مجمع البيان في تفسير القرآن - ج10

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
870 /
677

(1) - و قد ذكرنا اختلاف العلماء فيه عند قوله‏ «لاََ أُقْسِمُ بِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ» «بِالْخُنَّسِ» و هي النجوم تخنس بالنهار و تبدو بالليل و} «اَلْجَوََارِ» صفة لها لأنها تجري في أفلاكها «اَلْكُنَّسِ» من صفتها أيضا لأنها تكنس أي تتوارى في بروجها كما تتوارى الظباء في كناسها و

هي خمسة أنجم زحل و المشتري و المريخ و الزهرة و عطارد عن علي (ع)

و قيل معناه أنها تخنس بالنهار فتختفي و لا ترى و تكنس في وقت غروبها فهذا خنوسها و كنوسها و قيل هي بقر الوحش عن ابن مسعود و قيل هي الظباء عن ابن جبير

} «وَ اَللَّيْلِ إِذََا عَسْعَسَ» أي إذا أدبر بظلامه عن علي (ع)

و ابن عباس و مجاهد و قتادة و قيل أقبل بظلامه عن الحسن و قيل أظلم عن الجبائي «وَ اَلصُّبْحِ إِذََا تَنَفَّسَ» أي إذا أسفر و أضاء و المعنى امتد ضوءه حتى يصير نهارا} «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» هذا جواب القسم أي أن القرآن قول رسول كريم على ربه و هو جبرائيل و هو كلام الله تعالى أنزله على لسانه أي سمعه محمد من جبرائيل و لم يقله من قبل نفسه عن الحسن و قتادة و قيل إنما أضافه إلى جبرائيل لأن الله تعالى قال لجبرائيل ائت محمدا ص و قل له كذا ثم وصف جبرائيل (ع) فقال‏} «ذِي قُوَّةٍ» أي فيما كلف و أمر به من العلم و العمل و تبليغ الرسالةو قيل ذي قدرة في نفسه و من قوته قلعه ديار قوم لوط بقوادم جناحه حتى بلغ بها السماء ثم قلبها «عِنْدَ ذِي اَلْعَرْشِ مَكِينٍ» معناه متمكن عند الله صاحب العرش و خالقه رفيع المنزلة عظيم القدر عنده كما يقال فلان مكين عند السلطان و المكانة القرب } «مُطََاعٍ ثَمَّ» أي في السماء تطيعه ملائكة السماء قالوا و من طاعة الملائكة لجبرائيل أنه أمر خازن الجنة ليلة المعراج حتى فتح لمحمد ص أبوابها فدخلها و رأى ما فيها و أمر خازن النار ففتح له عنها حتى نظر إليها «أَمِينٍ» أي على وحي الله و رسالاته إلى أنبيائه و في‏

الحديث أن رسول الله ص قال لجبرائيل (ع) ما أحسن ما أثنى عليك ربك «ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي اَلْعَرْشِ مَكِينٍ ` مُطََاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» فما كانت قوتك و ما كانت أمانتك فقال أما قوتي فإني بعثت إلى مداين لوط و هي أربع مداين في كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماوات أصوات الدجاج و نباح الكلاب‏ثم هويت بهن فقلبتهن و أما أمانتي فإني لم أومر بشي‏ء فعدوته إلى غيره‏

ثم خاطب سبحانه جماعة الكفار فقال‏} «وَ مََا صََاحِبُكُمْ» الذي يدعوكم إلى الله و إخلاص طاعته «بِمَجْنُونٍ» و المجنون المغطى على عقله حتى لا يدرك الأمور على ما هي عليه للآفة الغامرة له و بغمور الآفة يتميز من النائم لأن النوم ليس بآفة و هذا أيضا من جواب القسم أقسم الله عز اسمه أن القرآن نزل به جبرائيل و أن محمدا ص ليس على ما يرميه به أهل مكة من الجنون‏} «وَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ اَلْمُبِينِ» أي رأي محمدا ص جبرائيل (ع) على صورته التي خلقه الله تعالى عليها حيث تطلع الشمس و هو

678

(1) - الأفق الأعلى من ناحية المشرق عن قتادة و مجاهد و الحسن } «وَ مََا هُوَ عَلَى اَلْغَيْبِ بِضَنِينٍ» أي ليس هو على وحي الله تعالى و ما يخبر به من الأخبار بمتهم فإن أحواله ناطقة بالصدق و الأمانة عن ابن عباس و سعيد بن جبير و إبراهيم و الضحاك و من قرأ بالضاد فالمعنى أنه ليس ببخيل فيما يؤدي عن الله أن يعلمه كما علمه الله‏} «وَ مََا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطََانٍ رَجِيمٍ» رجمه الله باللعنة عن الحسن و قيل رجم بالشهب طردا من السماءو المعنى و ليس القرآن بقول شيطان رجيم ألقاه إليه كما قال المشركون أن الشيطان يلقي إليه كما يلقي إلى الكهنة ثم بكتهم الله سبحانه فقال‏} «فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ» أي فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم عن الزجاج و قيل معناه فأين تعدلون عن هذا القرآن و هو الشفاء و الهدى‏} «إِنْ هُوَ إِلاََّ ذِكْرٌ لِلْعََالَمِينَ» معناه ما القرآن إلا عظة و تذكرة للخلق يمكنهم أن يتوصلوا به إلى الحق و الذكر هو ضد السهو و الذاكر لا يخلو من أن يكون عالما أو جاهلا أو مقلدا أو شاكا و لا يصح شي‏ء من ذلك مع السهو الذي يضاد الذكر} «لِمَنْ شََاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» على أمر الله و طاعته ذكر سبحانه أنه ذكر لجميع الخلق على العموم ثم خص المستقيم لأن المنفعة راجعة إليهم كما قال‏ إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ وَ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ «وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ رَبُّ اَلْعََالَمِينَ» فيه أقوال (أحدها) أن معناه و ما تشاءون الاستقامة على الحق إلا أن يشاء الله ذلك من حيث خلقكم لها و كلفكم بها فمشيئته بين يدي مشيئتكم عن الجبائي (و ثانيها) أنه خطاب للكفار و المراد لا تشاءون الإسلام إلا أن يشاء الله أن يجبركم عليه و يلجأكم إليه و لكنه لا يفعل لأنه يريد منكم أن تؤمنوا اختيارا لتستحقوا الثواب و لا يريد أن يحملكم عليه عن أبي مسلم (و ثالثها) إن المراد و ما تشاءون الإسلام إلا أن يشاء الله أن يلطف لكم في الاستقامة لما في الكلام من معنى النعمة.

679

(1) -

(82) سورة انفطرت مكية و آياتها تسع عشرة (19)

توضيح‏

و تسمى سورة الانفطار مكية تسع عشرة آية.

فضلها

أبي بن كعب قال قال النبي ص و من قرأها أعطاه الله من الأجر بعدد كل قبر حسنة و بعدد كل قطرة مائة حسنة و أصلح الله شأنه يوم القيامة

و

روى الحسن بن أبي العلا عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ هاتين السورتين إذا السماء انفطرت و إذا السماء انشقت و جعلهما نصب عينه في صلاة الفريضة و النافلة لم يحجبه من الله حجاب و لم يحجزه من الله حاجز و لم يزل ينظر إلى الله و ينظر الله إليه حتى يفرغ من حساب الناس.

تفسيرها

لما كانت السورة المتقدمة في ذكر أهوال يوم القيامة افتتح سبحانه هذه السورة بمثل ذلك ليتصل بها اتصال النظير بالنظير فقال:

680

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة و أبو جعفر «فَعَدَلَكَ» خفيفة و الباقون بالتشديد و قرأ أبو جعفر بل يكذبون بالياء و الباقون بالتاء و قرأ ابن كثير و أهل البصرة يوم لا تملك بالرفع و الباقون بالنصب و في الشواذ قراءة سعيد بن جبير ما أغرك بربك .

الحجة

أما عدلك بالتشديد فمعناه عدل خلقك فأخرجك في أحسن تقويم و أما «فَعَدَلَكَ» بالتخفيف فمعناه عدل بعضك ببعض فكنت معتدل الخلقة متناسبها فلا تفاوت فيها و قوله يكذبون بالياء يكون إخبارا عن الكفار و بالتاء على خطابهم و أما وجه الرفع في قوله يوم لا تملك نفس أنه خبر مبتدإ محذوف أي هو يوم لا تملك و المعنى يوم الدين يوم لا تملك نفس‏و أما النصب فإنه لما قال وَ مََا أَدْرََاكَ مََا يَوْمُ اَلدِّينِ فجرى ذكر الدين و هو الجزاء قال «يَوْمَ لاََ تَمْلِكُ» يعني الجزاء يوم لا تملك نفس فصار «يَوْمَ لاََ تَمْلِكُ» خبر الجزاء المضمر لأنه حدث و تكون أسماء الزمان أخبارا عن الحدث و يجوز النصب على وجه آخر و هو أن اليوم لما جرى في أكثر الأمر ظرفا ترك على ما كان يكون عليه في أكثر أمره و الدليل على ذلك ما اجتمع عليه القراء و العرب في قوله تعالى‏ «وَ أَنََّا مِنَّا اَلصََّالِحُونَ وَ مِنََّا دُونَ ذََلِكَ» و مما يقوي النصب في ذلك قوله‏ «وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْقََارِعَةُ ` يَوْمَ يَكُونُ اَلنََّاسُ» و قوله «يَسْئَلُونَ أَيََّانَ يَوْمُ اَلدِّينِ ` يَوْمَ هُمْ عَلَى اَلنََّارِ يُفْتَنُونَ» فالنصب في «يَوْمَ لاََ تَمْلِكُ نَفْسٌ» مثل هذا و نحوه قال أبو الحسن و لو رفع ذلك كله كان جيدا إلا أنا نختار ما عليه الناس و أما من قرأ ما أغرك فيجوز أن يكون معناه ما الذي دعاك إلى الاغترار به و يجوز أن يكون تعجبا و قد قيل في قوله‏ «فَمََا أَصْبَرَهُمْ عَلَى اَلنََّارِ» هذان الوجهان و أغرك يجوز أن يكون من الغر و الغرارة فيكون معناه ما أجهلك و ما أغفلك عما يراد بك و يجوز أن يكون من الغرور على غير القياس‏

681

(1) - كما قيل في المثل أشغل من ذات النحيين.

اللغة

الانفطار و الانشقاق و الانصداع نظائر و الانتثار تساقط الشي‏ء في الجهات و التفجير خرق بعض مواضع الماء إلى بعض على التكثير و منه الفجور لانخراق صاحبه بالخروج إلى كثير من الذنوب و منه الفجر لانفجاره بالضياء و بعثرت الحوض و بحثرته إذا جعلت أسفله أعلاه و البعثرة و البحثرة إثارة الشي‏ء بقلب باطنه إلى ظاهره و الغرور ظهور أمر يتوهم به جهلا الأمان من المحذور يقال غره غرورا و اغتره اغترارا قال الحرث بن حلزة :

لم يغروكم غرورا و لكن # رفع الآل جمعهم و الضحاء

.

الإعراب‏

قوله «فِي أَيِّ صُورَةٍ مََا شََاءَ» يجوز أن تكون ما مزيدة مؤكدة و المعنى في أي صورة شاء ركبك إما طويلا و إما قصيرا و إما كذا و كذا يكون ركبك عطفا على عدلك فحذف الواو و يجوز أن يكون ما في معنى الشرط و الجزاء فيكون المعنى في أي صورة ما شاء أن يركبك فيها ركبك و لا يكون على هذا قوله «فِي أَيِّ صُورَةٍ» من صلة ركبك لأن سيبويه قال إن تضرب زيدا أضرب عمرا و لا يجوز تقديم عمرو على إن فوجب أن يكون قوله «فِي أَيِّ صُورَةٍ» من صلة مضمر و لا يكون من صلة عدلك لأنه استفهام فلا يعمل فيه ما قبله. يصلونها في موضع نصب على الحال و يجوز أن يكون في موضع رفع فيكون خبرا لأنه خبر بعد خبر و التقدير إن الفجار في جحيم صالون.

المعنى‏

«إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْفَطَرَتْ» أي انشقت و تقطعت و مثله‏ يَوْمَ تَشَقَّقُ اَلسَّمََاءُ بِالْغَمََامِ الآية} «وَ إِذَا اَلْكَوََاكِبُ اِنْتَثَرَتْ» أي تساقطت و تهافتت قال ابن عباس سقطت سودا لا ضوء لها «وَ إِذَا اَلْبِحََارُ فُجِّرَتْ» أي فتح بعضها في بعض عذبها في ملحها و ملحها في عذبها فصارت بحرا واحدا عن قتادة و الجبائي و قيل معناه ذهب ماؤها عن الحسن } «وَ إِذَا اَلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ» أي قلب ترابها و بعث الموتى الذين فيها و قيل معناه بحثت عن الموتى فاخرجوا منها

682

(1) - يريد عند البعث عن ابن عباس و مقاتل } «عَلِمَتْ نَفْسٌ مََا قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ» و هذا كقوله سبحانه يُنَبَّؤُا اَلْإِنْسََانُ يَوْمَئِذٍ بِمََا قَدَّمَ وَ أَخَّرَ و قد مر ذكره عن عبد الله بن مسعود قال ما قدمت من خير أو شر و ما أخرت من سنة حسنة استن بها بعده‏فله أجر من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شي‏ء أو سنة سيئة عمل بها بعده فعليه وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شي‏ء و يؤيد هذا القول ما

جاء في الحديث أن سائلا قام على عهد النبي ص فسأل فسكت القوم ثم أن رجلا أعطاه فأعطاه القوم فقال النبي ص من استن خيرا فاستن به فله أجره و مثل أجور من اتبعه من غير منتقص من أجورهم و من استن شرا فاستن به فعليه وزره و مثل أوزار من اتبعه غير منتقص من أوزارهم قال‏فتلا حذيفة بن اليمان «عَلِمَتْ نَفْسٌ مََا قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ»

«يََا أَيُّهَا اَلْإِنْسََانُ مََا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ» أي أي شي‏ء غرك بخالقك و خدعك و سول لك الباطل حتى عصيته و خالفته و

روي أن النبي ص لما تلا هذه الآية قال غره جهله‏

و اختلف في معنى الكريم فقيل هو المنعم الذي كل أفعاله إحسان و إنعام لا يجربه نفعا و لا يدفع به ضررا و قيل هو الذي يعطي ما عليه و ما ليس عليه و لا يطلب ماله و قيل هو الذي يقبل اليسير و يعطي الكثير و قيل إن من كرمه سبحانه أنه لم يرض بالعفو عن السيئات حتى بدلها بالحسنات‏و قيل للفضيل بن عياض لو أقامك الله يوم القيامة بين يديه فقال «مََا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ» ما ذا كنت تقول له قال أقول غرني ستورك المرخاة و قال يحيى بن معاذ لو أقامني الله بين يديه فقال ما غرك بي قلت غرني بك برك بي سالفا و آنفا و عن بعضهم قال غرني حلمك و عن أبي بكر الوراق غرني كرم الكريم و إنما قال سبحانه «اَلْكَرِيمِ» دون سائر أسمائه و صفاته لأنه كأنه لقنه الإجابة حتى يقول غرني كرم الكريم و قال عبد الله بن مسعود ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة فيقول يا ابن آدم يا ابن آدم ما غرك بي يا ابن آدم ما ذا عملت فيما عملت يا ابن آدم ما ذا أجبت المرسلين و

قال أمير المؤمنين (ع) كم مغرور بالستر عليه‏و مستدرج بالإحسان إليه‏

«اَلَّذِي خَلَقَكَ» من نطفة و لم تك شيئا «فَسَوََّاكَ» إنسانا تسمع و تبصر «فَعَدَلَكَ» أي جعلك معتدلا و قيل معناه عدل خلقك في العينين و الأذنين و اليدين و الرجلين عن مقاتل و المعنى عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان لا تفضل يد على يد و لا رجل على رجل‏} «فِي أَيِّ صُورَةٍ مََا شََاءَ رَكَّبَكَ» أي في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم عن مجاهد و

روي عن الرضا (ع) عن آبائه عن النبي ص أنه قال لرجل ما ولد لك قال يا رسول الله و ما عسى أن يولد لي إما غلام و إما جارية قال فمن يشبه قال يشبه أمه و أباه فقال ص لا تقل هكذا إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها و بين آدم أ ما قرأت هذه الآية «فِي أَيِّ صُورَةٍ مََا شََاءَ رَكَّبَكَ» أي فيما بينك و بين آدم .

