مجمع البيان في تفسير القرآن - ج10

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
870 /
477

(1) - و حجة من قال «وَ كُتُبِهِ» أنه في موضع جمع أ لا ترى أنها قد صدقت بجميع كتب الله تعالى و من قال و كتابه أراد الكثرة و الشياع و قد يجي‏ء ذلك في الأسماء المضافة كما يجي‏ء في الأسماء المفردة كما قال‏ «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا» .

الإعراب‏

«وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» مبتدأ نورهم مبتدأ ثاني و «يَسْعى‏ََ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» في موضع الخبر و الجملة خبر المبتدأ الأول و قوله «اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ » تقديره مثل امرأة فرعون فحذف المضاف و هو بدل من قوله مثلا.

المعنى‏

لما أدب سبحانه نساء النبي ص أمر عقبيه المؤمنين بتأديب نسائهم‏فقال مخاطبا لهم «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا قُوا» أي احفظوا و احرسوا و امنعوا «أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نََاراً» و المعنى قوا أنفسكم و أهليكم النار بالصبر على طاعة الله و عن معصيته و عن اتباع الشهوات و قوا أهليكم النار بدعائهم إلى الطاعة و تعليمهم الفرائض و نهيهم عن القبائح و حثهم على أفعال الخير و قال مقاتل بن حيان و هو أن يؤدب الرجل المسلم نفسه و أهله و يعلمهم الخير و ينهاهم عن الشر فذلك حق على المسلم أن يفعل بنفسه و أهله و عبيده و إمائه في تأديبهم و تعليمهم ثم وصف سبحانه النار التي حذرهم منها فقال «وَقُودُهَا اَلنََّاسُ وَ اَلْحِجََارَةُ» أي حطب تلك النار الناس و حجارة الكبريت و هي تزيد في قوة النار و قد مر تفسيره «عَلَيْهََا مَلاََئِكَةٌ غِلاََظٌ شِدََادٌ» أي غلاظ القلوب لا يرحمون أهل النار أقوياء يعني الزبانية التسعة عشر و أعوانهم «لاََ يَعْصُونَ اَللََّهَ مََا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مََا يُؤْمَرُونَ» و في هذا دلالة على أن الملائكة الموكلين بالنار معصومون عن القبائح لا يخالفون الله في أوامره و نواهيه‏و قال الجبائي إنما عنى أنهم لا يعصونه و يفعلون ما يأمرهم به في دار الدنيا لأن الآخرة ليست بدار تكليف و إنما هي دار جزاء و إنما أمرهم الله تعالى بتعذيب أهل النار على وجه الثواب لهم بأن جعل سرورهم و لذاتهم في تعذيب أهل النار كما جعل سرور المؤمنين و لذاتهم في الجنة ثم حكى سبحانه ما يقال للكفار يوم القيامة فقال‏} «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاََ تَعْتَذِرُوا اَلْيَوْمَ» و ذلك أنهم إذا عذبوا يأخذون في الاعتذار فلا يلتفت إلى معاذيرهم و يقال لهم لا تعتذروا اليوم فهذا جزاء فعلكم و ذلك قوله «إِنَّمََا تُجْزَوْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ثم عاد سبحانه إلى خطاب المؤمنين في دار التكليف فقال‏} «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اَللََّهِ» من معاصيه و ارجعوا إلى طاعته «تَوْبَةً نَصُوحاً» أي خالصة لوجه الله‏

و روى عكرمة عن ابن عباس قال قال معاذ بن جبل يا رسول الله ما التوبة النصوح قال أن يتوب التائب ثم لا يرجع في ذنب‏كما لا يعود اللبن إلى الضرع‏

و قال ابن مسعود التوبة النصوح هي التي تكفر كل‏

478

(1) - سيئة و هو في القرآن ثم تلا هذه الآية و قيل أن التوبة النصوح هي التي يناصح الإنسان فيها نفسه بإخلاص الندم مع العزم على أن لا يعود إلى مثله في القبح و قيل هي أن يكون العبد نادما على ما مضى مجمعا على أن لا يعود فيه عن الحسن و قيل هي الصادقة الناصحة عن قتادة و قيل هي أن يستغفر باللسان و يندم بالقلب و يمسك بالبدن عن الكلبي و قيل هي التوبة المقبولة و لا تقبل ما لم يكن فيها ثلاث خوف أن لا تقبل و رجاء أن تقبل و إدمان الطاعة عن سعيد بن جبير و قيل هي أن يكون الذنب نصب عينيه و لا يزال كأنه ينظر إليه و قيل هي من النصح و هو الخياطة لأن العصيان يخرق الدين و التوبة ترقعه‏و قيل لأنها جمعت بينه و بين أولياء الله كما جمع الخياط الثوب و ألصق بعضه ببعض و قيل لأنها أحكمت طاعته و أوثقتها كما أحكم الخياط الثوب و أوثقه «عَسى‏ََ رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ وَ يُدْخِلَكُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ» أي يحطها عنكم و يدخلكم الجنة و عسى من الله واجب ثم قال «يَوْمَ لاََ يُخْزِي اَللََّهُ اَلنَّبِيَّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» أي لا يعذبهم الله بدخول النار و لا يذلهم بذلك بل يعزهم بإدخالهم الجنةو قيل لا يخزي الله النبي أي لا يشوره فيما يريده من الشفاعة بل يشفعه في ذلك «نُورُهُمْ يَسْعى‏ََ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمََانِهِمْ» مفسر في سورة الحديد و

قال أبو عبد الله (ع) يسعى أئمة المؤمنين يوم القيامة بين أيديهم و بأيمانهم حتى ينزلوهم منازلهم في الجنة

«يَقُولُونَ رَبَّنََا» و هو في موضع نصب على الحال تقديره قائلين ربنا «أَتْمِمْ لَنََا نُورَنََا» و قيل أن قوله «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ» مبتدأ و «نُورُهُمْ يَسْعى‏ََ» خبره و «يَقُولُونَ رَبَّنََا أَتْمِمْ لَنََا نُورَنََا» خبر آخر من «اَلَّذِينَ آمَنُوا» و حال منهم و فيه وجه آخر ذكرناه في الإعراب و قيل «أَتْمِمْ لَنََا نُورَنََا» معناه وفقنا للطاعة التي هي سبب النور «وَ اِغْفِرْ لَنََا» أي استر علينا معاصينا و لا تهلكنا بها «إِنَّكَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» من إطفاء نور المنافقين و إثبات نور المؤمنين ثم خاطب سبحانه النبي ص فقال‏} «يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ جََاهِدِ اَلْكُفََّارَ» بالقتال و الحرب «وَ اَلْمُنََافِقِينَ» بالقول الرادع عن القبيح لا بالحرب إلا أن فيه بذل المجهود فلذلك سماه جهادا و

روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قرأ جاهد الكفار بالمنافقين و قال أن رسول الله ص لم يقاتل منافقا قط إنما كان يتألفهم‏

«وَ اُغْلُظْ عَلَيْهِمْ» أي اشدد عليهم من غير محاباة و قيل اشدد عليهم في إقامة الحد عليهم قال الحسن أكثر من يصيب الحدود في ذلك الزمان المنافقون فأمر الله تعالى أن يغلظ عليهم في إقامة الحد «وَ مَأْوََاهُمْ» أي مآل الكفار و المنافقين «جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ» أي المال و المستقر ثم ضرب الله المثل لأزواج النبي حثا لهن على الطاعة و بيانا لهن أن مصاحبة الرسول مع مخالفته لا تنفعهن فقال‏} «ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَ اِمْرَأَتَ لُوطٍ كََانَتََا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبََادِنََا» أي نبيين من أنبيائنا «صََالِحَيْنِ فَخََانَتََاهُمََا» قال ابن عباس

479

(1) - كانت امرأة نوح كافرة تقول للناس أنه مجنون و إذا آمن بنوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به و كانت امرأة لوط تدل على أضيافه فكان ذلك خيانتهما و ما بغت امرأة نبي قط و إنما كانت خيانتهما في الدين و قال السدي كانت خيانتهما أنهما كانتا كافرتين و قيل كانتا منافقتين و قال الضحاك خيانتهما النميمة إذا أوحى الله إليهما أفشتاه إلى المشركين «فَلَمْ يُغْنِيََا عَنْهُمََا مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً» أي و لم يغن نوح و لوط مع نبوتهما عن امرأتيهما من عذاب الله شيئا «وَ قِيلَ» أي و يقال لهما يوم القيامة «اُدْخُلاَ اَلنََّارَ مَعَ اَلدََّاخِلِينَ» و قيل أن اسم امرأة نوح واغلة و اسم امرأة لوط واهلة و قال مقاتل والغة و والهة } «وَ ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ » و هي آسية بنت مزاحم قيل إنها لما عاينت المعجز من عصا موسى و غلبته السحرة أسلمت فلما ظهر لفرعون إيمانها نهاها فأبت فأوتد يديها و رجليها بأربعة أوتاد و ألقاها في الشمس ثم أمر أن يلقى عليها صخرة عظيمة فلما قرب أجلها «قََالَتْ رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي اَلْجَنَّةِ» فرفعها الله تعالى إلى الجنة فهي فيها تأكل و تشرب عن الحسن و ابن كيسان و قيل أنها أبصرت بيتا في الجنة من درة و انتزع الله روحها فألقيت الصخرة على جسدها و ليس فيه روح فلم تجد ألما من عذاب فرعون و قيل أنها كانت تعذب بالشمس‏و إذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة و جعلت ترى بيتها في الجنة عن سلمان «وَ نَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَ عَمَلِهِ» أي دينه و قيل و جماعة عن ابن عباس «وَ نَجِّنِي مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ» من أهل مصر قالوا قطع الله بهذه الآية طمع من ركب المعصية رجاء أن يقطعه صلاح غيره و أخبر أن معصية الغير لا تضر من كان مطيعا قال مقاتل يقول الله سبحانه لعائشة و حفصة لا تكونا بمنزلة امرأة نوح و امرأة لوط في المعصية و كونا بمنزلة امرأة فرعون و مريم و هو قوله‏} «وَ مَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرََانَ اَلَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهََا» أي منعت فرجها من دنس المعصية و عفت عن الحرام و قيل معناه منعت فرجها من الأزواج لم تبتغ زوجا و لا غيره «فَنَفَخْنََا فِيهِ مِنْ رُوحِنََا» أي فنفخ جبرائيل بأمرنا في جيبها من روحنا عن قتادة و قال الفراء كل شق فهو فرج و «أَحْصَنَتْ فَرْجَهََا» منعت جيب درعها من جبرائيل و قيل نفخ جبرائيل في فرجها و خلق الله منه المسيح و هو الظاهر و لذلك ذكره‏و قال في سورة الأنبياء فيها و عاد الضمير إلى التي أحصنت فرجها و قيل معناه خلقنا المسيح في بطنها و نفخنا فيه الروح حتى صار حيا فالضمير في فيه يعود إلى المسيح «وَ صَدَّقَتْ بِكَلِمََاتِ رَبِّهََا» أي بما تكلم الله تعالى و أوحاه إلى أنبيائه و ملائكته و قيل صدقت بوعد الله و وعيده و أمره و نهيه «وَ كُتُبِهِ» أي و صدقت بكتب الله المنزلة على أنبيائه مثل التوراة و الإنجيل و من وحد فالمراد به الإنجيل «وَ كََانَتْ مِنَ اَلْقََانِتِينَ» أي المطيعين لله سبحانه و الدائمين على طاعته و يجوز أن يكون من القنوت في الصلاة و يجوز أن يريد بالقانتين رهطها و عشيرتها الذين كانت مريم

480

(1) - منهم و كانوا أهل بيت صلاح و طاعة و لم يقل من القانتات لتغليب المذكر على المؤنث و

جاءت الرواية عن معاذ بن جبل قال دخل رسول الله ص على خديجة و هي تجود بنفسها فقال أكره ما نزل بك يا خديجة و قد جعل الله في الكره خيرا كثيرا فإذا قدمت على ضراتك فأقرئيهن مني السلام قالت يا رسول الله و من هن قال مريم بنت عمران و آسية بنت مزاحم و حليمة أو كليمة أخت موسى شك الراوي فقالت بالرفاء و البنين‏

و

عن أبي موسى عن النبي ص قال كمل من الرجال كثير و لم يكمل من النساء إلا أربع آسية بنت مزاحم امرأة فرعون و مريم بنت عمران و خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد ص .

481

(1) -

(67) سورة الملك مكية و آياتها ثلاثون (30)

توضيح‏

و

تسمى سورة المنجية لأنها تنجي صاحبها من عذاب القبر و قد ورد به الخبر

و تسمى الواقية لما روي عن النبي ص أنها الواقية من عذاب القبر

و هي مكية.

عدد آيها

إحدى و ثلاثون آية مكي و المدني الأخير و ثلاثون آية في الباقين.

اختلافها

آية واحدة «قَدْ جََاءَنََا نَذِيرٌ» مكي و المدني الأخير.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة تبارك فكأنما أحيا ليلة القدر

و

عن ابن عباس قال قال رسول الله ص وددت أن تبارك الملك في قلب كل مؤمن‏

و

عن أبي هريرة أن رسول الله ص قال أن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل فأخرجته يوم القيامة من النار و أدخلته الجنة و هي سورة تبارك

و عن ابن مسعود قال إذا وضعت الميت في قبره يؤتى من قبل رجليه فيقال له ليس لكم عليه سبيل لأنه قد كان يقوم بسورة الملك ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه ليس لكم عليه سبيل لأنه كان يقرأ بي سورة الملك ثم قال هي الممانعة من عذاب القبر و هي في التوراة سورة الملك من قرأها في ليلة فقد أكثر و أطيب و

روى الحسن بن محبوب عن جميل بن صالح عن سدير الصيرفي عن أبي جعفر (ع) قال سورة الملك هي المانعة تمنع من عذاب القبر و هي مكتوبة في التوراة سورة الملك و من قرأها في ليلة فقد أكثر و أطاب و لم يكتب من الغافلين و إني لأركع بها بعد العشاء الآخرة و أنا جالس و إن الذي كان يقرأها في حياته في يومه و ليلته إذا دخل عليه في قبره ناكر و نكير من قبل رجليه قالت رجلاه لهما ليس لكما إلى ما قبلي سبيل قد كان هذا العبد يقوم علي فيقرأ سورة الملك في كل يوم و ليلةفإذا أتياه من قبل جوفه قال لهما ليس لكما إلى ما

482

(1) - قبلي سبيل كان هذا العبد و قد وعى سورة الملك و إذا أتياه من قبل لسانه قال لهما ليس لكما إلى ما قبلي سبيل قد كان هذا العبد يقرأ في كل يوم و ليلة سورة الملك .

أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ سورة تبارك الذي بيده الملك في المكتوبة قبل أن ينام لم يزل في أمان الله حتى يصبح و في أمانه يوم القيامة حتى يدخل الجنة إن شاء الله.

تفسيرها

لما ختم الله سبحانه تلك السورة بأن الوصلة لا تنفع إلا بالطاعة و أصل الطاعة المعرفة و التصديق بالكلمات الإلهية افتتح هذه السورة بدلائل المعرفة و آيات الربوبية فقال:

القراءة

قرأ حمزة و الكسائي من تفوت بتشديد الواو من غير ألف و هي قراءة الأعمش و الباقون «تَفََاوُتٍ» بالألف.

الحجة

قال أبو الحسن تفاوت أجود لأنهم يقولون تفاوت الأمر و لا يكادون يقولون تفوت الأمرقال و هي أظن لغة قال سيبويه قد يكون فاعل و فعل بمعنى نحو ضاعف و ضعف و تفاعل مطاوع فاعل كما أن تفعل مطاوع فعل فعلى هذا القياس يكون تفاعل و تفعل بمعنى و تفاوت و تفوت بمعنى.

