تمهيد القواعد

- الشهيد الثاني المزيد...
648 /
307

تعتد بعده.

و وجه الأول: الأمر باعتدادها عدة الوفاة، فلو كان الحكم للطلاق لاعتدّت عدّته، و جاز كون الطلاق احتياطا للفروج.

و أما قسمة ماله، فظاهر الأكثر توقفه على مضيّ مدة لا يعيش مثله إليها عادة، مع ما فيه من الخلاف المشهور، المستند إلى اختلاف الروايات في التحديد.

و منها: إذا ادّعى من نشأ في دار الإسلام من المسلمين الجهل بتحريم الزنا و الخمر و وجوب الصلاة و نحو ذلك، فإنه لا يقبل قوله، لأن الظاهر يكذبه، و إن كان الأصل عدم علمه بذلك. و مثله من يدّعي ما يشهد الظاهر بخلافه، كالجهل بالخيار و عدمه.

و منها: لو ادعت امرأة على رجل أنه تزوجها في يوم معيّن بمهر مسمّى، و شهد به شاهدان؛ ثم ادعت عليه أنه تزوجها في يوم آخر معيّن بمهر معيّن، و شهد به شاهدان، ثم اختلفا، فقالت المرأة: هما نكاحان، فلي المهران، و قال الزوج: بل نكاح واحد تكرر عقده، فالقول قول الزوجة، لأن الظاهر معها.

و كذا لو شهدت بيّنة أنه باعه هذا الثوب في يوم كذا بثمن، و شهدت بيّنة أخرى أنه باعه منه في يوم آخر بثمن، فقال المشتري: هو عقد واحد كررناه، و قال البائع: بل عقدان، فالقول قول البائع، لأن الظاهر معه. و يحتمل تقديم منكر التعدد، لأصالة براءة الذّمّة من الثاني.

و منها: ما لو ادّعى زوجية امرأة، و ادعت أختها زوجيته، و أقاما بيّنة، مع انضمام الدخول إلى بيّنتها، و هي المسألة المشهورة، فالرواية و الفتوى على تقديم قولها، لشهادة الظاهر لها، و هو الدخول.

308

و منها: ما لو اختلف البائع و المشتري في نقصان المبيع، و كان المشتري قد حضر الكيل أو الوزن، فإنّ القول قول البائع كما ذكروه، لشهادة الظاهر له من أنّ المشتري إذا حضر الاعتبار يحتاط لنفسه، و إن كان الأصل عدم قبض الجميع. و لو لم يحضر قدّم قوله، عملا بالأصل.

و يمكن رد هذا الفرع إلى تعارض الأصلين مع شهادة الظاهر لأحدهما، بأن يقال: إنّ المشتري عند قبضه للحق و قبل دعواه الاختبار كان يعترف بوصول حقه إليه و قبضه إياه كمّلا؛ فإذا ادّعى بعد ذلك النقصان كان مدعيا لما يخالف الأصل، إذ الأصل براءة ذمة البائع من حقّه بعد قبضه، و يخالف الظاهر أيضا كما قلناه.

و لا يرد مثله لو لم يحضر الاعتبار، لأنه حينئذ لا يكون معترفا بوصول حقه إليه، لعدم اطلاعه عليه، و إنما اعتمد على قول غيره.

و منها: نجاسة البلل الخارج من الفرج إذا لم يستبرئ فإنه يحكم بنجاسته و إن كان الأصل فيما عدا النجاسات العشرة الطهارة، لشهادة الظاهر بأنه من البول إن كان السابق بولا، و من المني إن كان منيا.

و منها: غيبة المسلم بعد نجاسته، أو نجاسة ما يصحبه من الثياب و نحوها، فإنه يحكم بطهره إذا مضى زمان يمكنه فيه الطهارة، عملا بظاهر حال المسلم أنه يتنزّه عن النجاسة في ظاهر مذهب الأصحاب. و من التعليل يظهر اشتراط علمه بها و اعتقاده نجاستها.

و ألحق به بعضهم اعتقاده استحباب التنزّه عنها، و إن لم يعتقد نجاستها، كالمخالف في بعض النجاسات التي لا يحكم بنجاستها، بل يُسن عنده التنزه عنها للخلاف فيها أو غيره.

و منها: إذا شكّ المصلي في عدد الركعات، أو في فعل من الأفعال، و غلب ظنه على فعله، فإنه يبني على وقوعه، عملا بالظاهر؛ و إن‏

309

كان الأصل عدم فعله.

و أما كثير السهو، فإنه و إن حكم بالوقوع المخالف للأصل، إلا أنه لا ظاهر معه يشهد له، و إنما مستند حكمه النص العام برفع الحرج و إرادة اليسر، أو الخاصّ به في الصلاة.

و منها: لو قال: له عليّ ألف درهم و درهم و درهم، و أطلق، فإن الثالث يمكن كونه معطوفا على الثاني، و يمكن كونه تأكيدا، لاتحاد لفظهما مقترنا بالواو؛ لكن الظاهر العطف، و الأصل يقتضي براءة الذّمّة مما زاد على الدرهمين.

و قد رجّحوا هنا الظاهر على الأصل، و حكموا بلزوم الثلاثة. لكن لو قال: أردت التأكيد، قبل، و لزمه درهمان، فرجّحوا هنا الأصل على الظاهر، رجوعا إلى نيته التي لا تعلم إلا منه.

القسم الرابع: ما اختلف في ترجيح الظاهر فيه على الأصل أو العكس،

و هو أمور:

منها: غسالة الحمام، و هو الماء المنفصل عن المغتسلين فيه، الّذي لا يبلغ الكثرة حال الملاقاة. و المشهور بين الأصحاب الحكم بنجاسته، عملا بالظاهر، من باب مباشرة أكثر الناس له بنجاسة (1). و مستنده مع ذلك رواية مرسلة ضعيفة السند عن الكاظم (عليه السلام)(2).

و قيل: يرجح الأصل، لقوته؛ مع معارضة تلك بأخرى مرسلة مثلها

____________

(1) السرائر 1: 90، المعتبر 1: 92، المختصر النافع 1: 2، و إرشاد الأذهان 1: 238، و انظر مفتاح الكرامة 1: 97.

(2) الكافي 3: 14 باب الحمام حديث 1، التهذيب 1: 373 حديث 1143، الوسائل 1: 158 أبواب الماء المضاف باب 11 حديث 1، 3.

310

عنه (عليه السلام)، بنفي البأس عما يصيب الثوب منها (1) (2) و هذا هو الظاهر.

و منها: طين الطريق إذا غلب على الظن نجاسته، فإن الظاهر يشهد بها، و الأصل يقتضي الطهارة. و المشهور: الحكم بطهارته‏ (3). لكن ذهب العلامة في النهاية إلى العمل بالظن الغالب هنا، عملا بالظاهر (4).

و منها: ما بأيدي المخالفين من الجلد و اللحم، فالمشهور بين الأصحاب أنه طاهر مطلقا، ما لم نحكم بكفر من بيده منهم‏ (5). و به نصوص كثيرة (6) مؤيدة بظاهر حال المسلم من تجنبه للمحرم و النجس و الميتة.

و قيل: يحكم بنجاسته، لأصالة عدم التذكية، مع عدم اشتراطهم لجميع ما نشترطه من الأمور المعتبرة في التذكية، كالتسمية و القبلة، و استحلالهم لجلد الميتة بالدبغ‏ (7)، و يعضده أيضا ظاهر حالهم في ذلك.

و منها: لو سمع مصليا يلحن في صلاته، أو يترك آية، أو كلمة، و كان المصلي من أهل المعرفة بالقراءة، بحيث يظهر أنه ما فعل ذلك إلا سهوا، ففي وجوب تنبيهه عليه وجهان: من أصالة عدم معرفته بذلك على الوجه المجزي، فيجب تعليمه؛ و دلالة ظاهر حاله على كونه قد ترك ذلك سهوا، و الحال أنه غير مبطل للصلاة، فلا يجب، كما لا يجب تنبيهه على السهو، و إن استحب،

____________

(1) منتهى المطلب 1: 25.

(2) الكافي 3: 15 حديث 4، الفقيه 1: 12 حديث 17، التهذيب 1: 379 حديث 1143، الوسائل 1: 154 أبواب الماء المضاف باب 9 حديث 9.

(3) منتهى المطلب 1: 180.

(4) نهاية الأحكام 1: 276.

(5) المقنعة: 580، النهاية: 582، المعتبر 2: 78، شرائع الإسلام 3: 741، تحرير الأحكام 2: 159.

(6) الوسائل 2: 1071 أبواب النجاسات باب 50.

(7) المنتهى 1: 226، التذكرة 1: 94.

311

معتضدا بأصالة البراءة من وجوب تنبيهه، و هذا هو الأظهر.

و لو احتمل في حقه الجهل بذلك وجب تعليمه، لتطابق الأصل و الظاهر، أو عدم معارضة غير الأصل له، فيعمل عمله؛ مع احتمال عدم الوجوب أيضا، نظرا إلى الاحتمال مع أصالة البراءة.

و منها: لو غمّت الشهور فقيل: يعمل في كل شهر بالأصل، و هو التمام، فيعد كل ما اشتبه ثلاثين‏ (1).

و قيل: يرجع إلى العدد، و هو عدّ خمسة أيام من هلال الماضية؛ أو عدّ شهر تاما و شهر ناقصا، عملا بالظاهر من نقصان بعض الأشهر و تمام بعض‏ (2)، و هو الأقوى.

و منها: الجلد المطروح في بلاد الإسلام إذا ظهرت عليه قرائن التذكية، كما لو كان جلدا لبعض كتبنا التي لا تتداولها أيدي الكفار عادة، فالأصل يقتضي عدم تذكيتها، و الظاهر يقتضيها؛ و في تقديم أيّهما وجهان، و المشهور الأول‏ (3).

