تمهيد القواعد

- الشهيد الثاني المزيد...
648 /
57

و منها: إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، فيجب غسل الجميع و تكفينهم و الصلاة عليهم. ثم هو بالخيار إن شاء صلى على الجميع دفعة واحدة، و ينوي الصلاة على المسلمين منهم و إن شاء صلى على كل واحد، و ينوي: أصلي عليه إن كان مسلما.

هذا إذا تعذر الاطلاع على ذكره، و اختباره بكونه كميشا أم لا، أو لم يعمل‏ (1) بالرواية التي وردت بالرجوع إلى العلامة المذكورة (2).

و ربما قيل هنا بالقرعة، لأنها لكل أمر مشتبه.

و منها: إذا خرج منه شي‏ء، و لم يعلم هل هو مني أو بول، مع تيقنه انحصاره فيهما فقيل: يجب العمل بموجبهما لتيقن البراءة، فيغتسل و يتوضأ (3).

و قيل: يتخيّر، لأنه إذا أتى بموجب أحدهما، شك في الآخر هل هو عليه أم لا، فلا يجب‏ (4). و الأظهر الأول، فيكون من القاعدة.

و منها: لو علم السهو و جهل متعلقة، لكن علم انحصاره في موجب السجود خاصة أو التلافي، أو في موجب الاحتياط أو التلافي، أو في موجب السجود أو الاحتياط، وجبا معا، لما ذكرناه. أما لو دار بين ما يوجب شيئا و ما لا يوجبه، لم يجب، لأصالة البراءة.

و منها: إذا غصب لوحا، و أدخله في سفينة له، و اشتبهت بغيرها من سفنه، فإنه يلزمه نزع ألواح الجميع؛ فلو كانت السفينة في اللجة، و فيها

____________

(1) في «م»: يعلم.

(2) تهذيب الأحكام 6: 173، حديث 636 الوسائل 11: 112 أبواب جهاد العدو باب 65 حديث 1.

(3) حكاه الأسنوي في التمهيد: 86.

(4) التمهيد للأسنوي: 86.

58

مال للغاصب فقط و لم يشتبه، و كان نزعه يؤدي إلى غرق السفينة، ففي النزع وجهان.

فإن قلنا به‏ (1)- و هو الأقوى- فاختلطت التي فيها اللوح بسفن أخرى للغاصب أيضا، بحيث لا يعرف ذلك اللوح إلا بنزع الجميع، ففي نزعه وجهان. و أولى بعدمه هنا لو قيل به ثم [1].

و لو كانت سفينة المغصوب منه تشرف على الغرق، إذا لم يجعل فيها اللوح الّذي غصبه منها، فالمتجه وجوب قلعه، و إن منع منه ثم، ترجيحا لحق المالك حيث تعارض غرق إحداهما.

و منها: إذا نذر صوم بعض يوم، فقد قيل: إنه يجب عليه صوم يوم كامل، لأن صوم بعض اليوم ممكن بصيام باقية، و قد التزم البعض، فيلزمه الجميع، بناء على هذه القاعدة (2). و قيل: لا يلزمه شي‏ء، لأنه غير متعبد به شرعا (3).

و لو قيل بأن مفهوم اللقب حجة، فلا إشكال في الفساد، لأنه حينئذ بمنزلة قوله: علي صوم النصف دون غيره، و الأظهر الفساد مطلقا.

و منها: لو غصب صاعا من الحنطة مثلا، و خلطه بآخر، حيث لا يحكم بالانتقال إلى المثل، فإنه يلزمه تسليم الصاعين إلى المغصوب منه لو طلبه، لأن إعطاء المغصوب لا يمكن إلا بذلك، و يصير حينئذ شريكا.

و القول بتنزيله منزلة التالف، أو الفرق بين خلطه بالأجود و غيره، خارج عن المبحث.

____________

[1] أي: لو قيل بعدم النزع في الصورة السابقة، فالقول بعدم النزع في هذه الصورة أولى.

____________

(1) أي بالنزع.

(2) كتاب الفروع لابن مفلح 6: 407، التمهيد للأسنوي: 88.

(3) تحرير الأحكام 2: 106، إيضاح الفوائد 4: 62، نهاية المحتاج 8: 227.

59

و منها: ما إذا نذر الصلاة في وقت له فضيلة على غيره، فإنه يتعين إيقاعها فيه، أو مطلقا [1] فلو قال: لله علي أن أصلي ليلة القدر ركعتين مثلا تعينت، ثم يبني بره‏ (1) في ليلة مخصوصة على ما يحكم به فيها، فقد اختلف العلماء في تعيينها من الشهر و السنة اختلافا كثيرا، و كذلك الروايات‏ (2).

فإن قيل بانحصارها في شهر رمضان، وجب عليه الصلاة في كل ليلة منه، أو في العشر الأخير منه فكذلك، أو في ليالي الأفراد أو غيرها.

و القول بانحصارها في العشر الأخير قوي، لاشتراك الأخبار الكثيرة فيه، فيجب تكرارها في ليالي العشر.

و في انحصارها في ليلة إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين رواية حسنة عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام)(3).

قاعدة «12» الواجب إذا لم يكن معلقا بمقدار معين، بل على اسم تفاوت بالقلة و الكثرة،

كمسح مقدم الرّأس في الوضوء، فزاد فيه على الاسم، فهل يقع ذلك الزائد نفلا أم واجبا؟ فيه أقوال.

يفرق في ثالثها بين ما لو أوقعه دفعة، و على التعاقب؛ فيما يمكن‏

____________

[1] أي: إذا نذر الصلاة في وقت و إن لم يكن له فضيلة، فإنه يتعين إيقاعها فيه.

____________

(1) بر النذر: الوفاء به.

(2) الكافي 4: 156 باب في ليلة القدر، الوسائل 7: 256 أبواب أحكام شهر رمضان باب 31، 32.

(3) الكافي 4: 156 حديث 1 الوسائل 7: 258 أبواب أحكام شهر رمضان باب 32 حديث 1.

60

فيه الأمران.

و استند الموجب إلى أن الواجب هو الماهية الكلية المتأدية في ضمن أفراد متعددة، فأي فرد أوقعها في ضمنه كان واجبا، زاد أم نقص و نافية؛ إلى جواز ترك الزائد لا إلى بدل، و هو آية عدم الوجوب.

و فيه منع كلية الكبرى المطوية إن أخذت كلية، و منع عدم البدلية هنا، فإن المجموع الواقع كيف كان بدل عن الإفراد الناقصة و إن دخلت فيه، لأن الكل مغاير لجزئه.

و قد وقع مثله في القصر و التمام حيث يتخير، فإن الركعتين الأخيرتين يجوز تركهما في القصر، مع أنه لو أتم كانتا واجبتين.

نعم يمكن أن يقال علي تقدير التعاقب: بأن الذّمّة قد برئت بفعل الجزء، و الأصل عدم وجوب الزائد، و إن أمكن الحكم به‏ (1)، فإن مجرد الإمكان غير كاف، و حينئذ فالتفصيل أجود.

و يتفرع على القاعدة مسائل:

منها: إذا مسح زيادة على الواجب، أو زاد على تسبيحة واحدة في الركوع و السجود، أو على الأربع، أو زاد في الحلق أو التقصير على مسماه، أو في الهدي على واحد.

أما لو زاد في الكفارات و الزكوات و النذور و الديون و نحوها، فالزائد ليس بواجب قطعا، لأن لهذه قدرا مضبوطا محدودا شرعا بخلاف ما سبق.

و فائدة الخلاف تظهر في مواضع:

منها: الثواب، فإن ثواب الواجب أعظم من ثواب النفل، لقوله (صلى اللَّه عليه و آله) حكاية عن اللَّه تعالى: «و ما تقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما

____________

(1) أي: الحكم بوجوب الزائد.

61

افترضت عليهم» (1).

و قد روي أيضا: «إن القدر الّذي يمتاز به الواجب هو سبعون درجة» (2). و هذا مبني على الغالب، و إلا فقد يفضل المندوب على الواجب في بعض الموارد. و لتحقيقه محل آخر.

و منها: وجوب الأكل من الهدي الواجب و الإهداء و الصدقة، حيث يجب في الواحد. فإن قلنا باستحباب الزائد من الهدي لم يجب شي‏ء من الثلاثة، و إن قلنا بوجوبه وجب.

إما الأضحية فيستحب في المتعدد منها ما يستحب في المتحد على التقديرين. نعم لو نذرها لحقها حكم الإهداء الواجب.

و منها: الحسبان من الثلث إذا أوصى بذلك، أو فعله في مرض موته، فإن جعلناه نفلا حسب من الثلث قطعا، و إن جعلناه فرضا ففي احتسابه من الأصل أو الثلث وجهان، يلتفتان إلى وجوبه و إطلاق إخراج الواجب المالي من الأصل، و إلى إجزاء ما هو أقل منه عنه فلا يجب الزائد، و قد تقدم نظيره.

و منها: كيفية النية لما يتوقف عليها منه، كالهدي، فإن جعلنا الجميع فرضا فلا بدّ من نية الهدي الواجب في النسك المعين، كالمتحد، و الصدقة المفروضة، و نحوهما.

و إن جعلناه نفلا، كفاه الاقتصار على النية للأول، و إن توقف الثواب و جريان أحكام الهدي في الجملة على النية للباقي.

و منها: وجوب إكمال الزائد متى شرع فيه لو قلنا بوجوبه، للنهي عن‏

____________

(1) الكافي 2: 352، باب من آذى المسلمين حديث 7، الوسائل 1: 78 أبواب مقدمة العبادات باب 23 حديث 17، صحيح البخاري 8: 131 كتاب الرقاق باب التواضع، بتفاوت.

(2) نقله عن صحيح ابن خزيمة في رد المختار 1: 85.

62

قطع العمل الواجب إلا ما استثني، و إن قلنا باستحبابه جاز قطعه.

و يحتمل جواز قطعه مطلقا، و عدم احتسابه واجبا إلا بعد إكماله، لجواز تركه ابتداء فيستصحب، و لأصالة البراءة من وجوب الإكمال. و هذا متجه.

و لا يرد استلزامه زيادة ما ليس بواجب في الصلاة على تقدير قطعه على ما لا يتحقق معه ذكر، مما ليس بذكر و لا في معناه، لمنع النهي عن ذلك في المتنازع، فإن الشروع فيه مأذون فيه شرعا، و الخروج عن وضع الذّكر طارئ بعد القطع، فلا يقدح فيها بوجه.

قاعدة «13» إذا أوجب الشارع شيئا، ثم نسخ وجوبه، جاز الإقدام عليه،

عملا بالبراءة الأصلية، كما أشار إليه في المحصول، في آخر هذه المسألة [1]، و صرح به غيره‏ (1). و لكن الدليل الدال على الإيجاب قد كان أيضا دالا على الجواز دلالة تضمن، فتلك الدلالة هل زالت بزوال الوجوب أم هي باقية؟ اختلفوا فيه.ال الغزالي: إنها لا تبقى، بل يرجع الأمر إلى ما كان قبل الوجوب من البراءة الأصلية و الإباحة، أو التحريم، و صار الوجوب بالنسخ كأن لم يكن‏ (2).