ـ و قيل في أي صورة ما

683

(1) - شاء من صور الخلق ركبك إن شاء في صورة إنسان و إن شاء في صورة حمار و إن شاء في صورة قرد عن عكرمة و أبي صالح و

قال الصادق (ع) لو شاء ركبك على غير هذه الصورة

و المعنى أنه سبحانه يقدر على جعلك كيف شاءو لكنه خلقك في أحسن تقويم حتى صرت على صورتك التي أنت عليها لا يشبهك شي‏ء من الحيوان و قيل في أي صورة شاء من ذكر أو أنثى أو جسيم أو نحيف حسن أو دميم طويل أو قصير} «كَلاََّ» أي ليس الأمر كما تزعمون أنه لا بعث و لا حساب و ليس هنا موضع الإنكار للبعث مع وضوح الأمر فيه و قيام الدلالة عليه «بَلْ تُكَذِّبُونَ» معاشر الكفار «بِالدِّينِ» الذي هو الجزاء لإنكاركم البعث و النشور عن مجاهد و قتادة و قيل تكذبون بالدين الذي جاء به محمد ص و هو الإسلام عن الجبائي } «وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحََافِظِينَ» من الملائكة يحفظون عليكم ما تعلمونه من الطاعات و المعاصي ثم وصف الحفظة فقال‏} «كِرََاماً» على ربهم «كََاتِبِينَ» يكتبون أعمال بني آدم‏} «يَعْلَمُونَ مََا تَفْعَلُونَ» من خير و شر فيكتبونه عليكم لا يخفى عليهم من ذلك شي‏ء و قيل إن الملائكة تعلم ما يفعله العبد إما باضطرار و إما باستدلال و قيل معناه يعلمون ما تفعلون من الله دون الباطن و في هذا دلالة على أن أفعال العبد حادثة من جهتهم و أنهم المحدثون لها دونه تعالى‏و إلا فلا يصح قوله‏} «تَفْعَلُونَ ` إِنَّ اَلْأَبْرََارَ لَفِي نَعِيمٍ» و هو الجنة و الأبرار أولياء الله المطيعون في الدنيا} «وَ إِنَّ اَلْفُجََّارَ لَفِي جَحِيمٍ» و هو العظيم من النار و المراد بالفجار هنا الكفار المكذبون للنبي ص لقوله‏} «يَصْلَوْنَهََا يَوْمَ اَلدِّينِ» أي يلزمونها بكونهم فيها} «وَ مََا هُمْ عَنْهََا بِغََائِبِينَ» أي لا يكونون غائبين عنها بل يكونون مؤبدين فيها و قد دل الدليل على أن أهل الكبيرة من المسلمين لا يخلدون في النار و لأنه سبحانه قد ذكر المكذبين بالدين فيما قبل هذه الآية فالأولى أن تكون لفظة الفجار مخصوصة بهم و أيضا فإذا احتمل الكلام ذلك بطل تعلق أهل الوعيد بعموم اللفظ ثم عظم سبحانه يوم القيامة فقال‏} «وَ مََا أَدْرََاكَ مََا يَوْمُ اَلدِّينِ» تعظيما له لشدته و تنبيها على عظم حاله و كثرة أهواله‏} «ثُمَّ مََا أَدْرََاكَ مََا يَوْمُ اَلدِّينِ» كرره تأكيدا لذلك و قيل أراد ما أدراك ما في يوم الدين من النعيم لأهل الجنة و ما أدراك ما في يوم الدين من العذاب لأهل النار عن الجبائي «يَوْمَ لاََ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً» أي لا يملك أحد الدفاع عن غيره ممن يستحق العقاب كما يملك كثير من الناس في دار الدنيا ذلك «وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلََّهِ» وحده أي الحكم له في الجزاء و الثواب و العفو و الانتقام و

روى عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر (ع) أنه قال إن الأمر يومئذ و اليوم كله لله يا جابر إذا كان يوم القيامة بادت الحكام فلم يبق حاكم إلا الله‏

و قيل معناه يوم لا تملك نفس لنفس كافرة شيئا من المنفعة عن مقاتل و المعنى الصحيح في الآية أن الله‏

684

(1) - سبحانه قد ملك في الدنيا كثيرا من الناس أمورا و أحكاما و في القيامة لا أمر لسواه و لا حكم و متى قيل فيجب أن لا يصح على هذا شفاعة النبي ص فالجواب أن ذلك لا يكون إلا بأمره تعالى و بإذنه و هو من تدابيره.

685

(1) -

(83) سورة المطففين مكية و آياتها ست و ثلاثون (36)

توضيح‏

و تسمى سورة التطفيف مكية و قال المعدل مدنية عن الحسن و الضحاك و عكرمة قال و قال ابن عباس و قتادة إلا ثماني آيات منها و هي «إِنَّ اَلَّذِينَ أَجْرَمُوا» إلى آخر السورة.

عدد آيها

ست و ثلاثون آية بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب قال قال النبي ص و من قرأها سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة

و

روى صفوان الجمال عن أبي عبد الله (ع) قال من كانت قراءته في الفريضة ويل للمطففين أعطاه الله الأمن يوم القيامة من النار و لا تراه و لا يراها و لا يمر على جسر جهنم و لا يحاسب يوم القيامة.

تفسيرها

ختم الله سبحانه تلك السورة بذكر القيامة و ما أعد فيها للأبرار و الفجار و بين في هذه السورة أيضا ذكر أحوال الناس في القيامة فقال:

686

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم إلا يحيى ران بكسر الراء و الباقون بفتحها.

اللغة

التطفيف نقص المكيال و الميزان و الطفيف الشي‏ء النزر القليل مأخوذ من طف الشي‏ء و هو جانبه و

في الحديث كلكم بنو آدم طف الصاع لم تملؤوه فليس لأحد فضل إلا بالتقوى‏

و طف الصاع قريب من ملئه أي بعضكم قريب من بعض و إناء طفان إذا لم يكن ملآن و الاكتيال الأخذ بالكيل‏و نظيره الاتزان و هو الأخذ بالوزن و «إِذََا كََالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ» كان عيسى بن عمر يجعل"هم"فصلا في موضع رفع أو تأكيدا للضمير في كالوا أو وزنوا و الباقون يجعلونها ضمير المنصوب و هو الصحيح و أهل الحجاز يقولون وزنتك حقك و كلتك طعامك و عليه جاء التنزيل و غيرهم يقول وزنت لك و كلت لك و يقال أخسرت الميزان و خسرته أي نقصت في الوزن و السجين فعيل من السجن قال ابن مقبل

"ضربا تواصي به الأبطال سجينا"

أي شديدا و قيل السجين هو السجن على التخليد فيه لأن هذا الوزن للمبالغة قالوا شريب و سكير و شرير و الرقم طبع الخط بما فيه علامة الأمر يقال رقمت الثوب أرقمه رقما و الرين أصله الغلبة ران على قلبه أي غلب عليه و الخمر ترين على قلب السكران و الموت يرين على الميت فيذب به و في حديث عمر بن الخطاب أنه قال في أسيفع جهينة لما ركبه الدين أدان معرضا فأصبح قد رين به أي أحاط الدين بماله حتى غلبه .

687

(1) -

الإعراب‏

«يَوْمَ يَقُومُ اَلنََّاسُ» منصوب بقوله «مَبْعُوثُونَ» أي ألا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة و قيل في أصل كلا قولان (أحدهما) أنها كلمة واحدة من غير تركيب وضعت للردع و الزجر و جرت مجرى الأصوات نحو صه و مه و نحوهما (و الثاني) أن يكون الكاف للتشبيه دخلت على لا و شددت للمبالغة في الزجر مع الإيذان بتركيب اللفظ.

النزول‏

قيل لما قدم رسول الله ص المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عز و جل «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ» فأحسنوا الكيل بعد ذلك عن عكرمة عن ابن عباس و قيل إنه ص قدم المدينة و بها رجل يقال له أبو جهينة و معه صاعان يكيل بأحدهما و يكتال بالآخر فنزلت الآيات عن السدي .

ـ

المعنى‏

«وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ» و هم الذين ينقصون المكيال و الميزان و يبخسون الناس حقوقهم في الكيل و الوزن‏قال الزجاج و إنما قيل له مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال و الميزان إلا الشي‏ء اليسير الطفيف ثم فسر المطففين فقال‏} «اَلَّذِينَ إِذَا اِكْتََالُوا عَلَى اَلنََّاسِ» أي إذا كالوا ما على الناس ليأخذوه لأنفسهم «يَسْتَوْفُونَ» عليهم الكيل و لم يذكر اتزنوا لأن الكيل و الوزن بهما الشراء و البيع فأحدهما يدل على الآخر} «وَ إِذََا كََالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ» أي كالوا لهم أو وزنوا لهم «يُخْسِرُونَ» أي ينقصون و المعنى أنهم إذا كالوا أو وزنوا لغيرهم نقصوا تقول كلتك و كلت لك كما تقول نصحتك و نصحت لك و يروى عن ابن مسعود أنه قال الصلاة مكيال فمن وفى وفى الله له و من طفف قد سمعتم ما قال الله في المطففين ثم عجب الله خلقه من غفلة هؤلاء حيث فارقوا أمر الله و طريقة العدل فقال‏} «أَ لاََ يَظُنُّ» أي أ لا يعلم «أُولََئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ` لِيَوْمٍ عَظِيمٍ» و هو يوم القيامة يريد أ لا يستيقن من فعل هذا أنه مبعوث محاسب عن ابن عباس ثم أخبر عن ذلك اليوم فقال‏ «يَوْمَ يَقُومُ اَلنََّاسُ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ» و المعنى يوم يقوم الناس من قبورهم لأمر رب العالمين و لجزائه أو حسابه و

جاء في الحديث أنهم يقومون في رشحهم إلى إنصاف آذانهم‏

و

في حديث آخر يقومون حتى يبلغ الرشح إلى أطراف آذانهم‏

و يحتمل أن يكون المراد أيضا أ لا يحسب أولئك لأن من ظن الجزاء و البعث و قوي ذلك في نفسه و إن لم يكن عالما به فإنه يجب عليه أن يتحرز خوفا من العقاب الذي يجوزه و يظنه كما أن من ظن العطب في سلوك طريق فواجب عليه أن يتجنب سلوكه و

في الحديث عن سليم بن عامر عن المقداد بن الأسود قال سمعت رسول الله ص يقول إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون الشمس بقدر ميل أو ميلين قال سليم فلا أدري أ مسافة الأرض أم الميل الذي تكحل به العين ثم قال صهرتهم الشمس فيكونون في‏

688

(1) - العرق بقدر أعمالهم فمنهم من يأخذه إلى عقبه و منهم من يلجمه إلجاما قال فرأيت رسول الله ص يشير بيده إلى فيه قال يلجمه إلجاما أورده مسلم في الصحيح

و روي أن ابن عمر قرأ «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ» حتى بلغ «يَوْمَ يَقُومُ اَلنََّاسُ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ» فبكى حتى خر و امتنع من القراءة «كَلاََّ» هو ردع و زجر أي ارتدعوا و انزجروا عن المعاصي فليس الأمر على ما أنتم عليه تم الكلام هاهنا و عند أبي حاتم و سهل كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقا «إِنَّ كِتََابَ اَلفُجََّارِ لَفِي سِجِّينٍ» يعني كتابهم الذي فيه ثبت أعمالهم من الفجور و المعاصي عن الحسن و قيل معناه أنه كتب في كتابهم أنهم يكونون في سجين و هي في الأرض السابعة السفلى عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الضحاك و

عن البراء بن عازب قال قال رسول الله ص سجين أسفل سبع أرضين‏

و قال شمر بن عطية جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال أخبرني عن قول الله تعالى «إِنَّ كِتََابَ اَلفُجََّارِ لَفِي سِجِّينٍ» قال إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها فتدخل سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجين و هو موضع جند إبليس و المعنى في الآية أن كتاب عملهم يوضع هناك و قيل‏

إن سجين جب في جهنم مفتوح و الفلق جب في جهنم مغطى رواه أبو هريرة عن النبي ص

و قيل السجين اسم لكتابهم و هو ظاهر التلاوة أي ما كتبه الله على الكفار بمعنى أوجبه عليهم من الجزاء في هذا الكتاب المسمى سجينا و يكون لفظه من السجن الذي هو الشدة عن أبي مسلم و الذي يدل على أن العرب ما كانت تعرفه و هو قوله‏} «وَ مََا أَدْرََاكَ مََا سِجِّينٌ» أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت و لا قومك عن الزجاج ثم قال مفسرا لذلك «كِتََابٌ مَرْقُومٌ» أي كتاب معلوم كتب فيه ما يسوءهم و يسخن أعينهم و قيل مرقوم معناه رقم لهم بشر كأنه أعلم بعلامة يعرف بها الكافر و الوجه الصحيح أن قوله «كِتََابٌ مَرْقُومٌ» ليس تفسيرا لسجين لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شي‏ء و إنما هو تفسير للكتاب المذكور في قوله «إِنَّ كِتََابَ اَلفُجََّارِ» على تقدير و هو كتاب مرقوم أي مكتوب قد تبينت حروفه‏} «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» و هذا تهديد لمن كذب بالجزاء و البعث و لم يصدق و ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله «يَوْمَ يَقُومُ اَلنََّاسُ» و أن قوله «كَلاََّ إِنَّ كِتََابَ اَلفُجََّارِ» و ما اتصل به اعتراض بينهما ثم فسر سبحانه المكذبين فقال‏} «اَلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ اَلدِّينِ» أي يوم الجزاء فإن من كذب بالباطل لا يتوجه إليه الوعيد بل هو ممدوح ثم قال‏} «وَ مََا يُكَذِّبُ بِهِ» أي لا يكذب بيوم الجزاء «إِلاََّ كُلُّ مُعْتَدٍ» أي متجاوز للحق إلى الباطل‏ «أَثِيمٍ» كثير الإثم مبالغ في ارتكابه ثم وصف المعتدي الأثيم بقوله‏} «إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا» و هي القرآن «قََالَ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ» أي أباطيل الأولين و التقدير قال هذا أساطير الأولين أي ما سطره الأولون و كتبوه مما لا أصل له‏} «كَلاََّ» لا

689

(1) - يؤمنون و قيل ليس الأمر على ما قالوه ثم استأنف فقال «بَلْ رََانَ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ» أي غلب عليها «مََا كََانُوا يَكْسِبُونَ» و المعنى غلب ذنوبهم على قلوبهم و قيل إن معنى الرين هو الذنب على الذنب حتى يموت القلب عن الحسن و قتادة و قال الفراء كثرت المعاصي منهم و الذنوب و أحاطت بقلوبهم فذلك الرين عليها و عن عبد الله بن مسعود قال إن الرجل ليذنب الذنب فتنكت على قلبه نكتة سوداء ثم يذنب الذنب فتنكت نكتة أخرى حتى يصير قلبه على لون الشاة السوداء و

روى العياشي بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال ما من عبد مؤمن إلا و في قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنبا خرج في تلك النكتة نكتة سوداء فإذا تاب ذهب ذلك السواد و إن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا و هو قول الله تعالى «كَلاََّ بَلْ رََانَ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ» الآية

و

قال أبو عبد الله (ع) يصدأ القلب فإذا ذكرته بآلاء الله انجلى عنه‏

و قال أبو مسلم أن اعتيادهم الكفر و ألفتهم له و غفلتهم صار غطاء على قلوبهم فلا يعقلون ما ينفعهم لأن ترك النظر في العواقب و كثرة المعاصي و الانهماك في الفسق يقوي الدواعي في الإعراض عن التوبة و الإيلاع بالذنوب فصار ذلك كالغالب على القلوب الرائن عليها و قال أبو القاسم البلخي و في الآية دلالة على صحة ما يقوله أهل العدل في تفسير الطبع على القلوب و الختم عليها و الإضلال لأنه تعالى أخبر أن أعمالهم السيئة و ما كانوا يكسبونه من القبيح ران على قلوبهم‏} «كَلاََّ» يريد لا يصدقون عن ابن عباس ثم استأنف «إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ» يعني أن هؤلاء الذين وصفهم بالكفر و الفجور محجوبون يوم القيامة عن رحمة ربهم و إحسانه و كرامته عن الحسن و قتادة و قيل ممنوعون من رحمته مدفوعون عن ثوابه غير مقبولين و لا مرضيين عن أبي مسلم و قيل‏

محرومون عن ثوابه و كرامته عن علي (ع)

«ثُمَّ إِنَّهُمْ» بعد أن منعوا من الثواب و الكرامة «لَصََالُوا اَلْجَحِيمِ» أي لازموا الجحيم بكونهم فيها لا يغيبون عنها و قال أبو مسلم لصائرون صلاها أي وقودها} «ثُمَّ يُقََالُ» لهم توبيخا و تبكيتا «هََذَا اَلَّذِي» فعل بكم من العذاب و العقاب «اَلَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ» في دار التكليف و يسمى مثل هذا الخطاب تقريعا لأنه خبر بما يقرع بشدة الغم على وجه الذم.

