مجمع البيان في تفسير القرآن - ج10

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
870 /
627

(1) -

(77) سورة المرسلات مكية و آياتها خمسون (50)

توضيح‏

و هي خمسون آية بلا خلاف.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة و المرسلات كتب أنه ليس من المشركين‏

و

روي عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأها عرف الله بينه و بين محمد ص .

تفسيرها

لما ختم سبحانه سورة هل أتى بذكر القيامة و ما أعد فيها للظالمين افتتح هذه السورة بمثل ذلك فقال:

القراءة

قرأ أهل الحجاز و الشام و أبو بكر و يعقوب و سهل «عُذْراً» ساكنة الذال أو نذرا

628

(1) - بضمها و روى محمد بن الحبيب عن الأعشى و البرجمي عن أبي بكر بضم الذال فيهما و محمد بن خالد عن الأعشى عذرا بسكون الذال أو نذرا بضمها مثل رواية حماد و يحيى عن أبي بكر و قرأ الباقون بسكون الذال فيهماو قرأ أبو جعفر وقتت بالواو و التخفيف و قرأ أهل البصرة غير رويس بالواو و التشديد و قرأ الباقون «أُقِّتَتْ» بالألف و تشديد القاف.

الحجة

قال أبو علي النذر بالتثقيل و النذير مثل النكر و النكير و هما جميعا مصدران و يجوز في النذير ضربان (أحدهما) أن يكون مصدرا كالنكير و عذير الحي (و الآخر) أن يكون فعيلا يراد به المنذر كما أن الأليم بمعنى المؤلم و يجوز تخفيف النذر على حد التخفيف في العنق و العنق و الأذن و الأذن قال أبو الحسن «عُذْراً أَوْ نُذْراً» أي إعذارا أو إنذارا و قد خففتا جميعا و هما لغتان فأما انتصاب عذرا فعلى ثلاثة أضرب (أحدها) أن يكون بدلا من الذكر في قوله «فَالْمُلْقِيََاتِ ذِكْراً» (و الآخر) أن يكون مفعول ذكرا أي فالملقيات أن يذكر عذرا أو نذرا (و الثالث) أن يكون منصوبا على أنه مفعول له و يجوز في قول من ضم عذرا أو نذرا (و الثالث) أن يكون منصوبا على أنه مفعول له و يجوز في قول من ضم عذرا أو نذرا أن يكون عذرا جمع عاذر أو عذور و النذر جمع نذير قال حاتم :

أ ماوي قد طال التجنب و الهجر # و قد عذرتني في طلابكم العذر

فيكون عذرا أو نذرا على هذا حالا من الإلقاء كأنهم يلقون الذكر في حال العذر و الإنذار و من قرأ وقتت بالواو فلان الكلمة أصلها من الوقت و من أبدل منها الهمزة فلانضمام الواو و الواو إذا انضمت أولا في نحو وجوه و وعود و ثالثة في نحو أدؤر فإنها تبدل على الاطراد همزة لكراهتهم الضمة على الواو.

ـ

المعنى‏

«وَ اَلْمُرْسَلاََتِ عُرْفاً» يعني الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس عن ابن مسعود و ابن عباس و مجاهد و قتادة و أبي صالح فعلى هذا يكون عرفا نصبا على الحال من قولهم جاءوا إليه عرفا واحدا أي متتابعين و قيل إنها الملائكة أرسلت بالمعروف من أمر الله و نهيه و

في رواية أخرى عن ابن مسعود و عن أبي حمزة الثمالي عن أصحاب علي عنه (ع)

و على هذا يكون مفعولا له و قيل المراد بها الأنبياء جاءت بالمعروف و الإرسال نقيض الإمساك «فَالْعََاصِفََاتِ عَصْفاً» يعني الرياح الشديدات الهبوب و العصوف مرور الريح بشدة

629

(1) -} «وَ اَلنََّاشِرََاتِ نَشْراً» و هي الرياح التي تأتي بالمطر تنشر السحاب نشرا للغيث كما تلحقه للمطر و قيل أنها الملائكة تنشر الكتب عن الله تعالى عن أبي حمزة الثمالي و أبي صالح و قيل أنها الأمطار تنشر النبات عن أبي صالح في رواية أخرى و قيل الرياح ينشرها الله تعالى نشرا بين يدي رحمته عن الحسن و قيل الرياح تنشر السحاب في الهواء عن الجبائي } «فَالْفََارِقََاتِ فَرْقاً» يعني الملائكة تأتي بما يفرق به بين الحق و الباطل و الحلال و الحرام عن ابن عباس و أبي صالح و قيل هي آيات القرآن تفرق بين الحق و الباطل و الهدى و الضلال عن الحسن و أبي حمزة و قتادة و قيل أنها الرياح التي تفرق بين السحاب فتبدده عن مجاهد } «فَالْمُلْقِيََاتِ ذِكْراً» يعني الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء و تلقيه الأنبياء إلى الأمم عن ابن عباس و قتادة كأنها الحاملات للذكر الطارحات له ليأخذه من خوطب به و الإلقاء طرح الشي‏ء على غيره «عُذْراً أَوْ نُذْراً» أي للإعذار و الإنذار و معناه إعذارا من الله و إنذارا إلى خلقه و قيل عذرا يعتذر الله به إلى عباده في العقاب أنه لم يكن إلا على وجه الحكمة و نذرا أي إعلاما بموضوع المخافة عن الحسن و هذه أقسام ذكرها الله تعالى و قيل أقسم الله سبحانه برب هذه الأشياء عن الجبائي قال لا يجوز القسم إلا بالله سبحانه و قال غيره بل أقسم بهذه الأشياء تنبيها على عظم موقعها} «إِنَّمََا تُوعَدُونَ لَوََاقِعٌ» هذا جواب القسم و المعنى أن الذي وعدكم الله به من البعث و النشور و الثواب و العقاب لكائن لا محالة و قيل إن الفرق بين الواقع و الكائن أن الواقع لا يكون إلا حادثا تشبيها بالحائط الواقع لأنه من أبين الأشياء في الحدوث و الكائن أعم منه لأنه بمنزلة الموجود الثابت يكون حادثا و غير حادث ثم بين سبحانه وقت وقوعه فقال «فَإِذَا اَلنُّجُومُ طُمِسَتْ» أي محيت آثارها و أذهب نورها و أزيل ضوءها «وَ إِذَا اَلسَّمََاءُ فُرِجَتْ» أي شقت و صدعت فصار فيها فروج‏} «وَ إِذَا اَلْجِبََالُ نُسِفَتْ» أي قلعت من مكانها كقوله سبحانه‏ يَنْسِفُهََا رَبِّي نَسْفاً و قيل نسفت أذهبت بسرعة حتى لا يبقى لها أثر في الأرض «وَ إِذَا اَلرُّسُلُ أُقِّتَتْ» أي جمعت لوقتها و هو يوم القيامة لتشهد على الأمم و هو قوله‏} «لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ» أي أخرت و ضرب لهم الأجل لجمعهم تعجب العباد من ذلك اليوم عن إبراهيم و مجاهد و ابن زيد و قيل أقتت معناه عرفت وقت الحساب و الجزاء لأنهم في الدنيا لا يعرفون متى تكون الساعة و قيل عرفت ثوابها في ذلك اليوم و

قال الصادق ع أقتت أي بعثت في أوقات مختلفة

ثم بين سبحانه ذلك اليوم فقال‏} «لِيَوْمِ اَلْفَصْلِ» أي يوم يفصل الرحمن بين الخلائق ثم عظم ذلك اليوم فقال‏} «وَ مََا أَدْرََاكَ مََا يَوْمُ اَلْفَصْلِ» ثم أخبر سبحانه حال من كذب به فقال‏} «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» هذا تهديد و وعيد إنما خص الوعيد بمن جحدوا يوم القيامة و كذب به لأن التكذيب بذلك يتبعه خصال المعاصي كلها و إن لم يذكر معه و العامل‏

630

(1) - في الظرف محذوف يدل عليه قوله «إِنَّمََا تُوعَدُونَ لَوََاقِعٌ» و التقدير فإذا طمست النجوم و فرجت السماء و نسفت الجبال و أقتت الرسل وقعت القيامة.

القراءة

قرأ أهل المدينة و الكسائي فقدرنا بالتشديد و الباقون «فَقَدَرْنََا» بالتخفيف و في الشواذ قراءة الأعرج نتبعهم بالجزم.

الحجة

قد تقدم أن قدر و قدر بمعنى و التخفيف أليق بقوله «فَنِعْمَ اَلْقََادِرُونَ» و من شد أراد أن يجي‏ء باللغتين كما يقال جاد مجد و كقوله سبحانه‏ فَمَهِّلِ اَلْكََافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ و من جزم نتبعهم فإنه يحتمل أمرين (أحدهما) أنه أسكن العين استثقالا لتوالي الحركات (و الثاني) أن يكون عطفا على نهلك كما تقول أ لم أزرك ثم أحسن إليك فيكون معنى هذه القراءة أنه يريد قوما أهلكهم الله سبحانه بعد قوم قبلهم على اختلاف أوقات المرسلين إليهم نبيا بعد نبي‏و أما الرفع على القراءة المشهورة فلاستئناف الكلام أو على أن يجعل خبر مبتدإ محذوف.

اللغة

القرار المكان الذي يمكن طول المكث فيه و القدر المقدر المعلوم الذي لا زيادة فيه و لا نقصان و القدر المصدر من قولهم قدر يقدر قدرا و قدرا أي قدر فمن شدد جمع بين اللغتين كما قال الأعشى :

631

(1) -

و أنكرتني و ما كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب و الصلعا

و كفت الشي‏ء يكفته كفتا و كفاتا إذا ضمه و

منه الحديث اكفتوا صبيانكم‏

أي ضموهم إلى أنفسكم و مثله‏

ضموا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء

و يقال للوعاء كفت و كفيت و قال أبو عبيدة كفاتا أي أوعية و الرواسي الثوابت و الشامخات العاليات و منه شمخ بأنفه إذا رفعه كبرا و ماء فرات و زلال و عذب و نمير كله من العذوبة و الطيب و منه سمي النهر العظيم المعروف بالفرات قال الشاعر:

إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا # و إن شهد أجدى نيله و فواضله‏

قال ابن عباس أصول الأنهار العذبة أربعة جيحان و منه دجلة و سيحان نهر بلخ و فرات الكوفة و نيل مصر .

الإعراب‏

أحياء منصوب بأنه مفعول قوله «كِفََاتاً» معناه أن يكفت أحياء و أمواتا فعلى هذا يكون كفاتا مصدرا و إن جعلته جمع كفت فيكون العامل في أحياء معناه و التقدير واعية أحياء أو تعي أحياء.

المعنى‏

ثم ذكر سبحانه ما فعله بالمكذبين الأولين فقال «أَ لَمْ نُهْلِكِ اَلْأَوَّلِينَ» يعني بالعذاب في الدنيا يريد قوم نوح و عاد و ثمود حين كذبوا رسلهم‏} «ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ اَلْآخِرِينَ» قوم لوط و إبراهيم لم يعطف نتبعهم على نهلك فيجزم بل استأنف‏و قال المبرد تقديره ثم نحن نتبعهم لا يجوز غيره لأن قوله «أَ لَمْ نُهْلِكِ» ماض و قوله «ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ» مستقبل و يؤيده قول الحسن أن الآخرين هم الذين تقوم عليهم القيامة} «كَذََلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ» أي كما فعلنا بمن تقدم نفعل بالمكذبين من أهل مكة و قد فعل بهم ذلك فقتلوا يوم بدر و قد يكون الإهلاك بتصيير الشي‏ء إلى حيث لا يدري أين هو إما بإعدامه أو بإخفاء مكانه و قد يكون بالأمانة و قد يكون بالنقل إلى حال الجمادية} «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ» يعني يوم الجزاء «لِلْمُكَذِّبِينَ» فإنهم يجازون باليم العقاب‏} «أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مََاءٍ مَهِينٍ» أي حقير قليل الغناء و في خلق الإنسان على هذا الكمال من الحواس الصحيحة و العقل الشريف و التمييز و النطق من ماء ضعيف أعظم الاعتبار و أبين الحجة على أن له صانعا مدبرا حكيما و الجاحد لذلك كالمكابر لبداية العقول‏ «فَجَعَلْنََاهُ» أي فجعلنا ذلك الماء المهين «فِي قَرََارٍ مَكِينٍ» يعني الرحم‏

632

(1) -} «إِلى‏ََ قَدَرٍ مَعْلُومٍ» أي إلى مقدار من الوقت معلوم يعني مدة الحمل‏} «فَقَدَرْنََا» أي قدرنا خلقه كيف يكون قصيرا أو طويلا ذكرا أم أنثى «فَنِعْمَ اَلْقََادِرُونَ» أي فنعم المقدرون نحن و يجوز أن يكون المعنى إذا خفف من القدرة أي قدرنا على جميع ذلك فنعم القادرون على تدبير ذلك و على ما لا يقدر عليه أحد إلا نحن فحذف المخصوص بالمدح‏} «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» بأنا قد خلقنا الخلق و أنا نعيدهم‏} «أَ لَمْ نَجْعَلِ اَلْأَرْضَ كِفََاتاً» للعباد تكفتهم «أَحْيََاءً» على ظهرها في دورهم و منازلهم «وَ» تكفتهم «أَمْوََاتاً» في بطنها أي تحوزهم و تضمهم عن قتادة و مجاهد و الشعبي

قال بنان خرجنا في جنازة مع الشعبي فنظر إلى الجنازة فقال هذه كفات الأموات ثم نظر إلى البيوت فقال هذه كفات الأحياء و روي ذلك عن أمير المؤمنين (ع)

و قيل كفاتا أي وعاء و هذا كفته أي وعاءه و قوله «أَحْيََاءً وَ أَمْوََاتاً» أي منه ما ينبت و منه ما لا ينبت فعلى هذا يكون أحياء و أمواتا نصبا على الحال و على القول الأول على المفعول به‏} «وَ جَعَلْنََا فِيهََا رَوََاسِيَ شََامِخََاتٍ» أي جبالا ثابتة عالية «وَ أَسْقَيْنََاكُمْ مََاءً فُرََاتاً» أي و جعلنا لكم سقيا من الماء العذب عن ابن عباس } «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» بهذه النعم و أنها من جهة الله و قيل بالأنبياء و القرآن و إنما كرر لأنه عدد النعم فذكره عند كل نعمة فلا يعد ذلك تكرارا و قد تقدم الوجه في التكرار في سورة الرحمن .

ـ

القراءة

قرأ رويس عن يعقوب انطلقوا الثانية بفتح اللام و الباقون من القراء على كسر اللام فيهما و قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر جِمََالَتٌ بغير ألف و يعقوب «جمالات صفر» بالألف و ضم الجيم و روي ذلك عن ابن عباس و سعيد بن جبير و غيرهما و قرأ الباقون جمالات بالألف‏

633

(1) - و كسر الجيم و في الشواذ قراءة ابن عباس و سعيد بن جبير بخلاف كالقصر بفتح القاف و الصاد.

الحجة

من قرأ انطلقوا الثانية بالفتح فإنه حمل الأول على الأمر و الثاني على الخبر و جمالات جمع جمال و جمع بالألف و التاء على تصحيح البناء كما جمع على تكسيره في قولهم جمائل‏قال ذو الرمة :

و قربن بالزرق الجمائل بعد ما # تقوب عن غربان أوراكها الخطر

و أما جمالة فإن التاء لحقت جمالا لتأنيث الجمع كما لحقت في فحل و فحالة و ذكر و ذكارة و من قرأ جمالات بالضم فهي جمع جمالة و هو القلس من قلوس سفن البحر و يقال من قلوس الجسر قال الزجاج و يجوز أن يكون جمع جمل جمال و جمالات كما قيل رخال جمع رخل و من قرأ كالقصر بفتح الصاد فهو جمع قصرة أي كأنها أعناق الإبل و قيل القصر أصول الشجر واحدتها قصرة و كذا قرأها مجاهد قال و هي خرم الشجر قال الحسن قصرة و قصر مثل جمرة و جمر و هي أصول الشجر قال و العامة يجعلونها على القصور قال ابن جني و حدثنا أبو على أن القصر هنا بمعنى القصور و قال هي بيوت من أدم كان يضربون بها إذا نزلوا على الماء.

