تمهيد القواعد

- الشهيد الثاني المزيد...
648 /
257

المقصد الرابع في القياس‏

مقدمة: الاستدلال إما من الكلي على الجزئي، و هو القياس عند المنطقيين؛

أو من الجزئي على الجزئي، و هو القياس عند الفقهاء؛ أو من الجزئي على الكلي، و هو الاستقراء.

و حاصل القياس المبحوث عنه هنا: تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لعلة متحدة فيهما، كما يقال: النبيذ حرام كالخمر، لاشتراكهما في علة الحرمة و هي الإسكار، و كل واحد منهما جزئي للمسكر.

ثم العلة إن كانت منصوصة، فالعمل به جائز على أصح القولين عندنا، و إن كانت مستنبطة لم يجز.

و النص الدال عليها، إما أن يكون قطعيا في دلالته عليها، مثل: لعلة كذا، أو لسبب كذا، و من أجل كذا.

أو ظاهرا، مثل: لكذا، أو بكذا، أو أنه كذا. كما في قوله تعالى‏ وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ (1).

____________

(1) الذاريات: 56.

258

و قوله تعالى‏ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ* (1) و قوله (صلى اللَّه عليه و آله) في الهرّة: «إنها من الطّوافين عليكم» قال ذلك لما امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب، فقيل له: إنك تدخل بيت فلان و عنده هرة، فقال (صلى اللَّه عليه و آله) «أنها ليست بنجسة» إلى آخره‏ (2).

أو بالإيماء، كما إذا وقع جوابا عن السؤال، كما لو قيل له (صلى اللَّه عليه و آله): أفطرت في شهر رمضان، فيقول (صلى اللَّه عليه و آله): عليك الكفارة، فإنه يفيد ظن وجوب الكفارة للإفطار.

و كتقريره (صلى اللَّه عليه و آله) على وصف الشي‏ء المسئول عنه، كقوله (صلى اللَّه عليه و آله) لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: «أ ينقص إذا جف؟» قيل: نعم، قال: «فلا إذن» (3) ففهم منه أنّ النقص بسبب الجفاف علة الحكم، و نحو ذلك.

إذا عرفت ذلك فمما يتفرع عليه:

المنع من بيع العنب بالزبيب، و كل رطب بيابسه، للعلة المومى إليها. و وجوب غسل الجنابة لغيره، لقول الصادق (عليه السلام) لما سئل عن المرأة الجنب تريد الاغتسال فيأتيها الحيض و هي في المغتسل: «قد جاءها ما يفسد الصلاة، فلا تغتسل» (4) ففي قوله «قد جاءها ما يفسد الصلاة» إيماء إلى أنّ غسل الجنابة إنما وجب لأجل الصلاة، فإذا لم تجب عليها الصلاة لم يجب عليها الغسل.

____________

(1) الأنفال: 13.

(2) سنن النسائي 1: 55 باب سؤر الهرّة، سنن ابن ماجة 1: 131 حديث 367.

(3) سنن ابن ماجة 2: 761 حديث 2264، سنن النسائي 7: 268 باب اشتراء التمر بالرطب، الموطأ 2: 624 كتاب البيوع حديث 22.

(4) الكافي 3: 83 باب المرأة ترى الدم و هي جنب حديث 1، التهذيب 1: 370 حديث 1128، و في ص 395 حديث 1224، الوسائل 2: 565 أبواب الحيض باب 22 حديث 1.

259

مسألة: اختلف مجوز و القياس مطلقا في جوازه في الحدود و الكفارات و التقديرات و الرخص.

فجوّزه الشافعية فيها (1)، و منعه الحنفية (2).

فمن فروع الحدود:

إيجاب قطع النبّاش‏ (3)، قياسا على السارق؛ و الجامع أخذ مال الغير خفية.

و من فروع الكفارات:

إيجابها على قاتل النّفس عمدا، قياسا على المخطئ، لأنه هو المنصوص في الآية [1].

و إيجابها بالإفطار بالأكل قياسا على الوقاع؛ بجامع الإفساد.

و بقتل الصيد خطأ، قياسا عليه عمدا، المقيّد به النص، قال تعالى‏ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ‏ (4).

و من فروع المقدّرات:

إجزاء نزح دلو واحد في الفأرة إذا كان يسع عشرين دلوا.

و ذكروا للرخص فروعا:

منها: جواز التداوي بغير أبوال الإبل من النجاسات ما عدا الخمر الصرف على أصحّ القولين عندهم؛ و أصل الخلاف أنه (صلى اللَّه عليه و آله) أمر الجماعة الذين قدموا المدينة فمرضوا فيها أن يخرجوا إلى إبل النبي (صلى اللَّه عليه و آله) في البادية، و يشربوا من‏

____________

[1] وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى‏ أَهْلِهِ‏ الآية (النساء: 92).

____________

(1) الإحكام للآمدي 4: 64.

(2) فواتح الرحموت 2: 317، أصول السرخسي 2: 163.

(3) أي: قطع يد النبّاش الّذي ينبش القبور و يسرق الأكفان.

(4) المائدة: 95.

260

أبوالها و ألبانها، فشربوا فصحوا (1). فشربهم للأبوال رخصة، جوّز لأجل التداوي عند القائل بالنجاسة.

و منها: إذا صلى صلاة شدة الخوف، فمشى في أثنائها، و استدبر القبلة للحاجة إليه، لم تبطل صلاته، لورود النص بذلك‏ (2). فلو ضرب ضربات متوالية أو ركب و حصل من ركوبه فعل كثير فقيل: تبطل، لأن النص ورد في هذين، فلا يقاس عليهما غيرهما، لأن الأصل في الفعل الكثير هو البطلان‏ (3) و قيل: لا تبطل، قياسا على ما ورد (4).

و منها: أنه ورد الحديث الصحيح بجواز الصوم عن الميت‏ (5)، مع أنّ القاعدة امتناع النيابة في الأفعال البدنية، فاختلفوا في تعديته إلى الصلاة و الاعتكاف، فالأكثر على منعه.

و نقل النوويّ في «شرح مسلم عن جماعة من العلماء أنه يصل إلى الميت ثواب جميع العبادات من الصلاة و الصوم و القراءة و غير ذلك. قال:

و حكى صاحب «الحاوي» عن عطاء بن أبي رباح و إسحاق بن راهويه: أنهما قالا بجواز الصلاة عن الميت، و مال الشيخ أبو سعيد عبد اللَّه بن أبي عصرون من أصحابنا المتأخرين في كتابه «الانتصاف» إلى اختيار هذا، قال: و دليلهم‏

____________

(1) صحيح البخاري 7: 160 كتاب الطب، صحيح مسلم 3: 499 كتاب القسامة حديث 1671، سنن ابن ماجة 2: 1158 كتاب الطب حديث 3503.

(2) الكافي 3: 459 باب صلاة المطاردة حديث 6، 7، التهذيب 3: 173 حديث 283، الوسائل 5:

482 أبواب صلاة الخوف باب 3 حديث 2- 4.

(3) شرح فتح القدير 2: 66، المهذب (المجموع) 4: 425، و نقله عن الشافعي.

(4) التمهيد للأسنوي: 464، فتح العزيز 4: 646، المجموع 4: 427، و نقلوه عن ابن سريج و القفال و أبي إسحاق.

(5) الكافي 3: 196 باب الرّجل يموت و عليه من صيام شهر رمضان و غيره، الوسائل 7: 340 أبواب أحكام شهر رمضان باب 23، صحيح البخاري 3: 45 باب من مات و عليه صوم.

261

القياس على الدعاء و الصدقة و الحج، فإنها مما تصل بالإجماع‏ (1).

مسألة: اختلفوا أيضا في جواز القياس في اللغات، كما إذا ثبتت تسمية محل باسم لمعنى مشترك بينه و بين غيره،

فهل يسمى ذلك الغير بذلك الاسم، لوجود المعنى المقتضي للتسمية، و ذلك كتسمية اللائط زانيا، و النباش سارقا؟

فجوّزه في المحصول‏ (2)، و نقله ابن جني في الخصائص عن أكثر اللغويين، كأبي علي، و المازني‏ (3).

و ذهب جماعة منهم الآمدي‏ (4)، و ابن الحاجب‏ (5)، و جزم به في المحصول في كتاب الأوامر و النواهي في آخر المسألة الثانية (6) إلى منعه.

و فائدة الخلاف في هذه المسألة: ما ذكره في المحصول‏ (7)، و هي صحة الاستدلال بالنصوص الواردة في الخمر، و السرقة، و الزنا، على شارب النبيذ، و النباش، و اللائط.

مسألة: ترتيب الحكم على الوصف المناسب يقتضي العلية عند أكثر مجوّزي القياس بالعلة المستنبطة،

بمعنى كون الوصف المناسب علة لذلك الحكم، كقولك: اقطع يد السارق، و اقتل هذا القاتل.

____________

(1) شرح مسلم (إرشاد الساري) 4: 374.

(2) المحصول 2: 418.

(3) الخصائص 1: 111.

(4) الإحكام 1: 88.

(5) منتهى الوصول: 18.

(6) المحصول 1: 197.

(7) المحصول 2: 418.

262

فإن لم يكن مناسبا، فالمختار عند الآمدي و ابن الحاجب و جماعة أنه لا يفيدها (1). و اختار البيضاوي عكسه‏ (2)، و استدل عليه بأن قول القائل: أهن العالم و أكرم الجاهل مستقبح، مع أنّ ذلك قد يحسن لمعنى آخر، فدل على أنه لفهم التعليل. فإن كان الترتيب بالفاء أفاد العلية، سواء دخلت على الحكم، كقوله تعالى‏ وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (3) و قول الراوي: زنى ماعز فرجم‏ (4)، أو على الوصف، كقوله (صلى اللَّه عليه و آله) «لا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» (5).

إذا تقرّر ذلك فمن فروع المسألة:

ما إذا سمع مؤذنا بعد مؤذن، فأصح الوجهين استحباب حكاية الجميع، لقوله في الحديث: «إذا سمعتم المؤذن» (6) و هو متحقق فيهما، إلا أنّ الأول متأكد الاستحباب.

و منها: إذا لم يسمع بعض الفصول، فالمتجه أن يجيب فيه، لقوله في الحديث: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول» و لم يقل: فقولوا مثل ما تسمعون.

____________

(1) الإحكام 3: 285، منتهى الوصول: 133.

(2) منهاج الأصول (نهاية السؤل) 4: 63، منهاج الأصول (الابتهاج): 227

(3) المائدة: 38.

(4) صحيح مسلم 3: 527 كتاب الحدود حديث 18.

(5) صحيح مسلم 3: 39 كتاب الحج حديث 103، سنن ابن ماجة 2: 1030 حديث 3084، سنن النسائي 5: 196 كتاب المناسك باب كم يكفن المحرم.

(6) صحيح البخاري 1: 159 باب ما يقول إذا سمع المنادي، صحيح مسلم 1: 367 كتاب الصلاة حديث 384، سنن ابن ماجة 1: 238 حديث 720، سنن النسائي 2: 25 باب الصلاة على النبي بعد الأذان.

263

مسألة: صلاحية كون الشي‏ء جوابا لسؤال مغلّبة على الظن أنه جواب،

كقول الأعرابي: واقعت أهلي يا رسول اللَّه، فقال: «أعتق رقبة» (1). و هذا من قياس الإيماء كما تقدم.

و للمسألة فروع:

منها: ما إذا قالت له زوجته و اسمها فاطمة: طلّقني، فقال: فاطمة طالق، ثم قال: نويت فاطمة أخرى، طلّقت الملتمسة على أحد الوجهين، و لا يقبل قوله، لدلالة الحال. بخلاف ما لو قال ابتداء: طلقت فاطمة، ثم قال:

نويت أخرى.

و منها: لو قيل له: كلّم زيدا اليوم، فقال: و اللَّه لا كلمته، فمقتضى الجواب الحلف على ترك كلامه اليوم، و إطلاقه يقتضي الأبد. هذا إذا لم ينو شيئا، و إلا تعيّن ما نواه. و لعل العمل بالتأبيد هنا مع الإطلاق أقوى.