ـ

690

(1) -

القراءة

قرأ أبو جعفر و يعقوب تعرف بضم التاء و فتح الراء نضرة بالرفع و الباقون «تَعْرِفُ» بفتح التاء و كسر الراء «نَضْرَةَ» بالنصب و قرأ الكسائي وحده‏

خاتمه و هي قراءة علي (ع)

و علقمة و الباقون «خِتََامُهُ» و قرأ أبو جعفر و حفص «فَكِهِينَ» بغير ألف و الباقون فاكهين و قرأ حمزة و الكسائي هثوب الكفار بإدغام اللام في الثاء و قد روي نحوه عن أبي عمرو و الباقون بالإظهار.

الحجة

«تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ» على الخطاب و المعنى في القراءتين سواء و قال أبو عبيدة ختامه أي عاقبته قال ابن مقبل :

مما يفتق في الحانوت باطنها # بالفلفل الجون و الرمان مختوم‏

قال أبو علي «خِتََامُهُ مِسْكٌ» و المراد به لذاذة المقطع و ذكاء الرائحة و أرجها مع طيب‏

691

(1) - الطعم و هذا كقوله‏ كََانَ مِزََاجُهََا كََافُوراً و كََانَ مِزََاجُهََا زَنْجَبِيلاً أي يحذي اللسان و أما قول الكسائي خاتمه فإن معناه آخره كما كان خاتم النبيين معناه آخرهم فالختام المصدر و الخاتم اسم الفاعل كالطابع و التابل و العرب تقول خاتم بالفتح و خاتم و خاتام و خيتام قال سيبويه أدغم أبو عمرو هثوب الكفار و إدغامها فيها حسن و إن كان دون إدغام اللام في الراء في الحسن لتقاربهما و جاز إدغامها فيها لأنه قد أدغم في الشين فيما قد أنشده من قوله‏

هشي بكفيك لائق‏

يريد هل شي‏ء.

اللغة

عليون علو على علو مضاعف و لهذا جمع بالواو و النون تفخيما لشأنه و تشبيها بما يعقل في عظم الشأن و هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة قال الشاعر:

فأصبحت المذاهب قد أذاعت # به الأعصار بعد الوابلينا

يريد قطرا بعد قطر غير محدود العددو كذلك تفخيم شأن العدد الذي ليس على الواحد نحو ثلاثون و أربعون إلى التسعين و جرت العشرون عليه و قال الزجاج عليون اسم لأعلى الأمكنة و إعرابه كأعراب الجمع لأنه على لفظ الجمع كما تقول هذا قنسرون و رأيت قنسرين و الأرائك الأسرة في الحجال و الرحيق الشراب الذي لا غش فيه قال حسان :

يسقون من ورد البريص عليهم # بردي تصفق بالرحيق السلسل‏

قال الخليل هي أفضل الخمر و أجودها و التنافس تمني كل واحد من النفسين مثل الشي‏ء النفيس الذي للنفس الأخرى أن يكون له تنافسوا في الشي‏ء تنافسا و نافسه فيه منافسة و نفس عليه بالشي‏ء ينفس نفاسة إذا ضن به لجلالة قدره عنده و ذلك الشي‏ء الذي ينفس به نفيس و المزج خلط مائع بمائع على خلاف صفته كمزج الشراب بالماء و التسنيم عين ماء يجري من علو إلى أسفل يتسنم عليهم من الغرف و اشتقاقه من السنام و سنمت العين تسنيما إذا أجريتها عليهم من فوقهم و التغامز إشارة بعضهم إلى بعض بالأعين استهزاء و طلبا للعيب يقال غمز بجفنه إذا أشار و الفاكهون اللاهون و الفكهون المرحون الأشرون و الفكاهة المزاح و أصل الثواب من الرجوع كأنه يرجع على العامل بعمله و ثاب عليه عقله إذا رجع .

الإعراب‏

«عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا اَلْمُقَرَّبُونَ» يجوز أن تكون منصوبة مفعولة لتسنيم أي مزاجه من ماء متسنم عينا كقوله تعالى‏ «أَوْ إِطْعََامٌ يَتِيماً» و يجوز أن تكون منصوبة على تقدير

692

(1) - و يسقون من عين و يجوز أن تكون منصوبة على الحال و يكون تسنيم معرفة و عينا نكرة.

المعنى‏

لما تقدم ذكر حال الفجار عقبه سبحانه بذكر حال الأبرار فقال «كَلاََّ» أي لا يؤمنون بالعذاب الذي يصلونه فعلى هذا يتصل بما قبله و قيل معناه حقا و يتصل بما بعده «إِنَّ كِتََابَ اَلْأَبْرََارِ» أي المطيعين لله «لَفِي عِلِّيِّينَ» أي مراتب عالية محفوفة بالجلالة و قيل في السماء السابعة و فيها أرواح المؤمنين عن قتادة و مجاهد و الضحاك و كعب و قيل في سدرة المنتهى و هي التي ينتهي إليها كل شي‏ء من أمر الله تعالى عن الضحاك في رواية أخرى و قيل العليون الجنة عن ابن عباس قال الفراء في ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له و قيل هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيها عن ابن عباس في رواية أخرى و

عن البراء بن عازب عن النبي ص قال في عليين في السماء السابعة تحت العرش‏

«وَ مََا أَدْرََاكَ مََا عِلِّيُّونَ» و هذا تعظيم لشأن هذه المنزلة و تفخيم لأمرها و تنبيه على أن تفصيل تفضيله لا يمكن العلم به إلا بالمشاهدة ثم قال‏} «كِتََابٌ مَرْقُومٌ» أي هو كتاب مكتوب فيه جميع طاعاتهم و ما تقر به أعينهم و يوجب سرورهم بضد الكتاب الذي للفجار لأن فيه ما يسوؤهم و ينوؤهم و يسخن عيونهم قال مقاتل مرقوم مكتوب لهم بالخيرات في ساق العرش و يدل عليه قوله‏} «يَشْهَدُهُ اَلْمُقَرَّبُونَ» يعني الملائكة الذين هم في عليين يشهدون و يحضرون ذلك المكتوب أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين و المقربون هم الذين قربوا إلى كرامة الله في أجل المراتب‏و قال عبد الله بن عمر أن أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كذا فإذا أشرف رجل منهم أشرقت الجنة و قالوا قد اطلع علينا رجل من أهل عليين‏} «إِنَّ اَلْأَبْرََارَ لَفِي نَعِيمٍ» أي يحصلون في ملاذ و أنواع من النعمة في الجنة} «عَلَى اَلْأَرََائِكِ» قال الحسن ما كنا نعرف ما الأرائك حتى قدم إلينا رجل من أهل اليمن فزعم أن الأريكة عندهم الحجلة إذا كان فيها سرير «يَنْظُرُونَ» إلى ما أعطوا من النعيم و الكرامة و قيل ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون عن مقاتل } «تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ اَلنَّعِيمِ» أي إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة بما ترى في وجوههم من النور و الحسن و البياض و البهجة قال عطاء و ذلك أن الله تعالى قد زاد في جمالهم و ألوانهم ما لا يصفه واصف‏} «يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ» أي خمر صافية خالصة من كل غش «مَخْتُومٍ» و هو الذي له ختام أي عاقبةو قيل مختوم في الآنية بالمسك و هو غير الخمر التي تجري في الأنهار و قيل مختوم أي ممنوع من أن تمسه يد حتى يفك ختمه للأبرار ثم فسر المختوم بقوله‏} «خِتََامُهُ مِسْكٌ» أي آخر طعمه ريح المسك إذا رفع الشارب فاه عن آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك عن ابن عباس و الحسن و قتادة .

ـو قيل ختم‏

693

(1) - إناؤه بالمسك بدلا من الطين الذي يختم به الشراب في الدنيا عن مجاهد و ابن زيد قال مجاهد طينه مسك و عن أبي الدرداء قال هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم و لو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل إصبعه فيه ثم أخرجه لم يبق ذو روح إلا و نال طيبها ثم رغب فيها فقال «وَ فِي ذََلِكَ فَلْيَتَنََافَسِ اَلْمُتَنََافِسُونَ» أي فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله تعالى و مثله قوله سبحانه‏ لِمِثْلِ هََذََا فَلْيَعْمَلِ اَلْعََامِلُونَ و قيل فليتنازع المتنازعون عن مقاتل و قيل ليتشاح المتشاحون عن زيد بن أسلم و

في الحديث من صام لله في يوم صائف سقاه الله على الظمأ من الرحيق المختوم‏

و

في وصية النبي ص لأمير المؤمنين (ع) و من ترك الخمر لله سقاه الله من الرحيق المختوم‏

«وَ مِزََاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ» أي و مزاج ذلك الشراب الذي وصفناه و هو ما يمزج به من تسنيم و هو عين في الجنة و هو أشرف شراب في الجنة قال مسروق يشربها المقربون صرفا و يمزج بها كأس أصحاب اليمين فيطيب و روى ميمون بن مهران أن ابن عباس سئل عن تسنيم فقال هذا مما يقول الله عز و جل‏ فَلاََ تَعْلَمُ نَفْسٌ مََا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ و نحو هذا قول الحسن خفايا أخفاها الله لأهل الجنة و قيل هو شراب ينصب عليهم من علو انصبابا عن مقاتل و قيل هو نهر يجري في الهواء فينصب في أواني أهل الجنة بحسب الحاجة عن قتادة ثم فسره سبحانه فقال‏} «عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا اَلْمُقَرَّبُونَ» أي هي خالصة للمقربين يشربونها صرفا و يمزج لسائر أهل الجنة عن ابن مسعود و ابن عباس } «إِنَّ اَلَّذِينَ أَجْرَمُوا» يعني كفار قريش و مترفيهم كأبي جهل و الوليد بن المغيرة و العاص بن وائل و أصحابهم «كََانُوا مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» يعني أصحاب النبي ص مثل عمار و خباب و بلال و غيرهم‏ «يَضْحَكُونَ» على وجه السخرية بهم و الاستهزاء في دار الدنيا و يحتمل أن يكون ضحكوا من جدهم في عبادتهم و كثرة صلاتهم و صيامهم لإنكارهم الجزاء و البعث و يجوز أن يكون كان ضحكهم إنكارا و تعجبا من قولهم بالإعادة و إحياء العظام الرميمة و يحتمل أن يكون ذلك لغلوهم في كفرهم و جهلهم و لإيهام العوام أنهم على حق و إن المسلمين على باطل فكانوا يضحكون‏} «وَ إِذََا مَرُّوا بِهِمْ» يعني و إذا مر المؤمنون بهؤلاء المشركين «يَتَغََامَزُونَ» بأن يشير بعضهم إلى بعض بالأعين و الحواجب استهزاء بهم أي يقول هؤلاء إنهم على حق و إن محمدا ص أنزل عليه الوحي و أنه رسول و إنا نبعث و نحو ذلك و قيل نزلت في علي بن أبي طالب (ع) و ذلك أنه كان في نفر من المسلمين جاءوا إلى النبي ص فسخر منهم المنافقون و ضحكوا و تغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه فنزلت الآية قبل أن يصل علي (ع) و أصحابه إلى النبي ص عن مقاتل و الكلبي و ذكر الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التفضيل بإسناده عن أبي صالح

694

(1) - عن ابن عباس قال «إِنَّ اَلَّذِينَ أَجْرَمُوا» منافقوا قريش و «اَلَّذِينَ آمَنُوا» علي بن أبي طالب (ع) و أصحابه‏} «وَ إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى‏ََ أَهْلِهِمُ اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ» يعني و إذا رجع هؤلاء الكفار إلى أهلهم رجعوا معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم‏} «وَ إِذََا رَأَوْهُمْ قََالُوا إِنَّ هََؤُلاََءِ لَضََالُّونَ» عن طريق الحق و الصواب تركوا التنعم رجاء ثواب لا حقيقة لهم خدعهم به محمد ص ثم قال سبحانه‏} «وَ مََا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حََافِظِينَ» أي و لم يرسل هؤلاء الكفار حافظين على المؤمنين ما هم عليه و ما كلفوا حفظ أعمالهم فكيف يطغون عليهم و لو اشتغلوا بما كلفوه كان ذلك أولى بهم و قيل معناه و ما أرسلوا عليهم شاهدين لأن شهادة الكفار لا تقبل على المؤمنين أي ليسوا شهداء عليهم بل المؤمنون شهداء على الكفار يشهدون عليهم يوم القيامة عن أبي مسلم } «فَالْيَوْمَ» يعني يوم القيامة الذي يجازي الله كل أحد على عمله «اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنَ اَلْكُفََّارِ يَضْحَكُونَ» كما ضحك الكفار منهم في الدنياو ذلك أنه يفتح للكفار باب إلى الجنة و يقال لهم أخرجوا إليها فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم يفعل ذلك بهم مرارا فيضحك منهم المؤمنون عن أبي صالح و قيل يضحكون من الكفار إذا رأوهم في العذاب و أنفسهم في النعيم و قيل أن الوجه في ضحك أهل الجنة من أهل النار أنهم لما كانوا أعداء الله و أعداء لهم جعل الله سبحانه لهم سرورا في تعذيبهم و لو كان العفو قد وقع عليهم لم يجز أن يجعل السرور في ذلك لأنه مضمن بالعداوة و قد زالت بالعفو} «عَلَى اَلْأَرََائِكِ يَنْظُرُونَ» يعني المؤمنين ينظرون إلى عذاب أعدائهم الكفار على سرر في الحجال ثم قال سبحانه‏} «هَلْ ثُوِّبَ اَلْكُفََّارُ مََا كََانُوا يَفْعَلُونَ» أي هل جوزي الكفار إذا فعل بهم هذا الذي ذكره على ما كانوا يفعلونه من السخرية بالمؤمنين في الدنيا و هو استفهام يراد به التقرير و ثوب بمعنى أثيب و قيل معناه يتصل بما قبله و يكون التقدير إن الذين آمنوا ينظرون هل جوزي الكفار بأعمالهم و يكون الجملة متعلقة بينظرون‏و على القول الأول يكون استئناف كلام لا موضع له من الإعراب و إنما قال «هَلْ ثُوِّبَ اَلْكُفََّارُ» فاستعمل لفظ الثواب في العقوبة لأن الثواب في أصل اللغة الجزاء الذي يرجع إلى العامل بعمله و إن كان في العرف اختص الجزاء بالنعيم على الأعمال الصالحة فاستعمل هنا على أصله و قيل لأنه جاء في مقابلة ما فعل بالمؤمنين أي هل ثوب الكفار كما ثوب المؤمنون و هذا القول يكون من قبل الله تعالى أو تقوله الملائكة للمؤمنين تنبيها لهم على أن الكفار جوزوا على كفرهم و استهزائهم بالمؤمنين ما استحقوه من أليم العذاب ليزدادوا بذلك سرورا إلى سرورهم و يحتمل أن يكون ذلك يقوله المؤمنون بعضهم لبعض سرورا بما ينزل بالكفار و كل هذه الوجوه إنما تتجه على القول الأول إذا كانت الجملة كلاما مستأنفا لا تعلق له بما قبله.

