تمهيد القواعد

- الشهيد الثاني المزيد...
648 /
207

سوّى بينه و بين الاستثناء (1). و التفريع عليه واضح.

القسم الثالث: الصفة

و إذا تعقّبت الجمل عادت إلى الجميع كالشرط.

و من فروع ذلك: ما إذا قال: وقفت على أولادي و أولاد أولادي المحتاجين، فتكون الحاجة شرطا في الجميع.

و كذا لو تقدمت الصفة عليهما كقوله: على المحتاجين من كذا و كذا.

و هذا مقتضى إطلاق الجماعة. و شرط إمام الحرمين فيه الشرطين السابقين في الاستثناء (2).

القسم الرابع: الغاية

و هي بعد الجمل كالتقييد بالصفة، كقوله: وقفت على أولادي و أولاد أولادي إلى أن يستغنوا.

القسم الخامس: التقييد بالحال‏

و هو كذلك أيضا، و سيأتي البحث فيه إن شاء اللَّه مستقصى في القواعد العربية (3).

و من فروعه: ما إذا نذر أن يحج ماشيا، فيلزمه المشي حالة الدخول في أفعال الحج و التلبّس به إلى أن يكمله، و ذلك من حين الإحرام إلى حين الفراغ منه. هذا هو المفهوم من جعله المشي وصفا للحج. و يحتمل في جانب الأخير

____________

(1) منتهى الوصول: 94.

(2) نقله عنه في التمهيد: 398.

(3) قاعدة: 179.

208

انقطاعه بالتحلّل التام، نظرا إلى زوال صورة الحج، كالتحلّل من الصلاة.

و هذا هو الّذي أطلقه الأصحاب و غيرهم، فيكون آخره طواف النساء.

و أما أوله، فقد ذهب جماعة من الأصحاب إلى وجوب المشي من بلده.

و هو خارج عن حقيقة الوصف المختص بالحج، إلا أن يدل عليه العرف المقدّم على اللغة.

القسم السادس: التمييز

و هو كالصفة أيضا في عوده إلى الجميع.

و من فروعه: إذا قال مثلا: له عليّ خمسة و عشرون درهما، فالجميع دراهم. و كذا لو ضمّ إلى ما ذكر لفظ المائة، فقال: مائة و خمسة و عشرون درهما، أو ضم لفظ الألف إلى ذلك كله. و مثله ألف و ثلاثة أثواب، بخلاف ألف و درهم، و ألف و ثوب.

و يحتمل في الجميع كون الأول باقيا على إبهامه؛ و كذا ما قبل الأخير؛ خصوصا إذا لم يصلح المميّز للسابق، كمائة و عشرون درهما، فإن مميز المائة مجرور و العشرين منصوب، إلا أن العرف مساعد على انصرافه إلى الجميع في هذه الأمثلة.

القسم السابع و الثامن: ظرف الزمان و المكان‏

كقوله: أكرم زيدا اليوم، أو في مكان كذا و عمرا (1) فهل يكون القيد راجعا إلى المعطوف أيضا؟ توقّف فيه ابن الحاجب في مختصره‏ (2).

____________

(1) في «م»: أو عمراً.

(2) منتهى الوصول: 94.

209

و ذكر البيضاوي الاتفاق على عوده إليه‏ (1).

و يمكن الفرق بين أن يتأخر الظرف عن المعطوف عليه، كما في هذا المثال، و بين أن يتقدم كقولنا: أكرم اليوم زيدا و عمرا، فيعود إليهما هاهنا قطعا.

و لو قلنا بالرجوع إليهما فاختلف المعنى، كقوله: طلّق زوجتي اليوم و أعتق عبدي، أو كان المعنى واحدا، لكن أعيد العامل، نحو: أكرم زيدا اليوم و أكرم عمرا، ففي الرجوع إليهما أيضا نظر.

إذا علمت ذلك فمن فروع المسألة ما إذا قال: طلّق هندا اليوم و زينب، و نحو ذلك من التصرفات بالبيع و الشراء و الوقف و غيرها.

قاعدة «75» الخاصّ إذا عارض العام يؤخذ بالخاص، متقدما كان أم متأخرا؛

لأن إعمال الدليلين و لو من وجه أولى من إلغاء أحدهما. هذا مختار الأكثر.

و على هذا لا يحتاج إلى البحث عن تاريخ الخبرين.

و قال أبو حنيفة: يكون المتأخر ناسخا للمتقدم‏ (2).

و يشكل حينئذ مع جهل التأريخ، لتردده بين النسخ و التخصيص. فمن ثم تردد أبو حنيفة هنا (3).

و من فروعه:

قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «خلق اللَّه الماء طهورا لا ينجّسه شي‏ء، إلا ما غيّر لونه أو طعمه‏

____________

(1) منهاج الوصول (الابتهاج): 96.

(2) المستصفى 1: 302، المحصول 1: 442، أصول السرخسي 1: 133.

(3) المحصول 1: 444.

210

أو ريحه» (1) و قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «إذا بلغ الماء كرّا أو قلّتين لم ينجّسه شي‏ء» (2) فإن تاريخهما مجهول، فلا يعلم التخصيص. فمنهم من أعمل العام فلم ينجس القليل بالملاقاة (3)، و الجمهور على التخصيص و اشتراط عدم الانفعال ببلوغ الكرية، جمعا بين الدليلين.

و منها: ما إذا قال لوكيله: لا تطلّق زوجتي زينب، ثم قال له بعد ذلك:

طلّق زوجاتي. و مقتضى القاعدة أنه لا يطلّق زينب.

و هكذا في الوصية لو قال: أوصيت بهذه العين لزيد، ثم قال: أوصيت بما في هذا البيت لعمرو، و كانت تلك العين فيه.

فلو عمّم، ثم خصّص بعضهنّ بالإخراج، ثم بعد ذلك عمّم أيضا، ففيه نظر. و المتّجه الدخول، لأنا لو خصصنا العام المتأخر للزم التأكيد، و التأسيس خير منه.

و منها: عدم وجوب قضاء العيدين و أيام التشريق و رمضان، إن قلنا بعدم دخوله في النذر على من نذر صوم سنة معيّنة، لقيام الدليل المقتضي للتخصيص. و الأقوى دخول رمضان في النذر، بناء على جواز نذر الواجب.

و منها: لو لزمه صوم شهرين متتابعين عن كفارة قتل أو ظهار أو جماع في رمضان، و نذر صوم الأثانين (دائما) (4) قدّم صوم الكفارة على الأثانين، لإمكان قضاء الأثانين‏ (5).

____________

(1) السرائر 1: 64، المعتبر 1: 40، الوسائل 1: 101 أبواب الماء المطلق باب 1 حديث 8.

(2) سنن الترمذي 1: 46، سنن النسائي 1: 175 باب التوقيت في الماء، مختصر سنن أبي داود 1: 56 باب ما ينجس الماء حديث 58.

(3) نقله عن ابن أبي عقيل في ذكري الشيعة: 9.

(4) في «د»، «م»: و إنما.

(5) الاثنين لا يثنى و لا يجمع، فإن أردت جمعه قدرت أنه مفرد و جمعته على أثانين- المصباح المنير: 86. (ثني)

211

و لو عكس اتجه تقديم النذر، و عدم انقطاع التتابع به كأيام الحيض، إن لم نجوّز تأخير الكفارة عن زمان النذر، حيث يكون مقيدا بزمان‏ (1) و إلا ففي جواز تعجيلها نظر، من القدرة على المتابعة بالتأخير؛ و عدم الوثوق بالبقاء، و حصول المشقة بالتأخير كما لا يجب التأخير على الحائض إلى زمان اليأس. و يمكن الفرق بين المدة الطويلة و القصيرة كالسنة و نحوها.

قاعدة «76» تخصيص العموم بالعرف جائز، و كذا بالعادة، و الشرع، و شاهد الحال.

أما الأول‏

، فله صورتان:

إحداهما: أن يكون قد غلب استعمال الاسم العام في بعض أفراده، حتى صار حقيقة عرفية، فهذا يخصّ به العموم بغير خلاف، كما لو حلف:

لا يأكل شواء، اختصت يمينه باللحم المشوي، دون البيض و غيره مما يشوى.

و كذلك لو حلف، على لفظ الدّابّة و السقف و السراج و الوتد، لا يتناول إلا ما يسمى في العرف كذلك، دون الآدمي و السماء و الشمس و الجبل، فإن هذه التسمية فيها هجرت حتى صارت مجازا.

الصورة الثانية: أن لا يكون كذلك، و هو نوعان، أحدهما: ما لا يطلق عليه الاسم العام إلا مقيدا به، و لا يفرد بحال، فهذا لا يدخل في العموم بغير إشكال، كخيارشنبر شنبر، و تمر هندي، لا يدخلان في مطلق التمر و الخيار، كما لا يدخل ماء الورد في الماء المطلق.

____________

(1) في «د»، «م»: بزمانه. و العبارة لا تخلو من غموض و لعل الصحيح هو: حيث تكون مقيدة بزمانه.

212

و الثاني: ما يطلق عليه الاسم العام، لكن الأكثر أن لا يذكر معه إلا بقيد أو قرينة، و لا يكاد يفهم عند الإطلاق دخوله فيه، و فيه وجهان.

و يتفرع عليهما مسائل:

منها: لو حلف أن لا يأكل الرءوس، فإنه ينصرف إلى الغالب من رءوس النعم؛ و في رءوس الطير و الجراد و السمك وجهان، أجودهما عدم الدخول.

و منها: لو حلف لا يأكل البيض، ففي حنثه ببيض السمك و نحوه الوجهان.

و منها: لو حلف لا يأكل اللحم، ففي الحنث بلحم السمك الوجهان أيضا.

و منها: لو حلف لا يدخل بيتا، فدخل مسجدا أو حمّاما، ففي الحنث الوجهان.

و منها: لو حلف لا يأكل لحم بقر، ففي اختصاصه بالأهلي أو عمومه للوحشي الوجهان.

و منها: لو حلف لا يتكلّم، فقرأ أو سبّح، ففي الحنث وجهان مرتبان، و الأولى العدم.

و أما تخصيصه بالعادة فيتحرّر بمسائل:

منها: لو استأجر أجيرا يعمل له مدة معيّنة، حمل على ما جرت العادة بالعمل فيه من الزمان، دون غيره، بغير خلاف.

و منها: لو حلف لا يأكل من هذه الشجرة، اختصت يمينه بما يؤكل منها عادة، و هو الثمر، دون ما لا يؤكل عادة، كالورق و الخشب و إن جاز أكله.

