الأنوار البهية في القواعد الفقهية

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
211 /
153

لا يتوجه الأمر بالوفاء إذ لا يعقل الامر بغير المقدور فلا مجال لصحة العقد إذ الشي‏ء ينهدم بانهدام أركانه أو واحد منها هذا ملخص ما قيل في هذا المقام.

و التقريب المذكور بمراحل عن الواقع توضيح الحال أن الوفاء عبارة عن الاتمام و لذا يقال الدرهم الوافي أي التام فالأمر بالوفاء في قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أمر بالاتمام مثلا من يبيع داره و يعقد مع المشتري على أن تكون الدار له في قبال ماءة دينار مثلا يجب عليه بمقتضى الآية الشريفة أن يفي بالعقد المذكور و يتمّه و لا يفسخه و حيث ان الفسخ غير محرم قطعا يكون المراد بالأمر بالوفاء ارشادا الى اللزوم أي البيع لازم و غير قابل للفسخ و لذا ذكرنا في محله أن الآية لا تكون متكفلة للصحة بل تكون ناظرة الى لزوم العقد بعد فرض كونه صحيحا فاذا فرضنا ان زيدا باع داره و بعد البيع لم يمكنه تسليم الدار لا يكشف عن بطلان البيع لعدم وجه للبطلان بل غاية ما يترتب عليه ثبوت الخيار للمشتري لأجل الشرط الضمني الارتكازي فإن من يشتري شيئا يكون شارطا بالارتكاز على البائع على أنه لو لم يسلم المبيع يكون له خيار فسخ البيع و لا فرق فيما ذكر بين تلف العين و بقائها مع وجود مانع عن التسليم أو عصيان البائع في عدم التسليم و صفوة القول ان الامر بالوفاء لا يكون حكما تكليفيا و لا يكون دالا على وجوب تسليم العين فالتقريب المذكور لا اساس له اصلا.

و لمزيد من التوضيح نقول اذا باع زيد داره من بكر و فرضنا أن الدار تلفت أو غصبها غاصب و لم يكن للبائع تسليمها من المشتري لا وجه للالتزام بالبطلان و المراد من وجوب الوفاء بالعقد عدم الفسخ و لزوم ما عقد عليه غاية الأمر يكون للمشتري خيار الفسخ فما أفيد في وجه البطلان في غاية السقوط نعم في باب البيع لو تلف المبيع قبل القبض يمكن القول بالانفساخ من باب قاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه و لا يرتبط هذا بما افيد في المقام و انقدح بما ذكرنا ان الآية

154

الشريفة ناظرة الى لزوم العقد و لا يمكن ان يستفاد منها الصحة توضيح المدعى أن العقد ما لم يكن صحيحا لا يمكن أن يكون لازما و عليه نقول الحكم باللزوم في الآية أما لخصوص العقد الصحيح و امّا الأعم منه و من الفاسد و اما لخصوص الفاسد و أما للمهمل أما الاهمال فلا يعقل في الواقع لا سيما بالنسبة الى المولى الذي هو واهب العقل و أما خصوص الباطل فمن الواضح عدم امكان لزومه و كذلك الجامع بين الصحيح و الفاسد فينحصر الامر في خصوص الصحيح فما دام لم يحرز الصحة لا يمكن الحكم باللزوم لعدم جواز التمسك بالدليل في الشبهة المصداقية بل بالاستصحاب يحرز عدم الصحة فالنتيجة عدم امكان كون الآية دليلا على الصحة.

إن قلت اذا فرض لزوم العقد يكشف عن الصحة فيمكن اثبات الصحة باللزوم للملازمة بين اللازم و الملزوم قلت هذا التقريب انما يتم في القضية الخارجية حيث يحكم المولى بلزوم ما هو واقع في الخارج و أما في القضية الحقيقية التي مرجعها الى الشرطية فلا يتم البيان إذ تقدم قريبا عدم جواز الاخذ بالدليل في الشبهة المصداقية فلاحظ.

الوجه الثالث: ان العقلاء يرون مثل هذا العقد لغوا و باطلا و لا يرتبون اثرا عليه و إن شئت فقل ان نظام الاجتماع يدور مدار تسلّم ما يتملكون بالعقود فاذا فرض عدم امكان تسلّم ما تملكه بالعقد لا أثر لمثله.

و بعبارة واضحة ان قوله (عليه السّلام) لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق ناظر الى ما يكون في أيديهم و يقضون به حوائجهم و الّا فمجرد كون شي‏ء ملكا لأحد لا أثر له و لا فائدة فيه هذا ملخص ما قيل و ذكر في هذا المقام.

و يرد عليه أولا أن الأحكام الشرعية لا تكون تابعة لما تقرر عند العقلاء فاذا فرضنا تمامية الدليل لصحة العقد نلتزم به و لو لم يكن مقبولا عند العقلاء و بعبارة

155

واضحة اللازم كون العقلاء تابعين للشرع الأقدس لا أن الشارع يكون تابعا لهم و من الظاهر أن صحة العقود لا تكون شرعا مشروطة بالشرط المذكور و مجرد اللغوية لا يوجب بطلان العقد و لذا ذكرنا مرارا ان العقد السفهائي صحيح و نلتزم به انما الاشكال في العقد الصادر عن السفيه و صفوة القول ان الدليل قائم على صحة بيع ما باعه البائع و لو لم يكن مقدورا على تسليمه و لذا يكون بيع العبد الآبق صحيحا و يترتب عليه ان المشتري يمكنه اعتاقه و من الظاهر أنه لا عتق الّا في ملك و مما يدل على المدعى ان قاعدة كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بايعه و لو كان العقد باطلا يلزم ان المبيع من أول الامر لا يدخل في ملك المشتري و الحال أن الأمر ليس كذلك هذا أولا.

و ثانيا: لا نسلم البناء المذكور من العقلاء و لذا نرى أنه لو باع زيد داره من بكر ثم مات البائع يطلب المشتري الدار من ورثته و الحال أن البائع العاقد لا يكون مأمورا بتسليم الدار فان الميت لا يمكن أن يتعلق به التكليف و أيضا نرى أنه لو غصب مال من أحد بحيث لا يرجى رجوعه الى المالك يرون بقاء تلك العين في ملك من غصب منه و لا يرضى بتصرف ذلك الغاصب فيه و على الجملة هذا الذي افيد في المقام مخالف مع الأدلة الشرعية و مع بناء العقلاء و ارتكازهم فأصل المدعى ساقط من أساسه.

الجهة الثالثة: في موارد انطباق القاعدة المذكورة

و قد ذكر القائل بهذه القاعدة بعض الموارد على ما رامه منها ما لو استأجرت مرضعة لإرضاع ولد المستأجر فمات الولد أو المرضعة أو كلاهما قبل الارضاع أو جف اللبن تبطل الاجارة.

أقول: بطلان الاجارة فيما ذكر من المثال لا يرتبط بهذه القاعدة المدعاة بل البطلان من باب ان متعلق العقد حين تحققه لم يكن له موضوع و بطلان العقد مع فرض عدم متعلقه و موضوعه واضح ظاهر و بعبارة اخرى وجود متعلق العقد

156

ركن في تماميته بلا فرق بين العقود و الايقاعات مثلا لو باع زيد داره التي تكون له في اعتقاده في كربلاء و الحال أنه خيال و لا دار له هناك يكون العقد باطلا و أيضا لو آجر داره التي في النجف و هكذا و مسئلة الرضاع من هذا القبيل فان المرأة التي تموت بعد ساعة لا تكون قابلة لان ترضع الولد و أيضا مع عدم اللبن في ثديها و هكذا في جميع ما يكون من هذا القبيل.

157

القاعدة الرابعة عشرة قاعدة لا حرج‏

و في المقام جهات من البحث:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: في بيان المراد

من العسر و الحرج.

فنقول: أما الحرج فيظهر من كلمات أهل اللغة أن معناه الضيق، فعن القاموس الحرج المكان الضيق و كذلك عن الصحاح و عن النهاية الحرج في الأصل الضيق و في المجمع‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ أي من ضيق بان يكلّفكم ما لا طاقة لكم به و في المنجد الحرج المكان الضيق الكثير الاشجار و يستفاد من بعض الاخبار أنه عبارة عن الضيق لاحظ ذيل حديث مسعدة بن زياد: عبد اللّه بن جعفر الحميري عن مسعدة بن زياد قال: حدثني جعفر عن أبيه (عليه السّلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: مما اعطى اللّه أمتي و فضّلهم على سائر الامم أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها الّا نبيّ و ذلك ان اللّه تبارك و تعالى كان اذا بعث نبيا قال له اجتهد في دينك و لا حرج عليك و ان اللّه تبارك و تعالى أعطى ذلك أمّتي حيث يقول‏ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ يقول من ضيق ... الحديث‏ (1).

و أما العسر فعن النهاية أنه خلاف اليسر و هو الضيق و كذلك عن القاموس و في المنجد العسر الشدة و الضيق و أما الأصر فعن القاموس الأصر الثقل و عن النهاية

____________

(1) البرهان: ج 3 ص 105 الحديث 6.

158

أنه الضيق و عن الصحاح أنه الثقل فالجامع بين الكل الضيق و الثقل و الظاهر أنه بحسب المتفاهم العرفي ما لا يتحمل عادة فان كان طبع التكليف الشرعي المتوجه الى العباد أمرا غير قابل للتحمل كالجهاد و نحوه و لا يرتفع بهذه القاعدة كما هو ظاهر.

نعم لا يبعد ان يقال بأنه في تلك الموارد اذا كان الحرج أشد من المقدار المتعارف يرتفع الحكم الشرعي فتأمّل كما أنه لو علم من الشارع عدم رضائه بوقوع أمر كاللواط مثلا نلتزم بحرمته و إن كان في الامساك عنه حرج شديد.

الجهة الثانية: فيما يمكن ان يستدل به أو استدل للمدعى‏

: منها قوله تعالى:

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (1) و تقريب الاستدلال بالآية الشريفة ان قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ بعد قوله‏ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ بمنزلة العلّة و الكبرى الكلية كما في قوله لا تشرب الخمر لأنه مسكر فيستفاد من الآية الشريفة أنه لم يجعل في الشريعة المقدسة امرا عسرا و يمكن الاستدلال بالآية على المدعى بتقريب آخر و هو ان المراد بالارادة في الآية الشريفة الارادة التشريعية فالمراد من قوله تعالى: لا يُرِيدُ عدم الارادة تشريعا هذا من ناحية و من ناحية اخرى حذف المتعلق يفيد العموم فالنتيجة أنه يستفاد من الآية ان اللّه لا يريد في وعاء التشريع العسر فلا يريد التكليف الذي يكون عسرا.

و منها: الآية الاخيرة لسورة البقرة لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏

____________

(1) البقرة: 185.

159

وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏ (1) و محل الشاهد فيها عدة موارد:

الأول: قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها فان المراد من الآية أنه لا يكلف تكليفا عسرا لا أنه لا يكلف غير المقدور عقلا فانه أمر غير ممكن و لا يقع على أحد من الامة و لا مجال للمنّة كما هو المستفاد من الآية و السياق، الثاني قوله تعالى: وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً و الاصر هو الثقل و الظاهر من الآية أنه تعالى استجاب دعوة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بعبارة واضحة يفهم الانسان من سياق الآية و ايراد المطلب في القرآن الكريم ان اللّه تبارك و تعالى في مقام بيان لطفه بالنسبة الى رسول الإسلام و استجابة دعوته، الثالث قوله تعالى: وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏ و الظاهر أن المراد بما لا طاقة به الامر العسر و السياق يقتضي الاستجابة مضافا الى ما ورد في رواية علي بن ابراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أن هذه الآية مشافهة اللّه تعالى لنبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ليلة اسري به الى السماء قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لما انتهيت الى محل سدرة المنتهى فاذا الورقة منها تظل أمّة من الامم فكنت من ربّي‏ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ كما حكى اللّه عزّ و جلّ فناداني ربّي تعالى‏ آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ‏ فقلت: انا مجيبا عنّي و عن أمّتي‏ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ فقال اللّه‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ‏ فقلت‏ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا و قال اللّه لا أؤاخذك فقلت‏ رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا فقال اللّه لا احملك فقلت: رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ

____________

(1) البقرة: 286.