695

(1) -

(84) سورة انشقت مكية و آياتها خمس و عشرون (25)

توضيح‏

و تسمى سورة الانشقاق مكية.

عدد آيها

ثلاث و عشرون آية بصري شامي و خمس في الباقين.

اختلافها

آيتان «كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ» «وَرََاءَ ظَهْرِهِ» كلاهما حجازي كوفي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة انشقت أعاذه الله أن يعطيه كتابه وراء ظهره.

تفسيرها

ختم الله سبحانه تلك السورة بذكر أحوال القيامةو افتتح هذه السورة بمثل ذلك فاتصلت بها اتصال النظير بالنظير فقال:

696

(1) -

القراءة

قرأ أبو جعفر و أهل العراق غير الكسائي «يَصْلى‏ََ» بالتخفيف بفتح الياء و الباقون يصلى بضم الياء و التشديد و قرأ ابن كثير و أهل الكوفة غير عاصم لتركبن بفتح الباء و الباقون بضم الباء.

الحجة

قال أبو علي حجة يصلى مشددة اللام‏ ثُمَّ اَلْجَحِيمَ صَلُّوهُ و حجة «يَصْلى‏ََ» وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً اِصْلَوْهَا اَلْيَوْمَ و هذا كثير في التنزيل و حجة «لَتَرْكَبُنَّ» قول ابن عباس لتركبن السماء حالا بعد حال مرة كالمهل‏و مرة كالدهان و ابن مسعود لتركبن يا محمد طبقا عن طبق و مجاهد لتركبن أمرا بعد أمر و الحسن أي حالا عن حال و منزلا عن منزل أبو عبيدة لتركبن سنة من كان قبلكم أبو علي من فتح الباء أراد النبي ص و من ضم الباء أراد النبي ص و غيره و الضم يأتي على معنى المفتوحة و فسروا طبقا عن طبق حالا بعد حال و مثل ما فسروا من أن معنى عن معنى بعد قول الأعشى :

ساد و ألفى رهطه سادة # و كابرا سادوك عن كابر

697

(1) - المعنى كابرا بعد كابر فعن متعلق بسادوك و لا يكون متعلقا بكابر و قد بينوا ذلك في قول النابغة :

بقية قدر من قدور تورثت # لآل الجلاح كابرا بعد كابر

و قالوا عرق عن الحمى أي بعدها.

ـ

اللغة

الانشقاق افتراق امتداد عن التئام فكل انشقاق افتراق و ليس كل افتراق انشقاقا و الأذن الاستماع تقول العرب أذن لك هذا الأمر أذنا بمعنى استمع لك قال عدي بن زيد :

في سماع يأذن الشيخ له # و حديث مثل ماذي مشار

و قال أيضا:

أيها القلب تعلل بددن # إن همي في سماع و أذن‏

و قال آخر

"و إن ذكرت بشر عندهم أذنوا"

و الكدح السعي الشديد في الأمر و الدأب في العمل و يقال كدح الإنسان في عمله يكدح و ثور فيه كدوح أي آثار من شدة السعي قال ابن مقبل :

و ما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت و أخرى أبتغي العيش أكدح‏

و الحور الرجوع حار يحور إذا رجع و كلمته فما حار جوابا أي ما رد جوابا و نعوذ بالله من الحور بعد الكور أي من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة و التمام و حوره إذا رده إلى البياض و المحور البكرة تدور حتى ترجع إلى مكانها و

الشفق هو الحمرة بين المغرب و العشاء الآخرة و هو قول مالك و الشافعي و الأوزاعي و أبي يوسف و محمد و هو قول الخليل و هو المروي عن أئمة الهدى (ع)

و قال ثعلب هو البياض و هو قول أبي حنيفة قال الفراء سمعت بعض العرب تقول الثوب أحمر كأنه الشفق و قال الشاعر

"أحمر اللون كمحمر الشفق".

و قال آخر:

قم يا غلام أعني غير محتشم # على الزمان بكأس حشوها شفق‏

698

(1) - و أصل الشفق الرقة و مثله التشفيق و هو الرقة على خلل فيه و أشفق على كذا إذا رق عليه و خاف هلاكه‏و ثوب شفق رقيق فالشفق هو الحمرة الرقيقة في المغرب بعد مغيب الشمس و الوسق الجمع وسقته أسقه إذا جمعته و طعام موسوق أي مجموع و الوسق الطعام المجتمع الكثير مما يكال أو يوزن و مقداره ستون صاعا و الاتساق الاجتماع على تمام افتعال من الوسق و أصل الطبق الحال و العرب تسمي الدواهي أم طبق و بنات طبق قال‏

"قد طرقت ببكرها أم طبق"

و قال في أن الطبق الحال:

الصبر أحمد و الدنيا مفجعة # من ذا الذي لم يذق من عيشه رنقا

إذا صفا لك من مسرورها طبق # أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا

و قال آخر:

إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره # و ساقني طبق منه إلى طبق

فلست أصبو إلى خل يفارقني # و لا تقبض أحشائي من الفرق‏

.

الإعراب‏

قال الزجاج جواب إذا يدل عليه قوله «فَمُلاََقِيهِ» و المعنى إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله و الهاء في قوله «فَمُلاََقِيهِ» يجوز أن يكون تقديره فملاق ربك و يجوز أن يكون فملاق كدحك أي عملك و سعيك و قوله «كََادِحٌ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَدْحاً» قيل إن إلى هنا بمعنى اللام و الوجه الصحيح فيه أن يكون محمولا على المعنى لأن معناه ساع إلى ربك سعيا على أنه يحتمل أن يكون إلى متعلقة بمحذوف و يكون التقدير إنك كادح لنفسك صائر إلى ربك كما أن قوله‏ «وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ» يكون على معنى تبتل من الخلق راجعا إلى الله تعالى أو راغبا إليه و قوله «يَدْعُوا ثُبُوراً» معناه أنه يقول يا ثبوراه فكأنه يدعوه و يقول يا ثبور تعال فهذا أوانك مثل ما قيل في يا حسرتي فعلى هذا يكون ثبورا مفعولا به «أَنْ لَنْ يَحُورَ» تقديره أنه لن يحور فهي مخففة من الثقيلة و لا يجوز أن تكون أن الناصبة للفعل لأنه لا يجوز أن يجتمع عاملان على كلمة واحدة و قوله «فَمََا لَهُمْ» مبتدأ و خبر و «لاََ يُؤْمِنُونَ» جملة منصوبة الموضع على الحال و التقدير أي شي‏ء استقر لهم غير مؤمنين.

699

(1) -

المعنى‏

«إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْشَقَّتْ» أي تصدعت و انفرجت و انشقاقها من علامات القيامة و ذكر ذلك في مواضع من القرآن } «وَ أَذِنَتْ لِرَبِّهََا» أي سمعت و أطاعت في الانشقاق عن ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد و قتادة و هذا توسع أي كأنها سمعت و انقادت لتدبير الله «وَ حُقَّتْ» أي و حق لها أن تأذن بالانقياد لأمر ربها الذي خلقها و تطيع له‏} «وَ إِذَا اَلْأَرْضُ مُدَّتْ» أي بسطت باندكاك جبالها و آكامها حتى تصير كالصحيفة الملساء و قيل إنها تمد مد الأديم العكاظي و تزاد في سعتها عن ابن عباس و قيل سويت فلا بناء و لا جبل إلا دخل فيها عن مقاتل } «وَ أَلْقَتْ مََا فِيهََا» من الموتى و الكنوز مثل‏ وَ أَخْرَجَتِ اَلْأَرْضُ أَثْقََالَهََا عن قتادة و مجاهد «وَ تَخَلَّتْ» أي خلت فلم يبق في بطنها شي‏ء و قيل معناه ألقت ما في بطنها من كنوزها و معادنها و تخلت مما على ظهرها من جبالها و بحارها} «وَ أَذِنَتْ لِرَبِّهََا وَ حُقَّتْ» ليس هذا بتكرارلأن الأول في صفة السماء و الثاني في صفة الأرض و هذا كله من أشراط الساعة و جلائل الأمور التي تكون فيها و التقدير إذا كانت هذه الأشياء التي ذكرناها و عددناها رأي الإنسان ما قدم من خير أو شر و يدل على هذا المحذوف قوله‏} «يََا أَيُّهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّكَ كََادِحٌ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَدْحاً» أي ساع إليه في عملك و قوله «يََا أَيُّهَا اَلْإِنْسََانُ» خطاب لجميع المكلفين من ولد آدم يقول الله لهم سبحانه و لكل واحد منهم يا أيها الإنسان إنك عامل عملا في مشقة لتحمله إلى الله و توصله إليه «فَمُلاََقِيهِ» أي ملاق جزاءه جعل لقاء جزاء العمل لقاء له تفخيما لشأنه و قيل معناه ملاق ربك أي صائر إلى حكمه حيث لا حكم إلا حكمه و قال ابن الأنباري و البلخي جواب إذا قوله «أَذِنَتْ لِرَبِّهََا وَ حُقَّتْ» و الواو زائدة كقوله‏ «حَتََّى إِذََا جََاؤُهََا فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا» و هذا ضعيف و الأول هو الوجه ثم قسم سبحانه أحوال لخلق يوم القيامة فقال‏} «فَأَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ بِيَمِينِهِ» أي من أعطي كتابه الذي ثبت فيه أعماله من طاعة أو معصية بيده اليمني‏} «فَسَوْفَ يُحََاسَبُ حِسََاباً يَسِيراً» يريد أنه لا يناقش في الحساب و لا يواقف على ما عمل من الحسنات و ما له عليها من الثواب و ما حط عنه من الأوزار إما بالتوبة أو بالعفوو

قيل الحساب اليسير التجاوز عن السيئات و الإثابة على الحسنات و من نوقش الحساب عذب في خبر مرفوع

و

في رواية أخرى يعرف عمله ثم يتجاوز عنه‏

و

في حديث آخر ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابا يسيرا و أدخله الجنة برحمته قالوا و ما هي يا رسول الله قال تعطي من حرمك و تصل من قطعك و تعفو عمن ظلمك‏

«وَ يَنْقَلِبُ» بعد الفراغ من الحساب «إِلى‏ََ أَهْلِهِ مَسْرُوراً» بما أوتي من الخير و الكرامة و المراد بالأهل هنا ما أعد الله له من الحور العين و قيل أهله أزواجه و أولاده و عشائره و قد سبقوه إلى الجنة و السرور هو الاعتقاد و العلم بوصول نفع إليه أو دفع ضرر عنه في المستقبل و قال قوم هو معنى في القلب يلتذ

700

(1) - لأجله بنيل المشتهى يقال سر بكذا من مال أو ولد أو بلوغ أمل فهو مسرور } «وَ أَمََّا مَنْ أُوتِيَ كِتََابَهُ وَرََاءَ ظَهْرِهِ» لأن يمينه مغلولة إلى عنقه و تكون يده اليسرى خلف ظهره عن الكلبي و قيل تخلع يده اليسرى خلف ظهره عن مقاتل و الوجه في ذلك أن تكون إعطاء الكتاب باليمين أمارة للملائكة و المؤمنين لكون صاحبه من أهل الجنة و لطفا للخلق في الأخبارية و كناية عن قبول أعماله‏و إعطاؤه على الوجه الآخر أمارة لهم على أن صاحبه من أهل النار و علامة المناقشة في الحساب و سوء المآب ثم حكى سبحانه ما يحل به فقال‏} «فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً» أي هلاكا إذا قرأ كتابه و هو أن يقول وا ثبوراه وا هلاكاه‏} «وَ يَصْلى‏ََ سَعِيراً» أي يدخل النار و يعذب بها عن الجبائي و قيل يصير صلاء النار المسعرة و قيل يلزم النار معذبا على وجه التأبيد} «إِنَّهُ كََانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً» في الدنيا ناعما لا يهمه أمر الآخرة و لا يتحمل مشقة العبادة فأبدله الله بسروره غما باقيا لا ينقطع و كان المؤمن مهتما بأمر الآخرة فأبدله الله بهمه سرورا لا يزول و لا يبيد و قيل كان مسرورا بمعاصي الله تعالى لا يندم عليها عن الجبائي و قيل إن من عصى و سر بمعصية الله فقد ظن أنه لا يرجع إلى البعث و لو كان موقنا بالبعث و الجزاء لكان بعيدا عن السرور بالمعاصي‏} «إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ» أي ظن في دار التكليف أنه لم يرجع إلى حال الحياة في الآخرة للجزاء فارتكب المأثم و انتهك المحارم‏و قال مقاتل حسب أن لا يرجع إلى الله فقال سبحانه‏} «بَلى‏ََ» ليحورن و ليبعثن و ليس الأمر على ما ظنه «إِنَّ رَبَّهُ كََانَ بِهِ بَصِيراً» من يوم خلقه إلى أن يبعثه قال الزجاج كان به بصيرا قبل أن يخلقه عالما بأن مرجعه إليه ثم أقسم سبحانه فقال‏} «فَلاََ أُقْسِمُ» سبق بيانه في سورة القيامة «بِالشَّفَقِ» أي بالحمرة التي تبقى عند المغرب في الأفق و قيل البياض‏} «وَ اَللَّيْلِ وَ مََا وَسَقَ» أي و ما جمع و ضم مما كان منتشرا بالنهار في تصرفه و ذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شي‏ء إلى مأواه عن عكرمة و غيره و قيل و ما ساق لأن ظلمة الليل تسوق كل شي‏ء إلى مسكنه عن الضحاك و مقاتل و قيل «وَ مََا وَسَقَ» أي طرد من الكواكب فإنها تظهر بالليل و تخفى بالنهار و أضاف ذلك إلى الليل لأن ظهورها فيه مطرد عن أبي مسلم } «وَ اَلْقَمَرِ إِذَا اِتَّسَقَ» أي إذا استوى و اجتمع و تكامل و تم قال الفراء اتساقه امتلاءه و اجتماعه و استواؤه لثلاث عشرة إلى ست عشرة} «لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ» هذا جواب القسم أي لتركبن يا محمد سماء بعد سماء تصعد فيها عن ابن عباس و ابن مسعود و مجاهد و الشعبي و الكلبي و يجوز أن يريد درجة بعد درجة و رتبة بعد رتبة في المقربة من الله و رفعة المنزلة عنده و روى مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقرأ لتركبن بفتح الباء «طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ» قال يعني نبيكم حالا بعد حال رواه البخاري في الصحيح و من قرأ بالضم فالخطاب للناس أي لتركبن حالا بعد حال و منزلا بعد منزل و أمرا بعد أمر يعني في الآخرة

701

(1) - و المراد أن الأحوال تتقلب بهم فيصيرون على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا و عن بمعنى بعد كما قال سبحانه‏ «عَمََّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نََادِمِينَ» أي بعد قليل.

