الأنوار البهية في القواعد الفقهية

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
211 /
203

محترم كحرمة نفسه فكما ان قتل نفسه يوجبا لضمان و لو مع عدم العمد كذلك يكون اتلاف ماله موجبا للضمان.

الوجه السادس: انه لا اشكال في ضمان من غصب مال الغير مدة أعم من ان ينتفع به أولا كما لو غصب فرس زيد شهرا و لم يركبه فانه لا اشكال في السيرة العقلائية و عند المتشرعة أنّه ضامن للمنفعة الفائتة و لا بدّ من غرامة تلك المنفعة في تلك المدة فاذا كان الأمر في اتلاف المنفعة مع بقاء العين بحالها كذلك فلا وجه للتوقف في الضمان بالنسبة الى المقام.

الوجه السابع: جملة من النصوص الواردة في بعض أبواب موجبات الضمان منها ما رواه زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قلت له رجل حفر بئرا في غير ملكه فمرّ عليها رجل فوقع فيها فقال عليه الضمان لأنّ كل من حفر في غير ملكه كان عليه الضمان‏ (1) و منها ما رواه أبو الصباح الكناني قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) من اضرّ بشي‏ء من طريق المسلمين فهو له ضامن‏ (2) و منها ما رواه سماعة قال: سألته عن الرجل يحفر البئر في داره أو في أرضه فقال أما ما حفر في ملكه فليس عليه ضمان و أما ما حفر في الطريق أو في غير ما يملك فهو ضامن لما يسقط فيه‏ (3) و منها ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

سألته عن الشي‏ء يوضع على الطريق فتمر الدابة فتعقره بصاحبها فتقره فقال كلّ شي‏ء يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه‏ (4) و منها ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من اخرج ميزابا أو

____________

(1) الوسائل: الباب 8 من أبواب موجبات الضمان الحديث 1.

(2) نفس المصدر الحديث 2.

(3) نفس المصدر الحديث 3.

(4) الوسائل: الباب 9 من أبواب موجبات الضمان الحديث 1.

204

كنيفا أو أوتدا وتدا أو اوثق دابة أو حفر شيا في طريق المسلمين فأصاب شيئا فعطب فهو له ضامن‏ (1) بتقريب ان المستفاد من هذه النصوص ان تسبيب التلف يوجب الضمان فالمباشر له يكون ضامنا بالأولوية.

الوجه الثامن: ما رواه جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في شاهد الزور قال: إن كان الشي‏ء قائما بعينه رد على صاحبه و إن لم يكن قائما ضمن بقدر ما اتلف من مال الرجل‏ (2) فان الحديث يدل بوضوح على ضمان المتلف فان المستفاد من الحديث ان الشاهد بشهادته الباطلة ضامن بالمقدار الذي اتلف من مال الغير فيستفاد من الحديث ان الإتلاف موجب للضمان.

الجهة الثانية: ان المراد من المال ما يبذل بازائه الشي‏ء عند العقلاء

و عليه لا فرق في الضمان بين تعلق الاتلاف بالعين التي لها مالية كما لو كسر صندوقا لزيد و بين تعلق الاتلاف بنفس المالية مع بقاء العين كما لو وضع عينا في مقابل الشمس أو في مكان يوجب وضعه في تلك المكان زوال مالية ذلك المال.

ان قلت الظاهر من عنوان المال العين التي تكون ذات مالية فلا يشمل الدليل ما اذا اتلف المالية مع بقاء العين.

قلت: الظاهر ان العرف بمناسبة الحكم و الموضوع يفهم ان الميزان هي المالية مضافا الى أنه لا فرق في سيرة العقلاء بين المقامين كما أن ما ورد في النصوص من عنوان الافساد و التعطيل و ما شابهها يشمل اتلاف المالية وحدها فلا وجه للتأمل.

الجهة الثالثة: ان الظاهر من الاتلاف الافناء

أي من افنى مال الغير بدون رضاه فله ضامن.

الجهة الرابعة: ان المراد من الضمان اشتغال الذمة بعين التالف‏

و لذا لو رجع‏

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب موجبات الضمان.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب الشهادات الحديث 2.

205

التالف الى ما كان أولا لا وجه لضمان المتلف بغيره نعم لو لم يكن رد العين كما هو كذلك عادة تصل النوبة الى الاقرب منه من المثل أو القيمة فلاحظ.

الجهة الخامسة: أنه لو اجتمع السبب و المباشر في اتلاف شي‏ء

فهل يكون الضامن السبب أو المباشر أو كليهما أو لا هذا و لا ذلك.

