا الأمر من بعدك قال: نعم من اطاعه رشد و من عصاه كفر (1) و منها ما رواه أبو حمزة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: منّا الامام المفروض طاعته من جحده مات يهوديا أو نصرانيا الحديث‏ (2) و منها ما رواه المفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال أبو جعفر (عليه السّلام) ان اللّه جعل عليا (عليه السّلام) علما بينه و بين خلقه ليس بينه و بينهم علم غيره فمن تبعه كان مؤمنا و من جحده كان كافرا و من شك فيه كان مشركا (3) و منها ما رواه محمد بن حسان عن محمد بن جعفر عن أبيه (عليه السّلام) قال: عليّ (عليه السّلام) باب هدى من خالفه كان كافرا و من أنكره دخل النار (4) و منها ما رواه مروان بن مسلم قال: قال الصادق جعفر بن محمد (عليهما السّلام) الامام علم فيما بين اللّه عزّ و جلّ و بين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا و من انكره كان كافرا (5) و منها ما رواه سدير قال: قال أبو جعفر (عليه السّلام) في حديث ان العلم الذي وضعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عند علي (عليه السّلام) من عرفه كان مؤمنا و من جحده كان كافرا ثم كان من بعده الحسن (عليه السّلام) بتلك المنزلة الحديث‏ (6) و منها ما رواه صفوان الجمّال عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لمّا نزلت الولاية لعلي (عليه السّلام) قال رجل من جانب الناس فقال: لقد عقد هذا الرسول لهذا الرجل عقدة لا يحلها الّا كافر الى أن قال: فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هذا جبرئيل (عليه السّلام)(7) و منها ما رواه يحيى بن‏

____________

(1) الوسائل الباب 10 من أبواب حد المرتد الحديث 2.

(2) نفس المصدر الحديث 11.

(3) نفس المصدر الحديث 13.

(4) نفس المصدر الحديث 14.

(5) الوسائل الباب 10 من أبواب حد المرتد الحديث 18.

(6) نفس المصدر الحديث 19.

(7) نفس المصدر الحديث 25.

94

القاسم عن جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال ائمة بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب و آخرهم القائم الى أن قال المقر بهم مؤمن و المنكر لهم كافر (1) و منها ما رواه موسى بن عبد ربه عن الحسين بن علي (عليهما السّلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حديث قال: من زعم انه يحبّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا يحبّ الوصي فقد كذب و من زعم انه يعرف النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا يعرف الوصي فقد كفر (2) و منها ما رواه أبو خالد الكابلي عن علي بن الحسين (عليهما السّلام) قال: قلت له:

كم الائمة بعدك قال ثمانية لان الائمة بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اثنا عشر الى أن قال: و من ابغضنا و ردّنا أو ردّ واحدا منّا فهو كافر باللّه و بآياته‏ (3) و منها ما رواه ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: ثلاثة لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ من ادّعى امامة من اللّه له و من جحد اماما من اللّه و من زعم انّ لهما في الإسلام نصيبا (4) و منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) في حديث قال: من اصبح من هذه الأمة لا امام له من اللّه أصبح تائها متحيرا ضالا ان مات على هذه الحال مات ميتة كفر و نفاق‏ (5) و منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: قلت له: أ رأيت من جحد اماما منكم ما حاله فقال من جحد اماما من الائمة و برئ منه و من دينه فهو كافر (و مرتد) عن الإسلام لان الامام من اللّه و دينه دين اللّه و من برئ من دين اللّه فدمه مباح في تلك الحالة الا أن يرجع أو يتوب الى اللّه مما

____________

(1) نفس المصدر الحديث 27.

(2) نفس المصدر الحديث 28.

(3) الوسائل الباب 10 من أبواب حد المرتد الحديث 29.

(4) نفس المصدر الحديث 34.

(5) نفس المصدر الحديث 37.