ـو قال الشاعر:

قربا مربط النعامة مني # لقحت حرب وائل عن حيال‏

أي بعد حيال و

قيل معناه شدة بعد شدة حياة ثم موت ثم بعث ثم جزاء و روي ذلك مرفوعا

و قيل أمرا بعد أمر و رخاء بعد شدة و شدة بعد رخاء و فقرا بعد غنى و غنى بعد فقر و صحة بعد سقم و سقما بعد صحة عن عطا و قيل حالا بعد حال نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم خلقا آخر ثم جنينا ثم وليدا ثم رضيعا ثم فطيما ثم يافعا ثم ناشئا ثم مترعرعا ثم حزورا ثم مراهقا ثم محتلما ثم بالغا ثم أمرد ثم طارا ثم باقلا ثم مسيطرا ثم مطرخما ثم مختطا ثم صملا ثم ملتحيا ثم مستويا ثم مصعدا ثم مجتمعا و الشاب يجمع ذلك كله ثم ملهوزا ثم كهلا ثم أشمط ثم شيخا ثم أشيب ثم حوقلا ثم صفتانا ثم هما ثم هرما ثم ميتا فيشتمل الإنسان من كونه نطفة إلى أن يموت على سبعة و ثلاثين اسما و قيل معناه لتحدثن أمرا لم تكونوا عليه في كل عشرين سنة عن مكحول و قيل معناه لتركبن منزلة عن منزلة و طبقة عن طبقة و ذلك أن من كان على صلاح دعاه ذلك إلى صلاح فوقه و من كان إلى فساد دعاه إلى فساد فوقه لأن كل شي‏ء يجر إلى شكله و

قيل لتركبن سنن من كان قبلكم من الأولين و أحوالهم عن أبي عبيدة و روي ذلك عن الصادق (ع)

و المعنى أنه يكون فيكم ما كان فيهم و يجري عليكم ما جرى عليهم حذو القذة بالقذة ثم قال سبحانه على وجه التقريع لهم و التبكيت «فَمََا لَهُمْ» يعني كفار قريش «لاََ يُؤْمِنُونَ» بمحمد ص و القرآن و المعنى أي شي‏ء لهم إذا لم يؤمنوا و هو استفهام إنكار أي لا شي‏ء لهم من النعيم و الكرامة إذا لم يؤمنوا و قيل معناه فما وجه الارتياب الذي يصرفهم عن الإيمان و هو تعجب منهم في تركهم الإيمان و المراد أي مانع لهم و أي عذر لهم في ترك الإيمان مع وضوح الدلائل‏} «وَ إِذََا قُرِئَ عَلَيْهِمُ اَلْقُرْآنُ لاََ يَسْجُدُونَ» عطف على قوله «فَمََا لَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ» أي ما الذي يصرفهم عن الإيمان و عن‏

702

(1) - السجود لله تعالى إذا تلي عليهم القرآن و قيل معنى لا يسجدون لا يصلون لله تعالى عن عطا و الكلبي و

في خبر مرفوع عن أبي هريرة قال قرأ رسول الله ص إذا السماء انشقت فسجد

ثم قال سبحانه‏} «بَلِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ» أي لم يتركوا الإيمان لقصور في البيان أو لانقطاع من البرهان لكنهم قلدوا أسلافهم و رؤساءهم في التكذيب بالرسول و القرآن } «وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا يُوعُونَ» أي يجمعون في صدورهم و يضمرون في قلوبهم من التكذيب و الشرك عن ابن عباس و قتادة و مقاتل و قيل بما يجمعون من الأعمال الصالحة و السيئة عن ابن زيد قال الفراء أصل الإيعاء جعل الشي‏ء في وعاء و القلوب أوعية لما يحصل فيها من علم أو جهل و

في كلام أمير المؤمنين (ع) إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها

ثم قال‏} «فَبَشِّرْهُمْ» يا محمد «بِعَذََابٍ أَلِيمٍ» أي اجعل ذلك لهم بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة ثم استثنى سبحانه المؤمنين من جملة المخاطبين فقال‏} «إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» أي غير منقوص و لا مقطوع لأن نعيم الآخرة غير منقطع عن ابن عباس و قيل غير منقص و لا مكدر بالمن عن الجبائي و روي ذلك عن الحسن و قيل له من و لا منة و إنما قيل له من و له منة لأنه يقطع عن شكر النعمة و أصل المن القطع يقال مننت الحبل إذا قطعته قال لبيد :

لمعفر قهد تنازع شلوه # غبس كواسب ما يمن طعامها

و قيل ليس لأحد عليها منة فيما يكسب و في قوله سبحانه «فَمََا لَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ» و «لاََ يَسْجُدُونَ» دلالة على أن الإيمان و السجود فعلهم لأن الحكيم لا يقول ما لك لا تؤمن و لا تسجد لمن يعلم أنه لا يقدر على الإيمان و السجود و لو وجد ذلك لم يكن من فعله و يدل قوله «لاََ يَسْجُدُونَ» على أن الكفار مخاطبون بالعبادات.

النظم‏

وجه اتصال قوله «إِنَّ رَبَّهُ كََانَ بِهِ بَصِيراً» بما قبله أنه سبحانه لما أخبر عن ظن الكافر أن لن يحور عقبه بالإخبار بأنه يحور و القطع عليه و ذكر أنه بصير به و قيل أن تقديره بلى سيرجع إلى الآخرة و ربه بصير بأحواله فسيجازيه بأعماله.

703

(1) -

(85) سورة البروج مكية و آياتها ثنتان و عشرون (22)

توضيح‏

مكية اثنتان و عشرون آية بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأها أعطاه الله من الأجر بعدد كل يوم جمعة و كل يوم عرفة يكون في دار الدنيا عشر حسنات‏

يونس بن ظبيان عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ و السماء ذات البروج في فرائضه فإنها سورة النبيين كان محشره و موقفه مع النبيين و المرسلين‏

تفسيرها

ختم الله سبحانه تلك السورة بذكر المؤمنين‏و افتتح هذه السورة أيضا بذكر المؤمنين من أصحاب الأخدود فقال:

704

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم و قتيبة المجيد بالجر و الباقون بالرفع و قرأ نافع في لوح محفوظ بالرفع و الباقون بالجر.

الحجة

قال أبو علي من رفع المجيد كان متبعا قوله «ذُو اَلْعَرْشِ» و من جر فمن النحويين من جعله وصفا لقوله «رَبِّكَ» في «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ» قال و لا أجعله وصفا للعرش و منهم من قال صفة للعرش قال أبو زيد يقال مجدت الإبل تمجد مجودا إذا رعت في أرض مكلئة و شبعت و أمجدت الإبل إذا أشبعتها و قالوا في كل شجر نار و استمجد المرخ و العفار أي صار ماجدا في إيرائه النار و قيل استمجد العفار إذا كثر ناره و صفت و حجة نافع في قراءته محفوظ أن القرآن وصف بالحفظ في قوله‏ «وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ» * و معنى حفظ القرآن أنه يؤمن من تحريفه و تبديله و تغييره فلا يلحقه شي‏ء من ذلك و حجة من جر محفوظا جعله وصفا للوح فإنهم يقولون اللوح المحفوظ.

اللغة

الأخدود الشق العظيم في الأرض و

منه ما روي في معجز النبي ص أنه دعا الشجرة فجعلت تخد الأرض خدا حتى أتته‏

و منه الخد لمجاري الدموع و تخدد لحمه إذا صار

705

(1) - فيه طرائق كالشقوق و الوقود ما تشتعل به النار من الحطب و غيره بفتح الواو و الوقود بالضم الإيقاد يقال فتنت الشي‏ء أحرقته و الفتين حجارة سود كأنها محرقة و أصل الفتنة الامتحان‏ثم يستعمل في العذاب .

الإعراب‏

قال الفراء «قُتِلَ أَصْحََابُ اَلْأُخْدُودِ » جواب القسم كما كان جواب‏ وَ اَلشَّمْسِ وَ ضُحََاهََا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا و قيل إن جواب القسم محذوف و تقديره أن الأمر حق في الجزاء على الأعمال و قيل جواب القسم قوله «إِنَّ اَلَّذِينَ فَتَنُوا اَلْمُؤْمِنِينَ» الآية و قيل جواب القسم قوله «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ» النار بدل من الأخدود و هو بدل الاشتمال لأن الأخدود يشتمل على ما فيه من النار أي النار منه و «ذََاتِ اَلْوَقُودِ» صفة للنار و يسأل على هذا فيقال كيف خصت هذه النار بذا و كل نار لها وقود و أجيب عنها بجوابين (أحدهما) أنه قد يكون نار ليست بذات وقود كنار الحجر و نار الكبد (و الآخر) إن الوقود معرف فصار مخصوصا كأنه وقود بعينه كما قال وقودها الناس و الحجارة فكان الوقود هنا أبدان الناس، إذ هم عليها قعود إذ مضاف إلى الجملة و هي ظرف لقوله «قُتِلَ أَصْحََابُ اَلْأُخْدُودِ » إذا كان إخبارا لا دعاء و «أَنْ يُؤْمِنُوا» في موضع نصب بقوله «نَقَمُوا» و التقدير و ما نقموا إلا إيمانهم « فِرْعَوْنَ وَ ثَمُودَ » في موضع جر بدل من الجنود و يجوز أن يكونا في موضع نصب بإضمار فعل كأنه قال أعني فرعون و ثمود .

قصة أصحاب الأخدود

روى مسلم في الصحيح عن هدية بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب عن رسول الله ص قال كان ملك فيمن كان قبلكم له ساحر فلما مرض الساحر قال إني قد حضر أجلي فادفع إلي غلاما أعلمه السحر فدفع إليه غلاما و كان يختلف إليه و بين الساحر و الملك راهب فمر الغلام بالراهب فأعجبه كلامه و أمره فكان يطيل عنده القعود فإذا أبطأ عن الساحر ضربه و إذا أبطأ عن أهله ضربوه فشكا ذلك إلى الراهب فقال يا بني إذا استبطأك الساحر فقل حبسني أهلي و إذا استبطأك أهلك فقل حبسني الساحر فبينما هو ذات يوم إذا بالناس قد حبستهم دابة عظيمة فظيعة فقال اليوم أعلم أمر الساحر أفضل أم أمر الراهب فأخذ حجرا فقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك فاقتل هذه الدابة فرمى فقتلها و مضى الناس فأخبر بذلك الراهب فقال أي بني إنك ستبتلى و إذا ابتليت فلا تدل علي قال‏و جعل يداوي الناس فيبرئ الأكمه و الأبرص فبينما هو كذلك إذ عمي جليس للملك فأتاه و حمل إليه مالا كثيرا فقال اشفني و لك ما هاهنا فقال إني لا أشفي أحدا و لكن الله يشفي فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك قال فآمن فدعا الله له فشفاه فذهب‏

706

(1) - فجلس إلى الملك فقال يا فلان من شفاك قال ربي قال أنا قال لا ربي و ربك الله قال أ و إن لك ربا غيري قال نعم ربي و ربك الله فأخذه فلم يزل به حتى دله على الغلام فبعث إلى الغلام فقال لقد بلغ من أمرك أن تشفي الأكمه و الأبرص قال ما أشفي أحدا و لكن الله ربي يشفي قال أ و إن لك ربا غيري قال نعم ربي و ربك الله فأخذه فلم يزل به حتى دله على الراهب فوضع المنشار عليه فنشره حتى وقع شقين و قال للغلام ارجع عن دينك فأبى فأرسل معه نفرا و قال اصعدوا به جبل كذا و كذا فإن رجع عن دينه و إلا فدهدهوه منه قال فعلوا به الجبل فقال اللهم اكفنيهم بما شئت قال فرجف بهم الجبل فتدهدهوا أجمعون‏و جاء إلى الملك فقال ما صنع أصحابك قال كفانيهم الله فأرسل به مرة أخرى قال انطلقوا به فلججوه في البحر فإن رجع و إلا فغرقوه فانطلقوا به في قرقور فلما توسطوا به البحر قال اللهم اكفنيهم بما شئت قال فانكفأت بهم السفينة و جاء حتى قام بين يدي الملك فقال ما صنع أصحابك قال كفانيهم الله ثم قال إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به أجمع الناس ثم اصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضعه على كبد القوس ثم قل باسم رب الغلام فإنك ستقتلني قال فجمع الناس و صلبه ثم أخذ سهما من كنانته فوضعه على كبد القوس و قال باسم رب الغلام و رمى فوقع السهم في صدغه و مات فقال الناس آمنا برب الغلام فقيل له أ رأيت ما كنت تخاف قد نزل و الله بك آمن الناس فأمر بالأخدود فخددت على أفواه السكك ثم أضرمها نارا فقال من رجع عن دينه فدعوه و من أبى فأقحموه فيها فجعلوا يقتحمونها و جاءت امرأة بابن لهافقال لها يا أمه اصبري فإنك على الحق‏

و قال ابن المسيب كنا عند عمر بن الخطاب إذ ورد عليه أنهم احتفروا فوجدوا ذلك الغلام و هو واضع يده على صدغه فكلما مدت يده عادت إلى صدغه فكتب عمر واروه حيث وجدتموه و

روى سعيد بن جبير قال لما انهزم أهل اسفندهان قال عمر بن الخطاب ما هم يهود و لا نصارى و لا لهم كتاب و كانوا مجوسا فقال علي بن أبي طالب (ع) بل قد كان لهم كتاب و لكنه رفع و ذلك أن ملكا لهم سكر فوقع على ابنته أو قال على أخته فلما أفاق قال لها كيف المخرج مما وقعت فيه قالت تجمع أهل مملكتك و تخبرهم أنك ترى نكاح البنات و تأمرهم أن يحلوه فجمعهم فأخبرهم فأبوا أن يتابعوه فخد لهم أخدودا في الأرض و أوقد فيه النيران و عرضهم عليها فمن أبى قبول ذلك قذفه في النار و من أجاب خلى سبيله‏

و

قال الحسن كان النبي ص إذا ذكر أمامه أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء

و

روى العياشي بإسناده عن جابر عن أبي جعفر (ع) قال أرسل علي (ع) إلى أسقف‏

707

(1) - نجران يسأله عن أصحاب الأخدود فأخبره بشي‏ء فقال (ع) ليس كما ذكرت و لكن سأخبرك عنهم إن الله بعث رجلا حبشيا نبيا و هم حبشة فكذبوه فقاتلهم فقتلوا أصحابه و أسروه و أسروا أصحابه ثم بنوا له حيرا ثم ملأوه نارا ثم جمعوا الناس فقالوا من كان على ديننا و أمرنا فليعتزل و من كان على دين هؤلاء فليرم نفسه في النار معه فجعل أصحابه يتهافتون في النار فجاءت امرأة معها صبي لها ابن شهر فلما هجمت على النار هابت و رقت على ابنها فناداها الصبي لا تهابي و ارمي بي و بنفسك في النار فإن هذا و الله في الله قليل فرمت بنفسها في النار و صبيها و كان ممن تكلم في المهد

و

بإسناده عن ميثم التمار قال سمعت أمير المؤمنين (ع) و ذكر أصحاب الأخدود فقال كانوا عشرة و على مثالهم عشرة يقتلون في هذا السوق‏

و قال مقاتل كان أصحاب الأخدود ثلاثة واحد بنجران و الآخر بالشام و الآخر بفارس حرقوا بالنار أما الذي بالشام فهو أنطياخوس الرومي و أما الذي بفارس فهو بخت نصر و أما الذي بأرض العرب فهو يوسف بن ذي نواس فأما من كان بفارس و الشام فلم ينزل الله تعالى فيهما قرآنا و أنزل في الذي كان بنجران و ذلك أن رجلين مسلمين ممن يقرءون الإنجيل (أحدهما) بأرض تهامة (و الآخر) بنجران اليمن أجر أحدهما نفسه في عمل يعمله فجعل يقرأ الإنجيل فرأت ابنة المستأجر النور يضي‏ء من قراءة الإنجيل فذكرت لأبيها فرمق حتى رآه فسأله فلم يخبره فلم يزل به حتى أخبره بالدين و الإسلام فتابعه مع سبعة و ثمانين إنسانا من رجل و امرأة و هذا بعد ما رفع عيسى إلى السماء فسمع يوسف بن ذي نواس بن شراحيل بن تبع الحميري فخد لهم في الأرض و أوقد فيها فعرضهم على الكفر فمن أبى قذفه في النار و من رجع عن دين عيسى لم يقذف فيها و إذا امرأة جاءت و معها ولد صغير لا يتكلم فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت فقال لها يا أماه إني أرى أمامك نارا لا تطفى فلما سمعت من ابنها ذلك قذفها في النار فجعلها الله و ابنها في الجنة و قذف في النار سبعة و سبعون إنسانا قال ابن عباس من أبى أن يقع في النار ضرب بالسياط فأدخل الله أرواحهم في الجنة قبل أن تصل أجسامهم إلى النار.