و منها: لو وقف على بعض أولاده (و) (1) سمّاهم، ثم على أولاد

____________

(1) ليس في «د».

213

أولاده، فهل يختصّ البطن الثاني بأولاد المسمين، أم يشمل جميع ولده؟ ربما دلت العادة على الأول، لأنها عطية واحدة، يظهر منها عادة تخصيص ولد من وقف عليهم؛ و يمكن رجوع هذه المسألة إلى القاعدة السابقة. و لو حصل الشك في دلالة العادة على ذلك، فلا معارض لعموم اللفظ.

و أما تخصيصه بالشرع فيظهر في مسائل:

منها: إذا نذر صوم الدهر، لم يدخل في ذلك ما يحرم صومه من أيام السنة، كالعيد و أيام التشريق، و لا ما يجب كرمضان على القول بعدم انعقاد نذر الواجب، و الأقوى انعقاده فيدخل.

و تظهر الفائدة في زيادة الباعث على الفعل، و تعدّد الكفّارة بإفساده، من جهة النذر و كونه من شهر رمضان.

و منها: لو حلف لا يأكل لحما، لم يتناول يمينه اللحم المحرم، و يمكن رجوع هذا إلى ما سبق.

و أما تخصيصه بشاهد الحال:

فيظهر فيما لو أذن مالك العقار المغصوب في الصلاة فيه على العموم أو مطلقا، فإن الغاصب لا يدخل، لشهادة الحال بأن المالك إنما يريد الانتقام من الغاصب و المؤاخذة له، لا الإذن له. و قد نصّ الأصحاب على عدم دخوله في إطلاق الإذن و عمومه.

و منها: ما لو أوصى أو وقف على الفقراء، فإنه ينصرف إلى فقراء ملّة الموصي و الواقف، لا جميع الفقراء، و إن كان جمعا معرفا مفيدا للعموم؛ و المخصّص أيضا شاهد الحال الدال على عدم إرادة فقراء غير ملّته.

214

قاعدة «77» النية: تعمم الخاصّ، و تخصّص العامّ، و تقيّد المطلق.

فهنا أقسام:

الأول: تعميم الخاصّ‏

، و له صور:

منها: لو قال: إن رأيتك تدخلين هذه الدار فأنت عليّ كظهر أمي، فإن أراد أن لا تدخلها بالكلية، فدخلت و لم يرها، وقع الظهار؛ و إن كان نوى إذا رآها، لم يحنث حتى يراها تدخلها.

و منها: لو حلف لا يدخل هذا البيت، و يريد هجران قوم، فدخل عليهم بيتا آخر، حنث، على ما ذكره بعضهم‏ (1).

و منها: لو حلف لا يشرب له ماء، و نوى الامتناع من جميع ماله حنث بتناول كل ما يملكه. و مثله لو حلف لا يشرب له ماء من عطش.

و منها: لو حلف أن لا يضربه، و نوى أن لا يؤلمه، حنث بكل ما يؤلمه من خنق و عض و غيرهما على مقتضى القاعدة.

و منها: لو حلفت المرأة أن لا تخرج في تهنئة و لا تعزية، و نوت أن لا تخرج أصلا، حنثت بخروجها لغيرهما على الظاهر.

و أما القسم الثاني:

فهو كثير جدا.

فمن مسائله: أن يقول: نسائي طوالق، و يستثني بقلبه واحدة. أو يحلف لا يسلّم على زيد، فسلّم على جماعة هو فيهم و استثناه بقلبه، بخلاف ما لو حلف على الدخول عليه، فدخل على قوم هو فيهم و استثناه.

و الفرق: أن السلام المنسوب إلى الجماعة عامّ، فيدخله التخصيص،

____________

(1) المغني لابن قدامة 11: 283.

215

و مثله قوله لجماعة: بعتكم، فإنه بمنزلة عقود متعددة. و من ثم جاز للشفيع الأخذ من بعضهم دون بعض، بخلاف الدخول، فإنه فعل واحد في نفسه، فلا يقبل التخصيص.

و بهذا يظهر ضعف قول الشيخ [1] بجواز تخصيصه بالنية كالقول، استنادا إلى أن النية مؤثرة في الأفعال، لاعتبارها في العبادات، و معظمها أفعال، فتكون مؤثرة هنا، و هذا خلاف المتنازع؛ و لانتظام:

سلّم على العلماء إلا على قوم منهم، دون: دخل عليهم إلا على قوم منهم.

و ما قيل: من أنّ الباعث على الدخول يكون هو المشخّص، قد عرفت فساده، فإن الواحد لا يقبل التخصيص، و إن تخصّص الباعث، و النزاع في الأول، لا في الثاني.

و منها: إن لبست الثوب الفلاني فأنت عليّ كظهر أمي، و نوى به وقتا مخصوصا، فإنه يختص به، و يقبل قوله في نية ذلك، و يدين مع اللَّه بنيته.

و منها: إذا نذر الصدقة بماله و نوى في نفسه قدرا معينا، اختصّ بما نواه و من المطلق ما إذا قال: زوّجتك بنتي، و له بنات، و نوى واحدة معينة مع علم الزوج بالحال و تفويضه التعيين إليه.

____________

[1] المبسوط 6: 226، قال: إذا حلف لا دخل على زيد بيتا، فدخل على عمر بيتا و زيد في ذلك البيت. فإن علمه هناك و استثناه بقلبه، فدخله معتقدا أنه داخل على عمرو دون زيد فهل يحنث أم لا؟ مبنية على أصل، و هو إذا حلف لا كلم زيدا فسلم على قوم فيهم زيد و استثناه بقلبه و اعتقد أن السلام عليهم دونه فهل يصح هذا الاستثناء فلا يحنث قال قوم: يصح، و هو الأقوى عندي.

216

قاعدة «78» إذا ورد دليل بلفظ عام مستقل بنفسه [1] و لكن على سبب خاص،

كقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «الخراج بالضمان» حين سئل عمن اشترى عبدا فاستعمله، ثم وجد به عيبا فرده، هل يغرم أجرته‏ (1)؟

و كقوله (صلى اللَّه عليه و آله) و قد سئل عن بئر بضاعة: «خلق اللَّه الماء طهورا لا ينجسه شي‏ء» (2) إلى آخره.

فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، عند أكثر المحققين‏ (3)، لأنه لا منافاة بين ذكر السبب و العموم.

و ذهب بعضهم إلى أنّ العبرة بخصوص السبب‏ (4)، لأنه لو لم يكن‏

____________

[1] الخطاب الّذي يرد جوابا على سؤال سائل إما أن لا يكون مستقلا بنفسه أو يكون و الأول على قسمين، لأن عدم استقلاله إما أن يكون لأمر يرجع إليه كقوله (صلى اللَّه عليه و آله) و قد سئل عن بيع الرطب بالتمر: أ ينقص إذا جف؟ قالوا نعم، قال: فلا إذن. و إما أن يكون لأمر يرجع إلى العادة كقوله: و اللَّه لا آكل، في جواب من يقول: كل عندي، لأن هذا الجواب مستقل بنفسه، غير أن العرف اقتضى عدم استقلاله حتى صار مفتقرا إلى السبب الّذي خرج عليه، و القسم الثاني على ثلاثة أنواع، لأن الجواب إما أن يكون أخص أو مساويا أو أعم، و الأعم إما أن يكون مما سئل عنه كقوله (صلى اللَّه عليه و آله) لما سئل عن بئر بضاعة. المحصول 1: 447.

____________

(1) سنن ابن ماجة 2: 754 باب الخراج بالضمان حديث 2243، مختصر سنن أبي داود 5: 158 حديث 3365.

(2) سنن ابن ماجة 1: 174 باب بئر بضاعة، سنن النسائي 1: 174 باب ذكر بئر بضاعة، مختصر سنن أبي داود 1: 73 حديث 61.

(3) التلويح في كشف حقائق التنقيح: 121، الذريعة 1: 308، المحصول 1: 448.

(4) الرسالة للشافعي: 556، و نقله عنه في منتهى الوصول: 79، و نقله عن مالك و أبو ثور و المزني في نهاية السؤل 2: 477.

217

مخصّصا لم يكن لذكره فائدة.

و أجيب: بأن معرفة السبب من الفوائد (1).

إذا تقرر ذلك، فمن فروعها:

أنّ العرايا (2) هل تختصّ بالفقراء أم لا؟ فإن اللفظ الوارد في جوازه عام‏ (3) و قد قالوا: إنه ورد على سبب، و هو الحاجة إلى شرائه، و ليس عندهم ما يشترون به إلا التمر (4)، فذهب بعض العامة إلى اختصاصه بالفقراء لذلك‏ (5).

و هو ضعيف، و السبب مشكوك فيه.

و منها: إذا دعي إلى موضع فيه منكر، فحلف أن لا يحضر في ذلك الموضع؛ فإن اليمين يستمر و إن رفع المنكر، بناء على القاعدة.

و منها: إذا سلّم على جماعة و فيهم رئيس هو المقصود بالسلام، فهل يكفي رد غيره؟ وجهان. و يمكن إخراج هذا الفرد من القاعدة، نظرا إلى دلالة القرينة على تخصيص هذا العام بالنية، و السلام يقبل التخصيص.

قاعدة «79» إذا كان السبب عاما، و اللفظ خاصا، فالعبرة أيضا باللفظ، كما تقرر.

____________

(1) التلويح في كشف حقائق التنقيح: 121، منتهى الوصول: 79، التمهيد للأسنوي: 411.

(2) العرايا و هي أن تخرص نخلات بأن رطبها إذا جفّ يكون ثلاثة أوسق مثلا فيبيعه بثلاثة أوسق من التمر.

(3) أخرج في صحيح البخاري ج 3 ص 96- 98 عن زيد بن ثابت: أن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) رخص في بيع العرايا بخرصها.

(4) المغني و الشرح الكبير 4: 153، 186، و نقله عن الخطابي في شرح الكرماني 9: 48.

(5) حكاه عن الشافعي في أحد قوليه في المغني 4: 153.

218

و من فروعها:

ما إذا حلف لا يشرب له ماء من عطش، فإنه لا يحنث بالأكل و الشرب من غير عطش. و إن كانت المنازعة بينهما و المنافرة تقتضي العموم، لأن اللفظ لا يحتمله.

قيل: و كذا إن نوى العموم، لعدم صلاحية اللفظ له‏ (1). و فيه نظر، فإن ذلك من المجازات المشتهرة، بأن يطلق البعض و يريد الكل، أو يطلق الخاصّ و يريد العام. فالمتجه الحمل على ما نواه، و قد تقدم في بابه‏ (2).

