مجمع البيان في تفسير القرآن - ج10

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
870 /
527

(1) -

(70) سورة المعارج مكية و آياتها أربع و أربعون (44)

توضيح‏

قال الحسن إلا قوله «وَ اَلَّذِينَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ» .

عدد آيها

أربع و أربعون آية غير الشامي ثلاث شامي.

اختلافها

آية «أَلْفَ سَنَةٍ» غير الشامي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال قال رسول الله ص و من قرأ سأل سائل أعطاه الله ثواب الذين هم لأماناتهم و عهدهم راعون و الذين هم على صلواتهم يحافظون‏

و

عن جابر عن أبي جعفر (ع) قال من أدمن قراءة سأل سائل لم يسأله الله يوم القيامة عن ذنب عمله و أسكنه جنته مع محمد ص .

تفسيرها

لما ختم الله سورة الحاقة بوعيد الكفار افتتح هذه السورة بمثل ذلك فقال:

528

(1) -

القراءة

قرأ أهل المدينة و ابن عامر سأل بغير همز و الباقون بالهمز و قرأ الكسائي يعرج بالياء و قرأ الباقون بالتاء و قرأ ابن كثير في رواية البزي و عاصم في رواية البرجمي عن أبي بكر و لا يسأل بضم الياء و الباقون «لاََ يَسْئَلُ» بفتح الياء.

الحجة

قال أبو علي من قرأ سأل جعل الألف منقلبة عن الواو التي هي عين مثل قال و خاف و حكى أبو عثمان عن أبي زيد أنه سمع من يقول هما يتساولان فمن قال سأل كان على هذه اللغة و من قرأ «سَأَلَ» فجعل الهمزة عين الفعل فإن حقق قال سأل و إن خفف جعلها بين الألف و الهمزة و أما قول الشاعر:

سألت هذيل رسول الله فاحشة # ضلت هذيل بما قالت و لم تصب‏

و يمكن فيه الوجهان و كل القراء على همز سائل لأنه لا يخلو إما أن يكون من يتساولان أو من اللغة الأخرى فإن كان من الأول لم يكن فيه إلا الهمز كما يكون في قائل و خائف لأن العين إذا اعتلت بالفعل اعتلت في اسم الفاعل و اعتلالها لا يكون بالحذف للالتباس فقلب إلى الهمزة و إن كانت في لغة من همز فليس فيه إلا الهمز كما يكون في ثائر إلا أنك إن شئت خففت الهمزة فجعلتها بين بين و كذلك في الوجه الآخر و أما يعرج و «تَعْرُجُ» فالياء و التاء فيه حسنتان و من ضم قوله و لا يسئل حميم حميما فالمعنى و الله أعلم لا يسئل حميم عن حميمه ليعرف شأنه من جهته كما يتعرف الخبر الصديق من جهة صديقه و القريب عن قريبه فإذا كان كذلك فالكلام إذا بنيت الفعل للفاعل قلت سألت زيدا عن حميمه و إذا بنيت الفعل للمفعول به قلت سئل زيد عن حميمه و قد يحذف الجار فيصل الفعل إلى الاسم الذي كان مجرورا قبل حذف الجار فينتصب بأنه مفعول الاسم الذي أسند إليه الفعل المبني للمفعول به فعلى هذا انتصب قوله «حَمِيماً» و يدل على هذا المعنى قوله يُبَصَّرُونَهُمْ أي يبصر الحميم الحميم تقول بصرت به فإذا ضعفت عين الفعل صار الفاعل مفعولافتقول بصرني زيد بكذا فإذا حذفت الجار قلت بصرني زيد كذا فإذا بنيت الفعل للمفعول به و قد حذفت الجار قلب بصرت زيدا فعلى هذا قوله يُبَصَّرُونَهُمْ فإذا بصروهم لم يحتج إلى تعرف شأن الحميم من حميمه و إنما جمع فقيل يبصروهم لأن الحميم و إن كان مفردا في اللفظ فالمراد به الكثرة

529

(1) - و الجمع يدلك على ذلك قوله‏ فَمََا لَنََا مِنْ شََافِعِينَ ` وَ لاََ صَدِيقٍ حَمِيمٍ و من قرأ «وَ لاََ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً» فالمعنى لا يسأل الحميم عن حميمه في ذلك اليوم لأنه يذهل عن ذلك و يشغل عنه بشأنه كما قال‏ يَوْمَ يَفِرُّ اَلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ إلى قوله‏ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ .

اللغة

المعارج مواضع العروج و هو الصعود مرتبة بعد مرتبة و منه الأعرج لارتفاع إحدى رجليه عن الأخرى قال الزجاج المهل دردي الزيت و قيل هو الجاري بغلظة و عكزه على رفق من أمهله إمهالا و العهن الصوف المنقوش و الحميم القريب النسب إلى صاحبه و أصله من القرب قال:

أحم الله ذلك من لقاء # أحاد أحاد في الشهر الحلال‏

.

الإعراب‏

بعذاب الباء تتعلق بسال لأن معناه دعا داع بعذاب و قيل إن الباء بمعنى عن و تقديره عن عذاب قال:

دع المعمر لا تسأل بمصرعه # و أسأل بمصقلة البكري ما فعلا

يريد عن مصرعه و عن مصقله و اللام في قوله «لِلْكََافِرينَ» بمعنى على و يتعلق بواقع أي واقع على الكافرين و قيل إنه يتعلق بمحذوف فيكون صفة لسائل تقديره سأل سائل كائن للكافرين أي منهم.

المعنى‏

«سَأَلَ سََائِلٌ بِعَذََابٍ وََاقِعٍ» قيل إن هذا السائل هو الذي قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية و هو النضر بن الحارث بن كلدة فيكون المعنى دعا داع على نفسه بعذاب واقع مستعجلا له و هو واقع بهم لا محالة عن مجاهد و قيل سأل المشركون فقالوا لمن هذا العذاب الذي تذكر يا محمد فجاء جوابه بأنه «لِلْكََافِرينَ لَيْسَ لَهُ دََافِعٌ» عن الحسن و قيل معناه دعا داع بعذاب على الكافرين و ذلك الداعي هو النبي ص عن الجبائي و تكون الباء في بعذاب مزيدة على التوكيد كما في قوله‏ وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ و التقدير سأل سائل عذابا واقعا و قيل هي بمعنى عن و عليه تأويل قول الحسن لأنهم سألوا عن العذاب لمن هو و قيل الباء للتعدي أي بإنزال عذاب و عليه تأويل قول مجاهد و قيل إن معنى سأل سائل على قراءة من قرأ بالألف من سال يسيل سيلا و التقدير سال سيل سائل بعذاب واقع‏و قيل سائل اسم واد في جهنم سمي به لأنه يسيل بالعذاب عن ابن زيد و

أخبرنا السيد أبو الحمد

530

(1) - قال حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال حدثنا أبو عبد الله الشيرازي قال حدثنا أبو بكر الجرجاني قال حدثنا أبو أحمد البصري قال حدثنا محمد بن سهل قال حدثنا زيد بن إسماعيل مولى الأنصار قال حدثنا محمد بن أيوب الواسطي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد الصادق عن آبائه ع قال لما نصب رسول الله ص عليا (ع) يوم غدير خم و قال من كنت مولاه فعلي مولاه طار ذلك في البلاد فقدم على النبي ص النعمان بن الحرث الفهري فقال أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله و أمرتنا بالجهاد و الحج و الصوم و الصلاة و الزكاة فقبلناها ثم لم ترض حتى نصبت هذا الغلام فقلت من كنت مولاه فعلي مولاه فهذا شي‏ء منك أو أمر من عند الله فقال و الله الذي لا إله إلا هو أن هذا من الله فولى النعمان بن الحرث و هو يقول اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فرماه الله بحجر على رأسه فقتله‏و أنزل الله تعالى «سَأَلَ سََائِلٌ بِعَذََابٍ وََاقِعٍ»

و قوله‏}} «لَيْسَ لَهُ دََافِعٌ ` مِنَ اَللََّهِ ذِي اَلْمَعََارِجِ» أي ليس لعذاب الله دافع من الله و قيل معناه بعذاب للكافرين واقع من الله أي وقوعه من الله و ذي المعارج صفة الله سبحانه و قيل فيه وجوه (أحدها) أن معناه ذي الفواضل العالية و الدرجات التي يعطيها للأنبياء و الأولياء في الجنة لأنه يعطيهم المنازل الرفيعة و الدرجات العلية و هو معنى قول قتادة و الجبائي (و ثانيها) أنها معارج السماء أي مواضع عروج الملائكة عن ابن عباس و مجاهد و قال الكلبي معناه ذي السماوات لأن الملائكة تعرج فيها (و ثالثها) أنه بمعنى ذي الملائكة أي مالك الملائكة التي تعرج إلى السماء و منه ليلة المعراج لأنه عرج بالنبي ص إلى السماء فيها} «تَعْرُجُ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ» أي تصعد الملائكة و يصعد الروح أيضا معهم و هو جبرائيل خصه بالذكر من بين الملائكة تشريفا له «إِلَيْهِ» أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سواه فيه حكم جعل سبحانه عروجهم إلى ذلك الموضع عروجا إليه‏كقول إبراهيم (ع) إِنِّي ذََاهِبٌ إِلى‏ََ رَبِّي إلى الموضع الذي وعدني ربي «فِي يَوْمٍ كََانَ مِقْدََارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» اختلف في معناه فقيل تعرج الملائكة إلى الموضع الذي يأمرهم الله به في يوم كان مقداره من عروج غيرهم خمسين ألف سنة و ذلك من أسفل الأرضين إلى فوق السماوات السبع و قوله في سورة السجدة فِي يَوْمٍ كََانَ مِقْدََارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ هو لما بين السماء الدنيا و الأرض في الصعود و النزول خمسمائة سنة في الصعود و خمسمائة سنة في النزول عن مجاهد و المراد أن الآدميين لو احتاجوا إلى قطع هذا المقدار الذي قطعته الملائكة في يوم واحد لقطعوه في هذه المدة و قيل أنه يعني يوم القيامة و أنه يفعل فيه من الأمور و يقضي فيه من الأحكام بين العباد ما لو فعل في الدنيا لكان مقداره خمسين ألف سنة عن الجبائي و هو معنى قول قتادة و عكرمة و

روى أبو

531

(1) - سعيد الخدري قال قيل يا رسول الله ما أطول هذا اليوم فقال و الذي نفس محمد بيده إنه ليخف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا

و

روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال لو ولي الحساب غير الله لمكثوا فيه خمسين ألف سنة من قبل أن يفرغوا و الله سبحانه يفرغ من ذلك في ساعة

و

عنه أيضا قال لا ينتصف ذلك اليوم حتى يقبل أهل الجنة في الجنة و أهل النار في النار

و قيل معناه أن أول نزول الملائكة في الدنيا و أمره و نهيه و قضائه بين الخلائق إلى آخر عروجهم إلى السماء و هو القيامة هذه المدة فيكون مقدار الدنيا خمسين ألف سنة لا يدري كم مضى و كم بقي و إنما يعلمه الله عز و جل و قال الزجاج يجوز أن يكون قوله «فِي يَوْمٍ» من صلة واقع فيكون المعنى سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة و ذلك العذاب يقع يوم القيامة} «فَاصْبِرْ» يا محمد على تكذيبهم إياك «صَبْراً جَمِيلاً» لا جزع فيه و لا شكوى على ما تقاسيه‏}} «إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ` وَ نَرََاهُ قَرِيباً» أخبر سبحانه أنه يعلم مجي‏ء يوم القيامة و حلول العقاب بالكفار قريبا و يظنه الكفار بعيدا لأنهم لا يعتقدون صحته و كل ما هو آت فهو قريب دان فالرؤية الأولى بمعنى الظن‏و الثانية بمعنى العلم ثم أخبر سبحانه أنه متى يقع العذاب بهم فقال‏} «يَوْمَ تَكُونُ اَلسَّمََاءُ كَالْمُهْلِ» أي كدردي الزيت عن ابن عباس و قيل كعكر القطران عن عطاء و قيل مثل الفضة إذا أذيبت عن الحسن و قيل مثل الصفر المذاب عن أبي مسلم } «وَ تَكُونُ اَلْجِبََالُ كَالْعِهْنِ» أي كالصوف المصبوغ و قيل كالصوف المنفوش عن مقاتل و قيل كالصوف الأحمر عن الحسن يعني إنها تلين بعد الشدة و تتفرق بعد الاجتماع قال الحسن إنها أولا تصير كئيبا مهيلا ثم تصير عهنا منفوشا ثم هباء منثورا} «وَ لاََ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً» لشغل كل إنسان بنفسه عن غيره عن مجاهد و قيل لا يسأل حميم حميما أن يتحمل عنه من أوزاره ليأسه منه ذلك في الآخرة عن الحسن و قال الأخفش الحميم من يخصه الرجل مودة و شفقة من قريب الرحم و بعيدة و الحامة الخاصة و قيل معناه أنه لا يحتاج إلى سؤاله لأنه يكون لكل علامة يعرف بها فعلامة الكافرين سواد الوجوه و زرقة العيون‏و علامة المؤمنين نضارة اللون و بياض الوجوه.

532

(1) -

القراءة

قرأ حفص «نَزََّاعَةً» بالنصب و الباقون بالرفع و قرأ ابن كثير لأمانتهم بغير ألف بعد النون و الباقون «لِأَمََانََاتِهِمْ» بالجمع و قرأ حفص و يعقوب و سهل «بِشَهََادََاتِهِمْ» على الجمع و الباقون بشهادتهم و كلهم قرءوا «عَلى‏ََ صَلاََتِهِمْ» على التوحيد.

الحجة

قال أبو علي من قرأ إنها لظى نزاعة للشوى فرفع نزاعة جاز في رفعه ما جاز في قولك هذا زيد منطلق و هذا بعلي شيخ و من نصب فعلى وجهين (أحدهما) أن يكون حالا (و الآخر) أن يحمل على فعل فحمله على الحال يبعد لأنه ليس في الكلام ما يعمل في الحال فإن قلت فإن في قوله «لَظى‏ََ» معنى التلظي و التلهب فإن ذلك لا يستقيم لأن لظى معرفة

533

(1) - لا ينتصب عنها الأحوال أ لا ترى أن ما استعمل استعمال الأسماء من اسم فاعل أو مصدر لم يعمل هذا النحو من حيث جرى مجرى الأسماء فبأن يعمل الاسم المعرفة عمله أولى و يدلك على تعريف هذا الاسم و كونه علما أن التنوين لم يلحقه فإذا كان كذلك لم ينتصب الحال عنه فإن جعلتها مع تعريفها قد صارت معروفة بشدة التلظي جاز أن تنصبه بهذا المعنى الحادث في العلم و على هذا قوله تعالى‏ وَ هُوَ اَللََّهُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ فِي اَلْأَرْضِ علقت الظرف بما دل عليه الاسم من التدبير و الألطاف فإن علقت الحال بالمعنى الحادث في العلم كما علقت الظرف بما دل عليه الاسم من التدبير و الألطاف لم يمتنع لأن الحال كالظرف في تعلقها بالمعنى كتعلق الظرف به و كان وجها و إن علقت نزاعة بفعل مضمر نحو أعينها نزاعة للشوى لم يمتنع أيضاو أما قوله لأمانتهم على الإفراد و إن كان مضافا إلى جماعة و لكل واحد منهم أمانة فلأنه مصدر يقع على جميع الجنس و يتناوله و من جمع فلاختلاف الأمانات و كثرة ضروبها فأشبهت بذلك الأسماء التي ليست للجنس و القول في الشهادة و الشهادات مثل القول في الأمانة و الأمانات.

