تمهيد القواعد

- الشهيد الثاني المزيد...
648 /
107

كذا قالوه، و لم يحملوه على المجاز باعتبار ما كان- لو تنزلنا و جعلناه مجازا مع أن المختار أنه حقيقة- أو بأن الإضافة تصدق بأدنى ملابسة، كما يقال: هذه دار زيد، الدار التي يسكنها بالأجرة و غيرها. و مثله كثير في لغة العرب، و هو استعمال شائع؛ و حينئذ فحمله عليه أقوى، فيصح الإقرار.

و يقوى الإشكال لو قال: ملكي لفلان، من حيث ظهور التناقض، و إمكان إرادة: ملكي ظاهرا، له في الواقع، كما هو الواقع من معنى الإقرار؛ و مساواته للأول أقوى.

و منها: إذا قال لغيره: أنت تعلم أن العبد الّذي في يدي حر. فإنا نحكم بعتقه، لأنه قد اعترف بعلمه بذلك، فلو لم يكن حرا لم يكن المقول له عالما بحريته، و حينئذ فيحمل لفظ العبد على المجاز، مع أن مدلوله الحقيقي يناقض ما بعده؛ إلا أن يجعل حقيقة باعتبار ما كان.

و منها: إذا حلف لا يشرب ماء النهر، فشرب بعضه، لا يحنث، لإمكان حمله على الحقيقة و هو جميع مائه، لإمكان الامتناع منه أجمع؛ بخلاف الإثبات، فإن شربه أجمع غير ممكن، فيحمل على المجاز، و هو ممكن، بحمل الشرب على بعض مائه؛ بخلاف ماء الكوز، فإن شربه أجمع ممكن، فيحمل على مجموعه نفيا و إثباتا.

هذا كله إذا لم يدل العرف على غير ما ذكرناه، كما لو دل على أن المحلوف عليه في ماء النهر بعضه، فيحنث بالبعض، إلا أن يقصد خلافه، فيرجع إلى قصده مطلقا.

و منها: إذا قال: له علي ألف إذا جاء رأس الشهر، لم يلزمه شي‏ء على الصحيح، لأنه حقيقة في الإقرار المعلق، مع احتمال أن يريد به التأجيل، فإن المؤجل لا يجب أداؤه قبل الحلول، إلا أنه مجاز، لأنه ثابت في ذمته قبله، فيصدق أنه عليه، و حمله على الحقيقة ممكن.

108

بحث المفاهيم‏

و من لواحق هذا الباب: البحث عن دلالة اللفظ، حقيقة كان أم مجازا، و هي قسمان: منطوق و مفهوم.

فالأوّل ما دل عليه اللفظ في محل النطق، و الثاني بخلافه.

ثم المفهوم قسمان: مفهوم موافقة، و مفهوم مخالفة.

فالأوّل: أن يكون المسكوت عنه موافقا في الحكم، و يسمى: فحوى الخطاب، و لحن الخطاب.

و الثاني: أن يكون المسكوت عنه مخالفا، و يسمى دليل الخطاب، و هو أقسام.

منها: مفهوم الصفة، و مفهوم الشرط، و الغاية، و اللقب، و العدد، و الحصر، و الزمان، و المكان، و غيرها.

قاعدة «24» مفهوم الموافقة حجة عند الجميع، لأن الحكم في المسكوت عنه أولى به في المنطوق،

و من ثم نرده لو كان مساويا.

و من مثله دلالة قوله تعالى‏ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ (1) على تحريم ضربهما و نحوه من أنواع الأذى. و الجزاء بما فوق المثقال من قوله تعالى‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ (2). و تأدية ما دون القنطار من‏ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ‏ و عدم الآخر

____________

(1) الإسراء: 23.

(2) الزلزال: 7.

109

من‏ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ‏ (1) و هو تنبيه بالأدنى، فلذلك كان في غيره أولى؛ و يعرف بمعرفة المعنى، و أنه أشد مناسبة في المسكوت عنه.

إذا علمت ذلك فمن فروعه:

ما لو أذن المالك للوكيل في بيع متاعه بمائة، فإنه يجوز له بيعه بأزيد بطريق أولى.

نعم لو دلت القرائن على إرادته حصر الثمن في القدر المعيّن للإرفاق بالمشتري و نحوه، لم تجز الزيادة، لانتفاء الدلالة حينئذ.

و من فروعه المشكلة:

ما لو قال ولي المحجور عليه لغيره: بع هذه العين بعشرة، و كانت تساوي مائة، فإنه لا يصح البيع أصلا، لا بالمائة، و لا بما دونها، مع أنّ الإذن في بيعها بالعشرة يدل بالمفهوم الموافق على الإذن فيها بالمائة. و لو أذن ابتداء في البيع بها صح، فيفيد حينئذ الصحة في الزيادة، حيث يدل عليها بهذا المفهوم.

و الوجه في المنع حينئذ: أنّ اللفظ المنطوق به وقع لاغيا شرعا، و هو الأصل في استفادة المفهوم، فإذا لغا الأصل لغا الفرع بطريق أولى.

مسألة: دلالة الالتزام حجة في كثير من الموارد، و إن لم تكن من قبيل المفاهيم،

و ذلك مثل أن تتوقف دلالة اللفظ على المعنى على شي‏ء آخر، كقوله: أعتق عبدك عني، فإنه يستلزم سؤال تمليكه، حتى إذا أعتقه تبيّنا دخوله في ملكه، لأن العتق لا يكون إلا في مملوك.

و من فروع المسألة:

ما إذا قال: أبرأتك في الدنيا دون الأخرى، فتحتمل براءته فيهما، لأن البراءة في الأخرى تابعة للبراءة في الدنيا. و يلزم من‏

____________

(1) آل عمران: 75.

110

وجودها في الدنيا وجودها في الأخرى، لأن وجود الملزوم يستلزم وجود اللازم.

و يحتمل العكس، لأنه لما لم يبرأ في الأخرى فقط انتفى اللازم، و يلزم من عدم اللازم عدم الملزوم.

و مما تخلّف فيه اعتبار الدلالة الالتزامية دخول ما يتناوله المبيع بالالتزام، فإنه لا يندرج في المبيع عند الإطلاق، كما لو باع السقف، فإنه لا يدخل الحائط، مع أنه دالّ عليه بالالتزام. فموارده كثيرة في تضاعيف الفقه.

قاعدة «25» ذهب جماعة من الأصوليين إلى أنّ مفهوم الصفة و الشرط حجة،

أي يدلان على نفي الحكم عند انتفاء الصفة و الشرط (1). و قيل:

ليسا بحجة (2). و فصل آخرون، فجعلوا مفهوم الشرط حجة دون الصفة (3).

و لا فرق فيهما بين النفي و الإثبات. و لا إشكال في دلالتهما في مثل الوقف و الوصايا و النذور و الأيمان، كما إذا قال: وقفت هذا على أولادي الفقراء، أو إن كانوا فقراء، و نحو ذلك.

و إنما تظهر الفائدة في مواضع تتفرع على المذاهب:

منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا» (4)

____________

(1) كالشافعي في الأم 2: 5، و نقله عن الشافعي و جمهور أصحابه الأسنوي في التمهيد: 245.

(2) كالآمدي في الإحكام 3: 80، 96 و نقله عن القاضي.

(3) نقله عن فخر الدين في التمهيد: 245، و نقله عن العباس بن سريج في الإبهاج 1: 240.

(4) السرائر 1: 63، سنن النسائي 1: 175 باب التوقيت في الماء، عوالي اللئالي 1: 76. سنن الترمذي 1: 46، مختصر سنن أبي داود 1: 56 باب ما ينجس الماء حديث 58.

111

و قول الصادق (عليه السلام) «إذا بلغ الماء قدر كر لم ينجسه شي‏ء» (1).

فعلى حجية مفهوم الشرط، يدل على تنجس ما دونه بمجرّد الملاقاة، لأنه موضع النزاع، إذ لا خلاف في تنجس الماء مطلقا بالتغير بالنجاسة، فيكون حجة على القائل بعدم انفعال القليل كابن أبي عقيل‏ (2)، و على من يخصه بالجاري كقول الأكثر (3)، فإنه شامل له و لغيره من حيث العموم أو الإطلاق هنا.

و ادعى بعض الفقهاء إجماع الأصوليين على حجية المفهوم في هذا الخبر و إن نوزع في غيره.

و على القول بعدم العمل بمفهوم الشرط مطلقا يبقى عموم قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «خلق اللَّه الماء طهورا لا ينجسه شي‏ء، إلا ما غيّر لونه، أو طعمه، أو ريحه» (4).

و على الأول يجب الجمع بينهما بتقييد ما أطلق هنا بما قيّد في السابق.

و منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «ليس لعرق ظالم حق» (5) بالإضافة على الحقيقة، أو الوصف على الإسناد المجازي، فإنه يدل بمفهوم‏ (6) وصفه على أن عرق غير الظالم له حق.

____________

(1) الكافي 3: 2 حديث 1، التهذيب 1: 40 حديث: 109، الاستبصار 1: 7 حديث 6، الوسائل 1: 117 أبواب الماء المطلق باب 9 حديث 1، 2، 6.

(2) نقله عنه في كشف الرموز 1: 45.

(3) الأم 1: 4، المغني 1: 32.

(4) السرائر 1: 64، المعتبر 1: 40، الوسائل 1: 101 أبواب الماء المطلق باب 1 حديث 8.

(5) صحيح البخاري 3: 140 كتاب المزارعة، سنن الترمذي 3: 662 حديث 1378، سنن أبي داود 3: 178 حديث 3073، الموطأ 2: 743 كتاب الأقضية حديث 26.

(6) في «د»، «م»: بمضمون.

112

و عليه يتفرّع حكم: ما لو زرع أو غرس المفلس في الأرض التي اشتراها و لم يدفع ثمنها، و أراد بائعها أخذها، فإنه لا يقلع زرعه و غرسه مجانا و لا بأرش، بل عليه إبقاؤه إلى أوان جذاذ الزرع، و في الغرس يباعان و يكون للمفلس بنسبة غرسه من الثمن.

و كذا لو انقضت مدة المزارعة (1) و الزرع باق. و لم يعلما تأخره عن المدة المشروطة وقت العقد، فإن الزرع حينئذ لا يقلع أيضا، لأنه ليس بظالم، نعم يجمع بين الحقين بالأجرة. و الفرق أن المشتري دخل على أن تكون المنفعة له مباحة بغير عوض، بخلاف العامل.

و كذا لو أخذ الشفيع الأرض بالشفعة بعد زرع المشتري. و نظائر ذلك كثيرة. و ادعى بعضهم الإجماع أيضا على العمل بمفهوم الحديث هنا، و إن منع من العمل بمفهوم الوصف‏ (2).