المعنى‏

إن الله سبحانه أقسم بالسماء فقال «وَ اَلسَّمََاءِ ذََاتِ اَلْبُرُوجِ» فالبروج المنازل العالية و المراد هنا منازل الشمس و القمر و الكواكب و هي اثنا عشر برجا يسير القمر في كل برج منها يومين و ثلاث و تسير الشمس في كل برج شهرا} «وَ اَلْيَوْمِ اَلْمَوْعُودِ» يعني‏

708

(1) - يوم القيامة في قول جميع المفسرين و هو اليوم الذي يجازى فيه الخلائق و يفصل فيه القضاء «وَ شََاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ» فيه أقوال (أحدها)

إن الشاهد يوم الجمعة و المشهود يوم عرفة عن ابن عباس و قتادة و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) و روي ذلك عن النبي ص

و سمي يوم الجمعة شاهدا لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه و

في الحديث ما طلعت الشمس على يوم و لا غربت على يوم أفضل منه و فيه ساعة لا يوافقها من يدعو فيها الله بخير إلا استحباب له و لا استعاذ من شر إلا أعاذه منه‏

و يوم عرفة مشهود يشهد الناس فيه موسم الحج و تشهده الملائكة (و ثانيها) أن الشاهد يوم النحر و المشهود يوم عرفة عن إبراهيم (و ثالثها)

أن الشاهد محمد ص و المشهود يوم القيامة عن ابن عباس في رواية أخرى و سعيد بن المسيب و هو المروي عن الحسن بن علي

و

روي أن رجلا دخل مسجد رسول الله ص فإذا رجل يحدث عن رسول الله ص قال فسألته عن الشاهد و مشهود فقال نعم الشاهد يوم الجمعة و المشهود يوم عرفة فجزته إلى آخر يحدث عن رسول الله ص فسألته عن ذلك فقال أما الشاهد فيوم الجمعة و أما المشهود فيوم النحر فجزتهما إلى غلام كان وجهه الدينار و هو يحدث عن رسول الله ص فقلت أخبرني عن شاهد و مشهود فقال أما الشاهد فمحمد ص و أما المشهود فيوم القيامة أ ما سمعته سبحانه يقول‏ «يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ شََاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً» و قال‏ «ذََلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ اَلنََّاسُ وَ ذََلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ»

فسألت عن الأول فقالوا ابن عباس و سألت عن الثاني فقالوا ابن عمر و سألت عن الثالث فقالوا الحسن بن علي (ع) (و رابعها) أن الشاهد يوم عرفة و المشهود يوم القيامة و

عن أبي الدرداء عن النبي ص قال أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة و إن أحدا لا يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها قال فقلت و بعد الموت فقال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبي الله حي يرزق‏

(و خامسها) إن الشاهد الملك يشهد على بني آدم و المشهود يوم القيامة عن عكرمة و تلا هاتين الآيتين‏ وَ جََاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهََا سََائِقٌ وَ شَهِيدٌ وَ ذََلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ و قد قيل في ذلك أقوال أخر كقول الجبائي الشاهد الذين يشهدون على الناس و المشهود هم الذين يشهد عليهم و قول الحسين بن الفضل الشاهد هذه الأمة و المشهود سائر الأمم لقوله‏ «لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ» و قيل الشاهد أعضاء بني آدم و المشهود هم لقوله «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ» الآية و قيل الشاهد الحجر الأسود و المشهود الحاج و قيل الشاهد الأيام و الليالي و المشهود بنو آدم و ينشد للحسين بن علي (ع) :

مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا # و خلفت في يوم عليك شهيد

فإن أنت بالأمس اقترفت إساءة # فقيد بإحسان و أنت حميد

709

(1) - و لا ترج فعل الخير يوما إلى غد # لعل غدا يأتي و أنت فقيد.

ـو قيل الشاهد الأنبياء و المشهود محمد ص بيانه‏ «وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلنَّبِيِّينَ» إلى قوله «فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ اَلشََّاهِدِينَ» و قيل الشاهد الله و المشهود لا إله إلا الله بيانه قوله «شَهِدَ اَللََّهُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ» الآية و قيل الشاهد الخلق و المشهود الحق و إليه أشار الشاعر بقوله:

أيا عجبا كيف يعصي الإله # أم كيف يجحده الجاحد

و لله في كل تحريكة # و في كل تسكينة شاهد

و في كل شي‏ء له آية # تدل على أنه واحد

فهذه ثمانية أقوال أخر} «قُتِلَ أَصْحََابُ اَلْأُخْدُودِ » أي لعنوا بتحريقهم الناس في الدنيا قبل الآخرةو المراد به الكافرون الذين حفروا الأخدود و عذبوا المؤمنين بالنار و يحتمل أن يكون إخبارا عن المسلمين الذين عذبوا بالنار في الأخدود و المعنى أنهم قتلوا بالإحراق في النار ذكرهم الله سبحانه و أثنى عليهم بحسن بصيرتهم و صبرهم على دينهم حتى أحرقوا بالنار لا يعطون التقية بالرجوع عن الإيمان‏} «اَلنََّارِ ذََاتِ اَلْوَقُودِ» أي أصحاب النار الذين أوقدوها بإحراق المؤمنين و قوله «ذََاتِ اَلْوَقُودِ» إشارة إلى كثرة حطب هذه النار و تعظيم لأمرها فإن النار لا تخلو عن وقود} «إِذْ هُمْ عَلَيْهََا قُعُودٌ» يعني الكفار إذ هم على أطراف هذه النار جلوس يعذبون المؤمنون عن ابن عباس و قيل يعني هم عندها قعود يعرضونهم على الكفر عن مقاتل قال مجاهد كانوا قعودا على الكراسي عند الأخدود و هو قوله‏} «وَ هُمْ» يعني الملك و أصحابه الذين خدوا الأخدود «عَلى‏ََ مََا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ» من عرضهم على النار و إرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم «شُهُودٌ» أي حضور قال الزجاج أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم و حقيقة إيمانهم إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله و قال الربيع بن أنس لما ألقوا في النار نجى الله المؤمنين بأن أخذ أرواحهم قبل أن تمسهم النارو خرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم و قيل أنهم كانوا فرقتين فرقة تعذب المؤمنين و فرقة تشاهد الحال لم يتولوا تعذيبهم لكنهم قعود رضوا بفعل أولئك و كانت الفرقة القاعدة مؤمنة لكنهم لم ينكروا على الكفار صنيعهم فلعنهم الله جميعا عن أبي مسلم و القعود جمع القاعد و كذلك الشهود جمع الشاهد و هم كل حاضر على ما شاهدوه إما بسمع أو بصر} «وَ مََا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاََّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللََّهِ» أي ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا عن ابن عباس و قيل ما أنكروا عليهم دينا و ما عابوا منهم شيئا إلا إيمانهم و هذا كقوله‏ «هَلْ تَنْقِمُونَ مِنََّا إِلاََّ أَنْ آمَنََّا بِاللََّهِ»

710

(1) - عن الزجاج و مقاتل و قال الجبائي ما فعلوا بهم ذلك العذاب إلا بإيمانهم «اَلْعَزِيزِ» القادر الذي لا يمتنع عليه شي‏ء القاهر الذي لا يقهر «اَلْحَمِيدِ» المحمود في جميع أفعاله «اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» أي له التصرف في السماوات و الأرض لا اعتراض لأحد عليه «وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ» أي شاهد عليهم لم يخف عليه فعلهم بالمؤمنين فإنه يجازيهم و ينتصف للمؤمنين منهم‏} «إِنَّ اَلَّذِينَ فَتَنُوا اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ» أي الذين أحرقوهم و عذبوهم بالنار عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و مثله‏ يَوْمَ هُمْ عَلَى اَلنََّارِ يُفْتَنُونَ «ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا» من فعلهم ذلك و من الشرك الذي كانوا عليه و إنما شرط عدم التوبة لأنهم لو تابوا لما توجه إليهم الوعيد «فَلَهُمْ عَذََابُ جَهَنَّمَ» بكفرهم «وَ لَهُمْ عَذََابُ اَلْحَرِيقِ» بما أحرقوا المؤمنين يسأل فيقال كيف فصل بين عذاب جهنم و عذاب الحريف و هما واحد. أجيب عن ذلك بأن المراد لهم أنواع العذاب في جهنم سوى الإحراق مثل الزقوم و الغسلين و المقامع و لهم مع ذلك الإحراق بالنار و قيل لهم عذاب جهنم في الآخرة و لهم عذاب الحريق في الدنيا و ذلك أن النار ارتفعت من الأخدود فأحرقتهم عن الربيع بن أنس و هو قول الكلبي و قال الفراء ارتفعت النار عليهم فأحرقتهم فوق الأخاديد و نجا المؤمنون‏ثم ذكر سبحانه ما أعده للمؤمنين الذين أحرقوا بالنار فقال‏} «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي صدقوا بتوحيد الله «وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَهُمْ جَنََّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ ذََلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْكَبِيرُ» النجاة العظيم و النفع الخالص و إنما وصفه بالكبير لأن نعيم العاملين كبير بالإضافة إلى نعيم من لا عمل له من داخلي الجنة لما في ذلك من الإجلال و الإكرام و التبجيل و الإعظام ثم قال سبحانه متوعدا للكفار و العصاة} «إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ» يا محمد «لَشَدِيدٌ» يعني أن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة و الجبابرة أليم شديد و إذا وصف البطش و هو الأخذ عنفا بالشدة فقد تضاعف مكروهه و تزايد إيلامه‏} «إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ» الخلق يخلقهم أولا في الدنيا «وَ يُعِيدُ» هم أحياء بعد الموت للحساب و الجزاء فليس إمهاله لمن يعصيه لإهماله إياه و قيل أنه يبدئ بالعذاب في الدنيا و يعيده في الآخرة عن ابن عباس و ذلك لأن ما قبله يقتضيه‏} «وَ هُوَ اَلْغَفُورُ» لذنوب المؤمنين من أهل طاعته‏و معناه كثير الغفران عادته مغفرة الذنوب «اَلْوَدُودُ» يود أولياءه و يحبهم عن مجاهد قال الأزهري في تفسير أسماء الله يجوز أن يكون ودود فعولا بمعنى مفعول كركوب و حلوب و معناه أن عباده الصالحين يودونه و يحبونه لما عرفوا من فضله و كرمه و لما أسبغ من آلائه و نعمه قال و كلتا الصفتين مدح لأنه سبحانه أن أحب عباده المطيعين فهو فضل منه و أن أحبوه فلما عرفوه من فضله و إحسانه‏} «ذُو اَلْعَرْشِ اَلْمَجِيدُ» أكثر القراءة في المجيد الرفع لأن الله سبحانه هو الموصوف بالمجد و لأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله‏

711

(1) - تعالى و إن سمع الماجد و من كسر المجيد جعله من صفة العرش و روي عن ابن عباس أنه قال يريد العرش و حسنه و يؤيده أن العرش وصف بالكرم في قوله‏ «رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْكَرِيمِ» فجاز أيضا أن يوصف بالمجد لأن معناه الكمال و العلو و الرفعة و العرش أكمل كل شي‏ء و أعلاه و أجمعه لصفات الحسن‏} «فَعََّالٌ لِمََا يُرِيدُ» لا يعجزه شي‏ء طلبه و لا يمتنع منه شي‏ء أراده عن عطاء و قيل لما يريد من الإبداء و الإعادة ثم ذكر سبحانه خبر الجموع الكافرة فقال «هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ اَلْجُنُودِ» الذين تجندوا على أنبياء الله أي هل بلغك أخبارهم و قيل أراد قد أتاك ثم بين سبحانه أصحاب الجنود فقال‏} « فِرْعَوْنَ وَ ثَمُودَ » و المعنى تذكر يا محمد حديثهم تذكر معتبر كيف كذبوا أنبياء الله و كيف نزل بهم العذاب و كيف صبر الأنبياء و كيف نصروا فاصبر كما صبر أولئك ليأتيك النصر كما أتاهم و هذا من الإيجاز البديع و التلويح الفصيح الذي لا يقوم مقامه التصريح‏} «بَلِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» يعني مشركي قريش «فِي تَكْذِيبٍ» لك و القرآن قد أعرضوا عما يوجبه الاعتبار و أقبلوا على ما يوجبه الكفر و الطغيان «وَ اَللََّهُ مِنْ وَرََائِهِمْ مُحِيطٌ» معناه أنهم في قبضة الله و سلطانه لا يفوتونه كالمحاصر المحاط به من جوانبه لا يمكنه الفوات و الهرب و هذا من بلاغة القرآن «بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ» أي كريم لأنه كلام الرب عن ابن عباس أي ليس هو كما يقولون من أنه شعر أو كهانة و سحر بل هو قرآن كريم عظيم الكرم فيما يعطي من الخير جليل الخطر و القدر و قيل هو قرآن كريم لما يعطي من المعاني الجليلة و الدلائل النفيسة و لأن جميعه حكم و الحكم على ثلاثة أوجه لا رابع لها معنى يعمل عليه فيما يخشى أو يتقي و موعظة تلين القلب للعمل بالحق و حجة تؤدي إلى تميز الحق من الباطل في علم دين أو دنيا و علم الدين أشرفهما و جميع ذلك موجود في القرآن } «فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ» من التغيير و التبديل و النقصان و الزيادة و هذا على قراءة من رفعه فجعله من صفة قرآن و من جره فجعله صفة للوح فالمعنى أنه محفوظ لا يطلع عليه غير فجعله من صفة قرآن و من جره فجعله صفة للوح فالمعنى أنه محفوظ لا يطلع عليه غير الملائكة و قيل محفوظ عند الله و هو أم الكتاب و منه نسخ القرآن و الكتب و هو الذي يعرف باللوح المحفوظ و هو من درة بيضاء طوله ما بين السماء و الأرض و عرضه ما بين المشرق و المغرب عن ابن عباس و مجاهد و قيل إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله في جبهة إسرافيل عن أنس و قيل اللوح المحفوظ عن يمين العرش عن مقاتل .

712

(1) -

(86) سورة الطارق مكية و آياتها سبع عشرة (17)

توضيح‏

مكية سبع عشرة آية.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال من قرأها أعطاه الله بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات‏

عن المعلى بن خنيس عن أبي عبد الله (ع) قال من كان قراءته في الفريضة بالسماء و الطارق كان له يوم القيامة عند الله جاه و منزلة و كان من رفقاء النبيين و أصحابهم في الجنة.

تفسيرها

ختم الله سبحانه تلك السورة بالوعيد و افتتح هذه السورة بمثله و أكد ذلك بأن أعمال الخلق محفوظة فقال:

713

(1) -

القراءة

قرأ أبو جعفر و ابن عامر و عاصم و حمزة لما عليها بتشديد الميم و الباقون بالتخفيف و في الشواذ قراءة ابن عباس مهلهم رويدا بغير ألف.

الحجة

قال أبو علي من خفف لما كانت إن عنده المخففة من الثقيلة و اللام معها هي اللام التي تدخل مع هذه المخففة لتخلصها من أن النافية و ما صلة كالتي في قوله‏ «فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ» و «عَمََّا قَلِيلٍ» و تكون إن متلقية للقسم كما تتلقاه مثقلة و من ثقل"لما"كانت أن عنده النافية كالتي في قوله‏ «فِيمََا إِنْ مَكَّنََّاكُمْ فِيهِ» و لما في معنى إلا و هي متلقية للقسم كما يتلقاه"ما"قال أبو الحسن الثقيلة في معنى إلا و العرب لا تكاد تعرف ذا و قال الكسائي لا أعرف وجه التثقيل و عن ابن عوف قال قرأت عند ابن سيرين «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمََّا» بالتشديد فأنكره قال الزجاج استعملت لما في موضع إلا في موضعين (أحدهما) هذا و الآخر في باب القسم تقول سألتك لما فعلتك بمعنى إلا فعلت.