ـ

اللغة

المودة مشتركة بين التمني و بين المحبة يقال وددت الشي‏ء أي تمنيته و وددته أي أحببته أود فيهما جميعا و الافتداء افتداء الضرر عن الشي‏ء ببدل منه و الفصيلة الجماعة المنقطعة عن جملة القبيلة برجوعها إلى أبوة خاصة عن أبوة عامة و لظى اسم من أسماء جهنم مأخوذة من التوقد و النزاعة الكثيرة النزع و هو اقتلاع عن شدة ضم و الاقتلاع أخذ بشدة اعتماد و الشوى جلدة الرأس واحدتها شواة قال الأعشى :

قالت قتيلة ما له # قد جللت شيبا شواته‏

و الشوى الأكارع و الأطراف و الشوى ما عدا المقاتل من كل حيوان يقال رماه فأشواه أي أصاب غير مقتله و رمى فأصمى أي أصاب المقتل و الشوى أيضا الخسيس من المال و الهلوع الشديد الحرص الشديد الجزع و الإشفاق رقة القلب عن تحمل ما يخاف من الأمور فإذا قسا قلب الإنسان بطل الإشفاق و العادي الخارج عن الحق يقال عدا فلان إذا اعتدى و عدا في مشيه إذا أسرع و هو الأصل و العادي الظالم بالإسراع إلى الظلم .

الإعراب‏

يجوز أن يكون العامل في الظرف من قوله‏ يَوْمَ تَكُونُ اَلسَّمََاءُ كَالْمُهْلِ قوله «يُبَصَّرُونَهُمْ» و قوله «يَوَدُّ اَلْمُجْرِمُ» يجوز أن يكون استئناف كلام و يجوز أن يكون في محل الجر

534

(1) - بدلا من‏ تَكُونُ اَلسَّمََاءُ كَالْمُهْلِ . هلوعا و منوعا و جزوعا منصوبة على الحال و التقدير خلق هلوعا، جزوعا إذا مسه الشر، منوعا إذا مسه الخير و المصلين منصوب على الاستثناء و قوله «إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ» قيل أن على هذه محمولة على المعنى و التقدير فإنهم يلامون على غير أزواجهم و يدل عليه قوله «فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ» عن الزجاج و قيل تقديره إلا من أزواجهم فيكون على بمعنى من.

المعنى‏

لما وصف سبحانه القيامة و أخبر أن الحميم فيه لا يسأل حميمه لشغله بنفسه قال «يُبَصَّرُونَهُمْ» أي يعرف الكفار بعضهم بعضا ساعة ثم لا يتعارفون و يفر بعضهم من بعض عن ابن عباس و قتادة و قيل يعرفهم المؤمنون عن مجاهد أي يبصر المؤمن أعداءه على حالهم من العذاب فيشمت بهم و يسر و قيل يعرف أتباع الضلالة رؤساءهم و قيل إن الضمير يعود إلى الملائكة و قد تقدم ذكرهم أي يعرفهم الملائكة و يجعلون بصراء بهم فيسوقون فريقا إلى الجنة و فريقا إلى النار «يَوَدُّ اَلْمُجْرِمُ» أي يتمنى العاصي «لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذََابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ» يتمنى سلامته من العذاب النازل به بإسلام كل كريم عليه من أولاده الذين هم أعز الناس عليه‏} «وَ صََاحِبَتِهِ» أي زوجته التي كانت سكنا له و ربما آثرها على أبويه «وَ أَخِيهِ» الذي كان ناصرا له و معينا} «وَ فَصِيلَتِهِ» أي و عشيرته «اَلَّتِي تُؤْوِيهِ» في الشدائد و تضمه و يأوي إليها في النسب‏} «وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً» أي و بجميع الخلائق يقول يود لو يفتدي بجميع هذه الأشياء «ثُمَّ يُنْجِيهِ» ذلك الفداء} «كَلاََّ» لا ينجيه ذلك قال الزجاج كلا ردع و تنبيه أي لا يرجع أحد من هؤلاء فارتدعوا «إِنَّهََا لَظى‏ََ» يعني أن نار جهنم أو القصة لظى نزاعة للشوى و سميت لظى لأنها تتلظى أي تشتعل و تلتهب على أهلها و قيل لظى اسم من أسماء جهنم و قيل هي الدركة الثانية منها و هي‏} «نَزََّاعَةً لِلشَّوى‏ََ» تنزع الأطراف فلا تترك لحما و لا جلدا إلا أحرقته عن مقاتل و قيل تنزع الجلد و أم الرأس عن ابن عباس و قيل تنزع الجلد و اللحم عن العظم عن الضحاك و قال الكلبي يعني تأكل الدماغ كله ثم يعود كما كان و قال أبو صالح الشوى لحم الساق و قال سعيد بن جبير العصب و العقب و قال أبو العالية محاسن الوجه «تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلََّى» يعني النار تدعو إلى نفسها من أدبر عن الإيمان و تولى عن طاعة الله و رسوله عن قتادة و المعنى أنه لا يفوت هذه النار كافر فكأنها تدعوه فيجيبها كرها و قيل إن الله تعالى ينطق النار حتى تدعوهم إليها و قيل معناه تدعو زبانية النار من أدبر و تولى عن الحق فجعل ذلك سبحانه دعاء من النار عن الجبائي و قيل تدعو أي تعذب رواه المبرد عن الخليل قال يقال دعاك الله أي عذبك } «وَ جَمَعَ» المال «فَأَوْعى‏ََ» أي أمسكه في الوعاء فلم ينفقه في طاعة الله فلم يؤد زكاة و لم يصل رحما و قيل جمعه من باطل و منعه عن الحق‏

535

(1) -} «إِنَّ اَلْإِنْسََانَ خُلِقَ هَلُوعاً» أي ضجورا شحيحا جزوعا من الهلع و هو شدة الحرص و قال أهل البيان تفسيره فيما بعده‏}} «إِذََا مَسَّهُ اَلشَّرُّ جَزُوعاً ` وَ إِذََا مَسَّهُ اَلْخَيْرُ مَنُوعاً» يعني إذا أصابه الفقر لا يحتسب لا يصبرو إذا أصابه الغنى منعه من البر ثم استثنى سبحانه الموحدين المطيعين فقال‏}} «إِلاَّ اَلْمُصَلِّينَ ` اَلَّذِينَ هُمْ عَلى‏ََ صَلاََتِهِمْ دََائِمُونَ» مستمرون على أدائها لا يخلون بها و لا يتركونها و

روي عن أبي جعفر (ع) أن هذا في النوافل‏

و قوله‏} «وَ اَلَّذِينَ هُمْ عَلى‏ََ صَلاََتِهِمْ يُحََافِظُونَ» في الفرائض و الواجبات و قيل هم الذين لا يزيلون وجوههم عن سمت القبلة عن عقبة عن عامر و الزجاج } «وَ اَلَّذِينَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ` لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ» يعني الزكاة المفروضة و السائل الذي يسأل و المحروم الفقير الذي يتعفف و لا يسأل و قد سبق تفسيرها و

روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال الحق المعلوم ليس من الزكاة و هو الشي‏ء الذي تخرجه من مالك إن شئت كل جمعة و إن شئت كل يوم و لكل ذي فضل فضله‏

و

روي عنه أيضا أنه قال هو أن تصل القرابة و تعطي من حرمك و تصدق على من عاداك‏

«وَ اَلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ اَلدِّينِ» أي يؤمنون بأن يوم الجزاء و الحساب حق لا يشكون في ذلك «وَ اَلَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذََابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ» أي خائفون‏} «إِنَّ عَذََابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ» أي لا يؤمن حلوله بمستحقيه و هم العصاة و قيل معناه يخافون أن لا تقبل حسناتهم و يؤخذون بسيئاتهم و قيل غير مأمون لأن المكلف لا يدري هل أدى الواجب كما أمر به و هل انتهى عن المحظور على ما نهي عنه و لو قدرنا أن إنسانا يعلم ذلك من نفسه لكان آمنا}} «وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ ` إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ» يعني الذين يحفظون فروجهم عن المناكح على كل وجه و سبب إلا على الأزواج أو ملك الأيمان من الإماء «فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ» على ترك حفظ الفروج عنهم‏} «فَمَنِ اِبْتَغى‏ََ وَرََاءَ ذََلِكَ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلعََادُونَ» فمن طلب وراء ما أباحه الله له من الفروج فأولئك هم الذين تعدوا حدود الله و خرجوا عما أباحه لهم و معنى وراء ذلك ما خرج عن حده من أي جهة كان‏} «وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِأَمََانََاتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رََاعُونَ» أي حافظون و الأمانة ما يؤتمن المرء عليه مثل الوصايا و الودائع و الحكومات و نحوها و قيل الأمانة الإيمان و ما أخذ الله عباده من التصديق بما أوجبه عليهم و العمل بما يجب عليهم العمل به‏} «وَ اَلَّذِينَ هُمْ بِشَهََادََاتِهِمْ قََائِمُونَ» أي يقيمون الشهادات التي تلزمهم إقامتها و الشهادة الإخبار بالشي‏ء أنه على ما شاهدوه ذلك أنه قد يكون عن مشاهدة للمخبر به و قد يكون عن مشاهدة ما يدعو إليه } «وَ اَلَّذِينَ هُمْ عَلى‏ََ صَلاََتِهِمْ يُحََافِظُونَ» أي يحفظون أوقاتها و أركانها فيؤدونها بتمامها و لا يضيعون شيئا منها و

روى محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (ع) أنه قال أولئك أصحاب الخمسين صلاة من شيعتنا

و

روى زرارة عن أبي جعفر (ع)

536

(1) - قال هذه الفريضة من صلاها لوقتها عارفا بحقها لا يؤثر عليها غيرها كتب الله له بها براءة لا يعذبه‏و من صلاها لغير وقتها مؤثرا عليها غيرها فإن ذلك إليه إن شاء غفر له و إن شاء عذبه‏

و «أُولََئِكَ» من وصفوا بهذه الصفات «فِي جَنََّاتٍ» أي بساتين يجنها الشجر «مُكْرَمُونَ» معظمون مبجلون بما يفعل بهم من الثواب.

ـ

القراءة

قرأ ابن عامر و حفص و سهل «إِلى‏ََ نُصُبٍ» بضمتين و الباقون إلى نصب بفتح النون و سكون الصاد.

الحجة

قال أبو علي يجوز أن يكون نصب جمع نصب مثل سقف و سقف و ورد و من ثقل فقال نصب كان بمنزلة أسد و يمكن أن يكون النصب و النصب لغتين كالضعف و الضعف و ما أشبه ذلك و يكون الثقيل كشغل و شغل و طنب و طنب.

اللغة

قال الزجاج المهطع المقبل ببصره على الشي‏ء لا يزايله‏و ذلك من نظر العدو و قال أبو عبيدة الإهطاع الإسراع و عزين جماعات في تفرقة واحدتهم عزة و إنما جمع بالواو و النون لأنه عوض مثل سنة و سنون و أصل عزة عزوة من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره فكل جماعة من هذه الجماعات مضافة إلى الأخرى.

537

(1) - قال الراعي :

أ خليفة الرحمن إن عشيرتي # أمسى سوامهم عزين فلولا

و قال عنترة :

و قرن قد تركت لدي مكر # عليه الطير كالعصب العزينا

و قيل إن المحذوف من عزة هاء و الأصل عزهة و هو من العزهاة و هو المنقبض عن النساء و عن اللهو معهن قال الأحوص :

إذا كنت عزهاة عن اللهو و الصبي # فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا

و

عن أبي هريرة قال خرج النبي ص على أصحابه و هم حلق حلق متفرقون فقال ما لي أراكم عزين‏

و الأجداث القبور واحدها جدث و جدف بمعناه و الإيفاض الإسراع و النصب الصنم الذي كانوا يعبدونه قال الأعشى :

و ذا النصب المنصوب لا تنسكنه # لعاقبة و الله ربك فاعبدا

.

الإعراب‏

«فَمََا لِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» ما رفع بالابتداء و اللام خبره و فيه ضميره و قبلك في موضع الحال من كفروا أو من المجرور على تقدير فما لهم ثابتين قبلك و مهطعين حال من الضمير في قبلك و يجوز في قبلك أن يكون ظرفا للأم و أن يكون ظرفا لمهطعين و يجوز أن يكون مهطعين حالا بعد حال و عن اليمين يتعلق به و عزين حال بعد حال و يجوز أن يتعلق عن اليمين بعزين و معناه مجتمعين عن اليمين و عن الشمال. «كَأَنَّهُمْ إِلى‏ََ نُصُبٍ يُوفِضُونَ» جملة منصوبة الموضع على الحال من قوله «سِرََاعاً» «خََاشِعَةً أَبْصََارُهُمْ» حال من الضمير في يوفضون.

المعنى‏

ثم قال سبحانه على وجه الإنكار على الكفار «فَمََا لِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» يعني‏

538

(1) - أي شي‏ء للذين كفروا بتوحيد الله أي ما بالهم و ما حملهم على ما فعلوا «قِبَلَكَ» أي عندك يا محمد «مُهْطِعِينَ» مسرعين إليك عن أبي عبيدة و قيل متطلعين عن الحسن و قيل مقبلين عنك بوجوههم لا يلتفتون عنك أي ناظرين إليك بالعداوة و المراد بالذين كفروا هنا المنافقون «عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ» أي عن يمينك و عن شمالك «عِزِينَ» أي جماعات متفرقين عصبة عصبة و جماعة جماعة} «أَ يَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ» أي من هؤلاء المنافقين بـ «أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ» كما يدخل أولئك الموصوفون قبل هذا و إنما قال هذا لأنهم كانوا يقولون إن كان الأمر على ما قال محمد فإن لنا في الآخرة عند الله أفضل مما للمؤمنين كما أعطانا في الدنيا أفضل مما أعطاهم‏} «كَلاََّ» أي لا يكون و لا يدخلونها «إِنََّا خَلَقْنََاهُمْ مِمََّا يَعْلَمُونَ» أي من النطفة عن الحسن أي من كان أصله من هذا الماء المهين فكيف استوجب الجنة بأصله و بنفسه إنما يستوجبها بالأعمال الصالحة نبه سبحانه بهذا على أن الناس كلهم من أصل واحد و إنما يتفاضلون بالإيمان و الطاعة و تحقيقه إنما خلقناهم من المقاذر و الأنجاس فمتى يدخلون الجنة و لم يؤمنوا بي و لم يصدقوا رسولي و قيل معناه خلقناهم من الجنس الذين يعلمون أو من الخلق الذين يعلمون و يفقهون و يلزمهم الحجة و لم نخلقهم من الجنس الذي لا يفقه كالبهائم و الطير و قيل معناه خلقناهم من أجل ما يعلمون من الثواب و العقاب و التكليف للطاعات تعريضا للثواب كما يقول القائل غضبت عليك مما تعلم أي من أجل ما تعلم قال الأعشى :

أ أزمعت من آل ليلى ابتكارا # و شطت على ذي هوى أن تزارا

أي من أجل آل ليلى و دل قوله و شطت على ذي هوى أنه لم يزمع من عندهم و إنما أزمع من أجلهم للمصير إليهم‏} «فَلاََ أُقْسِمُ» هو مفسر في سورة الحاقة «بِرَبِّ اَلْمَشََارِقِ وَ اَلْمَغََارِبِ» يعني مشارق الشمس و مغاربها فإن لها ثلاثمائة و ستين مطلعا لكل يوم مطلع لا تعود إليه إلى قابل عن ابن عباس «إِنََّا لَقََادِرُونَ ` عَلى‏ََ أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ» هذا جواب‏

539

(1) - القسم يعني أنا نقدر على أن نهلكهم و نأتي بدلهم بقوم آخرين خيرا منهم‏} «وَ مََا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ» هذا عطف على جواب القسم أي و إن هؤلاء الكفار لا يفوتون بأن يتقدموا على وجه يمنع لحاق العذاب بهم فإنهم لم يكونوا سابقين و لا العقاب مسبوقا منهم و التقدير و ما نحن بمسبوقين يفوت عقابنا إياهم فإنهم لو سبقوا عقابنا لسبقونا و قيل معناه و ما نحن بمغلوبين عن أبي مسلم «فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا» في باطلهم «وَ يَلْعَبُوا» فإن وبال ذلك عائد عليهم «حَتََّى يُلاََقُوا يَوْمَهُمُ اَلَّذِي يُوعَدُونَ» يعني يوم القيامة} «يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ اَلْأَجْدََاثِ» أي القبور «سِرََاعاً» مسرعين لشدة السوق «كَأَنَّهُمْ إِلى‏ََ نُصُبٍ يُوفِضُونَ» أي كأنهم يسعون و يسرعون إلى علم نصب لهم عن الجبائي و أبي مسلم و قيل كأنهم إلى أوثانهم يسعون للتقرب إليها عن ابن عباس و قتادة } «خََاشِعَةً أَبْصََارُهُمْ» أي ذليلة خاضعة لا يستطيعون النظر من هول ذلك اليوم «تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ» أي تغشاهم مذلة «ذََلِكَ اَلْيَوْمُ اَلَّذِي» وصفه اليوم الذي «كََانُوا يُوعَدُونَ» به دار التكليف فلا يصدقون به و يجحدونه قد شاهدوه في تلك الحال.