____________

[1] المحصول 1: 296، قال في آخر كلامه: لكن الناسخ للوجوب لما رفع الوجوب رفع الحرج عن الترك، فقد حصل بهذا الدليل زوال الحرج عن الترك، و قد بقي أيضا القدر المشترك بين الوجوب و الندب و هو زوال الحرج عن الفعل، فيحصل من مجموع هذين القيدين زوال الحرج عن الفعل و عن الترك معا، و ذلك هو المندوب و المباح. و لعله بهذا الكلام أشار إلى البراءة الأصلية.

____________

(1) فواتح الرحموت 1: 69.

(2) المستصفى 1: 73.

63

و ذهب الأكثر إلى أنها باقية (1)، و مرادهم بالجواز: هو التخيير بين الفعل و الترك، و هو الّذي صرح الغزالي بعدم بقائه، و حينئذ فيكون الخلاف بينهما معنويا، خلاف ما ادعاه بعضهم‏ (2)؛ و يكون الجواز الّذي كان في الواجب جنسا، و فصلة المنع من الترك، قد صار فصله بعد النسخ هو التخيير بين الفعل و الترك، فإن الناسخ أثبت رفع الحرج‏ (3) عن الترك، فالماهية الحاصلة بعد النسخ مركبة من قيدين:

أحدهما: زوال الحرج عن الفعل، و هو مستفاد من الأمر.

و الثاني: زواله عن الترك، و هو مستفاد من الناسخ. و هذه الماهية هي المندوب أو المباح.

و قد تلخص من ذلك أنه إذا نسخ الوجوب بقي الندب أو الإباحة من الأمر مع ناسخه، لا من الأمر فقط.

و موضع الإشكال، ما إذا قال الشارع: نسخت الوجوب، أو نسخت تحريم الترك، أو رفعت ذلك.

فأما إذا نسخ الوجوب بالتحريم، أو قال: رفعت جميع ما دل عليه الأمر السابق، من جواز الفعل و امتناع الترك، فيثبت التحريم قطعا.

و نحو هذا الخلاف، ما يعبر عنه الفقهاء كثيرا بقولهم: إذا بطل الخصوص هل يبطل العموم؟.

إذا علمت ذلك ففروع مسألة النسخ حقيقة قليلة. و مما فرعه عليه بعض الأصحاب:

____________

(1) كما في مسلم الثبوت (فواتح الرحموت) 1: 103، و المحصول 1: 296. و تهذيب الوصول: 28.

(2) نقله عن ابن التلمساني في التمهيد: 100.

(3) في «م»: الحجر.

64

انعقاد الجمعة حال الغيبة و عدمه، بناء على أن وجوبها إذا ارتفع لفقد الشرط الّذي هو الإمام أو من نصبه، بقي الجواز (1).

و هو تفريع فاسد، لأن الوجوب لم ينسخ، و إنما تخلف- على القول به لفقد الشرط، و هو أمر آخر غير النسخ.

و لو كان فقد شرط الوجوب نسخا له، لزم القول بأن العبادات كلها منسوخة، حيث يختل بعض شرائطها، و هو فاسد إجماعا.

و الحق أن المرتفع هو الوجوب الخاصّ، و هو العيني على ما ادعاه الأصحاب لا التخييري، و هو أحد أفراد الواجب، فوجوبها في الجملة باق.

و أما ارتفاع الخاصّ مع بقاء العام فمن فروعه تنزيل القراءة الشاذة منزلة الخبر، و سيأتي الكلام فيه‏ (2).

و منها: إذا بطلت الجمعة بخروج الوقت في أثنائها، قبل إدراك ركعة على القول باشتراطه، فهل تنقلب ظهرا، حيث تعذرت الوظيفة الخاصة للجمعة، و هي الجمعة، فيبقى العام.

أم تبطل، لفقد شرط الصحة، فضلا عن الوجوب، مع عدم نية الظهر التي هي شرط في صحة العمل، و لأن الصلاة على ما افتتحت عليه، و قد افتتحت على الجمعة، و لم تسلم؟ قولان.

و منها: إذا نذر صلاة، و عين لها مكانا لا مزية فيه. قيل: بطل.

التعيين، و وجبت الصلاة، و يوقعها في أي موضع أراد على أحد القولين‏ (3). و الأقوى تعين ما عينه مطلقا.

____________

(1) إيضاح الفوائد 1: 119.

(2) في ص 84، قاعدة 18.

(3) التنقيح الرائع 3: 526.

65

و منها: إذا باع السيد العبد المأذون أو أعتقه، ففي انعزاله وجهان:

من أن الإذن تابعة للملك، و من بقاء معناه العام، و إن توقف تصرفه على إذن المولى المتجدد.

و موضع الخلاف ما إذا عبر بالإذن المطلق، أما لو صرح بالوكالة، لم تبطل على الأقوى. و ربما أتى فيه الوجهان.

66

الباب الثاني في أركان الحكم و هي: الحاكم، و المحكوم عليه، و به‏

قاعدة «14» الأفعال الصادرة من الشخص قبل بعثة الرسل،

إن كانت اضطرارية، كالتنفس في الهواء، و أكل ما تقوم به البينة، فهي غير ممنوع منها.

و أما الاختيارية، كأكل الفاكهة و نحوها، ففيها ثلاثة أقوال:

أحدها: إنها على الإباحة (1).

و الثاني: على الحظر (2).

و الثالث: الوقف، بمعنى عدم العلم بأحدهما، مع أنه لا يخلو عنه‏ (3) أو بأنه لا حكم‏ (4).

____________

(1) الذريعة 2: 809، المعتمد 2: 315.

(2) نقله عن المعتزلة البغدادية و أبي علي بن أبي هريرة في المحصول 1: 47.

(3) فواتح الرحموت 1: 48. المحصول 1: 47، و نقله عن أبي الحسن الأشعري و أبي بكر الصيرفي.

(4) الإحكام لابن حزم 1: 51، المستصفى 1: 65، الإحكام للآمدي 1: 130.

67

و استند الأول إلى أن اللَّه خلق العبد و ما ينتفع به، فلو لم يبح له كان خلقه‏ (1) عبثا.

و بأنه إذا تحقق أنه لا مفسدة في أكل الفاكهة مثلا و لا مضرة، مع ظهور المنفعة، فذلك حسن.

و الثاني إلى أن الفعل تصرف في ملك اللَّه بغير إذنه، و هو قبيح.

و أجيب: بأن الإذن معلومة عقلا، حيث لا ضرر على المالك، كالاستظلال بحائط الغير (2).

إذا علمت ذلك فللمسألة فروع:

منها: إذا وقعت واقعة و لم يوجد من يفتي فيها، فقيل: حكمها حكم ما قبل ورود الشرع، و قيل: لا حكم فيها، و لا تكليف أصلا [1].

و منها: ما لو خفي عليه المقدار المعفو عنه من الدم مثلا، و لم يجد من يعرفه، فقيل: يبني على هذا الأصل‏ (3).

و فيه نظر، لأن النجاسة مانعة، فلا تصح الصلاة بها إلا مع تيقن العفو عنها.

و يحتمل أن يقال: إن الأصل صحة الصلاة و براءة الذّمّة من وجوب إزالتها، إلى أن يعلم خلافه.

____________

[1] قال الأسنوي في التمهيد: 111، إذا وقعت واقعة و لم يوجد من يفتي فيها فحكمها كما قال في الروضة في كتاب القضاء حكم ما قبل ورود الشرع، قال: و الصحيح في ذلك أنه لا حكم فيها، و لا تكليف أصلا، انتهى. و قد يستفاد القول الأول من عموم كلام ابن حزم في الإحكام 1: 59.

____________

(1) في «م»، «ح»: خلقهما.

(2) كما في المعتمد 1: 320.

(3) التمهيد للأسنوي: 111.

68

و منها: ما فرعه بعضهم‏ (1) فقال: إذا قرر النبي (صلى اللَّه عليه و آله) غيره على فعل من الأفعال، هل يدل على الجواز من جهة الشرع، أو من جهة البراءة الأصلية، فيكون الأصل هو الإباحة؟

فإن قلنا: أصل الأشياء على التحريم، دل التقرير على الجواز شرعا، و إن قلنا: أصلها على الإباحة، فلا.

و من فوائد هذا الخلاف الأخير: أن رفعه هل يكون نسخا أم لا؟ فإن رفع البراءة الأصلية بابتداء شرعية العبادات ليس بنسخ، على ما حقق في محله.

قاعدة «15» لا يصح عندنا ابتداء التكليف بمن لا يفهم الخطاب، كالنائم، و المجنون، و السكران، و الغافل، مطلقا، بناء على امتناع التكليف بالمحال.

و أطلق الأصوليون بطلان التكليف له من غير تقييد بالمبتدإ، و لكن يظهر من قوة استدلالهم إرادة ذلك.

كقولهم: إن مقتضى التكليف بالشي‏ء الإتيان به امتثالا، و ذلك يتوقف على العلم بالتكليف به، و الغافل لا يعلم ذلك، فيمتنع تكليفه، فإن هذا لا تجب مراعاته إلا في نية الفعل المتوقف على النية دون سائره، كما لا يخفى.

و يتفرع على إمكانه له استدامة: عدم بطلان صلاة الساهي عن بعض الأفعال، و صوم النائم، و المعتكف، و المحرم، و غيرهم من المتلبسين بالعبادة، و إن استحال ابتداؤهم بالتكليف.

____________

(1) و هما الماوردي و الروياني كما في التمهيد: 111.

69

و ما ذهب إليه بعضهم من بطلان الصوم بالنوم بناء على إطلاق القاعدة (1) ضعيف، لما ذكرناه، مع موافقته للإجماع‏ (2) على عدم بطلان الصوم بالأكل سهوا، و هو أقوى منافاة له من النوم، و أبعد عن امتثال الأمر به.

و كذا عدم بطلان صلاة الساهي على كثير من الوجوه. و وجوب القضاء على بعض الغافلين، كالنائم و السكران، و ثبوت الحد عليه بالزنى و القذف على الخلاف لدليل خارجي.

و قد روي ما يخالف القاعدة: أنّ السكرى إذا زوجت نفسها ثم أفاقت و أمضته أن العقد يصح [1]، و أنّ المجنون إذا زنى بعاقلة يحد (3). و عمل بمقتضاهما بعض الأصحاب‏ (4) و هو مطرح.

و للعامة خلاف في أن السكران هل هو مكلف أم لا؟ ففي قول لهم: «أن حكمه حكم الصاحي مطلقا» (5) و في ثان «عدمه‏

____________

[1] روى محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت، فزوجت نفسها رجلا في سكرها، ثم أفاقت. فأنكرت ذلك، ثم ظنّت أنه يلزمها ففزعت منه، فأقامت مع الرّجل على ذلك التزويج، أ حلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السكر، و لا سبيل للزوج عليها؟ فقال: «إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها» قلت: و يجوز ذلك التزويج عليها؟ فقال: «نعم». انظر الفقيه 3: 409 حديث 4430، و التهذيب 8: 392 حديث 1571، الوسائل 14: 221 أبواب عقد النكاح باب 14 حديث 1.

____________

(1) نقله عن أبي سعيد الإصطخري في المجموع 2: 345.