الذي يختلج بالبال في هذه العجالة ان يقال الحق عدم ميزان كلي بل الموارد مختلفة اذ موضوع الضمان كون الاتلاف مستندا اليه فتارة يكون الشخص سببا و لكن يصدق انه اتلف العين كما لو فتح باب القفص و طار الطير أو أكله سبع فإنه يصدق ان الفاتح للباب اتلف الحيوان و قد يكون الاتلاف مستندا الى المباشر كما لو أمر شخص شخصا باتلاف مال شخص ثالث فان المتلف للمال المباشر للإتلاف بلا اشكال فالميزان هو صدق عنوان الاتلاف الذي يكون موجبا لضمان من يتصدى له و لو فرض الشك في صدق العنوان على ايّهما و تردد الامر بينهما فالظاهر عدم تحقق الضمان لا بالنسبة الى المباشر و لا بالنسبة الى السبب إذ كل واحد يشك في صدق الموضوع عليه و الأصل عدمه و العلم الإجمالي في المقام لا أثر له إذ الأمر مردد بين شخصين و التكليف دائر بينهما نظير ما تردد امر المني بين شخصين فان كل واحد ينفي عن نفسه بمقتضى الاستصحاب و في بعض الفروض لا يكون الاتلاف مستندا الى الشخص كما لو اجّج نارا بلا قصد اتلاف شي‏ء و بحسب التصادف عبر عابر من ذلك المكان و أصابت النار عباءته فتلفت لا يكون المؤجج للنار ضامنا إذ لا يصدق عليه انه اتلف عباءته.

الجهة السادسة: أنه لو أكره أحد زيدا على اتلاف مال بكر فهل يكون زيد ضامنا لبكر أم لا

الظاهر أنه غير ضامن إذ حديث الرفع كما يرفع الحكم التكليفي يرفع الحكم الوضعي فكما أنه لا يكون حراما تكليفا لا يكون موجبا للضمان.

و الذي يتخلج بالبال أن يقال ان العقلاء يرون المكره بالكسر ضامنا كما ان‏

206

التناسب يقتضي ذلك و إن شئت فقل ذوق الفقاهة يقتضي هذا الأمر الّا و اللّه العالم.

بقي شي‏ء لا بأس بالتعرض له و إن كان خارجا عن محل الكلام و هو أنا قلنا انّ المستفاد من قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ‏ (1) الحكم التكليفي لا الوضعي و عليه يكون المراد أنّ من لم يراع حق الناس و اعتدى على غيره يجوز لذلك الغير ان يفعل بالمعتدي بالمثل فلو فرضنا انه ضربه ضربة يجوز للمضروب ان يضرب الضارب ضربة و هكذا و أيضا لو اتلف مالا له يجوز له أن يتلف ماله بالمقدار الذي اتلف عن ماله و لا تنافي بين الجواز المذكور و الضمان بواسطة الاتلاف و بعبارة اخرى لا تنافي بين المقامين غاية الامر ان المعتدى عليه لو اتلف هذا المقدار عن المتلف تكون النتيجة التهاتر و أما اذ لم يكافى يكون المعتدي ضامنا له اللهمّ الّا أن يقال ان العرف يفهم عدم الضمان في هذه الموارد و اللّه العالم.

____________

(1) البقرة: 194.

207

القاعدة الواحدة و العشرون قاعدة انحلال العقود الى عقود متعددة

و يقع البحث في هذه القاعدة من جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: في المراد من انحلال العقد

فنقول لا اشكال و لا كلام في ان هذه القاعدة لا تجري فيما لا يجوز فيه التبعيض فلو باع عبده لا يتوهم انحلال العقد الى بيع رأس العبد و رجله مثلا فان بيع الجزء الخارجي للعبد غير قابل للبيع بل الكلام في الجزء المشاع و أيضا لا يتصور انحلال بالنسبة الى تزويج المرأة فان التزويج انما يتعلق بالمرأة و لا يجوز تعلقه بجزء خارجي منها أو جزء مشاع و أيضا لا يكون البحث في هذه القاعدة فيما لو جمع البائع بين شيئين كالكتاب و الفرش و يكون قصده بيع كل واحد منهما على حياله و استقلاله بحيث لا يكون ربط بينهما و انما جمعا في مقام الانشاء كما لو باع داره مباشرة في الساعة الثانية من الليل و باع في تلك الساعة و كيله كتاب الموكل فانه لا مجال لبحث الانحلال في الفرض المذكور إذ لا مقتضي للانحلال كما هو ظاهر و بعبارة واضحة الانحلال مفروض و متصور في صورة الانسجام و التركب و في الصورة المفروضة لا تركب في الواقع و مقام اللب فالانحلال فيه يكون من مصاديق تحصيل الحاصل.