160

لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ‏ فقال اللّه تعالى قد اعطيتك ذلك لك و لأمّتك فقال الصادق (عليه السّلام) ما وفد الى اللّه تعالى أحد اكرم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حيث سأل لأمته هذه الخصال‏ (1).

و منها قوله تعالى: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ‏ (2) و تقريب الاستدلال بالآية ان اللّه لا يريد جعل الامر الحرجي في الدين فيستفاد منها الميزان الكلي.

و في المقام مناقشة و هي ان المستفاد من الآية ان اللّه تعالى لم يرد بهذا الأمر المذكور في الآية ايقاع الحرج لكن حيث ان المذكور فيها ذو ملاك و مصلحة أمر به و جعله على المكلفين و بعبارة اخرى المستفاد من الآية ان اللّه لا يكلف بتكاليف حرجية خالية عن الملاك و الفائدة و بهذا البيان لا يمكن الوصول الى المقصود و ليس للاستدلال على المدعى سبيل.

و لكن بعد المراجعة الأخيرة اختلج بالبال أن يقال يمكن أن يكون المراد من الآية الشريفة بيان ان اللّه لا يريد بالتكاليف التي يكلفكم بها ايقاع الحرج عليكم و لذا عند الضرورة و المحذور عن استعمال الماء تصل النوبة الى الطهارة الترابية بل يريد ان يطهركم و يزيل عنكم الخباثة المعنوية كي يناسب قيامكم للصلاة التي تكون مشروطة بالطهارة و عليه لا يمكن الاستدلال بهذه الآية على المدعى لكن يكفي للاستدلال عليه بقية الوجوه و منها قوله تعالى في سورة الحج‏ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (3) و تقريب الاستدلال بما ان المستفاد منها كبرى‏

____________

(1) البرهان: ج 1 ص 266 الحديث 2.

(2) المائدة: 6.

(3) الحج: 78.

161

كلية و هي ان اللّه تعالى لم يجعل في الدين امرا حرجيا و يؤيد المدعى بل يدل عليه ما ورد في تفسير الآية و هو ما رواه عبد اللّه بن جعفر الحميري عن مسعدة بن زياد (1).

و أما الروايات التي يمكن أن يستدل بها فمنها ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل اصبعه فيه قال: و قال ان كانت يده قذرة فأهرقه و إن كان لم يصبها قذر فليغتسل منه هذا مما قال اللّه تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (2) و تقريب الاستدلال به على المدعى ظاهر.

و منها ما رواه أبو بصير أيضا قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) انا نسافر فربما بلينا بالغدير من المطر يكون الى جانب القرية فتكون فيه العذرة و يبول فيه الصبي و تبول فيه الدابة و تروث فقال ان عرض في قلبك منه شي‏ء فقل هكذا يعني. أفرج الماء بيدك ثم توضّأ فان الدين ليس بمضيق فان اللّه يقول‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (3).

و يمكن الاستدلال أولا بقوله (عليه السّلام) فان الدين ليس بمضيق و ثانيا باستشهاده (عليه السّلام) بقوله تعالى فلاحظ.

و منها ما رواه فضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: في الرجل لجنب يغتسل فينتضح من الماء في الإناء فقال: لا بأس‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (4).

____________

(1) لاحظ ص 157.

(2) الوسائل: الباب 8 من أبواب الماء المطلق الحديث 11.

(3) الوسائل: الباب 9 من أبواب الماء المطلق الحديث 14.

(4) نفس المصدر الحديث 5.

162

و منها ما رواه فضيل قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عن الجنب يغتسل فينتضح من الأرض في الإناء فقال: لا بأس هذا مما قال اللّه تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (1).

و منها ما رواه محمد بن ميسر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل الجنب ينتهي الى الماء القليل في الطريق و يريد ان يغتسل منه و ليس معه إناء يغرف به و يداه قذرتان قال يضع يده ثم يتوضأ ثم يغتسل هذا مما قال اللّه عزّ و جلّ‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (2) و تقريب الاستدلال ظاهر.

و منها ما رواه عبد الاعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء قال: يعرف هذا و اشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ قال اللّه تعالى‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ امسح عليه‏ (3) و لكن عبد الاعلى لم يوثق بل مدح.

و منها ما رواه زرارة أنه قال لأبي جعفر (عليه السّلام): ألا تخبرني من أين علمت و قلت ان المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين و ذكر الحديث الى ان قال أبو جعفر (عليه السّلام) ثم فصّل بين الكلام فقال‏ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏ فعرفنا حين قال‏ بِرُؤُسِكُمْ‏ ان المسح ببعض الرأس لمكان الباء الى ان قال‏ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ‏ فلمّا ان وضع الوضوء عمن لم يجد الماء اثبت بعض الغسل مسحا لأنه قال‏ «بِوُجُوهِكُمْ» ثم وصل بها «وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» أي من ذلك التيمم لأنه علم ان ذلك اجمع لم يجر على الوجه لأنه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف و لا يعلق ببعضها ثم قال‏ ما جَعَلَ‏

____________

(1) نفس المصدر الحديث 1.

(2) الوسائل: الباب 8 من أبواب الماء المطلق الحديث 5.

(3) الوسائل: الباب 39 من أبواب الوضوء الحديث 5.

163

عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ و الحرج الضيق‏ (1).

و منها ما رواه حمزة بن الطيار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال لي اكتب فأملى عليّ انّ من قولنا ان اللّه يحتج على العباد بما أتاهم و عرّفهم ثم أرسل اليهم رسولا و أنزل عليهم الكتاب فأمر فيه و نهى، أمر فيه بالصلاة و الصيام فنام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عن الصلاة فقال انا انيمك و انا اوقظك فاذا قمت فصلّ ليعلموا اذا أصابهم ذلك كيف يصنعون ليس كما يقولون اذا نام عنها هلك و كذلك الصيام أنا أمرضك و أنا أصحك فاذا شفيتك فاقضه ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) و كذلك اذا نظرت في جميع الأشياء لم تجد احدا في ضيق و لم تجد أحدا الّا و للّه عليه الحجة و للّه فيه المشيئة و لا أقول انهم ما شاءوا صنعوا ثم قال ان اللّه يهدي و يضلّ و قال و ما امروا الّا بدون سعتهم و كل شي‏ء أمر الناس به فهم يسعون له و كل شي‏ء لا يسعون له فهو موضوع عنهم و لكن الناس لا خير فيهم ثم تلا (عليه السّلام) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى الْمَرْضى‏ وَ لا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ... فوضع عنهم‏ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ... قال فوضع عنهم لأنهم لا يجدون‏ (2) هذه هي جملة من الروايات التي يمكن أن يستدل بها على المدعى و يؤيدها ما اشتهر في ألسنة العلماء و الفضلاء و الطلاب ان الشريعة الاسلامية سهلة سمحة كما روى عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): بعثت بالحنيفية السمحة السهلة (3) و ما رواه زياد ابن سوقة عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: لا بأس أن يصلي‏

____________

(1) الوسائل: الباب 13 من أبواب التيمم الحديث 1.

(2) الكافي: ج 1 ص 164 الحديث 4.

(3) مجمع البحرين مادة حنف.

164

أحدكم في الثوب الواحد و ازراره محللة ان دين محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حنيف‏ (1).

و اما الاجماع فعلى فرض تحققه فامّا مقطوع المدرك و امّا محتمله و على كلا التقديرين لا يفيد كما هو ظاهر.

و أما العقل فليس له سبيل الى هذا الموضوع و انّما العقل يدرك امتناع تعلق التكليف بغير المقدور لكونه لغوا و عبثا و الحكيم لا عبث في تكاليفه كما هو اظهر من الشمس.

فالنتيجة أنه لا شبهة من حيث الدليل تمامية القاعدة و ان الحرج مرفوع في الشريعة المقدسة ان قلت اذا كان الامر كذلك فكيف نرى جعل بعض الاحكام و الحال أنه حرجي كالجهاد و امثاله قلت القاعدة لا تكون عقلية كي لا يمكن تخصيصها بل قاعدة شرعية و التخصيص في الحكم الشرعي لا يكون عزيزا.

و صفوة القول انّ الحكم اذا كان حرجيا في نفسه و طبعه أي يكون حرجيا بالنسبة الى كل احد يكون دليله مخصصا للقاعدة و أمّا اذا كان حرجيا بالنسبة الى بعض دون الاخر يكون مرتفعا عن مورد الحرج الا أن يعلم أنه اريد العموم و لا تبعيض فيه فايضا يكون الدليل مخصصا للقاعدة.

الجهة الثالثة: في أنّ المستفاد من دليل القاعدة انّ المرفوع الحرج أو المرفوع الحكم الذي يوجب الحرج‏

و الأول موافق لمرام صاحب الكفاية و الثاني لمرام الشيخ (قدّس سرّه) و الفرق و اختلاف الأثر ظاهر بين المسلكين فان قلنا بان المرفوع الحكم الناشي منه الحرج نلتزم بعدم وجوب الاحتياط فيما يكون الجمع بين الاطراف حرجيا و نقول بارتفاع الوجوب المتعلق بالواجب الموجود بين الاطراف و أمّا ان قلنا بان المرفوع الفعل الحرجي الثقيل فلا وجه لارتفاع الوجوب في موارد العلم‏

____________

(1) الوسائل: الباب 23 من أبواب لباس المصلي الحديث 1.

165

الإجمالي اذا لم يتعلق الوجوب بالامر الحرجي و الظاهر من الدليل ما ذهب اليه صاحب الكفاية اذ العناوين عناوين للأمور الخارجية فان العمل الكذائي حرج مثلا لو كان الصعود الى الجبل امرا صعبا و حرجيا يصدق ان الوجوب مرفوع عنه و الحاصل ان الحرج و ما يرادفه مما وقع في الادلة عبارة عن الافعال الخارجية و ما جعلت في الدين فان جعلها في الدين عبارة عن توجيه التكليف نحوها و عدم جعلها في الدين عبارة عن عدم توجيه التكليف نحوها و يترتب على هذا أثر ظاهر مهم فلا تغفل و لقائل ان يقول أنه لا شبهة في أنّه لو كان لعمل مقدمات صعبة و لكن نفس العمل لا يكون كذلك مثلا قراءة سورة قصيرة في فصل الشتاء ليست امرا حرجيا ذا مشقة و لكن اذا أمر المولى بها بان يؤتى بها على رأس جبل شاهق صعب الصعود يكون هذا التكليف حرجيا و عسرا و الحال ان نفس الفعل لا عسر فيه و هل يمكن ان يقال ان هذا التكليف ليس عسرا و هل يمكن ان يدعي المولى اني لا اريد بالمكلف العسر و اريد به اليسر و صفوة القول ان التكليف لو استلزم الحرج على المكلف و لو من ناحية مقدمات العمل يصح ان يقال ان التكليف حرجي فلاحظ.