(2) في «ح»: على الإجماع.

(3) الكافي 7: 192 حديث 3، التهذيب 10: 19 حديث 56، الوسائل 18: 388 أبواب حد الزنا باب 21.

(4) كالشيخ في النهاية: 468.

(5) مسلم الثبوت (فواتح الرحموت) 1: 145، كتاب الأم 5: 253، التمهيد للأسنوي: 113.

70

مطلقا» (1) و في ثالث: «أنه مكلف فيما عليه دون ماله» (2).

قاعدة «16» شرط التكليف بالفعل: حصول التمكن منه، فإذا كلف به فلا بد أن يمضي زمان فعله متمكنا منه،

و إلا كان تكليفا بما لا يطاق.

و هذا شرط لوجوبه في نفس الأمر، أما بحسب الظاهر فقد يجب الشروع فيه قبل العلم باستمرار الشرط، ثم إن حصل تبين استقرار الوجوب، و إلا تبين سقوطه.

إذا علمت ذلك فمن فروع المسألة:

ما إذا دخل وقت الصلاة، و جنّ، أو حاضت المرأة، أو نفست، و نحو ذلك، قبل مضي زمان يسعها، فإنّ القضاء لا يجب عليه؛ و لو زال العذر آخر الوقت كفى إدراك قدر ركعة مع الشرائط المفقودة، إذا أمكن فعل الباقي خارج الوقت جامعا للشرائط.

و هذا بحسب الظاهر و إن كان مخالفا للقاعدة من حيث التكليف بعبادة في وقت لا يسعها، إلا أنّ ما خرج من الوقت بمنزلته، للنص الصحيح المستفيض بأن: «من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت» (3) فيكون ذلك شرعا بمنزلة إدراك الوقت أجمع.

و عليه يتفرع كونه مؤديا للجميع، و يضعف كونه قاضيا مطلقا، أو لما وقع‏

____________

(1) الأحكام للآمدي 1: 200، و المحصول 1: 330.

(2) المستصفى 1: 84.

(3) الذكرى: 122، الوسائل 3: 158 أبواب المواقيت باب 30. حديث 4، صحيح البخاري 1: 151 باب مواقيت الصلاة.

71

خارج الوقت.

و منها: إذا وجد المتيمم الماء، و تمكن من استعماله، فإن المشهور انتقاض تيممه حينئذ (1)، و ليس كذلك، بل الحق أنّ انتقاضه مشروط بمضي زمان يتمكن فيه من فعل الطهارة تامة، ليتم الحكم بالقدرة على الطهارة المائية، فلو تجدّد عجزه عنه بمنع المالك أو بمرض و نحوه قبل مضي زمن الطهارة، كشف عن عدم التمكن، فلا ينتقض التيمم.

و منها: إذا أيسر من لم يحج، ثم مات تلك السنة قبل التمكن من الحج، فلا يجب قضاء الحج عنه، لعدم وجوبه عليه بسبب ما ذكرناه، سواء كان يساره و موته في أشهر الحج أم لا.

و كذا لو ذهب ماله قبل مضي زمن يمكنه فيه الإتيان بواجب الحج، سواء ذهب و هو متلبس بالسفر أم لا.

و اشترط العلامة في التذكرة بقاء المال إلى رجوع القافلة، استنادا إلى اشتراط نفقة الرجوع في وجوبه‏ (2).

هذا كله إذا سقط الشرط بغير اختياره، أما لو كان باختياره بأن وهب المال، فظاهر الأصحاب و غيرهم عدم السقوط، إذا كان ذلك بعد التلبس بالسفر أو ما في حكمه. و يمكن إلحاقه بغير الاختياري، لفقد الشرط و إن أثم.

و منها: إذا نذر التضحية بحيوان معيّن، فمات قبل إمكان ذبحه في وقتها [فلا ضمان‏] (3). و لو مات قبل انقضاء أيام التشريق، و بعد التمكن، ففي الضمان وجهان: من تفويت النذر مع القدرة، و من عدم التقصير من‏

____________

(1) كما في جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى) 3: 25، و النهاية: 50، و الشرائع 1: 40.

(2) التذكرة 1: 300.

(3) أثبتناه لاقتضاء السياق.

72

حيث اتساع الوقت.

و نحوه الكلام في وجوب قضاء صلاة موسعة لو مات في وقتها بعد مضي زمن يمكنه فعلها فيه.

و منها: إذا أحرم و في ملكه صيد، فمات قبل التمكن من إرساله. و ربما احتمل هنا الضمان، بناء على وجوب إرساله حين إرادة الإحرام، كما يجب عليه إزالة الطيب عن بدنه و ثوبيه قبله.

و هو ضعيف.

و منها: إذا فعل ما يوجب التكفير في شهر رمضان، ثم جنّ أو مات ذلك اليوم، فلا كفارة، لتبيّن عدم وجوب الصوم. و كذا لو سافر سفرا ضروريا، بل مطلق السفر الموجب للقصر، على أحد القولين.

و قيل: لا تسقط الكفارة بذلك كله، لصدق فعل موجبها في صوم واجب حين الفعل، فلا يبطله طروء المسقط (1). و ربما فرّق بعضهم بين السفر الضروري و غيره‏ (2).

و يمكن بناء المسألة على قاعدة أخرى، و هي أنه إذا علم المكلّف عدم الشرط المعتبر في التكليف، هل يجوز أن يكلّف به؟ فقد جوّزه قوم لما يشتمل عليه من مصلحة توطين النّفس، و نيل الثواب بالرضا بأمر اللَّه تعالى‏ (3).

و رده آخرون، لاستحالته، من حيث إنه تكليف بما لا يطاق‏ (4).

____________

(1) كما في الخلاف 2: 219.

(2) القواعد 1: 66، إيضاح الفوائد 1: 234.

(3) كالآمدي في الإحكام 1: 205، و صاحب فواتح الرحموت 1: 153.

(4) كما في الذريعة 1: 163، و المعتمد 1: 166.

73

قاعدة «17» الإكراه إن كان ملجئا، و هو الّذي لا يبقى للشخص معه قدرة و لا اختيار،

كالإلقاء من شاهق، لم يصح معه التكليف لا بالفعل المكره عليه لضرورة وقوعه و لا بضده لامتناعه.

و التكليف بالواجب وقوعه و الممتنع وقوعه محال، لاشتراطه بالقدرة، و القادر هو: إن شاء فعل، و إن شاء ترك.

و إن كان غير ملجئ، كما لو قال له: إن لم تكفر أو تقتل زيدا و إلا قتلتك، و علم أو غلب على ظنه أنه إن لم يفعل و إلا قتله، فلا يمتنع معه التكليف، و يدل عليه بقاء تحريم القتل.

و ردّه المعتزلة (1) استنادا إلى اشتراط كون المأمور به بحال يثاب عليه، و المكره آت بالفعل لداعي الإكراه، لا لداعي الشرع، فلا يثاب عليه؛ و لا يمتنع في نقيضه، لأنه إذا أتى به كان أبلغ في إجابة داعي الشرع.

و قيل: إنه إن أتى به لداعي الشرع صح، أو لداعي الإكراه فلا (2).

و هذا يرجع إلى اعتبار نية الإخلاص في العمل، فمن فعله لداعي الإكراه فقد فعله لغير اللَّه، و من فعله لداعي الشرع فقد أخلص.

إذا علمت ذلك فللقاعدة فروع:

منها: المكره على فعل مبطلات الصلاة و الصوم، و قد اختلف الأصحاب و غيرهم في فساد العبادة به.

و منشؤه من صدق فعل المفسد اختيارا، حيث لم يذهب القصد، لأنه‏

____________

(1) المعتمد 1: 165، و نقله عنهم في التمهيد: 120.

(2) المستصفى 1: 90، المنخول: 32.

74

الفرض؛ و من عموم قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «رفع عن أمتي الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه» (1) و المراد رفع حكمها، و من جملته إعادة الفعل و قضاؤه.

و لا خلاف في سقوط الكفارة حيث تجب بدونه، كما لا خلاف في الإبطال لو كان المنافي مما يبطل مطلقا كالحدث.

و الأجود الإفساد و إن انتفى الإثم.

و منها: إذا أكره على وطء الحائض و النفساء، حيث يوجب الكفارة.

و الأقوى أنها لا تجب حينئذ.

و منها: إذا أكره على ترك الوضوء فتيمم، و في وجوب القضاء حينئذ وجهان: من صدق وجود الماء، الّذي عدمه شرط جواز التيمم.

و من عدم النهي من استعماله، الّذي هو المعتبر من وجوده؛ و لأنه في معنى غصب الماء و الأجود عدم القضاء. و الفرق بأن غصب الماء أكثري بخلاف الإكراه على ترك الوضوء، لا يكفي في اختلاف الحكم.

و منها: إذا اخرج من المعتكف مكرها، و في الإبطال به خلاف مشهور. و الأقوى الإبطال مع طول الزمان، بحيث يخرج عن كونه معتكفا، لا بدونه.

و منها: إذا أخرج أحد المتبايعين من مجلس العقد مكرها، فإن خياره لا ينقطع بهذا إذا منع من الفسخ، بأن حمل من المجلس و سدّ فوه، فإن لم يمنع فوجهان، أجودهما الانقطاع.

و منها: الإكراه على الذبح، و هو محصّل للمقصود مع اجتماع شرائطه‏

____________

(1) التوحيد: 364، الخصال 2: 44، الوسائل 11: 259 أبواب جهاد النّفس باب 56 حديث 1، سنن ابن ماجة 1: 659 باب طلاق المكره و الناسي حديث 2043.

75

المعتبرة، فإن الاختيار لم يثبت كونه شرطا هنا.

و مثله الإكراه على الدباغ في جواز استعمال الجلد حيث يعتبر، أو في طهارته على قول بعض الأصحاب‏ (1) و قول العامة مطلقا (2).

و منها: قبول القضاء عند الإكراه عليه، و هو صحيح إن تعين عليه، لأنه إكراه بحق، و إن لم يتعيّن فوجهان.

و منها: إذا أكره المشتري على قبض المبيع، هل يدخل في ضمانه؟ و المتجه الدخول إن كان المكره البائع، و كان ذلك في حالة يجب عليه قبضه منه، و إن لم يكن كذلك فلا.

و منها: إكراه المغصوب منه على أكل المغصوب أو إتلافه. و في براءة الغاصب بذلك وجهان، مبنيان على ترجيح جانب الغرور، أو المباشرة، و الأول أولى.

و منها: إذا وقف على سكان موضع، فأخرج أحدهم كرها، ففي بطلان استحقاقه نظر، و لعل البطلان أوجه مع خروجه عن كونه من سكانه عرفا.

و منها: إكراه الذمي على الشهادتين، و لا يحصل به الإسلام؛ بخلاف الحربي و المرتد عن ملة، و المرأة مطلقا، و الظاهر إلحاق الخنثى بها.

و منها: إذا فعل المحلوف عليه مكرها، و الأقوى عدم الحنث به مطلقا.

و في انحلال اليمين كالعمد [1] وجهان.

