تمهيد القواعد

- الشهيد الثاني المزيد...
648 /
357

الإضافة، و قد عرفت خلافه.

نعم لو قيل: إن اسم الفاعل) (1) بمعنى الماضي حقيقة بناء على القاعدة الأصولية، و مع الحال و الاستقبال مجاز، تسمية للشي‏ء باسم ما يؤول إليه، توجّه كونه إقرارا، و إن صحت الإضافة على التقادير الثلاثة.

و على هذا يتجه (إلحاق) (2) النصب به أيضا حيث يجوز أعماله بمعنى الماضي‏ (3)، كما إذا كان صلة «أل» كقوله: أنا القاتل زيدا، لأنه و إن احتمل الثلاثة الأحوال، إلا أن أحدها و هو الماضي حقيقة دون الآخرين. و لكنّ الظاهر من كلام النحاة مطلقا أنه حقيقة مطلقا، كما تقدم في القاعدة السابقة (و حينئذ لا يتعين كونه إقرارا موجبا مطلقا) (4) و هذا هو الأصح.

قاعدة «117» مقتضى اسم الفاعل صدور الفعل منه، و مقتضى اسم المفعول صدوره عليه.

و يتفرع عليه:

ما إذا حلف لا يأكل مستلذا، فإنه يحنث بما يستلذه هو أو غيره. بخلاف ما لو قال: شيئا لذيذا، فإن العبرة فيه بالحالف فقط. كذا ذكره بعضهم، و فرّق‏

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «د»: اسم الفاعل.

(2) في «ح»: الحال و.

(3) في «ح»: مع، بدل: بمعنى.

(4) في «د»: و حينئذ فلا يقتضي كونه إقرارا موجبا لا مطلقا، و في «ح»: و حينئذ يتعين كونه إقرارا موجبا مطلقا.

358

بينهما بأن المستلذ من صفات المأكول، و الفعل واقع عليه من غير اعتبار فاعل معيّن، و اللذيذ من صفات الأكل، أي أكلا لذيذا. و يمكن دلالة العرف عليه أيضا، بقرينة إرادة كسر النّفس و قهرها بترك المشتهيات، و إنما يتم ذلك بما يستلذه الحالف دون غيره.

قاعدة «118» اسم المفعول من «افتعل» المعتل العين- كاختار- مساو في اللفظ لصيغة اسم الفاعل منه،

فإذا قلت مثلا: هذا مختار، فألفه منقلبة عن «ياء» لتحركها و انفتاح ما قبلها، فإن كانت حركتها كسرة كان اسم فاعل، و إن كانت فتحة كان اسم مفعول.

إذا تقرر ذلك، فيتفرع عليه:

ما إذا أسلم الكافر عن خمس نسوة مثلا. فأشار إلى واحدة منهن فقال:

هذه مختارة لي، رجع إليه في البيان، فإن أراد اسم المفعول كان اختيارا، أو اسم الفاعل فلا، لأن اختيارها له غير معتبر (1) فإن تعذر (2) بموت و نحوه رجع إلى القرينة، لأنه لفظ مشترك، فإن دلت على أحدهما، رجّح بها أحد فردي المشترك، و إلا فلا، لأن الأصل عدمه.

قاعدة «119» أفعل التفضيل مقتضاها المشاركة، فإذا قال: زيد أشجع من عمرو،

____________

(1) في «م»: معين.

(2) أي: الرجوع إليه في البيان.

359

فحقيقتها: اشتراكهما في الشجاعة، و زيادة زيد فيها على عمرو.

و يلزمه أن يكون معناه قابلا للتفاضل، فلا يبنى من نحو: فني و مات؛ و أن يكون فعلا، فلا يبنى من مثل الجلف و الحمار، فلا يقال أجلف و لا أحمر منه.

و شرط فعله أن يكون ثلاثيا، فلا يبنى من مثل ضارب و استخرج، إلا «أفعل» فقيل: يجوز بناؤه منه مطلقا (1). و قيل: يمتنع مطلقا (2). و قيل: إن كانت الهمزة لغير النقل‏ (3)، نحو هذه الليلة أظلم من البارحة و أبرد، و هذا المكان أقفر من غيره. و سمع: هو أعطاهم للدراهم، و أولاهم للمعروف‏ (4).

و يتوصل إلى التفضيل فيما امتنع بناؤه منه «بأشد» و يجاء بعده بمصدر ذلك الفعل تمييزا، فيقال: هو أشد استخراجا، و انطلاقا، و حمرة.

إذا عرفت ذلك: فلا تخفى تفاريع القاعدة من النذور و الأوقاف و الوصايا و غيرها، كما لو نذر أو أوصى أو وقف على أتقى الناس، أو أزهدهم، أو أعقلهم، أو أجهلهم، أو أحمقهم، أو أعلمهم، و نحو ذلك. و الحكم في الأتقى و الأزهد واضح.

و أما الأعلم، فذكر الأصحاب و غيرهم أنه يصرف إلى الأعلم بعلوم الشريعة، و هي الفقه و التفسير و الحديث، دون غيرها، و إن كان مقدمة لها.

و مثله ما لو وقف على العلماء.

و أما الأعقل فقيل: ينصرف إلى الزهاد و العلماء (5)، و قيل: إلى‏

____________

(1) نقله الرضي عن سيبويه في شرح الكافية 2: 214. و قال: و مجوزة قلة التغيير، لأنك تحذف منه الهمزة و ترده إلى الثلاثي ثم تبني من أفعل التفضيل، فتخلف همزة التفضيل همزة الأفعال.

(2) شرح الكافية لملا جامي: 324، شرح ابن عقيل 2: 147.

(3) كذا، و الأنسب لغير الفعل، و قد يستفاد هذا التفصيل من شرح الكافية للرضي 2: 213.

(4) شرح الكافية للرضي 2: 213.

(5) نقله عن الشافعي في التذكرة 2: 269.

360

أجودهم تدبيرا في دينه و دنياه‏ (1)، و هو حسن.

و أما الأجهل و الأحمق فينصرف إلى العرف.

منها: إذا شرط الواقف النّظر للأرشد من أولاده، فإنه ينصرف إلى أشدهم اتصافا به، فإن تساوى فيه اثنان أو أكثر اشتركوا، و لو شهد لكل من الاثنين اثنان بأنه أرشد، اشتركا في النّظر من غير استقلال، لتساقط البينتين بتعارضهما، فيبقى أصل الرشد، كما لو قامت البينة برشدهما من غير مفاضلة.

و منها: إذا قال: يا زاني، فقال: أنت أزنى مني، فالمشهور أنه لا يكون قاذفا، إلا أن يقول: نعم زنيت و لكنك أزنى مني. و كذا لا يكون قذفا لو قال ابتداء: أنت أزنى مني.

و هذا مما يخالف القاعدة، لاقتضائها اشتراكهما في أصل الزنا و زيادة المفضّل؛ و إنما لم يجعلوه قذفا، لعدم تصريحه بكون المفضّل عليه زانيا، و القذف لا يتحقق إلا بالتصريح، و قد لا يكون المفضل عليه موصوفا بالصفة المفضّل فيها، فإن ذلك يقع لغة حقيقة و إن شذ، أو مجازا مضافا إلى أصل البراءة. و من ثم حكموا بثبوت القذف لو قال قبله: نعم زنيت.

و كذا لو قال: أنت أزنى الناس، فإنه لا يكون قذفا حتى يقول: و فيهم زناة.

و لا يشكل بالقطع بأن في الناس زناة، لأن ألفاظ القذف لا تحمل على مثل ذلك، مع إمكان حملها على غيره، إما بأن يريد أنه أزنى ممن ليس بزان منهم، أو يريد أن الناس صلحاء حتى أنّ هذا أزناهم‏ (2) فيه صلاح، فما ظنك بغيره، و نحو ذلك.

و منها: لو أوصى لأقرب الناس إليه، أو لأقرب أقاربه، فإنه ينزّل على‏

____________

(1) التذكرة 2: 469.

(2) في «د»: أدناهم.

361

مراتب الإرث، فيقدّم الآباء و الأولاد على غيرهم من الأقارب، ثم الإخوة و الأجداد، ثم أولاد الإخوة، و هكذا؛ لكن هنا يتساوى الذكر و الأنثى، و الأخ من الأبوين أو الأب و الأخ من الأم، و هكذا مراتب من يرث أكثر مع من يرث أقل، لأن ذلك حكم زائد في الإرث عن القرب.

و قد يشكل الحكم في بعض موارده، كتقديم ابن العم من الأبوين على العم من الأب، حيث إنه في الإرث مقدّم. و الأقوى تقديم العم هنا، لأن تأخره هناك على خلاف الأصل. و في مقدار (1) نصيب الأخ من الأم مع الأخ من الأبوين، و الأقوى التسوية بينهما هنا و إن اختلف ثمّ.

و منها: الكلام على الخبر المشهور، و هو قول النبي (صلى اللَّه عليه و آله): «نية المؤمن خير من عمله» (2)، و روي أيضا: «و نية الكافر شر من عمله» (3) فإن عليه إشكالا مشهورا، و هو أنه روي أيضا: «أن أفضل الأعمال أحمزها» (4) و العمل أحمز من النية، فكيف يكون مفضولا؟ و روي أيضا: «أن المؤمن إذا همّ بحسنة كتبت بواحدة، فإذا فعلها كتبت له عشرا» (5) و هو صريح في أنّ العمل أفضل من النية.

و روي أيضا «أنّ النية المجردة لا عقاب فيها» (6) فكيف تكون شرا من العمل.

و قد اختلفت آراء الفضلاء قديما و حديثا في جواب هذا الإشكال، فمن الناس من جعل الخبر عاما مخصوصا، أو مطلقا مقيدا (7)، أي نية بعض‏

____________

(1) في «د»: مقدر.

(2) الكافي 2: 84 باب النية حديث 2، المحاسن: 260، الوسائل 1: 35 أبواب مقدمة العبادات باب 6 حديث 3.

(3) الكافي 2: 84 باب النية حديث 2، المحاسن: 260، الوسائل 1: 35 أبواب مقدمة العبادات باب 6 حديث 3.

(4) النهاية لابن الأثير 1: 440.

(5) التوحيد: 408 حديث 7، الوسائل 1: 39 أبواب مقدمة العبادات باب 6 حديث 20.

(6) الوسائل 1: 40 أبواب مقدمة العبادات باب 6.

(7) رسائل السيّد المرتضى 3: 239.

362

الأعمال الكبار كنية الجهاد خير من بعض الأعمال الخفيفة، كتسبيحة أو تحميدة أو قراءة آية، لما في تلك النية من تحمّل النّفس المشقة الشديدة، و التعرّض للهم الّذي لا يحصل بتلك الأفعال الخفيفة. و لا يخفى أنه خلاف الظاهر.

و التجأ بعضهم‏ (1) إلى أنّ «خيرا» في الخبر ليست بمعنى أفعل التفضيل، بل هي الموضوعة لما فيه منفعة، و معنى الخبر على ذلك: أنّ نية المؤمن من جملة الخير من أعماله، حتى لا يقدّر مقدّر أنّ النية لا يدخلها الخير و الشر، كما يدخل ذلك في الأعمال. أو أنّ أفعل التفضيل قد تكون مجردة عن الترجيح، كما في قوله تعالى‏ وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا (2) و هذا أيضا تكلّف.

و منهم‏ (3) من أجراه على ظاهره، و جعل المفضّل عليه هو العمل بغير نية. و فيه: أنّ العمل حينئذ لا خير فيه مع اقتضاء أفعل التفضيل المشاركة في أصل المصدر.