المعنى‏

ثم بين سبحانه ما يقال لهم جزاء على تكذيبهم فقال «اِنْطَلِقُوا إِلى‏ََ مََا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ» أي تقول لهم الخزنة اذهبوا و سيروا إلى النار التي كنتم تجحدونها و تكذبون بها و لا تعترفون بصحتها في الدنيا و الانطلاق الانتقال من مكان إلى مكان من غير مكث ثم ذكر الموضع الذي أمرهم بالانطلاق إليه فقال‏} «اِنْطَلِقُوا إِلى‏ََ ظِلٍّ ذِي ثَلاََثِ شُعَبٍ» أي نار لها ثلاث شعب سماها ظلا لسواد نار جهنم و قيل هو دخان جهنم له ثلاث شعب تحيط بالكافر شعبة تكون فوقه و شعبة عن يمينه و شعبة عن شماله و سمي الدخان ظلا كما قال أحاط بهم سرادقها أي من الدخان الآخر بالأنفاث عن مجاهد و قتادة و قيل يخرج من النار لسان فيحيط بالكافر كالسرادق فيتشعب ثلاث شعب فيكون فيها حتى يفرغ من الحساب ثم وصف سبحانه ذلك الظل فقال‏} «لاََ ظَلِيلٍ» أي غير مانع من الأذى بستره عنه و مثله الكنين فالظليل من‏

634

(1) - الظلة و هي السترة و الكنين من الكن فظل هذا الدخان لا يغني الكفار شيئا من حر النار و هو قوله «وَ لاََ يُغْنِي مِنَ اَللَّهَبِ» و اللهب ما يعلو على النار إذا اضطرمت من أحمر و أصفر و أخضر يعني أنهم إذا استظلوا بذلك الظل لم يدفع عنهم حر اللهب ثم وصف سبحانه النار فقال‏} «إِنَّهََا تَرْمِي بِشَرَرٍ» و هو ما يتطاير من النار في الجهات «كَالْقَصْرِ» أي مثله في عظمه و تخويفه تتطاير على الكافرين من كل جهة نعوذ بالله منه و هو واحد القصور من البنيان عن ابن عباس و مجاهد و العرب تشبه الإبل بالقصور قال الأخطل :

كأنه برج رومي يشيده # لز بجص و آجر و أحجار

قال عنترة :

فوقفت فيها ناقتي و كأنها # فدن لأقضي حاجة المتلوم‏

و الفدن القصر و قيل كالقصر أي كأصول الشجر العظام عن قتادة و الضحاك و سعيد بن جبير ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر فقال‏} «كَأَنَّهُ جِمََالَتٌ صُفْرٌ» أي كأنها أينق سود لما يعتري سوادها من الصفرة عن الحسن و قتادة قال الفراء لا ترى أسود من الإبل إلا و هو مشرب صفرة و لذلك سمت العرب سود الإبل صفراءو قيل هو من الصفرة لأن النار تكون صفراء عن الجبائي } «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» بنار هذه صفتها «هََذََا يَوْمُ لاََ يَنْطِقُونَ ` وَ لاََ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ» قيل في معناه قولان (أحدهما) أنهم لا ينطقون بنطق ينتفعون به فكأنهم لم ينطقوا (و الثاني) أن في القيامة مواقف ففي بعضها يختصمون و يتكلمون و في بعضها يختم على أفواههم و لا يتكلمون و عن قتادة قال جاء رجل إلى عكرمة قال أ رأيت قول الله تعالى «هََذََا يَوْمُ لاََ يَنْطِقُونَ» و قوله‏ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فقال إنها مواقف فأما موقف منها فتكلموا و اختصموا ثم ختم على أفواههم و تكلمت أيديهم و أرجلهم فحينئذ لا ينطقون و أجاز النحويون‏} «هََذََا يَوْمُ لاََ يَنْطِقُونَ» بالنصب على أنه يشير إلى الجزاء و لا يشير إلى اليوم و قوله‏} «فَيَعْتَذِرُونَ» رفع عطفا على قوله «وَ لاََ يُؤْذَنُ لَهُمْ» تقديره فلا يعتذرون‏و لو قيل فلا يعتذروا فنصب لكان المعنى أن الإذن سبب لعذرهم و لكن المعنى لا يؤذن لهم في الاعتذار فهم لا يعتذرون‏} «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» بهذا الخبر} «هََذََا يَوْمُ اَلْفَصْلِ» بين أهل الجنة و النار و قيل هذا يوم الحكم و القضاء بين الخلق‏

635

(1) - و الانتصاف للمظلوم من الظالم و فصل القضاء يكون في الآخرة على ظاهر الأمر و باطنه بخلاف الدنيا لأن القاضي يحكم على ظاهر الأمر في الدنيا و لا يعرف البواطن «جَمَعْنََاكُمْ وَ اَلْأَوَّلِينَ» يعني مكذبي هذه الأمة مع مكذبي الأمم قبلها يجمع الله سبحانه الخلائق في يوم واحد و في صعيد واحد} «فَإِنْ كََانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ» أي إن كانت لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم و قيل إن هذا توبيخ من الله تعالى للكفار و تقريع لهم و إظهار لعجزهم عن الدفع عن أنفسكم فضلا عن أن يكيدوا غيرهم و إنما هو على أنكم كنتم تعملون في دار الدنيا ما يغضبني فالآن عجزتم عن ذلك و حصلتم على وبال ما عملتم‏} «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» بهذا.

المعنى‏

ثم ذكر سبحانه المؤمنين فقال «إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ» الذين اتقوا الشرك و الفواحش «فِي ظِلاََلٍ» من أشجار الجنة «وَ عُيُونٍ» جارية بين أيديهم في غير أخدود لأن ذلك أمتع لهم بما يرونه من حسن مياهها و صفائها و قيل عيون أي ينابيع بما يجري خلال الأشجار} «وَ فَوََاكِهَ» جمع فاكهة و هي ثمار الأشجار «مِمََّا يَشْتَهُونَ» أي من جنس ما يشتهونه و الشهوة معنى في القلب إذا صادف المشتهى كان لذة و ضدها النفار ثم يقال لهم «كُلُوا وَ اِشْرَبُوا» صورته صورة الأمر و المراد الإباحة و قيل إنه أمر على الحقيقة و هو سبحانه يريد منهم الأكل و الشرب في الجنة فإنهم إذا أعلموا ذلك ازداد سرورهم فلا يكون إرادته لذلك عبثا «هَنِيئاً بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» في دار الدنياأي خالصا من التكدير و الهني‏ء النفع الخالص من شائب الأذى و قيل هو الأذى الذي لا أذى يتبعه } «إِنََّا كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُحْسِنِينَ» هذا ابتداء الإخبار من الله تعالى و يقال لهم ذلك أيضا} «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» بهذا

636

(1) - الوعد، ثم عاد الكلام إلى ذكر المكذبين فقال سبحانه‏} «كُلُوا» أي يقال لهم كلوا «وَ تَمَتَّعُوا» في الدنيا «قَلِيلاً» أي تمتعا قليلا أو زمانا قليلا فإن الموت كائن لا محالة «إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ» أي مشركون مستحقون للعقاب‏} «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» بهذا الوعيد «وَ إِذََا قِيلَ لَهُمُ اِرْكَعُوا» أي صلوا «لاََ يَرْكَعُونَ» أي لا يصلون‏

قال مقاتل نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله بالصلاة فقالوا لا ننحني و الرواية لا نحني فإن ذلك سبة علينا فقال ص لا خير في دين ليس فيه ركوع و سجود

و قيل إن المراد بذلك يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون عن ابن عباس } «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» بوجوب الصلاة و العبادات «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ» أي فبأي كتاب بعد القرآن يصدقون‏و لم يصدقوا به مع إعجازه و حسن نظمه فإن من لم يؤمن به مع ما فيه من الحجة الظاهرة و الآية الباهرة لا يؤمن بغيره.

ـ

637

(1) -

(78) سورة النبإ مكية و آياتها أربعون (40)

توضيح‏

و تسمى سورة النبإ و سورة المعصرات و منهم من يقول سورة التساؤل و هي مكية.

عدد آيها

إحدى و أربعون آية مكي و بصري و أربعون في الباقين.

اختلافها

آية واحدة «عَذََاباً قَرِيباً» مكي بصري.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة (عم يتساءلون) سقاه الله برد الشراب يوم القيامة

و

روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال من قرأ عم يتساءلون لم يخرج سنته إذا كان يدمنها في كل يوم حتى يزور البيت الحرام .

تفسيرها

لما ختم الله سبحانه تلك السورة بذكر القيامة و وعيد المكذبين بها افتتح هذه السورة بذكرها و ذكر دلائل القدرة على البعث و الإعادة فقال:

638

(1) -

القراءة

في الشواذ قراءة عكرمة و عيسى بن عمر عما يتساءلون و قرأ ابن الزبير و ابن عباس و قتادة و أنزلنا بالمعصرات .

الحجة

قال ابن جني إثبات الألف في ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر أضعف اللغتين و روينا عن قطرب لحسان :

على ما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرغ في رماد

و قال في قوله بالمعصرات إذا أنزل منها فقد أنزل بها كقولهم أعطيته من يدي شيئا و بيدي شيئا و المعنى واحد و معنى من هنا ابتداء الغاية أي كان مبتدأ العطية من يده.

اللغة

النبأ الخبر العظيم الشأن و منه النبي‏ء على مذهب من يهمز و المهاد الوطاء و مهد الشي‏ء تمهيدا أي وطأه توطية و الوتد المسمار إلا أنه أغلظ منه و السبات قطع العمل للراحةو منه سبت أنفه إذا قطعه و منه يوم السبت أي يوم قطع العمل على ما جرت به العادة في شرع موسى (ع) و الوهاج الوقاد و هو المشتغل بالنور العظيم و المعصرات السحائب تعتصر بالمطر كان السحاب يحمل الماء ثم تعصره الرياح و ترسله كإرسال الماء بعصر الثور و عصر القوم مطروا و الثجاج الدفاع في انصبابه كثج دماء البدن يقال ثججت دمه أثجه ثجا و قد ثج الدم يثج ثجوجا و

في الحديث أفضل الحج العج فالثج‏

فالعج رفع الصوت بالتلبية و الثج إسالة دم الهدي و الألفاف الأخلاط المتداخلة يدور بعضها على بعض واحدها لف و لفيف و قيل شجرة لفاء و أشجار لف بضم اللام و جنات ألفاف .

الإعراب‏

عم أصله عن ما جعل النون ميما و أدغم في الميم و حذفت الألف لاتصال ما بحرف الجر حتى صارت كالجزء منه و ليحصل الفرق بين الاستفهام و الخبر و هذه الحروف التي تسقط معها هذه الألف ثمانية عن تقول عم و من تقول مم و الباء نحو بم و اللام نحو لم‏

639

(1) - و في نحو فيم‏و إلى نحو إلى م و على نحو على م و حتى نحو حتى م قال البصير جامع العلوم النحوي «عَنِ اَلنَّبَإِ اَلْعَظِيمِ» لا يكون بدلا من عم لأنه لو كان بدلا لوجب تكرار ما لأن الجار المتصل بحرف الاستفهام إذا أعيد أعيد مع الحرف المستفهم بها كقولك بكم ثوبك أ بعشرين أم بثلاثين و لا يجوز بعشرين من غير همزة فإذا كان كذلك كان قوله «عَنِ اَلنَّبَإِ» متعلقا بفعل آخر دون هذا الظاهر.

المعنى‏

«عَمَّ يَتَسََاءَلُونَ» قالوا لما بعث رسول الله ص و أخبرهم بتوحيد الله تعالى و بالبعث بعد الموت و تلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم أي يسأل بعضهم بعضا على طريق الإنكار و التعجب فيقولون ما ذا جاء به محمد و ما الذي أتى به فأنزل الله تعالى «عَمَّ يَتَسََاءَلُونَ» أي عن أي شي‏ء يتساءلون قال الزجاج اللفظ لفظ الاستفهام و المراد تفخيم القصة كما تقول أي شي‏ء زيد إذا عظمت شأنه ثم ذكر أن تساءلهم عن ما ذا فقال‏} «عَنِ اَلنَّبَإِ اَلْعَظِيمِ» و هو القرآن و معناه الخبر العظيم الشأن لأنه ينبئ عن التوحيد و تصديق الرسول و الخبر عما يجوز و عما لا يجوز و عن البعث و النشور و قيل يعني نبأ يوم القيامة عن الضحاك و قتادة و يؤيده قوله إِنَّ يَوْمَ اَلْفَصْلِ كََانَ مِيقََاتاً و قيل النبأ العظيم ما كانوا يختلفون فيه من إثبات الصانع و صفاته و الملائكة و الرسل و البعث و الجنة و النار و الرسالة و الخلافة فإن النبأ معروف يتناول الكل‏} «اَلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» فمصدق به و مكذب‏} «كَلاََّ» أي ليس الأمر كما قالوا «سَيَعْلَمُونَ» عاقبة تكذيبهم حين تنكشف الأمور} «ثُمَّ كَلاََّ سَيَعْلَمُونَ» هذا وعيد على إثر وعيد و قيل كلا أي حقا سيعلمون أي سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم و سيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم عن الضحاك و قيل كلا سيعلمون ما ينالهم يوم القيامة ثم كلا سيعلمون ما ينالهم في جهنم من العذاب فعلى هذا لا يكون تكرارا ثم نبههم سبحانه على وجه الاستدلال على صحة ذلك فقال‏} «أَ لَمْ نَجْعَلِ اَلْأَرْضَ مِهََاداً» أي وطاء و قرارا مهيئا للتصرف فيه من غير أذية و قيل مهادا أي بساطا عن قتادة } «وَ اَلْجِبََالَ أَوْتََاداً» للأرض لئلا تميد بأهلها «وَ خَلَقْنََاكُمْ أَزْوََاجاً» أي أشكالا كل واحد شكل للآخر و قيل معناه ذكرانا و إناثا حتى يصح منكم التناسل و يتمتع بعضكم ببعض و قيل أصنافا أسود و أبيض و صغيرا و كبيرا إلى غير ذلك «وَ جَعَلْنََا نَوْمَكُمْ سُبََاتاً» اختلف في معناه على وجوه (أحدها) أن معناه و جعلنا نومكم راحة و دعة لأجسادكم (و ثانيها) أن المعنى جعلنا نومكم قطعا لأعمالكم و تصرفكم عن ابن الأنباري (و ثالثها) جعلنا نومكم سباتا ليس بموت على الحقيقة و لا مخرجا عن الحياة و الإدراك‏} «وَ جَعَلْنَا اَللَّيْلَ لِبََاساً» أي غطاء و سترة يستر كل شي‏ء بظلمته و سواده‏} «وَ جَعَلْنَا اَلنَّهََارَ مَعََاشاً» المعاش العيش أي جعلناه مطلب معاش أي مبتغي معاش‏و قيل معناه و جعلنا

640

(1) - النهار وقت معاشكم لتتصرفوا في معاشكم أو موضع معاشكم تبتغون فيه من فضل ربكم «وَ بَنَيْنََا فَوْقَكُمْ سَبْعاً» أي سبع سماوات «شِدََاداً» محكمة أحكمنا صنعها و أوثقنا بناءها «وَ جَعَلْنََا سِرََاجاً وَهََّاجاً» يعني الشمس جعلها سبحانه سراجا للعالم وقادا متلألئا بالنور يستضيئون به فالنعمة عامة به لجميع الخلق قال مقاتل جعل فيه نورا و حرا و الوهج يجمع النور و الحر} «وَ أَنْزَلْنََا مِنَ اَلْمُعْصِرََاتِ» أي الرياح ذوات الأعاصير عن مجاهد و قتادة و الكلبي و قال الأزهري و من معناه الباء فكأنه قال بالمعصرات أو ذلك أن الريح تستدر المطر و قيل المعصرات السحائب تتحلب بالمطر عن الربيع و أبي العالية و هو رواية الوالبي عن ابن عباس «مََاءً ثَجََّاجاً» أي صبابا دفاعا في انصبابه و قيل مدرارا عن مجاهد و قيل متتابعا يتلو بعضه بعضا عن قتادة } «لِنُخْرِجَ بِهِ» أي بالماء «حَبًّا وَ نَبََاتاً» فالحب كل ما تضمنه كمام الزرع الذي يحصد و النبات الكلأ من الحشيش و الزرع و نحوهما فجمع سبحانه بين جميع ما يخرج من الأرض و قيل حبا يأكل الناس و نباتا تنبته الأرض مما يأكله الأنعام‏} «وَ جَنََّاتٍ أَلْفََافاً» أي بساتين ملتفة بالشجر و التقدير و نخرج به شجر جنات ألفافا فحذف لدلالة الكلام عليه و إنما سمي جنة لأن الشجر تجنها أي تسترها .