95

قال‏ (1) و منها ما رواه أحمد بن محمد بن مطهر قال: كتب بعض أصحابنا الى أبي محمد (عليه السّلام) يسأله عمّن وقف على أبي الحسن موسى (عليه السّلام) فكتب لا تترحم على عمّك و تبرأ منه انا الى اللّه منه برئ فلا تتولهم و لا تعد مرضاهم و لا تشهد جنائزهم‏ وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً من جحد اماما من اللّه أو زاد اماما ليست امامته من اللّه كان كمن قال: إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ (2) ان الجاحد امر آخرنا جاحد أمر أوّلنا الحديث‏ (3) و منها ما رواه أبو سلمة عن عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال: من عرفنا كان مؤمنا و من أنكرنا كان كافرا و من لم يعرفنا و لم ينكرنا كان ضالا (4) و منها ما رواه الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من مات و لا يعرف امامه مات ميتة جاهلية قال: نعم قلت جاهلية جهلاء أو جاهلية لا يعرف امامه قال: جاهلية كفر و نفاق و ضلال‏ (5) و منها ما رواه أبو حمزة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول انّ عليا (عليه السّلام) باب فتحه اللّه عزّ و جلّ فمن دخله كان مؤمنا و من خرج منه كان كافرا و من لم يدخله فيه و لم يخرج منه كان في الطبقة الذين قال اللّه تبارك و تعالى: فيهم المشيئة (6) و منها ما رواه ابن أبي نصر عن أبي الحسن (عليه السّلام) في قول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ‏ (7) قال يعني‏

____________

(1) نفس المصدر الحديث 38.

(2) المائدة: 73.

(3) الوسائل الباب 10 من أبواب حد المرتد الحديث 40.

(4) نفس الحديث الحديث 43.

(5) نفس المصدر الحديث 47.

(6) نفس المصدر الحديث 49.

(7) القصص: 50.

96

من اتخذ دينه رأيه بغير امام من ائمة الهدى‏ (1) و منها ما رواه الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: ان اللّه عزّ و جلّ نصب عليا (عليه السّلام) علما بينه و بين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا و من أنكره كان كافرا و من جهله كان ضالا و من نصب معه شيئا كان مشركا و من جاء بولايته دخل الجنة (2) و منها ما رواه محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: كل من دان اللّه بعبادة يجهد فيها نفسه و لا امام له من اللّه فسعيه غير مقبول و هو ضال متحيّر و اللّه شانئ لا عماله و مثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها و قطيعها فهجمت ذاهبة و جائية يومها فلمّا جنّها الليل بصرت بقطيع مع غير راعيها فحنت إليها و اغترت بها فباتت معها في ربضتها فلمّا أن ساق الراعي قطيعة انكرت راعيها و قطيعها فهجمت متحيرة تطلب راعيها و قطيعها فبصرت بغنم مع راعيها فحنت اليها و اغترّت بها فصاح بها الراعي الحقي براعيك و قطيعك فانك تائهة متحيرة عن راعيك و قطيعك فهجمت ذعرة متحيرة نادة لا راعي لها يرشدها الى مرعاها أو يردها فبينا هي كذلك اذا اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها و كذلك و اللّه يا محمد من اصبح من هذه الامة لا امام له من اللّه جلّ و عزّ ظاهرا عادلا اصبح ضالا و ان مات على هذه الحال مات ميتة كفر و نفاق و اعلم يا محمد ان ائمة الجور و اتباعهم لمعزولون عن دين اللّه قد ضلوا و أضلوا فاعمالهم التي يعملونها كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى‏ شَيْ‏ءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (3) و منها ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور قال: قلت لأبي‏

____________

(1) الكافي: ج 1 ص 374 باب فيمن دان اللّه عزّ و جلّ بغير امام من اللّه جلّ جلاله الحديث 1.

(2) الوسائل الباب 10 من أبواب حد المرتد الحديث 48.

(3) الكافي ج 1 ص 374 باب فيمن دان اللّه عزّ و جلّ بغير امام من اللّه جلّ جلاله الحديث 2.

