الأنوار البهية في القواعد الفقهية

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
211 /
103

و لا يطهر (1) و لاحظ ما روي أن أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان يقول عند النظر الى الماء: الحمد للّه الذي جعل الماء طهورا و لم يجعله نجسا (2) و لاحظ ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: لا صلاة الا بطهور و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة احجار بذلك جرت السنة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أما البول فانه لا بد من غسله‏ (3).

فانه يستفاد من هذه النصوص ان النجاسة و الطهارة كانتا مجعولتين في زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو قريب من زمانه اضف الى ذلك كله ان مقتضى الاستصحاب القهقري الذي يكون من الاصول اللفظية كون النجاسة بالمعنى الشرعي منها في لسان الشارع كانت في زمان رسول الإسلام متحدة مع ما كانت في لسان الائمة و مخازن الوحي، إن قلت هب ان مقتضى الاستصحاب بالتقريب المذكور كون المراد المعنى الشرعي لكن مقتضى الاستصحاب أيضا بقاء اللفظ على معناه اللغوي في زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

قلت هذا الاستصحاب من الاصول العملية و الاستصحاب القهقري الجاري في الالفاظ من الامارات و الأصل العملي لا يقاوم الاصل اللفظي و ان شئت قلت الأصل الفقاهي لا يعارض الدليل الاجتهادي و بتعبير آخر الاصل العملي لا يقاوم الامارة.

إن قلت الحق ان الاستصحاب امارة فلا وجه للترجيح قلت ان الاستصحاب و إن كان امارة على المسلك الحق لكن امارة حيث لا امارة و على الجملة ان الاستصحاب لا يقاوم الدليل اللفظي بلا كلام و لا ريب.

____________

(1) نفس المصدر الحديث 7.

(2) نفس المصدر الحديث 8.

(3) الوسائل الباب 9 من أبواب احكام الخلوة الحديث 1.

104

ان قلت مع ذلك لا يمكن حمل النجاسة على النجاسة الشرعية بل يلزم حملها على النجاسة المعنوية و الخباثة الذاتية إذ لا اشكال في جواز ادخال النجاسات العينية كالدم و العذرة و البول و غيرها في المسجد ما دام لا يوجب تلوث المسجد فيكون المراد من النجاسة في الاية الخباثة فان المشرك حيث انه خبيث و رجس و قائل بالشريك له تعالى لا يناسب دخوله في مهبط الوحي و مخزن التوحيد و الوحدانية.

قلت: التقريب المذكور غير تام فان المذكور في الآية ان المشركين‏ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ‏ و المستفاد منها ان المشرك موظف أن لا يدخل المسجد الحرام و هذه الاية تدل على ان الكفار مكلفون بالفروع كما أنهم مكلفون بالاصول و لا تنافي بين هذه الاية و جواز ادخال النجاسة العينية في المسجد الحرام.

و بعبارة واضحة: لا دلالة في الاية على النهي عن ادخال الموحد المشرك الى المسجد كي ينقض بل المستفاد من الآية ان المشرك بنفسه منهي عن دخول المسجد الحرام فالنتيجة ان المستفاد من الاية الشريفة نجاسة المشرك و هذه هي الدعوى في المقام فلاحظ.

النوع الثالث: الغلاة

فنقول ان كان المراد من الغالي من يعتقد ان أمير المؤمنين (عليه السّلام) هو الرب و هو اللّه فلا اشكال في كونه كافرا لأنه لا يعتقد باللّه و هل يمكن الجزم بنجاسته و كونه من الاعيان النجسة فلو قلنا بتمامية الدليل على نجاسة الكافر يتم الامر أو قلنا بانه يستفاد من نجاسة المشرك نجاسة الغالي بالأولوية يتم الامر أيضا لكن في كلا التقريبين اشكال و اما حديث محمد بن عيسى قال: قرأنا في كتاب الدهقان و خط الرجل في القزويني الى ان قال: و توقوا مشاورته و لا يجعلوا له‏

105

السبيل الحديث‏ (1) فمضافا الى الاشكال في السند يحتمل أن يكون النهي عن المشاورة لا عن المساورة كي يقال بان النهي عن مساورته دليل على نجاسته و ان كان في الجزم بالتقريب أيضا اشكال و لا يمكن الجزم به.

و إن كان المراد من الغالي من يعتقد ان اللّه تعالى فوض الامور الى أمير المؤمنين (عليه السّلام) و هو بنفسه انعزل عن التصرف في العالم يكون من مصاديق المفوضة و يقع الكلام فيهم ان شاء اللّه تعالى.

و ان كان المراد من الغالي كون علي (عليه السّلام) و أولاده المعصومين أقرب الموجودين الى ساحة القدس الربوبي و انهم أبواب اللّه فهذا ليس موجبا لفساد العقيدة و الشيعي الاثني عشري قائل بهذه العقيدة و نسأل اللّه أن يثبّتنا على الاعتقاد المذكور في الدنيا و الآخرة و حشرنا مع الأنوار الطاهرة و مظاهر الصفات الربوبية و قد ورد في دعاء ايام شهر رجب انه: لا فرق بينك و بينها الّا أنهم عبادك و خلقك الى آخر الدعاء.

النوع الرابع: الخارجي‏

و عن جامع المقاصد أنه لا كلام في نجاسته و عن جملة من الاجلة دعوى الاجماع عليه.

أقول: ان كان المراد من الخارجي الطائفة الملعونة التي خرجت على أمير المؤمنين (عليه السّلام) و اعتقدت كفره و مثلهم الطائفة التي خرجت على أبي الشهداء شهيد كربلاء فلا اشكال في كونهم مصاديق الناصب و يقع البحث فيه ان شاء اللّه تعالى و يدل على كونه مشركا ما نقل عن الباقر (عليه السّلام) بالنسبة الى احد الخوارج «مشرك و اللّه مشرك» (2) و اما ان كان المراد من الخارجي من يعارض امام زمانه لأجل الدنيا و زخرفها فلا يكون مثله ناصبيا و ان كان مرتكبا لأشد المعاصي‏

____________

(1) تنقيح المقال للمامقاني باب الفاء في ترجمة فارس بن حاتم.

(2) مصباح الفقيه: ج 7 ص 285 و 286.

106

و حيث انجر الكلام الى هنا نقول لا اشكال في انّ الثلاثة الاوّلين من النواصب لعنة اللّه عليهم و على اتباعهم و كيف لا يكون الامر كذلك و الحال انهم هجموا على بيت الزهراء (عليها السّلام) و احرقوا الباب و ضربوا بنت الرسول و اسقطوا ما في بطنها و جرّوا ولي اللّه و هتكوا و ارادوا قتله و نشكو الامر الى اللّه و هو الحاكم في يوم الحساب بل إنهم اعداء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هل يمكن أن يكون شخص يحب الرسول و يضرب بضعته و كيف يمكن أن يحبه و يتجاسر عليه بقوله ان الرجل ليهجر و البحث في هذا المجال طويل.

النوع الخامس: المنكر لرسالة نبي الإسلام‏

فانه لا شبهة في ان المنكر للرسالة كافر بمقتضى النصوص و الاجماع و الضرورة بل كون الشخص مسلما مع كونه منكرا للرسالة أو شاكا فيها مرجعه الى الخلف المحال و يلحق به منكر الضروري اذا رجع الى انكار الرسالة و يظهر من جملة من النصوص ان انكار حكم من أحكام الشريعة يوجب الكفر منها ما رواه داود بن كثير الرقي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) سنن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كفرائض اللّه عزّ و جلّ فقال ان اللّه عزّ و جلّ فرض فرائض موجبات على العباد فمن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها و جحدها كان كافرا و أمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بأمور كلّها حسنة فليس من ترك بعض ما أمر اللّه عزّ و جلّ به عباده من الطاعة بكافر و لكنه تارك للفضل منقوص من الخير (1) و منها ما رواه محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول كل شي‏ء يجرّه الاقرار و التسليم فهو الايمان و كل شي‏ء يجرّه الانكار و الجحود فهو الكفر (2) و منها ما رواه أبو الصباح الكناني عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: قيل لأمير المؤمنين (عليه السّلام) من شهد أن لا إله الّا اللّه و انّ محمدا رسول‏

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أبواب مقدمات العبادات الحديث 2.

(2) نفس المصدر الحديث 1.

107

اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان مؤمنا قال فأين فرائض اللّه الى أن قال ثم قال فما بال من جحد الفرائض كان كافرا (1) و منها ما رواه عبد الرحيم القصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث انه كتب اليه مع عبد الملك بن أعين سألت رحمك اللّه عن الايمان و الايمان هو الاقرار الى أن قال و الإسلام قبل الايمان و هو يشارك الايمان فاذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو بصغيرة من صغائر المعاصي التي نهى اللّه عنها كان خارجا من الايمان ساقطا عنه اسم الايمان و ثابتا عليه اسم الإسلام فان تاب و استغفر عاد الى الايمان و لا يخرجه الى الكفر الّا الجحود و الاستحلال ان يقول للحلال هذا حرام و للحرام هذا حلال و دان بذلك فعندها يكون خارجا من الإسلام و الايمان و داخلا في الكفر الحديث‏ (2) و مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين الضروري و غير الضروري نعم لا يبعد ان يستفاد منها الجحود و الانكار فلا يشمل ما اذا كان عن عذر و لكن مقتضى اطلاق هذه النصوص عدم الفرق بين كونه تكذيبا للنبي أم لا و اما نجاسة هذا القسم فمبني على القول بنجاسة مطلق الكافر.

و أما منكر المعاد فقد استدل سيدنا الاستاد بجملة من الآيات منها قوله تعالى:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا (3) و منها قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ‏ (4) و الانصاف‏

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أبواب مقدمات العبادات الحديث 13.

(2) الوسائل الباب 10 من أبواب حد المرتد الحديث 50.

(3) النساء: 59.

(4) التوبة: 29.

108

ان هذه الآيات لا تدل على كفر منكر المعاد نعم لا اشكال في وجوب الاعتقاد بالمعاد و يستحق المنكر العقاب كما تدل عليه الآية الشريفة في سورة المدّثر وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ‏ بل يمكن أن يقال ان العقل حاكم بالمعاد و يوم الجزاء و الّا بأيّ نحو يمكن الزام البشر بالطاعة و ترك العصيان و لكن مع ذلك كله لم نجد دليلا على كون منكر المعاد كافرا لكن كيف لا يجزم العارف بالشريعة بكون المعاد من أصول الدين فانه لو ادعى أحد أنه مورد التسالم و مورد السيرة و الارتكاز لا يكون مجازفا في قوله و لا اشكال في ان انكار المعاد إنكار لرسالة الرسول فلاحظ.

النوع السادس: الناصبي‏

و قد نفى الخلاف عن نجاسته في بعض الكلمات بل قيل انه ادعى عليه الاجماع في كلام جمع من الاصحاب و تدل على نجاسته جملة من النصوص منها ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال و ايّاك ان تغتسل من غسالة الحمام ففيها تجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت و هو شرهم فإن اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب و ان الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه‏ (1) و منها ما رواه خالد القلانسي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) ألقى الذمّي فيصافحني قال امسحها بالتراب و بالحائط قلت فالناصب قال اغسلها (2) و في المقام وجوه من الاشكال:

الوجه الأول: أن المذكور في الحديث ان الناصب أنجس من الكلب و لا تتصور الاشدية في النجاسة الخبثية فيكون المراد من الحديث الأمر المعنوي.

و فيه انه لا مانع من الاشدية فيها و لذا نرى الفرق في التطهير بين النجاسات مثلا يشترط في التطهير من البول التعدد اذا كان بالماء القليل و في الكلب التعفير و في‏

____________

(1) الوسائل الباب 11 من أبواب الماء المضاف الحديث 5.