مسألة: الراوي لحديث عام إذا فعل فعلا يقتضي تخصيص العموم الّذي رواه،

أو أفتى بما يقتضي ذلك، فهل يؤخذ به، لكونه قد اطّلع على الحديث فلو لم يخالفه لدليل و إلا كان قدحا فيه؛ أو لا يؤخذ بذلك، لأنه ربما خالف لما ظنه دليلا و ليس بدليل؟ فيه مذهبان. و صحّح أكثر المحققين الثاني.

و فرّع عليه العامة: قتل المرأة إذا ارتدت، فإن قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «من بدّل دينه فاقتلوه» (3) يقتضي بعمومه قتلها، لكن راويه هو ابن عباس، و مذهبه أنّ المرتدة لا تقتل، بل تحبس‏ (4)، و هو قول أصحابنا و أبي حنيفة (5). و ذهب الشافعي إلى وجوب قتلها لما تقدم‏ (6). و هذا البحث عندنا ساقط، لأن المخصّص‏

____________

(1) التمهيد للأسنوي: 412.

(2) قاعدة 22.

(3) صحيح البخاري 9: 19 كتاب الاستتابة، سنن ابن ماجة 2: 848. باب المرتد عن دينه حديث 2535، سنن النسائي 7: 104 باب الحكم في المرتد.

(4) الأم 5: 167.

(5) المبسوط 8: 282، السرائر 2: 707، قواعد الأحكام: 275.

(6) الأم: 6: 159.

219

عندنا من الأخبار موجود (1).

قاعدة «80» المخصّص بشي‏ء معيّن حجة في الباقي عند المحققين، لأن كونه حجة في بعض موارده لا يتوقف على كونه حجة في البعض الآخر،

و إلا دار أو ترجح بغير مرجح، و لأن أكثر العمومات أو جميعها كذلك.

و أما إذا خرج عنه فرد غير معيّن، فلا يجوز العمل بذلك العام في شي‏ء من الأفراد، و لا الاستدلال به عليه بلا خلاف، كما نقله جماعة، منهم الآمدي‏ (2)، لأنه ما من فرد إلا و يجوز أن يكون هو المخرج.

مثاله: قوله تعالى‏ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ‏ (3) و ربما نقل بعضهم القول بأنه يعمل به إلى أن يبقى واحد (4).

إذا علمت ذلك: فمن فروع القاعدة:

الاستثناء، فإنه من جملة المخصصات، و مع ذلك لو قال: أعتق هؤلاء إلا واحدا، صحّ، بل لو قال: له عليّ درهم إلّا شيئا، فإنه يصحّ، مع أنه مبهم من كل وجه، ثم يفسّر الشي‏ء بما أراده.

و منها: ما إذا وكّل شخصا في إعتاق عبيده مثلا، ثم قال: منعتك من‏

____________

(1) التهذيب 10: 143 حديث 556، الفقيه 3: 150 حديث 3548، الوسائل 18: 549 أبواب حد المرتد باب 4 حديث 1.

(2) الإحكام في أصول الأحكام 2: 253.

(3) الحج: 30.

(4) الإبهاج في شرح المنهاج: 138، حكاه ابن برهان كما في التمهيد: 414، و اختاره في أصول السرخسي 1: 144.

220

إعتاق واحد منهم، فمقتضى القاعدة امتناع عتق الجميع، إلا أن يقوم دليل على إرادة المنع من التعميم، فلا كلام فيه.

و منها: ما إذا قال: عليّ عشرة إلا خمسة أو ستة بلفظ «أو» فقد قال بعضهم: يلزمه أربعة، لأن الدرهم الزائد مشكوك فيه، فصار كقوله: عليّ أربعة أو خمسة (1).

و يمكن أن يقال: يلزمه خمسة، لأنه أثبت عشرة و استثنى خمسة، و شككنا في استثناء الدرهم السادس.

و يقرب من هذا الباب: ما إذا اشتبهت محرمة بأجنبيات، أو إناء نجس بأواني طاهرة، أو ميتة بمذكّاة، فإن كان العدد محصورا، لم يجز أن يهجم و يأخذ ما شاء، و إن كان غير محصور، فله أن يأخذ بعضها بغير اجتهاد.

و إلى أي حد ينتهي الأخذ؟ فيه وجهان، أظهرهما: إلى أن يبقى واحد، و الثاني: إلى أن ينتهي إلى عدد لو كان عليه ابتداء- و هو العدد المحصور- لم يجز أن يأخذ شيئا.

قاعدة «81» إذا حكم على العام بحكم، ثم أفرد منه فرد و حكم عليه بذلك الحكم بعينه في كلام آخر منفصل عن الأول،

لم يكن إفراده بذلك تخصيصا للعام، أي حكما على باقي أفراده بنقيض ذلك، و قيل: يكون تخصيصا (2).

____________

(1) المغني لابن قدامة 5: 302.

(2) نقله عن أبي ثور في منتهى الوصول: 98، و التمهيد: 416.

221

و من فروعها:

ما إذا أذنت المرأة لجماعة في التزويج، ثم أذنت فيه لواحد معين، فهل يكون منعا لغيره؟ يبنى على القولين، و أصحهما العدم.

و كذا نحوه من التوكيل في البيع و غيره.

و قد مثّله العامة بقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «أيّما إهاب دبغ فقد طهر» (1) مع قوله (صلى اللَّه عليه و آله) في شاة ميمونة: «هلّا أخذتم إهابها فدبغتموه؟» (2) فقال أبو ثور: التعبير بذلك الفرد يدل بمفهومه على التخصيص، فحكم باختصاص الطهارة بالدبغ بشاة ميمونة (3) و خالفه الباقون، و هذان عندنا مردودان.

قاعدة «82» إذا ذكر العام، و ذكر قبله أو بعده اسم لو لم يصرّح به لدخل في العامّ،

إلا أنه حكم عليه بحكم أخص مما حكم به على بقية الأفراد الداخلة فيه، لم يدلّ ذلك على عدم دخول ذلك الفرد في العام، لعدم التنافي. و قيل: بل يقتضي عدمه‏ (4).

و من فروعها: ما إذا أوصى لزيد بعشرة دنانير و بثلثه للفقراء، و زيد فقير، فهل يجوز أن يعطى مع الدنانير شي‏ء من الثلث باجتهاد الوصي لكونه فقيرا؟

فيه وجهان، مدركهما ما ذكرناه.

____________

(1) سنن النسائي 7: 173 جلود الميتة، و في صحيح مسلم 1: 352 كتاب الحيض حديث 105، و الموطأ 2: 498 كتاب الصيد حديث 17، إذا دبغ الإهاب.

(2) صحيح مسلم 1: 350 حديث 100، سنن النسائي 7: 173 جلود الميتة.

(3) نقله عنه في الإحكام في أصول الأحكام 2: 359، و المحصول 1: 451.

(4) حكاه الروياني كما في التمهيد: 416.

222

الباب الخامس في الإطلاق و التقييد

مقدمة: المطلق كالعام في وجوب حمله على إطلاقه في كل فرد يصح إطلاقه عليه،

إلى أن يوجد المقيد لبعضها، فإذا وجد وجب الجمع بينهما بتقييد المطلق، إعمالا للدليلين.

و الفرق بينهما مع اشتراكهما في الحكم: أنّ العام هو الدال على الماهية باعتبار تعدّدها، و المطلق هو الدال عليها من حيث هي، لا بقيد وحدة و لا تعدد. و مرجعه إلى أن العام هو الماهية بشرط شي‏ء، و المطلق الماهية لا بشرط شي‏ء.

قاعدة «83» إذا ورد لفظ مطلق و لفظ مقيّد، فقد يختلف حكمهما، و قد يتحد.

فإن اختلف، مثل اكس ثوبا هرويّا، و أطعم طعاما، لم يحمل أحدهما على الآخر بالاتفاق، بمعنى أنّ الطعام لا يتقيد بالهروي، لعدم المنافاة.

223

و استثنى الآمدي و ابن الحاجب صورة واحدة، و هي ما إذا قال: أعتق رقبة، ثم قال: لا تملك كافرة أو لا تعتقها (1)، و هو واضح.

و لا فرق في هذا القسم- و هو حالة الاختلاف- بين أن يتحد سببهما و يختلف، و قيل: يجمع بينهما مع اتحاد السبب‏ (2) كالوضوء و التيمم، فإن سببهما واحد و هو الحدث، و قد وردت اليد في التيمم مطلقة، و في الوضوء مقيدة بالمرافق، فحمله عليه بعضهم لاتحاد السبب‏ (3).

و إن اتحد حكمهما، نظر إن اتحد سببهما، كما لو قيل في الظهار: أعتق رقبة، و قيل فيه أيضا: أعتق رقبة مؤمنة، فلا خلاف في حمل المطلق على المقيد، حتى يتعين إعتاق المؤمنة، لأن فيه إعمالا للدليلين، لا المقيد على المطلق حتى يجزي إعتاق الكافرة، لأنه يؤدي إلى إلغاء أحدهما.

ثم اختلفوا، فصحّح جماعة أنّ هذا الحمل بيان للمطلوب، أي دالّ على أنه كان المراد من المطلق هو المقيد (4). و قيل: يكون نسخا، أي دالّا على نسخ حكم المطلق السابق بحكم المقيد الطارئ‏ (5).

و إن لم يتحد سببهما، كإطلاق الرقبة في آية الظهار (6)، و تقييدها بالأيمان في آية القتل‏ (7) ففيه ثلاثة مذاهب:

أحدها: أن تقييد أحدهما يدل بلفظه على تقييد الآخر، لأن القرآن‏

____________

(1) الإحكام في أصول الأحكام 3: 6، منتهى الوصول: 99.

(2) نقله عن أصحابه الشافعية في التمهيد: 419، و نقله الغزالي عن أكثر الشافعية كما في مسلم الثبوت 1: 361.

(3) الأم 1: 49.

(4) المعتمد 1: 289، الإحكام للآمدي 3: 7، منتهى الوصول: 99.

(5) فواتح الرحموت 1: 362، أصول السرخسي 1: 159.

(6) و الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا. (المجادلة: 3).

(7) و من قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة و دية مسلّمة إلى أهله (النساء: 92).

224

كالكلمة الواحدة. و لهذا لما قيّدت الشهادة بالعدالة مرة واحدة، و أطلقت في سائر الصور، حملنا المطلق على المقيد.

و الثاني: أنه لا يجوز تقيده مطلقا، لا باللفظ و لا بالقياس، و هو الحق.

و الثالث: أنه إن حصل قياس صحيح يقتضي تقييده قيّد، كالرقبة في آية الظهار و القتل. و إن لم يحصل ذلك فلا.