و يختلج بالبال أن يقال أنه يمكن اثبات عدم وجوب الاحتياط بتقريب آخر و هو أنه لو استلزم الاحتياط الحرج نسأل ان الاحتياط المذكور في وعاء الشرع واجب أم لا؟ ان قلت انه واجب قلت وجوبه يناقض نفي الحكم الحرجي اذ الموجبة الجزئية نقيض السالبة الكلية و ان قلت لا يكون واجبا قلت هو المطلوب و إن قلت نشك في وجوبه و عدمه قلت مقتضى البراءة عدم وجوبه و هذا التقريب يفيدنا في القول بعدم وجوب الاحتياط في موارد العلم الإجمالي مضافا الى ما بنينا عليه في ذلك البحث من جواز جريان الأصل في بعض الاطراف و لا يخفى ان التقريب الثاني الذي ذكرناه في المقام يغاير التقريب الأول في الأثر فان التقريب‏

166

الأول يقتضي ارتفاع الحكم من اصله و أما التقريب الثاني فانما يقتضي ترك الاحتياط فقط ارتفاع الحكم في الواقع.

و إن شئت فقل التقريب الأول يقتضي الارتفاع الواقعي و التقريب الثاني يقتضي الارتفاع الظاهري فيما لا يكون الاحتياط حرجيا.

اللهم الّا أن يقال انه قد ثبت في الأصول عدم وجوب مقدمة الواجب شرعا و انما يكون وجوبها عقليا فلا تنافي بين عدم وجوب الاحتياط شرعا و بين وجوبها عقلا فلا يتم التقريب المذكور لارتفاع الحكم في مقام الظاهر نعم مقتضى مقالة الشيخ (قدّس سرّه) انّ الحكم الواقعي في موارد كون الاحتياط حرجيا يرتفع بدليل رفع العسر و الحرج.

الجهة الرابعة: في أن أدلة الحرج هل تكون حاكمة على أدلة الأحكام أم لا؟

الظاهر أنها حاكمة فانه لم يعتبر في الحكومة بلفظ أي أو أعني بل معنى الحكومة أن يكون أحد الدليلين ناظرا الى دليل الآخر و يكون متصرفا في مدلوله و المقام كذلك إذ لو لم يكن حكم مجعول في الدين لم يكن قوله‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ صحيحا فإنه لا موضوع لهذا البيان فمعنى هذه الجملة ان المجعولات الدينيّة لا يكون فيها أمر حرجي و يؤيد المدعى بل يدل عليه ما وقع في جملة من الروايات من التطبيق أي تطبيق القاعدة على الموارد كما تقدمت و مرت عليك.

الجهة الخامسة: ان الميزان في القاعدة بالحرج الشخصي‏

كما هو الميزان في جميع القضايا الحقيقية و كون الميزان بالنوعي امرا على خلاف الظاهر و يحتاج الى دليل خاص و قرينة.

غاية الأمر يتوجه الاشكال و هو أن المستفاد من الروايات الواردة في المقام ان الميزان بالحرج النوعي فان الاجتناب عن الغدير الذي يلاقيه النجاسة ليس حرجيا لكل أحد بل الحرج فيه نوعي.

167

لكن يمكن الجواب بان المستفاد من تلك الروايات أيضا الحرج الشخصي لكن قد علم من الخارج ان الكر لا ينجس بالملاقات.

و ببيان أوضح ان المستفاد من الدليل ان الميزان الحرج الشخصي لكن في بعض الموارد. قد علم من الدليل رفع الحكم حتى في مورد عدم الحرج بالنسبة الى بعض و لك ان تقول أنّ المستفاد من بعض ادلة القاعدة ان رفع الحكم يدور مدار الحرج الشخصي غاية الأمر انّ الحكم مرفوع في بعض الموارد حتى مع عدم الحرج الشخصي و هذا تخصيص في عمومية العلة و ان شئت فقل المستفاد من مجموع الادلة ان الميزان في جريان القاعدة الحرج الشخصي و عدم جريانه في النوعي و هذه القضية الثانية خصصت في بعض الأحكام كالقصر في السفر و من الظاهر ان التخصيص في الضوابط الشرعية أمر رائج فلاحظ.

الجهة السادسة: أنه لا فرق بين العدميات و الوجوديات‏

فان الحرج يوجب رفع الحكم أعم من أن يكون متعلقا بالوجود كالوجوب أو بالعدم كالحرمة فلو كان الامساك عن الحرام حرجا يرتفع حرمته و بعبارة واضحة لا فرق من هذه الجهة بين الايجاب و التحريم لا طلاق الدليل بل يمكن ان يقال مقتضى اطلاق دليل القاعدة رفع الحكم غير الالزامي و لا نرى مانعا في هذه العجالة عن الالتزام به و بعبارة اوضح انه اذا كان فعل حرجيا لا يتعلق به الأمر الاستحبابي إذ ليس في الدين الحرج و قس عليه النهي عن امر يكون تركه حرجيا.

الجهة السابعة: أنه لا فرق بين الحكم التكليفي و الوضعي‏

فلو كان جعل أمر وضعي حرجيا يرتفع بدليل رفع الحرج و عليه لو كانت العلقة الزوجية حرجية على أحد طرفي العقد يلزم رفعها بدليل رفع الحرج و لا يخفى انه ينكشف ان الزوجية انما امضيت من قبل الشارع من زمان العقد الى زمان تحقق الحرج و الحال ان العقود تابعة للقصود فكيف يمكن التبعيض و يؤيد رفع الحرج الحكم الوضعي ما افتى به‏

168

السيد اليزدي في ملحقات عروته‏ (1) في مسألة المفقود مع عدم صبر زوجته قال:

يمكن ان يقال بجوازه (الطلاق) بقاعدة نفي الحرج و الضرر.

الجهة الثامنة: أن حكومة لا حرج على أدلة الأحكام حكومة واقعية

و لازمها ارتفاع الحكم واقعا و عليه يقع الاشكال في جواز الوضوء الحرجي و قد يقال في رفع الاشكال بان مقتضى الامتنان رفع الالزام لا رفع الملاك و يجاب بانه بعد رفع الالزام لا دليل على الملاك و يجاب بان الدلالة الالتزامية ليست تابعة للمطابقية في الحجية و يجاب ببطلان هذا الكلام فان الالتزام تابع للمطابقية في جميع المراتب.

و لكن مع ذلك يمكن تقريب صحة الوضوء بوجه آخر و هو ان الامتنان يقتضي وجود الملاك و الّا فمع عدم الملاك للوضوء لا معنى للمنة في رفع الالزام عنه فلازم الامتنان وجود الملاك و هو يكفي في صحة الوضوء.

و يمكن التقريب بوجه ثالث و هو أن دليل لا حرج لا يرفع الاستحباب و الأمر المتوجه الى الوضوء نفسا هو الاستحباب و هو باق مع الحرج فالوضوء صحيح لكن يشكل التقريب المذكور بما تقدم منا من ان دليل لا حرج يشمل الحكم غير الالزامي فلا يبقى موضوع لهذا التقريب و في المقام اشكال و هو انّ المستفاد من الآية تقسيم المكلف الى الواجد و الفاقد و التقسيم قاطع للشركة.

و الجواب انّ المكلف مع الحرج واجد للماء لكن لو توضأ يكون وضوئه صحيحا و مع صحة وضوئه لا يصدق انه محدث فلا سبيل الى ان يتعلق به الأمر بالتيمم فلاحظ و إن شئت قلت ان القضية حقيقية و الشارع قسم المكلف الى قسمين و وجه الامر بالوضوء الى قسم منهما و وجه الامر بالتيمم الى قسم آخر غاية الامر بعض الاقسام من الواجد لو توضأ يكون وضوئه صحيحا و ينقلب‏

____________

(1) ملحقات العروة: ج 1 ص 75 مسألة 33.

169

موضوع المحدث الى المتطهر و بعبارة واضحة ان الحرج أوجب سقوط الالزام بالوضوء و وصلت النوبة الى التيمم لكن حيث ان الملاك موجود في الوضوء فاذا توضأ يكون وضوئه صحيحا فلا يبقى مجال للتيمم و صفوة القول ان الوضوء ان كان حرجيا لا يكون واجبا و لا تنافي بين الصحة و عدم الوجوب و ببيان أوضح أن المكلف في صورة الحرج يكون واجدا للماء لكن مع ذلك لا يكون الوضوء واجبا عليه لطفا من المولى و الظاهر أنه يتم الأمر لا يبقى اشكال و اللّه العالم و مما يدل على جواز التيمم مع وجدان الماء جواز التيمم لمن آوى الى فراشه فذكر انه غير متوض فانه يجوز له ان يتمم و على الجملة ان الامتنان يتوقف على وجود الملاك فاذا فرضنا ان القاعدة امتنانية يلزم الالتزام بوجود الملاك و مع وجود الملاك يصح الوضوء.

الجهة التاسعة: في تعارض الضرر و الحرج‏

كما لو كان التصرف في الملك الشخصي يضر بالغير و الامساك عن التصرف يكون حرجا الذي يختلج بالبال ان يقال مقتضى اطلاق دليل القاعدة جريانها في هذه الموارد.

إن قلت مفاد القاعدة حكم امتناني و جريانها في هذه الموارد خلاف الامتنان بالنسبة الى الطرف المقابل قلت يكفي للامتنان كون رفع الحرمة الحرجية عن هذا الطرف و لا يلزم ان يكون امتنانيا بالنسبة الى جميع الاطراف و لكن الانصاف ان الالتزام بالجواز فيما يستلزم التصرف في مال الغير أو عرضه أو بدنه مشكل و اللّه الهادي الى سواء السبيل.

إن قلت أيّ دليل دل على كون القاعدة امتنانية قلت المستفاد من الآية الشريفة يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (1) ان المقتضي للإرادة موجود

____________

(1) البقرة: 158.

170

غاية الأمر الشارع الأقدس منّ على عباده و لم يرد العسر بل اراد اليسر.

الجهة العاشرة: ان القاعدة هل تكون من المسائل الفقهية أو تكون من المسائل الأصولية

الحق أنها من المسائل الفقهية إذ المسألة الاصولية لا تتعرض لحكم افعال المكلف بل لها دخل في استنباط الحكم الشرعي و أما المسألة الفقهية فمتعرضة لحكم فعل المكلف و من الظاهر ان المستفاد من القاعدة بيان ما يتعلق بافعال العباد.

171

القاعدة الخامسة عشرة قاعدة رفع القلم عن غير البالغ‏

من الأمور التي وقع البحث عنها ان الحكم الوضعي كالحكم التكليفي مرفوع عن غير البالغ أو ان الرفع مخصوص بالحكم التكليفي و يقع البحث في المقام من جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: أن مقتضى الأدلة العامة الواردة في الأحكام الوضعية شمولها لغير البالغ‏

و لا بد في الخروج عنها من مخصص و لولاه لم يكن فرق بين البالغ و غيره و الظاهر انه لا مجال لإنكار هذا المعنى فان أدلة الأحكام الوضعية باطلاقها أو عمومها تشمل جميع الناس بل شمول أدلة الوضعيات لغير البالغ أوضح من شمول أدلة التكاليف فإن دليل الحكم التكليفي لا يشمل من لا عقل له كما انه لا يشمل الغافل و بعبارة واضحة لا يشمل من لا يكون قابلا لتوجيه الخطاب اليه و البعث و أما الحكم الوضعي فلا يكون مرهونا بما ذكر.