و منها: إذا قالت له زوجته: إذا قلت لك طلقني ما تقول؟ فقال، أقول:

أنت طالق. فقيل: لا يقع الطلاق عليه ظاهرا، لأنه إخبار عما يفعل في المستقبل‏ (2)، عملا بالجواب المطابق للسؤال؛ إلا أن يقصد غيره، و هو طلاقها المنجز، فتطلق.

مسألة: التعليل بالمظنة صحيح عند مجوّزي التعليل المستنبط، كتعليل جواز القصر و غيره من الرخص بالسفر الّذي هو مظنة للمشقة،

و هو قريب من اختلاف النحاة في حد الضرورة المجوّزة في الشعر ما يمنع في غيره.

____________

(1) صحيح البخاري 3: 41 كتاب الصوم، صحيح مسلم 2: 481 باب تغليظ تحريم الجماع في رمضان حديث 111، سنن ابن ماجة 1: 534 حديث 1671.

(2) نقله عن الرافعي في التمهيد: 476.

264

و للمسألة فروع:

منها: إذا قال لزوجته: إن كنت حاملا فأنت عليّ كظهر أمي، و كان يطؤها، و هي ممن تحمل، فهل يجب التفريق إلى أن يستبرئها الزوج؟

فيه وجهان، أجودهما: لا، لأن الأصل عدم الحمل؛ و وجه المنع أن الوطء مظنة له.

و منها: تعليلهم بمنع العبد من الصوم المندوب بغير إذن سيده، لأنه مظنة الضرر، بضعفه عن خدمته.

و هل يجوز أن يصوم في وقت لا ضرر عليه فيه؟ الأصح‏ (1): لا، لأن الضرر أمر مظنون به، و قد يظنه العبد غير مؤثر في الخدمة، مع أنه مؤثر.

و منها: أنهم جوّزوا للمعتكف الخروج إلى بيته للأكل، و قضاء الحاجة، لاستحيائه من فعل ذلك مع الطارقين هناك.

فلو اعتكف في موضع مغلق عليه، أو كان المسجد نفسه مهجورا يغلقه على نفسه إذا دخل إليه، فيتّجه امتناع الخروج، لانتفاء المعنى. و يحتمل الجواز، اعتبارا بالمظنة، لأن المسجد من شأنه الطروق.

مسألة: إذا تردد فرع بين مشابهة أصلين، أحدهما يشبهه في الصورة؛ و الآخر يشبهه في المعنى،

و عبّر بعضهم عنه بالمشابهة في الحكم، فلا خلاف بينهم- كما قاله الغزالي في المستصفى‏ (2)- أن ذلك حجة، لتردده بين قياسين مناسبين‏ (3). و لذلك سمي: قياس غلبة الأشباه‏ (4).

____________

(1) في «م»: الصحيح.

(2) المستصفى 2: 315.

(3) في «م»، «ح»: متناسبين.

(4) في «ح»: الاشتباه.

265

و اختلفوا في المعتبر منهما، فقال الشافعي: تعتبر المشابهة المعنوية (1). و قال أبو بكر بن عليّة: تعتبر الصورية (2). و منه إيجاب أحد التشهد الأول كالثاني‏ (3)، و عدم إيجاب أبي حنيفة الثاني كالأول‏ (4).

إذا تقرر ذلك فمن فروع المسألة:

ما إذا قتل عبدا و كانت قيمته تزيد على الدية، فإن القيمة تجب عند الشافعي‏ (5) و إن زادت، إلحاقا له بسائر المملوكات، لمشاركته لها في المعنى.

و قال غيره: لا يزاد على الدية، نظرا إلى مشابهته الحرفي الصورة. و هذا القول عندنا منصوص الثبوت لا لهذه العلة.

و منها: السلت- بسين مهملة مضمومة و لام ساكنة و تاء مثناة من فوق- و هو حبّ يشبه الحنطة في الصورة، إذ هو على لونها و نعومتها، و يشبه الشعير في برودة الطبع. هذا هو المنقول عن اللغويين‏ (6) و المعروف عند الفقهاء (7)، و عكسه بعضهم‏ (8).

و قد اختلف فيه فقيل: إنه يلحق بالحنطة حتى يكمل به نصابها (9).

____________

(1) الرسالة: 542، و نقله عنه في نهاية السؤل 4: 105، و التمهيد: 479.

(2) نقله عنه في نهاية السؤل 4: 105، و التمهيد: 479.

(3) المغني 1: 578.

(4) المغني 1: 578.

(5) الأم 6: 25.

(6) المصباح المنير 1: 284، و نقله عن الأزهري في مجمع البحرين 2: 205. (سلت)

(7) الخلاف 2: 65، الشرح الكبير 9: 525.

(8) انظر النهاية لابن الأثير 2: 388.

(9) قواعد الأحكام 1: 55.

266

و قيل: بالشعير (1)، و قيل: جنس مستقل لتعارض المعنيين‏ (2).

قاعدة «95» تعليل الحكم الواحد بعلتين جائز في العلل المنصوصة عندنا،

و وافقنا جماعة ممن جوّز التعليل بالمستنبطة، منهم الرازي في «المحصول» في الكلام على الفرق‏ (3)، و تابعه البيضاوي‏ (4). و أصحاب هذا القول سمّوا علل الشرع معرّفات لا مؤثرات، فلا يضر اجتماعها، كما يمتنع اجتماع العقلية.

و في المسألة أقوال، ثانيها: الجواز مطلقا، لما ذكر في الأول‏ (5).

و ثالثها: المنع مطلقا، لأن استناد الحكم إلى أحدهما يقتضي صرفه عن الآخر، و اختاره الآمدي‏ (6).

و رابعها: يجوز في المنصوصة للدليل الأول، دون المستنبطة، للدليل الثاني‏ (7).

قال الآمدي: و محل الخلاف الواحد بالشخص، كتحريم امرأة بعينها، و وجوب قتل شخص بعينه، قال: و أما الواحد بالنوع- كالتحريم من‏

____________

(1) الأحكام السلطانية للفراء الحنبلي 122، الأحكام السلطانية للماوردي: 118. المغني و الشرح الكبير 2: 55، شرائع الإسلام 1: 116.

(2) الأم 2: 35، التمهيد: 480.

(3) المحصول 2: 380.

(4) نهاية السؤل 4: 195، منهاج الوصول (الابتهاج): 237.

(5) منتهى الوصول: 128.

(6) الإحكام 3: 258.

(7) المستصفى 2: 342، و هو منقول عن القاضي الباقلاني.

267

حيث هو- فيجوز بلا خلاف‏ (1).

إذا تقرر ذلك فمن فروع القاعدة:

ما إذا أحدث إحداثا، ثم نوى حالة الوضوء رفع بعضها، و فيه وجوه، أصحها: يكفي، لأن الحدث نفسه كالنوم و نحوه لا يرتفع، و إنما يرتفع حكمه، و هو واحد و إن تعدّدت أسبابه.

و الثاني: لا يكفي مطلقا.

و الثالث: إن نوى الأول صح، و إلا فلا.

و الرابع: عكسه.

و الخامس: إن نفى غير المنويّ لم يصح، و إلّا صح.

و منها: إذا صادف نذران زمانا واحدا، كما إذا قال: إن قدم زيد فلله عليّ أن أصوم اليوم الثاني لقدومه، و إن قدم عمرو فلله عليّ أن أصوم أول خميس، فقدما معا يوم الأربعاء، فلا يجزي صيامه عنهما معا على القول بعدم اجتماع العلل، بل يصوم عن أول نذر، و يقضي يوما للنذر الثاني. و الأقوى إجزاؤه عنهما.

و مثله ما لو نذر صوم سنة معيّنة، ثم قال: إن شفى اللَّه مريضي فلله عليّ صوم الأثانين من هذه السنة، بناء على جواز نذر الواجب.

و منها: إذا شرط المتبايعان خيارا، ففي ابتداء الخيار المشروط من حين العقد أم التفرق قولان: أصحهما الأول، فيجتمع قبل التفرق خياران، و حينئذ فيبقى له الفسخ بكل منهما.

و لو اشترى غائبا بالوصف فخيار الرؤية يثبت أيضا عندها، و قد يجامع الخيارين الآخرين، و قد يجامعها خيار الغبن و العيب و الحيوان و غيرها.

ثم إن فسخ العاقد بجميعها انفسخ بها، و إن صرّح بالبعض انفسخ به،

____________

(1) الإحكام 3: 258.

268

و إن أطلق انفسخ بالجميع أيضا، لأنه ليس بعضها أولى من بعض. و كذا في الإجازة إذا أجاز الجميع أو أطلق، و لو أجاز في البعض بقي الخيار بالباقي.

و منها: ما إذا وطئ امرأتين، و اغتسل عن الجنابة، و أخبر أنه لم يغتسل عن الثانية، فعلى القول بعدم تعددها، و أن المؤثر الأول، فهو صادق، و على الأول كاذب.

و منها: أن المرأة إذا كانت جنبا فحاضت ثم اغتسلت، و كانت قد حلفت أنها لا تغتسل عن الجنابة في وقت معيّن ينعقد فيه النذر، فالعبرة بنيتها، فإن نوت الاغتسال عنهما تكون مغتسلة عنهما و تحنث، و إن نوت عن الحيض وحده لم تحنث، لأنها لم تغتسل عن الجنابة، و إن كان غسلها مجزيا عنهما معا.

و يحتمل الحنث مطلقا حيث نقول بتداخل الأغسال، لأن ارتفاعه يدل على الاغتسال له.

269

المقصد الخامس في أدلة اختلف فيها

قد سبق في أول الكتاب الخلاف في الأفعال قبل البعثة، هل هي على الإباحة، أم التحريم، أم على التوقف؟

و أما بعد الشرع، فمقتضى الأدلة الشرعية أن الأصل في المنافع الإباحة، لقوله تعالى‏ خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (1) و في المضارّ- أي مؤلمات القلوب- هو التحريم، لقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» (2) كذا ذكره الرازي‏ (3) و الآمدي‏ (4) و أتباعهما (5). و نقل بعضهم فيها ثلاثة أوجه كالسابقة (6).

____________

(1) البقرة: 29.

(2) الفقيه 4: 243 حديث 1، الوسائل 17: 376 أبواب موانع الإرث باب 1 حديث 10.

(3) المحصول 2: 541.

(4) نقله عنه في التمهيد: 487.

(5) التحصيل من المحصول للأرموي 2: 311، 314.

(6) منقول عن التحقيق و شرح المهذب كما في التمهيد: 488.

270

إذا علمت ذلك فللمسألة فروع:

منها: إذا وجدنا شعرا و لم ندر هل هو من مأكول أم لا، من نجس العين أم لا، فهل هو نجس أم طاهر؟ و على تقدير طهارته، هل هو يعفى عنه في الصلاة أم لا؟ أوجه، مبنية على هذا الأصل.

و يقوى الفرق بين الطهارة و العفو، لأن النجاسات محصورة، و الأصل عدم كونه منها؛ بخلاف غير المعفوّ عنه، فإنه غير منحصر، لكثرة الحيوان المحرم على وجه لا ينضبط، كما نبهوا عليه في مواضع:

منها: في المتولد بين مأكول و غيره، إذا لم يلحق بأحدهما، و لا بمعلوم الجنس، فإنهم حكموا بطهارته و تحريمه، عملا بالأصلين المنضبطين. و على هذا فيحكم بطهارة الشعر المذكور و عدم العفو عنه.

و كذا القول في العظم و نحوه.

و من هنا حكموا أيضا بأنه لو اشتبه الدم الطاهر بالنجس، يحكم بطهارته.

و لكن حكموا أيضا بأنه لو اشتبه بالمعفو عنه حكم بالعفو.

و هذا لا يتم على ما ذكرناه، بل على القاعدة، و هي بعكسه على التفصيل؛ إلا أن يقال: المعفو عنه من الدم أيضا غير منحصر، لعدم انحصار أفراده من الحيوان الّذي من جملته دم ما نفس له، بخلاف أفراد ما يعفى عنه من الشعر و العظم، فإنه منحصر في الحيوان المحلل، و هو محصور. و هذا حسن.