و منها: إذا قال: أحلتك عليه، فقبض، فقال المحيل: قصدت الوكالة، و قال المحتال: إنما أحلتني بما عليك، فالأصل يقتضي براءة ذمة المحيل من حق عليه للمحتال؛ و الظاهر مع المحتال، لأن ظاهر لفظ الحوالة إرادة معناها، لا معنى الوكالة، و إن جاز إطلاقها عليها، من حيث إن الوكالة من العقود الجائزة، يكفي فيها ما دلّ على الإذن فيما وكّل فيه، و لفظ الحوالة صالح له.

و قد اختلف في تقديم قول أيّهما، و المشهور تقديم قول المحيل، لأنه أعرف بقصده.

____________

(1) شرائع الإسلام 1: 148.

(2) المبسوط 1: 268، قواعد الأحكام 1: 69.

(3) تحرير الأحكام 2: 152، الذكرى: 143.

312

و منها: لو أقرّ لحمل، فولد لأقصى الحمل فما دون إلى ستة أشهر، و كانت المرأة خالية من زوج أو مولى، فإن الظاهر وجوده حال الإقرار، و الأصل يقتضي عدمه.

و قد اختلف الأصحاب و غيرهم في تقديم أيّهما على الآخر، و المشهور تقديم الظاهر. و مثله ما لو أوصى له بشي‏ء.

و منها: لو اختلف المتعاقدان ببيع و غيره في بعض شرائط صحته، كما لو ادعى البائع أنه كان صبيا أو غير مأذون له أو غير ذلك، و أنكر المشتري، فالقول قوله على الأقوى، و إن كان الأصل عدم اجتماع الشرائط، عملا بظاهر حال المسلم من إيقاعه العقد على وجه الصحة. و كذا القول في الإيقاعات. و يمكن ردّه إلى تعارض الأصلين، و قد تقدم.

و منها: اختلاف الزوجين في أصل المهر، و لا بيّنة، فإنّ الأصل يقتضي براءة ذمته مما زاد عما يعترف به، و الظاهر يشهد لها بمهر المثل. و في ترجيح أيّهما خلاف، فالمشهور تقديم قول الزوج.

و الأقوى عندي التفصيل، فإن كان النزاع قبل الدخول فالقول قوله، لأصالة عدم التسمية و براءة ذمته، و إن كان بعده يعارض ما ذكر مع أصالة ثبوت عوض للبضع المحترم، و أنّ عدم التسمية يوجب مهر المثل مع الدخول، و الأصل عدم سقوطه، و الظاهر يشهد به أيضا، فيرجح قولها في مهر المثل بيمينها.

و يمكن ردّ هذه المسألة إلى تعارض الأصلين مع شهادة الظاهر لأحدهما.

هذا كله إذا لم يمكن تعلّق المهر بذمة غير الزوج، فلو أمكن فقيل: القول قوله في نفيه مطلقا، إذ لا معارض لأصالة براءة ذمته؛ و ذلك بأن يكون صغيرا قد زوّجه أبوه، أو عبدا زوّجه مولاه، على خلاف هنا أيضا ناشئ من تعارض‏

313

الأصل و الظاهر أو أنه فرد نادر فلا يلتفت إليه، أو أنّ أصالة عدم التسمية توجب مع الدخول مهر المثل على الزوج، فيأتي هنا أيضا، و هذا متجه.

و لو كان اختلافهما في القدر مع اتفاقهما على التسمية فالقول قوله مطلقا، عملا بالأصل.

و لو كان النزاع بين ورثة أحدهما و الآخر، أو ورثته، فكالاختلاف بين الزوجين، فيستفسران حين يطلقان الدعوى.

و لو قالا؛ أو وارث‏ (1) الزوج: لا ندري، فإشكال، لتعارض الأصلين، و شهادة الظاهر بمهر المثل، مع أصالة عدم المسقط، و المشهور السابق آت هنا.

و منها: إذا أسلم الزوجان قبل الدخول، و قال الزوج: أسلمنا معا، فنحن على نكاحنا، و قالت الزوجة: بل على التعاقب، فلا نكاح، فوجهان:

أحدهما: القول قول الزوج، لأن الأصل معه، لأصالة عدم تقدم كل منهما، فيلزم الاقتران.

و الثاني: القول قول الزوجة، لأن الظاهر معها، إذ وقوع إسلامهما معا في آن واحد نادر، و الظاهر خلافه.

و منها: إذا خلا بامرأته خلوة تامة، ثم اختلفا في الدخول، فأنكره، تعارض هنا الأصل و هو عدم الدخول، و الظاهر و هو الدخول بالحليلة عند الخلوة بها أولا (2). و قد اختلف الأصحاب في تقديم أيّهما، و الأشهر تقديم قوله، عملا بالأصل.

و منها: لو قال المقرّ: له عليّ شي‏ء أو حق، و فسّرهما برد السلام، و العيادة، و تسميت العاطس، فإن الأصل يقتضي براءة ذمته من غير ذلك، و الظاهر يشهد بخلافه، لأن مثل ذلك لا يعدّ حقا و شيئا في معرض الإقرار،

____________

(1) في «م»: لوارث‏

(2) كذا في النسخ.

314

و العرف يأباه.

و قد اختلف في تقديم أيهما، و الأقوى تقديم الثاني لما ذكر، و لأن المتبادر منه الحق الّذي يثبت في الذّمّة بقرينة «عليّ» و هذه الأشياء لا تثبت في الذّمّة.

و ما روي «أن للمسلم على المسلم ثلاثين حقا: يرد سلامه، و يسمّت عطسته» إلى آخره‏ (1) مع تسليم سنده لا يقتضي استقراره في الذّمّة.

و فرّق بعضهم: بين الشي‏ء و الحق، فقبل تفسيره بهذه الأمور في الثاني دون الأول، نظرا إلى ظاهر الخبر.

و يشكل: بأن الشي‏ء أعم من الحق، فكيف يقبل تفسير الأخص بما لا يقبل به تفسير الأعم.

و منها: لو قال: له عليّ أكثر من مال فلان، ثم تأوله بأن قال: مال فلان حرام أو شبهة أو عين، و الحلال و الدين أكثر نفعا من ضديهما، فالأصل يقتضي براءة ذمته من غير ما يعترف به، و الظاهر يشهد بخلافه، و أنّ المراد الكثرة المقدارية. و في تقديم أيّهما قولان، أجودهما تقديم الظاهر.

و منها: ما لو ادعى اللقطة مدع، و عرّفها بأوصاف تخفى على غير مالكها غالبا، فالظاهر [يقتضيه و الأصل‏] (2) يقتضي عدمه، و في تقديم أيهما قولان، أشهرهما جواز دفعها إليه حينئذ و إن لم يجب، و منعه ابن إدريس للأصل‏ (3).

و منها: لو وجد على اللقطة- الكنز و نحوه- أثر الإسلام، و هو في بلاد الإسلام، فإن المشهور بين الأصحاب كونه لقطة، لشهادة الظاهر بسبق‏ (4) يد

____________

(1) الوسائل 8: 550 أبواب أحكام العشرة باب 22 حديث 24، نقلا عن كنز الفوائد.

(2) أضفناه لاقتضاء السياق.

(3) السرائر 2: 111.

(4) في «د»: لسبق.

315

المسلم فتستصحب‏ (1).

و قيل: يكون لواجده، لأصالة عدم ملك المسلم و عدم دلالة الأثر على يد المسلم قطعا، لجواز وقوعه من غيره‏ (2).

هذا إذا وجد في خربة باد أهلها، أو أرض غير مملوكة.

و مثله الموجود في جوف سمكة و دابة ملكت بالاصطياد، لعدم توجه القصد بحيازتها إلى تملك ما لم يشاهد في بطنها، مما لا يخطر بالبال غالبا، و لأصالة عدم تملّكه؛ بخلاف المملوكة لغيره، مما لا يتوقف على القصد إلى التملك. و بهذا يظهر عدم الفرق بين السمكة و المملوكة، فإن كلا منهما قد يملك بالحيازة و بغيرها.

و منها: ما لو ادعي على الحاكم المعزول القضاء بشهادة فاسقين، قيل:

يكلّف‏ (3) البينة، لاعترافه بنقل المال، و ادعائه مزيل الضمان‏ (4). و قيل: يقبل قوله بيمينه، لأن الظاهر من الحكام الاستظهار في حكمهم، فيرجح الظاهر (5)، و هو أقوى.

و منها: لو حاسب وكيل الحاكم أمناء المعزول، فادعى واحد منهم أنه‏ (6) أخذ شيئا أجرة قدّرها له المعزول، لم يقبل و إن صدّقه المعزول، لكن هل يقبل قوله في قدر أجرة المثل‏ (7)؟ وجهان:

____________

(1) المبسوط 1: 236، الشرائع 1: 134، الإيضاح 1: 216.

(2) الخلاف 2: 122، السرائر 1: 487.

(3) أي: الحاكم المعزول.

(4) المبسوط 8: 103.

(5) الشرائع 4: 867، و حكاه الشيخ في المبسوط 8: 103.

(6) في «د»: إني، و في «م»: أن.

(7) يعنى: بمقدار أجرة المثل.

316

أحدهما: لا، لأنه مدع و الأصل عدم استحقاقه.

و الثاني: نعم، لأن الظاهر أنه لا يعمل مجانا، و قد فاتت منافعه، فلا بدّ من عوض.

و منها: لو قذف مجهول النسب و ادعى رقّه، و أنكر المقذوف، فهل يحدّ؟ فيه قولان، لأن الأصل عدم لزوم الحد، و الأغلب على الناس الحرية، فكانت أظهر.

و يمكن ردّه إلى تعارض الأصلين، بناء على أنّ الأصل في الناس الحرية، و يكون الظاهر عاضدا له. و هذا هو الأقوى، و لكن يعزر (1) القاذف مطلقا.

____________

(1) في «د»: يعذر، و في «م»: يقدر.