483

(1) -

اللغة

تبارك أصله من البرك و هو ثبوت الطائر على الماء و البركة ثبوت الخير بنمائه و قوله «طِبََاقاً» مصدر طوبقت طباقا فهي مطبق بعضها على بعض عن الزجاج و قيل هو جمع طبق مثل جمل و جمال و التفاوت الاختلاف و الاضطراب و الفطور الشقوق و الصدوع من الفطر و هو الشق الخاسئ الذليل الصاغر و قيل هو البعيد مما يريده منه و قيل للكلب اخسأ و الحسير من الإبل المعيي الذي لا فضل فيه للسير قال:

بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض و أما جلدها فصليب‏

و السعير النار المسعرة و أعتدنا أصله أعددنا أي هيأنا فأبدلت الدال تاء .

الإعراب‏

«اَلَّذِي خَلَقَ» بدل من «اَلَّذِي بِيَدِهِ اَلْمُلْكُ» و يجوز أن يكون خبر مبتدإ محذوف فعلى هذا الوجه يجوز الوقف على ما قبله و على الوجه الأول لا يجوز و قوله «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» تعليق لأن التقدير ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملا و ارتفع أي بالابتداء و إنما لم يعمل فيه ما قبله لأنه على أصل الاستفهام و طباقا نصب على الحال إذا أردنا في سماوات معنى الألف و اللام و إن جعلناها نكرة كان طباقا صفتها و قوله «كَرَّتَيْنِ» منصوب على المصدر أي رجعتين.

المعنى‏

أخبر سبحانه عن عظمته و علو شأنه و كمال قدرته فقال «تَبََارَكَ» أي تعالى و جل عما لا يجوز عليه في ذاته و أفعاله عن أبي مسلم و قيل معناه تعالى بأنه الثابت الذي لم يزل و لا يزال‏و قيل معناه تعاظم بالحق من ثبوت الأشياء به إذ لولاه لبطل كل شي‏ء لأنه لا يصح سواه شي‏ء إلا و هو مقدوره أو مقدور مقدوره الذي هو القدرة و قيل معناه تعالى من جميع البركات منه إلا أن هذا المعنى مضمر في الصفة غير مصرح به و إنما المصرح به أنه تعالى باستحقاق التعظيم «اَلَّذِي بِيَدِهِ اَلْمُلْكُ» و الملك هو اتساع المقدور لمن له السياسة و التدبير و معناه الذي هو المالك و له الملك يؤتيه من يشاء و يتصرف فيه كما يشاء و إنما ذكر اليد تأكيدا و لأن أكثر التصرفات و العطايا باليد «وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» من إنعام و انتقام و قيل معناه أنه قادر على كل شي‏ء يصح أن يكون مقدورا له و هو أخص من قولنا وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ* لأنه لا شي‏ء إلا و يجب أن يعلمه إذ لا شي‏ء إلا و يصح أن يكون معلوما في نفسه و لا يوصف سبحانه بكونه قادرا على ما لا يصح أن يكون مقدورا في نفسه مثل ما تقضي وقته مما لا يبقى‏ثم وصف سبحانه نفسه فقال‏} «اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ» أي خلق الموت‏

484

(1) - للتعبد بالصبر عليه و الحياة للتعبد بالشكر عليها و قيل خلق الموت للاعتبار و الحياة للتزود و قيل إنما قدم ذكر الموت على الحياة لأنه إلى القهر أقرب كما قدم البنات على البنين في قوله‏ «يَهَبُ لِمَنْ يَشََاءُ إِنََاثاً» الآية و قيل إنما قدمه لأنه أقدم فإن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الأموات كالنطفة و التراب ثم اعترضت الحياة «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» أي ليعاملكم معاملة المختبر بالأمر و النهي فيجازي كل عامل بقدر عمله و قيل ليبلوكم أيكم أكثر للموت ذكرا و أحسن له استعدادا و أحسن صبرا على موته و موت غيره و أيكم أكثر امتثالا للأوامر و اجتنابا عن النواهي في حال حياته‏

قال أبو قتادة سألت النبي ص عن قوله تعالى «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» ما عنى به فقال يقول أيكم أحسن عقلا ثم قال أتمكم عقلا و أشدكم لله خوفا و أحسنكم فيما أمر الله به و نهى عنه نظرا و إن كان أقلكم تطوعا

و

عن ابن عمر عن النبي ص أنه تلا قوله تعالى «تَبََارَكَ اَلَّذِي بِيَدِهِ اَلْمُلْكُ» إلى قوله «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» ثم قال أيكم أحسن عقلا و أورع عن محارم الله و أسرع في طاعة الله‏

و عن الحسن أيكم أزهد في الدنيا و أترك لها «وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ» في انتقاله ممن عصاه‏ «اَلْغَفُورُ» لمن تاب إليه أو لمن أراد التفضل عليه بإسقاط عقابه و التكليف إنما يصح بالترغيب و الترهيب لأن معناه تحمل المشقة في الأمر و النهي ثم عاد سبحانه إلى وصف نفسه فقال‏} «اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ» أي أنشأهن و اخترعهن «طِبََاقاً» واحدة فوق الأخرى و قيل أراد بالمطابقة المشابهة أي يشبه بعضها بعضا في الإتقان و الأحكام و الاتساق و الانتظام «مََا تَرى‏ََ فِي خَلْقِ اَلرَّحْمََنِ مِنْ تَفََاوُتٍ» أي اختلاف و تناقض من طريق الحكمة بل ترى أفعاله كلها سواء في الحكمة و إن كانت متفاوتة في الصور و الهيئات يعني في خلق الأشياء على العموم و في هذا دلالة على أن الكفر و المعاصي لا يكون من خلق الله تعالى لكثرة التفاوت في ذلك و قيل معناه ما ترى يا ابن آدم في خلق السماوات من عيب و اعوجاج بل هي مستقيمة مستوية كلها مع عظمها «فَارْجِعِ اَلْبَصَرَ» أي فرد البصر و أدره في خلق الله و استقص في النظر مرة بعد أخرى و التقدير أنظر ثم ارجع النظر في السماء «هَلْ تَرى‏ََ مِنْ فُطُورٍ» أي شقوق و فتوق عن سفيان و قيل من وهن و خلل عن ابن عباس و قتادة } «ثُمَّ اِرْجِعِ اَلْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ» أي ثم كرر النظر مرتين لأن من نظر في الشي‏ء كرة بعد أخرى بأن له ما لم يكن بائنا و قيل معناه أدم النظر و التقدير ارجع البصر مرة بعد أخرى و لا يريد حقيقة التثنية لقوله «وَ هُوَ حَسِيرٌ» و لا يصير حسيرا بمرتين و نظيره قولهم لبيك و سعديك أي إلبابا بعد إلباب و إسعادا بعد إسعاد يعني كلما دعوتني فأنا ذو إجابة بعد إجابة و ذو ثبات بمكاني بعد ثبات من قولهم لب بالمكان و ألب إذا ثبت و أقام و هو نصب على المصدر أي أجيبك إجابة بعد إجابة «يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ

485

(1) - خََاسِئاً» أي يرجع إليك بصرك بعيدا عن نيل المراد ذليلا صاغرا عن ابن عباس كأنه ذل كذلة من طلب شيئا فلم يجده و أبعد عنه‏ «وَ هُوَ حَسِيرٌ» أي كال معي عن قتادة و التحقيق أن بصر هذا الناظر بعد الإعياء يرجع إليه بعيدا عن طلبته خائبا في بغيته ثم أقسم سبحانه فقال «وَ لَقَدْ زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا» لأن هذه اللام هي التي يتلقى بها القسم أي حسنا السماء الدنيا يعني التي هي أدنى إلى الأرض و هي التي يراها الناس «بِمَصََابِيحَ» واحدها مصباح يعني الكواكب سماها المصابيح لإضاءتها و هي السرج «وَ جَعَلْنََاهََا رُجُوماً لِلشَّيََاطِينِ» الذين يسترقون السمع و قيل ينفصل من الكواكب شهب تكون رجوما للشياطين فأما الكواكب أنفسها فليست تزول إلى أن يريد الله تعالى إفناءها عن الجبائي «وَ أَعْتَدْنََا لَهُمْ عَذََابَ اَلسَّعِيرِ» يعني أنا جعلنا مع الكواكب رجوما للشياطين هيأنا لهم و ادخرنا لأجلهم عذاب النار المسعرة المشعلة و في هذا دلالة على أن الشياطين مكلفة.

ـ

القراءة

قرأ أبو جعفر و الكسائي فسحقا بضمتين و الباقون بالتخفيف.

الحجة

سحق و سحق مثل عنق و عنق و طنب و طنب و نحو ذلك و كلاهما حسن.

اللغة

الشهيق صوت تقطيع النفس كالنزع و إذا اشتد لهيب النار سمع منها ذلك الصوت كأنها تطلب الوقود قال رؤبة :

486

(1) -

حشرج في الجوف سحيلا أو شهق # حتى يقال ناهق و ما نهق‏

و قيل إن الشهيق في الصدر و الزفير في الحلق و الفور ارتفاع الشي‏ء بالغليان يقال فارت القدر تفور و منه الفوارة لارتفاعها بالماء ارتفاع الغليان و منه فار الدم من الجرح و فار الماء من الأرض و السحق البعد يقال أسحقهم الله إسحاقا و سحقا أي ألزمهم الله سحقا عن الخير فجاء المصدر على غير لفظه كما قال‏ وَ اَللََّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبََاتاً و تقديره فأسحقهم إسحاقا و أما سحقته سحقا فمعناه باعدته بالتفريق عن حال اجتماعه حتى صار كالغبار .

المعنى‏

لما تقدم وعيد الشياطين الذين دعوا إلى الكفر و الضلال أتبعه سبحانه بذكر الكفار الضلال فقال «وَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذََابُ جَهَنَّمَ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ» أي بئس المال و المرجع و إنما وصف ببئس و هو من صفات الذم و العقاب حسن لما في ذلك من الضرر الذي يجب على كل عاقل أن يتقيه بغاية الجهد و لا يجوز قياسا على ذلك أن يوصف به فاعل العقاب‏لأنه لا يقال بئس الرجل إلا على وجه الذم و وجه الحكمة في فعل العقاب ما فيه من الزجر المتقدم للمكلف و لا يمكن أن يكون مزجورا إلا به و لولاه لكان مغرى بالقبيح‏} «إِذََا أُلْقُوا فِيهََا سَمِعُوا لَهََا شَهِيقاً» أي إذا طرح الكفار في النار سمعوا للنار صوتا فظيعا مثل صوت القدر عند فورانها و غليانها فيعظم بسماع ذلك عذابهم لما يرد على قلوبهم من قوله «وَ هِيَ تَفُورُ» أي تغلي بهم كغلي المرجل‏} «تَكََادُ تَمَيَّزُ» أي تتقطع و تتفرق «مِنَ اَلْغَيْظِ» أي شدة الغضب سمى سبحانه شدة التهاب النار غيظا على الكفار لأن المغتاظ هو المتقطع مما يجد من الألم الباعث على الإيقاع بغيره فحال جهنم كحال المتغيظ «كُلَّمََا أُلْقِيَ فِيهََا» أي كلما طرح في النار «فَوْجٌ» من الكفار «سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهََا أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ» أي تقول لهم الملائكة الموكلون بالنار على وجه التبكيت لهم في صيغة الاستفهام أ لم يجئكم مخوف من جهة الله سبحانه يخوفكم عذاب هذه النار «قََالُوا بَلى‏ََ قَدْ جََاءَنََا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنََا وَ قُلْنََا مََا نَزَّلَ اَللََّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ» أي فيقولون في جوابهم بلى قد جاءنا مخوف فلم نصدقه و كذبناه و لم نقبل منه بل قلنا له ما نزل الله شيئا مما تدعونا إليه و تحذرنا منه فتقول لهم الملائكة «إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ فِي ضَلاََلٍ كَبِيرٍ» أي لستم اليوم إلا في عذاب عظيم و قيل معناه قلنا للرسل ما أنتم إلا في ضلال أي ذهاب عن الصواب كبير في قولكم أنزل الله علينا كتابا «وَ قََالُوا لَوْ كُنََّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ» من النذر ما جاءونا به و دعونا إليه و عملنا بذلك «مََا كُنََّا فِي‏

487

(1) - أَصْحََابِ اَلسَّعِيرِ» و قال الزجاج لو كنا نسمع سمع من يعي و يفكر و نعقل عقل من يميز و ينظر ما كنا من أهل النار و

في الحديث عن ابن عمر أن النبي ص قال إن الرجل ليكون من أهل الجهاد و من أهل الصلاة و الصيام و ممن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و ما يجزي يوم القيامة إلا على قدر عقله‏

و

عن أنس بن مالك قال أثنى قوم على رجل عند رسول الله ص فقال رسول الله ص كيف عقل الرجل قالوا يا رسول الله نخبرك عن اجتهاده في العبادة و أصناف الخير و تسألنا عن عقله فقال إن الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر و إنما يرتفع العباد غدا في الدرجات و ينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم‏

ثم قال سبحانه «فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ» في ذلك الوقت الذي لا ينفعهم فيه الإقرار و الاعتراف و الإقرار مشتق من قر الشي‏ء يقر قرارا إذا ثبت و الاعتراف مأخوذ من المعرفة و الذنب مصدر لا يثنى و لا يجمع و متى جمع فلاختلاف جنسه «فَسُحْقاً لِأَصْحََابِ اَلسَّعِيرِ» هذا دعاء عليهم أي أسحقهم الله و أبعدهم من النجاة سحقا و إذا قيل ما وجه اعترافهم بالذنب مع ما عليهم من الفضيحة به فالجواب أنهم قد علموا حصولهم على الفضيحة اعترفوا أم لم يعترفوا فليس يدعوهم إلى أحد الأمرين إلا مثل ما يدعوهم إلى الآخر في أنه لا فرج فيه فاستوى الأمران عليهم الاعتراف و ترك الاعتراف و الجزع و ترك الجزع.

488

(1) -

القراءة

قرأ ابن كثير النشور و أمنتم و قرأ أبو جعفر و نافع و أبو عمرو و يعقوب بهمزة واحدة ممدودة و هو تحقيق الهمزة الأولى و تخفيف الثانية بأن تجعل بين بين و قرأ الباقون «أَ أَمِنْتُمْ» بهمزتين.

الحجة

أما الأول فهو تخفيف الهمزة الأولى بأن جعلت واوا و هذا في المنفصل نظير قولهم في المتصل التؤدة و جون في جمع جؤنة فأما الهمزة التي هي فاء من قولهم «أَ أَمِنْتُمْ» بعد تخفيف الأولى بقلبها واوا فإنه يجوز فيه التحقيق و التخفيف فإن حقق كان لفظه النشور و أمنتم و إن خفف كان القياس أن تجعل بين بين أعني بين الألف و الهمزة لتحركها بالفتحة و من قال‏

"لا هناك المرتع"

و قلبها ألفا كان القياس أن يقول هنا النشور و أمنتم بقلبها ألفا محضة و سيبويه يجيز هذا القلب في الشعر و غير حال السعة و كان قياس قول أبي عمرو على ما حكاه عنه سيبويه من أنه إذا اجتمع همزتان خفف الأولى منهما دون الثانية أن يقلب الأولى منهما هنا واوا كما فعله ابن كثير فأما الثانية فإن شاء حققها و إن شاء خففها و تخفيفها أن تجعل بين الهمزة و الألف و لعل أبا عمرو ترك هذا القول في هذا الموضع فأخذ فيه بالوجه الآخر و هو تخفيف الثانية منهما إذا التقتا دون الأولى.

اللغة

اللطف من الله الرأفة و الرحمة و الرفق و اللطيف الرفيق بعبادة يقال لطف به يلطف لطفا إذا رفق به و الذلول من المراكب ما لا صعوبة فيه و مناكب الأرض ظهورها و منكب كل شي‏ء أعلاه و أصله الجانب و منه منكب الرجل و الريح النكباء و النشور الحياة بعد الموت يقال نشر الميت ينشر نشورا إذا عاش و أنشره الله أحياه‏قال الأعشى :

489

(1) -

حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميت الناشر

و أصله من النشر ضد الطي و الحاصب الحجارة التي ترمي بها كالحصاء و حصبه بالحصاة يحصبه حصبا إذا رماه بها و يقال للذي يرمي به حاصب أي ذو حصب .