و منها: إذا رأى شخصا و لم يدر هل هو ممن يحرم النّظر إليه أم لا، كما لو شك هل هو ذكر أم أنثى، أو شك في أنّ الأنثى محرم أم أجنبية، أو أن الأجنبية حرة أم أمة. و نحوه، فيتجه تخريج جوازه على هذه القاعدة.

و منها: إذا لم يعرف حال النهر، هل هو مباح أم مملوك، فهل يجري عليه حكم الإباحة أو الملك؟ وجهان، مفرعان على الأصل المذكور.

و منها: الثوب المركب من الحرير و غيره، إذا شككنا في استهلاك‏

271

الحرير، فهل يجوز لبسه أم لا؟ وجهان مرتبان. و لعل المنع هنا أوجه، لوجود الحرير المانع، مع الشك في المبيح، و هو الاستهلاك، فإن الأصل عدمه.

قاعدة «96» استصحاب الحال حجة عند أكثر المحققين،

و قد يعبّر عنه: بأن الأصل في كل حادث تقديره في أقرب زمان، و بأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.

و هو أربعة أقسام:

أحدها: استصحاب النفي في الحكم الشرعي إلى أن يرد دليل، و هو المعبّر عنه بالبراءة الأصلية.

و ثانيها: استصحاب حكم العموم إلى أن يرد مخصص، و حكم النص إلى أن يرد ناسخ، مع استقصاء البحث عن المخصص و الناسخ إلى أن يظن عدمه أو مطلقا، على اختلاف الرأيين للأصوليين.

و ثالثها: استصحاب حكم ما ثبت شرعا، كالملك عند وجود سببه، و شغل الذّمّة عند إتلاف أو التزام إلى أن يثبت رافعه.

و رابعها: استصحاب حكم الإجماع في موضع النزاع، كما تقول:

الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، للإجماع على أنه متطهر قبل هذا الخارج، فيستصحب، إذ الأصل في كل متحقق دوامه إلى أن يثبت معارض، و الأصل عدمه. و كما تقول في المتيمم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة: لا ينتقض تيممه، للإجماع على صحة صلاته قبل وجوده، فيستصحب حتى يثبت دليل يخرج عن التمسك به.

إذا تقرر ذلك فللقاعدة فروع كثيرة مشهورة:

منها: لو علم بنجاسة الماء بعد الطهارة منه، و شك في سبقها عليها، فإن‏

272

الأصل عدم تقدمها و صحة الطهارة؛ كما أنه لو علم سبقها، و شكّ في بلوغ الكرية، فالأصل عدمه.

و قيل: هو من باب تعارض الأصلين، لأن الأصل طهارة الماء و الشك في تأثيره بالنجاسة. و يضعف بأن ملاقاة النجاسة المعلومة رفعت حكم الأصل السابق.

و منها: لو كان كرا فوجد متغيّرا، و شك في تغيّره بالنجاسة أو بالأجون‏ (1)، فالبناء على الطهارة، لأنها الأصل المستصحب، و لا معارض له هنا.

و منها: لو شك في الطهارة مع تيقن الحدث أو بالعكس، فإنه يستصحب حكم ما علمه و يطرح المشكوك فيه. أما لو تيقنهما و شك في السابق منهما، فإنه من باب تعارض الأصلين، و سيأتي.

و منها: ما لو وجد على بدنه أو ثوبه المختص منيا، فإنه يحكم بجنابته من آخر نومة، أو جنابة ظاهرة يحتمل كونه منها، لأصالة عدم تقدمه. و يضعف به قول من حكم بها من أول نومة، و إن كان أحوط. فعلى ما اخترناه يعيد كل صلاة لا يحتمل سبقها، و على القول الآخر يعيد كل صلاة لا يعلم سبقها.

و منها: ما لو وجب عليه زكاة أو خمس أو كفارة و شك في أدائها، فإن الأصل عدمه، و استصحاب ما وجب أولا، و عكسه لو شك في بلوغ النصاب فالأصل عدمه.

و ليس منه ما لو علم النصاب في الجملة فأخرج عن بعضها، بحيث يشك في وجود النصاب في الباقي، فإن ذلك لا يكفي في إسقاط الواجب، لتعلّق الزكاة سابقا بالذمة، بل بالمال، فلا يبرأ منه إلا بتيقن الخروج عن العهدة.

بخلاف ما لو شك في تعلق الوجوب بالمال ابتداء، فإن أصالة البراءة و عدم بلوغ النصاب لا معارض له.

____________

(1) الآجن: الماء المتغير الطعم و اللون، و قد أجن يأجن أجنا و أجونا (الصحاح 5: 2067). (أجن)

273

و منها: ما لو شك في عروض مبطل للطهارة، أو الصلاة، أو الصوم، أو الاعتكاف، أو غيرها من العبادات، فالأصل عدمه، و استصحاب الصحة التي افتتحت عليها العبادة.

و منه ما لو شك المعتكف في زمن خروجه، هل هو طويل يخرج عن كونه معتكفا عادة أم لا، مع الاضطرار إليه و نحوه.

و كذا الشك في الأفعال بعد الفراغ من الفعل، لأصالة البراءة و عدم المفسد. و يشكل لو كان الفعل مما يقضى، فإن الأصل عدم فعله و الإفساد (1).

و كذا لو أوجب سجود السهو، فالأولى حينئذ أن يكون من باب تعارض الأصلين، و إن كان الحكم هنا شرعا البناء على الفعل، للنص. و يمكن جعله أيضا من باب تعارض الأصل و الظاهر.

أما الشك في نفس فعل الصلاة، فإن كان في وقتها فالأصل عدم فعلها، فيجب عليه الصلاة، و إن كان بعده تعارض الأصل و الظاهر، و سيأتي.

و منها: عدم قتل الصبي الّذي يمكن بلوغه، لأصالة عدمه حيث لا يوجد ما يدل على بلوغه.

و لو وجد منبتا فادعى استعجاله بالدواء، تعارض الأصلان، و سيأتي.

و منها: دعوى المشتري العيب أو تقدّمه، و دعوى الغارم نقصان القيمة في أبواب المعاملات أجمع، و هي مشهورة.

و منها: إذا شك الصائم في دخول الليل، فالحكم استصحاب بقاء النهار، فلا يجوز الفطر إلى أن يتحقق الدخول حيث يمكن.

و لو شك في طلوع الفجر جاز له استصحاب الليل، فيأكل إلى أن يتحقق دخوله، عملا بالأصل فيهما، و إن وجب القضاء لو تبين خلافه، حيث يكون‏

____________

(1) في «د»، «م»: و لا إفساد.

274

مقصرا في المراعاة على بعض الوجوه، فإن ذلك بدليل خارجي.

و كذا القول لو شك في دخول وقت الصلاة حيث يمكنه العلم، فلا يجوز له الدخول فيها حتى يتبين الدخول. و لو شك في خروجه فالأصل بقاؤه، فينوي الأداء.

و لو لم يكن له طريق إلى العلم بالوقت جاز التعويل على الظن في أوله.

و في الرجوع إليه في آخره أو استصحاب البقاء إلى أن يثبت، وجهان، أظهرهما الثاني.

و منها: ما إذا ادعى عينا، فشهدت له بينة بالملك في وقت سابق، أو أنه كانت ملكه، ففي قبولها وجهان: من أن ثبوت الملك سابقا يوجب استصحاب حكمه، فيحصل الغرض منها، و من عدم منافاة الشهادة لملك غيره له، إذ يصدق ما ذكره الشاهد و إن كان الآن ملكا لغيره، مع علم الشاهد به و عدمه.

فمن ثم احتاط المتأخرون و أوجبوا (ضميمة أنه) (1) باق إلى الآن، أو لا نعلم له مزيلا، لينتفي احتمال علمهما بملك غير المشهود له ظاهرا.

و على القاعدة يجوز للشاهد أن يشهد باستمرار الملك إلى الآن، حيث لا يعلم له مزيلا، عملا بالاستصحاب، كما له أن يشهد بأنه لا يعلم له مزيلا.

و قد حكموا بأنه لو قال: لا أدري زال أم لا، لا يقبل. و ينبغي عدم الفرق بينه و بين السابق، لانتفاء المانع المذكور مع الحكم بالاستصحاب.

و أما الفرق بين الصيغتين: بأن الثانية تشتمل على تردد مع اشتراط الجزم في الشهادة بخلاف الأولى، فمما لا يجدي، لتحقق الجزم فيهما بأصل الملك؛ و الشك في استمراره لا يزول بكونه لا يعلم المزيل، و الاستصحاب يجري فيهما.

و يتفرع عليه أيضا، ما لو قال المدعى عليه: كان ملكك بالأمس، أو قال‏

____________

(1) في «د»: ضمانة.

275

المقر بذلك ابتداء، فقيل: لا يؤاخذ به، كما لو قامت بينة بأنه كان ملكه بالأمس‏ (1). و الأقوى أنه يؤاخذ، كما لو شهدت البينة أنه أقر أمس.

و الفرق على هذا بين أن يقول: كان ملكه بالأمس، و بين أن تقوم البينة بذلك، أنّ الإقرار لا يكون إلا عن تحقيق، و الشاهد قد يخمّن، حتى لو استندت الشهادة إلى تحقيق بأن قال: هو ملكه اشتراه منه بالأمس، قبلت.

و منها: لو تعارض الملك القديم و اليد الحادثة، ففي ترجيح أيّهما قولان.

و مأخذ تقديم الملك السابق قاعدة الاستصحاب، فيتعارض حينئذ الملك و اليد، و الأول مقدّم، كما لو شهدت البينة لأحدهما بالملك، و للآخر باليد في الحال.

و منها: لو اتفقا على الإنفاق على الولد من يوم موت الأب، و لكن تنازعا في تاريخ موته، فقال الولد: من سنة مثلا، و قال الوصي: من سنتين، فالقول قول اليتيم، لأصالة بقاء الحياة إلى وقت الاتفاق على زوالها، و براءة الصبي من الغرم، و ماله من استحقاق غير المالك.

و منها: لو شكّت الحائض في انقضاء أيام العادة مع استمرار الدم، بأن لم تحفظ الأيام الماضية، أو شكت المرضعة في عدد الرضعات، أو ابتداء الرضاع، لتغييره بالزمان، أو شك ذو الخيار في انقضاء مدته و نحو ذلك، فالأصل يقتضي بقاء ما كان من حل و حرمة و خيار و حيض، و عدم مضيّ الزمان المشكوك فيه.

و كذا لو شكّت في أثناء المدة التي يتحقق معها اليأس، فإن الأصل بقاؤها، و لا تعارضه أصالة وجوب العبادة قبل حصول الدم، فيستصحب، لأن ذلك الوجوب ساقط مع الدم في وقت إمكان كونه حيضا؛ و يمكن على بعد كونه من باب تعارض الأصلين.

و منها: لو شكّت المرأة في كونها قرشية، فإن كل من لا يعرف نسبها

____________

(1) حكاه الرافعي في فتح العزيز 11: 115.

276

يمكن كونها قرشية في سائر الآفاق، ما لم يعلم انتفاؤها عنها. فالأصل عدم كونها منها، لأن هذا النسب طارئ على الناس، و الأصل يقتضي عدم التولد من «النضر بن كنانة». و يمكن ردها إلى تعارض الأصلين أيضا، استصحابا لحكم سقوط العبادة مع رؤية الدم الّذي يمكن كونه حيضا في نفس الأمر.

و منها: لو اختلف الموهوب له و الوارث في أنّ الهبة و نحوها من التبرعات وقعت في الصحة أو المرض، فإن علم موت الموروث في مرض فالأصل عدم تقدّم الهبة عليه، فيقدم قول الوارث؛ و إن لم يعلم موته في مرض‏ (1) بأن احتمل موته فجأة أو بالقتل، فالمقدم قول الموهوب، لأصالة عدمه.