الجهة الثانية: فيما يمكن ان يستدل به على عدم شمول الدليل لغير البالغ‏

و عمدة ما يكون قابلا للاستدلال به على المدعى ما رواه عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة فقال اذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة فان احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة و جرى عليه القلم و الجارية مثل ذلك ان أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد

172

وجبت عليها الصلاة و جرى عليها القلم‏ (1) فإن المستفاد من الحديث عدم جريان القلم على الصبي قبل الاحتلام و مقتضى إطلاق عدم الجريان التسوية بين قلم التكليف و الوضع و تخصيص الحديث و عدم الجريان بالتكليف فقط يحتاج الى الدليل.

الجهة الثالثة: فيما يمكن أن يكون مخصصا و مانعا عن شمول الدليل للحكم الوضعي‏

و ما يمكن ان يكون مخصصا للإطلاق و مقيدا أمور: منها الاجماع على أن اتلاف الصبي مال الغير يوجب الضمان و فيه انه قد ثبت في محله عدم اعتبار الإجماع المنقول.

و منها السيرة الجارية على تضمين غير البالغ اذا اتلف مال الغير و فيه انا لا نجزم بكون هذه السيرة ممضاة من قبل الشارع و أما سيرة العقلاء على فرض تحققها فمردوعة بالحديث.

و منها الروايات الدالة على الضمان و فيه ان العمومات تخصص بالحديث المشار اليه.

____________

(1) الوسائل: الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 12.

173

القاعدة السادسة عشرة قاعدة امارية السوق على كون اللحوم الموجودة فيه مذكاة

من القواعد التي وقعت محل البحث عند الأعلام قاعدة امارية سوق المسلمين على تذكية الحيوان و يقع البحث في المقام من جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: في دليل القاعدة

. و يمكن الاستدلال على المدعى بوجهين:

الوجه الأول: السيرة الجارية بين أهل الشرع و الظاهر أنه لا يمكن النقاش في السيرة.

الوجه الثاني: جملة من النصوص: منها ما رواه الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الخفاف التي تباع في السوق فقال اشتر وصل فيها حتى تعلم انه ميت بعينه‏ (1) و منها ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة فرا لا يدري أ ذكية هي أم غير ذكية أ يصلي فيها فقال نعم ليس عليكم المسألة ان ابا جعفر (عليه السّلام) كان يقول ان الخوارج ضيّقوا على انفسهم بجهالتهم ان الدين أوسع من ذلك‏ (2) و منها ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السّلام) قال: سألته عن الخفاف يأتي السوق فيشتري الخفّ لا يدري أ ذكي هو أم لا، ما تقول في الصلاة فيه و هو لا يدري‏

____________

(1) الوسائل: الباب 50 من أبواب النجاسات الحديث 2.

(2) نفس المصدر الحديث 3.

174

أ يصلي فيه قال: نعم انا اشتري الخف من السوق و يصنع لي و اصلي فيه و ليس عليكم المسألة (1) و منها ما رواه الحسن بن الجهم قال: قلت لأبي الحسن (عليه السّلام) اعترض السوق فأشتري خفّا لا أدري أ ذكي هو أم لا قال: صلّ فيه قلت فالنعل قال مثل ذلك قلت اني أضيق من هذا قال أ ترغب عما كان أبو الحسن (عليه السّلام) يفعله‏ (2) و منها ما رواه عبد اللّه بن سليمان قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن الجبن فقال لقد سألتني عن طعام يعجبني ثم أعطى الغلام درهما فقال: يا غلام ابتع لنا جبنا ثم دعا بالغداء فتغدينا معه فأتى بالجبن فأكل و اكلنا فلمّا فرغنا من الغداء قلت ما تقول في الجبن قال أولم ترني آكله قلت بلى و لكني أحب أن أسمعه منك فقال سأخبرك عن الجبن و غيره كل ما كان فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه‏ (3) و منها ما رواه أبو الجارود قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن الجبن فقلت له اخبرني من رأى أنه يجعل فيه الميتة فقال أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرّم في جميع الأرضين اذا علمت أنه ميتة فلا تأكله و ان لم تعلم فاشتر و بع و كل و اللّه أني لأعترض السوق فاشتري بها اللحم و السمن و الجبن و اللّه ما أظن كلهم يسمّون هذه البربر و هذه السودان‏ (4) و يستفاد من حديث اسماعيل بن عيسى قال: سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن الجلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل أسأل عن ذكاته اذا كان البائع مسلما غير عارف قال عليكم انتم ان تسألوا عنه اذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك و اذا رأيتم يصلون فيه‏

____________

(1) نفس المصدر الحديث 6.

(2) الوسائل: الباب 50 من أبواب النجاسات الحديث 9.

(3) الوسائل: الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة الحديث 1.

(4) نفس المصدر الحديث 5.

175

فلا تسألوا عنه‏ (1) اشتراط الجواز بصلاة المسلم في الجلد المأخوذ من السوق و الحديث لا يعتد به فان اسماعيل لم يوثق.

و يستفاد من حديث محمد بن الحسين الأشعري قال: كتب بعض أصحابنا الى أبي جعفر الثاني (عليه السّلام) ما تقول في الفرو يشترى من السوق فقال اذا كان مضمونا فلا بأس‏ (2) اشتراط الجواز بالضمان و الحديث مخدوش سندا فالنتيجة ان الدليل على الجواز و كون المأخوذ من السوق محكوم بالتذكية تام و لا يكون في قباله ما يعارضه أو يقيده بقيد.

الجهة الثانية: أنه هل المراد بالسوق مطلق السوق بلا فرق بين كونه للمسلمين أو للكفار؟

الظاهر لزوم كونه للمسلمين لاحظ ما رواه فضيل و زرارة و محمد بن مسلم أنهم سألوا أبا جعفر (عليه السّلام) عن شراء اللحوم من الاسواق و لا يدرى ما صنع القصابون فقال كل اذا كان ذلك في سوق المسلمين و لا تسأل عنه‏ (3) فان الحديث يدل بوضوح على اعتبار كون السوق للمسلمين مضافا الى أنه ربما يختلج بالبال انصراف السوق الوارد في النصوص الى سوق المسلمين و اما اشتراط كونه للعارفين فلا دليل عليه و ببيان واضح أن مقتضى الاطلاق كفاية السوق بلا فرق بين انتسابه الى العارفين أو غيره و انما نلتزم بخروج سوق الكفار لأجل الحديث المتقدم ذكره آنفا.

الجهة الثالثة: أنه لا خصوصية للسوق‏

بما هو بل الميزان انتساب محل البيع و الشراء الى المسلمين فلا فرق بين السوق و الشارع و الزقاق الى غيرها و الوجه فيه ان العرف يفهم من النصوص محل المعاملة بلا خصوصية لعنوان السوق و ان شئت‏

____________

(1) الوسائل: الباب 50 من أبواب النجاسات الحديث 7.

(2) نفس المصدر، الحديث 10.

(3) الوسائل: الباب 29 من أبواب الذبائح.

176

فقل ان هذا اللفظ اشارة الى مطلق محل المعاملة و العرف ببابك.

الجهة الرابعة: أنه هل السوق بنفسه امارة على التذكية أو أنه أمارة على كون البائع مسلما؟

و بعبارة اخرى هل يكون السوق أمارة على الأمارة أو يكون أمارة مستقلة في قبال كون يد المسلم امارة و لهذا البحث أثر عملي اذ لو قلنا بكونه امارة على الامارة لو علم اجمالا بعدم اسلام بعض أهل السوق و كان محل الابتلاء لا يجوز ترتيب اثر المذكى على المأخوذ من السوق الا أن يقال لا مانع عن جريان حجية السوق بالنسبة الى بعض الافراد مع البناء على ترك الطرف الاخر كما بنينا عليه و قلنا انّه يجوز جريان الاصل في بعض أطراف العلم الإجمالي و اما اذا قلنا بكونه أمارة مستقلة فلا يكون العلم الإجمالي مضرا بل مقتضى الإطلاق و الصناعة جواز ترتيب الأثر على ما يؤخذ من السوق حتى مع العلم بكون البائع كافرا مع احتمال كون المأخوذ منه مذكى.

و الأنصاف أن المستفاد من الدليل كون السوق بنفسه امارة و لا نضايق عن الالتزام بلازمه بعد وفاء الدليل به.

الجهة الخامسة: ان السوق و اعتباره من حيث كونه أمارة

في قبال بقية الأمارات أو يكون اصلا من الاصول.

الانصاف أنه لا يمكن الجزم باحد الطرفين و المقدار المستفاد من النصوص ان المأخوذ من السوق محكوم بالتذكية و يمكن ان يقال أن الموضوع المأخوذ في اعتبار السوق الشك في التذكية فتكون القاعدة أصلا من الأصول.

الجهة السادسة: أنه هل يقدم على معارضه أم لا

فنقول لا اشكال في تقدمه على الاستصحاب إذ لو لم يقدم عليه لا يبقى له مورد و أما اذا عارضه البينة أو خبر عدل واحد أو ثقة كذلك فما هي النتيجة.

الذي يختلج بالبال في هذه العجالة ان نقول تقدم البينة عليه و كذلك الخبر

177

الواحد الذي يكون حجة اذ الموضوع في اعتبار السوق الشك في التذكية و عدمها و الحال ان البينة و كذلك الخبر الواحد كاشفان عن الواقع فلا يبقى شك كي يؤخذ بأمارية السوق.

178

القاعدة السابعة عشرة قاعدة لا شك في النوافل‏

من القواعد التي وقعت مورد الكلام و تعرض لها بعض قاعدة لا شك في النافلة و يقع الكلام في المقام أولا في بيان المراد من هذه الجملة و ثانيا في دليل الحكم.

فنقول لا يبعد أن يكون المراد من الجملة ان حكم الشك في الشك في النافلة انّه لا يترتب عليه فإن الشك في الركعات له حكم خاص و ذلك الحكم لا يترتب على الشك في النافلة و أما دليل المدعى فما ذكر في المقام و جهان:

الوجه الأول: جملة من النصوص منها ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السّلام) قال: سألته عن السهو في النافلة فقال ليس عليك شي‏ء (1) و الظاهر من هذه الرواية أمّا أنه لا يترتب على السهو في النافلة وجوب سجدتي السهو نظير ما ورد في عدة من النصوص بانه لا سهو في سهو.

و منها ما رواه حفص بن البختري عن عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال: ليس على السهو سهو و لا على الاعادة إعادة (2) و منها ما رواه يونس عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، في حديث قال لا سهو في سهو (3) و منها ما رواه ابراهيم بن هاشم‏

____________

(1) الوسائل: الباب 18 من أبواب الخلل الحديث 1.

(2) الوسائل: الباب 25 من أبواب الخلل الحديث 1.

(3) نفس المصدر الحديث 2.

179

في نوادره عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) و لا سهو في سهو (1) أو المراد ان حكم السهو المترتب على السهو في الفريضة لا يترتب على السهو في النافلة فلو زاد ركنا في النافلة سهوا لا يكون موجبا لبطلانها و عليه لا يرتبط بالمقام أصلا.

و منها ما ارسله الكليني (رحمه اللّه): انه اذا سها في النافلة بنى على الاقلّ‏ (2) و المستفاد من الحديث انه لو شك في النافلة بنى على الاقل و المرسل لا اعتبار به.

و منها ما رواه العلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن الرجل يشك في الفجر قال يعيد قلت و المغرب قال: نعم و الوتر و الجمعة من غير أن أسأله‏ (3) و المستفاد من الحديث ان الشك في الوتر يوجب بطلانه.