ـ

الإعراب‏

«بِالْغَيْبِ» في موضع نصب على الحال «"أَ لاََ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ"» فيه وجوه (أحدها) أن يكون «مَنْ خَلَقَ» في موضع رفع بأنه فاعل يعلم و التقدير أ لا يعلم من خلق الخلق ضمائر صدورهم (الثاني) أن يكون «مَنْ خَلَقَ» في موضع نصب بأنه مفعول به و تقديره أ لا يعلم الله من خلقه (و الثالث) أن يكون استفهاما في موضع نصب بأنه مفعول و فاعل خلق الضمير المستكن فيه العائد إلى الله تعالى و الأول أصح الوجوه‏ و قوله «أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ اَلْأَرْضَ» في موضع نصب بأنه بدل من في قوله «مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ» و هو بدل الاشتمال «فَإِذََا هِيَ تَمُورُ» إذا ظرف المفاجاة و هو معمول. قوله «هِيَ تَمُورُ» جملة في موضع نصب على الحال من «يَخْسِفَ بِكُمُ اَلْأَرْضَ» و ذو الحال الأرض و «أَنْ يُرْسِلَ» بدل أيضا مثل قوله «أَنْ يَخْسِفَ» و قوله «كَيْفَ نَذِيرِ» مبتدأ و خبر و الخبر مقدم و الجملة متعلقة بقوله «فَسَتَعْلَمُونَ» و التقدير فستعلمون محذور إنذاري أم لا و قوله «فَكَيْفَ كََانَ نَكِيرِ» كيف هنا خبر كان و قوله «وَ يَقْبِضْنَ» معطوف على «صََافََّاتٍ» و إنما عطف الفعل على الاسم و من الأصل المقرر أن الفعل لا يعطف إلا على الفعل كما أن الاسم لا يعطف إلا على الاسم لأنه و إن كان فعلا فهو في موضع الحال فتقديره تقدير اسم فاعل و صافات حال فجاز أن يعطف عليه فكأنه قال صافات و قابضات و قد جاء مثل هذا في الشعر قال:

بات يعشيها بعضب باتر # يعدل في أسوقها و جائر

«أَمَّنْ هََذَا اَلَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ» من هنا استفهام في موضع رفع بالابتداء دخل عليه أم المنقطعة و هذا مبتدأ ثان و الذي خبره و قد وصل بالمبتدإ و الخبر و هو قوله «هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ» و «يَنْصُرُكُمْ» صفة الجند.

490

(1) -

المعنى‏

لما تقدم الوعيد عقبه سبحانه بالوعد فقال «إِنَّ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ» أي يخافون عذاب ربهم باتقاء معاصيه و فعل طاعاته على وجه الاستسرار بذلك لأن الخشية متى كانت بالغيب على ما ذكرنا كانت بعيدة من الرياء خالصة لوجه الله و خشية الله بالغيب تنفع بأن يستحق عليها الثواب و خشيته في الظاهر بترك المعاصي لا يستحق بها الثواب فإذا الخشية بالغيب أفضل لا محالة و قيل بالغيب معناه أنه يخشونه و لم يروه فيؤمنون به خوفا من عذابه و قيل يخافونه حيث لا يراهم مخلوق لأن أكثر ما ترتكب المعاصي إنما ترتكب في حال الخلوة فهم يتركون المعصية لئلا يجعلوا الله سبحانه أهون الناظرين إليهم و لأن من تركها في هذه الحال تركها في حال العلانية أيضا «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» لذنوبهم «وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ» أي عظيم في الآخرة لا فناء له ثم قال سبحانه مهددا للعصاة} «وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذََاتِ اَلصُّدُورِ» يعني أنه عالم بإخلاص المخلص و نفاق المنافق فإن شئتم فأظهروا القول و إن شئتم فأبطنوه فإنه عليم بضمائر القلوب و من علم إضمار القلب علم أسرار القول قال ابن عباس كانوا ينالون من رسول الله ص فيخبره به جبرئيل فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم لكيلا يسمع آل محمد فنزلت الآية} «أَ لاََ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ» قيل في معناه وجوه (أحدها) أ لا يعلم ما في الصدور من خلق الصدور (و ثانيها) أ لا يعلم سر العبد من خلقه أي من خلق العبد فعلى الوجهين يكون «مَنْ خَلَقَ» بمعنى الخالق‏ (و ثالثها) أن يكون من خلق بمعنى المخلوق و المعنى أ لا يعلم الله مخلوقة «وَ هُوَ اَللَّطِيفُ» أي العالم بما لطف و دق و قيل اللطيف بعباده من حيث يدبرهم بألطف التدبير و اللطيف التدبير من يدبر تدبيرا نافذا لا يجفو عن شي‏ء يدبره به و قيل اللطيف من كان فعله في اللطف بحيث لا يهتدي إليه غيره و هو فعيل بمعنى فاعل كالقدير و العليم و قيل هو بمعنى الملطف كالبديع بمعنى المبدع و قيل اللطيف الذي يكلف اليسير و يعطي الكثير «اَلْخَبِيرُ» العالم بالعباد و أعمالهم ثم عدد سبحانه أنواع نعمه ممتنا على عباده بذلك فقال‏} «هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ ذَلُولاً» أي سهلة ساكنة مسخرة تعملون فيها ما تشتهون و قيل ذلولا لم يجعلها بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة و الغلظ و قيل ذلولا موطأة للتصرف فيها و المسير عليها و يمكنكم زراعتها «فَامْشُوا فِي مَنََاكِبِهََا» أي في طرقها و فجاجها عن مجاهد و قيل في جبالها لأن منكب كل شي‏ء أعلاه عن ابن عباس و قتادة ثم إن كان هذا أمر ترغيب فالمراد فامشوا في طاعة الله و إن كان للإباحة فقد أباح المشي فيها لطلب المنافع في التجارات «وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» أي كلوا مما أنبت الله في الأرض و الجبال من الزروع و الأشجار حلالا «وَ إِلَيْهِ اَلنُّشُورُ» أي و إلى حكمه المرجع في القيامة و قيل معناه و إليه الإحياء للمحاسبة فهو مالك النشور و القادر عليه عن الجبائي ثم‏

491

(1) - هدد سبحانه الكفار زاجرا لهم عن ارتكاب معصيته و الجحود لربوبيته فقال‏} «أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ» أي أمنتم عذاب من في السماء سلطانه و أمره و نهيه و تدبيره لا بد أن يكون هذا معناه لاستحالة أن يكون الله جل جلاله في مكان أو في جهة و قيل يعني بقوله «مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ» الملك الموكل بعذاب العصاة «أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ اَلْأَرْضَ» يعني أن يشق الأرض فيغيبكم فيها إذا عصيتموه «فَإِذََا هِيَ تَمُورُ» أي تضطرب و تتحرك‏و المعنى أن الله يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب فوقهم و هم يخسفون فيها حتى تلقيهم إلى أسفل و المور التردد في الذهاب و المجي‏ء مثل الموج } «أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حََاصِباً» أي ريحا ذات حجر كما أرسل على قوم لوط حجارة من السماء و قيل سحابا يحصب عليكم الحجارة «فَسَتَعْلَمُونَ» حينئذ «كَيْفَ نَذِيرِ» أي كيف إنذاري إذا عاينتم العذاب‏} «وَ لَقَدْ كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» رسلي و جحدوا وحدانيتي «فَكَيْفَ كََانَ نَكِيرِ» أي عقوبتي و تغييري ما بهم من النعم و قيل كيف رأيتم إنكاري عليهم بإهلاكهم و استئصالهم ثم نبه سبحانه على قدرته على الخسف و إرسال الحجارة فقال‏} «أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى اَلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صََافََّاتٍ» تصف أجنحتها في الهواء فوق رءوسهم «وَ يَقْبِضْنَ» أجنحتهن بعد البسط و هذا معنى الطيران و هو بسط الجناح و قبضه بعد البسط أي يضربن بأرجلهن و يبسطن أجنحتهن تارة و يقبضن أخرى فالجو للطائر كالماء للسابح‏و قيل معناه أن من الطير ما يضرب بجناحه فيصف و منه ما يمسكه فيدف و منه الصفيف و الدفيف «مََا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اَلرَّحْمََنُ» بتوطئة الهواء لهن و لو لا ذلك لسقطن و في ذلك أعظم دلالة و أوضح برهان و حجة بأن من سخر الهواء هذا التسخير على كل شي‏ء قدير و الصف وضع الأشياء المتوالية على خط مستقيم و القبض جمع الأشياء عن حال البسط و الإمساك اللزوم المانع من السقوط عن علي بن عيسى «إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ بَصِيرٌ» أي بجميع الأشياء عليم‏} «أَمَّنْ هََذَا اَلَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ اَلرَّحْمََنِ» هذا استفهام إنكار أي لا جند لكم ينصركم مني و يمنعكم من عذابي إن أردت عذابكم عن ابن عباس و لفظ الجند موحد و لذلك قال «هََذَا اَلَّذِي» و كأنه سبحانه يقول للكفار بأي قوة تعصونني أ لكم جند يدفع عنكم عذابي بين بذلك أن الأصنام لا يقدرون على نصرتهم «إِنِ اَلْكََافِرُونَ إِلاََّ فِي غُرُورٍ» أي ما الكافرون إلا في غرور من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم و قيل معناه ما هم إلا في أمر لا حقيقة له من عبادة الأوثان يتوهمون أن ذلك ينفعهم و الأمر بخلافه‏} «أَمَّنْ هََذَا اَلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ» أي الذي يرزقكم إن أمسك الله الذي هو رازقكم أسباب رزقه عنكم و هو المطر هاهنا «بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَ نُفُورٍ» أي ليسوا يعتبرون فينظرون بل تمادوا و استمروا في اللجاج و جاوزوا الحد في‏

492

(1) - تماديهم و نفورهم عن الحق و تباعدهم عن الإيمان لما كان للمشركين صوارف كثيرة عن عبادة الأوثان و هم كانوا يتقحمون بذلك على العصيان فقد لجوا في عتوهم قال الفراء قوله «أَمَّنْ هََذَا اَلَّذِي يَرْزُقُكُمْ» الآية تعريف حجة ألزمها الله العباد فعرفوا فأقروا بها و لم يردوا لها جوابا فقال سبحانه «بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَ نُفُورٍ» .

القراءة

قرأ يعقوب تدعون ساكنة الدال خفيفةو هو قراءة الحسن و الضحاك و قتادة و الباقون «تَدَّعُونَ» بالتشديد و قرأ الكسائي فسيعلمون بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة

أما قوله تدعون فالمعنى هذا الذي كنتم به تدعون الله كقوله تعالى «سَأَلَ سََائِلٌ بِعَذََابٍ وََاقِعٍ» و أما «تَدَّعُونَ» بالتشديد فمعناه تتداعون بوقوعه قال ابن جني

493

(1) - يعني كان الدعوة بوقوعه فاشية بينكم كقوله تعالى في معنى العموم‏ «وَ لاََ تَنََابَزُوا بِالْأَلْقََابِ» أي لا يفش هذا فيكم و ليس معنى تدعون هنا من ادعاء الحقوق و إنما بمعنى تتداعون من الدعاء لا من الدعوى كما في قول الشاعر

"فما برحت خيل تثوب و تدعي"

يعني تتداعى بينهما يا لفلان.

اللغة

يقال كببته فأكب و هو نادر مثل قشعت الريح السحاب فأقشعت و نزفت البئر فأنزفت أي ذهب ماؤها و نسلت ريش الطائر فأنسل و الزلفة القربة و هو مصدر يستوي فيه الواحد و الجمع و منه المزدلفة لقربه من مكة و قد تجمع الزلفة زلفا قال العجاج :

ناج طواه الأين مما وجفا # طي الليالي زلفا فزلفا

و ساءه الأمر يسوؤه سوءا أي غمه و حزنه و منه أساء يسي‏ء إذا فعل ما يؤدي إلى الغم و ماء غور أي غائر وصف بالمصدر مبالغة كما يقال هؤلاء زور فلان و ضيفه و المعين قيل أنه مفعول مأخوذ من العين فعلى هذا يكون مثل مبيع من البيع و قيل أنه من الإمعان في الجري فعلى هذا يكون على وزن فعيل فكأنه قيل ممعن في الإسراع و الظهور .

الإعراب‏

قليلا صفة مصدر محذوف أي تشكرون شكرا قليلا و ما مزيدة «فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ» يحتمل أن يكون من استفهاما فيكون اسما موصولا قال أبو علي دخلت الفاء في قوله «فَمَنْ يُجِيرُ» و قوله «فَمَنْ يَأْتِيكُمْ» لأن أ رأيتم بمعنى انتبهوا أي انتبهوا فمن يجير و انتبهوا فمن يأتيكم كما تقول قم فزيد قائم قال و لا يكون الفاء جواب الشرط و إنما يكون جواب الشرط مدلول «أَ رَأَيْتُمْ» قال و إن شئت كان الفاء زائدة مثلها في قوله‏ «فَلاََ تَحْسَبَنَّهُمْ» و يكون الاستفهام سادا مسدة مفعولي أ رأيتم كقولهم أ رأيت زيدا ما فعل و هذا من دقائقه.

ـ

المعنى‏

ثم ضرب سبحانه مثلا للكافر و المؤمن فقال «أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى‏ََ وَجْهِهِ» أي منكسا رأسه إلى الأرض فهو لا يبصر الطريق و لا من يستقبله ينظر أمامه و لا يمينه و لا شماله و هو الكافر المقلد لا يدري أ محق هو أم مبطل هذا «أَهْدى‏ََ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا» أي مستويا قائما يبصر الطريق و جميع جهاته كلها فيضع قدمه حيث لا يعثر و هو المؤمن الذي سلك طريق الحق و عرفه و استقام عليه و أمكنه دفع المضار عن نفسه و جلب المنافع إليها «عَلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ» أي على طريق واضح قيم و هذا معنى قول ابن عباس و مجاهد و قيل‏

494

(1) - أن هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مكبا على وجهه يوم القيامة كما قال‏ وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ عَلى‏ََ وُجُوهِهِمْ عن قتادة } «قُلْ» يا محمد لهؤلاء الكفار «هُوَ اَلَّذِي أَنْشَأَكُمْ» بأن أخرجكم من العدم إلى الوجود «وَ جَعَلَ لَكُمُ اَلسَّمْعَ» تسمعون به المسموعات «وَ اَلْأَبْصََارَ» تبصرون بها المبصرات «وَ اَلْأَفْئِدَةَ» يعني القلوب تعقلون بها و تتدبرون فأعطاكم آلات التفكر و التمييز و الوصول إلى العلم «قَلِيلاً مََا تَشْكُرُونَ» أي تشكرون قليلا و قيل معناه قليلا شكركم فتكون ما مصدرية} «قُلْ» لهم يا محمد «هُوَ» الله تعالى «اَلَّذِي ذَرَأَكُمْ» أي خلقكم «فِي اَلْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» منها أي تبعثون إليه يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم ثم حكى سبحانه ما كان يقوله الكفار مستبطئين عذاب الله مستهزئين بذلك فقال «وَ يَقُولُونَ مَتى‏ََ هََذَا اَلْوَعْدُ» من الخسف و الحاصب أو البعث و الجزاء «إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ» في أن ذلك يكون‏} «قُلْ» يا محمد «إِنَّمَا اَلْعِلْمُ عِنْدَ اَللََّهِ» يعني علم الساعة «وَ إِنَّمََا أَنَا نَذِيرٌ» مخوف لكم به «مُبِينٌ» أي مبين لكم ما أنزل الله إلى من الوعد و الوعيد و الأحكام‏ثم ذكر سبحانه حالهم عند نزول العذاب و معاينته فقال‏} «فَلَمََّا رَأَوْهُ زُلْفَةً» أي فلما رأوا العذاب قريبا يعني يوم بدر عن مجاهد و قيل معاينة عن الحسن و قيل أن اللفظ ماض و المراد به المستقبل و المعنى إذا بعثوا و رأوا القيامة قد قامت و رأوا ما أعد لهم من العذاب و هذا قول أكثر المفسرين «سِيئَتْ وُجُوهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» أي اسودت وجوههم و علتها الكآبة يعني قبحت وجوههم بالسواد و قيل معناه ظهرت على وجوههم آثار الغم و الحسرة و نالهم السوء و الخزي «وَ قِيلَ» لهؤلاء الكفار إذا شاهدوا العذاب «هََذَا اَلَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ» قال الفراء تدعون و تدعون واحد مثل تدخرون و تدخرون و المعنى كنتم به تستعجلون و تدعون الله بتعجيله و هو قولهم‏ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ الآية عن ابن زيد و قيل هو تدعون من الدعوى أي تدعون أن لا جنة و لا نار عن الحسن و روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بالأسانيد الصحيحة عن الأعمش قال لما رأوا لعلي بن أبي طالب (ع) عند الله من الزلفى سيئت وجوه الذين كفرواو