قاعدة «26» إنما يكون مفهوم الشرط و الوصف حجة عند القائل به إذا لم تظهر للتقييد فائدة غير نفي الحكم،

فإن ظهرت له فائدة أخرى لم يدل على النفي.

فمن الفائدة: أن يكون العاري عن تلك الصفة أولى بالحكم من المتصف بها.

أو يكون رجوعا بالسؤال، كالسائل مثلا عن سائمة الغنم هل فيها زكاة؟

فقال: في سائمة الغنم الزكاة فلا يدل على النفي، لأن ذكر السوم و الحالة هذه‏

____________

(1) في «د»، «م»: الزراعة.

(2) كما في الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 392، و الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3: 93.

113

لمطابقة كلام السائل.

أو لكون السوم هو الغالب، فإن ذكره إنما هو لأجل غلبة حضوره في ذهنه.

إذا تقرر ذلك فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال: لله علي أن أعتق رقبة كافرة، فأعتق مؤمنة؛ أو قال: معيبة، فأعتق سليمة. فقيل: لا تجزي، و يتعين ما ذكره، عملا بمدلول اللفظ (1).

و قيل: تجزي، لأنها أكمل، و ذكر العيب و الكفر ليس للتقرب، بل لجواز الاقتصار على الناقص، كمن نذر الصدقة بحنطة رديئة، فإنه يجوز له التصدق بالجيدة (2).

هذا إذا كان المنذور مطلقا. أما لو قال: هذا الكافر، أو: هذا المعيب، فإنه لا يجزيه غيره قولا واحدا، لتعلق النذر بعينه.

و منها: إذا قال: إن ظاهرت من فلانة الأجنبية فأنت علي كظهر أمي، فتزوجها و ظاهرها، فإنه يصير مظاهرا من الأخرى على أحد الوجهين، حملا للوصف على التعريف بالواقع.

و يحتمل أن لا يصير مظاهرا، لأن الوصف لم يوجد.

هذا إذا قصد بظهار الأجنبية مواجهتها باللفظ، و لو قصد المعنى الشرعي لم يقع مطلقا. و الكلام في هذه كالتي قبلها.

و منها: جواز مخالعة الزوجين عند الأمن من إقامة الحدود، و الخوف من عدم إقامتها، مع أن اللَّه تعالى قد قال‏ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ‏ (3) لأن الغالب أن الخلع لا يقع إلا في حالة الخوف، فلا يدل ذلك على المنع عند انتفاء الخوف.

____________

(1) النهاية للشيخ الطوسي: 565.

(2) التمهيد للأسنوي: 249، التجريد لنفع العبيد 4: 343، الروضة 3: 307.

(3) البقرة: 229.

114

و ذهب بعض العامة إلى عدم جوازه إلا في هذه الحالة، عملا بظاهر الآية (1).

و منها: أن قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (2) و إن أشعر تقييده أن التارك عمدا لا يقضي، إلا أن هذا التقييد لا مفهوم له، لأن القضاء إذا وجب على المعذور فغيره بطريق أولى.

و خالف جماعة من العامة فقالوا: لا يقضي تغليظا عليه، قالوا: و ليس وجوب القضاء من باب المعاقبة حتى يقال: يجب على غيره بطريق أولى، لأن تأهيل شخص للعبادة من باب اصطفائه و تقريبه، فإن المملوك لا ترضى كل أحد لخدمتها (3).

و هذا البحث على تقدير انحصار الدلالة في الخبر. و يمكن استفادته عندنا من نصوص أخر (4).

قاعدة «27» مفهوم العدد حجة عند جماعة من الأصوليين‏ (5)،

لأنه لما نزل قوله تعالى‏ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ‏ (6) قال النبي (صلى اللَّه عليه و آله): «و اللَّه‏

____________

(1) المغني لابن قدامة 8: 177، و نقله عن العز بن عبد السلام في الإبهاج 1: 235.

(2) صحيح البخاري 2: 155 باب من نسي صلاة، صحيح مسلم 2: 127 كتاب المساجد و مواضع الصلاة حديث 309، سنن أبي داود 1: 118 حديث 435، سنن الدارمي 1: 280.

(3) مغني المحتاج 1: 127، بداية المجتهد 1: 256، و حكاه عن جماعة في التمهيد: 252.

(4) الوسائل 5: 347 أبواب قضاء الصلوات ب 1.

(5) نقله عن الشافعي في المنخول: 209.

(6) التوبة: 80.

115

لأزيدن على السبعين» (1).

و ذهب المحققون إلى أنه ليس بحجة مطلقا إلا بدليل منفصل‏ (2)، كما إذا كان العدد علة لعدم أمر، فإنه يدل على امتناع ذلك الأمر في الزائد أيضا لوجود العلة، و على ثبوته في الناقص لانتفائها، كحديث القلتين.

و كذا إذا لم يكن علة، و لكن أحد العددين داخل في العدد المذكور، زائدا كان كالحكم بالحظر، فإن تحريم جلد المائة مثلا يدل عليه في المائتين و لا يدل في الناقص، لا على إثبات و لا على نفي؛ أو ناقصا، كالحكم بإيجاب العدد أو ندبه أو إباحته، فإنه يدل على ذلك في الناقص، و لا دلالة فيه على الزائد بشي‏ء.

إذا علمت ذلك فللمسألة فروع:

منها: إذا قال: بع ثوبي بمائة، و لم ينهه عن الزيادة، فباع بأكثر، صح.

و فيه وجه أنه لا يصح، كما لو نهاه عن الزيادة، و هو الموافق لقاعدة كون المفهوم المذكور حجة.

و يقوى هذا القول مع دلالة القرائن على إرادة المالك الاقتصار على العدد المذكور للإرفاق بالمشتري الخاصّ أو مطلقا، لأنه أمر مطلوب شرعا، و نحو ذلك؛ و مع انتفائها يتخرج على أحد القولين، و يتجه الجواز، لضعف القول الأول.

و منها: لو قال لزوجته: إن أعطتني فلانة ألفا فأنت علي كظهر أمي، فزادت، فإنه يقع أيضا، إلا على القول السابق، و عدم الوقوع هنا أضعف من السابق، لأن من أعطى مائة و درهما يصدق أنه أعطى مائة، بخلاف من باع بمائة و درهم.

____________

(1) تفسير الطبري 10: 138، الدر المنثور 4: 254، مجمع البيان 2: 55.

(2) كالآمدي في الإحكام 3: 88، و الغزالي في المستصفى 2: 191، 195، و البيضاوي في المنهاج (نهاية السؤل) 2: 221.

116

و يتفرع على ما سبق:

ما لو قال: بع ثوبي و لا تبعه بأكثر من مائة، لم يبعه بأكثر من مائة، و يبيعه بها و بما دونها، ما لم ينقص عن ثمن المثل.

و لو قال: بعه بمائة، و لا تبعه بمائة و خمسين، فليس له بيعه بمائة و خمسين، و لا بما زاد عليها في الأصح، و يجوز بما دون ذلك، ما لم ينقص عن مائة.

و منها: إذا قال: أوصيت لزيد بمائة درهم، ثم قال: أوصيت له بخمسين، فوجهان. أصحهما: ليس له إلا خمسون، و لا يجمع بينهما؛ كما لو عكس فأوصى له بخمسين ثم أوصى له بمائة؛ فليس له إلا الموصى به أخيرا و هو المائة.

و الوجه الثاني: أن له مائة و خمسين، و هو ضعيف.

و هذا يأتي في كل عقد يجوز تغييره، كما إذا قال: من رد آبقا فله عشرة، ثم قال قبل العمل: فله خمسة (1).

قاعدة «28» مفهوم الزمان و المكان حجة عند جماعة (2) و مردود عند المحققين‏ (3).

و من فروعه:

ما إذا قال لوكيله: افعل هذا، ثم قال: افعله في هذا اليوم، أو في هذا المكان، فمقتضى العمل بالمفهومين أنه يكون منعا له فيما عدا ذلك.

____________

(1) في «م» زيادة: كذلك الفرض و نحوه.

(2) نقله عن الحنابلة الآمدي في الإحكام 2: 199، و عن الشافعي في المنخول: 209.

(3) المحصول 1: 326، الإحكام في أصول الأحكام 2: 199.

117

و منها: إذا ادعي عليه عشرة، فأجاب بأنه لا يلزمه تسليم هذا المال اليوم، فقيل: لا يجعل مقرا، لأن الإقرار لا يثبت بالمفهوم‏ (1).

و يتجه عند القائل به اللزوم، لأن مقتضاه لزومه في غيره، فيكون إقرارا بالمؤجل. و يتفرع عليه لزومه حالا إن لم يقبل إقراره بالأجل كما هو المشهور.

و منها: إذا قال: بعه في يوم كذا، أو في مكان كذا، فخالف الوكيل، فإن العقد لا يصح، و كذا نحوه من العقود و الإيقاعات.

و الحق أن التقييد في الوكالة و نحوها تابع للفظ، و مختص بما قيده، لا من حيث المفهوم. و من ثم لم يخالف من رد المفهوم في اختصاص الوكالة أو الوقف و نحوهما بما قيده وصفا، و شرطا، و زمانا، و مكانا، و غيرها.

قاعدة «29» مفهوم اللقب أي تعليق الحكم بالاسم، طلبا كان أم خبرا، ليس بحجة عند الجمهور،

فإذا قال قائل: أكرم زيدا، أو قام زيد، أو بعتك هذا العبد، فلا يدل اللفظ الصادر منه بمفهومه على نفي ذلك عن غيره، بل يكون مسكوتا عنه، و إن كان منفيا بالأصل، لأنه لو دل على ذلك للزم أن يكون قول القائل:

محمد رسول اللَّه، دالا على نفي رسالة غيره من الرسل، و هو كفر.

و ذهب الدقاق و الصيرفي من الشافعية و جماعة من الحنابلة و بعض المالكية إلى أنه حجة، لأن التخصيص لا بد له من فائدة [1].

____________

[1] قال الآمدي: اتفق الكل على أن مفهوم اللقب ليس بحجة، خلافا للدقاق، و أصحاب الإمام أحمد بن حنبل. الإحكام في أصول الأحكام: 3: 90، و كذا نقله عنهم في التمهيد: 261.

____________

(1) نقله الرافعي عن القاضي حسين كما في التمهيد: 259.

118

إذا علمت ذلك فمن فروع المسألة:

ما إذا وكل جماعة في بيع أو تزويج و نحوه، ثم خصص واحدا بالإذن، فإنه لا يكون رجوعا عن غيره بمجرده، إلا أن تدل القرينة الخارجة عليه.

و منها: إذا أوصى بعين لزيد، ثم قال: أوصيت بها لعمرو، فقال بعضهم: لا يكون رجوعا عن الوصية الأولى، بل يشرك بينهما بناء على القاعدة فإنه خص الاسم بالثاني‏ (1)، فلا يدل على نفيه عن الأول‏ (2).