97

عبد اللّه (عليه السّلام): اني اخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم و يتولون فلانا و فلانا لهم امانة و صدق و وفاء و اقوام يتولونكم ليس لهم تلك الامانة و لا الوفاء و الصدق؟ قال: فاستوى أبو عبد اللّه (عليه السّلام) جالسا فاقبل عليّ كالغضبان ثم قال لا دين لمن دان اللّه بولاية امام جائر ليس من اللّه و لا عتب على من دان بولاية امام عادل من اللّه قلت لا دين لأولئك و لا عتب على هؤلاء قال: نعم لا دين لأولئك و لا عتب على هؤلاء ثم قال: ألا تسمع لقول اللّه عزّ و جلّ‏ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (1) يعني من ظلمات الذنوب الى نور التوبة و المغفرة لولايتهم كل امام عادل من اللّه و قال‏ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ‏ (2) انما عني بهذا انهم كانوا على نور الإسلام فلمّا ان تولوا كل امام جائر ليس من اللّه عزّ و جلّ خرجوا بولايتهم ايّاه من نور الإسلام الى ظلمات الكفر فاوجب اللّه لهم النار مع الكفار ف أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (3) (4) و منها ما رواه الفضيل بن يسار قال: ابتدأنا أبو عبد اللّه (عليه السّلام) يوما و قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من مات و ليس عليه امام فميتته ميتة جاهلية فقلت قال ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: اي و اللّه قد قال قلت: فكل من مات و ليس له امام فميتته ميتة جاهلية قال: نعم‏ (5) و منها ما رواه الحارث بن المغيرة

____________

(1) البقرة: 257.

(2) البقرة: 257.

(3) البقرة: ص 257.

(4) الكافي: ج 1 ص 375 باب فيمن دان اللّه عزّ و جلّ بغير امام من اللّه جل جلاله الحديث 3.

(5) الكافي: ج 1 ص 376 باب من مات و ليس له امام الحديث 1.

98

قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من مات لا يعرف امامه مات ميتة جاهلية؟ قال: نعم قلت جاهلية جهلاء أو جاهلية لا يعرف امامه قال:

جاهلية كفر و نفاق و ضلال‏ (1) و منها ما رواه المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) من دان اللّه بغير سماع عن صادق الزمه اللّه البتة الى العناء و من ادّعى سماعا من غير الباب الذي فتحه اللّه فهو مشرك و ذلك الباب المأمون على سرّ اللّه المكنون‏ (2) و لا اشكال في انه لا بد من التصرف في الطائفة الاولى إذ من الضروري ان مجرد ترك الصلاة و بقية الفرائض المذكورة في تلك الطائفة لا يكون موجبا للكفر و عليه لا بد من العمل بالقواعد بالنسبة الى الطائفة الثانية و الثالثة: فنقول مقتضى القاعدة تقديم الطائفة الثالثة على الثانية و الالتزام بكفر غير الامامي الاثني عشري و الوجه في ذلك ان الطائفة الثالثة دلالتها على اسلام من يشهد بالشهادتين بالاطلاق أي أعم من يكون ملتزما بالولاية أم لا و المطلق قابل لان يقيد بالمقيد و الشاهد عليه انه لا يمكن العمل بالاطلاق تلك الطائفة و الا يلزم القول باسلام من يلتزم بالتوحيد و الرسالة و لكن يكون منكرا للمعاد و هل يمكن القول به؟! و ان أبيت عن قابلية الطائفة الثانية للتقييد نقول الترجيح بالاحدثية مع الطائفة الثالثة فان جملة من أحاديث الطائفة الثالثة أحدث منها ما رواه المفضل بن عمر (3) و منها ما رواه أحمد بن محمد بن مطهر (4) و منها ما رواه عبد العزيز بن مسلم عن الرضا (عليه السّلام) في حديث طويل قال و لم يمض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حتى بيّن لامّته معالم دينهم و اوضح لهم سبيلهم و تركهم على قصد

____________

(1) نفس المصدر ص 377 الحديث 3.

(2) نفس المصدر الحديث 4.

(3) لاحظ ص 92.

(4) لاحظ ص 95.

99

سبيل الحق و اقام لهم عليا (عليه السّلام) علما و اماما و ما ترك شيئا تحتاج اليه الامة الا بيّنه فمن زعم انّ اللّه عزّ و جل لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب اللّه عزّ و جلّ و من ردّ كتاب اللّه فهو كافر (1) و منها ما رواه ابن أبي نصر (2) و المرجح الوحيد في باب الترجيح كون الحديث أحدث و يؤيد المدعى دعوى الاجماع على كفر من انكر الولاية فانه نقل عن الشيخ نوبخت في كتاب فص الياقوت دافعوا النص كفرة عند جمهور أصحابنا و عن ابن ادريس في السرائر أن المخالف لأهل الحق كافر بلا خلاف بيننا.