540

(1) -

(71) سورة نوح مكية و آياتها ثمان و عشرون (28)

عدد آيها

ثمان و عشرون آية كوفي تسع بصري شامي ثلاثون في الباقين.

اختلافها

أربع آيات‏ سُوََاعاً فَأُدْخِلُوا نََاراً كلاهما غير الكوفي‏ وَ نَسْراً كوفي و المدني الأخير أَضَلُّوا كَثِيراً مكي و المدني الأول.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح

أبو عبد الله (ع) قال من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر و يقرأ كتابه فلا يدع أن يقرأ سورة إنا أرسلنا نوحا فأي عبد قرأها محتسبا صابرا في فريضة أو نافلة أسكنه الله مساكن الأبرار و أعطاه ثلاث جنان مع جنته كرامة من الله و زوجه مائتي حوراء و أربعة آلاف ثيب إن شاء الله تعالى.

تفسيرها

لما ختم سبحانه تلك السورة بوعيد أهل التكذيب افتتح هذه السورة بذكر قصة نوح و قومه و ما نالهم بالتكذيب تسلية للنبي ص فقال:

541

(1) -

اللغة

الاستغشاء طلب التغشي و الإصرار الإقامة على الأمر بالعزيمة عليه و المدرار الكثير الدرور بالغيث و المطر و الأمداد إلحاق الثاني بالأول على النظام حالا بعد حال يقال أمده بكذا و مد النهر نهر آخر و الأموال جمع المال و هو عند العرب النعم و أصل الوقار الثبوت و ما به يكون الشي‏ء عظيما من الحلم الذي يمتنع معه الخرق و الرجاء بمعنى الخوف قال أبو ذويب :

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # و خالفها في بيت نوب عواسل.

الإعراب‏

«أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ» في موضع نصب بأرسلنا لأن الأصل بأن أنذر قومك فلما سقطت الباء أفضى الفعل و قيل إن موضعه جر و إن سقطت الباء و قد تقدم بيانه و يجوز أن يكون أن هذه المفسرة بمعنى أي. و جهارا مصدر وضع موضع الحال أي دعوتهم مجاهرا لهم بالدعاء إلى التوحيد و قوله «مِدْرََاراً» نصب على الحال. لاََ تَرْجُونَ لِلََّهِ وَقََاراً» جملة في موضع الحال أيضا و العامل في الحال ما في لكم في معنى الفعل. وقارا منصوب بأنه مفعول ترجون.

542

(1) -

المعنى‏

أخبر سبحانه عن نفسه فقال «إِنََّا أَرْسَلْنََا» أي بعثنا « نُوحاً » رسولا «إِلى‏ََ قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ» معناه أرسلنا لينذرهم بالعذاب إن لم يؤمنوا قال الحسن أمره أن ينذرهم عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة ثم حكى أن نوحا امتثل ما أمر الله سبحانه به بأن قال‏} «قََالَ يََا قَوْمِ» أضافهم إلى نفسه فكأنه قال أنتم عشيرتي يسوؤني ما يسوؤكم‏ «إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ» أي مخوف مبين وجوه الأدلة في الوعيد و بيان الدين و التوحيد} «أَنِ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ اِتَّقُوهُ» أي اعبدوا الله وحده و لا تشركوا به شيئا و اتقوا معاصيه «وَ أَطِيعُونِ» فيما أمركم به لأن طاعتي مقرونة بطاعة الله و طاعة الله واجبة عليكم لمكان نعمه السابقة التي لا توازيها نعمة منعم‏} «يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ» أي فإنكم إن فعلتم ذلك يغفر لكم ذنوبكم و من مزيدة و قيل إن من هاهنا للتبعيض و المعنى يغفر لكم ذنوبكم السالفة و هي بعض الذنوب التي تضاف إليكم و لما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق لما يكون في ذلك من الإغراء بالقبيح قيد سبحانه هذا التقييد «وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى‏ََ أَجَلٍ مُسَمًّى» و في هذا دلالة على ثبوت أجلين كأنه شرط في الوعد بالأجل المسمى عبادة الله و التقوى فلما لم يقع ذلك منهم اقتطعوا بعذاب الاستيصال قبل الأجل الأقصى بالأجل الأدنى ثم قال «إِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ» يعني الأقصى «إِذََا جََاءَ لاََ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» صحة ذلك و تؤمنون به‏قال الحسن يعني بأجل الله يوم القيامة جعله أجلا للبعث و يجوز أن يكون هذا حكاية عن قول نوح (ع) لقومه أن يكون إخبارا منه سبحانه عن نفسه «قََالَ» نوح «رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهََاراً» إلى عبادتك و خلع الأنداد من دونك و إلى الإقرار بنبوتي‏} «فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعََائِي إِلاََّ فِرََاراً» أي لم يزدادوا بدعائي إياهم إلا فرارا من قبوله و نفارا منه و إدبارا عنه و إنما سمي كفرهم عند دعائه زيادة في الكفر لأنهم كانوا على كفر و ضلال فلما دعاهم نوح (ع) إلى الإقلاع عن ذلك و الإقرار به و لم يقبلوه فكفروا بذلك كان ذلك زيادة في الكفر لأن الزيادة هي إضافة الشي‏ء إلى مقدار قد كان حاصلا و لو حصلا جميعا في وقت واحد لم يكن لأحدهما زيادة على الآخر} «وَ إِنِّي كُلَّمََا دَعَوْتُهُمْ» إلى إخلاص عبادتك «لِتَغْفِرَ لَهُمْ» سيئاتهم «جَعَلُوا أَصََابِعَهُمْ فِي آذََانِهِمْ» لئلا يسمعوا كلامي و دعائي «وَ اِسْتَغْشَوْا ثِيََابَهُمْ» أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني «وَ أَصَرُّوا» أي داموا على كفرهم «وَ اِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْبََاراً» أي تكبروا و أنفوا عن قبول الحق‏و الإصرار الإقامة على الأمر بالعزيمة عليه فلما كانوا عازمين على الكفر كانوا مصرين و قيل إن الرجل منهم كان يذهب بابنه إلى نوح فيقول له احذر هذا لا يغوينك فإن أبي قد ذهب بي إليه و أنا مثلك فحذرني مثل ما حذرتك عن قتادة } «ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهََاراً» أي بأعلى صوتي عن ابن عباس و قيل مجاهرة

543

(1) - يرى بعضهم بعضا أي ظاهرا غير خفي‏} «ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرََاراً» أي دعوتهم في العلانية و في السر و قيل معناه إني أعلنت جماعة بالدعوة و أسررت جماعة ثم أعلنت للذين أسررت و أسررت للذين أعلنت لهم و معناه إني سلكت معهم في الدعوة كل مذهب و تلطفت لهم في ذلك غاية التلطف فلم يجيبوا} «فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ» أي اطلبوا منه المغفرة على كفركم و معاصيكم «إِنَّهُ كََانَ غَفََّاراً» لكل من طلب منه المغفرة فمتى رجعتم عن كفركم و أطعتموه‏} «يُرْسِلِ اَلسَّمََاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرََاراً» أي كثيرة الدرور بالغيث‏و قيل إنهم كانوا قد قحطوا و أسنتوا و هلكت أموالهم و أولادهم فلذلك رغبهم في رد ذلك بالاستغفار مع الإيمان و الرجوع إلى الله قال الشعبي قحط المطر على عهد عمر بن الخطاب فصعد المنبر ليستسقي فلم يذكر إلا الاستغفار حتى نزل فلما نزل قيل له ما سمعناك استسقيت قال لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي بها يستنزل القطر ثم قرأ هذه الآية «وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوََالٍ وَ بَنِينَ» أي يكثر أموالكم و أولادكم الذكور عن عطا «وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنََّاتٍ» أي بساتين في الدنيا «وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهََاراً» تسقون بها جناتكم‏قال قتادة علم نبي الله نوح أنهم كانوا أهل حرص على الدنيا فقال هلموا إلى طاعة الله فإن فيها درك الدنيا و الآخرة و روى الربيع بن صبيح أن رجلا أتى الحسن فشكا إليه الجدوبة فقال له الحسن استغفر الله و أتاه آخر فشكا إليه الفقر فقال له استغفر الله و أتاه آخر فقال ادع الله أن يرزقني ابنا فقال له استغفر الله فقلنا أتاك رجال يشكون أبوابا و يسألون أنواعا فأمرتهم كلهم بالاستغفار فقال ما قلت ذلك من ذات نفسي إنما اعتبرت فيه قول الله تعالى حكاية عن نبيه نوح إنه قال لقومه «اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كََانَ غَفََّاراً» إلى آخره و

روى علي بن مهزيار عن حماد بن عيسى عن محمد بن يوسف عن أبيه‏قال سأل رجل أبا جعفر (ع) و أنا عنده فقال له جعلت فداك إني كثير المال و ليس يولد لي ولد فهل من حيلة قال نعم استغفر ربك سنة في آخر الليل مائة مرة فإن ضيعت ذلك بالليل فاقضه بالنهار فإن الله يقول «اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ» إلى آخره‏

ثم قال نوح (ع) لهم على وجه التبكيت‏} «مََا لَكُمْ» معاشر الكفار «لاََ تَرْجُونَ لِلََّهِ وَقََاراً» أي لا تخافون لله عظمة فالوقار العظمة اسم من التوقير و هو التعظيم و الرجاء الخوف هنا و المعنى لا تعظمون الله حق عظمته فتوحدوه و تطيعوه عن ابن عباس و مجاهد و قيل معناه ما لكم لا ترجون لله‏

544

(1) - عاقبة عن قتادة أي لا تطمعون في عاقبة لعظمة الله تعالى و قيل معناه ما لكم لا تخافون الله عذابا و لا ترجون منه ثوابا في رواية أخرى عن ابن عباس و قيل معناه ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان و توحدون الله عن الزجاج و قيل معناه ما لكم لا تعتقدون لله إثباتا عن أبي مسلم «وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوََاراً» أي خلقكم طورا نطفة ثم طورا علقة ثم مضغةثم عظاما ثم كسا العظام لحما ثم أنشأه خلقا آخر نبت له الشعر و كمل له الصورة عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل أطوارا أحوالا حالا بعد حال و قيل معناه صبيانا ثم شبانا ثم شيوخا و قيل خلقكم مختلفين في الصفات أغنياء و فقراء و زمناء و أصحاء و طوالا و قصارا و الآية محتملة للجميع.

ـ

545

(1) -

القراءة

قرأ أهل المدينة ودا بالضم و الباقون بالفتح و قرأ أبو عمرو مما خطاياهم و الباقون «مِمََّا خَطِيئََاتِهِمْ» بالتاء و المد و الهمزة و قد ذكرنا الاختلاف في ولده في سورة مريم (ع) .

الحجة

قال أبو عبيدة زعموا أن ودا كان صنم لهذا الحي من كلب و حكاه بالفتح قال و سمعت قول الشاعر:

فحياك ود ما هداك لفتية # و خوص بأعلى ذي طوالة هجد

و قال أبو الحسن ضم أهل المدينة الواو و عسى أن يكون لغة في اسم الصنم و سمعت هذا البيت:

حياك ودا فإنا لا يحل لنا # لهو النساء و أن الدين قد عزما

الواو مضمومة و خطاياهم جمع التكسير و خطيئات جمع التصحيح و ما زائدة كالتي في قوله‏ فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ و قوله‏ فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ* .

اللغة

الفجاج الطرق المتسعة المتفرقة واحدها فج و قيل الفج المسلك بين جبلين و السواع هنا صنم و في غيره الساعة من الليل و مثله السعواء و الكبار الكبير جدا يقال كبير ثم كبار ثم كبار و مثله عجيب و عجاب و عجاب و حسن و حسان و حسان و

روي أن أعرابيا سمع النبي ص يقرأ «وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبََّاراً» فقال ما أفصح ربك يا محمد

و هذا من جفاء الأعراب لأن الله تعالى سبحانه لا يوصف بالفصاحة و ديارا فيعال من الدوران و نحوه القيام و الأصل قيوام و ديوار فقلبت الواو ياء و أدغمت إحداهما في الأخرى قال الزجاج يقال ما بالدار ديار أي ما بها أحد يدور في الأرض قال الشاعر:

546

(1) -

و ما نبالي إذا ما كنت جارتنا # أن لا يجاورنا إلاك ديار

فجعل المتصل موضع المنفصل ضرورة .

الإعراب‏

طباقا منصوبا على أحد وجهين أن يكون على تقدير خلقهن طباقا و أن يكون نعتا لسبع أي سبع سماوات ذات طباق نباتا مصدر فعل محذوف تقديره أنبتكم فنبتم نباتا و قال الزجاج هو محمول على المعنى لأن معنى أنبتكم جعلكم تنبتون نباتا و ما من قوله «مِمََّا خَطِيئََاتِهِمْ» مزيدة لتأكيد الكلام.