و منها: الإكراه على العقود، كالبيع و نحوه بغير حق، و هو مانع‏

____________

[1] في «ح»: كالعهد. و المراد: أنه في صورة فعل المحلوف على تركه عمدا ينحل النذر و تجب الكفارة، فهل ينحل في صورة الإكراه كصورة العمد أم لا؟

____________

(1) نقله عن ابن الجنيد في منتهى المطلب 1: 191.

(2) الأم 1: 9، المجموع 1: 217، بدائع الصنائع 1: 85، بداية المجتهد 1: 76، أحكام القرآن للجصاص 1: 115، التفسير الكبير 5: 16.

76

من صحتها قطعا.

و منها: التلفظ بكلمة الكفر بالإكراه. و الأفضل أن لا يتلفظ و إن قتل.

و منها: إذا أكره على القتل، فإنه لا يباح إجماعا، و يجب به القصاص إن لم يبلغ حد الإلجاء، و إلا فالدّية. و يتحقق في غيره و إن كان قطعا عندنا.

و منها: الإكراه على الزنا، و هو متحقق في طرف المرأة عندنا، فلا حدّ و لا إثم. و في تحققه في طرف الرّجل قولان، أجودهما ذلك، لأن الانتشار طبيعي و الإيلاج متصور و إن عدم الداعي.

و منها: السرقة و شرب الخمر يباحان بالإكراه، و يسقط الحد عندنا.

و منها: إتلاف المال، و هو يباح بالإكراه. و أما الضمان فيجب على الآمر، و هل يطالب المأمور أيضا؟ وجهان. فإن قيل به رجع على الآمر بما غرم، و يحتمل عدمه.

و منها: إكراه المحرم على الصيد، و هو كالإكراه على إتلاف مال الغير، فتجب الكفارة على الآمر إن كان محرما. و في وجوبها على المكره وجهان.

و منها: الإكراه على الإرضاع، و لا خلاف في ثبوت التحريم به. إذ القصد غير معتبر فيه. و أما غرامة المهر إذا انفسخ به النكاح، ففي وجوبه على المرضعة أو المكره وجهان.

و منها: إكراه المحلل على الوطء بعد العقد الصحيح، و هو يفيد التحليل و استقرار المهر على ما يقتضيه إطلاقهم.

و منها: إرث القاتل مكرها لو قيل به في قتل الخطأ، و فيه وجهان من عموم النص على عدم إرثه، و من ارتفاع حكمه بالإكراه.

مسألة: الكفار هل هم مكلّفون بفروع الشريعة؟

فيه مذاهب: أصحها: أنهم مكلّفون بها مطلقا، لتناول الأمر

77

بالعبادة العام لهم، و الكفر غير مانع، لإمكان إزالته، و الآيات الموعدة بترك الفروع، مثل‏ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ (1) و غيرها (2).

فعلى هذا يكون الكافر مكلفا بفعل الواجب و ترك الحرام، و بالاعتقاد في‏ (3) المندوب و المكروه و المباح.

و الثاني: لا، مطلقا.

و الثالث: مكلّفون بالنواهي دون الأوامر.

و الرابع: المرتد مكلّف، دون الكافر الأصلي.

و الخامس: مكلّفون بما عدا الجهاد، لامتناع قتالهم أنفسهم.

إذا علمت ذلك فللمسألة فروع:

منها: إذا زنى الذمي فعندنا يجب عليه الحد، و يتخير الإمام بين إقامته عليه بمقتضى شرعنا، و بين دفعه إلى أهل ملته ليقيموه عليه بموجب شرعهم.

و اختلف العامة في ذلك اختلافا كثيرا بسبب الأقوال المتقدمة.

و منها: إذا تعاطى شيئا يوجب الكفارة على المسلم وجبت عليه. و في جواز أخذ الإمام و من في معناه لها من ماله وجهان؛ و كذا في سقوطها لو أسلم كالزكاة، للعموم.

و منها: إذا نذر شيئا فإنه لا يجب عليه الوفاء به مطلقا، لتعذّر صحة النذر منه من حيث اشتراطه بالقربة، لكن يستحب له الوفاء به لو أسلم.

و منها: إعانة المسلم له على ما لا يحل عندنا، كالأكل و الشرب في نهار رمضان بضيافة و غيرها، فعلى القول بتكليفه بالفروع ففي تحريمه وجهان:

من أنه إعانة على المحرم، و أصالة الحل.

____________

(1) فصلت: 6.

(2) المؤمن: 10، المرسلات: 48، 49.

(3) في «م» و في.

78

و الوجهان آتيان في تمكين الزوجة المحلة و المفطرة للزوج المحرم و الصائم وجوبا، و البائع بعد النداء للجمعة ممن عليه الجمعة مع من لا تجب عليه.

و الأجود التحريم في الجميع. و على القول بعدم تكليفه لا يحرم.

و منها: إذا جاوز الكافر الميقات مريدا النسك، ثم أسلم فعلى تكليفه يكون كالمتعمد، و على الآخر كمن لا يريد النسك.

و منها: إذا غصب خمرا من ذميّ، و اللازم من القاعدة عدم وجوب ردّها، إلّا أنّ المختار هنا الوجوب مع استتاره بها.

و منها: منعه من لبس الحرير و الذهب إذا كان رجلا، و اللازم وجوبه أيضا، و الظاهر عدم وجوبه.

و حينئذ فلو مات الذمي فأراد قريبه المسلم تكفينه فيه، فهل له ذلك، لأن لبسه حيا جائز؛ أم لا، نظرا إلى تحريمه خصوصا على المسلم؟ وجهان.

79

المقصد الثاني في الكتاب و السنة

و فيه أبواب:

الباب الأول: في اللغات‏

مقدمة: الكلام و نحوه كالقول و الكلمة يطلق عندنا حقيقة على اللساني خاصة،

و هو اللفظ، و يطلق مجازا على النفسانيّ، و هو المعنى القائم بالنفس. و عند الأشاعرة يطلق عليهما بالاشتراك اللفظي، و بالغ في المحصول في باب الأوامر و النواهي فقال: إنه حقيقة في النفسانيّ فقط (1) و وافق الجمهور فيه في باب اللغات‏ (2).

إذا علمت ذلك فمن فروع المسألة:

قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «فإذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث و لا يجهل، فإن امرؤ

____________

(1) الموجود خلافه كما يظهر بالتأمل، و إن كان ابتداء كلامه يوهم ذلك، انظر المحصول 1: 196، و لعل الشهيد اعتمد على نقل الأسنوي ذلك في التمهيد: 135.

(2) المحصول 1: 55.

80

شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم» (1). فهل يقوله بقلبه أو بلسانه؟ وجهان:

فذهب جماعة إلى أنه: يذكّر نفسه بذلك لينزجر، فإنه لا معنى لذكره بلسانه إلا إظهار العبادة، و هو رياء أو معرض له‏ (2). و بناء هذا التنزيل على الأخير واضح، و على الثاني بالحمل على أحد معاني المشترك لقرينة، و على الأول بجعل القرينة مرجّحة للمعنى المجازي.

و قيل: بل يقوله بلسانه، حملا على المعنى الحقيقي، أو لأنه أقرب إلى إمساك صاحبه عنه‏ (3).

و فصّل ثالث فقال: إن كان الصوم واجبا قال بلسانه، و إن كان ندبا فبقلبه، لبعد الأول عن الرياء، و قرب الثاني‏ (4). و هو حسن، إلا أن يثق بعدم الرياء و السمعة، فاللسان أولى فيهما، مراعاة للحقيقة.

و منها: إذا حلف أن لا يتكلم، أو لا يذكر كذا، فإنه لا يحنث إلا بما تكلّم بلسانه، دون ما يجريه على قلبه. و وافق القائل بالكلام النفسيّ هنا، و لعله فهم التخصيص من العرف‏ (5).

و منها: ما قالوه في حد الغيبة: «أنها ذكر الشخص بما يكرهه بشروطه المقررة» و هو لفظ الحديث النبوي‏ (6).

____________

(1) صحيح البخاري 3: 34 كتاب الصوم، صحيح مسلم 2: 507 حديث 160، سنن ابن ماجة 1: 539 حديث 1691، الموطأ 1: 310 كتاب الصيام حديث 57.

(2) فتح العزيز 6: 421، معالم السنن (مختصر سنن أبي داود) 3: 240

(3) المجموع 6: 356، معالم السنن 3: 240.

(4) شرح صحيح مسلم للنووي (إرشاد الساري) 5: 131، و استحسنه الروياني كما في التمهيد للأسنوي: 137.

(5) في «ح»: من أمثال العرف.

(6) مجالس الشيخ: 341، الوسائل 8: 598 أبواب أحكام العشرة باب 152 ح 9، صحيح مسلم 5: 162 باب تحريم الغيبة حديث 70، الموطأ 2: 987 كتاب الكلام حديث 10.

81

و قد ذهب جماعة من المحققين‏ (1) إلى أنها تحصل بالقلب كما تحصل باللفظ، و هو سوء الظن به إذا عقد عليه القلب، و حكم عليه بالسوء من غير يقين‏ (2).

و هو من جهة الخبر السابق يوافق القاعدة.

و لنا على تحققها به قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «إن اللَّه تعالى حرم من المسلم دمه، و ماله، و أن يظن به ظن السوء، فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به الدم و المال، و هو تيقن مشاهدة، أو بينة عادلة، أو ما جرى مجراهما من الأمور المفيدة لليقين» (3) و غيره من الأخبار.

قاعدة «18» اختلفوا في أن اللغات هل هي توقيفية أم اصطلاحية (4) على مذاهب:

فذهب الأشعري‏ (5) و جماعة (6) إلى الأول مطلقا، و معناه أن اللَّه تعالى وضعها و وقفنا عليها، أي أعلمنا بها.

و ذهب أبو هاشم إلى الثاني مطلقا (7).

____________

(1) كالغزالي في إحياء علوم الدين 3: 150.

(2) في «د»: تعيين، و في «ح»: تعين.

(3) من لا يحضره الفقيه 3: 569 حديث 4946.

(4) معنى أنها توقيفية: أن اللَّه وضعها و وقفنا عليها أي أعلمنا بها. و معنى أنها اصطلاحية: انها بوضع البشر.

(5) نقله عنه في المحصول 1: 57، و الإحكام للآمدي 1: 109 و مبادئ الوصول للعلامة: 3، و التمهيد للأسنوي: 137.

(6) منهم ابن حزم في الإحكام 1: 32، و الآمدي في الإحكام 1: 111، و العلامة في مبادئ الوصول: 3، و نقله عن ابن فورك في المحصول 1: 57، و اختاره هو في ج 2 ص 421.

(7) نقله عنه في المحصول 1: 58.

82

و قال أبو إسحاق الأسفراييني: الألفاظ التي يقع بها التنبيه إلى الاصطلاح توقيفية، و الباقي محتمل‏ (1).

و في المحصول قول رابع: إن ابتداء اللغات اصطلاحي، و الباقي محتمل‏ (2).

و توقف جماعة في المسألة (3).

و ذهب عباد بن سليمان الصيمري و جماعة إلى أن الألفاظ لا تحتاج إلى وضع، بل تدل بذاتها، لما بينها و بين معانيها من المناسبة. كذا نقله في المحصول‏ (4). و مقتضى كلام الآمدي في النقل عنه: أن المناسبة مشروطة، لكن لا بد من الوضع‏ (5).

