تمهيد القواعد

- الشهيد الثاني المزيد...
648 /
157

و كذلك لو قلنا إنه للخصوص، لأنه أحدث له وضعا آخر.

و إن أطلق عارفا بمدلوله بني على أنه للعموم أم لا؟

و هذه المسألة وقعت ببغداد في سنة تسع و عشرين و أربعمائة؛ لما استولى الملك الملقب بجلال الدولة، أحد ملوك الديلم على بغداد، و كانوا متسلطين على الخلفاء العباسيين، فزيد في ألقابه شاهان شاه‏ (1) الأعظم ملك الملوك، و خطب له بذلك على المنبر، فجرى في ذلك ما أحوج إلى استفتاء علماء بغداد في جواز ذلك، فاختلفوا فيه، و أفتى الأكثر بالجواز؛ و جرى بينهم في ذلك مباحث و رسائل نقضا و جوابا.

و كان من حجة المحرم: ما روي عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أنه قال: «إنّ أخنع اسم عند اللَّه تعالى رجل يسمى ملك الأملاك‏ (2)» و في رواية: «أخنى» و في رواية: «أغيظ رجل عند اللَّه تعالى يوم القيامة و أخبثه رجل كان يسمى ملك الملوك، لا ملك إلا اللَّه تعالى» رواه البخاري و مسلم إلا الأخيرة، فإنها لمسلم‏ (3).

و أخنع و أخنى بالخاء المعجمة و النون و معناهما: أذل و أوضع و أرذل.

و منها: جواز الدعاء للمؤمنين و المؤمنات بمغفرة جميع الذنوب، أو بعدم دخولهم النار. فقيل: يحرم ذلك، لأنا نقطع بإخبار اللَّه تعالى و إخبار الرسول أنّ منهم من يدخل النار (4). و أما الدعاء بالمغفرة في قوله تعالى‏

____________

(1) كذا، و في هامش «د»: شاهنشاه. و هو الأصوب.

(2) في «م»: الملوك.

(3) صحيح البخاري 8: 56 باب أبغض الأسماء، صحيح مسلم 4: 355 باب تحريم التسمي بملك الأملاك حديث 2143.

(4) الفروق للقرافي 4: 281.

158

حكاية عن نوح‏ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ‏ (1) و نحو ذلك مما ورد في الأخبار و الدعوات و هو كثير، فإنه ورد بصيغة الفعل في سياق الإثبات، و ذلك لا يقتضي العموم، لأن الأفعال نكرات؛ و لجواز قصد معهود خاص، و هو أهل زمانه.

و منها: ما لو أوصى للفقراء و نحوهم، أو فقراء بلد. فإن كانوا منحصرين وجب صرفه إليهم أجمع، عملا بالعموم مع إمكانه.

و إن كانوا غير منحصرين صرف إلى ثلاثة فصاعدا، لأن العموم غير مراد، فيحمل على الجميع. و المروي صرفه إلى من بالبلد منهم و إن زادوا عن ثلاثة (2).

و منها: لو حلف على معدود كالمساكين، فإن كانت يمينه على الإثبات، لم يبرّ إلا بثلاثة، اعتبارا بأقل الجمع كما قلناه؛ و إن كانت على النفي، حنث بالواحد، اعتبارا بأقل العدد.

و الفرق: أنّ نفي الجميع ممكن، و إثبات الجميع متعذّر، فاعتبر أقل الجمع في الإثبات، و أقل العدد في النفي.

و منها: لو حلف ليصومنّ الأيام، فيحتمل حمله على أيام العمر لإمكانه؛ و على ثلاثة، نظرا إلى عدم الانحصار عادة كما سلف.

فائدة: إذا احتمل كون «أل» للعهد، و كونها لغيره، كالجنس أو العموم، حملت على العهد،

لأصالة البراءة من الزائد، و لأن تقدّمه قرينة مرشدة إليه.

____________

(1) نوح: 28.

(2) الكافي 7: 38 باب ما يجوز من الوقف. حديث 37، الفقيه 4: 240 حديث 5574، التهذيب 9: 133 حديث 563، الوسائل 13: 308 أحكام الوقوف باب 8.

159

و من فروعها:

ما لو حلف لا يشرب الماء، فإنه يحمل على المعهود، حتى يحنث ببعضه، إذ لو حمل على العموم لم يحنث.

و منها: إذا حلف لا يأكل البطيخ، قال بعضهم: لا يحنث بالهندي، و هو الأخضر (1). و هذا يتم حيث لا يكون الأخضر معهودا عند الحالف إطلاقه عليه إلا مقيدا.

و منها: الحالف لا يأكل الجوز، لا يحنث بالجوز الهندي. و الكلام فيه كالسابق، إذ لو كان إطلاقه عليه معهودا في عرفه حنث به، إلا أنّ الغالب خلافه، بخلاف السابق، فإنه على العكس.

قاعدة «52» الجمع إذا لم يكن مضافا، و لم يدخل عليه «أل» نحو: أكرم رجالا،

قال الجبائي: إنه للعموم، استنادا إلى أنه حقيقة في الثلاثة و الألف و غيرهما من أنواع العدد، و المشترك عنده يحمل على جميع معانيه‏ (2).

و الجمهور على أنه لا يعمّ، بل أقله ثلاثة على الصحيح عند جمهور الأصوليين، كما هو الصحيح عند النحاة و الفقهاء. و قيل: اثنان‏ (3).

و هذا الخلاف المذكور آخرا يجري في المضاف و المقرون «بال» إذا قامت قرينة تدل على أنّ العموم غير مراد.

و ينبغي تحرير محل النزاع، فنقول: الخلاف في اللفظ المعبّر عنه بالجمع،

____________

(1) نقله عن الرافعي في التمهيد: 315.

(2) نقله عنه في كشف الأسرار 1: 122، و معارج الأصول: 87.

(3) منتهى الوصول: 77، المستصفى 2: 91.

160

نحو الزيدين و رجال، لا في لفظ «ج م (عليه السلام)» فإنه يطلق على الاثنين بلا خلاف، كما قاله جماعة من المحققين، منهم الآمدي‏ (1) و ابن الحاجب في المختصر الكبير (2) لأن مدلوله ضمّ شي‏ء إلى شي‏ء؛ و لا في لفظ الجماعة أيضا، فإن أقله ثلاثة.

و اعلم أنه لا فرق عند الأصوليين و الفقهاء بين التعبير بجمع القلة كأفلس، و بجمع الكثرة كفلوس، على خلاف طريقة النحويين.

إذا تقرر ذلك فيتخرج عليه مسائل كثيرة في باب الأقارير و الوصايا و العتق و النذور و غيرها.

قاعدة «53» النكرة في سياق النفي تعمّ، سواء باشرها النفي، نحو: ما أحد قائما، أم باشر عاملها، نحو: ما قام أحد.

و سواء كان النافي «ما» أم «لم» أم «لن» أم «ليس» أم غيرها.

ثم إن كانت النكرة صادقة على القليل و الكثير ك «شي‏ء»، أو ملازمه للنفي نحو «أحد»، و كذا صيغة «بدّ» نحو: ما لي عنه بدّ، كما نقله «القرافي» في شرح التنقيح‏ (3) أو داخلا عليها «من» نحو: ما جاء من رجل أو واقعة بعد «لا» العاملة عمل «إن» و هي «لا» التي لنفي الجنس، فواضح كونها للعموم، و قد صرّح به مع وضوحه النحاة و الأصوليون.

و ما عدا ذلك، نحو: ما في الدار رجل و لا رجل قائما، بنصب الخبر ففيه مذهبان للنحاة، أصحهما- و هو مقتضى إطلاق الأصوليين- أنها للعموم‏

____________

(1) الإحكام 2: 242.

(2) منتهى الوصول: 77.

(3) شرح تنقيح الفصول: 183.

161

أيضا، و هو مذهب «سيبويه» و ممن نقله عنه أبو حيّان في الكلام على حروف الجر (1) و نقله من الأصوليين إمام الحرمين في «البرهان» في الكلام على معاني الحروف‏ (2)، لكنها ظاهرة في العموم، لا نصّ فيه.

قال الجويني: و لهذا نصّ سيبويه على جواز مخالفته، فيقول: ما فيها رجل بل رجلان، كما يعدل عن الظاهر، فيقول: جاء الرّجال إلا زيدا (3).

و ذهب المبرد إلى أنها ليست للعموم‏ (4)، و تبعه عليه الجرجاني في أول «شرح الإيضاح» (5) و الزمخشري في تفسير قوله تعالى‏ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ* و قوله‏ ما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ* (6).

نعم، يستثني مما ذكرناه: سلب الحكم عن العموم، كقولنا: ما كل عدد زوجا، فإن هذا ليس من باب عموم السلب، أي ليس حكما بالسلب على كل فرد، و إلا لم يكن في العدد زوج، بل المقصود به إبطال قول من قال: إنّ كل عدد زوج، فأبطل السامع ما ادعاه من العموم.

إذا تقرر ذلك فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال المدعي: ليس لي بينة حاضرة، فحلف المدعى عليه، ثم جاء المدعي ببينة، فإنها تسمع.

و لو قال: ليس لي بينة حاضرة و لا غائبة، فوجهان، أجودهما السماع، لأنه قد لا يعرفها أو ينساها. و إن قال: لا بينة لي، و اقتصر- و هي مسألتنا- فالأقوى أنه كالقسم الثاني، ففيه الوجهان.

و منها: أنه قد تقرر أنّ اسم «لا» إذا كان مبنيا على الفتح، كان نصا في‏

____________

(1) كما في التمهيد: 319.

(2) هذه الأقوال نقلها الأسنوي في التمهيد: 319.

(3) هذه الأقوال نقلها الأسنوي في التمهيد: 319.

(4) هذه الأقوال نقلها الأسنوي في التمهيد: 319.

(5) هذه الأقوال نقلها الأسنوي في التمهيد: 319.

(6) الكشاف 2: 113.

162

العموم، بخلاف المرفوع، فإذا قال الكافر: لا إله إلا اللَّه، بالفتح، مع ما يعتبر معه، حصل به الإسلام، و يكون الخبر محذوفا، و لفظ «اللَّه» مرفوع على البدلية، فلو رفع لفظ «الإله» احتمل عدم الحصول، لما سبق من كونه ظاهرا لا نصا.

و منها: إذا حلف لا يكلم أحدهما، أو أحدهم، أو واحدا منهما، أو منهم، و لم يقصد واحدا بعينه، فإذا كلّم واحدا حنث، و انحلت اليمين، فلا يحنث إذا كلّم الآخر.

و الحكم في الإثبات كالحكم في النفي أيضا، كما إذا قال: و اللَّه لأكلمنّ أحدهما، أو واحدا منهما.

و لو زاد كلا، فقال: كلّ واحد منهم، فكذلك على الظاهر، مع احتمال كون المحلوف عليه كلام الجميع من حيث هو مجموع، فلا يحنث بكلام البعض.

وجه الحنث في المسائل كلها بكلام واحد: أنّ المحلوف عليه هو مسمّى الواحد الموجود في كل فرد، و قد وجد، فيحنث به، و لا يحنث بما عداه، لانحلال اليمين بوجود المحلوف عليه. و قد تقدم الكلام في نظيره و الإشكال في الحكم به.

و منها: إذا كان له زوجات، فقال: و اللَّه لا أطأ واحدة منكن، فله ثلاثة أحوال:

إحداها أن يريد الامتناع عن كل واحدة، فيكون موليا منهنّ كلهنّ، و لهنّ المطالبة بعد المدة؛ فإن طلّق بعضهن بقي الإيلاء في حق الباقيات؛ و إن وطئ بعضهن حصل الحنث، لأنه خالف قوله: لا أطأ واحدة منكنّ، و تنحل اليمين، و يرتفع الإيلاء في حق الباقيات.