المعنى‏

ثم خاطب سبحانه المكلفين منبها لهم على توحيده فقال «أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اَللََّهُ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ طِبََاقاً» أي واحدة فوق الأخرى كالقباب‏} «وَ جَعَلَ اَلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً» قيل فيه وجوه (أحدها) أن المعنى و جعل القمر نورا في السماوات و الأرض عن ابن عباس قال يضي‏ء ظهره لما يليه من السماوات و يضي‏ء وجهه لأهل الأرض و كذلك الشمس (و ثانيها) أن معنى فيهن معهن يعني و جعل القمر معهن أي مع خلق السماوات نورا لأهل الأرض (و ثالثها) أن معنى فيهن في حيزهن و إن كان في واحدة منها كما تقول أتيت بني تميم و إنما أتيت بعضهم «وَ جَعَلَ اَلشَّمْسَ سِرََاجاً» أي مصباحا يضي‏ء لأهل الأرض كما كانت الشمس جعل فيها النور للاستضاءة به كانت سراجا فهي سراج العالم كما أن المصباح سراج الإنسان‏ «وَ اَللََّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبََاتاً» يعني مبتدأ خلق آدم و آدم خلق من الأرض و الناس ولده و هذا كقوله‏ «وَ بَثَّ مِنْهُمََا رِجََالاً كَثِيراً وَ نِسََاءً» و قيل معناه أنه أنشأ جميع الخلق باغتذاء ما تنبته الأرض و نما فيها و قيل معناه أنبتكم من الأرض بالكبر بعد الصغر و بالطول بعد القصر} «ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهََا» أي في الأرض أمواتا «وَ يُخْرِجُكُمْ» منها عند البعث أحياء «إِخْرََاجاً» و إنما ذكر المصدر تأكيدا} «وَ اَللََّهُ جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ بِسََاطاً» أي مبسوطة ليمكنكم المشي عليها و الاستقرار فيها ثم بين أنه إنما جعلها كذلك‏} «لِتَسْلُكُوا مِنْهََا سُبُلاً فِجََاجاً» أي طرقا واسعة و قيل طرقا مختلفة عن ابن عباس و قيل سبلا في الصحاري و فجاجا في الجبال و إنما عدد سبحانه هذه الضروب من النعم امتنانا على خلقه و تنبيها لهم على استحقاقه للعبادة خالصة من كل شرك‏و دلالة لهم على أنه عالم بمصالحهم و مدبر لهم على ما تقتضيه الحكمة فيجب أن لا يقابلوا هذه النعم الجليلة بالكفر و الجحود ثم عاد سبحانه إلى ذكر نوح (ع) بقوله‏} «قََالَ نُوحٌ » على سبيل الدعاء «رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي» فيما أمرتهم به و نهيتهم عنه يعني قومه «وَ اِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مََالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلاََّ خَسََاراً» أي و اتبعوا أغنياء

547

(1) - قومهم اغترارا بما آتاهم الله من المال و الولد فقالوا لو كان هذا رسولا لله لكان له ثروة و غنى و قرئ «وَلَدُهُ» و ولده بالضم و الفتح فالولد الجماعة من الأولاد و الولد الواحد و قيل هما سواء و الخسار الهلاك بذهاب رأس المال و قيل إن معناه اتبع الفقراء و السفلة الرؤساء الذين لم يزدهم كثرة المال و الأولاد إلا هلاكا في الدنيا و عقوبة في الآخرة} «وَ مَكَرُوا» في دين الله «مَكْراً كُبََّاراً» أي كبيرا عظيما عن الحسن و قيل معناه قالوا قولا عظيما عن ابن عباس و قيل اجترءوا على الله و كذبوا رسله عن الضحاك و قيل مكرهم تحريشهم سفلتهم على قتل نوح (ع) } «وَ قََالُوا لاََ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ» أي لا تتركوا عبادة أصنامكم ثم خصوا أصناما لهم معروفة بعد دخولها في الجملة الأولى تعظيما لها فقالوا «لاََ تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لاََ سُوََاعاً وَ لاََ يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً » و هذه أسماء أصنام كانوا يعبدونها ثم عبدتها العرب فيما بعد عن ابن عباس و قتادة و قيل إن هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم و نوح (ع) فنشأ قوم بعدهم يأخذون أخذهم في العبادة فقال لهم إبليس لو صورتم صورهم كان أنشط لكم و أشوق إلى العبادة ففعلوا فنشأ بعدهم قوم فقال لهم إبليس إن الذين كانوا قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم فمبدأ عبادة الأوثان كان ذلك الوقت عن محمد بن كعب و قيل كان نوح يحرس جسد آدم على جبل بالهند و يحول بينه و بين الكفار لئلا يطوفوا بقبره فقال لهم إبليس إن هؤلاء يفخرون عليكم و يزعمون أنهم بنو آدم دونكم و إنما هو جسد و أنا أصور لكم مثله تطيفون به فنحت خمسة أصنام و حملهم على عبادتها و هي ود و سواع و يعوق و يغوث و نسر فلما كان أيام الغرق دفن الطوفان تلك الأصنام و طمها التراب فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب فاتخذت قضاعة ودا فعبدوها بدومة الجندل ثم توارثها بنوه الأكابر فالأكابر حتى صارت إلى كلب فجاء الإسلام و هو عندهم و أخذ بطنان من طي يغوث فذهبوا به إلى مراد فعبدوه زمانا ثم أن بني ناجية أرادوا أن ينزعوه منهم ففروا به إلى بني الحرث بن كعب و أما يعوق فكان لكهلان ثم توارثه بنوه الأكبر فالأكبر حتى صار إلى همدان و أما نسر فكان لخثعم يعبدونه و أما سواع فكان لآل ذي الكلاع يعبدونه عن ابن عباس و قيل إن أوثان قوم نوح صارت إلى العرب فكانت ود بدومة الجندل و سواع برهاط لهذيل و كان يغوث لبني غطيف من مراد و كان يعوق لهمدان و كان نسر لآل ذي الكلاع من حمير و كان اللات لثقيف و أما العزى فلسليم و غطفان و جشم و نضر و سعد بن بكر و أما مناة فكانت لفديد و أما إساف و نائلة و هبل فلأهل مكة و كان إساف حيال الحجر الأسود و كانت نائلة حيال الركن اليماني و كان هبل في جوف الكعبة

548

(1) - ثمانية عشر ذراعا عن عطا و قتادة و الثمالي و قال الواقدي كان ود على صورة رجل و سواع على صورة امرأة و يغوث على صورة أسد و يعوق على صورة فرس و نسر على صورة نسر من الطير «وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً» أي ضل بعبادتها و بسببها كثير من الناس نظيره‏ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ و قيل معناه و قد أضل كبراؤهم كثيرا من الناس عن مقاتل و أبي مسلم و على هذا فإن الضمير في أضلوا يعود إلى أكابر قوم نوح «وَ لاََ تَزِدِ اَلظََّالِمِينَ إِلاََّ ضَلاََلاً» أي هلاكا كما في قوله‏ «إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ» و قيل إلا فتنة بالمال و الولدو قيل إلا ذهابا عن الجنة و الثواب قال البلخي لا تزدهم إلا منعا من الطاعات عقوبة لهم على كفرهم فإنهم إذا ضلوا استحقوا منع الألطاف التي تفعل بالمؤمنين فيطيعون عندها و يمتثلون و لا يجوز أن يفعل بهم الضلال عن الحق و الإيمان لأن ذلك لا يجوز في صفة الحكيم تعالى الله عن ذلك‏} «مِمََّا خَطِيئََاتِهِمْ أُغْرِقُوا» أي من خطيئاتهم و ما مزيدة و التقدير من أجل ما ارتكبوه من الخطايا و الكبائر «أُغْرِقُوا» على وجه العقوبة «فَأُدْخِلُوا نََاراً» بعد ذلك ليعاقبوا فيها «فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَنْصََاراً» أي لم يجدوا أحدا يمنعهم من عذاب الله و إنما أتى سبحانه بألفاظ المضي على معنى الاستقبال لصدق الوعد به‏و قال الضحاك أغرقوا فادخلوا نارا في الدنيا في حالة واحدة كانوا يغرقون من جانب و يحترقون في النار من جانب و أنشد ابن الأنباري :

الخلق مجتمع طورا و مفترق # و الحادثات فنون ذات أطوار

لا تعجبن لأضداد إذا اجتمعت # فالله يجمع بين الماء و النار

«وَ قََالَ نُوحٌ رَبِّ لاََ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكََافِرِينَ دَيََّاراً» أي نازل دار يعني لا تدع منهم أحدا إلا أهلكته قال قتادة ما دعا بهذا عليهم إلا بعد أن أنزل عليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلذلك قال‏} «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبََادَكَ» أي إن تتركهم و لم تهلكهم يضلوا عبادك عن الدين بالإغواء و الدعاء إلى خلافه‏ «وَ لاََ يَلِدُوا إِلاََّ فََاجِراً كَفََّاراً» و إلا فلم يعلم نوح الغيب و إنما قال ذلك بعد أن أعلمه الله إياه و المعنى و لا يلدوا إلا من يكون عند بلوغه كافرا لأنه لا يذم على الكفر من لم يقع منه فعل الكفر و قال مقاتل و الربيع و عطاء إنما قال ذلك نوح (ع) لأن الله تعالى أخرج من أصلابهم كل من يكون مؤمنا و أعقم أرحام نسائهم و أيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة و أخبر الله تعالى نوحا بأنهم لا يؤمنون و لا يلدون مؤمنا فحينئذ دعا عليهم فأجاب الله دعاءه فأهلكهم كلهم و لم يكن فيهم صبي وقت العذاب ثم دعا لنفسه و للمؤمنين و المؤمنات فقال‏} «رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ لِوََالِدَيَّ»

549

(1) - و اسم أبيه لمك بن متوشلخ و اسم أمه سمحاء بنت أنوش و كانا مؤمنين و قيل يريد آدم و حواء «وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً» أي دخل داري و قيل مسجدي عن الضحاك و قيل سفينتي و قيل يريد بيت محمد ص «وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ» عامة و قيل من أمة محمد ص عن الكلبي «وَ لاََ تَزِدِ اَلظََّالِمِينَ إِلاََّ تَبََاراً» أي هلاكا و دمارا قال أهل التحقيق دعا نوح (ع) دعوتين دعوة على الكافرين و دعوة للمؤمنين فاستجاب الله دعوته على الكافرين فأهلك من كان منهم على وجه الأرض و نرجو أن يستجيب أيضا دعوته للمؤمنين فيغفر لهم.

550

(1) -

(72) سورة الجن مكية و آياتها ثمان و عشرون (28)

توضيح‏

و هي ثمان و عشرون آية

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة الجن أعطي بعدد كل جني و شيطان صدق بمحمد و كذب به عتق رقبة.

حنان بن سدير عن أبي عبد الله (ع) قال من أكثر قراءة قل أوحي لم يصبه في حياة الدنيا شي‏ء من أعين الجن و لا من نفثهم و لا من سحرهم و لا من كيدهم‏و كان مع محمد ص فيقول يا رب لا أريد بهم بدلا و لا أريد بدرجتي حولا.

تفسيرها

لما تقدم في سورة نوح (ع) أتباع قومه أكابرهم افتتح سبحانه في هذه السورة اتباع الجن نبينا ص ليعلم الفرق بين من ربحت صفقته و بين من خسرت بيعته فقال:

551

(1) -

القراءة

قرأ أبو جعفر «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ» بفتح الألف و لم يختلفوا فيه ثم قرأ في الآية الثالثة و «أَنَّهُ تَعََالى‏ََ» بالفتح و في الرابعة «وَ أَنَّهُ كََانَ يَقُولُ» بالفتح و في السادسة «وَ أَنَّهُ كََانَ رِجََالٌ» بالفتح و يقرأ ما سواها بالكسر إلا قوله‏ «وَ أَنْ لَوِ اِسْتَقََامُوا» «وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ» «وَ أَنَّهُ لَمََّا قََامَ» فإنه يقرأ هذه الثلاثة بالفتح و قال الرواة عنه ما كان مردودا على الوحي فهو أنه بالفتح و ما كان من قول الجن فهو بالكسر و هذا قول غير مستقيم على قراءته و يمكن أن يكون قد وقع خلل في روايته و قرأ ابن عامر و أهل الكوفة غير أبي بكر بالفتح من قوله أنه تعالى إلى قوله و أنا منا المسلمون و قرأ الباقون كله بالكسر إلا قوله‏ «وَ أَنْ لَوِ اِسْتَقََامُوا» «وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ» فإنهما بالفتح لم يختلفوا فيه و قرأ نافع و عاصم برواية أبي بكر و إنه لما قام بالكسر و الباقون بالفتح و قرأ يعقوب أن لن تقول بتشديد الواو و فتحها و فتح القاف و روي ذلك عن الجحدري و الحسن و الباقون «أَنْ لَنْ تَقُولَ» بالتخفيف و في الشواذ قراءة جوية بن عابد قل أحي إلي على وزن فعل.

الحجة

قال أبو علي أما قوله‏ «أَنْ لَوِ اِسْتَقََامُوا» فإنه يجوز فيه أمران (أحدهما) أن تكون أن المخففة من الثقيلة فيكون محمولا على الوحي كأنه أوحي إلي أن لو استقاموا و فصل لو بينها و بين الفعل كفصل السين و لا في قوله‏ «أَ فَلاََ يَرَوْنَ أَلاََّ يَرْجِعُ» و عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ (و الآخر) أن يكون أن قبل لو بمنزلة اللام في قوله‏ «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ اَلْمُنََافِقُونَ» إلى قوله‏ «لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ» و قوله‏ «لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنََا رَبُّنََا وَ يَغْفِرْ لَنََا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ» فتلحق مرة و تسقط أخرى لأن لو بمنزلة فعل الشرط فكما لحقت اللام زائدة قبل أن الداخلة على الشرط كذلك لحقت أن هذه قبل لو و معنى‏ أَنْ لَوِ اِسْتَقََامُوا عَلَى اَلطَّرِيقَةِ قد قيل فيه قولان (أحدهما) لو استقاموا على طريقة الهدى‏ (و الآخر) لو استقاموا على الطريقة الكفر

552

(1) - و يستدل على القول الأول بقوله تعالى‏ «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقََامُوا اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ» و قوله‏ «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرى‏ََ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنََا عَلَيْهِمْ بَرَكََاتٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ» و يستدل على الآخر بقوله تعالى‏ «وَ لَوْ لاََ أَنْ يَكُونَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً لَجَعَلْنََا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمََنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ» "و أما"قوله‏ «وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ» فزعم سيبويه أن المفسرين حملوه على أوحي كأنه و أوحي إلي أن المساجد لله و مذهب الخليل أنه على قوله و لأن المساجد لله فلا تدعوا كما أن قوله‏ «إِنَّ هََذِهِ أُمَّتُكُمْ» * على قوله و لأن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون أي لهذا فاعبدون و مثله في قول الخليل لِإِيلاََفِ قُرَيْشٍ كأنه قال لهذا فليعبدوا قال سيبويه و لو قرأ و إن المساجد بالكسر لكان جيدا فأما قوله‏ «وَ أَنَّهُ لَمََّا قََامَ عَبْدُ اَللََّهِ» فإنه على «أُوحِيَ إِلَيَّ» و يكون أن يقطع من قوله «أُوحِيَ» و يستأنف به‏كما جوز سيبويه القطع من أوحي في قوله و إن المساجد لله و على هذا يحمل قراءة من كسر إن من قوله‏ «وَ أَنَّهُ لَمََّا قََامَ عَبْدُ اَللََّهِ» و من قرأ كل ذلك بالفتح فإنه للحمل على أوحي و يجوز أن يكون على غيره كما حمل المفسرون‏ وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ على الوحي و حمله الخليل على ما ذكرناه عنه فأما ما جاء من ذلك بعد قول فحكاية كما حكى قوله‏ «قََالَ اَللََّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهََا عَلَيْكُمْ» و كذلك ما بعد فاء الجزاء لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء و لذلك حمل سيبويه وَ مَنْ عََادَ فَيَنْتَقِمُ اَللََّهُ مِنْهُ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلاََ يَخََافُ على أن الابتداء فيها مضمر و مثل ذلك في هذه السورة وَ مَنْ يَعْصِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ و من قرأ لن تقول فيكون قوله «كَذِباً» منصوبا على المصدر من غير حذف موصوف و ذلك أن لن تقول في معنى تكذب فجرى مجرى تبسمت و ميض البرق فإنه منصوب بفعل مضمر دل عليه تبسمت أي أو مضت فكأنه قال إن لن تكذب الإنس و الجن على الله كذبا قال ابن جني و من رأى أن ينتصب وميض البرق بنفس تبسمت لأنه في معنى أومضت أيضا كذبا بنفس تقول لأنه بمعنى كذب و من قرأ «أَنْ لَنْ تَقُولَ» على وزن تقوم فإن كذبا وصف مصدر محذوف أي قولا كذبا فكذبا هاهنا وصف لا مصدر كما في قوله‏ «وَ جََاؤُ عَلى‏ََ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ» أي كاذب فإن جعلته هاهنا مصدرا نصبته نصب المفعول به أي لن تقول كذبا كقولك قلت حقا و قلت شعرا و لا يحسن أن تجعله مع تقول وصفا أي تقول تقولا كذبا لأن التقول لا يكون إلا كذبا فلا فائدة فيه و من قرأ أحي فهو من وحيت إليه بمعنى أوحيت و أصله وحي فلما انضمت الواو ضما لازما همزت و نحوه‏ وَ إِذَا اَلرُّسُلُ أُقِّتَتْ أي وقتت قال العجاج

"وحي لها القرار #

553

(1) - فاستقرت".

اللغة

الجد أصله القطع و منه الجد العظمة لانقطاع كل عظمة عنها لعلوها عليه و منه الجد أبو الأب لانقطاعه بعلو أبوته و كل من فوقه لهذا الولد أجداد و الجد الحظ لانقطاعه بعلو شأنه و الجد خلاف الهزل لانقطاعه عن السخف و منه الجديد لأنه حديث عهد بالقطع في غالب الأمر و الرهق لحاق الإثم و أصله اللحوق و منه راهق الغلام إذا لحق حال الرجال قال الأعشى :

لا شي‏ء ينفعني من دون رؤيتها # هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقا

أي لم يغش إثما .

