مجمع البيان في تفسير القرآن - ج10

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
870 /
577

(1) -

(74) سورة المدثر مكية و آياتها ست و خمسون (56)

عدد آيها

خمسون و ست آيات عراقي و البزي و المدني الأول و خمس شامي و المدني الأخير و المكي غير البزي .

اختلافها

«يَتَسََاءَلُونَ» غير المدني الأخير «عَنِ اَلْمُجْرِمِينَ» غير الشامي و المكي إلا البزي .

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ المدثر أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد ص و كذب به بمكة

محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال من قرأ في الفريضة سورة المدثر كان حقا على الله أن يجعله مع محمد ص في درجته و لا يدركه في حياة الدنيا شقاء أبدا.

تفسيرها

لما أمر سبحانه نبيه ص في آخر المزمل بالصلاة و غيرها أمره في مفتتح هذه السورة بالإنذار فكأنه أمره أن يبدأ بنفسه ثم بالناس فقال:

578

(1) -

القراءة

قرأ أبو جعفر و حفص و يعقوب و سهل و الرجز بالضم و الباقون بكسر الراء و قرأ الحسن تستكثر بالجزم و قرأ الأعمش تستكثر بالنصب و القراءة بالرفع.

الحجة

«اَلرُّجْزَ» بالضم قراءة الحسن و هو اسم صنم فيما زعموا و قال قتادة هما صنمان إساف و نائلة و من كسر فهو العذاب و المعنى ذات العذاب فاهجر لأن عبادتها تؤدي إلى العذاب و يجوز أن يكون الرجز و الرجز لغتين كالذكر و الذكر و قال ابن جني الجزم في تستكثر يحتمل أمرين (أحدهما) أن يكون بدلا من تمنن فكأنه قال لا تستكثر فإن قيل فعبرة البدل أن يصلح إقامة الثاني مقام الأول و أنت لو قلت لا تستكثر لا يدلك النهي على المن للاستكثار و إنما المعنى لا تمنن من مستكثر قيل قد يكون البدل على حذف الأول و قد يكون على نية ثباته و ذلك كقولك زيد مررت به أبي محمد فتبدل أبا محمد من الهاء و لو قلت زيد مررت مررت بأبي محمد كان قبيحا فقوله «وَ لاََ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» من هذا القبيل و أنكر أبو حاتم الجزم على البدل (و الآخر) أن يكون أراد تستكثر فأسكن الراء لثقل الضمة مع كثرة الحركات كما حكى أبو زيد من قولهم‏ بَلى‏ََ وَ رُسُلُنََا بإسكان اللام و أما تستكثر بالنصب فبأن مضمرة و ذلك أن يكون بدلا من قوله «وَ لاََ تَمْنُنْ» في المعنى أ لا ترى أن معناه لا يكن منك من فاستكثار فكأنه قال لا يكن منك من أن تستكثر فتضمر أن لتكون مع الفعل المنصوب بها بدلا عن المن في المعنى الذي دل عليه الفعل و مما وقع فيه الفعل موقع المصدر قوله:

فقالوا ما تشاء فقلت ألهو # إلى الأصباح آثر ذي أثير

أراد فقلت للهو فوضع ألهو موضع اللهو.

اللغة

المدثر المتفعل من الدثار إلا أن الثاء أدغمت في الدال و هو المتغطي بالثياب عند النوم و التكبير وصف الأكبر على اعتقاد معناه كتكبير المكبر في الصلاة بقوله الله أكبر و التكبير نقيض التصغير و الكبير الشأن هو المختص باتساع للمقدور و المعلوم و الطهارة النظافة بانتفاء النجاسة لأن النظافة قد تكون بانتفاء الوسخ من غير نجاسة و قد تكون بانتفاء النجاسة فالطهارة في الآية هو القسم الأخير و المن ذكر النعمة بما يكدرهاو يقطع حق الشكر بها يقال من بعطائه يمن منا إذا فعل ذلك فأما المن على الأسير فهو إطلاقه بقطع أسباب‏

579

(1) - الاعتقال عنه و الاستكثار طلب الكثرة و هو هنا طلب ذكر الاستكثار للعطية و الناقور فاعول من النقر كهاضوم من الهضم و حاطوم من الحطم و هو الذي من شأنه أن ينقر فيه للتصويت به و اليسير و القليل الكلفة و منه اليسار و هو كثرة المال لقلة الكلفة به في الإنفاق و منه تيسير الأمور لسهولته .

الإعراب‏

«وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ» تقديره قم فكبر ربك و كذلك ما بعده و فائدة تقديم المفعول عنها التخصيص لأنك إذا قلت و كبر ربك لم يدل ذلك على أنه لا يجوز تكبير غير الرب‏إذا قلت ربك فكبر دل على أنه لا يجوز تكبير غيره و تستكثر في موضع نصب على الحال فذلك مبتدأ و يوم عسير خبره و يومئذ يجوز أن يكون رفعا و يجوز أن يكون نصبا فإذا كان رفعا فإنما يبنى على الفتح لإضافته إلى إذ لأن إذ غير متمكنة و إذا كان نصبا فعلى الظرف و تقديره فذلك يوم عسير في يوم ينفخ في الصور قاله الزجاج و قال أبو علي في بعض كتبه لا يجوز أن ينتصب يومئذ بقوله «عَسِيرٌ» لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف و إنما انتصب يومئذ على أنه صلة قوله «فَذََلِكَ» لأن ذلك كناية عن المصدر فكأنه قال فذلك النقر يومئذ و على هذا فيكون التقدير فذلك النقر في ذلك الوقت نقر يوم عسير و قوله «عَلَى اَلْكََافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ» على يتعلق بعسير و لا يتعلق بيسير لأن ما يعمل فيه المضاف إليه لا يتقدم على المضاف على أنهم قالوا إن غيرا في حكم حرف النفي‏فيجوز أن يعمل ما بعده فيما قبله نحو أن تقول أنت زيدا غير ضارب و لا يجوز أن تقول أنت زيدا مثل ضارب فتعمل ضاربا في زيد و إنما أجازوا أنت زيدا غير ضارب حملا على أنت زيدا لا ضارب.

المعنى‏

خاطب سبحانه نبيه ص فقال «يََا أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ» أي المتدثر بثيابه قال الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول سألت أبا سلمة أي القرآن أنزل من قبل قال «يََا أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ» فقلت أو اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فقال سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل قال «يََا أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ» فقلت أو اِقْرَأْ

فقال جابر أحدثكم ما حدثنا رسول الله ص قال جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الواد فنوديت فنظرت أمامي و خلفي و عن يميني و شمالي فلم أر أحدا ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء يعني جبرائيل فقلت دثروني دثروني فصبوا علي ماء فأنزل الله عز و جل «يََا أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ»

و

في رواية فحييت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي فقلت زملوني فنزل «يََا أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ»

«قُمْ فَأَنْذِرْ» أي ليس بك ما تخافه من الشيطان إنما أنت نبي فأنذر الناس و ادعهم إلى التوحيد و في هذا ما فيه لأن الله تعالى لا يوحي إلى رسوله إلا بالبراهين النيرة و الآيات البينة الدالة على أن ما يوحى إليه‏

580

(1) - إنما هو من الله تعالى فلا يحتاج إلى شي‏ء سواها و لا يفزع و لا يفرق و قيل معناه يا أيها الطالب صرف الأذى بالدثار اطلبه بالإنذار و خوف قومك بالنار و إن لم يؤمنوا و قيل إنه كان قد تدثر بشملة صغيرة لينام فقال يا أيها النائم قم من نومك فأنذر قومك و قيل إن المراد به الجد في الأمر و القيام بما أرسل به و ترك الهوينا فيه فكأنه قيل له لا تنم عما أمرتك به و هذا كما تقول العرب فلان لا ينام في أمره إذا وصف بالجلد و الانكماش و صدق العزيمة و كأنهم يخطرون النوم على ذي الحاجة حتى يبلغ حاجته و بذلك نطقت أشعارهم كما قيل:

ألا أيها الناهي فزارة بعد ما # أجدت لأمر إنما أنت حالم

أرى كل ذي وتر يقوم بوتره # و يمنع عنه النوم إذ أنت نائم‏

و يقال لمن أدرك ثاره هذا هو الثأر المنيم و قال الشاعر يصف من أورد إبلا له:

أوردها سعد و سعد مشتمل # ما هكذا تورد يا سعد الإبل‏

و الاشتمال مثل التدثر} «وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ» أي عظمه و نزهه عما لا يليق به و قيل كبره في الصلاة فقل الله أكبر} «وَ ثِيََابَكَ فَطَهِّرْ» أي و ثيابك الملبوسة فطهرها من النجاسة للصلاة و قيل معناه و نفسك فطهر من الذنوب و الثياب عبارة عن النفس عن قتادة و مجاهد و على هذا فيكون التقدير و ذا ثيابك فطهر فحذف المضاف و مما يؤيد هذا القول قول عنترة :

فشككت بالرمح الأصم ثيابه # ليس الكريم على القنا بمحرم‏

و قيل معناه طهر ثيابك من لبسها على معصية أو غدرة كما قال سلامة بن غيلان الثقفي أنشده ابن عباس :

و إني بحمد الله لا ثوب فاجر # لبست و لا من غدرة أتقنع‏

قال الزجاج معناه و يقال للغادر دنس الثياب و في معناه قول من قال و عملك فأصلح.

ـ

581

(1) - قال السدي يقال للرجل إذا كان صالحا أنه لطاهر الثياب و إذا كان فاجرا إنه لخبيث الثياب و

قيل معناه و ثيابك فقصر عن طاووس و روي ذلك عن أبي عبد الله (ع)

قال الزجاج لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه و قيل معناه و ثيابك فاغسلها عن النجاسة بالماء لأن المشركين كانوا لا يتطهرون عن ابن زيد و ابن سيرين و قيل لا يكن ثيابك من حرام عن ابن عباس و قيل معناه و أزواجك فطهرهن عن الكفر و المعاصي حتى يصرن مؤمنات صالحات و العرب تكني بالثياب عن النساء عن أبي مسلم و

روى أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال قال أمير المؤمنين (ع) غسل الثياب يذهب الهم و الحزن و هو طهور الصلاة و تشمير الثياب طهور لها و قد قال الله سبحانه «وَ ثِيََابَكَ فَطَهِّرْ» أي فشمر

«وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ» أي اهجر الأصنام و الأوثان عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الزهري و قيل معناه اجتنب المعاصي عن الحسن قال الكسائي الرجز بالكسر العذاب و بالضم الصنم و قال المعنى أهجر ما يؤدي إلى العذاب و لم يفرق غيره بينهما و قيل معناه جانب الفعل القبيح و الخلق الذميم عن الجبائي و قيل معناه أخرج حب الدنيا من قلبك لأنه رأس كل خطيئة «وَ لاََ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» أي لا تعط عطية لتعطى أكثر منها و هذا للنبي ص خاصة أدبه الله سبحانه بأكرم الآداب و أشرفها عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و النخعي و الضحاك و قيل معناه و لا تمنن حسناتك على الله تعالى مستكثرا لها فينقصك ذلك عند الله عن الحسن و ربيع بن أنس و قيل معناه لا تمنن ما أعطاك الله من النبوة و القرآن مستكثرا به الأجر من الناس عن ابن زيد و قيل هو نهي عن الربا المحرم أي لا تعط شيئا طالبا أن تعطي أكثر مما أعطيت عن أبي مسلم و قيل لا تضعف في عملك مستكثرا لطاعاتك عن مجاهد و قيل و لا تمنن بعطائك على الناس مستكثرا ما أعطيته فإن متاع الدنيا قليل و لأن المن يكدر الصنيعة و قيل معناه إذا أعطيت عطية فأعطها لربك و اصبر حتى يكون هو الذي يثيبك عليها عن زيد بن أسلم و قيل معناه لا تمنن بإبلاغ الرسالة على أمتك عن الجبائي } «وَ لِرَبِّكَ» أي لوجه ربك «فَاصْبِرْ» على أذى المشركين عن مجاهد و قيل فاصبر على ما أمرك الله به من أداء الرسالة و تعظيم الشريعة و على ما ينالك من التكذيب و الأذى لتنال الفوز و الذخر و قيل فاصبر عن المعاصي و على الطاعات و المصائب و قيل فاصبر لله على ما حملت من الأمور الشاقة في محاربة العرب و العجم عن ابن زيد } «فَإِذََا نُقِرَ فِي اَلنََّاقُورِ» معناه إذا نفخ في الصور و هي كهيئة البوق عن مجاهد و قيل إن ذلك في النفخة الأولى و هو أول الشدة الهائلة العامةو قيل إنه النفخة الثانية و عندها يحيي الله الخلق و تقوم القيامة و هي صيحة الساعة عن الجبائي } «فَذََلِكَ يَوْمَئِذٍ» قد مر معناه في الأعراف «يَوْمٌ عَسِيرٌ» أي شديد} «عَلَى اَلْكََافِرِينَ» لنعم الله الجاحدين لآياته «غَيْرُ يَسِيرٍ»

582

(1) - غير هين و لا سهل و هو بمعنى قوله «عَسِيرٌ» إلا أنه أعاده بلفظ آخر للتأكيد كما تقول إني واد لفلان غير مبغض و قيل معناه عسير في نفسه و غير عسير على المؤمنين لما يرون من حسن العاقبة.

583

(1) -

اللغة

التمهيد و التوطئة و التذليل و التسهيل نظائر و العنيد الذاهب عن الشي‏ء على طريق العداوة له يقال عند العرق يعند عنودا فهو عاند إذا نفر و المعاندة منافرة المضادة و كذلك العناد و بعير عنود أي نافر قال الشاعر:

إذا نزلت فاجعلوني وسطا # إني كبير لا أطيق العندا

و الإرهاق الإعجاز بالعنف و الصعود العقبة التي يصعب صعودها و هي الكؤود و عبس يعبس عبوسا إذا قبض وجهه و العبوس و التكليح و التقطيب نظائر و ضدها الطلاقة و البشاشة و البسور بدو التكره في الوجه و أصله من بسر بالأمر إذا عجل به و منه البسر لتعجيل حاله قبل الإرطاب قال توبة :

و قد رابني منها صدود رأيته # و إعراضها عن حاجتي و بسورها

و الإصلاء إلزام موضع النار يقال أصليته فاصطلى و سقر اسم من أسماء جهنم لم يصرف للتأنيث و التعريف و أصله من سقرته الشمس سقرا إذا ألمت دماغه و الإبقاء ترك شي‏ء مما أخذ و التلويح تغيير اللون إلى الاحمرار و لوحته الشمس تلويحا فهي لواحة على المبالغة و البشر جمع بشرة و هي ظاهر الجلد و منه سمي الإنسان بشرا لأنه ظاهر الجلد بتعريه من الوبر و الريش و الصوف الذي يكون في غيره من الحيوان .

الإعراب‏

وحيدا منصوب على الحال و هو على وجهين أحدهما أن يكون من صفة الله أي ذرني و من خلقته وحدي و الآخر أن يكون من صفة المخلوق.

النزول‏

نزلت الآيات في الوليد بن المغيرة المخزومي و ذلك أن قريشا اجتمعت في دار الندوة فقال لهم الوليد إنكم ذوو أحساب و ذوو أحلام و إن العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف فاجمعوا أمركم على شي‏ء واحد ما تقولون في هذا الرجل قالوا نقول إنه شاعر فعبس عندها و قال قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر فقالوا نقول إنه كاهن قال‏إذا تأتونه فلا تجدونه يحدث بما تحدث به الكهنة قالوا نقول إنه لمجنون فقال إذا تأتونه فلا تجدونه مجنونا قالوا نقول إنه ساحر قال و ما الساحر فقالوا بشر يحببون بين المتباغضين‏

584

(1) - و يبغضون بين المتحابين قال فهو ساحر فخرجوا فكان لا يلقى أحد منهم النبي ص إلا قال يا ساحر يا ساحر و اشتد عليه ذلك فأنزل الله تعالى‏ أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ إلى قوله «إِلاََّ قَوْلُ اَلْبَشَرِ» عن مجاهد و يروى أن النبي ص لما أنزل عليه‏ حم ` تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ مِنَ اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْعَلِيمِ ` غََافِرِ اَلذَّنْبِ وَ قََابِلِ اَلتَّوْبِ شَدِيدِ اَلْعِقََابِ قام إلى المسجد و الوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته فلما فطن النبي ص لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال و الله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس و لا من كلام الجن و إن له لحلاوة و إن عليه لطلاوة و إن أعلاه لمثر و إن أسفله لمغدق و إنه ليعلو و ما يعلى ثم انصرف إلى منزله فقال قريش صبا و الله و الوليد و الله لتصبان قريش كلهم و كان يقال للوليد ريحانة قريش فقال لهم أبو جهل أنا أكفيكموه فانطلق فقعد إلى جانب الوليد حزينا فقال لي ما أراك حزينا يا ابن أخي قال هذه قريش يعيبونك على كبر سنك و يزعمون أنك زينت كلام محمد فقام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال أ تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق قط فقالوا اللهم لا قال أ تزعمون أنه كاهن فهل رأيتم عليه شيئا من ذلك قالوا اللهم لا قال أ تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه أنه بنطق بشعر قط قالوا اللهم لا قال أ تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب فقالوا اللهم لا و كان يسمى الصادق الأمين قبل النبوة من صدقه فقالت قريش للوليد فما هو فتفكر في نفسه ثم نظر و عبس فقال ما هو إلا ساحر ما رأيتموه يفرق بين الرجل و أهله و ولده و مواليه فهو ساحر و ما يقوله سحر يؤثر.