317

المقصد السابع في الاجتهاد و الإفتاء

مسألة: اختلفوا في جواز الاجتهاد لأمة محمد (صلى اللَّه عليه و آله) في زمنه على مذاهب‏ (1):

أحدها: يجوز مطلقا.

و الثاني: يمنع مطلقا.

و الثالث: يجوز للغائبين من القضاة و الولاة، دون الحاضرين.

و الرابع: إن ورد فيه إذن خاص جاز، و إلا فلا.

و الخامس: أنه لا يشترط الإذن، بل يكفي السكوت مع العلم بوقوعه.

ثم اختلف القائلون بالجواز، فمنهم من قال: وقع التعبّد به، و منهم من توقف فيه مطلقا، و منهم من توقف في الحاضر دون الغائب.

و يتفرع على هذا الخلاف: جواز الاجتهاد في الأحكام بالظن مع القدرة على اليقين بالتأخير في موارد، كالاجتهاد في وقت الصلاة مع إمكان الصبر إلى اليقين، و مثله وقت الصوم، و الأصح الجواز هنا حيث لا طريق إلى اليقين‏

____________

(1) حكى هذه المذاهب الآمدي في الأحكام 4: 184.

318

معجّلا، لغيم و نحوه.

و منها: إذا روى الصحابي حديثا عن غيره، ثم لقيه (صلى اللَّه عليه و آله)، فهل يلزمه سؤاله؟ فيه وجهان مرتبان، أحدهما: نعم، لقدرته على اليقين. و الثاني: لا، لأنه لو لزمه السؤال إذا حضر لكانت الهجرة تجب إذا غاب.

قاعدة «100» لا يجوز للمجتهد بعد اجتهاده تقليد غيره اتفاقا.

و فيما قبله مذاهب، أصحها: المنع مطلقا.

و الثاني: الجواز كذلك.

و الثالث: في ما يخصه دون ما يفتي به.

و الرابع: في ما يفوت وقته مما يخصه.

و الخامس: إن كان المقلّد أعلم.

و السادس: إن كان صحابيا، و هو أرجح في نظره من غيره.

و السابع: كذلك أو تابعيا.

و الثامن: إن كان أعلم و تعذّر الاجتهاد.

إذا تقرر ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا قدر العارف بأدلة القبلة على اعتبارها، فلا يجوز له التقليد. و لو خفيت عليه لغيم أو ظلمة يرجى زوالهما فوجهان، أحوطهما الصبر إلى أن يضيق الوقت، أو يستبين الحال.

و منها: الأعمى إذا أمكنه معرفتها بلمس الكعبة، لا يجوز له التقليد، و كذا لو أمكنه بلمس محراب يعتمد، بل علامة نصبها له المبصر و كانا عدلين، فإنه يقدّم على التقليد.

319

و منها: عدم جواز تقليد المؤذن الثقة لغير المعذور، و قيل بالجواز هنا (1)، لقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «المؤذنون أمناء» (2) فلا تتحقق الأمانة إلا مع تقليدهم.

و فيه: أنّ إثبات أمانتهم غير عام، فيتحقق للمعذور.

و قريب من ذلك جواز الاستنابة لعادم الماء في طلبه.

و الأقوى (هنا) (3) الجواز.

مسألة: من لم يبلغ رتبة الاجتهاد، هل له التقليد؟

فيه ثلاثة مذاهب:

أحدها: الجواز، بل الوجوب، لقوله تعالى‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* (4) و لأن المعاش يفوت باشتغال جميع الناس بأسباب الاجتهاد.

و الثاني: لا يجوز، بل يجب عليه أن يقف على الحكم بطريقه، ذهب إليه معتزلة بغداد (5)، و نسبه في الذكرى إلى قدماء علمائنا و فقهاء حلب منهم‏ (6).

و ثالثها: يجوز ذلك في المسائل الاجتهادية، كإزالة النجاسة بالمضاف؛ دون المنصوصة، كتحريم الرّبا في الأشياء الستة.

____________

(1) المعتبر 2: 63، التمهيد: 525.

(2) الفقيه 1: 292 حديث 905، مجالس الصدوق: 127، الوسائل 4: 619 أبواب الأذان و الإقامة باب 3 حديث 7.

(3) ليس في «د».

(4) النحل: 43.

(5) نقله عنهم في المعتمد 2: 360، و التمهيد: 526.

(6) الذكرى: 2. و من القدماء: العماني و الإسكافي و الجعفي، و من فقهاء حلب: ابن زهرة، و أبو الصلاح، و علاء الدين صاحب إشارة السبق.

320

و لا فرق في هذا الخلاف‏ (1) بين العاميّ المحض و غيره.

و فائدة المسألة ظاهرة في تقليد العاميّ في أحكام العبادات و المعاملات و غيرهما.

و منها: إذا لم يكن عالما بأدلة القبلة، و لكن يمكنه تعلّمها، فهل يجوز له أن يقلّد؟ فيه خلاف يبنى على أنّ تعلّمها فرض عين فلا يجوز، أو كفاية فيجوز. و الأظهر الأول فيما يبتلى بالكون به‏ (2) غالبا دون النادر، إلا أن يعرض له سفر إليه، فيجب تعلّم أماراته حينئذ.

مسألة: إذا وقعت للمجتهد حادثة، فاجتهد فيها و أفتى و عمل، ثم وقعت له ثانيا،

ففي وجوب إعادة الاجتهاد ثلاثة أقوال، ثالثها: إن كان (ذاكرا لما مضى) (3) من طرق الاجتهاد لم يجب، و إلا وجب.

و من فروع المسألة:

ما إذا اجتهد للقبلة و صلّى، ثم حضر وقت أخرى، ففي وجوب تجديد الاجتهاد خلاف مبني.

و ما إذا طلب الماء في المقدار المعتبر و صلّى بالتيمم، ثم دخل وقت فريضة أخرى، ففي وجوب الطلب ثانيا خلاف مبني على المسألة.

مسألة: قال في المحصول: اتفقوا على أنّ العامي لا يجوز له أن يستفتي إلا من غلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد و الورع،

و ذلك بأن يراه منتصبا للفتوى بمشهد من الخلق، و يرى إجماع المسلمين على سؤاله.

____________

(1) في «ح»: الحكم، بدل الخلاف.

(2) في «م»: فيما يكون. و المراد هو الكون في محل تشتبه عليه فيه القبلة.

(3) من «ح».

321

فإن سأل جماعة: فاختلفت فتاواهم فقال قوم:

لا يجب عليه البحث عن أورعهم و أعلمهم، و قال آخرون: يجب عليه ذلك‏ (1). و هذا هو الحق عندنا، و هو مروي في مقبول عمر بن حنظلة المشهور (2).

و حينئذ فإذا اجتهد، فإن ترجّح أحدهما مطلقا في ظنه تعيّن العمل بقوله، و إن ترجّح أحدهما في الدين و استويا في العلم أو بالعكس، وجب الرجوع إلى أعلم الورعين، و أورع العالمين. و إن استويا مطلقا- و قد قيل بعدم جواز وقوعه‏ (3)- تخيّر. و التفريع على ذلك واضح.

فائدة، و هي خاتمة القسم الأول:

ليس كل مجتهد في العقليات مصيبا، بل الحق فيها واحد. فمن أصابه أصاب، و من أخطأه أخطأ و أثم إجماعا.

و أما المجتهد في المسائل الفرعية ففيه خلاف يبنى على أنّ كل صورة هل لها حكم معيّن أم لا؟

و قد لخّص الرازي هذا الخلاف‏ (4) فقال: اختلف العلماء في الواقعة التي لا نصّ فيها على قولين:

أحدهما: و به قال الأشعري و جمهور المتكلمين، أنه ليس لله تعالى فيها

____________

(1) نقل الأول عن القاضي أبي بكر و اختاره في الإحكام 4: 242، و اختار الثاني في المحصول 2:

533، و نقله الآمدي عن أحمد و ابن سريج و القفال.

(2) الكافي 7: 412 باب كراهية الارتفاع إلى قضاء الجور حديث 5، الفقيه 3: 9 حديث 3233، التهذيب 6: 301 حديث 845، الاحتجاج: 94، الوسائل 18: 75 أبواب صفات القاضي باب 9 حديث 1.

(3) المحصول 2: 533.

(4) راجع المحصول 2: 503.

322

قبل الاجتهاد حكم معيّن، بل حكمه تعالى فيها تابع لظن المجتهد. و هؤلاء هم القائلون بأن «كل مجتهد مصيب».

و اختلف هؤلاء فقال بعضهم: لا بد أن يوجد في الواقعة ما لو حكم اللَّه تعالى فيها بحكم لم يحكم إلا به، و قال بعضهم: لا يشترط ذلك.

و القول الثاني: أنّ له تعالى في كل واقعة حكما معينا.

و على هذا فثلاثة أقوال:

أحدها: و هو قول طائفة من الفقهاء و المتكلمين، يحصل الحكم من غير دلالة و لا أمارة، بل هو كدفين يعثر عليه الطالب اتفاقا، فمن وجده فله أجران، و من أخطأه فله أجر.

و القول الثاني: عليه أمارة، أي دليل ظني، و القائلون به اختلفوا فقال بعضهم: لم يكلف المجتهد بإصابته لخفائه و غموضه، فلذلك كان المخطئ فيه معذورا مأجورا، و هو قول جمهور الفقهاء؛ و ينسب إلى الشافعي و أبي حنيفة.

و قال بعضهم: إنه مأمور بطلبه أولا، فإن أخطأ و غلب على ظنه شي‏ء آخر تغير التكليف، و صار مأمورا بالعمل بمقتضى ظنه.

و القول الثالث: أن عليه دليلا قطعيا، و القائلون به اتفقوا على أن المجتهد مأمور بطلبه، لكن اختلفوا، فقال الجمهور: إن المخطئ فيه لا يأثم و لا ينقض قضاؤه، و قال بشر المريسي بالتأثيم، و الأصم بالنقض.