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير الأعشى و البرجمي «وَ فُتِحَتِ» بالتخفيف و الباقون بالتشديد

641

(1) - و قرأ حمزة لبثين بغير الألف و الباقون «لاََبِثِينَ» بالألف و الخلاف في غساق مذكور في _ص و

رووا عن علي بن أبي طالب (ع) و كذبوا بآياتنا كذابا خفيفة

و القراءة المشهورة «وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا كِذََّاباً» بالتثقيل و حكى أبو حاتم في الشواذ عن عبد الله بن عمر كذابا بضم الكاف و تشديد الذال.

الحجة

قال أبو علي فتحت بالتشديد أوفق لقوله تعالى‏ «مُفَتَّحَةً لَهُمُ اَلْأَبْوََابُ» و من حجة التخفيف قوله‏ فَتَحْنََا عَلَيْهِمْ أَبْوََابَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ و حجة من قرأ «لاََبِثِينَ» بالألف مجي‏ء المصدر على اللبث فهو من باب شرب يشرب و لقم يلقم و ليس من باب فرق يفرق إذ لو كان منه لكان المصدر مفتوح العين فلما أسكن وجب أن يكون اسم الفاعل على فاعل كشارب و لاقم كما كان اللبث كاللقم و من قرأ لبثين جعل اسم الفاعل فعلا و قد جاء غير حرف من هذا النحو على فاعل و فعل و الكذاب مصدر كذب كما أن الكلام مصدر كلم و كذا القياس فيما زاد على الثلاثة أن تأتي بلفظ الفعل و تزيد في آخره الألف كقوله أكرمته إكراما و أما التكذيب فزعم سيبويه أن التاء عوض من التضعيف و الياء التي قبل الآخر كالألف فأما الكذاب فمصدر كذب قال الأعشى :

فصدقته و كذبته # و المرء ينفعه كذابه‏

فهو مثل كتاب في مصدر كتب و أما الكذاب بضم الكاف فقد قال أبو حاتم لا وجه له إلا أن يكون كذاب جمع كاذب فينصبه على الحال أي و كذبوا بآياتنا في حال كذبهم قال طرفة :

إذا جاء ما لا بد منه فمرحبا # به حين يأتي لا كذاب و لا علل.

اللغة

الميقات منتهى المقدار المضروب لحدوث أمر من الأمور و هو من الوقت كما أن الميعاد من الوعد و المقدار من القدر و المرصاد هو المعد لأمر على ارتقاب الوقوع فيه قال الأزهري المرصاد المكان الذي يرصد فيه العدو و الأحقاب جمع واحدها حقب من قوله‏ «أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً» أي دهرا طويلا و قيل واحده حقب بفتح القاف و واحد الحقب حقبة قال:

و كنا كندماني جذيمة حقبة # من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

.

ـ

الإعراب‏

«يَوْمَ يُنْفَخُ» منصوب لأنه بدل من «يَوْمَ اَلْفَصْلِ» و أفواجا نصب على الحال «لاََ يَذُوقُونَ فِيهََا بَرْداً» جملة يجوز أن يكون حالا من لابثين و التقدير يلبثون غير ذائقين و يجوز أن‏

642

(1) - يكون صفة لقوله «أَحْقََاباً» و التقدير أحقابا غير مذوق فيها و جزاء مصدر وضع موضع الحال و كل شي‏ء منصوب بفعل مضمر يفسره قوله «أَحْصَيْنََاهُ» و كتابا منصوب على المصدر لأن كتب في معنى أحصى و يجوز أن يكون في موضع الحال أي نكتبه و التقدير أحصيناه كاتبين.

المعنى‏

ثم ذكر سبحانه الإعادة و البعث تنبيها على أنه دل بذكر الآيات فيما تقدم على صحة البعث فقال «إِنَّ يَوْمَ اَلْفَصْلِ» أي يوم القضاء الذي يفصل الله فيه الحكم بين الخلائق‏ «كََانَ مِيقََاتاً» لما وعد الله من الجزاء و الحساب و الثواب و العقاب‏} «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ» قد مر معناه «فَتَأْتُونَ أَفْوََاجاً» أي جماعة جماعة إلى أن تتكاملوا في القيامة و قيل زمرا زمرا من كل مكان للحساب و كل فريق يأتي مع شكله و قيل إن كل أمة تأتي مع نبيها فلذلك جاءوا أفواجا أفواجا} «وَ فُتِحَتِ اَلسَّمََاءُ» أي شقت لنزول الملائكة «فَكََانَتْ أَبْوََاباً» أي ذات أبواب و قيل صار فيها طرق و لم تكن كذلك من قبل‏} «وَ سُيِّرَتِ اَلْجِبََالُ» أي أزيلت عن أماكنها و ذهب بها «فَكََانَتْ سَرََاباً» أي كالسراب يظن أنها جبال و ليست إياها و

في الحديث عن البراء بن عازب قال كان معاذ بن جبل جالسا قريبا من رسول الله ص في منزل أبي أيوب الأنصاري فقال معاذ يا رسول الله أ رأيت قول الله تعالى «يَوْمَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوََاجاً» الآيات فقال يا معاذ سألت عن عظيم من الأمر ثم أرسل عينيه ثم قال يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد ميزهم الله من المسلمين و بدل صورهم بعضهم على صورة القردة و بعضهم على صورة الخنازير و بعضهم منكسون أرجلهم من فوق و وجوههم من تحت ثم يسحبون عليهاو بعضهم عمي يترددون و بعضهم صم بكم لا يعقلون و بعضهم يمضغون ألسنتهم فيسيل القيح من أفواههم لعابا يتقذرهم أهل الجمع و بعضهم مقطعة أيديهم و أرجلهم و بعضهم مصلبون على جذوع من نار و بعضهم أشد نتنا من الجيف و بعضهم يلبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس و أما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت و أما المنكسون على رءوسهم فأكلة الربا و العمي الجائرون في الحكم و الصم و البكم المعجبون بأعمالهم و الذين يمضغون بألسنتهم فالعلماء و القضاة الذين خالف أعمالهم أقوالهم و المقطعة أيديهم و أرجلهم الذين يؤذون الجيران و المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان و الذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات و اللذات و يمنعون حق الله في أموالهم و الذين يلبسون الجباب فأهل الفخر و الخيلاء

«إِنَّ جَهَنَّمَ كََانَتْ مِرْصََاداً» يرصدون به أي هي معدة

643

(1) - لهم يرصد بها خزنتها الكفار عن المبرد و قيل مرصدا محبسا يحبس فيه الناس عن مقاتل و قيل طريقا منصوبا على العاصين فهو موردهم و منهلهم و هذا إشارة إلى أن جهنم للعصاة على الرصد لا يفوتونها «لِلطََّاغِينَ مَآباً» أي للذين جاوزوا حدود الله و طغوا في معصية الله مرجعا يرجعون إليه و مصيرا فكان المجرم قد كان بإجرامه فيها ثم رجع إليها} «لاََبِثِينَ فِيهََا أَحْقََاباً» أي ماكثين فيها أزمانا كثيرة و ذكر فيها أقوال (أحدها) أن المعنى أحقابا لا انقطاع لها كلما مضى حقب جاء بعده حقب آخر و الحقب ثمانون سنة من سني الآخرة عن قتادة و الربيع (و ثانيها) أن الأحقاب ثلاثة و أربعون حقبا كل حقب سبعون خريفا كل خريف سبعمائة سنة كل سنة ثلاثمائة و ستون يوما و كل يوم ألف سنة عن مجاهد (و ثالثها) أن الله تعالى لم يذكر شيئا إلا و جعل له مدة ينقطع إليها و لم يجعل لأهل النار مدة بل قال «لاََبِثِينَ فِيهََا أَحْقََاباً» فو الله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر كذلك إلى أبد الآبدين فليس للأحقاب عدة إلا الخلود في النارو لكن قد ذكروا أن الحقب الواحد سبعون ألف سنة كل يوم من تلك السنين ألف سنة مما نعده عن الحسن (و رابعها) أن مجاز الآية لابثين فيها أحقابا لا يذوقون في تلك الأحقاب بردا و لا شرابا إلا حميما و غساقا ثم يلبثون فيها لا يذوقون غير الحميم و الغساق من أنواع العذاب فهذا توقيت لأنواع العذاب لا لمكثهم في النار و هذا أحسن الأقوال (و خامسها) أنه يعني به أهل التوحيد عن خالد بن معدان و

روى نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ص لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث فيها أحقابا و الحقب بضع و ستون سنة و السنة ثلاثمائة و ستون يوما كل يوم كألف سنة مما تعدون فلا يتكلن أحد أن يخرج من النار

و

روى العياشي بإسناده عن حمران قال سألت أبا جعفر (ع) عن هذه الآية فقال هذه في الذين يخرجون من النار و روي عن الأحول مثله‏

و قوله‏} «لاََ يَذُوقُونَ فِيهََا بَرْداً وَ لاََ شَرََاباً» يريد النوم و الماء عن ابن عباس قال أبو عبيدة البرد النوم هنا و أنشد

"فصدني عنها و عن قبلاتها البرد"

أي النوم‏و قيل لا يذوقون في جهنم بردا ينفعهم من حرها و لا شرابا ينفعهم من عطشها عن مقاتل } «إِلاََّ حَمِيماً» و هو الماء الحار الشديد الحر «وَ غَسََّاقاً» و هو صديد أهل النار} «جَزََاءً وِفََاقاً» أي وافق عذاب النار الشرك لأنهما عظيمان فلا ذنب أعظم من الشرك و لا عذاب أعظم من النار عن مقاتل و قيل جوزوا جزاء وفق أعمالهم عن الزجاج و هو المروي عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الوفاق الجاري على المقدار فالجزاء وفاق لأنه جار على مقدار الأعمال في الاستحقاق‏} «إِنَّهُمْ كََانُوا لاََ يَرْجُونَ حِسََاباً» أي فعلنا ذلك بهؤلاء

644

(1) - الكفار لأنهم كانوا لا يخافون أن يحاسبوا و المعنى كانوا لا يؤمنون بالبعث و لا بأنهم محاسبون عن الحسن و قتادة و قيل لا يرجون المجازاة على الأعمال و لا يظنون أن لهم حسابا عن أبي مسلم و قال الهذلي في الرجاء بمعنى الخوف:

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها # و خالفها في بيت نوب عواسل‏

«وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا» أي بما جاءت به الأنبياءو قيل بالقرآن و قيل بحجج الله و لم يصدقوا بها «كِذََّاباً» أي تكذيبا} «وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنََاهُ كِتََاباً» أي و كل شي‏ء من الأعمال بيناه في اللوح المحفوظ و مثله‏ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنََاهُ فِي إِمََامٍ مُبِينٍ و قيل معناه و كل شي‏ء من أعمالهم حفظناه لنجازيهم به ثم بين أن ذلك الإحصاء و الحفظ وقع بالكتابة لأن الكتابة أبلغ في حفظ الشي‏ء من الإحصاء و يجوز أن يكون كتابا حالا مؤكدة أي أحصيناه في حال كونه مكتوبا عليهم و الكتاب بمعنى المكتوب‏} «فَذُوقُوا» لهؤلاء الكفار ذوقوا ما أنتم فيه من العذاب «فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاََّ عَذََاباً» لأن كل عذاب يأتي بعد الوقت الأول فهو زائد عليه.

645

(1) -

القراءة

قرأ الكسائي و لا كذابا بتخفيف الذال و الباقون بالتشديد و قرأ أهل الحجاز و أبو عمرو رب السماوات بالرفع و الباقون بالجر و قرأ عاصم و ابن عامر و يعقوب و سهل الرحمن بالجر و الباقون بالرفع.

الحجة

و لا كذابا يجوز أن يكون مصدر كذب فيكون معناه و لا كذبا و يجوز أن يكون مصدر كاذبة مكاذبة و كذابا و بالتشديد قد يكون مصدر كذب قال الفراء قال أعرابي في طريق مكة يا با زكريا القصار أحب إليك أم الحلق يريد أقصر شعري أم أحلق و من قرأ رب السماوات و الأرض و ما بينهما الرحمن قطع الاسم الأول من الجر الذي قبله في قوله «جَزََاءً مِنْ رَبِّكَ» فابتدأه و جعل الرحمن خبره ثم استأنف «لاََ يَمْلِكُونَ مِنْهُ» و من قرأ «رَبِّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا بَيْنَهُمَا اَلرَّحْمََنِ» أتبع الاسمين الجر الذي قبلهما في قوله «مِنْ رَبِّكَ» و من قرأ «رَبِّ اَلسَّمََاوََاتِ» الرحمن أتبع رب السماوات الجر الذي في قوله «مِنْ رَبِّكَ» و استأنف بقوله الرحمن و جعل قوله «لاََ يَمْلِكُونَ» خبر قوله «اَلرَّحْمََنِ» .

اللغة

الحديقة الجنة المحوطة و الجمع حدائق و منه أحدق القوم بفلان إذا طافوا به و منه الحدقة لأنه يحيط بها جفنها و الأعناب جمع عنب و هو ثمر الكرم قبل أن يجف فإذا جف فهو الزبيب و الكواعب جمع الكاعب و هي الجارية التي نهد ثدياها و الأتراب جمع الترب و هي اللدة التي تنشأ مع لدتها على سن الصبي الذي يلعب بالتراب و الدهاق الكأس الممتلئة التي لا مزيد فيها و أصل الدهق شدة الضغط أدهقت الكأس ملأتها قال‏

"يلذه بكأسه الدهاق"

و «عَطََاءً حِسََاباً» أي كثيرا كافيا يقال أحسبت فلانا أي أعطيته ما يكفيه حتى قال حسبي قال:

و نقفي وليد الحي إن كان جائعا # و نحسبه إن كان ليس بجائع‏

قال الأصمعي يقال حسبت الرجل بالتشديد أي أكرمته و أنشد:

إذا أتاه ضيفه يحسبه # من حاقن أو من صريح يحلبه‏

.