الجهة الثانية: في ان القاعدة الأولية هل تقتضي الانحلال أم لا

الحق هو الثاني و الوجه فيه ان الأثر في الامور الوضعية مترتب على طبق اعتبار المعتبر و تابع له و دائر مداره و بعبارة اخرى العقد تابع للقصد و التخلف على خلاف القاعدة الأولية

208

و يحتاج الى قيام دليل عليه فلو باع زيد داره يتعلق قصده بتمليك مجموع الدار من حيث هو من المشتري لا انه باع نصفه و ثلثه و ربعه الى آخره و لذا يكون نصف الدار جزءا للمبيع لا انه مبيع و الّا يلزم التسلسل لاستحالة الجزء الذي لا يتجزى و أيضا يلزم تعدد الخيار بعدد البيوع إذ كل بيع له خيار المجلس مثلا و أيضا يلزم تعدد البيوع بحسب الأجزاء الخارجية في قبال الكسور.

و صفوة القول انّ البيع المتعلق بعين يكون بيعا واحدا و لا يعقل و لا يتصور فيه التعدد كما ان الحكم التكليفي المتعلق بالمركب الاعتباري كذلك فان الأمر المتعلق بالصلاة لا ينحل الى أوامر عديدة و واجبات متعددة بل الأمر واحد و الواجب كذلك و كل جزء من الصلاة جزء الواجب لا واجب بحياله و استقلاله و لذا لا معنى للواجب الضمني الا هذا المعنى و بعبارة واضحة كل جزء من المركب الذي تعلق به الأمر بشرط انضمام بقية الأجزاء اليه واجب لا أنه واجب على نحو اللابشرط و من الظاهر ان الجزء المضاف الى بقية الأجزاء عبارة أخرى عن الكل و على هذا الأساس قد ذكرنا في بحث دوران الأمر بين الأقل و الأكثر أنّه لا مجال لأن يقال ان الأقل واجب قطعا و الشك في الأكثر بل الأمر دائر بين وجوب الأقل و الأكثر و لا قدر متيقن في البين و عليه يكون الاصل الشرعي متعارضا و بالتعارض يسقط و انما البراءة العقلية تجري بالنسبة الى الأكثر و لا تجري بالنسبة الى الأقل اذ المكلف يقطع باستحقاق العقاب بترك الأقل فيلزم الإتيان به و التفصيل موكول الى ذلك المقام الذي يكون مزلة الاقدام و قد ذكرنا أخيرا أنّه لا وجه لجريان البراءة العقلية أيضا بل المحكم ادلة الاحتياط نعم على القول بجريان الأصل في بعض اطراف العلم الإجمالي لا مانع عن جريانه عن الأكثر فالنتيجة أن مقتضى القاعدة الأولية عدم الانحلال.

الجهة الثالثة: أنه هل يكون دليل يدل على الانحلال‏

و على خلاف مقتضى‏

209

الأصل الأولي أم لا ربما يقال هناك وجوه دالة على خلاف القاعدة.

الوجه الأول: الاجماع و فيه الأشكال الساري في الاجماعات اذ المنقول منه غير حجة و المحصل منه على فرض حصوله أيضا لا اعتبار به الّا فيما يكون كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السّلام).