(2) الوسائل الباب 14 من أبواب النجاسات الحديث 4.

109

الخنزير سبع مرات بالماء.

الوجه الثاني: أنه قد جعل الناصب في عداد ولد الزنا لاحظ ما أرسله علي بن الحكم عن رجل عن أبي الحسن (عليه السّلام) في حديث انه قال لا تغتسل من غسالة ماء الحمّام فانّه يغتسل فيه من الزنا و يغتسل فيه ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم‏ (1) و الحال أن ولد الزنا لا يكون نجسا كما ان الاغتسال من الزنا لا يوجب النجاسة.

و فيه انّه يكفي للاستدلال حديث ابن أبي يعفور و نفرض عدم امكان الأخذ بما ذكر مضافا الى ضعف السند اضف الى ذلك ان المستفاد من هذه الطائفة الخباثة المعنوية و لا نضايق ان نلتزم بكلا الأمرين بالنسبة الى الناصب لعنه اللّه.

الوجه الثالث: ان النصب صار شايعا في دولة بني امية حتى ان معاوية جعل لعن ولي اللّه أمير المؤمنين (عليه السّلام) من الأذكار المستحبة و لم يظهر من الائمة ما يدل على نجاسة الناصب بل كان المتعارف معاملة الطهارة معه و حمل المعاشرة في هذه المدة الطويلة على التقية بعيد.

و فيه أنه لا نرى بعدا فيه و الميزان ما يصل إلينا من الأحكام و قد وصل إلينا الدليل على نجاسة الناصبي و لا يمكن رفع اليد عن الدليل المعتبر بهذه الوجوه المذكورة و امثالها و لا مانع من الالتزام بكون الناصبي من الأعيان النجسة و مع ذلك يمكن أن يقال أن حكم الشارع بعدم الاجتناب عنه بلحاظ ملاك في نظره و صفوة القول ان الوظيفة الشرعية و العقلية التسليم في قبال ما وصل إلينا من الأحكام و لا مجال للقيل و القال فيها.

النوع السابع: المجسمة

قال سيدنا الاستاد (قدّس سرّه) ما ملخص كلامه في هذا المقام‏

____________

(1) الوسائل الباب 11 من أبواب الماء المضاف الحديث 3.

110

على ما في تقريره الشريف هم على قسمين فقسم منهم يعتقد ان اللّه كبقية الاجسام له يد و رجل و رأس فالقائل بلوازم قوله ان التزم بها فلا اشكال في أنه كافر و قسم منهم يعتقد أنّ اللّه جسم لا كبقية الاجسام و يلتزم بالاوصاف التي تناسب ذلك الصقع و هذا الاعتقاد و ان كان خلاف الواقع لكن لا يوجب الكفر الّا أن يرجع الى تكذيب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أكثر المسلمين لقصور باعهم يعتقدون ان اللّه جسم جالس على عرشه و لذا يتوجهون اليه توجه الجسم الى جسم مثله لا بنحو التوجه القلبي و قد ورد في الخبر أنه «شي‏ء بخلاف الأشياء» (1).

أقول: ما كنّا نترقب من سيدنا الاستاد (قدّس سرّه) مع كونه مشارا اليه بالبنان في الميادين العلمية ان يصدر عنه هذا القول لاحظ ما رواه سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) عن الإسلام و الايمان أ هما مختلفان فقال انّ الايمان يشارك الإسلام و الإسلام لا يشارك الايمان فقلت فصفهما لي فقال الإسلام شهادة أن لا إله الّا اللّه و التصديق برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث و على ظاهره جماعة الناس و الايمان الهدى و ما يثبت في القلوب من صفة الإسلام و ما ظهر من العمل به و الايمان أرفع من الإسلام بدرجة ان الايمان يشارك الإسلام في الظاهر و الإسلام لا يشارك الايمان في الباطن و ان اجتمعا في القول و الصفة (2) فان المستفاد من هذه الرواية ان قوام الإسلام بشهادة أنه لا آله الّا اللّه هذا من ناحية و من ناحية اخرى ثبت عندهم انّ لفظ اللّه علم لذات واجب الوجود و هو الذات المستجمع لجميع الصفات الكمالية فاذا لم يكن كذلك يكون الشخص خارجا عن دائرة الإسلام و بعبارة اخرى نسأل الاستاد بانّ الجسمية بايّ معنى كان أعم من أن يكون المراد بها الجسم الطبيعي أو

____________

(1) الكافي: ج 1 ص 81 ذيل حديث 5.

(2) الكافي: ج 2 ص 25 باب ان الايمان يشارك الإسلام الحديث 1.

111

التعليمي نقص أم لا لا سبيل الى الثاني و على الأول يكون المتصف به ناقصا.

و أمّا أكثر المسلمين معتقدون بهذه العقيدة فلا نسلم و ننكر هذه الجهة أشد الانكار و انّما يتوجهون عند التوسل الى الفوق لا من جهة أنه تعالى جالس على عرشه بل التوجه الى الفوق عند الدعاء و التوسل أمر رائج و دائر بين جميع الموحدين و هو المتعارف عند الشيعة عند التوسل و الدعاء و قد امر من ناحية الشرع برفع الرأس أو اليد عند الدعاء و التوسل في بعض الموارد و هذا ظاهر واضح نعم ذلك الصوفي الضال المضل يقول في اشعاره:

ديد موسى يك شبانى را براه‏* * * كاو همى گفت اى خدا و اى اله‏

تو كجائى تا شوم من شاكرت‏* * * چارقت دوزم كنم شانه سرت‏

الى آخر اشعاره الكفرية و لا غرو في صدور هذه الترهات و الاباطيل عن مثله فان من يكون قائلا بوحدة الموجود و أمثال هذه العقيدة الكفرية يناسب أن يصدر عنه ما يكون مناسبا و مناسخا مع الابالسة الملاعين اعاذنا اللّه عن الاعتقاد بعقائدهم.

و أما حديث الكافي فالمستفاد منه أنّه تعالى شي‏ء لا كالأشياء و المراد بالشي‏ء الوجود و لا اشكال في انّ اللّه تعالى موجود و الّا يلزم ان يكون معدوما نستجير به تعالى نعم بعد اثبات كونه موجودا يقع الكلام في الفارق بينه و بين خلقه. أقول:

«الى موضع الاسرار قلت لها قفي».

و أما كلام ملّا صدرى في شرح اصول الكافي فهو أنه لا مانع عن الالتزام بكونه جسما الهيا فان الجسم على أقسام قسم منه الجسم الخارجي المادي و منها جسم مثالي و هو الصورة الحاصلة للإنسان من الأجسام الخارجية فانها جسم بلا مادة و منها جسم عقلي و هو الكلي المتحقق في الذهن و هو أيضا لا مادة له و منها غير ذلك و الجامع لهذه الأقسام الأربعة هو الجسم الذي له ابعاد ثلاثة من العمق‏

112

و الطول و العرض، أقول: يا أهل المروة و الانصاف هل يمكن أن يصدق العارف الموحد هذه المقالة و هل يكون واحد منهم يعتقد بانه تعالى ذو عرض و طول و عمق و لا أدري بايّة مناسبة لقب هذا الشخص بصدر المتالهين و ان كان ذوق التأله يقتضي الالتزام بهذه المقالة فلا نريد هذا الذوق و كيف يمكن أن توجد هذه الابعاد بلا مادة و بعبارة واضحة قد حقق عندهم أن العرض موجود في نفسه لغيره في قبال الوجود لا في نفسه و كيف لا يكون مثله مركبا و كيف لا يكون محتاجا و يضاف الى ذلك أن هذه الأبعاد كل واحد منها ماهيّة فتكون مشتركة مع بقية الأبعاد و يلزم التميز أي يكون الجامع بين الكل هو الجنس و المائز هو الفصل و لا يكون ما به الامتياز عين ما به الافتراق إذ لا تشكيك في الماهية و يؤيد المدعى بعض النصوص منها ما رواه ياسر الخادم قال سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السّلام) يقول من شبّه اللّه بخلقه فهو مشرك و من نسب اليه ما نهى عنه فهو كافر (1) و منها ما رواه عبد السلام بن صالح الهروي عن الرضا (عليه السّلام) في حديث قال: من وصف اللّه بوجه كالوجوه فقد كفر (2) و منها ما رواه داود بن القاسم قال: سمعت علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) يقول من شبّه اللّه بخلقه فهو مشرك و من وصفه بالمكان فهو كافر و من نسب اليه ما نهى عنه فهو كاذب الحديث‏ (3) و منها ما رواه محمد بن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: من شبّه اللّه بخلقه فهو مشرك و من أنكر قدرته فهو كافر (4).

النوع الثامن: المجبرة

قال سيدنا الاستاد في هذا المقام تارة يراد بالمجبرة الذين‏

____________

(1) الوسائل الباب 10 من أبواب حد المرتد الحديث 1.

(2) الوسائل الباب 10 من أبواب حد المرتد الحديث 3.

(3) نفس المصدر الحديث 16.

(4) نفس المصدر الحديث 17.

113

قائلون بالجبر و يلتزمون بلوازمه و هذا يوجب الكفر و النجاسة إذا الالتزام بالجبر يستلزم انهدام الشرائع فان الجبر لا يتصور فيه الاختيار كي يصحّ التكليف و مع عدم صحة التكليف لا مجال لإرسال الرسل و انزال الكتب و أما ان كان المراد بالجبر ان افعال العباد خارجة عن تحت اختيارهم و لكن يرون صحة التكليف فلا يكون هذا موجبا للكفر و بعبارة اخرى مجرد الاعتقاد بالجبر لا يوجب الكفر و لا يوجب النجاسة.

أقول: المستفاد من حديث سماعة و غيره ان قوام الإسلام بالاعتقاد بوجود اللّه الذي يكون جامعا لجميع الصفات الكمالية و مع انتفائه لا يتحقق الإسلام و كيف يكون الشخص المعتقد بان اللّه يكلف عباده بما لا يكون مقدورا لهم و يعذبهم بالعصيان.

و ببيان واضح الذي يعتقد أن موجد العالم غير حكيم لا يكون معتقد باللّه فإن مجرد الاعتقاد بوجود موجود مؤثر كائنا من كان لا أثر له و يؤيد المدعى بعض النصوص منها ما رواه يزيد بن عمر الشامي عن الرضا (عليه السّلام) في حديث قال: من زعم انّ اللّه يفعل افعالنا ثمّ يعذّبنا عليها فقد قال بالجبر و من زعم ان اللّه فوّض أمر الخلق و الرزق الى حججه فقد قال بالتفويض و القائل بالجبر كافر و القائل بالتفويض مشرك‏ (1) و منها ما رواه الحسين بن خالد عن الرضا (عليه السّلام) في حديث قال من قال بالتشبيه و الجبر فهو كافر مشرك و نحن منه براء في الدنيا و الآخرة (2) و منها ما رواه حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال الناس في القدر على ثلاثة أوجه رجل زعم ان اللّه أجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم اللّه في حكمه فهو كافر و رجل يزعم ان الأمر مفوّض اليهم فهذا قد وهن‏

____________

(1) الوسائل الباب 10 من أبواب حد المرتد الحديث 4.

(2) نفس المصدر الحديث 5.