الإعراب‏

حرسا منصوب على التمييز و هو جمع حارس و يجوز أن يكون جمع حرسي فيكون مثل عربي و عرب و شديدا مذكر محمول على اللفظ و يمكن أن يكون على النسبة أي ذات شدة و مقاعد نصب لأنه ظرف مكان. «أَ شَرٌّ أُرِيدَ» مبتدأ و خبر و إنما جاز أن تكون النكرة مبتدأ من غير تخصيص لأجل همزة الاستفهام كما يجوز ذلك بعد حرف النفي لأن كليهما يفيد معنى العموم.

ـ

المعنى‏

أمر سبحانه نبيه محمدا ص أن يخبر قومه بما لم يكن لهم به علم فقال «قُلْ» يا محمد «أُوحِيَ إِلَيَّ» إنما ذكره على لفظ ما لم يسم فاعله تفخيما و تعظيما و الله سبحانه أوحى إليه و أنزل الملك عليه «أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ اَلْجِنِّ» أي استمع القرآن طائفة من الجن و هم جيل رقاق الأجسام خفيفة على صورة مخصوصة بخلاف صورة الإنسان و الملائكة فإن الملك مخلوق من النور و الإنس من الطين‏و الجن من النار «فَقََالُوا» أي قالت الجن بعضها لبعض «إِنََّا سَمِعْنََا قُرْآناً عَجَباً» و العجب ما يدعو إلى التعجب منه لخفاء سببه و خروجه عن العادة في مثله فلما كان القرآن قد خرج بتأليفه المخصوص عن العادة في الكلام و خفي سببه عن الأنام كان عجبا لا محالة و أيضا فإنه مباين لكلام الخلق في‏

554

(1) - المعنى و الفصاحة و النظام لا يقدر أحد على الإتيان بمثله و قد تضمن أخبار الأولين و الآخرين و ما كان و ما يكون أجراه الله على يد رجل أمي من قوم أميين فاستعظموه و سموه عجبا «يَهْدِي إِلَى اَلرُّشْدِ» أي يدل على الهدى و يدعو إليه و الرشد ضد الضلال «فَآمَنََّا بِهِ» أي صدقنا بأنه من عند الله «وَ لَنْ نُشْرِكَ» فيما بعد «بِرَبِّنََا أَحَداً» فنوجه العبادة إليه بل نخلص العبادة لله تعالى و المعنى أنا قد بدأنا بأنفسنا فقبلنا الرشد و الحق و تركنا الشرك و اعتقدنا التوحيد و في هذا دلالة على أنه ص كان مبعوثا إلى الجن و الإنس و على أن الجن عقلاء مخاطبون و بلغات العرب عارفون و على أنهم يميزون بين المعجز و غير المعجز و أنهم دعوا قومهم إلى الإسلام و أخبروهم بإعجاز القرآن و أنه كلام الله تعالى لأن كلام العباد لا يتعجب منه‏و

روى الواحدي بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ما قرأ رسول الله ص على الجن و ما رآهم انطلق رسول الله ص في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ و قد حيل بين الشياطين و بين خبر السماءفرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم قالوا حيل بيننا و بين خبر السماء و أرسلت علينا الشهب قالوا ما ذاك إلا من شي‏ء حدث فاضربوا مشارق الأرض و مغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبي ص و هو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ و هو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له و قالوا هذا الذي حال بيننا و بين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم و قالوا «إِنََّا سَمِعْنََا قُرْآناً عَجَباً ` يَهْدِي إِلَى اَلرُّشْدِ فَآمَنََّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنََا أَحَداً» فأوحى الله تعالى إلى نبيه ص «قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ اَلْجِنِّ» و رواه البخاري و مسلم أيضا في الصحيح

و

عن علقمة بن قيس قال قلت لعبد الله بن مسعود من كان منكم مع النبي ص ليلة الجن فقال ما كان منا معه أحد فقدناه ذات ليلة و نحن بمكة فقلنا اغتيل رسول الله ص أو استطير فانطلقنا نطلبه من الشعاب فلقيناه مقبلا من نحو حراء فقلنا يا رسول الله أين كنت لقد أشفقنا عليك و قلنا له بتنا الليلة بشر ليلة بات بها قوم حين فقدناك فقال لنا أنه أتاني داعي الجن فذهبت أقرئهم القرآن فذهب بنا فأرانا آثارهم و آثار نيرانهم‏فأما أن يكون صحبه منا أحد فلم يصحبه‏

و عن أبي روق قال هم تسعة نفر من الجن قال أبو حمزة الثمالي و بلغنا أنهم من بني الشيصبان هم أكثر الجن عددا و هم عامة جنود إبليس و قيل كانوا سبعة نفر من جن نصيبين رآهم النبي ص فآمنوا به و أرسلهم إلى سائر الجن «وَ أَنَّهُ تَعََالى‏ََ جَدُّ رَبِّنََا مَا اِتَّخَذَ صََاحِبَةً وَ لاََ وَلَداً» الاختيار كسر إن لأنه من قول الجن لقومهم و هو معطوف على قوله «فَقََالُوا إِنََّا سَمِعْنََا قُرْآناً عَجَباً» أي و قالوا تعالى جد ربنا و قال الفراء من فتح فتقديره فآمنا به و آمنا بأنه تعالى جد ربنا و كذلك كل ما كان بعده ففتح أن بوقوع الإيمان عليه و المعنى تعالى جلال ربنا و عظمته عن اتخاذ الصحابة و الولد عن الحسن

555

(1) - و مجاهد و قيل معناه تعالت صفات الله التي هي له خصوصا و هي الصفات العالية التي ليست للمخلوقين عن أبي مسلم و قيل معناه جل ربنا في صفاته فلا تجوز عليه صفات الأجسام و الأعراض عن الجبائي و قيل تعالى قدرة ربنا عن ابن عباس و قيل تعالى ذكره عن مجاهد و قيل فعله و أمره عن الضحاك و قيل علا ملك ربنا عن الأخفش و قيل تعالى آلاؤه و نعمه على الخلق عن القرظي و الجميع يرجع إلى معنى واحد و هو العظمة و الجلال على ما تقدم ذكرهما و منه قول أنس بن مالك كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة جد في أعيننا أي عظم و

قال الربيع بن أنس أنه قال ليس لله تعالى جد و إنما قالته الجن بجهالة فحكاه سبحانه كما قالت و روي ذلك عن أبي جعفر الباقر (ع) و أبي عبد الله (ع)

«وَ أَنَّهُ كََانَ يَقُولُ سَفِيهُنََا» أي جاهلنا «عَلَى اَللََّهِ شَطَطاً» أرادوا بسفيههم إبليس عن مجاهد و قتادة و الشطط السرف في ظلم النفس و الخروج عن الحق فاعترفوا بأن إبليس كان يخرج عن الحد في إغواء الخلق و دعائهم إلى الضلال و قيل شططا أي قولا بعيدا من الحق و هو الكذب في التوحيد و العدل «وَ أَنََّا ظَنَنََّا أَنْ لَنْ تَقُولَ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلَى اَللََّهِ كَذِباً» اعترفوا بأنهم ظنوا أن لن يقول أحد من الإنس و الجن كذبا على الله في اتخاذ الشريك معه و الصاحبة و الولد أي حسبنا أن ما يقولونه من ذلك صدق و أنا على حق حتى سمعنا القرآن و تبينا الحق به و في هذا دلالة على أنهم كانوا مقلدة حتى سمعوا الحجةو انكشف لهم الحق فرجعوا عما كانوا عليه و في إشارة إلى بطلان التقليد و وجوب اتباع الدليل‏} «وَ أَنَّهُ كََانَ رِجََالٌ مِنَ اَلْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجََالٍ مِنَ اَلْجِنِّ» أي يعتصمون و يستجيرون و كان الرجل من العرب إذا نزل الوادي في سفره ليلا قال أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه عن الحسن و مجاهد و قتادة و كان هذا منهم على حسب اعتقادهم أن الجن تحفظهم قال مقاتل و أول من تعوذ بالجن قوم من اليمن ثم بنو حنيفة ثم فشا في العرب و قيل معناه و أنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من أجل الجن و من معرة الجن عن البلخي قال لأن الرجال لا تكون إلا في الناس و قال الأولون في الجن رجال مثل ما في الناس «فَزََادُوهُمْ رَهَقاً» أي فزاد الجن الإنس إثما على إثمهم الذي كانوا عليه من الكفر و المعاصي عن ابن عباس و قتادة و قيل رهقا أي طغيانا عن مجاهد و قيل فرقا و خوفا عن الربيع و ابن زيد و قيل شرا عن الحسن و قيل زادوهم ذلة و ضعفا قال الزجاج يجوز أن يكون الإنس الذين كانوا يستعيذون بالجن زادوا الجن رهقا و ذلك أن الجن كانوا يزدادون طغيانا في قومهم بهذا التعوذ فيقولون سدنا الإنس و الجن و يجوز أن يكون الجن زاد الإنس رهقا} «وَ أَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمََا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اَللََّهُ أَحَداً» قيل معناه قال مؤمنوا الجن لكفارهم‏

556

(1) - إن كفار الإنس الذين يعوذون برجال من الجن في الجاهلية حسبوا كما حسبتم يا معشر الجن أن لن يبعث الله رسولا بعد موسى أو عيسى و وراء هذا أن الجن مع تمردهم و عتوهم لما سمعوا القرآن آمنوا و اهتدوا به فأنتم معاشر العرب أولى بالتفكر و التدبر لتؤمنوا و تهتدوا مع أن الرسول من جنسكم و لسانه لسانكم و قيل إن هذه الآية مع ما قبلها اعتراض من إخبار الله تعالى يقول إن الجن ظنوا كما ظننتم معاشر الإنس أن الله لا يحشر أحدا يوم القيامة و لا يحاسبه عن الحسن و قيل يعني لن يبعث الله أحدا رسولا عن قتادة ثم حكى عن الجن قولهم «وَ أَنََّا لَمَسْنَا اَلسَّمََاءَ» أي مسسناها و قيل معناه طلبنا الصعود إلى السماء فعبر عن ذلك باللمس مجازا عن الجبائي و قيل التمسنا قرب السماء لاستراق السمع عن أبي مسلم «فَوَجَدْنََاهََا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً» أي حفظة من الملائكة شدادا «وَ شُهُباً» و التقدير ملئت السماء من الحرس و الشهب و هو جمع شهاب و هو نور يمتد من السماء كالنار } «وَ أَنََّا كُنََّا نَقْعُدُ مِنْهََا مَقََاعِدَ لِلسَّمْعِ» أي لاستراق السمع أي كان يتهيأ لنا فيما قبل القعود في مواضع الاستماع فنسمع منها صوت الملائكة و كلامهم «فَمَنْ يَسْتَمِعِ» منا «اَلْآنَ» ذلك «يَجِدْ لَهُ شِهََاباً رَصَداً» يرمى به و يرصد له و شهبا مفعول به و رصدا صفته قال معمر قلت للزهري أ كان يرمى بالنجوم في الجاهلية قال نعم قلت أ فرأيت قوله «أَنََّا كُنََّا نَقْعُدُ مِنْهََا» الآية قال غلظ و شدد أمرها حين بعث النبي ص قال البلخي إن الشهب كانت لا محالة فيما مضى من الزمان غير أنه لم يكن يمنع بها الجن عن صعود السماء فلما بعث النبي ص منع بها الجن من الصعود «وَ أَنََّا لاََ نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي اَلْأَرْضِ» أي بحدوث الرجم بالشهب و حراسة السماء جوزوا هجوم انقطاع التكليف أو تغيير الأمر بتصديق نبي من الأنبياء و ذلك قوله «أَمْ أَرََادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً» أي صلاحا و قيل معناه إن هذا المنع لا يدري العذاب سينزل بأهل الأرض أم لنبي يبعث و يهدي إلى الرشد فإن مثل هذا لا يكون إلا لأحد هذين الأمرين و سمي العذاب شرا لأنه مضرة و سمي بعثة الرسول رشدا لأنه منفعة.

ـ

557

(1) -

القراءة

قرأ أهل العراق غير أبي عمرو يسلكه بالياء و الباقون بالنون و قرأ ابن عامر برواية هشام لبدا بضم اللام و الباقون بكسرها و قرأ أبو جعفر و عاصم و حمزة «قُلْ إِنَّمََا أَدْعُوا» و الباقون قال و في الشواذ قراءة الأعمش و يحيى بن وثاب لو استقاموا بضم الواو و قراءة الحسن و الجحدري لبدا بالتشديد و في رواية أخرى عن الجحدري لبدا بضمتين.

الحجة

من قرأ «يَسْلُكْهُ» بالياء فلتقدم ذكر الغيبة في قوله «وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ» و من قرأ بالنون فهو مثل قوله‏ وَ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ بعد قوله سبحانه‏ اَلَّذِي أَسْرى‏ََ و من قرأ قال إنما أدعوا فلتقدم ذكر الغيبة أيضا في قوله «وَ أَنَّهُ لَمََّا قََامَ عَبْدُ اَللََّهِ» و من قرأ «قُلْ» فلأن بعده قُلْ إِنِّي لاََ أَمْلِكُ* قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اَللََّهِ أَحَدٌ و من قرأ لبدا فإن اللبد الكثير من قوله‏ مََالاً لُبَداً و كأنه قيل له لبد لركوب بعضه على بعض و لصوق بعضه ببعض لكثرته و اللبد جمع لبدة و هي الجماعة و قد يقال ذلك للجراد الكثير قال بعض الهذليين:

صابوا بستة أبيات و واحدة # حتى كان عليهم جابيا لبدا

قال الجبائي هو الجراد لأنه يجبي كل شي‏ء بأكله و قال الزجاج اللبدة و اللبدة بمعنى‏

558

(1) - و من قرأ لبدا بالتشديد فإنه وصف على فعل كالجبا و الزمل و يجوز أن يكون جمع لأبد فيكون مثل راكع و ركع و اللبد من الأوصاف التي جاءت على فعل كناقة سرح و رجل طلق و من قرأ لو استقاموا فإنه على التشبيه بواو الجماعة نحو قوله‏ اِشْتَرَوُا اَلضَّلاََلَةَ* كما شبهت تلك بهذه فقيل اشتروا الضلالة و قد مضى هذا في سورة البقرة .

اللغة

الصالح عامل الصلاح الذي يصلح به حاله في دينه و أما المصلح فهو فاعل الصلاح الذي يقوم به أمر من الأمور و لهذا يوصف سبحانه بأنه مصلح و لا يوصف بأنه صالح و الطرائق جمع طريقة و هي الجهة المستمرة مرتبة بعد مرتبة و القدد القطع جمع قدة و هي المستمرة بالقد في جهة واحدة و الرهق لحاق السرف في الأمر و هو الظلم و القاسط الجائر و المقسط العادل و نظيره الترب الفقير و المترب الغني و أصله التراب فالأول ذهب ماله حتى لصق بالتراب و الآخر كثر ماله حتى صار بعدد التراب و كذلك القاسط هو العادل عن الحق و المقسط العادل إلى الحق قال:

قوم هم قتلوا ابن هند عنوة # عمرا و هم قسطوا على النعمان

و قال آخر:

قسطنا على الأملاك في عهد تبع # و من قبل ما أردى النفوس عقابها

و التحري تعمد إصابة الحق و أصله طلب الشي‏ء و القصد له قال امرؤ القيس :

ديمة هطلاء فيها وطف # طبق الأرض تحري و تدر

و ماء غدق كثير و غدق المكان يغدق غدقا كثر فيه الماء و الندى و هو غدق عن الزجاج و قال أمية بن أبي الصلت :

مزاجها سلسبيل ماؤها غدق # عذب المذاقة لا ملح و لا كدر

559

(1) - و الصعد الغليظ الصعب المتصعب في العظم و منه التنفس الصعداء و الصعود العقبة الكؤود الشاقة .