ـ

المعنى‏

ثم قال سبحانه لنبيه ص على وجه التهديد للكافر الذي وصفه «ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً» أي دعني و إياه فإني كاف له في عقابه كما يقول القائل دعني و إياه و معناه دعني و من خلقته متوحدا بخلقه لا شريك لي في خلقه و إن حملته على صفة المخلوق‏فمعناه دعني و من خلقته في بطن أمه واحد لا مال له و لا ولد يعني الوليد بن المغيرة قال مقاتل معناه خل بيني و بينه فأنا أفرد بهلكته و قال ابن عباس كان الوليد يسمى الوحيد في قومه و

روى العياشي بإسناده عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أبي عبد الله و أبي جعفر ع أن الوحيد ولد الزنا

قال زرارة ذكر لأبي جعفر ع عن أحد بني هشام أنه قال في خطبته أنا ابن الوحيد فقال ويله لو علم ما الوحيد ما فخر بها فقلنا له و ما هو من لا يعرف له أب‏

ثم ذكر سبحانه رزقه المال و الولد فقال‏} «وَ جَعَلْتُ لَهُ مََالاً مَمْدُوداً» ما بين مكة إلى‏

585

(1) - الطائف من الإبل المؤبلة و الخيل المسومة و النعم المرحلة و المستغلات التي لا تنقطع غلتها و الجواري و العبيد و العين الكثيرة عن عطاء عن ابن عباس و قيل الممدود الكثير الذي لا تنقطع غلته عنه سنة حتى يدرك غلة سنة أخرى فهو ممدود على الأيام و كان له بستان بالطائف لا ينقطع خيره في شتاء و لا صيف و عشرة بنين و مائة ألف دينار عن مجاهد و قيل ستة آلاف دينار عن قتادة و قيل أربعة آلاف دينار عن سفيان «وَ بَنِينَ شُهُوداً» حضورا معه بمكة لا يغيبون عنه لغناهم عن ركوب السفر للتجارة قال سعيد بن جبير كانوا ثلاثة عشر و قال مقاتل كانوا سبعة الوليد و خالد و عمارة و هشام و العاص و قيس و عبد شمس أسلم منهم ثلاثة خالد و هشام و عمارة قالوا فما زال الوليد بعد هذه الآية في نقصان من ماله و ولده حتى هلك «وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً» أي بسطت له في العيش بسطا حتى صار مكفي المئونة من كل وجه حتى صارت أحواله متناسبة عن الحسن و غيره و قيل سهلت له و قيل سهلت له التصرف في الأمور تسهيلا} «ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ» أي لم يشكرني على هذه النعم بل كفر نعمائي و هو مع ذلك يطمع أن أزيد في إنعامه ثم قال على وجه الردع و الزجر} «كَلاََّ» أي لا يكون كما ظن و لا أزيده مع كفره و قيل كلا معناه انزجر و ارتدع فليس الأمر على ما تتوهم ثم بين سبحانه كفره فقال «إِنَّهُ كََانَ لِآيََاتِنََا عَنِيداً» أي إنما لم نفعل به ذلك لأنه كان بحججنا و أدلتنا معاندا ينكرها مع معرفته بها و قيل عنيدا جحودا عن ابن عباس و قتادة } «سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً» أي سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة فيه و

قيل صعود جبل في جهنم من نار يؤخذ بارتقائه فإذا وضع يده عليه ذابت فإذا رفعها عادت و كذلك رجله في خبر مرفوع

و قيل هو جبل من صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ثم يكلف أيضا أن يصعدها فذلك دأبه أبدا يجذب من أمامه بسلاسل الحديد و يضرب من خلفه بمقاطع الحديد فيصعدها في أربعين سنة عن الكلبي } «إِنَّهُ فَكَّرَ» و دبر ما ذا يقول في القرآن «وَ قَدَّرَ» القول في نفسه و إنما فكر ليحتال به للباطل لأنه لو فكر على وجه طلب الرشاد لكان ممدوحا و قدر فقال إن قلنا شاعر كذبتنا العرب باعتبار ما أتى به و إن قلنا كاهن لم يصدقونا لأن كلامه لا يشبه كلام الكهان فنقول ساحر يؤثر ما أتى به عن غيره من السحرة} «فَقُتِلَ» أي لعن و عذب و قيل لعن بما يجري مجرى القتل‏و قيل استحق العذاب عن الجبائي «كَيْفَ قَدَّرَ» قال صاحب النظم معناه لعن على أي حال قدر ما قدر من الكلام كما يقال في الكلام لأضربنه كيف صنع أي على أي حال كان منه‏} «ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ» هذا تكرير للتأكيد و قيل معناه كيف‏

586

(1) - قدر في آياتنا ما قدر مع وضوح الحجة ثم لعن و عوقب بعقاب آخر كيف قدر في إبطال الحق تقدير آخر و قيل معناه عوقب في الآخرة مرة بعد مرة} «ثُمَّ نَظَرَ» في طلب ما يدفع به القرآن و يرده‏} «ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ» أي كلح و كره وجهه و نظر بكراهة شديدة كالمتهم المتفكر في الشي‏ء} «ثُمَّ أَدْبَرَ» عن الإيمان «وَ اِسْتَكْبَرَ» أي تكبر حين دعا إليه‏} «فَقََالَ إِنْ هََذََا» أي ما هذا القرآن «إِلاََّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ» أي يروي عن السحرة و قيل هو من الإيثار أي سحر تؤثره النفوس و تختاره لحلاوته فيها «إِنْ هََذََا إِلاََّ قَوْلُ اَلْبَشَرِ» أي ما هذا إلا كلام الإنس و ليس من عند الله و لو كان القرآن سحرا أو من كلام البشر كما قاله الملعون لأمكن السحرة أن يأتوا بمثله و لقدر هو و غيره مع فصاحتهم على الإتيان بسورة مثله ثم قال سبحانه مهددا له «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ» أي سأدخله جهنم و ألزمه إياها و قيل سقر دركة من دركات جهنم و قيل باب من أبوابها} «وَ مََا أَدْرََاكَ» أيها السامع «مََا سَقَرُ» في شدتها و هولها و ضيقها ثم وصف بعض صفاتها فقال‏} «لاََ تُبْقِي وَ لاََ تَذَرُ» أي لا تبقي لهم لحما إلا أكلته و لا تذرهم إذا أعيدوا خلقا جديدا عن مجاهد و قيل لا تبقي شيئا إلا أحرقته و لا تذر أي لا تبقي عليهم بل يبلغ مجهودهم في أنواع العذاب عن الجبائي } «لَوََّاحَةٌ لِلْبَشَرِ» أي مغيرة للجلود و قيل لافحة للجلود حتى تدعها أشد سوادا من الليل‏} «عَلَيْهََا تِسْعَةَ عَشَرَ» من الملائكة هم خزنتها مالك و معه ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف و أنيابهم كالصياصي‏يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة تسع كف أحدهم مثل ربيعة و مضر نزعت منهم الرحمة يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم و قيل معناه على سقر تسعة عشر ملكا و هم خزان سقر و للنار و دركاتها الآخر خزان آخرون و قيل إنما خصوا بهذا العدد ليوافق المخبر الخبر لما جاء به الأنبياء قبله و ما كان من الكتب المتقدمة و يكون في ذلك مصلحة للمكلفين و قال بعضهم في تخصيص هذا العدد أن تسعة عشر يجمع أكثر القليل من العدد و أقل الكثير منه لأن العدد آحاد و عشرات و مئات و ألوف فأقل العشرات عشرة و أكثر الآحاد تسعة قالوا و لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش ثكلتكم أمهاتكم أ تسمعون ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر و أنتم الدهم الشجعان أ فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم فقال أبو الأسد الجمحي أنا أكفيكم سبعة عشر عشرة على ظهري و سبعة على بطني فاكفوني أنتم اثنين فنزل‏} «وَ مََا جَعَلْنََا أَصْحََابَ اَلنََّارِ إِلاََّ مَلاََئِكَةً» الآية عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و معناه و ما جعلنا الموكلين بالنار المتولين تدبيرها إلا ملائكة جعلنا شهوتهم في تعذيب أهل‏

587

(1) - النار و لم نجعلهم من بني آدم كما تعهدون أنتم فتطيقونهم «وَ مََا جَعَلْنََا عِدَّتَهُمْ إِلاََّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا» أي لم نجعلهم على هذا العدد إلا محنة و تشديدا في التكليف للذين كفروا نعم الله و جحدوا وحدانيته حتى يتفكروا فيعلموا أن الله سبحانه حكيم لا يفعل إلا ما هو حكمة و يعلموا أنه قادر على أن يزيد في قواهم ما يقدرون به على تعذيب الخلائق و لو راجع الكفار عقولهم لعلموا أن من سلط ملكا واحدا على كافة بني آدم لقبض أرواحهم فلا يغلبونه قادر على سوق بعضهم إلى النار و جعلهم فيها بتسعة عشر من الملائكة «لِيَسْتَيْقِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ» من اليهود و النصارى أنه حق و إن محمدا ص صادق من حيث أخبر بما هو في كتبهم من غير قراءة لها و لا تعلم منهم «وَ يَزْدََادَ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِيمََاناً» أي يقينا بهذا العدد و بصحة نبوة محمد ص إذا أخبرهم أهل الكتاب أنه مثل ما في كتابهم «وَ لاََ يَرْتََابَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ» أي و لئلا يشك هؤلاء في عدد الخزنة و المعنى و ليستيقن من لم يؤمن بمحمد ص و من آمن به صحة نبوته إذا تدبروا و تفكروا «وَ لِيَقُولَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ اَلْكََافِرُونَ مََا ذََا أَرََادَ اَللََّهُ بِهََذََا مَثَلاً» اللام هنا لام العاقبة أي عاقبة أمر هؤلاء أن يقولوا هذا يعني المنافقين و الكافرين و قيل معناه و لأن يقولوا ما ذا أراد الله بهذا الوصف و العدد و يتدبروه فيؤدي بهم التدبر في ذلك إلى الإيمان «كَذََلِكَ يُضِلُّ اَللََّهُ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ» أي مثل ما جعلنا خزنة أصحاب النار ملائكة ذوي عدد محنة و اختبارا تكلف الخلق ليظهر الضلال و الهدى و أضافهما إلى نفسه لأن سبب ذلك التكليف و هو من جهته و قيل يضل عن طريق الجنة و الثواب من يشاء و يهدي من يشاء إليه «وَ مََا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاََّ هُوَ» أي ما يعلم جنود ربك من كثرتها أحد إلا هو و لم يجعل خزنة النار تسعة عشر لقلة جنوده و لكن الحكمة اقتضت ذلك‏و قيل هذا جواب أبي جهل حين قال ما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر عن مقاتل و قيل معناه و ما يعلم عدة الملائكة الذين خلقهم الله لتعذيب أهل النار إلا الله عن عطاء و المعنى أن التسعة عشر هم خزنة النار و لهم من الأعوان و الجنود ما لا يعلمه إلا الله ثم رجع إلى ذكر سقر فقال «وَ مََا هِيَ إِلاََّ ذِكْرى‏ََ لِلْبَشَرِ» أي تذكرة و موعظة للعالم ليتذكروا فيتجنبوا ما يستوجبون به ذلك و قيل معناه و ما هذه النار في الدنيا إلا تذكرة للبشر من نار الآخرة حتى يتفكروا فيها فيحذروا نار الآخرة و قيل ما هذه السورة إلا تذكرة للناس و قيل و ما هذه الملائكة التسعة عشر إلا عبرة للخلق يستدلون بذلك على كمال قدرة الله تعالى و ينزجرون عن المعاصي.

588

(1) -

القراءة

قرأ نافع و حمزة و يعقوب و خلف «إِذْ» بغير ألف «أَدْبَرَ» بالألف و الباقون إذا بالألف دبر بغير الألف و قرأ أهل المدينة و ابن عامر مستنفرة بفتح الفاء و الباقون بكسر الفاء و في الشواذ قراءة بعضهم يرويه عن ابن كثير أنها لحد الكبر بلا همزة و قراءة سعيد بن جبير صحفا منشرة بسكون الحاء و النون.

ـ

الحجة

أبو علي قال يونس دبر انقضى و أدبر تولى قال قتادة الليل إذ أدبر إذا ولى و يقال دبر و أدبر و قال و التخفيف في «لَإِحْدَى اَلْكُبَرِ» أن يجعل فيها الهمزة بين بين نحو سيم فأما حذف الهمزة فليس بقياس و وجه ذلك أن الهمزة حذفت حذفا كما حذفت في قوله:

589

(1) -

و يلمها في هواء الجو طالبها # و لا كهذا الذي في الأرض مطلوب‏

و قد جاء ذلك في مواضع من الشعر قال أبو الأسود لزياد :

يا با المغيرة رب أمر معضل # فرجته بالنكر مني و الدهاء

و قال آخر:

إن لم أقاتل فالبسوني برقعا # و فتخات في اليدين أربعا

و أنشد أحمد بن يحيى :

إن كان حزن لك با فقيمة # باعك عبدا بأخس قيمة

و قال الفرزدق :

و عليك إثم عطية بن الخطفي # و إثم التي زجرتك إن لم تجهد

قال و الكسر في «مُسْتَنْفِرَةٌ» أولى لقوله «فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» فهذا يدل على أنها هي استنفرت و يقال نفر و استنفر مثل سخر و استسخر و عجب و استعجب و من قال مستنفرة فكان القسورة استنفرتها و الرامي قال أبو عبيدة مستنفرة مذعورة و أنشد الزجاج :

أمسك حمارك إنه مستنفر # في إثر أحمرة عمدن لغرب‏

و رويت بالكسر أيضا قال ابن سلام سألت أبا سوار العرني و كان أعرابيا فصيحا قارئا للقرآن فقلت «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ» ما ذا قال حمر مستنفرة طردها قسورة قلت إنما هو فرت من قسورة فقال أ فرت قلت نعم فقال «مُسْتَنْفِرَةٌ» قال ابن جني أما سكون الحاء من صحف فلغة تميمية و أما منشرة بسكون النون فإن العرف في الاستعمال نشرت الثوب و غيره‏و أنشر الله الموتى فنشروا هم قال و قد جاء عنهم أيضا نشر الله الميت قال المتنبي :

ردت صنائعه إليه حياته # فكأنه من نشرها منشور

و لم نعلمهم قالوا أنشرت الثوب و نحوه إلا أنه يجوز أن يشبه بشي‏ء و كما جاز أن يشبه‏

590

(1) - الميت بالشي‏ء المطوي حتى قال المتنبي منشور فكذلك يجوز أن يشبه المطوي بالميت فيقال صحف منشرة أي كأنها بطيها ميتة فلما نشرت قيل منشرة .

اللغة

اليقين العلم الذي يوجد برد الثقة به في الصدر و يقال وجد فلان برد اليقين و ثلج اليقين في صدره و لذلك لا يوصف سبحانه بأنه متيقن و القسورة الأسد و قيل هم الرماة من قسره يقسره قسرا إذا قهره و أصل الفرار الانكشاف عن الشي‏ء و منه يقال فر الفرس يفر فرا إذا كشف عن سنة و الصحف جمع الصحيفة و هي الورقة التي من شأنها أن تقلب من جهة إلى جهة لما فيها من الكتابة و منه المصحف و جمعه مصاحف .

الإعراب‏

«نَذِيراً لِلْبَشَرِ» اختلف في وجه انتصابه فقيل نصب على الحال و هو اسم فاعل بمعنى منذر و ذو الحال الضمير في إحدى الكبر العائد إلى الهاء في أنها و هي كناية عن النار فالمعنى أنها لكبيرة في حال الإنذار و أنا ذكره لأن معناه معنى العذاب و يجوز أن يكون التذكير على قولهم امرأة طالق أي ذات طلاق و كذلك نذير بمعنى ذات إنذار و قيل هو حال يتعلق بأول السورة فكأنه قال يا أيها المدثر قم نذيرا للبشر فأنذر و قيل إن النذير هنا بمعنى الإنذار و تقديره إنذارا للبشر فيكون نصبا على المصدر لأنه لما قال «إِنَّهََا لَإِحْدَى اَلْكُبَرِ» دل على أنه أنذرهم بها إنذارا و قوله «مُعْرِضِينَ» منصوب على الحال مما في اللام من قوله «فَمََا لَهُمْ» من معنى الفعل و التقدير أي شي‏ء ثبت لهم معرضين عن التذكرة و «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ» جملة في موضع الحال من معرضين و هي حال من حال أو حال بعد حال أي مشابهين حمرا.