الحالة الثانية: أن يقول: أردت الامتناع عن واحدة منهنّ لا غير، فيقبل قوله، لاحتمال اللفظ؛ و يحتمل عدم القبول، للتهمة.

163

ثم قد يريد معيّنة، و قد يريد مبهمة، فإذا أراد معينة فهو مول منها، و يؤمر بالبيان، كما في الطلاق، لو جوّزنا فيه عدم التعيين، فإذا بيّن و صدقه الباقيات فذاك. و إن ادعت غير المعينة أنه أرادها، و أنكر، صدّق بيمينه، و إن نكل حلفت المدعية، و حكم بأنه مول منها أيضا.

فلو أقرّ في جواب الثانية أنه نواها، أخذناه بموجب الإقرارين، و طالبناه‏ (1) بالفيئة أو الطلاق، و لا يقبل رجوعه عن الأول.

و إذا وطئهما في صورة إقراره تعدّدت الكفارة؛ و إن وطئهما في صورة نكوله و يمين المدعية لم تتعدد، لأن يمينها لا تصلح لإلزامه الكفارة.

و لو ادّعت واحدة أولا: أنك أردتني، فقال: ما أردتك، أو ما آليت منك، و أجاب بمثله الثانية و الثالثة، تعيّنت الرابعة للإيلاء.

و إن أراد واحدة مبهمة، و جوّزناه كذلك، أمر بالتعيين، فإذا عيّن واحدة لم يكن لغيرها المنازعة.

و في كون ابتداء المدة من وقت اليمين أو وقت التعيين وجهان، كالطلاق المبهم إذا عيّنه، هل يقع من اللفظ أم من التعيين؟

و إن لم يعين و مضت أربعة أشهر طولب إذا طالبن‏ (2) بالفيئة أو الطلاق. و إنما يعتبر طلبهنّ كلهنّ، ليكون طلب المولى منها حاصلا.

فإن امتنع طلق الحاكم واحدة على الإبهام، و منع منهنّ إلى أن يعين المطلقة، و إن فاء إلى واحدة، أو ثنتين، أو ثلاث، أو طلّق، لم يخرج عن موجب الإيلاء.

و إن قال: طلّقت التي آليت منها، يخرج عن موجب الإيلاء، لكن المطلقة مبهمة، فعليه التعيين.

الحالة الثالثة: أن يطلق اللفظ، فلا ينوي تعميما و لا تخصيصا، فهل‏

____________

(1) في «ح»: طالبتاه.

(2) في «د»: طالبت.

164

يحمل على التعميم أو التخصيص بواحدة؟ وجهان، أصحهما الأول، عملا بظاهر الصيغة.

قاعدة «54» النكرة في سياق الشرط تعمّ عند جماعة من الأصوليين‏ (1)،

و صرّح به الجويني في «البرهان» و تابعه عليه الأنباري في شرحه له‏ (2)، و اقتضاه كلام الآمدي‏ (3).

إذا علمت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما لو قال الموصي: إن ولدت ذكرا فله ألف، و إن ولدت أنثى فلها مائة، فولدت ذكرين أو أنثيين، فإنه يشرّك بين الذكرين في الألف، و بين الأنثيين في المائة، لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر، فيكون عاما.

و مثله ما لو قال: إن كان في بطنها ذكر فله ألف، أو أنثى فمائة، و يحتمل استحقاق كل منهما ألفا أو مائة، لصدق الاسم في كل منهما مع مراعاة العموم. و في وجه ثالث: استحقاق أحدهما خاصة، بناء على كون الموصى له متواطئا، و أن النكرة هنا غير عامة؛ و حينئذ فيتخير الوارث في التعيين كما في كل متواطئ.

و لو ولدت في هذا المثال ذكرا و أنثى، فلكل منهما ما عيّن له على القولين، لتحقق المعنى فيهما.

____________

(1) التلويح في كشف حقائق التنقيح 1: 106.

(2) نقله عنهما الأسنوي في التمهيد: 324.

(3) الإحكام في أصول الأحكام 2: 225.

165

قاعدة «55» النكرة في سياق الإثبات إن كانت للامتنان عمّت، كما ذكره جماعة (1)،

كقوله تعالى‏ فِيهِما فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ‏ (2).

و وجهه: أنّ الامتنان مع العموم أكثر، إذ لو صدق بالنوع الواحد من الفاكهة لم يكن في الامتنان بالجنسين‏ (3) كثير معنى.

و من فروعه:

الاستدلال على طهورية كل ماء، سواء نزل من السماء، أم نبع من الأرض، بقوله‏ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ‏ (4).

و لو لم تكن النكرة المثبتة للامتنان لم تعمّ.

و ذكر في «المحصول» كلاما يوهم خلاف هذا، فقال: إنها إن وقعت في الخبر، نحو: جاء رجل فإنها لا تعمّ، و إن وقعت في الأمر، نحو:

أعتق رقبة، عمّت عند الأكثرين، بدليل الخروج عن العهدة بإعتاق ما شاء (5). هذا كلامه.

و قد علم منه أنه ليس المراد هاهنا عموم الشمول، و حينئذ فيكون الخلاف إنما هو في إطلاق اللفظ. و وجه كونها لا تعم في الخبر، أن الواقع شخص و لكن التبس علينا، بخلاف الأمر.

____________

(1) منهم القاضي أبو الطيب في أوائل تعليقته كما في التمهيد: 325.

(2) الرحمن: 68.

(3) في «ح» بالحبتين.

(4) الأنفال: 11.

(5) المحصول 1: 370.

166

قاعدة «56» المفرد المحلّى ب «أل» و المضاف، للعموم عند جماعة من الأصوليين‏ (1).

و المعروف من مذهب البيانيين‏ (2)، و نقله «الآمدي» عن الأكثرين‏ (3)، و نقله «الفخر الرازي» عن الفقهاء و «المبرد» ثم اختار هو و مختصر و كلامه عكسه‏ (4)، و هو الأظهر.

و للقاعدة فروع:

منها: دعوى أنّ الأصل جواز البيع في كل ما ينتفع به، عملا بقوله تعالى‏ وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (5) حتى يستدل به مثلا على جواز بيع كل فرد وقع فيه النزاع، كبيع أبوال و أرواث ما يؤكل لحمه، و السباع، و المسوخ، و الكلاب المختلف فيها، و جواز بيع الغرر، و غير ذلك، و إنما يخرج عنه ما بطل بالإجماع.

و منها: دعوى جواز التكبير في الصلاة بقول المصلي: اللَّه أكبر، و الكبير، استدلالا بقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «تحريمها التكبير» و كذا الخروج منها بأي صيغة اتفقت للتسليم، لقوله: «و تحليلها التسليم» (6).

و يمكن دفع ذلك بجعل اللام للعهد، و هو الواقع منه (صلى اللَّه عليه و آله) فإنه لم ينقل عنه‏

____________

(1) منهم الغزالي في المستصفى 2: 53.

(2) الطراز 2: 20، المطول: 81.

(3) الإحكام 2: 219.

(4) المحصول 1: 382.

(5) البقرة: 275.

(6) الكافي 3: 69 باب النوادر حديث 2، الوسائل 1: 256 أبواب الوضوء باب 1 حديث 1، سنن ابن ماجة 1: 101 حديث 275.

167

سوى اللَّه أكبر، و السلام عليكم.

و منها: ما لو قال لوكيله: بع يوم السبت لا غير، عمّ يوم السبت الأول و ما بعده على الأول، و دخل الأول خاصة على الثاني، لأنه المتيقن.

و منها: لو حلف الحالف: لا رأى منكرا إلا رفعه إلى الوالي، من غير تعيين، فهل يتعين المنصوب في الحال، أم يبرّ بالرفع إلى كل من ينصب بعده، و لا يجتزئ برفعه إلى الأول؟ قولان مبنيان. و يمكن ردّه إلى قاعدة تردد اللام بين الجنس و العهد السابقة.

و منها: إذا قال لغيره: إذا قرأت القرآن فلك كذا، فقرأ بعضه، هل يستحق المجعول، أم يتوقف الاستحقاق على قراءة جميعه؟ وجهان مبنيان.

و يمكن جعل اللام هنا للعهد أيضا، فلا يستحق إلا بالجميع، عملا بالظاهر؛ إلا أن تدل القرينة على غيره.

و منها: المسألة المشهورة الدائرة على ألسنة الأفاضل، و هي ما إذا قال لثلاث نسوة: من لم تخبرني منكن بعدد ركعات الصلاة المفروضة فهي طالق، على طريقة مجوز تعليق الطلاق؛ أو هي عليّ كظهر أمي، على طريقتنا؛ فقالت واحدة: سبع عشرة ركعة، و ثانية: خمس عشرة، و ثالثة: إحدى عشرة، لم تطّلق واحدة منهن، و لم يقع بها ظهار. فالأوّل معروف، و الثاني يوم الجمعة، و الثالث في السفر، كذا أطلق جماعة.

و هو كلام غير محرر. و تحريره يتوقف على ذكر أقسام المسألة، و البحث في اللام الواقعة في المفرد هل تعم أم لا؟ و الأقسام خمسة:

القسم الأول: أن يقول: بعدد ركعات كل صلاة مفروضة في كل يوم، فإن قصد التمييز،

فلا بدّ من ذكر عدد كل صلاة بخصوصها، و عدد صلاة كل يوم و ليلة

168

بخصوصه. و حينئذ ففي الإخبار بما لا يتكرر كيوم الجمعة نظر، لأنها ليست مفروضة في كل يوم و ليلة، و كذلك صلاة السفر، و المتجه عدم دخولها في ذلك.

و إن لم يقصد التمييز، فيكفي إخبارهنّ بأعداد تشتمل على الأعداد المفروضة، كما ذكروه في إخبارها بعدد حب الرمانة.

القسم الثاني: أن يأتي بما ذكرناه بعينه، لكن بحذف «كلّا» الأولى، و يأتي بالثانية،

فله حالان:

أحدهما: أن يأتي بالصلاة منكّرة، فيقول بعدد ركعات صلاة مفروضة في كل يوم و ليلة، فتتخلص كل امرأة بذكر صلاة واحدة من الصلوات المتقدم ذكرها.

الثاني: أن يأتي بها معرّفة، فيقول: بعدد ركعات الصلاة إلى (آخره) (1) فالمتجه استغراق صلوات اليوم و الليلة، إن جعلنا المفرد المعروف للعموم عند تعذر العهد، و الحمل على الجنس بعيد. و إن لم نجعله عامّا فكالنكرة.

القسم الثالث: أن يكون بالعكس، و هو أن يحذف «كلا» الثانية، و يأتي بالأولى،

فيقول: بعدد ركعات كل صلاة مفروضة، أو كل الصلاة المفروضة في اليوم و الليلة، فإن جعلت «أل» للعموم فكالسابق، و إلا كفى الإخبار بما فرض منها في يوم من الأيام.

____________

(1) في «د»، «م»: الخمس.

169

القسم الرابع: أن يحذفهما معا،

فله حالان:

أحدهما: أن يأتي بما بعدهما منكّرين، فيقول: بعدد ركعات صلاة مفروضة في يوم و ليلة، فتتخلص كل واحدة بذكر صلاة واحدة، من أيّ يوم كان. و يبقى النّظر في أنه هل يكفي مجرد العدد، أم لا بد من اقترانه بالمعدود؟

فتقول مثلا صلاة الجمعة ركعتان.