و الأقوى أنه رجوع، لأنه المفهوم منه عرفا، و لا إشكال لو صرح بإرادة التشريك أو الرجوع.

قاعدة «30» الحكم المعلق على اسم يكفي فيه الاقتصار على ما يتحقق (معه في) (3) أقل مراتبه،

و قيل: لا بد من آخر مراتبه احتياطا (4).

و من فروعه:

ما إذا أسلم إليه في شي‏ء على أن يسلمه في البلد الفلاني و شبهه، فإنه يكفي تسليمه في أول جزء من البلد، لأن الظرفية قد تحققت، و لا يجب عليه أن يوصله إلى منزله، و لا إلى آخر البلد.

و منها: ما لو أسلم أو أجل المبيع أو مال الإجارة و نحوها إلى جمادى أو ربيع، فإنه يحمل على أقربهما، لصدق الاسم على الأول. و مثله إلى‏

____________

(1) كذا، و المراد أن التعبير بالاسم الثاني لا يدل على نفيه عن غيره.

(2) المغني لابن قدامة 6: 483، التمهيد للأسنوي: 262.

(3) في «م»: منه.

(4) نقله عن شرح المحصول و التنقيح الأسنوي في التمهيد: 263.

119

الخميس و غيره من أيام الأسبوع.

و فرّق بعض الأصحاب بين الأمرين، فحمل الإطلاق في الثاني على الأول، دون الأول، استنادا إلى دلالة العرف‏ (1).

و قد يشكل الحكم فيهما معا، بأنه يعتبر علمهما بالأجل على وجه لا يحتمل الزيادة و النقصان قبل العقد، ليتوجه قصدهما إلى أجل مضبوط، فلا يكفي ثبوته شرعا مع جهلهما أو أحدهما، كما لو أجله إلى النيروز و نحوه، و هما أو أحدهما لا يعلمانه، فإنه لا يكفي في صحته إمكان الرجوع فيه إلى الشارع أو غيره.

و يمكن الفرق: بأن اللفظ، إذا دلّ على شي‏ء مشترك أو مجمل على بعض الوجوه، بحيث يمكن الرجوع عند التنازع إلى مفهوم اللفظ صح، و كذا لو استفيد معناه من العرف و نحوه، بخلاف ما لا يدل اللفظ و ما في معناه عليه. و فيه نظر.

و من ثم ذهب بعضهم إلى عدم جواز التأجيل بذلك من دون التعيين، حيث لا يكون معلوما بينهما. و له وجه وجيه.

و منها: ما روي من كراهة تقليم الأظفار و حلق الشعر لمريد التضحية إذا دخل عليه عشر ذي الحجة (2)، فلو أراد التضحية بأعداد من النعم، فهل يبقى النهي إلى آخرها، أم يزول بذبح الأول؟ يتخرج على القاعدة، و يتجه زوال الكراهة بذبح واحد أو نحره، لصدق الاسم به.

و منها: إذا طلّق الحامل فولدت توأمين، فإن عدتها تنقضي بوضع الأول؛ على الأول، و بالثاني، على الثاني.

____________

(1) هذا التفريق للعلامة في قواعد الأحكام 1: 137، و التذكرة 1: 548.

(2) صحيح مسلم 4: 220 كتاب الأضاحي حديث 1977، سنن ابن ماجة 2: 1052 حديث 3149- 3150، سنن النسائي 7: 211 كتاب الضحايا.

120

و المسألة موضع خلاف، و يمكن بناؤه على القولين.

و الأقوى توقف انقضائها على وضع الجميع، لتعليق أجلهن في الآية (1) بوضع حملهن، و لا يتحقق وضع الحمل المضاف إليهن إلا بوضع الجميع، و لأن الغرض من العدة استبراء الرحم من الحمل، و لا يتحقق بدونه. و هذان دليلان من خارج.

و منها: ما لو نذر الصوم يوم تلد امرأته، فولدت توأمين، كل واحد في يوم، ففي وجوب الأول أو الثاني الوجهان، و أقواهما الأول. و قس عليه نظائر ذلك.

____________

(1) و أولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهن- الطلاق: 4

121

الباب الثالث في الأوامر و النواهي‏

و فيه فصلان‏

الفصل الأول في الأوامر

مقدمة: لفظ «الأمر» و ما يصرف منه- كأمرت زيدا بكذا،

و قول الصحابي:

أمرنا، أو أمرنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) بكذا- حقيقة في القول الدال بالوضع على طلب الفعل، فالطلب بالإشارة و القرائن المفهمة لا يكون أمرا حقيقة.

و احترز «بالوضع» عن قول القائل: أوجبت عليك، أو أنا طالبه منك و إن تركته عاقبتك، فإنه خبر عن الأمر، و ليس بأمر.

و دخل في إطلاق «الطلب» الإيجاب و الندب، بخلاف صيغة افعل، فإنها حقيقة في الإيجاب خاصة، كما سيأتي. فتفطّن لذلك، و ربما اشتبه على كثير. و جميع ما ذكر في الأمر يأتي في النهي.

و اشترط بعضهم مع ذلك العلو، بأن يكون الطالب أعلى مرتبة من المطلوب منه‏ (1)، و آخرون الاستعلاء (2)، و هو الغلظة و رفع الصوت‏

____________

(1) الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 35.

(2) المعتمد 1: 43، الإحكام للآمدي 2: 158، منتهى الوصول: 65.

122

و نحوهما، و ثالث جمع الأمرين معا (1).

و قيل: إن الأمر مشترك بين القول و الفعل‏ (2) و منه قوله تعالى‏ وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ (3).

قاعدة «31» الأمر سواء كان بلفظ «افعل» كاترك أو اسكت، أو اسم الفعل،

كنزال أو صه، أو المضارع المقرون باللام، كقوله تعالى‏ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ‏ (4) للوجوب عند أكثر المحققين، إذا لم تقم قرينة على خلافه‏ (5).

و في المسألة مذاهب كثيرة، هذا أحدها.

و الثاني: أنه حقيقة في الندب‏ (6).

و الثالث: في الإباحة (7).

و الرابع: أنه مشترك بين الوجوب و الندب‏ (8).

____________

(1) نقله عن شرح القاضي عبد الوهاب في التمهيد: 265.

(2) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 3: 294.

(3) القمر: 50.

(4) النساء: 102.

(5) منتهى الوصول: 66، المنهاج (نهاية السؤل) 2: 251، شرح المختصر 2: 79، المحصول 1:

204، و نقله عن الشافعي في الإحكام 2: 133، و الأشعري في التمهيد: 267.

(6) نقله عن الشافعي في التمهيد: 267، و عن أبي هاشم في شرح المختصر 2: 79، و عن أبي علي في الذريعة 1: 51.

(7) نقله عن بعض أصحاب مالك في التلويح 1: 290.

(8) الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 51، و نقله عن الشافعي في المستصفى 1: 165.

123

و الخامس: أنه مشترك بين هذين و بين الإرشاد (1).

و السادس: أنه حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب و الندب، و هو الطلب‏ (2).

و السابع: أنه حقيقة إما في الوجوب أو الندب، و لكن لم يتعين لنا ذلك‏ (3).

و الثامن: أنه مشترك بين الوجوب و الندب و الإباحة (4).

و التاسع: أنه مشترك بين الثلاثة المذكورة بالاشتراك المعنوي، و هو الإذن‏ (5).

و العاشر: أنه مشترك بين خمسة و هي الثلاثة التي ذكرناها، و الإرشاد و التهديد (6).

و الحادي عشر: أنه مشترك بين الخمسة الأحكام، هي: الوجوب و الندب و الكراهة و التحريم و الإباحة (7).

و الثاني عشر: أنه موضوع لواحد من هذه الخمسة، و لا نعلمه‏ (8).

و الثالث عشر: أنه مشترك بين ستة أشياء: الوجوب و الندب و التهديد و التعجيز و الإباحة و التكوين‏ (9).

____________

(1) أصول السرخسي 1: 14، و الإحكام للآمدي 2: 162.

(2) نقله عن أبي منصور الماتريدي في الإبهاج 2: 15.

(3) الموافقات 3: 208 و نقله عن الأشعري و القاضي.

(4) التلويح في كشف حقائق التنقيح 1: 290. و نسبه إلينا في فواتح الرحموت 1: 373.

(5) حكاه في كشف الأسرار 1: 37، و منتهى الوصول: 66.

(6) حكاه الغزالي في المستصفى 1: 164.

(7) حكاه في المحصول 1: 202، و التمهيد: 268، و نهاية السؤل 2: 251.

(8) نقله عن الحاصل في نهاية السؤل 2: 253.

(9) التمهيد للأسنوي: 268.

124

و الرابع عشر: أن أمر اللَّه تعالى للوجوب، و أمر رسوله للندب‏ (1).

و إذا أخدت هذه مع الأقوال الثلاثة المفرّعة على القول الأوّل تلخّص منها سبعة عشر قولا.

إذا تقرر ذلك ففروع القاعدة في أدلة الأحكام من الكتاب و السنة أكثر من أن تحصى.

و من فروعه في الفروع: ما لو قال لمن تجب عليه طاعته كعبده: افعل كذا، و لم يصرح بما يقتضي أحد الأمور المحتملة من اللفظ، ففي وجوب ذلك عليه ما سبق.

قاعدة «32» إذا فرغنا عن أنّ الأمر للوجوب، فورد بعد التحريم، فالأصح أنه يحمل أيضا على الوجوب؛

لأن الأمر يفيده، و الحرمة لا تدفعه.

و قيل: على الإباحة (2).

و قيل: للاستحباب‏ (3).

و من فروع القاعدة:

ما إذا عزم على نكاح امرأة، فإنه ينظر إليها، لقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «انظر إليهن» (4)

____________

(1) فواتح الرحموت 1: 373، و حكاه القيرواني في المستوعب عن الأبهري في أحد أقواله كما في التمهيد للأسنوي: 269.

(2) منتهى الوصول: 71، الأحكام في أصول الأحكام للآمدي 2: 198.

(3) التلويح في كشف حقائق التنقيح، 1: 296 و نقله عن القاضي حسين في التمهيد: 271.

(4) سنن ابن ماجة 1: 599 باب النّظر إلى المرأة حديث 1865، سنن النسائي 6: 69 باب إباحة النّظر قبل التزويج.

125

الحديث، و لكن هل يستحب ذلك أو يباح؟ وجهان، مبنيان على ما ذكر، أما الوجوب فمنفي هنا بدليل خارجي.

و منها: الأمر بالكتابة في قوله تعالى‏ فَكاتِبُوهُمْ‏ (1) فإنه وارد بعد التحريم على ما ذكره بعضهم‏ (2) من حيث إنّ الكتابة بيع مال الشخص بماله و هو ممتنع. ففي حمل الأمر على الاستحباب أو الإباحة وجهان.