114

اللّه في سلطانه فهو كافر الحديث‏ (1) و نقل عن بعض أنه قال حمار الاشعري أفهم منه اذ حماره لما يصل الى الماء يدري بان دخول الماء اختياري له و لا يدخل و الاشعري لا يفهم بان فعله اختياري له اعاذنا اللّه من الزلل و صفوة القول انه ان كان الاعتقاد بانه للعالم خالق على نحو الاطلاق يكفي لكون الشخص موحدا، يكون الراعي الذي رآه موسى بن عمران في مقام التصور موحدا و هل يرضى سيدنا الاستاد به و هل يمكن ان يصدر من نبي اللّه موسى (عليه السّلام) ما نسب اليه بقوله:

هيچ آدابى و ترتيبى مجو* * * هرچه مى‏خواهد دل تنگت بگو

النوع التاسع: المفوضة

قال الطريحي (قدّس سرّه) في مادة فوض: المفوضة قوم قالوا ان اللّه خلق محمدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و فوض اليه خلق الدنيا فهو الخلاق لما فيها و قيل فوض ذلك الى علي (عليه السّلام) و قال سيدنا الاستاد (قدّس سرّه) ان المفوّضة اذا التزموا بلازم كلامهم يكون كفرا و شركا و يوجب اعتقادهم نجاستهم اما اذا لم يلتزموا بلازم كلامهم فلا يوجب كفرهم.

أقول: ان فرض انّ اعتقادهم يستلزم الاعتقاد بكون الباري تعالى ذا شريك كيف لا يكون اعتقادهم مضرا مثلا لو فرض ان شخصا يعتقد بانّ اللّه جسم من الأجسام و لا يتوجه باعتقاده و يكون غافلا هل يكون مثله مسلما مع ان قوام الإسلام بكون الشخص معتقدا بوجود ذات مستجمع لجميع الصفات الكمالية و هو اللّه جلّ جلاله.

اذا عرفت ما تقدم اعلم انه ان كان المراد من التفويض انعزال الخالق عن الخلق و استقلال المخلوق بعد خلقته عن الخالق يكون الاعتقاد المذكور كفرا و الحادا اعاذنا اللّه من الزلل و الزلات.

____________

(1) نفس المصدر الحديث 10.

115

توضيح المدعى انّ المفوضة حيث رأوا ان كلام الاشاعرة و المجبرة الذين يقولون بعدم كون افعال العباد اختيارية و يستلزم اعتقادهم نسبة الظلم الى ساحة القدس الربوبي سلكوا مسلكا آخر كي لا يقعوا في محذور الجبر و التزموا باختيارية افعال المكلّفين و قالوا الحادث بعد حدوثه لا يحتاج الى المؤثر فلا يرتبط الفعل الصادر من العبد بساحة القدس الربوبي و زعموا أنّهم سلكوا طريق الحق بخلاف الاشاعرة.

و يردّ عليهم انّ ما ذهبوا إليه أكثر اشكالا و أسوأ من مذهب الاشاعرة.

إذ يرد على هذا المسلك اولا انّ الوجود الامكاني لا يعقل ان يصير واجبا و لا يمكن تعلق القدرة به و بعبارة اخرى الممكن كما انه يكون في الحدوث محتاجا الى مؤثر يكون كذلك بقاء.

و ثانيا: انّ ما ذهب إليه مستلزم للشرك فانّ زيدا بعد وجوده يكون شريكا مع الباري تعالى و هذا الشرك أشد فسادا من الشرك الذي التزم به الثنوية القائلون بتعدد الإله و كونه اثنين أحدهما يزدان و هو خالق الخيرات ثانيهما أهرمن و هو خالق الشرور و لكن المفوضة قائلون بالتعدد الى ما لا نهاية له.

و ثالثا: انّ حكم الامثال واحد و من هذه الجهة لا يكون فرق بين الاناسي و الحيوانات.

و رابعا: أنّه كيف لا يكون الممكن بعد حدوثه غير محتاج الى المؤثر و الحال أنّه نرى فناء الاشياء و ممات الاحياء و من الواضح انّ الواجب لا يمكن انعدامه.

و خامسا: انّه يلزم ابطال الشرائع و الأديان إذ على هذا المسلك لا يتصور المعاد كي يحاسب العبد فانّ الواجب لا يفنى و يدل بعض النصوص على كونهم مشركين قال القمي (رحمه اللّه) في تفسيره في رواية ابي الجارود قوله: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ* فَرِيقاً هَدى‏ وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ قال خلقهم حين خلقهم مؤمنا كافرا و شقيّا

116

و سعيدا و كذلك يعودون يوم القيامة مهتد و ضال يقول‏ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ‏ و هم القدرية الذين يقولون لا قدر و يزعمون انهم قادرون على الهدى و الضلالة و ذلك اليهم ان شاءوا اهتدوا ان شاءوا ضلّوا و هم مجوس هذه الامة الحديث‏ (1).

و بالمناسبة نذكر ما افاده المعتزلي شارح نهج البلاغة ابن أبي الحديد قال في أول كتابه الحمد للّه الذي قدم المفضول على الفاضل فانه يسئل التقديم الذي اشار إليه تقديم تكويني أو تقديم تشريعي أما على الأول فهو يناقض مسلك التفويض و انّ ما يرجع الى العباد لا يرتبط بساحة قدسه و أما على الثاني فيسئل أيضا أنه ايّ دليل دل على تقديم المفضول على الفاضل يا ليته لم تلده والدته كي لا يصدر عنه هذا الأمر الباطل فانّ البراهين الواضحة قائمة على انّ الحق يدور مدار علي بن ابي طالب أرواحنا فداه و لا مجال لقياس الأولين عليه.

فالنتيجة انّ القائل بهذا المذهب كافر مشرك و طبعا يكون نجسا.

و إن كان المراد من التفويض ما أفاده الطريحي أي الباري تعالى فوض أمر الخلق الى محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو علي (عليه السّلام) يكون أيضا فاسدا فان القول المذكور مخالف مع القرآن و النصوص فان المستفاد من الكتاب و السنة ان الامور كلها بيده و بقدرة الباري تعالى و هذا القول يستلزم الشرك فان مرجعه الى ان ذاته تعالى منعزل و يكون الامر بيده عبيده و يكون هذا شركا و لا حول و لا قوة الّا باللّه.

ازمة الامور طرا بيده‏* * * و الكل مستمدة من مدده‏

فتحصل مما تقدم أنه لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين و هذا مسلك في قبال المسلكين الباطلين و تدل عليه جملة من النصوص الواردة عن مخزن‏

____________

(1) بحار الأنوار: ج 5 ص 9 الحديث 13.

117

الوحي‏ (1) و من تلك النصوص ما ارسله محمد بن يحيى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لا جبر و لا تفويض و لكن أمر بين أمرين قال: قلت و ما أمر بين أمرين قال مثل ذلك رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته فتركته ففعل تلك المعصية فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية (2).

و يمكن تصور الحال في ضمن امثلة: الأول أنه لو فرضنا ان شخصا يربط آلة قتالة بيد المرتعش بلا ارادة ذلك المرتعش و بعد ذلك صادفت الآلة شخصا ثالثا و قتل لا ينسب القتل الى المرتعش بل ينسب الى ذلك الرابط و القائل بالجبر يعتقد ان الفعل منسوب الى الباري و المكلف يصدر عنه الفعل بلا اختيار.

الثاني: ان يعطي شخص آلة قتالة لغيره مع العلم بانه يقتل بالآلة شخصا ثالثا و لا يمكنه بعد الاعطاء ان يأخذ الآلة منه و قتل الآخذ شخصا يكون القتل مستندا الى الأخذ و لا يرتبط بالمعطي و القول بالتفويض يستلزم الالتزام به.

الثالث: ان يعطي شخص آلة قتالة للثالث مع العلم بانه يقتل ثالثا و لكن اختيار الآخذ بيد المعطي أي ما دام يمده يختار و اذا قطع امداده عنه يعجز فاذا قتل الآخذ شخصا ثالثا يصدق ان الآخذ قاتل لكن أيضا يصدق ان المعطي كان معينا له في القتل و الامامية ذهبوا الى هذا المذهب و هذا اعتقادهم و يمكن الاستدلال على المدعى ببعض الآيات الشريفة منها قوله تعالى: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (3) و منها قوله تعالى: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَ قُلْ عَسى‏ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي‏

____________

(1) الكافي: ج 1 ص 155 كتاب التوحيد باب الجبر و القدر.

(2) نفس المصدر الحديث 13.

(3) الانسان: 30.

118

لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (1) فان المستفاد من الآيتين الشريفتين انّ العبد إذا فعل فعلا يكون سبب فعله ارادته و ارادة اللّه و لتوضيح الأمر نمثل مثالا آخر و هو أنه لو كان شخص معلقا في مكان في طرفه اليمين جملة من المأكولات المفيدة للمزاج و في يساره جملة من المأكولات المضرة و كان حبل مشدودا ببدنه و لكن زمام اختياره بيد شخص آخر بحيث في كل يمكنه أن يجره و يمنعه عمّا يريده فنسأل أن الشخص المربوط بالحبل هل يكون مختارا في الأكل أو مجبورا لا اشكال في أنه إذا أكل من الطرف الأيمن أو الأيسر يكون مختارا و لكن مع الوصف يكون اختياره بيد ذلك الشخص الثاني فالحق انه لا جبر و يكون الفعل الصادر من العبد باختياره و ارادته و الوجدان أصدق شاهد عليه:

اين كه گوئى اين كنم يا آن كنم‏* * * اين دليل اختيار است اى صنم‏

و الحق أيضا ان الممكن كائنا ما كان في كل آن و لحظة يحتاج الى الواجب و لا يعقل غنائه عنه و الّا يلزم الخلف المحال و إن شئت فقل انّ اضافة الواجب الى الممكن اضافة اشراقية الى المضاف اليه عين الفقر لا شي‏ء له الفقر و مثاله في الممكن اضافة الانسان الى الصورة الحاصلة في النفس فان قوام تلك الصورة بتوجه المتصور بحيث اذا غفل في آن لا تبقى تلك الصورة:

اگر نازى كند برهم فرو ريزند قالبها.

و لتوضيح المراد و المرام ننبّه على نكتة مفيدة للمقام و لما يأتي عن قريب ان شاء اللّه تعالى و هو ان صدق عنوان المشتق على الذات متوقف على واجديّة ذلك الذات لمبدإ ذلك المشتق و الّا يكون الصدق مستحيلا فاذا كان الذات غير المبدأ لا بد أن يكون واجدا له و يمكن أن يكون خاليا عنه فعند خلوه لا يصدق عليه و أما اذا كان‏

____________

(1) الكهف: 23 و 24.

119

الذات نفس ذلك المبدأ لا يعقل انفكاكه عنه مثلا الجدار الأبيض يصدق عليه عنوان الابيض لكن هذا الصدق ببركة كون البياض فيه و اما نفس البياض فهو بنفسه أبيض و لنا أن نقول تركب الذات و المبدأ ربما يكون تركبا اتحاديا و قد يكون انضماميا.

النوع العاشر: القائلون بوحدة الوجود

و لا بد في حكمهم التفصيل بان يقال ان كان المراد بوحدة الوجود ان حقيقة الوجود واحدة و لها مراتب و هو مفهوم واضح و أما كنهه في غاية الخفاء و هو الأصل في العالم انّ الوجود عندنا أصل دليل من خالفنا عليل لا مانع من الالتزام به بان يقال قسم من الوجود واجب و قسم منه ممكن و الممكن على أقسام قسم منه رسول مكرم و قسم منه شيطان رجيم و هذا لا يوجب الكفر و هذا يسمى عندهم بالتوحيد العامي.