الثاني: أن يأتي بهما معرّفتين، فيقول: بعدد ركعات الصلاة المفروضة في اليوم و الليلة، فيبني حمله على العموم في الصلوات و الأيام على ما سبق، فعليه لا تبرأ إلا بذكر الجميع.

القسم الخامس: أن يحذفهما،

و يحذف معهما ما يدخل عليه «كلّ» الثانية، فله أيضا حالان:

أحدهما: أن يأتي بالصلاة منكّرة، فيقول: بعدد ركعات صلاة مفروضة، فلا إشكال في خلاص كل واحدة بعدد ركعات صلاة واحدة، أي صلاة كانت.

الثاني: أن يأتي بها معرّفة، فيقول: بعدد ركعات الصلاة المفروضة، فعلى جعله للعموم خلاص كل واحدة أن تخبر بجميع الصلوات، حتى لا تبرأ إلا بذكر الجميع؛ و إن لم يجعله للعموم فكالتي قبلها، فيحصل الخلاص بذكر واحدة. هذا كله مع عدم قرينة العهد بفريضة مخصوصة.

170

قاعدة «57» ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، على ما ذكره جماعة من المحققين‏ (1).

مثاله: أنّ غيلان أسلم على عشر نسوة، فقال له النبي (صلى اللَّه عليه و آله): «أمسك أربعا، و فارق سائرهن» (2) و لم يسأله هل ورد العقد عليهن معا أو مرتبا، فدل على أنه لا فرق، خلاف ما يقوله أبو حنيفة من أنّ العقد إذا ورد مرتبا تعيّنت الأربع الأوائل‏ (3).

و أصل هذا الكلام و القاعدة للشافعي‏ (4) و روي عنه كلام آخر يعارضه ظاهرا، و هو: أن حكايات الأحوال إذا تطرّق إليها الاحتمال، كساها ثوب الإجمال، و سقط بها الاستدلال‏ (5). و للأصوليين في ذلك قولان كالعبارتين.

و اختلف أصحابه عنه، فقيل: هما قولان له أيضا، و الأكثر على الجمع بينهما، و أن له قولا واحدا مفصلا، فقال بعضهم: إن الاحتمال المرجوح لا يؤثر، و إنما يؤثر الراجح و المساوي. و حينئذ فالاحتمال إن كان في محل الحكم و ليس في دليله لا يقدح، كحديث غيلان، و هو مراده بالكلام الأول؛ و إن كان‏

____________

(1) تهذيب الوصول: 38، المحصول 1: 392، المنهاج (نهاية السؤل) 2: 367، التمهيد: 337.

(2) سنن ابن ماجة 1: 628 باب 40 حديث: 1953، الموطأ 2: 586 باب جامع الطلاق.

(3) نقله عنه في السنن الكبرى للبيهقي 7: 185، و المغني لابن قدامة 7: 540، و الفقه على المذاهب الأربعة 4: 68.

(4) كتاب الأم 5: 49.

(5) نقله عنه القرافي في الفروق 2: 88، و شرح التنقيح: 186.

171

في دليله قدح، و هو المراد بالكلام الثاني‏ (1).

و اعترض في المحصول على القاعدة: باحتمال أنه (صلى اللَّه عليه و آله) أجاب بعد أن عرف الحال‏ (2).

و أجيب: بأن الأصل عدم العلم، و هو ظاهر.

و فصّل آخرون، فقسموا ترك الاستفصال إلى أقسام:

الأول: أن يعلم اطلاع النبي (صلى اللَّه عليه و آله) على خصوص الواقعة، و لا ريب حينئذ أنّ حكمه لا يقتضي العموم في كل الأحوال.

الثاني: أن يثبت بطريق «ما» استفهام كيفيتها، و هي تنقسم إلى حالات يختلف بسببها الحكم، فينزل إطلاقه الجواب عنها منزلة اللفظ الّذي يعم تلك الأحوال كلها.

الثالث: أن يسأل عن الواقعة باعتبار دخولها الوجود، لا باعتبار أنها وقعت، فهذا أيضا يقتضي الاسترسال على جميع الأقسام التي ينقسم عليها، إذ لو كان الحكم خاصا ببعضها لاستفصل، كما فعل النبي (صلى اللَّه عليه و آله) لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: «أ ينقص إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا، إذن» (3).

الرابع: أن تكون الواقعة المسئول عنها قد وقعت في الوجود، و السؤال عنها مطلق، فالالتفات إلى العقد الوجوديّ يمنع القضاء على الأحوال كلها، و الالتفات إلى إطلاق السؤال و إرسال الحكم من غير تفصيل‏

____________

(1) الفروق للقرافي 2: 88، إدرار الشروق لابن الشاط 2: 88، و شرح التنقيح للقرافي: 187.

(2) المحصول 1: 393.

(3) سنن ابن ماجة 2: 761 حديث 2264، سنن النسائي 7: 268 باب اشتراء التمر بالرطب، الموطأ 2: 624 كتاب البيوع حديث 22.

172

يقتضي استواء الأحوال في غرض المجيب، فمن قال بالعموم لأجل ترك الاستفصال‏ (1) التفت إلى هذا الوجه، و هو أقرب إلى مقصود الإرشاد و إزالة الإشكال.

و فرّقوا بين ترك الاستفصال و قضايا الأحوال، بأن الأول ما كان فيه لفظ و حكم من النبي (صلى اللَّه عليه و آله)، بعد سؤال عن قضية يحتمل وقوعها على وجوه متعددة، فيرسل الحكم من غير استفصال عن كيفية القضية، كيف وقعت، فإن جوابه يكون شاملا لتلك الوجوه، إذ لو كان مختصا ببعضها و الحكم يختلف لبيّنه النبي (صلى اللَّه عليه و آله).

و أما قضايا الأعيان التي حكاها الصحابي ليس فيها سوى مجرّد فعله (صلى اللَّه عليه و آله)، أو فعل الّذي يترتب الحكم عليه، و يحتمل ذلك الفعل وقوعه على وجوه متعددة، فلا عموم له في جميعها، فيكفي حمله على صورة منها.

إذا تقرر ذلك، فيتفرع على القاعدة فروع كثيرة في أدلة وردت بنحو هذه الألفاظ:

فمنها: وقائع من أسلم على أكثر من أربع، و خيّره النبي (صلى اللَّه عليه و آله)، كغيلان بن سلمة (2)، و قيس بن الحارث‏ (3)، و عروة بن مسعود الثقفي‏ (4)، و نوفل بن معاوية (5).

و منها: حديث فاطمة بنت خنيس: أنّ النبي (صلى اللَّه عليه و آله) قال لها و قد ذكرت أنها

____________

(1) الفروق للقرافي 2: 87، و شرح المحلى على جمع الجوامع 1: 426.

(2) سنن ابن ماجة 1: 628 حديث 1953، سنن الترمذي 2: 298 حديث 1138.

(3) سنن ابن ماجة 1: 628 حديث 1952.

(4) سنن البيهقي 7: 184، الموطأ 2: 586 كتاب الطلاق حديث 76.

(5) المغني لابن قدامة 7: 437.

173

تستحاض: «إنّ دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، و إذا كان الآخر فاغتسلي و صلّي» (1) و لم يستفصل هل لها عادة قبل ذلك أم لا؟

و به احتج من قدّم التمييز على العادة.

و منها: سؤال كثير من الحاج النبي (صلى اللَّه عليه و آله) عن الجمرة في التقديم و التأخير، فيجيب: «لا حرج» (2) و لم يستفصل عن العمد و السهو، و الجهل و العلم.

و منها: جوابه بنعم للمرأة التي سألت عن الحج عن أمها بعد موتها (3).

و لم يستفصل هل أوصت أم لا.

و من فروع قضايا الأعيان و حكايات الأحوال: ترديد النبي (صلى اللَّه عليه و آله) ماعزا أربع مرات في أربعة مجالس‏ (4)، فيحتمل أن يكون قد وقع ذلك اتفاقا، لا أنه شرط، فيكفي فيه حمله على أقل مراتبه.

و منها: حديث أبي بكر لما ركع و مشى إلى الصف حتى دخل فيه، فقال له النبي (صلى اللَّه عليه و آله): «زادك اللَّه حرصا، و لا تعد» (5) إذ يحتمل أن يكون المشي غير كثير عادة؛ كما يحتمل الكثرة، فيحمل على ما لم يكثر،

____________

(1) الكافي 3: 83 باب جامع في الحائض حديث 1، الوسائل 2: 538 أبواب الحيض باب 3 حديث 4، صحيح البخاري 1: 87 كتاب الحيض، بتفاوت.

(2) التهذيب 5: 240 حديث 810، الوسائل 10: 181 أبواب الحلق باب 2 حديث 2، صحيح مسلم 3: 122 كتاب الحج حديث 328.

(3) صحيح البخاري 3: 23 باب الحج عمن لا يستطيع، صحيح مسلم 3: 147 كتاب الحج حديث 407، سنن البيهقي 4: 335 حديث 1، 2.

(4) صحيح البخاري 8: 204 كتاب المحاربين، صحيح مسلم 3: 525 كتاب الحدود حديث 16- 23، سنن ابن ماجة 2: 854 كتاب الحدود حديث 2554.

(5) صحيح البخاري 1: 198 باب الأذان، سنن أبي داود 1: 182 حديث 683، 684، سنن النسائي 2: 118 باب الركوع دون الصف.

174

فلا يبقى فيه حجة على جواز المشي في الصلاة مطلقا.

و منها: صلاة النبي (صلى اللَّه عليه و آله) على النجاشي‏ (1) إن حملت على غير الدعاء، فقيل‏ (2): يحتمل أن يكون رفع له سريره حتى شاهده، كما رفع له بيت المقدس حتى وصفه‏ (3).

و ردّ ببعد هذا الاحتمال، و لو وقع لأخبرهم به، لأن فيه خرق عادة فيكون معجزة، كما أخبرهم بقصة بيت المقدس‏ (4).

و حمله بعضهم على أنّ النجاشي لم يصلّ عليه، لأنه كان يكتم إيمانه، فلم يصلّ قومه عليه الصلاة الشرعية (5)، فمن ثم قال بعضهم: لا يصلّي على الغائب الّذي صلّي عليه‏ (6).

و يمكن أن يكون ذلك خصوصية للنجاشي (رحمه اللَّه).

و إنما احتيج إلى حمل الواقعة، لرواية أصحابنا: أنه لا يصلّي على الغائب‏ (7).

مسألة: قول الصحابي مثلا: «نهى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) عن بيع الغرر» (8)،

«و قضى‏

____________

(1) صحيح البخاري 5: 64 باب هجرة الحبشة و موت النجاشي، صحيح مسلم 2: 348 كتاب الجنائز حديث 62- 67، سنن ابن ماجة 1: 490 حديث 1534- 1538.

(2) فتح الباري 3: 188.

(3) تفسير روح البيان 5: 127، و تفسير الكشاف 2: 647.

(4) صحيح البخاري بشرح الكرماني 5: 56، المغني لابن قدامة 2: 255.

(5) بلوغ الأماني للساعاتي 7: 222.

(6) حلية العلماء للقفال 2: 352.

(7) الوسائل 2: 795 أبواب صلاة الجنازة باب 18.

(8) صحيح مسلم 3: 333 كتاب البيوع حديث 4، سنن ابن ماجة 2: 739 حديث 2194، الموطأ 2: 664 كتاب البيوع حديث 75.

175

بالشاهد و اليمين» (1) لا يفيد العموم على تقدير دلالة المفرد المعرف على العموم؛ لأن الحجة في المحكي؛ و هو كلام الرسول (صلى اللَّه عليه و آله)، لا في الحكاية، و المحكي قد يكون خاصا، فيتوهمه عاما.