المعنى‏

ثم أقسم سبحانه على عظيم ما ذكره من الوعيد فقال «كَلاََّ» أي حقاو قيل معناه ليس الأمر على ما يتوهمونه من أنهم يمكنهم دفع خزنة النار و غلبتهم «وَ اَلْقَمَرِ» أقسم بالظهر لما فيه من الآيات العجيبة في طلوعه و غروبه و مسيره و زيادته و نقصانه‏} «وَ اَللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ» و أقسم بالليل إذا ولى و ذهب عن قتادة و قيل أدبر إذا جاء بعد غيره و أدبر إذا ولى مدبرا فعلى هذا يكون المعنى في إذ أدبر إذا جاء الليل في أثر النهار و في إذا أدبر إذا ولى الليل فجاء الصبح عقيبة و على القول الأول فهما لغتان معناهما ولى و انقضى‏} «وَ اَلصُّبْحِ إِذََا أَسْفَرَ» أي إذا أضاء و أنار عن قتادة و هم قسم آخر و قيل معناه إذا كشف الظلام و أضاء الأشخاص و قال قوم التقدير في هذه الأقسام و رب هذه الأشياء لأن اليمين لا يكون إلا بالله تعالى‏} «إِنَّهََا لَإِحْدَى اَلْكُبَرِ» هذا جواب القسم يعني أن سقر التي هي النار لإحدى العظائم و الكبر جمع الكبرى و هي العظمى عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل معناه أن آيات القرآن لإحدى الكبر في الوعيد} «نَذِيراً لِلْبَشَرِ» أي منذرا و مخوفا معلما مواضع المخافة

591

(1) - و النذير الحكيم بالتحذير عما ينبغي أن يحذر منه فكل نبي نذير لأنه حكيم بتحذيره عقاب الله تعالى على معاصيه‏و اختلف فيه فقيل إنه من صفة النار عن الحسن و قيل من صفة النبي ص فكأنه قال قم نذيرا عن ابن زيد و قيل من صفة الله تعالى عن ابن رزين و على هذا يكون حالا من فعل القسم المحذوف‏} «لِمَنْ شََاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ» أي يتقدم في طاعة الله أو يتأخر عنها بالمعصية عن قتادة و المشيئة هي الإرادة فيكون المعنى أن هذا الإنذار متوجه إلى من يمكنه أن يتقي عذاب النار بأن يتجنب المعاصي و يفعل الطاعات فيقدر على التقدم و التأخر في أمره بخلاف قول أهل الجبر القائلين ما لا يطاق و قيل إنه سبحانه عبر عن الإيمان و الطاعة بالتقدم لأن صاحبه متقدم في العقول و الدرجات و عن الكفر و المعصية بالتأخير لأنه متأخر في العقول و الدرجات و

روى محمد بن الفضيل عن أبي الفضل عن أبي الحسن (ع) أنه قال كل من تقدم إلى ولايتنا تأخر عن سقر و كل من تأخر عن ولايتنا تقدم إلى سقر

«كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» أي مرهونة بعملها محبوسة به مطالبة بما كسبته من طاعة أو من معصية فالرهن أخذ الشي‏ء بأمر على أن لا يرد إلا بالخروج منه‏قال زهير :

و فارقتك برهن لا فكاك له # يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا

فكذلك هؤلاء الضلال قد أخذوا برهن لا فكاك له و الكسب هو كل ما يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر و يدخل فيه الفعل و أن لا يفعل ثم استثنى سبحانه أصحاب اليمين فقال‏} «إِلاََّ أَصْحََابَ اَلْيَمِينِ» و هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم و قيل هم الذين يسلك بهم ذات اليمين قال قتادة غلق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين و هم الذين لا ذنب لهم فهم ميامين على أنفسهم و قيل هم المؤمنون المستحقون للثواب عن الحسن و قيل هم الملائكة عن ابن عباس و

قال الباقر (ع) نحن و شيعتنا أصحاب اليمين‏

«فِي جَنََّاتٍ يَتَسََاءَلُونَ» أي يسأل بعضهم بعضا و قيل يساءلون‏} «عَنِ اَلْمُجْرِمِينَ» أي عن حالهم و عن ذنوبهم التي استحقوا بها النار «مََا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ» هذا سؤال توبيخ أي تطلع أهل الجنة على أهل النار فيقولون لهم ما أوقعكم في النار «قََالُوا لَمْ نَكُ مِنَ اَلْمُصَلِّينَ» أي كنا لا نصلي الصلاة المكتوبة على ما قررها الشرع و في هذا دلالة على أن الإخلال بالجواب يستحق به الذم و العقاب لأنهم علقوا استحقاقهم العقاب بالإخلال في الصلاة و فيه دلالة أيضا على أن الكفار مخاطبون بالعبادات الشرعية لأنه حكاية عن الكفار بدلالة قوله «وَ كُنََّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ اَلدِّينِ» و قوله‏} «وَ لَمْ نَكُ‏

592

(1) - نُطْعِمُ اَلْمِسْكِينَ» معناه لم نك نخرج الزكوات التي كانت واجبة علينا و الكفارات التي وجب دفعها إلى المساكين و هم الفقراء} «وَ كُنََّا نَخُوضُ مَعَ اَلْخََائِضِينَ» أي كلما غوى غاو بالدخول في الباطل غوينا معه عن قتادة و المعنى كنا نلوث أنفسنا بالمرور في الباطل كتلويث الرجل بالخوض فلما كان هؤلاء يجرون مع من يكذب بالحق مشيعين لهم في القول كانوا خائضين معهم‏} «وَ كُنََّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ اَلدِّينِ» مع ذلك أي نجحد يوم الجزاء و هو يوم القيامة و الجزاء هو الإيصال إلى كل من له شي‏ء أم عليه شي‏ء ما يستحقه فيوم الدين هو يوم أخذ المستحق بالعدل‏ «حَتََّى أَتََانَا اَلْيَقِينُ» أي أتانا الموت على هذه الحالة و قيل حتى جاءنا العلم اليقين من ذلك بأن عايناه‏} «فَمََا تَنْفَعُهُمْ شَفََاعَةُ اَلشََّافِعِينَ» أي شفاعة الملائكة و النبيين كما نفعت الموحدين عن ابن عباس في رواية عطاء و قال الحسن لم تنفعهم شفاعة ملك و لا شهيد و لا مؤمن‏و يعضد هذا الإجماع على أن عقاب الكفر لا يسقط بالشفاعة و قد صحت الرواية عن عبد الله بن مسعود قال يشفع نبيكم ص رابع أربعة جبريل ثم إبراهيم ثم موسى أو عيسى ثم نبيكم ص لا يشفع أحد أكثر مما يشفع فيه نبيكم ص ثم النبيون ثم الصديقون ثم الشهداء و يبقى قوم في جهنم فيقال لهم «مََا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ» إلى قوله «فَمََا تَنْفَعُهُمْ شَفََاعَةُ اَلشََّافِعِينَ» قال ابن مسعود فهؤلاء الذين يبقون في جهنم و

عن الحسن عن رسول الله ص قال يقول الرجل من أهل الجنة يوم القيامة أي رب عبدك فلان سقاني شربة من ماء في الدنيا فشفعني فيه فيقول اذهب فأخرجه من النار فيذهب فيتجسس في النار حتى يخرجه منها

و

قال ص إن من أمتي من سيدخل الله الجنة بشفاعته أكثر من مضر

«فَمََا لَهُمْ عَنِ اَلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ» أي أي شي‏ء لهم و لم أعرضوا و تولوا عن القرآن فلم يؤمنوا به و التذكرة التذكير بمواعظ القرآن و المعنى لا شي‏ء لهم في الآخرة إذا أعرضوا عن القرآن و نفروا عنه‏ «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ» أي كأنهم حمر وحشية نافرة} «فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» يعني الأسد عن عطاء و الكلبي قال ابن عباس الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه كذلك هؤلاء الكفار إذا سمعوا النبي ص يقرأ القرآن هربوا منه و قيل القسورة الرماة و رجال القنص عن ابن عباس بخلاف و الضحاك و مقاتل و مجاهد و قال سعيد بن جبير هم القناص‏} «بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى‏ََ صُحُفاً مُنَشَّرَةً» أي كتبا من السماء تنزل إليهم بأسمائهم أن آمنوا بمحمد ص عن الحسن و قتادة و ابن زيد و قيل معناه أنهم يريدون صحفا من الله تعالى بالبراءة من العقوبة و إسباغ النعمة حتى يؤمنوا و إلا قاموا على كفرهم‏و قيل يريد كل واحد منهم أن يكون رسولا يوحى إليه متبوعا و أنف من‏

593

(1) - أن يكون تابعا و قيل هو تفسيرها ما ذكره الله تعالى في قوله‏ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتََّى تُنَزِّلَ عَلَيْنََا كِتََاباً نَقْرَؤُهُ فقال سبحانه‏} «كَلاََّ» أي حقا ليس الأمر على ما قالوا و لا يكون كذلك «بَلْ لاََ يَخََافُونَ اَلْآخِرَةَ» بجحدهم صحتها و لو خافوا عذاب الآخرة لما اقترحوا الآيات بعد قيام الدلالات و المعجزات‏} «كَلاََّ» أي حقا «إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ» أي إن القرآن تذكير و موعظة} «فَمَنْ شََاءَ ذَكَرَهُ» أي اتعظ به لأنه قادر عليه‏} «وَ مََا يَذْكُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ» هذه المشيئة غير الأولى إذ لو كانت واحدة لتناقض فالأولى مشيئة اختيار و الثانية مشيئة إكراه و إجبار و المعنى أن هؤلاء الكفار لا يذكرون إلا أن يجبرهم الله تعالى على ذلك و قيل معناه إلا أن يشاء الله من حيث أمر به و نهى عن تركه و وعد الثواب على فعله و أوعد بالعقاب إن لم تفعله فكانت مشيئته سابقة أي لا تشاءون إلا و الله قد شاء ذلك «هُوَ أَهْلُ اَلتَّقْوى‏ََ وَ أَهْلُ اَلْمَغْفِرَةِ» أي هو أهل أن يتقي محارمه و أهل أن يغفر الذنوب عن قتادة و

روي مرفوعا عن أنس قال إن رسول الله ص تلا هذه الآية فقال قال الله سبحانه أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إليه فمن اتقى أن يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له‏

و قيل معناه و هو أهل أن يتقى عقابه و أهل أن يعمل له بما يؤدي إلى مغفرته.

594

(1) -

(75) سورة القيامة مكية و آياتها أربعون (40)

توضيح‏

أربعون آية كوفي و تسع و ثلاثون في الباقين.

اختلافها

آية «لِتَعْجَلَ بِهِ» كوفي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص و من قرأ سورة القيامة شهدت أنا و جبريل له يوم القيامة أنه كان مؤمنا بيوم القيامة و جاء و وجهه مسفر على وجوه الخلائق يوم القيامة

أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال من أدمن قراءة لا أقسم و كان يعمل بها بعثها الله يوم القيامة معه في قبره في أحسن صورة تبشر و تضحك في وجهه حتى يجوز الصراط و الميزان.

تفسيرها

لما ختم الله سبحانه سورة المدثر بذكر القيامة و أن الكافر لا يؤمن بها افتتح هذه السورة بذكر القيامة و ذكر أهوالها فقال:

595

(1) -

القراءة

قرأ القواس لأقسم و الباقون «لاََ أُقْسِمُ» و لم يختلفوا في الثاني أنه «وَ لاََ أُقْسِمُ» و قرأ أهل المدينة برق البصر بفتح الراء و الباقون «بَرِقَ» بالكسر و في الشواذ قراءة ابن عباس و عكرمة و أيوب السختياني و الحسن المفر بفتح الميم و كسر الفاء و قراءة الزهري المفر بكسر الميم و فتح الفاء.

الحجة

قال أبو علي من قرأ «لاََ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ» كانت لا على قوله صلة كالتي في قوله‏ لِئَلاََّ يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ فإن قلت لا و ما و الحروف التي هن زوائد إنما تكون بين كلامين كقوله‏ مِمََّا خَطِيئََاتِهِمْ و فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ و فَبِمََا نَقْضِهِمْ* و لا تكاد تزاد أولا فقد قالوا إن مجاري القرآن مجاري الكلام الواحد و السورة الواحدة قال و الذي يدل على ذلك أنه قد يذكر الشي‏ء في سورة و يجي‏ء جوابه في سورة أخرى كقوله‏ يََا أَيُّهَا اَلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ جاء جوابه في سورة أخرى‏ مََا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ فلا فصل على هذا بين قوله‏ لِئَلاََّ يَعْلَمَ و بين قوله «لاََ أُقْسِمُ» فأما من قرأ لأقسم فإن اللام تجوز أن تكون اللام التي تصحبها إحدى النونين في أكثر الأمر و قد حكى ذلك سيبويه و أجازه و كما لم يلحق النون مع الفعل الآتي في لأقسم كذلك لم يحلق اللام مع النون في نحو قول الشاعر:

و قتل مرة أثأرن فإنه # فرع و إن أخاكم لم يثأر

يريد لأثأرن فحذف اللام و يجوز أن يكون اللام لحقت فعل الحال و إذا كان المثال للحال لم يتبعها النون لأن هذه النون التي تلحق الفعل في أكثر الأمر إنما هي للفصل بين فعل الحال و الفعل الآتي و قد يمكن أن يكون لا ردا لكلام و زعموا أن الحسن قرأ «لاََ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ ` وَ لاََ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اَللَّوََّامَةِ» و قال أقسم بالأولى و لم يقسم بالثانية و حكي نحو ذلك عن ابن أبي إسحاق أيضا و ذكر أبو علي في غير كتاب الحجة أن اللام زيادة لأن القسم لا يدخل‏

596

(1) - على القسم و قال ابن جني ينبغي أن تكون هذه اللام لام الابتداء أي لأنا أقسم بيوم القيامة و حذف المبتدأ للعلم به و قال أبو الحسن برق البصر أكثر في كلام العرب و المفتوحة لغة قال الزجاج من قرأ «بَرِقَ» فمعناه فزع و تحير و من قرأ برق فهو من بريق العينين و قال أبو عبيدة برق البصر إذا شق و أنشد:

لما أتاني ابن صبيح راغبا # أعطيته عيساء منها فبرق‏

و المفر الفرار و المفر بكسر الفاء الموضع الذي يفر إليه و المفر بكسر الميم و فتح الفاء الإنسان الجيد الفرار و قال امرؤ القيس :

مكر مفر مقبل مدبر معا # كجلمود صخر حطه السيل من عل‏

.

الإعراب‏

«بَلى‏ََ قََادِرِينَ» نصب على الحال و التقدير بلى بجمعها قادرين فالعامل في الحال محذوف لدلالة ما تقدم عليه كما في قوله‏ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجََالاً أي فصلوا رجالا و مفعول يريد محذوف تقديره بل يريد الإنسان الحياة ليفجر و يسأل جملة في موضع الحال و «لاََ وَزَرَ» خبره محذوف و تقديره لا وزر في الوجود و قوله «بَلِ اَلْإِنْسََانُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» قيل في تفسيره أقوال (أحدها) أن المعنى بل الإنسان على نفسه عين بصيرة (و الثاني) حجة بصيرة أي بينة (و الثالث) أن الهاء للمبالغة كما يقال رجل علامة و نسابةو قال علي بن عيسى تقديره بل الإنسان على نفسه من نفسه بصيرة أي جوارحه شاهدة عليه يوم القيامة فأنت بصيرة لأنه حمل الإنسان على النفس و جواب لو محذوف تقديره و لو ألقى معاذيره و لم ينفعه ذلك و يجوز أن يكون جوابه فيما سبق.

