تمهيد القواعد

- الشهيد الثاني المزيد...
648 /
407

قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «نضّر اللَّه امرأ سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها» (1). و نازع أبو حيان فيما ذكره ابن مالك، و قال: الّذي نراه حمله على الحقيقة، إلا أن يقوم دليل من خارج كما في الاستشهاد.

إذا علمت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال: إن أكرمت الّذي أهنته، أو رجلا أهنته، فأنت عليّ كظهر أمي. فإن أكرمت الّذي أهانه قبل التعليق و بعده وقع الظهار، و إن أهانه في أحدهما روجع، فإن تعذّرت مراجعته لم يقع شي‏ء على مقتضى ما قاله ابن مالك، و قياس على ما قاله أبو حيان من تعلقه بالماضي فقط.

و قريب منه ما لو قال: إن أكرمت الّذي أكرمته فلك عليّ كذا، على وجه النذر؛ و ما لو حلف لا يلبس مما غزلته، ففي حنثه بما غزلته قبل اليمين، أو به و بما بعده، الوجهان.

و لو قال: مما تغزله، لم يحنث إلا بما يتجدد بعدها، كما أنه لو قال: من غزلها، دخل فيه الماضي و المستقبل؛ و كذلك الحكم في نظائره.

و منها: عموم تحريم وسم الدواب على وجهها، فإنه روي عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله):

«أنه رأى حمارا قد وسم على وجهه فقال: لعن اللَّه من فعل هذا» (2) فإن هذا الماضي و هو «فعل» إن كان للاستقبال دلّ على التحريم؛ و إن كان باقيا على حقيقته من المضي، فإن قلنا: إن ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية، دلّ أيضا على تحريمه، و كذا إن جعلنا فيه إيماء إلى العلة.

____________

(1) سنن الترمذي 4: 141 حديث 2794، سنن ابن ماجة 1: 86 حديث 236، مسند أحمد 4: 82 بتفاوت يسير.

(2) صحيح مسلم 4: 337 حديث 107، سنن أبي داود 3: 26 حديث 2526.

408

و إن قلنا: لا يفيدها، فإن حملنا المشترك على معنييه، دلّ أيضا على تحريمه، و إلا فلا، لأنه أخبر عن هذا الشخص بخصوصه بأن اللَّه تعالى قد لعنه أو دعا عليه بذلك، و سكت عن الموجب له.

قاعدة «145» «كان» تدل على اتصاف اسمها بخبرها في الماضي، و هل تدل على انقطاعه، أم لا، بل هي ساكتة عنه؟

فيه مذهبان، و الأكثرون كما قاله في الارتشاف على أنها تدل عليه، ثم استدل بالقياس على سائر الأفعال الماضية.

و ما ادعاه من الانقطاع في غيرها ممنوع.

إذا علمت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا ادعى عينا، فشهدت له البينة بالملك في الشهر الماضي مثلا، أو أنها كانت ملكه فيه أو مطلقا؛ أو ادعى اليد، و أقام بينة بنحو ما ذكرناه، ففي قبولها وجهان مرتبان، و أصحهما أنها لا تقبل.

نعم يجوز أن يقول: كان ملكه و لا أعلم له مزيلا، فيقبل حينئذ؛ و أن يشهد بالملك في الحال، استصحابا لما عرفه قبل ذلك من شراء و إرث و غيرهما.

و منها: لو قال المدعى عليه: كان ملكك بالأمس، فقيل: لا يؤاخذ به، كما لو قامت بينة بذلك، فإنها لا تسمع، و الأصح أنه يؤاخذ به. و الفرق بين صحة إقراره بالملك في الزمان الماضي، و عدم صحة الشهادة عليه: أنّ الإقرار لا يكون إلا عن تحقيق، و الشاهد قد يخمّن، حتى لو استندت الشهادة إلى تحقيق، بأن قال: هو ملكه اشتراه، قبلت.

و منها: لو قال: و اللَّه لا أتزوج امرأة قد كان لها زوج، فطلق امرأته ثم‏

409

نكحها، فهل يحنث بذلك؟ وجهان مبنيان على ما ذكر و زيادة، هي: أن المتكلم هل يدخل في عموم كلامه و إطلاقه أم لا؟ و كذا الإشكال لو كانت مطلقة بائنا له قبل اليمين، فتزوجها بعد ذلك.

و أما دلالة «كان» على التكرار، فلم أقف فيه للنحاة على كلام. نعم اختلف الأصوليون فيه، فصحح ابن الحاجب أنها تفيده. قال: و لهذا استفدناه من قولهم: كان حاتم يقري الضيف‏ (1). و صحّح في المحصول أنها لا تقتضيه لا عرفا و لا لغة (2).

قاعدة «146» «ليس» فعل على المشهور (3).

و قيل: إنها حرف بمنزلة «ما» لعدم تصرفها، إذ الأصل في الأفعال هو التصرف، و أيضا فإن وزنها ليس على شي‏ء من أوزان الأفعال‏ (4).

و أجابوا عن الثاني بأن ياءها مكسورة في الأصل، و لكن سكنوها للتخفيف، و كان قياسها على هذا كسر أولها عند إسنادها للضمير، و قد نقله الفراء، و نقل أيضا ضمها. و هو يدل على أن أصل الياء فيها هو الضم لا الكسر.

و اعترض على ذلك كله: بأن الياء لو كانت محركة في الأصل، لكان‏

____________

(1) الفوائد الضيائية: 273.

(2) المحصول 1: 395.

(3) مغني اللبيب 1: 387.

(4) القائل به هو: ابن السراج، و تابعه الفارسي في الحلبيات و ابن شقير و جماعة، نقله عنهم في مغني اللبيب 1: 387.

410

يلزم انقلابها ألفا، لتحركها، و انفتاح ما قبلها.

ثم اختلفوا في معناها، فقيل: إنها للنفي مطلقا (1). و قال الزمخشري:

لا يصح نفيها للمستقبل. و قال جماعة: لا يجوز نفيها للماضي، و لا للمستقبل، الكائنين مع «قد» فلا تقول: ليس زيد قد ذهب، و لا قد يذهب.

و ذهب أبو علي الشلوبين إلى أنها لنفي الحال في الجملة التي لم تقيد بزمان، و أما المقيدة به فإنها لنفي ما دل عليه التقييد. و صححه في «الارتشاف».

و نحوه ذكر ابن هشام في المغني فجعلها لنفي الحال، و تنفي غيره بالقرينة، نحو: ليس خلق اللَّه مثله‏ (2).

إذا علمت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال لولد يلحق به: ليس قد تولّدت مني. فعلى حمل النفي على الماضي أو الحال أو الشامل لهما و للمستقبل، يكون نفيا، تترتب عليه أحكامه، و على القول بعدم نفيه للمقترن بقد، لا يكون نفيا، و لا يترتب عليه أثر، و الأقوى تحققه، لدلالة العرف عليه، مضافا إلى ما ذكره جماعة.

و منها: ما لو قال: الشي‏ء الفلاني لست أملكه، ثم ادعاه و أقام به بينة، فإنه مكذّب لها على الأقوال الأول، فلا تسمع دعواه و لا بينته.

و على قول الشلوبين و أبي حيان إنما يفيد نفي الملك فيما دلّ عليه الفعل من الزمان، و هو المستقبل، فلا ينافي ملكه في الحال، فيسمع.

و يحتمل قويا عدم السماع مطلقا، لأن ملكه له في الحال يستلزم ملكه في الاستقبال المتصل به، و هو زمن الدعوى، استصحابا لحكم الملك السابق، فيقع التنافي.

____________

(1) حكاه في همع الهوامع 1: 115.

(2) مغني اللبيب 1: 386.

411

قاعدة «147» صيغة «تفاعل» و ما تصرف منها كقولنا: تخاصم زيد و عمرو يتخاصمان تخاصما، يدل على المشاركة،

أي وقوع الفعل من كل واحد.

و من فروع القاعدة:

ما لو باع عينا لرجلين بألف، بشرط أن يتضامنا، فإنه يصح العقد، و يلزم كل منهما أن يضمن صاحبه؛ و لكن لا يفيد عندنا فائدة، لانتقال ما على كل واحد منهما إلى ذمة الآخر، فيبقى الأمر كما كان، إلا أن يختلف ما على كل منهما قدرا أو صفة، كالحلول و التأجيل، فيفيد.

و على القول بأنه ضم ذمة إلى ذمة تتحقق الفائدة مطلقا، لجواز مطالبة كل منهما بالمجموع. و الشافعية مع ظهور الفائدة عندهم لقولهم بالضم، منعوا اشتراط التضامن هنا، من حيث إنّ اشتراط ضمان المشتري لغيره باطل عندهم، لأنه شرط خارج عن مصلحة عقده، بخلاف اشتراط ضمان غيره له.

قاعدة «148» «استفعل» و ما تفرع عليه، كالمضارع و الأمر، يدل على طلب الفعل،

فإذا قيل: استعان فلان بغيره، فمعناه: طلب منه الإعانة، و كذا استطعم و نحوه.

و قد يخرج عن ذلك، و يفيد صدور أصل الفعل، و منه قوله تعالى‏ اسْتَوْقَدَ ناراً (1) أي أوقد.

____________

(1) البقرة: 17.

412

و يتفرع على ذلك أمور:

منها: الاستعانة في الطهارة، فإن مقتضاه على الغالب طلب الإعانة عليها، فلا تكره الإعانة مطلقا، كما إذا وقعت من غير طلب.

و تجي‏ء على فرض وقوعها بمعنى الفعل الكراهة؛ و هذا هنا هو الحق، لأن الاستعانة ليست لفظ النصوص، و إنما وردت بكراهة الاشتراك في العبادة، مع أنّ المعين في بعضها كان مبتدئا بها، فنهاه الإمام عنها معللا بالآية. و حينئذ فحمل كلام الفقهاء على أصل الإعانة أولى.

و يتفرع على ذلك أيضا: كراهة الفعل من كل من المعين و المتطهّر، لأن النهي تعلق بإيقاع الفعل كيف كان، و على الأول يحتمل عدم الكراهة في حق المعين، لجعلهم المكروه هو الاستعانة لا الإعانة؛ و الأقوى الكراهة في حقه أيضا، لأنه معين عليها، كما تحرم الإعانة على المحرّم، و إن لم يكن محرّما في الأصل على المعين، كما لو باع بعد النداء من لا يخاطب بالجمعة للمخاطب بها، لدخوله في عموم‏ وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ (1).

و يمكن الفرق بأنّ هذا قد تناوله النهي الدال على التحريم، و أما فاعل المكروه فلم يدخل في نهي الآية، فيبقى على أصالة الإباحة.

و منها: إذا حلف لا يستخدم فلانا، فخدمه، و الحالف لم يطلب ذلك منه، فإنه لا يحنث، لأن مدلوله الأغلبي لم يوجد، و يجي‏ء على المثال النادر الحنث.

و لو طلب منه الخدمة، فخدمه، حنث. و إن لم يخدمه، فمقتضى القاعدة الحنث أيضا، لتحقق الطلب.

أما الإشارة من القادر على اللفظ، فلا أثر لها، لأن اسم الطلب لا يصدق‏

____________

(1) المائدة: 2.

413

عليها حقيقة؛ و لو تعذر عليه النطق، فأشار، ففي حنثه وجهان.