و كذا قوله: «سمعته يقول قضيت بالشفعة للجار» (2) لاحتمال كون «أل» للعهد، كذا قاله في المحصول‏ (3) و تبعه عليه مختصر و كلامه‏ (4) و غيرهم من المحققين‏ (5).

و أما إذا كان منوّنا، كقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «قضيت بالشفعة لجار» و قول الراوي:

«قضى بالشفعة لجار» فجانب العموم أرجح. و اختار ابن الحاجب أنّ الجميع للعموم‏ (6).

إذا تقرر ذلك، فيتفرع عليه صحة الاستدلال بعموم أحاديث كثيرة وردت بهذه الصيغ، منها: الأحاديث السابقة.

و منها: ما رووه عن عمار بن ياسر: «من صام اليوم الّذي شك فيه، فقد عصى أبا القاسم» (7) و غير ذلك.

مسألة: المدح و الذم،

كقوله تعالى:

____________

(1) صحيح مسلم 3: 547 كتاب الأقضية حديث 3، الموطأ 2: 721 كتاب الأقضية حديث 75.

(2) الظاهر أنّ هذا و الّذي بعده مجرد أمثلة، فلم ترد روايات بهذه الألفاظ، و أورد ما يقرب منها في سنن النسائي 7: 321 باب ذكر الشفعة، و سنن البيهقي 6: 106.

(3) المحصول 1: 394.

(4) التحصيل للأرموي 1: 364، شرح تنقيح الفصول: 188.

(5) المستصفى 2: 68، المعتمد 1: 228، الإحكام للآمدي 2: 274.

(6) مختصر المنتهى (شرح المختصر لعضد الدين) 1: 236، منتهى الوصول: 82.

(7) صحيح البخاري 3: 34 كتاب الصوم، سنن ابن ماجة 1: 527 كتاب الصيام، حديث: 1645، سنن النسائي 4: 153 صيام يوم الشك.

176

إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ‏ (1) و قوله‏ وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ (2) الآية، لا يخرجان الصيغة عن كونها عامة، لعدم المنافاة.

و قيل: يخرجانها، لأنها سيقت حينئذ لقصد المبالغة في الحث أو الزجر، فلا يلزم التعميم‏ (3). و ظاهر أنّ مثل ذلك لا ينافي التعميم، بل التعميم أبلغ.

و من فروع المسألة: ما لو قال لعبيدة أو زوجاته: و اللَّه من يعمل كذا منكم ضربته، أو إن فعلتم كذا ضربتكم، فمقتضى عدم عمومه حصول البرّ بضرب أحدهم و نحوه.

قاعدة «58» مساواة الشي‏ء للشي‏ء كقولنا: استوى زيد و عمرو، أو تماثلا، أو هو هو،

و نحو ذلك و ما يصرف منه، إن كانت معه قرينة تشعر بإرادة شي‏ء معين حملناه عليه؛ و إن لم تقم قرينة على ذلك، فهل يدل على التساوي من جميع الوجوه الممكنة، أو يدل على البعض؟ فيه مذهبان. (و عليهما) [1] يبتنى النفي، كقولنا: لا يستويان، فإن قلنا: مقتضاها في الإثبات هو المساواة من كل وجه، فلا يستوي ليس بعام، لأن نقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية. و إن قلنا: إنه من بعض الوجوه، كان النفي عاما، لأن نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية.

____________

[1] بدل ما بين القوسين في «د»، «م»: منشؤهما كونه نفيا ورد على نكرة، و كون نفي الاستواء أعم من نفيه من كل الوجوه و بعضها، فلا يدل على الخاصّ. و هذا لا يخلو بمصادرة، و على القولين. و لكن أشير في نسخة «د» إلى أنها زيادة.

____________

(1) الانفطار: 14.

(2) التوبة: 34.

(3) نقله عن الشافعي الآمدي في الإحكام 2: 298. و ابن الحاجب في المنتهى: 87.

177

و يتفرع عليه فروع كثيرة:

منها: أنّ المسلم هل يقتل بكافر أم لا، لقوله تعالى‏ لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ (1)؟.

و منها: جواز تزويج الفاسق لغيره، فمنع منه بعض العامة (2) لقوله تعالى‏ أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏ (3).

و منها: أن الزوجة الكافرة لا يقسم لها بقدر المسلمة، للآية [1]، بل تجعل كالأمة، فلها ليلة من ثمان؛ و لو كانت أمة، فمن ست عشرة، لئلا تساوي الأمة المسلمة.

و منها: اشتراط عدالة الوصي، فقد استدل بعضهم عليه بالآية، من حيث إنه لو جازت وصية الفاسق لزم مساواته للمؤمن العدل، و هو منفي بالآية السابقة.

و فيه نظر، لأنه يلزم على ذلك عدم جواز معاملته و إكرامه و غير ذلك من الأحكام السابقة للمؤمن، و هو باطل بالإجماع، إلا أن يجعل الإجماع هو المخصص، و تجعل الآية دليلا في موضع الخلاف.

و منها: ما إذا قال السيد لعبده: أنت حرّ مثل هذا العبد، و أشار إلى عبد آخر له، فيحتمل أن لا يعتق المشبّه، لعدم حرية المشبّه به، و تكون الحرية في كلامه محمولة على حرية الخلق و نحوه.

و لو قال: أنت حر مثل هذا، و لم يقل: العبد، احتمل أيضا أن يعتق بطريق أولى، و يحتمل عتقهما معا في الثانية. و الأجود عتق‏

____________

[1] و هو قوله تعالى‏ وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ. (4)

____________

(1) الحشر: 20.

(2) الشرح الكبير لابن قدامة 7: 466.

(3) السجدة: 18.

(4) البقرة: 221.

178

المشبّه في الثانية دون الأولى.

و منها: ما ذكره بعضهم‏ (1) في واقعة مخصوصة، و هي أنّ رجلا رأى امرأته تنحت خشبة، فقال: إن عدت إلى مثل هذا الفعل فأنت علي كظهر أمي، فنحتت خشبة من شجرة أخرى. ففي وقوع الظهار عليها الوجهان، لأن النحت كالنحت، لكن المنحوت غيره. و الوجه الوقوع هنا.

و منها: ما لو قال: أحرمت كإحرام زيد، و جوّزناه، فإنه يصير محرما بعين ما أحرم به زيد من حج أو عمرة، تمتع أو غيره، إن جعلناه للعموم، و إلا كفى كونه مشابها له في أصل الإحرام، و عيّن ما شاء، لكن فيه أنه لا يبقى لقوله «كإحرام فلان» مزيد فائدة، و المتبادر هنا عرفا إرادة النوع الخاصّ.

و منها: ما لو قال: أوصيت لزيد بمثل ما أوصيت به لعمرو، فعلى العموم يكون وصية بذلك المقدار و جنسه و صفته.

و مثله ما لو قال: بعتك بمثل ما اشتريت. و لو حذف الموصي «الباء» الداخلة على «مثل» احتمل أن لا يتعين ذلك المقدار.

و يقرب منه ما لو قال: أوصيت لعمرو كما أوصيت لزيد.

و كذا في الإقرار، لو قال: لزيد عليّ ألف، و لعمرو عليّ كما لزيد، أو كالذي له.

قاعدة «59» المأمور به إذا كان اسم جنس مجموعا مجرورا بمن،

كقوله تعالى‏ خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً (2) فمقتضاه الإيجاب من كل نوع لم يقم الدليل على‏

____________

(1) التمهيد للأسنوي: 341.

(2) التوبة: 103.

179

إخراجه عند جماعة (1)، و نقله الآمدي و ابن الحاجب عن الأكثرين و صحّحا خلافه‏ (2)، و هو الصحيح، لصدق البعضية بالبعض.

و من فروعه:

الاستدلال بالآية على ما وقع فيه الخلاف في وجوب الزكاة فيه، كالخيل و نحوه.

و منها: ما اتفق في واقعة مخصوصة، و هي أنّ واقف مدرسة شرط على مدرّسها أن يلقي كل يوم ما تيسر من علوم ثلاثة، و هي: التفسير و الأصول و الفقه، فهل يجب البحث من كل واحد منها، أم يكفي من علم واحد؟.

مسألة: إطلاق الأصوليين‏ (3) يقتضي أنّ الفرد النادر يدخل في العموم،

و صرّح بعضهم بعدم دخوله‏ (4).

و من فروع المسألة: دخول الاكتساب النادر كاللقطة و الهبة في المهاياة.

و منها: إذا غلط الحجيج بالتقديم، فوقفوا يوم الثامن، فإنه لا يجزيهم على الأصح؛ لأن الغلط بالتأخير يحصل بالغيم و نحوه، و هو كثير، بخلاف التقديم، فإنه نادر، فلا يدخل تحت قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «عرفة يوم يعرّفون، أو اليوم الّذي يعرّف الناس فيه» (5).

____________

(1) منهم الرازي في المحصول 1: 381، و الشافعي في الرسالة: 187، و نقله عن البويطي في التمهيد: 344.

(2) الإحكام للآمدي 2: 298، شرح المختصر للقاضي عضد الدين 1: 246، منتهى الوصول:

86، فواتح الرحموت 1: 282.

(3) أي: كلام الأصوليين.

(4) حكاه في التمهيد: 345.

(5) سنن الدار قطني 2: 224، الجامع الصغير للسيوطي 2: 154 حديث 5426.

180

قاعدة «60» المتكلم يدخل في عموم متعلق خطابه عند الأكثرين‏ (1)،

سواء كان خبرا، أم أمرا، أم نهيا، كقوله تعالى‏ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ* (2) و قول القائل: من أحسن إليك فأكرمه، أو فلا تهنه، لوجود المقتضي، و هو العموم، و انتفاء المانع، فإن كونه مخاطبا لا يقتضيه. و خروجه في مثل‏ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ* (3) بدليل منفصل.

إذا علمت ذلك فللقاعدة فروع:

منها: إذا قال: نساء المسلمين طوالق، ففي طلاق زوجته وجهان مبنيان، و مثله لو قال: نساء العالمين.

و لو ضمّ إلى ذلك قوله: و أنت يا زوجتي كذلك، لم يؤثر عندنا؛ كما لو طلّق واحدة ثم قال للأخرى: شركتك معها، أو و أنت كذلك.

و منها: لو وقف على الفقراء و اقتصر، و كان فقيرا حال الوقف، فإنه يدخل في الوقف، و أولى بالدخول لو تجدّد فقره.

و منها: لو وقف مسجدا على المسلمين، فإن الواقف يدخل فيه. و لو صرّح في هذه المواضع بإخراج نفسه لم يستحق، كما لو صرح بإخراج بعض من يدخل في العموم.

و منها: إذا قال: وقفت على الأكبر من أولاد أبي، أو الأفقه، و كان‏

____________

(1) منهم الغزالي في المستصفى 2: 88، و الآمدي في الإحكام 2: 296، و الأسنوي في نهاية السؤل 2: 372.

(2) الحديد: 3.

(3) الرعد: 16.

181

الواقف بتلك الصفة، فإن قلنا: إنّ المتكلم لا يدخل في عموم كلامه، صحّ و صرف إلى غيره ممن اتصف بتلك الصفة.

و إن قلنا بدخوله احتمل كونه كذلك، حذرا من إلغاء الصيغة، إذ لا يصح عندنا أن يوقف على نفسه.

و يحتمل بطلان الوقف رأسا.

هذا كله إذا أطلق أو أراد العموم، أما لو قصد ما عدا نفسه صحّ.

و منها: ما لو قال: هذه الدار- و كانت تحت يده- لورثة أبي، فهل يدخل هو معهم، فلا يكون إقرارا بما يخصه من الحصة؟ وجهان مبنيان.