قاعدة «33» إذا ورد الأمر بشي‏ء يتعلق بالمأمور، و كان عند المأمور وازع يحمله على الإتيان به،

فلا يحمل ذلك الأمر على الوجوب؛ لأن المقصود من الإيجاب إنما هو الحث على طلب الفعل، و الحرص على عدم الإخلال به، و الوازع الّذي عنده يكفي في تحصيل ذلك، كذا ذكره بعض الأصوليين‏ (3).

و من فروع ذلك: عدم إيجاب النكاح على القادر، فإنّ قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباه فليتزوج» (4) و إن كان بإطلاقه يقتضي الإيجاب، كما قال به داود الظاهري‏ (5)، لكن خالفنا ذلك لما ذكرناه.

____________

(1) النور: 33.

(2) كما قاله القاضي الحسين في باب الكتابة نقله في التمهيد للأسنوي: 272.

(3) التمهيد: 269.

(4) صحيح البخاري 7: 3 باب من استطاع الباءة، صحيح مسلم 3: 189 باب استحباب النكاح حديث 1400، سنن ابن ماجة 1: 592 حديث 1845، سنن النسائي 6: 58 باب الحث على النكاح.

(5) بداية المجتهد و نهاية المقتصد لابن رشد 3: 6، التمهيد للأسنوي: 270.

126

قاعدة «34» الأمر بالأمر بالشي‏ء،

كقوله لزيد: مر عمرا ببيع هذه السلعة، لا يكون أمرا منه للثالث- و هو عمرو- ببيعها على المختار. و ذهب بعضهم إلى أنه أمر لهما (1).

و من فروع القاعدة:

ما لو تصرّف الثالث قبل إذن الثاني له، هل ينفذ تصرفه أم لا؟ فعلى المختار لا ينفذ إلا بعد إذن الثاني له.

و على القولين، فإذا لم يقل الموكل للأول: اجعله وكيلا عني و لا عنك، فإن الثاني يكون وكيلا عن المالك الموكل على الصحيح.

و لو قال: و كل عني، زال الإشكال، أو عنك، فهو وكيل عن الوكيل الأول؛ لكن للمالك عزله على الصحيح، لأنه يسوغ له عزل الأصل، فالفرع أولى.

قاعدة «35» الأمر بالعلم بشي‏ء لا يستلزم حصول ذلك الشي‏ء في تلك الحالة،

فإذا قال مثلا:

اعلم أنّ زيدا قائم، فلا يدل اللفظ على وقوع قيامه.

و وجهه أنه يصح تقسيمه إليه، فيقال: اعلم قيام زيد إذا وقع، أو أعلمه بأنه قد وقع. و تقسيم الشي‏ء إلى الشي‏ء و غيره يدل على أنه أعم من‏

____________

(1) تهذيب الوصول: 25.

127

كل منهما، و الأعم لا يدل على الأخص. و لأن الأمر لا يكون إلا لطلب ماهية في المستقبل، فقد يوجد سببها، و قد لا يوجد.

و من فروع القاعدة:

ما إذا قال الشخص: اعلم أني طلّقت زوجتي، فهل يكون ذلك إقرارا بوقوع الطلاق أم لا؟ فقيل: لا يكون إقرارا، لأنه أمره أن يعلم، و لم يحصل هذا العلم‏ (1).

و يحتمل كونه إقرارا، و إن قلنا بالقاعدة، لدلالة العرف على كونه إقرارا و هو أقوى.

قاعدة «36» إذا ورد أمران متعاقبان بفعلين متماثلين، و الثاني غير معطوف،

فإن منع من القول بتكرار المأمور به مانع عادي، كتعريف أو غيره، حمل الثاني على التأكيد، نحو: اضرب رجلا، اضرب الرّجل؛ و اسقني ماءً، اسقني ماءً.

و إن لم يمنع منه مانع، كصلّ ركعتين، صلّ ركعتين، فقيل: يكون الثاني توكيدا أيضا، عملا ببراءة الذّمّة، و لكثرة التأكيد في مثله‏ (2).

و قيل: بل يعمل بهما، لفائدة التأسيس، و اختاره في المحصول، و الآمدي في الإحكام‏ (3).

و قيل بالوقف، للتعارض، فإن كان الثاني معطوفا، كان العمل بهما أرجح من التأكيد، فإن حصل للتأكيد رجحان بشي‏ء من الأمرين العاديين‏

____________

(1) نقله عن القاضي شريح الروياني في تمهيد الأسنوي: 276.

(2) فواتح الرحموت 1: 391.

(3) الذريعة 1: 125، المحصول 1: 271، الإحكام 2: 206.

128

تعارض هو و العطف، و حينئذ فإن ترجّح أحدهما قدمناه، و إلا توقفنا (1).

و اختار الأولان العمل بهما في هذا القسم أيضا.

إذا تقرر ذلك فيتفرع على القاعدة:

ما إذا خاطب وكيله بشي‏ء من ذلك، كما إذا كان له زوجتان مثلا، فقال لغيره: طلّق زوجتي، طلق زوجتي، بالتكرار، أو كرّر الأمر بالعتق كذلك من له عبيد، فهل للوكيل تطليق امرأتين، و إعتاق عبدين؟ يبنى على ما ذكر.

و هذا الحكم يأتي في الزوجة الواحدة أيضا، إذا كان طلاقها رجعيا. و نظائر ذلك كثيرة.

و لو كان أحدهما عاما و الآخر خاصا، نحو: صم كل يوم، صم يوم الجمعة، قال في المحصول: فإن كان الثاني غير معطوف كان تأكيدا، و إن كان معطوفا فقال بعضهم: لا يكون داخلا تحت الكلام الأول، و إلا لم يصح العطف، و الأشبه الوقف، للتعارض بين ظاهر العموم و ظاهر العطف‏ (2).

و يتفرع على ذلك:

ما إذا قال: أوصيت لزيد و للفقراء بثلث مالي، و زيد فقير، ففيه أوجه، سواء وصف زيدا بالفقر أم لا، و سواء قدّمه على الفقراء أم أخره:

أحدها: أنه كأحدهم، فيجوز أن يعطى أقل ما يتموّل، و لكن لا يجوز حرمانه، و إن جاز حرمان بعض الفقراء.

و الثاني: أنه يعطى سهما (3) من سهام القسمة، فإن قسم المال على أربعة من الفقراء أعطي زيد الخمس، أو على خمسة أعطي السدس، و هكذا.

و الثالث: لزيد ربع الوصية، و الباقي للفقراء، لأن الثلاثة أقل من يقع‏

____________

(1) المعتمد 1: 162.

(2) المحصول 1: 272.

(3) في «د»، «م»: بهما.

129

عليه اسم الجمع.

و الرابع: له النصف، و لهم النصف، نظرا إلى الاسمين من غير التفات إلى ما تحتهما من الأفراد.

و الخامس: أنّ الوصية في حق زيد باطلة، لجهالة ما أضيف إليه، أي الّذي جعل له.

و لو وصف زيدا بغير صفة الجماعة، فقال أعطوا ثلثي لزيد الكاتب و للفقراء قيل: له النصف حتما (1) (2). و يتجه أن يجي‏ء فيه وجه الربع أيضا.

قاعدة «37» الأمر المطلق لا يدل على تكرار، و لا على مرة،

بل على مجرد إيقاع الماهية. و إيقاعها و إن كان لا يمكن في أقل من مرة، إلا أنّ الأمر لا يدل على التقييد بها، حتى يكون مانعا من الزيادة، بل ساكتا عنه. هذا هو الّذي اختاره المحققون‏ (3).

و ذهب قوم: إلى أنه يدلّ بوضعه على المرة (4).

و آخرون إلى أنه يدلّ على التكرار المستوعب لزمان العمر، لكن يشترط الإمكان، كما قاله الآمدي‏ (5).

____________

(1) في «د»: حقا.

(2) كما في الشرائع 2: 487.

(3) الإحكام 2: 174، المحصول 1: 237، مسلم الثبوت (فواتح الرحموت): 380.

(4) كالشيخ الطوسي في العدة: 74، و الغزالي في المستصفى 2: 3، و البصري في المعتمد 1: 98.

(5) نقله الآمدي عن أبي إسحاق الأسفراييني و جماعة في الإحكام 2: 173.

130

و توقف رابع في أعماله في أحدهما، لاشتراكه بينهما، فيتوقف حمله على أحدهما على القرينة (1).

إذا تقرر ذلك فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال لوكيله: بع هذا العبد، فباعه، فرد عليه بالعيب. أو قال: بعه بشرط الخيار، ففسخ المشتري، فليس له بيعه ثانيا على المختار، و يجي‏ء على إفادة التكرار الجواز.

و منها: إذا سمع مؤذنا بعد مؤذن، فهل يستحب إجابة الجميع، لقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «إذا سمعتم المؤذن فقولوا كما يقول» (2) أم يسقط الاستحباب بالمرة؟ الوجهان.

و يمكن القول بالاستحباب و إن لم يجعل الأمر دالا على التكرار، نظرا إلى تعليق الحكم على الوصف المناسب، الدال على التعليل، فيتكرر الحكم بتكرر علته.

قاعدة «38» تعليق الخبر على الشرط- كقوله: إن جاء زيد جاء عمرو- لا يقتضي التكرار اتفاقا.

و كذا تعليق الإنشاء، كقوله لزوجته: إن خرجت فأنت عليّ كظهر أمي.

و أما تعليق الأمر- كقوله: إن خرجت زوجتي من الدار فطلّقها، على‏

____________

(1) الذريعة 1: 100.

(2) صحيح البخاري 1: 159 باب ما يقول إذا سمع المنادي، صحيح مسلم 1: 367 كتاب الصلاة حديث 384، سنن النسائي 2: 25 باب الصلاة على النبي بعد الأذان، سنن ابن ماجة 1: 238 حديث 718، 719.

131

وجه يصح معه الوكالة المعلقة- إذا قلنا إن الأمر لا يفيد التكرار ففيه (ثلاثة) (1) مذاهب؛ أصحها في المحصول: أنه لا يدلّ عليه من جهة اللفظ، أي لم يوضع اللفظ له، و لكن يدلّ من جهة القياس، بناء على أن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية (2).

و الثاني: يدلّ بلفظه‏ (3).

و الثالث: لا يدلّ بلفظه و لا بالقياس‏ (4).

و محل الخلاف: فيما لم يثبت كونه علة كالإحصان، فإن ثبت كالزناء، فإنه يتكرر لأجل تكرر علته اتفاقا. و حكم الأمر المعلق بالصفة حكم الأمر المعلق بالشرط.

و مما يتفرع على ذلك:

الخلاف في وجوب الصلاة على النبي (صلى اللَّه عليه و آله) كلما ذكر، عملا بقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «بعد من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ» (5).