عن أبي جعفر (ع) فلما رأوا مكان علي (ع) من النبي ص سيئت وجوه الذين كفروا يعني الذين كذبوا بفضله‏

«قُلْ» لهؤلاء الكفار «أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اَللََّهُ وَ مَنْ مَعِيَ» بأن يميتنا «أَوْ رَحِمَنََا» بتأخير آجالنا «فَمَنْ يُجِيرُ اَلْكََافِرِينَ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ» استحقوه بكفرهم و ما الذي ينفعهم في دفع العذاب عنهم‏ و قيل أن الكفار كانوا يتمنون موت النبي ص و موت أصحابه فقيل له قل لهم إن أهلكني الله و من معي ذلك بأن يميتني و يميت أصحابي فمن الذي ينفعكم و يؤمنكم من العذاب فإنه واقع بكم لا محالة و قيل معناه أ رأيتم أن عذبني الله و من معي أو رحمنا أي غفر لنا فمن يجيركم أي نحن مع إيماننا

495

(1) - بين الخوف و الرجاء فمن يجيركم مع كفركم من العذاب و لا رجاء لكم كما للمؤمنين عن ابن عباس و ابن كيسان ثم قال‏} «قُلْ» لهؤلاء الكفار على وجه التوبيخ لهم «هُوَ اَلرَّحْمََنُ» أي إن الذي أدعوكم إليه هو الرحمن الذي عمت نعمته جميع الخلائق «آمَنََّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنََا» أي عليه اعتمدنا و جميع أمورنا إليه فوضنا «فَسَتَعْلَمُونَ» معاشر الكفار يوم القيامة «مَنْ هُوَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ» اليوم أ نحن أم أنتم و من قرأ بالياء فمعناه فسيعلم الكفار ذلك‏} «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مََاؤُكُمْ غَوْراً» أي غائرا ناضبا في الآبار و العيون «فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمََاءٍ مَعِينٍ» أي ظاهر للعيون عن أبي مسلم و الجبائي و قيل بماء جار عن ابن عباس و قتادة أراد سبحانه أنه المنعم بالأرزاق فاشكروه و اعبدوه و لا تشركوا به شيئا و ذكر مقاتل أنه أراد بقوله «مََاؤُكُمْ» بئر زمزم و بئر ميمون و هي بئر عادية قديمة و كان ماؤهم من هاتين البئرين و المعين الذي تناله الدلاء و تراه العيون.

496

(1) -

(68) سورة القلم مكية و آياتها ثنتان و خمسون (52)

توضيح‏

و تسمى أيضا سورة ن و هي مكية عن الحسن و عكرمة و عطاء و قال ابن عباس و قتادة من أولها إلى قوله‏ «سَنَسِمُهُ عَلَى اَلْخُرْطُومِ» مكي و ما بعده إلى قوله‏ «لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ» مدني و ما بعده إلى قوله‏ «يَكْتُبُونَ» مكي و ما بعده مدني و هي اثنتان و خمسون آية بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب قال قال النبي ص و من قرأ سورة ن و القلم أعطاه ثواب الذين حسن أخلاقهم‏

علي بن ميمون عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ سورة ن و القلم في فريضة أو نافلة آمنه الله أن يصيبه في حياته فقر أبدا و أعاذه إذا مات من ضمة القبر إن شاء الله.

تفسيرها

ختم الله سبحانه سورة الملك بذكر تكذيب الكفار و وعيدهم و افتتح هذه السورة بمثل ذلك فقال:

497

(1) -

القراءة

مضى ذكر اختلاف القراء في إظهار النون و إخفائها من نون في سورة ياسين فلا وجه لإعادته و قرأ أبو جعفر و ابن عامر و يعقوب و سهل آن كان بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام و قرأ أبو بكر عن عاصم و حمزة أ إن كان بهمزتين و قرأ الباقون «أَنْ كََانَ» بفتح الهمزة من غير استفهام.

الحجة

قال أبو علي «أَنْ كََانَ ذََا مََالٍ» لا يخلو من أن يكون العامل فيه تتلى من قوله «إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا» أو قال من قوله «قََالَ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ» أو شي‏ء ثالث فلا يجوز أن يعمل واحد منهما فيه أ لا ترى أن تتلى قد أضيفت إذا إليه و المضاف إليه لا يعمل فيما قبله لا تقول القتال زيدا حين يأتي و لا يجوز أن يعمل فيه قال أيضا لأن قال جواب إذا و حكم الجواب أن يكون بعد ما هو جواب له و لا يتقدم عليه فكما لا يعمل فيه الفعل الأول فكذلك لا يعمل فيه الثاني فإذا لم يعمل فيه واحد من هذين الفعلين و ليس في الكلام غيرهما علمت أنه محمول على شي‏ء آخر مما دل باقي الكلام عليه‏و الذي يدل عليه هذا الكلام من المعنى هو يجحد أو يكفر أو يستكبر عن قبول الحق و نحو ذلك و إنما جاز أن يعمل فيه المعنى و إن كان متقدما عليه لشبهه بالظرف و الظرف قد تعمل فيه المعاني و إن تقدم عليه و يدلك على مشابهته الظرف تقدير اللام معه و إن من النحويين من يقول أنه في موضع جر كما أنه لو كانت اللام معه ظاهرة كان كذلك و من قرأ بهمزة ممدودة فإنه يزيد همزة بعدها همزة مخففة.

اللغة

السطر الكتابة و هو وضع الحروف على خط مستقيم و استطر اكتتب و المسطر آلة التسطير و الممنون المقطوع يقال منه السير يمنه منا إذا قطعه و المنين الضعيف و الخلق المرور في الفعل على عادة فالخلق الكريم الصبر على الحق و تدبير الأمور على مقتضى العقل و في ذلك الأناة و الرفق و الحلم و المداراة و المفتون المبتلى بتخبيل الرأي كالمجنون يقال فتن فلان بفلانة و أصل الفتنة الابتلاء و الاختبار و المهين الضعيف الذليل و المهانة الذلة

498

(1) - و القلة و الهماز الوقاع في الناس بما ليس له أن يعيبهم به و الأصل فيه الدفع بشدة اعتمادو منه الهمزة حرف من الحروف المعجمة فهي نبرة تخرج من الصدر بشدة اعتماد و النميم التضريب بين الناس بنقل الكلام الذي يغيظ بعضهم على بعض و النميم و النميمة بمعنى و منه النمام المشموم لأنه بحدة ريحه كالمخبر عن نفسه و العتل الجافي الغليظ و أصله الدفع عتله يعتله إذا زعزعه بغلظة و جفاء و الزنيم الدعي الملصق بالقوم و ليس منهم و أصله الزنمة و هي الهنية المتدلية تحت حلق الجدي و يقال للتيس له زنمتان قال الشاعر:

زنيم ليس يعرف من أبوه # بغي الأم ذو حسب لئيم‏

و قال حسان :

و أنت زنيم نيط في آل هاشم # كما نيط خلف الراكب القدح الفرد

و يقال وسمه يسمه وسما و سمة و الخرطوم ما نتا من الأنف و هو الذي يقع به الشم و منه قيل خرطوم الفيل و خرطمه إذا قطع أنفه .

الإعراب‏

«بِأَيِّكُمُ اَلْمَفْتُونُ» فيه وجوه (أحدها) أن المفتون مصدر بمعنى الفتنة كما يقال ليس له معقول و ما له محصول قال الراعي :

حتى إذا لم يتركوا لعظامه # لحما و لا لفؤاده معقولا

(و ثانيها) أن يكون المفتون اسم المفعول و الباء مزيدة و التقدير أيكم المفتون و يكون مبتدأ و خبرا و تكون الجملة معلقة بقوله «يُبْصِرُونَ» (و ثالثها) أن الباء بمعنى في و المعنى في أيكم المفتون أي في أي الفريقين في فرقة الإسلام أو في فرقة الكفر المجنون و هذا قول الفراء و قال الراجز في زيادة الباء:

نحن بني جعدة أصحاب الفلج # نضرب بالسيف و نرجو بالفرج‏

أي و نرجو الفرج.

ـ

499

(1) -

المعنى‏

«ن» اختلفوا في معناه فقيل هو اسم من أسماء السورة مثل حم و _ص و ما أشبه ذلك و قد ذكرنا ذلك مع غيره من الأقوال في مفتتح سورة البقرة و قيل هو الحوت الذي عليه الأرضون عن ابن عباس و مجاهد و مقاتل و السدي و قيل هو حرف من حروف الرحمن في رواية أخرى عن ابن عباس و قيل هو الدواة عن الحسن و قتادة و الضحاك و

قيل نون لوح من نور و روي مرفوعا إلى النبي ص

و

قيل هو نهر في الجنة قال الله له كن مدادا فجمد و كان أبيض من اللبن و أحلى من الشهد ثم قال للقلم اكتب فكتب القلم ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة عن أبي جعفر الباقر (ع)

و قيل المراد به الحوت في البحر و هو من آيات الله إذ خلقها في الماء فإذا فارق الماء مات كما أن حيوان البر إذا خالط الماء مات «وَ اَلْقَلَمِ» الذي يكتب به أقسم الله به لمنافع الخلق فيه إذ هو أحد لساني الإنسان يؤدي عنه ما في جنانه و يبلغ البعيد عنه ما يبلغ القريب بلسانه‏و به تحفظ أحكام الدين و به تستقيم أمور العالمين و قد قيل إن البيان بيانان بيان اللسان و بيان البنان و بيان اللسان تدرسه الأعوام و بيان الأقلام باق على مر الأيام و قيل إن قوام أمور الدين و الدنيا بشيئين القلم و السيف و السيف تحت القلم و قد نظمه بعض الشعراء و أحسن فيما قال:

إن يخدم القلم السيف الذي خضعت # له الرقاب و دانت حذره الأمم

فالموت و الموت شي‏ء لا يغالبه # ما زال يتبع ما يجري به القلم

كذا قضى الله للأقلام مذ بريت # إن السيوف لها مذ أرهفت خدم‏

«وَ مََا يَسْطُرُونَ» أي و ما يكتبه الملائكة مما يوحى إليهم و ما يكتبونه من أعمال بني آدم فكان القسم بالقلم و ما يسطر بالقلم و قيل إن ما مصدرية و تقديره و القلم و سطرهم فيكون القسم بالكتابة و على القول الأول يكون القسم بالمكتوب‏} «مََا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ» هو جواب القسم‏و معناه لست يا محمد بمجنون بنعمة ربك كما تقول ما أنت بنعمة ربك بجاهل و جاز تقديم معمولها به الباء لأنها زائدة مؤكدة و تقديره انتفى عنك الجنون بنعمة ربك و قيل هو كما يقال ما أنت بمجنون بحمد الله و قيل معناه بما أنعم عليك ربك من كمال العقل و النبوة و الحكمة لست بمجنون أي لا يكون مجنونا من أنعمنا عليه بهذه النعم و قيل معناه ما أنت بمجنون و النعمة لربك كما يقال سبحانك اللهم و بحمدك أي و الحمد لك و هذا تقرير لنفي الجنون عنه و قالوا إن هذا جواب لقول المشركين‏ يََا أَيُّهَا اَلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ إِنَّكَ‏

500

(1) - لَمَجْنُونٌ «وَ إِنَّ لَكَ» يا محمد «لَأَجْراً» أي ثوابا من الله على قيامك بالنبوة و تحملك أعباء الرسالة «غَيْرَ مَمْنُونٍ» أي غير مقطوع و هو ثواب الجنة يعني لا تبال بكلامهم مع ما لك عند الله من الثواب الدائم و الأجر العظيم و قيل غير ممنون أي لا يمن به عليك عن أبي مسلم و المعنى غير مكدر بالمن الذي يقطع عن لزوم الشكرفقد قيل المنة تكدر الصنيعة و قال ابن عباس ليس من نبي إلا و له مثل أجر من آمن به و دخل في دينه ثم وصف سبحانه نبيه ص فقال «وَ إِنَّكَ» يا محمد «لَعَلى‏ََ خُلُقٍ عَظِيمٍ» أي على دين عظيم و هو دين الإسلام عن ابن عباس و مجاهد و الحسن و قيل معناه إنك متخلق بأخلاق الإسلام و على طبع كريم و حقيقة الخلق ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب و إنما سمي خلقا لأنه يصير كالخلقة فيه فأما ما طبع عليه من الآداب فإنه الخيم فالخلق هو الطبع المكتسب و الخيم هو الطبع الغريزي و قيل الخلق العظيم الصبر على الحق و سعة البذل و تدبير الأمور على مقتضى العقل بالصلاح و الرفق و المداراة و تحمل المكاره في الدعاء إلى الله سبحانه و التجاوز و العفو و بذل الجهد في نصرة المؤمنين و ترك الحسد و الحرص و نحو ذلك عن الجبائي و قالت عائشة كان خلق النبي ص ما تضمنه العشر الأول من سورة المؤمنين و من مدحه الله سبحانه بأنه على خلق عظيم فليس وراء مدحه مدح و قيل سمي خلقه عظيما لأنه عاشر الخلق بخلقه و زايلهم بقلبه فكان ظاهره مع الخلق و باطنه مع الحق‏و قيل لأنه امتثل تأديب الله سبحانه إياه بقوله‏ خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجََاهِلِينَ و قيل سمي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه و يعضده ما

روي عنه قال إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق‏

و

قال أدبني ربي فأحسن تأديبي‏

و

قال ص إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل و صائم النهار

و

عن أبي الدرداء قال قال النبي ص ما من شي‏ء أثقل في الميزان من خلق حسن‏

و

عن الرضا علي بن موسى (ع) عن آبائه عن النبي ص قال عليكم بحسن الخلق فإن حسن الخلق في الجنة لا محالة و إياكم و سوء الخلق فإن سوء الخلق في النار لا محالة

و

عن أبي هريرة عن النبي ص قال أحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقا الموطؤن أكنافا الذين يألفون و يؤلفون‏و أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الإخوان الملتمسون للبراء العثرات‏

«فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ» أي فسترى يا محمد و يرون يعني الذين رموه بالجنون‏} «بِأَيِّكُمُ اَلْمَفْتُونُ» أي أيكم المجنون الذي فتن بالجنون أ أنت أم هم و قيل بأيكم الفتنة و هو الجنون يريد أنهم يعلمون عند العذاب أن الجنون كان بهم حين كذبوك و تركوا دينك لا بك و قيل معناه فستعلم و يعلمون في أي الفريقين المجنون الذي فتنة