أو أن تفضيلها عليه بسبب دوامها، بخلاف العمل، فإنه ينقطع أحيانا، فإذا نسبت الدائمة إلى المنقطع كانت خيرا منه. و فيه: أن النية تنقطع أيضا كثيرا، فإن نية الصلاة مثلا التي هي أفضل الأعمال لا تتفق إلا في لحظات معدودة بخلاف العمل.

أو لأن النية لا يدخلها الرياء و لا العجب، بخلاف العمل، و فيه: أن المراد من الأمرين‏ (4) الخالي عنهما، و إلا لم يقع تفضيل.

أو أنّ خلود المؤمن في الجنة و الكافر في النار إنما هو على نيته أنه لو عاش‏

____________

(1) رسائل السيّد المرتضى 3: 237.

(2) الإسراء: 72.

(3) رسائل السيد المرتضى 1: 120.

(4) أي: النية و العمل.

363

أبدا أطاع أو عصى أبدا، فكانت النية سببا في الخلود، بخلاف العمل. و هذا مناف للحكمة و النقل الدال على عدم المؤاخذة على النية، فكيف يدوم العقاب لأجلها أو استحقاق الثواب؟! و إنما العمدة في الخلود على السمع.

أو أنّ النية سرّ لا يطّلع عليه إلا اللّه، و عمل السر أفضل من عمل الجهر. و فيه: أن العمل أيضا قد يكون سرا، كما لو نوى التفكّر في الملكوت، الّذي ورد أنّ ساعة منه من أفضل العبادات، أو نوى أن يذكر اللَّه بقلبه، فلا يحصل للنية مزية على العمل، فكيف تفضّل عليه لذلك.

و الأظهر في الجواب أن يقال: إنّ الخبر جار على عمومه، و أنّ المعنى به أنّ كل طاعة تنتظم بنية و عمل، كانت النية من جملة الخيرات، و كذلك العمل، و لكن النية خير منه.

و أما سبب كونها خيرا منه فلا يفهمه إلا من فهم مقصد الدين و طريقه، و مبلغ أثر الطريق في الإيصال إلى المقصد، و قاس بعض الآثار بالبعض، فإن من قال مثلا: إن الخبز خير من الفاكهة، فإنما أراد أنه خير منها بالإضافة إلى مقصد القوت و الاغتذاء، و لا يلزم أن يكون خيرا منها مطلقا حتى لو استغنى في بعض الأوقات عن الغذاء، و افتقر إلى الفاكهة، لحاجته إلى الترطيب و نحوه، كان الخبز أفضل، و إنما يفهم هذا من علم أن للغذاء مقصدا، و هو الصحة و البقاء، و أن الأغذية مختلفة الآثار فيها، و فهم أثر كل واحد، و قاس بعضها إلى بعض.

و كذا نقول هنا: إن الطاعات غذاء القلوب، و المقصود شفاؤها و بقاؤها و سلامتها في الآخرة و سعادتها و تنعّمها بلقاء اللَّه تعالى، فالمقصد له السعادة بلقاء اللَّه تعالى فقط، و لن يتنعم‏ (1) به إلا من مات محبا لله عارفا به، و لن يحبه إلا من عرفه، و لن يتأكد ذلك إلا بالمواظبة على الطاعات و أعمال‏

____________

(1) في «د»: ينتفع.

364

الجوارح؛ إلا أن القلب هو الأصل في جميع ذلك، و هو بمنزلة الأمير و الراعي؛ و الجوارح كالخدم و الرعايا و الأتباع. و لذا قال النبي (صلى اللَّه عليه و آله): «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد» (1) و قال (صلى اللَّه عليه و آله): «اللهم أصلح الراعي و الرعية» (2) و أراد بالراعي القلب و قال تعالى‏ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى‏ مِنْكُمْ‏ (3)، هو صفة القلب.

فمن هذا الوجه يجب أن تكون أعمال القلب على الجملة أفضل من حركات الجوارح، و النية من جملتها أفضل، لأنها عبارة عن ميل القلب إلى الخير و إرادته، و الغرض من الأعمال بالجوارح أن يعوّد القلب إرادة الخير و يؤكد فيه الميل إليه، ليتفرغ من شهوات الدنيا، و يكبّ على (الفكر و التفكر) (4)، فبالضرورة يكون خيرا بالإضافة إلى غيره من الأعمال، لأنه متمكن من نفس المقصود.

و هكذا تأثير الطاعات كلها إنما المطلوب منها تأثير القلوب، و تبديل صفاتها دون الجوارح، فلا يظنّ أن في وضع الجبهة على الأرض غرضا من حيث إنه جمع بين الجبهة و الأرض، بل من حيث إنه بحكم العادة يولّد صفة التواضع في القلب، و لهذا لم يكن العمل بغير نية مفيدا أصلا، كما أنّ من يمسح رأس اليتيم مثلا، و هو غافل بقلبه عن الرّقة عليه و الشفقة، لم ينتشر من أعضائه أثر إلى قلبه لتأكيد الرقة، الّذي هو الحكمة في مسحه و تقبيله. و كذلك من يسجد و هو مشغول باله بأغراض الدنيا لم ينتشر من ذلك أثر إلى قلبه يتأكد به التواضع.

____________

(1) الخصال: 31، صحيح البخاري 1: 20 باب فضل من استبرأ لدينه، مسند أحمد 4: 270.

(2) كشف الخفاء 1: 206، الأسرار المرفوعة: 67، إتحاف السادة المتقين 10: 17.

(3) الحج: 37.

(4) في «م»، «ح»: الذّكر و الفكر.

365

فهذا وجه كون النية خيرا من العمل، و به يعرف معنى قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «من هم بحسنة و لم يعملها كتبت له حسنة» (1) لأن همّ القلب هو ميله إلى الخير، و انصرافه عن الهوى و حب الدنيا، و هي غاية الحسنات، و إنما الإتمام بالعمل يزيدها تأكيدا.

و به يظهر سر كونها شرا من العمل، و غير ذلك من المقاصد التي تترتب عليها، و اللَّه أعلم بأسراره.

فائدة لفظ الأكثر- بالثاء المثلثة- أفعل تفضيل في أصل الوضع.

و من فروعه ما لو قال: له عليّ أكثر الدراهم، قال بعضهم: يلزمه عشرة دراهم، لأن نهاية ما يعبّر عنه بالدراهم عند العدد عشرة، فيقال: ثلاثة دراهم إلى عشرة دراهم، ثم يقال: أحد عشر درهما (2) و الأظهر أنه يرجع إلى بيانه.

و منها: ما لو قال المريض: أعطوه أكثر مالي، كانت الوصية بما فوق النصف، و يرجع إلى الورثة فيما زاد.

و منها: لو قال: ضعوا عن المكاتب أكثر نجومه، وضع عنه أكثر من نصفها كذلك. و يحتمل أن يوضع عنه من النجوم أكثرها قدرا و إن نقص عن نصف المجموع. و لو تساوت قدرا تعيّن الحمل على المعنى الأول، لانتفاء الثاني.

و لو قال: أكثر ما عليه، وضع أزيد من نصف المال.

و لو قال: أكثر ما عليه و مثله، انصرف إلى الجميع، و لغا في الزائد.

و لو قال: أكثر ما عليه و نصفه، انصرف إلى ثلاثة أرباعه و زيادة، و إن‏

____________

(1) صحيح مسلم 1: 118 كتاب الإيمان حديث 206، مسند أحمد بن حنبل 1: 279، الكافي 2: باب فيما أعطى اللَّه عز و جل آدم (عليه السلام) حديث 1، الوسائل 1: 37 أبواب مقدمة العبادات باب 6 حديث 8.

(2) شرح فتح القدير 7: 307.

366

قلّت. و في اعتبار ضميمة نصفها إلى ذلك عملا بظاهر اللفظ نظر، لأن الزيادة المعتبرة من أول الكلام تقبل التجزئة إلى النصف و أقل إلى أن تنتهي إلى الجوهر الفرد، فيمكن فرضها من الجانبين.

و ربما اعتبر كونها متموّلة ليمكن إفرادها بالمعاوضة، و هو ضعيف، لمنع اشتراط ذلك في الوصية، و مع تسليمه فإنما يعتبر حيث تكون منفردة، أما منضمة إلى نصف ما عليه أو أزيد فلا، لأنها حينئذ كالجزء منه، و أجزاء المال و إن كثر لا بد أن تنتهي إلى ما لا يتمول، لأنه مركب منها.

و بعضهم اعتبر التموّل في الزيادة على النصف دون ما انضم إلى نصفه، نظرا إلى أنه تصريح بالوصية بما لا يتموّل حيث ذكر نصف أقل ما يتموّل فلا يلتفت إليه. و فساده ظاهر مما قررناه.

و منها: لو قال: لفلان عليّ مال أكثر من مال فلان، كان مبهما جنسا و نوعا و قدرا. فإن فسّره بأكثر منه قدرا أو عددا ألزم بمثله و زيادة يرجع إليه فيها؛ و لو فسّر الأكثرية بالبقاء أو المنفعة أو البركة، و جعله أقل في القدر و العدد بأن يقول: الدين أكثر بقاء من العين، أو الحلال أكثر من الحرام أو أنفع و نحوه، فالأقوى القبول؛ و حينئذ فيقبل تفسيره بأقل ما يتموّل و إن كثر مال فلان و علم به المقرّ.

و لو قال: عليّ من الذهب أكثر من مال فلان، فالإبهام في القدر و النوع؛ و الكلام كما سبق، إلا أنه لا يقبل تفسيره بغير الذهب، و لو قال: من صحاح الذهب، و نحوه من الألفاظ الدالة على النوع، فالإبهام في القدر وحده.

و لو قال: له عليّ مال أكثر مما شهد به الشهود على فلان، قبل تفسيره أيضا بأقل متموّل، لأنه قد يعتقدهم شهود زور، و يقصد أن قليل الحلال أكثر بركة من كثير الحرام. و لو قال: أكثر مما قضى به القاضي، فهو كالشهادة؛ لجواز الخطأ و التزوير عليه.

367

فائدة: «أول» الّذي هو نقيض «الآخر» الصحيح أنّ أصله «أوال» على وزن «أفعل» مهموز الوسط،

فقلبت الهمزة الثانية واوا، ثم أدغمت.

قال الجوهري: و يدل على ذلك قولهم: هذا أوّل منك، و الجمع الأوائل و الأوالي أيضا على القلب، و قال قوم: أصله «ووءل» على «فوعل» فقلبت الواو الأولى همزة (1).

و له استعمالان:

أحدهما: أن يكون اسما فيكون مصروفا، و منه قولهم: ماله أول و لا آخر، قال في الارتشاف: و في محفوظي أنّ هذا يؤنث بالتاء و يصرف أيضا، فنقول: أوّلة و آخرة بالتنوين.

و الثاني: أن يكون صفة، أي أفعل تفضيل بمعنى الأسبق، فيعطى حكم غيره من صيغ أفعل التفضيل، كمنع الصرف، و عدم تأنيثه بالتاء، و دخول «من» عليه، فنقول: هذا أول من هذين، و ما رأيته مذ أول من أمس، أي يوما قبل أمس (قال الجوهري: فإن لم تره مدة يومين قبل أمس قلت: ما رأيته مذ أول من أول من أمس) (2) و لم تجاوز ذلك‏ (3).

إذا علمت ذلك، فمعنى الأوّل في اللغة: ابتداء الشي‏ء، ثم قد يكون له ثان و قد لا يكون، كما تقول: هذا أول ما اكتسبته، فقد تكتسب بعده شيئا و قد لا تكتسب. ذكره جماعة منهم مفسرون‏ (4) في قوله تعالى:

____________

(1) الصحاح 5: 1838، ذكره في وال.