و الّذي نذهب إليه: أنّ له تعالى في كل واقعة حكما معينا عليه دليل ظني، و أنّ المخطئ فيه معذور، و أنّ القاضي لا ينقض قضاؤه‏ (1).

إذا علمت ذلك فللمسألة فروع:

منها: أنّ المجتهد في القبلة إذا ظهر خطؤه، هل يجب عليه القضاء أم لا؟

____________

(1) هذا حاصل كلام الرازي في المحصول 2: 503.

323

المنصوص عندنا وجوب الإعادة إن علم في الوقت، لا في خارجه مطلقا (1).

و لنا (2) قول آخر: أنّ المستدبر يعيد مطلقا (3) و هذا كله مبني على أن المجتهد قد لا يكون مصيبا.

و منها: لو صلّى خلف من لا يرى وجوب السورة أو التسليم أو نحو ذلك، و لم يفعله، أو فعله على وجه الاستحباب حيث يعتبر الوجه، ففي صحة الاقتداء به قولان مرتبان. و ينبغي على القول بالتخطئة عدم الجواز.

و منها: إنفاذ المجتهد حكم مجتهد آخر يخالفه في مأخذ الحكم، و في جوازه أيضا وجهان مرتبان. إلى غير ذلك من الفروع، و اللَّه ولي التوفيق.

____________

(1) الوسائل 3: 229 أبواب القبلة باب 11.

(2) في «ح»: و له.

(3) النهاية للشيخ الطوسي: 64.

324

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

325

القسم الثاني في تقرير المطالب العربية و ما يتفرّع عليها من الأحكام الشرعية

فيه أربعة مقاصد

326

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

327

المقصد الأول: في الأسماء

و فيه أبواب‏

الباب الأول: في الكلام و ما يتعلق به‏

مقدمة: الكلام في اللغة اسم جنس يقع على القليل و الكثير،

كما صرح به الجوهري، ثم زاده إيضاحا فقال: يقع على الكلمة الواحدة و على الجماعة، بخلاف الكلم، فإنه لا يكون أقلّ من ثلاث كلمات‏ (1).

و قال ابن عصفور: الكلام في أصل اللغة اسم لما يتكلم به من الجمل، مفيدة كانت أو غير مفيدة.

و ما ذكره من كونه اسما لا مصدرا موافق لما سبق عن الجوهري، و أما تقييده بالجمل فمخالف له و لغيره‏ (2)، و كأنه عبّر بذلك نظرا إلى الغالب.

____________

(1) الصحاح 5: 2023.

(2) كالفيومي في المصباح: 539.

328

هذا كله إذا لم يستعمل استعمال المصدر كقولك: سمعت كلام زيد، و قوله تعالى‏ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ‏ (1) و نحو ذلك، فإن استعمل استعماله كقولك:

كلمت زيدا كلاما، أو (2) تكلّم كلاما، فاختلفوا فيه، فقيل: إنه مصدر، لأنهم أعملوه فقالوا: كلامي زيدا حسن‏ (3)، و قيل: إنه اسم مصدر (4) و نقله ابن الخشاب عن المحققين‏ (5).

و مما يدل على أنه اسم مصدر أنّ الفعل الماضي المستعمل من هذه المادة أربعة:

أحدها: «كلّم» و مصدره التكليم، كقوله تعالى‏ وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى‏ تَكْلِيماً (6).

الثاني: «تكلّم» و مصدره التكلّم بضم اللام، و منه قوله:

و نشتم بالأفعال لا بالتكلّم.

الثالث: «كالم» و مصدره المكالمة.

و الرابع: «تكالم» و مصدره تكالما بضم اللام.

فظهر من ذلك أنّ الكلام ليس مصدرا، بل اسم مصدر.

و الفرق بينهما: أنّ المصدر مدلوله الحدث، و اسم المصدر مدلوله لفظ، و ذلك اللفظ يدل على الحدث. و مثله الفعل مع اسمه كصه.

هذا ما يتعلق بالكلام من جهة اللغة.

____________

(1) التوبة: 6.

(2) في «د»: إذا، بدل أو.

(3) الخصائص 1: 25.

(4) شذور الذهب لابن هشام: 412، شرح المفصل 1: 21.

(5) المرتجل: 29.

(6) النساء: 164.

329

و أما حدّه عند النحاة ففيه عبارات، أجودها: أنه قول دال على نسبة إسنادية مقصودة لذاتها.

و احترز بالإسنادية عن النسبة التقييدية، كنسبة الإضافة نحو «غلام زيد» و نسبة النعت نحو «جاء الرّجل الكاتب».

و بالمقصودة لذاتها عن الجمل الواقعة (1) صلة نحو «جاء الّذي قام أبوه».

إذا عرفت ذلك، و علمت أنه يطلق على الكلمة الواحدة مستعملة كانت أم لا، و أنّ أقل ما يمكن أن تكون الكلمة على حرفين، و أنّ انتقال الكلمة و الكلام إلى ما ذكره النحاة عرف حادث على اللغة، و أنّ الأمر من الأفعال المعتلّة الطرفين مثل «ق» و «ع» (2) يطلق على الحرف الواحد منها أنه كلام، بل أولى بالتسمية، لأنه جملة مفيدة إنشائية، ففرّع عليه ما ذكره الفقهاء من بطلان الصلاة بذلك، لأن قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «إنّ صلاتنا لا يصح‏ (3) فيها شي‏ء من كلام الآدميين» (4) متناول له لغة كما تقدم، و عرفا. فإن المغمى عليه و نحوه إذا نطق بكلمة واحدة كقوله: اللَّه، يقول الحاضرون: قد تكلّم. فتفطّن لهذا المدرك، فإنه يشكل على كثير، و بسببه حصل الاختلاف في مواضع، و ظهر به أنّ بطلان الصلاة بقوله: «ق» أولى من بطلانها بقوله: سماء، أو أرض.

و بقي الكلام في الحرف الّذي بعده مدة، فقد اختلفوا فيه، هل يصدق‏

____________

(1) في «د»: الواردة بدل الواقعة.

(2) في «م» زيادة: أ، و بدل كل تلك الحروف في «د»: قاع.

(3) في «ح»: يصلح.

(4) صحيح مسلم 2: 20 كتاب المساجد. حديث 33، سنن النسائي 3: 17 باب الكلام في الصلاة، مسند أحمد 5: 447.

330

عليه اسم الكلام أم لا؛ و كذلك الحرفان الخارجان من نحو التنحنح. و ظاهر إطلاق الكلمة و إن لم تكن مفيدة يتناوله. و يتفرع عليه أيضا ما إذا حلف لا يتكلم، فأتى بذلك.

قاعدة «101» لا يشترط في الكلام صدوره من ناطق واحد،

و لا قصد المتكلم الكلام‏ (1)، و لا إفادة (2) المخاطب شيئا يجهله؛ على الصحيح في الثلاث‏ (3).

أما الأول: فصورته أن يتواطأ مثلا شخصان على أن يقول أحدهما: زيد، و يقول الآخر: قائم.

و من فروعها الشرعية:

ما إذا كان له وكيلان بإعتاق عبد، أو بيعه، أو غير ذلك، فاتفقا على أن يقول أحدهما مثلا: هذا، و يقول الثاني: حر. و مقتضى القاعدة صحة ذلك، لكن لم أقف فيه على كلام لأحد نفيا، و لا إثباتا.

و منها: إذا قال: لي عليك ألف، فقال المدعى عليه: إلا عشرة، أو غير عشرة، و نحو ذلك. فهل يكون مقرا بباقي الألف؟ وجهان: من ظاهر القاعدة، و من أنه لم يوجد منه إلا نفي بعض ما قاله خصمه، و نفي الشي‏ء لا يدل على ثبوت غيره، و هذا أقوى.

و أما الثاني: فحاصله إدخال كلام الساهي و النائم و الطيور و نحو ذلك.

____________

(1) في «ح»: لكلام.

(2) في «د»: لإفادة.

(3) في «م»: الصلاة، و في «د»: الثالث.

331

و فائدته من الفروع: استحباب سجود التلاوة عند قراءة هؤلاء، أو وجوبها حيث يستمع.

و من فوائده أيضا: ما إذ حلف لا يكلّم زيدا، فكلّمه نائما أو مغمى عليه، فإنه لا يحنث قطعا، و لكن هل تنحل اليمين بذلك؟ المتجه ذلك، حيث جعلناه كلاما، إن قلنا بالانحلال مع السهو و الجهل، لاشتراك الجميع في عدم التكليف، مع احتمال الفرق.

و أما الثالث: فيبني عليه أيضا ما إذا حلف لا يتكلم، فقال مثلا: النار حارة، و السماء فوقنا، و نحو ذلك، فإنه يحنث بذلك.

قاعدة «102» كما يطلق الكلام لغة على اللفظ، يطلق أيضا على المعاني النفسانيّة.

و الصحيح- كما ذكر في «الارتشاف» و غيره- أنه إطلاق مجازي، و قيل:

مشترك بينهما (1)، و هو ضعيف.

إذا تقرر ذلك فمن فروع القاعدة:

ما إذا حلف لا يتكلم، أو لا يقرأ، أو لا يذكر، فإنه لا يحنث إلا بما يتكلم به بلسانه، دون ما يجريه‏ (2) على قلبه، حملا للفظ على حقيقته.

و منها: ما قالوه في حد الغيبة: أنها ذكر الشخص بما يكرهه، و قد قال جماعة: إنها تحصل بالقلب. و الحق أنّ ذلك بدليل خارجي.

و منها: الكلام على قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «إذا كان يوم صيام أحدكم، فلا يرفث،

____________

(1) المحصول 1: 55، التمهيد للأسنوي: 136.

(2) في «د»: يحدثه.

332

و لا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله، فليقل: إني صائم» (1) هل يقوله بقلبه أو بلسانه؟ و قد تقدم الكلام على ذلك في القسم الأول‏ (2).