501

(1) - الشيطان ثم أخبر سبحانه أنه عالم بالفريقين فقال‏} «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ» الذي هو سبيل الحق و عدل عنه و جار عن السلوك فيه «وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» إليه العالمين بموجبه فيجازي كلا بما يستحقه و يستوجبه أخبرنا السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني القائني رحمه الله قال حدثنا الحاكم أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني قال‏حدثنا أبو عبد الله الشيرازي قال حدثنا أبو بكر الجرجاني قال حدثنا أبو أحمد البصري قال حدثني عمرو بن محمد بن تركي قال حدثنا محمد بن الفضل قال حدثنا محمد بن شعيب عن عمرو ابن شمر عن دلهم بن صالح عن الضحاك بن مزاحم قال: لما رأت قريش تقديم النبي ص عليا (ع) و إعظامه له نالوا من علي و قالوا قد افتتن به محمد فأنزل الله تعالى «ن وَ اَلْقَلَمِ وَ مََا يَسْطُرُونَ» قسم أقسم الله به «مََا أَنْتَ» يا محمد «بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ» «وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ََ خُلُقٍ عَظِيمٍ» يعني القرآن إلى قوله «بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ» و هم النفر الذين قالوا ما قالوا و هو أعلم بالمهتدين علي ابن أبي طالب ع ثم قال سبحانه للنبي ص } «فَلاََ تُطِعِ اَلْمُكَذِّبِينَ» بتوحيد الله عز و جل الجاحدين لنبوتك و لا تجبهم إلى ما يلتمسون منك و لا توافقهم فيما يريدون‏} «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» أي ود هؤلاء الكفار أن تلين لهم في دينك فيلينون في دينهم شبه التليين في الدين بتليين الدهن عن ابن عباس و قيل معناه ودوا لو تكفر فيكفرون عن الضحاك و عطاء و ابن عباس في رواية أخرى و قيل معناه ودوا لو تركن إلى عبادة الأصنام فيمالئونك و الإدهان الجريان في ظاهر الحال على المقاربة مع إضمار العداوة و هو مثل النفاق و قيل ودوا لو تصانعهم في دينك فيصانعونك عن الحسن ثم قال‏} «وَ لاََ تُطِعْ» يا محمد «كُلَّ حَلاََّفٍ» أي كثير الحلف بالباطل لقلة مبالاته بالكذب «مَهِينٍ» فعيل من المهانة و هي القلة في الرأي و التمييز و قيل ذليل عند الله تعالى و عند الناس و قيل كذاب لأن من عرف بالكذب كان ذليلا حقيرا عن ابن عباس و قيل يعني الوليد بن المغيرة قال عرض على النبي ص المال ليرجع عن دينه و قيل يعني الأخنس ابن شريق عن عطاء و قيل يعني الأسود بن عبد يغوث عن مجاهد «هَمََّازٍ» أي وقاع في الناس مغتاب عن ابن عباس «مَشََّاءٍ بِنَمِيمٍ» أي قتات يسعى بالنميمة و يفسد بين الناس و يضرب بعضهم على بعض‏} «مَنََّاعٍ لِلْخَيْرِ» أي بخيل بالمال‏و قيل مناع عشيرته عن الإسلام بأن يقول من دخل دين محمد لا أنفعه بشي‏ء أبدا عن ابن عباس «مُعْتَدٍ» أي مجاوز عن الحق غشوم ظلوم عن قتادة «أَثِيمٍ» أي آثم فاجر فاعل ما يأثم به و قيل معتد في فعله أثيم في معتقده و قيل معتد في ظلم غيره أثيم في ظلم نفسه‏

} «عُتُلٍّ بَعْدَ ذََلِكَ» أي هو عتل مع كونه مناعا للخير معتديا أثيما و هو الفاحش السيئ الخلق روي ذلك في خبر مرفوع

و قيل هو القوي في كفره عن عكرمة و قيل الجافي الشديد الخصومة بالباطل‏

502

(1) - عن الكلبي و قيل الأكول المنوع عن الخليل و قيل هو الذي يعتل الناس فيجرهم إلى حبس أو عذاب و منه قول الشاعر:

فيا ضيعة الفتيان إذ يعتلونه # ببطن الشري مثلب الفنيق المسدم‏

«زَنِيمٍ» أي دعي ملصق إلى قوم ليس منهم في النسب قال الشاعر:

زنيم تداعاه الرجال تداعيا # كما زيد في عرض الأديم الأكارع‏

و قيل هو الذي له علامة في الشر و هو معروف بذلك فإذا ذكر بالشر سبق القلب إليه كما أن العنز يعرف بين الأغنام بالزنمة في عنقه عن الشعبي و قيل هو الهجين المعروف بالشر عن سعيد بن جبير و

قيل هو الذي لا أصل له عن علي (ع)

و قيل هو المعروف بلؤمه كما تعرف الشاة بزنمتها عن عكرمة و

روي أنه سأل النبي ص عن العتل الزنيم فقال هو الشديد الخلق الشحيح الأكول الشروب الواجد للطعام و الشراب الظلوم للناس الرحيب الجوف‏

و

عن شداد ابن أوس قال قال رسول الله ص لا يدخل الجنة جواظ و لا جعظري و لا عتل زنيم قلت فما الجواظ قال كل جماع مناع قلت فما الجعظري قال الفظ الغليظ قلت فما العتل الزنيم قال كل رحيب الجوف سي‏ء الخلق أكول شروب غشوم ظلوم زنيم‏

قال ابن قتيبة لا نعلم أن الله وصف أحدا و بلغ من ذكر عيوبه ما بلغ من ذكر عيوب الوليد بن المغيرة لأنه وصف بالحلف و المهانة و العيب للناس و المشي بالنمائم و البخل و الظلم و الإثم و الجفاء و الدعوة فالحق به عارا لا يفارقه في الدنيا و الآخرة} «أَنْ كََانَ ذََا مََالٍ وَ بَنِينَ» أي لا تطعه لأن كان ذا مال و بنين يعني لماله و بنيه عن الزجاج و الفراء و من قرأ بالاستفهام فلا بد أن يكون صلة ما بعده لأن الاستفهام لا يتقدم عليه ما كان في حيزه فيكون المعنى أ لأن كان ذا مال و بنين يجحد آياتنا أي جعل مجازاة النعم التي خولها من البنين و المال الكفر بآياتنا و هو قوله‏} «إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا قََالَ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ» أي أحاديث الأوائل التي سطرت و كتبت لا أصل لها ثم أوعده سبحانه فقال‏} «سَنَسِمُهُ عَلَى اَلْخُرْطُومِ» أي سنسمه يوم القيامة بسمة تشوه خلقته فيعرف من‏

503

(1) - رآه أنه من أهل النار و إنما خص الأنف لأن الإنسان يعرف بوجهه و الأنف وسط الوجه و هذا على عادة العرب فإنهم يقولون شمخ فلان بأنفه و أرغم الله أنفه و حمي فلان أنفه‏و قيل معناه سيجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم و جائز أن يفرد بسمة لمبالغته في عداوة النبي ص فيخص من التشويه بما يتبين به من غيره كما كانت عداوته للرسول عداوة يتبين بها من غيره عن الزجاج و قال الفراء الخرطوم قد خص بالسمة لأنه في مذهب الوجه فإن بعض الوجه يؤدي عن الكل و قيل إن المعنى سنخطمه بالسيف في القتال حتى يبقى أثره ففعل ذلك يوم بدر عن ابن عباس و قيل سنعلمه بشين يبقى على الأبد عن قتادة و قال القتيبي العرب تقول قد وسمه ميسم سوء يريدون ألصق به عارا لا يفارقه لأن السمة لا تنمحق و لا يعفو أثرها و قد ألحق الله بمن ذكر عارا لا يفارقه بما وسمه به من العيوب التي هي كالوسم في الوجه و قيل إن الخرطوم الخمر فالمعنى سنسمه على شرب الخمر قال الشاعر:

أبا حاضر من يزن يعرف زناؤه # و من يشرب الخرطوم يصبح مسكرا.

ـ

504

(1) -

القراءة

قرأ أهل المدينة و أبو عمرو أن يبدلنا بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قد مر ذكره في سورة الكهف .

اللغة

الصرم و الجداد في النخل بمنزلة الحصاد و القطاف في الزرع و الكرم يقال صرمت النخلة و جددتها و أصرم النخل و أجدت حان ذلك منها و الصريم الليل الأسود و أنشد أبو عمرو :

ألا بكرت و عاذلتي تلوم # تجهلني و ما انكشف الصريم‏

و قال الآخر:

تطاول ليلك الجون البهيم # فما ينجاب عن صبح صريم

إذا ما قلت أقشع أو تناهى # جرت من كل ناحية غيوم‏

و يسمى النهار أيضا صريما فهو من الأضداد لأن الليل ينصرم عند مجي‏ء النهار و النهار ينصرم عند مجي‏ء الليل و الصريم أيضا المصروم أي صرم جميع ثمارها و قيل الصريم منقطع الرمل الذي لا نبات فيه قال امرؤ القيس :

و ظل لصيران الصريم غماغم # تدعسها بالسمهري المغلب‏

و الطائف الطارق بالليل و إذا قيل طاف به صلح في الليل و النهار و أنشد الفراء :

505

(1) -

أطفت بها نهارا غير ليل # و ألهى ربها طلب الرخال‏

و الرخال الإناث من أولاد الضأن واحدتها رخل و الحرد المنع من قولهم حاردت السنة إذا منعت قطرها و حاردت الناقة إذا منعت لبنها قال الكميت :

و حاردت المكد الجلاد و لم يكن # بعقبة قدر المستعيرين معقب‏

و يروى النكد و هي النوق الغزيرات الألبان و قيل إن أصل الحرد القصد قال:

أقبل سيل جاء من عند الله # يحرد حرد الجنة المغلة

أي يقصد و حرد يحرد حردا و قيل الحرد الغضب و الحنق قال الأشهب بن رميلة :

أسود شرى لاقت أسود خفية # تساقوا على حرد دماء الأساود

.

المعنى‏

ثم قال سبحانه «إِنََّا بَلَوْنََاهُمْ» يعني أهل مكة أي اختبرناهم بالجوع و القحط «كَمََا بَلَوْنََا أَصْحََابَ اَلْجَنَّةِ» أي البستان الذي فيه الشجر قال سعيد بن جبير و هذه الجنة حديقة كانت باليمن في قرية يقال لها صروان بينها و بين صنعاء اثنا عشر ميلا كانت لشيخ و كان يمسك منها قدر كفايته و كفاية أهله و يتصدق بالباقي فلما مات قال بنوه نحن أحق بها لكثرة عيالنا و لا يسعنا أن نفعل كما فعل أبونا و عزموا على حرمان المساكين فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله تعالى في كتابه و هو قوله «إِذْ أَقْسَمُوا» أي حلفوا فيما بينهم «لَيَصْرِمُنَّهََا مُصْبِحِينَ» أي ليقطعن ثمرتها إذا دخلوا في وقت الصباح‏} «وَ لاََ يَسْتَثْنُونَ» أي غير مستثنين في أيمانهم فلم يقولوا إن شاء الله فإن قول القائل لأفعلن كذا إلا أن يشاء الله استثناء و معناه إلا أن يشاء الله منعي أو تمكين مانعي‏} «فَطََافَ عَلَيْهََا طََائِفٌ مِنْ رَبِّكَ» أي أحاطت بها النار فاحترقت عن ابن عباس و قيل معناه طرقها طارق من أمر الله عن قتادة «وَ هُمْ نََائِمُونَ» أي في حال نومهم قال مقاتل بعث الله نارا بالليل على جنتهم فأحرقتها حتى صارت مسودة فذلك قوله‏} «فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ» أي كالليل المظلم و الصريمان الليل و النهار

506

(1) - لانصرام إحداهما من الآخر عن ابن عباس و أبي عمرو بن العلاء و قيل الصريم المصروم ثماره أي المقطوع و المعنى أنها صارت كأن جميع ثمارها قطعت عن الجبائي و قيل الصريم الذي صرم عنه الخير فليس فيه شي‏ء منه عن الحسن و قيل كالصريم أي كالرملة انصرمت عن معظم الرمل عن مؤرج و قيل كالرماد الأسود بلغة خزيمة } «فَتَنََادَوْا مُصْبِحِينَ» أي نادى بعضهم بعضا وقت الصباح و أصل التنادي من الندى بالقصر لأن النداء الدعاء بندى الصوت الذي يمتد على طريقة يا فلان لأن الصوت إنما يمتد للإنسان بندى حلقه } «أَنِ اُغْدُوا عَلى‏ََ حَرْثِكُمْ» أي تنادوا بأن غدوا معناه قال بعضهم لبعض اغدوا على حرثكم و الحرث الزروع و الأعناب «إِنْ كُنْتُمْ صََارِمِينَ» أي قاطعين النخل‏} «فَانْطَلَقُوا» أي فمضوا إليها «وَ هُمْ يَتَخََافَتُونَ» أي يتسارون بينهم و أصله من خفت فلان يخفت إذا أخفى نفسه } «أَنْ لاََ يَدْخُلَنَّهَا اَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ» هذا ما كانوا يتخافتون به‏} «وَ غَدَوْا عَلى‏ََ حَرْدٍ» أي على قصد منع الفقراء «قََادِرِينَ» عند أنفسهم و في اعتقادهم على منعهم و إحراز ما في جنتهم و قيل على حرد أي على جد و جهد من أمرهم عن مجاهد و قتادة و أبي العالية و قيل على جد في المنع عن أبي عبيدة و قيل على حنق و غضب من الفقراء عن سفيان و قيل قادرين مقدرين موافاتهم في الجنة في الوقت الذي قدروا إصرامها فيه و هو وقت الصبح و التقدير قصدوا الجنة للوقت الذي قدروا إصرامها فيه عن أبي مسلم } «فَلَمََّا رَأَوْهََا» أي رأوا الجنة على تلك الصفة «قََالُوا إِنََّا لَضَالُّونَ» ضللنا عن الطريق فليس هذا بستاننا عن قتادة و قيل معناه إنا لضالون عن الحق في أمرنا فلذلك عوقبنا بذهاب ثمر جنتنا ثم استدركوا فقالوا} «بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» و المعنى أن هذه جنتنا و لكن حرمنا نفعها و خيرها لمنعنا حقوق المساكين و تركنا الاستثناء} «قََالَ أَوْسَطُهُمْ» أي أعدلهم قولا عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و قيل معناه أفضلهم و أعقلهم و قيل أوسطهم في السن «أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لاََ تُسَبِّحُونَ» كأنه كان حذرهم سوء فعالهم قال لو لا تستثنون عن مجاهد لأن في الاستثناء التوكل على الله و التعظيم لله و الإقرار بأنه لا يقدر أحد على فعل شي‏ء إلا بمشيئة الله فلذلك سماه تسبيحا و قيل معناه هلا تعظمون الله بعبادته و اتباع أمره و قيل معناه هلا تذكرون نعم الله عليكم فتؤدوا شكرها بأن تخرجوا حق الفقراء من أموالكم و قيل معناه هلا نزهتم الله تعالى عن الظلم و اعترفتم بأنه لا يظلم و لا يرضى منكم بالظلم و قيل معناه لم لا تصلون ثم حكى عنهم أنهم‏ «قََالُوا سُبْحََانَ رَبِّنََا إِنََّا كُنََّا ظََالِمِينَ» في عزمنا على حرمان المساكين من حصتهم عند الصرام فحرمنا قطعها و بالانتفاع بها و المعنى أنه سبحانه منزه عن الظلم فلم يفعل بنا ما فعله ظلما و إنما الظلم وقع منا حيث منعنا الحق‏} «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى‏ََ بَعْضٍ يَتَلاََوَمُونَ» أي يلوم بعضهم بعضا على ما فرط منهم‏} «قََالُوا يََا وَيْلَنََا إِنََّا

507

(1) - كُنََّا طََاغِينَ» قد غلونا في الظلم و تجاوزنا الحد فيه و الويل غلظ المكروه الشاق على النفس و الويس دونه و الويح بينهما قال عمرو بن عبيد يجوز أن يكون ذلك منهم توبة و يجوز أن يكون على حد ما يقول الكافر إذا وقع في الشدة} «عَسى‏ََ رَبُّنََا أَنْ يُبْدِلَنََا خَيْراً مِنْهََا» أي لما تابوا و رجعوا إلى الله قالوا لعل الله يخلف علينا و يولينا خيرا من الجنة التي هلكت «إِنََّا إِلى‏ََ رَبِّنََا رََاغِبُونَ» أي نرغب إلى الله و نسأله ذلك و نتوب إليه مما فعلناه و قرئ يبدلنا بالتشديد و التخفيف و معناهما واحد «كَذََلِكَ اَلْعَذََابُ» في الدنيا للعاصين «وَ لَعَذََابُ اَلْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ» و الأكبر هو الذي يصغر مقدار غيره بالإضافة إليه و روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال بلغني أن القوم أخلصوا و عرف الله تعالى منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منها عنقودا و قال أبو خالد اليمامي رأيت تلك الجنة و رأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم.