الوجه الثاني: ان بناء العقلاء و سيرتهم في المعاملات على التبعيض فلو باع زيد عبده مع عبد غيره بيعا واحدا يحكمون بصحة البيع بالنسبة الى مملوكه و بعدم صحته بالنسبة الى غير مملوكه و لم تردع هذه السيرة من قبل الشارع و هذا الوجه لو تحقق و أمكن الجزم به يمكن ان يجعل وجها للمدعى لما ذكرنا مرارا أن الشارع الأقدس لا يكون له مسلك خاص في الامور الاجتماعية الّا فيما قام الدليل على التصرف فيه و لكن الاشكال تمام الاشكال في تحقق هذه من قبل العقلاء حتى فيما يكون الامر ظاهرا لديهم و علموا بان بايع الدار المشتركة باع بتمامها و لم يتعلق قصده بيع خصوص حصته فهل يحكم العقلاء بصحة البيع بالنسبة و هل يحكمون بالانحلال مع علمهم بان البائع قصد بيع مجموع الدار و كاره لبيع مملوكه الخاص و يضاف الى ذلك أنهم اذا فهموا بان البيع المتعلق بالمجموع بما هو مجموع لا ينحل بحسب طبعه و نفسه الى بيوع متعددة و بعبارة واضحة تارة العقلاء و العرف يعتقدون ان البيع المتعلق بالعين ينحل الى بيوع متعددة و على هذا البناء و الخيال يحكمون بالانحلال فيما يكون البيع متعلقا بالمال المشترك مع عدم رضا الشريك و اما اذا علموا بان الامر ليس كذلك كما بيناه فكيف يمكن الجزم ببنائهم و اذا وصلت النوبة الى ما بيناه لا يمكن اعتبار السيرة مثلا لو فرض ان العقلاء يعتقدون بان اللفظ الفلاني ظاهر في المعنى الكذائي و يرتبون الأثر عليه بواسطة هذا الاعتقاد فهل يكون عملهم صحيحا مع ان ذلك اللفظ لا يكون كذلك و اذا وصلت النوبة الى الشك في ان مثل هذه السيرة المنحرفة عن الجادة حجة يكون مقتضى الأصل‏

210

عدم اعتبارها.

الوجه الثالث: انه لا فرق بين بيع المملوك مستقلا و بيعه منضما اذ البيع على كلا التقديرين تعلق بما يصح و يشمله دليل الصحة من دليل احلال البيع و تجارة عن تراض و الوفاء بالعقد على مسلك من يرى الآية دليلا على الصحة على خلاف ما رمناه.

و بعبارة واضحة بيع المجموع بطبعه و نفسه ينحل الى البيوع فلا اشكال.

و يرد عليه انّ التقريب المذكور بمراحل عن الواقع فان الانحلال المدعى متوقف على لحاظ كل جزء بحياله و استقلاله و الحال انّ كلامنا في المقام صورة تعلق البيع بالمجموع من حيث المجموع و لذا لو باع أحد داره لا يصح أن يقال زيد في هذا اليوم باع بيوعا متعددة إذ باع داره و باع نصف داره و ثلثه و ربعه الى غيرها و هذا العرف ببابك و يتضح بطلان المدعى بأنه لو أمر المولى باكرام عشرة من العلماء بنحو العام المجموعي فهل يمكن ان يقال انه يحصل مقدار من الامتثال بإكرام واحد منهم أو اثنين كلا ثم كلا و الوجه فيه أنّ الواجب الاكرام الخاص و هو لا يصدق على البعض و لعمري هذا واضح ظاهر.

الوجه الرابع: انّ البيع سبب شرعي لانتقال المبيع الى المشتري فاذا فرضنا انه تعلق بشيئين و يكون الشرائط بالنسبة الى احدهما تامة ليتحقق المسبب فالانحلال أمر على القاعدة.

و فيه انّ الوجه المذكور مصادرة كالوجه الثالث مضافا الى انّ البيع و أمثاله من العقود و الإيقاعات لا تكون اسبابا بل موضوعات للأحكام و المفروض انّ العقود و الايقاعات تابعة للقصود و الّا يلزم بان ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد و هذا خلاف القاعدة فما ادعاه من القاعدة تكون على خلافها.

الوجه الخامس: ما رواه محمد بن الحسن الصفار انه كتب الى أبي محمد

211

الحسن بن علي العسكري (عليه السّلام) في رجل باع قطاع أرضين فيحضره الخروج الى مكة و القرية على مراحل من منزله و لم يكن له من المقام ما يأتي بحدود أرضه و عرف حدود القرية الأربعة فقال للشهود اشهدوا أني قد بعت فلانا يعني المشتري جميع القرية التي حدّ منها كذا و الثاني و الثالث و الرابع و انما له في هذه القرية قطاع أرضين فهل يصلح للمشتري ذلك و انما له بعض هذه القرية و قد أقرّ له بكلها فوقّع (عليه السّلام) لا يجوز بيع ما ليس يملك و قد وجب الشراء من البائع على ما يملك‏ (1) فان الحديث يقتضي الالتزام بالانحلال و التبعيض على خلاف القاعدة الأولية و من الظاهر أنه لا يبقى اعتبار لقاعدة بعد ورود ما يخالفها من مخازن الوحي أرواح العالمين لهم الفداء لكن الحديث يختص بالمورد الخاص.

هذا تمام الكلام في هذه القاعدة و الحمد للّه أولا و آخرا.

____________

(1) الوسائل: الباب 2 من أبواب عقد البيع و شروطه.