و اعلم أنّ مقتضى كلام الرازي في المحصول‏ (1) و صرّح به في المنتخب‏ (2) أنه لا فرق في حمل المطلق على المقيد حيث يحمل عليه بين الأمر و النهي، فإذا قال: لا تعتق مكاتبا، و قال أيضا: لا تعتق مكاتبا كافرا، فإنا نحمل الأول على الثاني، و يكون المنهيّ عنه هو إعتاق المكاتب الكافر.

لكن ذكر جماعة من المحققين منهم الآمدي في «الإحكام» و ابن الحاجب: أنه لا خلاف في العمل بمدلولهما، و الجمع بينهما في النفي، إذ لا تعذر فيه، لإمكان العمل بهما (3)، و هذا هو الحق.

و على هذه القاعدة يتخرج كثير من المسائل الخلافية، و يظهر بها ضعف قول كثير من الأكابر غفلوا عن تحقيق الحال في الاستدلال، إذ لم يفرّقوا بين النفي و الإثبات في مدرك الحكم.

منها: ما اختلفوا فيه من اعتبار المساحات الثلاث بثلاثة مواسح، أو الاكتفاء بها بأي آلة اتفقت، و لو بواحدة تشتمل على ثلاث جهات.

فذهب الأكثر إلى الثاني، و استدلوا عليه بورود ثلاث مسحات مطلقة في أخبار، و ورود ثلاثة أحجار و شبهها في أخبار، فحملوا الأحجار المتعددة على‏

____________

(1) المحصول 1: 457.

(2) نقله عنه في التمهيد: 419.

(3) الإحكام 3: 7، منتهى الوصول: 99.

225

إرادة المسحات‏ (1).

و هذا كما ترى واه جدا، فإن الواجب على مقتضى القاعدة حمل المسحات المطلقة على المقيدة في الأحجار و شبهها، المقتضي لتعدد الآلة، دون العكس، كما لا يخفى.

و منها: اختلافهم في التيمم، هل يكفي مجرّد وضع اليد على الأرض، أم لا بد معه من اعتماد ما يتحقق معه اسم الضرب؟ بسبب اختلاف الأخبار في إطلاق اسم الضرب، المقتضي للاعتماد، و إطلاق الوضع، و هو لا يقتضيه، فحملوا الضرب على الوضع‏ (2).

و هو كالسابق، فإن الوضع مطلق، و الضرب مقيد؛ و الواجب حمل المطلق على المقيد، دون العكس.

و منها: ما اختلفوا فيه من أن مورد النهي عن بيعه قبل قبضه هو ما يكال أو يوزن، أو الطعام؛ فخصّه الأكثر بالطعام، حملا لما يكال أو يوزن عليه.

و الحق أنه لا منافاة و لا تقييد هنا، لأن الحكمين منفيان، فنعمل بهما معا كما حقق في القاعدة؛ مع أن الطعام ربما كان أعم من وجه من المكيل و الموزون إن لم نخصه بالحنطة و الشعير كما هو بعض معانيه في بعض الموارد الشرعية.

و منها: ما اختلفوا فيه من أنّ النهي عن إجارة الأرض للزراعة بالحنطة و الشعير، هل يختص بما يخرج منهما منها، أم يعمّ جنس ما يزرع فيها، سواء خرج منها أم لا؛ بسبب اختلاف الأخبار المشتمل بعضها على تقييد النهي بما يخرج منها، و بعضها على إطلاقه، فحمل الأكثر المطلق منها على المقيد.

و هو غير جيد، لما عرفت من أنهما نافيان، فلا يفتقر إلى الجمع بينهما،

____________

(1) المغني و الشرح الكبير 1: 149، 96، الأم 1: 22.

(2) المبسوط 1: 32، شرائع الإسلام 1: 39، قواعد الأحكام 1: 23.

226

لعدم المنافاة. و قس على ما ذكرناه ما يرد عليك في هذا الباب.

هذا ما يتعلق من حيث الاستدلال، و أما ما يتفرع على القاعدة من نفس الأحكام الشرعية فهو أمور:

منها: ما إذا قال: أوصيت لزيد بهذه المائة، ثم قال: أوصيت له بمائة.

أو يعكس، فيوصي أولا بغير المعينة، ثم بالمعينة. فإنا نحمل المطلقة في المثالين على المعينة، حتى يستحق مائة فقط. كما لو أطلقهما معا، فإنه لا يستحق إلا المائة. و لو كانتا معينتين فلا إشكال.

و منها: إذا قال من حجّ: لله عليّ أن أحج، ثم قال، لله عليّ أن أحج في هذا العام، فإنه تكفيه حجة واحدة. و فائدة النذر الثاني تعجيل ما كان له تأخيره. كما لو نذر من لم يحج أن يحج في هذا العام.

و مثله، نذر الصوم و الصدقة و سائر العبادات، كذا قيل‏ (1). و فيه نظر، لما تقرّر من أنّ فائدة التأسيس أولى من التأكيد عند الإطلاق.

و منها: ما لو قال: لزيد عندي ألف، ثم أحضرها و قال: هذه التي أقررت‏ (2) بها كانت عندي وديعة. و كذا لو قال: له عليّ ألف، ثم أحضر ألفا و قال: هذه له، و كنت قد تعدّيت فيها فوجب عليّ ضمانها، فإنه يقبل منه على قول.

فرع:

قال بعضهم: المراد بحمل المطلق على المقيد: إنما هو المطلق بالنسبة إلى الصفة، كما في وصف الرقبة بالإيمان، و كوصف اليد في الوضوء بكونها إلى المرفق، مع إطلاقها في التيمم. فأما المطلق بالنسبة إلى الأصل، أي المحذوف بالكلية، كالرأس و الرجلين، فإنهما مذكوران في الوضوء دون التيمم،

____________

(1) التمهيد للأسنوي: 422.

(2) في «د»، «م»: أردت.

227

و كالإطعام فإنه مذكور في كفارة الظهار دون كفارة القتل، فإنا لا نحمله على المقيد؛ لأن فيه إثبات أصل بغير أصل‏ (1).

و قيل: يحمل المطلق على المقيد في الأصل أيضا، كما حمل عليه في الوصف‏ (2).

قاعدة «84» إذا كان كل واحد من الدليلين المتعارضين مطلقا من وجه و مقيدا من آخر،

وجب تقييد كل منهما بالآخر، لاستحالة الترجيح من غير مرجح، و إعمالا لدليل وجوب الجمع بين المطلق و المقيد مطلقا.

و من فروع القاعدة:

قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «خلق اللَّه الماء طهورا لا ينجسه شي‏ء، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» (3) و قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا» (4) و نحوه من عباراته، فإن الأول مطلق من جهة المقدار، و مقيد من جهة الأوصاف، و الثاني بالعكس. فيقيد الأول بما لو كان كرا، و الثاني بما إذا لم يتغير في أحد أوصافه الثلاثة. و لا يخفى ما يترتب عليه من حكم الماء حينئذ، و قوة الأقوال المختلفة فيه و ضعفها.

و قد تقدم الكلام على الخبرين في باب تعارض العام و الخاصّ، و إنما ذكرناهما في البابين للشك في أن دلالة الماء هل هي من‏

____________

(1) نقله عن كتاب البحر في التمهيد: 422.

(2) تأسيس النّظر: 64، و نقله عن ابن خيران في التمهيد: 432.

(3) السرائر 1: 64، المعتبر 1: 40، الوسائل 1: 101 أبواب الماء المطلق باب 1 حديث 9

(4) السرائر 1: 63، مستدرك الوسائل أبواب أحكام المياه ب 9 حديث 6.

228

باب العموم أو الإطلاق، نظرا إلى أن المفرد المعرّف هل يعم أم لا، فناسب البابين.

قاعدة «85» إذا علّق حكم بفرد غير معيّن من أفراد، و وجدنا دليلين متعارضين كل منهما يقتضي انحصار ذلك الحكم في فرد بخصوصه غير الفرد الّذي دلّ عليه الآخر،

فيتساقطان، و يستوي الفردان مع غيرهما.

و عبّر الأصوليون و منهم الرازي في المحصول‏ (1) عن هذه القاعدة بقولهم:

«إذا ورد تقييد المطلق بقيدين متنافيين، و لم يقم دليل على تعيين أحدهما، فإنهما يتساقطان، و يبقى أصل التخيير بينهما و بين غيرهما مما دل عليه المطلق أولا».

و مثّلوه بقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات» (2) فإنه قد ورد في رواية: «إحداهن بالتراب» رواها الدار قطني من رواية علي، و لم يضعفها (3) و ذكر النوويّ في المسائل المنثورة أنه حديث ثابت‏ (4)، و بها عمل ابن الجنيد منا (5).

و في رواية: «أولاهن» رواها مسلم‏ (6)، و هي الصحيحة عندنا، لكن مع‏

____________

(1) المحصول 1: 460.

(2) صحيح مسلم 1: 297 كتاب الطهارة حديث 92، سنن ابن ماجة 1: 130 حديث 363، سنن النسائي 1: 176 باب سؤر الكلب.

(3) سنن الدار قطني 1: 65، و فيه: إحداهن بالبطحاء.

(4) نقله عنه في التمهيد: 424.

(5) نقله عنه الشهيد في القواعد: 96.

(6) صحيح مسلم 1: 296 كتاب الطهارة حديث 91.

229

ثلاث خاصة (1).

و في أخرى: «السابعة بالتراب» رواها أبو داود (2) و هو معنى ما رواه مسلم «و عفّروه الثامنة بالتراب»، (3) قالوا: و أنما سمّيت ثامنة لأجل استعمال التراب معها (4). فلما كان القيدان متنافيين تساقطا و رجعنا إلى الإطلاق الوارد في رواية «إحداهنّ».

و جعل بعضهم سقوط التقييد بالنسبة إلى تعيين الأولى و السابعة خاصة، لأنهما لما تعارضا، و لم يكن أحد القيدين أولى من الآخر، تساقطا، و بقي التخيير فيما حصل فيه التعارض لا في غيره، و حينئذ فلا يجوز التعفير فيما عداهما، لاتفاق القيدين على نفيه‏ (5).

و يؤيّده: ما رواه الدار قطني بإسناد صححه «أولاهنّ أو أخراهنّ» (6) بصيغة «أو» و بهذا عمل الشافعي فيما نقل عنه‏ (7)؛ و المشهور بين أصحابه خلافه، و أن التخيير في الجميع، عملا بإطلاق القاعدة (8).