و لو كان الإقرار بدين، لم يدخل هو، لاستحالة أن يستحق في ذمة نفسه شيئا، بخلاف العين، فإنه يمكن دعوى استحقاقها و لو ضمنا.

و منها: ما لو قال لزوجته: إن كلمت رجلا فأنت عليّ كظهر أمي، فكلمت الزوج، ففي وقوع الظهار وجهان، مبنيان، و يقوّى هنا عدم الوقوع، عملا بالقرينة الدالة عادة على إرادة الرّجل الأجنبي.

مسألة: المخاطب- بالفتح- هل يدخل في العمومات الواقعة معه، ك «من» و «الذين» و نحوهما؟

وجهان، مخرجان على المسألة السابقة.

و المرجح عند أكثر الأصوليين: أن الخطاب العام مثل (يا أيها الناس) يتناول الرسول‏ (1).

و قيل: «لا يتناوله» (2).

____________

(1) الإحكام للآمدي 2: 291، 296، المحصول 1: 452، المستصفى 2: 81، فواتح الرحموت 1: 277.

(2) حكاه في المستصفى 2: 81، و نهاية السؤل 2: 372، و منتهى الوصول: 85.

182

و قيل: إلا أن يكون معه (قل) (1).

و من فروعها:

ما إذا دفع إليه مالا و قال له: أعطه من شئت، أو اصنع فيه ما شئت، ففي جواز أخذه منه وجهان مبنيان، و للأصحاب فيه خلاف و روايات مختلفة (2).

و منها: ما لو وكّله في بيع شي‏ء كذلك، هل يجوز له بيعه من نفسه أم لا؟

و منها: ما لو وكّله في إبراء غرمائه، و كان هو منهم، هل يدخل أم لا؟

و منها: المؤذن، هل يستحب له أن يجيب نفسه أم لا؟

و منها: إذا أذن لعبده أن يتّجر بماله، هل يجوز له بيع نفسه أو يؤجرها حيث يجوز له بيع مال التجارة و اتجاره أم لا؟

و منها: إذا قالت المرأة لوكيلها: زوّجني ممن شئت، فهل يصح تزويجها من نفسه أم لا؟

و منها: لو قال الزوج لزوجته: طلّقي من نسائي من شئت، هل لها أن تطلّق نفسها أم لا؟

و في هذه الفروع إشكال، و للأصحاب و غيرهم‏ (3) في كثير منها خلاف بأدلة خارجة عن القاعدة.

____________

(1) نقله عن أبي بكر الصيرفي و الحليمي الآمدي في الإحكام 2: 292، و عن الأول الرازي في المحصول 1: 452، و عن الثاني في مسلم الثبوت 1: 277.

(2) الكافي 3: 555 باب الرّجل يدفع إليه شي‏ء يفرقه حديث 1، التهذيب 6: 352 حديث 1000، الوسائل 12: 206 أبواب ما يكتسب به ب 84.

(3) قواعد الأحكام 1: 256. و كابن قدامة في المغني 5: 221 و ج 7 ص 362.

183

قاعدة «61» العموم الوارد من الشرع، كالمسلمين، و المؤمنين، و نحوهما، يتناول الرقيق على خلاف فيه.

و فصّل ثالث فقال: إن كان الخطاب بحق اللَّه تعالى شملهم، و إن كان بحق الآدميين فلا، لأنه قد ثبت صرف منافعه إلى سيّده، فلو خوطب بصرفها إلى غيره لتناقض.

و من فروع القاعدة:

وجوب إحرامه بالحج أو العمرة إذا أذن له السيد في دخول الحرم، لما روي عن ابن عباس مرفوعا: «لا يدخل أحد مكة إلا محرما» (1).

و منها: وجوب الجمعة عليه إذا أذن له سيده في حضورها، لأن المانع من جهة السيد قد زال.

و لا إشكال في دخوله في عموم آيات الطهارة، و الصلاة، و الصوم، و تحريم المحرمات؛ و عدم دخوله في عموم آية الحج و الجهاد، لكن ذاك بدليل خارج.

قاعدة «62» لفظ الذكور- و هو الّذي يمتاز عن الإناث بعلامة- ك «المسلمين» و «فعلوا»

لا يدخل فيه الإناث حقيقة، و إن دخلن تبعا في بعض الموارد؛ لأن الجمع تكرير الواحد؛ و لعطفهنّ عليهم في قوله تعالى:

____________

(1) الخلاف 2: 376 مسألة 222، الأم 2: 142.

184

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ‏ (1) الآية، و العطف يقتضي المغايرة. و قيل: يدخلن‏ (2).

و للقاعدة فروع:

منها: لو وقف على بني زيد، فإنهن لا يدخلن.

نعم لو وقف على بني هاشم، أو بني تميم، دخلن على الأصح؛ لأن القصد حينئذ الجهة عرفا.

و منها: لو خاطب ذكورا و إناثا ببيع أو وقف أو غيرهما، فقال: بعتكم، أو وقفت عليكم، أو ملّكتكم، فمقتضى ذلك عدم دخولهنّ في الإطلاق. نعم لو قصدهنّ دخلن تبعا.

و منها: ما لو كان له رقيق كفار، فقال: لله عليّ أن أعتق كل من آمن منكم، فلا تدخل الإناث، إلا مع العلم بقصدهنّ، فيدخلن تبعا.

و الظاهر أن الخناثى بحكمهن، للشك في الذكورية الموجب للشك في دخولهنّ في صيغتهم.

و منها: إذا صلّت المرأة و أتت بدعاء الاستفتاح، فهل تقول: و ما أنا من المشركين، و أنا من المسلمين، أو تأتي بجمع المؤنث؟ احتمالان؛ و الوجه جواز كل منهما، إذ لا إشكال في دخولهنّ تبعا مع قصده.

و قد روى الحاكم في المستدرك، عن عمران بن الحصين: أنّ النبي (صلى اللَّه عليه و آله) لقّن فاطمة هذا الذّكر في ذبح الأضحيّة، فقال لها: «قومي، فاشهدي أضحيّتك، و قولي‏ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ‏- إلى قوله- من المسلمين» (3) (4).

____________

(1) الأحزاب: 35.

(2) الإحكام لابن حزم 3: 336، و نقله عن الحاوي للماوردي و البحر للروياني في التمهيد: 356، و نقله عن الحنابلة الآمدي في الإحكام 2: 285، و صاحب فواتح الرحموت 1: 273.

(3) الأنعام: 162.

(4) مستدرك الحاكم 4: 222.

185

و منها: الدعاء في خطبة الجمعة واجب للمؤمنين و المؤمنات. فهل يجوز الاقتصار على المؤمنين مطلقا، بناء على دخولهنّ؟ وجهان مرتبان. و يقوى الاجتزاء به مع القصد، كما لا شبهة في عدمه مع التخصيص.

و منها: أن اللَّه تعالى جعل أزواج النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أمهات المؤمنين، فقال تعالى‏ النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ‏ (1) و ذلك في تحريم نكاحهن و وجوب احترامهن و طاعتهن، لا في النّظر و الخلوة.

و قيل: يطلق اسم الإخوة على بناتهن، و اسم الخئولة على إخوتهن، لثبوت حرمة الأمومة لهن‏ (2).

إذا تقرر ذلك، فهل تدخل الإناث فيما ذكرناه؟ فيه خلاف مترتب.

و على القولين لا يجوز أن يقال إنه (صلى اللَّه عليه و آله) أبو المؤمنين، لقوله تعالى‏ ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ‏ (3).

و جوّزه بعضهم بمعنى الاحترام، و جعل المنفي أبوّة النسب‏ (4).

قاعدة «63» خطاب المشافهة، نحو: يا أيها الناس، ليس خطابا لمن بعدهم، و إنما يثبت الحكم بدليل آخر كالإجماع.

و نقل عن الحنابلة أنه يعمّهم‏ (5).

____________

(1) الأحزاب: 6.

(2) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ‏ الآية (النساء: 23).

(3) الأحزاب: 40.

(4) الجامع لأحكام القرآن 14: 40، تفسير أبي السعود 7: 106.

(5) كما في الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 2: 481، و منتهى الوصول: 86.

186

و من فروع القاعدة:

ما إذا خاطب عبيده فقال مثلا: يا عبيدي ليحمل كل واحد منكم حجرا من هذه الأحجار، ثم اشترى عبدا، فهل يدخل في ذلك الأمر أم لا؟ وجهان مبنيان.

و اعلم أنّ استدلال بعضهم يشعر بأن الخلاف في «يا أيها الناس» و نحوه يجري في جميع المكلفين بشريعتنا حيث يصلح له، حتى يدخل الإنس و الجن، و حينئذ فيكون قوله تعالى‏ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏ (1) و قوله‏ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ‏ (2) دليلا على الاكتفاء باثنين من الجن.

و فيه نظر، إذ الظاهر أن الخطاب للأنس خاصة، كما يختص بهم قوله:

«يا أَيُّهَا النَّاسُ»*.

الفصل الثاني في الخصوص‏

مقدمة: القابل للتخصيص هو الحكم الثابت لمتعدّد (3) من جهة اللفظ،

كقوله تعالى‏ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ‏ (4) أو من جهة المعنى، كتخصيص العلة، و مفهوم الموافقة، و مفهوم المخالفة.

فأما تخصيص العلة، فجوّزه بعضهم‏ (5)، و منعه جمهور المحققين‏ (6).

____________

(1) البقرة: 282.

(2) الطلاق: 2.

(3) في «ح»: المتعدد.

(4) التوبة: 5.

(5) فواتح الرحموت 2: 278، و نقله عن أبي زيد و حنفية العراق، و أبي حنيفة و صاحبيه.

(6) كالرازي في المحصول 2: 373، و السرخسي في أصوله 2: 208.

187

و من فروع المسألة:

جواز بيع العرايا، و هو بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر على وجه الأرض بشروطه، فإن الشارع نهى عن بيع الرطب بالتمر، و علله بالنقصان عند الجفاف‏ (1)، و ذلك بعينه موجود في العرايا، مع الاتفاق على جوازه، إلا أنّ ذلك كالمستثنى من القاعدة، فلذلك اتفقوا على جوازها مع بقاء التعليل.

و أما مفهوم الموافقة، كقوله تعالى‏ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ‏ (2) يدل بمنطوقه على تحريم التأفيف، و بمفهومه على تحريم الضرب و سائر أنواع الأذى، فيجوز تخصيصه، لأنه دليل عام.

و من فروعه: جواز حبس الوالد لحق الولد، و في جوازه وجهان، و ظاهر المذهب جوازه.

و أما مفهوم المخالفة، كقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا» (3) أي لم يتنجس، أو لم يظهر فيه الخبث، فإنه يدل بمفهومه على أنّ ما دونه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، فيجوز تخصيصه، لما سبق من كونه دليلا عاما.

و من فروعه: ما لا نفس له سائلة كالذباب، للأمر بغمسه‏ (4) إن قلنا إنه نجس.

____________

(1) الكافي 5: 189 باب المعاوضة في الطعام حديث 12، التهذيب 7: 90 حديث 384، الاستبصار 3: 93 حديث 315، الوسائل 12: 445 أبواب الرّبا باب 14، سنن ابن ماجة 2: 761 حديث 2264، سنن النسائي 7: 268 باب اشتراء التمر بالرطب، الموطأ 2: 624 كتاب البيوع حديث 22.

(2) الإسراء: 23.

(3) السرائر 1: 63، عوالي اللئالي 1: 76 حديث 156.