الفهلويون الوجود عندهم‏* * * حقيقة ذات تشكك تعمّ‏

و أما ان قيل ان الموجود واحد في الخارج و له اطوار فانه في السماء سماء و في الأرض أرض و في الخالق خالق و في المخلوق مخلوق و هكذا و هو المسمى عندهم بتوحيد خاص الخاص فيكون كفرا و الحادا و مكابرة مع الوجدان و البرهان امّا منافاته مع الوجدان فهو واضح عند من يكون له الوجدان و امّا منافاته مع البرهان فهو أنه كيف تجتمع الوحدة مع التعدد و كيف يتصور كون الواحد علة و معلولا و الالتزام بهذا المسلك يهدم جميع الأديان و الشرائع و قائله كافر بلا اشكال و الظاهر أنه لا شبهة في نجاسته إذ لازم هذا القول الهتك الأكثر من الشرك بالنسبة الى ذات الالوهية و غاية الجسارة الى ساحته المقدسة اعاذنا اللّه من القول الباطل و إن كان المراد من وحدة الوجود ان الوجود واحد و الموجود متكثر و بعبارة اخرى الموجود الحقيقي واحد و هو ذات الباري و بقية الموجودات موجودات انتسابي و اطلاق الموجود عليها كإطلاق اللابن على بايع اللبن و التامر على بايع التمر

120

و الوجه في الالتزام بالمسلك المذكور المسمى عندهم بالتوحيد الخاصي انهم يرون حقائق الأشياء في العالم ماهيات و من ناحية اخرى لا يعقل اصالة الماهية و الوجود كليهما فلزمهم أن يقولوا ان الموجود واحد و هو وجود الباري و بقية الموجودات ماهيات لها انتساب الى الوجود و الظاهر ان الالتزام بهذا القول لا يوجب الكفر لكن اصل المطلب خلاف التحقيق إذ قد ثبت في الفلسفة ان الأصيل هو الوجود و إن كان المراد بوحدة الوجود التوحيد أخص الخواص أي الوجود و الموجود في عين الكثرة واحدا فان كان مرجعه الى القول الأول فقد تقدم حكمه و إن كان المراد أمرا آخر فلا بد من تعقله أولا ثم ترتيب الحكم عليه‏ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ‏ و عليه التوكّل و التكلان.

النوع الحادي عشر: الكتابي‏

فانّ مقتضى الأصل فيه هي الطهارة بمقتضى قاعدتها في أنّ كل شي شك في طهارته و نجاسته يحكم بطهارته بلا فرق بين أن تكون الشبهة حكمية أو موضوعية و هل يمكن اثبات الطهارة في مورد الشبهة الحكمية بالاستصحاب إذ يشك في انّ الشارع هل حكم بنجاسة الشي‏ء الفلاني أم لا؟ يكون مقتضى الاستصحاب عدم اعتبار النجاسة.

الذي يختلج بالبال أن يقال يشكل اثباتها بالاستصحاب إذ كما ان مقتضى الاستصحاب عدم اعتبار النجاسة كذلك يكون مقتضى الاستصحاب عدم اثبات الطهارة و بعبارة اخرى اذا فرضنا أنّ الموضوع لا بد أن يكون محكوما بحكم واقعي في وعاء الشرع فيشك في كون ذلك الحكم هي النجاسة أو الطهارة فلا أثر لاستصحاب عدم جعل النجاسة إذ اثبات الطهارة بالأصل المذكور يرجع الى المثبت الذي لا نقول به مضافا الى كونه معارضا باستصحاب عدم جعل الطهارة فلا مناص عن التوسل بذيل عناية أصالة الطهارة الجارية في جميع الأشياء.

و بعبارة واضحة جريان الاستصحاب أو أصل الطهارة متقوّم بالشك في الحكم‏

121

الواقعي و ان شئت قلت انه لا يمكن خلو الواقعة عن الحكم المشترك بين الجاهل و العالم و الّا يلزم التصويب المجمع على بطلانه و الدور المحال بحكم العقل.

و مما ذكر يظهر الاشكال في جريان استصحاب عدم الحرمة و الوجوب في موارد الشك في أصل الحكم التكليفي فلو شك في حرمة شرب التتن لا مجال للتوسل باستصحاب عدم الحرمة إذ يعارضه استصحاب عدم الحلية و هذا أمر مهم و نكتة ينبغي التحفظ عليها و بهذا الاعتبار نقول لا مجال للقول بانّ البراءة الجارية في الشبهات الحكمية لا زالت محكومة بالاستصحاب إذ الحق على ما تقدم دائما يكون الاستصحاب الجاري في الحكم الاقتضائي معارضا باستصحاب عدم جعل الحكم الترخيصي و لعلّ ما افدته لم يسبقني اليه سابق و له الشكر على ما أنعم و الحمد للّه على ما ألهم.

إذا عرفت ما تقدم نقول لا بد من ملاحظة الادلة فلو قام دليل على نجاسة الكتابي نأخذ به و الّا نحكم بطهارته بمقتضى اصالة الطهارة.

و ما يمكن أن يقال أو قيل في تقريب نجاسته وجوه:

الوجه الأول: الاجماع المدعى في المقام و يرد عليه الايراد العام الجاري في الاجماعات المنقولة و المحصلة و الحاصل أنه لو ثبت اجماع كاشف عن رأي المعصوم (عليه السّلام) فهو و الّا فلا أثر له.

الوجه الثاني: قوله تعالى: وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ قالَتِ النَّصارى‏ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ* اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا

122

يُشْرِكُونَ‏ (1) بتقريب انّ المستفاد من الآية الشريفة انّ اليهود و النصارى مشركون هذا من حيث الصغرى و اما من حيث الكبرى فقد تقدم ان المشرك نجس هذا بالنسبة الى اليهود و النصارى و أما المجوس فعلى فرض كونهم أهل الكتاب كما يظهر من بعض الروايات‏ (2) فهم مشركون بلا اشكال إذ هم قائلون بتعدد الاله و يقولون بان يزدان خالق النور و الخير و اهريمن خالق الظلمة و الشر و في المقام اشكالات في الاستدلال بالآية الشريفة بالتقريب المذكور.

الاشكال الأول: أن النجس بالمعنى الشرعي أمر حادث و لم يكن المراد منه في الصدر الاول المعنى الشرعي و قد تقدم الكلام حول هذه الجهة و ذكرنا ان الأمر ليس كذلك مضافا الى أنّ مقتضى الاستصحاب القهقري أنّه كان في الصدر الأول بهذا المعنى الشرعي عندنا.

الاشكال الثاني: أنه قوبل بين الكفر و الشرك في الآية الشريفة و التقسيم قاطع للشركة فلا جامع و يرد عليه انّ المستفاد من الآية الشريفة أنّ المشرك نوع من أنواع الكافر و أيضا يستفاد منها أنّ الكتابي مشرك في نظر الشارع و بعبارة اخرى ان الكتابي مشرك بالحكومة و التنزيل فاذا اعتبر الشارع النصراني مشركا في وعاء الشرع يترتب عليه حكم المشرك.

الاشكال الثالث: انّ الشرك له مراتب و لا يكون كل شرك مساو مع غيره بل مراتب الشرك كثيرة و لا يخلو منه الا الاوحدي من الناس كمولى الموحدين أرواحنا فداه و عليه لا يمكن اثبات أنّ الكتابي مشرك بحد شرك المشركين.

و يرد عليه أنّه لو استفيد من الدليل ان الكتابي مشرك يترتب عليه حكمه بلا اشكال كما أنه يترتب حكم الخمر على الفقاع بعد قوله (عليه السّلام) الفقاع خمر و بعبارة

____________

(1) التوبة: 30 و 31.

(2) الوسائل الباب 49 من أبواب جهاد العدو الحديث 1- 3- 5- 7- 8- 9.

123

اخرى مقتضى اطلاق التنزيل ان المنزل في رتبة المنزل عليه.

الاشكال الرابع: و هو العمدة أنه لا دليل لدينا حكم فيه بان الكتابي مشرك بل غاية ما يستفاد من الآية الشريفة أنه اسند اليهم الشرك و يمكن أن يكون الاسناد مجازا.

و بعبارة واضحة ليس الشارع الأقدس في مقام التشريع و جعل الحكم بل مجرد الاسناد و لعلّ الاسناد اسناد مجازي و لا مجال لإجراء اصالة الحقيقة إذ اصالة الحقيقة أصل عقلائي لا اصل تعبدي أي لو شك في أنّ المتكلّم استعمل اللفظ في المعنى الحقيقي أو المجازي يجري الاصل و أما لو علمنا بالمراد و شك في أنّ الاستعمال حقيقي أو مجازي لا طريق الى الاحراز فهذا الوجه كالوجوه السابقة في عدم وفائه بإثبات المطلوب.

إن قلت يستفاد من الجملات المتقدمة على هذه الجملة انّ اليهود و النصارى من المشركين إذ قد صرح في الآية أنهم‏ اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً و هذا نص في كونهم مشركين فلا يتوقف الاستدلال بالتوسل الى ذيل الآية كي يرد فيه الاشكال المتقدم.

قلت: يستفاد من روايات كثيرة أنهم لم يتخذوهم أربابا بل اطاعوهم في كل ما أمروهم به و المفسرون ذهبوا الى هذا المذهب و يستفاد هذا المعنى من الآية الشريفة قال اللّه تبارك و تعالى: وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً فيعلم أنّ المراد من الجملة السابقة انّ اطاعتهم سميت باتخاذهم أربابا و المناسبة تقتضي هذا المعنى و لذا يقال في العرف كأن فلانا ربّه فانه يطيعه في ما أمره به و ينهاه عنه و من الروايات التي تدل على المدعى ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ فقال أما و اللّه ما دعوهم الى عبادة انفسهم و لو دعوهم الى عبادة أنفسهم لما اجابوهم و لكن‏

124

احلّوا لهم حراما و حرّموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون‏ (1).

و ما رواه أبو بصير أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ فقال: و اللّه ما صاموا لهم و لا صلوا لهم و لكن احلوا لهم حراما و حرّموا عليهم حلالا فاتبعوهم‏ (2) فان المدعى يستفاد من الحديثين بالصراحة.

الوجه الثالث: جملة من النصوص فلا بد ملاحظتها و استخراج النتيجة منها فنقول من تلك النصوص ما رواه محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن آنية أهل الذمّة و المجوس فقال لا تأكلوا في آنيتهم و لا من طعامهم الذي يطبخون و لا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر (3) بتقريب انّ النهي عن الأكل في آنيتهم يدل على نجاستهم.

و يردّ عليه انّ النهي ظاهر في التحريم و لا وجه لحمل النهي في الحديث لأجل النجاسة و مقتضى الاطلاق حرمة الأكل في آنيتهم و لو بعد غسلها و على الجملة الجزم بالتقريب المذكور مشكل فان قام الدليل على الجواز بعد الغسل فهو و الّا نلتزم بالحرمة.

و مما يؤيد ما ذكرنا أنه على القول بعدم تنجس المتنجس كما هو الحق لا وجه لحرمة الأكل في آنيتهم من باب النجاسة و يضاف الى ذلك كله ان مقتضى الاطلاق حرمة الأكل حتى في صورة كون المأكول جافا و كذلك الآنية فيكون وجه التحريم آمرا آخر فلاحظ.

و منها ما رواه عبد اللّه بن يحيى الكاهلي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن قوم‏

____________

(1) الوسائل الباب 10 من أبواب صفات القاضي الحديث 1.

(2) نفس المصدر الحديث 3.

(3) الوسائل الباب 14 من أبواب، النجاسات الحديث 1.

125

مسلمين يأكلون و حضرهم رجل مجوسي أ يدعونه الى طعامهم فقال امّا أنا فلا أؤاكل المجوسي و أكره أن أحرّم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم‏ (1) و التقريب هو التقريب و الاشكال هو الاشكال مضافا الى أنّ المستفاد عدم التحريم.