و من فروع القاعدة الشرعية:

ما لو استأجره رجلان للحج عنهما، فأحرم عنهما معا، فإنه لا ينعقد عن واحد منهما، لأن الجمع بينهما متعذر، فلغا القيدان.

و لا فرق بين كون الإجارة في الذّمّة و على العين، لأنه و إن كانت إحدى‏

____________

(1) الخلاف 1: 176، القواعد و الفوائد: 96.

(2) سنن أبي داود 1: 19.

(3) صحيح مسلم 1: 297 كتاب الطهارة حديث 93.

(4) التجريد لنفع العبيد 1: 104، المجموع للنووي 2: 588.

(5) الأم 1: 6، التمهيد: 424.

(6) سنن الدارقطني 1: 65.

(7) الأم 1: 6، و نقله عن مختصر البويطي في التمهيد: 424.

(8) المجموع 2: 586.

230

إجارتي العين فاسدة، إلا أنّ الإحرام عن غيره لا يتوقف على صحة الإجارة.

و منها: ما إذا تعارضت البينتان في مال، فإنهما تتساقطان، سواء كان في أيديهما أم خارجا عنهما إذا كانتا مطلقتين، أو مؤرختين بتأريخ واحد، أو إحداهما مؤرخة و الأخرى مطلقة؛ و لكن يقسّم بينهما إن كان في أيديهما، و هو أمر آخر؛ كما أنه لو كان في يد أحدهما قدّم على أحد القولين، أو الخارج على الآخر (1).

و منها: إذا تعارض المني و الحيض في الخنثى، بأن حاض بفرج النساء، و أمنى من فرج الرّجال، فلا يحكم بكونه ذكرا و لا أنثى، للتعارض.

و لكن يكون بلوغا على الأقوى، لتحققه على التقديرين. و قيل: لا، للتعارض‏ (2). و جوابه: أنهما متفقان على البلوغ، و التعارض إنما وقع في الذكورة و الأنوثة.

فائدة: ما ذكر في المسألة السابقة محلّه إذا أطلقت الصورة الواحدة،

ثم قيّدت تلك الصورة بعينها بقيدين متنافيين كما تقدم تمثيله، فأما إذا وقع ذلك في الجنس الواحد، كتقييد صوم الظهار بالتتابع، حيث قال تعالى‏ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ‏ (3) و تقييد صوم التمتع بالتفرقة، حيث قال تعالى‏ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ‏ (4) مع إطلاق الصوم في كفارة اليمين، حيث‏

____________

(1) أي: على القول الآخر من القولين.

(2) حكاه في التمهيد: 427.

(3) النساء: 92.

(4) البقرة: 196.

231

قال‏ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ‏ (1) فيجب بقاء المطلق على إطلاقه من هذه الجهة، لأنه ليس حمله على أحدهما بأولى من حمله على الآخر. و يجب أيضا بقاء كل واحد من المقيدين على تقييده.

____________

(1) المائدة: 89.

232

الباب السادس في المجمل و المبين‏

مقدمة: المجمل: ماله دلالة غير واضحة، سواء كان لفظا أو فعلا.

و اللفظ يكون مفردا مترددا في معانيه بالأصالة، ك «القرء» المشترك بين الطهر و الحيض؛ و بالإعلال ك «المختار» المتردد بين أن يكون صيغة الفاعل أو المفعول؛ و مركبا، نحو أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ‏ (1) لتردده بين الزوج و الولي.

و الإجمال إما حال استعماله في موضوعه، كالمشترك المحتمل لمعانيه، و المتواطئ المحتمل لكل فرد من جزئياته أو أجزائه عند الأمر بأحدها، مثل‏ وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ‏ (2).

أو حال استعماله في بعض موضوعه، كالعام المخصص بالمجمل، مثل‏ وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ‏ (3) حيث قيّد بالإحصان المجهول. و قوله تعالى:

____________

(1) البقرة: 237.

(2) الأنعام: 141.

(3) النساء: 24.

233

أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى‏ عَلَيْكُمْ‏ (1) و نحو ذلك.

و المبيّن: ما اتضح المراد منه نصا أو ظهورا.

و يتحقق الإجمال في الفعل حيث يتجرّد عن الوجه، كما إذا صلى النبي (صلى اللَّه عليه و آله) صلاة لا يعلم أنها مندوبة أو واجبة، فهو مجمل، إلا أن يقترن به ما يدل على الوجه.

قاعدة «86» لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة عند كل من منع تكليف ما لا يطاق.

و ذهب أكثر الأصوليين إلى «جواز تأخيره عن وقت الخطاب» (2).

و قالت المعتزلة: لا يجوز مطلقا (3).

و قال جماعة: إن كان مشتركا جاز، و إلا فلا، إلا إذا اقترن به بيان إجمالي، كقوله: إن هذا العام مخصوص، و إن المراد باللفظ مجازه لا حقيقته، و بالمطلق أو النكرة فرد معين، و نحو ذلك؛ لأن ترك البيان الإجمالي يوقع في المحذور (4).

ثم بيان المجمل يقتضي أنّ المراد من ذلك المجمل وقت إطلاقه، هو ما دلّ عليه المبيّن، و إلا لم يكن بيانا له.

إذا تقرر ذلك فللقاعدة فروع شرعية:

منها: ما إذا قال: له عليّ عشرة إلا ثوبا، ثم فسّر الثوب بما لا تستغرق‏

____________

(1) الحج: 30.

(2) الذريعة إلى أصول الشريعة 1: 363، الإحكام في أصول الأحكام 3: 36.

(3) المحصول 1: 478.

(4) المحصول 1: 478.

234

القيمة العشرة، فإنه يقبل، و لو استغرقت لم يقبل الاستثناء.

و قيل: يبطل التفسير خاصة، و يفسّره بغير هذا المقدار مما لا يستغرق‏ (1).

و منها: إذا قال لعبديه: أحدكما حر، و لم ينو معينا، فإنا نأمره بالتعيين، فإذا عيّن كان ابتداء وقوعه عند الإيقاع (على) (2) الصحيح، لما ذكرناه. و قيل:

عند التعيين‏ (3).

و مثله إذا قال لزوجتيه: إحداكما طالق، و تبنى عليه العدة.

و فرّع عليه العامة: ما إذا قال لها: أنت طالق ثلاثا إلا طلاقا، أعني باستثناء المصدر، فإنه يصح عندهم، و يؤمر بالتفسير. فإن فسّره بواحدة أو اثنتين قبل، و إن فسّره بثلاث ففي بطلان الاستثناء أو التفسير خاصة ما سبق في مسألة الثوب. و مثله ما لو قال: أنت طالق ثلاثا إلا شيئا.

و هذا التفريع عندنا ساقط، لعدم صحة الزيادة على الواحد مطلقا.

مسألة: اختلف الأصوليون في آية السرقة،

و هي قوله تعالى‏ وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (4) هل هي مجملة أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنها مجملة (5)، لأن اليد تحتمل الكل و البعض، إما إلى المرفق، أو إلى الكوع‏ (6)، و لكن بيّنتها السنة.

و قال الأكثرون: لا إجمال فيها، بل اليد حقيقة في جميعها، و هي من‏

____________

(1) قواعد الأحكام: 284.

(2) ليس في «د»، «م».

(3) جعله أحد القولين في الإيضاح 3: 466.

(4) المائدة: 38.

(5) كنز العرفان 2: 349.

(6) الكوع: طرف الزند الّذي يلي الإبهام- المصباح المنير: 544. (كوع)

235

رءوس الأصابع إلى المنكب، و لكنها تطلق على البعض مجازا (1). و هو خير من الاشتراك.

إذا تقرّر ذلك فيتفرع على المسألة:

ما إذا قال لزوجته: إن دخلت الدار فيمينك علي كظهر أمي، فقطعت يمينها ثم دخلت الدار، فهل يقع الظهار على القول بصحته لو لم تقطع؟

وجهان مبنيان على أنه على تقدير وقوعه هل هو من باب السراية، أي يقع على الجزء ثم يسري، أو من باب التعبير بالبعض عن الكل؟ المتّجه الثاني.

و عليه فيقع الظهار هنا، لبقاء متعلقة دون الأول، لزوال المتبوع، و امتناع تعلقه بالتابع بدونه.

و لو قطعت يدها من الكوع مثلا، فإن قلنا: إنّ اليد حقيقة في الكل اتّجه وقوعه على التقديرين. و قال بعض العامة: لا يقع هنا (2) و لو عبّر باليد تعلّق الحكم باليد الباقية.

____________

(1) منهم الرازي في المحصول 1: 471، و البصري في المعتمد 1: 310.

(2) التمهيد: 433.

236

الباب السابع في الأفعال‏

قاعدة «87» فعل النبي (صلى اللَّه عليه و آله) حجة، كما أنّ قوله حجة،

إذا لم يكن من الأفعال الطبيعية، كالقيام و القعود و الأكل و النوم و الحركة و السكون؛ و كذا ما ثبت تخصيصه به (صلى اللَّه عليه و آله)، كالوصال و الزيادة على الأربع في النكاح الدائم.

و إذا أمكن حمل فعله (صلى اللَّه عليه و آله) على العبادة أو العادة، ففي حمله على العادة لأصالة عدم التشريع؛ أو العبادة، لأنه (صلى اللَّه عليه و آله) بعث لبيان الشرعيات، خلاف.

و يتفرع عليه أمور:

منها: جلسة الاستراحة، و هي ثابتة من فعله (صلى اللَّه عليه و آله)(1). و زعم بعض العامة أنه إنما فعلها بعد أن بدن و حمل اللحم، فجعلها للجبلّة (2).

و قد ثبت عندنا أنها عبادة.

____________

(1) صحيح البخاري 1: 209 باب كيف يعتمد على الأرض إذا قام، صحيح مسلم 1: 449 كتاب الصلاة حديث 240، سنن النسائي 2: 234 باب الاعتماد على الأرض عند النهوض.

(2) المغني لابن قدامة 1: 567.

237

و منها: دخوله (صلى اللَّه عليه و آله) مكة من «ثنية كداء» بفتح أوله مع المد، و هي الثنية العليا بها، مما يلي المقابر و هي «المعلّى»؛ و خروجه من «ثنية كدا» بالضم و القصر، الثنية السفلى مما يلي باب العمرة (1) فهل ذلك لأنه صادف طريقه، أو لأنه سنة؟ و تظهر الفائدة في استحبابه لكل داخل.

و منها: نزوله «بالمحصّب» لما نفر في الأخير (2)، و تعريسه لما بلغ «ذا الحليفة» (3) و ذهابه في العيد بطريق و عوده بآخر (4). و عندنا ذلك كله محمول على الشرعي، لعموم أدلة التأسي.