المعنى‏

ثم قال سبحانه في تمام الحكاية عن الجن الذين آمنوا عند سماع القرآن «وَ أَنََّا مِنَّا اَلصََّالِحُونَ» و هم الذين عملوا الصالحات المخلصون «وَ مِنََّا دُونَ ذََلِكَ» أي دون الصالحين في الرتبة عن ابن عباس و قتادة و مجاهد «كُنََّا طَرََائِقَ قِدَداً» أي فرقا شتى على مذاهب مختلفة و أهواء متفرقة من مسلم و كافر و صالح و دون الصالح عن ابن عباس و مجاهد و قيل قددا ألوانا شتى مختلفين عن سعيد بن جبير و الحسن و قيل فرقا متباينة كل فرقة تباين صاحبتها كما يبين المقدود بعضه من بعض قال السدي الجن أمثالكم فيهم قدرية و مرجئة و رافضة و شيعة } «وَ أَنََّا ظَنَنََّا» أي علمنا و تيقنا «أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اَللََّهَ فِي اَلْأَرْضِ» أي لن نفوته إذا أراد بنا أمرا «وَ لَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً» أي أنه يدركنا حيث كنا} «وَ أَنََّا لَمََّا سَمِعْنَا اَلْهُدى‏ََ آمَنََّا بِهِ» اعترفوا بأنهم لما سمعوا القرآن الذي فيه الهدى صدقوا به ثم قالوا «فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ» أي يصدق بتوحيد ربه و عرفه على صفاته «فَلاََ يَخََافُ» تقديره فإنه لا يخاف «بَخْساً» أي نقصانا فيما يستحقه من الثواب «وَ لاََ رَهَقاً» أي لحاق ظلم و غشيان مكروه و كأنه قال لا يخاف نقصا قليلا و لا كثيرا و ذلك أن أجره و ثوابه موفر على أتم ما يمكن فيه و قيل معناه فلا يخاف نقصا من حسناته و لا زيادة في سيئاته عن ابن عباس و الحسن و قتادة و ابن زيد قالوا لأن البخس النقصان و الرهق العدوان و هذه حكاية عن قوة إيمان الجن و صحة إسلامهم ثم قالوا} «وَ أَنََّا مِنَّا اَلْمُسْلِمُونَ» الذين استسلموا لما أمرهم الله سبحانه به و انقادوا لذلك «وَ مِنَّا اَلْقََاسِطُونَ» أي الجائرون عن طريق الحق «فَمَنْ أَسْلَمَ» لما أمره الله به «فَأُولََئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً» أي توجهوا الرشد و التمسوا الثواب و الهدى و تعمدوا إصابة الحق و ليسوا كالمشركين الذين ألفوا ما يدعوهم إليه الهوى و زاغوا عن طريق الهدى‏} «وَ أَمَّا اَلْقََاسِطُونَ» العادلون عن طريق الحق و الدين «فَكََانُوا» في علم الله و حكمه «لِجَهَنَّمَ حَطَباً» يلقون فيها فتحرقهم كما تحرق النار الحطب أو يكون معناه فسيكونون لجهنم حطبا توقد بهم كما توقد النار بالحطب‏ «وَ أَنْ لَوِ اِسْتَقََامُوا عَلَى اَلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنََاهُمْ مََاءً غَدَقاً» هذا ابتداء حكم من الله سبحانه أي لو استقام الإنس و الجن على طريقة الإيمان عن ابن عباس و السدي و قيل أراده مشركي مكة أي لو آمنوا و استقاموا على الهدى لأسقيناهم ماء كثيرا من السماء و ذلك بعد ما رفع ماء المطر عنهم سبع سنين عن مقاتل و قيل لو آمنوا و استقاموا لوسعنا عليهم في الدنيا و ضرب الماء الغدق مثلا لأن الخير كله و الرزق يكون في المطر و هذا كقوله‏ «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقََامُوا اَلتَّوْرََاةَ » إلى قوله‏ «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» و قوله‏ «لَفَتَحْنََا عَلَيْهِمْ‏

560

(1) - بَرَكََاتٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ» و قيل معناه لو استقاموا على طريقة الكفر فكانوا كفارا كلهم لأعطيناهم مالا كثيرا و لوسعنا عليهم تغليظا للمحنة في التكليف و لذلك قال‏} «لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ» أي لنختبرهم بذلك عن الفراء و هو قول الربيع و الكلبي و الثمالي و أبي مسلم و ابن مجلز و دليله‏ فَلَمََّا نَسُوا مََا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ الآيةو قيل لنفتنهم معناه لنعاملهم معاملة المختبر في شدة التعبد بتكليف الانصراف عما تدعو شهواتهم إليه و في ذلك المحنة الشديدة و هي الفتنة و المثوبة على قدر المشقة في الصبر عما تدعو إليه الشهوات و روي عن عمر بن الخطاب أنه قال في هذه الآية أينما كان الماء كان المال و أينما كان المال كانت الفتنة و قيل معناه لتختبرهم كيف يكون شكرهم للنعم عن سعيد بن المسيب و قتادة و مقاتل و الحسن و الأولى أن تكون الاستقامة على الطريقة محمولة على الاستقامة في الدين و الإيمان لأنها لا تطلق إلا على ذلك و لأنها في موضع التلطف و الاستدعاء إلى الإيمان و الحث على الطاعة و

في تفسير أهل البيت (ع) عن أبي بصير قال قلت لأبي جعفر (ع) قول الله‏ «إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا» * قال هو و الله ما أنتم عليه و لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا

و

عن بريد العجلي عن أبي عبد الله (ع) قال معناه لأفدناهم علما كثيرا يتعلمونه من الأئمة

ثم قال سبحانه على وجه التهديد و الوعيد «وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ» أي و من يعدل عن الفكر فيما يؤديه إلى معرفة الله و توحيده و الإخلاص في عبادته و قيل عن شكر الله و طاعته‏ «يَسْلُكْهُ عَذََاباً صَعَداً» أي يدخله عذابا شاقا شديدا متصعدا في العظم و إنما قال يسلكه لأنه تقدم ذكر الطريقة و قيل معناه عذابا ذا صعد أي ذا مشقة } «وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ فَلاََ تَدْعُوا مَعَ اَللََّهِ أَحَداً» تقديره و لأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا سوى الله عن الخليل و المعنى لا تذكروا مع الله في المواضع التي بنيت للعبادة و الصلاة أحدا على وجه الإشراك في عبادته كما تفعل النصارى في بيعهم و المشركون في الكعبة قال الحسن من السنة عند دخول المساجد أن يقال لا إله إلا الله لا أدعو مع الله أحدا و قيل المساجد مواضع السجود من الإنسان و هي الجبهة و الكفان و أصابع الرجلين و عينا الركبتين و هي لله تعالى إذ خلقها و أنعم بها فلا ينبغي أن يسجد بها لأحد سوى الله تعالى عن سعيد بن جبير و الزجاج و الفراء و

روي أن المعتصم سأل أبا جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا (ع) عن قوله تعالى «وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ» فقال هي الأعضاء السبعة التي يسجد عليها

و قيل إن المراد بالمساجد البقاع كلها و ذلك لأن الأرض كلها جعلت للنبي ص مسجدا عن الحسن و قال سعيد بن جبير قالت الجن للنبي ص كيف لنا أن نأتي المسجد و نشهد معك الصلاة و نحن ناءون عنك‏فنزلت الآية و روي عن الحسن أيضا أن المساجد الصلوات و هي لله و المراد أخلصوا لله العبادة

561

(1) - و أقروا له بالتوحيد و لا تجعلوا فيها لغير الله نصيبا} «وَ أَنَّهُ لَمََّا قََامَ عَبْدُ اَللََّهِ» يريد به محمدا ص «يَدْعُوهُ» بقول لا إله إلا الله و يدعو إليه و يقرأ القرآن «كََادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً» أي كاد الجن يركب بعضهم بعضا يزدحمون عليه حرصا منهم على استماع القرآن عن ابن عباس و الضحاك و قيل هو من قول الجن لأصحابهم حين رجعوا إليهم و المراد أن أصحاب النبي ص يتزاحمون عليه لاستماع القرآن منه يود كل واحد منهم أن يكون أقرب من صاحبه فيتلبد بعضهم على بعض عن سعيد بن جبير و قيل هو من جملة ما أوحى الله إلى النبي ص بما كان من حرص الجن على استماع القرآن و قيل معناه أنه لما دعا قريشا إلى التوحيد كادوا يتراكبون عليه بالزحمة جماعات متكاثرات ليزيلوه بذلك عن الدعوة و أبى الله إلا أن ينصره و يظهره على ما ناواه عن قتادة و الحسن و على هذا فيكون ابتداء كلام‏} «قُلْ إِنَّمََا أَدْعُوا رَبِّي وَ لاََ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً» و ذلك أنهم قالوا للنبي ص إنك جئت بأمر عظيم لم يسمع مثله فارجع عنه فأجابهم بهذا عن مقاتل و أمره سبحانه بأن يجيبهم بهذا فقال «قُلْ إِنَّمََا أَدْعُوا رَبِّي» و هذا يعضد قول الحسن و قتادة لأنه كالذم لهم على ذلك.

ـ

562

(1) -

القراءة

قرأ يعقوب ليعلم بضم الياء و الباقون «لِيَعْلَمَ» بفتح الياء و المعنيان متقاربان.

اللغة

الملتحد الملتجأ بالميل إلى جهة و الرصد جمع راصد و هو الحافظ .

الإعراب‏

بلاغا منصوب لأنه بدل من ملتحد أي لن أجد ملجأ إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلني به فهو ملجإي و رسالاته منصوبة بالعطف على محذوف و التقدير إلا بلاغا من الله و آياته و رسالاته قوله «مَنْ أَضْعَفُ نََاصِراً» جملة من مبتدإ و خبر هي تعليق و ناصرا نصب على التمييز و كذلك قوله «عَدَداً» و قوله «أَ قَرِيبٌ مََا تُوعَدُونَ» الاستفهام مع ما في حيزه تعليق «إِلاََّ مَنِ اِرْتَضى‏ََ» يجوز أن يكون من مبتدأ و قوله «فَإِنَّهُ يَسْلُكُ» خبره و يجوز أن يكون استثناء منقطعا و عددا انتصابه على ضربين (أحدهما) على معنى و أحصى كل شي‏ء في حال العدد فلم يخف عليه سقوط ورقة و لا حبة و لا رطب و لا يابس (و الآخر) أن يكون في موضع المصدر لأن معناه و عد كل شي‏ء عددا عن الزجاج .

المعنى‏

ثم خاطب سبحانه نبيه ص فقال «قُلْ» يا محمد للمكلفين «إِنِّي لاََ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لاََ رَشَداً» أي لا أقدر على دفع الضرر عنكم و لا إيصال الخير إليكم و إنما القادر على ذلك هو الله تعالى و لكني رسول ليس علي إلا البلاغ و الدعاء إلى الدين و الهداية إلى الرشادو هذا اعتراف بالعبودية و إضافة الحول و القوة إليه تعالى ثم قال‏} «قُلْ» لهم يا محمد «إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اَللََّهِ أَحَدٌ» أي لا يمنعني أحد مما قدره الله علي «وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ» أي من دون الله «مُلْتَحَداً» أي ملتجأ إليه أطلب به السلامة} «إِلاََّ بَلاََغاً مِنَ اَللََّهِ» أي تبليغا من الله آياته «وَ رِسََالاََتِهِ» فإنه ملجإي و منجاي و ملتحدي و لي فيه الأمن و النجاة عن الحسن و الجبائي و قيل معناه لا أملك لكم ضرا و لا رشدا فما علي إلا البلاغ عن الله فكأنه قال لا أملك شيئا سوى تبليغ وحي الله بتوفيقه و عونه عن قتادة و قيل أن قوله «إِلاََّ بَلاََغاً» يحتمل معنيين (أحدهما) إلا ما بلغني من الله أي لا يجيرني شي‏ء إلا ما أتاني من الله فلا فرق بين أن يقول بلغني كتابه و أن يقول أتاني كتابه (و الثاني) إلا تبليغ ما أنزل إلي فأما القبول و الإيمان فليس إلي و إنما ذلك إليكم عن أبي مسلم و قيل أنه عطف رسالاته على البلاغ فوجب أن يكون غيره فالأولى أن يكون أراد بالبلاغ ما بلغه من توحيد الله و عدله و ما يجوز عليه و ما لا يجوز و أراد بالرسالة ما أرسل لأجله من بيان الشرائع‏و لما بين سبحانه أنه لا

563

(1) - ملجأ من عذابه إلا طاعته عقبه بوعيد من قارف معصيته فقال «وَ مَنْ يَعْصِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ» أي خالف أمره في التوحيد و ارتكب الكفر و المعاصي «فَإِنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً» جزاء على ذلك‏} «حَتََّى إِذََا رَأَوْا» في الآخرة «مََا يُوعَدُونَ» به من العقاب في الدنيا و قيل هو عذاب الاستئصال «فَسَيَعْلَمُونَ» عند ذلك «مَنْ أَضْعَفُ نََاصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً» المشركون أم المؤمنون و قيل أ جند الله أم الذي عبده المشركون و إنما قال «مَنْ أَضْعَفُ نََاصِراً» و لا ناصر لهم في الآخرة لأنه جاء على جواب من توهم أنه إن كانت الآخرة فناصرهم أقوى و عددهم أكثر و في هذا دلالة على أن المراد بقوله «وَ مَنْ يَعْصِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ» الكفار و كانوا يفتخرون على النبي ص بكثرة جموعهم و يصفونه بقلة العدد فبين سبحانه أن الأمر سينعكس عليهم‏} «قُلْ» يا محمد «إِنْ أَدْرِي» أي لست أعلم «أَ قَرِيبٌ مََا تُوعَدُونَ» به من العذاب‏ «أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً» أي مهلة و غاية ينتهي إليها قال عطاء أراد أنه لا يعرف يوم القيامة إلا الله وحده‏} «عََالِمُ اَلْغَيْبِ» أي هو عالم الغيب يعلم متى تكون القيامة «فَلاََ يُظْهِرُ عَلى‏ََ غَيْبِهِ أَحَداً» أي لا يطلع على الغيب أحدا من عباده ثم استثنى فقال‏} «إِلاََّ مَنِ اِرْتَضى‏ََ مِنْ رَسُولٍ» يعني الرسل فإنه يستدل على نبوتهم بأن يخيروا بالغيب لتكون آية معجزة لهم و معناه أن من ارتضاه و اختاره للنبوة و الرسالة فإنه يطلعه على ما شاء من غيبه على حسب ما يراه من المصلحة و هو قوله «فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً» و الرصد الطريق أي يجعل له إلى علم ما كان قبله من الأنبياء و السلف و علم ما يكون بعده طريقا و قيل معناه أنه يحفظ الذي يطلع عليه الرسول فيجعل من بين يديه و من خلفه رصدا من الملائكة يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة و قيل رصدا من بين يدي الرسول و من خلفه و هم الحفظة من الملائكة يحرسونه عن شر الأعداء و كيدهم فلا يصل إليه شرهم و قيل المراد به جبرائيل (ع) أي يجعل من بين يديه و من خلفه رصدا كالحجاب تعظيما لما يتحمله من الرسالة كما جرت عادة الملوك بأن يضموا إلى الرسول جماعة من خواصهم تشريفا له و هذا

كما روي أن سورة الأنعام نزلت و معها سبعون ألف ملك‏

«لِيَعْلَمَ» الرسول «أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا» يعني الملائكة قال سعيد بن جبير ما نزل جبرائيل بشي‏ء من الوحي إلا و معه أربعة من الملائكة حفظة فيعلم الرسول أنه قد أبلغ الرسالة على الوجه الذي قد أمر به و قيل ليعلم من كذب الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات الله عن مجاهد و قيل ليعلم محمد ص أن الرسل قبله قد أبلغ جميعهم «رِسََالاََتِ رَبِّهِمْ» كما أبلغ هو إذ كانوا محروسين محفوظين بحفظ الله عن قتادة و قيل ليعلم الله أن قد أبلغوا عن الزجاج و قيل معناه ليظهر المعلوم على ما كان سبحانه عالما و يعلمه واقعا كما كان يعلم أنه سيقع و قيل أراد

564

(1) - ليبلغوا فجعل بدل ذلك قوله «لِيَعْلَمَ» إبلاغهم توسعا عن الجبائي و هذا كما يقول الإنسان ما علم الله ذلك مني أي ما كان ذلك أصلا لأنه لو كان لعلم الله ذلك فوضع العلم موضع الكون «وَ أَحََاطَ بِمََا لَدَيْهِمْ» أي أحاط الله علما بما لدى الأنبياء و الخلائق و هم لا يحيطون إلا بما يطلعهم الله عليه مما هو عند الله «وَ أَحْصى‏ََ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً» أي أحصى ما خلق و عرف عدد ما خلق لم يفته علم شي‏ء حتى مثاقيل الذر و الخردل عن ابن عباس و قيل معناه عد جميع المعلومات المعدومة و الموجودة عدا فعلم صغيرها و كبيرها و قليلها و كثيرها و ما يكون و ما لا يكون و ما كان و ما لم يكن و لو كان كيف كان و قيل معناه لا شي‏ء يعلمه عالم أو يذكره ذاكر إلا و هو تعالى عالم به و محص إياه عن الجبائي قال الإحصاء فعل و ليس هو بمنزلة العلم فلا يجوز أن يقال أحصى ما لا يتناهى كما يجوز أن يقال علم ما لا يتناهى فإن حمل على العلم تناول جميع المعلومات و إن حمل على العد تناول الموجودات.