اللغة

طرقني فلان إذا أتاني ليلا و أصل الطرق الدق و منه المطرقة لأنها يدق بها و الطريق لأن المارة تدقه و الطارق الآتي ليلا يحتاج إلى الدق للتنبيه و

نهى رسول الله ص أن يطرق الرجل أهله ليلا حتى تستحد المغيبة و تمشط الشعثة

و قالت هند بنت عتبة

"نحن بنات طارق # نمشي على النمارق"

تريد أن أبانا نجم في شرفه و علوه و قال الشاعر:

يا راقد الليل مسرورا بأوله # إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

لا تأمنن بليل طاب أوله # فرب آخر ليل أجج النارا

و النجم الكواكب الطالعة في السماءيقال لكل طالع ناجم تشبيها به نجم النبت و نجم السن و القرن و الثاقب المضي‏ء النير و ثقوبة توقده بنوره و الثاقب العالي الشديد العلو و الدفق صب الماء الكثير باعتماد قوي و مثله الدفع فالماء الذي يكون منه الولد يكون دافقا و هو القاطر المصب و هي النطفة التي يخلق الله منها الولد و قيل ماء دافق معناه مدفوق و مثله سر كاتم و عيشة راضية و الترائب نواحي الصدر واحدتها تريبة و هو مأخوذ من تذليل حركتها كالتراب قال المثقب :

714

(1) -

و من ذهب يسن على تريب # كلون العاج ليس بذي غضون‏

و قال آخر:

و الزعفران على ترائبها # شرقا به اللبات و الصدر

و الرجع أصله من الرجوع و هو الماء الكثير تزدده الرياح تمر عليه‏قال المنخل في صفة السيف:

أبيض كالرجع رسوب إذا # ما ثاخ في محتفل يختلي‏

قال الزجاج الرجع المطر لأنه يجي‏ء و يرجع و يتكرر و الصدع الشق فصدع الأرض انشقاقها بالنبات و ضروب الزروع و الأشجار .

الإعراب‏

«مَا اَلطََّارِقُ» ما استفهام و الجملة مبتدأ و خبر و هي معلقة بإدراك في موضع المفعول الثاني و الثالث و قوله «يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرََائِرُ» العامل فيه فعل مضمر يدل عليه قوله «عَلى‏ََ رَجْعِهِ لَقََادِرٌ» و التقدير يرجعه يوم إبلاء السرائر و لا يجوز أن يعمل فيه المصدر لأنه يكون من صلته و قد فرق بينه و بينه بقوله «لَقََادِرٌ» و يجوز أن يكون العامل فيه قوله «لَقََادِرٌ» و رويدا صفة لمصدر محذوف و تقديره إمهالا رويدا.

المعنى‏

أقسم الله سبحانه فقال «وَ اَلسَّمََاءِ» أي بالسماء و قيل برب السماء و قد بينا القول في ذلك «وَ اَلطََّارِقِ» و هو الذي يجي‏ء ليلا} «وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلطََّارِقُ» و ذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلا و لم يكن النبي ص يدري ما المراد لو لم يبينه ثم بينه بقوله «اَلنَّجْمُ اَلثََّاقِبُ» أي هو الكوكب المضي‏ء و يريد به العموم و هو جماع النجوم عن الحسن و قيل هو زحل و الثاقب العالي على النجوم عن ابن زيد و قيل أراد به الثريا و العرب تسميه النجم و قيل هو القمر لأنه يطلع بالليل عن الفراء و جواب القسم قوله‏} «إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمََّا عَلَيْهََا حََافِظٌ» أي ما كل نفس إلا عليها حافظ من الملائكة يحفظ عملها و قولها و فعلها و يحصي ما يكتسبه من خير و شر و من قرأ لما بالتخفيف فالمعنى إن كل نفس‏

715

(1) - لعليها حافظ يحفظها و قال قتادة حافظ من الملائكة يحفظ عملها و رزقها و أجلها ثم نبه سبحانه على البعث بقوله‏} «فَلْيَنْظُرِ اَلْإِنْسََانُ» يعني المكذب بالبعث عن مقاتل «مِمَّ خُلِقَ» أي فلينظر نظر التفكر و الاستدلال من أي شي‏ء خلقه الله و كيف خلقه و أنشأه حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته ثم ذكر من أي شي‏ء خلقه‏فقال‏} «خُلِقَ مِنْ مََاءٍ دََافِقٍ» أي من ماء مهراق في رحم المرأة يعني المني الذي يكون منه الولد عن ابن عباس قال الفراء و أهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم نحو سر كاتم و هم ناصب و ليل نائم و قد ذكرناه قبل ثم وصف سبحانه ذلك الماء فقال‏} «يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ اَلصُّلْبِ وَ اَلتَّرََائِبِ» و هو موضع القلادة من الصدر عن ابن عباس قال عطاء يريد صلب الرجل و ترائب المرأة و الولد لا يكون إلا من الماءين و قيل الترائب اليدان و الرجلان و العينان عن الضحاك و سئل عكرمة عن الترائب فقال هذه و وضع يده على صدره بين ثدييه و قيل ما بين المنكبين و الصدر عن مجاهد و المشهور في كلام العرب أنها عظام الصدر و النحر} «إِنَّهُ عَلى‏ََ رَجْعِهِ لَقََادِرٌ» يعني أن الذي خلقه ابتداء من هذا الماء يقدر على أن يرجعه حيا بعد الموت عن الحسن و قتادة و الجبائي و قيل معناه أنه تعالى على رد الماء في الصلب لقادر عن عكرمة و مجاهد و قيل إنه على رد الإنسان ماء كما كان قادر عن الضحاك و قال مقاتل بن حيان يقول إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب و من الشباب إلى الصبي و من الصبي إلى النطفة و الأصح القول الأول لقوله‏} «يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرََائِرُ» أي أنه قادر على بعثه يوم القيامة و معنى الرجع رد الشي‏ء إلى أول حاله و السرائر أعمال بني آدم و الفرائض التي أوجبت عليه و هي سرائر بين الله و العبد و تبلى أي تختبر تلك السرائر يوم القيامة حتى يظهر خيرها من شرها و مؤديها من مضيعها

روي ذلك مرفوعا عن أبي الدرداء قال قال رسول الله ص ضمن الله خلقه أربع خصال الصلاة و الزكاة و صوم رمضان و الغسل من الجنابة و هي السرائر التي قال الله «يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرََائِرُ»

و

عن معاذ بن جبل قال سألت رسول الله ص و ما هذه السرائر التي تبلى بها العباد في الآخرة فقال سرائركم هي أعمالكم من الصلاة و الصيام و الزكاة و الوضوء و الغسل من الجنابة و كل مفروض لأن الأعمال كلها سرائر خفية فإن شاء قال الرجل صليت و لم يصل‏و إن شاء قال توضأت و لم يتوضأ فذلك قوله «يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرََائِرُ»

و قيل يظهر الله أعمال كل أحد لأهل القيامة حتى يعلموا على أي شي‏ء أثابه و يكون فيه زيادة سرور له و إن يكن من أهل العقوبة يظهر عمله ليعلموا على أي شي‏ء عاقبه و يكون ذلك زيادة غم له و السرائر ما أسره من خير أو شر و ما أضمره من إيمان أو كفر و روي عن عبد الله بن عمر أنه قال يبدي الله يوم القيامة كل سر و يكون زينا في الوجوه و شينا في الوجوه‏} «فَمََا لَهُ» أي فما لهذا الإنسان المنكر للبعث و الحشر «مِنْ قُوَّةٍ»

716

(1) - يمتنع به من عذاب الله «وَ لاََ نََاصِرٍ» ينصره من الله و القوة هي القدرة ثم ذكر سبحانه قسما آخر تأكيدا لأمر القيامة فقال‏} «وَ اَلسَّمََاءِ ذََاتِ اَلرَّجْعِ» أي ذات المطر عن أكثر المفسرين و قيل يعني بالرجع شمسها و قمرها و نجومها تغيب ثم تطلع عن ابن زيد و قيل رجع السماء إعطاؤها الخير الذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان فترجع بالغيث و أرزاق العباد و غير ذلك‏ «وَ اَلْأَرْضِ ذََاتِ اَلصَّدْعِ» تتصدع بالنبات أي تنشق فيخرج منها النبات و الأشجار

} «إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ» هذا جواب القسم يعني أن القرآن يفصل بين الحق و الباطل بالبيان عن كل واحد منهما و روي ذلك عن الصادق (ع)

و قيل معناه إن الوعد بالبعث و الإحياء بعد الموت قول فصل أي مقطوع به لا خلاف و لا ريب فيه‏} «وَ مََا هُوَ بِالْهَزْلِ» أي هو الجد و ليس باللعب و قيل إن القرآن لم ينزل باللعب ثم أخبر سبحانه عن مشركي قريش فقال‏} «إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً» أي يحتالون في الإيقاع بك و بمن معك و يريدون إطفاء نورك‏} «وَ أَكِيدُ كَيْداً» أي أريد أمرا آخر على ضد ما يريدون و أدبر ما ينقض تدابيرهم و مكايدهم فسمى ذلك كيدا من حيث يخفى ذلك عليهم‏} «فَمَهِّلِ اَلْكََافِرِينَ» أي انتظر بهم يا محمد و لا تعاجلهم و ارض بتدبير الله فيهم «أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً» أي إمهالا قليلا عن قتادة و إنما قلل الإمهال لأن ما هو كائن آت لا محالة فهو قليل و المراد به يوم القيامة و قيل أراد يوم بدر و المعنى لا تعجل علي في طلب هلاكهم بل اصبر عليهم قليلا فإن الله مجزيهم لا محالة إما بالقتل و الذل في الدنيا أو بالعذاب في الآخرة قال ابن جني قوله «فَمَهِّلِ اَلْكََافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ» غير اللفظ لأنه أثر التأكيد و كره التكرير فلما تجشم إعادة اللفظ انحرف عنه بعض الانحراف بتغييره المثال و انتقل عن لفظ فعل إلى لفظ افعل فقال «أَمْهِلْهُمْ» و لما تجشم التثليث جاء بالمعنى و ترك اللفظ البتة فقال «رُوَيْداً» .

717

(1) -

(87) سورة الأعلى مكية و آياتها تسع عشرة (19)

توضيح‏

مكية عن ابن عباس مدنية عن الضحاك و هي تسع عشرة آية بلا خلاف.

فضلها

أبي بن كعب قال قال النبي ص من قرأها أعطاه الله من الأجر عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله الله على إبراهيم و موسى و محمد ص

و

روي عن علي بن أبي طالب (ع) قال كان رسول الله ص يحب هذه السورة سبح اسم ربك الأعلى و أول من قال سبحان ربي الأعلى ميكائيل

و

عن ابن عباس كان النبي ص إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى قال سبحان ربي الأعلى و كذلك روي عن علي (ع)

و ابن عمر و ابن الزبير أنهم كانوا يفعلون ذلك و روى جويبر عن الضحاك أنه كان يقول ذلك و كان يقول من قرأها فليفعل ذلك‏و

عن أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ سبح اسم ربك الأعلى في فريضة أو نافلة قيل له يوم القيامة أدخل من أي أبواب الجنة شئت‏

و

روى العياشي بإسناده عن أبي حميصة عن علي (ع) قال صليت خلفه عشرين ليلة فليس يقرأ إلا سبح اسم ربك و قال لو يعلمون ما فيها لقرأها الرجل كل يوم عشرين مرة و إن من قرأها فكأنما قرأ صحف موسى و إبراهيم الذي وفى‏

و

عن عقبة بن عامر الجهني قال لما نزلت‏ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ* قال رسول الله ص اجعلوها في ركوعكم و لما نزلت «سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى» قال اجعلوها في سجودكم.

تفسيرها

لما ختم الله سبحانه تلك السورة بذكر الوعيد و التهديد للكفار افتتح هذه السورة بذكر صفاته العلى و قدرته على ما يشاء فقال:

718

(1) -

القراءة

قرأ الكسائي

قدر بالتخفيف و هو قراءة علي (ع)

و الباقون «قَدَّرَ» بالتشديد و قرأ أبو عمرو و روح و زيد و قتيبة يؤثرون بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة

قد تقدم أن قدر في معنى قدر فكلا الوجهين حسن و تؤثرون بالتاء على الخطاب بل أنتم تؤثرون و الياء على أنه يريد الأشقين و روي أن ابن مسعود و الحسن قرءاه.

اللغة

الأعلى نظير الأكبر و معناه العالي بسلطانه و قدرته و كل من دونه في سلطانه و لا يقتضي ذلك المكان قال الفرزدق :

إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه أعز و أطول‏

و الغثاء ما يقذف به السيل على جانب الوادي من الحشيش و النبات و أصله الأخلاط من أجناس شتى و العرب تسمي القوم إذا اجتمعوا من قبائل شتى أخلاطا و غثاء و الأحوى الأسود و الحوة السواد قال ذو الرمة :

لمياء في شفتيها حوة لعس # و في اللثات و في أنيابها شنب‏

719

(1) - و قال:

قرحاء حواء أشراطية وكفت # فيها الذهاب و حفتها البراعيم‏

و الإقراء أخذ القراءة على القارئ بالاستماع لتقويم الزلل و القارئ التالي و أصله الجمع لأنه يجمع الحروف و النسيان ذهاب المعنى عن النفس و نظيره السهو و نقيضه الذكر و هو ذهاب العلم الضروري بما جرت به العادة أن يعلمه و ليس بمعنى و قال أبو علي الجبائي و هو معنى من فعل الله تعالى .

الإعراب‏

الأعلى يحتمل أن يكون جرا صفة لرب و أن يكون نصبا صفة لاسم أحوى نصب على الحال من المرعى و التقدير أخرج المرعى أحوى أي أسود لشدة خضرته «فَجَعَلَهُ غُثََاءً» أي جففه حتى صار جافا كالغثاء و يجوز أن يكون نعتا لغثاء و التقدير فجعله غثاء أسود و الأول أوجه و هو قول الزجاج . «مََا شََاءَ اَللََّهُ» في موضع نصب على الاستثناء و التقدير سنقرئك القرآن فلا تنساه إلا ما شاء الله أن تنساه برفع حكمه و تلاوته و هو قول الحسن و قتادة «إِنْ نَفَعَتِ اَلذِّكْرى‏ََ» شرط جزاؤه محذوف يدل عليه قوله «فَذَكِّرْ» و التقدير إن نفعت الذكرى فذكرهم.