و يضاف الى ما ذكر النقاش في توثيق الكاهلي إذ قيل في حقه كان وجها عند أبي الحسن (عليه السّلام) و وصّى به علي بن يقطين فقال اضمن لي الكاهلي و عياله أضمن لك الجنة فانه لم يوثق صريحا و مجرد هذه العناية من الامام (عليه السّلام) بالنسبة اليه لا تكون دليلا على كونه ثقة إذ يمكن أنّ الشخص غير ثقة في أقواله و في عين الحال لا يكون فاسقا إذ يمكن أن يكون قاصرا بالاضافة الى أنّ الامام إذا لم يعمل على طبق علمه بالمغيّبات و يرى شخصا مخلصا في أفعاله و في ولائه و ترويجه للدين يكون راضيا عنه و يدعو له و يمكن أن يوصي الثالث به و على الجملة يشكل الجزم بوثاقة شخص ما لم يوثق صريحا و يضاف الى ما ذكر انّ الحديث وارد في المجوسي و المجوسي مشرك و قد تقدّم انّ المشرك نجس و منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) في رجل صافح رجلا مجوسيا قال يغسل يده و لا يتوضّأ (2) بتقريب انّ الأمر بالغسل ارشاد الى النجاسة و فيه انّ الحديث وارد في المجوسي و الكلام في غيره مضافا الى أنّ مقتضى اطلاق الحديث عدم الفرق بين كون المصافحة مع الرطوبة المسرية أو بدونها و كيف يلتزم بالرواية مع اليبوسة و الحال انّه دل الدليل على انّ كل يابس ذكي لاحظ ما رواه عبد اللّه بن بكير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) الرجل يبول و لا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط قال:

____________

(1) نفس المصدر الحديث 2.

(2) الوسائل الباب 14 من أبواب النجاسات الحديث 3.

126

كلّ شي‏ء يابس ذكي‏ (1) و منها ما رواه علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى (عليه السّلام) قال: سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة و أرقد معه في فراش واحد و اصافحه قال: لا (2) و الحديث وارد في المجوسي و الكلام في غيره و منها ما رواه هارون بن خارجة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّي اخالط المجوس فآكل من طعامهم قال: لا (3) و الحديث وارد في المجوسي مضافا الى أنّه لا دلالة في الحديث على النجاسة و منها ما رواه أبو بصير عن أحدهما (عليهما السّلام) في مصافحة المسلم اليهودي و النصراني قال: من وراء الثوب فان صافحك بيده فغسل يدك‏ (4) و الظاهر أنّه يستفاد من الحديث نجاسة اليهودي و النصراني و حيث انه علم من الخارج انّ كل يابس ذكي ترفع اليد عن اطلاق الحديث و يقيد بصورة وجود الرطوبة المسرية و منها ما رواه علي بن جعفر أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السّلام) عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمّام قال: اذا علم أنه نصرانيّ اغتسل بغير ماء الحمّام الا أنّ يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل و سأله عن اليهودي و النصراني يدخل يده في الماء أ يتوضأ منه للصلاة قال لا الا أن يضطر إليه‏ (5) بتقريب انّ المستفاد من الخبر أنّ الكتابي نجس فيوجب نجاسة ما في الحوض فلا يجوز الغسل.

و يمكن أن يقال انّ الحديث يدل على طهارة الكتابي فان المستفاد من ذيل الحديث جواز الوضوء بالماء الذي أدخل الكتابي يده فيه غاية الأمر في صورة

____________

(1) الوسائل الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 5.

(2) الوسائل الباب 14 من أبواب النجاسات الحديث 6.

(3) نفس المصدر الحديث 7.

(4) الوسائل الباب 14 من أبواب النجاسات الحديث 5.

(5) نفس المصدر الحديث 9.

127

الاضطرار و الحال أنه لو لم يجز لا تصل النوبة الى الاضطرار إذ تصل النوبة الى التيمم.

و منها ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السّلام) قال: سألته عن فراش اليهودي و النصراني ينام عليه قال لا بأس و لا يصلي في ثيابهما و قال لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة و لا يقعده على فراشه و لا مسجده و لا يصافحه قال: و سألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس لا يدري لمن كان هل تصح الصلاة فيه قال: ان اشتراه من مسلم فليصل فيه و إن اشتراه من نصراني فلا يصلي فيه حتى يغسله‏ (1) و الحديث غير دال على نجاسة الكتابي إذ المنع عن الصلاة في ثيابهم يمكن أن يكون بلحاظ النجاسة العرضية مضافا الى أنه تدل جملة من الروايات على الجواز منها ما رواه معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الثياب السابريّة يعملها المجوس و هم أخباث و هم يشربون الخمر و نساؤهم على تلك الحال ألبسها و لا أغسلها و أصلّي فيها قال نعم قال معاوية فقطعت له قميصا و خطته و فتلت له ازرارا و رداء من السابري ثمّ بعثت بها اليه في يوم جمعة حين ارتفع النهار فكأنه عرف ما أريد فخرج بها الى الجمعة (2) و منها ما رواه المعلى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول لا بأس بالصلاة في الثياب التي يعملها المجوس و النصارى و اليهود (3) و منها ما رواه أبو علي البزاز عن أبيه قال: سألت جعفر بن محمد (عليه السّلام) عن الثوب يعمله أهل الكتاب اصلّي فيه قبل أن يغسل قال: لا بأس و أن يغسل احبّ‏

____________

(1) الوسائل الباب 14 من أبواب النجاسات الحديث 10.

(2) الوسائل الباب 73 من أبواب النجاسات الحديث 1.

(3) نفس المصدر الحديث 2.

128

إليّ‏ (1) و يستفاد عدم نجاستهم من جملة من النصوص منها ما رواه ابراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا (عليه السّلام) الجارية النصرانية تخدمك و أنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ و لا تغتسل من جنابة قال: لا بأس تغسل يديها (2) فان هذا الحديث احدث من النصوص الدالة على النجاسة و حيث انّ المرجح الوحيد الاحدثية يكون الترجيح مع ما يدل على الطهارة و يؤيد المدعى جملة اخرى من النصوص منها ما رواه عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن مؤاكلة اليهودي و النصرانيّ و المجوسيّ فقال اذا كان من طعامك و توضّأ فلا بأس‏ (3) و ان أبيت عن الترجيح تصل النوبة الى التعارض و التساقط و المرجع بعد التساقط قاعدة الطهارة.

بقي شي‏ء و هو أنّ المستفاد من حديث ابن مسلم‏ (4) نجاسة المجوسي و يستفاد من حديث عيص المتقدم آنفا طهارته و حيث انّ حديث عيص أحدث فان ذلك الحديث مروي عن الباقر (عليه السّلام) و هذا الحديث مروي عن الصادق (عليه السّلام) فيقدم بالأحدثية فان الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن هذا كله بالنسبة الى الأمم السابقة.

و أمّا غير الامامية الاثنى عشرية من بقية أصناف هذه الامة فان قلنا بانّ الولاية مقومة للإسلام يحكم على من لا يكون اثنى عشريا بالكفر و لكن لا شبهة في عدم وجوب الاجتناب عنهم بل يجوز مساورتهم و أكل ذبائحهم و التزويج معهم على ما هو المقرر في بابه و الحمد للّه أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا و الصلاة على محمّد و آله الطاهرين المعصومين و اللعن الدائم على أعدائهم الى يوم الدين آمين يا رب العالمين.

____________

(1) نفس المصدر الحديث 5.

(2) الوسائل الباب 14 من أبواب النجاسات الحديث 11.

(3) الوسائل الباب 54 من أبواب النجاسات الحديث 1.

(4) لاحظ ص 125.

129

و حيث انه انجر الكلام الى بحث انحصار المرجح في باب التعارض في الاحدثية رأينا ان المناسب ان نذيل البحث بهذه الجهة و نبيّن ما هو الحق في ذلك البحث و ان باحثنا و كتبنا لكن لأهمية المطلب و كونه مورد الابتلاء في الأبحاث الفقهية ينبغي التعرض لها و بيان ما هو الحق عندنا بحسب ما يختلج ببالنا.

[انحصار المرجح فى باب التعارض فى الاحدثيه‏]

[مرجحات باب التعارض‏]

فنقول مقتضى القاعدة الأولية في الخبرين المتعارضين الذين لا يكونان قابلين للجمع هو التساقط و الرجوع الى الدليل الاجتهادي الفوق ان كان و الّا فالى الأصل العملي و في المقام طوائف من النصوص تدل على كيفية علاج المتعارضين في الروايات و لا بد من ملاحظة تلك الطوائف و استنتاج النتيجة منها.

الطائفة الأولى: ما يستفاد منها وجوب التوقف منها حديث عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث الى أن قال: فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنة و وافق العامة قلت: جعلت فداك أ رأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة و وجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة و الآخر مخالفا لهم بأيّ الخبرين يؤخذ فقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد فقلت جعلت فداك فان وافقهما الخبران جميعا قال: ينظر الى ما هم اليه اميل حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر قلت: و إن وافق حكّامهم الخبرين جميعا قال: إذا كان ذلك فأرجئه حتى تلقى امامك فانّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات‏ (1).

____________

(1) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضى الحديث 1.

130

فان المستفاد من هذه الرواية انه اذا لم يكن مرجح لأحد الطرفين تصل النوبة الى التوقف الى ان يصل المكلف الى الامام (عليه السّلام) و يسئله عن الحكم.

و هذه الرواية مخدوشة سندا فان ابن حنظلة لم يوثق قال الحر (قدّس سرّه) في ترجمة الرجل لم ينص الاصحاب عليه بتوثيق و لا جرح و لكن حققنا توثيقه من محل آخر.

قاله الشهيد الثاني في شرح الدراية و قد تقدم في أحاديث التوقيت قول الصادق (عليه السّلام) اذا لا يكذب علينا و ليكن هذا بذكرك ينفعك فيما يأتي و على الجملة لا اعتبار بالحديث سندا مضافا الى ان المستفاد منه حكم زمان الحضور أي الزمان الذي يمكن الوصول الى حضور الامام (عليه السّلام) و الكلام في حكم زماننا الذي لا يمكن الوصول الى الامام (عليه السّلام) و منها ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه أحدهما يأمر بأخذه و الآخر ينهاه عنه كيف يصنع قال يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه‏ (1) و المستفاد من هذه الرواية اختصاص الحكم بزمان يمكن الوصول الى الواقع لا مثل زماننا الذي لا يمكن.

و منها ما رواه سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) قلت يرد علينا حديثان واحد يأمرنا الأخذ به و الآخر ينهانا عنه قال لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسئله عنه قال قلت لا بد من ان نعمل بأحدهما قال خذ بما فيه خلاف العامة (2) و المرسل لا اعتبار به مضافا الى أن الحكم خاص بزمان الحضور الذي يمكن الوصول الى الامام (عليه السّلام) و منها ما رواه في السرائر نقلا من كتاب مسائل الرجال لعلي بن محمد (عليه السّلام) ان محمد بن علي بن عيسى كتب اليه‏

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 5.

(2) جامع الأحاديث ج 1 ص 266 الحديث 32.

131

يسأله عن العلم المنقول إلينا عن آبائك و اجدادك (عليهم السّلام) قد اختلف علينا فيه فكيف العمل به على اختلافه أو الرد إليك فيما اختلف فيه فكتب (عليه السّلام) ما علمتم انه قولنا فالزموه و ما لم تعلموا فردّوه إلينا (1).

و المستفاد من هذه الرواية ارجاع الأمور اليهم و عدم الأخذ باحد الطرفين عند المعارضة و هذا الاطلاق قابل لان يقيد بما يدل على الأخذ بالطرف الذي يكون فيه الترجيح.