565

(1) -

(73) سورة المزمل مكية و آياتها عشرون (20)

توضيح‏

و هي مدنية و قيل بعضها مكي و بعضها مدني.

عدد آيها

ثماني عشرة آية المدني الأخير و تسع عشرة بصري عشرون في الباقين.

اختلافها

ثلاث آيات «اَلْمُزَّمِّلُ» كوفي شامي و المدني الأول «شِيباً» غير المدني الأخير «إِلَيْكُمْ رَسُولاً» مكي.

فضلها

أبي بن كعب قال قال رسول الله ص و من قرأ سورة المزمل رفع عنه العسر في الدنيا و الآخرة

منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) قال و من قرأ سورة المزمل في العشاء الآخرة أو في آخر الليل كان له الليل و النهار شاهدين مع السورة و أحياه الله حياة طيبة و أماته ميتة طيبة.

تفسيرها

لما ختم الله سورة الجن بذكر الرسل افتتح هذه السورة بذكر نبينا ص خاتم الرسل فقال:

566

(1) -

القراءة

قرأ أبو عمرو و ابن عامر وطاء بكسر الواو و المد و الباقون «وَطْئاً» بفتح الواو و سكون الطاء مقصوراو قرأ أهل الكوفة غير حفص و ابن عامر و يعقوب رب المشرق بالجر و الباقون بالرفع و في الشواذ قراءة عكرمة المزمل و المدثر خفيفة الزاي و الدال مشددة الميم و الثاء و قراءة أبي السماك قم الليل بضم الميم.

الحجة

من قرأ أشد وطاء فمعناه مواطاة أي موافقة و ملاءمة و منه‏ لِيُوََاطِؤُا عِدَّةَ مََا حَرَّمَ اَللََّهُ أي ليوافقوا و المعنى أن صلاة ناشئة الليل و عمل ناشئة الليل يواطئ السمع القلب فيها أكثر مما يواطئ في ساعات النهار و لأن البال أفرغ لانقطاع كثير مما يشغل بالنهار و من قال «وَطْئاً» فالمعنى أنه أشق على الإنسان من القيام بالنهار لأن الليل للدعة و السكون و

جاء في الحديث اللهم اشدد وطأتك على مضر

«وَ أَقْوَمُ قِيلاً» أي أشد استقامة و صوابا لفراغ البال و انقطاع ما يشغله قال:

له و لها وقع بكل قرارة # و وقع بمستن الفضاء قويم‏

أي مستقيم.

و الناشئة ما يحدث و ينشأ من ساعات الليل و الرفع في «رَبُّ اَلْمَشْرِقِ» يحتمل أمرين (أحدهما) أنه لما قال «وَ اُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ» قطعه من الأول فقال هو «رَبُّ اَلْمَشْرِقِ» فيكون خبر مبتدإ محذوف (و الآخر) أن يكون مبتدأ و خبره الجملة التي هي «لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ» و من جر فعلى إتباعه قوله «اِسْمَ رَبِّكَ» و أما قوله المزمل بتخفيف الزاي فعلى حذف المفعول به يا أيها المزمل نفسه و المدثر نفسه و حذف المفعول كثير قال الحطيئة :

منعمة تصون إليك منها # كصونك من رداء شرعبي‏

567

(1) - أي تصون حديثا و تخزنه كقول الشنفري :

كان لها في الأرض نسيا نقصه # على أمها و إن تكلمك تبلت‏

و من قرأ قم الليل و ضم فيمكن أن يكون ضمه للاتباع.

اللغة

المزمل المتزمل في ثيابه أدغم التاء في الزاي‏لأن الزاي قريبة المخرج من التاء و هي أندى في المسموع من التاء و كل شي‏ء لفف فقد زمل قال امرؤ القيس :

كان ثبيرا في عرانين وبله # كبير أناس في بجاد مزمل‏

و النصف أحد قسمي الشي‏ء المساوي للآخر في المقدار كما أن الثلث جزء من ثلاثة و الربع جزء من أربعة و هذه من صفات الأجسام فإذا رفعت التأليفات عنها بقيت أجزاء لا توصف بأن لها نصفا أو ثلثا أو ربعا و العرض لا يوصف بالنصف و الجزء. و القديم لا يوصف أيضا بذلك لأن هذه عبارات عن مؤلفات على وجوه فإن قيل فإذا يجب أن لا يكون وصف القديم تعالى بأنه واحد مدحا فالجواب أن معنى قولنا أنه واحد اختصاصه بصفات لا يستحقها غيره و هي كونه قادرا عالما لذاته قديما و نحو ذلك و إذا قيل أنه لا يتجزأ فليس بمدح إلا أن يقال أنه حي لا يتجزأ بخلاف غيره من الأحياء و الترتيل ترتيب الحروف على حقها في تلاوتها بتثبت فيها و الحدر هو الإسراع فيها و كلاهما حسن إلا أن الترتيل هنا هو المرغب فيه و الإلقاء مثل التلقية تقول ألقت على فلان مسألة و الأقوم الأخلص استقامة و السبح التقلب و منه السابح في الماء لتقلبه فيه و قرأ يحيى بن يعمر و الضحاك سبخا طويلا بالخاء و معناه التوسعة يقال سبخت القطن إذا وسعته للندف و منه‏

قول النبي ص لعائشة و قد سمعها تدعو على سارق لا تسبخي عنه بدعائك عليه‏

أي لا تخففي و يقال لقطع القطن إذا ندف سبائخ قال الأخطل يصف القناص و الكلاب:

فأرسلوهن يذرين التراب كما # يذري سبائخ قطن ندف أوتار

568

(1) - و قال ثعلب السبح التردد و الاضطراب و السبخ السكون و منه‏

قول النبي ص الحمى من فيح جهنم فسبخوها بالماء

أي أسكنوها و التبتل الانقطاع إلى الله عز و جل و إخلاص العبادة له قال امرؤ القيس :

تضي‏ء الظلام بالعشي كأنها # منارة ممسي راهب متبتل‏

و أصله من تبلت الشي‏ء قطعته و صدقة بتة بتلة أي بائنة مقطوعة من صاحبها لا سبيل له عليها و منه البتول ع لانقطاعها إلى عبادة الله عز و جل .

الإعراب‏

الليل نصب على الظرف إلا قليلا نصب على الاستثناء تقديره إلا شيئا قليلا منه لا تقوم فيه ثم بين القدر فقال «نِصْفَهُ» قال الزجاج أن نصفه بدل من الليل كما تقول ضربت زيدا رأسه فإنما ذكرت زيدا لتوكيد الكلام و هو أوكد من قولك ضربت رأس زيد فالمعنى قم نصف الليل إلا قليلا أو أنقص من النصف أو زد على النصف و أنقص منه قليلا بمعنى إلا قليلا و لكنه ذكر مع الزيادة فالمعنى قم نصف الليل أو أنقص من نصف الليل أو زد على نصف الليل.

ـ

المعنى‏

«يََا أَيُّهَا اَلْمُزَّمِّلُ» معناه يا أيها المتزمل بثيابه المتلفف بها عن قتادة و قيل يا أيها المتزمل بعباءة النبوة أي المتحمل لأثقالها عن عكرمة و قيل معناه يا أيها النائم و كان قد تزمل للنوم عن السدي و قيل كان يتزمل بالثياب في أول ما جاء به جبرائيل خوفا حتى أنس به و إنما خوطب بهذا في بدء الوحي و لم يكن قد بلغ شيئا ثم خوطب ص بعد ذلك بالنبي و الرسول } «قُمِ اَللَّيْلَ» للصلاة «إِلاََّ قَلِيلاً» و المعنى بالليل صل إلا قليلا من الليل فإن القيام بالليل عبارة عن الصلاة بالليل‏} «نِصْفَهُ» هو بدل من الليل فيكون بيانا للمستثنى منه أي قم نصف الليل و معناه صل من الليل النصف إلا قليلا و هو قوله «أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً» أي من النصف‏} «أَوْ زِدْ عَلَيْهِ» أي على النصف و قال المفسرون أو أنقص من النصف قليلا إلى الثلث أو زد على النصف إلى الثلثين و قيل أن نصفه بدل من القليل فيكون بيانا للمستثنى و المعنى فيهما سواءو يؤيد هذا القول‏

ما روي عن الصادق (ع) قال القليل النصف أو أنقص من القليل قليلا أو زد على القليل قليلا

و

قيل معناه قم نصف الليل إلا قليلا من الليالي و هي ليالي العذر كالمرض و غلبة النوم و علة العين و نحوها أو أنقص من النصف قليلا أو زد عليه‏

569

(1) - ذكره الإمام علي بن أبي الطالب (ع)

خير الله سبحانه نبيه ص في هذه الساعات القيام بالليل و جعله موكولا إلى رأيه و كان النبي ص و طائفة من المؤمنين معه يقومون على هذه المقادير و شق ذلك عليهم فكان الرجل منهم لا يدري كم صلى و كم بقي من الليل فكان يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب حتى خفف الله عنهم بآخر هذه السورة

و عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعيد بن هشام قال قلت لعائشة أنبئيني عن قيام رسول الله ص فقال أ لست تقرأ «يََا أَيُّهَا اَلْمُزَّمِّلُ» قلت بلى قالت فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام نبي الله و أصحابه حولا و أمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف فصار قيام الليل تطوعا بعد أن كان فريضة

و قيل كان بين أول السورة و آخرها الذي نزل فيه التخفيف عشر سنين عن سعيد بن جبير و قيل كان هذا بمكة قبل فرض الصلوات الخمس ثم نسخ بالخمس عن ابن كيسان و مقاتل و قيل لما نزل أول المزمل كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان فكان بين أولها و آخرها سنة عن ابن عباس و قيل أن الآية الأخيرة نسخت الأولى عن الحسن و عكرمة و ليس في ظاهر الآيات ما يقتضي النسخ فالأولى أن يكون الكلام على ظاهره فيكون القيام بالليل سنة مؤكدة مرغبا فيه و ليس بفرض‏ «وَ رَتِّلِ اَلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً» أي بينه بيانا و اقرأه على هينتك ثلاث آيات و أربعا و خمسا عن ابن عباس قال الزجاج و البيان لا يتم بأن تعجل في القرآن إنما يتم بأن تبين جميع الحروف و توفي حقها من الإشباع قال أبو حمزة قلت لابن عباس إني رجل في قراءتي و في كلامي عجلة فقال ابن عباس لأن أقرأ البقرة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله و قيل معناه ترسل فيه ترسلا عن مجاهد و قيل معناه تثبت فيه تثبتا عن قتادة و

روي عن أمير المؤمنين (ع) في معناه أنه قال بينه بيانا و لا تهذه هذ الشعر و لا تنثره نثر الرمل و لكن أقرع به القلوب القاسية و لا يكونن هم أحدكم آخر السورة

و

عن أبي عبد الله (ع) قال إذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فاسأل الله الجنة و إذا مررت بآية فيها ذكر النار فتعوذ بالله من النار

و قيل الترتيل هو أن تقرأ على نظمه و تواليه و لا تغير لفظا و لا تقدم مؤخرا و هو مأخوذ من ترتل الأسنان إذا استوت و حسن انتظامها و ثغر رتل إذا كانت أسنانه مستوية لا تفاوت فيها و قيل رتل معناه ضعف و الرتل اللين عن قطرب قال و المراد بهذا تحزين القرآن أي اقرأه بصوت حزين و يعضده‏

ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) في هذا قال هو أن تتمكث فيه و تحسن به صوتك‏

و

روي عن أم سلمة أنها قالت كان رسول الله ص يقطع قراءته آية آية

و

عن أنس قال كان يمد صوته مدا

و

عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله ص يقال لصاحب القرآن اقرأ و ارق و رتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك‏

570

(1) - عند آخر آية تقرؤها

«إِنََّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً» أي سنوحي عليك قولا يثقل عليك و على أمتك أما ثقله عليه فلما فيه من تبليغ الرسالة و ما يلحقه من الأذى فيه و ما يلزمه من قيام الليل و مجاهدة النفس و ترك الراحة و الدعة و أما ثقله على أمته فلما فيه من الأمر و النهي و الحدود و هذا معنى قول قتادة و مقاتل و الحسن قال ابن زيد هو و الله ثقيل مبارك و كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة و قيل ثقيلا لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق و نفس مؤيدة بالتوحيد و قيل ثقيلا ليس بالسفساف الخفيف لأنه كلام ربنا جلت عظمته عن الفراء و قيل معناه قولا عظيم الشأن كما يقال هذا كلام رصين و هذا الكلام له وزن إذا كان واقعا موقعه و قيل معناه قولا ثقيلا نزوله فإنه ص كان يتغير حاله عند نزوله و يعرق و إذا كان راكبا يبرك راحلته و لا يستطيع المشي و

سأل الحرث بن هشام رسول الله ص فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي فقال ص أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس و هو أشد علي فيفصم عني و قد وعيت ما قال و أحيانا يتمثل الملك رجلا فأعي ما يقول‏

قالت عائشة أنه كان ليوحى إلى رسول الله ص و هو على راحلته فيضرب بجرانها قالت و لقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه و إن جبينه ليرفض عرقا

و قيل ثقيلا على الكفار لما فيه من الكشف عن جهلهم و ضلالهم و سفه أحلامهم و قبح أفعالهم‏ «إِنَّ نََاشِئَةَ اَللَّيْلِ» معناه إن ساعات الليل لأنها تنشأ ساعة بعد ساعة و تقديره أن ساعات الليل الناشئة و قال ابن عباس هو الليل كله لأنه ينشأ بعد النهار و قال مجاهد هي ساعات التهجد من الليل و قيل هي بالحبشية قيام الليل عن عبد الله بن مسعود و سعيد بن جبير و قيل هي القيام بعد النوم عن عائشة و قيل هي ما كان بعد العشاء الآخرة عن الحسن و قتادة و المروي‏

عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) أنهما قالا هي القيام في آخر الليل إلى صلاة الليل‏

«هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً» أي أكثر ثقلا و أبلغ مشقة لأن الليل وقت الراحة و العمل يشق فيه و من قال وطاء فالمعنى أشد مواطاة للسمع و البصر يتوافق فيها قلب المصلي و لسانه و سمعه على التفهم و التفكر إذ القلب غير مشتغل بشي‏ء من أمور الدنيا «وَ أَقْوَمُ قِيلاً» أي أصوب للقراءة و أثبت للقول لفراغ البال و انقطاع ما يشغل القلب عن أنس و مجاهد و ابن زيد و