الإعراب‏

حدائق بدل من قوله «مَفََازاً» بدل البعض من الكل و كذلك ما بعده و أترابا صفة لكواعب. جزاء منصوب بمعنى أن للمتقين مفازاأي جازاهم بذلك جزاء و أعطاهم عطاء فإن معنى جازاهم و أعطاهم واحد يوم يقوم الروح ظرف لقوله «لاََ يَمْلِكُونَ» و قوله «صَفًّا»

646

(1) - منصوب على الحال و «يَوْمَ يَنْظُرُ» ظرف لقوله «عَذََاباً» لأنه بمعنى التعذيب.

ـ

المعنى‏

ثم عقب سبحانه وعيد الكفار بالوعد للمتقين الأبرار فقال «إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ» الذين يتقون الله باجتناب الشرك و المعاصي «مَفََازاً» أي فوزا و نجاة إلى حال السلامة و السرور و قيل المفاز موضع الفوز و قالوا للمهلكة مفازة على طريق التفاؤل كأنهم قالوا و قيل مفازا منجى إلى متنزه و هو النجاة من النار إلى الجنة ثم بين ذلك الفوز فقال‏} «حَدََائِقَ وَ أَعْنََاباً» يعني أشجار الجنة و ثمارها} «وَ كَوََاعِبَ أَتْرََاباً» أي جواري تكعب ثديهن مستويات في السن عن قتادة و معناه استواء الخلقة و القامة و الصورة و السن حتى يكن متشاكلات و قيل أترابا على مقدار أزواجهن في الحسن و الصورة و السن عن أبي علي الجبائي } «وَ كَأْساً دِهََاقاً» أي مترعة مملوءة عن ابن عباس و الحسن و قتادة و قيل متتابعة على شاربيها أخذ من متابعة الشد في الدهق عن مجاهد و سعيد بن جبير و قيل دمادم عن أبي هريرة و قيل على قدر ريهم عن مقاتل } «لاََ يَسْمَعُونَ فِيهََا» أي في الجنة «لَغْواً» أي كلاما لغوا لا فائدة فيه «وَ لاََ كِذََّاباً» و لا تكذيب بعضهم لبعض و من قرأ بالتخفيف يريد و لا مكاذبة عن أبي عبيدة و قيل كذبا عن أبي علي الفارسي } «جَزََاءً مِنْ رَبِّكَ» أي فعل بالمتقين ما فعل بهم جزاء من ربك على تصديقهم بالله و نبيه ص «عَطََاءً» أي أعطاهم الله عطاء «حِسََاباً» أي كافيا عن أبي عبيدة و الجبائي و قيل حسابا أي كثيرا و قيل حسابا على قدر الاستحقاق و بحسب العمل قال الزجاج معناه ما يكفيهم أي إن فيه ما يشتهون‏} «رَبِّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا بَيْنَهُمَا اَلرَّحْمََنِ» مر ذكره و المعنى أن الذي يفعل بالمؤمنين ما تقدم ذكره هو رب السماوات و الأرض و مدبرهما و مدبر ما بينهما و المتصرف فيهما على ما يشاء الرحمن المنعم على خلقه مؤمنهم و كافرهم «لاََ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطََاباً» أي لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه كقوله‏ وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضى‏ََ و قوله‏ لاََ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاََّ بِإِذْنِهِ و الخطاب توجيه الكلام إلى مدرك له بصيغة منبئة عن المراد على طريقة أنت و ربك‏قال مقاتل لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه‏} «يَوْمَ يَقُومُ اَلرُّوحُ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ صَفًّا» أي في ذلك اليوم اختلف في معنى الروح هنا على أقوال (أحدها) أن الروح خلق من خلق الله تعالى على صورة بني آدم و ليسوا بناس و ليسوا بملائكة يقومون صفا و الملائكة صفا هؤلاء جند و هؤلاء جند عن مجاهد و قتادة و أبي صالح قال الشعبي هما سماطا رب العالمين يوم القيامة سماط من الروح و سماط من الملائكة (و ثانيها) أن الروح ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقا أعظم منه فإذا كان يوم القيامة قام و هو وحده‏

647

(1) - صفا و قامت الملائكة كلهم صفا واحدا فيكون عظم خلقه مثل صفهم عن ابن مسعود و عن عطاء عن ابن عباس (و ثالثها) أن أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الأرواح إلى الأجساد عن عطية عن ابن عباس (و رابعها) أنه جبريل (ع) عن الضحاك و قال وهب إن جبرائيل (ع) واقف بين يدي الله عز و جل ترتعد فرائصه يخلق الله عز و جل من كل رعدة مائة ألف ملك فالملائكة صفوف بين يدي الله تعالى منكسو رءوسهم فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا لا إله إلا أنت‏و قال صوابا أي لا إله إلا الله‏

و روى علي بن إبراهيم بإسناده عن الصادق (ع) قال هو ملك أعظم من جبرائيل و ميكائيل

(و خامسها) أن الروح بنو آدم عن الحسن و قوله «صَفًّا» معناه مصطفين «لاََ يَتَكَلَّمُونَ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ» و هم المؤمنون و الملائكة «وَ قََالَ» في الدنيا «صَوََاباً» أي شهد بالتوحيد و قال لا إله إلا الله و قيل إن الكلام هاهنا الشفاعة أي لا يشفعون إلا لمن أذن له الرحمن أن يشفع عن الحسن و الكلبي و

روى معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال سئل عن هذه الآية فقال نحن و الله المأذون لهم يوم القيامة و القائلون قال جعلت فداك ما تقولون قال نمجد ربنا و نصلي على نبينا ص و نشفع لشيعتنا فلا يردنا ربنا رواه العياشي مرفوعا

«ذََلِكَ اَلْيَوْمُ اَلْحَقُّ» الذي لا شك في كونه و حصوله يعني القيامة «فَمَنْ شََاءَ اِتَّخَذَ إِلى‏ََ رَبِّهِ مَآباً» أي مرجعا للطاعة و المعنى فمن شاء عمل عملا صالحا يؤوب إلى ربه فقد أزيحت العلل و أوضحت السبل و بلغت الرسل و المآب مفعل من الأوب و هو الرجوع‏قال عبيد

و كل ذي غيبة يؤوب # و غائب الموت لا يؤوب‏

ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال‏} «إِنََّا أَنْذَرْنََاكُمْ عَذََاباً قَرِيباً» يعني العذاب في الآخرة فإن كل ما هو آت قريب «يَوْمَ يَنْظُرُ اَلْمَرْءُ مََا قَدَّمَتْ يَدََاهُ» أي ينتظر جزاء ما قدمه فإن قدم الطاعة انتظر الثواب و إن قدم المعصية انتظر العقاب و قيل معناه أن كل أحد ينظر إلى عمله في ذلك اليوم من خير و شر مثبتا عليه في صحيفته فيرجو ثواب الله على صالح عمله و يخاف العقاب على سوء عمله «وَ يَقُولُ اَلْكََافِرُ» في ذلك اليوم «يََا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرََاباً» أي ليتمنى أن لو كان ترابا لا يعاد و لا يحاسب ليتخلص من عقاب ذلك اليوم قال الزجاج إن معنى «يََا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرََاباً» يا ليتني لم أبعث قال عبد الله بن عمر إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم و حشر الدواب و البهائم و الوحوش ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء التي نطحتها و قال مجاهد يقاد يوم القيامة للمنطوحة من الناطحة

648

(1) - و قال المقاتلان إن الله يجمع الوحوش و الهوام و الطير و كل شي‏ء غير الثقلين فيقول من ربكم فيقولون الرحمن الرحيم فيقول لهم الرب بعد ما يقضي بينهم حتى يقتص للجماء من القرناء إنا خلقناكم و سخرناكم لبني آدم و كنتم مطيعين أيام حياتكم فارجعوا إلى الذي كنتم كونوا ترابا فتكون ترابا فإذا التفت الكافر إلى شي‏ء صار ترابا يتمنى فيقول يا ليتني كنت في الدنيا على صورة خنزير رزقي كرزقه و كنت اليوم أي في الآخرة ترابا و قيل إن المراد بالكافر هنا إبليس عاب آدم بأن خلق من تراب و افتخر بالنار فيوم القيامة إذا رأى كرامة آدم و ولده المؤمنين قال يا ليتني كنت ترابا.

649

(1) -

(79) سورة النازعات مكية و آياتها ست و أربعون (46)

عدد آيها

ست و أربعون آية كوفي و خمس في الباقين.

اختلافها

آيتان «وَ لِأَنْعََامِكُمْ» حجازي كوفي «طَغى‏ََ» عراقي شامي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة و النازعات لم يكن حبسه و حسابه يوم القيامة إلا كقدر صلاة مكتوبة حتى يدخل الجنة

و

قال أبو عبد الله (ع) من قرأها لم يمت إلا ريان و لم يبعثه الله إلا ريان و لم يدخله الجنة إلا ريان.

تفسيرها

لما ختم الله سبحانه تلك السورة بذكر أحوال القيامة و أهوالها افتتح هذه السورة بمثله فقال:

650

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير حفص و قتيبة و نصير و رويس عن يعقوب ناخرة بالألف و الباقون «نَخِرَةً» بغير ألف و روى أبو عمرو الدوري و حمدون عن الكسائي ناخرة و «نَخِرَةً» لا يبالي كيف قرأ و في الشواذ قراءة أبي حياة الحفرة بغير ألف و قرأ نافع غير قالون و يعقوب إنا لمردودون بهمزة واحدة غير ممدودة إذا كنا بغير استفهام و قرأ ابن عامر و الكسائي «أَ إِنََّا لَمَرْدُودُونَ» بهمزتين إذا كنا كما تقدم و قرأ ابن كثير إنا إذا كنا بالاستفهام فيهما بهمزة واحدة غير ممدودة و قرأ أبو عمرو بالاستفهام فيهما بهمزة ممدودة و قرأ عاصم و حمزة و خلف فيهما بهمزتين مميزتين و قد تقدم ذكر هذا مشروحا في مواضع.

الحجة

نخرة و ناخرة لغتان و قال الفراء النخرة البالية و الناخرة المجوفة قال الزجاج ناخرة أكثر و أجود لشبه أواخر الآي بعضها ببعض نحو الخاسرة و الحافرة و أما الوجه في الحفرة فهو أن يكون أراد الحافرة كقراءة الجماعة فحذف الألف تخفيفا كما في قوله:

أصبح قلبي صردا # لا يشتهي أن يردا

إلا عرادا عردا

أي عاردا.

اللغة

الغرق اسم أقيم مقام المصدر و هو الإغراق يقال أغرق في النزع إذا استوفى في مد القوس و بالغ فيه و النشط النزع أيضا و منه حديث أم سلمة فجاء عمار و كان أخاها من الرضاعة و نشط زينب من حجرها أي نزعها و نشط الوحش من بلد إلى بلد إذا خرج بنشاط و الهموم تنشط بصاحبها أي تخرج به من حال إلى حال قال هميان بن قحافة :

أمست همومي تنشط المناشطا # الشام بي طورا و طورا واسطا

و أنشطت العقدة حللتها و نشطتها عقدتها قالوا كأنما أنشط من عقال و الأنشوطة العقدة تنحل إذا مد طرفاها يقال ما عقاله بأنشوطة و الرجف حركة الشي‏ء من تحت غيره بترديد و اضطراب و الرجفة الزلزلة العظيمة و أرجفوا أي أزعجوا الناس باضطراب الأمور و كل شي‏ء

651

(1) - تبع شيئا فقد ردفه و أرداف النجوم تواليها يتبع بعضها بعضا و أرداف الملوك في الجاهلية الذين يخلفون الملوك و الردفان الليل و النهار و الوجيف شدة الاضطراب و قلب واجف مضطرب و الوجيف سرعة السير و أوجف في السير أسرع و أزعج الركاب فيه و الحافرة بمعنى المحفورة مثل ماء دافق أي مدفوق و قيل الحافرة الأرض المحفورة و رجع الشيخ في حافرته أي رجع من حيث جاء و ذلك كرجوع القهقرى قال:

أ حافرة على صلع و شيب # معاذ الله من سفه و عار

أي أ رجوعا إلى حال الشباب و أوله و يقال النقد عند الحافر أي لا يزول حافر الفرس حتى ينقد الثمن لأنه لكرامته لا يباع نسيئة ثم كثر حتى قيل في غير الحافرة. و الساهرة وجه الأرض و العرب تسمي وجه الأرض من الفلاة ساهرة أي ذات سهر لأنه يسهر فيها خوفا منها قال أمية بن أبي الصلت :

و فيها لحم ساهرة و بحر # و ما فاهوا به لهم مقيم‏

أي و فيها صيد البر و البحر و قال آخر:

فإنما قصرك ترب الساهرة # ثم تعود بعدها في الحافرة

.

الإعراب‏

جواب القسم محذوف على تقدير ليبعثن و قبل الجواب في‏ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَعِبْرَةً «يَوْمَ تَرْجُفُ اَلرََّاجِفَةُ» نصب باذكر و إن شئت كان نصبا بمدلول قوله «قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وََاجِفَةٌ» على تقدير يوم ترجف الراجفة رجفت قلوبهم و يكون يومئذ بدلا من «يَوْمَ تَرْجُفُ اَلرََّاجِفَةُ» .

المعنى‏

«وَ اَلنََّازِعََاتِ غَرْقاً» اختلف في معناها على وجوه (أحدها)

أنه يعني الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار عن أبدانهم بالشدة كما يغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المدى و روي ذلك عن علي (ع)

و مقاتل و سعيد بن جبير و قال مسروق هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم و

قيل هو الموت ينزع النفوس عن مجاهد و روي ذلك عن الصادق (ع)

(و ثانيها) أنها النجوم تنزع من أفق إلى أفق أي تطلع و تغيب عن الحسن و قتادة و أبي عبيدة و الأخفش و الجبائي قال أبو عبيدة تنزع من مطالعها و تغرق في مغاربها

652

(1) - (و ثالثها) النازعات القسي تنزع بالسهم و الناشطات الأزهاق عن عطاء و عكرمة و على هذا فالقسم بفاعلها و هم الغزاة المجاهدون في سبيل الله‏} «وَ اَلنََّاشِطََاتِ نَشْطاً» في معناها أقوال (أحدها) ما ذكرناه (و ثانيها)

أنها الملائكة تنشط أرواح الكفار بين الجلد و الأظفار حتى تخرجها من أجوافهم بالكرب و الغم عن علي (ع)

و النشط الجذب يقال نشطت الدلو نشطا نزعته (و ثالثها) أنها الملائكة تنشط أنفس المؤمنين فتقبضها كما تنشط العقال من يد البعير إذا حل عنها عن ابن عباس و حكى الفراء هذا القول ثم قال و الذي سمعت من العرب أن يقولوا كأنما أنشط من عقال‏و نشطت الحبل ربطته و أنشطته حللته (و رابعها) أنها أنفس المؤمنين عند الموت تنشط للخروج و ذلك أنه ما من مؤمن يحضره الموت إلا عرضت عليه الجنة قبل أن يموت فيرى موضعه فيها و أزواجه من الحور العين فنفسه تنشط أن تخرج عن ابن عباس أيضا (و خامسها) أنها النجوم تنشط من أفق إلى أفق أي تذهب يقال حمار ناشط عن قتادة و الأخفش و الجبائي } «وَ اَلسََّابِحََاتِ سَبْحاً» فيها أقوال (أحدها)

أنها الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلا رفيقا ثم يدعونها حتى تستريح كالسابح بالشي‏ء في الماء يرمي به عن علي (ع)

و الكلبي (و ثانيها) أنها الملائكة ينزلون من السماء مسرعين و هذا كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه عن مجاهد و أبي صالح (و ثالثها) أنها النجوم تسبح في فلكها عن قتادة و الجبائي و قيل هي خيل الغزاة تسبح في عدوها كقوله وَ اَلْعََادِيََاتِ ضَبْحاً عن أبي مسلم و قيل هي السفن تسبح في الماء عن عطاء } «فَالسََّابِقََاتِ سَبْقاً» فيها أقوال أيضا (أحدها) أنها الملائكة لأنها سبقت ابن آدم بالخير و الإيمان و العمل الصالح عن مجاهد و قيل إنها تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء و

قيل إنها تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة عن علي (ع)

و مقاتل (و ثانيها) أنها أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها و قد عاينت السرور شوقا إلى رحمة الله و لقاء ثوابه و كرامته عن ابن مسعود (و ثالثها) أنها النجوم يسبق بعضها بعضا في السير عن قتادة و الجبائي (و رابعها) أنها الخيل يسبق بعضها بعضا في الحرب عن عطاء و أبي مسلم } «فَالْمُدَبِّرََاتِ أَمْراً» فيها أقوال أيضا (أحدها)

أنها الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة عن علي (ع)

(و ثانيها) أن المراد بذلك جبرائيل و ميكائيل و ملك الموت و إسرافيل ع يدبرون أمور الدنيا فأما جبريل فموكل بالرياح و الجنود و أما ميكائيل فموكل بالقطر و النبات و أما ملك الموت فموكل بقبض الأنفس و أما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم عن عبد الرحمن بن سابط (و ثالثها) أنها الأفلاك يقع فيها أمر الله تعالى فيجري بها القضاء في الدنيا رواه علي بن إبراهيم أقسم الله تعالى بهذه الأشياء التي عددها و قيل تقديره و رب النازعات و ما ذكر بعدها و هذا ترك للظاهر

653

(1) - بغير دليل.