508

(1) -

اللغة

الزعيم و الكفيل و الضمين و القبيل نظائر و الساق للإنسان و ساق الشجرة ما تقوم عليه و كل نبت له ساق و يبقى صيفا و شتاء فهو شجرة قال طرفة :

للفتى عقل يعيش به # حيث تهدي ساقه قدمه‏

و تقول العرب قامت الحرب على ساق و كشفت عن ساق يريدون شدتها و قال جد أبي طرفة :

كشفت لكم عن ساقها # و بدا من الشر الصراح‏

و قال آخر:

قد شمرت عن ساقها فشدوا # و جدت الحرب بكم فجدوا

و القوس فيها وتر عرد

.

الإعراب‏

كيف في محل نصب على الحال تقديره أ جائرين تحكمون أم عادلين و يجوز أن يكون في محل المصدر و تقديره أي حكم تحكمون و تحكمون في موضع النصب على الحال من معنى الفعل في قوله «لَكُمْ» لأن معنى قوله «مََا لَكُمْ» أي شي‏ء ثبت لكم و أم في جميع ذلك منقطعة «إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمََا تَخَيَّرُونَ» كسرت أن المكان اللام في لما و لولاها لوجب فتحهالأنه مفعول تدرسون و هو كقوله‏ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ و قوله «إِنَّ لَكُمْ لَمََا تَحْكُمُونَ» مثله و إن شئت قلت إنما كسرت إن لأن ما قبله يمين و هي تكسر في جواب القسم و قوله «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سََاقٍ» العامل في الظرف قوله «فَلْيَأْتُوا» و «خََاشِعَةً أَبْصََارُهُمْ» حال و «مَنْ يُكَذِّبُ» يجوز أن يكون مفعولا معه و يجوز أن يكون عطفا على ضمير المتكلم من ذرني.

ـ

المعنى‏

لما ذكر سبحانه ما أعده بالآخرة للكافرين عقبه بذكر ما أعده للمتقين فقال «إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنََّاتِ اَلنَّعِيمِ» يتنعمون فيها و يختارونها على جنات الدنيا التي يحتاج صاحبها إلى المشقة و العناء ثم استفهم سبحانه على وجه الإنكار فقال‏} «أَ فَنَجْعَلُ اَلْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ» أي لا نجعل المسلمين كالمشركين في الجزاء و الثواب و ذلك أنهم كانوا يقولون إن كان بعث و جزاء كما يقوله محمد فإن حالنا يكون أفضل في الآخرة كما في‏

509

(1) - الدنيا فأخبر سبحانه أن ذلك لا يكون أبدا} «مََا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» هذا تهجين لهم و توبيخ و معناه أي عقل يحملكم على تفضيل الكفار حتى صار سببا لإصراركم على الكفر و لا يحسن في الحكمة التسوية بين الأولياءو الأعداء في دار الجزاء} «أَمْ لَكُمْ كِتََابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ» معناه بل أ لكم كتاب تدرسون فيه ذلك فأنتم متمسكون به لا تلتفتون إلى خلافه فإذا قد عدمتم الثقة بما أنتم عليه و في الكتاب الذي هو القرآن عليكم أكبر الحجة لأنه الدلالة القائمة إلى وقت قيام الساعة و المعجزة الشاهدة بصدق من ظهرت على يده‏} «إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمََا تَخَيَّرُونَ» فيه وجهان (أحدهما) أن تقديره أم لكم كتاب فيه تدرسون بأن لكم فيه ما تخيرون إلا أنه حذف الباء و كسرت إن لدخول اللام في الخبر (و الثاني) إن معناه أن لكم لما تخيرونه عند أنفسكم و الأمر بخلاف ذلك و لا يجوز أن يكون ذلك على سبيل الخير المطلق‏} «أَمْ لَكُمْ أَيْمََانٌ عَلَيْنََا بََالِغَةٌ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ» أي بل لكم عهود و مواثيق علينا عاهدناكم بها فلا ينقطع ذلك إلى يوم القيامة «إِنَّ لَكُمْ لَمََا تَحْكُمُونَ» لأنفسكم به من الخير و الكرامة عند الله تعالى و قيل بالغة معناها مؤكدةو كل شي‏ء متناه في الجودة و الصحة فهو بالغ ثم قال سبحانه لنبيه ص‏} «سَلْهُمْ» يا محمد «أَيُّهُمْ بِذََلِكَ زَعِيمٌ» يعني أيهم كفيل بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين‏} «أَمْ لَهُمْ شُرَكََاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكََائِهِمْ إِنْ كََانُوا صََادِقِينَ» معناه أم لهم شركاء في العبادة مع الله و هي الأصنام فليأتوا بهؤلاء الشركاء أن كانوا صادقين في أنها شركاء الله و قيل معناه أم لهم شهداء يشهدون لهم بالصدق فتقوم به الحجة فليأتوا بهم يوم القيامة يشهدون لهم على صحة دعواهم إن كانوا صادقين في دعواهم‏} «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سََاقٍ» أي فليأتوا بهم في ذلك اليوم الذي تظهر فيه الأهوال و الشدائد و قيل معناه يوم يبدو عن الأمر الشديد الفظيع عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و قتادة و سعيد بن جبير قال عكرمة سأل ابن عباس عن قوله «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سََاقٍ» فقال إذا خفي عليكم شي‏ء في القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب أ ما سمعتم قول الشاعر

(و قامت الحرب بنا على ساق)

هو يوم كرب و شدةو قال القتيبي أصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه يشمر عن ساقه فاستعير الكشف عن الساق في موضع الشدة و أنشد لدريد بن الصمة :

كميش الإزار خارج نصف ساقه # بعيد من الآفات طلاع أنجد

فتأويل الآية يوم يشتد الأمر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق «وَ يُدْعَوْنَ‏

510

(1) - إِلَى اَلسُّجُودِ» أي يقال لهم على وجه التوبيخ اسجدوا «فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ» و قيل معناه أن شدة الأمر و صعوبة ذلك اليوم تدعوهم إلى السجود و إن كانوا لا ينتفعون به ليس إنهم يؤمرون به و هكذا كما يفزع الإنسان إلى السجود إذا أصابه هول من أهوال الدنيا} «خََاشِعَةً أَبْصََارُهُمْ» أي ذليلة أبصارهم لا يرفعون نظرهم عن الأرض ذلة و مهانة «تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ» أي تغشاهم ذلة الندامة و الحسرة «وَ قَدْ كََانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ وَ هُمْ سََالِمُونَ» أي أصحاء يمكنهم السجود فلا يسجدون‏يعني أنهم كانوا يؤمرون بالصلاة في الدنيا فلم يفعلوا قال سعيد بن جبير كانوا يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون و قال كعب الأحبار و الله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات و قد ورد عن الربيع بن خثيم أنه عرض له الفالج فكان يهادي بين رجلين إلى المسجد فقيل له يا أبا يزيد لو جلست فإن لك رخصة قال من سمع حي على الفلاح فليجب و لو حبوا و

روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) أنهما قالا في هذه الآية أفحم القوم و دخلتهم الهيبة و شخصت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر لما رهقهم من الندامة و الخزي و المذلة و قد كانوا يدعون إلى السجود و هم سالمون أي يستطيعون الأخذ بما أمروا به و الترك لما نهوا عنه و لذلك ابتلوا

و قال مجاهد و قتادة يؤذن المؤذن يوم القيامة فيسجد المؤمن و تصلب ظهور المنافقين فيصير سجود المسلمين حسرة على المنافقين و ندامة و

في الخبر أنه تصير ظهور المنافقين كالسفافيد

ثم قال سبحانه‏} «فَذَرْنِي وَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهََذَا اَلْحَدِيثِ» هذا تهديد معناه فذرني و المكذبين أي كل أمرهم إلي كما يقول القائل دعني و إياه يقول خل بيني و بين من يكذب بهذا القرآن و لا تشغل قلبك به فإني أكفيك أمره «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاََ يَعْلَمُونَ» أي سنأخذهم إلى العقاب حالا بعد حال و قد مر تفسيره في سورة الأعراف و

روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال إذا أحدث العبد ذنبا جدد له نعمة فيدع الاستغفار فهو الاستدراج‏

«وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» أي و أطيل آجالهم و لا أبادر إلى عذابهم مبادرة من يخشى الفوت فإنما يعجل من يخاف الفوت أن عذابي لشديد.

511

(1) -

القراءة

قرأ أهل المدينة ليزلقونك بفتح الياء و الباقون «لَيُزْلِقُونَكَ» بضم الياء.

الحجة

من قرأ بفتح الياء جعله من زلقه و زلقته أنا مثل حزن و حزنته و شترت عينه و شترتها قال أبو علي و الخليل يذهب في ذلك إلى أن المعنى جعلت فيه شترا و جعلت فيه حزنا كما أنك إذا قلت كحلته و دهنته أردت جعلت ذلك فيه و من قرأ أزلقه الفعل بالهمزة و معنى «لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصََارِهِمْ» ينظرون إليك نظر البغضاء كما ينظر الأعداءو مثله قول الشاعر:

يتقارضون إذا التقوا في مجلس # نظرا يزيل مواقع الأقدام.

اللغة

المغرم ما يلزم من الدين الذي يلح في اقتضائه و أصله من اللزوم بالإلحاح و منه قوله‏ إِنَّ عَذََابَهََا كََانَ غَرََاماً أي لازما ملحا قال الشاعر:

و يوم الجفار و يوم النسار # كانا عذابا و كانا غراما

و المثقل المحمل الثقل و هو مثقل بالدين و مثقل بالعيال و مثقل بما عليه من الحقوق اللازمة و أمور الواجبة و المكظوم المحبوس عن التصرف في الأمور و منه كظمت رأس القربة إذا شددته‏و كظم غيظه إذا حبسه بقطعه عما يدعو إليه و كظم خصمه إذا أجابه بالمسكت و العراء الأرض العارية من النبات قال قيس بن جعدة :

و رفعت رجلا لا أخاف عثارها # و نبذت بالبلد العراء ثيابي‏

.

المعنى‏

ثم خاطب سبحانه النبي ص فقال على وجه التوبيخ للكفار «أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً» هذا عطف على قوله‏ أَمْ لَكُمْ كِتََابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ذكر سبحانه جميع ما يحتج به فقال أم‏

512

(1) - تسأل يا محمد هؤلاء الكفار أجزاء على أداء الرسالة و الدعاء إلى الله «فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ» أي هم من لزوم ذلك «مُثْقَلُونَ» أي محملون الأثقال‏} «أَمْ عِنْدَهُمُ اَلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ» أي هل عندهم علم بصحة ما يدعونه اختصموا به لا يعلمه غيرهم فهم يكتبونه و يتوارثونه و ينبغي أن يبرزوه ثم قال للنبي ص } «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ» في إبلاغ الرسالة و ترك مقابلتهم بالقبيح‏و قيل اللام تجري مجرى إلى و المعنى اصبر إلى أن يحكم الله بنصر أوليائك و قهر أعدائك و قيل معناه فاصبر لحكم الله في التخلية بين الظالم و المظلوم حتى يبلغ الكتاب أجله «وَ لاََ تَكُنْ كَصََاحِبِ اَلْحُوتِ» يعني يونس أي لا تكن مثله في استعجال عقاب قومه و إهلاكهم و لا تخرج من بين قومك من قبل أن يأذن لك الله كما خرج هو «إِذْ نََادى‏ََ وَ هُوَ مَكْظُومٌ» أي دعا ربه في جوف الحوت و هو محبوس عن التصرف في الأمور و الذي نادى به قوله‏ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنْتَ سُبْحََانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظََّالِمِينَ و قيل مكظوم أي مخنق بالغم إذ لم يجد لغيظه شفاء} «لَوْ لاََ أَنْ تَدََارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ» أي لو لا أن أدركته رحمة من ربه بإجابة دعائه و تخليصه من بطن الحوت و تبقيته فيه حيا و إخراجه منه حيا «لَنُبِذَ» أي طرح «بِالْعَرََاءِ» أي الفضاء «وَ هُوَ مَذْمُومٌ» ملوم مليم قد أتى بما يلام عليه و لكن الله تعالى تداركه بنعمة من عنده فطرح بالعراء و هو غير مذموم‏ «فَاجْتَبََاهُ رَبُّهُ» أي اختاره الله نبيا «فَجَعَلَهُ مِنَ اَلصََّالِحِينَ» أي من جملة المطيعين لله التاركين لمعاصيه‏} «وَ إِنْ يَكََادُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» إن هذه هي المخففة من الثقيلة و التقدير و أنه يكاد أي قارب الذين كفروا «لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصََارِهِمْ» أي ليزهقونك أي يقتلونك و يهلكونك عن ابن عباس و كان يقرأها كذلك و قيل ليصرعونك عن الكلبي و قيل يصيبونك بأعينهم عن السدي و الكل يرجع في المعنى إلى الإصابة بالعين و المفسرون كلهم على أنه المراد في الآية و أنكر الجبائي ذلك و قال إن إصابة العين لا تصح و قال علي بن عيسى الرماني و هذا الذي ذكره غير صحيح لأنه غير ممتنع أن يكون الله تعالى أجرى العادة لصحة ذلك لضرب من المصلحة و عليه إجماع المفسرين و جوزه العقلاء فلا مانع منه و

جاء في الخبر أن أسماء بنت عميس قالت يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أ فأسترقي لهم قال نعم فلو كان شي‏ء يسبق القدر لسبقه العين‏

و قيل إن الرجل منهم كان إذا أراد أن يصيب صاحبه بالعين تجوع ثلاثة أيام ثم كان يصفه فيصرعه بذلك و ذلك بأن يقول للذي يريد أن يصيبه بالعين لا أرى كاليوم إبلا أو شاء أو ما أراد أي كإبل أراها اليوم فقالوا

513

(1) - للنبي ص كما كانوا يقولون لما يريدون أن يصيبوه بالعين عن الفراء و الزجاج و قيل معناه أنهم ينظرون إليك عند تلاوة القرآن و الدعاء إلى التوحيد نظر عداوة و بغض و إنكار لما يسمعونه و تعجب منه فيكادون يصرعونك بحدة نظرهم و يزيلونك عن موضعك و هذا مستعمل في الكلام يقولون نظر إلي فلان نظرا يكاد يصرعني و نظرا يكاد يأكلني فيه و تأويله كله أنه نظر إلي نظرا لو أمسكنه معه أكلي أو يصرعني لفعل عن الزجاج و قوله «لَمََّا سَمِعُوا اَلذِّكْرَ» يعني القرآن «وَ يَقُولُونَ» مع ذلك «إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ» أي مغلوب على عقله مع علمهم بوقاره و وفور عقله تكذيبا عليه و معاندة له‏} «وَ مََا هُوَ» أي و ما القرآن «إِلاََّ ذِكْرٌ» أي شرف «لِلْعََالَمِينَ» إلى أن تقوم الساعة و قيل معناه و ما محمد ص إلا شرف للخلق حيث هداهم إلى الرشد و أنقذهم من الضلالة لما نسبوه إلى الجنون و صفة بما ينفي ذلك عنه و قيل المراد بالذكر أنه يذكرهم أمر آخرتهم و الثواب و العقاب و الوعد و الوعيد قال الحسن دواء إصابة العين أن يقرأ الإنسان هذه الآية.

514

(1) -

(69) سورة الحاقة مكية و آياتها ثنتان و خمسون (52)

عدد آيها

إحدى و خمسون آية بصري و شامي و آيتان في الباقين.

اختلافها

آيتان «اَلْحَاقَّةُ» الأولى كوفي «كِتََابَهُ بِشِمََالِهِ» حجازي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة الحاقة حاسبه الله حسابا يسيرا

و

روى جابر الجعفي عن أبي جعفر (ع) قال أكثروا من قراءة الحاقة فإن قراءتها في الفرائض و النوافل من الإيمان بالله و رسوله و لم يسلب قارئها دينه حتى يلقى الله.

تفسيرها

لما ذكر في آخر سورة القلم حديث القيامة و وعيد الكفار افتتح هذه السورة بذكر القيامة أيضا و أحوال أهل النار فقال:

515

(1) -

القراءة

قرأ أهل البصرة و الكسائي و من قبله بكسر القاف و فتح الباء و الباقون «وَ مَنْ قَبْلَهُ» بفتح القاف و سكون الباء.