و قد ذهب إلى وجوبه لذلك جماعة من العلماء، منهم الزمخشري‏ (6)، و نقل عن ابن بابويه‏ (7)، و رجّحه المقداد في الكنز (8)، لما ذكر.

و لما روي عنه (صلى اللَّه عليه و آله): «إن اللَّه وكّل بي ملكين، فلا اذكر عند مسلم فيصلي‏

____________

(1) ليس في «د».

(2) المحصول 1: 243.

(3) التلويح في كشف حقائق التنقيح 1: 301.

(4) كما في المعتمد 1: 106، و الذريعة 1: 109، و المستصفى 2: 7، و منتهى الوصول: 68.

(5) الكافي 2: 495 باب الصلاة على النبي حديث 19 بلفظ آخر، الوسائل 4: 999 باب 10 من أبواب التشهد حديث 3.

(6) الكشاف 3: 557.

(7) عقاب الأعمال: 246.

(8) كنز العرفان 1: 133.

132

عليّ إلا قال ذانك الملكان: غفر اللَّه لك، و قال اللَّه و ملائكته: آمين، و لا اذكر عند مسلم فلا يصلي علي إلا قال الملكان: لا غفر اللَّه لك، و قال اللَّه و ملائكته: آمين» (1).

و هذا حسن لو صح الحديثان.

و يمكن أن يستدل على الوجوب بحسنة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام):

«إذا أذنت فأفصح بالألف و الهاء، و صل على النبي (صلى اللَّه عليه و آله) كلما ذكرته، أو ذكره ذاكر، في أذان أو غيره» (2) بناء على حمل الأمر على الوجوب؛ و لكن الأمر السابق بالإفصاح للندب، و اختلاف الحكمين بغير قرينة مشكل. إن لم يكن الأول قرينة على استحباب الثاني.

و اعلم أن محل الخلاف ما إذا كان الفعل الثاني واقعا في محل الأول، فأما إذا وقع الثاني في غير محله، فإن تكراره يوجب تكرار الحكم، كقوله:

من دخل داري فله درهم، فإذا دخل دارا له، ثم دارا أخرى، استحق درهمين، لتعدد الفعل على وجه لا يحتمل الاتحاد.

قاعدة «39» متى قلنا: إن الأمر المطلق يفيد التكرار، فإنه يفيد الفور أيضا،

و إن لم نقل به لم يدل على فور و لا على تراخ، بل طلب الفعل خاصة على المختار.

____________

(1) الدر المنثور 5: 218.

(2) الكافي 3: 303 باب بدء الأذان و الإقامة حديث 7، الفقيه 1: 284 حديث 875، الوسائل 4: 669 باب 42 أبواب الأذان ح 1.

133

و قيل: يفيد الفور (1).

و قيل: التراخي‏ (2).

و قيل: مشترك بينهما، لا يدل على أحدهما إلا بقرينة، فإن بادر عد ممتثلا (3).

إذا علمت ذلك فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال لشخص: بع هذه السلعة، فقبضها الشخص و أخر بيعها مع القدرة عليه، فتلفت، فعلى المشهور لا ضمان عليه؛ و على الفور يضمن، لتقصيره.

و اعلم: أنه قد خرج عن ذلك جملة من الأوامر وجبت على الفور بدليل خارج:

منها: دفع الزكاة و الخمس و الدين عند المطالبة، لأن المقصود من شرعية الزكاة و الخمس سد خلة الفقراء، و معونة الهاشميين، ففي تأخيرهما إضرار بهم، لا سيما مع تعلق أطماعهم به.

و يستثني من فورية الزكاة تأخيرها شهرا أو شهرين، للرواية الصحيحة. و من الخمس تأخيره في المكاسب إلى تمام حوله احتياطا للنفقة.

و في حكم الدين مع المطالبة كونه لمن لا يعلم به، فتجب المبادرة إلى وفائه، أو إعلام مستحقه بالحال، و في معناه الأمانة التي لا يعلم بها مالكها.

و منها: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، لأن تأخيره كالتقرير على المعصية.

____________

(1) الإحكام لابن حزم 3: 307، و نقله عن مالك في مختصر تنقيح الفصول: 46.

(2) المعتمد 1: 111، المنخول: 111 و نقله عن الشافعية و القاضي أبي بكر و الجبائي و ابنه، الآمدي في الأحكام 2: 184.

(3) الذريعة 1: 131.

134

و منها: الحكم بين الخصوم، لأن المتعدي منهما ظالم، فيجب كفه عن ظلمه، كالأمر بالمعروف.

و منها: إقامة الحدود و التعزيرات، لأن في تأخيرهما تقليل‏ (1) الزجر عن المفاسد المترتبة عليها، و في بعض الأخبار: «ليس في الحدود نظرة» (2) اللهم إلا أن يعرض ما يوجب التأخير، كخوف الهلاك و السراية لحر أو برد و نحوهما، حيث لا يكون القصد إتلاف النّفس.

و منها: الجهاد، لئلا تكثر المفسدة، و منه قتال البغاة.

و منها: الحج عندنا، لدلالة الأخبار عليه، و لأن تأخيره كالتفويت، لجواز عروض العارض إذ يتمادى تأخيره من سنة إلى سنة، و السلامة فيها من العوارض مشكوك فيه؛ و العهدة على النص.

و منها: الكفارات عند بعض أصحابنا، محتجا بأنها كالتوبة الواجبة على الفور من المعاصي.

و منها: رد السلام، ل «فاء التعقيب» في قوله تعالى‏ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها (3) و لأن المسلم يتوقعه في الحال، فتأخيره إضرار به.

و منها: الأمر بتعريف اللقطة حولا، فإنه يجب على الفور، جزم به جماعة، و لأن طالبها إنما يطلبها غالبا عقيب الضياع، فتأخيره يفوت الغرض منه؛ و لكن لا يخرج بالإخلال بالفورية عن الوجوب، و إن أثم كغيره.

و منها: أداء صلاة الزلزلة، فإنه واجب أيضا عند السبب على الفور على المشهور بين الأصحاب، و لو أخلّ بها بقيت أداء، و إن أثم كذلك.

____________

(1) في «ح»: تعليل.

(2) التهذيب 10: 51 حديث 190؛ الفقيه 4: 34 حديث 5021؛ الوسائل 18: 336 أبواب مقدمات الحدود باب 25 حديث 1، و فيها: نظر ساعة.

(3) النساء: 86.

135

و منها: قضاء الصلوات الفائتة عند أكثر الأصحاب، خصوصا المتقدمين، و الأقوى أنه على الاستحباب.

قاعدة «40» الأمر بالشي‏ء هل هو نهي عن ضده مطلقا، أو ضده العام، أو ليس بدال عليه أصلا؟

أقوال، أوسطها وسطها.

و تنقيحها: أنه إذا قال السيد لعبده مثلا: اقعد، فهنا أمران منافيان للمأمور به، و هو وجود القعود:

أحدهما: مناف له لذاته، أي بنفسه، و هو عدم القعود، لأنهما نقيضان، و المنافاة بين النقيضين بالذات، فاللفظ الدال على القعود دال على النهي عن عدمه، أو على المنع منه بلا خلاف.

و الثاني: مناف له بالعرض، أي بالاستلزام، و هو الضد، بالقيام في المثال و الاضطجاع.

و ضابطه: أن يكون معنى وجوديا يضاد المأمور به. و وجه منافاته بالاستلزام أن القيام مثلا يستلزم عدم القعود، الّذي هو نقيض القعود، فلو جاز عدم القعود لاجتمع النقيضان، فامتناع اجتماع الضدين إنما هو لامتناع اجتماع النقيضين، لا لذاتهما، فاللفظ الدال على القعود يدل على النهي عن الأضداد الوجودية- كالقيام- بالالتزام، و الّذي يأمر قد يكون غافلا عنها.

و ادعى بعضهم: أن المنافاة بين الضدين أيضا ذاتية، و هو نادر.

و من هنا نشأت الأقوال:

فقيل: إن الأمر بالفعل هو نفس النهي عن ضده، فإذا قال مثلا: تحرك،

136

فمعناه: لا تسكن؛ و اتصافه بكونه أمرا و نهيا باعتبارين، كاتصاف الذات الواحدة بالقرب و البعد بالنسبة إلى شيئين‏ (1).

و قيل: هو غيره، و لكنه يدل عليه بالالتزام، لأن الأمر دال على المنع من الترك، و من لوازم المنع من ذلك منعه من الأضداد، فيكون الأمر دالا على المنع من الأضداد بالالتزام‏ (2). و على هذا فالأمر بالشي‏ء نهي عن جميع أضداده؛ بخلاف النهي عن الشي‏ء، فإنه أمر بأحد أضداده كما ستعرفه.

و قيل: إنه لا يدل عليه أصلا، لأنه قد يكون غافلا عنه كما سبق، و يستحيل الحكم على الشي‏ء مع الغفلة عنه‏ (3).

و إذا قلنا بأنه يدل، فهل يختص بالواجب، أم يدل أيضا أمر الندب على كراهة ضده؟ فيه قولان‏ (4).

و يشترط في كونه نهيا عن ضده: أن يكون مضيقا، كما نقله جماعة (5) و إن أطلقه آخرون‏ (6)، لأنه لا بد أن ينتهي عن الترك المنهي عنه حين ورود النهي، و لا يتصور الانتهاء عن تركه إلا مع الإتيان بالمأمور به، فاستحال النهي مع كونه موسعا.

إذا علمت ذلك فتظهر فائدة الخلاف في مواضع:

منها: إذا قال لامرأته: إن خالفت أمري فأنت علي كظهر أمي عندنا، أو طالق عند مجوز تعليقه على الشرط من العامة. ثم قال لها: لا تكلمي‏

____________

(1) الإحكام لابن حزم 3: 326.

(2) عدة الأصول: 73، المحصول 1: 293، الإحكام للآمدي 2: 192.

(3) المستصفى 1: 83، منتهى الوصول: 69.

(4) ذهب إلى الأول ابن حزم في الإحكام 3: 327، و إلى الثاني الآمدي في الأحكام 2: 192.

(5) عدة الأصول: 73، مسلم الثبوت (فواتح الرحموت) 1: 100، و نقله عن القاضي عبد الوهاب في الإبهاج 1: 79.

(6) كما في المحصول 1: 293، و فواتح الرحموت 1: 100.

137

زيدا، فكلمته، لم يقع ما علقه، لأنها خالفت نهيه لا أمره. و قال الغزالي:

أهل العرف يعدونه مخالفا للأمر (1).

و لو قال: إن خالفت نهيي فأنت علي كظهر أمي، ثم قال لها: قومي، فقعدت، بني الحكم على أن الأمر بالشي‏ء هل هو نهي عن ضده أم لا؟ فذهب بعض من جعله نهيا إلى وقوع الظهار (2)، و الأظهر المنع مطلقا، إذ لا يقال في العرف لمن قال: قم، أنه نهى‏ (3).