ـ

و قد قال الباقر و الصادق (ع) إن لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه و ليس لخلقه أن يقسموا إلا به‏

و الوجه في ذلك أنه سبحانه يقسم بخلقه للتنبيه على موضع العبرة فيه لأن القسم يدل على عظم شأن المقسم به و جواب القسم محذوف فكأنه سبحانه أقسم فقال و هذه الأشياء لتبعثن و لتحاسبن‏} «يَوْمَ تَرْجُفُ اَلرََّاجِفَةُ» يعني النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق و الراجفة صيحة عظيمة فيها تردد و اضطراب كالرعد إذا تمخض } «تَتْبَعُهَا اَلرََّادِفَةُ» يعني النفخة الثانية تعقب النفخة الأولى و هي التي يبعث معها الخلق و هو كقوله‏ «وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ مَنْ شََاءَ اَللََّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى‏ََ فَإِذََا هُمْ قِيََامٌ يَنْظُرُونَ» و يوم منصوب على معنى‏} «قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وََاجِفَةٌ» يوم ترجف الراجفة و معنى الواجفة الشديدة الاضطراب أيضا و هذا معنى قول الحسن و قتادة و غيرهما و قيل معناه يوم تضطرب الأرض اضطرابا شديدا و تحرك تحركا عظيما يعني يوم القيامة تتبعها الرادفة أي اضطرابة أخرى كائنة بعد الأولى في موضع الردف من الراكب فلا تزال تضطرب حتى تفنى كلها و قال ابن عباس معنى الواجفة خائفة و المراد بذلك أصحاب القلوب يعني أنها قلقة غير هادئة و لا ساكنة لما عاينت من أهوال يوم القيامة} «أَبْصََارُهََا خََاشِعَةٌ» أي ذليلة من هول ذلك اليوم قال عطاء يريد أبصار من مات على غير الإسلام‏} «يَقُولُونَ أَ إِنََّا لَمَرْدُودُونَ فِي اَلْحََافِرَةِ» أي يقول هؤلاء المنكرون للبعث من مشركي قريش و غيرهم في الدنيا إذا قيل لهم إنكم مبعوثون من بعد الموت أ نرد إلى أول حالنا و ابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا و الحافرة عند العرب اسم لأول الشي‏ء و ابتداء الأمر قال ابن عباس و السدي الحافرة الحياة الثانية و قيل الحافرة الأرض المحفورة و المعنى أ نرد من عبورنا بعد موتنا أحياء} «أَ إِذََا كُنََّا عِظََاماً نَخِرَةً» أي بالية مفتتة و المعنى أنهم أنكروا البعث فقالوا أ نرد أحياء إذا متنا و تفتت عظامنا يقال نخر العظم ينخر فهو ناخر و نخر «قََالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خََاسِرَةٌ» أي قال الكفار تلك الكرة الكائنة بعد الموت كرة خسران و معناه أن أهلها خاسرون لأنهم نقلوا من نعيم الدنيا إلى عذاب النار و الخاسر الذاهب رأس ماله و إنما قالوا كرة خاسرة على معنى أنه لا يجي‏ء منها شي‏ء كالخسران الذي لا يجي‏ء منه فائدة فكأنهم قالوا هي كالخسران بذهاب رأس المال لا تجي‏ء به تجارة فكذلك لا تجي‏ء بتلك الكرة حياة و قيل معناه إن كان الأمر على ما يقوله محمد من أنا نبعث و نعاقب فتلك كرة ذات خسران علينا ثم أعلم سبحانه سهولة البعث عليه فقال «فَإِنَّمََا هِيَ» يعني النفخة الأخيرة «زَجْرَةٌ وََاحِدَةٌ» أي صيحة واحدة من إسرافيل يسمعونها و هم أموات في بطون الأرض فيحيون و هو قوله‏} «فَإِذََا هُمْ بِالسََّاهِرَةِ» و هي وجه الأرض و ظهرها عن الحسن و قتادة و مجاهد و غيرهم و قيل إنما سميت الأرض ساهرة لأن عملها في‏

654

(1) - النبت في الليل و النهار دائب و لذلك قيل خير المال عين خرارة في أرض خوارة تسهر إذا نمت و تشهد إذا غبت ثم صارت اسما لكل أرض و قيل المراد بذلك عرصة القيامةلأنها أول مواقف الجزاء و هم في سهر لا نوم فيه.

القراءة

قرأ أهل الحجاز و البصرة طوى بغير تنوين و الباقون بالتنوين و قرأ أهل الحجاز و عباس و يعقوب تزكى بتشديد الزاء و الباقون بتخفيفها.

الحجة

قال أبو علي قال أبو عبيدة طوى مضمومة الأول و مكسورته فمن لم ينون جعله اسما مؤنثا و من نون جعله مثل ثنى على معنى المقدس مرة بعد مرة و روي عن الحسن أنه قرأ طوى بكسر الطاء و قال و طوي بالبركة و التقديس مرتين كما قال طرفة :

أ عاذل إن اللوم في غير كنهه # علي طوى من غيك المتردد

أي أن لومك مكرر علي قال أبو علي من لم يصرف طوى احتمل قوله أمرين (أحدهما) أنه جعله اسم بلدة أو بقعة أو يكون معدولا كزفر و ممر و من صرف احتمل أيضا أمرين (أحدهما) أن يكون جعله اسم موضع أو بلد أو مكان (و الآخر) أن يكون مثل زحل‏

655

(1) - و حطم و لكع و قوله «تَزَكََّى» معناه تطهر من الكفر و المبتدأ محذوف من اللفظ مراد في المعنى و التقدير هل لك إلى ذلك حاجة أو إربة قال الشاعر:

فهل لكم فيها إلي فإنني # طبيب بما أعيى النطاسي حذيما

و من قال تزكى أراد تتزكى فأدغم تاء التفعل في الزاء لتقاربهما و من خفف حذف التاء التي أثبتها من أدغم و تخفيفها بالحذف أشبه.

المعنى‏

ثم ذكر سبحانه قصة موسى (ع) فقال «هَلْ أَتََاكَ» يا محمد «حَدِيثُ مُوسى‏ََ » استفهام يراد به التقرير} «إِذْ نََادََاهُ رَبُّهُ» أي حين ناداه الله و دعاه فالنداء الدعاء بطريقة يا فلان‏فالمعنى قال له يا موسى «بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ» أي المطهر « طُوىً » اسم واد عن مجاهد و قتادة و قيل طوي بالتقديس مرتين و هو الموضع الذي كلم الله فيه موسى } «اِذْهَبْ إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ََ» أي علا و تكبر و كفر بالله و تجاوز الحد في الاستعلاء و التمرد و الفساد} «فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى‏ََ أَنْ تَزَكََّى» أي تتطهر من الشرك و تشهد أن لا إله إلا الله عن ابن عباس و هذا تلطف في الاستدعاء و معناه هل لك رغبة إلى أن تسلم و تصلح و تطهر} «وَ أَهْدِيَكَ إِلى‏ََ رَبِّكَ» أي و أدلك إلى معرفة ربك و أنه خلقك و رباك و قيل و أهديك أي أرشدك إلى طريق الحق الذي إذا سلكته وصلت إلى رضاء الله و ثوابه «فَتَخْشى‏ََ» أي فتخافه فتفارق ما نهاك عنه و في الكلام حذف تقديره فأتاه و دعاه‏} «فَأَرََاهُ اَلْآيَةَ اَلْكُبْرى‏ََ» يعني العصا و قال الحسن هي اليد البيضاء} «فَكَذَّبَ» بأنها من الله «وَ عَصى‏ََ» نبي الله و جحد نبوته‏} «ثُمَّ أَدْبَرَ» فرعون أي ولى الدبر ليطلب ما يكسر به حجة موسى في المعجزة العظيمة فما ازداد إلا غواية «يَسْعى‏ََ» أي يعمل بالفساد في الأرض و قيل إنه لما رأى الحية في عظمها خاف منها فأدبر و سعى هربا عن الجبائي } «فَحَشَرَ» أي فجمع قومه و جنوده «فَنََادى‏ََ» فيهم‏} «فَقََالَ أَنَا رَبُّكُمُ اَلْأَعْلى‏ََ» أي لا رب فوقي و قيل معناه أنا الذي أنال بالضرر من شئت و لا ينالني غيري و كذب اللعين إنما هذه صفة الله الذي خلقه و خلق جميع الخلائق و قيل إنه جعل الأصنام أربابا فقال أنا ربها و ربكم «فَأَخَذَهُ اَللََّهُ نَكََالَ اَلْآخِرَةِ وَ اَلْأُولى‏ََ» نكال مصدر مؤكد لأن معنى أخذه الله نكل به نكال‏

656

(1) - الآخرة و الأولى بأن أغرقه في الدنيا و يعذبه في الآخرة و قيل معناه فعاقبه الله بكلمته الآخرة و كلمته الأولى فالآخرة قوله «أَنَا رَبُّكُمُ اَلْأَعْلى‏ََ» و الأولى قوله‏ مََا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرِي فنكل به نكال هاتين الكلمتين و

جاء في التفسير عن أبي جعفر (ع) أنه كان بين الكلمتين أربعون سنة

و قيل إنه إنما ناداهم «فَقََالَ أَنَا رَبُّكُمُ اَلْأَعْلى‏ََ» فامنعوني من هذا الثعبان و لم يعلم الجهال أن من يخاف ضرر حية و يستعين بأمثاله لا يكون إلهاو

عن وهب عن ابن عباس قال قال موسى (ع) يا رب إنك أمهلت فرعون أربعمائة سنة و هو يقول أنا ربكم الأعلى و يجحد رسلك و يكذب بآياتك فأوحى الله تعالى إليه أنه كان حسن الخلق سهل الحجاب فأحببت أن أكافيه‏

و

روى أبو بصير عن أبي جعفر (ع) قال قال رسول الله ص قال جبرئيل (ع) قلت يا رب تدع فرعون و قد قال أنا ربكم الأعلى فقال إنما يقول هذا مثلك من يخاف الفوت‏

«إِنَّ فِي ذََلِكَ» الذي فعل بفرعون حين كذب و عصى «لَعِبْرَةً» أي لعظة «لِمَنْ يَخْشى‏ََ» الله تعالى و يخاف عقابه و نقمته و دلالة يمكن أن يعتبر بها العاقل و يميز بين الحق و الباطل.

النظم‏

وجه اتصال قصة موسى (ع) بما قبلها أنه لما تقدم ذكر المكذبين للأنبياء المنكرين للبعث عقبه بحديث موسى و تكذيب قومه إياه و ما قاساه من الشدائد تسلية لنبينا ص و عدة له بالنصر و حثا إياه على الصبر اقتداء بموسى و تحذيرا لقومه أن ينزل بهم ما نزل بأولئك و عظة بهم و تأكيدا للحجة عليهم.

ـ

657

(1) -

القراءة

قرأ أبو جعفر و العباس عن العياشي عن أبي عمرو و إنما أنت منذر بالتنوين و الباقون بغير تنوين و في الشواذ قراءة الحسن و عمرو بن عبيد و الجبال أرساها بالرفع و قراءة مجاهد و الأرض مع ذلك دحاها و قراءة عكرمة و برزت الجحيم لمن ترى بالتاء.

الحجة

قال أبو علي حجة التنوين في قوله إنما أنت منذر أن اسم الفاعل هنا للحال و يدل عليه قوله‏ «قُلْ إِنَّمََا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ» فليس المراد أنذر فيما استقبل و إنما يقول أنذر في الحال و اسم الفاعل على قياس الفعل و من أضاف استخف فحذف التنوين كما حذف من قوله‏ فَلَمََّا رَأَوْهُ عََارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ و نحو ذلك مما جاء على لفظ الإضافة و المراد به الانفصال و يجوز أن يكون منذر من على نحو هذا ضارب زيدا أمس لأنه قد فعل الإنذار و من قرأ و الجبال أرساها بالرفع‏فإنه مثل قراءة من قرأ و الظالمون أعد لهم و قد تقدم بيانه و من قرأ و الأرض مع ذلك فلعله قال ذلك تفسيرا للقراءة المشهورة لأنه ليس الغرض فيه ترتيب الزمان و إنما الغرض اجتماعهما أعني السماوات و الأرض في الخلق لا في أن زمان الفعلين واحد و هذا كقولك فلان كريم فيقول السامع و هو مع ذلك شجاع أي قد اجتمع له الوصفان و أما قوله لمن ترى بالتاء المفتوحة فيمكن أن يكون خطابا للنبي ص و المراد لمن ترى يا محمد من الناس فأشار إلى البعض و غرضه الجنس و الجميع كقول لبيد :

و لقد سئمت من الحياة و طولها # و سؤال هذا الناس كيف لبيد

فأشار إلى جنس الناس و نحن نعلم أنه ليس جميعهم شاهدا حاضرا له و يمكن أن يكون التاء في ترى للجحيم أي لمن تراه النار.

658

(1) -

اللغة

السمك الارتفاع و هو مقابل العمق لأنه ذهاب الجسم بالتأليف إلى جهة العلو و بالعكس صفة العمق و المسموكات السماوات لارتفاعها و منه‏

قول أمير المؤمنين (ع) يا داعم المسموكات‏

قال الفرزدق :

إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه أعز و أطول‏

و التسوية جعل أحد الشيئين على مقدار الآخر في نفسه أو في حكمه و الغطش الظلمة و أغطشه الله أظلمه و الأغطش الذي في عينيه شبه العمش و فلاة غطشاء لا يهتدى فيها و الدحو البسط دحوت أدحو دحوا و دحيت أدحي دحيا لغتان قال أمية بن أبي الصلت :

دار دحاها ثم أعمر بابها # و أقام بالأخرى التي هي أمجد

و قال أوس :

ينفي الحصى عن جديد الأرض مبترك # كأنه فاحص أو لاعب داح‏

و الطامة العالية الغالبة يقال هذا أطم من هذا أي أعلى منه و طم الطائر الشجرة علاها و تسمى الداهية التي لا يستطاع دفعها طامة .