قاعدة «88» ما كان من الأفعال ممنوعا لو لم يكن واجبا، فإذا فعله الرسول (صلى اللَّه عليه و آله) فإنا نستدل بفعله على وجوبه.

و ذلك كالقيام و الركوع الزائدين في الكسوف، فإن الزيادة عمدا في الصلاة مبطلة في غيره، فمشروعية جوازهما دليل على وجوبهما، كذا ذكره في المحصول و من تبعه‏ (5).

و من فروعها أيضا:

وجوب الختان- لما ذكرناه- في الذّكر دون الأنثى، بل هو فيها سنة، هذا في الواضح. و أما الخنثى المشكل ففي وجوب ختانه توصلا إلى الواجب، أم لا، لأن فيه قطع عضو يمنع قطعه مع عدم ثبوت‏

____________

(1) صحيح البخاري 2: 178.

(2) صحيح البخاري 2: 221، صحيح مسلم 3: 124 كتاب الحج حديث 337- 345.

(3) صحيح البخاري 2: 170، صحيح مسلم 3: 154 كتاب الحج حديث 430- 434.

(4) صحيح البخاري 2: 29.

(5) المحصول 1: 515.

238

مجوّزة، وجهان.

و منها: سجود السهو في الصلاة لو قلنا به.

قاعدة «89» ما فعله (صلى اللَّه عليه و آله) يمكن فيه مشاركة الإمام دون غيره،

فالظاهر عندنا أنه على الإمام، كما كان (صلى اللَّه عليه و آله) يقضي الديون عن الموتى لكونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم‏ (1)، و هذا حاصل في الإمام. و المروي عندنا «أن على الإمام أن يقضي عنهم» (2).

و لما أقرّ النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أهل خيبر على الذّمّة قال: «أقركم ما أقركم اللَّه» (3) و ذلك جائز أيضا للإمام. و قيل بالمنع، لأن المعنى الّذي فعله (صلى اللَّه عليه و آله) لأجله هو انتظار الوحي، و هو لا يمكن في حق الإمام‏ (4).

مسألة: كل فعل ظهر فيه قصد القربة، و لم يعلم وجوبه،

اختلف فيه- هل هو على الوجوب في حقنا أم الندب- لظاهر الأمر بالتأسي به (صلى اللَّه عليه و آله) الشامل لذلك، و كذلك الأمر باتّباعه، و الأخذ بما أتى، و الانتهاء عما نهى، و غير ذلك.

____________

(1) صحيح مسلم 3: 429 كتاب الفرائض حديث 14، سنن ابن ماجة 2: 807 حديث 2415، 2416.

(2) الكافي 5: 94 باب الدين حديث 7، الوسائل 13: 92 أبواب الدين و القرض باب 9 حديث 4.

(3) الموطأ 2: 703 كتاب المساقاة حديث 1، عوالي اللئالي 1: 401 حديث 57.

(4) حكاه في القواعد و الفوائد: 96.

239

و يظهر أثر ذلك في مواضع:

منها: الموالاة في الطهارات غير الغسل، و في الطواف، و خطبة الجمعة و العيد، و القيام في الخطبة، و المبيت بمزدلفة. و لكن ذلك صحّ عندنا وجوبه و إن لم تثبت القاعدة.

فائدة: لو تعارض فعله (صلى اللَّه عليه و آله) و قوله،

كما نقل «أنه (صلى اللَّه عليه و آله) قام للجنازة و أمر به ثم قعد» (1) فالثاني ناسخ للأول. و هذا من التفريع على القاعدة، و حيث يستفاد منه حيث تثبت.

مسألة: شرع من قبلنا إذا ثبت بطريق صحيح‏

- كقوله تعالى‏ وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ‏ (2)، الآية- و لم يرد عليه ناسخ، هل يكون شرعا لنا؟ قولان للأصوليين، جزم بالعدم الآمدي و الرازي و مختصر و كلامه‏ (3)، و اختار جماعة ثبوته‏ (4).

و فروعه كثيرة:

منها: ما لو حلف ليضربنّ زيدا مثلا مائة خشبة، فضربه بالعثكال و نحوه، فإنه يبرأ على القول بثبوته، لقوله تعالى لأيوب لما حلف ليضربنّ زوجته ذلك‏ وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَ لا تَحْنَثْ‏ (5) و الضغث: هو

____________

(1) صحيح البخاري 2: 107 باب من قام لجنازة يهودي، سنن النسائي 4: 47 باب الرخصة في ترك القيام، سنن ابن ماجة 1: 492 حديث 1543.

(2) المائدة: 45.

(3) الإحكام 4: 147، المحصول 1: 518.

(4) فواتح الرحموت 2: 184.

(5) ص: 44.

240

الشماريخ القائمة على الساق الواحد، و هو المسمى بالعثكال‏ (1).

و هذا الحكم مروي عندنا في اليمين بشروط خاصة (2). و في الحدود كذلك‏ (3) لا مطلقا.

و منها: احتجاج بعض الأصحاب على أرجحية العبادة على التزويج حيث لا تتوق النّفس إليه، استنادا إلى مدح اللَّه تعالى يحيى بكونه‏ سَيِّداً وَ حَصُوراً (4).

و منها: الاحتجاج على صحة كون عوض الجعالة مجهولا بقوله تعالى‏ وَ لِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ (5) مع أنّ حمل البعير غير معلوم المقدار، لاختلافه بالزيادة و النقيصة. و يمكن الاحتجاج أيضا على مشروعية أصل الجعالة بالآية المذكورة.

و منها: الاحتجاج على صحة ضمان (مال) (6) الجعالة قبل العمل، بقوله تعالى‏ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ‏ (7) أي ضامن للحمل، و هو ضمان واقع قبل العمل.

و منها: الحكم باشتراط الإخلاص في العبادة، و بطلان عبادة الرياء، لقوله تعالى‏ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏ (8) فإنه حكاية عن‏

____________

(1) لاحظ المصباح المنير: 362. (ضغث)

(2) نقله عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى في الوسائل 16: 206 أبواب الأيمان ب 38 ح 2.

(3) التهذيب 10: 32 حديث 107- 109، الاستبصار 4: 211 حديث 786، 787، الوسائل 18: 320 كتاب الحدود و التعزيرات باب 13 حديث 1، 5، 7، 9.

(4) آل عمران: 39.

(5) يوسف: 72.

(6) في «د»: ما في.

(7) يوسف: 72.

(8) البينة: 5.

241

أهل الكتاب، فيتوقف ثبوته في حقنا على استمرار حكمه. و ربما قيل هنا بثبوت الحكم و إن لم تثبت القاعدة، لتعقبه بقوله‏ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ فقد قيل في تفسيره: إن المراد بها الثابتة في جهة الصواب بحيث لم تنسخ.

فائدة تصرّف النبي (صلى اللَّه عليه و آله) فعلا و قولا: تارة بالتبليغ،

و هو الفتوى؛ و تارة بالإمامة، كالجهاد و التصرّف في بيت المال؛ و تارة بالقضاء، كفصل الخصومة بين المتداعيين بالبينة أو اليمين أو الإقرار. و كل تصرف في العبادة فإنه من باب التبليغ.

و قد ورد التردد في مواضع بين القضاء و التبليغ:

منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «من أحيا أرضا ميتة فهي له» (1) فقيل: تبليغ و إفتاء، فيجوز الإحياء لكل أحد، و إن لم يأذن له الإمام‏ (2).

و قيل: تصرّف بالإمامة، فلا يجوز الإحياء إلا بإذن الإمام، و هو قول أكثر الأصحاب‏ (3).

و منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله) لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان حين قالت له: إنّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني و ولدي ما يكفيني، فقال لها (صلى اللَّه عليه و آله): «خذي لك و لولدك‏

____________

(1) صحيح البخاري 3: 139 كتاب الحرث، مختصر سنن أبي داود 4: 265 باب في إحياء الموات، الموطأ 2: 743 كتاب الأقضية حديث 26، و في الكافي 5: 279 باب في إحياء أرض الموات حديث 4، التهذيب 7: 152 حديث 673، و الاستبصار 3: 108 حديث 382، الوسائل 17: 327، كتاب إحياء الموات باب 1 حديث 5، مواتا بدل ميتة.

(2) الشرح الكبير 6: 151، و نقله عن الشافعي و أبي يوسف و محمد، شرح الكرماني 10: 159 كتاب الحرث، معالم السنن 4: 265.

(3) المبسوط 3: 270، 295، شرائع الإسلام 3: 791، قواعد الأحكام 1: 219، تحرير الأحكام: 129.

242

ما يكفيك بالمعروف» (1) فقيل: إفتاء، فتجوز المقاصّة للمسلّط بإذن الحاكم و بغير إذنه‏ (2). و قيل: تصرف بالقضاء، فلا يجوز الأخذ إلا بقضاء قاض‏ (3).

و أغلبية تصرّفه بالتبليغ يرجّح الأول، ترجيحا للغالب على النادر. و يشترط (4) إذنه في الإحياء بدليل خارج على تقدير ترجيح هذا الغالب.

و منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «من قتل قتيلا فله سلبه» (5) فقيل: فتوى، فيعمّ، و هو قول ابن الجنيد (6).

و قيل: تصرّف بالإمامة، فيتوقف على إذن الإمام‏ (7).

و هو أقوى هنا، لأن القصة في بعض الحروب، فهي مختصة بها.

و لأن الأصل في الغنيمة أن تكون للغانم، لقوله تعالى‏ وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ (8) الآية، فخروج السلب منه ينافي ظاهرها.

و لأنه كان يؤدي إلى حرصهم على قتل ذي السلب دون غيره،

____________

(1) صحيح مسلم 3: 549 كتاب الأقضية باب 4 حديث 7 «بتفاوت يسير»، سنن ابن ماجة 2:

769 حديث 2293، عوالي اللئالي 1: 403 حديث 59.

(2) المغني لابن قدامة 9: 245، شرح مسلم (إرشاد الساري) 7: 263.

(3) جعله أحد وجهي أصحابه في شرح مسلم (إرشاد الساري) 7: 263.

(4) في «ح»: و اشتراط.

(5) صحيح البخاري 6: 112 باب فرض الخمس، صحيح مسلم 4: 21 كتاب الجهاد و السير حديث 41، سنن ابن ماجة 2: 947 حديث 2838، الموطأ 2: 454 كتاب الجهاد حديث 18، 19.

(6) نقله عنه في تحرير الأحكام 1: 144.

(7) شرائع الإسلام 1: 249، الشرح الكبير لابن قدامة 10: 453.