و منها: لو ترك المصلي أداء الدين مع المطالبة به، و اشتغل بالصلاة مع سعة وقتها، فإن قلنا إن الأمر بالأداء نهي عن ضده مطلقا، لم تصح صلاته إلى أن يضيق الوقت، للنهي عنها المقتضي للفساد، و إن منعناه مطلقا أو خصصناه بالنهي عن الضد العام صحت.

و منها: لو سلم على المصلي من يجب الرد عليه، فترك الرد و تشاغل بأفعال الصلاة، فهل تبطل الصلاة أم لا؟ يبنى على الأقوال:

فعلى الأول تبطل، للنهي عن الفعل الواقع في وقت يمكنه الرد فيه، المقتضي للفساد في العبادة، لأن النهي يرجع إلى جزئها؛ و على الأخيرين لا تبطل و إن أثم.

و ربما فرق بعضهم بين ما لو ترك المصلي التشاغل بالصلاة زمان الرد و عدمه. فأبطل الصلاة بالثاني دون الأول. و هو مبني على الأول، و يزيد فسادا أن الرد و إن كان فوريا لكن لا يسقط وجوبه بالإخلال بالفورية، فيبقى الكلام في الفعل الواقع بعد زمن يمكنه الرد فيه.

و منها: لو وجد في المسجد نجاسة ملوثة أو مطلقا، حيث‏

____________

(1) نقله عنه في التمهيد: 97.

(2) نقله عن الروضة للنووي في التمهيد: 98.

(3) هذا كله كلام الرافعي في الوجيز كما حكاه في التمهيد: 97.

138

توجب إزالتها، سواء كان الواجد هو واضعها أم لا، فهل تصح صلاته مع سعة الوقت قبل إزالتها أم لا؟ يبنى على الأقوال أيضا، لأنه مأمور بإزالتها حين الوجدان أمرا مضيقا، فإن جعلناه مستلزما للنهي عن الضد مطلقا بطلت، و إلا صحت. و أشباه ذلك كثير.

الفصل الثاني: في النواهي‏

مقدمة: النهي: هو القول الدال بالوضع على الترك.

و قد سبق في الكلام على حد الأمر ما يعلم منه شرح هذا الحد، و أن العلو و الاستعلاء هل يشترطان أو أحدهما أم لا؟ و أن لفظ النهي يطلق على المحرم و المكروه، بخلاف لا تفعل و نحوه، فإنه عند تجرده عن القرائن يحمل على التحريم على المختار.

و اختلفوا أيضا في دلالته على التكرار و الفور كالأمر، و المشهور دلالته عليهما. و الفرق بينه و بين الأمر واضح.

إذا علمت ذلك فيتفرع على أنه للتحريم:

ما إذا أشار السيد إلى شي‏ء من المباحات بالأصالة و قال لعبده: لا تفعله، أو أذن له في التصرف، ثم ذكر بعده هذا اللفظ، و لم يقم قرينة على إرادة غير هذا المعنى. و هذا يجري في غير المولى من المالكين، إذا أذن في ملكه، ثم نهى بالصيغة المذكورة عن التصرف فيه.

139

قاعدة «41» من قال: إن الأمر بعد التحريم للوجوب قال: إن النهي بعد الوجوب للتحريم أيضا،

طردا لبابي الأمر و النهي.

و من قال: إنه بعد التحريم للجواز، اختلفوا في أن النهي بعد الوجوب للتحريم أو الإباحة، فقال بعضهم بالثاني، طردا للقاعدة (1).

و قال بعضهم بالأول‏ (2)، لأن النهي يعتمد المفسدة، و الأمر يعتمد المصلحة، و اعتناء الشارع بدفع المفاسد أشد من اعتنائه بجلب المصالح. و التفريع على القاعدة كالسابقة بالتقريب.

و نقل في المحصول: أن الأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد التحريم، لأن المقصود رفع المانع؛ و قياسه أن يكون النهي أيضا بعد الاستئذان كالنهي بعد الوجوب‏ (3).

و من فروع المسألة: ما إذا أوصى بأكثر من الثلث، و قد اختلف العامة بسبب ذلك في صحته و فساده. و أصحهما عندهم و هو ظاهر اتفاق أصحابنا- إلا من شذ (4)- أنه صحيح، و لكن توقف على إجازة الورثة.

و منشأ ترددهم قصة سعد بن أبي وقاص، فإنه مرض في حجة

____________

(1) شرح المختصر لعضد الدين 2: 95، أصول السرخسي 1: 97.

(2) منتهى الوصول: 73، و نقله عن أستاذه.

(3) المحصول 1: 236.

(4) نقله عن علي بن بابويه في التنقيح الرائع 2: 399.

140

الوداع، فعاده النبي (صلى اللَّه عليه و آله) فقال: يا رسول اللَّه إن لي مالا كثيرا، و ليس لي إلّا ابنة واحدة، فأتصدق بالنصف؟ قال:

«لا» قال: فالثلث؟ قال: «بالثلث، و الثلث كثير» (1) إلى آخر الحديث.

قاعدة «42» النهي في العبادات يدل على الفساد مطلقا،

و كذا في المعاملات، إلا أن يرجع النهي إلى أمر مقارن للعقد، غير لازم له، بل منفك عنه، كالنهي عن البيع يوم الجمعة وقت النداء، فإن النهي إنما هو لخوف تفويت الصلاة، لا لخصوص البيع، إذ الأعمال كلها كذلك، و التفويت غير لازم لماهية البيع.

و في المسألة أقوال أخر:

أحدها: لا يدل عليه مطلقا، نقله في المحصول عن أكثر الفقهاء (2)، و الآمدي عن المحققين‏ (3).

و الثاني: يدل عليه مطلقا، صححه ابن الحاجب‏ (4).

و الثالث: يدل في العبادات دون المعاملات، اختاره في المحصول‏ (5).

____________

(1) صحيح البخاري 4: 3 باب الوصية بالثلث، صحيح مسلم 3: 446 باب الوصية بالثلث حديث 1628، سنن ابن ماجة 2: 903 حديث 2708.

(2) المحصول 1: 344.

(3) الإحكام 2: 209.

(4) منتهى الوصول: 73.

(5) المحصول 1: 344، و هو مذهب أبي الحسين في المعتمد 1: 171.

141

و حيث قلنا: يدل على الفساد فقيل: يدل من جهة اللغة (1)، و قيل: من جهة الشرع‏ (2) و هو الأظهر.

و إذا قلنا: لا يدل على الفساد، لا يدل على الصحة بطريق أولى. و بالغ أبو حنيفة و تلميذه محمد فقالا: يدل على الصحة، لأن التعبير به يقتضي انصرافه إلى الصحيح، إذ يستحيل النهي عن المستحيل‏ (3).

إذا تقرر ذلك ففروع القاعدة كثيرة جدا لا تخفى، كالطهارة بالماء المغصوب، و الصلاة في المكان المغصوب، و الصوم الواجب سفرا عدا ما استثني، و الحج المندوب بدون إذن الزوج و المولى، و بيع الرّبا و الغرر و غيرها.

و من هذا الباب ما لو ترك المتوضئ غسل رجليه في موضع التقية، أو مسح خفيه كذلك، و إن أتى بالهيئة المشروعة عنده، لأن العبادة المأمور بها حينئذ هي الغسل و المسح، و العدول عنهما منهي عنه، و الواقع بدلهما جزء من العبادة منهي عنه، فيقع فاسدا. بخلاف ما لو ترك التكتف أو التأمين في موضعهما، فإنهما أمران خارجان عن ماهية العبادة فلا يقدحان في صحّتها.

و قد اختلف فيما لو صلى مستصحبا لشي‏ء مغصوب غير مستتر به، هل تصح صلاته أم لا؟ و مقتضى القاعدة الصحة، إذ النهي خارج عن ذات الصلاة و شرطها، و هو اختيار المحقق‏ (4)، و المشهور الفساد (5)، نظرا إلى صورة النهي‏

____________

(1) حكاه في فواتح الرحموت 1: 396، و التمهيد: 293.

(2) المعتمد 1: 176، منتهى الوصول: 73، الإحكام للآمدي 2: 210.

(3) نقله عنهما أبو زيد كما في الأحكام للآمدي 2: 214، و اختاره في المستصفى 2: 28.

(4) المعتبر 2: 92.

(5) المغني و الشرح الكبير 1: 626، 464.

142

الواقع في العبادة، و لا يخفى ضعفه.

و من هذا الباب الصلاة مع سعة الوقت بعد وجوب أداء الحق المضيق من دين مطالب به، أو حق يجب أداؤه على الفور، لأن المستحق في قوة المطالب.

و قد تقدم الكلام فيه‏ (1).

قاعدة «43» المطلوب بالنهي إنما هو فعل ضد المنهي عنه،

فإذا قال: لا تتحرك، فمعناه: اسكن، لا التكليف بعدم الحركة، لأن العدم غير مقدور عليه، إلا أنه متوقف على وجود الفعل.

و قال أبو هاشم و الغزالي: المطلوب بالنهي هو نفس ألا يفعل- و هو عدم الحركة في مثالنا- لأن العدم الّذي لا يقدر عليه إنما هو العدم المطلق لا العدم المضاف‏ (2). و فائدة الخلاف تظهر مما سبق.

و هل هذا الترك من قسم الأفعال أم لا؟ فيه مذهبان، أصحهما عند الآمدي و ابن الحاجب و جماعة: نعم، و لهذا قالوا في حد الأمر أنه اقتضاء فعل غير كف‏ (3).

إذا علمت ذلك فمن فروعه:

ما إذا نزلت من رأس الصائم نخامة، و حصلت في حدّ الظاهر من الفم، فإن قطعها و مجّها لم يفطر، و إن ابتلعها.

____________

(1) 137، قاعدة 4

(2) نقله عن أبي هاشم في المحصول 1: 350، المستصفى 1: 90.

(3) نقله عن الآمدي في التمهيد: 294، منتهى الوصول: 65، و كالعضدي في شرح المختصر 2: 77، و التفتازاني في حاشية شرح المختصر 2: 77.

143

قصدا أفطر، و إن تركها حتى نزلت بنفسها فوجهان مبنيان، و أصحهما الفطر.

و منها: ما لو طعنة، فوصلت الطعنة إلى جوفه، و كان قادرا على دفعه و لكن تركه، ففي الفطر أيضا الوجهان.

و يمكن القول بعدم الفطر هنا و إن قيل به ثم‏ (1) لقيام الفعل هنا بالطعن، بخلاف نزول النخامة.