(2) ما بين القوسين ليس في «د».

(3) الصحاح 5: 1839، و فيه: مذ يومين.

(4) كالطبرسي في مجمع البيان 1: 477، و الشيخ الطوسي في التبيان 2: 535، معاني القرآن للزجاج 1: 445.

368

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ‏ (1) و استدل الزجاج على ذلك بقوله تعالى حكاية عن الكفار المنكرين للبعث‏ إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى‏ (2) فعبّر بالأولى و ليس لهم غيرها.

و من فروع المسألة:

ما إذا نذر أو أوصى بالصدقة، أو لفلان بأول ما كسبه أو يكسبه، فكسب شيئا و لم يكسب بعده، فينصرف النذر و الوصية إلى ما كسبه.

و منها: ما إذا قال: إن كان أول ولد تلدينه ذكرا فهو حر، على وجه النذر، فولدت ذكرا و لم تلد غيره وجب إعتاقه.

و مثله ما لو قال: إن كان أول ما تلده ذكرا فلله عليّ أن أتصدق بكذا، و نحو ذلك.

و منها: لو قال: إن كان أول ما تلدينه أنثى فأنت عليّ كظهر أمي، فولدتها و لم تلد غيرها وقع الظهار.

و حينئذ فشرط الأول أن لا يتقدم عليه غيره، لا أن يكون بعده غيره.

و في وجه ضعيف عدم وقوع جميع ذلك، و أنّ الأول‏ (3) يقتضي آخرا، كما أنّ الآخر يقتضي أولا.

و قيل: إن السبق يخالف الأولية في ذلك، فإذا قال لعبيدة: من سبق منكم فهو حر، جاعلا له نذرا، فسبق اثنان ثم جاء بعدهما ثالث عتقا، و إن لم يجئ بعدهما أحد لم يعتقا، لأنه ليس فيهما سابق.

و مثله ما لو قال: من سبق إلى كذا فله عندي كذا، بطريق النذر أو الجعالة.

____________

(1) آل عمران: 96.

(2) الدخان: 34، 35.

(3) في «ح» زيادة: مبنى.

369

الباب السادس في المصدر

قاعدة «120» المصدر المنسبك، نحو: يعجبني صنعك، إن كان بمعنى الماضي أو الحال،

فينحل إلى «ما» و الفعل، نحو: ما صنعت أو تصنع؛ و إن كان بمعنى الاستقبال فينحل إلى «أن» و الفعل، و كذلك «أنّ» المشددة مع الفعل.

و ذكر في الارتشاف أنّ النحاة فرّقوا بين «انطلاقك» مثلا و بين «أنّك منطلق» بأن المصدر لا دليل فيه على الوقوع من فاعل معيّن و التحقق، و «أنّ» يدل عليهما، و العرف يدل على ذلك.

إذا علمت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال: أوصيت إليك بأن تسكن هذه الدار، أو بأن يخدمك هذا العبد، فإنه يكون إباحة لا تمليكا حتى تبطل الوصية بموت الموصى إليه؛ و لا يؤجر (1)، و في الإعارة وجهان. بخلاف ما لو أتى بالمصدر المنسبك فقال:

بسكناها أو بخدمته، فإنه يكون تمليكا، بمعنى أنه يورث عنه، و يجوز له أن‏

____________

(1) أي: لا يتمكن الموصى إليه من تأجيره.

370

يفعل به ما يفعل بأملاكه من الإجارة و غيرها.

و منها: إذا قال: وكّلتك في أن تبيع هذا، فليس له التوكيل. و لو قال: في بيعه، ففي جواز التوكيل حيث يجوز له مع الإطلاق نظر، و مقتضى ما ذكر جوازه.

قاعدة «121» يجوز إيقاع المصدر موقع فعل الأمر، كقولك: ضربا زيدا، أي اضرب زيدا.

و منه قوله تعالى‏ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ‏ (1) أي:

فاضربوا رقابهم.

و من فروع القاعدة:

أن يقول لوكيله: إعتاق عبدي و بيع داري، و نحو ذلك، قاصدا به الأمر؛ و كذا ما أشبهه من العقود و الإيقاعات من الطلاق و غيره. و مقتضى القاعدة وقوع الوكالة بذلك. و هذا إنما يتم لو لم يحتمل اللفظ سواه، و إلا كان كالمشترك في توقفه على القرينة في الدلالة على أحد معنييه.

قاعدة «122» يحذف المصدر و تقام صفته مقامه، كقوله: ضربته شديدا، أي: ضربا شديدا.

و هكذا قليلا و كثيرا و نحو ذلك.

و من فروعها:

ما لو وكّله في بيع متاع، فقال: بعه صحيحا، فعاب قبل البيع،

____________

(1) محمّد: 4.

371

فباعه ثم اختلفا، فقال الموكل: أردت الأمر ببيعه في حال صحته، فلما عاب لم يكن لك بيعه بالأمر السابق. و قال الوكيل: إنما أردت البيع صحيحا، و جعلت صحيحا صفة لمصدر محذوف، و التقدير: بعه بيعا صحيحا، فكلتا الدعويين صحيحة. و لكن الأصح تقديم الموكّل، لأنه أخبر بنيته، و لأن الصحيح على زعمه يفيد فائدة لا تستفاد من إطلاق الأمر بالبيع، بخلاف دعوى الموكّل، فإنه يفيد عنده‏ (1) مجرد التأكيد، لأن إطلاق البيع محمول على الصحيح، و فائدة التأسيس خير من فائدة التأكيد.

و فرّع عليه بعض العامة:

ما إذا قال: أنت طالق أقل من طلقتين و أكثر من طلقة، فنقل القاضي حسين في تعليقه أن هذه وقعت بنيسابور، فأفتى فيها بعضهم بوقوع طلقتين، و بعضهم بوقوع ثلاث.

و وجه الأول: جعل «أقل» صفة لمصدر محذوف، أي طلاقا أقل من طلقتين و أكثر من طلقة، و ذلك طلقة و شي‏ء، فتطلق اثنتين بالسراية.

و وجه الثاني: أنه لما قال أقل من طلقتين كانت طلقة و شيئا، و لما قال:

أكثر من طلقة وقعت أيضا طلقتان، فيكون المجموع ثلاث طلقات و شيئا، فتقع الثلاث، فيرجع الأول إلى الثاني. و هو خطأ، لأن قوله «و أكثر من طلقة» ليس بإنشاء طلاق، بل هو عطف على أقل، و أقل صفة للمصدر المحذوف كما مر، و هو تفسير للمقدار (2)، فيكون المجموع تفسيرا، و التقدير: طلاقا أقل من طلقتين و أكثر من طلقة، و هذا المجموع لا يزيد عن طلقتين قطعا، بل هما غايته‏

____________

(1) في النسخ: عقده.

(2) في «م»: للمقدر.

372

بما ذكر، و هذا كله عندنا ساقط.

قاعدة «123» إطلاق المصدر على الذات بمعنى اسم الفاعل و المفعول جائز،

كقولك:

رجل عدل و صوم، و درهم ضرب الأمير، و ثوب نسج اليمن، أي: عادل، و صائم، و مضروب، و منسوج. و منه قول الشاعر:

فأنت طلاق و الطلاق عزيمة* * * ثلاث و من يخرق أعق و أظلم‏

فيبني بها أن كنت غير رفيقة* * * فما لامرئ بعد الثلاثة مقدم‏

ثم إن قصد بإطلاق المصدر على الذات المبالغة لم يؤوّل، و إن لم يرد المبالغة فقال البصريون: إنه على حذف مضاف، تقديره: ذو صوم و عدل، أي عدالة. و قال الكوفيون: إنه واقع موقع اسم الفاعل بتقدير صائم و عادل.

و هذا كله إذا لم يكن في أوله ميم، فإن كان لم يجز الوصف به رأسا. و من ذلك قوله:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها

(1) أي إقامة فيقول: مررت برجل إقامة على التأويلين السابقين، و لا يقول:

برجل مقام.

إذا علمت ذلك، فيتفرع عليه:

ما إذا قال لزوجته. أنت طلاق أو الطلاق، فإنه يكون كناية لا صريحا، لأن إطلاق المصدر كذلك مجاز لا حقيقة، كما صرّح به النحاة و الأصوليون، فلا يقع به الطلاق عندنا؛ خلافا للجمهور، حيث أوقعوه‏

____________

(1) هذا البيت لبشير بن جذلم، و تمامه «قتل الحسين فأدمعي مدرار».

373

بمطلق الكناية، و للبيتين السابقين مع الرشيد و محمد بن الحسن و الكسائي واقعة مشهورة [1].

____________

[1] كتب الرشيد ليلة إلى القاضي أبي يوسف يسأله عن قول القائل:

فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن‏* * * و إن تخرقي يا هند فالخرق أشأم‏

فأنت طلاق و الطلاق عزيمة* * * ثلاث و من يخرق أعق و أظلم‏

فقال ما ذا يلزمه إذا رفع الثلاث و إذا نصبها؟ قال أبو يوسف، فقلت: هذه مسألة نحوية فقهية، و لا آمن الخطأ إن قلت فيها برأيي، فأتيت الكسائي و هو في فراشه، فسألته فقال: إن رفع ثلاثا طلقت واحدة، لأنه قال: أنت طلاق، و أخبر أن الطلاق التام ثلاث. و إن نصبها طلقت ثلاثا، لأن معناه: أنت طالق ثلاثا، و ما بينهما جملة معترضة، فكتبت بذلك إلى الرشيد، فأرسل إليّ بجوائز، فوجهت بها إلى الكسائي. انتهى (مغني اللبيب 1: 76).

374

الباب السابع: في الظروف‏

قاعدة «124» «مع» اسم لمكان الاستصحاب أو لوقته على حسب ما يليق بالاسم،

و حركته حركة إعراب؛ و يجوز بناؤه بالسكون على لغة ربيعة و تميم، و منه قولهم:

قرشي منكم و هواي معكم‏* * * و إن كانت زيارتكم لما ما

(1) و لم يحفظها سيبويه و زعم أنه ضرورة (2). و أصل «مع» معي، فحذفوا الياء للتخفيف.

إذا علمت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما لو حلف ألّا يخرج من البلد إلا مع فلان، فإنه يبرّ بخروجهما معا بغير تقدّم و لا تأخر؛ و لو تقدم أحدهما على الآخر بخطوات يسيرة ففي الحنث وجهان، أجودهما العدم، للعرف.

____________

(1) هذا البيت للراعي النميري، و هو عبيد بن حصين من قبيلة نمير- الأغاني 20: 168، معاني القرآن للزجاج 1: 88.

(2) نقله عنه في مغني اللبيب 1: 439.

375

و منها: إذا قال: بع هذا العبد مع هذه الجارية، فإن علم إرادته اجتماعهما في صفقة واحدة، أو في أصل البيع، بمعنى أنّ العبد يباع كما أن الجارية كذلك، اتّبع‏ (1).

و إن اشتبه الحال ففي حمله على أيّهما وجهان: من أنّ عادة الناس ضمّ الردي‏ء إلى الجيد و بيعهما بيعة واحدة، و كون ذلك هنا هو الظاهر؛ و من احتمال الأمرين، فلا يتعين الأول، لأن الثاني أعم منه. و الأجود الأول، لأنه المتيقن.

و منها: إذا قال لامرأته زنيت مع فلان، فإنه يكون قذفا صريحا في حقها؛ و في كونه قذفا له، وجهان: من جواز الشبهة في حقه و نحوها مع تحقق زناها، و أصالة عدمها و ظهور القذف من اللفظ، و هو الأقوى.