و منها: إذا قال صاحب الدين لغريمه: استوفيت منك، أو قال أجنبي له:

هل استوفيت من غريمك؟ فقال: نعم، فمقتضى القاعدة أنه لا يكون إقرارا بالقبض، لأن معناه طلب الوفاء، لا حصوله، و لعل الأقرب كونه إقرارا، لقضاء العرف به، مع عدم منافاة الطلب له.

و لكن هل يكون إقرارا باستيفاء جميعه، أو ما هو أعم، فيقبل قوله في استيفاء البعض؟ وجهان، أجودهما قبوله في البعض، حيث لا يدل اللفظ على غيره، بأن قال: استوفيت مالي منه، أو جميع مالي، و نحوه.

و كذا الحكم لو لم يذكر السين بأن قال: أ ليس قد أوفيتك؟ فقال: بلى.

و لو قال السيد: استوفيت منه مال الكتابة، أو ما كاتبته عليه، أو قال البائع: قبضت ثمن مبيعي، أو قال الموجر: استوفيت الأجرة، أو أجرة بيتي و نحوه، لم يقبل في البعض. و كذا لو قال: أوفيتك كذا، فقال: نعم، أو أ ليس أوفيتك؟ فقال: بلى.

و منها: لو قال جاريتي هذه قد استولدتها، أو هي مستولدتي، ففي ثبوت الاستيلاد بذلك الوجهان. و لو ادعى موت الولد بعد ذلك، فالأقوى عدم القبول، لأصالة بقائه، فيكلّف إثبات موته. و مثله ما لو ثبت الاستيلاد بأيّ وجه كان، ثم ادعى موت الولد.

و منها: ما ذكره الأصحاب من بطلان خيار المشتري بالتصرف على بعض الوجوه، الّذي من جملته الاستعمال. فلو كان عبدا فخدمه و هو ساكت، لم يمنع الرد، لعدم صدق الاستعمال، و لا التصرف. و لو طلبه منه و لم يفعل، فمقتضى الاستعمال سقوط الخيار، لصدقه بذلك، و فيه نظر، لأن ذلك ليس مدلول النص. و من فروع إرادة أصل الفعل من الاستفعال:

قولهم «يجب الاستقلال في القيام للصلاة» فإن المراد به الاستقلال به، و هو

414

الاستبداد من غير معين، لا طلبه.

قاعدة «149» «رأى» يستعمل بمعنى «علم»

و منه قول الشاعر:

رأيت اللَّه أكبر كل شي‏ء* * * محاولة و أكثرهم جنودا (1)

أي: علمت.

و بمعنى «ظنّ» كقولهم: رأى فلان كذا، أي أدّى اجتهاده إليه، و غلب ظنه عليه. و من ذلك إطلاق أهل الرّأي على الحنفية، لاستعمالهم الأقيسة كثيرا.

إذا علمت ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال لغيره: أنت تعلم أنّ العبد الّذي في يدي حر، فإنا نحكم بعتقه، لأنه قد اعترف بعلمه، و لو لم يكن حرا ذلك الوقت لم يكن المقول له عالما بحريته.

و لو قال: أنت تظن أنه حر، لم يحكم بعتقه، لأنه قد يكون مخطئا في ظنه.

و لو قال: أنت ترى أنه حر، احتمل العتق و عدمه، لأن الرؤية تطلق على العلم و الظن، و حينئذ فلا يقع العتق للاحتمال. و يجي‏ء على استعمال المشترك في جميع معانيه توجه الحكم بعتقه أيضا؛ و الأولى مراجعته في ذلك حيث يمكن، و إلا لم يعتق.

و على قولهم «أنه لو قال: عبدي لزيد، لم يصح الإقرار للتناقض» يجي‏ء

____________

(1) البيت لخداش بن زهير، أحد بنى بكر بن هوازن، و قد أورده ابن هشام في شرح قطر الندى:

170 رقم 67، و ابن عقيل رقم 118.

415

بطلان الإقرار هنا أيضا، لاستحالة وصفه بالعبودية و الحرية.

و يندفع بإمكان حمله على أنه كان قبل ذلك حقيقة أو مجازا، أو أنّ العبد الّذي ينسب إليّ ظاهرا حر في نفس الأمر.

و مثله ما لو قال: ثوبي أو بستاني و ما شاكل ذلك لزيد، و الأقوى القبول في الجميع، فإن الإضافة تصدق بأدنى ملابسة، ككوكب الخرقاء و شهادة اللَّه، و حج البيت.

416

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

417

المقصد الثالث: في الحروف‏

و هي أقسام‏

الأول حروف الجر

قاعدة «150» الباء الموحدة تقع للإلصاق،.

قيل: و هو معنى لا يفارقها، فلهذا اقتصر عليه سيبويه‏ (1). ثم الإلصاق حقيقي، كأمسكت بزيد، إذا قبضت على شي‏ء من جسمه، أو على ما يلبسه من ثوب و نحوه. و مجازي، نحو مررت بزيد، أي ألصقت مروري بمكان يقرب من زيد.

و للاستعلاء، نحو مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ (2) الآية بدليل‏ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى‏ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ‏ (3) و نحو

____________

(1) كما في مغني اللبيب 1: 137، كتاب سيبويه 4: 217.

(2) آل عمران: 75.

(3) يوسف: 64.

418

وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ‏ (1) بدليل‏ وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ‏ (2).

و للتبعيض، إما مطلقا، كما اختاره جماعة، منهم الفارسي، و القتيبي، و ابن مالك، و الكوفيون‏ (3) و جعلوا منه‏ عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ‏ (4).

و قوله:

شربن بماء البحر ثم ترفعت

[1] و قوله:

شرب النزيف ببرد ماء الحشرج

[2] أو مع دخولها على المتعدي بنفسه، كما اختاره جماعة من الأصوليين‏ (5). و به فرّقوا بين مسحت المنديل، و مسحت به.

و للسببية، كقوله تعالى‏ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ‏- إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ‏- فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ‏ (6).

____________

[1] هو لأبي ذؤيب الهذلي يصف سحبا، و تمام البيت: «متى لجج خضر لهن نئيج»، و معنى البيت: أن السحب شربت من ماء البحر و ارتفعت من لجج خضر و لهن نئيج، يعني لهن سرعة و صوت. و البيت في ديوان الهذليين 1: 51.

[2] هذا البيت منسوب إلى جميل بثينة، و ينسب إلى عمر بن أبي ربيعة و عبيد بن أوس، و صدره:

«فلثمت فاها آخذا بقرونها» و معنى البيت: أنه لثم فاها و هو ماسك بشعرها لثما كشرب النزيف أي العطشان من ماء الحشرج، أي الحفرة في الجبل يجتمع فيها الماء، و البيت في ديوان جميل بثينة: 42.

____________

(1) المطففين: 30.

(2) الصافات: 137.

(3) الألفية (شرح السيوطي): 126.

(4) الإنسان: 6.

(5) منهم الرازي في المحصول 1: 167، و أبو الحسين في المعتمد 1: 33.

(6) النساء: 160، البقرة: 54، العنكبوت: 40 بالترتيب.

419

و للظرفية، بمعنى «في» كقوله تعالى‏ وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ- نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ- وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَ بِاللَّيْلِ‏ (1) أي و في الليل.

إذا علمت ذلك فمن فروعه:

الاكتفاء في مسح الرّأس في الوضوء ببعضه، كما اختاره أصحابنا، حملا للباء على التبعيض، إما للنص عليه عندنا، كما ورد مصرحا في خبر زرارة (2). أو لدخولها على المسح المتعدي بنفسه، أو مطلقا على مذهب جماعة. أو لاشتراكها بين معان منها التبعيض، فيجوز الاقتصار على مسح البعض، لأصالة عدم وجوب الزائد.

و قيل: إنّ الباء هنا للإلصاق‏ (3)، و هو لا ينافي التبعيض، مضافا إلى الأصل، مع أنه لا منافاة بين الإلصاق و التبعيض، كما لا منافاة بينه و بين غيره من المعاني كما سبق.

و منها: إذا قال: إن عصيت بسفرك فأنت عليّ كظهر أمي، أو قال لعبده:

ضربتك كذا، فينظر إن أراد أحد الأمرين الأخيرين، ترتب الحكم عليه، و إن تعذر معرفة إرادته أو أطلق، فالمتجه أنّ الحكم لا يترتب على أحدهما فقط، لجواز إرادة الآخر، أو لأنه أعم منه، فلا يحمل عليه بغير قرينة، و لأصالة البراءة.

و من هنا يعلم أنّ قول الأصحاب: إن العاصي في سفره يترخص، دون العاصي بسفره، إنما يستقيم على أن يريدوا بالباء السببية، لا الظرفية، فما احترزوا عنه و فرّوا منه لم يتم معهم مطلقا.

____________

(1) آل عمران: 123، القمر: 34، الصافات: 137، 138 بالترتيب.

(2) الكافي 3: 30 حديث 4، 1، الفقيه 1: 56 حديث 212، وسائل الشيعة 1: 290 أبواب الوضوء باب 23 حديث 1.

(3) مغني اللبيب 1: 143.

420

قاعدة «151» «من» تستعمل لمعان، منها: الابتداء،

و هو الغالب عليها، حتى ادعى جماعة أنّ سائر معانيها راجعة إليه‏ (1). و يقع في غير الزمان نحو مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏ [1] و إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ‏ [2].

و قال الكوفيون و جماعة (2): و في الزمان أيضا، كقوله تعالى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ‏ [3] و في الحديث: «مطرنا من الجمعة إلى الجمعة» (3).

و منها: التبعيض، كقولك: أخذت من الدراهم. و يعرف بصلاحية إقامة صيغة «بعض» مقامها، فتقول في المثال: أخذت بعض الدراهم؛ و منه‏ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ‏ (4) و قرأ ابن مسعود: حتى تنفقوا بعض ما تحبون‏ (5).

و منها: بيان الجنس، و كثيرا ما تقع بعد «مهما» و «ما» و هما بها أولى، لإفراط إبهامهما، نحو ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها- ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ- مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ (6) و هي و مخفوضها في ذلك في موضع نصب على الحال.

____________

[1] «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى‏» الإسراء: 1.

[2] «إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏» النمل: 29.

[3] «لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ‏» التوبة: 108.

____________

(1) منهم الفيروزآبادي في القاموس 4: 275، و حكاه في المغني 1: 419.

(2) حكاه في مغني اللبيب 1: 419، و الإنصاف 1: 37.

(3) صحيح البخاري 2: 36 كتاب الاستسقاء.

(4) آل عمران: 92.

(5) الكشاف 1: 385.

(6) فاطر: 2، البقرة: 106، الأعراف: 131 بالترتيب.

421

و من وقوعها بعد غيرهما يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ يَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ‏ (1). و الشاهد في غير الأولى، فإن تلك للابتداء، و قيل زائدة (2) و نحو فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ‏ (3).

و أنكر قوم مجي‏ء «من» لبيان الجنس، و قالوا: هي في‏ مِنْ ذَهَبٍ* و مِنْ سُنْدُسٍ* للتبعيض و في‏ مِنَ الْأَوْثانِ‏ للابتداء، و المعنى: فاجتنبوا من الأوثان الرجس، و هي عبادتها (4).