و منها: ما لو ألقاه في نار لا يمكنه الخلاص منها، فمات، فعليه القصاص. و إن أمكنه التخلص فلم يفعل حتى هلك لم يجب، لأنه قاتل نفسه، نعم يجب ضمان ما تأثر بالنار بأول الملاقاة قبل تقصيره في الخروج، سواء كان أرش عضو أم حكومة.

و منها: ما لو دبّت‏ (2) الزوجة الصغيرة، فارتضعت من أم الزوج مثلا، و هي مستيقظة ساكتة، فهل يحال الرضاع على الكبيرة لرضاها، أم لا لعدم فعلها؟ وجهان.

و منها: ما لو قال لزوجته: إن فعلت ما ليس لله تعالى فيه رضى فأنت عليّ كظهر أمي، فتركت صوما أو صلاة، ففي وقوع الظهار عليها الوجهان، من حيث إنه ترك و ليس بفعل. و لو سرقت وقع؛ و كذا لو زنت، إلا أن يكون الموجود منها فيه مجرد التمكين على العادة، لأنه أيضا ترك للدفع، و ليس بفعل من المرأة.

____________

(1) و المراد أنه و إن قيل بالفطر في مسألة النخامة.

(2) في «م»، «ح»: دنت.

144

قاعدة «44» الأمر و النهي متعلقهما إما أن يكون معينا، أو مطلقا.

و المعين إما أن يتجزأ، أولا.

و الأول يشترط في امتثال أمره الاستيعاب، كمن حلف على الصدقة بعشرة، فلا يكفي البعض.

و في النهي يكفي الانتهاء عن البعض. فلو حلف أن لا يأكل رغيفا، أو علّق الظهار به، لم يحنث بأكل بعضه، و لم يقع الظهار، بل باستيعابه، لأن الماهية المركبة تعدم بعدم جزء منها.

و قال بعض العامة: يحنث في النهي بمباشرة البعض، فلو أكل بعض الرغيف المحلوف على تركه حنث، لأنه إذا أكل منه شيئا فقد أخرجه عن مسمى الرغيف، لأن الحقيقة المركبة تعدم بعدم أجزائها (1).

قلنا: توجه النهي إنما هو على المجموع، و لم يحصل.

أما ما لا يتجزأ فلا فرق فيه بين الأمر و النهي، كالقتل لو حلف على فعله أو تركه.

و أما المطلق ففي الأمر يخرج عن العهدة بجزئي من جزئياته، و في النهي لا بد من الامتناع عن جميع جزئياته، فلو حلف على أكل رمان، برّ بأكل واحدة، و لو حلف على تركه، لم يبرأ إلا بترك الجميع، لأن المطلق في جانب النهي كالنكرة المنفية في العموم، مثل: لا رجل عندنا.

____________

(1) المدونة الكبرى 2: 127.

145

قاعدة «45» يصح كل من الأمر و النهي عينا.

و كذا الأمر تخييرا، و يتعلق الأمر بالقدر المشترك بين الأفراد، و هو مفهوم أحدها و لا تخيير فيه، و متعلق التخيير هو خصوصيات الأفراد، لأنه لا يجب عليه عين أحدها، كما لا يجوز له الإخلال بجميعها.

و أما النهي، فقد وقع تخييرا في مثل نكاح الأختين، و الأم و البنت، و قد تقدم ذلك كله‏ (1).

و قد ينقدح المنع في النهي من حيث إنّ متعلّقه هو مفهوم أحدها، الّذي هو مشترك بينها، فتحرم جميع الأفراد، لأنه لو دخل فردا إلى الوجود لدخل في ضمنه المشترك، و قد حرم بالنهي، و التحريم في الأختين و الأم و البنت ليس على التخيير، لأنه إنما تعلّق بالمجموع عينا، لا بالمشترك بين الأفراد؛ و لما كان المطلوب أن لا تدخل ماهية المجموع في الوجود، و عدم الماهية يتحقق بعدم جزء من أجزائها، أيّ الأجزاء كان؛ فأي أخت تركها خرج عن عهدة النهي عن المجموع، لا لأنه نهي عن القدر المشترك، بل لأن الخروج عن عهدة المجموع يكفي فيه فرد من أفراد ذلك المجموع، و يخرج عن العهدة بواحدة لا بعينها.

و هكذا القول في خصال الكفارة، فإنه لما وجب المشترك، حرم ترك الجميع، لاستلزامه ترك المشترك، فالمحرم ترك الجميع، لا واحدة بعينها من الخصال، فلا يوجد نهي على هذه الصورة إلا و هو معلّق بالمجموع لا بالمشترك، إذ من المحال عقلا أن يفعل فرد من نوع، أو جزئي من كلي مشترك، و لا يفعل‏

____________

(1) قاعدة 10.

146

ذلك المشترك المنهي عنه، لاشتمال الجزئي على الكلي ضرورة، و فاعل الأخص فاعل الأعم، فلا يخرج عن العهدة في النهي إلا بترك كل فرد، و ذلك يخرج عن التخيير.

147

الباب الرابع في العموم و الخصوص‏

و فيه فصول:

الفصل الأول في ألفاظ العموم‏

مقدمة: الجمهور على أنّ العرب وضعت للعموم صيغا تخصّه، فإن استعمل للخصوص كان مجازا.

و عكس جماعة (1). و قيل: اللفظ مشترك بينهما (2).

و توقف آخرون‏ (3).

____________

(1) نقله عن الجبائي و البلخي في التلويح في كشف حقائق التنقيح 1: 73.

(2) الذريعة 1: 201.

(3) الإحكام للآمدي 2: 222. و نقله عن القاضي و الأشعري في المستصفى 2: 46.

148

قاعدة «46» صيغ العموم عند القائل به «كلّ» و «جميع» و ما يصرف منها،

كأجمع و جمعاء و أجمعين، و توابعها المشهورة، كأكتع و أخواته.

و «سائر» شاملة إما لجميع ما بقي، أو للجميع على الإطلاق، على اختلاف تفسيريها.

و كذا «معشر» و «معاشر» و «عامّة» و «كافّة» و «قاطبة» و «من» الشرطية و الاستفهامية، و في الموصولة خلاف.

و قال بعضهم: «ما» الزمانية للعموم أيضا و إن كانت حرفا، مثل‏ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً (1). و كذا «المصدرية» إذا وصلت بفعل مستقبل، مثل: يعجبني ما تصنع.

و «أيّ» في الشرط و الاستفهام و إن اتصل بها «ما» مثل: أيّما امرأة نكحت. و «متى» و «حيث» و «أين» و «كيف» و «إذا» الشرطية إذا اتصلت بواحد منها «ما».

و «مهما» و «أيّ» و «أيّان» و «إذ ما» إذا قلنا باسميتها كما قاله المبرد (2)، و على قول سيبويه بأنها حرف‏ (3) ليست من الباب.

و «كم» الاستفهامية و «الجمع المضاف» و «المعرّف» و «النكرة المنفية».

و حكم اسم الجمع كالجمع، كالناس و القوم و الرهط.

و الأسماء الموصولة ك «الّذي» و «التي» إذا كان تعريفهما للجنس، و

____________

(1) آل عمران: 75.

(2) نقله عنه في شرح قطر الندى: 37.

(3) كتاب سيبويه 1: 505.

149

تثنيتهما و جمعهما.

و أسماء الإشارة المجموعة، مثل قوله تعالى‏ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ* (1) أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ‏ (2).

و كذا مثل‏ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها (3) وَ لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ (4).

و كذا الواقع في سياق الشرط مثل‏ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ‏ (5).

و قيل «أحد» للعموم في قوله تعالى‏ وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ‏ (6).

و كذا قيل‏ (7): النكرة في سياق الاستفهام الإنكاري مثل قوله تعالى:

هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (8) هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ (9).

قيل: و إذا أُكّد الكلام بالأبد أو الدوام أو الاستمرار أو السرمد أو دهر الداهرين أو عَوْض أو قطّ في النفي، أفاد العموم في الزمان.

قيل: و أسماء القبائل مثل «ربيعة» و «مضر» و «الأوس» و «الخزرج» (10).

فهذه جملة الصيغ، و سنشير إلى بعضها مفصلا للتدريب.

____________

(1) التوبة: 20.

(2) البقرة: 85.

(3) الكهف: 49.

(4) القصص: 88.

(5) النساء: 176.

(6) التوبة: 6.

(7) نقله عن الجويني في نضد القواعد الفقهية: 150.

(8) مريم: 7.

(9) مريم: 98.

(10) حكى هذه الأقوال في نضد القواعد الفقهية: 150.

150

قاعدة «47» دلالة العموم على أفراده كلّيّة أي يدل على كل واحد منها دلالة تامة،

و يعبّر عنه أيضا بالكلّي التفصيليّ، و الكلّي العددي؛ و ليست من باب الكل، أي الهيئة الاجتماعية المعبّر عنه بالكل المجموعي، لأنها لو كانت من باب الكل المجموعي لتعذر الاستدلال بها في النفي على البعض، كقوله تعالى‏ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* (1) وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (2) و كذلك في النهي، كقوله تعالى‏ وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ (3) وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ‏ (4) كما لو قال قائل: ما جاءني عشرة، أو:

لا تضرب العشرة، فإنه لا يلزم منه النفي أو النهي عما دونها، بخلاف الإثبات.

و الفرق بين المعنيين: أن الكلي هو المعنى الّذي يشترك فيه كثيرون، كالعلم و الجهل و الإنسان و الحيوان، و اللفظ الدال عليه يسمى مطلقا، و قسيمه الجزئي. و الكل هو المجموع من حيث هو مجموع، و منه أسماء الأعداد؛ فإن ورد في النفي أو النهي صدق بالبعض، لأن مدلول المجموع ينتفي به، و لا يلزم نفي جميع الأفراد، و لا النهي عنها، فإذا قال: ليس له عندي عشرة، جاز أن يكون له عنده تسعة، بخلاف الثبوت، فإنه يدل على الأفراد بالتضمن، لأن الجزء بعض الشي‏ء.

____________

(1) البقرة: 74.

(2) فصّلت: 46.

(3) الإسراء: 32.

(4) الأنعام: 151.

151

إذا تقرر ذلك فيتفرع عليه فروع:

منها: ما إذا قال المالك لجماعة: بيعوا هذه السلعة، أو: وكّلتكم في بيعها، أو: وكلت فلانا و فلانا، أو: أوصيت إليهما؛ أو قالت المرأة لجماعة: زوّجوني، اشترط الاجتماع، لأن الحكم مرتب على الكل المجموعي، لا على الكلي.

و لو قال: و اللَّه لا أكلّم الزيدين، أو: لا ألبس هذه الثياب، أو: لا آكل هذه الرغيفان أو عبّر بالمثنى، كالثوبين، و الرغيفين، و الزيدين فلا يحنث إلا بالجميع.

و في معناه ما لو قال: لا أكلم زيدا و عمرا، أو: لا آكل اللحم و العنب، فإنه لا يحنث إلا بكلامهما و بأكلهما معا.