و منها ما رواه عبيد اللّه الحلبي قال: سألته عن رجل سها في ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما حتى قام فركع في الثالثة فقال يدع ركعة و يجلس و يتشهّد و يسلّم ثم يستأنف الصلاة بعد (4) و المستفاد من الحديث ان النافلة لا تبطل بزيادة الركن و لا يرتبط بالمقام.

فالنتيجة أنّ النصوص المشار إليها لا تفي بإثبات المدعى.

الوجه الثاني: الاجماع قال سيد المستمسك في ذيل كلام صاحب العروة السابع الشك في ركعات النافلة سواء كانت ركعة كصلاة الوتر أو ركعتين كسائر النوافل أو رباعية كصلاة الأعرابي فيتخير عند الشك بين البناء على الاقل أو الأكثر اتفاقا كما عن صريح المعتبر و التذكرة و ظاهر غيرهما و عن ظاهر الامالي أنه من دين الامامية الخ.

____________

(1) نفس المصدر الحديث 3.

(2) الوسائل: الباب 18 من أبواب الخلل الحديث 2.

(3) نفس المصدر الحديث 3.

(4) نفس المصدر الحديث 4.

180

و قال في الحدائق الظاهر أنه لا خلاف بين الاصحاب في التخيير في النافلة بين البناء على الاكثر و الاقل لو عرض له الشك فيها مع أفضلية البناء على الأقل و نقل عن المدارك انه قال لا ريب في أفضلية البناء على الأقل لأنه المتيقن و قال المحقق الهمداني (رحمه اللّه) انه نقل الاجماع مستفيضا ان لم يكن متواترا على جواز البناء على الاقل بل يكون افضل و قال في المستند في جملة كلام له و أما الثانيان فوجوب البناء على الأكثر في الشك في الركعات و صلاة الاحتياط فلا يثبتان في النافلة الى أن قال و بالإجماع المذكور يخرج في الحكمين عن الاصل المتقدم‏ (1).

اضف الى ذلك ان المسألة مورد الابتلاء فكيف يمكن أن يبقى حكمها مستورا فما يكون مورد الاجماع و التسالم من عدم ايجاب الشك، البطلان تاما و لا يكون قابلا للخدش و إن شئت فقل ليس الاجماع المدعى في المقام كبقية الاجماعات التي تكون قابلة للنقاش فيها و اللّه العالم.

____________

(1) المستند للنراقي: ج 7 ص 228 و 229.

181

القاعدة الثامنة عشرة قاعدة اعتبار الظن في الركعات‏

من القواعد التي وقعت مورد البحث قاعدة ان الظن في الركعات بحكم العلم و الكلام في هذه القاعدة يقع تارة بالنسبة الى الركعتين الاخيرتين و اخرى بالنسبة الى الاوليين فهنا فرعان:

أما الفرع الأول فالظاهر عدم الخلاف فيه الا من ابن ادريس على ما نقل عنه و العمدة النصوص الواردة في المقام منها ما رواه صفوان عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال:

ان كنت لا تدري كم صليت و لم يقع وهمك على شي‏ء فاعد الصلاة (1) و هذه الرواية من حيث الدلالة على المدعى لا اشكال فيها انما الاشكال في سندها فان محمد بن خالد مورد الكلام و الاشكال و لكن انا بنينا على اعتبار توثيق المتأخرين و العلامة وثق الرجل مضافا الى توثيق الشيخ ايّاه و قال النجاشي أنه ضعيف الحديث و قال الحر (قدّس سرّه) و تضعيف النجاشي لحديثه بمعنى انه كثيرا ما يروى عن الضعفاء فلا يلزم ضعفه و لا ضعف حديثه الذي يرويه عن الثقات.

أقول: الانصاف أنه لا مجال للنقاش في اعتبار حديثه و كلام النجاشي لا يدل على عدم كونه ثقة مضافا الى توثيق الشيخ ايّاه فالحق ان الحديث تام سندا و لا يعارض بحديث محمد بن مسلم قال: انّما السهو بين الثلاث و الاربع و في الاثنتين‏

____________

(1) الوسائل: الباب 15 من أبواب الخلل الحديث 1.

182

و في الأربع بتلك المنزلة و من سها فلم يدر ثلاثا صلى أم اربعا و اعتدل شكّه قال يقوم فيتم ثم يجلس فيتشهد و يسلّم و يصلي ركعتين و اربع سجدات و هو جالس فان كان أكثر وهمه الى الأربع تشهد و سلّم ثم قرأ فاتحة الكتاب و ركع و سجد ثم قرأ فسجد سجدتين و تشهد و سلّم و إن كان أكثر و همه اثنتين نهض فصلى ركعتين و تشهد و سلّم‏ (1).

فان نسبة الحديث الى الإمام (عليه السّلام) غير معلوم و من الممكن ان اجتهاد ابن مسلم كذلك كما أنه لا يعارضه ما عن ابي بصير انه روى فيمن لم يدر ثلاثا صلى أم اربعا إن كان ذهب وهمك الى الرابعة فصلّ ركعتين و اربع سجدات جالسا فإن كنت صليت ثلاثا كانتا هاتان تمام صلاتك و إن كنت صليت أربعا كانتا هاتان نافلة لك‏ (2) فان الحديث مرسل.

و منها النبوي: اذا شك احدكم في الصلاة فلينظر أحرى ذلك الى الصواب فليبن عليه‏ (3) و الحديث لا اعتبار به سندا كما هو ظاهر.

و منها النبوي أيضا: اذا شك أحدكم في الصلاة فليتحرّ الصواب‏ (4) و منها ما رواه عبد الرحمن بن سيّابة و أبو العباس جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: اذا لم تدر ثلاثا صليت أو أربعا و وقع رأيك على الثلاث فابن على الثلاث و إن وقع رأيك على الأربع فسلّم و انصرف و ان اعتدل وهمك فانصرف و صلّ ركعتين و أنت جالس‏ (5) و الحديث تام سندا و دلالة على المدعى في الجملة.

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من أبواب الخلل الحديث 4.

(2) نفس المصدر الحديث 8.

(3) صحيح مسلم، سنن النسائي، عن مستند النراقي ج 7 ص 181.

(4) نفس المصدر.

(5) الوسائل: الباب 7 من أبواب الخلل الحديث 1.

183

و منها ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنه قال: اذا لم تدر اثنتين صليت أم اربعا و لم يذهب وهمك الى شي‏ء فتشهد و سلّم ثم صلّ ركعتين و أربع سجدات تقرأ فيهما بامّ الكتاب ثم تشهد و تسلّم فان كنت انما صليت ركعتين كانتا هاتان تمام الأربع و إن كنت صلّيت اربعا كانتا هاتان نافلة (1).

و في المقام حديث رواه أبو بصير قال: سألته عن رجل صلّى فلم يدر أ في الثالثة هو أم في الرابعة قال: فما ذهب وهمه إليه ان رأى أنه في الثالثة و في قلبه من الرابعة شي‏ء سلّم بينه و بين نفسه ثم صلى ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب‏ (2) و هذه الرواية تعارض حديث البقباق و حيث لا مرجح و لا يميز الأحدث يكون المرجع حديث صفوان فالنتيجة أن الظن في الركعات معتبر بلا فرق بين الركعتين الاخيرتين أو الاوليين و بلا فرق بين الصلوات الواجبة و المندوبة.

إن قلت المستفاد من حديث زرارة بن أعين قال: قال أبو جعفر (عليه السّلام) كان الذي فرض اللّه تعالى على العباد عشر ركعات و فيهنّ القراءة و ليس فيهن وهم يعني سهوا فزاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سبعا و فيهنّ الوهم و ليس فيهنّ قراءة فمن شك في الأوليين أعاد حتى يحفظ و يكون على يقين و من شك في الأخيرتين عمل بالوهم‏ (3) وجوب الاعادة الّا مع الحفظ و اليقين بالاتيان بالأوليين فكيف يكفي الظن.

قلت: اليقين و الحفظ في تلك الرواية أخذا من حيث الطريقية لا من حيث كونهما صفة نفسانية و لذا يقوم مقامهما الامارات بل الأصول التنزيلية و المفروض‏

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب الخلل الحديث 1.

(2) الوسائل: الباب 10 من أبواب الخلل الحديث 7.

(3) الوسائل: الباب 1 من أبواب الخلل الحديث 1.

184

أن الظن في باب الركعات معتبر عند الشارع و أمارة فلا اشكال هذا تمام الكلام في الفرع الأول.

و أما الفرع الثاني: فقد ظهر حكمه مما تقدم في الفرع الأول و لا وجه للإعادة و خلاصة الكلام أن مقتضى حديث صفوان اعتبار الظن في جميع الصلوات و في جميع الركعات فلاحظ.

هذا كله في الظن في الركعات و أما الظن المتعلق بالافعال فالظاهر عدم اعتباره و لا بد من العمل على طبق القواعد إذ الظن في حد نفسه لا يكون حجة و انما خرجنا عن الأصل الأولي و قلنا باعتباره فيما يتعلق بالركعات للنص الخاص و اما الظن المتعلق بالأفعال فلا دليل على اعتباره فالنتيجة ان حكمه حكم الشك.

و ربما يقال بأن الظن بالأفعال معتبر كالظن بالركعات و استدل على المدعى بالشهرة و بالنبوي اذا شك أحدكم في الصلاة فلينظر احرى ذلك الى الصواب فليبن عليه‏ (1)، و انه لو كان معتبرا في الركعات يكون معتبرا في الأفعال بالاولوية.

و يرد عليه بان الشهرة لا اعتبار بها كما ان النبوي غير معتبر و اما الأولوية فهي ممنوعة فان الأمور الشرعية تعبدية و لا مجال لهذه التقريبات فيها.

بقي شي‏ء و هو أنه لو ظن بزيادة ركعة أو أزيد في النافلة فهل تكون النتيجة هو البطلان أم لا الحق هو الثاني اذ المستفاد من النص عدم البطلان النافلة بالزيادة السهوية لاحظ حديثي ابن مسلم‏ (2) و الحلبي‏ (3) فلو ظن بالزيادة فبمقتضى اعتبار الظن تتحقق الزيادة و بمقتضى الحديثين المشار اليهما يحكم عليهما بالصحة.

____________

(1) لاحظ ص 182.

(2) لاحظ ص 178.

(3) قد تقدم في ص 179.

185

القاعدة التاسعة عشرة قاعدة لا شك لكثير الشك‏

من القواعد التي وقعت محل كلام الأصحاب قاعدة أنه لا شك لكثير الشك و يقع الكلام حول هذه القاعدة في جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: فيما يمكن ان يستدل به عليها

و الظاهر أنه يمكن ان يستدل عليها بوجهين:

الوجه الأول: الشهرة بين الأصحاب بحيث يكون انكارها خروجا عن جادة الصواب و انحرافا عن الحق.

الوجه الثاني: جملة من النصوص.

منها ما رواه زرارة و أبو بصير قالا قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلّى و لا ما بقي عليه قال يعيد قلنا فانه يكثر عليه ذلك كلّما أعاد شك قال يمضي في شكه ثم قال لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه فإن الشيطان خبيث معتاد لما عوّد فليمض أحدكم في الوهم و لا يكثرنّ نقض الصلاة فانه اذا فعل ذلك مرّات لم يعد اليه الشك قال زرارة ثم قال انما يريد الخبيث ان يطاع فاذا عصي لم يعد الى احدكم‏ (1) و هذه الرواية تامة سندا و اما من حيث المدلول فقد اورد فيها بان صدرها يناقض ذيلها

____________

(1) الوسائل: الباب 16 من أبواب الخلل الحديث 2.