و منها: التعليل، كقوله تعالى‏ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها و قوله‏ مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا (5). و قول الشاعر:

و ذلك من نبإ جاءني

(6) و قول الفرزدق:

يغضي حياء و يغضى من مهابته

(7) إذا تقرر ذلك، فمن فروع القاعدة:

ما إذا قال: بع ما شئت من أموالي، و اقبض ما شئت من ديوني، و نحو ذلك؛ فإنه يحمل على التبعيض، فلا يصح له بيع الجميع، و لا قبضه، إما لعدم صلاحية غيره، أو للشك في إرادته. و (8) المتيقن البعض، فيقتصر عليه، و لكن‏

____________

(1) الكهف: 31.

(2) إملاء ما من به الرحمن 2: 102.

(3) الحج: 30.

(4) البحر المحيط 6: 122، إملاء ما من به الرحمن 2: 122، همع الهوامع 1: 34.

(5) الحج: 22، نوح: 25 بالترتيب.

(6) و تمام البيت «و خبرته عن أبي الأسود» و هو لإمرئ القيس، انظر: ديوانه: 76.

(7) و تمام البيت «فما يكلم إلا حين يبتسم» و البيت من قصيدة قالها في علي بن الحسين (عليه السلام)، ديوان الفرزدق 2: 179.

(8) في «ح»: أو.

422

يجوز إبقاء شي‏ء و إن قلّ، لدخول ما عداه في المشيئة. و مثله: بع من شئت من عبيدي، فلو باعهم إلا واحدا صحّ.

و منها: لو قال: ضعوا عن المكاتب ما يشاء من مال الكتابة، قال العلامة:

لو شاء الجميع لم يصح، لأن «من» للتبعيض‏ (1). و هذا إما مبني على إنكار مجيئها لبيان الجنس، أو تجوّز في العبارة، بمعنى اختيار كونها هنا للتبعيض، أي محمولة عليه لاشتراكها، فلا تحمل على الجنس للشكّ فيه، و يبقى البعض داخلا على التقديرين. و هذا حسن، و لكن لا يدفع المؤاخذة على ظاهر العبارة.

و أما ما أورده العلامة قطب الدين الرازي عليه، بإمكان كونها للتبيين، فتصح مشيئته للكل فقد عرفت ما فيه، فإنه و إن أمكن كونها كذلك لكن لا يحكم به، لأن المشترك لا يحمل على أحد معانيه بدون القرينة، و لا قرينة هنا على إرادة التبيين، كما لا قرينة على إرادة البعض، و إنما حملناه عليه لدخوله على التقديرين؛ و لكن النّظر وارد على إطلاقه كونها للتبعيض إن لم يكن منكرا لذلك المعنى، كما أنكره من حكيناه عنه.

و منها: قوله (صلى اللَّه عليه و آله): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (2) و الظاهر أنّ «من» فيهما تعليلية، أي يحرم بسب الرضاع ما يحرم بسبب النسب، و حينئذ فكل امرأة تحرم بالنسب- كالأم و الأخت و البنت و العمة و الخالة- تحرم بالرضاع. كما إذا أرضعت أمه أو زوجته أوجدته أنثى الرضاع المعتبر، فإن الرضيعة تصير بمنزلة واحدة ممن ذكر، و كذا ما أشبهه. و مفهوم الخبر مضافا إلى الأصل: أنّ التي تحرم بالمصاهرة- كبنت الزوجة- لا تحرم بالرضاع.

____________

(1) قواعد الأحكام 2: 125.

(2) الكافي 5: 437 باب الرضاع حديث 2، 3، الفقيه 3: 475 حديث 4665، الوسائل 14: 280 أبواب ما يحرم بالرضاع باب 1 حديث 1، 3، 4، سنن ابن ماجة 1: 623 حديث 1937، 1938.

423

و يتفرع على ذلك: تحريم زوجة الفحل عليه لو أرضعت ولد أخيها، لأنها حينئذ تصير عمة ولده من الرضاع، و عمة الولد محرمة بالنسب؛ بخلاف ما لو أرضعت ولد أختها، لأن خالة الولد ليست محرمة على الوالد.

و لو أرضعت ولد ولدها ابنا أو بنتا صارت جدة ولده، و جدة الولد و إن كانت محرمة إلا أنّ تحريمها ليس منحصرا في النسب، بل قد يكون بالمصاهرة كما لا يخفى. و قس على ذلك ما يرد عليك في هذا الباب.

و منها: ما لو قال: بعتك الثوب بمائة و وضيعة درهم من كل عشرة.

فيحتمل كون «من» تبعيضية، فيكون الثمن تسعين، لأن الوضع فيه من نفس العشرة؛ و كونها ابتدائية، فيكون التقدير: من كل مائة تسلم لي، فيكون الثمن أحدا و تسعين إلا جزءا من أحد عشر جزء من درهم؛ و بطلان البيع، لاشتراكها الموجب لاختلاف الثمن بسببه، الموجب لتجهيله. و رجّح الأكثر الأول، لأنه أظهر، فكان قرينة ترجيح بعض أفراد المشترك.

و منها: لو قال لوكيله: اقبض حقي من فلان، فإنها تحمل على الابتداء، و يجعل مبدؤها المديون، فلا يتعدى إلى غيره، فلو مات بطلت الوكالة، و ليس له القبض من وارثه. نعم له القبض من وكيل المديون، لأن يده يده، و هو نائب عنه، بخلاف الوارث، فإن المال لم ينتقل إليه بحق النيابة. و من ثم يحنث لو حلف على فعل شي‏ء (1) بفعل وكيله له، لا بفعل وارثه.

و هذا بخلاف ما لو قال: اقبض حقي الّذي على فلان، فإنه يتناول الوارث، لأن جملة الموصول و الصلة فيه صفة للحق، و ليس فيه تعيين للمقبوض منه بوجه، بل الإذن تعلّق بقبض الحق الموصوف بكونه في ذمة فلان، فالوكيل يتبع الحق حيث ما انتقل.

و لا يشكل بأن متعلق الوكالة مركب من كونه حقا، و كونه على فلان،

____________

(1) المراد: الحلف على ترك فعل شي‏ء.

424

فكونه عليه بمنزلة الصفة، فإذا مات زالت الصفة المخصصة لمتعلق الوكالة؛ لمنع كون الصفة هنا مخصصة للمقبوض منه، بل للحق، بمعنى كونها احترازا من حق له في ذمة غيره، كما هو الظاهر منها.

قاعدة «152» تجوز زيادة «من» في النفي و شبهه- و هو النهي و الاستفهام‏

- إذا كان المجرور نكرة كقوله‏ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ* (1) وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها (2) ما تَرى‏ فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى‏ مِنْ فُطُورٍ (3).

و أما في الإثبات، فلا يجوز عند سيبويه و جمهور البصريين‏ (4). و قال الأخفش: يجوز مطلقا، لقوله تعالى‏ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ* (5) و قيل‏ (6):

إن كانت نكرة جاز، كقوله تعالى‏ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ* (7).

و إن كانت معرفة فلا (8). و اختار ابن مالك في الألفية الأول، و في التسهيل الثاني‏ (9).

و أجاز الفارسي‏ (10) دخولها مع النفي على الشرط، كقوله:

____________

(1) الأعراف: 59.

(2) الأنعام: 59.

(3) الملك: 3.

(4) كتاب سيبويه 2: 315.

(5) الأحقاف: 31.

(6) المقتضب 4: 137.

(7) الكهف: 31.

(8) السيوطي: 122، و نقله عن الكوفيين في مغني اللبيب 1: 428.

(9) الألفية (البهجة المرضية) 1: 247، التسهيل: 144.

(10) نقله عنه في مغني اللبيب 1: 425.

425

و مهما تكن عند امرئ من خليقة* * * و إن خالها تخفى على الناس تعلم‏

(1) إذا علمت ذلك، فمن فروعه:

ما إذا قال الولي: زوجت منك، ففي وقوع النكاح وجهان مبنيان على جواز زيادتها في الإثبات، و إلا كان لحنا مفسدا عند من يعتبر الصحيح في اللغة (2). و من جوّز اللحن غير المحيل للمعنى فيصح النكاح هنا مطلقا.

و كذا لو قال: زوجت لك و إليك، لأن الخطأ في الصلاة حيث لا يخل بالمعنى ينزّل منزلة الخطأ في الإعراب، و التذكير و التأنيث، كما لو قال:

زوجتكه، و أشار إلى ابنته. و قد تقدّم أن مثل ذلك قد ينزّل بتأويل الشخص.

و مثله يجري فيما لو قال: بعت منك، و آجرت، و رهنت، و غيرها من العقود اللازمة.

قاعدة «153» «إلى» حرف يدل على انتهاء الغاية زمانا أو مكانا،

تقول: سرت إلى البصرة، و إلى طلوع الشمس. و إذا لم تقم قرينة على أنّ ما بعدها داخل فيما قبلها أو غير داخل ففي دخوله مذاهب:

الدخول مطلقا. و عدمه مطلقا، و عليه أكثر المحققين‏ (3).

و دخوله إن كان من جنس ما قبله، نحو: بعتك الرمان إلى هذه الشجرة، فينظر في تلك الشجرة، هل هي من الرمان أم لا، و منه قولهم: قرأت القرآن‏

____________

(1) البيت من معلقة زهير بن أبي سلمى، و هو في ديوانه (صلى اللَّه عليه و آله) 32 و في شرح الزوزني: 197.

(2) في «ح»، «م»: من اللغة.

(3) مغني اللبيب 1: 104، لسان العرب 15: 434 (إلى) فواتح الرحموت 1: 244.

426

من أوله إلى آخره، و حفظته كذلك، فإن المتبادر دخول الغاية لذلك؛ و إن كانت من غيره لم تدخل. و من ثمّ لم يدخل الليل في قوله تعالى‏ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏ (1).

و دخوله إلا أن يقترن بمن، نحو بعتك من هذه الشجرة إلى هذه، فلا تدخل الغاية حينئذ، و لو أتى بما مثلناه سابقا دخلت.

و دخوله إن لم يكن منفصلا عما قبله بمفصل محسوس كآية الصوم، و إلا دخل، كقوله تعالى‏ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏ (2) فإن المرفق منفصل بجزء مشتبه، و ليس تعيين بعض الأجزاء أولى من تعيين البعض، فوجب الحكم بالدخول. و في المسألة مذاهب أخر.

إذا عرفت ذلك فيتفرع عليه:

دخول المرافق في الغسل، و الكعبين في المسح، أصالة أو من باب المقدمة.

و تظهر فائدته: لو قطعت اليد أو الرّجل من المفصل، و تميّز المرفق و الكعب، إن لم نجعلهما غيره.

لكن يبقى فيه بحث: و هو أنّ أكثر المحققين‏ (3) كما عرفت قائلون بخروج الغاية، و إذا جعل المرفق هنا غاية للغسل على ما هو المتبادر من تعلق «إلى» ب «اغسلوا» تكون المرافق خارجة على القول المعتبر، مع أنّ دخولها في الغسل أقوى عند المحققين‏ (4)، و هو لا يجامع القاعدة ظاهرا.

و طريق التخلّص من ذلك، ما ذكره بعض المحققين: من أنّ ما قبل الغاية

____________

(1) البقرة: 187.

(2) المائدة: 6.

(3) منهم ابن هشام في مغني اللبيب 1: 104، و الشافعي كما في التمهيد: 221، شرح الكافية 2: 324.

(4) إملاء ما من به الرحمن 1: 121.