و في المسألة وجه بتقديم قول الوارث مطلقا، نظرا إلى الغالب، فيرجع الأمر حينئذ إلى تعارض الأصل و الظاهر.

و منها: ما لو أوصى بحمل‏ (2) فلانة، فإنه إنما يعطى ولدها إذا تيقنّا وجوده في حال الوصية، بأن ولدته لدون ستة أشهر. فلو ولدته لأزيد منها إلى الأقصى، و كان لها زوج أو مولى يغشاها لم يعط، لإمكان تجدده. و لو كانت خالية منهما تعارض الأصل و الظاهر، و سيأتي‏ (3). و كذا لو أقر له بشي‏ء.

و منها: لو أقر بجميع ما في يده أو ينسب إليه لغيره، فتنازعا في بعض ما في يده، هل كان موجودا حال الإقرار أم لا؟ فالقول قول المقر، لأصالة عدم تقدمه. و لو قال: ليس في يدي إلا ألف و الباقي لزيد، قبل أيضا.

و منها: ما لو شكّ هل أحرم بالحج قبل أشهره أم فيها، كان محرما بالحج، لما ذكرناه. فإنه على يقين من هذا الزمان، و شك في تقدمه.

و منها: لو نوى الملتقط تملّك اللقطة قبل التعريف أو الحول، ضمن، و إن‏

____________

(1) في «م»: مرضه.

(2) كذا، و الأصح: لحمل.

(3) قاعدة: 99.

277

عاد إلى نية الأمانة، استصحابا لما سبق.

و مثله ما لو فرّط الأمين- كالودعي- ثم ردّه إلى الحرز و نحوه، فإن الضمان لا يزول بذلك، استصحابا لما ثبت.

و منها: إذا ادعى بهيمة أو شجرة و أقام عليها بينة، فإنه لا يستحق الثمرة و النتاج الحاصلين قبل إقامة البينة، لأن البيّنة و إن كانت لا توجب ثبوت الملك، بل تظهره بحيث يكون الملك سابقا على إقامتها، إلا أنه لا يشترط السبق بزمن طويل، و يكتفى بلحظة لطيفة في صدق الشهود، و لا يقدّر ما لا ضرورة إليه.

و مقتضى هذا الأصل: أنّ من اشترى شيئا فادعاه مدع و أخذه منه بحجة مطلقة لا يرجع على بائعه بالثمن، لاحتمال انتقال الملك من المشتري إلى المدعي. و قد ذهب إليه بعضهم‏ (1)، لكن المشهور ثبوت الرجوع‏ (2).

بل لو باع المشتري أو وهب و انتزع المال من المتّهب أو المشتري منه كان للمشتري الأول الرجوع أيضا.

قيل: و سبب ذلك الحاجة إليه في عهدة العقود، و لأن الأصل أن لا معاملة بين المشتري و المدعي، و لا انتقال منه، فيستدام الملك المشهود به إلى ما قبل الشراء (3).

و منها: لو قال البائع: بعتك الشجرة بعد التأبير (4) فالثمرة لي، و قال المشتري: بل قبله فهي لي. و تقديم قول البائع هنا أقوى، لأصالة بقاء ملكه.

و يمكن رده إلى تعارض الأصلين، لأصالة عدم تقدم كل منهما، فيرجح البائع‏

____________

(1) نقله عن القاضي حسين في التمهيد: 495.

(2) منهم المحقق في الشرائع 3: 771، و العلامة في التحرير 2: 242، و ابن قدامة في الشرح الكبير 5: 427، و الرافعي في فتح العزيز 11: 289.

(3) هذا قول الرافعي كما في التمهيد: 496.

(4) التأبير: التلقيح (الصحاح 2: 574).

278

بما ذكر بعد التساقط.

و منها: إذا قالت: طلّقني على ألف، فطلقها، ثم اختلفا، فقال الزوج:

طلّقتك عقيب سؤالك، و قالت المرأة: بل بعده بحيث لا يعد جوابا، فالقول قولها لما ذكرناه، و ليس معه هنا ترجيح بأصالة الصحة، لأن طلاقه صحيح على التقديرين؛ بل معها أيضا أصالة براءة ذمتها من الألف.

و منها: إذا استأجر الصبي مدة يبلغ فيها بالسن، فإن الإجارة لا تصح في المدة الواقعة بعد البلوغ على الأصح.

هذا إذا كان رشيدا حال الإجارة، و إنما يتوقف كماله على البلوغ. أما لو كان غير رشيد، فيمكن أن يقال بالصحّة، لأصالة بقاء الحجر بالسفه، فيلحق ما بعد البلوغ بالمدة التي يشك في البلوغ فيها كالسنة الرابعة عشر، مع أن الأقوى فيها الصحة.

نعم لو بلغ رشيدا حيث لم يكن حاصلا حالة الإجارة، وقف في الباقي على إجازته على الأقوى. و لا يخفى رجوع هذه الفروع إلى القاعدة.

و مما يتفرع على ذلك: ما لو غاب الصبي عن وليّه مدة يبلغ فيها بالسن، فهل يجوز له التصرف في ماله بناء على أصالة عدم الرشد، أم يصير أمره إلى الحاكم بحكم الغيبة؟ المتجه على ما فصلناه بقاء ولاية الأب، و على ما أطلقه جماعة من عدم صحة إجارة مدة تزيد عما يحصل فيه البلوغ زوالها حينئذ.

فهذه نبذة من الفروع المترتبة على القاعدة، و ألحق بها ما يحضرك منها، فإنه كثير جدا، و هي من أشرف القواعد.

مسألة: قول الصحابي ليس بحجة عندنا مطلقا من حيث هو صحابي،

و عند الشافعي هو حجة فيما ليس للاجتهاد فيه مجال. فإنه قال: روي عن علي (عليه السلام) أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات، و قال: لو

279

ثبت ذلك عن علي لقلت به، فإنه لا مجال للقياس فيه، فالظاهر فعله توقيفا (1).

و أما قوله في الأمور المجتهد فيها، فلا يكون حجة على أحد من الصحابة المجتهدين بالاتفاق، كما قاله الآمدي‏ (2) و ابن الحاجب‏ (3). و هل يكون حجة على غيرهم حتى يجب عليهم العمل به؟ فيه مذاهب، أصحها أنه ليس بحجة.

و فرّعوا على ذلك فروعا:

منها: ما إذا أصاب الرّجل بمكة حماما من حمامها فعليه شاة، اتباعا لجماعة من الصحابة (4). و ربما علّل بأن الشاة مماثلة للحمامة في ألف البيوت فيدخل في إطلاق الآية (5).

و منها: ترك قتل الراهب اتباعا للأول، و غير ذلك‏ (6).

____________

(1) الرسالة للشافعي: 597- 1807.

(2) الإحكام في أصول الأحكام 4: 155.

(3) منتهى الوصول: 154.

(4) كتاب الأم 2: 195.

(5) الأنعام: 95.

(6) كتاب الأم 4: 240.

280

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

281

المقصد السادس في التعادل و التراجيح‏

مقدمة: الأمارتان- أي الدليلان الظنيان- يجوز تعارضهما في نفس المجتهد بالاتفاق،

و أما تعادلهما في نفس الأمر فمنعه جماعة، لعدم فائدتهما (1)، و ذهب الجمهور إلى الجواز (2).

و على هذا فقيل: يتخيّر المجتهد بينهما (3) و قيل: يتساقطان و يرجع إلى البراءة الأصلية (4).

و إذا قلنا بالتخيير لو وقع ذلك للقاضي فحكم بإحداهما مرة، فهل يجوز له الحكم بالأخرى مرة أخرى؟ وجهان.

و فصّل الرازي في الأمارتين طريقة ثالثة فقال: إن كانتا على حكمين متنافيين لفعل واحد كإباحة و حرمة، فهو جائز عقلا ممتنع شرعا، و إن كانتا على‏

____________

(1) نقله عن أبي الحسن في المعتمد 2: 306، و عنه و عن أحمد بن حنبل في الإحكام 4: 203.

(2) كما في المحصول 2: 434، و اختاره ابن الحاجب في منتهى الوصول: 160، و الآمدي في الأحكام 4: 203.

(3) فواتح الرحموت 2: 189، منهاج الوصول (الإبهاج 3: 132، نهاية السؤل 4: 437).

(4) حكاه في التمهيد: 505، و نهاية السؤل 4: 437.

282

حكم واحد في فعلين متنافيين فهو جائز و واقع، و مقتضاه التخيير (1).

و الدليل على الوقوع تخيير المالك لمائتين من الإبل بين أربع حقاق و خمس بنات لبون.

إذا علمت ذلك فمن فروع المسألة:

ما إذا تحيّر المجتهد في القبلة، فعند الجمهور يصلي إلى أيّ جهة شاء، عملا بالقاعدة؛ و عندنا الأمر كذلك مع ضيق الوقت عن الصلاة إلى الأربع جهات، و إلا وجب مقدما على ذلك، لقدرته على الصلاة إلى القبلة أو ما في حكمها يقينا، فلا يجوز له الانتقال إلى غيره. فإذا صلى إلى أربع جهات متقاطعة على زوايا قوائم فهو إما مصل إلى القبلة أو منحرف عنها إلى حد لا يبلغ اليمين أو اليسار، و ذلك أيضا في حكم القبلة للمتحيّر في صحة الصلاة مطلقا؛ بخلاف ما إذا اقتصر على واحدة، أو صلى متعددا على غير ذلك الوجه.

نعم لو ضاق الوقت عن ذلك رجعنا إلى القاعدة.

و لكن يبقى أنه لو قدر على ما دون أربع فهل تجزيه الواحدة؟ مقتضى التعليل الإجزاء لأنه لا يقدر على اليقين بالثلاث، فضلا عما دونها، فتكون الثلاث و الواحدة سواء، فيتخير، عملا بالقاعدة.

و يحتمل الوجوب، و به صرّح بعضهم‏ (2)، للأمر بالأربع في مرسلة خداش عن الصادق (عليه السلام)(3)، فيدخل ما دونها عند تعذرها في وجوب الإتيان بما يستطاع من الأمر حيث يتعذر إكماله.

____________

(1) المحصول 2: 434.

(2) الشرائع 1: 52، القواعد 1: 27.

(3) التهذيب 2: 45 حديث 144، الاستبصار 1: 295 حديث 1085، الوسائل 3: 226 أبواب القبلة باب 8 حديث 5.

283

و هذا إنما يتم لو جعلنا الخبر حجة على الحكم كالشيخ‏ (1) و جماعة (2).

و فيه نظر، لإرساله و جهالة راويه.

و إنما صرنا نحن إليه جعلا للزائد عن الفريضة من باب المقدمة حيث توقفت البراءة عليه كوجوب الصلاة الواحدة متعددة في الثياب المشتبهة بالنجس بحيث يزيد عن عدد النجس بواحد من باب المقدمة؛ و مثل هذا لا يحتاج إلى نصّ. و عليه فلو تعذر فعل ما يحصل به اليقين، لم يحصل الغرض من الزائد عن واحدة، و إن كان أقرب إلى احتمال المطابقة، فإن مجرد ذلك غير كاف في الحكم بوجوب الزائد.

و ذهب السيد رضي الدين بن طاوس- (رحمه اللَّه)- هنا إلى الرجوع إلى القرعة، استضعافا لمستند وجوب الصلاة إلى الأربع‏ (3)، و هو حسن حيث لا يمكن فعل المجموع كما ذكر، لتعذّر الصلاة إلى القبلة و ما في حكمها يقينا، فيرجع إلى القرعة الواردة شرعا لكل أمر مشتبه‏ (4). أما مع إمكان الصلاة إلى الأربع فإنه يقدم على القرعة لما حققناه.

قاعدة «97» إذا تعارض دليلان فالعمل بهما و لو من وجه أولى من إسقاط أحدهما بالكلية،

لأن الأصل في كل واحد منهما هو الإعمال، فيجمع بينهما بما أمكن،

____________

(1) كما في التهذيب 2: 45.

(2) كالعلامة في المنتهى 1: 220.