إذا علمت ذلك فمن فروع القاعدة:

المسألة المعروفة بمهر السر و العلانية، و هي ما إذا تزوج الرّجل امرأة بألف، و كانا قد اصطلحا على تسمية الألف بألفين، فهل الواجب ألف، و هو ما يقتضيه الاصطلاح اللغوي، أو ألفان، نظرا إلى الوضع الحادث؟ فيه وجهان، مبنيان.

و يمكن القول بالبطلان على القول بالتوقيف، لأن الموضوع اللغوي غير ملفوظ، و الملفوظ غير مقصود، و لا يتم العقد إلا بهما.

و منها: إذا قال يا حلال يا ابن الحلال و نحوه- و هما في الخصومة-

____________

(1) نقله عنه الآمدي في الإحكام 1: 111، و الأسنوي في التمهيد: 138.

(2) المحصول 1: 58.

(3) منهم الرازي في المحصول 1: 64، و ابن السبكي في رفع الحاجب ج 1 قاعدة 69، و نقله عن القاضي في التمهيد: 138.

(4) المحصول 1: 57، و نقله أيضا في فواتح الرحموت 1: 184.

(5) الإحكام في أصول الأحكام 1: 110.

83

و نوى الزنا، فلا حد عليه، لأن اللفظ لا يحتمله، و يثبت عليه التعزير، للتعريض. هذا إن قلنا بالتوقيف، و لو قلنا اصطلاحية اتجه ثبوته.

و ربما احتمل ثبوته مطلقا، لما بين اللفظين من العلاقة الصحيحة، و هي المضادة، فيكون مجازا صحيحا معتبرا في كلام العرب، و قد اعترف به المتكلم بقرائن حاله.

و منها: البيع المسمى «بالتلجئة» بالتاء المثناة و الجيم، و صورته: أن يخاف غصب ماله، أو الإكراه على بيعه، فيلجأ إلى إنسان، فيتفق معه على صدور لفظ الإيجاب و القبول، لا لحقيقة البيع؛ و لكن لدفع المتغلب عليه، ثم يبيعه بيعا مطلقا، فصححه بعض العامة، اعتبارا بالوضع‏ (1). و الأجود العدم، اعتبارا بالقصد.

و منها: إذا باع أو أعتق أو طلق أو حلف و نحو ذلك، ثم ادعى عدم إرادة المعنى من اللفظ، فقد قيل: يبنى على الخلاف السابق، فإن قلنا إن اللغات توقيفية لم يلتفت إلى دعواه، و إن قلنا إنها اصطلاحية دين بنيته‏ (2).

و منها: إذا غلط الإمام فنبهه المأموم بقوله: سبحان اللَّه و نحوه، قاصدا التنبيه فقط، أو توقفت عليه القراءة فردده بهذا القصد، أو كبر المبلغ قاصدا التبليغ و نحو ذلك، فإن صلاته تبطل بناء على كونها اصطلاحية، لعدم تحقق الذّكر و القراءة حينئذ؛ و على القول بأنها توقيفية يحتمل ذلك أيضا، نظرا إلى قصد خلاف المعنى؛ و الصحة، لأن اللفظ موضوع للذكر و القراءة، فلا أثر للقصد المخالف.

و يشكل بأنه إذا صرفه إلى غيره التحق بكلام الآدميين و امتنع الثواب عليه.

____________

(1) التمهيد: 139.

(2) الفروق 1: 38، التمهيد للأسنوي: 140.

84

و أشكل منه ما لو لم يقصد شيئا؛ و أولى بالصحّة هنا، حملا للغة على موضوعها، حيث لا معارض. و يجي‏ء على الاصطلاح البطلان حيث لم ينصرف إلى الذّكر و ما في معناه، لتخلف قصده.

مسألة: القراءة الشاذة كقراءة ابن مسعود في كفارة اليمين فصيام ثلاثة أيام متتابعات‏ (1)

هل تنزل منزلة الخبر أم لا؟ ذهب إلى كل منهما فريق من الأئمة و الأصوليين‏ (2)، نظرا إلى (اعتبار) (3) روايته؛ و التفاتا إلى أن الراوي لم ينقلها خبرا، و القرآن لا يثبت بالآحاد.

و فرعوا على ذلك وجوب التتابع في كفارة اليمين و عدمه. و هذا الحكم عندنا ثابت من غير القراءة، و إنما تظهر الفائدة في الحجة من القراءة.

قاعدة «19» إطلاق المشتق كاسم الفاعل و اسم المفعول باعتبار الحال حقيقة بلا نزاع،

و إطلاقه باعتبار المستقبل كقوله تعالى‏ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ (4) مجاز قطعا، و باعتبار الماضي فيه مذاهب، أصحها عندنا: أنه حقيقة، سواء أمكنت مقارنته له كالضرب، أم لم تمكن كالكلام‏ (5).

____________

(1) مجمع البيان 2: 238.

(2) نقل الأول عن الرافعي و القاضي أبو الطيب في فواتح الرحموت 2: 16، و اختار هو حجيته على كل حال، و نقله عن أبي حنيفة في المستصفى 1: 102، و اختار هو الثاني.

(3) ليس في «م»، «د».

(4) الزمر: 30.

(5) كما في المحصول 1: 86، و تهذيب الأصول للعلامة: 10.

85

و الثاني: أنه مجاز مطلقا (1).

و الثالث: التفصيل بالممكن و غيره‏ (2).

و توقف الآمدي‏ (3) و جماعة (4)، فلم يصححوا شيئا.

و محل الخلاف ما إذا لم يطرأ على المحل وصف وجودي يناقض المعنى الأول أو يضاده، كالزناء و القتل و الأكل و الشرب؛ فإن طرأ من الوجودات ما يناقضه أو يضاده، كالسواد مع البياض، و القيام مع القعود، فإنه يكون مجازا اتفاقا، على ما ذكره في المحصول‏ (5) و غيره‏ (6).

هذا كله إذا كان المشتق محكوما به، كقولك: زيد مشرك أو قاتل أو متكلم، فإن كان محكوما عليه كقوله تعالى‏ الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا (7) وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا (8) و فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ (9) و نحوه، فإنه حقيقة مطلقا، سواء كان للحال أو لم يكن.

و استدل عليه بأنه لو لم يكن كذلك لامتنع الاستدلال بالنصوص السابقة في زماننا، لأنها مستقبلة باعتبار زمن الخطاب عند إنزال الآية، و الأصل عدم التجوز، و لا قائل بامتناع الاستدلال.

____________

(1) كما في مسلم الثبوت و شرحه فواتح الرحموت 1: 193.

(2) شرح المختصر لعضد الدين 1: 176.

(3) الإحكام 1: 86.

(4) نقله عضد الدين في شرح المختصر 1: 176.

(5) المحصول 1: 86.

(6) شرح المختصر لعضد الدين 1: 176، التمهيد للأسنوي: 154.

(7) النور: 2.

(8) المائدة: 38.

(9) التوبة: 5.

86

إذا علمت ذلك فيتفرع عليه مسائل:

منها، لو قال: أنا مقر بما تدعيه، أو لست منكرا له، فإنه يكون إقرارا بخلاف ما لو قال: أنا مقر، و لم يقل «به» فإنه لا يكون إقرارا، لاحتمال أن يريد الإقرار بأنه لا شي‏ء عليه.

و بخلاف ما لو أتى بالمضارع، فإنه لا يكون إقرارا و إن أتى بالضمير معه، لأن المضارع مشترك بين الحال و الاستقبال.

و منها: لو قال: وقفت على سكان موضع كذا، فغاب بعضهم مدة و لم يبع داره و لا استبدل دارا، فإن حقه لا يبطل؛ و لا فرق بين غيبته حال الوقف و بعده؛ مع احتمال البطلان هنا، نظرا إلى العرف.

و منها: إذا قال الكافر: أنا مسلم هل يحكم بإسلامه أم لا؟ و مقتضى جعله حقيقة في الحال الحكم عليه به. و يحتمل عدم الحكم مطلقا، لاحتمال أن يسمي دينه الّذي عليه إسلاما.

و منها: ما لو عزل عن القضاء، فقال: امرأة القاضي طالق، مع قصد طلاق زوجته، ففي وقوع الطلاق عليه وجهان. و ينبغي القطع بالوقوع، نظرا إلى صحة الإطلاق‏ (1)، مضافا إلى القصد. و فيه أيضا إقامة الظاهر مقام الضمير، و هو صحيح، و إن قل لغة.

و منها: إذا قال: وقفت على حفاظ القرآن. ففي دخول من كان حافظا و نسيه البناء على ما ذكر، و يتجه عدم دخوله هنا، نظرا إلى العرف أيضا.

و منها: كراهة الحدث تحت الشجرة المثمرة، فإن الكراهة لا تختص بزمان الثمر، بل تبقى و إن زالت.

و في ثبوتها لما لم يثمر بعد مع قبولها لها وجهان، مبناهما كون الإطلاق‏

____________

(1) في «م»: الطلاق.

87

حينئذ مجازا كما عرفت، و دلالة العرف على إرادة المثمرة بالصلاحية و القوة القريبة من الفعل.

قاعدة «20» في جواز إقامة كل من المترادفين مقام الآخر- بمعنى أنه حيث يصح النطق بأحدهما في تركيب يلزم أن يصح النطق فيه بالآخر- مذاهب:

أحدها: الجواز مطلقا (1)، نظرا إلى أن المقصود من اللفظ إنما هو المعنى، و هو حاصل.

و الثاني: عدمه مطلقا (2)، لأن صحة الضم قد تكون من عوارض الألفاظ، إذ يصح أن يقول: مررت بصاحب زيد، و لا يصح: بذي زيد، إن كانت «ذو» مرادفة ل «صاحب» و كما تقول: هيهات بمعنى بعد، و لا يقع فاعله ضميرا منفصلا و لا ظاهرا بعد إلا، فلا تقول: ما هيهات إلا زيد، و لا: زيد ما هيهات الا هو، و يصح ذلك مع بعد.

و الثالث: الجواز من لغة واحدة، دون لغات مختلفة (3)، حذرا من اختلاط (4) اللغات، و لأن إحدى اللغتين بالنسبة إلى الأخرى مهملة، فلا يضم إلى المستعمل.

إذا علمت ذلك فمن فروع القاعدة:

تكبيرة الإحرام، و قد اختلف المسلمون في جوازها بغير العربية

____________

(1) منتهى الوصول: 14، شرح المختصر لعضد الدين 1: 136.

(2) المحصول 1: 94.

(3) منهاج الوصول (نهاية السؤل) 1: 157، الإبهاج 1: 157.

(4) في «د»: اختلاف.

88

اختيارا لذلك.

و عندنا أن العربية متعينة، للاتباع، و لكن لو عبر بالرحمن أو الرحيم لم يصح أيضا، لما ذكر.

و لو تعذرت و ضاق الوقت، ترجمها بما شاء من اللغات، من غير ترجيح على الأقوى. و يمكن إدراجه حينئذ في القاعدة.

و كذا تتعين العربية في العقود اللازمة عندنا. أما الجائزة، فتصح بأي لغة اتفقت.