427

لا بد أن يتكرر قبل الوصول إليها، كما تقول: ضربته إلى أن مات، و لا يجوز قتلته كذلك، و غسل اليد لا يتكرر قبل الوصول إلى المرافق. قال: و الصواب تعلّق «إلى» ب «أسقطوا» محذوفا، لأن اليد شاملة لرءوس الأنامل و المناكب و ما بينهما، و يستفاد من ذلك دخول المرافق على ذلك القول، لأن الإسقاط ليس من رءوس الأنامل إجماعا، بل من المناكب، و قد انتهى إلى المرافق، و إذا لم تدخل في الإسقاط بقي داخلا في المأمور بغسله‏ (1).

و يمكن التخلّص من إشكال عوده إلى الغسل بجعل الغاية للمغسول، و هو الأقوى، حيث إنها تطلق على الأكف خاصة، كأيدي التيمم، و على ما زاد، فقبل غسله التعدد بذلك.

و منها: ما لو جعل أجل السلم و نحوه من الأثمان و الأعواض، كمال الإجارة- إلى يوم كذا، أو شهر كذا، فإنه يحل بأول جزء منه، إما بناء على خروج الغاية مطلقا، أو حيث تنفصل بمحسوس، أو لدلالة العرف على خروجها هنا.

لكن يشكل الأول بما لو جعل الأجل إلى شهر مثلا، فإنه لا يتم إلا بآخره قطعا، مع كونه هو الغاية. نعم يتجه الفرق بدلالة العرف فيهما، كما دل على خروج بعض الغايات، و دخول بعض.

و ينضم إلى العرف في الثاني قرينة أخرى، و هي أنه لو لا دخول الغاية فيه لخلا المؤجّل أو المسلم عن الأجل و قد صرّحا به.

و أما ما فرّق بعضهم‏ (2) به بين الأمرين، بأن المعنيّ في المبهم مسمّى المدة، و هو لا يصدق إلا بالمجموع، و المعنيّ في المعين مسمى المعيّن، و هو يصدق بأول جزء منه، ضرورة صدق الشهر- كصفر مثلا- بأول جزء منه، ففيه‏

____________

(1) هذا منقول عن المبسوط كما في فواتح الرحموت 1: 244.

(2) كالعلامة في قواعد الأحكام 1: 137.

428

نظر بيّن؛ لأن المطلق لما حمل على الشهر المتصل مثلا، و هو الهلالي إن اتفق، و إلا فثلاثون يوما، كان مسمى المدة المبهمة هو المجموع المركب من الأيام المخصوصة المتصل بالعقد، فإن صدقت الغاية بأولها ثبت الحكم فيهما، و إنما الفارق العرف.

و منها: ما إذا حلف لا يخرج امرأته إلى العرس، فأخرجها بقصده، و لم تصل إليه، فإنه لا يحنث إن قلنا: إن الغاية داخلة مطلقا، لأن الغاية لم توجد.

و كذا لو خرجت لغير العرس ثم دخلت إليه.

و لو قلنا بخروجها، أو مع انفصالها بمحسوس، أو مع مغايرتها لما سبق جنسا، حنث، لأنها حينئذ ليست داخلة، و قد صدق إخراجها إليه في الأول، أما الثاني فيتجه عدم الحنث مطلقا.

و لو أتى باللام فقال: للعرس، لم يشترط وصولها إليه مطلقا أيضا، بل الشرط أن تخرج له وحده أو مع غيره، لأن التعليل يتحقق.

و منها: لو وكّل رجلا ببيع عين بعشرة إلى يوم الخميس مثلا، ففي دخول الخميس في الأجل ما تقدم. و على خروجها بأحد الأمور لا يدخل هنا، حتى لو دخل يوم الخميس و لم يبعه لم يكن له بيعه حينئذ، لأن الأجل الّذي هو قيد في الموكّل فيه قد فات، و بيعه بالحال خلاف المأذون فيه، و له بيعه قبل الخميس بجزء من الزمان كيف اتفق.

و منها: لو حلف ليقضينّه حقه إلى رأس الشهر، لم يدخل رأس الشهر في اليمين على ما تقدم من الأقوال التي لا تدخل هذه الغاية، بل يجب تقديم القضاء عليه.

قاعدة «154» «في» للظرفية الحقيقية،

كقولك: زيد في الدار؛ و المجازية، كقوله‏

429

تعالى‏ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ‏ (1) فإنه لما كان المصلوب متمكنا على الجذع، كتمكن المظروف من الظرف، عبّر عنه به مجازا. و جعلها بعضهم هنا بمعنى «على» (2).

و الظرفية تكون: زمانية و مكانية، و قد اجتمعا في قوله تعالى:

غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ‏ (3). و من المجازية قوله تعالى‏ وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ (4).

و تأتي أيضا للمصاحبة، نحو ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ‏ (5) فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ‏ (6).

و للتعليل، نحو فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ‏ (7). و لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ‏ (8). و في الحديث: «إن امرأة دخلت النار في هرة ربطتها» (9).

و مرادفة «من» كقوله:

و هل يعمن من كان أحدث عهده‏* * * ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال‏

(10) إذا علمت ذلك فمن فروعه:

وجوب الزكاة في عين النصاب لقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «في خمس من الإبل شاة،

____________

(1) طه: 71.

(2) مغني اللبيب 1: 224.

(3) الروم: 2، 3.

(4) البقرة: 179.

(5) الأعراف: 38.

(6) القصص: 79.

(7) يوسف: 32.

(8) النور: 14.

(9) صحيح البخاري 4: 157 كتاب بدء الخلق، مسند أحمد 2: 507.

(10) هذا البيت لإمرئ القيس و هو في ديوانه: 175.

430

و في أربعين شاة شاة، و في خمسة أوسق زكاة» (1) و نحو ذلك، حملا ل «في» على الظرفية حقيقة أو مجازا.

و يمكن جعلها تعليلية، أي: بسببها، كما يدل عليه اللفظ الأول، فإن الشاة لا تدخل في حقيقة الإبل، و إنما وجبت بسببها.

و فيه احتمال الظرفية المجازية، نظرا إلى القيمة.

و تظهر الفائدة فيما لو تلف النصاب، أو بعضه، بعد الحول، و قبل إمكان أداء الزكاة، فعلى الوجوب في العين يسقط من الزكاة بحسبه.

و منها: ما إذا قال لزوجته و هما بالشام مثلا: أنت طالق في مكة، فإنه يحتمل عدم وقوعه، لأنه الآن غير واقع، و بعده معلّق؛ و وقوعه منجزا (2)،.

لأن المطلقة في بلد مطلقة في باقي البلاد.

و فيه مع احتمال اللفظ الأمرين أنّ حمل الكلام على فائدة أولى من إلغائه، و على الأول هو ملغى. و عند العامة المجوّزين لتعليقه لا تطلّق حتى يدخل مكة، و لهم وجه بوقوعه منجزا لما ذكرناه.

و منها: لو قال الموصي: إن كان في بطنها ذكر فله درهمان، أو أنثى فدرهم، فخرجا معا، فلكل منهما ما عيّن له، لصدق الظرفية في كل منهما.

و لو أتى ب «الّذي» و خرجا معا، بطلت، لأن الموصول وقع صفة للحمل، فكان شرطا لكون مجموع الحمل كذلك، فإذا وجدا معا لم يصدق أن الحمل ذكر، و إن صدق أنّ في بطنها ذكرا، و هذا بخلاف الظرفية. فإنها تصدق‏

____________

(1) الكافي 3: 531 باب صدقة الإبل حديث 1، و ص 534 باب صدقة الغنم حديث 1، الوسائل 6: 74 أبواب زكاة الأنعام باب 2 حديث 6 و باب 6 حديث 1، 3، صحيح مسلم 2: 146 باب زكاة الغنم، سنن ابن ماجة 1: 573 باب صدقة الإبل حديث 1798.

(2) أي: و يحتمل وقوعه منجزا.

431

بكل منهما من غير تناف.

و لو اتفق الحمل ذكرين أو أنثيين، ففي استحقاق كل منهما ما عيّن له، أو اشتراكهما في المعين، أو أحدهما خاصة و يتخير الوارث، أوجه، سبق التنبيه عليها في القسم الأول.

و لو اتفق ذلك مع الإتيان بالموصول بطلت الوصية أيضا لما ذكر.

و منها: لو قال: اشتر لي دارا في البلد الفلاني، فإنه يقتضي شراءها في داخلها؛ و في تناولها للدور المتصلة بها من خارج نظر: من خروجه عن الظرفية، و من كونها ظرفا لها مجازا شائعا.

و مثله ما لو قال اشتر بها، لأنها بمعنى «في» كما سلف، مع احتمال الفرق، و تناول الدور الخارجة المتصلة بها هنا، حملا لها على الإلصاق حقيقة أو مجازا.

و منها: إذا قال: له في هذا العبد ألف، فإن «في» تحتمل الظرفية الحقيقية، و المجازية، و السببية، و المصاحبة، و مرادفة «من» إذ يحتمل أن يكون للمقرّ له من العبد مقدار ألف، بأن يكون قد اشتراه بألفين مثلا، منها ألف للمقرّ له، و الشراء لهما، أو يكون قد أوصى له منه كذلك، أو يكون قد دفع‏ (1) في ثمنه ألفا للمقرّ له، و الشراء للمقر خاصة. و أن يكون قد جنى عليه جناية توجب ذلك، و هو يستحقها. و أن يكون بيد العبد ألف للمقر له، فيرجع إليه في بيانه، و يقبل تفسيره بأنه وزن في شرائه ألفا، و لو في عشره، فيكون شريكا بالنسبة، حيث تحتمل قيمته ذلك عند الشراء.

و مثله ما لو قال اشتر بها، لأنها بمعنى «في» كما سلف، مع احتمال فالثلث، و هكذا.

____________

(1) في «م»: وقع.

432

و بأنه أوصى له بألف من ثمنه، فيباع، و تصرف إليه ألف.

و بكونه مرهونا عنده على ألف، و هذه ترجع إلى الظرفية حقيقة أو مجازا. و قريب منه مرادفة «من» و المصاحبة، و هو فيما عدا الأخير ظاهر.

و فيه: أنّ الدين و إن كان محله الذّمّة، إلا أن له تعلقا بالمرهون، فجازت نسبته إليه على ذلك الوجه لذلك، مع احتمال عدم القبول هنا، لأن محل الدين الذّمّة، و المرهون وثيقة عليه خاصة. و كذا يقبل تفسيره بأرش الجناية، و هو راجع إلى السببية، إلى غير ذلك من الفروض الممكنة.

و منها: لو قال: له درهم في دينار، فيجي‏ء فيه الأقسام السابقة، فيحتمل الشركة فيه بحسبه، و كونه معه فيلزمه دينار و درهم، و كونه لزمه بسببه، بأن يكون قد أدخل عليه نقصا بقدره، و نحو ذلك، فيرجع إليه في البيان، لكن مع تعذره يلزمه هنا درهم في الجملة، بخلاف السابق.

فائدة: الظرفية المستفادة من «في» ظرفية مطلقة،

بمعنى أنه لا إشعار لها بكون المظروف في أول الظرف، أو وسطه، أو آخره، لاشتراك الثلاثة في معناه.

و يتفرع على ذلك:

ما لو وكّله أن يشتري دارا في البلد الفلاني، و قد تقدم.

و ما لو أسلم في شي‏ء على أن يؤديه في يوم كذا، أو باع أو أجّر كذلك، فيتناول‏ (1) جميع أجزاء اليوم، و يقوى البطلان هنا، للجهالة المؤدية إلى النزاع.