و منها: إذا قال: له عليّ درهم مع درهم، فإنه يلزمه واحد، و إن كانت المعيّة تقتضي مصاحبة الآخر، لأنه قد يريد مع درهم لي و نحوه، فيتطرق الاحتمال.

و منها: إذا قال: بعتك هذه الدّابّة مع حملها، فإنه كقوله: بعتكها و حملها، فإن كان تابعا صحّ، و إن كان مقصودا بالذات كالأم بطل. أما لو قال: بحملها، فإنه يحتمل كونه كذلك، بحمله على المصاحبة؛ و الفرق لاحتمال جعله وصفا لها لأنها للحال، و التقدير متلبسة بحملها، و الحال كالصفة فلا يقدح في الصحة.

قاعدة «125» إذا قطعت «مع» عن الإضافة فإنها تنوّن، و حينئذ فتساوى جميعا في المعنى،

قاله ابن مالك في التسهيل‏ (2). قال في الارتشاف: و معناه أنها لا تدل على الاتحاد في الوقت، بل معناها التأكيد خاصة، كقولك: كلاهما و كلتاهما

____________

(1) في «م»: تباع.

(2) التسهيل: 98.

376

قال: و ذكر أحمد بن يحيى: أنها تدل على الاتحاد في الوقت كما في حال الإضافة، بخلاف قولنا جميعا. انتهى. و يدل عليه قول «متمم بن نويرة» يرثي أخاه مالكا:

فلما تفرّقنا كأني و مالكا* * * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

و كذلك قول إمرئ القيس في وصف الفرس:

مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا* * * كجلمود صخر حطّه السيل من عل‏

(1) فإنه إنما أراد الاتحاد في الوقت، و لكن على سبيل المبالغة، و لا يستقيم فيه و في البيت قبله غيره.

و قد صرّح أيضا بذلك ابن خالويه في شرح الدريدية، فإنه ذكر بيت إمرئ القيس ثم قال: إنّ هذا الوصف بالمعية من الوصف بالمستحيل.

إذا علمت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال لامرأتيه: إن ولدتما معا أو دخلتما، فأنتما عليّ كظهر أمي، أو قال لعبديه على وجه النذر: فأنتما حرّان، فهل يتوقف الوقوع على دخولهما و ما في معناه في وقت واحد، أم يكفي مطلق الاجتماع فيه و إن تفرّقا؟ وجهان مبنيان على ما ذكر.

و لو قال: إن دخلتما جميعا، فمقتضى كلام أبي حيان الاتفاق على أنه غير دال على المعية. و وجهه مع ذلك من وقوعه في التأكيد موقع أجمعين، و هي لا تقتضيه على الصحيح، كما ستعرفه في بابه.

و اعترض عليه من حيث الاستعمال و المعنى، أما الأول فقوله تعالى‏ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً (2) أي:

مجتمعين أو متفرقين.

____________

(1) و هو في ديوانه: 154، و في شرح الزوزني: 113، و في كتاب سيبويه 2: 309، و في المغني لابن هشام 1: 205.

(2) النور: 61.

377

و أما المعنى، فلأن الحال مقيدة للعامل، فإذا قلت: جاء القوم جميعا، اقتضى ذلك تقييد المجي‏ء بوصف الجمعية، و هو معنى الاتحاد في الوقت.

قاعدة «126» أيام الأسبوع أولها الأحد عند أهل اللغة.

فإنهم قالوا: سمّي الأحد بذلك لأنه أول أيام الأسبوع، و سمّي الّذي بعده بالاثنين لأنه ثانيه، ثم الثلاثاء لأنه ثالثة، و هكذا الأربعاء و الخميس.

و ذهب جماعة من الفقهاء و المحدثين إلى أنّ أوله السبت. و احتجوا له برواية مسلم في صحيحة عن أبي هريرة، قال: «أخذ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و آله) بيدي فقال: خلق اللَّه التربة يوم السبت، و خلق الجبال فيها يوم الأحد، و خلق الشجر فيها يوم الاثنين، و خلق المكروه يوم الثلاثاء، و خلق النور يوم الأربعاء، و بث فيها الدواب يوم الخميس، و خلق اللَّه آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» (1).

و فيه أيضا من حديث الأعرابي الّذي قال للنبي (صلى اللَّه عليه و آله) و هو يختضب: «فادع اللَّه عز و جل أن يسقينا، الحديث، إلى أن قال في آخره: فواللَّه ما رأينا الشمس سبتا إلى جمعة» (2)، فعبّر (3) بأول أيامه.

و يتفرع على ذلك:

ما لو نذر صوم أول الأسبوع، أو كل أسبوع، أو آخره، و نحو ذلك.

و فرّعوا عليه أيضا: ما لو عيّن يوما من الأسبوع و التبس عليه، فقيل:

____________

(1) صحيح مسلم 5: 336 باب ابتداء الخلق. حديث 27.

(2) صحيح مسلم 2: 296 كتاب صلاة الاستسقاء حديث 8 «مع اختلاف».

(3) في «م»: و فسر.

378

يصوم آخره، و هو الجمعة أو السبت على القولين، فإن لم يكن هو المعين أجزأه و كان قضاء، و الأقوى وجوب صوم أسبوع كامل من باب المقدمة، لتوقف يقين البراءة عليه، كقضاء الخمس أو ثلاث فرائض عن الواحدة المشتبهة.

فائدة: الأشهر الحرم أربعة،

قال اللَّه تعالى‏ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ‏ (1) و قد اختلفوا في كيفية عدها، و هو في الحقيقة اختلاف في أولها، فالذي عليه الجمهور، و منهم أهل المدينة، و جاءت به الأخبار، أنه يقال: ذو القعدة، و ذو الحجة، و المحرّم و رجب. فتعدها ثلاثة سردا، و واحدا فردا. و ذهب الكوفيون إلى الابتداء بالمحرم.

و فائدة الخلاف تظهر في النذور و الآجال و التعاليق، فإذا علّق و هو في شوال مثلا حكما على أول الأشهر الحرم، فهو ذو القعدة على الأول، و المحرم على الثاني.

قاعدة «127» صيغة «بعد» ظرف زمان تدل على تأخر ما قبلها عما بعدها،

فإذا قال مثلا: و اللَّه لأضربن زيدا بعد عمرو، لم يبرّ إلا بضرب عمرو ثم زيد. و هكذا في التوكيل في التصرفات و نحو ذلك.

إذا علمت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال: وقفت على أولادي، و أولاد أولادي، بطنا بعد بطن، فإنها تقتضي الترتيب لما ذكرناه.

____________

(1) التوبة: 36.

379

و قال بعضهم: لا تفيد الترتيب، لاحتمال أن يريد استحقاق البطون الموجودة بعضها بعد بعض، مضافا إلى الواو التي لا تفيده.

و يضعف بأن «بعد» في اقتضاء الترتيب أصرح من «ثم» و «الفاء» مع قيام ما ذكر فيهما.

و لو اقتصر على قوله: وقفته على أولادي بطنا بعد بطن، و لم يذكر أولاد الأولاد، احتمل قويا أن تدخل فيه البطون كلها، بقرينة البعدية في البطون؛ و عدمه لعدم اقتضاء الأولاد ذلك، مع احتمال أن يكون المراد من يحدث من أولاد صلبه و سمّاه بطنا لذلك، و لو كان حيّا اتجه الرجوع إليه.

قاعدة «128» «إذ» ظرف للوقت الماضي من الزمان، لازم للنصب على الظرفية و الإضافة إلى جملة ملفوظ بها أو مقدّرة.

و أجاز الأخفش و الزجّاج نصبه على المفعولية (1). و تبعهما أكثر المعربين‏ (2). و جعلوا منه قوله تعالى‏ وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ‏ (3) و قدّروا لفظ اذكر حيث وقع.

و ذكر ابن مالك و ابن هشام أنها تجي‏ء حرفا للتعليل‏ (4)، و نسبه بعضهم إلى سيبويه‏ (5) و جعلوا منه قوله تعالى:

____________

(1) نقله عن الأخفش في التسهيل: 92، معاني القرآن للزجاج 2: 403، و نقله عنهما في غنية الأريب: 42.

(2) إملاء ما من به الرحمن للعكبري: 16، 21.

(3) الأنفال: 26.

(4) التسهيل: 93، مغني اللبيب 1: 113.

(5) نقله في الدراسات لأسلوب القرآن الكريم 1: 50، و انظر كتاب سيبويه 1: 29، 284.

380

وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ‏ (1) و قوله تعالى‏ وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ‏ (2) أي: و لن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب لأجل ظلمكم في الدنيا.

إذا عرفت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال: أنت طالق إذ قام زيد، أو إذ فعلت كذا، فيقع عليه الطلاق. و إذ للتعليل معناه لأجل القيام و الفعل كما لو قال: أن فعلت كذا بفتح الهمزة.

و يمكن الفرق بين من يعرف النحو و غيره، فلا يقع ممن لا يعرف الحال، لجواز جعله معلّقا ك «إن» المكسورة.

و ذهب جماعة منهم ابن هشام في المغني إلى أنها تقع للزمان المستقبل أيضا كإذا، و بالعكس‏ (3). و جعلوا منه قوله تعالى‏ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (4) و قوله تعالى‏ وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ‏ (5) الآية و قوله تعالى‏ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ‏ (6) فإنّ «يعلمون» مستقبل لفظا و معنى، لدخول حرف التنفيس عليه، و قد عمل في «إذ» فيلزم أن يكون بمنزلة إذا؛ و قول ورقة بن نوفل للنبي (صلى اللَّه عليه و آله): ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال: «أو مخرجي هم؟» (7).

و يتفرع على ذلك أيضا:

ما إذا قال: أنت طالق إذ قام زيد، و ادعى إرادة ذلك أو لم يدعه، حيث‏

____________

(1) الأحقاف: 11.

(2) الزخرف: 39.

(3) مغني اللبيب 1: 113.

(4) الزلزلة: 4.

(5) المائدة: 116.

(6) غافر: 70، 71.

(7) صحيح البخاري 1: 4 باب بدء الوحي.

381

يكون اللفظ محتملا للأمرين، فلا يحصل الجزم بالصيغة. و يمكن الفرق أيضا بين العارف بالحال و الجاهل.

قاعدة «129» «إذا» ظرف للمستقبل من الزمان، و فيه معنى الشرط غالبا، و قد يقع للماضي،

و منه قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ‏ (1) و قوله تعالى‏ وَ لا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا (2) وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها (3).

و قد لا يكون فيها معنى الشرط، كقوله تعالى‏ وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى‏ (4) أي: وقت تجلّية و تغشّيه.

و إذا دلّت على الشرط، فلا تدل على التكرار على الصحيح، و قيل: تدل عليه ك (كلّما) و اختاره ابن عصفور.

إذا عرفت ذلك، فيبني على القاعدة: الأيمان و التعاليق و النذور، فإذا قال لغيره: إذا فعلت كذا مثلا فلك عليّ درهم، ففعله مرة بعد أخرى.

و مثله «متى» و «متى ما» و قيل: إنهما للتكرار، و قيل «متى ما» تقتضيه دون «متى».

و كما لا تدل «إذا» على التكرار، لا تدل أيضا على العموم، على‏

____________

(1) آل عمران: 156.

(2) التوبة: 92.

(3) الجمعة: 11.

(4) الليل: 1، 2.

382

الصحيح، ذكره في الارتشاف في باب الجوازم. و قيل تدل عليه.