(8) الأنفال: 41.

243

فيختل نظام المجاهدة.

و لأنه ربما أفسد الإخلاص المقصود من الجهاد.

و لا يعارض بالاشتراط، لأن ذلك إنما يكون عند مصلحة غالبة على هذه العوارض.

244

الباب الثامن في الأخبار

مقدمة: المركّب التام- و هو المفيد فائدة يحسن السكوت عليها

- إن احتمل التصديق و التكذيب فهو: الخبر، و القضية، و القول الجازم.

و إن لم يحتملهما، فهو الإنشاء، و هو جنس للأمر، و النهي، و القسم، و التمنّي، و الترجي، و العرض، و الدعاء، و النداء. و قد ظهر الفرق بينه و بين الخبر من التقسيم.

و يفرّق بينهما أيضا: بأن الإنشاء يوجد مدلوله في نفس الأمر، و الخبر تقرير لا إيجاد؛ و أنّ الإنشاء سبب لمدلوله، و الخبر ليس كذلك. و يلزمه أن يتبعه مدلوله، بخلاف الخبر، فإنه تابع لمدلوله، بمعنى أنه تابع لتقرره في زمانه، ماضيا كان أم حاضرا أم مستقبلا؛ لا أنه تابع لمخبره في وجوده، و إلا لم يصدق إلا في الماضي، فإن الحاضر مقارن، فهو مساو في الوجود، و المستقبل وجوده بعد الخبر، فكان متبوعا لا تابعا.

ثم الخبر يكفي فيه الوضع الأصلي، و الإنشاء قد يكون منقولا عن وضعه كما في صيغ العقود و الإيقاعات، فإن الصحيح أنها منقولة عن الخبر إلى الإنشاء، لئلا يلزم الكذب، أو توقف كل صيغة على أخرى فيتسلسل.

245

و قال بعض الأصوليين: هي إخبار عن الوضع اللغوي، و الشرع مقدم مدلولاتها قبل النطق بها بآن، لضرورة صدق المتكلم بها، و الإضمار أولى من النقل. و هو مع ندوره تكلّف.

قاعدة «90» الخبر- كما عرفت- هو الكلام الّذي يحتمل التصديق و التكذيب،

كقولنا: قام زيد، و لم يقم.

و إنما عدلنا عن الصدق و الكذب إلى ما ذكرناه، لأن الصدق مطابقة الخبر للواقع، و الكذب عدم مطابقته، و نحن نجد من الأخبار ما لا يحتمل الكذب، كخبر اللَّه تعالى و خبر رسوله، و قولنا: محمد رسول اللَّه؛ و ما لا يحتمل الصدق، كقول القائل: مسيلمة رسول اللَّه، مع أن كل ذلك يحتمل التصديق و التكذيب، لأن التصديق هو كونه يصح من جهة اللغة أن يقال لقائله: صدق، و كذلك التكذيب. و قد وقع ذلك، فالمؤمن صدّق خبر اللَّه و خبر رسوله و كذّب مسيلمة، و الكافر بالعكس؛ مع أن التعبير بالصدق و الكذب يحتمل التأويل أيضا بكونه يحتملهما باعتبار شخص ما، و لو كان سوفسطائيا، أو أنه يحتمله بحسب نوعه، أو باعتبار أنه ثبوت شي‏ء لشي‏ء مع قطع النّظر عن مخبره، و غيره من الأحوال الخارجة عنه، و نحو ذلك.

إذا تقرر ذلك فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال لزوجاته: من أخبرتني بقدوم زيد فهي عليّ كظهر أمي، فأخبرته إحداهن بذلك كاذبة، وقع الظهار.

و منها:- و هو مشكل على القاعدة- ما لو قال: من أخبرني بموت زيد أو

246

بقدومه فله علي كذا، على وجه الجعالة أو النذر، فأخبره مخبر بذلك كاذبا، فمقتضى القاعدة اللزوم.

و لكن يشكل بأن ظاهر حاله إرادة الخبر الصادق، ليترتب عليه سروره و حصول غرضه، و هو لا يحصل بالكاذب.

و الأمر في النذر سهل، لأنه يتخصّص بالنية و القصد، أما الجعالة فيتعارض فيها الأصل و الظاهر.

و منها:- ما أطلقوه و هو مشكل على القاعدة أيضا- ما إذا قال: إن لم تخبريني بعدد حب هذه الرمانة قبل كسرها فأنت علي كظهر أمي، و لم يقصد معرفة الّذي فيها على التمييز، قالوا: فالخلاص أن تذكر عددا تعلم أن الرمانة لا تنقص عنه، ثم تزيد واحدا فواحدا، حتى تبلغ ما تعلم أنها لا تزيد عليه.

و على القاعدة لا يفتقر إلى ذلك، بل يكفي في تخلّصها إخبارها بأي شي‏ء اتفق، لأن غايته أن يكون كذبا، و الخبر يصدق مع الكذب.

و منها: ما لو قال لثلاث: من لم تخبرني بعدد ركعات فرائض اليوم و الليلة فهي عليّ كظهر أمي، فقالت واحدة: سبع عشرة، و أخرى: خمس عشرة، و ثالثة: إحدى عشرة، تخلّصن عن تعليقه، لأن الأول المعروف، و الثاني ليوم الجمعة، و الثالث للمسافر، كذا قال جماعة من الفضلاء (1). و فيه ما سبق.

و إنما يتمّان لو أراد الخبر المطابق، لا مطلق الخبر، و لعلّهم أرادوا ذلك، بقرينة ما اعتبروه في الجواب، و إلا لكفى في التخلص إخبارهن بأيّ عدد اتفق.

و قد تقدّم في هذا المثال بحث في باب المفرد المضاف و المحلى فراجعه ثمّ‏ (2).

____________

(1) التمهيد: 444.

(2) قاعدة 56.

247

قاعدة «91» المحققون على أنّ الخبر إما صدق أو كذب، و الصدق هو المطابق للواقع، و الكذب غير المطابق.

و جعل الجاحظ بينهما واسطة، فقال: الصدق هو المطابق مع اعتقاد كونه مطابقا، و الكذب هو الّذي لا يكون مطابقا مع اعتقاد عدم المطابقة؛ فأما الّذي ليس معه اعتقاد فإنه لا يوصف بصدق و لا كذب، مطابقا كان أم غير مطابق‏ (1).

فالقسمة عنده ثلاثية.

و استند في ذلك إلى قوله تعالى‏ أَفْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (2) حيث حصر المشركون دعوى النبي (صلى اللَّه عليه و آله) للرسالة في الافتراء و الإخبار حال الجنون، بمعنى امتناع الخلو، و ليس إخباره حال الجنون كذبا، لجعلهم الافتراء في مقابلته، و لا صدقا، لأنهم لم يعتقدوا صدقه، فيكون قسما ثالثا.

و أجيب: بأن الافتراء هو الكذب عن عمد، فهو نوع من الكذب، فلا يمتنع أن يكون الإخبار حال الجنون كذبا أيضا، لجواز أن يكون نوعا آخر من الكذب، و هو الكذب لا عن عمد، فيكون التقسيم للخبر الكاذب أو للخبر مطلقا، و المعنى: أفترى أم لم يفتر، و عبّر عن الثاني بقوله‏ أَمْ بِهِ جِنَّةٌ لأن المجنون لا افتراء له.

إذا عرفت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما لو قال: إن شهد شاهدان بأن عليّ كذا فهما صادقان، فإنه يلزمه الآن‏

____________

(1) نقله عنه الآمدي في الأحكام 2: 17.

(2) سبأ: 8.

248

على القولين معا، لأنا قد قررنا أنّ الصدق هو المطابق للواقع، و إذا كان مطابقا على تقدير الشهادة لزم أن يكون ذلك عليه، لأنه يصدق كلما لم يكن ذلك على تقدير الشهادة، لم يكونا صادقين، لكنه قد حكم بصدقهما على تقديرها، فيكون ذلك عليه الآن.

و مثله لو قال: إن شهد عليّ شاهد، إلى آخره.

و ليس كذلك لو قال: إن شهد فلان عليّ بكذا فهو صادق. و إن صدق الدليل المذكور، لأن الشخص المعيّن يجري عليه عرفا ما لا يجري على الشاهد مطلقا، لجواز أن يعتقد المقرّ استحالة شهادته بذلك لاعتقاده صدقه، و أنه بري‏ء من المذكور.

و مثل ذلك في المحاورات واقع كثيرا، يقول أحدهم: إن شهد فلان أني لست لأبي فهو صادق، و لا يريد به صدقه في هذا الخبر، بل استحالة نطقه بالخبر، لاعتقاده صدقه.

و هذا لا يجري في مطلق الشاهدين، بل الشاهد الواحد المطلق، لأن الإنسان لا يعتقد في جميع الشهود أنهم لا يشهدون إلا صدقا، و إنما يجري في المعيّن.

قاعدة «92» الخبر المحفوف بالقرائن يفيد العلم، و إن لم يفده بدونها،

كمن يخبر عن مرضه عند الحكيم، و نبضه و لونه يدلان عليه. و كذا من يخبر عن موت أحد و النياح و الصياح في بيته، و كنّا عالمين بمرضه. و أمثال ذلك كثير.

و هل الإفادة من القرائن، أو منها و من الأخبار؟ وجهان.

و تظهر الفائدة: فيما لو دلّت القرائن على شي‏ء من غير خبر، و لعل الأول أظهر.

249

و من فروع القاعدة:

جواز أكل الضيف بتقديم الطعام من غير إذن، و التصرف في الهدية من غير لفظ، و الشهادة بالإعسار عند صبره على الجوع و العري في الخلوة، و القبول من الصبي المميز في الهدية، و فتح الباب.

و في رجوع بعض هذه إلى القاعدة نظر، لأنها إنما تستفاد من الظن الغالب لا العلم.

و قد اختلف الأصوليون و المحدّثون في قبول خبر الصبي الّذي لم يجرّب عليه كذب. و الأصح عندهم عدم القبول، إلا أن تحتف به القرائن كما ذكر، أو يكون ذا يد على ما يخبر بطهارته أو تنجيسه، أو يخبر بأن مثل هذا المرض يبيح التيمم أو الفطر، أو مخوّف يقتضي كون التصرفات من الثلث على القول بأنه الضابط، فيقبل من حيث إنّ ضابط ذلك الظن الغالب كيف اتفق، و أن ذا اليد قوله مقبول فيما في يده كذلك.

و من هذا الباب إخبار غير العدل من المكلّفين بما ذكر؟ لأن شرط المخبر العدالة، كما يشترط فيه البلوغ و العقل؛ و لكن هذه الموارد خرجت بدليل آخر.