و أولى منه ما لو قال: في شهر كذا أو سنة كذا، أو في سنة مثلا، و نحو ذلك؛ بخلاف ما لو قال: مؤجلا إلى يوم كذا، أو شهر كذا، فيحل بأوله، بناء على خروج الغاية، و قد تقدم.

____________

(1) في «د»: تساوى.

433

قاعدة «155» «كاف» التشبيه- كقولك: زيد كالأسد- حرف يدل على مطلق التشبيه،

و يتعين محل ذلك التشبيه بالقرائن، و قد تخرج عن الحرفية إلى الاسمية.

فتستعمل فاعلة، و مفعولة، و مجرورة، و غير ذلك، فتقول: جاءني كالأسد، أي: مثله، و رأيت كالأسد، و مررت بكالأسد، لكن خروجها إلى الاسمية، لا يكون عند سيبويه و المحققين إلا في ضرورة الشعر (1).

كقوله:

يضحكن عن كالبرد المنهّم

بيض ثلاث كنعاج صم

(2) و قال كثير، منهم الأخفش و الفارسي: يجوز في الاختيار (3). فجوّزوا في نحو «زيد كالأسد» أن تكون الكاف في موضع رفع، و الأسد مخفوضا بالإضافة، و يقع مثل هذا في كتب المعربين كثيرا، قال الزمخشري في‏ فَأَنْفُخُ فِيهِ‏ (4): الضمير [راجع‏] (5) للكاف من‏ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أي فأنفخ في ذلك الشي‏ء المماثل فيصير كسائر الطيور (6).

و عكس بعضهم فقال: تكون اسما دائما (7). و في معنى الدلالة على‏

____________

(1) نقله عنهم في مغني اللبيب 1: 238، و شرح التصريح 2: 18.

(2) البيت للعجاج، و صدره‏

بيض ثلاث كنعاج صم

أورده في خزانة الأدب 4: 462.

(3) كما في مغني اللبيب 1: 239.

(4) آل عمران: 43.

(5) أثبتناه من المصدر.

(6) تفسير الكشاف 1: 364.

(7) نقله عن أبي جعفر بن مضاء في همع الهوامع 2: 31.

434

مطلق التشبيه لفظ «مثل» و ما أخذ منها، و كذلك المساواة إذا احتملت أنواعا، و تقع زائدة مؤكدة.

إذا علمت ذلك، فمن فروعه:

ما إذا قال: أحرمت كإحرام زيد، فإنه يصح عند الشيخ‏ (1)- (رحمه اللَّه)- و يصير محرما بنفس ما أحرم به زيد من حج أو عمرة أو تمتع أو قران أو إفراد، لاقتضاء التشبيه ذلك.

قال: و لو لم يعلم ذلك، بأن يهلك زيد قبل العلم بما أحرم به فليتمتع احتياطا للحج و العمرة.

و احتج على جوازه مع تضمنه عدم الجزم في النية بما روي من إحرام أمير المؤمنين (عليه السلام) حين جاء من اليمن كإحرام النبي (صلى اللَّه عليه و آله)، و قال: «إهلالا كإهلال نبيك» و أقرّه النبي (صلى اللَّه عليه و آله)(2).

و ردّه المتأخرون بعدم الجزم، و حملوا الرواية على علمه بما أحرم به النبي (صلى اللَّه عليه و آله)(3).

و أجازه العامة أيضا (4). و فرع عليه بعضهم ما لو قال: كإحرام زيد و عمرو، و كان أحدهما محرما بالحج و الآخر بالعمرة، صار قارنا (5).

و يمكن أن يتفرع على مذهب الشيخ- (رحمه اللَّه)- تخييره هنا بين الحج و العمرة، فإنه حكم في الخلاف‏ (6): بأن من أهلّ بحجتين أو عمرتين أو بالتفريق‏

____________

(1) المبسوط 1: 316.

(2) الكافي 4: 246 باب حج النبي (صلى اللَّه عليه و آله) حديث: 4، التهذيب 5: 456 حديث 1588، الوسائل 8: 152 أبواب أقسام الحج باب 2 حديث 4.

(3) منهم العلامة في المختلف: 264.

(4) المغني لابن قدامة 3: 251.

(5) حكاه في المجموع 8: 230.

(6) الخلاف 2: 383 مسألة 235.

435

انعقد إحرامه بواحدة، و بطلت الأخرى، و أنه لو أحرم و لم يعيّن حجا و لا عمرة كان مخيرا بين الحج و العمرة، أيهما شاء فعل، إذا كان في أشهر الحج، و إن كان في غيرها لم ينعقد إحرامه إلا بالعمرة.

و منها: لو قال الزوج: أنت طالق كالثلج أو كالنار، طلّقت في الحال و لغا التشبيه، كما لو قال: طلاقا حسنا، أو قبيحا، أو باردا، أو حارا، أو أقبح طلاق، أو أحسنه، و نحو ذلك.

و قال بعض العامة: إن قصد التشبيه بالثلج في البياض، و بالنار في الاستضاءة، طلّقت للسنة، و إن قصد بالثلج في البرودة، و بالنار في الحرارة و الإحراق، طلقت في زمن البدعة (1).

و منها: لو قال للزوجة: أنت علي كأمي، و قصد الظهار، قيل: وقع، لاشتمال المشبه به على الظهر و غيره، فيدخل الظهر ضمنا؛ و لقول الصادق (عليه السلام) في رواية سدير حين سأله عن الرّجل يقول لامرأته: أنت عليّ كشعر أمي أو ككفها أو كبطنها أو كرجلها: «ما عنى؟ إن أراد به الظهار فهو الظهار» (2) و هو تنبيه بالأدنى على الأعلى، و الأولوية واضحة (3).

و الأشهر عدم الوقوع بذلك، لأن لفظ الظهر شرط في صحة الظهار بظاهر الآية، لاشتقاقه من الظهر، و صدق المشتق يستلزم صدق المشتق منه، و الرواية ضعيفة (4). و الأولوية ممنوعة.

____________

(1) نقله عنه في التمهيد: 341.

(2) التهذيب 8: 10 باب حكم الظهار حديث 29، الوسائل 15: 517 كتاب الظهار باب 9 حديث 2.

(3) المبسوط 5: 149، المغني لابن قدامة 8: 559.

(4) لوقوع سهل بن زياد في طريقها و هو ضعيف، ضعفه النجاشي في رجاله: 132 و الشيخ في رجاله: 416.

436

و منها: لو قال: لزيد عليّ ألف، و لعمرو عليّ كما لزيد، فيحتمل وجوب الألف، لدلالة التشبيه عليه. و الأقوى الرجوع في تفسير الواجب إليه، لجواز كون التشبيه في أصل الوجوب.

و مثله ما لو أوصى لزيد بشي‏ء، ثم قال: أوصيت لعمرو كما أوصيت لزيد، أو مثل ما أوصيت له به. أما لو قال: بمثل ما أوصيت له به، كان وصية له بمقداره.

و منها: لو قال لعبده: أنت حر مثل هذا العبد، ففي عتق المشبّه خاصة، أو هو و المشبّه به، أو عدم عتقهما، أوجه، أجودها الأخير؛ لأنه جعل حرية المشبّه كالمشبّه به، و الحال أنه ليس بحر، فلم يقع العتق على الأول، لعدم الصيغة الصريحة، و لا على الثاني، لعدم عتقه أصلا؛ و تحمل الحرية في كلامه على حرية الأخلاق و نحوها.

و لو لم يذكر العبد، بل قال: أنت حر مثل هذا، فالأوجه، و أولى بعتق المشبه لو قيل به ثمّ. و الأصح أنهما لا يعتقان أيضا.

و وجه وقوعه على المشبه أن قوله: «حر» و «مثل» خبران مستقلان، و صيغة المشبه تامة في العتق، و إنما القصور في المشبه به، إذ يحتمل أنت مثله في الحرية، فلا يقع، و كون الخبر الثاني صيغة أخرى لعتق الثاني، و ليس في الكلام تصريح بأنه مثله في الحرية، فلا يقع الثاني خاصة. و هذا متجه، إلا أن قيام الاحتمال يوجب الشك في عتق الأول، و عدم التصريح بصيغة صحيحة للثاني يوجب عدم عتقه كذلك.

فائدة: من مثل زيادتها المشهورة قوله تعالى‏ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ (1)

عند

____________

(1) الشورى: 11.

437

الأكثر، و التقدير: ليس شي‏ء مثله، إذ لو لم تقدر زائدة صار التقدير: ليس شي‏ء مثل مثله، فيلزم إثبات المثل؛ و إنما زيدت لتوكيد نفي المثل، لأن زيادة الحرف بمنزلة إعادة الجملة ثانيا، قاله ابن جني‏ (1). و لأنهم إذا بالغوا في نفي الفعل عن أحد قالوا: مثلك لا يفعل كذا، و مرادهم إنما هو النفي عن ذاته، و لكنهم إذا نفوه، عمن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه.

و قيل: الكاف في الآية غير زائدة (2)، ثم اختلفوا فقيل الزائد «مثل» كما زيدت في‏ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ‏ (3). قالوا: و إنما زيدت هنا لتفصل الكاف من الضمير، و قرأ ابن عباس: بما آمنتم به‏ (4).

و قيل: الزائد هو الباء في المفعول المطلق، أي إيمانا مثل إيمانكم به، أي باللّه سبحانه، أو بمحمد، أو بالقرآن‏ (5).

و قيل: «مثل» للقرآن و «ما» للتوراة، أي فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم‏ (6).

و قيل في الآية الأولى: إنّ الكاف و مثلا لا زائد فيهما، ثم اختلفوا فقيل:

مثل بمعنى الذات، و قيل: بمعنى الصفة (7)، و قيل: الكاف اسم مؤكد بمثل‏ (8) كما عكس ذلك من قال:

____________

(1) الخصائص 2: 284. و كذا نقله عنه في مغني اللبيب 1: 238.

(2) جامع البيان لابن جرير الطبري 25: 9.

(3) البقرة: 137.

(4) تفسير التبيان 1: 484.

(5) إملاء ما منّ به الرحمن 1: 39، تفسير التبيان 1: 483.

(6) الكشاف 4: 213.

(7) الكشاف 4: 213- 215.

(8) الكشاف 4: 215.

438

فصيّروا مثل كعصف مأكول‏ (1) و قيل: حرف مؤكد للتشبيه، و وجهه أنك تقول في التشبيه: زيد كعمرو، و زيد مثل عمرو، فإذا أردت المبالغة قلت: زيد كمثل عمرو. و مثله قول الشاعر:

ليس كمثل الفتى زهير* * * خلق يوازيه في الفضائل‏

و يمكن حمله على المعنى الحقيقي، و يلزم منه نفي المثل مطلقا، لأنه إذا انتفى مثل المثل، يلزم انتفاء المثل مطلقا، لأنه لو تحقق المثل في الجملة يلزم أن يكون اللَّه تعالى مثلا لمثله، و التقدير أنّ مثل مثله منتف.

و أما الكاف في الثناء الوارد بعد قراءة التوحيد، و هو قوله: كذلك اللَّه ربي‏ (2). فتحتمل الزيادة أيضا، لأن الموصوف بالصفات المذكورة هو اللَّه لا غيره حتى يشبّه به، و الشي‏ء لا يشبّه بنفسه، لأن المشبّه به لا بد أن يكون أبلغ في وجه الشبه من المشبه، و الشي‏ء لا يكون أبلغ من نفسه. و تحتمل الأصالة، بناء على أنّ المقول ما أمر به النبي (صلى اللَّه عليه و آله) من توحيد اللَّه تعالى، فقارئ السورة لا يكون موحدا بمجرّد قراءتها، و إنما هو تال لما أمر به (صلى اللَّه عليه و آله) في جواب من سأله من المشركين بقولهم: ربك من ذهب أو فضة أو نحاس أو غيرها، فنزل قوله تعالى: قل يا محمد لهم اللَّه أحد- إلى آخره‏ (3)- فإذا قال القارئ: كذلك اللَّه ربي، فقد وحّد. و يمكن جعلها مؤكدة على هذا التقدير أيضا.