الجهة الثانية: في الوجوه التي يمكن الاستدلال بها على نجاسة [أنواع‏] الكافر

أو استدل بها و الكافر انواع و نبحث في كل نوع على استقلاله فنقول:

النوع الأول الملحد

قال في الحدائق و قد حكى جماعة دعوى الاجماع على نجاسة مطلق الكافر.

و فيه انه قد ثبت في محله عدم اعتبار الاجماع المنقول بل لا اعتبار بالمحصل منه الا أن يكون كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السّلام) فهذا الوجه لا اعتبار به.

و ربما يقال بانه اذا ثبت كون المشرك نجسا يثبت نجاسة الملحد بالأولوية و فيه اولا ان نجاسة المشرك أول الكلام و لا بد من البحث فيها و ثانيا ان الاولوية ممنوعة إذ يمكن ان يقال انّ هتك المشرك بالنسبة الى ذاته تعالى اشد من هتك المنكر فان مقامه اجل و ارفع من ان يكون له شريك.

ان قلت يستفاد من بعض النصوص ان الكفر اشد من الشرك منها ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) في حديث قال: الكفر اعظم من الشرك فمن اختار على اللّه عزّ و جلّ و أبى الطاعة و اقام على الكبائر فهو كافر و من نصب دينا

____________

(1) الوسائل الباب 10 من أبواب حدّ المرتد الحديث 46.

(2) لاحظ ص 95.

100

غير دين المؤمنين فهو مشرك‏ (1) و منها ما رواه زرارة أيضا عن أبي جعفر (عليه السّلام) انه قال في حديث الكفر أقدم من الشرك ثم ذكر كفر ابليس ثم قال فمن اجترى على اللّه فابى الطاعة و اقام على الكبائر فهو كافر يعني مستخف كافر (2).

قلت: لا يبعد ان المستفاد من هذه النصوص ان من اعتقد باللّه و لكن قام في مقام التجري و الطغيان و عصيان المولى يكون اخبث عن الذي يجعل له شريكا و بعبارة اخرى انه قائل بذاته تعالى و لكن يهتك المولى و لا يعتني بشأنه تعالى هذا من ناحية و من ناحية اخرى اذا فرض انه وصلت النوبة الى الشك يكون مقتضى القاعدة الحكم بالطهارة لقاعدتها و استصحاب عدم نجاسته في وعاء الشرع فان كل حكم وضعي محكوم بالعدم إذ في كل مورد مسبوق بالعدم فاذا شك في انقلاب الحالة السابقة و صيرورته موضوعا للحكم الفلاني يكون مقتضى الاستصحاب عدمه.

النوع الثاني: من الكافر المشرك‏

قال سيدنا الاستاد (قدّس سرّه) في المقام لا اشكال و لا شك في نجاسة المشركين بل نجاستهم من الضروريات عند الشيعة و لا نعهد فيها مخالفا من الاصحاب نعم ذهب العامة الى طهارتهم و لم يلتزم منهم بنجاستهم الا القليل و استدل بقوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا (3) بتقريب ان النجس بالفتح كالنجس بالكسر فيستفاد من الاية الشريفة ان المشركين عين النجاسة قال المفسر الكبير في مجمع البيان في ذيل الآية: معناه ان الكافرين انجاس‏ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ‏ الخ ...

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أبواب مقدمات العبادات الحديث 3.

(2) نفس المصدر الحديث 4.

(3) التوبة: 28.