و منها: رواية الحديث بالمعنى للعارف، و فيه مذاهب: أصحها الجواز، و هو منصوص عندنا (1)، لا يحتاج إلى رده إلى القاعدة.

و منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «أمرت أن أ قاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه» (2) مقتضاه تعين هذا اللفظ، لكن ذكر بعضهم أنه يقوم مقامه ما دل عليه، كقوله: لا إله غير اللَّه، أو ما عدا اللَّه، و لا إله إلا الرحمن أو البارئ، أو لا رحمان أو لا بارئ إلا اللَّه، أو لا مالك إلا اللَّه، أو لا رازق إلا اللَّه. و كذا لو قال: لا إله إلا العزيز أو العليم أو الحليم أو الكريم، و بالمعكوس.

و لو قال: أحمد أبو القاسم رسول اللَّه، فهو كقوله محمد. و هذا بخلاف ما لو قال في التشهد: اللهم صل على أحمد، فإنه لا يكفي، للاتباع، و قوله (صلى اللَّه عليه و آله) «صلوا كما رأيتموني أصلي» (3).

____________

(1) صحيحة محمد بن المسلم قال، قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السلام): أسمع الحديث منك فأزيده و أنقص قال: «إن كنت تريد معانيه فلا بأس». الكافي 1: 51 باب رواية الكتب و الحديث حديث 2، الوسائل 18: 54 و أبواب صفات القاضي، باب 8، حديث 9.

(2) صحيح البخاري 1: 13 كتاب الإيمان، صحيح مسلم 1: 80 كتاب الإيمان حديث 32، سنن ابن ماجة 2: 1295 حديث 3927- 3928.

(3) صحيح البخاري 1: 162 باب الأذان للمسافر، عوالي اللئالي 1: 197 حديث 8.

89

قاعدة «21» إذا امتنع الجمع بين مدلولي المشترك، لم يجز استعماله فيهما قطعا،

و ذلك كاستعمال لفظ «افعل» في الأمر بالشي‏ء و التهديد عليه، إذا جعلناه مشتركا بينهما، لأن الأمر يقتضي التحصيل، و التهديد يقتضي الترك.

و إن لم يمتنع الجمع، فهل يجوز استعماله فيهما؟

قيل: نعم، ذهب إليه المرتضى و الشافعي، و ابن الحاجب من المتأخرين‏ (1).

و قيل: لا مطلقا (2).

و قيل: يمتنع في اللفظ المفرد، و يجوز في التثنية و الجمع، لتعدده‏ (3).

و قيل: في الإثبات دون النفي، لأن السلب يفيد العموم، فيتعدد، بخلاف الإثبات‏ (4).

و توقف جماعة (5).

و استند المجوّز مطلقا إلى الوقوع في مثل قوله تعالى:

____________

(1) الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 17، نقله عن الشافعي الآمدي في الإحكام 2: 261، و الأسنوي في التمهيد: 176، و اختاره ابن الحاجب في منتهى الوصول: 80.

(2) المحصول 1: 102، فواتح الرحموت 1: 201، و نقله عن أبي حنيفة و أبي الحسن الكرخي و أبي علي الجبائي و أبي هاشم، المستصفى 2: 71.

(3) المعتمد 1: 304، و حكاه في التمهيد: 176.

(4) نقله عن كتاب الهداية لابن همام في مسلّم الثبوت (فواتح الرحموت) 1: 201.

(5) منهم الآمدي في الإحكام 2: 261.

90

إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ‏ (1) و أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ‏ (2) الآية (3). مع أنه قابل للتأويل.

و المانع إلى أنه حيث لم يوضع للمجموع ابتداء، كان استعماله فيه مجازا، و هذا أولى، و القرينة في المثالين قائمة.

ثم على تقدير الجواز، فهل يجب حمل اللفظ على ما يصلح له من المعاني مع عدم قيام قرينة عليها أو على أحدها؟ قولان للفريق الأول.

و بالغ الشافعي فيما نقل عنه، فأوجب حمل اللفظ على حقيقته و مجازه أيضا (4). و على القول بالمنع لا يحمل على أحدها و لا عليها إلا بقرينة، و بدونها يكون الدليل مجملا.

إذا تقرر ذلك فمن فروع المسألة:

ما إذا قال لغيره: أنت تعلم أنّ العبد الّذي في يدي حرّ، فإنا نحكم بعتقه، لأنه قد اعترف بعلمه، و لو لم يكن حرا لم يكن المقول له عالما بحريته.

و لو قال: أنت تظن أنه حر، لم نحكم بعتقه، لأنه قد يكون مخطئا في ظنه.

فلو قال: أنت ترى، احتمل العتق و عدمه، لأن الرؤية مشتركة بين العلم و الظن. و الأصح حينئذ عدم الوقوع، إن لم يفسره بالعلم، لقيام الاحتمال، فتستصحب الرقية.

____________

(1) الأحزاب: 56.

(2) الحج: 18.

(3) التمثيل بالآيتين نظرا إلى أن صلاة اللَّه تعالى تختلف عن صلاة الملائكة، و كذا سجود من في الأرض و من في السماء.

(4) انظر التمهيد للأسنوي: 177.

91

و منها: «شرى» يستعمل حقيقة بمعنى اشترى، و بمعنى باع، كقوله تعالى إخبارا عن إخوة يوسف (عليه السلام) وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ‏ (1) أي باعوه‏ (2)، و التحصيل و الإزالة معنيان متضادان.

و يتضح تصويره في رجل و كل وكيلين ببيع سلعة، فخاطب أحدهما صاحبه بهذا اللفظ، فيحتمل أن يكون لقصد الشراء منه، و أن يكون لقصد البيع، فيتميز بالنية؛ و بدونها يشكل، و يترتب عليه عدم الحكم بأحدهما.

و هذان فرعان على الشق الأول من قسمي المشترك، و هو امتناع الجمع بين معنييه.

و يتفرع على الثاني أمور:

منها: إذا قال السيد لعبده: إن رأيت عينا فأنت حر، على وجه النذر، فإنه يعتق بما يراه من العيون، و لا تشترط رؤية الجميع، بناء على عدم حمله على جميع معانيه؛ و على وجوب الحمل يتجه عدم انعتاقه بدون رؤية جميع معانيها.

و على الأول، لو دلت القرينة على إرادة بعضها، أو صرفت عن بعض، تعلق الحكم به أو بغيره.

و منها: إذا وقف على الموالي، و له موال من أعلى و موال من أسفل، فعلى حمله عليهما ينصرف إليهما؛ و كذا على القول به مع الجمع.

و على عدمه يبطل، لعدم العلم بالمصرف، إلا مع قيام قرينة على إرادة أحدهما أو هما، و يحتمل صرفه إلى الموالي من أعلى لقرينة مكافأتهم، و إلى الأسفل لقرينة احتياجهم، غالبا.

و منها: قولهم: إن الكتابة لا تستحب إلا في عبد عرف كسبه و أمانته،

____________

(1) يوسف: 20.

(2) مجمع البيان 3: 220.

92

لقوله تعالى‏ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً (1) و الخير يطلق على العمل الصالح، كقوله تعالى‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ‏ (2) و على المال كقوله تعالى‏ وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (3) و قوله تعالى‏ إِنْ تَرَكَ خَيْراً (4).

فعلى حمل المشترك على معنييه يحمل عليهما، و على عدمه يحتمل الاكتفاء بأحدهما، لصدق الخير معه.

و الأقوى اعتبارهما معا، لتفسيره بهما عندنا في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام)(5).

و منها: أن الشفق يطلق على الأحمر و الأصفر، و قد ورد: أنه (صلى اللَّه عليه و آله) صلى العشاء حين غاب الشفق‏ (6)، فإن كان الشفق مشتركا، و حملناه عليهما، لم يدخل إلا بالثاني، و إن كان متواطئا فقد دخلت عليه «أل» و هي للعموم على أحد القولين، و سيأتي، فتحمل عليهما أيضا.

و على الاكتفاء بأحدهما أو عدم إفادة العموم، يكتفى بالأحمر.

و الصحيح عندنا ذلك، لوروده مفسرا به في أخبار كثيرة (7).

و يدل عليه أيضا عندهم قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «وقت المغرب ما لم يسقط ثور

____________

(1) النور: 33.

(2) الزلزلة: 7.

(3) العاديات: 180.

(4) البقرة: 18.

(5) الكافي 6: 187 باب المكاتب حديث 9، 10، التهذيب 8: 268 حديث 975، و ص 270 حديث 984، الوسائل 16: 99 أبواب المكاتبة باب 1 حديث 1.

(6) التهذيب 2: 253 حديث 1001، الاستبصار 1: 257 حديث 922، صحيح مسلم 1: 77 كتاب المساجد حديث 178، و سنن النسائي 1: 258 كتاب المواقيت.

(7) الوسائل 3: 148 أبواب المواقيت باب 22.

93

الشفق» (1) فإن الثور بالثاء المثلثة هو الثوران؛ و روي بالفاء أيضا (2)، و هو بمعناه؛ و هما يدلان على أن المراد هو الأحمر.

و منها: قوله تعالى‏ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (3) فقد قيل: إنه شامل للمستطيع بنفسه و بغيره، و هو المغصوب إذا وجد من يحج عنه.

و وجه تناوله لهما- مع أن إقامة فعل الغير مقام فعل الشخص مجاز- مبني على إعراب الآية.

و للنحاة فيها ثلاثة أوجه:

أحدها: أن المصدر و هو «حج» مضاف إلى المفعول، و «من» هو الفاعل، و التقدير: أن يحج المستطيع البيت.

و الثاني: كذلك، إلا أن «من» شرطية. و جزاؤها محذوف، و التقدير: من استطاع إليه سبيلا فليفعل.

و الثالث: أن «من» بدل من الناس، على أنه بدل بعض من كل، و التقدير: و لله على المستطيع من الناس حج البيت.

فعلى الأول يكون الحمل على الأمرين جمعا بين الحقيقة و المجاز، و على الثاني و الثالث لا يكون جمعا بينهما، لأن قوله‏ «حِجُّ الْبَيْتِ» صادق على الحج بنفسه و بغيره.

و الأولى أن تناوله لهما من جهة العموم لا الاشتراك، مع أنه عندنا مروي صحيحا عن علي (عليه السلام): «أنه أمر شيخا لم يحج و قد عجز عنه بنفسه أن يستنيب‏

____________

(1) صحيح مسلم 2: 74 باب أوقات الصلاة حديث 172، سنن النسائي 1: 260 كتاب المواقيت.

(2) لسان العرب 4: 109، النهاية لابن الأثير 3: 478. (ثور)

(3) آل عمران: 97.

94

رجلا يحج عنه» (1).

و يرد على الإعراب الأول، أن المعنى على تقديره: و لله على الناس أن يحج المستطيع، فيلزم تأثيم جميع الناس إذا تخلف مستطيع عن الحج، و هو فاسد.

و فيه من جهة اللفظ: أن الإتيان بالفاعل بعد إضافة المصدر إلى المفعول شاذ، حتى قيل إنه ضرورة (2) فلا يليق بالقرآن.