قال أبو عبد الله (ع) هو قيام الرجل عن فراشه لا يريد به إلا الله تعالى‏

«إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهََارِ سَبْحاً طَوِيلاً» معناه أن لك يا محمد في النهار منصرفا و منقلبا إلى ما تقضي فيه حوائجك عن قتادة و المراد أن مذاهبك في النهار و مشاغلك كثيرة فإنك تحتاج فيه إلى تبليغ الرسالة و دعوة الخلق و تعليم الفرائض و السنن و إصلاح المعيشة لنفسك و عيالك و في الليل يفرغ القلب‏

571

(1) - للتذكر و القراءة فاجعل ناشئة الليل لعبادتك لتأخذ بحظك من خير الدنيا و الآخرة و في هذا دلالة على أنه لا عذر لأحد في ترك صلاة الليل لأجل التعليم و التعلم لأن النبي ص كان يحتاج إلى التعليم أكثر مما يحتاج الواحد منا إليه‏ثم لم يرض سبحانه أن يترك حظه من قيام الليل‏} «وَ اُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ» يعني أسماء الله تعالى التي تعبد بالدعاء بها و قيل اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء صلاتك توصلك بركة قراءتها إلى ربك و تقطعك من كل ما سواه و قيل و اقصد بعملك وجه ربك «وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً» أي أخلص له إخلاصا عن ابن عباس و غيره يعني في الدعاء و العبادة و قيل انقطع إليه انقطاعا عن عطاء و هو الأصل و قيل توكل عليه توكلا عن شقيق و قيل تفرغ لعبادته عن ابن زيد و قد جاء في الحديث النهي عن التبتل و المراد به الانقطاع عن الناس و الجماعات‏و كان يجب أن يقول تبتلا لأن المراد بتلك الله من المخلوقين و اصطفاك لنفسه تبتيلا فتبتل أنت أيضا إليه و قيل إنما قال تبتيلا ليطابق أواخر آيات السورة و

روى محمد بن مسلم و زرارة و حمران عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) أن التبتل هنا رفع اليدين في الصلاة

و

في رواية أبي بصير قال هو رفع يدك إلى الله و تضرعك إليه‏

«رَبُّ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ» أي رب العالم بما فيه لأنه بين المشرق و المغرب و قيل رب مشرق الشمس و مغربها و المراد أول النهار و آخره فأضاف النصف الأول من النهار إلى المشرق و النصف الآخر منه إلى المغرب و قيل مالك المشرق و المغرب أي المتصرف فيما بينهما و المدبر لما بينهما «لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ» أي لا أحد تحق له العبادة سواه «فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً» أي حفيظا للقيام بأمرك و قيل معناه فاتخذه كافيا لما وعدك به و اعتمد عليه و فوض أمرك إليه تجده خير حفيظ و كاف‏} «وَ اِصْبِرْ عَلى‏ََ مََا يَقُولُونَ» لك يعني الكفار من التكذيب و الأذى و النسبة إلى السحر و الكهانة «وَ اُهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً» و الهجر الجميل إظهار الموجدة عليهم من غير ترك الدعاء إلى الحق على وجه المناصحة قال الزجاج هذا يدل على أنه نزل قبل الأمر بالقتال و قيل بل هو أمر بالتلطف في استدعائهم فيجب مع القتال و لا نسخ و في هذا دلالة على وجوب الصبر على الأذى لمن يدعو إلى الدين و المعاشرة بأحسن الأخلاق و استعمال الرفق ليكونوا أقرب إلى الإجابة.

ـ

572

(1) -

اللغة

يذر و يدع بمعنى يترك و لا يقال وذر و لا ودع و استغني بترك عن ذلك لأن الابتداء بالواو عندهم مكروه و لذلك أبدلوا منها الهمزة في أقتت و التاء في تخمة و تراث و النعمة بفتح النون لين اللمس و ضدها الخشونة و النعمة الثروة و المنة أيضا و النعمة بضم النون المسرة يقال نعم و نعمة عين و نعمى عين و الأنكال القيود واحدها نكل و الغصة تردد اللقمة في الحلق و لا يسيغها آكلها يقال غص بريقه يغص غصصا و في قلبه غصة من كذا و هي كاللدغة التي لا يسوغ معها الطعام و الشراب قال عدي بن زيد :

لو بغير الماء حلقي شرق # كنت كالغصان بالماء اعتصاري‏

و الكثيب الرمل المجتمع الكثير و هلت الرمل أهيله هيلا فهو مهيل إذا حرك أسفله فسال أعلاه و

منه الحديث كيلوا و لا تهيلوا و كل ثقيل وبيل‏

و منه كلأ مستوبل أي مستوخم لا يستمرأ لثقله و منه الوبل و الوابل و هو المطر العظيم القطر و منه الوبال و هو ما يغلظ على النفس و الوبيل أيضا الغليظ من العصي قال طرفة :

فمرت كهاة ذات خيف جلالة # عقيلة شيخ كالوبيل يلندد

.

573

(1) -

المعنى‏

ثم قال سبحانه مهددا للكفار «وَ ذَرْنِي» يا محمد «وَ اَلْمُكَذِّبِينَ» الذين يكذبونك فيما تدعوهم إليه من التوحيد و إخلاص العبادة و في البعث و الجزاء و هذا كما يقول القائل دعني و إياه إذا أراد أن يهدده و هو نصب على أنه مفعول معه «أُولِي اَلنَّعْمَةِ» يعني المتنعمين ذوي الثروة في الدنيا أي كل جزاءهم إلي و لا تشغل قلبك بمجازاتهم «وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً» و هذا أيضا وعيد لهم و لم يكن إلا يسيرا حتى كانت وقعة بدر و المعنى و أخرهم في المدة قليلا قال مقاتل نزلت في المطعمين ببدر و هم عشرة ذكرناهم في الأنفال و قيل نزلت في صناديد قريش و المستهزءين «إِنَّ لَدَيْنََا أَنْكََالاً» أي عندنا قيودا في الآخرة عظاما لا تفك أبدا عن مجاهد و قتادة و قيل أغلالا «وَ جَحِيماً» و هو اسم من أسماء جهنم و قيل يعني و نارا عظيمة و لا يسمى القليل به‏} «وَ طَعََاماً ذََا غُصَّةٍ» أي ذا شوك يأخذ الحلق فلا يدخل و لا يخرج عن ابن عباس و قيل طعاما يأخذ بالحلقوم لخشونته و شدة تكرهه و قيل يعني الزقوم و الضريع و

روي عن حمران بن أعين عن عبد الله بن عمر أن النبي ص سمع قارئا يقرأ هذه فصعق‏

«وَ عَذََاباً أَلِيماً» أي عقابا موجعا مؤلما ثم بين سبحانه متى يكون ذلك فقال‏} «يَوْمَ تَرْجُفُ اَلْأَرْضُ» أي تتحرك باضطراب شديد «وَ اَلْجِبََالُ» أي و ترجف الجبال معها أيضا و تضطرب بمن عليها «وَ كََانَتِ اَلْجِبََالُ كَثِيباً مَهِيلاً» أي رملا سائلا متناثرا عن ابن عباس و قيل المهيل الذي إذا وطأته القدم زل من تحتها و إذا أخذت أسفله انهار أعلاه عن الضحاك و المعنى أن الجبال تنقلع من أصولها فتصير بعد صلابتها كالرمل السائل ثم أكد سبحانه الحجة على أهل مكة فقال‏} «إِنََّا أَرْسَلْنََا إِلَيْكُمْ رَسُولاً» يعني محمدا ص «شََاهِداً عَلَيْكُمْ» أي يشهد عليكم في الآخرة بما يكون منكم لا في الدنيا «كَمََا أَرْسَلْنََا إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ » بمصر «رَسُولاً» يعني موسى ابن عمران } «فَعَصى‏ََ فِرْعَوْنُ اَلرَّسُولَ» و لم يقبل منه ما دعاه إليه «فَأَخَذْنََاهُ» بالعذاب «أَخْذاً وَبِيلاً» أي شديدا ثقيلا مع كثرة جنوده و سعة ملكه يعني الغرق حذرهم سبحانه أن ينالهم مثل ما نال فرعون و قومه‏} «فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ» و لم تؤمنوا برسولكم «يَوْماً» أي عقاب يوم «يَجْعَلُ اَلْوِلْدََانَ شِيباً» و هو جمع أشيب‏و هذا وصف لذلك اليوم و شدته كما يقال هذا أمر يشيب منه الوليد و تشيب منه النواصي إذا كان عظيما شديدا و المعنى بأي شي‏ء تتحصنون من عذاب ذلك اليوم إن كفرتم و كيف تدفعون عنكم ذلك قال النابغة :

574

(1) -

سقط النصيف و لم ترد إسقاطه # فتناولته و اتقتنا باليد

أي دفعتنا ثم زاد سبحانه في وصف شدة ذلك اليوم فقال‏} «اَلسَّمََاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ» الهاء تعود إلى اليوم و هذا كما يقال فلان بالكوفة أي هو فيها و المعنى أن السماء تنفطر و تنشق في ذلك اليوم من هوله و قيل سبب ذلك اليوم و هوله و شدته و قيل بأمر الله و قدرته و لم يقل منفطرة لأن لفظة السماء مذكر فيجوز أن يذكر و يؤنث و من ذكر أراد السقف و قيل معناه ذات انفطار كما يقال امرأة مطفل أي ذات أطفال و مرضع ذات رضاع فيكون على طريق النسبة «كََانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً» أي كائنا لا خلف فيه و لا تبديل‏} «إِنَّ هََذِهِ» الصفة التي ذكرناها و بيناها «تَذْكِرَةٌ» أي عظة لمن أنصف من نفسه و التذكرة الموعظة التي يذكر بها ما يعمل عليه «فَمَنْ شََاءَ اِتَّخَذَ إِلى‏ََ رَبِّهِ سَبِيلاً» أي فمن شاء من المكلفين اتخذ إلى ثواب ربه سبيلا لأنه قادر على الطاعة التي لو فعلها وصل إلى الثواب و قد رغبه الله تعالى فيه و دعاه إلى فعل ما يوصله إليه و بعث رسولا يدعوه إليه فمن لم يصل إليه فبسوء اختياره انصرف عنه.

ـ

575

(1) -

القراءة

قرأ ابن كثير و أهل الكوفة نصفه و ثلثه بالنصب و الباقون بالجر.

الحجة

قال أبو علي من نصب حمله على أدنى و أدنى في موضع نصب قال أبو عبيدة أدنى أقرب‏فكأنه قال إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل و تقوم نصفه و ثلثه و من جر فإنه يحمله على الجار قال أبو الحسن و ليس المعنى عليه فيما بلغنا لأن المعنى يكون على أدنى من نصفه و أدنى من ثلثه قال و كان الذي افترض الثلث و أكثر من الثلث قال فأما الذين قرءوا بالجر فعلى أن يكون المعنى أنكم إن لم تؤدوا ما فرض الله عليكم فقوموا أدنى من ثلثي الليل و من نصفه و من ثلثه.

المعنى‏

ثم خاطب سبحانه نبيه ص فقال «إِنَّ رَبَّكَ» يا محمد «يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ََ» أي أقرب و أقل «مِنْ ثُلُثَيِ اَللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ» أي أقل من نصفه و ثلثه و الهاء تعود إلى الليل أي نصف الليل و ثلث الليل و المعنى أنك تقوم في بعض الليالي قريبا من الثلثين و في بعضها قريبا من نصف الليل و قريبا من ثلثه و قيل إن الهاء تعود إلى الثلثين أي و أقرب من نصف الثلثين و من ثلث الثلثين و إذا نصبت فالمعنى تقوم نصفه و ثلثه «وَ» تقوم «طََائِفَةٌ مِنَ اَلَّذِينَ مَعَكَ» على الإيمان و روى الحاكم أبو القاسم إبراهيم الحسكاني بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله «وَ طََائِفَةٌ مِنَ اَلَّذِينَ مَعَكَ» قال علي و أبو ذر «وَ اَللََّهُ يُقَدِّرُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ» أي يقدر أوقاتهما لتعلموا فيها على ما يأمركم به و قيل معناه لا يفوته علم ما تفعلون عن عطاء و المراد أنه يعلم مقادير الليل و النهار فيعلم القدر الذي تقومونه من الليل «عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ» قال مقاتل كان الرجل يصلي الليل كله مخافة أن لا يصيب ما أمر به من القيام فقال سبحانه «عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ» أي لن تطيقوا معرفة ذلك و قال الحسن قاموا حتى انتفخت أقدامهم فقال سبحانه إنكم لا تطيقون إحصاءه على الحقيقة و قيل معناه لن تطيقوا المداومة على قيام الليل و يقع منكم التقصير فيه «فَتََابَ عَلَيْكُمْ» بأن جعله تطوعا و لم يجعله فرضا عن الجبائي و قيل معناه فلم يلزمكم إثما كما لا يلزم التائب أي رفع التبعة فيه كرفع التبعة عن التائب‏و قيل فتاب عليكم أي فخفف عليكم «فَاقْرَؤُا مََا تَيَسَّرَ مِنَ اَلْقُرْآنِ » الآن يعني في صلاة الليل عن أكثر المفسرين و أجمعوا أيضا على أن المراد بالقيام المتقدم في قوله‏ قُمِ اَللَّيْلَ هو القيام إلى الصلاة إلا أبا مسلم فإنه قال أراد القيام لقراءة القرآن لا غير و قيل‏

576

(1) - معناه فصلوا ما تيسر من الصلاة و عبر عن الصلاة بالقرآن لأنها تتضمنه و من قال إن المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة فهو محمول على الاستحباب عند الأكثرين دون الوجوب لأنه لو وجبت القراءة لوجب الحفظ و قال بعضهم هو محمول على الوجوب لأن القارئ يقف على إعجاز القرآن و ما فيه من دلائل التوحيد و إرسال الرسل و لا يلزم حفظ القرآن لأنه من القرب المستحبة المرغب فيها ثم اختلفوا في القدر الذي تضمنه هذا الأمر من القراءة فقال سعيد بن جبير خمسون آية و قال ابن عباس مائة آيةو عن الحسن قال من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن و قال كعب من قرأ مائة آية في ليلة كتب من القانتين و قال السدي مائتا آية و قال جويبر ثلث القرآن لأن الله يسره على عباده و الظاهر أن معنى ما تيسر مقدار ما أردتم و أحببتم «عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى‏ََ» و ذلك يقتضي التخفيف عنكم «وَ آخَرُونَ» أي و منكم قوم آخرون «يَضْرِبُونَ فِي اَلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اَللََّهِ» أي يسافرون للتجارة و طلب الأرباح عن ابن عباس «وَ آخَرُونَ» أي و منكم قوم آخرون «يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» فكل ذلك يقتضي التخفيف عنكم‏ «فَاقْرَؤُا مََا تَيَسَّرَ مِنْهُ» و

روي عن الرضا (ع) عن أبيه عن جده (ع) قال ما تيسر منه لكم فيه خشوع القلب و صفاء السر

«وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ» بحدودها التي أوجبها الله عليكم «وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ» المفروضة «وَ أَقْرِضُوا اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً» أي و أنفقوا في سبيل الله و الجهات التي أمركم الله و ندبكم إلى النفقة فيها و قد مر معنى القرض فيما تقدم «وَ مََا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ» أي طاعة «تَجِدُوهُ» أي تجدوا ثوابه «عِنْدَ اَللََّهِ هُوَ خَيْراً» لكم من الشح و التقصير «وَ أَعْظَمَ أَجْراً» أي أفضل ثوابا و هو هنا يسمى فصلا عند البصريين و عمادا عند الكوفيين و يجوز أن يكون صفة للهاء في تجدوه «وَ اِسْتَغْفِرُوا اَللََّهَ» أي اطلبوا مغفرته «إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» أي ستار لذنوبكم صفوح عنكم رحيم بكم منعم عليكم‏قال عبد الله ابن مسعود أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء ثم قرأ «وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي اَلْأَرْضِ» الآية و قال ابن عمر ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إلي من أن أموت بين شقي رحل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله و قيل إن هذه الآية مدنية و يدل عليها أن الصلاة و الزكاة لم توجبا بمكة و قيل أوجبتا بمكة و الآية مكية.