المعنى‏

«لاََ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ» قيل إن لا صلة و معناه أقسم بيوم القيامة عن ابن عباس و سعيد بن جبير و قيل إن لا رد على الذين أنكروا البعث و النشور من المشركين فكأنه قال لا كما تظنون ثم ابتدأ القسم فقال أقسم بيوم القيامة أنكم مبعوثون ليكون فرقا بين اليمين التي تكون جحدا و بين اليمين المستأنفة و قيل معناه لا أقسم بيوم القيامة لظهورها بالدلائل العقلية و السمعية و قيل معناه لا أقسم بيوم القيامة فإنكم لا تقرون بها} «وَ لاََ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ‏

597

(1) - اَللَّوََّامَةِ» فإنكم لا تقرون بأن النفس تلوم صاحبها يوم القيامةو لكن استخبركم فأخبروني هل أقدر على أن أجمع العظام المتفرقة و هذان الوجهان عن أبي مسلم و قيل معناه أقسم بيوم القيامة و لا أقسم بالنفس اللوامة أقسم بالأول و لم يقسم بالثاني عن الحسن قال علي بن عيسى و هذا ضعيف لأنه يخرج عن تشاكل الكلام و الأولى أن يكونا قسمين و هو قول الأكثرين و جواب القسم محذوف تقديره ما الأمر على ما تتوهمون و إنكم تبعثون أو لتبعثن و من قرأ لأقسم فإنه يجعلها جواب القسم و حذف النون لأنه أراد الحال و قد ذكرنا ما قيل فيه و النفس اللوامة الكثيرة اللوم و ليس من نفس برة و لا فاجرة إلا و هي تلوم نفسها يوم القيامة إن كانت عملت خيرا قالت هلا ازددت و إن كانت عملت سوءا قالت يا ليتني لم أفعل عن ابن عباس في رواية عطاء و قال مجاهد تلوم على ما مضى تقول لم فعلت و لم لم أفعل و قيل النفس اللوامة الكافرة الفاجرة عن قتادة و مجاهد و معناه ذات اللوم الكثير لما سلف منها و قيل هي النفس المؤمنة تلوم نفسها في الدنيا و تحاسبها فتقول ما ذا فعلت و لم قصرت فتكون مفكرة في العواقب أبدا و الفاجر لا يفكر في أمر الآخرة و لا يحاسب نفسه عن الحسن «أَ يَحْسَبُ اَلْإِنْسََانُ» صورته صورة الاستفهام و معناه الإنكار على منكري البعث و معناه أ يحسب الكافر بالبعث و النشور يعني جنس الكفار «أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظََامَهُ» أي أنه لن نعيده إلى ما كان أولا خلقا جديدا بعد أن صار رفاتا فكني عن البعث بجمع العظام ثم قال سبحانه‏} «بَلى‏ََ» نجمعها «قََادِرِينَ عَلى‏ََ أَنْ نُسَوِّيَ بَنََانَهُ» على ما كانت و إن قلت عظامها و صغرت فنردها كما كانت و نؤلف بينها حتى يستوي البنان و من قدر على جمع صغار العظام فهو على جمع كبارها أقدر عن الزجاج و الجبائي و أبي مسلم و قيل معناه نقدر على أن نجعل بنانه كالخلف و الحافر فيتناول المأكول بفيه و لكنا مننا عليه بالأنامل ليكمل بها المنفعة و يتهيأ له القبض و البسط و الارتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة و غيرها عن ابن عباس و قتادة } «بَلْ يُرِيدُ اَلْإِنْسََانُ» أي يريد الكافر «لِيَفْجُرَ أَمََامَهُ» هذا إخبار من الله تعالى أن الإنسان يمضي قدما في معاصي الله تعالى راكبا رأسه لا ينزع عنها و لا يتوب عن مجاهد و الحسن و عكرمة و السدي أي فهذا هو الذي يحمله على الإعراض عن مقدورات ربه فلذلك لا يقر بالبعث و ينكر النشور و قيل ليفجر أمامه أي ليفكر بما قدامه من البعث و يكذب به فالفجور و هو التكذيب و عن الزجاج قال و يجوز أن يريد أنه يسوف التوبة و يقدم الأعمال السيئةو قال ابن الأنباري يريد أن يفجر ما امتد عمره و ليس في نيته أن يرجع عن ذنب يرتكبه و قيل معناه أنه يقول أعمل ثم أتوب عن عطية و المراد أنه يتعجل المعصية ثم يسوف التوبة يقول غدا و بعد غد} «يَسْئَلُ أَيََّانَ يَوْمُ اَلْقِيََامَةِ» معناه أن الذي يفجر أمامه يسأل متى تكون القيامة فإن معنى أيان متى إلا أن السؤال بمتى أكثر من السؤال بأيان‏

598

(1) - فلذلك حسن أن يفسر بها و إنما يسأل عن ذلك تكذيبا و اشتغالا بالدنيا من غير تفكر في العاقبة فإذا خوف بالقيامة قال متى يكون ذلك ثم قال سبحانه‏} «فَإِذََا بَرِقَ اَلْبَصَرُ» أي شخص البصر عند معاينة ملك الموت فلا يطرف من شدة الفزع و قيل إذا فزع و تحير لما يرى من أهوال القيامة و أحوالها مما كان يكذب به في الدنيا و هذا كقوله‏ لاََ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ عن قتادة و أبي مسلم } «وَ خَسَفَ اَلْقَمَرُ» أي ذهب نوره و ضوءه‏} «وَ جُمِعَ اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ» جمع بينهما في ذهاب ضوئهما بالخسوف ليتكامل ظلام الأرض على أهلها حتى يراها كل أحد بغير نور و ضياء عن مجاهد و هو اختيار الفراء و الزجاج و الجمع على ثلاثة أقسام جمع في المكان و جمع في الزمان و جمع الأعراض في المحل فأما جمع الشيئين في حكم أو صفة فمجاز لأن حقيقة الجمع جعل أحد الشيئين مع الآخر و قيل جمع بينهما في طلوعهما من المغرب كالبعيرين القرينين عن ابن مسعود } «يَقُولُ اَلْإِنْسََانُ» المكذب بالقيامة «يَوْمَئِذٍ أَيْنَ اَلْمَفَرُّ» أي أين الفرار و يجوز أن يكون معناه أين موضع الفرار عن الفراء و قال الزجاج المفر بالفتح الفرار و المفر بالكسر مكان الفرار قال الله سبحانه‏} «كَلاََّ لاََ وَزَرَ» أي لا مهرب و لا ملجأ لهم يلجئون إليه و الوزر ما يتحصن به من جبل أو غيره و منه الوزير الذي يلجأ إليه في الأمور و قيل معناه لا حصن عن الضحاك «إِلى‏ََ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ اَلْمُسْتَقَرُّ» أي المنتهى عن قتادة أي ينتهي الخلق يومئذ إلى حكمه و أمره فلا حكم و لا أمر لأحد غيره و قيل المستقر المكان الذي يستقر فيه المؤمن و الكافر و ذلك إلى الله لا إلى العباد و قيل المستقر المصير و المرجع عن ابن مسعود و المستقر على وجهين مستقر إلى أمد و مستقر إلى الأبد} «يُنَبَّؤُا اَلْإِنْسََانُ يَوْمَئِذٍ بِمََا قَدَّمَ وَ أَخَّرَ» أي يخبر الإنسان يوم القيامة بأول عمله و آخره فيجازى به عن مجاهد و قيل معناه بما قدم من العمل في حياته و ما سنه فعمل به بعد موته من خير أو شر و قيل بما قدم من المعاصي و أخر من الطاعات عن ابن عباس و قيل بما أخذ و ترك عن ابن زيد و قيل بما قدم من طاعة الله و أخر من حق الله فضيعه عن قتادة و قيل بما قدم من ماله لنفسه و ما خلقه لورثته بعده عن زيد بن أسلم و حقيقة النبإ الخبر بما يعظم شأنه و إنما حسن في هذا الموضع لأن ما جرى مجرى المباح لا يعتد به في هذا الباب و إنما هو ما يستحق عليه الجزاء فأما ما وجوده كعدمه فلا اعتبار به‏} «بَلِ اَلْإِنْسََانُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» أي إن جوارحه تشهد عليه بما عمل فهو شاهد على نفسه بشهادة جوارحه عليه عن ابن عباس و عكرمة و مقاتل و قال القتيبي أقام جوارحه مقام نفسه و لذلك أنث لأن المراد بالإنسان هاهنا الجوارح و قال الأخفش هي كقولك فلان حجة و عبرة و دليله قوله تعالى‏ كَفى‏ََ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً و قيل معناه أن الإنسان بصير بنفسه و عمله و

روى العياشي بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال ما يصنع‏

599

(1) - أحدكم أن يظهر حسنا و يسر سيئا أ ليس إذا رجع إلى نفسه يعلم أنه ليس كذلك و الله سبحانه يقول «بَلِ اَلْإِنْسََانُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» إن السريرة إذا صلحت قويت العلانية

عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) أنه تلا هذه الآية ثم قال ما يصنع الإنسان أن يتعذر إلى الناس خلاف ما يعلم الله منه أن رسول الله ص كان يقول من أسر سريرة رداه الله رداءها إن خيرا فخير و إن شرا فشر

و

عن زرارة قال سألت أبا عبد الله ما حد المرض الذي يفطر صاحبه قال «بَلِ اَلْإِنْسََانُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» هو أعلم بما يطيق و في رواية أخرى هو أعلم بنفسه ذاك إليه‏

«وَ لَوْ أَلْقى‏ََ مَعََاذِيرَهُ» أي و لو اعتذر و جادل عن نفسه لم ينفعه ذلك يقال معذرة و معاذر و معاذير و هي ذكر موانع تقطع عن الفعل المطلوب و قيل معناه و لو أرخى الستور و أغلق الأبواب عن الضحاك و السدي قال الزجاج معناه و لو أدلى بكل حجة عنده و جاء في التفسير المعاذير الستور واحدها معذار و قال المبرد هي لغة طائية و المعنى على هذا القول و إن أسبل الستور ليخفي ما يعمل فإن نفسه شاهدة عليه.

ـ

القراءة

قرأ أهل المدينة و الكوفة تحبون و تذرون بالتاء و الباقون بالياء.

الحجة

من قرأ بالتاء فعلى معنى قل لهم بل تحبون و تذرون و من قرأ بالياء فعلى معنى هم يحبون و يذرون‏قال أبو علي الياء على ما تقدم من ذكر الإنسان فإن المراد به الكثرة و العموم كقوله‏ إِنَّ اَلْإِنْسََانَ خُلِقَ هَلُوعاً ثم قال‏ إِلاَّ اَلْمُصَلِّينَ .

اللغة

التحريك تصيير الشي‏ء من مكان إلى مكان أو من جهة إلى جهة بفعل الحركة

600

(1) - فيه و الحركة ما به يتحرك المتحرك و المتحرك هو المنتقل من جهة إلى غيرها و اللسان آلة الكلام و العجلة طلب عمل الشي‏ء قبل وقته الذي ينبغي أن يعمل فيه و نقيضه الإبطاء و السرعة عمل الشي‏ء في أول الوقت الذي هو له و ضده الأناة و القرآن أصله الضم و الجمع و هو مصدر كالرجحان و النقصان و البيان إظهار المعنى للنفس بما يتميز به عن غيره و نقيض البيان الإخفاء و الإغماض و النصرة مثل البهجة و الطلاقة و ضده العبوس و البسور نضر وجهه ينضر نضارة و نضرة فهو ناضر و النظر تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته و يكون النظر بمعنى الانتظار كما قال عز شأنه‏ وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنََاظِرَةٌ أي منتظرة و قال الشاعر:

وجوه يوم بدر ناظرات # إلى الرحمن تنتظر الفلاحا

ثم يستعمل في الفكر فيقال نظرت في هذه المسألة أي تفكرت و منه المناظرة و تكون من المقابلة يقال دور بني فلان تتناظر أي تتقابل و الفاقرة الكاسرة لفقار الظهر شدة و قيل الفاقرة الداهية و الآبدة .

المعنى‏

ثم خاطب سبحانه نبيه ص فقال «لاََ تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ» قال ابن عباس كان النبي ص إذا نزل عليه القرآن عجل بتحريك لسانه لحبه إياه و حرصه على أخذه و ضبطه مخافة أن ينساه فنهاه الله عن ذلك و في رواية سعيد بن جبير عنه أنه ص كان يعاجل من التنزيل شدة و كان يشتد عليه حفظه فكان يحرك لسانه و شفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي فقال سبحانه «لاََ تُحَرِّكْ بِهِ» أي بالوحي أو بالقرآن لسانك يعني بالقراءة لتعجل به أي لتأخذه كما قال و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه‏} «إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ» في صدرك حتى تحفظه «وَ قُرْآنَهُ» أي و تأليفه على ما نزل عليك عن قتادة و قيل معناه إن علينا جمعه و قرآنه عليك حتى تحفظه و يمكنك تلاوته فلا تخف فوت شي‏ء منه عن ابن عباس و الضحاك } «فَإِذََا قَرَأْنََاهُ» أي قرأه جبريل عليك بأمرنا «فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ» أي قراءته عن ابن عباس و المعنى اقرأه إذا فرغ جبريل عن قراءته قال فكان النبي ص بعد هذا إذا نزل عليه جبريل (ع) أطرق فإذا ذهب قرأو قيل «فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ» أي فاعمل بما فيه من الأحكام و الحلال و الحرام عن قتادة و الضحاك و قال البلخي الذي اختاره أنه لم يرد القرآن و إنما أراد قراءة العباد لكتبهم يوم القيامة يدل على ذلك ما قبله و ما بعده و ليس فيه شي‏ء يدل على أنه القرآن و لا شي‏ء من أحكام الدنيا و في ذلك تقريع للعبد و توبيخ له حين لا تنفعه العجلة يقول لا تحرك لسانك بما تقرأه من صحيفتك التي فيها أعمالك‏يعني اقرأ كتابك و لا تعجل فإن هذا الذي هو على نفسه‏

601

(1) - بصيرة إذا رأى سيئاته ضجر و استعجل فيقال له توبيخا لا تعجل و تثبت لتعلم الحجة عليك فإنا نجمعها لك فإذا جمعناه فاتبع ما جمع عليك بالانقياد لحكمه و الاستسلام للتبعة فيه فإنه لا يمكنك إنكاره‏} «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنََا بَيََانَهُ» لو أنكرت و قال الحسن معناه ثم إن علينا بيان ما أنبأناك أنا فاعلون في الآخرة و تحقيقه و قيل يريد أنا نبين لك معناه إذا حفظته عن قتادة و قيل معناه ثم إن علينا أن نحفظه عليك حتى تبين للناس بتلاوتك إياه عليهم و قيل معناه علينا أن ننزله قرآنا عربيا فيه بيان للناس عن الزجاج و في هذا دلالة على أنه لا تعمية في القرآن و لا الغاز و لا دلالة فيه على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة و إنما يدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب‏} «كَلاََّ» أي لا تتدبرون القرآن و ما فيه من البيان‏} «بَلْ تُحِبُّونَ اَلْعََاجِلَةَ ` وَ تَذَرُونَ اَلْآخِرَةَ» أي تختارون الدنيا على العقبي فيعلمون للدنيا لا للآخرة جهلا منهم و سوء اختيار ثم بين سبحانه حال الناس في الآخرة فقال‏} «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ» يعني يوم القيامة «نََاضِرَةٌ» أي ناعمة بهجة حسنة عن ابن عباس و الحسن و قيل مسرورة عن مجاهد و قيل مضيئة بيض يعلوها النور عن السدي و مقاتل جعل الله سبحانه وجوه المؤمنين المستحقين للثواب بهذه الصفة علامة للخلق و الملائكة على أنهم الفائزون‏} «إِلى‏ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ» اختلف فيه على وجهين (أحدهما) أن معناه نظر العين (و الثاني) أنه الانتظار و اختلف من حمله على نظر العين على قولين (أحدهما) أن المراد إلى ثواب ربها ناظرة أي هي ناظرة إلى نعيم الجنة حالا بعد حال فيزداد بذلك سرورها و ذكر الوجوه و المراد أصحاب الوجوه روي ذلك عن جماعة من علماء المفسرين من الصحابة و التابعين لهم و غيرهم فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه كما في قوله تعالى‏ وَ جََاءَ رَبُّكَ أي أمر ربك و قوله‏ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى اَلْعَزِيزِ اَلْغَفََّارِ أي إلى طاعة العزيز الغفار و توحيده و قوله‏ إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللََّهَ أي أولياء الله (و الآخر) أن النظر بمعنى الرؤية و المعنى تنظر إلى الله معاينة رووا ذلك عن الكلبي و مقاتل و عطاء و غيرهم‏و هذا لا يجوز لأن كل منظور إليه بالعين مشار إليه بالحدقة و اللحاظ و الله يتعالى عن أن يشار إليه بالعين كما يجل سبحانه عن أن يشار إليه بالأصابع و أيضا فإن الرؤية بالحاسة لا تتم إلا بالمقابلة و التوجه و الله يتعالى عن ذلك بالاتفاق و أيضا فإن رؤية الحاسة لا تتم إلا باتصال الشعاع بالمرئي و الله منزه عن اتصال الشعاع به على أن النظر لا يفيد الرؤية في اللغة فإنه إذا علق بالعين أفاد طلب الرؤية كما أنه إذا علق بالقلب أفاد طلب المعرفة بدلالة قولهم نظرت إلى الهلال فلم أره فلو أفاد النظر الرؤية لكان هذا القول ساقطا متناقضا و قولهم ما زلت أنظر إليه حتى رأيته و الشي‏ء لا يجعل غاية لنفسه فلا يقال ما زلت أراه حتى رأيته و لأنا نعلم الناظر ناظرا بالضرورة و لا نعلمه رائيا بالضرورة بدلالة أنا نسأله‏

602

(1) - هل رأيت أم لا و أما من حمل النظر في الآية على الانتظار فإنهم اختلفوا في معناه على أقوال (أحدها)

أن المعنى منتظرة لثواب ربها و روي ذلك عن مجاهد و الحسن و سعيد بن جبير و الضحاك و هو المروي عن علي (ع)