(4) مكارم الأخلاق: 152، و عنه في البحار 63: 376 باب آداب الشرب، صحيح البخاري 7: 181 كتاب الطب، سنن ابن ماجة 2: 1159 كتاب الطب حديث 3504.

188

و منها: ما لا يدركه الطرف على ما اختاره الشيخ‏ (1) و جماعة (2)، استنادا إلى رواية علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام)(3)، و إن كان في دلالتها على ذلك نظر.

فائدة إطلاق الأصوليين يقتضي أنه لا فرق في جواز تخصيص العام بين أن يكون الحكم مؤكدا «بكل» و نحوها أم لا،

لوجود المقتضي.

و من فروعها: ما إذا قال: أنتنّ طوالق كلكنّ، أو أعتقتكم جميعكم، و نوى إخراج بعضهم، فإنه لا يقع على المخرج طلاق، و لا عتاق، على ما دل عليه الإطلاق.

فائدة: استنباط معنى من النص يزيد على ما دل عليه هو القياس المعروف.

و استنباط معنى يساويه هو العلة القاصرة، و لا يجوز أن يستنبط منه معنى يعلو على أصله بالبطلان.

فمن فروع المسألة الأخيرة: أن قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «في أربعين شاة شاة» (4) و نحوه، لا يجوز أن يقال فيه: المعنيّ في إيجاب الشاة إنما هو إغناء الفقير، و إغناؤه بالنقد أتم، و حينئذ فيجوز إخراج القيمة؛ لأن استنباط ذلك من وجوب الشاة يؤدي إلى عدم وجوبها، لجواز الانتقال إلى القيمة على هذا التقدير كذا قيل‏ (5).

____________

(1) الاستبصار 1: 23، المبسوط 1: 7.

(2) غاية المراد: 6.

(3) الكافي 3: 74، باب النوادر حديث 16، التهذيب 1: 412 حديث 1299، الاستبصار 1: 23 حديث 57، الوسائل 1: 112 أبواب الماء المطلق ب 8 ح 1.

(4) سنن ابن ماجة 1: 577 حديث 1805، سنن الترمذي 3: 17 حديث 621.

(5) التمهيد للأسنوي: 374.

189

و فيه نظر، لجواز رجوعه إلى الوجوب المخيّر، فلا يلزم ارتفاع الوجوب مطلقا.

و منها: التحريم بالرضاع، استنبطوا منه معنى، و هو وصول اللبن إلى الجوف، و عدّوه إلى ما لا يصدق عليه اسم الرضاع، كالاستعاط (1) و أكل الجبن المعمول من لبن المرأة.

و هذا عندنا فاسد، و إنما المعتبر صدق اسم الرضاعة، الّذي لا يتحقق إلا بالتقام الرضيع الثدي و شربه منه.

و منها: جواز الحط عن المكاتب بدلا عن الإيتاء المأمور به في قوله تعالى‏ وَ آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ‏ (2) قالوا: لأن المعنيّ في الإيتاء هو الرفق، و الرفق في الحطّ أكثر من تكليف إعطائه ثم ردّه عليه.

و هذا عندنا على سبيل الاستحباب إن لم يجب على المولى حق كالزكاة، و إلا وجب مع حاجة المكاتب إليه.

مسألة: اختلفوا في المقدار الّذي يشترط بقاؤه بعد تخصيص العام على أقوال:

أحدها- و إليه ذهب الأكثرون‏ (3)- أنه لا بد من بقاء جمع كثير، سواء كان العام جمعا كالرجال، أم غير جمع كمن و ما و أين، إلا أن يستعمل ذلك العام في الواحد تعظيما له، و إعلاما بأنه يجري مجرى الكثير كقوله‏ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ‏ (4).

____________

(1) استعط الدواء: أدخله في أنفه (أقرب الموارد 1: 517، لسان العرب 7: 314).

(2) النور: 33.

(3) كالرازي في المحصول 1: 399، و أبي الحسين في المعتمد 1: 236، و البيضاوي في المنهاج (نهاية السؤل) 2: 385.

(4) المرسلات: 23.

190

و اختلفوا في ذلك الكثير: ففسره ابن الحاجب: بأنه الّذي يقرب من مدلوله قبل التخصيص‏ (1). و مقتضى هذا أن يكون أكثر من النصف.

و فسّره البيضاوي: بأن يكون غير محصور (2).

و قيل: يجوز التخصيص إلى أن ينتهي إلى أقل المراتب التي يطلق عليها ذلك اللفظ المخصوص، مراعاة لمدلول الصيغة (3)، فعلى هذا يجوز التخصيص في الجمع- كالرجال و نحوه- إلى ثلاثة، لأنها أقل مراتبه على الصحيح. و في غير الجمع- كمن و ما- إلى الواحد، فيقول: من يكرمني أكرمه، و يريد به شخصا واحدا.

و قيل: يجوز إلى الواحد مطلقا، جمعا كان أم غيره‏ (4)، لقوله تعالى‏ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ‏ (5) و المراد به نعيم بن مسعود الأشجعي‏ (6).

و من فروع المسألة:

ما إذا قال: نسائي طوالق، ثم قال: كنت أخرجت ثلاثا، فعلى الأول لا يقبل، لأن اسم النساء لا يقع على الواحدة، و لو قال: عزلت واحدة بنيتي قبل.

و لو قال: عزلت اثنتين، فوجهان مرتبان.

و منها: ما إذا قال: و اللَّه لا أكلّم أحدا، و نوى زيدا؛ أو لا آكل طعاما، و نوى معينا. و ظاهر الأصحاب هنا قبوله مطلقا. و تقييد المطلق كتخصيص العام.

____________

(1) منتهى الوصول: 87.

(2) منهاج الأصول (نهاية السؤل) 2: 385، و (الابتهاج): 88.

(3) نقله عن القفال في المحصول 1: 399، و المعتمد 1: 236، و اختاره الغزالي في المستصفى 2: 91.

(4) كما في عدة الأصول: 149، تهذيب الأصول: 39، فواتح الرحموت 1: 306، و الإحكام لابن حزم 4: 429.

(5) آل عمران: 173.

(6) مجمع البيان 1: 541.

191

الفصل الثالث في المخصص‏

اعلم أنّ تخصيص العام و نحوه- كتقييد المطلق- قد يكون باللفظ، و قد يكون بغيره.

فغير اللفظ ثلاثة أشياء: النية، و العرف الشرعي، و العرف الاستعمالي، و يعبّر عنه بالقرينة.

فالتخصيص بالنية، كقوله: و اللَّه لا أكلّم أحدا، و ينوي زيدا؛ و العرف الشرعي، كقوله لا أصلي، فإنه محمول على الصلاة الشرعية خاصة؛ و العرف الاستعمالي، كقوله: لا آكل الرءوس، فإن العرف يخرج رءوس العصافير و نحوها.

و هل المعتبر نفس البلد الّذي ثبت فيه العرف، أم كون الحالف من أهله؟ وجهان.

و يتفرع على ذلك فروع:

منها: ما لو حلف: لا يسلّم على زيد، فسلّم على قوم هو فيهم، و استثناه بقلبه، فإنه لا يحنث على الصحيح، كما لو استثناه لفظا؛ بخلاف ما لو حلف: لا يدخل عليه، فدخل على قوم هو فيهم و استثناه، فإنه لا يتخصص على الأقوى.

و منها: لو قالت: لا طاقة لي على الجوع معك، فقال: إن جعت يوما في بيتي فأنت عليّ كظهر أمي، لم يقع الظهار بالجوع في أيام الصوم، للعرف.

و منها: إذا قال له في الصيف: اشتر لي ثلجا، فليس له شراؤه في الشتاء، للعرف أيضا.

و منها: ما لو قال لزوجته: إن علمت من أختي شيئا فلم تقوليه لي فأنت عليّ كظهر أمي، انصرف ذلك إلى ما يوجب ريبة و يوهم فاحشة، دون ما لا

192

يقصد العلم به كالأكل و الشرب.

و منها: لو حلف: لا يشرب الماء، حنث بالبحر المالح، لدخوله في عمومه أو إطلاقه؛ و من ثم جازت الطهارة به، نظرا إلى دخوله فيه؛ و هو يشكل على القاعدة من حيث العرف.

و منها: لو حلف: ليخدمنّه بالليل و النهار، لم يدخل في اليمين ما أخرجه العرف، من زمن الأكل و الشرب و نحوهما، و زمان الاستراحة و النوم المألوف.

و لو حلف: ليضربنّه الليل و النهار خرج ما ذكرناه، و كذلك الزمان الّذي يكون ألم الضرب فيه باقيا، لأنّ العرف يقتضي تخلّل فترات بين الأفعال.

و سيأتي لهذا المقام مزيد بحث‏ (1).

ثم المخصص أقسام:

القسم الأول: الاستثناء

و هو الإخراج ب «إلّا» التي ليست للصفة، أو بما كان نحو «إلّا» في الإخراج. و ضابط ما تكون للصفة: أن تكون تابعة لجمع منكور غير محصور، كقوله تعالى‏ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (2) و قال جماعة: لا يشترط فيها ذلك‏ (3). فعلى هذا إذا قلت: عليّ ألف إلّا مائة- برفع المائة- كان إقرارا بالألف.

و نبّه بقوله: ما كان نحو «إلّا» على خلاف ما ذكره بعضهم في تعريفه، من أنه الإخراج ب «إلّا» و أخواتها إلى آخره‏ (4).

____________

(1) قاعدة 76.

(2) الأنبياء: 22.

(3) نقله عن سيبويه في مغني اللبيب 1: 100.

(4) منتهى الوصول: 89.

193

و تظهر الفائدة في أمور:

منها: إذا قال: هذه الدار لزيد، و هذا البيت منها لي؛ أو: هذا الخاتم له، و فصّه لي؛ فإنه يقبل، لأنه إخراج بعض ما تناوله اللفظ، لكنه ليس ب «إلا» و أخواتها.

و منها: إذا قال: عليّ ألف أحط منها مائة، أو أستثنيه، و نحو ذلك، فمقتضى التعريف قبوله أيضا.

قاعدة «64» الاستثناء من العدد جائز، كما جزم به جماعة من الأصوليين‏ (1)

و لا فرق بين أن يكون من معيّن أم لا.

و من فروع القاعدة:

ما إذا قال مثلا: له عليّ عشرة إلا واحدا، فيلزمه تسعة.

و منها: ما إذا قال لنسوته الأربع: أربعتكنّ طوالق إلا فلانة، فإنه يقع الطلاق عليهنّ دونها.

و ذهب بعض الشافعية إلى عدم صحة هذا الاستثناء، لأن الأربع ليست صيغة عموم، و إنما هي اسم‏ (2).

و ردّ بأن مقتضى التعليل بطلان الاستثناء من الأعداد في الإقرار، و هو معلوم البطلان‏ (3).

____________

(1) فواتح الرحموت 1: 317، المعتمد 1: 204، المحصول 1: 377.

(2) نقله عن أبي بكر في كتاب الفروع 5: 407، و عن القاضي حسين و المتولي في التمهيد:

386.

(3) نقله عن الرافعي في التمهيد: 387.

194

و فرّق بعضهم بين ما لو قدّم المستثنى منه فقال: أربعتكنّ إلا فلانة طوالق؛ و بين ما لو أخّره، فصحح المتقدم دون المتأخر (1)، و هو تحكّم.

مسألة: اختلفوا في أنّ الاستثناء، هل هو إخراج قبل الحكم أو بعده؟

فإذا قال مثلا: له عليّ عشرة إلا ثلاثة. فالأكثرون على أنّ المراد بالعشرة سبعة، و «إلا» قرينة مثبتة لذلك كالتخصيص‏ (2).