و من فروعه:

أن يكون له عبيد و نساء فيقول: إذا ولدت امرأة فعبد من عبيدي حر، فولدت أربع بالتوالي أو المعية، فلا يعتق إلا عبد واحد، و تنحل اليمين.

و من فروع شرطيتها:

ما لو قال: إذا دخلت الدار فأنت عليّ كظهر أمي، يقع الظهار بدخولها كما لو علّقه ب «إن» المكسورة، و كذا: إذا كلّمت زيدا. و لو قال: إذا لم تدخلي أو تكلمي، وقع مع مضي زمان يمكن فيه الدخول من وقت التعليق و لم تدخل، أو يمكن فيه الكلام و لم تكلم؛ بخلاف ما لو علّقه ب «إن»، فإنه لا يقع إلا باليأس من الدخول، كأن ماتت قبله، فيحكم بوقوعه قبل الموت، أو مات أحدهما قبل الكلام.

و الفرق: أنّ «إن» حرف شرط لا إشعار له بالزمان، و «إذا» ظرف زمان كمتى للتناول للأوقات، فإذا قيل: متى ألقاك؟ صح أن يقول: متى شئت أو إذا شئت، و لا يصح: إن شئت، فقوله: إن لم تدخلي الدار، معناه: إن فاتك دخولها، و فواته باليأس، و قوله: إذا لم تدخلي الدار، معناه: أي وقت فاتك الدخول، فيقع بمضي زمن يمكن فيه الدخول و لم تدخل، و لو قال: أردت ب «إذا» ما يراد ب «إن» قبل باطنا، و كذا ظاهرا في الأصح، لخفاء الفرق.

فائدة: حيث كانت «إذا» للشرط فلا يلزم اتفاق زمان شرطها و جوابها؛ بخلاف «متى»،

فإنه يشترط فيها ذلك، فيصح أن يقول: إذا زرتني اليوم زرتك غدا، و لا يصح ذلك في «متى».

و يتفرع عليه: ما إذا قال: إذا جاء زيد اليوم فلله عليّ أن أتصدق غدا بكذا.

383

فائدة: تقول: صمت رمضان و قمته، و نحو ذلك؛ و إن شئت أضفت إليه شهرا،

فتقول: قمت شهر رمضان أو صمته. و كلام سيبويه يقتضي جواز إضافة الشهر إلى سائر أعلام الشهور (1)، و خص بعضهم ذلك برمضان و الربيعين، و ضبطه بكل شهر في أوله «راء» إلا رجب‏ (2) و قد ورد عندنا النهي عن التلفظ برمضان من دون إضافة الشهر (3). و هو نهي كراهة.

إذا علمت ذلك، فللمسألة ثلاثة أحوال:

أحدها: أن يأتي بالاسم وحده، فيقول: صمت رمضان- مثلا- و سرته، و نحو ذلك، فيكون العمل في جميعه على حسب ما يقبله العمل من الوقت، فإن الصوم مثلا إنما يكون في أوقات خاصة، و كذا الأذان. و مثلهما السير، إلا أن المخصّص فيه عرفي و في الأول شرعي.

الحال الثاني: أن يأتي بالشهر وحده، فيقول: صمت شهرا، فإن الفعل يعمه كذلك.

الحال الثالث: أن يجمع بينهما فيقول مثلا: صمت شهر رمضان، فذهب الجمهور إلى أنّ العمل يجوز أن يكون في جميعه و بعضه. و ذهب الزجّاج إلى أنه لا فرق بينهما، بل كل منهما يحتمل البعض و التعميم.

و لو قال: صمت الشهر الفلاني، فإنه يعم أيضا، خلافا لابن خروف.

إذا تقرر ذلك، فيتفرع عليه:

ما إذا قال: لله عليّ أن أصوم رمضان، أو شهرا، أو أعتكفه، أو شهر

____________

(1) كتاب سيبويه 1: 134.

(2) الكتاب لابن درستويه: 90.

(3) الكافي 4: 69 باب في النهي عن قول رمضان حديث 1، 2، الوسائل 7: 231 أبواب أحكام شهر رمضان. باب 19 حديث 1- 4.

384

كذا، أو سنة كذا، و نحوه كيوم كذا. فيلزمه استيعاب جميعه على الأصح في الجميع، لدلالة العرف العام عليه، و إن وقع في بعضه خلاف، و يلزم القائل بصلاحية بعضه للبعض و الجميع عدم وجوب الجميع.

و لو حلف لا يساكنه شهر رمضان عم أيضا، و كذا شهرا و نحوه. و يحنث بمساكنته و لو لحظة فيه، كما لو حلف لا يكلمه الشهر. و قيل: إنما يحنث بمساكنته جميع الشهر.

و اعلم أنه يتلخّص في المسألة أربعة أقسام: فإن المصدر إن كان منسبكا، فإما أن يكون معه «في» كقوله: اعتكاف في رمضان، أم لا، كقوله: اعتكاف رمضان.

و إن كان منحلا ففيه القسمان أيضا، كقوله: لله عليّ أن أعتكف رمضان، أو أن أعتكف فيه.

و المتّجه في المقترن ب «في» عدم وجوب التعميم فيهما، فيجزئ بأقل ما يشرع منه. و لو نوى أزيد من ثلاثة و جعله من النذر صح. و في جواز الاقتصار على الثلاثة بعد ذلك نظر. و في غير المقترن وجوب التعميم.

فائدة: إذا علّقت فعلا بعلم من أعلام الأيام كالسبت، فيجوز أن يكون العمل في جميعه و في بعضه،

سواء أضيف إليه يوم أم لم يضف، حتى يجوز أن يقال: مات زيد الخميس أو يوم الخميس، و كذا سار و صام.

و قال ابن خروف: إنها كأعلام الشهور، فيأتي فيها ما سبق، فإذا قلت مثلا: سرت السبت، فإن العمل لا بد أن يكون في جميعه، حتى يمتنع أن يقول: مات زيد السبت، و كذا قدم و نحوهما مما لا يمتد.

و فصول السنة و هي: الصيف و الخريف و الشتاء و الربيع، يجوز أن يكون العمل في الجميع و البعض، حتى يصلح أن يكون جوابا ل «متى» و جوابا ل «كم» و أن يقول: انطلقت الصيف، كما يقول: سرته.

385

و يتفرع على ذلك أبواب النذور و الأيمان و نحوها. و لو صرح ب «في» اتجه عدم وجوب التعميم كما سبق.

فائدة: غرّة الشهر تطلق إلى انقضاء ثلاثة أيام من أوله، بخلاف المفتتح، فإنه إلى انقضاء اليوم الأول.

و اختلفوا في الهلال، فقيل: إنه كالغرة، فلا يطلق إلا على الثلاثة الأوائل، و أما بعد ذلك فيسمى قمرا (1)، و منهم من خصّه بأول يوم، و هذا هو الصحيح، كما قاله في الارتشاف، و حكى اللغويون قولين: أحدهما: إن هذا الاسم يطلق عليه إلى أن يستدير، فإذا استدار أطلق عليه القمر (2)، و الثاني: إلى أن يشتد ضوؤه‏ (3).

إذا تقرر ذلك فيتخرّج عليه تعليق الآجال و النذور و غيرهما، فإذا قال في السلم: إلى غرّة الشهر الفلاني، فإنه يحل بأول جزء من الشهر، لأن الظرفية قد تحققت. و لو قال في مثل النذر: أردت بالغرّة اليوم الثاني أو الثالث دين بنيته، لأن هذه الثلاثة تسمى غررا، بخلاف ما لو قال: أردت غير الثلاثة.

و لو قال: في رأس الشهر، ففي إلحاقه بالغرة، أو حمله على أول يوم خاصة، وجهان، أجودهما الثاني.

فائدة: سلخ الشهر و انسلاخه و منسلخة- بضم الميم و فتح السين و اللام- و هو اليوم الأخير.

و أما الليلة الأخيرة فتسمى «دأداء» بدالين مهملتين بينهما همزة ساكنة و بعدهما ألف ثم همزة، و جمعها دآدئ.

إذا تقرر ذلك، فيبني عليه:

____________

(1) الصحاح 5: 1851، و نقله عن الفارابي في المصباح المنير: 639.

(2) أقرب الموارد 2: 1399، و حكاه الزجاج عن الأصمعي في معاني القرآن 1: 259.

(3) لسان العرب 11: 703.

386

ما إذا علّق الأجل و النذر و نحوهما بسلخ الشهر و ما في معناه، و في وقته أوجه: أجودها آخر جزء من الشهر، و الثاني: أول اليوم الأخير، و هو الموافق لما سبق نقله عن النحاة. و الثالث: بمضي أول جزء من الشهر، فإن الانسلاخ يأخذ منه حينئذ، و هو أبعدها.

و قال بعضهم: اسم السلخ يقع على الثلاثة الأخيرة من الشهر، كما سبق في الغرّة (1). فيحتمل حينئذ أن يقع في أول جزء من الثلاثة.

فائدة: الوسط- بسكون السين- ظرف مكان، فيقول: زيد وسط الدار. و أما مفتوحها فهو اسم، يقول: طعنت أو ضربت وسطه.

و الكوفيون لا يفرقون بينهما، و يجعلونهما ظرفين.

و فرق ثعلب و غيره فقالوا: ما كانت أجزاؤه ينفصل بعضها من بعض- كالقوم- قلت فيه: وسط، بالسكون؛ و ما كان لا ينفصل كالدار فهو بالفتح‏ (2).

إذا علمت ذلك، فإذا أجل المال في البيع أو السلم أو الكتابة أو غيرها بوسط السنة، فهل هو مجهول؟ وجهان.

و لو حلف ليجلسن وسط الجماعة، فإن كان عددهم زوجا ففيه ما سبق، و إن كان فردا ففي حمله على المطلق نظر. و مثله استحباب كون إمام العراة وسط الصف، و كذا المرأة إذا أمّت النساء.

قاعدة «130» تقع «أين» للأمكنة شرطا و استفهاما، و «متى» «و أيان» للأزمنة فيهما.

____________

(1) فانظر معاني القرآن للزجاج 1: 262.

(2) حاشية الصبّان على شرح الاشموني 2: 131.

387

و كسر همزة «أيان» لغة سليم، و لا يستفهم بها إلا عن المستقبل، و به جاء القرآن، كقوله تعالى‏ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ* (1).

و أما «إنّي» بتشديد النون و بالألف بعدها، فتكون شرطا في الأمكنة بمعنى «أين» و تكون أيضا استفهاما بمعنى ثلاث كلمات، و هي «متى» و «أين» و «كيف» قال في الارتشاف: إلا أنها بمعنى من أين، بزيادة الحرف الدال على الابتداء، لا بمعنى أين وحدها؛ أ لا ترى أن مريم (عليها السلام) لما قيل لها أَنَّى لَكِ هذا أجابت بقولها هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏ و لم تقل: هو عند اللَّه، بل لو أجابت به لم يحصل المقصود (2).

إذا علمت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال مثلا: و اللَّه لأقولنّ لك: أنّى زيد. فإن أراد شيئا معينا من الثلاثة المتقدمة تعيّن، و إن لم يرد ذلك، فإن قلنا بحمل المشترك على جميع معانيه فلا بدّ من الثلاثة، و إلا فيخرج عن العهدة بذكر واحد. و يحتمل الخروج بواحد مطلقا.

و مما يتفرع على ذلك: الاستدلال بقوله تعالى‏ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ‏ (3) على جواز الوطء في الدبر، كما قاله بعض العلماء (4). حملا لها على معنى «أين» و يمكن دفعه بكونها مشتركة، فلا تدل على واحد بعينه بغير قرينة، فيجوز أن يراد بها معنى آخر لا يدل عليه. و يؤيد إرادة الكيفية ما ورد في سبب نزولها (5).