الطائفة الثانية: ما يدل على التخيير منها ما روى عن الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السّلام) انه قال قلت للرضا (عليه السّلام) تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة قال ما جاءك عنه (عنا) فقسه على كتاب اللّه عزّ و جلّ و احاديثنا فان كان يشبهها فهو منّا و إن لم يشبهها فليس منّا قلت يجيئنا الرّجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم ايّهما الحق فقال اذا لم تعلم فموسّع عليك بايّهما أخذت‏ (2)

و المرسل لا اعتبار به و منها ما رواه الحارث بن المغيرة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

اذا سمعت من أصحابك الحديث و كلهم ثقة فموسّع عليك حتى ترى القائم فترده عليه‏ (3) و المرسل لا اعتبار به مضافا الى أن المستفاد من الحديث حجية قول الثقة و لا يرتبط بما نحن بصدده و منها مرفوعة العلامة الى زرارة بن أعين قال:

سألت الباقر (عليه السّلام) فقلت جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيّهما آخذ قال (عليه السّلام) يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذ النادر فقلت يا سيدي أنهما معا مشهوران مرويّان مأثوران عنكم فقال (عليه السّلام) خذ بقول أعدلهما عندك و اوثقهما في نفسك انّهما معا عدلان‏

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 36.

(2) جامع الأحاديث ج 1 ص 260 الحديث 20.

(3) نفس المصدر الحديث 21.

132

مرضيان موثقان فقال (عليه السّلام) انظر ما وافق منهما مذهب العامة اتركه و خذ بما خالفهم قلت ربما كانا معا موافقين لهم أو مخالفين فكيف اصنع فقال (عليه السّلام) اذا فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط فقلت انّهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف اصنع فقال (عليه السّلام) اذا فتخيّر احدهما فتأخذ به و تدع الآخر (1) و المرفوعة لا اعتبار بها و منها ما أرسله الكليني في ديباجة كتاب الكافي فأعلم يا أخي ارشدك اللّه أنه لا يسع أحدا تمييز شي‏ء ممّا اختلف الرواية فيه عن العلماء (عليهم السّلام) برأيه الّا على ما اطلعه العالم (عليه السّلام) بقوله اعرضوها على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه جلّ و عزّ اقبلوه (فخذوه) و ما خالف كتاب اللّه عزّ و جلّ فردوه و قوله (عليه السّلام) دعوا ما وافق القوم فان الرشد في خلافهم و قوله (عليه السّلام) خذوا بالمجمع عليه فان المجمع عليه لا ريب فيه و نحن لا نعرف من جميع ذلك الّا اقلّه و لا نجد شيئا أحوط و لا اوسع من ردّ علم ذلك كله الى العالم (عليه السّلام) و قبول ما وسّع من الأمر فيه بقوله بأيّما أخذتم من باب التسليم وسعكم‏ (2) و المرسل لا اعتبار به.

و منها ما رواه ابن مهزيار: جواز اتيان النافلة على البعير من أبواب القبلة قوله فروى بعضهم ان صلهما في المحمل و روى بعضهم لا تصلهما الّا على الأرض فأعلمني كيف تصنع أنت لاقتدى بك في ذلك فوقّع (عليه السّلام) موسّع عليك بأيّة عملت‏ (3) و لا يستفاد المدعى من هذه الرواية بل المستفاد منها التخيير بالنسبة الى النافلة و منها مكاتبة محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري الى صاحب الزمان (عليه السّلام) الى أن قال (عليه السّلام) في الجواب عن ذلك حديثان اما احدهما

____________

(1) جامع الأحاديث ج 1 ص 255 الحديث 2.

(2) جامع الأحاديث ج 1 ص 255 الحديث 3.

(3) نفس المصدر ص 269 ذيل الحديث 42.

133

فاذا انتقل من حالة الى اخرى فعليه التكبير و امّا الآخر فانه روى انه اذا رفع رأسه من السجدة الثانية و كبّر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير و كذلك التشهد الأول يجري هذا المجرى و بايّهما اخذت من باب التسليم كان صوابا (1) و يرد عليه أولا أنه حكم وارد في مورد خاص و ثانيا ان غاية ما في الباب هو الاطلاق و مقتضى القاعدة تقييد المطلق بالمقيد فاذا قام دليل على الترجيح يقيد الاطلاق به و منها ما في الفقه الرضوي: ففي فقه الرضا (عليه السّلام) و النفساء تدع الصلاة اكثره مثل ايّام حيضها الى ان قال: و قد روى ثمانية عشر يوما و روى ثلاثة و عشرون يوما و بأيّ هذه الأحاديث أخذ من جهة التسليم جاز (2) و الحديث غير معتد به فالنتيجة انه لا دليل على التخيير و لو سلم تمامية الدليل عليه فهل يكون ابتدائيا أو استمراريا و قد ذكر للاستمرار وجهان الوجه الأول استصحاب التخيير.

و يرد عليه أن الاستصحاب الجاري في الحكم الكلي معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد.

الوجه الثاني: اطلاق دليل التخيير و الظاهر ان هذا الوجه لا بأس به الّا أن يبتلي المكلف بالعلم الإجمالي بالخلاف مع الواقع فلا بد من العمل على طبق القواعد و الحاصل انا لا نرى مانعا عن الأخذ بالاطلاق في حد نفسه.

الطائفة الثالثة: ما يدل على الاحتياط و الدليل عليه مرفوعة العلامة (3) و تقدم ان المرفوعة لا اعتبار بها.

الطائفة الرابعة: ما يدل على تقديم ما يكون مخالفا مع العامّة منها ما رواه‏

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 39.

(2) المستدرك الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 12.

(3) لاحظ ص 131.

134

الحسين بن السريّ قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) اذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم‏ (1) و الحديث مرسل و لا اعتبار بالمرسل مضافا الى ما في السند من الاشكال غير ما ذكر.

و منها ما رواه الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح (عليه السّلام) هل يسعنا فيما ورد علينا منكم الّا التسليم لكم فقال لا و اللّه لا يسعكم الّا التسليم لنا فقلت فيروى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) شي‏ء و يروى عنه خلافه فبايهما نأخذ فقال خذ بما خالف القوم و ما وافق القوم فاجتنبه‏ (2) و هذه الرواية مخدوشة سندا بابي البركات فان الرجل لم يوثق صريحا نعم قال الحر (قدّس سرّه) في تذكرة المتبحّرين الشيخ أبو البركات علي بن الحسين الجوزي الحلي عالم صالح محدث يروي عن أبي جعفر بن بابويه‏ (3).

و يمكن النقاش في دلالة هذه العبارة على التوثيق من وجوه:

الوجه الأول: ان ديدن الرجالي بالنسبة الى من يراه ثقة التعبير بالوثاقة و لا يكتفون بقولهم صالح أو دين لاحظ ما افاده الحر بنفسه في ترجمة علي بن عبد العالي قال: كان فاضلا عالما متبحرا محققا مدققا جامعا كاملا ثقة زاهدا عابدا ورعا جليل القدر عظيم الشأن فريدا في عصره‏ (4).

إن قلت اذا لم يكن محرز الوثاقة كيف يكون صالحا و كيف يصدق عليه عنوان الصلاح.

قلت: اذا كان الأمر كذلك فما الوجه في قوله ثقة في ترجمة علي بن عبد العالي مع‏

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 30.

(2) نفس المصدر، الحديث 31.

(3) معجم رجال الحديث ج 11 ص 275 الرقم 8069.

(4) معجم رجال الحديث ج 12 ص 73 الرقم 8246.

135

تصريحه بكونه ورعا مضافا الى أنه اذا كان الشخص ظاهر الصلاح يحضر الجماعة للصلاة و يزور الأئمة (عليهم السّلام) و يبكي في مجالس التعزية يصح أن يقال في حقه صالح و هذا العرف ببابك و الذي يدل على صحة هذه المقالة انه لو قيل في حق شخص أنه صالح هل يكون هذه الجملة شهادة على عدالته؟

الوجه الثاني: ان الحر (قدّس سرّه) قال في الفائدة الثانية عشرة من فوائده في الخاتمة من الوسائل: انما نذكر هنا من يستفاد من وجوده في السند قرينة على صحة النقل و ثبوته و اعتماده و ذلك أقسام و قد يجتمع منها اثنان فصاعدا منها من نص علماؤنا على ثقته مع صحة عقيدته و منها من نصوا على مدحه و جلالته و إن لم يوثقوه مع كونه من اصحابنا الى آخر كلامه.

فيمكن ان يكون توثيقه من باب كون الموثق ممدوحا فيمكن ان يكون قوله صالح مستندا الى فعل فرض كونه شهادة بالصلاح فشهادته على الوثاقة لا أثر له مع هذا الاحتمال.

الوجه الثالث: أنه قابل في كلامه بين التوثيق و المدح و التقسيم قاطع للشركة فمجرد المدح بقوله صالح لا يدل على توثيقه.

الوجه الرابع: أنه قال في جملة كلام له و منها من وقع الاختلاف في توثيقه و تضعيفه فان كان توثيقه ارجح فوجوده في السند قرينة و الّا فاذكره لينظر في الترجيح.

فانه يظهر من هذه العبارة أنه يجتهد في تشخيص الوثاقة و من الظاهر أنّ اجتهاد الشاهد لا أثر له.

الطائفة الخامسة: ما يدل على الترجيح بموافقة الكتاب منها ما رواه الحسن ابن الجهم‏ (1) و المرسل لا اعتبار به.

____________

(1) لاحظ ص 131.

136

و منها ما رواه أحمد بن الحسن الميثمي أنه سأل الرضا (عليه السّلام) يوما و قد اجتمع عنده قوم من أصحابه ... (الى أن قال) فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب اللّه فما كان في كتاب اللّه موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب الحديث‏ (1) و السند مخدوش.

الطائفة السادسة: ما يدل على تقديم موافق الكتاب أولا و بمخالفة القوم ثانيا لاحظ ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قال الصادق (عليه السّلام) اذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فردوه فان لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامّة فما وافق اخبارهم فذروه و ما خالف اخبارهم فخذوه‏ (2) و السند مخدوش بأبي البركات.

[الترجيح بالأحدثية و بيان لسيدنا الأستاد و المناقشة فيه‏]

الطائفة السابعة: ما يدل على تقديم الأحدث لاحظ ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قلت له ما بال اقوام يروون عن فلان و فلان عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يتهمون بالكذب فيجي‏ء منكم خلافه قال ان الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن‏ (3) و أورد عليه سيدنا الاستاد (قدّس سرّه) بان ضرورة المذهب قائمة على عدم جواز نسخ القرآن أو السنة بالخبر الظني فلا بد من رفع اليد عن الحديث و بعبارة اخرى الكلام في الخبر الظني لا في الخبر القطعي صدورا كما أنه لا اشكال في تخصيص الكتاب أو السنة بالخبر الظني و الكلام في النسخ.

و الجواب أنه لم يفرض في الحديث كونه مقطوع الصدور بل مطلق من هذه الجهة و لأجل الضرورة المدعاة نرفع اليد عن الاطلاق مضافا الى أن الميزان‏

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 21.

(2) نفس المصدر الحديث 29.

(3) نفس المصدر الحديث 4.