186

اذ قد فرض السائل في الصدر كثرة الشك و مع ذلك أجاب (عليه السّلام) بوجوب الاعادة و الاعتناء به و في الذيل أمر بالغاء الشك الكثير فكيف يمكن الجمع بينهما و أجاب عن الأشكال المحقق النراقي (قدّس سرّه) في مستنده بان المراد من الصدر كثرة أطراف الشك أي لا يدري صلى ركعة أو ركعتين أو ثلاثة أو أربعة و المراد بالذيل كثرة الأفراد و الاستدلال على المدعى بالذيل و ان أبيت عما ذكر فلا أقل من أجمال الصدر فلا مانع عن الاستدلال بالذيل على المدعى و سيدنا الاستاد نقل نظير البيان المذكور عن الحدائق ثم اورد عليه بان الظاهر من الكلام توصيف الشك بالكثرة و كثرة الاطراف توجب كثرة اطراف الشك لا كثرة افراده و اجاب عن الاشكال بنحو آخر و هو ان الكثرة و القلة أمران اضافيان و نسبيّان مثلا الخمسة كثيرة بالنسبة الى الواحدة و قليلة بالنسبة الى العشرين و هكذا و على هذا الأساس نقول المراد بالكثير في الصدر الكثرة النسبية أي كثير بالنسبة الى متعارف الناس و المراد بها في الذيل الكثر الذي يكون مورد الحكم الخاص و قد عين و ميّز في النص بمن لا تمر عليه ثالث صلوات الّا و يشك فيها.

أقول: يمكن أن يقال ان الحديث المشار اليه يدل على المدعى حتى على القول بتناقض الصدر مع الذيل و الالتزام بإجماله.

و الوجه فيه ان التعليل الوارد في الذيل و هو قوله (عليه السّلام) فان الشيطان خبيث معتاد لما عوّد الى قوله فانه اذا فعل ذلك مرات لم يعد اليه الشك دليل على المدعى إذ يفهم من العلة ان الميزان الكلي عدم الاعتناء بما يكون سببه الشيطان و العلة تعمم و تخصص.

و منها ما رواه عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلاة فيشكّ في الركوع فلا يدري اركع أم لا، و يشك في السجود فلا يدري أ سجد أم لا فقال لا يسجد و لا يركع و يمضي في صلاته حى يستيقن يقينا

187

الحديث‏ (1) و المستفاد من الحديث ان من يكثر شكه في الصلاة لا يعتني بشكه.

و منها ما رواه علي بن أبي حمزة عن رجل صالح (عليه السّلام) قال: سألته عن الرجل يشك فلا يدري واحدة صلى أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا تلتبس عليه صلاته قال: كل ذا؟ قال قلت نعم. قال: فليمض في صلاته و يتعوّذ باللّه من الشيطان فانه يوشك أن يذهب عنه‏ (2).

الجهة الثانية: ان الوارد في جملة من النصوص لفظ السهو

، منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: اذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك فإنه يوشك ان يدعك انما هو من الشيطان‏ (3) و منها ما رواه ابن سنان عن غير واحد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: اذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك‏ (4) و منها ما رواه محمد بن علي بن الحسين قال: قال الرضا (عليه السّلام) اذا كثر عليك السهو في الصلاة فامض على صلاتك و لا تعد (5) و السهو لا يكون مرادفا للشك بل مباين معه فان الشاك ملتفت و يتردد في الأمر و اما الساهي فهو غافل قال الطريحي و في الصحاح السهو الغفلة و قد سهى عن الشي‏ء فهو ساه و على هذا فبأيّ تقريب يمكن ان يقال ان المراد من السهو في هذه النصوص هو الشك أو الأعم مع ان مقتضى أصالة الحقيقة حمل اللفظ على معناه الحقيقي و إرادة المعنى المجازي من اللفظ يحتاج الى القرينة و القول بان لفظ السهو استعمل في الشك بمقدار صار حقيقة في الشك مجازفة و ادّعاء على خلاف الواقع.

____________

(1) الوسائل: الباب 16 من أبواب الخلل الحديث 5.

(2) نفس المصدر الحديث 4.

(3) نفس المصدر الحديث 1.

(4) نفس المصدر الحديث 3.

(5) نفس المصدر الحديث 6.

188

إن قلت ان الأصحاب فهموا من لفظ السهو في النصوص معناه المجازي أي الشك.

قلت: يرد على هذه المقالة أولا انه ليس الاتفاق على ذلك بل نقل عن الشيخ و ابن زهرة و الحلبي و روض الجنان و الروضة و الذخيرة و غيرهم حمل اللفظ على الاعم من الشك و الغفلة بل نقل عن بعض الأخباريين أنه المشهور و صاحب المستند بعد نقل الالتزام بحمل اللفظ على المعنى الأعم من الشك من جملة من الأعاظم يقول و هو الحق هذا اولا و ثانيا ان حمل الاصحاب اللفظ على الاعم لا يقتضي القول به الا أن يرجع الأمر الى الاجماع الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السّلام) و هل يمكن ادعائه قال في المستند و بالجملة لم يثبت اتفاق و لم يعلم من جهة اخرى إرادة الشك من السهو في هذه الروايات أصلا لا من حيث الخصوص و لا من حيث العموم و بمجرد احتمالها و قول بعض أو طائفة لا ترفع اليد عن الحقيقة اللغوية و العرفية المعلومتين الى ان قال و دعوى ان كثرة استعمال السهو في الشك بلغت حدا لا يمكن حمله على احدهما بدون القرينة كما في البحار مدفوعة بالمنع الخ‏ (1).

أقول: على فرض صحة الدعوى و وصول النوبة الى الشك لا مجال للحمل على خصوص الشك فلا تكون النصوص دليلا على جريان القاعدة في الشك بل لنا أن نقول لو فرض الشك في أنه هل بلغت حدا لا يمكن الحمل على الحقيقة أم لا يكون مقتضى الاستصحاب عدم وصوله الى الحد المذكور.

إن قلت كيف يمكن حمل اللفظ على معناه اللغوي و الحال أن مقتضاه ان كثير السهو لو سها و زاد ركنا أو لم يأت بركن لا يكون موجبا لبطلان الصلاة و مرجعه الى عدم بطلان الصلاة بالزيادة المعلومة و النقصان المعلوم و لو كانت الزيادة أو

____________

(1) مستند الشيعة: ج 7 ص 191.

189

النقيصة ركنية قلت الضرورات تقدر بقدرها أي نرفع اليد عن الدليل و النص بالنسبة الى الأركان و نعمل بما سواه و هذا ليس عزيزا فان مفاد لا تعاد كذلك أي يستفاد من حديث لا تعاد أن النقصان و الزيادة لا يوجبان البطلان في غير الأركان فالنتيجة ان الجزم بان المراد بالسهو خصوص الشك مشكل.

و في المراجعة الأخيرة اختلج ببالي ان يقال لا بد من حمل لفظ السهو على الشك و الوجه فيه ان من النصوص المشار اليها الآمرة بالمضي في الصلاة ما عن أبي جعفر (عليه السّلام)(1) و الحكم رتّب على كثرة السهو و لا يعقل انّ المكلف يتوجه الى كونه ساهيا حال السهو فلا بد من حمل لفظ السهو على الشك الا أن يقال لا يلزم الالتفات حين السهو بل يكفى تحقق الموضوع و ترتب الحكم عليه بعد زوال السهو مثلا اذا دخل في السورة و ألتفت انه لم يقرء الحمد سهوا يمضى في صلاته و هكذا فيقع التعارض بين هذه الرواية و بين دليل لا تعاد و النسبة بين الطرفين عموم من وجه فلو سها عن الركوع و لم يركع و بعد دخوله في السجود و التفت يكون الحديثان متعارضين و حيث ان الاحدث غير معلوم اذ كلاهما مرويان عن الباقر (عليه السّلام) يسقطان و تصل النوبة الى القاعدة الاولية و النتيجة هو البطلان و الوجه فيما ذكرنا ان دليل عدم الاعتناء بالسهو اخذ في موضوعه كثرة السهو فلا مجال للعمل بدليل عدم الاعتناء بالسهو و أيضا لو سها عن الحمد و دخل في السورة فالتفت لا اشكال عندهم في وجوب التدارك فالنتيجة انه لا بد أما من حمل لفظ السهو على الشك و أما رد علم الحديث الى أهله و اللّه العالم.

و لا يخفى انه يكفي لإثبات المدعى في المقام النصوص المذكورة فيها عنوان الشك لاحظ أحاديث زرارة و أبو بصير (2) و علي بن ابي حمزة (3) و عمّار (4) و على هذا

____________

(1) لاحظ ص 180.

(2) لاحظ ص 178.

(3) لاحظ ص 187.

(4) لاحظ ص 186.

190

يمكن بحسب الصناعة الالتزام بجريان القاعدة في السهو الّا فيما قامت الضرورة على خلافه.

إن قلت ان التعليل في الحديث انما هو من الشيطان يناسب ان يكون المراد من السهو الشك قلت ليس الامر كذلك فان السهو أيضا يمكن ان يكون من الشيطان قال اللّه سبحانه‏ وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى‏ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‏ (1).

و قال أيضا وَ ما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ‏ (2) و يؤيّد المدعى انه قال في الحدائق و الظاهر عندي هو العموم لأن اخبار المسألة منها ما ورد بلفظ الشك و منها ما ورد بلفظ السهو و القول بالعموم جامع للعمل بالأخبار كملا و اما التخصيص بالشك فيحتاج الى التأويل في أخبار السهو بالحمل على الشك و إخراجه عن ظاهر حقيقته اللغوية التي هي النسيان و هو يحتاج الى دليل مع انه لا ضرورة تلجأ اليه الى ان قال و ممن وافقنا في المقام الفاضل الخراساني في الذخيرة مع اقتفائه أثر صاحب المدارك غالبا فقال: (و اعلم ان ظاهر عبارات كثير من الأصحاب التسوية بين الشك و السهو في عدم الالتفات اليهما بل شمول الحكم للسهو في كلامهم اظهر و هو ظاهر النصوص) (3).

الجهة الثالثة: أنه هل تختص القاعدة بالشك في الصلاة

أو تعم المقدمات أو تعم غير الصلاة من بقية العبادات بل تعم المعاملات بالمعنى الأخص و الاعم.

الانصاف أن القول بالعموم مستندا الى أن العلة تعمم و تخصص لا يكون جزافا

____________

(1) الانعام: 68.

(2) الكهف: 63.

(3) الحدائق: ج 9 ص 291.

191

بل يكون حقا و موافقا مع الصناعة و الاشكال في التقريب المذكور بان العلة المذكورة في ذيل حديث زرارة و أبي بصير اشارة الى الحكمة لا بيان للعلة مردود بانه مجازفة و اذا لم تكن الجملات المذكورة في كلامه (عليه السّلام) علة فأين توجد العلة و يؤيد المدعى حديث عبد اللّه بن سنان قال: ذكرت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) رجلا مبتلى بالوضوء و الصلاة و قلت هو رجل عاقل فقال ابو عبد اللّه (عليه السّلام) و أيّ عقل له و هو يطيع الشيطان فقلت له و كيف يطيع الشيطان فقال سله هذا الذي يأتيه من أيّ شي‏ء هو فانه يقول لك من عمل الشيطان‏ (1) فانه يستفاد من الحديث ان المسبب من عمل الشيطان غير قابل للاعتناء بشأنه بل الحديث بنفسه كاف للقول بعمومية القاعدة و ان المسبب من عمل الشيطان ساقط هذا من ناحية و من ناحية اخرى قد علم من حديث زرارة و أبي بصير ان كثرة الشك من الشيطان فلا وجه للتأمل في عمومية الحكم.