الحجة

قال سيبويه قبل لما ولي الشي‏ء تقول ذهبت قبل السوق و لي قبلك حق أي فيما يليك و اتسع فيه حتى صار بمنزلة لي عليك حق و حجة من قرأ أنهم زعموا أن في قراءة أبي و جاء فرعون و من معه و هذا يقوي و من قبله لأن قبل لما ولي الشي‏ء مما لم يتخلف عنه و هو يتبعه و يحف به و حجة من قال «وَ مَنْ قَبْلَهُ» أن معناه و من قبله من الأمم التي كفرت كما كفر هو.

اللغة

قال ابن الأنباري الحاقة الواجبة حق أي وجب يحق حقا و حقوقا فهو حاق و قال الفراء تقول العرب لما عرفت الحق مني هربت و الحقة و الحاقة بمعنى و قيل سميت القيامة الحاقة لأنها تحق الكفار من قولهم حاقته فحققته مثل خاصمته فخصمته و سميت القارعة لأنها تقرع قلوب العباد بالمخافة إلى أن يصير المؤمنون إلى الأمن و دريت الشي‏ء دراية و درية علمته و أدريته أعلمته و الطاغية الطغيان مصدر مثل العافية و الصرصر الريح الشديدة الصوت و الحسوم المتوالية مأخوذ من حسم الداء بمتابعة الكي عليه فكأنه تتابع الشر عليهم حتى استأصلهم‏و قيل هو من القطع فكأنها حسمتهم حسوما أي أذهبتهم و أفنتهم و قطعت دابرهم و الخاوية الخالية التي لا شي‏ء في أجوافها .

الإعراب‏

العامل في «اَلْحَاقَّةُ» أحد شيئين إما الابتداء و الخبر «مَا اَلْحَاقَّةُ» كما تقول زيد ما زيد و إما أن يكون خبر مبتدإ محذوف أي هذه الحاقة ثم قيل أي شي‏ء الحاقة تفخيما لشأنها و حسوما نصب على المصدر الموضوع موضع الصفة لثمانية أي تحسمهم حسوما و يجوز أن يكون جمع حاسم فيكون مثل راقد و رقود و ساجد و سجود و على هذا فيكون منصوبا على أنه صفة لثمانية أيضا و صرعى نصب على الحال و قوله «كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ خََاوِيَةٍ» جملة في موضع الحال من صرعى أي صرعوا أمثال نخل خاوية و من مزيدة في قوله «مِنْ بََاقِيَةٍ» .

المعنى‏

«اَلْحَاقَّةُ» اسم من أسماء القيامة في قول جميع المفسرين و سميت بذلك لأنها ذات الحواق من الأمور و هي الصادقة الواجبة الصدق لأن جميع أحكام القيامة واجبة

516

(1) - الوقوع صادقة الوجود «مَا اَلْحَاقَّةُ» استفهام معناه التفخيم لحالها و التعظيم و لشأنها ثم زاد سبحانه في التهويل فقال‏} «وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْحَاقَّةُ» أي كأنك لست تعلمها إذ لم تعاينها و لم تر ما فيها من الأهوال قال الثوري يقال للمعلوم ما أدراك و لما ليس بمعلوم ما يدريك في جميع القرآن و إنما قال لمن يعلمها ما أدراك لأنه إنما يعلمها بالصفة ثم أخبر سبحانه عن المكذبين بها فقال‏} «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَ عََادٌ بِالْقََارِعَةِ» أي بيوم القيامة و إنما حسن أن توضع القارعة موضع الكناية لتذكر بهذه الصفة الهائلة بعد ذكرها بأنها الحاقة إلا فقد كان يكفي أن يقول كذبت ثمود و عاد بها ثم أخبر سبحانه عن كيفية إهلاكهم فقال‏} «فَأَمََّا ثَمُودُ » و هم قوم صالح «فَأُهْلِكُوا بِالطََّاغِيَةِ» أي أهلكوا بطغيانهم و كفرهم عن ابن عباس و مجاهد و قيل معناه أهلكوا بالصيحة الطاغية و هي التي جاوزت المقدار حتى أهلكتهم عن قتادة و الجبائي و أبي مسلم و قال الزجاج أهلكوا بالرجفة الطاغية و قيل بالخصلة المتجاوزة لحال غيرها في الشدة التي أهلك الله بها أهل الفساد} «وَ أَمََّا عََادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ» أي باردة عن ابن عباس و قتادة كأنه تصطك الأسنان بما يسمع من صوتها لشدة بردها و قيل الصرصر الشديدة العصوف المتجاوزة لحدها المعروف «عََاتِيَةٍ» عتت على خزانها في شدة الهبوب روى الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال ما يخرج من الريح شي‏ء إلا عليها خزان يعلمون قدرها و عددها و كيلها حتى كانت التي أرسلت على عاد فاندفق منها فهم لا يعلمون قدر غضب الله فلذلك سميت عاتية} «سَخَّرَهََا عَلَيْهِمْ» أي سلطها الله و أرسلها عليهم «سَبْعَ لَيََالٍ وَ ثَمََانِيَةَ أَيََّامٍ» قال وهب و هي التي تسميها العرب أيام العجوز ذات برد و رياح شديدة و إنما نسبت هذه الأيام إلى العجوز لأن عجوزا دخلت سربا فتبعتها الريح فقتلتها اليوم الثامن من نزول العذاب فانقطع العذاب في اليوم الثامن و قيل سميت أيام العجوز لأنها في عجز الشتاء و لها أسامي مشهورة قالوا لليوم"الأول"صن"و للثاني"صنبر"و الثالث"وبر"و للرابع"مطفئ الجمر "و للخامس"مكفي الظعن و قيل"للسادس"الآمر"و للسابع"المؤتمر"و الثامن"المعلل"و قال في ذلك شاعرهم:

كسع الشتاء بسبعة غبر # أيام شهلتنا مع الشهر

فبأمر و أخيه مؤتمر # و معلل و بمطفئ الجمر

517

(1) - فإذا انقضت أيام شهلتنا # بالصن و الصنبر و الوبر

ذهب الشتاء موليا هربا # و أتتك وافدة من النجر

«حُسُوماً» أي ولاء متتابعة ليست لها فترة عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و مجاهد و قتادة كأنه تتابع عليهم الشر حتى استأصلهم و قيل دائمة عن الكلبي و مقاتل و قيل قاطعة قطعتهم قطعا حتى أهلكتهم عن الخليل و قيل مشائيم نكداء قليلة الخير حسمت الخير عن أهلها عن عطية «فَتَرَى اَلْقَوْمَ فِيهََا» أي في تلك الأيام و الليالي «صَرْعى‏ََ» أي مصروعين‏ «كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ خََاوِيَةٍ» أي أصول نخل بالية نخرة عن قتادة و قيل خاوية فارغة خالية الأجواف عن السدي و قيل ساقطة مثل قوله‏ أَعْجََازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ «فَهَلْ تَرى‏ََ لَهُمْ مِنْ بََاقِيَةٍ» أي من نفس باقية و قيل من بقاء و الباقية بمعنى المصدر مثل العافية و الطاغية و المعنى هل ترى لهم من بقية أي لم يبق منهم أحد} «وَ جََاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ» مر معناه «وَ اَلْمُؤْتَفِكََاتُ» أي و جاء أهل القرى المؤتفكات أي المنقلبات بأهلها عن قتادة و هي قرى قوم لوط يريد الأمم و الجماعات الذين ائتفكوا «بِالْخََاطِئَةِ» أي بخطيئتهم التي هي الشرك و الكفر فالخاطئة مصدر كالخطأ و الخطيئة و قيل معناه بالأفعال الخاطئة أي بالنفس الخاطئة «فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ» فيما أمرهم به‏و قيل إن المراد بالرسول الرسالة كما في قول الشاعر:

لقد كذب الواشون ما بحت عندهم # بسر و لا أرسلتهم برسول‏

أي برسالة عن أبي مسلم و الأول أظهر «فَأَخَذَهُمْ» الله العقوبة «أَخْذَةً رََابِيَةً» أي زائدة في الشدة عن ابن عباس و قيل نامية زائدة على عذاب الأمم و قيل عالية مذكورة خارجة عن العادة.

518

(1) -

القراءة

قرأ ابن كثير في رواية القواس و تعيها بسكون العين مختلسا و هو بين الكسر و السكون و الباقون بكسر العين و قرأ حمزة و الكسائي لا يخفى بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة

الوجه في سكون العين من تعيها إنه جعل حرف المضارعة مع ما بعده بمنزلة فخذ فأسكن لأن حرف المضارعة لا تنفصل من الفعل فصار كقولك فهو و فهي و الياء و التاء في قوله لا يخفى حسن.

اللغة

الجارية السفينة التي من شأنها أن تجري على الماء و الجارية المرأة الشابة لأنه يجري فيها ماء الشباب يقال وعيت العلم أعيه وعيا و أوعيت المتاع جعلته في الوعاء قال:

إذا لم تكن حافظا واعيا # فجمعك للكتب لا ينفع‏

و الدك البسط و منه الدكان و اندك سنام البعير إذا انفرش على ظهره و الأرجاء النواحي واحدها رجا مقصور و التثنية رجوان و هاؤم أمر للجماعة بمنزلة هاكم تقول للواحد هاء يا رجل و للاثنين هاؤما يا رجلان و للجماعة هاؤم يا رجال و للمرأة هاء يا امرأة بكسر الهمزة و ليس بعدها ياء و للمرأتين هاؤما و للنساء هاؤن هذه لغة أهل الحجاز و تميم و قيس يقولون هاء يا رجل مثل قول أهل الحجاز و للاثنين هاء و للجماعة هاؤا و للمرأة هائي و للنساء هان و بعض‏

519

(1) - العرب يجعل مكان الهمزة كافأ فيقول هاك هاكما هاكم هاك هاكما هاكن و معناه خذ و تناول و يؤمر بها و لا ينهى و وقف الكسائي على هاؤم و ابتدأ «اِقْرَؤُا كِتََابِيَهْ» إعلاما منه أنه لا يذهب إلى إعمال الفعل الأول و إنما العمل للثاني و الراضية المرضية فاعلة بمعنى مفعول لأنها في معنى ذات رضى كما قيل لابن و تأمر أي ذو لبن و ذو تمر قال النابغة :

كليني لهم يا أميمة ناصب # و ليل أقاسيه بطي‏ء الكواكب‏

يعني ذو نصب فكان العيشة أعطيت حتى رضيت لأنها بمنزلة الطالبة كما أن الشهوة بمنزلة الطالبة للمشتهي و قيل هو مثل ليل نائم و سر كاتم و ماء دافق على وجه المبالغة في الصفة من غير التباس في المعنى و القطوف جمع قطف و هو ما يقطف من الثمر و القطف بالفتح المصدر .

الإعراب‏

كتابي مفعول اقرأوا لأنه يليه «قُطُوفُهََا دََانِيَةٌ» جملة مجرورة الموضع لأنها صفة جنة.

ـ

المعنى‏

ثم بين سبحانه قصة نوح (ع) فقال «إِنََّا لَمََّا طَغَى اَلْمََاءُ» أي جاوز الحد المعروف حتى غرقت الأرض بمن عليها إلا من شاء الله نجاته‏ «حَمَلْنََاكُمْ فِي اَلْجََارِيَةِ» أي حملنا آباءكم في السفينة عن ابن عباس و ابن زيد } «لِنَجْعَلَهََا لَكُمْ تَذْكِرَةً» أي لنجعل تلك الفعلة التي فعلناها من إغراق قوم نوح و نجاة من حملناه عبرة لكم و موعظة تتذكرون بها نعم الله تعالى و تشكرونه عليها و تتفكرون فيها فتعرفون كمال قدرته و حكمته «وَ تَعِيَهََا أُذُنٌ وََاعِيَةٌ» أي و تحفظها أذن حافظة لما جاء من عند الله عن ابن عباس و قيل سامعة قائلة لما سمعت عن قتادة و قال الفراء لتحفظها كل أذن فتكون عظة لمن يأتي بعد و

روى الطبري بإسناده عن مكحول أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي ص اللهم اجعلها أذن علي ثم قال علي (ع) فما سمعت شيئا من رسول الله ص فنسيته‏

و

روى بإسناده عن عكرمة عن بريدة الأسلمي أن رسول الله ص قال لعلي (ع) يا علي إن الله تعالى أمرني أن أدنيك و لا أقصيك و أن أعلمك و تعي و حق على الله أن تعي فنزل «وَ تَعِيَهََا أُذُنٌ وََاعِيَةٌ»

أخبرني فيما كتب بخطه إلي المفيد أبو الوفاء عبد الجبار عبد الله بن علي الرازي قال حدثني الشيخ السعيد أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي و الرئيس أبو الجوائز الحسن بن علي بن محمد الكاتب و الشيخ أبو عبد الله حسن بن أحمد بن حبيب الفارسي قالوا حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المفيد

520

(1) - الجرجاني قال سمعت أبا عمرو عثمان بن خطاب المعمر المعروف بأبي الدنيا الأشج قال سمعت علي بن أبي طالب (ع) يقول لما نزلت «وَ تَعِيَهََا أُذُنٌ وََاعِيَةٌ» قال النبي ص سألت الله عز و جل أن يجعلها أذنك يا علي

«فَإِذََا نُفِخَ فِي اَلصُّورِ نَفْخَةٌ وََاحِدَةٌ» و هي النفخة الأولى عن عطا و النفخة الأخيرة عن مقاتل و الكلبي } «وَ حُمِلَتِ اَلْأَرْضُ وَ اَلْجِبََالُ» أي رفعت من أماكنها «فَدُكَّتََا دَكَّةً وََاحِدَةً» أي كسرتا كسرة واحدة لا تثنى حتى يستوي ما عليها من شي‏ء مثل الأديم الممدود و قيل ضرب بعضها ببعض حتى تفتت الجبال و سفتها الرياح و بقيت الأرض شيئا واحدا لا جبل فيها و لا رابية بل تكون قطعة مستوية و إنما قال دكتا لأنه جعل الأرض جملة واحدة و الجبال دكة واحدة «فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ اَلْوََاقِعَةُ» أي قامت القيامة} «وَ اِنْشَقَّتِ اَلسَّمََاءُ» أي انفرج بعضها من بعض «فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وََاهِيَةٌ» أي شديدة الضعف بانتقاض بنيتها و قيل هو أن السماء تنشق بعد صلابتها فتصير بمنزلة الصوف في الوهي و الضعف‏} «وَ اَلْمَلَكُ عَلى‏ََ أَرْجََائِهََا» أي على أطرافها و نواحيها عن الحسن و قتادة و الملك اسم يقع على الواحد و الجمع و السماء مكان الملائكة فإذا وهت صارت في نواحيها و قيل إن الملائكة يومئذ على جوانب السماء تنتظر ما يؤمر به في أهل النار من السوق إليها و في أهل الجنة من التحية و التكرمة فيها «وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ» يعني فوق الخلائق «يَوْمَئِذٍ» يعني يوم القيامة «ثَمََانِيَةٌ» من الملائكة عن ابن زيد و

روي ذلك عن النبي ص أنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة آخرين فيكونون ثمانية

و قيل ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى عن ابن عباس «يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ» يعني يوم القيامة تعرضون معاشر المكلفين «لاََ تَخْفى‏ََ مِنْكُمْ خََافِيَةٌ» أي نفس خافية أو فعلة خافية و قيل الخافية مصدر أي خافية أحد و روي في الخبر عن ابن مسعود و قتادة أن الخلق يعرضون ثلاث عرضات ثنتان فيها معاذير و جدال و الثالثة تطير الصحف في الأيدي فأخذ بيمينه و آخذ بشماله و ليس يعرض الله الخلق ليعلم من حالهم ما لم يعلمه فإنه عز اسمه العالم لذاته يعلم جميع ما كان منهم و لكن ليظهر ذلك لخلقه ثم قسم سبحانه حال المكلفين في ذلك اليوم فقال‏} «فَأَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ» لأهل القيامة «هََاؤُمُ» أي تعالوا «اِقْرَؤُا كِتََابِيَهْ» و إنما يقوله سرورا به لعلمه بأنه ليس فيه إلا الطاعات فلا يستحيي أن ينظر فيه غيره و أهل اللغة يقولون إن معنى هاؤم خذوا «إِنِّي ظَنَنْتُ» أي علمت و أيقنت في الدنيا «أَنِّي مُلاََقٍ حِسََابِيَهْ» و الهاء لنظم رءوس الآي و هي هاء الاستراحةو المعنى إني كنت مستيقنا في دار الدنيا بأني ألقى حسابي يوم القيامة عالما بأني أجازي على الطاعة بالثواب و على المعصية بالعقاب فكنت أعمل بما أصل به إلى هذه المثوبة} «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ» أي في حالة من العيش راضية يرضاها بأن لقي الثواب‏

521

(1) - و آمن العقاب‏} «فِي جَنَّةٍ عََالِيَةٍ» أي رفيعة القدر و المكان‏} «قُطُوفُهََا دََانِيَةٌ» أي ثمارها قريبة ممن يتناولها قال البراء بن عازب يتناول الرجل من الثمرة و هو نائم و

قد ورد في الخبر عن عطاء بن يسار عن سلمان قال قال رسول الله ص لا يدخل الجنة أحدكم إلا بجواز بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية

و قيل معناه لا يرد أيديهم عن ثمرها بعد و لا شوك عن قتادة } «كُلُوا وَ اِشْرَبُوا» أي يقال لهم كلوا و اشربوا في الجنة «هَنِيئاً بِمََا أَسْلَفْتُمْ» أي قدمتم من أعمالكم الصالحة «فِي اَلْأَيََّامِ اَلْخََالِيَةِ» الماضية يعني أيام الدنيا و يعني بقوله «هَنِيئاً» إنه ليس فيه ما يؤذي فلا يحتاج فيه إلى إخراج فصل بغائط أو بول.