137

باطلاق الجواب لا بخصوص السؤال و مقتضى اطلاق الجواب جواز النسخ على الاطلاق أي أعم من ان يكون كلا الخبرين عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو كلاهما عن غيره من الائمة عليهم سلام اللّه أو بالاختلاف و على جميع التقادير مقتضى الاطلاق عدم الفرق بين مقطوع الصدور أو مظنونه و بمقتضى الضرورة المدعاة نرفع اليد عن الاطلاق بمقدار قضاء الضرورة فلا اشكال و لاحظ ما رواه منصور بن حازم قال:

قلت لأبي عبد اللّه ما بالي اسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب ثم يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر فقال انا نجيب الناس على الزيادة و النقصان قال: قلت فاخبرني عن اصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صدقوا على محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أم كذبوا قال بل صدقوا قال قلت فما بالهم اختلفوا فقال أما تعلم ان الرجل كان يأتي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب ثم يجيبه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب فنسخت الأحاديث بعضها بعضا (1) فانه يستفاد من هذه الرواية بوضوح أن الأحاديث ينسخ بعضها بعضا و بعبارة واضحة الامام (عليه السّلام) في ذيل الحديث اعطى قاعدة كلية و ميزانا كليا لعلاج التعارض و هو الأخذ بالأحدث.

إن قلت لفظ الأحاديث الواقع في الذيل بلحاظ العهد الذكري يختص بالأخبار النبوية.

قلت: على فرض تسليم المدعى يفهم المدعى من الحديث أيضا إذ طبق (عليه السّلام) هذه الكلية على المتعارضين الصادرين عنهم مضافا الى أن دعوى العهد جزافية و لا دليل عليها و تؤيد المدعى جملة من النصوص منها ما رواه الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: أ رأيتك لو حدثتك بحديث العام‏

____________

(1) الكافى: ج 1 ص 65 الحديث 3.

138

ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه بايّهما كنت تأخذ قال كنت آخذ بالأخير فقال لي رحمك اللّه‏ (1) و منها ما رواه الكليني قال و في حديث آخر: خذوا بالأحدث‏ (2) و منها ما رواه أبو عمرو الكناني قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السّلام) يا أبا عمرو أ رأيت لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيّهما كنت تأخذ قلت: بأحدثهما و أدع الآخر فقال قد أصبت يا أبا عمرو أبى اللّه ألا أن يعبد سرا أما و اللّه لئن فعلتم ذلك أنه لخير لي و لكم أبى اللّه عزّ و جلّ لنا في دينه الّا التقية (3) فان هذه النصوص و إن كانت غير تامة سندا لكن لا اشكال في كونها مؤيدة للمدعى‏

[القائلون بالأحدثية]

و لا يخفى أنّي لا أكون متفردا في هذه الدعوى فان جملة من الاساطين صرحوا بأن مقتضى النص الأخذ بالأحدث منهم صاحب الحدائق قال:

الرابع يستفاد من الروايات الأخيرة أن من جملة الطرق المرجحة عند التعارض الأخذ بالأخير (4) و قال: قد ورد عنهم (عليهم السّلام) أنه اذا أتى حديث عن أولهم و حديث عن آخرهم أو عن واحد منهم ثم أتى عنه بعد ذلك ما ينافيه أنه يؤخذ بالأخير في الموضعين‏ (5) و منهم الصدوق قال و لو صحّ الخبران جميعا لكان الواجب الأخذ بقول الأخير كما أمر به الصادق (عليه السّلام)(6) و منهم النراقي قال: و لا شك ان الايجاب المتأخر مناف للتحليل المتقدم فيحصل التعارض و تترجّح أخبار الوجوب‏

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي الحديث 7.

(2) نفس المصدر الحديث 9.

(3) نفس المصدر الحديث 17.

(4) الحدائق ج 1 ص 105.

(5) نفس المصدر: ج 11 ص 451.

(6) الفقيه: ج 4 ص 151.

139

بمعاضدة الشهرة القديمة و الجديدة و موافقة الآية الكريمة (1) و مخالفة الطائفة العامة و بالاحدثية التي هي أيضا من المرجحات المنصوصة (2) و قال في جملة كلام له: الا أنها مترجحة بالاكثريّة و الاصحيّة و الموافقة للأصل و بعضها بالأحدثية التي هي من المرجحات المنصوصة (3).

____________

(1) الانفال: 41.

(2) مستند الشيعة: ج 10 ص 118.

(3) نفس المصدر: ص 278.

140

القاعدة التاسعة قاعدة نفي سبيل الكافر على المسلم‏

قد ذكر في عداد القواعد الفقهية قاعدة نفي سبيل الكافر على المسلم و يقع البحث في هذه القاعدة تارة في بيان المراد منها و اخرى في الوجوه القابلة للاستدلال بها، فيقع الكلام في مقامين:

أما المقام الأول‏ فلا اشكال في أنه لا يكون المراد نفي السبيل التكويني الخارجي إذ من الواضح أن الكافر و لو في الجملة له سلطة على المسلم و هذا غير قابل للإنكار فلا بد أن يكون المراد من الجملة ان الشارع الأقدس لم يجعل في وعاء الشرع علوا للكافر على المسلم.

و أما المقام الثاني: فقد ذكرت وجوه للاستدلال بها على المدعى:

الوجه الأول: قوله تعالى: وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (1) بتقريب أن المستفاد من الآية نفي السبيل للكافر على المسلم و قد حقق في محله أن النكرة الواقعة في سياق النفي تفيد العموم.

و يرد عليه ان الآية مقرونة بما قبلها و الظاهر من مجموع الآية الشريفة بمناسبة ما ذكر قبل هذه الجملة ان اللّه تعالى عند الحساب و المحاكمة بين الطرفين لن يجعل للكافر حجة توجب غلبته على المسلم و إن أبيت فلا أقلّ من أنّ الآية الشريفة

____________

(1) النساء: 141.

141

مقرونة بما يصلح للقرينية و هذا مانع عن انعقاد الظهور في المدعى و يؤيد ما ذكر ما ورد من النص في ذيل الآية الكريمة لاحظ ما رواه علي بن ابراهيم: أنها نزلت في عبد اللّه بن ابي و أصحابه الّذين قعدوا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من يوم احد فكان إذا ظفر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالكفار قالوا له: «أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ» و اذا ظفر الكفار قالوا: «أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ» ان نعنيكم و لم نعن عليكم قال اللّه: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (1) و ما رواه ابن بابويه قال: حدثنا تميم بن عبد اللّه بن تميم القرشي (رحمه اللّه) قال: حدثني أبي قال:

حدثني أحمد بن علي الانصاري عن أبي الصلت الهروي عن الرضا (عليه السّلام) في قول اللّه جل جلاله‏ وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا قال: فانه يقول: و لن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين حجة و لقد اخبر اللّه تعالى عن كفّار قتلوا نبيهم بغير الحق و مع قتلهم ايّاهم لم يجعل اللّه لهم على أنبيائه (عليهم السّلام) سبيلا (2) اضف الى ذلك ان كلمة (لن) تدل على النفي في المستقبل فالآية ترتبط بالمستقبل و لا ترتبط بزمان تشريع الأحكام فلا تلائم ما ادعي في المقام من ان الآية الشريفة في مقام نفي علو الكافر على المسلم في عالم التشريع فانه لو كان كذلك لكان المناسب ان يقال لم يجعل اللّه و الحال أن المذكور قوله تعالى: لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ‏.

الوجه الثاني: قوله (عليه السّلام) الإسلام يعلو و لا يعلى عليه‏ (3) بتقريب ان المستفاد من الحديث ان الإسلام أعلى من كل شي‏ء فيكون المسلم دائما و في جميع الشؤون أعلى من الكافر.

____________

(1) تفسير البرهان: ج 1 ص 423 الحديث 1.

(2) نفس المصدر الحديث 2.

(3) الفقيه: ج 4 ص 243 الحديث 778.

142

و فيه أولا: أن الحديث مخدوش سندا و لا اعتبار به و ثانيا ان المستفاد من الحديث علو الإسلام فان الإسلام أعلى من كل دين لكن لا يرتبط علو الإسلام بعلو المسلم فالحديث مخدوش سندا و دلالة.

الوجه الثالث: الاجماع على أنه ليس في الشريعة حكم يوجب عل الكافر على المسلم كعدم ارث الكافر من المسلم الى بقية الموارد.

و فيه ان الاجماع بنفسه لا يكون حجة و اعتباره بلحاظ كشفه عن رأي المعصوم (عليه السّلام) و حيث أنه من المحتمل أن يكون المدرك الوجوه المذكورة في المقام لا يعتد به و من ناحية أخرى مقتضى اطلاق النصوص الواردة بالنسبة الى الأحكام الشرعية و كذلك الآيات الشريفة عدم الفرق بين المسلم و الكافر الّا فيما قام الدليل على التخصيص.

الوجه الرابع: أن مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي الالتزام بالمدعى فان عظمة الإسلام تقتضي عدم علو الكافر على المسلم.

و الانصاف أن هذا الوجه ليس تحته شي‏ء و اشبه بالخطابة و الاستحسان فان الأحكام الشرعية ملاكاتها معلومة عند اللّه تعالى و لا تنالها عقولنا كما أن النص قريب من هذا المضمون لاحظ.

ما رواه أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ان السنة لا تقاس ألا ترى ان المرأة تقضي صومها و لا تقضي صلاتها يا أبان انّ السنة اذا قيست محق الدين‏ (1) فالنتيجة أن القاعدة المذكورة لا أصل و لا أساس لها و اللّه الهادي الى سواء السبيل و الّذي يدل على ما ذكرنا أنهم قالوا اذا كان عبد الكافر مسلما يجبر

____________

(1) الوسائل الباب 6 من أبواب صفات القاضى الحديث 10.

143

على بيعه و الحال أن مقتضى القاعدة المدعاة عدم كون الكافر مالكا للمسلم في وعاء الشرع فلا تصل النوبة الى الاجبار و أيضا يدل على صحة مقالتنا أنه لا شبهة عندهم في جواز الاستقراض من الكافر و الحال أن جوازه يستلزم خرق القاعدة المدعاة إذ لازمه كون الكافر مالكا لما في ذمة المسلم و هذا نحو سبيل و نحو علو فلاحظ.

144

القاعدة العاشرة قاعدة حرمة أخذ الاجرة على الواجبات‏

قد ذكر في بعض الكلمات في عداد القواعد الفقهية قاعدة حرمة أخذ الاجرة على الواجب و ما يمكن أن يذكر أو ذكر في تقريب الاستدلال عليها وجوه:

الوجه الأول: الاجماع و حال الاجماع في الاشكال ظاهر.

الوجه الثاني: أن مورد الاجارة يلزم أن يكون مقدورا للمكلف و إذا كان الفعل واجبا لا يكون المكلف قادرا على الترك فلا يكون المكلف قادرا و مع عدم القدرة تكون الاجارة باطلة.

و يرد عليه أن المعتبر في باب الاجارة أن يكون قادرا على تسليم ما عليه من العمل و لا اشكال في أن الوجوب أو الحرمة لا يوجب ارتفاع القدرة عن المكلف كيف و لو كان الامر كذلك كان اللازم تحقق الخلف و نقض الغرض إذ الامر مقدمة لان يأتي المكلف بالعمل و المقصود من النهي انتهائه عن الارتكاب فاذا فرض عدم قدرته كيف يكلف بالفعل أو الترك فان كان المراد من القدرة تمكن المكلف فلا اشكال في أن التكليف لا يرفع قدرته و إن كان المراد امر آخر فلا دليل عليه و صفوة القول أنه لا دليل على اشتراط عدم كون مورد الاجارة موردا للوجوب أو الحرمة.

الوجه الثالث: أنه يشترط في الاجارة أن يكون فيها غرض عقلائي و حيث أن المستأجر في مفروض الكلام لا غرض عقلائي له تكون الاجارة باطلة.