101

و قال الطريحي في مادة نجس و في الاية دلالة على ان المشركين انجاس نجاسة عينية لا حكمية و هو مذهب اصحابنا و به قال ابن عباس: قال ابن عباس اعيانهم نجسة كالكلاب و الخنازير و روايات اهل البيت على نجاستهم مشهورة و خالف في ذلك باقي الفقهاء و قالوا معنى كونهم نجسا أنهم لا يغتسلون من الجنابة و لا يجتنبون النجاسات الى آخر كلامه (قدّس سرّه) و في المقام وجوه من الاشكال الوارد على الاستدلال بها على المدعى:

[الإشكالات الواردة على الاستدلال بالآية و دفعها]

الوجه الأول: ان المصدر لا يحمل على الذات فلا بد من تقدير (ذو) فيكفي كونهم انجاس بالعرض أي ان المشرك ذو نجاسة و يرد عليه انه لا مانع من حمل المصدر على مصداقه كما لو اشير الى الضرب و يقال هذا ضرب و قس عليه بقية الموارد.

و بعبارة واضحة المدعى في المقام ان المشرك عين النجاسة فلا مانع عن الحمل و لا نحتاج الى القول بانه مبالغة كقوله زيد عدل و لا الى القول بتقدير لفظ (ذو) و لتوضيح المدعى نقول الذي لا يمكن الالتزام به ان يحمل المعنى الحدثي على الذات إذ لا يعقل اتحاد الضدين و اما اذا فرضنا ان المصدر أي ما يسمى بالمصدر لا يكون معنى حدثيا كما انه كذلك في المقام فلا مانع عن الحمل و ان شئت فقل ما يسمى بالمصدر يحمل على مصداقه بلا فرق بين أن يكون مصداقه من الجوامد أو من المشتقات و لذا لا اشكال في صحة كلام الاصحاب حيث يقولون النجاسات عشرة فان النجاسات حملت على الذوات الخارجية و انما نعبر في كلامنا بما يسمى بالمصدر من باب ان المصدر يعتبر وجوده في جميع افراد المشتقات و ما يسمى بالمصدر لا يكون كذلك و لا يعقل ان يكون مصدرا مثلا المصدر في مادة ضرب عبارة عن الضاد و الراء و الباء على نحو الابهام الا من ناحية ترتيب الحروف و صفوة القول ان المصدر بما هو كذلك يعتبر وجوده في جميع المشتقات.

102

الوجه الثاني: ان الآية على فرض دلالتها على المدعى لا تدل على نجاسة مطلق الكافر بل تختص بالكافر المشرك و الجواب عن الوجه المذكور ان الكلام في نجاسة المشرك.

الوجه الثالث: أنه لا دليل على ارادة النجاسة المعهودة من الآية فان النجاسة في اللغة بمعنى القذارة و بعبارة واضحة الأحكام الشرعية صدرت عن مصادرها بالتدريج و لا شاهد على كون المراد من النجاسة في الآية النجاسة الشرعية و ان أبيت عن الجزم بما ذكر فلا أقل من الاحتمال و اذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

و يرد عليه أنه لا دليل على كون الاية نازلة في أول البعثة و قيل أنها نزلت في السنة التاسعة من الهجرة فالآية نازلة بعد سنين متعددة و يضاف الى ما ذكر ان الدليل دال على انّ الماء جعل طهورا و رافعا للنجاسة في أوائل البعثة لاحظ ما روى عن موسى بن جعفر (عليهما السّلام): الاحتجاج عن موسى بن جعفر (عليه السّلام) عن أبيه عن آبائه عن الحسين بن علي عن أبيه عن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) في حديث طويل مع يهودي يخبره عن فضائل الانبياء و يأتيه امير المؤمنين (عليه السّلام) بما لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بما هو افضل مما اوتي الانبياء .. الى أن قال و كانت الامم السالفة اذا أصابهم اذى من نجاسة قرضوه من اجسادهم و قد جعلت الماء لأمتك طهورا فهذه من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمّتك الحديث‏ (1) فان المستفاد من هذه الرواية ان اللّه سبحانه منّ على رسوله الأكرم بان رفع عن امته وجوب القراض و جعل الماء طهورا و رافعا للنجاسة و لاحظ ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الماء يطهر و لا يطهر (2) و لاحظ ما رواه مسعدة بن اليسع عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال علي (عليه السّلام): الماء يطهر

____________

(1) تفسير برهان: ج 1 ص 264.

(2) الوسائل الباب 1 من أبواب الماء المطلق الحديث 6.