و من اعترض على هذا بأن قال إن النظر بمعنى الانتظار لا يتعدى بإلى فلا يقال انتظرت إليه و إنما يقال انتظرته فالجواب عنه على وجوه منها أنه قد جاء في الشعر بمعنى الانتظار معدي بإلى كما في البيت الذي سبق ذكره:

ناظرات إلى الرحمن‏

و كقول جميل بن معمر :

و إذا نظرت إليك من ملك # و البحر دونك جدتني نعما

و قول الآخر:

إني إليك لما وعدت لناظر # نظر الفقير إلى الغني الموسر

و نظائره كثيرة و منها أن تحمل إلى في قوله «إِلى‏ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ» على أنها اسم فهو واحد الآلاء التي هي النعم فإن في واحدها أربع لغات إلي و ألى مثل معا و قفا و إلي و إلي مثل جدي و حسي و سقط التنوين بالإضافة و قال أعشى وائل :

أبيض لا يرهب الهزال و لا # يقطع رحما و لا يخون إلى‏

أي لا يخون نعمة من أنعم عليه و ليس لأحد أن يقول إن هذا من أقوال المتأخرين و قد سبقهم الإجماع فإنا لا نسلم ذلك لما ذكرناه من‏

أن عليا (ع) و مجاهدا و الحسن و غيرهم قالوا المراد بذلك تنتظر الثواب‏و منها أن لفظ النظر

يجوز أن يعدى بإلى في الانتظار على المعنى كما أن الرؤية عديت بإلى في قوله تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ اَلظِّلَّ فأجرى الكلام على المعنى و لا يقال رأيت إلى فلان و من إجراء الكلام على المعنى قول الفرزدق :

و لقد عجبت إلى هوازن أصبحت # مني تلوذ ببطن أم جرير

فعدي عجبت بإلى لأن المعنى نظرت (و ثانيها) أن معناه مؤملة لتجديد الكرامة كما يقال عيني ممدودة إلى الله تعالى و إلى فلان و أنا شاخص الطرف إلى فلان و لما كانت العيون بعض أعضاء الوجوه أضيف الفعل الذي يقع بالعين إليها عن أبي مسلم (و ثالثها) أن المعنى‏

603

(1) - أنهم قطعوا آمالهم و أطماعهم عن كل شي‏ء سوى الله تعالى و وجوده دون غيره فكنى سبحانه عن الطمع بالنظر أ لا ترى أن الرعية تتوقع نظر السلطان و تطمع في إفضاله عليها و إسعافه في حوائجها فنظر الناس مختلف فناظر إلى سلطان و ناظر إلى تجارة و ناظر إلى زراعة و ناظر إلى ربه يؤمله‏و هذه الأقوال متقاربة في المعنى و على هذا فإن هذا الانتظار متى يكون فقيل إنه بعد الاستقرار في الجنة و قيل إنه قبل استقرار الخلق في الجنة و النار فكل فريق ينتظر ما هو له أهل و هذا اختيار القاضي عبد الجبار و ذكر جمهور أهل العدل أن النظر يجوز أن يحمل على المعنيين جميعا و لا مانع لنا من حمله على الوجهين فكأنه سبحانه أراد أنهم ينظرون إلى الثواب المعد لهم في الحال من أنواع النعيم و ينتظرون أمثالها حالا بعد حال ليتم لهم ما يستحقونه من الإجلال و يسأل على هذا فيقال إذا كان بمعنى النظر بالعين حقيقة و بمعنى الانتظار مجازا فكيف يحمل عليهما و الجواب أن عند أكثر المتكلمين في أصول الفقه يجوز أن يراد بلفظة واحدة إذ لا تنافي بينهما و هو اختيار المرتضى قدس الله روحه و لم يجوز ذلك أبو هاشم إلا إذا تكلم به مرتين مرة يريد النظر و مرة يريد الانتظار و أما قولهم المنتظر لا يكون نعيمه خالصا فكيف يوصف أهل الجنة بالانتظارفالجواب عنه أن من ينتظر شيئا لا يحتاج إليه في الحال و هو واثق بوصوله إليه عند حاجته فإنه لا يهتم بذلك و لا يتنغص سروره به بل ذلك زائد في نعيمه و إنما يلحق الهم المنتظر إذا كان يحتاج إلى ما ينتظره في الحال و يلحقه بفوته مضرة و هو غير واثق بالوصول إليه و قد قيل في إضافة النظر إلى الوجوه إن الغم و السرور إنما يظاهران في الوجوه فبين الله سبحانه أن المؤمن إذا ورد يوم القيامة تهلل وجهه و أن الكافر العاصي يخاف مغبة أفعاله القبيحة فيكلح وجهه و هو قوله‏} «وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بََاسِرَةٌ» أي كالحة عابسة متغيرة} «تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهََا فََاقِرَةٌ» أي تعلم و تستيقن أنه يعمل بها داهية تفقر ظهورهم أي تكسرها و قيل إنه على حقيقة الظن أي يظنون حصولها جملة و لا يعلمون تفصيلها و هذا أولى من الأول لأنه لو كان بمعنى العلم لكان أن بعده مخففة من أن الثقيلة على ما ذكر في غير موضع و ذكر سبحانه هذه الوجوه الظانة في مقابلة الوجوه الناظرة فهؤلاء يرجون تجديد الكرامة و هؤلاء يظنون حلول الفاقرة فيكون حال الوجوه الراجية للأحوال السارة على الضد من حال الوجوه الظانة للفاقرة.

ـ

النظم‏

وجه اتصال قوله «لاََ تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ» بما قبله أنه لما تقدم ذكر القيامة و الوعيد خاطب سبحانه نبيه ص فقال لا تحرك به لسانك لتعجل قراءته بل كررها عليهم ليتقرر في قلوبهم فإنهم غافلون عن الأدلة ألهاهم حب العاجلة فاحتاجوا إلى زيادة تنبيه و تقرير.

604

(1) -

القراءة

قرأ حفص و رويس يمنى بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة

قال أبو علي من قرأ بالتاء حمله على النطفة أي لم يك نطفة تمنى من مني و من قرأ بالياء حمله على المني أي من مني يمني يقدر خلق الإنسان و غيره منها قال:

منت لك أن تلقى ابن هند منية # و فارس مياس إذا ما تلببا

و قال آخر:

لعمر أبي عمرو لقد ساقه المنى # إلى جدث يؤزى له بالأهاضب‏

أي ساقه القدر.

اللغة

التراقي جمع الترقوة و هو مقدم الحلق من أعلى الصدر تترقى إليه النفس عند

605

(1) - الموت و إليه يتراقى البخار من الجوف و هناك تقع الحشرجةقال ذو الرمة :

و رب عظيمة دافعت عنها # و قد بلغت نفوسهم التراقي‏

و الراقي طالب الشفاء رقاه يرقيه رقية إذا طلب له شفاء بأسماء الله الشريفة و آيات كتابه العظيمة و أما العوذة فهي دفع البلية بكلمات الله تعالى و تقول العرب قامت الحرب على ساق يعنون شدة الأمر قال:

فإذ شمرت لك عن ساقها # فويها ربيع و لا تسأم‏

و المطي تمدد البدن من الكسل و أصله أن يلوي مطاه أي ظهره و قيل أصله يتمطط فجعل إحدى الطائين ياء و هو من المط بمعنى المد كقولهم تظنيت و أمليت و نحو ذلك و نهى عن مشية المطيطاء و ذلك أن يلقي الرجل يديه مع التكفي في مشيته. أولى لك كلمة وعيد و تهديد قالت الخنساء :

هممت بنفسي كل الهموم # فأولى بنفسي أولى لها

و السدي المهمل و العلقة القطعة من الدم المنعقد .

الإعراب‏

في إعراب أولى وجوه (أحدها) أن يكون مبتدأ و خبره لك (و الآخر) أن يكون خبر مبتدإ محذوف تقديره الشر أولى لك فعلى هذا يكون اللام في لك للاختصاص كأنه قال الشر أولى لك من الخير و يجوز أن يكون بمعنى من تقديره الشر أقرب منك و سدى منصوب على الحال من قوله «يُتْرَكَ» .

المعنى‏

ثم بين سبحانه حالهم عند النزع فقال «كَلاََّ» أي ليس يؤمن الكافر بهذا و قيل معناه حقا «إِذََا بَلَغَتِ» النفس أو الروح و لم يذكره لدلالة الكلام عليه كما قال ما ترك على ظهرها من دابة يعني على ظهر الأرض «اَلتَّرََاقِيَ» أي العظام المكتنفة بالحلق و كنى بذلك عن الإشفاء على الموت‏} «وَ قِيلَ مَنْ رََاقٍ» أي و قال من حضره من أهله هل من راق أي طبيب شاف يرقيه و يداويه فلا يجدونه عن أبي قلابة و الضحاك و قتادة و ابن زيد قال قتادة التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من عذاب الله شيئا و قيل إن معناه قالت الملائكة من يرقى بروحه أ ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب عن ابن عباس و مقاتل قال أبو العالية تختصم فيه ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب أيهم يرقي روحه و قال الضحاك أهل الدنيا يجهزون البدن‏

606

(1) - و أهل الآخرة يجهزون الروح‏} «وَ ظَنَّ أَنَّهُ اَلْفِرََاقُ» أي و علم عند ذلك هذا الذي بلغت روحها تراقيها أنه الفراق من الدنيا و الأهل و المال و الولد و الفراق ضد الوصال و هو بعاد الألاف و

جاء في الحديث أن العبد ليعالج كرب الموت و سكراته و مفاصله يسلم بعضها على بعض يقول عليك السلام تفارقني و أفارقك إلى يوم القيامة

«وَ اِلْتَفَّتِ اَلسََّاقُ بِالسََّاقِ» قيل فيه وجوه (أحدها) التفت شدة أمر الآخرة بأمر الدنيا عن ابن عباس و مجاهد (و الثاني) التفت حال الموت بحال الحياة عن الحسن (و الثالث) التفت ساقاه عند الموت عن الشعبي و أبي مالك لأنه يذهب القوة فيصير كجلد يلتف بعضه ببعض و قيل هو أن يضطرب فلا يزال يمد إحدى رجليه و يرسل الأخرى و يلف إحداهما بالأخرى عن قتادة و قيل هو التفاف الساقين في الكفن (و الرابع) التف ساق الدنيا بساق الآخرة و هو شدة كرب الموت بشدة هول المطلع‏و المعنى في الجميع أنه تتابعت عليه الشدائد فلا يخرج من شدة إلا جاءه أشد منها «إِلى‏ََ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ اَلْمَسََاقُ» أي مساق الخلائق إلى المحشر الذي لا يملك فيه الأمر و النهي غير الله تعالى و قيل يسوق الملك بروحه إلى حيث أمر الله تعالى به إن كان من أهل الجنة فإلى عليين و إن كان من أهل النار فإلى سجين و المساق موضع السوق } «فَلاََ صَدَّقَ وَ لاََ صَلََّى» أي لم يتصدق بشي‏ء و لم يصل لله‏} «وَ لََكِنْ كَذَّبَ» بالله «وَ تَوَلََّى» عن طاعته عن الحسن و قيل معناه لم يصدق بكتاب الله و لا صلى الله و لكن كذب بالكتاب و الرسول و أعرض عن الإيمان عن قتادة «ثُمَّ ذَهَبَ إِلى‏ََ أَهْلِهِ يَتَمَطََّى» أي يرجع إليهم يتبختر و يختال في مشيته و قيل إن المراد بذلك أبو جهل بن هشام }} «أَوْلى‏ََ لَكَ فَأَوْلى‏ََ» و هذا تهديد من الله له و المعنى وليك المكروه يا أبا جهل و قرب منك و

جاءت الرواية أن رسول الله أخذ بيد أبي جهل ثم قال له أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى فقال أبو جهل بأي شي‏ء تهددني لا تستطيع أنت و لا ربك أن تفعلا بي شيئا و إني لأعز أهل هذا الوادي فأنزل الله سبحانه كما قال له رسول الله ص

و قيل معناه الذم أولى لك من تركه إلا أنه حذف و كثر في الكلام حتى صار بمنزلة الويل لك و صار من المحذوف الذي لا يجوز إظهاره و قيل هو وعيد على وعيد عن قتادة و معناه وليك الشر في الدنيا وليك ثم وليك الشر في الآخرة وليك و التكرار للتأكيد و قيل بعدا لك من خيرات الدنيا و بعدا لك من خيرات الآخرة عن الجبائي و قيل أولى لك ما تشاهده يا أبا جهل يوم بدر فأولى لك في القبر ثم أولى لك يوم القيامةفلذلك أدخل ثم فأولى لك في النار «أَ يَحْسَبُ اَلْإِنْسََانُ» يعني أبا جهل «أَنْ يُتْرَكَ سُدىً» مهملا لا يؤمر و لا ينهى عن ابن عباس و مجاهد و الألف للاستفهام و المراد الإنكار أي لا ينبغي أن يظن ذلك و قيل أنه عام أي أ يظن الإنسان الكافر بالبعث الجاحد لنعم الله أن يترك مهملا من غير أمر يؤخذ به فيكون فيه‏

607

(1) - تقويم له و إصلاح لما هو أعود عليه في عاقبة أمره و أجمل به في دنياه و آخرته‏} «أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى‏ََ» أي كيف يظن أن يهمل و هو يرى في نفسه و من تنقل الأحوال ما يمكنه أن يستدل به على أن له صانعا حكيما أكمل عقله و أقدره و خلق فيه الشهوة فيعلم أنه لا يجوز أن يخليه من التكليف و معنى قوله «يُمْنى‏ََ» أي يقدر و قيل معناه يصب في الرحم‏} «ثُمَّ كََانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ» منها خلقا في الرحم «فَسَوََّى» خلقه و صورته و أعضاءه الباطنة و الظاهرة في بطن أمه‏و قيل فسواه إنسانا بعد الولادة و أكمل قوته و قيل معناه فخلق الأجسام فسواها للأفعال و جعل لكل جارحة عملا يختص بها} «فَجَعَلَ مِنْهُ» أي من الإنسان «اَلزَّوْجَيْنِ اَلذَّكَرَ وَ اَلْأُنْثى‏ََ» و قيل من المني و هذا إخبار من الله سبحانه أنه لم يخلق الإنسان من المني و لم ينقله من حال إلى حال ليتركه مهملا فإنه لا بد من غرض في ذلك و هو التعريض للثواب بالتكليف‏} «أَ لَيْسَ ذََلِكَ» الذي فعل هذا «بِقََادِرٍ عَلى‏ََ أَنْ يُحْيِيَ اَلْمَوْتى‏ََ» هذا تقرير لهم على أن من قدر على الابتداء قدر على البعث و الإحياء فإن من قدر على جعل النطفة علقة و العلقة مضغة إلى أن يجعلها حيا سليما مركبا فيه الحواس الخمس و الأعضاء الشريفة التي يصلح كل منها لما لا يصلح له الآخر و خلق الزوجين الذكر و الأنثى الذين يصح بهما التناسل فإنه يقدر على إعادته بعد الموت إلى ما كان عليه من كونه حياو

جاء في الحديث عن البراء بن عازب قال لما نزلت هذه الآية «أَ لَيْسَ ذََلِكَ بِقََادِرٍ عَلى‏ََ أَنْ يُحْيِيَ اَلْمَوْتى‏ََ» قال رسول الله ص سبحانك اللهم و بلى و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله ع

و في الآية دلالة على صحة القياس العقلي فإنه سبحانه اعتبر النشأة الثانية بالنشأة الأولى.

608

(1) -

(76) سورة الإنسان مدنية و آياتها إحدى و ثلاثون (31)

توضيح‏

و تسمى سورة الدهر و تسمى سورة الأبرار و منهم من يسميها بفاتحتها و اختلفوا فيها فقيل مكية كلها و قيل مدنية كلها عن مجاهد و قتادة و قيل إنها مدنية إلا قوله «وَ لاََ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً» فإنه مكي عن الحسن و عكرمة و الكلبي و قيل إن قوله «إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ تَنْزِيلاً» إلى آخر السورة مكي و الباقي مدني.

عدد آيها

إحدى و ثلاثون آية بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة (هل أتى) كان جزاؤه على الله جنة و حريرا

و

قال أبو جعفر (ع) من قرأ سورة هل أتى في كل غداة خميس زوجه الله من الحور العين مائة عذراء و أربعة آلاف ثيب و كان مع محمد ص .

تفسيرها

ختم الله سبحانه يوم القيامة بأن دل على صحة البعث بخلق الإنسان من نطفة و افتتح هذه السورة بمثل ذلك فقال:

609

(1) -

القراءة

قرأ أهل المدينة و أبو بكر عن عاصم و الكسائي سلاسلا بالتنوين و كذلك قواريرا قواريرا و يقفون بالألف على الجميع و قرأ ابن كثير و خلف سلاسل بغير تنوين و قواريرا قوارير الأول بالتنوين و الثاني بغير تنوين و يقفان على سلاسل و قوارير الثانية بغير الألف و قرأ حمزة و يعقوب بغير تنوين في الجميع و يقفان بغير ألف عليها و قرأ أبو عمرو و ابن عامر و حفص بغير تنوين فيها أيضا إلا أنهم يقفون على سلاسل و قواريرا الأولى بالألف و على قوارير الثانية بغير ألف غير أن شجاعا يقف على سلاسل أيضا بغير ألف.