ان قلت سلمنا العموم و الاطلاق لكن لا بد من تخصيص الحكم بمرسلة الصدوق‏ (2) اذ بمفهوم الشرط لا بد من الاعتناء اذا كان الشك في غير الصلاة قلت المرسل لا اعتبار به مضافا الى أن المذكور في المرسل عنوان السهو و كلامنا في الشك فلاحظ.

الجهة الرابعة: أنه هل تختص القاعدة بمورد يكون الشك من الشيطان‏

أو تعم صورة ما يكون الشك ناشئا من عارض مزاجي و روحي.

يمكن أن يقال أن المستفاد من التعليل ان الحكم دائر مدار وجود العلة و عدمها فتكون النتيجة انه لو لم يكن مسببا عن الشيطان يلزم ان يعمل على طبق القاعدة

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من مقدمة العبادات.

(2) لاحظ ص 187.

192

و الصناعة و لقائل أن يقول انه اذا كان الامر كذلك يلزم عدم العمل بالقاعدة عند الشك في أنه من الشيطان أو من غيره اذ مقتضى الأصل انه ليس من الشيطان فلا تجري القاعدة و لا يعارض بأصالة عدم كونه من سبب آخر اذ أنه من المثبت الذي لا نقول به.

و الذي يختلج بالبال في هذه العجالة ان يقال ان المستفاد من النص ان كثرة الشك لا اعتبار بها فانها من الشيطان هذا من ناحية و من ناحية أخرى انه كيف يمكن القطع بانه ليس من الشيطان و الحال ان الشيطان عدو للإنسان و ينتظر الفرصة.

و في كل وقت و في كل مكان في مقام الايذاء و ايجاد الوسوسة في الإنسان فان شئت فقل قد صرح الشارع الأقدس و لو بنحو الحكومة و التنزيل ان كثرة الشك من الشيطان فكيف يمكن القطع بعدمه و ببيان أوضح ان العلة المذكورة في النص لا تكون علة تكوينية كعلية الإسكار لحرمة الخمر كي يدور الحكم بالحرمة مدارة بل تكون علة تعبدية أي الشارع يحكم بكون علة كثرة الشك الشيطان فالحق عموم الحكم فالنتيجة انه لا يكون اجمال في المخصص كي يقال اذا كان المخصص المنفصل مجملا و دار أمره بين الأقل و الأكثر يؤخذ بالعام بالنسبة الى الأكثر.

الجهة الخامسة: ان المرجع في صدق كثرة الشك العرف‏

فان العرف محكم في باب الظهورات و المقام من مصاديق تلك الكبرى.

ان قلت ان الأمر و إن كان كذلك في حد نفسه و لكن يستفاد من حديث محمد بن أبي حمزة ان الصادق (عليه السّلام) قال اذا كان الرجل من يسهو في كل ثلاث فهو

193

ممن كثر عليه السهو (1) خلافه فان الحديث حدد المفهوم أي مفهوم كثير الشك بأن يشك في كل ثلاث و بمقتضى مفهوم الشرط ينتفي الحكم عن غيره قلت ليس الامر كذلك فإن المستفاد من الحديث بحسب الفهم العرفي ان من يكون كذلك داخل في موضوع الحكم شرعا و لا ينفي عن غيره لكن لك أن تقول المفروض ان الشرطية بمفهومها تنفي الحكم عن غير موردها مضافا الى ان الحديث راجع الى السهو و كلامنا في الشك فلاحظ.

الجهة السادسة: أنه هل يكون كثير الظن ككثير الشك‏

و محكوما بحكمه أم لا؟

قال في المستند كثير الظن مثل كثير الشك و أستدل على مدعاه بأن الشك خلاف اليقين.

أقول: كلمات أهل الأدب في المقام مختلفة فإن المستفاد من الطريحي و الخليل و المنجد أن الشك خلاف اليقين و أما الراغب فقال في مفرداته الشك اعتدال النقيضين عند الإنسان فيتردد الأمر بين القولين و مقتضى الأصل عدم سعة المفهوم و لا يعارض الاصل المذكور باصالة عدم ضيقه لعدم اعتبار الأصل المثبت و الاحتياط طريق النجاة.

الجهة السابعة: أنه هل القاعدة تختص بمورد الكثرة

فلو كان كثير الشك في الركوع يختص الحكم بمورده أم لا؟ ربما يقال بالعموم بتقريب ان المستفاد من النص ان كثير الشك لا يعتني بشكه و المفروض ان مثله كثير الشك فيلزم عليه ان لا يعتني و لو في غير ما يكون مورد كثرة شكه.

و الذي يختلج بالبال ان يقال ان الحكم مختص بذلك المورد بالخصوص و الوجه فيه أولا انصراف الدليل اليه و لا يكون الانصراف المدعى بدويا يزول بالتأمل‏

____________

(1) الوسائل: الباب 16 من أبواب الخلل الحديث 7.

194

و ثانيا ان المستفاد من النص ان الكثرة من الشيطان و من الظاهر ان هذه العلة تختص بذلك المورد الخاص فلا وجه للتعدي الى غيره نعم اذا كان كثير الشك بلا اختصاص شكه بمورد خاص بحيث يصدق عليه انه كثير الشك على نحو الإطلاق يشمله الحكم في كل شك يعرضه و أما اذا كان شكه مختصا بمورد خاص لا يصدق عليه العنوان على الإطلاق مثلا اذا كان شخص شكاكا بالنسبة الى جماعة خاصة من الناس لا يصدق ان يقال فلان شكاك بالنسبة الى جنس الاناسي و هذا العرف ببابك و إن أبيت فلا أقل من عدم الجزم بالاطلاق و النتيجة هي النتيجة.

الجهة الثامنة: انه لو لم يعتن بشكه و ظهر بعد ذلك الخلل في صلاته بزيادة أو نقيصة

جرى عليه حكمه فان كان قابلا للتدارك تداركه بالاداء أو القضاء و ان لم يكن قابلا له و كان زيادته أو نقصانه موجبا لبطلان يبطل العمل و ان لم يكن كذلك و كان قابلا للعفو لحديث لا تعاد يحكم به و على الجملة لا يترتب أثر على القاعدة بعد انكشاف الخلاف و الوجه فيه ان المستفاد من القاعدة حكم ظاهري و الواقع على حاله و قد ثبت في محله ان المأتي به بالحكم الظاهري لا يكون مجزيا عن المأمور به بالأمر الواقعي.

الجهة التاسعة: أنه هل الأمر بالمضي و عدم الاعتناء بالشك رخصة أو عزيمة

وقع الخلاف بين الأصحاب فعن الأردبيلي التخيير بين الاعتناء و تركه و قد ذكر لهذا المدعى و جهان أحدهما ان مقتضى حديث زرارة و أبي بصير (1) التخيير فان الجمع بين الصدر و الذيل يقتضي ذلك بتقريب انه حكم (عليه السّلام) في الصدر بوجوب الاعتناء و في الذيل أمر بعدمه.

و فيه أنه قد مر الكلام حول الحديث و نقلنا طريق الجمع بين الصدر و الذيل‏

____________

(1) لاحظ ص 185.

195

و على تقدير عدم امكان الجمع تكون النتيجة هو الاجمال.

ثانيهما: ان الامر بالمضي واقع مقام توهم الحظر فيدل على الجواز فتكون النتيجة التخيير.

و فيه ان الأمر بالمضي لا يكون مولويا كي يقال انه واقع موقع توهم الحظر بل يكون ارشادا الى اكتفاء الشارع به.

و بعبارة واضحة ان الأمر بالمضي ارشاد الى ان الشك كعدمه اذا عرفت ما تقدم نقول الاعتناء بالشك تارة يوجب بطلان العمل بحسب الظاهر و أخرى لا أما على الاول فلا يجوز و اما اذا لم يكن كذلك كما لو شك في الاتيان بالركوع و عدمه يجوز ان يأتي به في صلاة معادة رجاء نعم لا يجوز ان يأتي بالمشكوك فيه يقصد الجزئية في الصلاة اذ يكون تشريعا.

إن قلت ان الامام (عليه السّلام) في ذيل حديث زرارة و أبي بصير نهى و قال لا تعوّدوا الخبيث نقض الصلاة فان المستفاد من الحديث حرمة العمل بالاحتياط قلت المستفاد من الحديث حرمة نقض الصلاة لا حرمة الاحتياط اي اعادة الصلاة مثلا و كم فرق بين المقامين و حيث انجرّ الكلام الى هنا يناسب ان نتعرض لحكم العمل الصادر عن الوسواس و انه هل يكون حراما أم لا و الذي يختلج بالبال ان يقال المستفاد من حديث زرارة و أبي بصير ان ترك المضى و الاعتناء بالشك حرام فانه (عليه السّلام) قال لا تعودوا الخبيث نقض الصلاة و معنى نقض الصلاة عدم المضي و الاعتناء بالشك و جعل الصلاة باطلة و هذا حرام بمقتضى النهي و قال سيدنا الاستاد (قدّس سرّه) هذا النهي ارشادي و يؤيد المدعى تعليل الحكم في كلام الامام (عليه السّلام) بانه يريد الخبيث ان يطاع الخ‏ (1).

____________

(1) فقه الشيعة: ج 3 ص 272.

196

و يرد عليه أنه لا وجه لرفع اليد عن ظهور النهي في المولوية و حمله على الارشاد و مجرد تعليل حكم بعلة لا يكون دليلا على كون ذلك الحكم ارشادا و الّا يلزم انه لو قال لا تشرب الخمر لأنه مسكر نقول النهي عن شرب الخمر ارشادي و هل يمكن القول به و هل هو يرضى بهذه الكلية و هل الحال كذلك عند الاصحاب و الحال أن في كثير من المقامات يستفاد عموم الحكم من ذكر العلة لاحظ قوله (عليه السّلام) في تزويج العبد بلا أذن مولاه قال (عليه السّلام) قريب من هذا المضمون أنه لم يعص اللّه و انما عصى سيده فاذا أجاز جاز و بعموم العلة حكمنا بصحة كل فضولي مع اجازة من بيده الامر فكما تقدم الحق ان يقال كلما صدق عليه عنوان الاعتناء و عدم المضي و ترتيب الأثر على الشك فهو حرام و اما اذا فرضنا أنه لم يعتن بالشك و لكن أتى بالعمل ثانيا فهل يكون حراما الظاهر أنه لا وجه لحرمته اذ الحرام الامساك عن المضي و اتمام العمل و قد فرض المضي و الإتمام.

إن قلت الاتيان بالعمل ثانيا يكون اعتناءا بالشك فيكون حراما قلت العمل الثاني اعتناء باحتمال المطلوبية الواقعية اذ من الظاهر أن الحكم الواقعي لا يتغير بكثرة الشك كما تقدم و هذا نظير من صلى و بعد الفراغ شك في أنه كان متطهرا أم لا لا اشكال في أن مقتضى قاعدة الفراغ الحكم بالصحة و عدم وجوب الإعادة و لكن مع ذلك لا مانع عن الاحتياط بتحصيل الطهارة و إعادة الصلاة بل الإعادة موافقة مع ميزان التقوى و الاهتمام بالأمر الشرعي.

بقي شي‏ء و هو أنه لو كان في الصلاة و شك في الإتيان بالسورة مثلا و أتى بها رجاء هل تفسد صلاته أم لا الظاهر أنها لا تفسد إذ لم يقصد الجزئية كي تفسد بالزيادة و من ناحية أخرى لا تكون السورة كلاما آدميا كي توجب فساد الصلاة فلا وجه للبطلان و اللّه العالم بحقائق الأمور.