(3) الأمان من إخطار الأسفار و الأزمان: 94.

(4) التهذيب 6: 240 حديث 593، الوسائل 18: 187 أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى باب 13 حديث 11، 18 بلفظ آخر.

284

لاستحالة الترجيح من غير مرجح.

و من فروع القاعدة:

ما إذا أوصى بعين لزيد، ثم أوصى بها لعمرو، فقيل: يشرك بينهما، لاحتمال إرادته، عملا بالقاعدة (1). و الأصح كونه رجوعا.

و هذا بخلاف ما لو قال: (الّذي أوصيت به لزيد قد أوصيت به لعمرو) (2) أو قال لعمرو: قد أوصيت لك بالعبد الّذي أوصيت به لزيد، فإنه رجوع هنا قطعا.

و الفرق: أنه هناك يجوز أن يكون قد نسي الوصية الأولى، فاستصحبناها بقدر الإمكان على القول بالتشريك، و هنا بخلافه.

و منها: إذا قامت البينة بأن جميع الدار لزيد، و قامت أخرى بأن جميعها لعمرو، و كانت في يدهما، أو لم تكن في يد واحد منهما، فإنها تقسم بينهما.

و لو كان بين الدليلين عموم و خصوص من وجه، و هما اللذان يجتمعان في صورة، و ينفرد كل منهما عن الآخر في أخرى، كالحيوان و الأبيض، طلب الترجيح بينهما، لأنه ليس تقديم خصوص أحدهما على عموم الآخر بأولى من العكس، فإن الخصوص يقتضي الرجحان، و قد ثبت هاهنا لكل واحد منهما، خصوصا بالنسبة إلى الآخر، فيكون لكل منهما رجحان على الآخر. كذا جزم به في «المحصول» (3) و غيره‏ (4).

إذا علمت ذلك فمن فروع القاعدة:

تفضيل فعل النافلة في البيت على المسجد الحرام، فإن قوله صلى اللَّه‏

____________

(1) الأم 4: 118، المغني لابن قدامة 6: 483، التمهيد: 506.

(2) بدل ما بين القوسين في «ح»: أوصيت لك بالعبد الّذي أوصيت به لعمرو.

(3) المحصول 2: 451.

(4) نهاية السؤل 4: 453.

285

عليه و آله: «صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما عداه، إلا المسجد الحرام» (1) يقتضي تفضيل فعلها فيه على البيت، لعموم قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «فيما عداه»، و قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» (2) يقتضي تفضيل فعلها فيه على المسجد الحرام و مسجد المدينة.

و يرجح الثاني أن حكمة اختيار البيت عن المسجد: هو البعد عن الرياء المؤدي إلى إحباط الأجر بالكلية، و هو حاصل مع المسجدين.

و أما حكمه المسجدين: فهي الشرف المقتضي لزيادة الفضيلة على ما عداهما، مع اشتراك الكل في الصحة، و حصول الثواب، و محصل الصحة أولى من محصل الزيادة.

و يمكن ردّ هذا إلى الأولى، فيعمل بكل منهما من وجه، بأن يحمل عموم فضيلة المسجد على الفريضة، و عموم فضيلة البيت على النافلة، لأن النافلة أقرب إلى مظنة الرياء من الفريضة، و هذا هو الأصح، و فيه مع ذلك إعمال الدليلين، و هو أولى من اطراح أحدهما.

و منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (3) فإن‏

____________

(1) الكافي 4: 555 حديث 8، 10، التهذيب 6: 15 حديث 30- 33، الوسائل 3: 435 أبواب أحكام المساجد باب 57. صحيح البخاري 2: 76 باب فضل الصلاة في مسجد مكة و المدينة، صحيح مسلم 3: 180 كتاب الحج حديث 505- 510، سنن ابن ماجة 1: 450 حديث 1404- 1405، الموطأ 1: 196 كتاب القبلة حديث 9.

(2) صحيح البخاري 1: 186 باب صلاة الليل، صحيح مسلم 2: 209 كتاب صلاة المسافرين حديث 213، مسند أحمد 5: 182، الموطأ 1: 130 كتاب صلاة الجماعة حديث 4.

(3) صحيح البخاري 1: 155 باب من نسي صلاة، صحيح مسلم 2: 127 كتاب المساجد 15 حديث 309، 315، 316، سنن النسائي 1: 295 فيمن نسي الصلاة، مختصر سنن أبي داود.

1: 250 حديث 408 باب فيمن نام عن صلاة، الموطأ 1: 15 كتاب و قوت الصلاة حديث 25، الوسائل 5: 347 أبواب قضاء الصلوات باب 1 حديث 1، باب 2 حديث 3.

286

بينه و بين نهيه (صلى اللَّه عليه و آله) عن الصلاة في الأوقات المكروهة (1) عموما و خصوصا من وجه، لأن الخبر الأول عام في الأوقات، خاص ببعض الصلوات، و هي المقضية؛ و الثاني عام في الصلاة، خاص ببعض الأوقات، و هو وقت الكراهة، فيصار إلى الترجيح.

و المرجح للأول أنه (صلى اللَّه عليه و آله) قضى سنّة الظهر بعد فعل العصر، و قال:

«شغلني عنها وفد عبد القيس» (2) و لما في المبادرة إلى القضاء من الاحتياط و المسارعة إلى الخير و براءة الذّمّة.

هذا بالنظر إلى ما ورد عنه (صلى اللَّه عليه و آله)، و أما على ما رواه أصحابنا من اختصاص الكراهة بغير ذات السبب‏ (3) فالحكم واضح.

و منها: عدم كراهة الصلاة في الأوقات المكروهة بمكة- شرّفها اللَّه تعالى- فإن قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «يا بني عبد مناف من ولي منكم أمر هذا البيت فلا يمنعنّ أحدا طاف أو صلى آية ساعة شاء من ليل أو نهار» (4) مع نهيه (صلى اللَّه عليه و آله) عن الصلاة في الأوقات المكروهة، فيتعارضان من وجه، فقيل: يقدّم خصوص مكة، لعموم:

«الصلاة خير موضوع» (5) و نحوه، و ظاهر الأصحاب تقديم عموم الكراهة.

____________

(1) صحيح البخاري 1: 152 باب الصلاة بعد الفجر، صحيح مسلم 2: 244 كتاب صلاة المسافر باب 53 حديث 833، سنن النسائي 1: 275 الساعات التي نهي عن الصلاة فيها، مختصر سنن أبي داود 2: 81 حديث 1229- 1235 باب الصلاة بعد العصر.

(2) صحيح البخاري 1: 153 باب مواقيت الصلاة، صحيح مسلم 2: 245 كتاب صلاة المسافرين ب حديث 297، مختصر سنن أبي داود 2: 80 حديث 1228 باب الصلاة بعد العصر، سنن النسائي 1: 280 باب الرخصة في الصلاة بعد العصر، إلا أن فيه: فشغلت عنها.

(3) الاستبصار 1: 290 حديث 1061، و ص 277 حديث 1007- 1011.

(4) سنن النسائي 1: 284 باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة (بتفاوت يسير)، سنن ابن ماجة 1: 398- 1254 باب 149.

(5) معاني الأخبار: 333.

287

فائدة: إذا تعارض ما يقتضي إيجاب شي‏ء مع ما يقتضي تحريمه، فإنهما يتعارضان،

كما قاله في «المحصول» (1) و غيره‏ (2) حتى لا يعمل بأحدهما إلا بمرجح، لأن الخبر المحرّم يتضمن استحقاق العقاب على الفعل، و الموجب يتضمنه على الترك. و جزم الآمدي‏ (3) و جماعة (4) بترجيح المحرّم، للاعتناء بدفع المفاسد. و لكن ذكر الآمدي و ابن الحاجب أيضا أنه: «يرجح الأمر بالفعل على النهي عنه» (5).

و في معنى ما ذكرناه ما لو دار الأمر بين ترك المستحب، و فعل المنهي عنه.

إذا علمت ذلك فللقاعدة فروع:

منها: إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، فإنه يجب غسل جميعهم و الصلاة عليهم. فإن صلّى عليهم دفعة جاز، و يقصد المسلمين منهم؛ و إن صلّى عليهم واحدا فواحدا جاز، و نوى الصلاة عليه إن كان مسلما، و يقول اللهم اغفر له إن كان مسلما. و الصلاة عليهم دفعة أفضل، فيكون تخصيص المسلم كتخصيص العام بالنية.

و اختلاط الشهداء بغيرهم، كاختلاط المسلمين بالكفار، لأن الشهداء لا يجوز تغسيلهم.

و منها: إذا لم يعرف أنّ الميت مسلم أو كافر. فإن كان في دار الإسلام صلّى عليه، لأن الغالب فيها الإسلام؛ بخلاف ما إذا كان في دار الكفر.

____________

(1) المحصول 2: 450.

(2) نهاية السؤل 4: 452، 460.

(3) الإحكام في أصول الأحكام 4: 259، 269.

(4) منهم صاحب فواتح الرحموت 2: 206، و ابن الحاجب في المنتهى: 167.

(5) حكاه عنهما في التمهيد: 510.

288

و لا فرق بين كون الغالب في تلك البقعة المسلمين أو الكفار. و لو قيل بالتفصيل كان وجها، إلا أنه مطرح عند الفقهاء.

و على الأول، فلو استوى المسلمون و الكفار في الدار بحيث لا يحكم لأحدهما، أو استويا في تلك البقعة على الوجه الآخر، بني على تغليب الحرمة على الوجوب و عدمه.

و منها: إذا لم يعلم الميت شهيدا أم غيره، فالمتجه وجوب تغسيله و تكفينه، لأن المقتضي له و هو الإسلام قائم، و قد شككنا في المسقط، و الأصل عدمه؛ و التعليق هنا على قوله إن كان كذا، بعيد، لأنه (لم) (1) يعتمد أصلا يتمسك به؛ بخلاف الاختلاط، فإن الموجب متحقق، فيجب تعاطيه بما يمكن التوصل إليه.

و منها: إذا شك المتوضئ هل غسل مرّة أو مرتين، احتمل الأخذ بالأكثر، فلا يغسل أخرى، لأنه مرتكب بدعة بتقدير الزيادة، و تارك للسنة بتقدير النقصان، و لكن المشهور هنا أن يأتي بالمشكوك فيه، لأصالة عدم الفعل.

و إنما تكون الزيادة بدعة بتقدير العلم بها، لا مطلقا.

قاعدة «98» إذا تعارض معنا أصلان عمل بالأرجح منهما، لاعتضاده بما يرجحه.

فإن تساويا خرج في المسألة وجهان غالبا، و لذلك صور:

منها: ما إذا وقعت في الماء نجاسة، و شك في بلوغه الكرية، فهل يحكم بنجاسته أم بطهارته؟ فيه وجهان:

أحدهما: الحكم بنجاسته، و هو المرجّح، لأن الأصل عدم بلوغ الكرية.

____________

(1) ليست في «م».

289

و الثاني: أنه طاهر، لأن الأصل في الماء الطهارة.

و يضعّف بأن ملاقاة النجاسة رفعت هذا الأصل، لأن ملاقاتها سبب في تنجيس ما تلاقيه مع اجتماع جميع المعدات لقبول التنجيس، و منها كونه لا يبلغ الكر، و هو مشكوك فيه، فينتفي بالأصل.

و لا يخفى أن الحكم بالنجاسة مطلقا لا يتم إلا مع عدم تعيّن الاستعمال، و إلا وجب اعتباره، لأنه إذا توقف استعمال الماء الطاهر على الاعتبار وجب، و لم يجز التيمم بدونه، و لا الصلاة بالنجاسة.

و إطلاقهم الحكم بنجاسته حينئذ محمول على تعذر اعتباره، بوقوع ماء آخر فيه حصل به الجهل بقدر الماء الأول حين ملاقاة النجاسة له، و نحوه.