و لو كرر «لا» فقال: لا أكلم زيدا و لا عمرا، فهما يمينان، فلا تنحل إحداهما بالحنث في الأخرى.

و لو قال: لا أكلم أحدهما، أو قال: واحدا منهما، حنث بكلام الواحد، و انحلّت اليمين، فلا يحنث بكلام الآخر.

و من مواضع الإشكال على القاعدة: ما لو حلف أن لا يأكل بسرا أو رطبا، فأكل منصفا، فقد قيل: إنه يحنث‏ (1). و علّل بأن المنصف يشتمل عليهما، مع أن الرطب جمع «رطبة» كما صرّح به الجوهري‏ (2) و غيره‏ (3)، و البسر مثله.

و قد نصّ الجوهري أيضا على أنّ العنب جمع «عنبة» (4) و هو مثلهما. و المتجه أن لا يحنث به لذلك، أما البسرة و الرطبة فلا يحنث بالمنصفة قطعا.

و منها: ما لو قال لزوجاته الأربع: و اللَّه لا وطئتكنّ، فإن الإيلاء يتعلق‏

____________

(1) المغني لابن قدامة 11: 314.

(2) الصحاح 1: 136.

(3) كالفيومي في المصباح: 230.

(4) الصحاح 1: 189.

152

بالمجموع من حيث هو مجموع لا بكل واحدة، فله وطء ثلاث، فيتعين التحريم في الرابعة، و يثبت لها الإيلاء بعد وطئهن. و لها المرافعة حينئذ؛ و تجب الكفارة بوطء الجميع.

و لا يزول الحكم بطلاق واحدة و لا أزيد متى بقي واحدة، لإمكان وطء المطلقة و لو بالشبهة. و في زواله بموتها وجهان، من الشك في تحقق إطلاق الوطء عليها، و لعلّ تحققه أوضح.

و منها: ما لو قال: و اللَّه ما ألبس حليا، فلبس فردا منه، كخاتم أو سوار أو نحوه، فقد حكموا بأنه يحنث، مع أن الحلي- بفتح الحاء و سكون اللام- مفرد، و جمعه حلي بضم الحاء و كسر اللام و تشديد الياء، و فيه لغة بكسر الحاء. و وزنه على اللغتين «فعول» فإن «فعلا» يجمع على «فعول» كفلس و فلوس. و أصله حلوى، اجتمعت الياء و الواو، و سبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، و أدغمتا على القاعدة الصرفية، ثم كسرت اللام، لما في الانتقال من الضمة إلى الياء من العسر. ثم أجازوا مع ذلك كسر الحاء إتباعا للّام.

و مقتضى القاعدة: أنّ المحلوف عليه إن كان هو الحلي المضموم المجموع لا يحنث بالواحد، و إن كان المفتوح حنث، فينبغي التنبه له حيث يوجد في كلامهم، لئلا يلتبس، فيقع الإشكال، كالسابق.

قاعدة «48» صيغة «كلّ» عند الإطلاق من ألفاظ العموم الدالة على التفصيل،

أي ثبوت الحكم لكل واحد كما قررناه. و قد يراد بها الهيئة الاجتماعية بقرينة.

و من فروع القاعدة:

ما إذا قال أجنبي لجماعة: كل من سبق منكم فله دينار، فسبق ثلاثة، ففي‏

153

استحقاق الجميع دينارا، أو استحقاق كل واحد دينارا، وجهان، أجودهما الثاني؛ بخلاف ما لو اقتصر على «من» فإنهم يشتركون في الدينار قطعا. كذا قاله بعضهم‏ (1)، و فيه نظر.

و منها: إذا قال: و اللَّه لا أجامع كل واحدة منكنّ فإن حكم الإيلاء، من ضرب المدة و المطالبة يثبت لكل واحدة على انفرادها، حتى إذا طلّق بعضهن كان للباقيات المطالبة.

و لو وطئ واحدة منهن ففي انحلال اليمين في حق الباقيات وجهان: من أنها يمين واحدة، و قد خالف مقتضاها، و من تعددها في المعنى بحسب تعدد متعلقها. و بالثاني قطع الفاضل‏ (2)، و فيه نظر.

قاعدة «49» «من» عامة في أولي العلم، و «ما» عامة في غيرهم، هذا هو الأصل،

و هو المعروف أيضا [1] (3). و لسيبويه نصّ يوهم أنّ «ما» لأولي العلم و غيرهم‏ (4)، و قال به جماعة (5). و شرط كونهما للعموم- كما قاله في المحصول‏

____________

[1] جاء في هامش «د»، بخطه: المشهور في عبارة الأصوليين و أهل العربية أن «من» لمن يعقل و يحسن، عبّرنا عنه بأولى العلم لعدم تناول من يعقل لله، مع تناول «من» له في مواضع كثيرة، و سيأتي تحريره في قسم النحو من باب الموصول- قاعدة 112.

____________

(1) التلويح في كشف حقائق التنقيح 1: 116.

(2) قواعد الأحكام 2: 87، تحرير الأحكام 2: 63.

(3) كما في المحصول 1: 345، و المعتمد 1: 191.

(4) نقل ذلك في التمهيد: 303.

(5) التلويح في كشف حقائق التنقيح 1: 115، شرح الكافية 1: 55.

154

و غيره‏ (1)- أن تكونا شرطيتين أو استفهاميتين.

فأما النكرة الموصوفة نحو: مررت بمن أو بما معجب لك، أي شخص معجب، و الموصولة نحو: مررت بمن قام أو بما قام، أيّ بالذي، فإنهما لا يعمان. و كذلك إذا كانت «ما» نكرة غير موصوفة، و هي ما التعجبية.

و نقل القرافي عن بعض الأصوليين أن الموصولة تعم، و ردّ عليه نقله‏ (2).

إذا علمت ذلك فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال: من يدخل الدار من عبيدي فهو حر، على وجه النذر، فينظر إن أتى بالفعل مجزوما مكسورا على أصل التقاء الساكنين عمّ العتق جميع الداخلين، و إن أتى به مرفوعا لزمه عتق واحد فقط، هذا مقتضى لفظ «من» بعرف النحو؛ فإن لم يعرفه سئل عن مراده، فإن تعذّر حمل على المحقق، و هو الموصولة.

و منها: الواقعة المشهورة، و هي أنه وقع حجر من سطح، فقال رجل لامرأته: إن لم تخبريني الساعة من رماه فأنت طالق، عند العامة، أو عليّ كظهر أمي، عندنا.

قال بعضهم: إن قالت رماه مخلوق، لم يقع، و إن قالت رماه آدمي وقع، لجواز أن يكون رماه كلب أو ريح‏ (3).

و في الاكتفاء بلفظ المخلوق مع كون السؤال وقع بمن الموضوعة للعقلاء نظر، مرتب على الخلاف السابق، مع أن السائل بها إنما يجاب بتعيين الشخص لا بالنوع.

و منها: إذا أوصى بما تحمله هذه الشجرة أو الجارية، و لم يبيّن مدة

____________

(1) المحصول 1: 354، نهاية السؤل 2: 324.

(2) شرح التنقيح: 180.

(3) منقول عن القاضي حسين في التمهيد للأسنوي: 304.

155

الاستحقاق، فإنه يعطى له حمل يحدث، دون حمل موجود.

لكن هل يعطى الحمل الأول خاصة لأنه المحقق، أم يستحق الجميع لأن اللفظ يصدق عليه؟ وجهان، مبنيان على أن «ما» الموصولة هل تعم أم لا.

و منها: لو كان في يد شخص عين فقال: وهبنيها فلان و أقبضنيها في صحّة، و أقام بذلك بينة، فأقام باقي الورثة بينة بأن الواهب رجع فيما وهبه، حيث يجوز له الرجوع فيه، فالأجود أن لا تنزع العين من يده بهذه البينة، لاحتمال أنّ هذه العين ليست من المرجوع فيه، بناء على أن الموصولة لا تعم، مع أنه يحتمل كونها أيضا نكرة موصوفة و غير ذلك.

قاعدة «50» صيغة «أي» عامة في أولي العلم و غيرهم.

كذا ذكره جمهور الأصوليين، منهم الفخر الرازي و أتباعه‏ (1)، إلا أنها ليست للتكرار، بخلاف «كل» و نحوها، فإنها تقتضي التكرار.

و من فروعه:

ما لو قال لوكيله: أيّ رجل دخل المسجد فأعطه درهما، اقتصر على إعطاء واحد، لأنه المتيقن بخلاف ما لو قال: كل رجل دخل المسجد فأعطه درهما، فإنه يعطى الجميع.

و اعلم أن بين «أي» و «كل» فرقا ظاهرا، و ذلك لأنه يصح أن يقول: أيّ أولادك أسنّ؟ و لا يصح ذلك مع «كل».

و كذلك: أيّ أولادك ضرب، أزيد أم عمرو أم بكر؟ و لا يصح «مع كل»

____________

(1) المحصول 1: 354، تهذيب الوصول: 35.

156

مطلقا. و بذلك يظهر أن عموم «أيّ» ليس للشمول بل للبدل، إلا أن الفرق بينها و بين النكرة: أنّ النكرة إذا لم يسند الحكم فيها إلى ماضٍ تدل على فرد و أفراد غير متعينة، بخلاف «أي».

و الفرق بينهما و بين المطلق: أن المطلق لا يدل على شي‏ء من الأفراد، بل على الماهية فقط.

قاعدة «51» الجمع، إذا كان مضافا أو محلّى ب «ال» التي ليست للعهد يعمّ عند جمهور الأصوليين،

إذا لم تقم قرينة تدل على عدم العموم.

إذا علمت ذلك فيتفرع عليه فروع:

منها: إذا قال: إن كان اللَّه يعذّب الموحدين فأنت عليّ كظهر أمي، وقع الظهار إن قصد تعذيب أحدهم، و لو قصد تعذيب الجميع أو لم يقصد شيئا لم يقع، لأن التعذيب يختص ببعضهم.

و منها: التلقيب بملك الملوك و نحوه، ك «شاة شاة» (1) بالتكرار، فإنه بمعناه أيضا، فينظر إن أراد ملوك الدنيا و نحوه، و قامت قرينة للسامعين تدل على ذلك جاز، سواء كان متصفا بهذه الصفة أم لا، كغيره من الألقاب الموضوعة للتفاؤل‏ (2) أو المبالغة.

و إن أراد العموم فلا إشكال في التحريم، أي تحريم الوضع بهذا القصد، و كذلك التسمية بقصده، سواء قلنا: إنه للعموم أم مشترك بينه و بين الخصوص.

____________

(1) كذا، و من الواضح للعارف بالفارسية أنه تصحيف شاهنشاه.

(2) في «م»، «ح»: للتناول.