250

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

251

المقصد الثالث في الإجماع‏

و هو اتفاق المجتهدين من أمة النبي (صلى اللَّه عليه و آله) على حكم، و هو حجة عند العلماء إلا من شذ.

و اختلفوا في مدرك حجيته، فالجمهور على أنه للآية [1] و الرواية [2]، و الخاصة على أنه دخول المعصوم فيهم.

و تظهر الفائدة فيما لو خالف غيره من المجتهدين، فإنه لا يقدح في حجية ما وافق هو عليه عند الخاصة، لأن العبرة بقوله؛ لكن يصدق معه أن الإجماع حجة و إن لم يكن من حيث هو إجماع.

و من هنا نسب بعضهم إلينا القول بأن الإجماع ليس بحجة (1)

____________

[1] و هي قوله تعالى: (وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى‏ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ‏) النساء: 115، و قوله تعالى: (وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ‏).

البقرة: 143.

[2] الروايات التي تمسكوا بها كثيرة منها «أمتي لا تجتمع على خطأ»، و «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن» و «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، و «يد اللَّه مع الجماعة»، و «سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على الضلالة فأعطيتها»، و غيرها.

____________

(1) منهم الرازي في المحصول 2: 8، و صاحبا مسلم الثبوت و شرحه فواتح الرحموت 2: 213، المطبوع مع المستصفى للغزالي.

252

و ليس بصحيح، و إنما الاختلاف في الحقيقة.

و عند الجمهور تقدح مخالفة غير النادر، و اختلفوا فيه على أقوال محرّرة في الأصول.

و فرّع أصحابنا- على ما وجّهوه من حجية الإجماع- كون إجماعهم خاصة حجة مع عدم تمييز المعصوم فيهم بعينه.

و عليه لو قدّر مخالفة واحد أو ألف معروفي النسب فلا عبرة بهم. و لو كانوا غير معروفين قدح ذلك في الإجماع. و في هذا كله عندي نظر قد حققته في محل مفرد.

و لا يخفى ما يتفرع عليه في تضاعيف الفقه من المسائل الخلافية، و هي أكثر من أن تحصى، بل هذا من أهم الأصول التي تبتني عليها الأحكام.

و كلامهم فيه غير منقّح، و مذاهبهم فيه مختلفة جدا لمن استقرأ كلامهم.

قاعدة «93» إذا قال بعض المجتهدين قولا و عرف به الباقون فسكتوا عنه و لم ينكروا عليه،

فالحق عندنا أنه لا يكون حجة و لا إجماعا؛ لأن السكوت أعم من الرضا به، و جاز أن يكون سكوته لتوقفه في المسألة، أو ذهابه إلى تصويب كل مجتهد، أو الخوف، أو غيرها. و من وجيز العبارة قولهم: لا ينسب إلى ساكت قول‏ (1).

و في المسألة للأصوليين مذاهب:

منها: أن يكون حجة و إجماعا مطلقا (2).

____________

(1) حكاه عن الشافعي في المستصفى 1: 191، و المحصول 2: 75.

(2) نقله عن الجبائي في المحصول 2: 74.

253

و منها: أنه حجة لا إجماع، لأن الظاهر الموافقة. اختاره الآمدي و وافقه ابن الحاجب في المختصر الكبير (1). و أما في المختصر الصغير فإنه جعل اختياره محصورا في أحد مذهبين، و هما القول بكونه إجماعا، و القول بكونه حجة (2).

و منها: أنه مع انقراض العصر، أي موت الساكتين، يتبين أنه إجماع، لأن استمرارهم على السكوت إلى الموت يضعّف الاحتمال‏ (3).

و فصّل خامس فقال: إن كان ذلك في غير عصر الصحابة فلا أثر له. و إن كان في عصرهم، فإن كان فيما يفوت استدراكه، كإراقة الدم و استباحة الفرج، فيكون إجماعا، و إن كان فيما لا يفوت، كأخذ الأعيان، كان حجة (4).

و في كونه إجماعا حتى يمتنع الاجتهاد وجهان.

إذا تقرر ذلك فللقاعدة فروع:

منها: إذا أتلف شيئا و مالكه ساكت يلزمه الضمان.

و منها: إذا حضر المالك عند الفضولي و سكت، فإنه لا يكون إجازة.

و كذا سكوت البائع على وطء المشتري في مدة خياره.

و منها: إذا قال في ملأ من الناس عن رجل معيّن: هذا عدل، و لم ينكر عليه أحد، لم تثبت عدالته بذلك عندنا، خلافا لأبي حنيفة، سواء كان القائل عدلا أم فاسقا (5).

و منها: إذا استلحق بالغا بنفسه، بأن قال: هذا ولدي، فسكت، فإنه لا يلحقه، بل لا بد من تصريحه بالتصديق. و قيل: يكفي هنا السكوت، اختاره‏

____________

(1) الإحكام في أصول الأحكام 1: 315، منتهى الوصول: 42، و هو المختصر الكبير.

(2) شرح المختصر لعضد الدين 1: 134.

(3) نقله عن أبي علي من المعتزلة في المعتمد 2: 66، و هو منقول عن البدنيجي من الشافعية.

(4) نقله عن الماوردي و الروياني في التمهيد: 453.

(5) أصول السرخسي 1: 370.

254

الشيخ (رحمه اللَّه)(1).

و منها: إذا استدخلت المرأة المولى منها ذكر الزوج لم تنحلّ يمينه بذلك، و هل تحصل به الفيئة و يرتفع حكم الإيلاء؟ وجهان.

و بقي أمور مخالفة لحكم القاعدة بدليل خارج:

منها: ما إذا (2) استؤذنت البكر فسكتت، فإنه يكفي على الصحيح، للنص‏ (3)، بخلاف غيرها. و ينبغي تقييده بعدم ظهور أمارة الكراهة منها.

و منها: ما إذا أخرج أحد المتبايعين من المجلس مكرها، فإن منع من الفسخ بأن سدّ فمه، لم ينقطع خياره؛ و إن لم يمنع انقطع. و يمكن إخراج هذا من القاعدة، من حيث إنّ المبطل لخياره حينئذ استصحاب حكم العقد، و تحقق المفارقة الموجبة للزوم.

و منها: ما لو حلق المحلّ رأس المحرم مع قدرته على الامتناع، فالسكوت فيه موجب للكفارة؛ و لو كان مكرها أو نائما فلا.

و أمور أخر مشكلة:

منها: إذا فعل مع الصائم ما يقتضي الإفطار، بأن طعن جوفه، و كان قادرا على دفعه، فلم يفعل، ففي فطره وجهان: من قدرته، و عدم فعله.

و مثله ما إذا نزلت النخامة إلى الباطن، و كان قادرا على مجّها، فتركها حتى جرت بنفسها.

و منها: إذا زوّج صغيرة بصغير، ثم دبّت الزوجة فارتضعت من أم‏

____________

(1) فتح العزيز 11: 188، النهاية للشيخ الطوسي: 684.

(2) في «د» زيادة: قال.

(3) الكافي 5: 394 باب استيمار البكر حديث 8، الوسائل 14: 206 أبواب عقد النكاح باب 5 حديث 1- 3.

255

الزوج رضاعا محرّما، و كانت الأم مستيقظة ساكتة، فهل يحال الرضاع على الكبيرة لرضاها، أم لا لعدم فعلها كالنائم؟ وجهان. و تظهر الفائدة في لزوم المهر.

و منها: إذا حلف لا يدخل الدار، فحمل بغير أمره، و كان قادرا على الدفع، فهل هو كدخوله مختارا؟ وجهان.

و منها: إذا ادّعى رقّ شخص بالغ في يده و باعه، و لم يصرّح الشخص له بالملك و لا بعدمه، فهل يكون اعترافا بملكه؟ وجهان.

و على التقديرين يجوز الإقدام على شرائه عملا بالظاهر، من أن الحر لا يسترق. و يحتمل عدم جواز شرائه حتى يصرّح بأنه مملوك.

و منها: إذا نقض بعض المشركين الهدنة، و سكت الباقون، فلم ينكروا على الناقضين بقول و لا فعل، ففي انتقاض عهدهم بذلك وجهان.

و إن أنكروا بالفعل أو القول، بأن بعثوا إلى الإمام بأنا مقيمون على العهد، لم ينتقض عهدهم.

مسألة: إذا اختلف أهل العصر على قولين، جاز بعد ذلك حصول الاتفاق منهم على أحد القولين، و يكون حجة، خلافا للصيرفي‏ (1).

و ادّعى بعضهم أنّ هذا الإجماع أقوى من إجماع لم يتقدمه خلاف، لأنه يدل على ظهور الحق بعد التباسه‏ (2).

و هذه المسألة لم يذكرها أصحابنا في كتب الأصول كغيرهم، و هي قليلة الجدوى على أصولنا، لأن العبرة إذا كانت بقول المعصوم، فلا أثر لقول من خالفه أولا، و لا لمن وافقه ثانيا. و فرضها في اتفاق جماعة غير منحصرين بعد

____________

(1) نقله عنه في المحصول 2: 66. و منهاج الوصول (الابتهاج): 199.

(2) حكاه الماوردي و الروياني كما في التمهيد: 458.

256

اختلافهم كذلك بعيد.

و على هذا فلو اختلفوا، ثم ماتت إحدى الطائفتين أو ارتدّت- و العياذ باللّه تعالى- فإنه يصير قول الباقين إجماعا، لكونه قول كل الأمة.

إذا عرفت ذلك فمن فروع المسألة:

ما إذا مات و خلّف ولدين، فأقرّ أحدهما بثالث، و أنكر الآخر، ثم مات المنكر و لم يخلّف وارثا غير الأخ، فإن المقرّ به يشاركه في النصف، لانحصار الإرث في المقرّ.

قاعدة «94» إذا أجمعوا في شي‏ء على حكم، ثم حدث في ذلك الشي‏ء المجمع عليه صفة، جاز الاجتهاد فيه بعد حدوث الصفة.

و قيل: لا يجوز، بل يستصحب الإجماع قبل الصفة بعدها، و يمتنع الاجتهاد (1).

و من فروعها:

جواز الاجتهاد في بطلان التيمم و عدمه بقدرة المتيمم على استعمال الماء بعد دخوله في الصلاة، مع أنهم أجمعوا على بطلان التيمم برؤية الماء قبل الشروع في الصلاة.

و الأصح عندنا عدم بطلانها، و هو موافق للقاعدة.

____________

(1) أصول السرخسي 2: 116، و نقله عن داود في التمهيد: 459.