و قال القاضي: عشرة إلّا ثلاثة، بإزاء سبعة، كاسمين مركب و مفرد (3).

و قيل: المراد بالعشرة مدلولها، ثم أخرجت منها ثلاثة، و أسندنا إليه بعد الإخراج، فلم يسند إلا إلى سبعة (4).

و قد تبيّن بما ذكرناه أنّ الاستثناء على قول القاضي ليس بتخصيص؛ و على رأي الأكثرين تخصيص، لأن اللفظ قد أطلق لبعضه إرادة و إسنادا؛ و على الأخير محتمل لكونه أريد الكل و أسند إلى البعض.

و من فروع المسألة:

ما ذكره بعضهم: أن الاستثناء من العدد يجوز مع تقديم الاستثناء عن المستثنى منه، و لا يجوز مع تأخيره، كقولنا: له عليّ عشرة إلا درهما. و علّله بأن صيغ الأعداد ليست صيغ عموم، و إنما هي أسماء الأعداد خاصة، فقوله: إلا كذا، رفع للحكم عنه بعد التنصيص عليه‏ (5).

قيل: و من فوائد الخلاف أيضا التقديم به عند التعارض، فإنا إذا

____________

(1) المغني و الشرح الكبير 8: 311، و نقله عن الترغيب في كتاب الفروع 5: 413.

(2) كما في مسلّم الثبوت (فواتح الرحموت) 1: 316.

(3) نقله عنه في فواتح الرحموت 1: 320، و منتهى الوصول: 89، و التمهيد: 388.

(4) فواتح الرحموت 1: 317، منتهى الوصول: 89.

(5) كتاب الفروع 5: 413، التمهيد للأسنوي: 388.

195

قلنا: إنّ الاستثناء بعد الحكم، فقد صار المستثنى منه يدل على إدخال ذلك الفرد، و لكن الاستثناء عارضة، فإذا عارض الاستثناء دليل آخر يقتضي إدخاله في المستثنى منه، قدمناهما عليه، لأن كثرة الأدلة من جملة المرجحات‏ (1).

قاعدة «65» يشترط اتصال المستثنى منه بالمستثنى الاتصال العادي عند جمهور الأصوليين و الفقهاء،

بأن لا يفصل بينهما بأجنبي، و لا سكوت طويل‏ (2) يخرج عن الاتصال عادة.

و من فروعها:

ما لو قال: له عليّ ألف- أستغفر اللَّه- إلا مائة، أو عليّ ألف- يا فلان- إلا مائة، فإن الأصح عدم سماع الاستثناء.

و أجازه بعض الشافعية فيهما، محتجا بأنه فصل يسير، فلم يؤثر (3).

و لو وقع هذا الفصل بين الشرط و المشروط كقوله: أنت عليّ كظهر أمي- استغفر اللَّه- إن دخلت الدار، فالوجهان حكما و تعليلا.

قاعدة «66» لا يجوز تقديم المستثنى في أول الكلام،

كقولك: إلا زيدا قام القوم، كحرف العطف، إذ معنى إلا زيدا: لا زيد.

____________

(1) التمهيد للأسنوي: 389.

(2) في «م» زيادة: بل.

(3) التمهيد: 389، نهاية المحتاج 6: 466.

196

و لو تقدمه حرف نفي فالمنع بحاله كقولك: ما إلا زيدا في الدار أحد. و أما قول الشاعر:

و بلدة ليس بها طوري‏* * * و لا خلا الجن بها الإنسي‏

[1] فشاذ، بخلاف ما لو كان النافي فعلا، فإنه يجوز، كقولك: ليس إلا زيدا فيها أحد؛ و كذلك لم يكن.

و يجوز توسط المستثنى بين المستثنى منه و المحكوم به و ما في معناه، كقولك: قام إلا زيدا القوم، و القوم إلا زيدا ذاهبون، و في الدار إلا عمرا أصحابك، و أين إلا زيدا قومك؟ و ضربت إلا زيدا القوم.

نعم، إذا تقدم على المستثنى منه و على العامل ففيه مذاهب، ثالثها: إن كان العامل متصرفا كقولك: القوم إلا زيدا جاءوا، جاز؛ أو غير متصرف نحو: الرّجال إلا عمرا في الدار، فلا يجوز.

إذا علمت ذلك فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال: له عليّ إلّا عشرة دنانير مائة دينار. فإن الاستثناء صحيح على الصحيح، و قيل: لا يصح‏ (1). و قس على ذلك ما شئت.

قاعدة «67» الاستثناء المنقطع- و هو الّذي لم يدخل في المستثنى منه- صحيح،

و هل إطلاق الاستثناء عليه إطلاق حقيقي أو مجازي؟ فيه مذهبان، أصحهما الثاني.

____________

[1] هذا البيت للعجاج، ذكر ذلك في خزانة الأدب 3: 311، و حاشية الجرجاني على شرح الكافية: 228، و أورده في شرح الكافية و قال: إنه شاذ عند البصريين، و قيل: تقديره ليس بها طوري، و لا بها إنسي، خلا الجن، فأضمر الحكم و المستثنى منه و «بها إنسي» تفسير له (شرح الكافية: 228). و معنى البيت: و بلدة ليس فيها أحد خلا الجن.

____________

(1) حكاه الرافعي كما في التمهيد: 391.

197

و على القول بأنه حقيقة فقيل: مشترك‏ (1)، و قيل: متواطئ‏ (2).

إذا تقرر ذلك: فلو قال المقرّ: عليّ ألف درهم إلا ثوبا، أو عبدا، أو غير ذلك، صحّ، و حمل اللفظ على المجاز. ثم عليه أن يبيّن ثوبا لا تستغرق قيمته الألف، فإن استغرقت ففيه كلام يأتي‏ (3).

و اعلم أنّ بعضهم فسّر المنقطع بكونه من غير جنس المستثنى‏ (4)، و هو فاسد كما نبّه عليه ابن مالك‏ (5) و غيره‏ (6)، لأن قول القائل: جاء بنوك إلا بني زيد، منقطع، مع أنه من جنس الأول.

قاعدة «68» إذا احتمل الاستثناء أن يكون متصلا، و أن يكون منقطعا،

فحمله على الاتصال أولى، لأنه حقيقة، و المنقطع مجاز، و اللفظ إنما يحمل على حقيقته مع إمكان حمله عليها.

لكن هذه القاعدة خولفت في باب الإقرار، كما إذا قال: له عليّ ألف إلا ثلاثة دراهم، فإن له تفسير الألف بما أراد بلا خلاف، و لا يكون تفسير المستثنى تفسيرا للمستثنى منه. و سببه‏ (7) قيام الاحتمال فيما خالف الأصل، إذ الأصل براءة الذّمّة مما زاد على ذلك.

____________

(1) الكافية (شرح الكافية): 224.

(2) حكاه في فواتح الرحموت 1: 316، و منتهى الوصول: 88.

(3) قاعدة 70.

(4) كابن حزم في الأحكام 4: 420.

(5) نقله عنه في التمهيد: 392.

(6) حاشية الصبان 2: 142.

(7) في «د»: و شبهه، و في «م»: و شبيه.

198

قاعدة «69» الاستثناء من الإثبات- كقولك: قام القوم إلا زيدا- يكون نفيا للقيام عن زيد بالاتفاق،

كما ادعاه جماعة، و إن اختلفوا في مدركه‏ (1).

و أما الاستثناء من النفي نحو: ما قام أحد إلا زيد، فالأكثر على أنه يكون إثباتا.

و قال أبو حنيفة: لا يكون إثباتا له، بل دليلا على إخراجه عن المحكوم عليهم. و حينئذ فلا يلزم منه الحكم بالقيام في المثال، أما من جهة اللفظ، فلأنه ليس فيه على هذا التقدير ما يدل على إثباته كما قلنا.

و أما من جهة المعنى، فلأن الأصل عدمه، بخلاف الاستثناء من الإثبات، فإنه يكون نفيا، لأنه لما كان مسكوتا عنه، و كان الأصل هو النفي، حكمنا به‏ (2).

فعلى هذا: لا فرق عنده في دلالة اللفظ بين الاستثناء من النفي، و الاستثناء من الإثبات.

و اختار الرازي في «المعالم» مذهب أبي حنيفة (3) و في «المحصول» مذهب غيره‏ (4).

إذا علمت ذلك فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال: له عليّ عشرة إلا خمسة، أو ماله عليّ شي‏ء إلا خمسة، فإنه‏

____________

(1) تهذيب الوصول: 41، حاشية التفتازاني على شرح المختصر 2: 143.

(2) نقله عن أبي حنيفة في المحصول 1: 411، و الإحكام 2: 330.

(3) نقله عنه في التمهيد: 393.

(4) المحصول 1: 411.

199

يلزمه خمسة فيهما على المشهور.

و منها: لو قال: ماله عشرة إلا خمسة، يلزمه أيضا خمسة.

و قيل: لا يلزمه شي‏ء هنا، لأن العشرة إلا خمسة مدلولها خمسة، فكأنه قال: ليس عليّ خمسة (1).

و سيأتي البحث فيه إن شاء اللَّه مستوفى في التفريع على القواعد العربية (2).

و منها: إذا قال: و اللَّه لا أعطيتك إلا درهما، أو لا آكل إلا هذا الرغيف، أو لا أطأ في السنة إلا مرة، و نحو ذلك، كقوله: لا أضرب، أو لا أسافر كذلك، فلم يفعل بالكلية، ففي حنثه وجهان، أحدهما: نعم، لاقتضاء اللفظ ذلك، و هو كون الاستثناء من النفي إثباتا، و الثاني: لا، لأن المقصود منع الزيادة، لا إثبات المذكور، فتجعل «إلا» بمعنى «غير» بدلالة العرف.

و منها: لو قال: و اللَّه ما لي إلا مائة درهم، و هو لا يملك إلا خمسين درهما، فإن نوى أنه لا يملك زيادة على مائة، صدق (و إن أطلق) (3) فالوجهان.

و منها: إذا قلنا: إن التحالف تكفي فيه يمين واحدة تجمع بين النفي و الإثبات، فأتى بهذه الصيغة، فقال: و اللَّه ما بعته إلا بكذا، فهل يكفي ذلك عنهما؟ فيه الوجهان. و مقتضى القاعدة الاكتفاء.

و منها: لو قال: لا لبست ثوبا إلا الكتان، فقعد عاريا، فقيل:

لا تلزمه كفارة (4).

____________

(1) نضد القواعد الفقهية: 398، التمهيد: 393.

(2) قاعدة 175.

(3) في «م»: و إلا.

(4) الفروق للقرافي 2: 93.

200

و رد بما تقدم‏ (1).

و جوابه: أن «إلا» في الحلف انتقلت عرفا إلى معنى الصفة، مثل «سوى» و «غير» فكأنه قال: لا لبست ثوبا غير الكتان، فلا يكون الكتان محلوفا عليه، فلا يضر تركه و لا لبسه.

قاعدة «70» الاستثناء المستغرق باطل اتفاقا،

على ما نقله جماعة، منهم الرازي‏ (2) و الآمدي‏ (3) و أتباعهما (4). و لإفضائه إلى اللغو.

و نقل القرافي عن المدخل لابن طلحة أن في صحته قولين‏ (5).

و نقل أبو حيان عن الفراء. أنه يجوز أن يكون أكثر و مثّل بقوله: عليّ ألف إلا ألفين، قال: إلا أنه يكون منقطعا (6).

و فروعه كثيرة في باب الإقرار لا تخفى، و منها في غيره إذا قال: كل امرأة لي طالق إلا عمرة، أو إلّا أنت، و لم يكن له غيرها، فإن الطلاق يقع عليها بمقتضى القاعدة، لبطلان الاستثناء، فيبقى الباقي.