بل لنا أن نقول أنه لا وجه للبطلان و لا مقتضي له اذ لا يبعد بل يقرب ان يقال انّ‏

197

المستفاد من الحديث الإرشاد الى ما هو الصلاح و إن شئت فقل حيث ان الحمل على المولوية يستلزم تغير الواقع عما هو عليه و هو مقطوع الخلاف فيحمل الكلام على الارشاد اللهم الا أن يقال لا يتم التقريب المذكور الّا على الالتزام بتغير الواقع و لا مقتضي للالتزام به فلاحظ.

الجهة العاشرة: أنه لو شك في صيرورته كثير الشك‏

أو شك في صيرورته شخصا عاديا يحكم بعدمه في الأول و بقائه في الثاني للاستصحاب هذا في الشبهة الموضوعية و أما اذا كان منشأ الشك الشبهة المفهومية فعلى ما ذكرنا من جريان الاستصحاب فيها يكون مثل الشبهة الموضوعية و يعمل على طبق الحالة السابقة بالاستصحاب و أما على القول بعدم جريان الاستصحاب فيها فيدخل المقام تحت كبرى أنه لو دار أمر المخصص بين الأقل و الأكل نقتصر في العمل بالمخصص في اطار الأقل و بالنسبة الى الأكثر يرجع الى العام و في النتيجة يظهر الاختلاف بين مسلكنا و ذلك المسلك في التقريب و اما النتيجة فهي واحدة.

الجهة الحادية عشرة: انّ الميزان في عدم الاعتناء أنه لو كان أحد طرفي الشك اقتضائيا دون الآخر بنى على غير الاقتضائي‏

و بعبارة أخرى المراد البناء على الصحة و التمامية أي البناء على الاتيان فيما يكون لازما و البناء على عدمه فيما يكون مفسدا و الوجه فيه ظهور الدليل فيما ذكر بحسب الفهم العرفي هذا تمام الكلام في الشك و يمكن القول بعدم الاعتناء بالنسبة الى كثير السهو للنص الوارد فيه لاحظ ما رواه محمد بن مسلم‏ (1) و ما رواه ابن سنان‏ (2) و مقتضى الظهور انه لا بد من عدم الاعتناء بالخلل الناشي عن كثرة السهو الّا أن يقوم اجماع تعبدي كاشف عن رأي المعصوم (عليه السّلام) على خلافه و أنّى لنا بذلك قال في المستند و الإجماع المدعى ممنوع و ان‏

____________

(1) لاحظ ص 187.

(2) لاحظ ص 187.

198

كان في البحار مذكورا كيف مع أنّ الواقع في كلام كثير من الأصحاب أنه لا حكم للسهو مع الكثرة و أرادتهم ما ذكرناه منه محتملة بل ظاهرة و نقل عن صاحب الحدائق انتفاء جميع احكام السهو عنه أيضا كما في الشك.

ثم أنه هل يمكن الاستدلال بدليل كثرة السهو على حكم كثير الشك بتقريب ان العلة تعمم أم لا الحق هو الثاني و الوجه فيه ان اسراء الحكم من السهو الى الشك يتوقف على إحراز كون الشك الكثير من الشيطان و لا طريق الى إحرازه الا من دليل سقوط شك كثير الشك و مع ملاحظة ذلك الدليل لا تصل النوبة الى الاستدلال في حكم كثير الشك بدليل كثير السهو و ان شئت فقل انه من تحصيل الحاصل فإن دليل كثير الشك بنفسه كاف و واف لإثبات المطلوب و لا يخفى أنه كيف يمكن الالتزام بمقتضى قاعدة كثرة السهو و الحال أن لازمه أنّه لو دخل في السجود و علم بعدم الالتزام بالركوع أو علم بتكراره تكون صلاته تامة و هل يمكن الالتزام به و اللّه العالم.

199

القاعدة العشرون قاعدة الاتلاف‏

و يقع الكلام في هذه القاعدة من جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: فيما ذكر أو يمكن ان يذكر في دليل القاعدة

و هو وجوه:

الوجه الأول: قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ‏ (1) بتقريب ان اتلاف مال الغير بدون رضاه اعتداء بالنسبة الى ذلك الغير فيجوز الاعتداء على المعتدى عليه بالمثل فتدل الآية دلالة واضحة على ان من اتلف مال الغير فهو له ضامن و نقل هذه المقالة و الاستدلال عن الشيخ في المبسوط و عن ابن ادريس في السرائر.

و يرد عليه اولا أن اتلاف مال الغير بدون أذنه اعم من الاعتداء اذ يمكن أن يكون المتلف نائما أو غافلا و أتلف مال الغير و لا يكون في مقام الاعتداء و الحال أنّ الضمان لا يتوقف على الإتلاف العدواني بل الإتلاف يوجب الضمان على الإطلاق و ثانيا انّ الظاهر من الكلام انّ المولى بصدد بيان الحكم التكليفي و انه يجوز المكافاة بالمثل و لا ترتبط الآية الشريفة بالحكم الوضعي الذي هو محل الكلام و يدل على ما ذكرناه ما رواه معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل قتل رجلا في الحل ثم دخل الحرم فقال لا يقتل و لا يطعم و لا يسقى و لا يبايع و لا يؤوى‏

____________

(1) البقرة: 194.

200

حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد قال قلت فما تقول في رجل قتل في الحرم أو سرق قال يقام عليه الحد في الحرم لأنه لم ير للحرم حرمة و قد قال اللّه عزّ و جلّ‏ فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ‏ فقال هذا هو في الحرم فقال‏ فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ‏ (1) فإن المستفاد من الحديث جواز المكافاة بمثل اعتداء الظالم فلا يدل الحديث على الحكم الوضعي بل يدل على الحكم التكليفي كما انه يدل على الجواز بالنسبة الى من يكون ظالما حيث قال (عليه السّلام) في ذيل الحديث‏ فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ* و في النتيجة لا تدل الآية على المدعى.

الوجه الثاني: السيرة العقلائية فإنّها جارية و سارية على الحكم بضمان من يتلف مال الغير بلا رضاه و اذنه و لم يردع من قبل الشرع هذه السيرة و ذكرنا كرارا ان الشارع ليس له طريق و مسلك خاص بالنسبة الى الأمور الاجتماعية الجارية بين الناس الّا فيما ينبّه عليه و يقيم دليلا على خلاف ما يكون جاريا بين العقلاء.

الوجه الثالث: سيرة المتشرعة بما هم كذلك فأنهم يرون ان الوظيفة الشرعية الضمان و يهتمون بها و ارتكازهم مستقر عليه.

الوجه الرابع: الإجماع المدعى في المقام و يرد فيه بان المنقول منه غير حجة و المحصل منه على فرض حصوله محتمل المدرك إن لم يكن مقطوعه.

الوجه الخامس: جملة من الروايات منها ما رواه حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سئل عن رجل تزوج جارية بكرا لم تدرك فلما دخل بها اقتضها فافضاها فقال ان كان دخل بها حين دخل بها و لها تسع سنين فلا شي‏ء عليه و إن كانت لم تبلغ تسع سنين أو كان لها أقلّ من ذلك بقليل حين دخل بها فاقتضها فانه‏

____________

(1) تفسير البرهان: ج 1 ص 192 الحديث 2.

201

قد افسدها و عطّلها على الازواج فعلى الامام أن يغرمه ديتها و ان أمسكها و لم يطلقها حتى تموت فلا شي‏ء عليه‏ (1) فان قوله (عليه السّلام) فإنه قد أفسدها و عطلها على الأزواج بمنزلة علة الحكم و توطئة له و عموم العلة يقتضي عموم الحكم الّا أن يقال قد عطف قوله (عليه السّلام) و عطلها على الأزواج على قوله أفسدها فيكون المجموع علة للتغريم فلا يستفاد من الحديث ان مجرد الافساد و الاتلاف يوجب الضمان و الغرامة.

و منها ما رواه سدير عن أبي جعفر (عليه السّلام) في الرجل يأتي البهيمة قال يجلد دون الحد و يغرم قيمة البهيمة لصاحبها لأنه افسدها عليه و تذبح و تحرق ان كانت مما يؤكل لحمه و إن كانت مما يركب ظهره غرم قيمتها و جلد دون الحد و اخرجها من المدينة التي فعل بها فيها الى بلاد اخرى حيث لا تعرف فيبيعها فيها كيلا يعيّر بها صاحبها (2) فانه (عليه السّلام) قد علل التغريم بافساد البهيمة على صاحبها و العلة تعمم الحكم.

لكن الاشكال في السند فان سدير لم يوثق و انما نقل مدحه عن الكشي.

و منها ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق احدهم نصيبه فقال ان ذلك فساد على أصحابه فلا يستطيعون بيعه و لا مؤاجرته فقال يقوّم قيمة فيجعل على الذي اعتقه عقوبة و انما جعل ذلك عليه لما أفسده‏ (3) فان الحكم في كلامه (عليه السّلام) قد علّل بالافساد و العلة تعمم.

و منها النصوص الدالة على ان حرمة مال المسلم كحرمة دمه منها ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سباب المؤمن فسوق‏

____________

(1) الوسائل: الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح الحديث 9.

(2) الوسائل: الباب 1 من أبواب حد نكاح البهائم الحديث 4.

(3) الوسائل: الباب 18 من أبواب العتق الحديث 1.

202

و قتاله كفر و أكل لحمه معصية للّه و حرمة ماله كحرمة دمه‏ (1) و منها ما رواه أبو ذرّ عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في وصية قال يا أبا ذرّ ايّاك و الغيبة فان الغيبة اشدّ من الزنا ... الى أن قال يا أبا ذرّ سباب المسلم فسوق و قتاله كفر و أكل لحمه من معاصي اللّه و حرمة ماله كحرمة دمه‏ (2) الحديث و منها ما في دعائم الإسلام قال:

روينا عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السّلام) ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خطب يوم النحر بمنى الى أن قال: ثم قال ايّ يوم اعظم حرمة قالوا:

هذا اليوم يا رسول اللّه الى أن قال: فان حرمة اموالكم عليكم و حرمة دمائكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا الحديث‏ (3).

و منها ما فيه أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) انه قال في حديث فمن نال من رجل مسلم شيئا من عرض أو مال وجب عليه الاستحلال من ذلك و التنصّل من كل ما كان منه اليه و إن كان قد مات فليتنصّل من المال الى ورثته الى أن قال ثم قال: و لست آخذ بتأويل الوعيد في أموال الناس و لكنّي أرى ان يؤدّى اليهم ان كانت قائمة في يدي من اغتصبها و يتنصّل اليهم منها و ان فوّتها المغتصب اعطى العوض منها فان لم يعرف أهلها تصدق بها عنهم على الفقراء و المساكين و تاب الى اللّه عزّ و جلّ مما فعل‏ (4).

و منها ما عن صاحب الزمان (عليه السّلام) قال: لا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه‏ (5) بتقريب ان المستفاد من هذه الطائفة ان مال المسلم أو المؤمن‏

____________

(1) الوسائل: الباب 152 من أبواب أحكام العشرة الحديث 12.

(2) نفس المصدر الحديث 9.

(3) مستدرك الوسائل: الباب 1 من أبواب الغصب الحديث 1.

(4) نفس المصدر الحديث 2.

(5) الوسائل: الباب 1 من أبواب الغصب الحديث 4.