____________

(1) و صدره «و لعبت طير بهم أبابيل» نسب سيبويه هذا البيت لحميد الأرقط في كتابه 1: 203.

(2) الكافي 1: 91 باب النية حديث 4، التهذيب 2: 126 حديث 481، توحيد الصدوق: 284- 3، الوسائل 4: 754 أبواب القراءة باب 20 حديث 1، 2.

(3) الدر المنثور 6: 410، تفسير النيشابوري 30: 302.

439

قاعدة «156» اللام المفردة الجارة تقع لمعان تنيف عن العشرين،

و الغرض منها هنا أمور:

أحدها: الاستحقاق، و هي الواقعة بين معنى و ذات، نحو: الحمد لله، و الملك له.

و الثاني: الاختصاص، نحو: الجنة للمؤمنين، و هذا الحصير للمسجد، و المنبر للخطيب، و السرج للدابة، و الجبة للعبد؛ و نحوه‏ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ (1).

و الثالث: الملك، نحو لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ* (2).

و بعضهم يستغني بذكر الاختصاص عن ذكر المعنيين الأخيرين، و يمثّل له بالأمثلة المذكورة أو نحوها.

و رجحه ابن هشام بأن فيه تقليلا للاشتراك، و أنه إذا قيل: هذا المال لزيد و المسجد، لزم القول بأنها للاختصاص، مع كون زيد قابلا للملك، لئلا يلزم استعمال المشترك في معنييه دفعة. و أكثرهم يمنعه‏ (3).

و الرابع: التمليك، كقوله: وهبت لزيد دينارا.

و الخامس: شبه التمليك، نحو جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً* (4).

و السادس: التعليل، كقوله تعالى‏ وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (5) أي من‏

____________

(1) النساء: 11.

(2) النساء: 171.

(3) شرح الكافية للرضي 2: 328.

(4) النحل: 72.

(5) العاديات: 8.

440

أجل حب المال لبخيل، و قوله تعالى‏ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ‏ (1).

إذا تقرر ذلك فيتفرع عليه فروع كثيرة:

منها: الخلاف الواقع في عقر الأمة الزانية بغير إذن مولاها، هل يستحقه مولاها على الواطئ؟ فقيل: لا (2)، لعموم قوله (صلى اللَّه عليه و آله) «لا مهر لبغي». و هذه بغية. و الحق ثبوته، لأنه عوض منفعة مملوكة للغير، مستوفاة بغير إذنه، متقومة بالمال؛ و لا دلالة في الخبر على نفيه من وجهين:

أحدهما: من جهة اللام، فإنه إما للملك، أو الاختصاص، أو الاستحقاق، و الكل منتف عن الأمة، لأنها لا تملك، و لا تستحق، و لا تختص، و إنما المتصف بأحدها مولاها، فلا ينافي ذلك اختصاصه و استحقاقه و ملكه؛ و الخبر إنما يدل على حكم الحرة البغي، لما ذكرناه من قبولها لأحد الثلاثة. و ليس اختصاص الأمة بالمهر على حد اختصاص العبد بالجبة، و الفرس بالسرج، إذ لا تعلّق للأمة به أصلا و لا مطالبة، و لا يجوز أداؤه إليها، و لا مدخل ليدها فيه، بخلاف ما ذكر من الأمثلة.

و الثاني: من جهة قوله «مهر» فإنه مختص بالحرة اصطلاحا، و أما عوض وطء الأمة، فلا يطلق عليه اصطلاحا اسم المهر، و إنما يطلق عليه العقر أو العشر أو نصفه أو نحو ذلك، و من ثم سميت الحرة مهيرة.

و من الفروع الشهيرة: لو تزوجها على أنها بنت مهيرة، فظهرت بنت أمة، و المهيرة فعيلة بمعنى المفعول، أي الممهورة.

و منها: لو قال: له عندي شي‏ء، ثم فسّره بالخمر و الخنزير، فإن كان المقرّ له كافرا يمكن تملكه لهما، قبل التفسير بهما، و إن كان مسلما قيل: لا يقبل،

____________

(1) النحل: 44.

(2) تحرير الأحكام 2: 22، إيضاح الفوائد 3: 141.

441

لإفادة اللام الملك، و المسلم لا يملكهما (1).

و فيه نظر، لإمكان كونها للاختصاص، أي مختصة به، و غايتها أنها مشتركة، فيلحق بالإقرار المجهول، فيرجع في تفسيره إليه حيث يحتمله اللفظ؛ و يمكن اختصاص المسلم بالخمر، بأن يكون محرزا له لأجل التخليل، و كذا الخنزير على بعض الوجوه.

و العلامة حكم في التذكرة (2) بصحة التفسير بهما، محتجا بأنه شي‏ء مما عنده، مع جزمه في القواعد بعدمه، محتجا بلام الملك‏ (3). و ما عللنا به أوضح، خصوصا في الخمر.

و منها: لو قال: له عليّ ألف من ثمن خمر أو خنزير، أو ثمن مبيع هلك قبل قبضه، أو ثمن مبيع فاسد و نحو ذلك لم يقبل، لدلالة اللام على خلاف ما يدعيه أخيرا، فيكون معقبا للإقرار بما ينافيه، فلا يسمع المنافي.

و منها: الخلاف الواقع بين العلماء في وجوب صرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية، أو جواز تخصيص بعضهم، و سببه دعوى دلالة اللام ظاهرا على الملك الموجب للبسط عليهم على السوية، و الاستحقاق كذلك.

و فيه نظر، لأن الحمل على الملك غير لازم، و الاستحقاق و الاختصاص لا يفيدان المطلوب. و من ثمّ ذهب أصحابنا و جماعة من غيرهم‏ (4) إلى أنّ‏

____________

(1) المبسوط 3: 5، شرائع الإسلام 3: 692.

(2) التذكرة 2: 152.

(3) قواعد الأحكام 1: 279.

(4) منهم الشيخ في المبسوط 1: 245، و العلامة في تحرير الأحكام 1: 70، و ابن قدامة في المغني 2: 529، و الزمخشري في الكشاف 2: 282.

442

الآية لبيان المصرف، بمعنى بيان أنّ الصدقة لا تخرج عنهم، بقرينة سياق الآية من دفع عتب من عتب على النبي (صلى اللَّه عليه و آله) في شأنها، و لمزه فيها (1). و لأن في الرقاب ليس فيه ما يقضي الملك، و لا قائل بالفرق.

فائدة: لام الجر أصلها الفتح، و إنما كسرت مع الاسم الظاهر،

نحو لزيد و لعمرو، مناسبة لعملها. و يدل عليه فتحها مع المضمر، نحو لنا و لكم و لهم، و الإضمار يرد الشي‏ء إلى أصله.

و يستثني من ذلك لام المستغاث المباشر لياء مفتوحة، نحو: يا لله.

و أما قراءة بعضهم‏ (2): الحمد لله، بضم اللام، فهو عارض للاتباع. و مع ياء المتكلم فمكسورة.

إذا تقرر ذلك فمن فروعه:

ما إذا ادعى عليه شيئا فقال: ماله عليّ حق، فإن فتح كان منكرا، و إن ضم و كان ممن يحسن العربية لزمه، و إلا فلا.

و لكن هل يلزمه الحق المدعى أم مال في الجملة، و يرجع في تفسيره إليه؟

قال بعضهم بالأول، إما لأنه المحدّث عنه، أو لأن المفرد المضاف يعم، فلا أقل من أن يتناول المدعى.

و يحتمل الثاني، لقيام الاحتمال، و اشتراك اللفظ، و أصالة البراءة من الزائد عما يفسر به.

و مثله ما لو سمع منشدا لمال ضائع فقال له: مالك عندي، فإنه يكون إقرارا بوصوله إليه. و أولى منه ما لو قال: في يدي أو في ذمتي، و نحو ذلك.

____________

(1) تفسير التبيان 5: 242، تفسير الطبري 10: 108، الكشاف 2: 281.

(2) حكاها عن ابن أبي عبلة في مغني اللبيب 1: 274.

443

القسم الثاني: حروف العطف‏

قاعدة «157» واو العطف: تفيد مطلق الجمع، من غير ترتيب، و لا معية، و إن كثر فيها الترتيب.

و قيل عكسه‏ (1).

و مما عطفت فيه الشي‏ء على مصاحبه‏ فَأَنْجَيْناهُ وَ أَصْحابَ السَّفِينَةِ (2) و على سابقه‏ أَرْسَلْنا نُوحاً وَ إِبْراهِيمَ‏ (3) و على لاحقة كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ‏ (4).

و إذا قيل: قام زيد و عمرو، احتمل الثلاثة.

و يجوز أن يكون بين متعاطفيها تقارب و تراخ كما في‏ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (5).

____________

(1) نقله عن ابن مالك و قطرب و ربعي و الفراء في مغني اللبيب 1: 463.

(2) العنكبوت: 15.

(3) الحديد: 26.

(4) الشورى: 3.

(5) القصص: 7.

444

هذا هو المختار عند أكثر المحققين‏ (1) بل ادّعي عليه الإجماع‏ (2).

و ذهب بعض البصريين و جماعة من الكوفيين، منهم الفراء، و نقل عن الأخفش و الكسائي و ثعلب و الربعي و ابن درستويه‏ (3)، و بعض الفقهاء أنها تفيد الترتيب‏ (4).

و قد تخرج عن إفادة مطلق الجمع، و ذلك على أوجه:

أحدها: بمعنى «أو» كقولنا: الكلمة اسم و فعل و حرف، و هي التقسيمية. و بمعناها في الإباحة، ك: جالس الحسن و ابن سيرين. و بمعناها في التخيير نحو:

و قالوا نأت فاختر من الصبر و البكاء

(5) الثاني: بمعنى باء الجر نحو: أنت تعلم و مالك، أي بمالك.

و الثالث: بمعنى لام التعليل مثل‏ يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ‏ (6).

و الرابع: بمعنى واو الاستئناف نحو: لا تأكل السمك و تشرب اللبن، فيمن رفع. و الخامس: بمعنى واو المفعول معه، ك: سرت و النيل.

و السادس: واو القسم، و لا تدخل إلا على مظهر، و لا تتعلق إلا بمحذوف نحو وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ‏ (7)، فإن تلتها واو أخرى فالثانية للعطف، و إلا لاحتاج كل إلى جواب نحو وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ‏ (8).

____________

(1) منهم الآمدي في الإحكام 1: 96، و الرازي في المحصول 1: 160، شرح الكافية 2: 336.

(2) نقله عن السيرافي في المغني 1: 464، و عن الفارسي في التمهيد: 209، و المحصول 1: 160.

(3) المغني لابن هشام 1: 464، التمهيد للأسنوي: 209.

(4) الناقل هو الماوردي في الحاوي كما في التمهيد: 209.

(5) قائله كثير عزة، و هو في ديوانه 2: 251.

(6) الأنعام: 27.

(7) يس: 2.