____________

(1) الكافي 4: 273 باب أن من لم يطلق الحج ببدنه جهز غيره حديث 2، التهذيب 5: 14 حديث 38، و ص 460 حديث 1599، الوسائل 8: 43 أبواب وجوب الحج باب 24 حديث 1، 3، 4.

(2) مغني اللبيب 2: 694.

95

الباب الثاني في الحقيقة و المجاز

الحقيقة: هو اللفظ المستعمل فيما وضع له.

و المجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لمناسبة بينهما، و تسمى العلاقة، و هي أنواع كثيرة، و المشهور منها اثنا عشر نوعا، و رقاها بعضهم إلى ثلاثين‏ (1). و ربما يرجع الزائد أو معظمه إلى المشهور.

و الحقيقة ثلاثة أنواع: لغوية، و عرفية، و شرعية.

قاعدة «22» إن اتحد مدلول الحقيقة حمل عليه، دون المجاز.

و إن تعدد في النوع الواحد فهو: مشترك أو متواطئ أو مشكك. و في حمله- على الجميع أو البعض بالقرينة، و بدونها، [أو] يصير مجملا- خلاف مشهور، تقدمت الإشارة إليه.

و إن تعدد مدلوله بحسب الأنواع الثلاثة، قدمت الحقيقة الشرعية، ثم العرفية، ثم اللغوية.

____________

(1) هو الصفي الهندي كما في التمهيد للأسنوي: 186.

96

فإن تعذر الحمل على الحقيقة لدليل خارج، صرف إلى المجاز. ثم إن اتحد فكالحقيقة، و إن تعدد صار مشتركا. و قد يرجح بعض أفراده بالقرينة كمشترك الحقيقة.

إذا تقرر ذلك فيتفرع على ما ذكر فروع:

منها: ما لو أقر أو أوصى له بدينار مثلا، فإنه يحمل على الدينار من الذهب، لأنه حقيقة فيه لغة و شرعا، ثم إن اتحد تعين، و إن تعدد انصرف إلى الأغلب في الاستعمال، فإن تساوى جاز الاقتصار على أقله قيمة.

و لو دل العرف على إرادة غيره من فضة أو فلوس كما يتفق في بعض البلاد، فالأقوى ترجيح العرف.

و منها: ما إذا أراد باللفظ ما ليس حقيقة فيه و لا مجازا، كما إذا حلف مثلا على الأكل، و أراد به المشي، فإن ذلك يكون لغوا لا يترتب عليه فيه شي‏ء، أما الحقيقة، فلصرف اللفظ عنها، و أما المجاز، فلأن اللفظ لا إشعار له به، و النية بدون اللفظ لا تؤثر.

نعم، لو قلنا: إن اللغات اصطلاحية، اتجه حمله على ما أراده.

و منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (1) و «لا صلاة إلا بطهور» (2) و «لا نكاح إلا بولي» (3) و «لا صيام لمن لم يبيت الصيام» (4) و «

____________

(1) تفسير أبي الفتوح الرازي 1: 15، عوالي اللئالي 2: 218، مستدرك الوسائل 4: 158 أبواب القراءة باب 1 حديث 5، 8.

(2) التهذيب 1: 49 حديث 144، و ص 209 حديث 605، الاستبصار 1: 55 حديث 160، الوسائل 1: 256 أبواب الوضوء باب 1 حديث 1.

(3) دعائم الإسلام 2: 218 حديث 807، عوالي اللئالي 1: 306، مستدرك الوسائل 14: 317 أبواب عقد النكاح باب 5 حديث 1، سنن ابن ماجة 1: 605 كتاب النكاح حديث 1880.

(4) سنن الدار قطني 2: 172 باب تبييت النية حديث 2 بتفاوت يسير، عوالي اللئالي 3: 133.

97

لا يمين لولد مع والده، و لا لزوجة مع زوجها، و لا لمملوك مع سيده» (1) و أشباه ذلك كثيرة.

فإن نفي الحقيقة غير مراد هنا، لوجودها من المذكورين، فيحمل على إرادة المجاز، و هو متعدد، كنفي الصحة، و نفي الكمال، و نحوهما؛ لكن نفي الأول أقرب إلى نفي الحقيقة، لاقتضاء نفي الصحة انتفاء جميع الأحكام و اللوازم؛ بخلاف نفي الكمال، لبقاء الحقيقة معه، فيحمل النفي على الأقرب.

و يتفرع عليه التنبيه على خلاف جماعة من العلماء في هذه المسائل و نظائرها فتفطن له.

و هذه القاعدة قل من تعرض لها من الأصوليين في باب الحقيقة و المجاز، لكنها توجد في تضاعيف كلامهم، و وجهها وجيه.

و منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» (2) فإن المراد نفي المشروعية، حيث لا يراد نفي الماهية مطلقا، لأنه أقرب المجازات إلى نفي الحقيقة.

ثم ينظر حينئذ في لفظ السبق، فإن كان بسكون الباء كان مصدرا، و دل على نفي مشروعية الفعل مطلقا في غير الثلاثة، فتحرم المسابقة بالطيور، و العدو، و المصارعة، و رفع الأحجار، و رميها، و نحو ذلك.

و إن كان بفتح الباء كما قال بعض العلماء: إنه الصحيح‏

____________

(1) الكافي 7: 439 باب ما لا يلزم من الأيمان حديث 1، 6، التهذيب 8: 285 حديث 1049، الوسائل 16: 155 أبواب الأيمان باب 10.

(2) الكافي 5: 48 باب ارتباط الخيل حديث 6، الوسائل 13: 348 أبواب أحكام السبق باب 3 حديث 2.

98

رواية (1) فالمراد منه العوض المبذول على العمل، فيكون دالا على نفي مشروعية بذل العوض على غير الثلاثة، و يبقى أصل الفعل بدون العوض على أصل الإباحة.

و يتفرع على تعارض الحقائق الثلاث و بعضها فروع كثيرة (2):

منها: لو حلف أن لا يبني بيتا، فإن البناء حقيقة لغوية في مباشرته له، و عرفية فيما يعم تحصيله و لو بغيره، فيرجح العرف على اللغة، و يحنث بتحصيله مطلقا. و مثله ما لو حلف السلطان أن يضرب عبده و نحوه ممن يقتضي العرف عدم مباشرته له.

و منها: ما لو حلف أن لا يشرب له ماء من عطش، فإنه لغة حقيقة في شرب مائه إذا كان عطشان، فلو شربه و هو غير عطشان لم يحنث.

و العرف يقتضي اجتناب مائه مطلقا و غيره من أمواله، و أن ذلك مبالغة في اجتنابه للقليل من ماله فضلا عن الكثير.

فيرجح العرف، إلا أن يدل على شي‏ء آخر أخص مما ذكرناه، أو مباين له، فيحمل على ما دل عليه، و يتجدد الحكم بتجدده و يتغير بتغيره.

و منها: لو حلف أن لا يطأ غائطا، أو لا يشتري رواية أو دابة؛ فإن الغائط في أصل اللغة اسم للمنخفض من الأرض‏ (3)، و الرواية اسم للجمل الّذي يحمل عليه الماء (4) و الدّابّة لما يدب على الأرض من مطلق الحيوان‏ (5).

لكن العرف نقل الأول إلى الحدث المخصوص، بسبب وقوعه غالبا في‏

____________

(1) نقله ابن الأثير عن الخطابي في النهاية 2: 338. (سبق)

(2) المراد بالحقائق الثلاث هي: اللغوية، و العرفية، و الشرعية.

(3) المصباح المنير: 457، النهاية لابن الأثير 3: 395. (نموط)

(4) انظر المصباح المنير: 246، و النهاية لابن الأثير 2: 279. (روى)

(5) لسان العرب 1: 369. (دبب)

99

تلك الأرض، فأطلق اسم المحل على الحالّ مجازا، ثم غلب فيه حتى صار حقيقة؛ و الثاني نقله إلى المزادة (1) و الثالث خصه بالفرس؛ فيختص الحكم بما دلّ عليه العرف من ذلك كله دون اللغة، إلا أن يقصد غيره في جميع الفروض.

و منها: لو نذر الصلاة و نحوها من الألفاظ المنقولة شرعا عن معناها اللغوي؛ فإن الصلاة كانت لغة اسما للدعاء (2)، ثم نقلت شرعا إلى ذات الركوع و السجود. و الزكاة لمطلق النموّ (3)، ثم نقلت إلى المال المخصوص.

و الصوم لمطلق الإمساك‏ (4)، ثم نقل إلى الإمساك على الوجه المخصوص.

فينصرف إطلاقه إلى المعنى الشرعي دون اللغوي.

و منها: لو علّق الظهار على تمييزها نوى‏ (5) ما أكلت عما أكل، أو على إخبارها بعدد ما في الرمانة من الحب، أو في البيت من الجوز. فعلى الوضع اللغوي لو فرّقت النوى كل واحدة على حدتها، أو عدّت عددا يتحقق فيه أنه لا ينقص عنه و لا يزيد عليه، تخلّصت من الظهار.

و على الثاني لا بد من التعيين و التفريق‏ (6) الحقيقي، لدلالة العرف عليه و فروض هذا الباب كثيرة؛ و أمرها شهير، فلنقتصر على ما ذكرناه.

و لما كان المجاز منقسما إلى أقسام كثيرة، فلنشر إلى التفريع على بعضها، ليكون ذريعة إلى التدرّب على الباقي.

____________

(1) المزادة: شطر الرواية، آلة يستقى فيها الماء. المصباح المنير: 260. (زود)

(2) المعجم الوسيط: 396.

(3) انظر النهاية لابن الأثير 2: 307. (زكا)

(4) الصحاح 5: 1970، العين 7: 171. (صوم)

(5) جمع نواة- المصباح المنير: 632. (نوى)

(6) في «م»: التقرير.

100

فمنها: الإضمار. كقوله تعالى‏ وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ (1) و إطلاق المصدر على الذات كقولك: رجل عدل و صوم، على تقدير ذي، أو تقديره بعادل و صائم، فإن أردت المبالغة لم تقدّر شيئا من هذين، كما قاله النحاة.

و من فروعه: ما إذا قال لزوجته: أنت طلاق، أو الطلاق، أو طلقة، فإنه يكون كناية على الصحيح، فعندنا لا يقع به كما لا يقع بغيره من الكنايات. و من أجازه بالكناية من العامة أجازه بذلك‏ (2).

و ربما قيل: إنه صريح، لأن طالقا صريح بالإجماع، و هو فرع المصدر، فالأصل أولى بذلك‏ (3).

و يضعف بأن العقود و الإيقاعات متلقاة من الشارع، و لم يثبت عنه خلاف اسم الفاعل.

و من ثم وقع بعض العقود بصيغة الماضي خاصة، و بعضها به و بالمستقبل، و بعضها بالأمر، مضافا إلى الأول، إلى غير ذلك.

و منها: السببية.

و هو نوعان:

أحدهما: إطلاق اسم المسبّب على السبب، كتسمية المرض المهلك بالموت.

و الثاني: عكسه، أي إطلاق اسم السبب على المسبب، و هو أربعة أقسام: «قابلي» و يعبّر عنه بالمادي و «صوريّ» و «فاعليّ» و «غائيّ» كقولهم:

____________

(1) يوسف: 82.

(2) نهاية المحتاج 6: 428.

(3) حكاه الأسنوي في التمهيد: 187.