الإعراب‏

و الأرض منصوب بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره و كذا قوله «وَ اَلْجِبََالَ أَرْسََاهََا ` مَتََاعاً لَكُمْ» مفعول له لأن المعنى لإمتاعكم و يجوز أن يكون منصوبا على المصدر لأن معنى قوله «أَخْرَجَ مِنْهََا مََاءَهََا وَ مَرْعََاهََا» أمتع بذلك و قوله «فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ» و تقديره هي المأوى له قال الزجاج و قال قوم الألف و اللام بدل من الضمير العائد أي هي مأواه و المراد أن المعنى يؤول إلى التي هي مأواه لأن الألف و اللام بدل من الهاء و هذا كما يقول الإنسان غض الطرف يا هذا فليس الألف و اللام بدلا من الكاف و إن كان المعنى غض طرفك لأن المخاطب يعرف أنك لا تأمره بغض طرف غيره قال:

فغض الطرف إنك من نمير # فلا سعدا بلغت و لا كلابا

و كذلك المعنى في الآية و جواب إذا في قوله «فَإِذََا جََاءَتِ اَلطَّامَّةُ اَلْكُبْرى‏ََ» في قوله «فَأَمََّا

659

(1) - مَنْ طَغى‏ََ» و ما بعده فإن المعنى إذا جاءت الطامة الكبرى فإن الأمر كذلك و قوله «أَوْ ضُحََاهََا» أضاف الضحى إلى العشية و الغداة و العشي و الضحوة و الضحى لليوم الذي يكون فيه فإذا قلت أتيتك صباحا و مساء و مساءة و صباحة فالمعنى أتيتك صباحا و مساء يلي الصباح و أتيتك مساء و صباحا يلي المساء و تقول أتيتك العشية و غداتها.

المعنى‏

لما قدم سبحانه ما أتى به موسى و ما قابلة به فرعون و ما عوقب به في الدارين عظة لمن كان على عهد رسول الله ص و تحذيرا لهم من المثلات خاطب عقيب ذلك منكري البعث فقال «أَ أَنْتُمْ» أيها المشركون المنكرون للبعث «أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ اَلسَّمََاءُ» يعني أ خلقكم بعد الموت أشد عندكم و في تقديركم أم السماء و هما في قدرة الله تعالى واحد و هذا كقوله‏ لَخَلْقُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اَلنََّاسِ ثم ابتدأ فبين سبحانه كيف خلق السماء فقال «بَنََاهََا» الله تعالى الذي لا يكبر عليه خلق شي‏ء} «رَفَعَ سَمْكَهََا» سقفها و ما ارتفع منها «فَسَوََّاهََا» بلا شقوق و لا فطور و لا تفاوت و قيل سواها أحكمها و جعلها متصرفا للملائكة} «وَ أَغْطَشَ لَيْلَهََا» أي أظلم ليلها عن ابن عباس و مجاهد و قتادة «وَ أَخْرَجَ ضُحََاهََا» أي أبرز نهارها و إنما أضاف الليل و الضحى إلى السماء لأن منها منشأ الظلام و الضياء بغروب الشمس و طلوعها على ما دبرها الله عز و جل‏} «وَ اَلْأَرْضَ بَعْدَ ذََلِكَ دَحََاهََا» أي بعد خلق السماء بسطها من الدحو و هو البسط قال ابن عباس إن الله تعالى دحا الأرض بعد السماء و إن كانت الأرض خلقت قبل السماء و كانت ربوة مجتمعة تحت الكعبة فبسطها و قال مجاهد و السدي معناه و الأرض مع ذلك دحاها كما قال‏ عُتُلٍّ بَعْدَ ذََلِكَ زَنِيمٍ أي مع ذلك‏} «أَخْرَجَ مِنْهََا» أي من الأرض «مََاءَهََا» و المعنى فجر الأنهار و البحار و العيون عن ابن عباس «وَ مَرْعََاهََا» مما يأكل الناس و الأنعام بين سبحانه بذلك جميع المنافع المتعلقة بالأرض من المياه التي بها حياة كل شي‏ء من الحيوانات و الأشجار و الثمار و الحبوب و العيون عن ابن عباس و بها يحصل جميع الأرزاق و النبات التي تصلح للمواشي فهي ترعاه بأن تأكله في موضعه‏} «وَ اَلْجِبََالَ أَرْسََاهََا» أي أثبتها في أوساط الأرض‏} «مَتََاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعََامِكُمْ» أي خلق سبحانه الأرض و أخرج منها المياه و المراعي و أثبت الجبال بما فيها من أنواع المعادن لمنفعتكم و منفعة أنعامكم تنتفعون بها و لما دل سبحانه بهذه الأشياء على صحة البعث وصف يوم البعث فقال‏} «فَإِذََا جََاءَتِ اَلطَّامَّةُ اَلْكُبْرى‏ََ» و هي القيامة لأنها تطم على كل داهية هائلة أي تعلو و تغلب و من ذلك يقال ما من طامة إلا و فوقها طامة و القيامة فوق كل طامة فهي الداهية العظمى قال الحسن هي النفخة الثانية و قيل هي الغاشية الغليظة المجللة التي تدقق‏

660

(1) - الشي‏ء بالغلظ و قيل إن ذلك حين يساق أهل الجنة إلى الجنة و أهل النار إلى النار} «يَوْمَ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسََانُ مََا سَعى‏ََ» أي تجي‏ء الطامة في يوم يتذكر الإنسان ما عمله من خير أو شر «وَ بُرِّزَتِ اَلْجَحِيمُ» أي أظهرت النار «لِمَنْ يَرى‏ََ» فيراها الخلق مكشوفا عنها الغطاء و يبصرونها مشاهدة} «فَأَمََّا مَنْ طَغى‏ََ» أي تجاوز الحد الذي حده الله و ارتكب المعاصي‏} «وَ آثَرَ اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا» على الآخرة} «فَإِنَّ اَلْجَحِيمَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ» له و الإيثار إرادة الشي‏ء على طريقة التفضيل له على غيره } «وَ أَمََّا مَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ» أي خاف مقام مسألة ربه عما يجب عليه فعله أو تركه «وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوى‏ََ» أي عن المحارم التي تشتهيها و تهواها و قيل إن الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها عن مقاتل } «فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ» له أي هي مقره و مأواه ثم خاطب سبحانه نبيه ص فقال‏} «يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلسََّاعَةِ أَيََّانَ مُرْسََاهََا» أي متى يكون قيامها ثابتة على ما وصفتها} «فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرََاهََا» أي لست في شي‏ء من علمها و ذكراها و المعنى لا تعلمها قال الحسن أي ليس عندك علم بوقتها و إنما تعلم أنها تكون لا محالة و قيل معناه ليس هذا مما يتصل بما بعثت لأجله فإنما بعثت داعيا و قيل إنها من حكاية قولهم و المعنى أنك قد أكثرت من ذكراها فمتى يكون‏} «إِلى‏ََ رَبِّكَ مُنْتَهََاهََا» أي قل لهم إلى الله إجراؤها و المنتهى موضع بلوغ الشي‏ء فكأنه قيل إلى أمر ربك منتهى أمرها بإقامتها لأن منتهى أمرها بذكرها و وصفها و الإقرار بها إلى الرسول و منتهى أمرها بإقامتها إلى الله لا يقدر عليها إلا هو سبحانه و قيل معناه إلى ربك منتهى علمها أي لا يعلم وقتها إلا هو عن الحسن «إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشََاهََا» أي إنما أنت مخوف من يخاف قيامها أي إنما ينفع إنذارك من يخافها فأما من لا يخشاها فكأنك لم تنذره‏ «كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهََا» أي يعاينون القيامة «لَمْ يَلْبَثُوا» في الدنيا «إِلاََّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحََاهََا» أي إلا قدر آخر نهار و أوله و مثله‏ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مََا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاََّ سََاعَةً مِنْ نَهََارٍ و قد مر بيانه و قيل إن معناه أنهم إذا رأوا الآخرة صغرت الدنيا في أعينهم حتى كأنهم لم يقيموا بها إلا مقدار عشية أو مقدار ضحى تلك العشية عن قتادة .

661

(1) -

(80) سورة عبس مكية و آياتها ثنتان و أربعون (42)

توضيح‏

و تسمى سورة السفرة مكية.

عدد آيها

اثنتان و أربعون آية حجازي كوفي و إحدى و أربعون بصري و أربعون شامي و المدني الأول.

اختلافها

ثلاث آيات «وَ لِأَنْعََامِكُمْ» حجازي كوفي «إِلى‏ََ طَعََامِهِ» غير يزيد «اَلصَّاخَّةُ» غير الشامي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة و وجهه ضاحك مستبشر

و

روى معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (ع) قال و من قرأ سورة عبس و تولى و إذا الشمس كورت كان تحت الله من الجنان و في ظل الله و كرامته في جنانه و لا يعظم ذلك على ربه عز و جل.

تفسيرها

لما ختم الله سبحانه تلك السورة بذكر إنذاره من يخشى القيامة افتتح هذه السورة بذكر إنذاره قوما يرجو إسلامهم و إعراضه عمن يخشى فقال:

662

(1) -

القراءة

قرأ عاصم غير الأعشى و البرجمي فتنفعه بالنصب و الباقون بالرفع و قرأ أهل الحجاز تصدى بالتشديد و الباقون «تَصَدََّى» بتخفيف الصاد و في الشواذ قراءة الحسن أن جاءه و

قراءة أبي جعفر الباقر (ع) تصدى بضم التاء و فتح الصاد

و تلهى بضم التاء أيضا و قراءة أبي حيوة و شعيب بن أبي حمزة نشره بغير ألف.

الحجة

قال أبو علي من قرأ فتنفعه بالرفع عطفه على ما تقدم من المرفوع و من قرأ بالنصب فعلى أنه جواب بالفاء لأن المتقدم غير موجب فكان قوله تعالى «يَذَّكَّرُ» المعطوف على «يَزَّكََّى» في معنى لعله يكون منه تذكر فانتفاع و كذا قوله‏ لَعَلِّي أَبْلُغُ اَلْأَسْبََابَ ` أَسْبََابَ اَلسَّمََاوََاتِ فَأَطَّلِعَ و قوله «تَصَدََّى» أي تعرض فمن قرأ بتشديد الصاد أدغم التاء في الصاد و من قرأ بالتخفيف أراد تتصدى فحذف التاء و لم يدغمها و قرأ ابن فليح و البزي عن ابن كثير تلهى بتشديد التاء على أنه شبه المنفصل بالمتصل و جاز وقوع الساكن بعد اللين كما جاز تمود الثوب في المتصل و حكى سيبويه فلا تناجوا و من قرأ أن جاءه بلفظ الاستفهام فتقديره الآن جاءه الأعمى و كان ذلك منه فعلق أن يفعل بمحذوف دل عليه «عَبَسَ وَ تَوَلََّى» و أما على القراءة المشهورة فإن جاءه في موضع نصب بتولي‏لأنه الفعل الأقرب منه فكأنه قال تولى لمجي‏ء الأعمى و هو مفعول به و من قرأ تصدى فالمعنى يدعوك داع من زينة الدنيا و بشارتها إلى‏

663

(1) - التصدي له و الإقبال عليه و على ذلك قوله تلهى أيضا أي تصرف عنه و من قرأ نشره فعلى أنه لغة في أنشره.

اللغة

التصدي التعرض للشي‏ء كتعرض الصديان للماء و الصحف جمع صحيفة و العرب تسمي كل مكتوب فيه صحيفة كما تسميه كتابا رقا كان أو غيره و السفرة الكتب لأسفار الحكمة واحدهم سافر و واحد الأسفار سفر و أصله الكشف من قولهم سفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها و سفرت القوم إذا أصلحت بينهم قال:

و ما أدع السفارة بين قومي # و ما أمشي بغش إن مشيت‏

و البررة جمع بار و هو فاعل البر و البر فعل النفع اجتلابا للمودة و أصله اتساع النفع و منه البر سمي به تفاؤلا باتساع النفع به و أقبره جعل له قبرا فالإقبار جعل القبر لدفن الميت فيه و يقال أقبرني فلانا أي اجعلني أقبره و القابر الدافن للميت بيده قال الأعشى :

لو أسندت ميتا إلى نحرها # عاش و لم ينقل إلى قابر

حتى يقول الناس مما رأوا # يا عجبا للميت الناشر

و الإنشار الإحياء للتصرف بعد الموت كنشر الثوب بعد الطي .

الإعراب‏

«ثُمَّ اَلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ» انتصب السبيل بفعل مضمر يفسره هذا الظاهر تقديره ثم يسر السبيل يسره له أي للإنسان ثم حذف الجار و المجرور و قوله «كَلاََّ لَمََّا يَقْضِ مََا أَمَرَهُ» أي ما أمره به فحذف الباء فصار التقدير ما أمره فحذف الهاء الأولى فصار ما أمره فالهاء الباقية لما الموصولة و الهاء المحذوفة للإنسان.

النزول‏

قيل نزلت الآيات في عبد الله بن أم مكتوم و هو عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي و ذلك أنه أتى رسول الله ص و هو يناجي عتبة بن ربيعة و أبا جهل بن هشام و العباس بن عبد المطلب و أبيا و أمية ابني خلف يدعوهم إلى الله و يرجو إسلامهم فقال يا رسول الله أقرئني و علمني مما علمك الله فجعل يناديه و يكرر النداء و لا يدري أنه مشتغل مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله ص لقطعه‏

664

(1) - كلامه و قال في نفسه يقول هؤلاء الصناديد إنما أتباعه العميان و العبيد فأعرض عنه و أقبل على القوم الذين يكلمهم فنزلت الآيات و كان رسول الله بعد ذلك يكرمه و إذا رآه قال مرحبا بمن عاتبني فيه ربي و يقول له هل لك من حاجة و استخلفه على المدينة مرتين في غزوتين‏

و قال أنس بن مالك فرأيته يوم القادسية و عليه درع‏و معه راية سوداء قال المرتضى علم الهدى قدس الله روحه ليس في ظاهر الآية دلالة على توجهها إلى النبي ص بل هو خبر محض لم يصرح بالمخبر عنه و فيها ما يدل على أن المعنى بها غيره لأن العبوس ليس من صفات النبي ص مع الأعداء المباينين فضلا عن المؤمنين و المسترشدين ثم الوصف بأنه يتصدى للأغنياء و يتلهى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة و يؤيد هذا القول قوله سبحانه في وصفه ص‏ وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ََ خُلُقٍ عَظِيمٍ و قوله‏ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فالظاهر أن قوله «عَبَسَ وَ تَوَلََّى» المراد به غيره و

قد روي عن الصادق (ع) أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي ص فجاء ابن أم مكتوم فلما رآه تقذر منه و جمع نفسه و عبس و أعرض بوجهه عنه فحكى الله سبحانه ذلك و أنكره عليه‏

فإن قيل فلو صح الخبر الأول هل يكون العبوس ذنبا أم لا فالجواب أن العبوس و الانبساط مع الأعمى سواء إذ لا يشق عليه ذلك فلا يكون ذنبا فيجوز أن يكون عاتب الله سبحانه بذلك نبيه ص ليأخذه بأوفر محاسن الأخلاق و ينبهه بذلك على عظم حال المؤمن المسترشد و يعرفه أن تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه أولى من تأليف المشرك طمعا في إيمانه و قال الجبائي في هذا دلالة على أن الفعل يكون معصية فيما بعد لمكان النهي فأما في الماضي فلا يدل على أنه كان معصية قبل أن ينهى عنه و الله سبحانه لم ينهه إلا في هذا الوقت و قيل أن ما فعله الأعمى نوعا من سوء الأدب فحسن تأديبه بالإعراض عنه إلا أنه كان يجوز أن يتوهم أنه أعرض عنه لفقره و أقبل عليهم لرياستهم تعظيما لهم فعاتبه الله سبحانه على ذلك و

روي عن الصادق (ع) أنه قال كان رسول الله ص إذا رأى عبد الله بن أم مكتوم قال مرحبا مرحبا لا و الله لا يعاتبني الله فيك أبدا و كان يصنع به من اللطف حتى كان يكف عن النبي ص مما يفعل به.