اللغة

القاضية الفاصلة بالإماتة يقال قضى فلان إذا مات و أصله فصل الأمر و منه قضية الحاكم و منه قضاء الله و هو في الإخبار بما يكون على القطع و التصلية إلزام النار و منه الاصطلاء و هو القعود عند النار للدفاء و الجحيم النار العظيمة و السلسلة حلق منتظمة كل واحدة منها في الأخرى و يقال سلسل كلامه إذا عقد شيئا منه بشي‏ءو تسلسل الشي‏ء إذا استمر على الولاء شيئا قبل شي‏ء و ذرع الثوب يذرعه ذرعا مأخوذ من الذراع و الغسلين الصديد الذي ينغسل بسيلانه من أبدان أهل النار و وزنه فعلين من الغسل .

522

(1) -

الإعراب‏

قوله «كِتََابِيَهْ» و «حِسََابِيَهْ» و «مََالِيَهْ» و «سُلْطََانِيَهْ» قال الزجاج الوجه أن يوقف على هذه الهاءات و لا توصل لأنها أدخلت للوقف و قد حذفها قوم في الوصل و لا أحب مخالفة المصحف و لا أن أقرأ و أثبت الهاءات في الوصل و هذه رءوس آيات فالوجه أن يوقف عندها و كذلك قوله‏ مََا هِيَهْ «فَلَيْسَ لَهُ اَلْيَوْمَ هََاهُنََا حَمِيمٌ» الجار و المجرور خبر ليس ليصح قوله «وَ لاََ طَعََامٌ إِلاََّ مِنْ غِسْلِينٍ» أي و لا له طعام و لا يكون الخبر هاهنا لأن التقدير يصير و لا طعام هاهنا إلا من غسلين و هذا غير جائز إذ هنا طعام غير غسلين و لا يكون الخبر اليوم لأن حميم جثة و ظرف الزمان لا يكون خبرا عن الجثة.

ـ

المعنى‏

ثم ذكر سبحانه حال أهل النار فقال‏ «وَ أَمََّا مَنْ أُوتِيَ» أي أعطي «كِتََابَهُ» الذي هو صحيفة أعماله «بِشِمََالِهِ فَيَقُولُ يََا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتََابِيَهْ» أي تمنى أنه لم يؤته لما يرى فيه مقابح أعماله التي يسود لها وجهه‏} «وَ لَمْ أَدْرِ مََا حِسََابِيَهْ» أي و لم أدر أي شي‏ء حسابي لأنه لا حاصل له في ذلك الحساب و إنما هو كله عليه‏} «يََا لَيْتَهََا كََانَتِ اَلْقََاضِيَةَ» الهاء في ليتها كناية عن الحال التي هم فيها و قيل هي كناية عن الموتة الأولى و القاضية القاطعة للحياة أي ليت الموتة الأولى التي متنا لم نحيي بعدها عن الفراء يتمنى دوام الموت و أنه لم يبعث للحساب و قال قتادة تمنى يومئذ الموت و لم يكن في الدنيا شي‏ء عنده أكره من الموت «مََا أَغْنى‏ََ عَنِّي مََالِيَهْ» أي ما دفع عني مالي من عذاب الله شيئا و قيل معناه إني قصرت همتي على تحصيل المال ليكشف الكرب عني فما نفعني اليوم‏ «هَلَكَ عَنِّي سُلْطََانِيَهْ» أي حجتي عن ابن عباس و مجاهد أي ضل عني ما كنت أعتقده حجة و قيل معناه هلك عني تسلطي و أمري و نهيي في دار الدنيا على ما كنت مسلطا عليه فلا أمر لي و لا نهي ثم أخبر سبحانه أنه يقول للملائكة} «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ» أي أوثقوه بالغل و هو أن تشد إحدى يديه و رجليه إلى عنقه بجامعة} «ثُمَّ اَلْجَحِيمَ صَلُّوهُ» أي ثم أدخلوه النار العظيمة و ألزموه إياها} «ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهََا» أي طولها «سَبْعُونَ ذِرََاعاً فَاسْلُكُوهُ» أي اجعلوه فيها لأنه يؤخذ عنقه فيها ثم يجر بها قال الضحاك إنما تدخل في فيه و تخرج من دبره فعلى هذا يكون المعنى ثم اسلكوا السلسلة فيه فقلب كما يقال أدخلت القلنسوة في رأسي و قال الأعشى :

"إذا ما السراب ارتدى بالأكم"

و إنما ارتدى الأكم بالسراب و لكنه قلب و قال نوف البكالي كل ذراع سبعون باعا و الباع أبعد مما بينك و بين مكة و كان في رحبة الكوفة و قال الحسن الله أعلم بأي ذراع هوو قال سويد بن نجيح إن جميع أهل النار في تلك السلسلة و لو أن حلقة منها وضعت على جبل لذاب من‏

523

(1) - حرها ثم قال سبحانه‏} «إِنَّهُ كََانَ لاََ يُؤْمِنُ بِاللََّهِ اَلْعَظِيمِ» شأنه أي لم يكن يوحد الله في دار التكليف و لا يصدق به‏} «وَ لاََ يَحُضُّ عَلى‏ََ طَعََامِ اَلْمِسْكِينِ» و هو المحتاج الفقير و المعنى أنه كان يمنع الزكاة و الحقوق الواجبة} «فَلَيْسَ لَهُ اَلْيَوْمَ هََاهُنََا حَمِيمٌ» أي صديق ينفعه‏} «وَ لاََ طَعََامٌ» أي و لا له اليوم طعام «إِلاََّ مِنْ غِسْلِينٍ» و هو صديد أهل النار و ما يجري منهم فالطعام هو ما هيئ للأكل و لذلك لا يسمى التراب طعاما للإنسان فلما هيئ الصديد لأكل أهل النار كان ذلك طعاما لهم و قيل إن أهل النار طبقات فمنهم من طعامه غسلين و منهم من طعامه الزقوم و منهم من طعامه الضريع لأنه قال في موضع آخر لَيْسَ لَهُمْ طَعََامٌ إِلاََّ مِنْ ضَرِيعٍ و قيل يجوز أن يكون الضريع هو الغسلين فعبر عنه بعبارتين عن قطرب و قيل يجوز أن يكون المراد ليس لهم طعام إلا من ضريع و لا شراب إلا من غسلين كما قال الشاعر:

علفتها تبنا و ماء باردا # حتى شقت همالة عيناها

«لاََ يَأْكُلُهُ» أي لا يأكل الغسلين «إِلاَّ اَلْخََاطِؤُنَ» و هم الجائرون عن طريق الحق عامدين و الفرق بين الخاطئ و المخطئ أن المخطئ قد يكون من غير تعمد و الخاطئ المذنب المتعمد الجائر عن الصراط المستقيم قال امرؤ القيس :

يا لهف هند إذ خطئن كاهلا # القاتلين الملك الحلاحلا

.

524

(1) -

القراءة

قرأ ابن كثير و ابن عامر و يعقوب و سهل يؤمنون و يذكرون بالياء كناية عن الكفار و الباقون بالتاء خطابا لهم و كلاهما حسن.

اللغة

الوتين نياط القلب و إذا انقطع مات الإنسان قال الشماخ بن ضرار :

إذا بلغتني و حملت رحلي # عرابة فاسرقي بدم الوتين‏

.

الإعراب‏

قليلا في الموضعين صفة مصدر محذوف و ما مزيدة و تقديره إيمانا قليلا تؤمنون و تذكرا قليلا تذكرون و يجوز أن يكون صفة لظرف محذوف أي وقتا قليلا تؤمنون و وقتا قليلا تذكرون و يجوز أن تكون ما مصدرية و يكون التقدير قليلا إيمانكم و قليلا تذكركم يكون ما في موضع رفع بقليل و قوله «مِنْ أَحَدٍ» في موضع رفع لأنه اسم ما و من مزيدة لتأكيد النفي تقديره فما منكم أحد و الأصل فما أحد منكم فمنكم في موضع رفع بكونه صفة على الموضع أو في موضع جر على اللفظ فلما تقدم الموصوف صار في موضع النصب على الحال حاجزين منصوب بأنه خبر ما و لم يبطل قوله «مِنْكُمْ» عمل ما و إن فصل بينهما لأنه ظرف و الفصل بالظرف في هذا الباب كلا فصل قال أبو علي إن جعلت منكم مستقرا كان حاجزين صفة أحد و إن جعلت منكم غير مستقر كان حاجزين خبر ما و على الوجهين فقوله «حََاجِزِينَ»

525

(1) - محمول على المعنى و أقول في بيانه أنه إن كان في منكم ضمير لأحدو يكون خبرا له متقدما عليه فيكون حاجزين صفة لأحد و تقديره ما منكم قوم حاجزون عنه و يكون ما غير عاملة هنا على غير لغة تميم أيضا و يكون حاجزين مجرورا حملا على اللفظ و كونه غير مستقر هو أن يكون على ما ذكرناه قبل.

المعنى‏

}ثم أكد سبحانه ما تقدم فقال «فَلاََ أُقْسِمُ بِمََا تُبْصِرُونَ ` وَ مََا لاََ تُبْصِرُونَ» قيل فيه وجوه (أحدها) أن يكون قوله «لا» ردا لكلام المشركين فكأنه قال ليس الأمر كما يقول المشركون أقسم بالأشياء كلها ما يبصر منها و ما لا يبصر و يدخل فيها جميع المكونات‏} «"إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ"» يعني محمدا ص عن الفراء و قتادة و (ثانيها) أن لا مزيدة مؤكدة و التقدير فأقسم بما ترون و ما لا ترون (و ثالثها) أنه نفي للقسم و معناه لا يحتاج إلى القسم لوضوح الأمر في أنه رسول كريم فإنه أظهر من أن يحتاج في إثباته إلى قسم عن أبي مسلم و (رابعها) أنه كقول القائل لا و الله لا أفعل ذلك و لا و الله لأفعلن ذلك‏و قال الجبائي إنما أراد أنه لا يقسم بالأشياء المخلوقات ما يرى و ما لا يرى و إنما أقسم بربها لأن القسم لا يجوز إلا بالله «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» قال إنه قول الله على الحقيقة و إنما الملك و جبرائيل و الرسول يحكون ذلك و إنما أسنده إليهم من حيث إن ما يسمع منهم كلامهم فلما كان حكاية كلام الله قيل هو كلام الله على الحقيقة في العرف قال الجبائي و الرسول الكريم جبرائيل و الكريم الجامع لخصال الخير}} «وَ مََا هُوَ بِقَوْلِ شََاعِرٍ قَلِيلاً مََا تُؤْمِنُونَ ` وَ لاََ بِقَوْلِ كََاهِنٍ قَلِيلاً مََا تَذَكَّرُونَ» قول الشاعر ما ألفه بوزن و جعله مقفى و له معنى و قول الكاهن السجع و هو كلام متكلف يضم إلى معنى يشاكله طهره الله سبحانه من الشعر و الكهانة و عصمه عنهما و إنما منعه سبحانه من الشعر و نزهه عنه لأن الغالب من حال الشعر أن يدعو إلى الهوى و يبعث على الشهوة و النبي ص إنما يأتي بالحكم التي يدعو إليها العقل للحاجة إلى العمل عليها و الاهتداء بهاو أيضا فإنه سبحانه منعه من قول الشعر دلالة على أن القرآن ليس بصفة الكلام المعتاد بين الناس و أنه ليس بشعر بل هو صنف من الكلام خارج عن الأنواع المعتادة و إذا بعد عما جرت به العادة في تأليف الكلام فذلك أدل على إعجازه و قوله «قَلِيلاً مََا تُؤْمِنُونَ» معناه لا تصدقون بأن القرآن من عند الله تعالى يريد بالقليل نفي إيمانهم أصلا كما تقول لمن لا يزورك قل ما تأتينا و أنت تريد لا تأتينا أصلا فالمعنى لا تؤمنون به و لا تتذكرون و لا تتفكرون فتعلموا المعجز و تفصلوا بينه و بين الشعر و الكهانة} «تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ» بين أنه منزل من عنده على لسان جبرائيل حتى لا يتوهم أنه كلام جبرائيل } «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا» محمد ص «بَعْضَ اَلْأَقََاوِيلِ» معناه و لو

526

(1) - كذب علينا و اختلق ما لم نقله أي لو تكلف القول و أتى به من عند نفسه‏} «لَأَخَذْنََا مِنْهُ بِالْيَمِينِ» أي لأخذنا بيده التي هي اليمين على وجه الإذلال كما يقول السلطان يا غلام خذ بيده فأخذها إهانة عن ابن جرير و قيل معناه لقطعنا يده اليمني عن الحسن و أبي مسلم فعلى هذا تكون الباء مزيدة أي لأخذنا منه اليمين و قيل معناه لأخذنا منه بالقوة و القدرة أي لأخذناه و نحن قادرون عليه مالكون له عن الفراء و المبرد و الزجاج و إنما أقام اليمين مقام القوة و القدرة لأن قوة كل شي‏ء في ميامنه عن ابن قتيبة } «ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ اَلْوَتِينَ» أي و لكنا نقطع منه وتينه و نهلكه قال مجاهد و قتادة هو عرق في القلب متصل بالظهر و قيل هو حبل القلب‏} «فَمََا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حََاجِزِينَ» أي فما منكم أحد يحجزنا عنه و المعنى أنه لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاتبناه‏ثم لم تقدروا أنتم على دفع عقوبتنا عنه ثم ذكر سبحانه أن القرآن ما هو فقال‏} «وَ إِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ» أي و إنه لعظة لمن اتقى عقاب الله بطاعته‏} «وَ إِنََّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ» بالقرآن أي علمنا أن بعضكم يكذبه أشار سبحانه إلى أن منهم من يصدق و منهم من يكذب‏} «وَ إِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى اَلْكََافِرِينَ» أي إن هذا القرآن حسرة عليهم يوم القيامة حيث لم يعملوا به في الدنيا} «وَ إِنَّهُ لَحَقُّ اَلْيَقِينِ» معناه و إن القرآن للمتقين لحق اليقين و الحق هو اليقين و إنما إضافة إلى نفسه كما يقال مسجد الجامع و دار الآخرة و بارحة الأولى و يوم الخميس و ما أشبه ذلك فيضاف الشي‏ء إلى نفسه إذا اختلف لفظه و قيل إن الحق هو الذي معتقده على ما اعتقد و اليقين هو الذي لا شبهة فيه‏} «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ» الخطاب للنبي ص و المراد به جميع المكلفين و معناه نزه الله سبحانه عما لا يجوز عليه من الصفات و العظيم هو الجليل الذي يصغر شأن غيره في شأنه و يتضاءل كل شي‏ء لعظمته و سلطانه.