الحجة

قال أبو علي حجة من صرف سلاسلا و قواريرا في الوصل و الوقف أمران (أحدهما) أن أبا الحسن قال سمعنا من العرب من يصرف هذا و يصرف جميع ما لا ينصرف قال و هذه لغة أهل الشعر لأنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه فجرت ألسنتهم على ذلك و احتملوا ذلك في الشعر لأنه يحتمل الزيادة كما يحتمل النقص فاحتملوا زيادة التنوين و الأمر الآخر أن هذه الجموع أشبهت الآحاد لأنهم قالوا صواحبات يوسف فلما جمعت جمع الآحاد المنصرفة جعلوه في حكمها فصرفوها قال أبو الحسن و كثير من العرب يقول مواليات يريد الموالي و أنشد للفرزدق :

فإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم # خضع الرقاب نواكسي الأبصار

610

(1) - فهذا كأنه جمع نواكس‏و من قرأ بغير تنوين و لا ألف فإنه جعله كقوله‏ «لَهُدِّمَتْ صَوََامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَوََاتٌ وَ مَسََاجِدُ» و إلحاق الألف في سلاسل و قوارير كالحاقة في قوله‏ «اَلظُّنُونَا» و «اَلسَّبِيلاَ» و «اَلرَّسُولاَ» يشبه ذلك بالإطلاق في القوافي من حيث كانت مثلها في أنها كلام تام.

اللغة

الدهر مرور الليل و النهار و جمعه أدهر و دهور و أصل النطفة الماء القليل و قد تقع على الكثير

قال أمير المؤمنين (ع) حين ذكر الخوارج مصارعهم دون النطفة

يريد النهروان و الجمع نطاف و نطف قال الشاعر:

و ما النفس إلا نطفة بقرارة # إذا لم تكدر كان صفوا غديرها

و واحد الأمشاج مشيج و مشجت هذا بهذا أي خلطته و هو ممشوج و مشيج و واحد الأبرار بار نحو ناصر و أنصار و بر أيضا و الكأس الإناء إذا كان فيه شراب قال عمرو بن كلثوم :

صددت الكأس عنا أم عمرو # و كان الكأس مجراها اليمينا

و أوفى بالعقد و وفى به فأوفى لغة أهل الحجاز و وفى لغة تميم و أهل نجد و النذر عقد عملي فعل بر يوجبه الإنسان على نفسه نذر ينذر قال عنترة :

الشاتمي عرضي و لم أشتمهما # و الناذرين إذا لم ألقهما دمي‏

أي يقولان إن لقينا عنترة لنقتلنه و المستطير المنتشر قال الأعشى :

فبانت و قد أسأرت في الفؤاد # صدعا على نأيها مستطيرا

و القمطرير الشديد في الشر و قد اقمطر اليوم اقمطرارا و يوم قمطرير و قماطر كأنه قد التف شره بعضه على بعض قال الشاعر:

611

(1) -

بني عمنا هل تذكرون بلاءنا # عليكم إذا ما كان يوم قماطر

قيل إن هل هنا بمعنى قدقال الشاعر:

أم هل كبير بكى لم يقض عبرته # إثر الأحبة يوم البين مشكوم‏

.

الإعراب‏

«لَمْ يَكُنْ شَيْئاً» جملة في محل الرفع لأنها صفة حين و التقدير لم يكن فيه شيئا مذكورا و أمشاج يجوز أن يكون صفة لنطفة و يجوز أن يكون بدلا و الوصف بالجمع مثل قولهم برمة أعشار و ثوب أسمال و نبتليه في موضع نصب على الحال. «إِمََّا شََاكِراً وَ إِمََّا كَفُوراً» حالان من الهاء في هديناه أي هديناه شاكرا أو كفورا و قوله «عَيْناً» في انتصابه وجوه (أحدها) أن يكون بدلا من كافورا إذا جعلت الكافور اسم عين فيكون بدل الكل من الكل (و الثاني) أن يكون بدلا من قوله «مِنْ كَأْسٍ» أي يسقون من عين ثم حذف الجار فوصل الفعل إليه فنصبه (و الثالث) أن يكون منصوبا على المدح و التقدير أعني عينا يشرب بها الباء مزيدة أي يشربها و المعنى يشرب ماؤها لأن العين لا تشرب و إنما يشرب ماؤها.

النزول‏

قد روى الخاص و العام أن الآيات من هذه السورةو هي قوله «إِنَّ اَلْأَبْرََارَ يَشْرَبُونَ» إلى قوله «وَ كََانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً» نزلت في علي و فاطمة و الحسن و الحسين ع و جارية لهم تسمى فضة و هو المروي عن ابن عباس و مجاهد و أبي صالح .

[و القصة طويلة]

جملتها أنهم قالوا مرض الحسن و الحسين (ع) فعادهما جدهما ص و وجوه العرب و قالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا فنذر صوم ثلاثة أيام إن شفاهما الله سبحانه و نذرت فاطمة (ع) كذلك و كذلك فضة فبرءا و ليس عندهم شي‏ء فاستقرض علي (ع) ثلاثة أصوع من شعير من يهودي و روي أنه أخذها ليغزل له صوفا و جاء به إلى فاطمة (ع) فطحنت صاعا منها فاختبزته و صلى علي المغرب و قربته إليهم فأتاهم مسكين يدعو لهم و سألهم فأعطوه و لم يذوقوا إلا الماء فلما كان اليوم الثاني أخذت صاعا فطحنته و خبزته و قدمته إلى علي (ع) فإذا يتيم في الباب يستطعم فأعطوه و لم يذوقوا إلا الماء فلما كان اليوم الثالث عمدت إلى الباقي فطحنته و اختبزته و قدمته إلى علي (ع) فإذا أسير بالباب يستطعم فأعطوه‏

612

(1) - و لم يذوقوا إلا الماءفلما كان اليوم الرابع و قد قضوا نذورهم أتى علي (ع) و معه الحسن و الحسين (ع) إلى النبي ص و بهما ضعف فبكى رسول الله ص و نزل جبرائيل (ع) بسورة هل أتى و

في رواية عطاء عن ابن عباس أن علي ابن أبي طالب (ع) آجر نفسه ليستقي نخلا بشي‏ء من شعير ليلة حتى أصبح فلما أصبح و قبض الشعير طحن ثلثه فجعلوا منه شيئا ليأكلوه يقال له الحريرة فلما تم إنضاجه أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام ثم عمل الثلث الثاني فلما تم إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه ثم عمل الثلث الثالث فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين فسأل فأطعموه و طووا يومهم ذلك ذكره الواحدي في تفسيره

و

ذكر علي بن إبراهيم أن أباه حدثه عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله (ع) قال كان عند فاطمة شعير فجعلوه عصيدة فلما أنضجوها و وضعوها بين أيديهم جاء مسكين فقال المسكين رحمكم الله فقام علي فأعطاه ثلثها فلم يلبث أن جاء يتيم فقال اليتيم رحمكم الله فقام علي (ع) فأعطاه الثلث ثم جاء أسير فقال الأسير رحمكم الله فأعطاه علي (ع) الثلث الباقي و ما ذاقوها فأنزل الله سبحانه الآيات فيهم‏

و هي جارية في كل مؤمن فعل ذلك لله عز و جل و في هذا دلالة على أن السورة مدنيةو قال أبو حمزة الثمالي في تفسيره حدثني الحسن بن الحسن أبو عبد الله بن الحسن أنها مدنية نزلت في علي و فاطمة السورة كلها

النزول‏

حدثنا السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني القايني قال أخبرنا الحاكم أبو القسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني قال حدثنا أبو نصر المفسر قال حدثني عمي أبو حامد إملاء قال حدثني الفزاري أبو يوسف يعقوب بن محمد المقري قال حدثنا محمد بن يزيد السلمي قال حدثنا زيد بن موسى قال حدثنا عمرو بن هارون عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس قال أول ما أنزل بمكة (اقرأ باسم ربك) ثم (ن و القلم) ثم (المزمل) ثم (المدثر) ثم (تبت) ثم (إذا الشمس كورت) ثم (سبح اسم ربك الأعلى) ثم (و الليل إذا يغشى) ثم (و الفجر) ثم (و الضحى) ثم (أ لم نشرح) ثم (و العصر) ثم (و العاديات) ثم (إنا أعطيناك الكوثر) ثم (ألهيكم التكاثر) ثم (أ رأيت) ثم (الكافرون) ثم (أ لم تر كيف) ثم (قل أعوذ برب الفلق) ثم (قل أعوذ برب الناس) ثم (قل هو الله أحد) ثم (و النجم) ثم (عبس) ثم (إنا أنزلناه) ثم (و الشمس) ثم (البروج) ثم (و التين) ثم (لإيلاف) ثم (القارعة) ثم (القيامة) ثم (الهمزة) ثم (و المرسلات) ثم (ق) .

ـ

613

(1) - ثم (لا أقسم بهذا البلد) ثم (الطارق) ثم (اقتربت الساعة) ثم (_ص) ثم (الأعراف) ثم (قل أوحي) ثم (يس) ثم (الفرقان) ثم (الملائكة) ثم (كهيعص) ثم (طه) ثم (الواقعة) ثم (الشعراء) ثم (النمل) ثم (القصص) ثم (بني إسرائيل) ثم (يونس) ثم (هود) ثم (يوسف) ثم (الحجر) ثم (الأنعام) ثم (الصافات) ثم (لقمان) ثم (القمر) ثم (سبأ) ثم (الزمر) ثم (حم المؤمن) ثم (حم السجدة) ثم (حمعسق) ثم (الزخرف) ثم (الدخان) ثم (الجاثية) ثم (الأحقاف) ثم (الذاريات) ثم (الغاشية) ثم (الكهف) ثم (النحل) ثم (نوح) ثم (إبراهيم) ثم (الأنبياء) ثم (المؤمنون) ثم (الم تنزيل) ثم (الطور) ثم (الملك) ثم (الحاقة) ثم (ذو المعارج) ثم (عم يتساءلون) ثم (النازعات) ثم (انفطرت) ثم (انشقت) ثم (الروم) ثم (العنكبوت) ثم (المطففين) فهذه أنزلت بمكة و هي خمس و ثمانون سورة ثم أنزلت بالمدينة (البقرة) ثم (الأنفال) ثم (آل عمران) ثم (الأحزاب) ثم (الممتحنة) ثم (النساء) ثم (إذا زلزلت) ثم (الحديد) ثم سورة (محمد) ثم (الرعد) ثم سورة (الرحمن) ثم (هل أتى) ثم (الطلاق) ثم (لم يكن) ثم (الحشر) ثم (إذا جاء نصر الله) ثم (النور) ثم (الحج) ثم (المنافقون) ثم (المجادلة) ثم (الحجرات) ثم (التحريم) ثم (الجمعة) ثم (التغابن) ثم سورة (الصف) ثم سورة (الفتح) ثم سورة (المائدة) ثم سورة (التوبة) فهذه ثمان و عشرون سورة و قد رواه الأستاذ أحمد الزاهد بإسناده عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس في كتاب الإيضاح و زاد فيه و كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ما يشاء بالمدينة و بإسناده عن عكرمة و الحسن بن أبي الحسن البصري إن أول ما أنزل الله من القرآن بمكة على الترتيب (اقرأ باسم ربك و ن و المزمل) إلى قوله و ما نزل بالمدينة (ويل للمطففين) (و البقرة و الأنفال و آل عمران و الأحزاب و المائدة و الممتحنة و النساء و إذا زلزلت و الحديد و سورة محمد) ص (و الرعد و الرحمن و هل أتى على الإنسان) إلى آخره‏و

بإسناده عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب (ع) أنه قال سألت النبي عن ثواب القرآن فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء فأول ما نزل عليه بمكة (فاتحة الكتاب) ثم (اقرأ باسم ربك) ثم (ن) إلى أن قال و أول ما نزل بالمدينة سورة (البقرة) ثم (الأنفال) ثم (آل عمران) ثم (الأحزاب) ثم (الممتحنة) ثم (النساء) ثم (إذا زلزلت) ثم (الحديد) ثم (سورة محمد) ثم‏

614

(1) - (الرعد) ثم (سورة الرحمن) ثم (هل أتى) إلى قوله فهذا ما أنزل بالمدينة ثم قال النبي ص جميع سور القرآن مائة و أربع عشرة سورة و جميع آيات القرآن ستة آلاف آية و مائتا آية و ست و ثلاثون آية و جميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف واحد و عشرون ألف حرف و مائتان و خمسون حرفا لا يرغب في تعلم القرآن إلا السعداء و لا يتعهد قراءته إلا أولياء الرحمن‏

(أقول) قد اتسع نطاق الكلام في هذا الباب حتى كاد يخرج عن أسلوب الكتاب و ربما نسبنا به إلى الإطناب و لكن الغرض فيه أن بعض أهل العصبية قد طعن في هذه القصة بأن قال هذه السورة مكية فكيف يتعلق بها ما كان بالمدينة و استدل بذلك على أنها مخترعة جرأة على الله سبحانه و عداوة لأهل بيت رسوله فأحببت إيضاح الحق في ذلك و إيراد البرهان في معناه و كشف القناع عن عناد هذا المعاند في دعواه على أنه كما ترى يحتوي على السر المخزون و الدر المكنون من هذا العلم الذي يستضاء بنوره و يتلألأ بزهوره و هو معرفة ترتيب السور في التنزيل و حصر عددها على الجملة و التفصيل اللهم أمددنا بتأييدك و أيدنا بتوفيقك فأنت الرجاء و الأمل و على فضلك المعول و المتكل.

المعنى‏

«هَلْ أَتى‏ََ» معناه قد أتى «عَلَى اَلْإِنْسََانِ» أي أ لم يأت على الإنسان «حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ» و قد كان شيئا إلا أنه «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» لأنه كان ترابا و طينا إلى أن نفخ فيه الروح عن الزجاج و على هذا فهل هنا استفهام يراد به التقرير قال الجبائي و هو تقرير على ألطف الوجوه و تقديره أيها المنكر للصانع و قدرته‏أ ليس قد أتى عليك دهور لم تكن شيئا مذكورا ثم ذكرت و كل أحد يعلم من نفسه أنه لم يكن موجودا ثم وجد فإذا تفكر في ذلك علم أن له صانعا صنعه و محدثا أحدثه و المراد بالإنسان هنا آدم (ع) و هو أول من سمي به عن الحسن و قتادة و سفيان و الجبائي و قيل إن المراد به كل إنسان و الألف و اللام للجنس عن أبي مسلم و قيل أنه أتى على آدم (ع) أربعون سنة لم يكن شيئا مذكورا لا في السماء و لا في الأرض بل كان جسدا ملقى من طين قبل أن ينفخ فيه الروح و روى عطاء عن ابن عباس أنه تم خلقه بعد عشرين و مائة سنة و

روى العياشي بإسناده عن عبد الله بن بكير عن زرارة قال سألت أبا جعفر (ع) عن قوله «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً» قال كان شيئا و لم يكن مذكورا

و

بإسناده عن سعيد الحداد عن أبي جعفر (ع) قال كان مذكورا في العلم و لم يكن مذكورا في الخلق و عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله (ع) مثله‏

و

عن حمران بن أعين قال سألت عنه فقال كان شيئا مقدورا و لم يكن مكونا

و في هذا دلالة على أن المعدوم معلوم و إن لم يكن مذكورا و إن المعدوم يسمى شيئا فإذا حملت الإنسان على الجنس فالمراد أنه‏