هذا كله إذا أمكن الحكم بأصالة القلة، فلو كان الماء كثيرا ثم نقص، و لاقته النجاسة، و شك في قدر الباقي منه، فالأصل استصحاب الكثرة السابقة، و عدم نقصان ما ينقصه عن الكر، و وجوب الطهارة به، فلا يعدل عنه إلى التيمم و ما في معناه؛ إلا مع تيقن عدمه، كما لو كان كرا فوجد فيه نجاسة و شك في وقوعها قبل بلوغ الكرية أو بعده، لوجود المقتضي للطهارة، و هو بلوغ الكرية، و الشك في المانع، و هو سبق النجاسة، فينتفي بالأصل.

و منها: مسألة الصيد الواقع في الماء القليل بعد رميه بما يمكن موته به، و اشتبه استناد الموت إلى الماء أو الجرح، فإن الأصل طهارة الماء، و تحريم الصيد، حيث إنّ الأصل عدم حصول شرائط التذكية؛ و الأصلان متنافيان، لأن طهارة الماء تقتضي عدم نجاسة الصيد، المقتضي لعدم موته حتف أنفه، و تحريمه يقتضي عدم ذكاته، المقتضي لموته حتف أنفه، فالعمل بهما مشكل.

فإنه كما يستحيل اجتماع الشي‏ء مع نقيضه، يستحيل اجتماعه مع نقيض لازمه، و موت الصيد يستلزم نجاسة الماء، فلا يجامع الحكم بطهارته، كما لا

290

يجامع تذكيته؛ و كذلك ترجيح أحد الأصلين من غير مرجّح.

و لا ريب أن مراعاة جانب الاحتياط أولى، إن لم ينحصر الماء الواجب استعماله فيه، بأن يضيق وقت العبادة المشروطة بالطهارة، و لا يجد غير ذلك الماء، و نحو ذلك.

و ربما قيل: إنّ العمل بالأصلين المتنافيين واقع في بعض المسائل، كما لو ادّعت الزوجة وقوع العقد في الإحرام، فإنه يحلف، و ليس لها حينئذ المطالبة بالنفقة، و لا له التزويج بأختها. و الفرق بينه و بين ما هنا لا يصح.

و منها: إذا وقع في الماء القليل روثة، و شك هل هي من مأكول اللحم، أو غيره؛ أو مات فيه حيوان، و شك هل هو ذو نفس أم لا. و فيه وجهان:

أحدهما: أنه نجس، لأن الأصل في الأرواث و الميتات النجاسة، و متى حكم بطهارة شي‏ء منها فهو رخصة في أمور مخصوصة، و الأصل عدم كونه منها؛ بخلاف ما يوجب النجاسة، فإنه غير منحصر.

و الثاني: أنه طاهر، لأن الأصل في الماء الطهارة، فلا يزال عنها بالشك.

و قد منع بعضهم أن الأصل في الأرواث النجاسة، لأن ما روثه طاهر من الحيوان غير منحصر أيضا، فإذا تعارضا بقي الماء على أصل الطهارة.

و الّذي تقتضيه أصولنا أنّ المحلّل من الحيوان غير الطير منحصر، و المحرّم غير منحصر؛ و في الطير غير منحصر فيهما، لأن ضابط المحلّل و المحرّم منه ما اشتمل على أحد الأوصاف الثلاثة التي هي: القانصة، و الحوصلة، و الصيصية، و عدمه. فإن احتمل كون الروثة من طائر فالثاني أقوى، و إلا فالأوّل.

و منها: إذا وقع الذباب على نجاسة رطبة، ثم سقط بالقرب على ثوب، و شك في جفاف النجاسة ففيه وجهان، أحدهما: ينجس، لأن الأصل بقاء الرطوبة. و الثاني: لا، لأن الأصل طهارة الثوب. و يمكن أن يدفع الأصل الأول الثاني، لأنه طارئ عليه ينافيه، و هو الوجه.

291

و منها: ما لو تيقن الطهارة و الحدث في وقت سابق، و شك في اللاحق منهما للآخر، فإن استصحاب حكم كل واحد يوجب اجتماع النقيضين، و لا ترجيح.

و في المسألة أوجه، و في تحقيقها طول؛ و الأقوى البناء على الحدث، حيث لا نستفيد من الاتحاد و التعاقب حكما يخالفه.

و منها: إذا صلي جمعتان فصاعدا في فرسخ فما دون، و اشتبه السبق و الاقتران، تعارض أصلا عدم تقدم كل منهما، فيحصل التعارض. و ذلك في قوة الاقتران، فيعيدون جميعا الجمعة (1) كما لو لم يصلوها؛ و لأنها ثابتة في الذّمّة فتستصحب إلى أن يعلم المزيل، و هو مرجح آخر.

و قيل: تجب عليهم جميعا جمعة و ظهر، لاحتمال سبق أحدهما، و هو يوجب الظهر عليهم حيث يقع الاشتباه، كما لو علم السابق و اشتبه؛ و الاقتران‏ (2) و هو يوجب الجمعة. فأحدهما في الذّمّة، و لا يعلم بعينه، فيجبان، كما يجب الفرضان المختلفان كمية على من فاته أحدهما و لم يعلمه بعينه‏ (3).

و منها: إذا أدرك الإمام في الركوع، فكبّر و ركع معه، و شك هل رفع إمامه قبل ركوعه أم بعده؟ و المذهب أنه لا يعتد له بتلك الركعة، لأن الأصل عدم الإدراك، مع أنه معارض بأصالة بقاء الإمام في الركوع.

و منها: إذا شكّ في شي‏ء من أفعال الصلاة بعد الفراغ الموجب فواتها للإعادة، أو القضاء، أو لسجود السهو، فإن الأصل عدم الإتيان به، و الأصل صحة الصلاة، و عدم وجوب القضاء و سجود السهو، و المذهب هو الثاني.

و منها: العبد الآبق المنقطع خبره، هل تجب فطرته أم لا؟ وجهان،

____________

(1) في «د»: بجمعة.

(2) أي: و لاحتمال التقارن.

(3) إيضاح الفوائد 1: 123.

292

أصحهما الوجوب، لأصالة بقاء حياته؛ و وجه العدم أصالة براءة الذّمّة من وجوب الزكاة، و هو مندفع بأن الأصل الأول طارئ عليه رافع له.

و منها: جواز عتقه عن الكفارة. و الأقوى الجواز، لأصالة بقاء الحياة.

و وجه العدم أنّ الأصل بقاء الكفارة في الذّمّة إلى أن تتحقق البراءة بحياته؛ و قد يعضده الظاهر الدال على هلاك العبد من انقطاع خبره و نحوه.

و منها: إذا ظهر بالمبيع عيب، و اختلفا، هل حدث عند المشتري أم عند البائع. ففيه وجهان:

أحدهما: القول قول البائع، لأن الأصل سلامة المبيع، و لزوم البيع بالتفرق.

و الثاني: القول قول المشتري، لأن الأصل عدم القبض المبرئ.

و منها: إذا ادعى بعد بلوغه و عقله أنه باع و هو صبي، و ادعى المشتري أنه كان بالغا، تعارض أصلا بقاء الصبا و تأخر العقد؛ لكن مع المشتري مرجح أصالة صحة العقد، فالعمل بأصله أقوى.

و مثله ما لو ادعى وقوعه حالة الجنون إن عرف له حالة جنون، و إلا فلا إشكال في تقديم المشتري.

و كذا القول في غيره من العقود، كما إذا ادعى الزوج عدم البلوغ حالة العقد، أو الزوجة كذلك، و نحوه.

و منها: إذا وجد رأس المال في يد المسلّم إليه، فقال المسلّم: أقبضتكه بعد التفرق فيكون باطلا، و قال الآخر: بل قبله، و لا بيّنة لأحدهما، تعارض أصلا عدم القبض قبل التفرق، و التفرق قبله؛ و الترجيح هنا لمدعي الصحة.

و مثله ما لو وجد في يد المسلّم فقال المسلّم إليه: قبضته قبل التفرق ثم رددته إليك، و قال المسلّم: إنه لم يقبضه. إلا أن التعارض هنا بين عدم القبض‏

293

و أصالة الصحة.

أما لو اختلفا في أصل القبض من غير تعرّض لما ذكر فالقول قول البائع و إن تفرّقا، لأنه منكر.

و في مسألة الرد إنما يقبل قوله في الصحة، لا في رد الثمن، لأنها دعوى تفتقر إلى البينة بعد اعترافه بوصوله إليه. نعم يتوجه له على المسلّم اليمين في عدم الرد، كما يثبت على المسلّم إليه اليمين‏ (1) في كونه قبضه.

و منها: لو اختلف المتبايعان في وقت الفسخ، فقال أحدهما: فسخت في وقته، و قال الآخر: بل بعد مضيّ وقته، تعارض أصلا بقاء و عدم تقدّم الفسخ على الوقت الّذي يعترف به مدعي التأخر، و الترجيح مع مدعي الصحة كالسابق.

و منه ما لو اتفقا على التفرّق، و قال أحدهما: فسخت للمجلس قبله، و أنكر الآخر.

و منها: ما لو باعه غير المشاهد حال البيع مع العلم به قبله، ثم اختلفا في التغيّر، تعارض أصلا عدم التغير، و عدم علم المشتري بهذه الحالة. و قد اختلف في تقديم أيّهما.

و الوجه تقديم المشتري إن كان هو المدّعي للتغيّر الموجب للخيار، لانعضاد أصله بأصالة عدم وصول حقه إليه، و بقاء يده على الثمن. و لو انعكس الفرض، بأن ادعى البائع تغيّره بالزيادة، و أنكر المشتري، فالوجهان، و الأصلان. إلا أنّ المرجّح هنا مع البائع.

و لو اتفقا على تغيّره، لكن اختلفا في تقدّمه و تأخره، و احتمل الأمران، فالوجهان.

و لو وجداه تألفا، و اختلفا في تقدّم التلف عن البيع و تأخره، أو لم‏

____________

(1) في «د»، «م»: الثمن.

294

يختلفا، تعارض أصلا عدم تقدم كل منهما، و يتّجه تقديم حق المشتري، لأصالة بقاء يده على الثمن، و ملكه له مع الشك في تأثير العقد، لتعارض الأصلين.

و منها: لو اختلف الراهن و المرتهن في تخمير العصير عند الرهن أو بعده، لإرادة المرتهن فسخ البيع المشروط به، فالأصل صحة البيع، و الأصل عدم القبض الصحيح، إلا أنّ الأول أقوى، لتأيّده بالظاهر من صحة القبض.

و كذا لو كان المبيع عصيرا.

و منها: لو أذن المرتهن للراهن في البيع، ثم رجع و اختلفا، فقال الراهن:

إنما رجعت بعد البيع، و قال المرتهن: قبله، فالأصل عدم الرجوع قبل البيع، و عدم البيع قبل الرجوع، فيتعارضان. و تبقى مع الراهن أصالة صحة البيع، فقيل: يترجّح به‏ (1)، و مع المرتهن أصالة بقاء الرهن، فقيل: يترجح به، للشك في صحة البيع مستجمعا للشرائط (2)، و هو آت في بقاء الرهن كذلك، إلا أنّ الشك في بقائها يوجب استصحابه، بخلاف البيع، فكان ترجيح جانب الوثيقة أقوى.

هذا إذا أطلقا الدعويين، أو اتفقا على زمن واحد تتعارض فيه الأصول، أما لو اتفقا على زمن أحدهما، و اختلفا في تقدّم الآخر، فإن الأصل مع مدعي التأخر ليس إلا.

و منها: من لزمه ضمان عين لو وصفها (3) بعيب ينقص القيمة، و أنكر المستحق، فهل يقبل قوله في دعوى العيب، لأنه غارم و الأصل براءة ذمته، أو قول خصمه في إنكار العيب، لأن الأصل عدمه؟ أوجه، ثالثها- و هو الأجود- التفصيل، فإن أقرّ بالعين مطلقا، أو قامت بها البينة، ثم ادعى العيب، فالقول‏

____________

(1) قواعد الأحكام 1: 167.

(2) قواعد الأحكام 1: 167.

(3) في «د»: وضعها.

295

قول المستحق، لأصالة السلامة.