____________

(1) النحل: 21.

(2) نقله عنه في حاشية الصبّان 4: 9.

(3) البقرة: 223.

(4) النهاية: 482، شرائع الإسلام 2: 496، إيضاح الفوائد 3: 125.

(5) التبيان في تفسير القرآن 2: 222، تفسير القاسمي المسمّى محاسن التأويل 3: 231.

388

الباب الثامن: في التثنية و الجمع‏

قاعدة «131» يشترط في التثنية و الجمع بطريق الحقيقة اتحاد المفردات في اللفظ،

و ما ورد بخلاف ذلك كالقمرين في الشمس و القمر، و العمرين في أبي بكر و عمر، و الأبوين في الأب و الأم، و نحوها، فيحفظ و لا يقاس عليه.

و قيل: ينقاس‏ (1). و جعلوا ضابط ذلك أنه مع اشتراك اللفظين في التذكير و التأنيث، و تساويهما في الخفة و الثقل، يثنيان بأيهما أريد، و كذا الجمع؛ و مع اختلافهما يثنيان بالأخف و المذكر، كالعمرين و الأبوين، دون العكس، لثقل الأول في الأول، و تأنيث الثاني في الثاني. و من هذا الباب تعبير الفقهاء بالكسوفين و الجمعتين و الظهرين و العشاءين و نحوها.

و يشترط مع ذلك أن لا يحصل التباس، بأن يطلق على الابن و الابنة ابنين أو ابنتين.

و هل يشترط فيهما اتحاد المعنى، حتى تمتنع تثنية المشترك باعتبار معانيه و

____________

(1) شرح الكافية 2: 172، الإنصاف 2: 756.

389

الحقيقة و المجاز و جمعها؟ فيه مذهبان، أشهرهما كما قاله في الارتشاف، و أصحهما على ما (1) اقتضاه كلام ابن مالك في التسهيل‏ (2): أنه لا يشترط، لأن ألف التثنية في المثنى و واو الجمع في المجموع بمثابة واو العطف. فإذا قلت جاء الزيدان، فكأنك قلت: جاء زيد و زيد، و إذا قلت: جاء الزيدون، فكأنك كررته ثلاثا. و كما يصح عطف المتفق في المعنى بالواو، يصح عطف المختلف.

إذا علمت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا أوصى للموالي أو وقف عليهم أو نحو ذلك، و له موالي من أعلى، و هم الذين أعتقوه، أو انتقل إليهم ولاؤه من المعتق؛ و موالي من أسفل، و هم عتقاؤه، ففيه وجوه:

أحدها: أنه يقسم بينهما، لتناول الجمع المعرّف لهما، حيث لم يشترط فيه اتحاد المعنى، أو لأن المشترك يحمل على معنييه.

و الثاني: صرفه إلى الموالي من أعلى، لقرينة مكافأتهم.

و الثالث: لهم من أسفل، لجريان العادة بكونهم محتاجين غالبا.

و الرابع: البطلان، لأن المشترك لا يحمل على معانيه، و لا على بعضها بغير قرينة و الفرض انتفاؤها هنا.

و مثله ما لو وقف على المولى بلفظ الإفراد، لأنه مشترك، إلا أن الإشكال السابق في جميع المختلف لا يأتي هنا.

قاعدة «132» القوم: اسم جمع بمعنى الرّجال خاصة،

واحدة في المعنى رجل و لا

____________

(1) في «ح»: كما.

(2) التسهيل: 12.

390

واحد له من لفظه، كذا نصّ عليه النحاة و اللغويون. و يدل عليه قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى‏ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ، وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى‏ أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَ‏ (1) و قول الشاعر:

فما أدري و لست أخال أدري‏* * * أقوم آل حصن أم نساء

(2).

و من فروع القاعدة:

ما إذا أوصى لقوم زيد أو وقف عليهم و نحو ذلك، فلا يصرف للإناث منه شي‏ء.

و منها: عدم إجزاء النساء و الخناثى و الصبيان في نزح ما يعتبر نزحه يوما، لورود الحكم بلفظ القوم، و إن قام غيرهم بعملهم‏ (3).

قاعدة «133» إذا لم يضف الجمع أو لم يدخل عليه «أل» فليس للعموم،

بل إن كان جمع كثرة، فأقلّه أحد عشر، و إن كان جمع قلّة، فأقله ثلاثة على الصحيح عند النحاة و غيرهم، و قيل: أقله اثنان‏ (4). و أما أكثره فعشرة، و ما زاد فأوّل حد الكثرة.

و هذا الخلاف يجري أيضا في المضاف و المقرون ب «أل» إذا امتنع العموم لمانع.

و يتفرع على القاعدة: أبواب الإقرار و العتق و النذر و الوصية و الوقف و

____________

(1) الحجرات: 11.

(2) هذا قول زهير بن أبي سلمى المزني، شاعر جاهلي حكيم من أصحاب المعلقات، و البيت في ديوانه: 73. و القوم هنا الرّجال.

(3) التهذيب 1: 242 حديث 699، الاستبصار 1: 38 حديث 104، الوسائل 1: 143 أبواب المياه ب 23 ح 1.

(4) الهداية (جامع المقدمات): 201، عدة الأصول: 116، المستصفى 2: 91.

391

غيرها، كقوله: لزيد علي دراهم، أو أعتقت عبيدا، أو لله عليّ أن أعتق عبيدا.

أو أتصدق بدراهم.

هذا بالنظر إلى الأقل، فلا يجزئ أقل من ثلاثة على الصحيح، و أما بالنسبة إلى الأكثر و أقل الكثرة، فالتحقيق حمله على المتعارف. و العرف لا يفرق بين جمع الكثرة و القلة، فيحمل الجميع على ما دل عليه جمع القلة قلة، و لا يتقدر بقدر كثرة. و قد تقدم في القسم الأول تفريع القاعدة (1).

و مما ذكرناه يظهر ضعف قول كثير من الأصحاب في باب البئر في تفسير الدلاء اليسيرة في الدم القليل، أن المراد بها عشرة بناء على أنها جمع قلة، و أنّ أكثر ما يضاف إلى هذا الجمع عشرة، كما صنع الشيخ في التهذيب‏ (2). أو أنه جمع كثرة و لكن أقله عشرة، كما صنع العلامة في المنتهى‏ (3). فإن ذلك ظاهر الفساد كما لا يخفى.

و أغرب منه قوله في المختلف: إنه جمع كثرة، و إن أقله ما زاد على العشرة بواحد (4). ثم حمله عليها عملا بالبراءة الأصلية، مضافا إلى ما قررناه من حوالة هذه الأحكام على العرف دون هذا الاصطلاح الخاصّ، و هم قد اعترفوا به في مواضع.

قاعدة «134» جمع القلة خمسة،

و هي: «أفعل» بضم العين كأفلس، و «أفعال»

____________

(1) راجع قاعدة: 52.

(2) التهذيب 1: 245 باب تطهير المياه. ذيل حديث 705.

(3) المنتهى 1: 14.

(4) المختلف 1: 6.

392

كأجمال، «و «أفعلة» كأكسية، و «فعلة» كصبية، و الخامس جمع السلامة، كقائمين و هندات. هذا مذهب سيبويه، و قيل: هو للكثرة. و قد نظم بعضهم هذه الألفاظ الخمسة في بيتين و هما:

بأفعل و بأفعال و أفعلة* * * و فعلة يعرف الأدنى من العدد

و سالم الجمع أيضا داخل معها* * * في ذلك الحكم فاحفظها و لا تزد

و من هذه القاعدة يعلم أنّ الدلاء المذكورة فيما تقدم جمع كثرة، و أن إطلاقها على العشرة لا يستقيم.

و فرّع عليها بعض العامة (1) مسألة استحباب أخذ الحصى من جمع للرمي، و أنه هل يؤخذ ما يرمى به ذلك اليوم خاصة، و هو سبع حصيات، أم يؤخذ لرمي جميع الأيام، و هو سبعون حصاة؟ و أن الأصح الأول، لما رووه عن الفضل بن العباس: «أن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) قال له غداة يوم النحر: التقط لي حصى، فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف‏ (2)» (3) فلما عبّر بالحصيات- و هو جمع قلة على ما تقدم و نهايته عشرة- كان دليلا على أنه لم يلتقط الباقي. و فيه نظر، يعلم مما تقدم، فإن المحاورات العرفية لا يفرّق فيها بين الجمعين. و البحث عندنا ساقط على كل حال، لأنه ورد عندنا في عدة أخبار الأمر بأخذ حصى الجمار من جمع‏ (4). فعبّر بجمع الكثرة مضافا، فأفاد الجميع.

____________

(1) مغني المحتاج 1: 500.

(2) حصى الخذف: الحصى الصغار- المصباح المنير: 165.

(3) سنن ابن ماجة 2: 1008 باب قدر حصى الرمي حديث 3029 «ما بمعناه».

(4) الكافي 4: 477 باب حصى الجمار حديث 1- 3، الوسائل 10: 71 أبواب رمي جمرة العقبة باب 4 حديث 2.

393

الباب التاسع: في الألفاظ الواقعة في العدد

قاعدة «135» لفظ العدد أقلّه اثنان فصاعدا، فالواحد ليس بعدد، بل هو أصل له.

و يتفرع عليه الإقرار و الوصايا و النذور و نحوها، إذا قال: له عليّ أقل عدد الدراهم، أو أوصى له به، أو نذره صدقة و نحوها، فيلزمه درهمان.

و لو قال: له عليّ مائة عدد من الدراهم، فإن كان لفظ العدد مجرورا فمقتضى القاعدة وجوب مائتي درهم، لأنه اعترف بمائة من العدد، و أقل العدد اثنان.

و إن كان منصوبا فكذلك، لأنه تفسير للمائة، كما لو قال: له مائة ثوبا بالتنوين، فإن المائة تجب كذلك، و إن كان الجمهور من النحاة قد منعوا النصب.

و إن كان مرفوعا فالمائة مبهمة، و يلزمه تفسيرها بما لا تنقص قيمته عن درهمين عددا، لأنه يجعل حينئذ بدلا من المائة، كما لو قال: له عليّ ألف درهم، برفعهما و تنوينهما بغير عطف، فإنه يفسّر الألف بما لا تنقص قيمته عن درهم.

394

و لو كانا ساكنين أوجبنا الأقل، لاحتمال إرادته.

هذا إذا لم يكن المتعارف في العدد خلاف ما ذكرناه، و إلا حمل عليه، لأنه مقدّم على الاصطلاح الخاصّ، بل يحتمل الاكتفاء بتفسيره العدد بالدرهم مطلقا.

و كذا ينبغي أن يقال في المائة المنصوب مميزها عددا، لجواز تفسير المائة بعدد واحد، لجواز نصبه على الحال، أو (1) بتقدير عامل يقتضيه، و الأقوى الرجوع إلى تفسيره في الجميع كغيره من الكنايات العددية.

قاعدة «136» «كم» اسم، يدل عليه دخول حرف الجر،

حيث قالوا: بكم درهم اشتريت ثوبك؟ خلافا لمن زعم أنها حرف‏ (2). و هي بسيطة، خلافا للكسائي و الفراء، حيث ذهبا إلى أنها مركبة من كاف التشبيه و ما الاستفهامية، فحذفت ألفها كما تحذف مع سائر حروف الجر، ثم سكّنت الميم لكثرة الاستعمال‏ (3).