قاعدة «103» إطلاق الكلام على الكتابة و الإشارة و ما يفهم من حال الشي‏ء، إطلاق مجازي على الصحيح، لا من باب الاشتراك.

و من فروع القاعدة:

ما إذا حلف لا يكلّمه، فكاتبه، أو أشار إليه، فلا يحنث بذلك.

و منها: من له زوجتان إذا قال: إحداهما طالق، و أشار إلى واحدة منهما، فإن جعلنا الإشارة كالكلام وقع ظاهرا، حتى لو ادعى عدم قصدها لم يقبل، كما لو صرّح بها ثم ادعى خلافه، و إلا افتقر مع ذلك إلى القصد، و قبلت‏ (3) دعواه خلاف ما أشار به؛ حتى لو ادعى عدم التعيين كان الطلاق غير معيّن، فيبني على القولين في انعقاده و عدمه.

و منها: إذا كان قادرا على النطق، فكتب صيغة البيع لعين، أو زوجتي طالق، أو وكّل إنسانا، و نحو ذلك، فالحق عدم الوقوع، لكن في الوكالة قول للعلامة بوقوعها بالكتابة (4)، لأنها عقد جائز، و الغرض‏

____________

(1) صحيح البخاري 3: 34 كتاب الصوم، صحيح مسلم 2: 507 باب حفظ اللسان للصائم حديث 160، سنن ابن ماجة 1: 539 كتاب الصيام باب ما جاء في الفقيه و الرفث للصائم حديث 1691، الموطأ 1: 310 كتاب الصيام حديث 57.

(2) ص 79.

(3) في «د»، «م»: و قيل.

(4) التذكرة 2: 114.

333

منها مجرد الإذن، و هو يحصل بذلك مع أمن التزوير. و يلزم من هذا تعديته إلى غيرها من العقود الجائزة، لكنه لا يقول به.

و للشيخ- (رحمه اللَّه)- قول بوقوع الطلاق خاصة بالكتابة إذا نوى بها الطلاق و كان غائبا (1)، لصحيحة أبي حمزة الثمالي عن الصادق (عليه السلام)، قال:

«لا يكون طلاقا و لا عتقا حتى ينطق بلسانه، أو يخطه بيده، و هو يريد الطلاق أو العتق، و يكون غائبا عن أهله» (2) و لم ينقل عنه جواز العتق بها. و باقي الأصحاب شرطوا في الاجتزاء بها مطلقا تعذر النطق.

و للشافعية في وقوع العقود و الإيقاعات مطلقا بالكتابة مع النية أوجه، ثالثها: الجواز للغائب دون الحاضر (3).

و على تقدير جواز الطلاق للغائب أو مع العجز يشترط أن ينوي الزوجة حين يكتب «زوجتي» و الطلاق حين يكتب «طالق» و الإشهاد على الكتابة، لأنها قائمة مقام النطق.

فلو كان له زوجتان، فإن عيّن واحدة بقلبه فلا كلام، و إن لم يعين، نظر إن انتفى التعيين في خطه أيضا، عيّن بعد ذلك ما أراد منهما؛ و إن عيّن في الخطّ فلا بدّ أن ينوي المعيّنة أيضا عند كتابتها كما قلناه، فإن لم ينوها فلا أثر لتعيينها بالخط.

و لو ادعى مع تعيينه بالخط إرادة غير ما عيّن، ففي قبوله وجهان: من‏

____________

(1) النهاية: 511.

(2) الكافي 6: 64 باب الرّجل يكتب بطلاق امرأته حديث 1، الفقيه 3: 503 حديث 4766، التهذيب 8: 38 حديث 114، الوسائل 15: 291 أبواب مقدمات الطلاق باب 14 حديث 3. و لكن في «ح» و الفقيه و التهذيب: لا يكون طلاق و لا عتق، و في بعض نسخ الكافي:

لا يكون بطلاق و لا عتق.

(3) المجموع 9: 162، 167.

334

حيث إنّ النية غير كافية، و الكتابة لم تنضم هنا إلى المقصودة، لأن التعيين بالخط قائم مقام الإشارة، فإذا اختلفت هي و القصد تخلّف الشرط الّذي هو قائم مقام التلفظ بالصيغة؛ و من صدق كتابة صيغة الطلاق في الجملة مع القصد إلى معينة، و المرجع فيه إليه، و هو ضعيف.

335

الباب الثاني في المضمرات‏

قاعدة «104» الضمير إذا سبقه مضاف و مضاف إليه و أمكن عوده إلى كل منهما على انفراده،

كقولك: مررت بغلام زيد فأكرمته، فإنه يعود إلى المضاف دون المضاف إليه، لأن المضاف هو المحدّث عنه، و المضاف إليه وقع ذكره بطريق التبع، و هو تعريف المضاف أو تخصيصه.

و بهذه القاعدة أبطل أبو حيّان‏ (1) استدلال جماعة على نجاسة الخنزير بقوله تعالى‏ أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ‏ (2) حيث زعموا أن الضمير في قوله تعالى‏ فَإِنَّهُ‏ يعود إلى الخنزير، و علّلوه بأنه أقرب مذكور (3).

إذا علمت ذلك فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال: له عليّ ألف درهم و نصفه، فإنه يلزمه ألف و خمسمائة،

____________

(1) تفسير البحر المحيط 4: 241.

(2) الأنعام: 145.

(3) كنز العرفان للسيوري 1: 99.

336

لا ألف و نصف درهم. و هكذا القول في الوصايا و البيوع و الوكالات و الإجارات‏ (1) و غيرها من الأبواب.

قاعدة «105» من المضمرات «أنت» بفتح التاء في المذكر، و كسرها في المؤنث،

و اختلفوا، فقال الفرّاء: جميعه هو الضمير (2).

و قيل: الاسم منه التاء فقط، و هي التاء التي في «فعلت» و لكن زيد معها «أن» تكثيرا للّفظ، و اختاره أبو حيان‏ (3).

و ذهب جمهور البصريين إلى العكس، فقالوا: الاسم هو «أن» و التاء حرف خطاب‏ (4).

و فائدة الخلاف فيما لو سمّي به، فعند الفراء يعرب، و عند غيره يحكى، لكونه مركبا من اسم و حرف، كذا جزم به في «الارتشاف».

و ذكر ابن بابشاذ في شرح الجمل ما يخالف ذلك، فإنه لما تكلم على تفعلين و قال: إنّ التاء فيه اسم عند سيبويه، و حرف يدل على التأنيث عند الأخفش، قال: فلو سمي به، فإنه يحكى عند سيبويه، و يعرب عند الأخفش، هذا كلامه. مع كونه مركبا من فعل و حرف، و هو بالحكاية أولى.

قال أبو حيّان: و إذا قلنا بالإعراب فيعرب إعراب ما لا ينصرف للعلمية و

____________

(1) في «د»: الإجازات.

(2) شرح التصريح على التوضيح 1: 103.

(3) و قيل هو ابن كيسان نقله عنه في شرح التصريح على التوضيح 1: 103.

(4) شرح التصريح على التوضيح 1: 103.

337

شبه العجمة، لأنه لا نظير له في كلام العرب.

إذا عرفت ذلك: فقد ذكر في الارتشاف و غيره أنه قد يشار إلى المؤنث بإشارة المذكر على إرادة الشخص، و عكسه كذلك أيضا بتقدير الذات أو النسمة (1) و نحوهما، و مثله الضمير.

و من فروع القاعدة:

ما إذا قال لامرأة: زنيت بفتح التاء، أو لرجل بكسرها، فإنه يكون قذفا.

و كذا لو قال: زانية للرجل و زان للمرأة.

و كذا القول في الطلاق و العتق و نحوهما من صيغ العقود و الإيقاعات، كقوله: أنت- بالفتح- طالق، أو أنت- بالكسر- حرا، و بعتك بالكسر أو الفتح، و ما أشبه ذلك.

قاعدة «106» ضمير الغائب كما يعود على ملفوظ، يعود على غير ملفوظ به،

كالذي يفسره سياق الكلام.

فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال: له عليّ درهم و نصفه، فإنه يلزمه درهم كامل و نصف، و التقدير كما قاله ابن مالك: و نصف درهم آخر.

إذ لو كان عائدا إلى المذكور لكان يلزمه درهم واحد، و يكون قد أعاد النصف تأكيدا، و عطفه لتغاير الألفاظ. و مثله لو قال: بعتك بدرهم و نصفه، و نحو ذلك.

و منها: لو قال الزوج: امرأته طالق، و عنى نفسه. و في وقوعه وجهان، أحدهما: نعم، و هو الّذي تقتضيه القاعدة، و الآخر: العدم، لمخالفته لظاهر

____________

(1) في «ح»: التسمية، و في «د»: القسمة.

338

السياق من عوده إلى المتكلم.

قاعدة «107» الضمير المرفوع للواحد المتكلم «تاء» مضمومة، و للمخاطب «تاء» مفتوحة؛

و ما خرج عن ذلك لحن يبطل به العقد حيث يعتبر إعرابه.

و من فروعها:

ما إذا قال البائع: بعتك، أو الولي للزوج: زوجتك، بفتح التاء، و نحو ذلك،. و مقتضى القياس أنّ العقد لا يصح، لأنه خطأ (1) يخل بالمعنى، فإن مدلوله أنّ المخاطب قد باع نفسه أو زوّجها، و إذا أخلّ به بطل، كما لو قال المصلي: أنعمت بضم التاء أو كسرها.

و هذا بخلاف ما لو قال: الحمد لله بكسر الدال، فإنه لا يخل بالمعنى، و مع ذلك فهو لغة، إلا أنه قراءة شاذة. فيبني جواز الصلاة به على جواز اللحن الّذي لا يختل به المعنى، و قد قال به جماعة، منهم المرتضى منا (2).