615

(1) - قبل الولادة لا يعرف و لا يذكر و لا يدري من هو و ما يراد به‏بل يكون معدوما ثم يوجد في صلب أبيه ثم في رحم أمه إلى وقت الولادة و قيل المراد به العلماء لأنهم كانوا لا يذكرون فصيرهم الله سبحانه بالعلم مذكورين بين الخاص و العام في حياتهم و بعد مماتهم و سمع عمر بن الخطاب رجلا يقرأ هذه الآية فقال ليت ذلك ثم يعني ليت آدم بقي على ما كان فكان لا يلد و لا يبتلي أولاده ثم قال سبحانه‏} «إِنََّا خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ» يعني ولد آدم (ع) «مِنْ نُطْفَةٍ» و هي ماء الرجل و المرأة الذي يخلق منه الولد «أَمْشََاجٍ» أي أخلاط من ماء الرجل و ماء المرأة في الرحم فأيهما علا ماء صاحبه كان الشبه له عن ابن عباس و الحسن و عكرمة و مجاهد و قيل أمشاج أطوار طورا نطفة و طورا علقة و طورا مضغة و طورا عظاما إلى أن صار إنسانا عن قتادة و قيل أراد اختلاف ألوان النطفة فنطفة الرجل بيضاء و حمراء و نطفة المرأة خضراء و صفراء فهي مختلفة الألوان عن مجاهد و الضحاك و الكلبي و روي أيضا عن ابن عباس و قيل نطفة مشجت بدم الحيض فإذا حبلت ارتفع الحيض عن الحسن و قيل هي العروق التي تكون في النطفة عن ابن مسعود و قيل أمشاج أخلاط من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة و البرودة و اليبوسة و الرطوبة جعلها الله في النطفة ثم بناه الله البنية الحيوانية المعدلة الأخلاط ثم جعل فيه الحياة ثم شق له السمع و البصر فتبارك الله رب العالمين و ذلك قوله «فَجَعَلْنََاهُ سَمِيعاً بَصِيراً» و قوله «نَبْتَلِيهِ» أي نختبره بما نكلفه من الأفعال الشاقة ليظهر إما طاعته و إما عصيانه فنجازيه بحسب ذلك قال الفراء معناه «فَجَعَلْنََاهُ سَمِيعاً بَصِيراً» لنبتليه أي لنتعبده و نأمره و ننهاه و المراد فأعطيناه آلة السمع و البصر ليتمكن من السمع و البصر و معرفة ما كلف‏} «إِنََّا هَدَيْنََاهُ اَلسَّبِيلَ» أي بينا له الطريق و نصبنا له الأدلة و أزحنا له العلة حتى يتمكن من معرفة الحق و الباطل‏و قيل هو طريق الخير و الشر عن قتادة و قيل السبيل هو طريق معرفة الدين الذي به يتوصل إلى ثواب الأبد و يلزم كل مكلف سلوكه و هو أدلة العقل و الشرع التي يعم جميع المكلفين «إِمََّا شََاكِراً وَ إِمََّا كَفُوراً» قال الفراء معناه أن شكر و أن كفر على الجزاء و قال الزجاج معناه ليختار إما السعادة و إما الشقاوة و المراد إما أن يختار بحسن اختياره الشكر لله تعالى و الاعتراف بنعمه فيصيب الحظ و إما أن يكفر نعم الله و يجحد إحسانه فيكون ضالا عن الصواب فأيهما اختار جوزي عليه بحسبه و هذا كقوله «فَمَنْ شََاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شََاءَ فَلْيَكْفُرْ» و في هذه الآية دلالة على أن الله قد هدى جميع خلقه لأن اللفظ عام ثم بين سبحانه ما أعده للكافرين فقال‏} «إِنََّا أَعْتَدْنََا لِلْكََافِرِينَ» أي هيأنا و ادخرنا لهم جزاء على كفرانهم و عصيانهم «سَلاََسِلَ» يعني في جهنم كما قال‏ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهََا سَبْعُونَ ذِرََاعاً «وَ أَغْلاََلاً وَ سَعِيراً» نار موقدة نعذبهم بها و نعاقبهم فيها ثم ذكر ما أعده‏

616

(1) - للشاكرين المطيعين فقال‏} «إِنَّ اَلْأَبْرََارَ» و هو جمع البر المطيع لله المحسن في أفعاله‏و قال الحسن هم الذين لا يؤذون الذر و لا يرضون الشر و قيل هم الذين يقضون الحقوق اللازمة و النافلة و قد أجمع أهل البيت (ع) و موافقوهم و كثير من مخالفيهم إن المراد بذلك علي و فاطمة و الحسن و الحسين ع و الآية مع ما بعدها متعينة فيهم و أيضا فقد انعقد الإجماع على أنهم كانوا أبرارا و في غيرهم خلاف «يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ» إناء فيه شراب «كََانَ مِزََاجُهََا» أي ما يمازجها «كََافُوراً» و هو اسم عين ماء في الجنة عن عطاء و الكلبي و اختاره الفراء قال و يدل عليه قوله‏} «عَيْناً» و هي كالمفسرة للكافور و قيل يعني الكافور الذي له رائحة طيبة و المعنى يمازجه ريح الكافور و ليس ككافور الدنيا عن مجاهد و مقاتل قال قتادة يمزج بالكافور و يختم بالمسك و قيل معناه طيب بالكافور و المسك و الزنجبيل عن ابن كيسان «عَيْناً يَشْرَبُ بِهََا عِبََادُ اَللََّهِ» أي أولياؤه عن ابن عباس أي هذا الشراب من عين يشرب بها أولياء الله و خصهم بأنهم عباد الله تشريفا و تبجيلا قال الفراء شربها و شرب بها سواء في المعنى كما يقولون تكلمت بكلام حسن و كلاما حسنا قال عنترة :

شربت بماء الدحرضين فأصبحت # عسرا علي طلابها ابنة مخرم

و أنشد الفراء :

شربن بماء البحر ثم ترفعت # متى لجج خضر لهن نئيج‏

أي صوت.

ـ «يُفَجِّرُونَهََا تَفْجِيراً» أي يقودون تلك العين حيث شاءوا من منازلهم و قصورهم عن مجاهد و التفجير تشقيق الأرض بجري الماء قال و أنهار الجنة تجري بغير أخدود فإذا أراد المؤمن أن يجري نهرا خط خطا فينبع الماء من ذلك الموضع و يجري بغير تعب ثم وصف سبحانه هؤلاء الأبرار فقال‏} «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ» أي كانوا في الدنيا بهذه الصفة و الإيفاء بالنذر هو أن يفعل ما نذر عليه فإذا نذر طاعة تممها و وفى بها عن مجاهد و عكرمة و قيل يتمون ما فرض الله عليهم من الواجبات عن قتادة «وَ يَخََافُونَ يَوْماً كََانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً»

617

(1) - أي فاشيا منتشرا ذاهبا في الجهات بلغ أقصى المبالغ و سمي العذاب شرا لأنه لا خير فيه للمعاقبين و إن كان في نفسه حسنا لكونه مستحقا و قيل المراد بالشر هنا أهوال يوم القيامة و شدائده‏} «وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعََامَ عَلى‏ََ حُبِّهِ» أي على حب الطعام و المعنى يطعمون الطعام أشد ما تكون حاجتهم إليه وصفهم الله سبحانه بالأثرة على أنفسهم و

في الحديث عن أبي سعيد الخدري أن النبي ص قال ما من مسلم أطعم مسلما على جوع إلا أطعمه الله من ثمار الجنة و ما من مسلم كسا أخاه على عري إلا كساه الله من خضر الجنة و من سقى مسلما على ظمإ سقاه الله من الرحيق‏

قال ابن عباس يطعمون الطعام على شهوتهم له و محبتهم إياه و قيل الهاء كناية عن الله تعالى أي يطعمون الطعام على حب الله‏ «مِسْكِيناً» و هو الفقير الذي لا شي‏ء له «وَ يَتِيماً» و هو الذي لا والد له من الأطفال «وَ أَسِيراً» و هو المأخوذ من أهل دار الحرب عن قتادة و قيل هو المحبوس من أهل القبلة عن مجاهد و سعيد بن جبير و قيل الأسير المرأة «إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللََّهِ» أي لطلب رضا الله خالصا لله مخلصا من الرياء و طلب الجزاء و هو قوله «لاََ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزََاءً وَ لاََ شُكُوراً» و هو مصدر مثل القعود و الجلوس و قيل إنهم لم يتكلموا بذلك و لكن علم الله سبحانه ما في قلوبهم‏فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك الراغب عن سعيد بن جبير و مجاهد و المراد لا نطلب بهذا الطعام مكافاة عاجلة و لا نريد أن تشكرونا عليه عند الخلق بل فعلناه لله‏} «إِنََّا نَخََافُ مِنْ رَبِّنََا يَوْماً» أي عذاب يوم «عَبُوساً» أي مكفهرا تعبس فيه الوجوه و وصف اليوم بالعبوس توسعا لما فيه من الشدة و هذا كما يقال يوم صائم و ليل قائم قال ابن عباس يعبس فيه الكافر حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران «قَمْطَرِيراً» أي صعبا شديدا عن أبي عبيدة و المبرد و قال الحسن سبحان الله ما أشد اسمه و هو من اسمه أشد و قيل القمطرير الذي يقلص الوجوه و يقبض الجباه و ما بين الأعين من شدته عن قتادة .

618

(1) -

القراءة

قرأ الشعبي و عبيد بن عمير قدروها بضم القاف و القراءة المشهورة «قَدَّرُوهََا» بفتح القاف و قرأ أهل المدينة و حمزة عاليهم ساكنة الياء و الباقون «عََالِيَهُمْ» بفتح الياء و قرأ أهل البصرة و أبو جعفر و ابن عامر خضر بالرفع و إستبرق بالجر و قرأ ابن كثير و أبو بكر خضر بالجر و إستبرق بالرفع و قرأ نافع و حسن بالرفع فيهما و قرأ حمزة و الكسائي و خلف بالجر فيهما.

الحجة

من قرأ «قَدَّرُوهََا» بالفتح فالمعنى قدروها في أنفسهم فجاءت كما قدروها و من قرأ بالضم أراد أن ذلك قدر لهم أي قدره الله لهم كذلك قال أبو علي الضمير في «قَدَّرُوهََا» للخزان أو الملائكةأي قدروها على ربهم لا ينقص من ذلك و لا يزيد عليه و من قرأ قدروها فهو على هذا المعنى يريد كان اللفظ قدروا عليها فحذف الجار كما حذف من قوله:

كأنه واضح الأقراب في لقح # أسمى بهن و عزته الأناصيل‏

فلما حذف الحرف وصل الفعل فكذلك قوله قدروها إلا أن المعنى قدرت عليهم أي على ربهم فقلب كما قال:

لا تحسبن دراهما سرقتها # تمحو مخازيك التي بعمان

و على هذا يتأول قوله‏ «مََا إِنَّ مَفََاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ» و مثل هذا ما حكاه أبو زيد إذا طلعت الجوزاء أوفى السود في الجرباء قال و من نصب «عََالِيَهُمْ» فإن النصب يحتمل أمرين‏

619

(1) - (أحدهما) أن يكون حالا (و الآخر) أن يكون ظرفا فأما الحال فيحتمل أن يكون العامل فيها أحد شيئين (أحدهما) لقاهم (و الآخر) جزاهم و مثله في كونه حالا «مُتَّكِئِينَ فِيهََا عَلَى اَلْأَرََائِكِ» فإن قلت لم لا يكون متكئين صفة جنة و فيها ذكر لها قيل لا يجوز ذلك أ لا ترى أنه لو كان كذلك للزمك أن تبرز الضمير الذي في اسم الفاعل من حيث كان صفة للجنة و ليس الفعل لها فإذا لم يجز ذلك كان حالا و كذلك قوله «وَ دََانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاََلُهََا» إلا أنه يجوز في قوله «وَ دََانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاََلُهََا» أمران (أحدهما) الحال (و الآخر) أن ينتصب على أنه مفعول به و يكون المعنى و جزاهم جنة و حريرا أي لبس حرير و دخول جنة و دانية عليهم ظلالها فيكون على هذا التقدير كقوله‏ وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ فإن لم تحمله على هذا و قلت إنه يعرض فيه إقامة الصفة مقام الموصوف و إن ذلك ليس بالمطرح في كلامهم و إذا حملته على الحال يكون مثل ما عطفته عليه من قوله «مُتَّكِئِينَ» «وَ دََانِيَةً عَلَيْهِمْ» و كذلك يكون «عََالِيَهُمْ ثِيََابُ سُندُسٍ» معطوفا على ما انتصب على الحال في السورة فيكون ثياب سندس مرتفعة باسم الفاعل و الضمير عائد إلى ذي الحال من قوله «عََالِيَهُمْ» و في الشواذ عاليتهم قراءة الأعمش و يكون بمنزلة قوله خاشعا أبصارهم و خاشعة أبصارهم و من جعله ظرفا فإنه لما كان عالي بمعنى فوق أجري مجراه في هذا و من قرأ عاليهم بسكون الياء جعله مبتدأ و ثياب سندس خبره و يكون عاليهم المبتدأ في موضع الجماعة كما أن الخبر جماعة و قد جاء اسم الفاعل في موضع جماعةقال:

ألا إن جيراني العشية رائح # دعتهم دواع من هوى و منادح‏

و في التنزيل‏ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سََامِراً تَهْجُرُونَ فَقُطِعَ دََابِرُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فكأنه أفرد من حيث جعل بمعنى المصدر من نحو قوله‏

"و لا خارجا من في زور كلام"

و قد قالوا الجامل و الباقر يراد بهما الكثرة و أخذ عليه البصير النحوي الملقب بجامع العلوم هذا الكلام و نسبه فيه إلى سوء التأمل و قال عاليهم بسكون الياء صفة الولدان أي يطوف عليهم ولدان عاليهم ثياب سندس فيرتفع ثياب سندس باسم الفاعل الجاري صفة على الموصوف و أقول و بالله التوفيق إني لأرى أن نظر هذا الفاضل قد اختل كما أن بصره قد اعتل فرمى أبا علي بدائه و أنسل أ لم ينظر في خاتمة هذه الآية إلى قوله سبحانه «وَ سَقََاهُمْ رَبُّهُمْ شَرََاباً طَهُوراً» ثم قوله عقيب ذلك «إِنَّ هََذََا كََانَ لَكُمْ جَزََاءً» فيعرف أن الضمير في عاليهم هو بعينه في و سقاهم و هو ضمير المخاطبين في لكم و هذا الضمير لا يمكن أن يعود إلا إلى الأبرار

620

(1) - المثابين المجازين دون الولدان المخلدين الذين هم من جملة ثوابهم و جزائهم اللهم لك الحمد على تأييدك و تسديدك رجعنا إلى كلام أبي علي قال و يجوز على قياس قول أبي الحسن في قائم أخواك و إعمال اسم الفاعل عمل الفعل‏و إن لم يعتمد على شي‏ء أن يكون ثياب سندس مرتفعة بعاليهم و أفردت عاليا لأنه فعل متقدم قال أبو علي و الأوجه قراءة من قال خضر بالرفع و إستبرق بالجر لأن خضرا صفة مجموعة لموصوف مجموع و هو ثياب و أما إستبرق فجر من حيث كان جنسا أضيفت إليه الثياب كما أضيفت إلى سندس كما يقال ثياب خز و كتان و يدل على ذلك قوله‏ «وَ يَلْبَسُونَ ثِيََاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ» و إستبرق و من قرأ «خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقٌ» فإنه أجرى الخضر و هو جمع على السندس لما كان المعنى أن الثياب من هذا الجنس و أجاز أبو الحسن وصف هذه الأجناس بالجمع فقال تقول أهلك الناس الدينار الصفر و الدرهم البيض على استقباح له و من رفع إستبرق فإنما أراد عطف الاستبراق على الثياب كأنه ثياب سندس و ثياب إستبرق فحذف المضاف الذي هو ثياب و أقام إستبرق مقامه كما إنك إذا قلت عليه خز بمعنى عليه ثوب خز و ليس المعنى أن عليه الدابة التي هي الخز و على هذا قوله:

كان خزا تحته و قزا # و فرشا محشوة اوزا.

اللغة

الوقاية الحفظ و المنع من الأذى وقاه يقيه وقاية و وقاه توقية قال رؤبة

"أن الموقي مثل ما وقيت"

و منه اتقاه و توقاه و أصل الشر الظهور فهو ظهور الضرر و منه شررت الثوب إذا ظهرته للشمس أو الريح قال‏

"و حتى أشرت بالأكف المصاحف"

أي أظهرت و منه شرر النار لظهوره بتطايره و النضرة حسن الألوان و نبت ناضر و نضير و نضر و السرور اعتقاد وصول المنافع إليه في المستقبل و قال قوم هو لذة في القلب فحسب متعلقة بما فيه النفع و كل سرور فلا بد له من متعلق كالسرور بالمال و الولد و السرور بالإكرام و الإجلال و السرور بالحمد و الشكر و السرور بالثواب و الأرائك الحجال فيها الأسرة واحدتها أريكة قال الزجاج الأريكة كل ما يتكأ عليه من مسورة أو غيرها و الزمهرير أشد ما يكون من البرد و الزنجبيل ضرب من القرفة طيب الطعم يحذو اللسان و يربى بالعسل و يستدفع به المضار و إذا مزج به الشراب فاق في الإلذاذ و العرب تستطيب الزنجبيل جدا قال الشاعر:

621

(1) -

كان القرنفل و الزنجبيل # باتا بفيها واريا مشورا

و السلسبيل الشراب السهل اللذيذ يقال شراب سلسل و سلسال و سلسبيل و الولدان الغلمان جمع وليد و السندس الديباج الرقيق الفاخر الحسن و الإستبرق الديباج الغليظ الذي له بريق .

الإعراب‏

«وَ إِذََا رَأَيْتَ ثَمَّ» قال الزجاج العامل في ثم معنى رأيت و المعنى و إذا رأيت ببصرك ثم قال الفراء المعنى و إذا رأيت ما ثم و غلطه الزجاج في ذلك و قال إن ما تكون موصولة بقوله ثم على هذا التفسير و لا يجوز إسقاط الموصول و ترك الصلة و لكن رأيت يتعدى في المعنى إلى ثم و أقول يجوز أن يكون مفعول رأيت محذوفا و يكون ثم ظرفا و التقدير و إذا رأيت ما ذكرناه ثم.