(8) التين: 1.

445

و السابع: واو ربّ، و لا تدخل إلا على منكر.

و الثامن: الزائدة، مثل‏ حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها (1).

و التاسع: واو الثمانية، مثل‏ سَبْعَةٌ وَ ثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ‏ (2).

و العاشر: واو الوقت، و تقرب من واو الحال، مثل: اعمل و أنت صحيح، و واو الحال مثل: أتيته و الشمس طالعة.

ذكر نحو ذلك في القاموس، و زاد في معانيها إلى نحو من سبعة و عشرين معنى‏ (3)، ذكرنا منها ما يناسب المقام. و أنكر في المغني واو الثمانية غاية الإنكار (4).

و معنى قولهم: الواو لمطلق الجمع: أنه يجمع بها بين أمرين في ثبوت، نحو: ضرب زيد و أكرم عمرو، و في حكم، نحو: ضرب زيد و عمرو، و في ذات، نحو: ضرب و أكرم زيدا.

إذا علمت ذلك فالظاهر عند الإطلاق و التجرّد عن القرائن الدالة على أحدها حملها على الجمع مطلقا، كما قررناه، لمبادرة الذهن إليه عند إطلاق قولك: جاء زيد و عمرو، و أكرمت خالدا و بكرا، و نحو ذلك.

و يتفرّع عليه أمور:

منها: ما لو قال: بعتك الدار و الثوب بكذا، فإنه يحمل على بيع الاثنين معا، دون أحدهما، و غيره، مما يحتمله اللفظ من معانيها، و يوزع الثمن عليهما بنسبة القيمتين. و كذا لو قال: بعتك الدار بألف درهم و مائة دينار، و نحو ذلك.

و منها: لو قال: وكلتك في بيع الدار و الثوب، أو في شرائهما، فيصح له‏

____________

(1) الزمر: 73.

(2) الكهف: 22.

(3) القاموس المحيط 4: 416.

(4) مغني اللبيب 1: 474.

446

بيع كل واحد منهما، و بيعهما معا، و شراؤهما كذلك، على الجمع و التفريق، مقدما لكل منهما.

و منها: لو قال لزوجته: إن دخلت الدار و كلمت زيدا، فأنت عليّ كظهر أمي، فلا بدّ من اجتماع الشرطين، و لا فرق بين أن يتقدم الكلام على الدخول، أو يتأخر عنه. و يجي‏ء على القول بإفادتها الترتيب اشتراط تقدّم المذكور أولا.

و منها: إذا أوصى في مرض موته بعتق سالم و غانم، و ضاق الثلث عنهما، فإن جعلنا الواو للترتيب، فلا إشكال في تقديم الأول، و إلا احتمل تساويهما، فيعتق من كل منهما بحساب ما يخصّه من الثلث، و الأقوى تقديم الأول مطلقا.

و منها: إذا قال لوكيله خذ مالي من زوجتي و طلّقها، فعلى الترتيب لا بد من أخذ المال منها قبل الطلاق. و إلا فوجهان، من عدم اقتضاء الصيغة ترتيبا، و من أنه هنا احتياط، لاحتمال إنكارها بعد الطلاق، و الاحتياط في مال الموكّل واجب على الوكيل، إذا لم يكن في لفظ الموكل ما ينفيه.

و لو قال: طلّقها و خذ مالي منها، لم يشترط تقديم الأخذ، مع احتماله للاحتياط، و في وجوبه مطلقا نظر. و العمل بمقتضى دلالة اللفظ حيث لا يدل العرف على خلافه قوي.

و منها: لو قال: خذ هذا وديعة يوما، و عارية يوما، قيل: هو وديعة في اليوم الأول و عارية في اليوم الثاني، ثم لا يعود وديعة أبدا، لتعليق الوديعة في اليوم الثالث على شرط فتبطل.

بخلاف ما إذا قال: خذه وديعة يوما و غير وديعة يوما، فإنه يكون وديعة أبدا، كذا نقله العلامة في التذكرة عن الشافعية، و حكم بموجبة (1). و تنزيله على القاعدة مشكل.

____________

(1) التذكرة 2: 199، و هو في التمهيد: 211.

447

فائدة: ذكر جماعة من النحاة منهم ابن مالك في شرح التسهيل في الكلام على تثنية المشترك و جمعه:

أنّ واو العطف بمثابة ألف التثنية مع الاثنين، و بمثابة واو الجمع مع الثلاثة فصاعدا، حتى يكون قول القائل: قام الزيدان كقوله: قام زيد و زيد.

و يتفرع على ذلك أمور:

منها: ما لو قال: بعتك هذا و هذا بكذا، فإنه لا فرق بينه و بين قولك:

بعتك هذين بكذا. و كذا غيره من العقود، كرهنتك، أو أجّرتك، أو أقرضتك هذا و هذا؛ و كذلك الفسوخ.

و يشكل ذلك بما مر من وصية المريض بعتق سالم و غانم، حيث حكموا بعتق الأول خاصة حيث يضيق الثلث عنهما، بخلاف ما لو قال: أعتقوا هذين، أو أعتقهما منجزا كذلك، فإنه يقرع بينهما، أو يتحرر من كل واحد جزء.

و كذا يشكل بما لو قال: أنت طالق و طالق و طالق، فإنها تطلق واحدة عندنا (1)، و يلغو الزائد، و يقع الجميع عند العامة (2)؛ بخلاف ما لو قال: أنت طالقتان، أو طوالق، فإنه لا يقع عندنا، لمخالفته الصيغة المنقولة شرعا (3).

و عندهم يقع واحدة خاصة (4).

و منها: لو قال: له علي درهم و درهم و درهم، فيلزمه ثلاثة لما ذكر، إلا أن يقول: أردت بالثالث تأكيد الثاني، فيقبل، و يلزمه درهمان. و لو قال:

أردت بالثاني تأكيد الأول لم يقبل، لأن التأكيد اللفظي يشترط فيه اتحاد اللفظ،

____________

(1) المبسوط للشيخ الطوسي 5: 58، مختلف الشيعة: 586.

(2) المبسوط للسرخسي 6: 133، المغني لابن قدامة 8: 401، شرح فتح القدير 3: 392.

(3) المختلف: 586.

(4) نهاية المحتاج 6: 426، التمهيد للأسنوي: 213، و نقله عن القفال.

448

و الثاني و الثالث متفقان فيه، بخلاف الأول.

و لو قال: له عليّ درهم و درهم و درهم إلا درهما، ففيه وجهان، أحدهما: أنا نجمع هذا المفرق و يصح الاستثناء، فكأنه قال: عليّ ثلاثة دراهم إلا درهما.

و الثاني: أن الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة، فيبطل الاستثناء. لكونه مستغرقا. و هذا مما تخالف فيه واو العطف ألف التثنية و واو الجمع، فإنه لو قال:

له درهمان إلا درهما، صح قولا واحدا، إلا عند من لا يجوّز استثناء المساوي و الأكثر.

و يأتي الخلاف فيما إذا كان المستثنى منه مجموعا و الاستثناء مفرغا، كقوله: له عليّ ثلاثة إلا درهمان و درهم. فإن جمعنا أبطلنا، لصيرورته مستغرقا؛ و إن لم نجمع صححنا الاستثناء في درهمين و أبطلناه في الثالث، لحصول الاستغراق.

و مثله ما لو قال: له درهمان و درهمان إلا درهمين، أو ثلاثة و درهمان إلا درهمين، أو ثلاثة و ثلاثة إلا ثلاثة، و نحو ذلك، و هذا كله يخالف القاعدة.

و منها: لو قال: بعتك بدرهم و درهم، صحّ البيع بدرهمين، لأنه في معناه، كما لو قال بدرهم و ثوب مخصوص، و نحو ذلك.

و منها: لو أكرهه على طلاق حفصة مثلا، فقال لها و لعمرة: أنتما طالقتان، فقيل: إنهما تطلّقان، لأنه عدل عن المكره عليه، فأشعر بالاختيار.

بخلاف ما لو قال: حفصة طالق و عمرة طالق، فإن المكره عليها لا تطلّق، و تطلّق الأخرى.

و يحتمل وقوع الطلاق بهما في الصورتين، للعدول عن الوجه المكره عليه، كما لو أكرهه على طلاق حفصة، و طلّق عمرة، فعلى الأول يخالف القاعدة، و على الاحتمال لا.

449

فائدة: الواو العاطفة يجوز حذفها إذا دلّ عليها دليل،

على ما ذكره جماعة (1)، منهم الفارسي و ابن عصفور و ابن مالك. و استدلوا بقول العرب: أكلت لحما سمكا تمرا، و خرّجوا عليه قوله تعالى في سورة الغاشية وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ثم قال‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (2). أي و وجوه، و ذهب ابن جني و السهيلي إلى منع ذلك في غير الشعر (3).

إذا عرفت ذلك فيتفرع عليه:

ما إذا قال مثلا: بعتك عبدي سالما غانما بألف، أو زوجتك بنت عمّي فلان بنت خالتي فلانة، و نحو ذلك من العقود، مريدا العطف، فإنه يصح. و لو كان العقد مما يستقل به الشخص كالوقف و العتق و الطلاق اتجه الرجوع إليه فيه.

قاعدة «158» الفاء العاطفة تفيد ثلاثة أمور:

أحدها: الترتيب المعنوي،

ك: قام زيد فعمرو؛ أو الذكري، فهو عطف مفصل على مجمل، نحو فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ‏ (4) فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى‏ أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً (5) وَ نادى‏ نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي‏ (6) و نحو: «توضأ فغسل وجهه‏

____________

(1) نقله عن سعيد بن أوس الأنصاري و الأخفش الأوسط في مغني اللبيب 2: 831.

(2) الغاشية: 2.

(3) أمالي السهيلي: 103.

(4) البقرة: 36.

(5) النساء: 151.

(6) هود: 45.

450

و يديه و مسح رأسه و رجليه».

و قال الفراء: لا تفيد الترتيب مطلقا (1). و هذا مع قوله السابق: إن الواو تفيد الترتيب، غريب. و احتج بقوله تعالى‏ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ‏ (2).

و أجيب بأن المعنى: أردنا إهلاكها، كقوله تعالى‏ فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ- إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا (3) أو أنها للترتيب الذكري‏ (4).

و قال الجرمي‏ (5): لا تفيد الترتيب في البقاع و لا في الأمطار، بدليل قوله: بين الدخول فحومل‏ (6).

و قولهم: مطرنا مكان كذا فمكان كذا، و إن كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد.

و ثانيها: التعقيب،

و هو في كل شي‏ء بحسبه، فيقال: تزوّج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل و إن طالت؛ و دخلت البصرة فبغداد، إذا لم يقم في البصرة، و لا بين البلدين.

و منه قوله تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً (7).

____________

(1) معاني القرآن 1: 371.

(2) الأعراف: 4.

(3) النحل: 98، المائدة: 6.

(4) نقل قول الفراء و الجواب عنه في مغني اللبيب 1: 214.

(5) نقله عنه في مغني اللبيب 1: 214.

(6) جاء هذا في مطلع معلقة إمرئ القيس و تمامه «قفا نبك من ذكري حبيب و منزل بسقط اللوى.». انظر ديوان إمرئ القيس: 143، و شرح الزوزني: 79. و سقط اللوى و الدخول و حومل أسماء مواضع.

(7) الحج: 63.