و تستعمل لمطلق الأعداد، كقولك: خذ كم شئت. و تكون أيضا استفهامية، فتفسّر باسم منصوب؛ و خبرية للتكثير، فتفسّر باسم مجرور، فيقول: كم درهم عند زيد، بجر درهم، أي: عنده كثير من الدراهم.

ثم الخبرية و الاستفهامية تشتركان في خمسة، و تفترقان في خمسة:

فالأوّل: في الاسمية، و الإبهام، و الافتقار إلى التمييز، و البناء، و لزوم‏

____________

(1) في «م»، «ح»: و.

(2) الكتاب 1: 291.

(3) حاشية الصبان على شرح الاشموني 4: 85، مغني اللبيب 1: 246.

395

التصدير. و الثاني: في أنّ الكلام مع الخبرية محتمل للتصديق و التكذيب، و أنّ المتكلم بها لا يستدعي من مخاطبة جوابا، بخلاف الاستفهامية.

و أنّ الاسم المبدل من الخبرية لا يقترن بهمزة، فيقال: كم عبيد لي، خمسون بل ستون، بخلاف المبدل من الاستفهامية، فإنه يقال: كم مالك، أ عشرون أم ثلاثون؟

و أنّ تمييز الخبرية مفرد أو مجموع، يقول: كم عبد ملكت، و كم عبيد، و لا يكون تمييز الاستفهامية إلا مفردا.

و أنّ تمييز الخبرية واجب الخفض، و تمييز الاستفهامية منصوب، و لا يجوز جره مطلقا، خلافا للفراء و الزجاج و ابن السراج و آخرين، فجوزوا جرّه إما مطلقا أو مع جر «كم» بحرف جر، كقولك: بكم درهم اشتريت‏ (1).

إذا علمت ذلك فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال لوكيله: بع هذا الثوب بكم درهم شئت، مجرورا أو منصوبا، فإنه يبيعه بالقليل و الكثير من الدراهم، و لكن لا يبيعه بغيرها، كما يتعين الحال و نقد البلد.

و لو قال: بكم شئت، تخيّر مطلقا في الحال بنقد البلد؛ بخلاف ما إذا قال: بما شئت، فإن له أن يبيع بنقد البلد و غيره، لأنها موضوعة للحقيقة، و لكن لا يبيعه إلا بثمن المثل حالا؛ و بخلاف ما لو قال له: كيف شئت، فإنه يبيع بالحال و المؤجل لأن كيف للصفة، و لا يبيعه إلا بثمن المثل من نقد البلد، لأنه لم يأذن له في البيع بغيرهما، فحملنا الإطلاق عليه، كذا أطلقه جماعة.

و ينبغي تقييده بمن يعلم المعنى، و إلا كان ذلك بمنزلة الإطلاق، فيقتضي البيع بثمن المثل حالا بنقد البلد مطلقا.

____________

(1) معاني القرآن 1: 169، الجمل في النحو 2: 135، و نقله عنهم في مغني اللبيب 1: 245.

396

قاعدة «137» «كذا» أصلها كاف التشبيه و اسم الإشارة.

ثم إنّ العرب نقلوها عن ذلك، فاستعملوها للعدد و لغيره: فإن كانت لغير العدد كانت مفردة و معطوفة، فتقول: له عندي كذا، أي شي‏ء، و نزل المطر مكان كذا، و مررت بدار كذا و كذا بمكان كذا. و تقول أيضا: أعجبني دار كذا بتنوين «دار» و وصفها بكذا.

و إذا كانت كناية عن العدد، فمذهب البصريين: أنّ تمييزها لا يكون إلا مفردا منصوبا مطلقا، و قال الكوفيون: إنها تفسّر بما يفسر به العدد الّذي هو كناية عنه، فمن الثلاثة إلى العشرة يميز بجمع مجرور بعد مفرد، نحو: له عندي كذا دراهم؛ و عن المركب كأحد عشر إلى تسعة عشر، بمفرد منصوب بعد تركيب كذا، تقول: له عندي كذا كذا درهما؛ و عن العقود بمفرد منصوب بعد إفراد كذا؛ فإن كنّيت بها عن عقد معطوف كأحد و عشرين إلى تسعة و تسعين عطفت و نصبت تمييزها؛ و إن كنيت عن المائة و الألف فتفردها و تجر تمييزها.

إذا تقرر ذلك، فقد اختلف الأصحاب و غيرهم، فذهب الشيخ- (رحمه اللَّه)- و من تبعه إلى سلوك ما سبق أنه مقتضى النحو (1). و قيّده بعضهم بمن كان عارفا به.

و الأصح خلافه، و أنه يلزمه درهم واحد مع الرفع و النصب مطلقا؛ و في الجر وجهان: لزوم درهم كذلك، و جزء درهم، و هو الأقوى، و يرجع إليه في تفسيره.

____________

(1) الخلاف 3: 366، المبسوط 3: 13.

397

و لو وقف لزمه الأقل‏ (1)، سواء كرّر اللفظ أم لم يكرّره، و سواء عطفه مع التكرار أم لا، لأن كذا كناية عن الشي‏ء، فمع الرفع يكون الرفع بدلا منه، و التقدير: شي‏ء درهم؛ و مع النصب يكون تمييزا له، و مع الجر تقدّر الإضافة بيانية كحب الحصيد، و التقدير: شي‏ء هو درهم على الأول، أو يجعل الشي‏ء جزءا من الدرهم أضيف إليه، فيلزمه جزء على الثاني. و مع تكرره يكون الثاني تأكيدا للأول. و مع عطفه يكون الأول مبهما و الثاني معطوفا عليه، أو تمييزا، أو بدلا، أو بيانا، أو أضيف الجزء إلى الجزء كما ذكر.

و لو قال: علي كذا، و سكت، فهو كقوله: شي‏ء و مثله ما لو أوصى له بكذا. و كذا جميع ما ذكر من التفصيل.

قاعدة «138» النيّف- بفتح النون و تشديد الياء مكسورة و قد تخفف- يكون بغير تاء للمذكر و المؤنث، و لا يستعمل إلا معطوفا على العقود.

فإذا كان بعد العشرة فهو لما دونها، و أن كان بعد المائة فهو للعشرة فما دونها، و إن كان بعد الألف قيل: فهو للعشرة فأكثر.

و في الصحاح: كلما زاد على العقد فهو نيّف حتى يبلغ العقد الثاني‏ (2).

إذا علمت ذلك، فلا يخفى ما يتفرع عليه من الأقارير و الوصايا و النذور و غيرها من الأبواب؛ و حيث يطلقه كذلك يرجع إليه في تفسيره بعدد يصح إطلاقه عليه، و لا يقبل بغيره، و لو تعذر تفسيره فالمتيقن الأقل‏ (3).

____________

(1) في «ح»: الأول.

(2) الصحاح 4: 1437.

(3) في «د»، «م»: الأول.

398

قاعدة «139» البضع- بكسر الباء- من الواحد إلى التسعة، و قيل من الثلاثة.

فإن استعمل دون العقد، قال الفراء: لا يجوز (1). و قال غيره: يجوز (2). لقوله تعالى‏ فِي بِضْعِ سِنِينَ‏ (3) إلا أنه لا يصدق إلا على الثلاثة فصاعدا.

و تقول في مذكّرة: عندي بضعة عشر رجلا، و في المؤنث: بضع عشرة امرأة، بإثبات التاء في البضع مع المذكر، و حذفها مع المؤنث.

و كذلك الحكم إذا عطفت عليه أيضا تقول: بضعة و عشرون رجلا، و بضع و عشرون امرأة، هكذا تقول إلى التسعين.

إذا علمت ذلك، فلا يخفى عليك تنزيل الفروع عليه في باب الوصايا و الأقارير و النذور و نحوها. و يلزمه الأقل مما يصدق عليه، إلا أن يفسره بأكثر منه.

قاعدة «140» زهاء- بزاي معجمة مضمومة و هاء مخففة و همزة ممدودة- معناه المقدار.

فإذا قال: أوصيت له، أو له عليّ زهاء ألف، فمعناه مقدار الألف، كذا قال النحاة و أهل اللغة (4). و قال بعض الفقهاء: إنه أكثر الشي‏ء، حتى يستحق في مثالنا خمسمائة و حبّة، و لا شاهد له.

____________

(1) نقله عنه في حاشية الصبّان 4: 72.

(2) النهاية لابن الأثير 1: 134.

(3) الروم: 4.

(4) المصباح المنير 1: 258، (زهو) النهاية 2: 323.

399

خاتمة قواعد الأسماء:

المشهور بين النحاة و الأصوليين أنّ المبتدأ منحصر في خبره دون العكس، و ذلك لأن المبتدأ إما أخص من الخبر أو مساو، و الخبر لا يكون أخص من المبتدأ، بل إما أعم أو مساو. فإذا قلت مثلا: زيد قائم، أفاد انحصار زيد في القيام، و لا يفيد انحصار القيام فيه، و ذلك ظاهر. و لو قلت: القائم زيد، أفاد انحصار القيام في زيد، لأن القيام حينئذ هو المبتدأ و زيد الخبر، لأنهما معرفتان، فجعل الثاني منهما خبرا.

و سواء في ذلك كانت القضية صادقة أم محتملة للصدق، كما إذا كان الحصر إضافيا بالنسبة إلى قوم مخصوصين، أم كاذبة، إذا كان الحكم مطلقا.

و بهذا فرّقوا بين قولنا: زيد عالم، و بين قولنا: العالم زيد، فإن الأول لا يفيد انحصار العلم في زيد، بخلاف الثاني.

و أما قول بعض الأصوليين، أن قولنا: زيد العالم يفيد انحصار العلم فيه أيضا، فمستفاد من دليل آخر لو تم‏ (1).

و يشكل الحكم في أصل القاعدة من حيث إنّ الإخبار بالأخص واقع أيضا و إن قل، إما مطلقا كقولنا: حيوان متحرك كاتب، أو من وجه كقولنا:

زيد قائم؛ فإن المراد من الإخبار الإسناد في الجملة، فلا يجب تساوي المفردين في الصدق، و لا في المفهوم، و لأنه يستلزم كفر من قال: النبي محمد، لاقتضائه إنكار نبوة الأنبياء، و كون قولنا: النبي لهذه الأمة محمد، تكرارا.

نعم إفادة ذلك الحصر أكثري، لا كلي، للفرق الظاهر عرفا بين قولك:

صديقي زيد، و بين قولك: زيد صديقي، فإن الأول يظهر منه حصر الصداقة فيه دون الثاني كما سلف.

____________

(1) الإحكام للآمدي 3: 141.

400

إذا تقرر ذلك، فقد فرّعوا على القاعدة أمورا:

منها: قول النبي (صلى اللَّه عليه و آله): «تحريمها التكبير» (1) فإنه يفيد انحصار التحريم بها في التكبير، دون غيره من الأذكار و غيرها، سواء كان نقيضا له، و هو عدم التكبير، أو ضدا، و هو الهزء و اللعب، أو خلافا، و هو الخشوع و التعظيم بغيره، فلو فعل أحد هذه لم تحرم.

و هل يراد من التكبير المعهود، و هو «اللَّه أكبر» فيجعل اللام للعهد، أو مطلق التكبير بجعله للجنس، سواء أفاد العموم أم لا، فيدخل فيه مطلق التكبير، سواء وقع بصيغة أفعل التفضيل أم لا، علّق على اسم اللَّه أم غيره، باللغة العربية أم غيرها، كما ذهب إليه الحنفي‏ (2)؟ الصحيح الأول، للنقل و التأسي‏ (3).

و منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله) في الخبر: «و تحليلها التسليم» (4) فإنه يقتضي انحصار المحلّل فيه أيضا، دون نقيضه، الّذي هو عدمه، و ضده، و هي أضداد التكبير، و خلافه، الّذي هو الحدث. و الكلام في انحصار المحلّل في الصيغة الخاصة أو فيما هو أعم منها كما تقدم في التكبير.

و منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «ذكاة الجنين ذكاة أمه» (5) بالرفع فيهما، فإنه يقتضي‏

____________

(1) الكافي 3: 311 باب افتتاح الصلاة حديث 8، الفقيه 1: 33 حديث 68، الوسائل 4: 715 أبواب تكبيرة الإحرام باب 1 حديث 10.

(2) المغني و الشرح الكبير 1: 505.

(3) الكافي 3: 486 باب نوادر الصلاة، حديث 1، الفقيه 1: 306 حديث 920، المجالس: 113، الوسائل 4: 715 أبواب تكبيرة الإحرام باب 1 حديث 11، سنن ابن ماجة 1:

264 حديث 803.

(4) الكافي 3: 69 باب النوادر حديث 2، الفقيه 1: 33 حديث 68، الوسائل 4: 715 أبواب تكبيرة الإحرام باب 1 حديث 10، سنن ابن ماجة 1: 296 حديث 914.

(5) الجامع الصغير 1: 664 حديث 4326. سنن ابن ماجة 2: 1067 باب ذكاة الجنين ذكاة أمه حديث 3199.

401

حصر ذكاته في ذكاة أمه، فلا يحتاج إلى ذكاة أخرى. و لا يقدح كونه مجازا من حيث إن ذكاة الأم فري الأعضاء المخصوصة، و هو غير حاصل فيه، لأن إضافة المصادر تخالف إسناد الأفعال، فيكفي فيها أدنى ملابسة، كقوله تعالى‏ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏ (1) و إن امتنع أن يقال: حج البيت على الفاعلية، و ذكيت الجنين على المفعولية.

و من رواه بنصب الثانية فهو بنزع الخافض، أي ذكاته داخلة في ذكاة أمه، فحذف حرف الجر، و نصبه على المفعولية، كدخلت الدار.

و به‏ (2) احتج الموجبون لذكاته، أي: يذكى مثل ذكاتها، فحذف المضاف مع بقية الكلام، و أقيم المضاف إليه مقامه.

و فيه- مع مخالفته لرواية الرفع الصحيحة الموافقة لرواياتنا صريحا (3)- تعسّف ظاهر.

و منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله) في المواقيت لما عدها: «هن لهنّ و لمن أتى عليهن من غير أهلهن» (4) فإنه يفيد حصر المواقيت‏ (5) في الأهل دون العكس، لأن ضمير «هن» راجع إلى المواقيت، و هو المبتدأ؛ و في «لهن» ضمير (6) راجع إلى أهل المواقيت، و هو الخبر، و التقدير: المواقيت لأهل هذه الجهات، أي لإحرامهم.

____________

(1) آل عمران: 97.

(2) أي: و برواية النصب.

(3) الوسائل 16: 328 أبواب الذبائح باب 18.

(4) صحيح البخاري 2: 165 باب مهل أهل الشام، صحيح مسلم 3: 11 الحج حديث 11، سنن النسائي 5: 124 باب ميقات أهل اليمن، و ص 126 باب ميقات من كان أهله دون الميقات.

(5) في «ح» زيادة: لما عداهنّ لهن و بمن.

(6) ضمير ليست في «د»، «م».

402

فيجب انحصار المواقيت فيهم، و من أتى عليها من غير أهلها، و لا يجب انحصار إحرام أهل الجهات في المواقيت، قضية للقاعدة، و هو عند العامة مطلق، فيجوز الإحرام من غيرها مطلقا (1). و عندنا مع النذر و شبهه، و لمن خاف تقضّي رجب قبل الوصول إلى أحدها للعمرة المفردة (2).

و هذا بخلاف ميقات الإحرام الزماني للحج و عمرة التمتع، فإنه لا يجوز التقديم عليه مطلقا، لقوله تعالى‏ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ‏ (3). فيجب بمقتضي القاعدة انحصار الحج في الأشهر الثلاثة مطلقا.

و منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «الشفعة فيما لم يقسم» (4) فإنه يفيد انحصارها في المشترك، فلا تثبت بمجرّد الجوار (5) عندنا.

و قد يستفاد أيضا اشتراط قبوله للقسمة، باعتبار وصفه السلبي، الدال على أنّ من شأنه ذلك. و لو نوقش في ذلك فهو مستفاد من دليل آخر، و اللَّه الموفق.

____________

(1) كتاب الأم 2: 139، المبسوط للسرخسي 4: 166، المغني لابن قدامة 3: 215.

(2) الخلاف 2: 286 مسألة 62، الشرائع 1: 178، القواعد 1: 79.

(3) البقرة: 197.

(4) صحيح البخاري 3: 114 باب الشفعة، سنن النسائي 7: 321 باب الشفعة، سنن ابن ماجة 2: 834 حديث 2497، 2499.

(5) في النسخ: الجواز، انظر الخلاف 3: 427، و الشرائع 4: 777.

403

المقصد الثاني في الأفعال‏

قاعدة «141» الفعل المضارع المثبت كقولنا: زيد يقوم، مشترك بين الحال و الاستقبال على المشهور بين النحاة،

و زاد ابن مالك أنّ الحال يترجّح عند التجرّد عن القرائن، و ذهب بعضهم إلى أنه حقيقة في الحال، و مجاز في الاستقبال، و بعض إلى عكسه؛ و آخرون إلى أنه حقيقة في الحال خاصة، لا يستعمل في الاستقبال حقيقة و لا مجازا، و آخرون إلى عكسه.

و هذه الأقوال حكاها أبو حيان في «الارتشاف» و اختار المشهور، و و جعله ظاهر كلام سيبويه‏ (1).

إذا تقرر ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال: و اللَّه لأضربن زيدا، فيتخير بين ضربه الآن و في المستقبل. و يجي‏ء على القول الثاني و الرابع‏ (2) تعيّن الحال. و على القول بوجوب حمل المشترك على جميع معانيه لا يبرّ إلا بضربه في الحال و

____________

(1) كما في التمهيد للأسنوي: 145.

(2) يعني: القول الثاني و الرابع مما عدا القول المشهور من الأقوال.

404

ضربه‏ (1) أيضا فيما بعده. و به صرّح بعض الشافعية، تفريعا على مذهبه فيه‏ (2).

و منها: إذا قال المدعى عليه: أنا أقرّ بما يدعيه، فعلى المشهور لا يكون إقرارا، لاحتماله الوعد، إلا أنه خلاف المشهور في الفتوى من قبول الإقرار بذلك، و لعل القرينة مرجحة للحال هنا. و أما على قول ابن مالك و من جعله حقيقة في الحال فواضح.

و كذا لو حملنا المشترك على جميع معانيه حيث لا تقوم قرينة على البعض، فإن الحال يدخل ضمنا و يقع الإقرار.

و منها: إذا أوصى بما تحمله هذه الشجرة، أو الجارية، فإنه يعطى الحمل الحادث، دون الموجود في الحال، كما ذكره جماعة (3). و هو خلاف السابق، و مشكل على المشهور، إلا مع دعوى القرينة على نفي الحال.

و منها: إذا قال الكافر: أشهد أن لا إله إلا اللَّه إلى آخره، فإنه يكون مسلما بالاتفاق، حملا له على الحال. و هو لا يجزئ على المشهور أيضا، و لعل الشرع خصه به.

و منها: إذا أتى الشاهد عند الحاكم بصيغة أشهد، فإنها تقبل بالاتفاق، حملا له على الحال أيضا، و الكلام فيه كالذي قبله.

و منها: إذا أسلم الكافر على ثمان نسوة مثلا، فقال لأربع: أريدكن، و لأربع: لا أريدكن، ففي حصول التعيين بذلك وجهان مبنيان على القاعدة، مضافا إلى قرينة الحال المخصصة بالحال دون الوعد.

____________

(1) في «د»: بضربة في الحال و ضربة.

(2) التمهيد: 146.

(3) التمهيد: 147.

405

قاعدة «142» المضارع المنفي بلا يتخلص للاستقبال عند سيبويه‏ (1).

و قال الأخفش:

إنه باق على صلاحيته‏ (2). و اختاره ابن مالك في «التسهيل» (3).

فإن دخلت عليه لام الابتداء، أو حصل النفي ب «ليس» أو «ما» ففي تعيّنه للحال مذهبان، الأكثرون كما قاله في أوائل التسهيل على أنه يتعين‏ (4).

ثم صحح في الكلام على ما الحجازية خلافه.

إذا علمت ذلك فيبني على هذه المسائل:

ما إذا حلف على شي‏ء بهذه الصيغ، و تفريعها لا يخفى.

و من فروعها أيضا: ما إذا قال: لا أنكر ما يدعيه، فعلى الأول لا يكون إقرارا بل وعد؛ و على القول ببقائه مشتركا وجهان، أجودهما العدم، للاشتراك الرافع للجزم بأحدهما، منضما إلى ثبوت واسطة بين الإقرار و الإنكار.

و يحتمل كونه إقرارا، نظرا إلى أنّ الإنكار وقع نكرة منفية فيعم سائر أفراده، مضافا إلى دلالة ظاهر العرف عليه.

و لو قال: ما أنا منكر، أو لست منكرا، فالوجهان، و أولى بكونه إقرارا.

و منها: إذا أذن المرتهن للراهن في التصرف ببيع و عتق و نحوهما، فقال الراهن: لا أفعل، ثم فعل، هل يكون ردا للإذن أم لا؟ وجهان مبنيان، فإن جعلناه للاستقبال، لم يناف القبول بعده، و كذا إن جعلناه مشتركا، للشك في‏

____________

(1) غنية الأريب: 127، شرح المفصل 8: 108.

(2) نقله عنه في التمهيد: 149.

(3) التسهيل: 5.

(4) التسهيل: 5.

406

مفسد الإذن، مع احتماله هنا خاصة أو مطلقا لبطلان الإذن بالرد. و قال بعضهم: الإذن لا تبطل بالرد مطلقا. و ليس ببعيد.

و عليه يتفرع ما لو ردّ الإذن في تناول الطعام، أو ردّ الوكيل الوكالة ثم قبل إن جعلناها إذنا مجردا، خصوصا إذا ردّ من غير أن يعلم الموكل.

و منها: إذا قال الوصي: لا أقبل هذه الوصية، فهل يكون ردا لها؟

الوجهان. و لو قال: لست أقبلها، أو: ما أقبلها، فأولى بكونه ردا.

و منها: لو قال المالك بعد أن عقد الفضولي على ماله، أو الولي بعد أن عقد الفضولي على المولى عليه عقد النكاح: لا أجيز، فهل له الإجازة بعده؟

الوجهان. و كذا لو قال: لست أجيز أو ما أجيز.

قاعدة «143» الفعل الماضي إذا وقع شرطا انقلب إلى الإنشاء باتفاق النحاة.

و من فروعه إذا قال: إن قمت فأنت عليّ كظهر أمي، فلا يحمل على قيام صدر منها في الماضي إلا بدليل آخر، و كذا لو قال: إن دخلت داري فلك عليّ كذا، على جهة النذر؛ أو قال لولده: إن حفظت القرآن مثلا فلك كذا، و نحو ذلك.

قاعدة «144» إذا وقع الفعل المذكور صلة أو صفة لنكرة عامة، احتمل المضي و الاستقبال،

كما قاله في التسهيل‏ (1). و من مثل‏ (2) الاستقبال في الصفة

____________

(1) التسهيل: 6.

(2) في «د»، «ح» زيادة: في.