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه بما أعد للأبرار الموصوفين في الآيات الأولى من الجزاء فقال «فَوَقََاهُمُ اَللََّهُ شَرَّ ذََلِكَ اَلْيَوْمِ» أي كفاهم الله و منع منهم أهوال يوم القيامة و شدائده «وَ لَقََّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً» أي استقبلهم بذلك‏} «وَ جَزََاهُمْ» أي و كافأهم «بِمََا صَبَرُوا» أي بصبرهم على طاعته و اجتناب معاصيه و تحمل محن الدنيا و شدائدها «جَنَّةً» يسكنونها «وَ حَرِيراً» من لباس الجنة يلبسونه و يفرشونه‏} «مُتَّكِئِينَ» أي جالسين جلوس الملوك «فِيهََا» أي في الجنة «عَلَى اَلْأَرََائِكِ» أي الأسرة في الحجال عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل كلما يتكأ عليه فهو أريكة عن الزجاج و قيل الأرائك الفرش فوق الأسرة عن أبي مسلم «لاََ يَرَوْنَ فِيهََا» أي في تلك الجنة «شَمْساً» يتأذون بحرها «وَ لاََ زَمْهَرِيراً» يتأذون ببرده‏} «وَ دََانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاََلُهََا» يعني أن أفياء أشجار تلك الجنة قريبة منهم و قيل إن ظلال الجنة لا تنسخها الشمس كما تنسخ ظلال الدنيا «وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُهََا تَذْلِيلاً» أي و سخرت و سهل أخذ ثمارها تسخيرا إن قام ارتفعت بقدره و إن قعد نزلت عليه حتى ينالها و إن اضطجع تدلت حتى تنالها يده عن مجاهد و قيل معناه لا يرد أيديهم عنها بعد و لا شوك «وَ يُطََافُ عَلَيْهِمْ» أي على هؤلاء الأبرار الموصوفين قبل «بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوََابٍ» جمع كوب و هو إناء للشرب من غير عروة و قيل الأكواب الأقداح عن مجاهد «كََانَتْ» تلك الأكواب‏} «قَوََارِيرَا» أي زجاجات «مِنْ فِضَّةٍ»

قال الصادق (ع) ينفذ البصر في فضة الجنة كما ينفذ في الزجاج‏

و المعنى أن أصلها من فضة فاجتمع لها بياض الفضة و صفاء

622

(1) - القوارير فيرى من خارجها ما في داخلها قال أبو علي إن سئل فقيل كيف تكون القوارير من فضة و إنما القوارير من الرمل دونها فالقول في ذلك أن الشي‏ء إذا قاربه شي‏ء و اشتدت ملابسته له قيل أنه من كذا و إن لم يكن منه في الحقيقة كقول البعيث :

ألا أصبحت خنساء خارمة الوصل # و ضنت علينا و الضنين من البخل

و صدت فأعدانا بهجر صدودها # و هن من الأخلاف قبلك و المطل‏

و قال:

ألا في سبيل الله تغيير لمتي # و وجهك مما في القوارير أصفر

فعلى هذا يجوز قوارير من فضة أي هي في صفاء الفضة و نقائها و يجوز تقدير حذف المضاف أي من صفاء الفضة و قوارير الثانية بدل من الأولى و ليست بتكرار و قيل أن قوارير كل أرض من تربتها و أرض الجنة فضة فلذلك كانت قواريرها مثل الفضة عن ابن عباس «قَدَّرُوهََا تَقْدِيراً» أي قدروا الكأس على قدر ربهم لا يزيد و لا ينقص من الري و الضمير في قدروها للسقاة و الخدم الذين يسقون فإنهم يقدرونها ثم يسقون و قيل قدروها على قدر مل‏ء الكف أي كانت الأكواب على قدر ما اشتهوا لم تعظم و لم يثقل الكف عن حملها عن الربيع و القرظي و قيل قدروها في أنفسهم قبل مجيئها على صفة فجاءت على ما قدروا و الضمير في قدروا للشاربين‏} «وَ يُسْقَوْنَ فِيهََا» أي في الجنة «كَأْساً كََانَ مِزََاجُهََا زَنْجَبِيلاً» قال مقاتل لا يشبه زنجبيل الدنيا و قال ابن عباس كل ما ذكره الله في القرآن مما في الجنة و سماه ليس له مثل في الدنيا و لكن سماه الله بالاسم الذي يعرف و الزنجبيل مما كانت العرب تستطيبه فلذلك ذكره في القرآن و وعدهم أنهم يسقون في الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة} «عَيْناً فِيهََا تُسَمََّى سَلْسَبِيلاً» أي تمزج الخمر بالزنجبيل و الزنجبيل من عين تسمى تلك العين سلسبيلا قال ابن الأعرابي لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن و قال الزجاج هو صفة لما كان في غاية السلاسة يعني أنها سلسلة تتسلسل في الحلق و قيل سمي سلسبيلا لأنها تسيل عليهم في الطرق و في منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان عن أبي العالية و مقاتل و قيل سميت بذلك لأنها ينقاد ماؤها لهم يصرفونها حيث شاءوا عن قتادة «وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدََانٌ مُخَلَّدُونَ» مر تفسيره «إِذََا رَأَيْتَهُمْ» يعني إذا رأيت أولئك الولدان «حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً» من الصفاء و حسن المنظر و الكثرة فذكر لونهم و كثرتهم و قيل إنما

623

(1) - شبههم بالمنثور لانتثارهم في الخدمة فلو كانوا صفا لشبهوا بالمنظوم‏} «وَ إِذََا رَأَيْتَ ثَمَّ» أي إذا رميت ببصرك ثم يعني الجنة و

قيل أن تقديره و إذا رأيت الأشياء ثم «رَأَيْتَ نَعِيماً» خطيرا «وَ مُلْكاً كَبِيراً» لا يزول و لا يفنى عن الصادق (ع)

و قيل كبيرا أي واسعا يعني أن نعيم الجنة لا يوصف كثرة و إنما يوصف بعضها و قيل الملك الكبير استئذان الملائكة عليهم و تحيتهم بالسلام و قيل هو أنهم لا يريدون شيئا إلا قدروا عليه و قيل هو أن أدناهم منزلة ينظر في ملكه من مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه و قيل هو الملك الدائم الأبدي في نفاذ الأمر و حصول الأماني‏ «عََالِيَهُمْ ثِيََابُ سُندُسٍ» من جعله ظرفا فهو بمنزلة قولك فوقهم ثياب سندس و من جعله حالا فهو بمنزلة قولك يعلوهم ثياب سندس و هو ما رق من الثياب فيلبسونها و

روي عن الصادق (ع) أنه قال في معناه تعلوهم الثياب فيلبسونها

«خُضْرٌ وَ إِسْتَبْرَقٌ» و هو ما غلظ منها و لا يراد به الغلظ في السلك إنما يراد به الثخانة في النسج قال ابن عباس أ ما رأيت الرجل عليه ثياب و الذي يعلوها أفضلها «وَ حُلُّوا أَسََاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ» الفضة الشفافة و هي التي يرى ما وراءها كما يرى من البلورة و هو أفضل من الدر و الياقوت و هما أفضل من الذهب و الفضة فتلك الفضة أفضل من الذهب و الفضة في الدنيا و هما أثمان الأشياء و قيل أنهم يحلون بالذهب تارة و بالفضة أخرى ليجمعوا محاسن الحلية كما قال الله تعالى‏ يُحَلَّوْنَ فِيهََا مِنْ أَسََاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ* و الفضة و إن كانت دنية الثمن في الدنيا فهي في غاية الحسن خاصة إذا كانت بالصفة التي ذكرناها و الغرض في الآخرة ما يكثر الاستلذاذ و السرور به لا ما يكثر ثمنه لأنه ليست هناك أثمان «وَ سَقََاهُمْ رَبُّهُمْ شَرََاباً طَهُوراً» أي طاهرا من الأقذار و الأقذاء لم تدنسها الأيدي و لم تدسها الأرجل كخمر الدنيا و قيل طهورا لا يصير بولا نجسا و لكن يصير رشحا في أبدانهم كريح المسك و إن الرجل من أهل الجنة يقسم له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا و أكلهم و نهمتهم فإذا أكل ما شاء سقي شرابا طهورا فيطهر بطنه و يصير ما أكل رشحا يخرج من جلده أطيب ريحا من المسك الأذفر و يضمر بطنه و تعود شهوته عن إبراهيم التميمي و أبي قلابة و

قيل يطهرهم عن كل شي‏ء سوى الله إذ لا طاهر من تدنس بشي‏ء من الأكوان إلا الله رووه عن جعفر بن محمد (ع)

«إِنَّ هََذََا» يعني ما وصف من النعيم و أنواع الملاذ «كََانَ لَكُمْ جَزََاءً» أي مكافاة على أعمالكم الحسنة و طاعتكم المبرورة «وَ كََانَ سَعْيُكُمْ» في مرضاة الله و قيامكم بما أمركم الله به «مَشْكُوراً» أي مقبولا مرضيا جوزيتم عليه فكأنه شكر لكم فعلكم.

624

(1) -

القراءة

قرأ ابن كثير و أبو عمرو و ابن عامر و ما يشاءون بالياء و الباقون بالتاء و في الشواذ قراءة عبد الله بن الزبير و أبان بن عثمان و الظالمون بالواو.

الحجة

وجه الياء قوله تعالى «فَمَنْ شََاءَ اِتَّخَذَ» و وجه التاء أنه خطاب للكافة أي و ما تشاءون الطاعة و الاستقامة إلا أن يشاء الله أو يكون محمولا على الخطاب و أما قوله و الظالمون فإنه على ارتجال جملة مستأنفة قال ابن جني كأنه قال الظالمون أعد لهم عذابا أليما ثم أنه عطف الجملة على ما قبلها و قد سبق الرفع إلى مبتدئها غير أن قراءة الجماعة أسبق و هو النصب لأن معناه و يعذب الظالمين‏فلما أضمر هذا الفعل فسره بقوله «أَعَدَّ لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً» و هذا أكثر من أن يؤتى له بشاهد قال الزجاج يقول النحويون أعطيت زيدا و عمرا أعددت له برا فيختارون النصب على معنى و بررت عمرا أعددت له برا و أنشد غيره:

أصبحت لا أحمل السلاح و لا # أملك رأس البعير إن نفرا

و الذئب أخشاه إن مررت به # وحدي و أخشى الرياح و المطرا.

اللغة

الأسر أصله الشد و منه قتب مأسور أي مشدود و منه الأسير لأنهم كانوا يشدونه بالقدر قولهم خذ بأسره أي بشدة قبل أن يحل ثم كثر حتى صار بمعنى خذ جميعه قال الأخطل :

625

(1) -

من كل مجتنب شديد أسره # سلس القياد تخاله مختالا.

الإعراب‏

قال الزجاج في قوله «وَ لاََ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً» أو هنا أوكد من الواو لأنك إذا قلت لا تطع زيدا و عمرا فأطاع أحدهما كان غير عاص لأنك أمرته أن لا يطيع الاثنين و إذا قلت لا تطع منهم آثما أو كفورا فأو قد دلت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصي و أنهما أهل أن يعصيا كما أنك إذا قلت جالس الحسن أو ابن سيرين فقد قلت كل واحد منهما أهل أن يجالس قال البصير النحوي أو هذه التي للتخيير إذا قلت اضرب زيدا أو عمرا فمعناه اضرب أحدهما فإذا قلت لا تضرب زيدا أو عمرا فمعناه لا تضرب أحدهما فيحرم عليه ضربهما لأن أحدهما في النفي يعمم و ابن كيسان يحمل النهي على الأمر فيقول إذا قال لا تضرب أحدهما لم يحرم عليه ضربهماو إنما حرم في الآية طاعتهما لأن أحدهما بمنزلة الآخر في امتناع الطاعة له أ لا ترى أن الآثم مثل الكفور في هذا المعنى قال سيبويه و لو قال لا تطع آثما و لا تطع كفورا لانقلب المعنى إذ ذاك لأنه حينئذ لا تحرم طاعتهما كليهما.

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن نفسه فقال «إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ تَنْزِيلاً» فيه شرف و تعظيم لك و قيل معناه فصلناه في الإنزال آية بعد آية و لم ننزله جملة واحدة عن ابن عباس } «فَاصْبِرْ» يا محمد على ما أمرتك به من تحمل أعباء الرسالة «لِحُكْمِ رَبِّكَ» أن تبلغ الكتاب و تعمل به و قيل أنه أمر لنبينا ص بالصبر و إن كذب فيما أتى به و وعيد لمن كذبه «وَ لاََ تُطِعْ مِنْهُمْ» أي من مشركي المكة «آثِماً» يعني عتبة بن ربيعة «أَوْ كَفُوراً» يعني الوليد بن المغيرة فإنهما قالا له ارجع عن هذا الأمر و نحن نرضيك بالمال و التزويج عن مقاتل و قيل الكفور أبو جهل نهى النبي ص عن الصلاةو قال لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن عنقه فنزلت الآية عن قتادة و قيل إن ذلك عام في كل عاص فاسق و كافر منهم أي من الناس أي لا تطع من يدعوك إلى إثم أو كفر و هذا أولى لزيادة الفائدة و عدم التكرير} «وَ اُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً» أي أقبل على شأنك من ذكر الله و الدعاء إليه و تبليغ الرسالة صباحا و مساء أي دائما فإن الله ناصرك و مؤيدك و معينك و البكرة أول النهار و الأصيل العشي و هو أصل الليل «وَ مِنَ اَللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ» دخلت من للتبعيض و المعنى فاسجد له في بعض الليل لأنه لم يأمره بقيام الليل كله و قيل فاسجد له يعني صلاة المغرب و العشاء «وَ سَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً» أي‏

626

(1) - في ليل طويل يريد التطوع بعد المكتوبة و

روي عن الرضا (ع) أنه سأله أحمد بن محمد عن هذه الآية و قال ما ذلك التسبيح قال صلاة الليل‏

«إِنَّ هََؤُلاََءِ يُحِبُّونَ اَلْعََاجِلَةَ» أي يؤثرون اللذات و المنافع العاجلة في دار الدنيا «وَ يَذَرُونَ وَرََاءَهُمْ» أي و يتركون أمامهم «يَوْماً ثَقِيلاً» أي عسيرا شديدا و المعنى أنهم لا يؤمنون به و لا يعملون له و قيل معنى وراءهم خلف ظهورهم و كلاهما محتمل‏ثم قال سبحانه‏} «نَحْنُ خَلَقْنََاهُمْ وَ شَدَدْنََا أَسْرَهُمْ» أي قوينا و أحكمنا خلقهم عن قتادة و مجاهد و قيل أسرهم أي مفاصلهم عن الربيع و قيل أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق و العصب عن الحسن و لو لا إحكامه إياها على هذا الترتيب لما أمكن العمل بها و الانتفاع منها و قيل شددنا أسرهم جعلناهم أقوياء عن الجبائي و قيل معناه كلفناهم و شددناهم بالأمر و النهي كيلا يجاوزوا حدود الله كما يشد الأسير بالقد لئلا يهرب «وَ إِذََا شِئْنََا بَدَّلْنََا أَمْثََالَهُمْ تَبْدِيلاً» أي أهلكناهم و أتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم و لكن نبقيهم إتماما للحجة} «إِنَّ هََذِهِ» السورة «تَذْكِرَةٌ» أي تذكير و عظة يتذكر بها أمر الآخرة عن قتادة و قيل أن هذه الرسالة التي تبلغها «فَمَنْ شََاءَ اِتَّخَذَ إِلى‏ََ رَبِّهِ سَبِيلاً» أي فمن أراد اتخذ إلى رضا ربه طريقا بأن يعمل بطاعته و ينتهي عن معصيته و في هذا دلالة على أن الاستطاعة قبل الفعل‏ «وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ» أي و ما تشاءون اتخاذ الطريق إلى مرضاة الله اختيارا إلا أن يشاء الله إجباركم عليه و إلجاءكم إليه فحينئذ تشاءون و لا ينفعكم ذلك و التكليف زائل و لم يشأ الله هذه المشيئة بل شاء أن تختاروا الإيمان لتستحقوا الثواب عن أبي مسلم و قيل معناه و ما تشاءون شيئا من العمل بطاعته إلا و الله يشاؤه و يريده و ليس المراد بالآية أنه سبحانه يشاء كل ما يشاء العبد من المعاصي و المباحات و غيرها لأن الدلائل الواضحة قد دلت على أنه سبحانه لا يجوز أن يريد القبائح و يتعالى عن ذلك‏و قد قال سبحانه وَ لاََ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبََادِ «إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلِيماً حَكِيماً» مر معناه‏} «يُدْخِلُ مَنْ يَشََاءُ فِي رَحْمَتِهِ» أي جنته يعني المؤمنين «وَ اَلظََّالِمِينَ» يعني و يجزي الكافرين و المشركين «أَعَدَّ لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً» .