101

سال الوادي، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏ (1)، و أنبت الربيع البقل، و إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً (2) كذا مثّلوا به للأربعة بضرب من التكلف.

قيل: و مع التعارض فالثاني من القسمين الأولين أولى، لأن السبب المعين، يدل على المسبب المعين، دون العكس، كالبول مثلا، فإنه يدل على انتقاض الوضوء، و الانتقاض لا يدل على البول.

و العلة الأخيرة، و هي الغائية، من أخواتها (3)، لأنها علة في الذهن، من جهة أن الخمر مثلا هو الداعي إلى عصر العنب، و معلولة في الخارج، لأنها لا توجد إلا متأخرة (4).

إذا تقرر ذلك فمن فروع المسألة:

أن النكاح يطلق على العقد و الوطء، فمن الأول قوله تعالى:

وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‏ مِنْكُمْ‏ (5) و قوله تعالى‏ وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ (6) و غيرهما.

و من الثاني قوله تعالى‏ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ‏ (7) و الاشتراك مرجوح بالنسبة إلى المجاز، فوجب المصير إلى كونه في أحدهما مجازا. و لا شك أن العقد سبب في الوطء، و هو العلة الغائية له غالبا. فإن جعلناه حقيقة في العقد مجازا في الوطء، كان ذلك المجاز من‏

____________

(1) الفتح: 10.

(2) يوسف: 36.

(3) أي إذا تعارضت الأقسام الأربعة من أقسام إطلاق السبب على المسبب فالعلة الغائية أولى من أخواتها.

(4) المحصول 1: 135، التمهيد للأسنوي: 189.

(5) النور: 32.

(6) النساء: 22.

(7) البقرة: 230.

102

باب إطلاق اسم السبب على المسبب، و إن جعلناه بالعكس فبالعكس، و الأول أرجح، لما تقدم. و من عكس نظر إلى اعتضاد المرجوح بمجامعة الغاية له.

و يتفرع على ذلك:

ما لو حلف على النكاح، و لم ينو شيئا، فإنه يحمل على العقد، لا على الوطء على الأول.

و منها: إطلاق اسم البعض على الكل و عكسه، و في معناه الأخص مع الأعم.

و من فروعه: ما لو حلف أن يصوم نصف يوم و نوى جميعه، فإنه يلزم ما نواه، لأن ذلك مجاز، و اليمين يقبل المجاز بالنية، كما يقبل تخصيص العام و تقييد المطلق و غيرها من الاعتبارات‏ (1) الصحيحة لغة.

و يحتمل عدم الصحة، لعدم التعبد بما تلفظ به، و عدم التلفظ بما يتعبد به، و هو اليوم الكامل. و مثله ما لو نذر ركوعا أو سجودا و نوى الركعة.

و منها: ما إذا حلف أن لا يشرب له ماء من عطش، و نوى جميع الانتفاعات، فيسري إليها، عملا بالمجاز؛ مع احتمال اختصاصه بما تلفظ به كما ذكر.

و منها: ما إذا أشار الزوج إلى زوجتيه، فقال: إحداكما طالق، و نواهما معا جميعا، ففي طلاقهما جميعا وجهان:

نعم، لأن مسمّى إحداهما قدر مشترك، و هو صادق عليهما، و قد أوقع الطلاق عليه و نواهما، فتعين وقوعه. (و لأن) (2) إحداهما بعض من كليهما، فيحمل عليه مع النية.

____________

(1) في «م»: العبارات.

(2) ليست في «د»، و في «م»: لأن.

103

و لا، لأنه خلاف وضع إحداهما لغة و عرفا، كما لو قال: أنت طالق نصف طلقة، و نوى طلقة كاملة. و للشك في مزيل الزوجية حيث لا وثوق بذلك شرعا.

و منها: ما إذا قال: إن شفى اللَّه مريضي فلله على رقبتي أن أحج ماشيا، فيلزمه، لأن إطلاق الرقبة على الجملة مجاز شائع، و ربما بلغ حد الحقيقة؛ و مثلها الرّأس و الوجه.

و يحتمل العدم ما لم ينوه، لأن الرقبة حقيقة في العضو الخاصّ، و هو لا يقبل الالتزام منفردا. و لو نوى به الجملة فلا إشكال.

و لو قال: على رجلي، فكذلك مع نيته، و مع الإطلاق أو قصد إلزام الرّجل خاصة نظر، و لا يبعد عدم الانعقاد.

و منها: المجاورة، كإطلاق اسم المحل على الحال، كالرواية على الإناء الجلد (1) الّذي يحمل فيه الماء، مع أنه لغة: الحيوان المحمول عليه، و مثله الغائط و قد تقدم.

و من فروعه: ما إذا قال: أصلي على الجنازة، و أتى بالجيم مكسورة، فإنه لا يصح، لأن المكسور اسم للنعش، و إذا أريد الميت فتحت جيمه، و هو معنى قولهم: الأعلى للأعلى، و الأسفل للأسفل.

و لا يشكل مع قصد الميت، فإن النية في أمثال ذلك كافية، و لا عبرة باللفظ، و إنما يقع الإشكال مع الإطلاق. و الأقوى الصحة مطلقا، ما لم يقصد خلاف الميت، عملا بالقرينة؛ مع أن بعض أهل اللغة جوز إطلاق الأمرين على الأمرين‏ (2)، و غايته مع النية أن يكون قد عبر بلفظ مجازي، للعلاقة المذكورة، و هو شائع.

____________

(1) في «د»: و الجلد، و في «ح»: كالجلد.

(2) المصباح المنير: 111. (جنز)

104

مسألة: إذا غلب الاستعمال المجازي على الاستعمال الحقيقي.

و يعبر عنه بالحقيقة المرجوحة و المجاز الراجح؛ ففي تساويهما، أو ترجيح الحقيقة، أو المجاز، للأصوليين خلاف مشهور.

و منشؤه الرجوع إلى الأصل، و مراعاة الغلبة الموجبة للظهور، و التوقف، لتعارضهما.

و محل الخلاف: ما إذا كان المجاز راجحا، و الحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات، فأما إذا كانت مما لا تراد في العرف، ارتفع النزاع و قدم المجاز، لأنه حينئذ يصير حقيقة شرعية أو عرفية، و هما مقدمتان على الحقيقة اللغوية.

و من فروع المسألة:

لو قال: لأشربن من هذا النهر، فهو حقيقة في الكرع من النهر بفيه، و إذا اغترف بالكوز و شرب فهو مجاز، لأنه شرب من الكوز، لا من النهر، لكنه المجاز الراجح المتبادر؛ و الحقيقة قد تراد، لأن كثيرا من الناس يكرع بفيه من الماء، فيبني الحمل على أيهما على المختار في الأقوال.

و منها: إذا حلف لا يأكل من هذه الشجرة، فإن اليمين يحمل على الأكل من ثمرها دون الورق و الأغصان، و إن كان هو الحقيقة، لأنها قد أميتت.

بخلاف ما إذا حلف لا يأكل من هذه الشاة، فإن اليمين يحمل على الأكل من لحمها؛ و في حمله على لبنها الوجهان.

و منها: إذا أوصى له بدابة، فإنه يعطى من الخيل و البغال و الحمير، عملا بالعرف العام- أو يختص بالأول- دون العصافير و الشياه و نحوها.

و منها: لو كان له زوجتان إحداهما فاطمة بنت محمد، و الأخرى بنت رجل سماه أبوه محمدا، إلا أنه اشتهر في الناس بزيد، و لا ينادونه إلا بذلك، فقال الزوج: زوجتي فاطمة بنت محمد طالق. ثم قال: أردت بنت الّذي‏

105

يدعونه زيدا، فيبني قبول قوله على الخلاف السابق، فإن جعلناهما متساويين أو رجحنا الحقيقة قبل، و إلا فلا. و يحتمل تقديم الاسم المشهور في الناس، لأنه أبلغ في التعريف.

مسألة: صيغ العقود، كبعت أو اشتريت، و الفسوخ و الإلزامات، كقول القاضي «حكمت»، إخبارات في أصل اللغة.

و قد تستعمل في الشرع أيضا كذلك، فإن استعملت لإحداث حكم كانت منقولة إلى الإنشاء عندنا.

و الفارق القصد و دلالة القرائن الحالية و المقالية. و لو حصل الشك في إرادة أحدهما، فالأصل يقتضي بقاءه على الإخبار و عدم نقله.

قاعدة «23» يصرف اللفظ إلى المجاز عند قيام القرينة، و كذلك عند تعذر الحقائق الثلاث،

صونا للفظ عن الإهمال. و يعبر عن ذلك: بأن إعمال اللفظ أولى من إهماله.

إذا تقرر ذلك فللقاعدة فروع:

منها: إذا قال: بنو آدم كلهم أحرار، لا تعتق عبيده؛ بخلاف ما إذا قال:

عبيد الدنيا كلهم أحرار، فإنهم يعتقون.

و وجهه: أن إطلاق الابن علي ابن الابن مجاز على الأصح، فالحقيقة إنما هي الطبقة الأولى، و هم أحرار بغير شك؛ بخلاف قوله: عبيد الدنيا، فإنهم شاملون لعبيدة.

و يحتمل انعتاق عبيده في الأول أيضا، إما بناء على تناول الأولاد

106

للحفدة، كما ذهب إليه بعضهم‏ (1)، أو لتعذر حمله على المعنى الحقيقي على جهة الإنشاء الشرعي، فيحمل على مجازه.

هذا كله إذا لم ينو المجاز أو ما يشمله، و إلا حمل اللفظ على ما نواه.

و منها: إذا أوصى بعين، ثم قال: هي حرام على الموصى له، قيل‏ (2):

يكون رجوعا، و إن كان اسم الفاعل حقيقة في الحال، و لا شك أنه في الحال حرام على الموصى له، لكن حمله على ذلك يوجب عرية عن الفائدة، فحمل على المجاز.

و يحتمل قويا عدم كونه رجوعا، استصحابا للحكم، مع الشك في كون ذلك رجوعا.

و الأجود الرجوع في ذلك إلى دلالة القرائن الحالية أو المقالية، و مع تعذرها فالوجهان.

و منها: إذا وقف على أولاده، و ليس له إلا أولاد أولاد، فإنه يصح، و يكون وقفا عليهم، لتعذر الحمل على الحقيقة، مع إمكان المجاز و ظهور إرادته.

و مثله ما لو استفيد من اللفظ إرادة العموم، كقوله: الأعلى فالأعلى.

و منها: إذا ناوله شمعة مثلا، و قال: أعرتكها لتستضي‏ء بها، فيحتمل البطلان، لأن شرط المستعار أن لا يتضمن استهلاك عينه، و اللفظ حقيقة في العارية.

و المتجه الصحة، حملا للفظ على الإباحة، لدلالة القرائن على إرادتها، مع عدم انحصارها في لفظ.

و منها: إذا قال: عبدي أو ثوبي لزيد، فإن الإقرار لا يصح على المشهور، لأن إضافته إليه تستدعي أنها ملكه، و ذلك مناف لمدلول آخره.

____________

(1) رد المختار 3: 437.

(2) كما في نهاية المحتاج 6: 94، التمهيد للأسنوي: 237.