المعنى‏

«عَبَسَ» أي بسر و قبض وجهه «وَ تَوَلََّى» أي أعرض بوجهه‏} «أَنْ جََاءَهُ اَلْأَعْمى‏ََ» أي لأن جاءه الأعمى‏} «وَ مََا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ» أي لعل هذا الأعمى «يَزَّكََّى» يتطهر بالعمل الصالح و ما يتعلمه منك‏} «أَوْ يَذَّكَّرُ» أي يتذكر فيتعظ بما يعلمه من مواعظ القرآن «فَتَنْفَعَهُ اَلذِّكْرى‏ََ» في دينه قالوا و في هذا لطف من الله عظيم لنبيه ص إذ لم يخاطبه في باب العبوس فلم يقل عبست‏فلما جاوز العبوس عاد إلى الخطاب فقال و ما يدريك.

ـثم قال‏} «أَمََّا مَنِ اِسْتَغْنى‏ََ» أي من كان عظيما في قومه و استغنى بالمال‏} «فَأَنْتَ لَهُ تَصَدََّى» أي‏

665

(1) - تتعرض له‏و تقبل عليه بوجهك‏} «وَ مََا عَلَيْكَ أَلاََّ يَزَّكََّى» أي أي شي‏ء يلزمك إن لم يسلم و لم يتطهر من الكفر فإنه ليس عليك إلا البلاغ‏} «وَ أَمََّا مَنْ جََاءَكَ يَسْعى‏ََ» أي يعمل في الخير يعني ابن أم مكتوم } «وَ هُوَ يَخْشى‏ََ» الله عز و جل‏} «فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهََّى» أي تتغافل و تشتغل عنه بغيره‏} «كَلاََّ» أي لا تعد لذلك و انزجر عنه «إِنَّهََا تَذْكِرَةٌ» أي إن آيات القرآن تذكير و موعظة للخلق‏} «فَمَنْ شََاءَ ذَكَرَهُ» أي ذكر التنزيل أو القرآن أو الوعظ و المعنى فمن شاء أن يذكره ذكره و في هذا دلالة على أن العبد قادر على الفعل مخير فيه و قوله «كَلاََّ» فيه دلالة على أنه ليس له أن يفعل ذلك في المستقبل و أما الماضي فلم يتقدم النهي عن ذلك فيه فلا يكون معصية ثم أخبر سبحانه بجلالة قدر القرآن عنده فقال‏} «فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ» أي هذا القرآن أو هذه التذكرة في كتب معظمة عند الله و هي اللوح المحفوظ عن ابن عباس و قيل يعني كتب الأنبياء المنزلة عليهم كقوله‏ إِنَّ هََذََا لَفِي اَلصُّحُفِ اَلْأُولى‏ََ «مَرْفُوعَةٍ» في السماء السابعة و قيل مرفوعة قد رفعها الله عن دنس الأنجاس «مُطَهَّرَةٍ» لا يمسها إلا المطهرون و قيل مصونة عن أن تنالها أيدي الكفرة لأنها في أيدي الملائكة في أعز مكان عن الجبائي و قيل مطهرة من كل دنس عن الحسن و قيل مطهرة من الشك و الشبهة و التناقض‏} «بِأَيْدِي سَفَرَةٍ» يعني الكتبة من الملائكة عن ابن عباس و مجاهد و قيل يعني السفراء بالوحي بين الله تعالى و بين رسله من السفارة و قال قتادة هم القراء يكتبونها و يقرءونها و

روى فضيل بن يسار عن الصادق ع قال الحافظ للقرآن العامل به مع السفرة الكرام البررة

ثم أثنى عليهم فقال‏} «كِرََامٍ» على ربهم «بَرَرَةٍ» مطيعين و قيل كرام عن المعاصي يرفعون أنفسهم عنها بررة أي صالحين متقين و قال مقاتل كان القرآن ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر إلى الكتبة من الملائكة ثم ينزل به جبريل (ع) إلى النبي ص ثم ذكر سبحانه المكذبين بالقرآن فقال‏} «قُتِلَ اَلْإِنْسََانُ» أي عذب و لعن الإنسان و هو إشارة إلى كل كافر عن مجاهد و قيل هو أمية بن خلف عن الضحاك و قيل هو عتبة بن أبي لهب إذ قال كفرت برب النجم إذا هوى «مََا أَكْفَرَهُ» أي ما أشد كفره و ما أبين ضلاله و هذا تعجب منه كأنه قد قال تعجبوا منه و من كفره مع كثرة الشواهد على التوحيد و الإيمان و قيل أن ما للاستفهام أي أي شي‏ء أكفره و أوجب كفره عن مقاتل و الكلبي فكأنه قال ليس هاهنا شي‏ء يوجب الكفر و يدعو إليه فما الذي دعاه إليه مع كثرة نعم الله عليه، ثم بين سبحانه من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم أن الله خالقه فقال‏} «مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ» لفظه استفهام و معناه التقرير و قيل معناه لم لا ينظر إلى أصل خلقته من أي شي‏ء خلقه الله ليدله على وحدانية الله تعالى ثم فسر فقال‏} «مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ» أطوارا نطفة ثم علقة إلى آخر خلقة و على حد معلوم من طوله و قصره‏

666

(1) - و سمعه و بصره و حواسه و أعضائه و مدة عمره و رزقه و جميع أحواله‏} «ثُمَّ اَلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ» أي ثم يسر سبيل الخروج من بطن أمه حتى خرج منه عن ابن عباس و قتادة و ذلك أن رأسه كان إلى رأس أمه و كذلك رجلاه كانتا إلى رجليها فقلبه الله عند الولادة ليسهل خروجه منهاو قيل ثم السبيل أي سبيل الدين يسره و طريق الخير و الشر بين له و خيره و مكنه من فعل الخير و اجتناب الشر و نظيره‏ وَ هَدَيْنََاهُ اَلنَّجْدَيْنِ عن مجاهد و الحسن و ابن زيد } «ثُمَّ أَمََاتَهُ» أي خلق الموت فيه و قيل أزال عنه حياته «فَأَقْبَرَهُ» أي صيره بحيث يقبر و جعله ذا قبر عن أبي مسلم و قيل جعله مقبورا و لم يجعله ممن يلقى إلى السباع و الطير عن الفراء و قيل أمر بأن يقبر عن أبي عبيدة } «ثُمَّ إِذََا شََاءَ أَنْشَرَهُ» أي أحياه من قبره و بعثه إذا شاء تعالى أن يحييه للجزاء و الحساب و الثواب و العقاب عن الحسن } «كَلاََّ» أي حقا «لَمََّا يَقْضِ» أي لم يقض «مََا أَمَرَهُ» الله به من إخلاص عبادته و لم يؤد حق الله تعالى عليه مع كثرة نعمه قال مجاهد هو على العموم في الكافر و المسلم لم يعبده أحد حق عبادته.

القراءة

قرأ أهل الكوفة أنا صببنا بالفتح و الباقون بالكسر و في الشواذ قراءة ابن محيصن يعنيه بالعين و فتح الياء.

667

(1) -

الحجة

قال أبو علي من كسر كان ذلك تفسيرا للنظر إلى طعامه كما أن قوله‏ «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» تفسير للوعد و من فتح فقال أنا فالمعنى على البدل بدل الاشتمال لأن هذه الأشياء مشتملة على كون الطعام و حدوثه فهو من نحو «يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ» و «قُتِلَ أَصْحََابُ اَلْأُخْدُودِ ` اَلنََّارِ ذََاتِ اَلْوَقُودِ» و قوله‏ «وَ مََا أَنْسََانِيهُ إِلاَّ اَلشَّيْطََانُ أَنْ أَذْكُرَهُ» لأن الذكر كالمشتمل على المذكور و معنى «إِلى‏ََ طَعََامِهِ» إلى كون طعامه و حدوثه و هو موضع الاعتبار قال ابن جني قوله يعنيه بالعين قراءة حسنة إلا أن قراءة الجماعة أقوى معنى فإن الإنسان قد يعنيه الشي‏ءو لا يغنيه عن غيره أ لا ترى أن من كان له ألف درهم فيؤخذ منها مائة درهم يعنيه أمرها و لا يغنيه عن بقية ماله أن يهتم به و يراعيه فأما إذا أغناه الأمر عن غيره فإن ذلك أقوى فاعرفه.

اللغة

الحديقة البستان المحوط و جمعه حدائق و منه قولهم أحدق به القوم إذا أحاطوا به و الغلب الغلاظ شجرة غلباء غليظة قال الفرزدق :

عوى فأثار أغلب ضيغميا # فويل ابن المراغة ما استثارا

و الأب المرعى من الحشيش و سائر النبات الذي ترعاه الأنعام و الدواب و يقال أب إلى سيفه فاستله أي بدر إليه وهب إليه فيكون كبدور المرعى بالخروج قال الأعشى :

صرمت و لم أصرمكم و كصارم # أخ قد طوى كشحا و أب ليذهبا

و قال في الأب:

جذمنا قيس و نجد دارنا # و لنا الأب بها و المكرع‏

و الصاخة الصاكة لشدة صوتها الآذان فتصمها و القترة ظلمة الدخان و منه القتار ريح الشواء لأنها كالدخان .

الإعراب‏

«فَإِذََا جََاءَتِ اَلصَّاخَّةُ» العامل في الظرف في قوله «لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» أي ثبت لكل امرئ منهم ذلك في وقت مجي‏ء الصاخة.

المعنى‏

لما ذكر سبحانه خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر فقال «فَلْيَنْظُرِ اَلْإِنْسََانُ إِلى‏ََ طَعََامِهِ»

668

(1) - الذي يأكله و يتقوته من الأطعمة الشهية اللذيذة كيف خلقها سبحانه‏و هيأها لرزق عباده ليفكر كيف مكنه من الانتفاع بذلك ثم بين فقال‏} «أَنََّا صَبَبْنَا اَلْمََاءَ صَبًّا» أي نزلنا الغيث إنزالا} «ثُمَّ شَقَقْنَا اَلْأَرْضَ شَقًّا» بالنبات‏} «فَأَنْبَتْنََا فِيهََا» أي في الأرض «حَبًّا» أي جنس الحبوب التي يتغذى بها و تدخر} «وَ عِنَباً» خص العنب لكثرة منافعه «وَ قَضْباً» و هو ألقت الرطب يقضب مرة بعد أخرى يكون علفا للدواب عن ابن عباس و الحسن } «وَ زَيْتُوناً» و هو ما يعصر عنه الزيت «وَ نَخْلاً» جمع نخلة} «وَ حَدََائِقَ غُلْباً» أي و بساتين محوطة تشتمل على أشجار عظام غلاظ مختلفة و قيل غلبا ملتفة الشجر عن مجاهد } «وَ فََاكِهَةً» يعني سائر ألوان الفواكه «وَ أَبًّا» و هو المرعى و الكلأ الذي لم يزرعه الناس مما تأكله الأنعام و قيل أن الأب للأنعام كالفاكهة للناس‏} «مَتََاعاً» أي منفعة «لَكُمْ وَ لِأَنْعََامِكُمْ» مر معناه ثم ذكر يوم القيامة فقال‏} «فَإِذََا جََاءَتِ اَلصَّاخَّةُ» يعني صيحة القيامة عن ابن عباس سميت بذلك لأنها تصخ الآذان أي تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها و قيل لأنها يصخ لها الخلق أي يستمع و قد قلب حرف التضعيف ياء لكراهية التضعيف فقالوا صاخ كما قالوا تظنيت في تظننت و تقضي البازي في تقضض‏ثم ذكر سبحانه في أي وقت تجي‏ء الصاخة فقال‏}} «يَوْمَ يَفِرُّ اَلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ` وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ ` وَ صََاحِبَتِهِ» أي و زوجته‏} «وَ بَنِيهِ» أي أولاده الذكور أي لا يلتفت إلى واحد من هؤلاء لعظم ما هو فيه و شغله بنفسه و إن كان في الدنيا يعتني بشأنهم و قيل يفر منهم حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه و بينهم من التبعات و المظالم و قيل لعلمه بأنهم لا ينفعونه و لا يغنون عنه شيئا و يجوز أن يكون مؤمنا و أقرباؤه من أهل النار فيعاديهم و لا يلتفت إليهم أو يفر منهم لئلا يرى ما نزل بهم من الهوان‏} «لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» أي لكل إنسان منهم أمر عظيم يشغله عن الأقرباء و يصرفه عنهم و معنى يغنيه يكفيه من زيادة عليه أي ليس فيه فضل لغيره لما هو فيه من الأمر الذي قد اكتنفه و ملأ صدره فصار كالغني عن الشي‏ء في أمر نفسه لا ينازع إليه‏و

روي عن عطاء بن يسار عن سودة زوجة النبي ص قالت قال رسول الله ص يبعث الناس عراة حفاة غرلا يلجمهم العرق و يبلغ شحمة الآذان قالت قلت يا رسول الله وا سوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض قال شغل الناس عن ذلك و تلا رسول الله «لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ»

ثم قسم سبحانه أحوال الناس في ذلك اليوم فقال‏} «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ» أي مشرقة مضيئة} «ضََاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ» من سرورها و فرحها بما أعد لها من الثواب و أراد بالوجوه أصحاب الوجوه‏} «وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهََا غَبَرَةٌ» أي سواد و كآبة للهم‏

669

(1) -} «تَرْهَقُهََا» أي تعلوها و تغشاها «قَتَرَةٌ» أي سواد أو كسوف عند معاينة النار و قيل أن الغبرة ما انحطت من السماء إلى الأرض و القترة ما ارتفعت من الأرض إلى السماء عن زيد بن أسلم } «أُولََئِكَ هُمُ اَلْكَفَرَةُ» في أديانهم «اَلْفَجَرَةُ» في أفعالهم و استدلت الخوارج بذلك على أن من ليس بمؤمن لا بد أن يكون كافرا فإن الله سبحانه قسم الوجوه هذين القسمين و لا تعلق لهم به لأنه سبحانه ذكر هنا قسمين من الوجوه متقابلين وجوه المؤمنين و وجوه الكفار و لم يذكر وجوه الفساق من أهل الصلاة فيجوز أن يكون لها صفة أخرى بأن يكون عليها غبرة لا تغشاها قترة أو يكون عليها صفرة أو لون آخر.

670

(1) -

(81) سورة التكوير مكية و آياتها تسع و عشرون (29)

توضيح‏

و منهم من يقول سورة التكوير مكية.

عدد آيها

تسع و عشرون آية.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة إذا الشمس كورت أعاذه الله تعالى أن يفضحه حين تنشر صحيفته.

ابن عمر قال قال رسول الله ص من أحب أن ينظر إلي يوم القيامة فليقرأ إذا الشمس كورت

و

روى أبو بكر قال قلت لرسول الله ص يا رسول الله أسرع إليك الشيب‏قال شيبتني هود و الواقعة و المرسلات و عم يتساءلون و إذا الشمس كورت

فأما ما

روي عن أنس أنه سئل هل اختضب رسول الله ص فقال ما شأنه الشيب فقيل أ و شين هو يا أبا حمزة فقال كلكم يكرهه‏

فالوجه فيه أنه يجوز أن يكون المراد بقوله شيبتني أنه لو كان أمر يشيب منه إنسان لشبت من قراءة هذه السطور و

قد روي أن عليا (ع) لما غسل رسول الله ص وجد في لحيته شعرات بيضا

و ما لا يظهر إلا بعد التفتيش لا يكون شيبا.