و ذكر الغزالي في فتاواه: أنه إذا قال الولي: زوّجت لك أو زوّجت إليك، صحّ، لأن الخطأ في الصيغة إذا لم يخل بالمعنى ينزل منزلة الخطأ في الإعراب بالتذكير و التأنيث، و لو قال: زوجتكه‏ (3). و أشار إلى ابنته صحّ.

هذا كلامه، و حاصله جواز اللحن الّذي لا يخل بالمعنى، و أما مثال‏

____________

(1) في «د»: حكاية.

(2) رسائل السيد المرتضى 2: 387.

(3) في «م»: زوجتك.

339

التزويج فقد تقدّم ما يدل على جوازه‏ (1).

قاعدة «108» الظاهر قد يقع موقع الضمير في الصلة و غيرها،

و منه قول العرب: أبو سعيد الّذي رويت عن الخدري، أي عنه، و قول الشاعر:

فيا رب ليلى أنت في كل موطن‏* * * و أنت الّذي في رحمة اللَّه أطمع‏ (2)

أي في رحمته. و مذهب سيبويه أنّ ذلك لا ينقاس، و خالف فيه بعضهم. و جعله منقاسا.

إذا عرفت ذلك فمن فروع القاعدة:

أنه لو قيل لرجل اسمه زيد: يا زيد، فقال: امرأة زيد طالق، فحكموا فيها بطلاق امرأته. و هذا يصح مع قصده إلى طلاقها. و ينبغي أن يرجع فيه إليه في ذلك، لجواز أن يريد زيدا آخر.

و لو اشتبه العلم بقصده ففي وقوع الطلاق على زوجته وجهان: من ظهور إرادتها، و احتمال غيرها احتمالا وجيها.

و منها: ما لو قال الوكيل: بعتك ثوب زيد الفلاني و سيفه، و كتاب زيد، و أراد به الأول، و نحو ذلك، فإن الصيغة صحيحة لغة، فيقع البيع حيث تعتبر العربية الصحيحة، و إن كان غير فصيح. و يتوجه على قول سيبويه القدح في صحة العقد حيث تعتبر العربية، لأن ذلك غير قياس.

____________

(1) قاعدة 105.

(2) الشعر لمجنون ليلى، و الشاهد فيه إقامة الاسم مقام الضمير، و كان حقه أن يقول في رحمتك.

أورده في مغني اللبيب 2: 655.

340

و منها: لو قال المصلي في التشهد: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك لله، أو قال بعد الشهادة الأولى: وحده لا شريك له، ثم قال: و أشهد أنّ محمدا رسول اللَّه، أو قال: عبده و رسول اللَّه، أو جمع بين ذلك، إذا لم يعيّن‏ (1) التشهد الخاصّ، كما ذهب إليه بعض الأصحاب‏ (2)، عملا بظاهر الأخبار الدالة على الاجتزاء بالشهادتين مطلقا (3)، فيصح التشهد كما ذكر.

و لو قلنا بعدم قياسه لم يصح، و أولى منه لو عيّنا التشهد المشهور.

قاعدة «109» إذا اشتركت الجملة الأولى و الجملة المعطوفة عليها في اسم،

جاز أن يأتي به في الثانية ظاهرا، كقولك في كلمتي الشهادة: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، و أشهد أن محمدا رسول اللَّه؛ و ضميرا كقوله: من يطع اللَّه و رسوله فقد رشد، و من يعصهما فقد غوى.

إذا علمت ذلك فيتفرع عليه:

ما إذا أتى به في التشهد في الصلاة ضميرا، فقال: رسوله، و في الاكتفاء به وجهان. و مقتضى القاعدة الصحة حيث لا يعين التشهد الخاصّ، لتحقق الإتيان بالشهادتين على الوجه المعتبر في اللغة العربية.

و لو اعتبرنا الصيغة الخاصة كما يظهر من بعض الأخبار (4) سقط هذا التفريع و ما قبله.

____________

(1) في «م»: يعتبر.

(2) كالشيخ الطوسي في المبسوط 1: 115، و العلامة في الإرشاد 1: 256.

(3) وسائل الشيعة 4: 991 أبواب التشهد ب 4، 5.

(4) وسائل الشيعة 4: 989 أبواب التشهد ب 3.

341

قاعدة «110» الفصل ضمير مرفوع منفصل، يؤتى به بين المبتدأ و الخبر،

كقولك: زيد هو القائم، أو ما أصله المبتدأ و الخبر، نحو: كان زيد هو القائم. و هكذا «إنّ» و «ظننت» و أخواتهما نحو أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* (1) وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ‏ (2) كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ‏ (3) تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً (4) إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَ وَلَداً (5).

و أجاز الأخفش وقوعه بين الحال و صاحبها، كجاء زيد هو ضاحكا، و جعل منه‏ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ‏ (6) فيمن نصب «أطهر».

و يشترط كونه‏ (7) معرفة كما مثلنا، و أجاز الفرّاء (8) و جماعة من الكوفيين‏ (9) كونه نكرة، نحو: ما ظننت أحدا هو القائم، و كان رجل هو القائم، و حملوا عليه‏ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى‏ مِنْ أُمَّةٍ (10) فقدروا «أربى» منصوبا (11).

____________

(1) الأعراف: 157.

(2) الصافات: 165.

(3) المائدة: 117.

(4) المزمل: 20.

(5) الكهف: 39.

(6) هود: 78، و نقله عن الأخفش في مغني اللبيب 2: 641.

(7) أي في الاسم الّذي قبل ضمير الفصل.

(8) نقله عنه في مغني اللبيب 2: 642.

(9) مغني اللبيب 2: 642.

(10) النحل: 92.

(11) مغني اللبيب 2: 642.

342

و يشترط فيما بعده أمران: كونه خبرا لمبتدإ في الحال أو في الأصل، و كونه معرفة أو كالمعرفة في أنه لا يقبل «أل» كما تقدم في «خيرا» و «أقل».

و شرط الّذي كالمعرفة أن يكون اسما كما مثّلنا. و خالف فيه الجرجاني‏ (1) فألحق المضارع بالاسم لتشابههما، و جعل منه‏ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ (2) و هو عند غيره توكيد أو مبتدأ؛ و تبعه أبو البقاء (3)، فأجاز الفصل في‏ وَ مَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (4).

و شرطه في نفسه أمران: أن يكون بصيغة المرفوع، فيمتنع زيد إياه الفاضل، و أنت إياك العالم؛ و أن يطابق ما قبله، فلا يجوز كنت هو الفاضل.

و فائدته: الإعلام من أول الأمر بأن ما بعده خبر لا تابع. و لذلك سمّي فصلا، لأنه فصل بين الخبر و التابع. و عمادا، لأنه يعتمد عليه في معنى الكلام و التأكيد، و لهذا لا يجامع التوكيد، فلا يقال: زيد نفسه هو الفاضل. و يسمى لذلك دعامة، لأنه يقوّى و يؤكّد به.

و الاختصاص، بمعنى أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره.

و اختلفوا في حقيقته. فقيل: هو حرف لا محل له‏ (5)، و قيل: هو اسم و محله بحسب ما بعده‏ (6)، و قيل: ما قبله‏ (7). فمحله بين المبتدأ و الخبر رفع، و بين معمولي «ظن» نصب، و بين معمولي «كان» و «إنّ» رفع أو نصب على القولين.

____________

(1) كما نقله في مغني اللبيب 2: 642.

(2) البروج: 12.

(3) نقله عنه في مغني اللبيب 2: 642.

(4) فاطر: 10.

(5) نقله عن البصريين في مغني اللبيب 2: 645، و اختاره في التسهيل: 29.

(6) نقله عن الخليل في مغني اللبيب 2: 645.

(7) نقله عن الفراء في مغني اللبيب 2: 645.

343

إذا عرفت ذلك فيتفرع عليه التعاليق كلها و الأيمان كقوله: و اللَّه إنّ زيدا هو الّذي أبيعه اليوم كذا، فهل يحنث إذا باع غيره؟ فإن قلنا إنه يفيد الحصر- كما قلنا و اختاره الزمخشري فقال في قوله تعالى‏ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* أن فائدته الدلالة على أنّ الوارد بعده خبر لا صفة، و التوكيد، و إيجاب أنّ فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره‏ (1)- حنث، و كذا يكذب لو قال: و اللَّه إنّ زيدا هو القائم، إذا كان غيره أيضا قد قام. و قس على ذلك غيره.

____________

(1) الكشاف 1: 46.

344

الباب الثالث في الموصولات‏

قاعدة «111» الأصل في «من» إطلاقها على العاقل؛ و تقع أيضا على المختلط بمن يعقل،

كقوله تعالى‏ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى‏ رِجْلَيْنِ‏ (1) فإنه يشمل الإنسان و الطائر. و على المنزّل منزلة من يعقل، كقوله تعالى‏ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ‏ (2) يعني الأصنام، و قول الشاعر:

أسرب القطا هل من يعير جناحه‏* * * لعلّي إلى من قد هويت أطير

(3) فإن عبادة الأصنام و مخاطبة القطا تنزيل لهما منزلة العاقل.

و ذهب قطرب إلى أن «من» تقع على ما لا يعقل من غير اشتراط شي‏ء بالكلية (4).

____________

(1) النور: 44.

(2) الأحقاف: 4.

(3) و هو قول العباس بن أحنف، التصريح 1: 133.

(4) نقله عنه في التسهيل: 36.

345

و أما «ما» فهي لما لا يعقل، و تقع أيضا كما قاله ابن مالك‏ (1) على المختلط بالعاقل‏ (2) كقوله تعالى‏ وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ (3) و لصفات من يعقل كقوله تعالى‏ وَ السَّماءِ وَ ما بَناها (4) و قوله تعالى‏ فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ (5).

و ذهب جماعة إلى أنها تطلق أيضا على من يعقل بلا شرط (6)، و ادعى ابن خروف أنه مذهب سيبويه‏ (7).

و تطلق «ما» أيضا على العاقل إذا كان مبهما لا يعلم أذكر هو أم أنثى؟

كقوله تعالى‏ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً (8).