و إن أقرّ بها ابتداء معيبة، بحيث اتصل وصف العيب بالإقرار بها، لم يلزمه زيادة عما أقرّ به، و الأصل براءة ذمته من غير ما أقر به؛ و أصالة السلامة منتفية هنا، إذ لم تتحقق في ذمته عين صحيحة و لا مطلقة، بل موصوفة بالعيب الّذي ادعاه ابتداء.

و منها: لو قال الكفيل: لا حقّ لك على المكفول حالة الكفالة، و لا يلزمني إحضاره، تعارض أصلا براءة الذّمّة، و صحة العقد؛ و الأقوى ترجيح قول المكفول له كغيره ممن يدعي صحة العقد، و الآخر فساده، فيحلف المكفول له، و يلزم الكفيل إحضاره.

و منها: ما لو أجره عبدا و سلّمه إليه، ثم ادعى المستأجر أنّ العبد آبق من يده، و أنكر الآخر، ففي قبول قوله وجهان: من أصالة عدم الإباق، و أن الموجر يملك الإجارة كلها بالعقد، فيستصحب، و من أصالة عدم تسليم المنفعة المعقود عليها.

و لو ادعى أنّ العبد مرض، فالقول قول المؤجر، لأصالة عدمه. و الفرق بينه و بين الإباق: أنّ المرض يمكن إقامة البينة عليه، بخلاف الإباق. و لو قيل بالتسوية بينهما كان حسنا.

و منها: إذا ادعى أنّ شريكه اشترى بعده، و أنه يستحق عليه الشفعة، فأنكر الشريك، فالأصل عدم استحقاقه عليه الشفعة؛ لكنه معارض بأن الأصل عدم تقدم شراء الشريك، فيحكم بتأخره إلى أن يتحقق وجوده، و ذلك يوجب تأخره عن شريكه، فيتعارض الأصلان. و حينئذ فيبقى ملكه في يده لعدم دليل يخرجه عنه.

و منها: لو تداعيا معا السبق، و أراد كل منهما الأخذ من الآخر بالشفعة، فالأصل يقتضي عدم سبق كل منهما، و عدم استحقاق الآخر للشفعة عليه،

296

فيتساقطان، و يتحالفان، و يستقر ملكهما على ما كان، و تنتفي الشفعة.

و منها: لو اختلف الجاعل و المجعول له في السعي، فقال المالك: حصل في يدك قبل الجعل، و قال الراد: بل بعده، تعارض أصلا براءة ذمة الجاعل من المال، و عدم تقدّم الحصول على الجعل. و إذا تعارضا لم يبق دليل على شغل ذمة المالك، فيقدم قوله بيمينه.

و مثله ما لو قال: حصل في يدك قبل علمك بالجعل، أو من غير سعي، و إن كان بعد صدوره.

و منها: ما لو وكّل في تزويج ابنته، فحصل موت الموكّل و وقوع النكاح، و شككنا في السابق، فالأصل عدم النكاح، و بقاء الحياة. و المتجه عدم صحة النكاح، لتعارض الأصلين، فتبقى أصالة التحريم. أو يقال: إذا وجب في الحادث تقدير وجوده في أقرب زمان، لزم اقترانهما في الزمان، و حينئذ فيحكم بالبطلان.

و منها: لو حصل العدد المعتبر من الرضاع، و شك في وقوعه في الحولين أو بعدهما، تعارض أصلا بقائهما و بقاء الحل. و في ترجيح أيّهما قولان مشهوران‏ (1).

و منها: إذا ضرب للعنين الأجل و اختلفا في الإصابة، و المرأة ثيّب، فهل القول قول الزوجة، لأن الأصل عدم الوطء، أو قول الزوج، لأن الأصل عدم موجب الفسخ؟ قولان.

و فيها قول ثالث، و هو أن يحشى قبلها خلوقا و يؤمر بوطئها، فيصدق مع ظهوره على العضو، و هو يرجع إلى ترجيح الظاهر على الأصل، و سيأتي.

و منها: إذا أسلم الزوجان بعد الدخول، فقال: أسلمت في عدّتك،

____________

(1) انظر قواعد الأحكام 2: 11.

297

فالنكاح باق، و قالت: بل أسلمت بعد انقضائها، ففي ترجيح أيّهما، وجهان، من أصالة بقاء النكاح، و أصالة عدم إسلامه في العدة.

و منها: إذا قال: أسلمت قبلك، فلا نفقة لك، و قالت: بل أسلمت قبلك، فلي النفقة. و فيه وجهان أيضا، منشؤهما أصالة وجوب النفقة، و أصالة عدم وجود (1) التمكن من الاستمتاع الّذي هو شرط وجوبها.

و منها: إذا طلّقت الأمة طلقتين، و أعتقها سيدها، فإن وقع العتق أولا، فللزوج رجعتها، و تجديد نكاحها؛ و إن طلّق أولا لم تحلّ إلا بالمحلل.

فلو أشكل السابق، و اعترف‏ (2) الزوجان، تعارض أصلا عدم تقدّم كل من الطلاق و العتق.

و لا يمكن هنا الاقتران، لأن العتق لا يقارن الطلقتين معا، فيقع الإشكال.

و في الحكم حينئذ بالتحريم إلا بمحلل احتياطا، أو التحليل، للشك في المحرم بدونه، وجهان.

و لو اختلفا في السابق نظر، إن اتفقا على وقت الطلاق، كيوم الجمعة مثلا، و قال: عتقت يوم الخميس فلي الرجعة، و قالت: بل يوم السبت، فالقول قولها، للقاعدة المذكورة؛ و إن اتفقا على أن العتق يوم الجمعة، و قال:

طلقت يوم السبت، فقالت: بل يوم الخميس، فالقول قوله، لما ذكرناه.

و إن لم يتفقا على وقت أحدهما، بل قال: طلقتك بعد العتق، و قالت:

بل قبله، و اقتصرا عليه، فالقول قوله، للتعليل السابق أيضا؛ و لأنه أعرف بوقت الطلاق.

و منها: إذا اتفقا على الرجعة و انقضاء العدة، و اختلفا في السابق‏

____________

(1) في «م»: وجوب.

(2) كذا، و الأصح: و اختلف.

298

منهما. و فيه التفصيل السابق، و مع الاشتباه يقدم قوله، لأصالة صحة الرجعة.

و منها: لو ادعى المطلّق الرجعة و العدة باقية، و أنكرت، تعارض أصلا عدم انقضائها قبل الرجعة، و عدم تقدم الرجعة على انقضائها. فإن اتفقا على وقت الانقضاء حلف، أو على وقت الرجعة حلفت كما سلف، و إلا ففي تقديم أيّهما نظر. هذا كله إذا لم تتزوج، و إلا لم يقبل منه مطلقا.

و منها: لو قال: خلعتك على ألف في ذمتك، فقالت: بل في ذمة زيد، فالأصل براءة ذمتها، و الأصل في مال الخلع أن يكون في ذمتها. و في تقديم أيهما قولان، أجودهما الأول.

و منها: لو نشزت و عاودت، ثم اختلفا في مدة النشوز، لتسقط فيه النفقة، فالأصل استمرار النشوز، و عدم تقدمه في الوقت الّذي يدعيه؛ و لكن المقدّم هنا الزوج، لاعتضاد أصل براءة الذّمّة (1).

و منها: لو اختلف الزوجان بعد الفرقة، فقالت المرأة: قذفتني بعد الطلاق فلا لعان، و قال الزوج: بل قبله، فالقول قول الزوج، لتعارض الأصلين، فيرجح بأصالة عدم الحد المستقر. و كذا لو قالت: قذفتني قبل التزويج، فقال: بل بعده.

و منها: لو اختلف المكاتب و مولاه في قدر المال أو النجوم، فإن الأصل عدم الزيادة، و عدم العتق إلا بما يوافق عليه المولى. و قد اختلف في تقديم أيّهما، و المشهور تقديم قول من يدعي النقصان فيهما، و هو المكاتب في الأول، و المولى في الثاني‏ (2).

و منها: إذا رمى صيدا فجرحه، ثم غاب عنه، و وجده ميتا و لا أثر به غير سهمه، أو جرحه جرحا موجعا، ثم سقط في ماء و نحوه، فهل يباح؟ وجهان‏

____________

(1) في «ح»: لاعتضاد أصله ببراءة الذّمّة.

(2) اختاره المحقق في شرائع الإسلام 3: 682، و العلامة في تحرير الأحكام 2: 92.

299

من أصالة عدم مشاركة سبب آخر في قتله، و أصالة تحريم الحيوان حتى تتيقن إباحته. و يمكن اعتضاد الأصل الأول بأن الظاهر موته بهذا السبب دون غيره.

و منها: لو كان متزوجا رقيقة أو كافرة على وجه يصح، فمات الزوج، و له وارث غيرها، و اتفقت ورثته معها على إسلامها أو عتقها، لكن قالوا: إن ذلك بعد موت الزوج، و قالت المرأة: بل قبله، فإن المصدّق هو الورثة، لتعارض الأصلين. فتبقى معهم أصالة عدم الإرث.

و منها: لو قذفه قاذف، و عرف له حالة جنون سابقة، و ادعى القاذف أنه قذفه حالة جنونه، فالقول قول القاذف، و إن تعارض أصلا عدم تقدّم كل من القذف و الجنون، لأصالة عدم الحد.

و منها: من قتل من لا يعرف، ثم ادعى رقّه أو كفره، و أنكر الولي، فهل يقبل قوله، لأصالة عصمة دمه، أو قول الولي، لأن الأصل في القتل إيجاب القصاص إلا أن يمنع مانع، و لم يتحقق ذلك؟ و يؤيّده أصالة عدم الإسلام، و أما الرق فإنه طارئ فالأصل عدمه.

و يمكن هنا القدح في الأصل الثاني: بمنع أصالة إيجاب القصاص في القتل، لأنه مشروط بشرائط، و الأصل عدم اجتماعها عند الشك فيه.

و منها: لو جنى على بطن حامل، فألقت ولدا لوقت يعيش المولود في مثله، و اختلفا في حياته عند الوضع، تعارض أصلا الحياة و براءة الذّمّة، و فيه الوجهان.

و منها: لو قد ملفوفا، و ادعى أنه كان ميتا، و قال الولي: بل كان حيا، تعارض أصلا بقاء الحياة، و براءة الذّمّة من القصاص أو الدية.

و في المسألة قولان مشهوران: تصديق الولي، لتحقق شغل الذّمّة

300

بالجناية؛ و الجاني، للبراءة الأصلية (1). و في تقديم أصل الحياة قوة.

و ربما فرّق بعضهم بين كونه في كفن و شبهه، و في ثياب الأحياء (2)، و هو ضعيف، لأن الميت قد يصاحب ثياب الأحياء، و الحي قد يلبس ثياب الأموات، خصوصا المحرم. و لعل هذا القائل يرجع بتعارض الأصلين إلى الظاهر، فيجعله مرجحا، كما سيأتي في نظائره.

و منها: لو زاد في القصاص من الجراح، و قال: إنما حصلت الزيادة باضطراب المقتص منه، و أنكر ذلك، فالأصل عدم الاضطراب، و براءة الذّمّة. و يعضد الأول أصالة وجوب الضمان للزائد، لأنه غير مستحق وقع على نفس محترمة.

و منها: إذا جاء بعض العسكر بمشرك، فادعى المشرك أنّ المسلم أمّنه، و أنكر، ففي قبوله وجهان: من أصالة عدم الأمان، و أصالة الحظر في الدماء إلا بيقين الإباحة. و قد وقع الشك هنا.

و مثله ما لو دخل حربي دار الإسلام، و ادعى أن بعض المسلمين عقد له أمانا. و في قبول قوله الوجهان، و الوجه أنه يرد إلى مأمنه للشبهة.

و منها: لو ادعى الأسير المنبت استعجاله بالدواء، مع إمكانه في حقه، فإنه يتعارض أصلا عدم البلوغ، و عدم التداوي. و الأقوى ترجيح الأول، لأنه شبهة يدرأ بها القتل كالسابق.