و لو أتى ب «غير» أو نحوها ك «سوى» فقال: كل امرأة لي غيرك طالق، أو طالق غيرك، فالمتجه عدم وقوع الطلاق؛ لأن أصل «غير» الصفة. و يحتمل إلحاق «إلا» ب «غير» لأنها قد تقع صفة.

____________

(1) ص 199، و أورد هذا الرد في نضد القواعد الفقهية: 398.

(2) المحصول 1: 410.

(3) الإحكام في أصول الأحكام 2: 318.

(4) تهذيب الفروق 1: 118، منتهى الوصول: 91، الإبهاج 2: 90.

(5) شرح التنقيح: 244.

(6) كما في التمهيد: 395.

201

و قد اختلفوا فيما لو عطف بعض العدد على بعض، إما في المستثنى أو في المستثنى منه، هل يجمع بينهما (1) حتى يكون كالكلام الواحد، كقوله: له عليّ درهم و درهم إلا درهما؟

و قال ابن حداد من الشافعية: لا يجمع، لأن الجملتين المعطوفتين تفردان بالحكم، و إن لم تكن الواو للترتيب، كما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق و طالق، لا يقع إلا واحدة، بخلاف ما لو قال: أنت طالق طلقتين اثنتين، فإنهما تقعان عندهم.

و يتفرع على ذلك: له عليّ ثلاثة دراهم إلا درهمين و درهما، و كذا له عليّ درهمان و درهم إلا درهما، و له عليّ ثلاثة إلا درهما و درهما و درهما.

قاعدة «71» الاستثناء المجهول باطل، فيبطل في المبيعات و سائر العقود،

كقوله:

بعتك الصبرة إلا جزءا منها. و يجي‏ء في الإيقاعات، كقوله: عبيدي أحرار إلا واحدا، أو له نخلي إلا نخلة.

و لو قال: بعتك الصبرة إلا صاعا منها، و هي متفرقة، و أراد واحدا من المتفرقة، و لم يعينه بطل البيع. و كذا لو قال: بعتك صاعا من الصبرة متفرقة الأصناف.

و لو كانت مجتمعة و قال: بعتكها إلا صاعا منها، فإن كانت مجهولة الصيعان بطل البيع، لعدم معرفة قدر المبيع. و كذا لو قال: بعتك صاعا منها، إن نزّلناه على الإشاعة، و إلا صحّ إذا علم اشتمالها عليه.

____________

(1) في «م»، «ح»: منها.

202

و لو كانت معلومة، و استثنى منها عددا معينا صحّ قطعا. و اختلف في تنزيله، فقيل: هو بمثابة جزء من الجملة كالربع و العشر. فلو كانت الصبرة أربعة أصواع فالمبيع ربع، و على هذا حتى إذا تلف منها شي‏ء يسقط بالحساب‏ (1) و قيل: بل المبيع جزء شائع منها مقدّر، فلو لم يبق إلا صاع بقي المبيع فيه، و عليه دلّ خبر بريد بن معاوية عن الصادق (عليه السلام) [1].

قاعدة «72» إذا لم يكن الاستثناء مستغرقا، جاز على الصحيح عند الأكثر، مساويا كان المخرج أم أكثر (2).

و قيل: لا يجوز استثناء الأكثر (3).

قيل: و لا المساوي أيضا (4).

____________

[1] بريد بن معاوية عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام): في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن قصب في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة و الأنبار فيه ثلاثون ألف طن، فقال البائع: قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن، فقال المشتري: قد قبلت و اشتريت و رضيت، و أعطاه من ثمنه ألف درهم، و وكل المشتري من يقبضه؛ فأصبحوا و قد وقع النار في القصب، فاحترق منه عشرون ألف طن، و بقي عشرة آلاف طن، فقال: «العشرة آلاف طن التي بقيت هي للمشتري، و العشرون التي احترقت من مال البائع» التهذيب 7: 126 حديث 549، الوسائل 12: 272 أبواب عقد البيع ب 19 حديث 1.

____________

(1) المغني لابن قدامة 4: 213.

(2) المبسوط للشيخ الطوسي 5: 60، معارج الأصول: 95، تهذيب الوصول: 40، منتهى الوصول: 91، المحصول 1: 410، الإحكام للآمدي 2: 318.

(3) نقله عن القاضي في المحصول 1: 410، و المستصفى 2: 171، و نقله عن الحنابلة في فواتح الرحموت 1: 324، و نقله عن ابن درستويه من أهل العربية في المبسوط 5: 60.

(4) نقله عن القاضي في المحصول 1: 410.

203

و تفاريع الإقرار عليها واضحة، كما إذا قال: له عليّ عشرة إلا تسعة، و له هذه الدار إلا الثلثين منها.

و لو تعدد الاستثناء، و لم يستغرق التالي لمتلوّه، و لا عطف عليه، رجع كل تال إلى متلوّه.

و عليه و على ما سبق من قاعدة النفي و الإثبات يتفرع: ما لو قال: له عليّ عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلى‏ (1) الواحد، فإنه يكون إقرارا بخمسة.

و لو أنه لما وصل إلى الواحد قال إلا اثنين إلا ثلاثة إلى‏ (2) التسعة، فالإقرار بواحد. و تحريره يظهر من القواعد.

و ضابطه: أنّ تجمع الأعداد المثبتة و هي الأزواج على حدة، و المنفيّة و هي الأفراد على حدة، و تسقطها منها، فالإقرار بالباقي، فهي في الأول ثلاثون و خمسة و عشرون، و في الثاني خمسون و تسعة و أربعون.

و قس عليه ما يرد عليك في هذا الباب، كما لو بدأ بالمنفي، أو لم يصل إلى الواحد. كذا أطلقه جماعة (3)، و في بعض فروعه بحث.

و منها: ما لو قال المريض: أعطوه ثلث مالي إلا كثيرا منه، جاز إعطاؤه أقل متموّل. و لو قال: إلا شيئا، فكذلك.

قيل: و كذا لو قال: إلا قليلا (4)، و فيه نظر.

____________

(1) في «م»: إلا.

(2) في «م»: إلا.

(3) كما في المحصول 1: 412، و المبسوط للشيخ 5: 60.

(4) التمهيد للأسنوي: 397.

204

قاعدة «73» الاستثناءات المتعددة إذا لم تتعاطف، و كان الثاني مستغرقا لما قبله،

أما بالتساوي كقوله: له عشرة إلا ثلاثة، و كرر اللفظ الأخير، و هو استثناء الثلاثة؛ و إما بالزيادة كقوله: عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة، فإنها لا تبطل، بل تعود (1) جميعها إلى المستثنى منه، حملا للكلام على الصحة. كذا جزم به في «المحصول» (2) و تبعه جماعة (3).

و في المساوي قول آخر: [و هو] أنّ الثاني يكون توكيدا (4).

و ثالث: و هو أنه يلزمه في المثال عشرة، لأن الاستثناء من النفي إثبات‏ (5) و هما نادران.

و لو تعاطفت رجعت جميعا إلى المستثنى منه، ما لم تستغرقه، فيبطل ما حصل به الاستغراق خاصة، كما لو قال: له عشرة إلا خمسة و إلا ستة، فيكون إقرارا بخمسة. و كذا لو قال ثانيا: و إلا خمسة. و لو قال: و إلا أربعة، فواحد، و هكذا.

و كذا يبطل ما حصل به الاستغراق لو لم تتعاطف، و لكن كان بعضها مستغرقا لبعض، كقوله: له عشرة إلا خمسة إلا خمسة، فيصح الأول خاصة، و يلزمه خمسة.

____________

(1) في «د»، «م»: بل يقع‏

(2) المحصول 1: 412

(3) تهذيب الوصول: 41، جامع المقاصد 1: 554، منهاج الأصول (نهاية السؤل) 2: 429.

(4) حكاه عن الرافعي في التمهيد: 397.

(5) حكاه عن الرافعي في التمهيد: 398.

205

قاعدة «74» الاستثناء عقيب الجمل المعطوف بعضها على بعض يعود إلى الجميع، ما لم تقم قرينة على إخراج البعض.

و قال أبو حنيفة: يعود إلى الأخيرة خاصة (1)، و اختاره الرازي في المعالم‏ (2). و قال جماعة من المعتزلة منهم القاضي و أبو الحسين: إن تبيّن الإضراب عن الأولى فللأخيرة، و إلا فللجميع‏ (3). و هو في معنى ما ذكرناه من القرينة.

و قال المرتضى بالاشتراك، لوروده لهما (4). و توقف الغزالي و جماعة (5).

و وافق الحنفية على عود الشرط و الاستثناء بالمشيئة (6) إلى الجميع، و كذلك الحال و الصفة بمعناه، و التقييد بالغاية كالتقييد بالصفة، صرح به في المحصول‏ (7). و شرط الجويني في عوده إلى الجميع شرطين، أحدهما: أن يكون العطف بالواو، فلو كان ب «ثم» اختص بالجملة الأخيرة.

و الثاني: أن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، فإن تخلّل كما لو قال في صيغة الوقف: [وقفت‏] (8) على أولادي، على أنّ من مات منهم و أعقب‏

____________

(1) أصول السرخسي 2: 44، و نقله عنه في المحصول 1: 413.

(2) نقله عنه في التمهيد: 398.

(3) نقله عن قاضي القضاة، و اختاره أبو الحسين في المعتمد 1: 246.

(4) الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 249.

(5) المستصفى 2: 177.

(6) المراد بالمشيئة: هي مشيئة اللَّه سبحانه و تعالى، و هي قول: إن شاء اللَّه.

(7) المحصول 1: 420.

(8) أثبتناه لاستقامة العبارة.

206

فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين، و إن لم يعقب فنصيبه للذين في درجته؛ فإذا انقرضوا فهو مصروف إلى إخوتي، إلا أن يفسق أحدهم. فالاستثناء يختص بإخوته.

و التعبير ب «الجمل» مبني على الغالب، و إلا فلا فرق بينها و بين المفردات.

إذا تقرر ذلك فلا يخفى ما يتفرع على القاعدة في باب الأقارير، كقوله:

عليّ عشرة و خمسة و ثلاثة إلا درهمين.

و تظهر الفائدة فيما لو استغرق الاستثناء ما قبله دون الجميع.

و منها: ما لو قال: عليّ ألف درهم و مائة دينار إلا خمسين، فإن أراد بالخمسين جنسا غير الدراهم و الدنانير، قبل منه. و كذا إن أراد عوده إلى الجنسين معا أو إلى أحدهما. و إن لم يبيّن عاد إليهما معا، أو إلى الأخير على الخلاف.

و على تقدير عوده إليهما، فهل يعود إلى كل منهما جميع الاستثناء، فيسقط خمسون دينارا و خمسون درهما، أو يعود إليهما نصفين، فيسقط خمسة و عشرون من كل جنس؟ وجهان.

القسم الثاني الشرط

إذ قيّد به أحد المتعاطفين، فمقتضى كلام جماعة أنه يعود إليهما اتفاقا (1)، و لكن في المحصول بعد أن قال: «إن الحنفية قد وافقونا على عود الشرط إلى الجميع» نقل في الكلام على التخصيص بالشرط عن بعض الأدباء أنّ الشرط يختص بالجملة التي تليه، فإن تقدم اختص بالأولى، و إن تأخر اختص بالثانية، ثم قال: و المختار الوقف، كما في الاستثناء (2). و ابن الحاجب‏

____________

(1) منهاج الوصول (نهاية السؤل) 2: 430.

(2) المحصول 1: 424.