و ما ذكرناه من التعبير بالعاقل هو المعروف بين النحاة (9)، و الصواب- كما قال ابن عصفور في أمثلة المقرّب‏ (10)- إنما هو التعبير بأولى العلم، لأن من يطلق على اللَّه تعالى كقوله‏ أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ‏ (11) و قوله‏ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ‏ (12) و اللَّه سبحانه يوصف بالعلم و لا يوصف بالعقل، و لذلك‏

____________

(1) التسهيل: 36.

(2) في «د»: العاقل.

(3) النحل: 48.

(4) الشمس: 4.

(5) النساء: 3.

(6) التمهيد للأسنوي: 302.

(7) التمهيد للأسنوي: 302.

(8) آل عمران: 34.

(9) مغني اللبيب 1: 392.

(10) التمهيد للأسنوي: 303.

(11) النحل: 16.

(12) الرعد: 43.

346

يقسّمون العقلاء إلى ثلاثة أنواع، و هي: الملائك، و الإنس، و الجن.

و ينبغي أن يراد بالعاقل و ذي العلم: ما من شأنه أن يكون كذلك، كالأجناس الثلاثة، و إن كان بعض أفراد الجنس غير عاقل و لا عالم، كالمجنون و الطفل.

إذا عرفت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال لوكيله: من دخل داري فأطعمه شيئا، فدخل عليه صبي أو مجنون جاز أن يطعمهما، لأنهما من جنس أولي العلم و العقل.

و لو دخلت بهيمة لم يجز له إطعامها، لأن «من» لم تتناولها على القول الشهير، و على قول قطرب تدخل. و لو قال: فأعطه درهما لم تدخل مطلقا، لأنها غير قابلة للعطاء.

و لو قال: فألبسه أو فاخلع عليه فكالإطعام، إلا أن يدل العرف على خلافه. و لو قال: ما أتاك فأطعمه، دخلت الدّابّة قطعا، و في دخول العاقل ما تقدم.

و منها: إذا قال: غصبتك ما تعلم، أو ما أنا أعلم به، قيل: لا يلزمه شي‏ء، لأنه قد يغصب نفسه فيحبسه. و يشكل بأنه جعل للغصب مفعولين، فيجب مغايرته للأول.

و مثله ما لو قال: غصبتك شيئا، ثم قال: أردت نفسك. و قد تقدّم في القسم الأول فروع أخر عليها.

و منها: ما لو نذر أن يكون ما يولد له من مملوكاته صدقة، و له حيوان صامت و إماء، فإن الجميع يدخل في النذر إن لم يستثن بعضه و لو بالنية، إن جعلناها مطلقة على الجميع، و إلا دخل ما لا يعقل خاصة.

و لو قال: كل من يولد، لم يدخل غير الإنسان. و الأولى دخول الإنسان في الأول مطلقا، لدلالة العرف على استعماله فيه أيضا.

347

قاعدة «112» صيغة «ما» في قول القائل: أعطيتك ما شئت، و نحو ذلك، يجوز أن تكون موصولة،

أي: الّذي شئت، و أن تكون مصدرية ظرفية، أي: مدة مشيئتك.

إذا تقرر ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما لو قال لوكيله: أعط فلانا ما شئت، فإنه يتخير في إعطائه أي عدد شاء. لكن إذا أعطاه مرة هل يصح له إعطاؤه مرة أخرى؟ يبنى على أن «ما» هل هي موصولة أو ظرفية. فعلى الأول ينبغي عدم الصحة، لامتثاله الأمر، و هو لا يقتضي التكرار، و إنما دل على إعطائه أيّ عدد شاء، و قد شاء عددا و أعطاه إياه؛ و يحتمل جواز إعطائه مرّة أخرى، لأن العدد المعطى ثانيا إذا انضم إلى الأول صار عددا شاءه أيضا. و يضعف بما فيه من تكرر الأمر، و هو لا يقتضيه.

و لو جعلناها ظرفية جاز، لأن التقدير: مدة مشيئتك، فهو كقوله: أكرمه مدة إقامته عندك، فيصح تكرار الإكرام تلك المدة، ففيه تنصيص على الإذن في التكرار بتعيين المدة، بخلاف الإطلاق.

و حيث احتملت «ما» الأمرين فالمتيقن منها أقل الحكمين، و ما زاد عليه مشكوك فيه، لأنها تكون حينئذ مشتركة، و المشترك لا يحمل على أحد معانيه إلا بقرينة. نعم إعطاؤه المرة الأولى قدر مشترك بين أفراد المشترك، فيتناوله الإذن، و يقع الشك في الباقي.

و منها: ما لو قال: قارضتك على هذا المال ما شئت، فقال: شئت سنة، فهل يصح له أن يشاء أزيد منها؟ يبنى على ما سلف.

و مثله ما لو قال: أعرتك هذا ما شئت، فعيّن وقتا أو عددا معينا ثم تجاوزه‏

348

إلى غيره، و لعل العرف هنا قاض بجواز تعدّد المشيئة. و يؤيده أن «ما» عامة، فتتناول ما يشاءوه ثانيا و (1) ثالثا أبدا.

و فرّع بعض الشافعية عليه: ما إذا قال لامرأته: أنت طالق ما شئت، قال: فيحتمل أن يكون: المقدار الّذي شئت، فيرجع فيه إلى العدد الّذي تشاؤه المرأة من الطلاق، و يشترط الفورية فيه، كقوله: إن شئت فأنت طالق. قال: و يحتمل أن يريد مدة مشيئتك للطلاق، فتطلق عند مشيئتها، أيّ وقت شاءت.

____________

(1) في «د»: أو.

349

الباب الرابع في المعرف بالأداة

قاعدة «113» إذا احتمل كون «أل» للعهد، و كونها لغيره، كالعموم و الجنس، فإنا نحملها على المعهود،

لأن تقدمه قرينة مرشدة إليه. و يتحقق ذلك بأن يذكر الاسم مرتين معرفا فيهما، أو منكرا في الأول و معرفا في الثانية. فالأوّل كقوله تعالى‏ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (1) و الثاني كقوله تعالى‏ كَما أَرْسَلْنا إِلى‏ فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ‏ (2).

و لو كانتا معا نكرتين لم يكن أحدهما هو الآخر؛ و كذا لو كان الأول معرّفا و الثاني منكرا.

و من هذه القاعدة: «لن يغلب عسر يسرين»، بمعنى أنّ اللَّه تعالى وعد في الآية بمقتضى القاعدة أنه ينزل مع كل عسر يسرين، لأنه جعل العسر فيهما معرفا، فالثاني هو الأول، لأن حمل اللام فيه على العهد أولى من حملها على غيره. و أتى باليسر منكرا فيهما، فدلّ على تعددهما، فكأنه تعالى قال: إني‏

____________

(1) الانشراح: 5- 6.

(2) المزمل: 14- 15.

350

أنزل مع العسر يسرا ثم إني أنزل مع ذلك العسر يسرا آخر. و كذا يحمل على العهد لو لم يتكرر و احتمل مع غيره.

و يتفرع على القاعدة فروع:

منها: لو قال لوكيله: إن جاء فلان فبعه بمائة، ثم قال: إن جاء الرّجل فبعه بخمسين، فيصح له بيعه المتاع بخمسين، عملا بمقتضى الإذن، و إن كانت قيمة المتاع تساوي أكثر؛ و لا يصح بيعه لغيره بذلك القدر، بل بثمن المثل حيث لا يعيّن‏ (1) غيره. و لو قال بعد تعيين الرّجل: و إن جاءك رجل فبعه بخمسين، فهو إذن في بيع من شاء من الرّجال الذين يجيئون إليه، سواء الرّجل المذكور سابقا و غيره.

و منها: لو قال فلانة- و عيّن بعض زوجاته- طالق، ثم قال: و الزوجة طالق، فإنه ينصرف إلى المطلّقة أولا؛ فإن كان قد راجعها وقع عليها الطلاق ثانيا، و إلا وقع لاغيا.

هذا بحسب الظاهر، و أما بحسب نفس الأمر فينصرف الطلاق إلى التي نواها من زوجاته.

و تظهر الفائدة عند اشتباه قصده، فإنه يعمل حينئذ بمدلول لفظه.

و لو ادعى قصد غير المطلّقة قبل قوله، لصلاحية اللفظ له، و إن كان خلاف الظاهر؛ فيدين بنيته فيما بينه و بين اللَّه تعالى، خصوصا لو لم يكن رجع في طلاق الأولى، لأن إعمال الطلاق خير من إلغائه، و عوده إلى المطلقة أولا يوجب إلغاءه.

و منها: مسألة الكفالة المشهورة، و هي قوله: عليّ كذا إلى كذا إن لم أحضره، و قوله: إن لم أحضره كان عليّ كذا إلى كذا. فإن الفرق بين الصيغتين بحسب اللغة غير واضح، لأن تقديم الشرط على الجزاء و تأخيره سيّان؛ لكن‏

____________

(1) في «د»: يعني.

351

وردت الرواية بالفرق بينهما، و أنه إذا قدّم المال فهو ضامن للمال إن لم يحضره، و إن قدّم عدم الإحضار فهو له كفيل‏ (1).

و قد اختلفوا في تنزيل الرواية لمخالفتها للأصول، و الغرض هنا بيان فساد بعض تأويلاتها، فإنه يتفرع على هذه القاعدة، و هو ما نقل عن العلامة (2) أنه حمل الرواية على أنه التزم في الصورة الأولى بما ليس عليه، كما لو كان عليه دينار فقال: إن لم أحضره فعليّ عشرة دنانير مثلا، فهنا لا يلزمه المال، لأنه التزم بما ليس عليه. و أما الثانية فإنه التزم بما عليه و هو الدينار مثلا، فكأنه قال: علي الدينار الّذي عليه إن لم أحضره.