قاعدة «99» قاعدة شريفة تختم بها باب التعارض:

إذا تعارض الأصل و الظاهر، فإن كان الظاهر حجة يجب قبولها

____________

(1) المبسوط 7: 255، قواعد الأحكام 2: 311.

(2) انظر المغني لابن قدامة 9: 396.

301

شرعا، كالشهادة و الرواية و الأخبار، فهو مقدّم على الأصل بغير إشكال؛ و إن لم يكن كذلك بل كان مستنده العرف أو العادة الغالبة أو القرائن أو غلبة الظن و نحو ذلك، فتارة يعمل بالأصل، و لا يلتفت إلى الظاهر، و هو الأغلب، و تارة يعمل بالظاهر، و لا يلتفت إلى هذا الأصل، و تارة يخرج في المسألة خلاف.

فهاهنا أقسام:

القسم الأول: ما يترك العمل بالأصل للحجة الشرعية، و هو قول من يجب العمل بقوله،

و له صور كثيرة:

منها: شهادة العدلين بشغل ذمة المدعى عليه.

و منها: شهادتهما ببراءة ذمة من علم اشتغال ذمته بدين و نحوه.

و منها: شهادتهما بدخول الليل للصائم، و طلوع الفجر له، و رؤية الهلال للصوم و الفطر، و النجاسة، و الطهارة، و دخول وقت الصلاة، حيث يجوز التقليد، إن قدمناهما على تقليد الواحد، كما هو الظاهر، و نحو ذلك.

و منها: إخبار الواحد ذي اليد بطهارة ما بيده، بعد العلم بنجاسته؛ أو بالعكس، و إن لم يكن عدلا.

و منها: إخبار العدل الواحد بهلال رمضان، على قول بعض الأصحاب‏ (1).

و منها: إخباره بعزل الموكل الوكيل، فإنه كاف وحده، كما دلّت عليه‏

____________

(1) المراسم: 96.

302

صحيحة هشام بن سالم‏ (1).

و منها: 7 إخباره بدخول وقت الصلاة و الفطر للمعذور، كالأعمى، و المحبوس، و من لا يعلم الوقت، و لا يقدر على التعلم، إما مطلقا، أو مع تعذر خبر العدلين كما مر.

و منها: إخباره إذا كان مؤذنا بدخول الوقت بالأذان للمعذور كما مر قطعا، و لغيره أيضا على قول المحقق‏ (2) و بعض الأصحاب‏ (3) استنادا إلى قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «المؤذنون أمناء» (4) و لا تتحقق الأمانة إلا مع قبول قولهم.

و منها: إخباره بكون «الجدي» من المستقبل على الجهة الموجبة للقبلة، و نحوه من العلامات، و إخباره بوصول الظل إلى محل مخصوص يعلم المخبر بأنه يوجب دخول الوقت على قول بعض الأصحاب، و إن لم يجز تقليده في نفس دخول الوقت.

و منها: قبول قول الأمناء، و نحوهم، ممن يقبل قوله في تلف ما اؤتمن عليه من مال و غيره.

و منها: قبول قول المعتدة في انقضاء عدتها بالأقراء، و لو في شهر واحد، سواء كانت عادتها منتظمة بما يخالف ذلك أم لا؛ و إخبارها بابتداء الحيض بها و انقطاعه عنها بعد العلم بخلافه، ما لم يعلم كذبها، و نحو ذلك، و هو كثير جدا.

____________

(1) الفقيه 3: 83 حديث 3385، التهذيب 6: 213 حديث 503، الوسائل 13: 286 كتاب الوكالة باب 2 حديث 1.

(2) المعتبر في شرح المختصر 2: 63.

(3) نقله عن الموجز لأبي العباس في مفتاح الكرامة 2: 44.

(4) الفقيه 1: 292 حديث 905، مجالس الصدوق: 127، الوسائل 4: 618 أبواب الأذان و الإقامة باب 3 حديث 7.

303

و منها: ادعاء المطلّقة ثلاثا التحليل في وقت إمكانه مطلقا، أو مع كونها ثقة على رواية (1)، أو إصابة المحلل و إن أنكرها على الأقوى.

القسم الثاني: ما عمل فيه بالأصل،

و لم يلتفت إلى القرائن الظاهرة، و له صور كثيرة:

منها: إذا تيقن الطهارة أو النجاسة في ماء، أو ثوب، أو أرض، أو بدن، و شك في زوالها، فإنه يبنى على الأصل، و إن دلّ الظاهر على خلافه، كما لو وجد الثوب نظيفا بيد من عادته التطهير إذا نظّف‏ (2) و نحوه؛ إلا أن يتفق مع ذلك خبر محتفّ بالقرائن الكثيرة، الموجب للعلم، أو الظن المتاخم له، فيقوى العمل به.

و في الاكتفاء بالقرائن منفكة عن الخبر وجه، من حيث إنّ العبرة في إفادة الخبر المحفوف بالقرائن العلم [العلم‏] (3) بالقرائن، لا به. و كذا القول فيما علم من نكاح و طلاق و غيرهما.

و منها: إذا شكّ في طلوع الفجر في شهر رمضان، فإنه يباح له الأكل حتى يستيقن الطلوع، و إن ظنّ خلافه بالقرائن المحتملة لظهور خلافه، أو كان المخبر ثقة واحدا، في ظاهر المذهب.

و منها: ثياب من لا يتوقّى النجاسة من الأطفال، و القصابين، و مدمني الخمر، و الكفار، فإن الظاهر نجاستها، و الأصل يقتضي طهارتها؛ و قد رجّح الأصحاب هنا الأصل على الظاهر.

و منها: إذا وجد كلبا خارجا من بيت فيه إناء مكشوف، و معه أثر مباشرته‏

____________

(1) التهذيب 8: 34 حديث 105، الاستبصار 3: 275 حديث 980، الوسائل 15: 370 أبواب أقسام الطلاق باب 11 حديث 1.

(2) في «د»: إذ الظن.

(3) أضفناه ليتم المعنى.

304

له برطوبة، فإنه يعمل بالأصل، و هو الطهارة، و عدم مباشرته، و إن كان الظاهر خلافه. حتى لو كان الإناء فيه مثل اللبن مما يظهر على العضو، و وجد على فم الكلب أثره، لم يحكم بالنجاسة، على ما صرّح به جمع من الأصحاب‏ (1).

و منها: معاملة الظالمين، و من لا يتوقّى المحارم، بحيث يظن تحريم ما بيده، فإن الأصل الحل، و إن كرهت معاملتهم.

و منها: البناء على تمام الشهر، لو لم يتمكن من رؤية الهلال لغيم و نحوه، حيث لا قائل بالرجوع إلى غيره من الأمارات؛ و إلا كان من باب الخلاف في ترجيح أيهما، كما لو غمّت الشهور.

منها: إذا ادّعت الزوجة- بعد (2) طول بقائها مع الزوج و يساره- أنه لم يوصلها النفقة الواجبة، فقد قال الأصحاب: القول قولها، لأن الأصل معها، مع أن العادة و الظاهر لا يحتمل ذلك.

و لو قيل بترجيح الظاهر كان وجها في المسألة ليس بذلك البعيد، إلا أنّ القائل به غير معلوم؛ لكن بعضهم أشار إليه في تعريف المدعي و المنكر حيث إنّ معها الأصل، و معه الظاهر، فهو مدّعي على الأول، و هي على الثاني. و كذا على القول بأنه يخلّى و سكوته، أو يترك لو ترك.

القسم الثالث: ما عمل فيه بالظاهر،

و لم يلتفت إلى الأصل، و له صور:

منها: إذا شكّ بعد الفراغ من الطهارة، أو الصلاة أو غيرهما من العبادات، في فعل من أفعالها، بحيث يترتب عليه حكم، فإنه لا يلتفت إلى الشك، و إن كان الأصل عدم الإتيان به، و عدم براءة الذّمّة من التكليف به؛

____________

(1) جواهر الفقه (الجوامع الفقهية): 410.

(2) في «م»: مع.

305

لكن الظاهر من أفعال المكلفين بالعبادات أن تقع على الوجه المأمور به، فيرجّح هذا الظاهر على الأصل. و للحرج لو أمر بالتحفّظ إلى بعد حين.

و هو مرويّ عندنا صحيحا عن الصادق (عليه السلام)، أنه قال لزرارة بن أعين: «إذا خرجت من شي‏ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء» (1).

و كذا لو شكّ في فعل من أفعال الصلاة بعد الانتقال منه إلى غيره، و إن كان فيها، لأن الظاهر فعله في محله، مع أن الأصل عدمه، و ليس كذلك الطهارة، و الفارق النص‏ (2)، و إلا لأمكن القول باتحاد الحكم.

و منها: شك الصائم في النية بعد الزوال، فإنه لا يلتفت و إن كان الأصل عدمها، عملا بالظاهر السابق، من عدم إخلاله بالواجب، و لو كان قبل الزوال وجب الاستئناف.

و هذا الفرع في معنى الشك في أفعال الصلاة بعد تجاوز محله، فإنّ محل النية ما قبل الزوال في الجملة.

و يحتمل على السابق: الاكتفاء في عدم الالتفات بالشك فيها بعد الفجر مطلقا، لفوات محلها الاختياري؛ لكن لما أمكن استدراكها في الجملة، وجب على الشاك فيها قبل الزوال التجديد، عملا بالأصل، مع سهولة الحال.

و منها: لو شكّ بعد خروج وقت الصلاة في فعلها، فإنه يبني على الفعل، و لا يجب عليه القضاء، و إن كان الأصل عدم الفعل، بناء على الظاهر من أنّ المكلّف لا يفوّت العبادة في وقتها اختيارا، و هو قريب من السابق.

و منها: لو صلى ثم رأى على ثوبه أو بدنه نجاسة غير معفوّ عنها، و شكّ‏

____________

(1) التهذيب 2: 352 حديث 1459، الوسائل 5: 336 أبواب الخلل الواقع في الصلاة باب 23 حديث 1.

(2) الوسائل 1: 330 أبواب الوضوء باب 42.

306

هل لحقته قبل الصلاة أو بعدها، و أمكن الأمران، فالصلاة صحيحة، و إن كان الأصل عدم انعقاد الصلاة عليها، و بقاءها في الذّمّة حتى يتيقن صحتها، لكن حكموا بالصحّة، لأن الظاهر صحة إعمال المكلفين و جريانها على الكمال. و عضد ذلك: أنّ الأصل عدم مقارنة النجاسة للصلاة.

و يمكن رجوع المسألة إلى تعارض الأصلين، فيرجّح أحدهما بظاهر يعضده.

هذا إذا أوجبنا على الجاهل الإعادة مطلقا أو في الوقت، و كان يمكن، و إلا سقط الفرع.

و منها: إذا ظنّ دخول الوقت، و لا طريق إلى العلم، لغيم و حبس و نحوهما، فيجوز البناء على الظاهر من الدخول، و إن كان الأصل عدمه.

و منها: ما لو شك في دخول الليل للصائم، حيث لا طريق إلى العلم، فيجوز البناء على الظاهر و الإفطار.

و منها: أن المستحاضة المعتادة ترجع إلى عادتها، و إن لم يكن لها عادة فإلى تمييزها، و إن لم يكن لها عادة و لا تمييز رجعت إلى نسائها، ثم إلى الروايات، على ما فصّل في محله، لأن الظاهر مساواتها لهنّ، و كون ما هو بصفة الحيض حيضا بشرائطه الباقية، مع أن الأصل عدم انقضاء حيضها حينئذ حيث قد علم ابتداؤه، و عدم ابتدائه، و بقاء التكليف بالعبادة حيث لا يعلم.

و منها: امرأة المفقود تتزوج بعد البحث عنه أربع سنين على ما فصّل، لأنّ الظاهر حينئذ موته، و إن كان الأصل بقاءه.

و هل تثبت له أحكام الموتى مطلقا أم للزوجة خاصة؟ ظاهر الأصحاب و الأخبار: الثاني، حتى ورد الأمر بأن الحاكم يطلّقها بعد المدة، ثم‏