451

و قيل: الفاء هنا للسببية، و هي لا تستلزم التعقيب، بدليل صحة قولك:

إن يسلم فهو يدخل الجنة، مع ما بينهما من المهلة (1).

و قيل: تقع الفاء بمعنى «ثم» كما في قوله تعالى‏ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً (2) لتراخي ما بين معطوفاتها.

و بمعنى الواو، كقوله: بين الدخول فحومل‏ (3).

و ثالثها: السببية،

و ذلك غالب في العاطفة جملة أو صفة (4). فالأوّل نحو فَوَكَزَهُ مُوسى‏ فَقَضى‏ عَلَيْهِ‏- فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ‏ (5). و الثاني نحو لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ‏ (6).

و قد تجي‏ء في ذلك‏ (7) لمجرد الترتيب، نحو فَراغَ إِلى‏ أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ‏- لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ‏ (8).

إذا عرفت ذلك فيتفرع عليه أمور:

منها: إذا قال: إن دخلت الدار فكلّمت زيدا فأنت عليّ كظهر أمي، اشترط تقديم الدخول على الكلام. و في اشتراط اقترانه بالكلام، أم يكفي تراخيه، وجهان مرتبان، و الأجود عدم اشتراطه.

و منها: إذا قال: بعتك بدرهم فدرهم، انعقد البيع بدرهمين، كما لو

____________

(1) القاموس المحيط 4: 412. (الفاء)

(2) المؤمنون: 14.

(3) القاموس المحيط 4: 412. (الفاء)

(4) في «د»، «م»: صلة.

(5) القصص: 15، البقرة: 37.

(6) الواقعة: 53- 55.

(7) في «د»: و قد يجي‏ء ذلك.

(8) الذاريات: 26، ق: 22.

452

عطف بالواو. و يحتمل هنا عدم الانعقاد، لاقتضاء الفاء كون السابق ثابتا قبل اللاحق، و الثمن يثبت جملة. و يضعف بالحمل على التعقيب الذكري خاصة.

و منها لو قال: له عليّ درهم فدرهم، فإنه يلزمه درهمان، حملا على الغالب من العطف. و لو قال: أردت فدرهم لازم، قبل بيمينه لو خالفه المقرّ له.

و قيل: يلزمه واحد مطلقا، لأن احتمال إرادة ذلك يوجب سقوط الجزم بالإقرار بالدرهم الثاني، إلا أن يصرّح بإرادة العطف المغاير، و الأول أقوى.

فائدة: ظاهر كلام النحاة- و به صرّح ابن مالك في التسهيل‏ (1) و غيره‏ (2)- أن الفاء الداخلة على خبر المبتدأ

كقولك: الّذي يأتيني فله درهم، أو كل رجل يأتيني فله درهم، و ما أشبه ذلك مشعر باستحقاق ذلك بالإتيان، بخلاف حذفها، فإن الكلام حينئذ يدل على مجرد الإخبار من غير استناد إلى الإتيان، و كذلك إذا وقعت بعد «من» شرطية كانت أم موصولة.

إذا علمت ذلك فيتفرع عليه:

عدم استحقاق الجعل في هذه الحالة، إذا صدر ذلك من المالك بغير الفاء، و كلام الأصحاب يشعر بذلك أيضا، فإنهم ضبطوا الإيجاب بقولهم في الصيغة الدالة على الإذن في العمل بعوض يلتزمه. و قد ذكر أهل اللسان أن حذف حرف الفاء لا يدل على الالتزام، و لما مثلوه قرنوه بالفاء، فدل على ما قلناه.

و يحتمل الاجتزاء به، خصوصا إذا دلّ العرف عليه، لأن الجعالة من العقود الجائزة، التي يكفي في ثبوتها ما دل من الألفاظ عليها عرفا، و إن لم يكن على النهج العربي، و هذا متجه.

____________

(1) التسهيل: 51.

(2) مغني اللبيب 1: 219.

453

فائدة فاء الجزاء كقولك: من يقم فإني أكرمه، هل تدل على التعقيب، كما تدل عليه لو كانت لمجرد العطف،

فيه مذهبان.

و من فوائد الخلاف: استتابة المرتد، فإنه (صلى اللَّه عليه و آله) قال: «من بدّل دينه فاقتلوه» (1). فإن جعلناها للتعقيب كانت دليلا على عدم الوجوب، و إلا فلا، و هذا الخلاف يجري بين العامة، نظرا إلى مجرد الحديث، و أما عندنا فالمروي استتابة الملّي دون الفطري‏ (2).

قاعدة «159» «ثمّ» من حروف العطف، و يجوز إبدال ثائها فاء،

كقولهم في جدث:

جدف‏ (3)، و أن تلحق آخرها تاء التأنيث، متحركة تارة، ساكنة أخرى. و هي تفيد الترتيب لكن بمهلة، و قد تستعمل أيضا للترتيب بلا مهلة كالفاء. و قال الفراء و الأخفش و قطرب: إنها لا تدل على الترتيب بالكلية (4).

و الحاصل أنها تقتضي على المشهور ثلاثة أمور: التشريك في الحكم، و الترتيب، و المهلة. و في كل منها خلاف.

فأما التشريك: فزعم الأخفش و الكوفيون أنها تقع زائدة، فلا تكون عاطفة البتة، و حملوا على ذلك قوله تعالى:

____________

(1) صحيح البخاري 4: 74 باب لا يعذّب بعذاب اللَّه، سنن النسائي 7: 104 كتاب تحريم الدم، سنن ابن ماجة 2: 848 باب المرتد حديث 2535.

(2) الوسائل 18: 545 أبواب حد المرتد باب 1 حديث 2، 3، 5.

(3) لاحظ المصباح المنير: 92، (جدث) و جعلها لغة نجد.

(4) نقله في التمهيد: 216.

454

حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ‏- إلى قوله- ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ‏ (1). و أجيب بتخريجها على تقدير الجواب‏ (2).

و أما الترتيب: فخالف فيه من ذكر، تمسكا بقوله تعالى‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها (3) وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ‏- ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ‏ (4) ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ‏ (5). و قول الشاعر:

إن من ساد ثم ساد أبوه‏* * * ثم قد ساد قبل ذلك جده‏

قل لمن ساد ثم ساد أبوه‏* * * قبله ثم قبل ذلك جده‏

(6) و أجيب عن الآية: بأنّ العطف على محذوف، أي: من نفس واحدة، أنشأها ثم جعل منها زوجها، أو أن الذرية محمولة في ظهر آدم كالذر، ثم خلقت حواء من قصيراه أو أن خلق حواء من آدم لما لم تجر العادة بمثله، جي‏ء بثم، إيذانا بترتبه و تراخيه في الإعجاب، و ظهور القدرة، لا لترتيب الزمان و تراخيه؛ أو إنه لترتيب الإخبار كما يقول: أعجبني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب، أي: أخبرك أنّ الّذي صنعت أمس أعجب.

و الأجوبة السابقة أنفع من هذا، لأنها تصحح (الترتيب و المهلة، و هذا يصحح) (7) الترتيب فقط، إذ لا تراخي بين الإخبارين، و لكن‏ (8) الجواب‏

____________

(1) التوبة: 118.

(2) نقل زعم الأخفش و الكوفيين و الجواب عن حملهم في مغني اللبيب 1: 158.

(3) الزمر: 6.

(4) السجدة: 7- 9.

(5) الأنعام: 153.

(6) البيت لأبي نواس «الحسن بن هاني» و الموجود في ديوانه: 493:

قل لمن ساد ثم ساد أبوه‏* * * قبله ثم قبل ذلك جده‏

(7) ما بين القوسين ليس في «م».

(8) في «م»: و كذا.

455

الأخير أعم، لأنه يصح أن يجاب به عن الآية الأخيرة و البيت‏ (1).

و أجيب عن الآية الثانية أيضا: بأن «سوّاه» عطف على الجملة الأولى لا الثانية. و عن البيت: بأن السؤدد، قد يأتي للأعلى من الأدنى‏ (2) كما قيل:

و كم أب قد علا بابن ذرى حسب‏* * * كما علت برسول اللَّه عدنان‏

(3) و أما المهلة: فزعم الفراء أنها تتخلف، للآية الأخيرة، و قولهم: أعجبني إلى آخره‏ (4). و قد تقدمكم جوابه.

إذا عرفت ذلك فيتفرع عليه أمور:

منها: إذا قال لوكيله: بع هذا ثم هذا، و نحو ذلك.

و منها: في الوقف، إذا قال: وقفت على زيد ثم عمرو، أو قال:

أوصيت إلى زيد ثم عمرو، فلا بدّ من الترتيب.

و قياس كونها للانفصال: أن لا يصح تصرّف الوكيل و الوصي متصلا بولاية الأول، و أن يكون الوقف منقطعا في لحظة، و يشكل على القول ببطلان المنقطع. و الأولى حمل «ثم» هنا على معنى الفاء، كما تقدم في عكسه‏ (5).

و منها: لو قال لوكيله: طلّق زوجتي ثم خذ مالي منها، و قد قال بعضهم هنا: إنه يجوز تقديم أخذ المال، لأنه زيادة خير، خلاف القاعدة (6).

و فيه نظر، لأنه ممنوع من القبض قبل ذلك، و زيادة الخير إنما تسوغ للوكيل إذا لم يصرح الموكّل بخلافه، كما لو قال: بعه بمائة، و لا تبعه بزيادة

____________

(1) مغني اللبيب 1: 159.

(2) نقله عن ابن عصفور في مغني اللبيب 1: 160.

(3) القائل هو ابن الرومي، و هو علي بن العباس بن جريج (283 ه) شاعر كثير الهجاء و التشاؤم، نقله في المغني 1: 160.

(4) نقله عنه في المغني 1: 160.

(5) ص 451، قاعدة 158.

(6) نقله عن الرافعي في التمهيد: 217.

456

عليها، فإنه لا يبيع بذلك، و إن كان فيه زيادة خير.

نعم لو استفيد ذلك من القرائن العرفية أمكن الرجوع إليه لذلك، لكنه بعيد.

و منها: ما لو قال لعبده: إن صمت يوما ثم يوما آخر فأنت حر، على جهة النذر، فمقتضى القاعدة: أنه لا يكفي اليوم الّذي بعد الأول، لأنه متصل به، إذ الليل لا يقبل الصوم، فلا بدّ من الفصل بيوم، لتتميز «ثم» عن «الواو» و يحتمل الاكتفاء بذلك، لصدق الانفصال في الجملة.

قاعدة «160» «أو» حرف عطف،

و يقع لمعان:

منها: التخيير، و هي الواقعة بعد الطلب، و قبل ما يمتنع فيه الجمع، نحو: تزوج هندا أو أختها، و خذ من مالي درهما أو دينارا.

و منها: الإباحة، و هي الواقعة بعد الطلب، و قبل ما يجوز فيه الجمع، نحو: جالس العلماء أو الزهاد، و تعلّم الفقه أو النحو.

و إذا دخلت «لا» الناهية امتنع فعل الجميع نحو وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (1) إذ المعنى، لا تفعل أحدهما. و كذا حكم النهي الداخل على التخيير، كذا قاله في الارتشاف و المغني‏ (2). و قال ابن كيسان: لا يلزم ذلك، بل يحتمل الجميع و البعض.

إذا علمت ذلك، فمن فروعه:

ما إذا قال: و اللَّه لا أدخل هذه الدار أو هذه، فأيتهما دخل حنث على‏

____________

(1) الإنسان: 24.

(2) المغني 1: 88.