و يرد عليه أولا أنه لا دليل على الاشتراط المذكور و ثانيا أنه كيف لا يكون فيه‏

145

غرض عقلائي فان الشخص يحب أن يكون ولده من المصلين و يكون له نفع دنيوي و أخروي و ربما يكون حاضرا لبذل مال كثير للوصول الى هذه الغاية.

الوجه الرابع: أنه يشترط في العبادة قصد القربة و أخذ الاجرة ينافي القصد المذكور.

و فيه أولا أنّه منقوض في استيجار الاجير للصلاة و الصوم و الحج و الزيارة و عليه السيرة بلا نكير من احد و حكم الامثال واحد.

و ثانيا أن الفعل يلزم أن يكون لوجه اللّه و أخذ الاجرة داع لداع قربي و ايّ فرق بين كون أخذ الاجرة داعيا أو كون الفوز بنعيم الجنّة و الفرار عن عذاب النار داعيا.

و ثالثا: أن أخذ الاجرة لا يكون داعيا للعمل القربي لان ملكية الاجرة تحصل بنفس العقد و لا تتوقف على العمل الخارجي.

و رابعا: أن القصد القربي ربما يكون آكد اذ المكلف العارف بالحكم الشرعي يعلم أنه لو لم يأت بما وجب عليه بالإجارة لم يأت بما وجب عليه و يستحق العقاب على عدم تسليم مملوك الغير.

146

القاعدة الحادية عشرة قاعدة عدم شرطية البلوغ في الأحكام الوضعية

قد ذكر في بعض الكلمات في عداد القواعد الفقهية قاعدة عدم اشتراط البلوغ في الأحكام الوضعية و يقع الكلام في هذه القاعدة من جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: في بيان المراد منها

فنقول المراد من القاعدة أنه فرق بين التكاليف و الوضعيات فان التكاليف تختص بالبالغين كما هو المقرر عند القوم و عليه ارتكاز أهل الشرع و اما الوضعيات فلا تشترط بالبلوغ فان غير البالغ لا تجب عليه الصلاة و الصوم الى غيرهما من الواجبات و لا يحرم عليه محرمات فلا يحرم عليه النظر الى الاجنبية و أما لو اتلف مال الغير فهو له ضامن.

الجهة الثانية: في الوجوه التي ذكرت أو يمكن ان تذكر في مقام الاستدلال‏

على المدعى.

الوجه الأول: الاجماع و فيه أنه قد ثبت في محله عدم اعتباره بلا فرق بين منقوله و محصله ألا أن يكون اجماعا كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السّلام) و انّى لنا بإثبات قيام مثله في المقام مع احتمال أو القطع باستناد القائل بالتفصيل الى ما ذكر في المقام من الوجوه.

الوجه الثاني: العمومات كقوله على اليد ما أخذت و من اتلف مال الغير فهو له ضامن الى غيرهما من المطلقات أو العمومات.

و يرد عليه أولا: أنه كيف يمكن دعوى شمول الادلة العامة ما يصدر من طفل‏

147

رضيع و هل يشمل قول القائل على اليد ما أخذت أو هل يشمل قوله من اتلف الاتلاف الصادر من الرضيع؟

و ثانيا: انا نفرض شمول الادلة لكن هذا المقدار مشترك فيه بين التكاليف و الوضعيات و انّما نرفع اليد عن الاطلاق و العموم بلحاظ المقيد و المخصص لاحظ ما رواه عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة فقال اذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة و جرى عليه القلم و الجارية مثل ذلك ان أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة و جرى عليها القلم‏ (1) فان مقتضى اطلاق الحديث عدم جريان القلم على غير البالغ بلا فرق بين قلم التكليف و الوضع و حمل الخبر على رفع العقوبة بلا دليل و قول بلا علم و لاحظ ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): عمد الصبي و خطأه واحد (2) فان مقتضى اطلاق الحديث ان العمل الصادر عن غير البالغ يعتبر في الشرع الاقدس كونه صادرا عن الخطأ فاذا كان حكم مترتبا على الخطأ يترتب على الصادر عن غير البالغ و أما اذا كان الاثر مترتبا على العمد لا يترتب على عمل غير البالغ فلا يترتب على قتله القود و هكذا.

إن قلت مقتضى اطلاق ادلة الضمان عدم الفرق بين البالغ و غيره قلت لا بد من رفع اليد عن اطلاق ادلة الضمان بحديث الرفع لاحظ ما رواه ربعي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عفى عن أمتي ثلاث الخطأ و النسيان و الاستكراه قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) و هنا رابعة و هي ما لا يطيقون‏ (3) و ما رواه‏

____________

(1) الوسائل الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 12.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب العاقلة الحديث 2.

(3) الوسائل: الباب 16 من أبواب الايمان الحديث 4.

148

الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وضع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه‏ (1) و يؤيد المدعى ما قاله المجلسي في جملة من كلامه في شرح الحديث حيث يقول و إن كان ظاهره عدم الضمان أيضا (2) الى آخر كلامه.

____________

(1) الوسائل: الباب 16 من أبواب الايمان الحديث 5.

(2) مرآة العقول: ج 11 ص 388.

149

القاعدة الثانية عشرة قاعدة حرمة ابطال العبادات بحسب الدليل الشرعي‏

قد ذكرت في بعض الكلمات في عداد القواعد الفقهية قاعدة حرمة ابطال العبادة و يقع الكلام في هذا المقام تارة من حيث بيان المراد من القاعدة المذكورة و اخرى من حيث الدليل الذي يمكن الاستدلال به أو استدل فيقع الكلام في موضعين:

أما الموضع الأول: فنقول ان المراد من القاعدة أن المكلف لو دخل في عبادة لا يجوز له ابطال تلك العبادة و لا يخفى أن المراد من الحرمة المذكورة أنه لا يجوز ابطال فرد من العبادة و تبديلها بفرد آخر منها فلا بد من ان يتصور في مورد يكون التبديل قابلا و اما فيما لا يكون كذلك كما لو لم يكن الوقت واسعا بحيث يوجب البطلان ترك الامتثال و العصيان فحرمته من باب ترك الواجب لا من باب ابطال العبادة فلاحظ.

و أما الموضع الثاني: فما قيل أو يمكن ان يقال في تقريب الاستدلال وجوه:

الوجه الأول: الاجماع و حاله في الاشكال ظاهر إذ قد ثبت في محله عدم اعتباره لا منقولا و لا محصلا و انما المعتبر منه ما يكون كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السّلام) و انّى لنا بذلك.

الوجه الثاني: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا

150

الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏ (1) بتقريب ان المستفاد من الآية الشريفة حرمة ابطال كل عبادة بعد الشروع فيها.

و فيه أنه يحتمل أن يكون المراد من الآية النهي عن المعاصي التي توجب بطلان الطاعة لاحظ ما رواه البرقي عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السّلام) عن أبيه عن جده (عليهم السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من قال سبحان اللّه غرس اللّه له بها شجرة في الجنة و من قال الحمد للّه غرس اللّه له بها شجرة في الجنة و من قال لا آله الّا اللّه غرس اللّه له بها شجرة في الجنة و من قال اللّه أكبر غرس اللّه له بها شجرة في الجنة فقال رجل من قريش يا رسول اللّه ان شجرنا في الجنة لكثير قال: نعم و لكن ايّاكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها و ذلك ان اللّه عزّ و جلّ يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ‏ (2) مضافا الى أن الاعمال تشمل جميع الاعمال الواجبة و المستحبة تعبديا كان أو توصليا و كيف يمكن القول بالحرمة كذلك و الحال أنه لا شبهة في عدم حرمة ابطال الاعمال المستحبة بلا فرق بين التعبدي منها و التوصلي و كذلك و الحال أنه لا شبهة في عدم ابطال العمل الواجب التوصلي و الاتيان بفرد آخر منه و أيضا لا كلام في جواز ابطال الأعمال الواجبة التعبدية الّا بعضها فيلزم تخصيص الأكثر المستهجن فهذا الدليل لا يمكن اثبات المدعى به.

الوجه الثالث: قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ‏ (3) بتقريب أنه أمر بالوفاء بالعهد و أنه يستفاد من الآية الشريفة أنه لو نوى المكلف عبادة و شرع فيها

____________

(1) سورة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): 33.

(2) تفسير البرهان: ج 4 ص 189 الحديث 1.

(3) البقرة: 40.

151

معناه أنه عهد مع اللّه أن يأتى بالعمل الفلاني و لا يبطله فيجب الوفاء به فيحرم ابطاله، و يرد عليه أولا أن الخطاب في الآية الشريفة مع بني اسرائيل فلا ترتبط بالأمة المرحومة.

و ثانيا أن المذكور في الآية عهد اللّه حيث قال عهدي و لم يعلم ما المراد من العهد.

و ثالثا: أنه اذا كان التقريب المذكور تاما يلزم حرمة ابطال جميع الواجبات و المستحبات اذا أتى بها قربة الى اللّه فيعود الاشكال الذي ذكرناه في تقريب الاستدلال بالآية السابقة فلا نعيد فانقدح بما ذكر أنه لا دليل على هذه القاعدة نعم يمكن الاستدلال على حرمة ابطال الصلاة بما رواه حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

اذا كنت في صلاة الفريضة فرأيت غلاما لك قد أبق أو غير ما لك عليه مال أو حيّة تتخوفها على نفسك فاقطع الصلاة و اتبع غلامك أو غريمك و اقتل الحية (1) فان مقتضى مفهوم الشرط حرمة ابطالها عند انتفاء الشرط المذكور و بعبارة واضحة ان المستفاد من الحديث ان الاذن في ابطال الصلاة و رفع اليد عنها منوط و مشروط بالامور المذكورة و بمقتضى مفهوم الشرط الذي ثبت في محله عدم الجواز عند انتفائه مضافا الى الاجماع على حرمة ابطال الصلاة.

____________

(1) الوسائل: الباب 21 من أبواب قواطع الصلاة الحديث 1.

152

القاعدة الثالثة عشرة قاعدة بطلان كل عقد بتعذر الوفاء بمضمونه‏

قد ذكرت في بعض الكلمات في عداد القواعد الفقهية هذه القاعدة و يقع الكلام في هذه القاعدة من جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: في بيان المراد منها

فنقول المراد من هذه القاعدة انّ المتعاقدين أو أحدهما اذا لم يقدرا العمل بمفاد العقد أو لم يقدر أحدهما يبطل العقد و بقائه يكون لغوا عند العقلاء مثلا اذا باع زيد داره من بكر بألف دينار و لم يمكن للبائع تسليم الدار لعلة أو لم يقدر المشتري أن يدفع الثمن يبطل البيع و قس عليه بقية الموارد.

و صفوة القول أنّ الوفاء اذا لم يمكن في كل عقد يكشف عن بطلان ذلك العقد.

الجهة الثانية: في مدرك هذه القاعدة و دليلها

و قد ذكرت في تقريب الاستدلال عليها وجوه:

الوجه الأول: الاجماع و فيه أن المنقول منه لا اعتبار به و اما المحصل منه فعلى فرض حصوله لا يكون حجة الّا على فرض كونه كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السّلام) و حيث أنه محتمل المدرك لا يكون كاشفا فلا يعتد به.

الوجه الثاني: أن صحة العقد تلازم وجوب الوفاء به و ان شئت فقل المراد من صحة العقد ان المتعاقدين يجب عليهما أن يوفي كل واحد منهما به و الوفاء بالعقد عبارة عن ترتيب الأثر ففي البيع عبارة عن تسليم العين و تسليم الثمن و في الإجارة عبارة عن تسليم العين المستأجرة و تسليم مال الاجارة و هكذا فلو لم يمكن الوفاء