و طريق فساد هذا التأويل من القاعدة: أنّ لفظ الرواية: سألته عن الرّجل يكفل بنفس الرّجل إلى أجل فإن لم يأت به فعليه كذا و كذا درهما، قال: «إن جاء به إلى الأجل فليس عليه مال، و هو كفيل بنفسه أبدا؛ إلا أن يبدأ بالدراهم، فإن بدأ بالدراهم فهو له ضامن إن لم يأت به إلى الأجل هذا لفظها.

و أنت خبير بأنه أتى بالدراهم أولا نكرة، ثم أتى بها معرفة في قوله: «إلّا أن يبدأ بالدراهم» و قوله: «فإن بدأ بالدراهم» و حينئذ فيجب حمل اللام على المعهود، و هو المذكور سابقا، كما في قوله تعالى‏ كَما أَرْسَلْنا إِلى‏ فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ‏ (3) فيبطل التنزيل، مع ما فيه من مفاسد أخر لا تتعلق بالقاعدة.

و من فروع حمله على المعهود مع عدم تكرره: ما لو حلف لا يأكل الجوز مثلا، فإنه يحمل على المعهود منه، دون الجوز الهندي، إلا أن يكون في بلاد

____________

(1) الكافي 5: 104 باب الكفالة. حديث 3، الفقيه 3: 96 حديث 3403، التهذيب 6: 209 حديث 488، الوسائل 13: 157 أبواب أحكام الضمان باب 10.

(2) تذكرة الفقهاء 2: 102.

(3) المزمل: 14- 15.

352

يعهد فيها حمله عليه، أو على ما هو أعم منه.

و مثله: لا آكل البطيخ، حيث تكون أصنافه متعددة، و إطلاقه محمول على بعضها، و هو واقع فيه في كثير من البلاد، حتى قال بعضهم: إنه لا يحنث بأكل البطيخ الهندي، و هو الأخضر (1). و كأن هذا الاسم لا يعهد في بلاده إطلاقه على هذا النوع، و إلا فهو واقع في كثير، فيحنث به عندنا، لأن إطلاقه عليه معهود.

قاعدة «114» الاسم المعرّف ب «أل» التي ليست للعهد يفيد العموم عند جماعة من النحويين و الأصوليين،

منهم أبو حيان و ابن مالك‏ (2).

و احتج الجميع له بوصف العرب له بصفة الجمع، حيث قالوا: أهلك الناس الدينار الصفر و الدرهم البيض‏ (3).

و استدل في «الارتشاف» تبعا لابن مالك بقوله تعالى‏ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى‏ عَوْراتِ النِّساءِ (4).

و فيهما نظر، لأن الأول لو كان حقيقة لا طرد، و هو منتف، مثله في قوله تعالى‏ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (5) فإنه إنما صح الاستثناء منه حملا له على الاستغراق مجازا، بدليل عدم اطراده أيضا، إذ لا يصح أن يقال:

____________

(1) نقله عن الرافعي في التمهيد: 315.

(2) التسهيل: 42، تفسير البحر المحيط 6: 449، التمهيد: 327.

(3) البهجة المرضية 1: 75.

(4) النور: 30.

(5) العصر: 2.

353

رأيت الإنسان إلا المؤمنين.

و أما الثاني، فقد نقل الجوهري أنّ الطفل يطلق على الواحد و الجمع‏ (1).

إذا تقرّر ذلك فتتفرع عليه فروع كثيرة أصلية و فرعية، و قد تقدم في القسم الأول جملة منها.

و منها: الاحتجاج بقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «إذا بلغ الماء كرا» (2) و قوله: (صلى اللَّه عليه و آله): «خلق اللَّه الماء طهورا» (3) إلى آخره. فإن جعلناه للعموم استدل به على أفراد الماء، و إلا دلّ بإطلاقه عليها، فيستوي فيه النابع، و ما في الآنية، و ماء البحر، و غيره من أفراد المياه التي اختلف في انفعالها بمجرد ملاقاة النجاسة و عدمه، أو في طهوريتها و عدمها.

و منها: لو دفع إلى وكيله مالا يفرّقه، و قال له: أعط الفقير درهما، و الفقيه درهما، و غيرهما الباقي، فإن جعلناه للعموم لم يصح الاقتصار على إعطاء أقل من ثلاثة من الصنفين، و إلا جاز الاقتصار على واحد.

و منها: ما إذا استفاض أنّ الملك الفلاني وقف على المسجد، أو مسجد البلد الفلاني، و فيه عدة مساجد، و لم يعلم الموقوف عليه منها، هل هو واحد (4) أم أكثر أم الجميع. فإن جعلناها للعموم وجب صرف غلته إليها أجمع بالسوية، و إلا كان لواحد منها مشتبها، فيستخرج بالقرعة. و نظائر ذلك كثيرة.

____________

(1) الصحاح 5: 1751. (طفل)

(2) سنن الترمذي 1: 46، سنن النسائي 1: 175 باب التوقيت في الماء، مختصر سنن أبي داود 1:

56 باب ما ينجس الماء حديث 58.

(3) الخلاف 1: 173، السرائر 1: 64، المعتبر 1: 40، الوسائل 1: 101 أبواب الماء المطلق باب 1 حديث 8.

(4) في «م» زيادة: معين، و في «د»: معنى.

354

الباب الخامس في المشتقات‏

قاعدة «115» اسم الفاعل يطلق على الحال، و على الاستقبال، و على الماضي،

و كذلك اسم المفعول. و إطلاق النحاة يقتضي أنه إطلاق حقيقي.

و اختلف الأصوليون في كونه حقيقة بمعنى الماضي، فعند أصحابنا و المعتزلة هو حقيقة (1)، و عند الأشاعرة مجاز (2).

و يتفرع على ذلك فروع:

منها: إذا قال لزوجته: أنت طالق، و قد (3) جزموا بصراحته. و مقتضى مذهب الأصحاب أنّ ذلك لا يتعدى إلى غيره من العقود، كقوله: أنا واقف هذا، أو مطلّق للمرأة، أو بائع للشي‏ء، أو مؤجر له، أو مزوج ابنتي. و أولى منه إطلاق اسم المفعول، كقوله مطلقة، أو مبيع، و نحوهما؛ لأن الصيغ عندهم توقيفية، فلا (4)

____________

(1) تهذيب الأصول للعلامة: 10، و نقله عن المعتزلة في التمهيد: 153.

(2) التمهيد للأسنوي: 153.

(3) في «م»: فقد.

(4) في «د»: لا.

355

يتعدى إلى غيرها؛ و لأنه باشتراكه بين الحال و الاستقبال أعم من المطلوب، فلا يدل عليه. و كذا لو جعلناه متواطئا.

و منها: لو عزل عن القضاء فقال: امرأة القاضي طالق، ففي وقوع الطلاق على زوجته ظاهرا وجهان.

و للمسألة التفات إلى قواعد:

منها: أنّ المتكلم هل يدخل في عموم كلامه؟

منها: إقامة المظهر مقام المضمر.

و منها: إطلاق المشتق باعتبار الماضي هل هو حقيقة أم لا؟

و منها: أن المفرد المعرّف هل يعم أم لا؟

هذا كله إذا اشتبه القصد، أما لو قصدها، فلا إشكال، و لو ادعى عدم قصدها، و حكمناه بالمقدمات الموجبة للدخول، ففي القبول منه نظر، و المتجه القبول.

و من الفروع على القاعدة:

ما لو قال: أنا مقر بما يدعيه، أو لست منكرا له، فالمشهور أنه يكون إقرارا، مع أنه يحتمل الاستقبال فيكون وعدا، و المشترك لا يحمل على أحد معنييه بدون القرينة، و لهذا لو قال: أنا أقر به، لم يكن إقرارا، و إن أتى بالضمير معه، لكونه مشتركا بين الحال و الاستقبال.

و منها: لو وقف على سكان موضع كذا، فغاب بعضهم، و لم يبع داره، و لا استبدل دارا، فإن حقه لا يبطل بذلك. و لا فرق في ذلك بين الغيبة حال الوقف و بعده، إلا أن يخرج عن كونه منهم عرفا.

و منها: لو قال: وقفت على حفّاظ القرآن، لم يدخل فيه من كان حافظا و نسيه، عملا بالعرف، و إن كانت القاعدة تقتضيه. و قد تقدّم‏

356

ذلك في القسم الأول‏ (1).

قاعدة «116» إذا أريد باسم الفاعل الحال أو الاستقبال نصب معموله.

و إن أريد الماضي، فإن كانت معه «أل» جاز النصب به، و يجوز الجر أيضا، و إن عري منها فلا، بل تتعين إضافته.

و قال الكسائي: يجوز أن ينصب به مطلقا (2).

و حيث يجوز النصب به يجوز الجر أيضا، بل هو أولى عند بعضهم‏ (3)، لأنه الأصل. و قال سيبويه: النصب و الجر سواء (4). و قيل: النصب أولى‏ (5).

إذا علمت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال شخص: أنا قاتل زيد، ثم وجدنا زيدا ميتا، و احتمل أن يكون قبل كلامه، و أن يكون بعده، فإن نوّنه و نصب به ما بعده، لم يكن ذلك إقرارا، لأن اللفظ لا يقتضي وقوعه؛ و إن جرّه فكذلك، لجواز أن يكون المضاف بمعنى الحال أو الاستقبال. هذا هو مقتضى القواعد.

و قال بعضهم: إنه مع الجر يكون إقرارا (6)، بناء منه على أنّ (إعمال اسم الفاعل النصب بغير «أل» مختص بالحال و الاستقبال، و أنه تمتنع معهما

____________

(1) قاعدة: 19.

(2) نقله عنه في التسهيل: 137، و شرح العوامل (جامع المقدمات) 1: 601.

(3) في «م» زيادة: هو أبو حيان الأندلسي.

(4) الكتاب 1: 171.

(5) شرح الكافية للرضي 1: 280.

(6) إيضاح الفوائد 2: 426.