تفسيرها

لما ختم الله سبحانه سورة عبس بذكر يوم القيامة و أهوالها افتتح هذه السورة أيضا بذكر علاماتها و أحوالها فقال:

671

(1) -

القراءة

قرأ ابن كثير و أهل البصرة سجرت بالتخفيف و الباقون بالتشديد و قرأ أهل المدينة و ابن عامر و عاصم و يعقوب و سهل «نُشِرَتْ» بالتخفيف و الباقون بالتشديد و قرأ أهل المدينة و ابن عامر و رويس و عاصم غير يحيى و حماد «سُعِّرَتْ» بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قرأ أبو جعفر قتلت بالتشديد و الباقون بالتخفيف و

روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) و إذا المودة سئلت بفتح الميم و الواو

و روي ذلك عن ابن عباس أيضا و

روي عن أمير المؤمنين (ع) و إذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت

و هو قراءة ابن عباس و يحيى بن يعمر و مجاهد و أبي الضحى و جابر بن زيد .

الحجة

قال أبو علي حجة سجرت قوله‏ وَ اَلْبَحْرِ اَلْمَسْجُورِ و قيل في البحر المسجور أنه الفارغ و المتتلئ و منه الممتلئ قول الشاعر في صفة وعل:

إذا شاء طالع مسجورة # ترى حولها النبع و الساسما

و حجة تشديد نشرت قوله‏ صُحُفاً مُنَشَّرَةً و حجة سعرت بالتخفيف قوله‏ «وَ كَفى‏ََ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً» فسعير فعيل بمعنى مفعول و هذا إنما يجي‏ء من فعل و حجة من قال «سُجِّرَتْ» أن الفعل مسند إلى ضمير كثرة من باب‏ غَلَّقَتِ اَلْأَبْوََابَ و حجة «نُشِرَتْ» خفيفة قوله‏ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ و حجة «سُعِّرَتْ» مشددة كُلَّمََا خَبَتْ زِدْنََاهُمْ سَعِيراً فهذا يدل على كثرة و شي‏ء بعد شي‏ء فحقه التشديد و من قرأ و إذا الموءودة سألت بفتح السين جعل الموءودة موصوفة بالسؤال و بالقول «بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ» و يمكن أن يكون الله سبحانه أكملها في تلك الحال و أقدرها على النطق حتى قالت ذلك القول‏و يعضده‏

ما روي عن النبي ص أنه قال يجي‏ء المقتول ظلما يوم القيامة و أوداجه تشخب دما اللون لون الدم و الريح ريح المسك متعلقا بقاتله يقول يا رب سل هذا

672

(1) - فيم قتلني‏

و من قرأ قتلت بالتشديد فالمراد به تكرار الفعل لأن المراد بالموءودة هنا الجنس فإرادة التكرار جائزة و أما من قرأ المودة بفتح الميم و الواو فالمراد بذلك الرحم و القرابة و أنه يسأل قاطعها عن سبب قطعها و روي عن ابن عباس أنه قال هو من قتل في مودتنا أهل البيت (ع) و

عن أبي جعفر (ع) قال يعني قرابة رسول الله ص و من قتل في جهاد

و

في رواية أخرى قال هو من قتل في مودتنا و ولايتنا.

اللغة

التكوير التلفيف على جهة الاستدارة و منه كور العمامة كرت العمامة على رأسي أكورها كورا و كورتها تكويرا و طعنه فكوره إذا ألقاه مجتمعا و نعوذ بالله من الحور بعد الكور أي من النقصان بعد الزيادة و الانكدار انقلاب الشي‏ء حتى يصير أعلاه أسفله بما لو كان ماء لتكدر و أصله الانصباب قال العجاج

"أبصر خربان فضاء فانكدر"

و العشار جمع عشراء و هي الناقة التي قد أتى عليها عشرة أشهر من حملها و الناقة إذا وضعت لتمام ففي سنة و أصل السجر الملأ قال لبيد :

فتوسطا عرض السري فصدعا # مسجورة متجاورا قلامها

أي مملوءة و تنور مسجور مملوء بالنار و الموءودة من وأد يئد وأدا و كانت العرب تئد البنات خوف الإملاق قال‏

قتادة جاء قيس بن عاصم التميمي إلى النبي ص فقال إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية فقال فأعتق عن كل واحدة رقبة قال إني صاحب إبل قال‏فاهد إلى من شئت عن كل واحدة بدنة

قال الجبائي إنما سميت موءودة لأنها ثقلت في التراب الذي طرح عليها حتى ماتت و هذا خطأ لأن الموءودة من وأد يئد معتل الفاء و من الثقل آده يؤده أثقله و هو معتل العين و لو كانت مأخوذة منه لقيل موؤدة على وزن معوءدة و

روي عن النبي ص أنه سئل عن العزل فقال ذاك الوأد الخفي‏

قال الفرزدق :

و منا الذي منع الوائدات # فأحيا الوئيد فلم تواد

و قال:

673

(1) -

و منا الذي أحيا الوئيد و غالب # و عمرو و منا حاجب و الأقارع‏

و الكشط القلع عن شدة التزاق و الكشط و القشط واحد و في حرف عبد الله و إذا السماء قشطت و التسعير تهييج النار حتى تتأجج و منه السعر لأنه حال هيج الثمن بالارتفاع و الانحطاط .

الإعراب‏

ارتفعت الشمس بفعل مضمر تقديره إذا كورت الشمس كورت و لا يجوز إظهاره لأن ما بعده يفسره و إنما احتيج إلى إضمار فعل لأن في إذا معنى الشرط و الشرط يقتضي الفعل‏و جواب إذا قوله «عَلِمَتْ نَفْسٌ مََا أَحْضَرَتْ» فإذا في موضع النصب لأنه ظرف لعلمت و على هذا يجري أمثاله و الجملة التي هي الفعل المحذوف مع فاعله بعد إذا في موضع جر بإضافة إذا إليها و التقدير وقت تكوير الشمس تعلم كل نفس ما عملته و تجزى به و على هذا فهنا اثنا عشر ظرفا كلها إضافة إلى الجمل من قوله «إِذَا اَلشَّمْسُ كُوِّرَتْ» إلى قوله «وَ إِذَا اَلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ» و العامل فيها كلها قوله «عَلِمَتْ نَفْسٌ مََا أَحْضَرَتْ» .

المعنى‏

أخبر الله سبحانه عن القيامة و شدائدها فقال «إِذَا اَلشَّمْسُ كُوِّرَتْ» أي ذهب ضوءها و نورها فأظلمت و اضمحلت عن ابن عباس و أبي و مجاهد و قتادة و قيل ألقيت و رمي بها عن أبي صالح و الربيع بن خثيم و قيل جمع ضوءها و لفت كما تلف العمامة عن الزجاج و المعنى أن الشمس تكور بأن يجمع نورها حتى تصير كالكارة الملقاء و يذهب ضوءها و يحدث الله تعالى للعباد ضياء غيرها} «وَ إِذَا اَلنُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ» أي تساقطت و تناثرت عن مجاهد و قتادة و الربيع بن خثيم يقال انكدر الطائر من الهواء إذا انقض و قيل تغيرت من الكدورة عن الجبائي و الأول أولى لقوله‏ «وَ إِذَا اَلْكَوََاكِبُ اِنْتَثَرَتْ» إلا أن تقول يذهب ضوءها ثم تتناثر} «وَ إِذَا اَلْجِبََالُ سُيِّرَتْ» عن وجه الأرض فصارت هباء منبثا و سرابا «وَ إِذَا اَلْعِشََارُ» و هي النوق الحوامل أتت عليها عشرة أشهر و بعد الوضع تسمى عشارا أيضا و هي أنفس مال عند العرب «عُطِّلَتْ» أي تركت هملا بلا راع و قيل العشار السحاب تعطل فلا تمطر عن الجبائي و حكي ذلك عن أبي عمرو قال الأزهري لا أعرف هذا في اللغة} «وَ إِذَا اَلْوُحُوشُ حُشِرَتْ» أي جمعت حتى يقتص لبعضها من بعض فيقتص للجماء من القرناء و يحشر الله سبحانه الوحوش ليوصل إليها ما تستحقه من الأعواض على الآلام التي نالتها في الدنيا و ينتصف لبعضها من بعض فإذا وصل إليها ما استحقته من الأعواض فمن قال أن‏

674

(1) - العوض دائم تبقى منعمة إلى الأبد و من قال تستحق العوض منقطعا فقال بعضهم يديمه الله لها تفضلا لئلا يدخل على المعوض غم بانقطاعه‏و قال بعضهم إذا فعل الله بها ما استحقته من الأعواض جعلها ترابا} «وَ إِذَا اَلْبِحََارُ سُجِّرَتْ» أي أرسل عذبها على مالحها و مالحها على عذبها حتى امتلأت و قيل إن المعنى فجر بعضها في بعض فصارت البحور كلها بحرا واحدا و يرتفع البرزخ عن مجاهد و مقاتل و الضحاك و قيل سجرت أي أوقدت فصارت نارا تضطرم عن ابن عباس و قيل يبست و ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة عن الحسن و قتادة و قيل ملئت من القيح و الصديد الذي يسيل من أبدان أهل النار في النار و أراد بحار جهنم لأن بحور الدنيا قد فنيت عن الجبائي } «وَ إِذَا اَلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ» أي قرن كل واحد منها إلى شكله و ضم إليه و النفس يعبر بها عن الإنسان و قد يعبر بها عن الروح فالمعنى قرن كل إنسان بشكله من أهل النار و بشكله من أهل الجنة عن عمر بن الخطاب و ابن عباس و مجاهد و الحسن و قتادة و قيل معناه ردت الأرواح إلى الأجساد فتصير أحياء عن عكرمة و الشعبي و أبي مسلم و قيل يقرن الغاوي بمن أغواه من إنسان أو شيطان عن الجبائي و قيل زوجت أي قرنت نفوس الصالحين من المؤمنين بالحور العين و قرنت نفوس الكافرين بالشياطين عن عطاء و مقاتل «وَ إِذَا اَلْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ» يعني الجارية المدفونة حيا و كانت المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة و قعدت على رأسها فإن ولدت بنتا رمت بها في الحفرة و إن ولدت غلاما حبسته عن ابن عباس قال شاعرهم:

سميتها إذ ولدت تموت # و القبر صهر ضامن زميت‏

و معنى قوله‏} «سُئِلَتْ ` بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ» أن الموءودة تسأل فيقال لها بأي ذنب قتلت و معنى سؤالها توبيخ قاتلها لأنها تقول قتلت بغير ذنب و يجري هذا مجرى قوله سبحانه لعيسى (ع) «أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ» على سبيل التوبيخ لقومه و إقامة الحجة عليهم عن الفراء و قيل إن معنى سئلت طولب قاتلها بالحجة في قتلها و سئل عن سبب قتلها فكأنه قيل و الموءودة يسأل قاتلها بأي ذنب قتلت هذه و نظيره قوله‏ «إِنَّ اَلْعَهْدَ كََانَ مَسْؤُلاً» أي مسئولا عنه عن أبي مسلم و على هذا فيكون القتلة هنا هم المسئولين على الحقيقة لا المقتولة و إنما المقتولة مسئول عنها} «وَ إِذَا اَلصُّحُفُ نُشِرَتْ» يعني صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها أعمال أهلها من خير و شر تنشر ليقرأها أصحابها و لتظهر الأعمال فيجازوا بحسبها} «وَ إِذَا اَلسَّمََاءُ كُشِطَتْ» أي أزيلت عن موضعها كالجلد يزال عن‏

675

(1) - الجزور ثم يطويها الله و قيل معناه قلعت كما يقلع السقف عن الزجاج و قيل كشفت عمن فيها و معنى الكشط رفعك شيئا عن شي‏ء قد غطاه كما يكشط الجلد عن السنام‏} «وَ إِذَا اَلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ» أوقدت و أضرمت حتى ازدادت شدة على شدة و قيل سعرها غضب الله و خطايا بني آدم عن قتادة } «وَ إِذَا اَلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ» أي قربت من أهلها للدخول و قيل قربت بما فيها من النعيم فيزداد المؤمن سرورا و يزداد أهل النار حسرة} «عَلِمَتْ نَفْسٌ مََا أَحْضَرَتْ» أي إذا كانت هذه الأشياء التي تكون في القيامة علمت في ذلك الوقت كل نفس ما وجدت حاضرا من عملهاكما قالوا أحمدته وجدته محمودا و قيل علمت ما أحضرته من خير و شر و إحضار الأعمال مجاز لأنها لا تبقى و المعنى أنه لا يشذ عنها شي‏ء فكان كلها حاضرة و قيل أن المراد صحائف الأعمال.

ـ

القراءة

قرأ أهل البصرة غير سهل و ابن كثير و الكسائي بظنين بالظاء و الباقون «بِضَنِينٍ» بالضاد.

الحجة

الظنين المتهم من قولهم ظننت أي اتهمت لا من ظننت المتعدي إلى‏

676

(1) - مفعولين إذ لو كانت منه لكان لا بد من ذكر المفعول الثاني و في أنه لم يذكر المفعول الآخر دلالة على أنه من ظننت بمعنى اتهمت و كان النبي ص يعرف بالأمين و بذلك وصفه أبو طالب في قوله:

إن ابن آمنة الأمين محمدا # عندي بمثل منازل الأولاد

و من قرأ «بِضَنِينٍ» فهو من البخل و المعنى أنه يخبر بالغيب فيبينه و لا يكتمه كما يمتنع الكاهن من إعلام ذلك حتى يأخذ عليه حلوانا.

اللغة

الخنس جمع خانس و الكنس جمع كانس و أصلهما الستر و الشيطان خناس لأنه يخنس إذا ذكر الله تعالى أي يذهب و يستتر و كناس الطير و الوحش بيت يتخذه و يختفي فيه و الكواكب تكنس في بروجها كالظباء تدخل في كناسها و عسعس الليل إذا أقبل من أوله و أظلم و عسعس إذا أدبر و هو من الأضداد قال علقمة بن قرط :

حتى إذا الصبح لها تنفسا # و إنجاب عنها ليلها و عسعسا

و العس طلب الشي‏ء بالليل و منه أخذ العسس و يقال عسعس الليل و سعسع .

الإعراب‏

«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» جواب القسم ثم وصف الرسول بأوصاف إلى قوله «أَمِينٍ» ثم قال «وَ مََا صََاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ» و هو معطوف على جواب القسم و كذلك ما بعده و قوله «فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ» اعتراض قال الفراء تقول العرب إلى أين تذهب و أين تذهب و تقولون ذهبت الشام و خرجت الشام و انطلقت السوق سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة و أنشد الفراء :

تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا # و أي الأرض تذهب للصياح‏

يريد إلى أي الأرض و لم يحك سيبويه من هذا إلا ذهبت الشام و على هذا جاء «فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ» و المعنى فإلى أين تذهبون و قوله «إِنْ هُوَ إِلاََّ ذِكْرٌ لِلْعََالَمِينَ» جواب القسم أيضا و قوله «وَ مََا تَشََاؤُنَ» داخل في جواب القسم أيضا و قوله «لِمَنْ شََاءَ مِنْكُمْ» بدل من قوله «لِلْعََالَمِينَ» بدل البعض من الكل فإذا السورة كلها مركبة من فعل و فاعل و من قسم و أجوبة.

المعنى‏

ثم أكد سبحانه ما تقدم بالقسم فقال «فَلاََ أُقْسِمُ» أي فأقسم و لا زائدة