المعنى‏

«سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى» أي قل سبحان ربي الأعلى عن ابن عباس و قتادة و قيل معناه نزه ربك عن كل ما لا يليق به من الصفات المذمومة و الأفعال القبيحةلأن التسبيح هو التنزيه لله عما لا يليق به يجوز أن تقول لا إله إلا هو فتنفي ما لا يجوز في صفته من شريك في عبادته مع الإقرار بأنه الواحد في إلهيته و أراد بالاسم المسمى و قيل إنه ذكر الاسم و المراد به تعظيم المسمى كما قال لبيد

"إلى الحول ثم اسم السلام عليكما"

و يحسن بالقارئ إذا قرأ هذه الآية أن يقول سبحان ربي الأعلى و إن كان في الصلاة

قال الباقر (ع) إذا قرأت «سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى» فقل سبحان ربي الأعلى و إن كان فيما بينك و بين نفسك‏

و الأعلى معناه القادر الذي لا قادر أقدر منه القاهر لكل أحد و قيل الأعلى صفة الاسم و المعنى سبح الله بذكر اسمه الأعلى و أسماؤه الحسنى كلها أعلى و قيل معناه صل باسم ربك الأعلى عن ابن عباس } «اَلَّذِي خَلَقَ» الخلق «فَسَوََّى» بينهم في باب الأحكام و الإتقان‏و قيل خلق‏

720

(1) - كل ذي روح فسوى يديه و عينيه و رجليه عن الكلبي و قيل خلق الإنسان فعدل قامته عن الزجاج يعني أنه لم يجعله منكوسا كالبهائم و الدواب و قيل خلق الأشياء على موجب إرادته و حكمته فسوى صنعها لتشهد على وحدانيته‏} «وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏ََ» أي قدر الخلق على ما خلقهم فيه من الصور و الهيئات و أجرى لهم أسباب معايشهم من الأرزاق و الأقوات ثم هداهم إلى دينه بمعرفة توحيده بإظهار الدلالات و البينات و قيل معناه قدر أقواتهم و هداهم لطلبها و قيل قدرهم على ما اقتضته حكمته فهدى أي أرشد كل حيوان إلى ما فيه منفعته و مضرته حتى أنه سبحانه هدى الطفل إلى ثدي أمه و هدى الفرخ حتى طلب الزق من أبيه و أمه و الدواب و الطيور حتى فزع كل منهم إلى أمه و طلب الميمنة من جهته سبحانه و تعالى و قيل قدرهم ذكورا و إناثا و هدى الذكر كيف يأتي الأنثى عن مقاتل و الكلبي و قيل هدى إلى سبيل الخير و الشر عن مجاهد و قيل قدر الولد في البطن تسعة أشهر أو أقل أو أكثر و هدى للخروج منه للتمام عن السدي و قيل قدر المنافع في الأشياء و هدي الإنسان لاستخراجها منه فجعل بعضها غذاء و بعضها دواء و بعضها سما و هدى إلى ما يحتاج إلى استخراجها من الجبال و المعادن كيف تستخرج و كيف تستعمل‏} «وَ اَلَّذِي أَخْرَجَ اَلْمَرْعى‏ََ» أي أنبت الحشيش من الأرض لمنافع جميع الحيوان و أقواتهم‏} «فَجَعَلَهُ» بعد الخضرة «غُثََاءً» أي هشيما جافا كالغثاء الذي تراه فوق السيل «أَحْوى‏ََ» أي أسود بعد الخضرة و ذلك أن الكلأ إذا يبس اسود و قيل معناه أخرج العشب و ما ترعاه النعم أحوى أي شديد الخضرة يضرب إلى السواد من شدة خضرته فجعله غثاء أي يابسا بعد ما كان رطبا و هو قوت البهائم في الحالين فسبحان من دبر هذا التدبير و قدر هذا التقدير و قيل إنه مثل ضربه الله تعالى لذهاب الدنيا بعد نضارتها «سَنُقْرِئُكَ فَلاََ تَنْسى‏ََ» أي سنأخذ عليك قراءة القرآن فلا تنسى ذلك و قيل معناه سيقرأ عليك جبريل القرآن بأمرنا فتحفظه و لا تنساه‏

قال ابن عباس كان النبي ص إذا نزل عليه جبرائيل (ع) بالوحي يقرأه مخافة أن ينساه فكان لا يفرغ جبرائيل ع من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله فلما نزلت هذه الآية لم ينس بعد ذلك شيئا

«إِلاََّ مََا شََاءَ اَللََّهُ» أن ينسيكه بنسخه من رفع حكمه و تلاوته عن الحسن و قتادة و على هذا فالإنشاء نوع من النسخ و قد مر بيانه في سورة البقرة عند قوله‏ مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهََا الآية و قيل معناه إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله عليك فلا تقرأه و قيل إلا ما شاء الله كالاستثناء في الإيمان و إن لم يقع منه مشيئة النسيان قال الفراء لم يشأ الله أن ينسي عليه السلم شيئا فهو كقوله‏ خََالِدِينَ فِيهََا مََا دََامَتِ اَلسَّمََاوََاتُ‏

721

(1) - وَ اَلْأَرْضُ إِلاََّ مََا شََاءَ رَبُّكَ* و لا يشاءو كقول القائل لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت و إلا أن أشاء أن أمنعك و النية أن لا يمنعه و مثله الاستثناء في الإيمان ففي الآية بيان لفضيلة النبي ص و إخبار أنه مع كونه ص أميا كان يحفظ القرآن و إن جبرائيل ع كان يقرأ عليه سورة طويلة فيحفظه بمرة واحدة ثم لا ينساه و هذه دلالة على الإعجاز الدال على نبوته.

ـ «إِنَّهُ يَعْلَمُ اَلْجَهْرَ وَ مََا يَخْفى‏ََ» معناه إن الله سبحانه يعلم العلانية و السر. و الجهر رفع الصوت و نقيضه الهمس و المعنى أنه سبحانه يحفظ عليك ما جهرت به و ما أخفيته مما تريد أن تعيه‏ «وَ نُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى‏ََ» اليسرى هي الفعلى من اليسر و هو سهولة عمل الخير و المعنى نوفقك للشريعة اليسرى و هي الحنيفية و نهون عليك الوحي و نسهله حتى تحفظه و لا تنساه و تعمل به و لا تخالفه و قيل معناه نسهل لك من الألطاف و التأييد ما يثبتك على أمرك و يسهل عليك المستصعب من تبليغ الرسالة و الصبر عليه عن أبي مسلم و هذا أحسن ما قيل فيه فإنه يتصل بقوله «سَنُقْرِئُكَ فَلاََ تَنْسى‏ََ» فكأنه سبحانه أمره بالتبليغ و وعده النصر و أمره بالصبر و قيل إن اليسرى عبادة عن الجنة فهي اليسرى الكبرى أي نيسر لك دخول الجنة عن الجبائي «فَذَكِّرْ» أمر النبي ص أن يذكر الخلق و يعظهم «إِنْ نَفَعَتِ اَلذِّكْرى‏ََ» و إنما قال ذلك و ذكراه تنفع لا محالة في عمل الإيمان و الامتناع من العصيان لأنه ليس بشرط حقيقة و إنما هو إخبار عن أنه ينفع لا محالة في زيادة الطاعة و الانتهاء عن المعصية كما يقال سله إن نفع السؤال و قيل معناه عظهم إن نفعت الموعظة أو لم تنفع‏لأنه ص بعث للإعذار و الإنذار فعليه التذكير في كل حال نفع أو لم ينفع و لم يذكر الحالة الثانية كقوله‏ سَرََابِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ وَ سَرََابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ و قد نبه الله سبحانه على تفصيل الحالتين بقوله‏} «سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى‏ََ» أي سيتعظ بالقرآن من يخشى الله تعالى و يخاف عقابه‏} «وَ يَتَجَنَّبُهَا» أي يتجنب الذكرى و الموعظة «اَلْأَشْقَى» أي أشقى العصاة فإن للعاصين درجات في الشقاوة فأعظمهم درجة فيها الذي كفر بالله و توحيده و عبد غيره و قيل الأشقى من الاثنين من يخشى و من يتجنب عن أبي مسلم «اَلَّذِي يَصْلَى اَلنََّارَ اَلْكُبْرى‏ََ» أي يلزم أكبر النيران و هي نار جهنم و النار الصغرى نار الدنيا عن الحسن و قيل إن النار الكبرى هي الطبقة السفلى من جهنم عن الفراء } «ثُمَّ لاََ يَمُوتُ فِيهََا» فيستريح «وَ لاََ يَحْيى‏ََ» حياة ينتفع بها بل صارت حياته وبالا عليه يتمنى زوالها لما هو معها من فنون العقاب و ألوان العذاب و قيل و لا يحيى أي و لا يجد روح الحياة «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكََّى» أي قد فاز من تطهر من الشرك و قال لا إله إلا الله عن عطاء و عكرمة و قيل معناه قد ظفر بالبغية من صار زاكيا بالأعمال الصالحة و الورع عن ابن عباس و الحسن و قتادة و قيل زكى أي أعطى زكاة ماله عن ابن مسعود و كان يقول قد رحم الله امرأ تصدق ثم صلى و يقرأ هذه‏

722

(1) - الآية و

قيل أراد صدقة الفطرة و صلاة العيد عن أبي عمرو و أبي العالية و عكرمة و ابن سيرين و روي ذلك مرفوعا عن أبي عبد الله (ع)

و متى قيل على هذا القول كيف يصح ذلك و السورة مكية و لم يكن هناك صلاة عيد و لا زكاة و لا فطرة قلنا يحتمل إن يكون نزلت أوائلها بمكة و ختمت بالمدينة } «وَ ذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلََّى» أي وحد الله عن ابن عباس و قيل ذكر الله بقلبه عند صلاته فرجا ثوابه و خاف عقابه فإن الخشوع في الصلاة بحسب الخوف و الرجاء و قيل ذكر اسم ربه بلسانه عند دخوله في الصلاة فصلى بذلك الاسم أي قال الله أكبر لأن الصلاة لا تنعقد إلا به و قيل هو أن يفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم و يصلي الصلوات الخمس المكتوبة ثم قال سبحانه مخاطبا للكفار} «بَلْ تُؤْثِرُونَ» أي تختارون «اَلْحَيََاةَ اَلدُّنْيََا» على الآخرة فتعملون لها و تعمرونها و لا تتفكرون في أمر الآخرة و قيل هو عام في المؤمن و الكافر بناء على الأعم الأغلب في أمر الناس قال عبد الله بن مسعود إن الدنيا اخضرت لنا و عجل لنا طعامها و شرابها و نساؤها و لذتها و بهجتهاو إن الآخرة نعتت لنا و زويت عنا فأخذنا بالعاجل و تركنا الآجل ثم رغب سبحانه في الآخرة فقال‏} «وَ اَلْآخِرَةُ» أي و الدار الآخرة و هي الجنة «خَيْرٌ» أي أفضل «وَ أَبْقى‏ََ» و أدوم من الدنيا و

في الحديث من أحب آخرته أضر بدنياه و من أحب دنياه أضر بآخرته‏

«إِنَّ هََذََا لَفِي اَلصُّحُفِ اَلْأُولى‏ََ» يعني أن هذا الذي ذكر من قوله «قَدْ أَفْلَحَ» إلى أربع آيات لفي الكتب الأولى التي أنزلت قبل القرآن ذكر فيها فلاح المصلي و المتزكي و إيثار الخلق الدنيا على الآخرة و إن الآخرة خير و قيل معناه أن من تزكى و ذكر اسم ربه فصلى فهو ممدوح في الصحف الأولى كما هو ممدوح في القرآن ثم بين سبحانه أن الصحف الأولى ما هي فقال‏} «صُحُفِ إِبْرََاهِيمَ وَ مُوسى‏ََ » و في هذا دلالة على أن إبراهيم كان قد أنزل عليه الكتاب خلافا لمن يزعم أنه لم ينزل عليه كتاب و واحدة الصحف صحيفة و

روي عن أبي ذر أنه قال قلت يا رسول الله كم الأنبياء فقال مائة ألف نبي و أربعة و عشرون ألفا قلت يا رسول الله كم المرسلون منهم قال ثلاثمائة و ثلاثة عشر و بقيتهم أنبياء قلت كان آدم (ع) نبيا قال نعم كلمة الله و خلقه بيده يا أبا ذر أربعة الأنبياء عرب هود و صالح و شعيب و نبيك قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب قال مائة و أربعة كتب أنزل الله منها على آدم (ع) عشر صحف و على شيث خمسين صحيفة و على أخنوخ و هو إدريس ثلاثين صحيفة و هو أول من خط بالقلم و على إبراهيم عشر صحائف و التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان

و

في الحديث أنه كان في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه‏

و قيل إن كتب الله كلها أنزلت في شهر رمضان.

723

(1) -

(88) سورة الغاشية مكية و آياتها ست و عشرون (26)

توضيح‏

مكية ست و عشرون آية بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص من قرأها حاسبه الله حسابا يسيرا

أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال من أدمن قراءة هل أتاك حديث الغاشية في فرائضه أو نوافله غشاه الله برحمته في الدنيا و الآخرة و أعطاه الأمن يوم القيامة من عذاب النار.

تفسيرها

ختم الله سبحانه تلك السورة بالترغيب في الآخرة و أنها خير من الدنيا و افتتح هذه أيضا ببيان أحوال الآخرة فقال:

724

(1) -

القراءة

قرأ أهل البصرة غير سهل و أبو بكر تصلى بضم التاء و الباقون بفتحها و قرأ ابن كثير و أهل البصرة غير سهل لا يسمع بضم الياء لاغية بالرفع و قرأ نافع لا تسمع بضم التاء لاغية بالرفع و قرأ الباقون «لاََ تَسْمَعُ» بفتح التاء «لاََغِيَةً» بالنصب و قرأ أبو جعفر إيابهم بتشديد الياء و الباقون بالتخفيف‏و

روي عن علي (ع) أ فلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت و إلى السماء كيف رفعت و إلى الجبال كيف نصبت و إلى الأرض كيف سطحت بفتح أوائل هذه الحروف كلها و ضم التاء

و عن ابن عباس و قتادة و زيد بن أسلم و زيد بن علي إلا من تولى بالتخفيف.

ـ

الحجة

حجة من قال «تَصْلى‏ََ» قوله‏ سَيَصْلى‏ََ نََاراً ذََاتَ لَهَبٍ و قوله‏ إِلاََّ مَنْ هُوَ صََالِ اَلْجَحِيمِ و حجة من قال تصلى قوله‏ ثُمَّ اَلْجَحِيمَ صَلُّوهُ و صلوه مثل اصلوه و اللاغية مصدر بمنزلة العاقبة و العافية و يجوز أن تكون صفة نحو أن تقول لا تسمع فيها كلمة لاغية و الأول أوجه لقوله تعالى‏ لاََ يَسْمَعُونَ فِيهََا لَغْواً* و لا تسمع على بناء الفعل للمفعول به حسن لأن الخطاب ليس بمصروف إلى واحد بعينه و بناء الفعل للفاعل أيضا حسن على الشياع في الخطاب و إن كان لواحد و على هذا وَ إِذََا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً و يجوز أن يكون الخطاب للنبي ص و كل واحد من التاء و الياء في تسمع و يسمع حسن على اللفظ و على المعنى و أما قوله إيابهم على التشديد فقال أبو الفتح أنكر أبو حاتم هذه القراءة لأنه حملها على نحو كذبوا كذابا قال‏و هذا لا يجوز لأنه كان يجب أوابا لأنه فعال فيصح لاحتمال التغيير بالإدغام كقولهم اجلوذ اجلواذا قال أبو الفتح يجوز أن يكونوا قلبوا الواو ياء من أواب و إن كانت متحصنة بالإدغام استحسانا للتخفيف لا وجوبا كما قالوا ديمت السماء في دومت قال:

725

(1) -

هو الجواد ابن الجواد ابن سبل # إن ديموا جاد و إن جادوا وبل‏

يريد دوموا و قال و يجوز أن يكون بني من آب فيعلت و أصله أيوبت و المصدر إيواب فقلبت الواو ياء لوقوع الياء ساكنة قبلها و يجوز أن يكون أوبت فوعلت و المصدر على الفيعال كالحيقال من حوقلت أنشد الأصمعي :

يا قوم قد حوقلت أو دنوت # و بعد حيقال الرجال الموت‏

فصار إيوابا فقلبت الواو ياء فصار إيابا و أما قراءة علي (ع) فالمفعول جميعها محذوف لدلالة المعنى عليه أي كيف خلقتها و كيف رفعتها و كيف نصبتهاو سطحتها و من قرأ إلا من تولي فإلا افتتاح كلام و من شرط و جوابه «فَيُعَذِّبُهُ اَللََّهُ» أي فهو يعذبه الله و قد تقدم القول فيه في مواضع.

اللغة

الغاشية المجللة لجميع الجملة غشيه يغشاه غشيانا و أغشاه غيره إذا جعله يغشى و غشاه بمعناه و نصب الرجل ينصب نصبا فهو نصب و ناصب إذا تعب في العمل و الآنية البالغة النهاية في شدة الحر و الضريع نبت تأكله الإبل يضر و لا ينفع و إنما سمي ضريعا لأنه يشتبه عليها أمره فتظنه كغيره من النبت و الأصل من المضارعة و المشابهة و النمارق واحدتها نمرقة و الزرابي البسط الفاخرة واحدتها زربية و المصيطر المتسلط على غيره بالقهر له يقال تصيطر فلان على فلان و صيطر إذا تسلط و قال أبو عبيدة مصيطر و مبيطر لا ثالث لهما في كلام العرب .

الإعراب‏

«كَيْفَ خُلِقَتْ» يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من خلقت و يجوز أن يكون على المصدر و تكون الجملة التي هي كيف خلقت معلقة بينظرون لأن النظر مؤد إلى العلم «إِلاََّ مَنْ تَوَلََّى» هو استثناء منقطع و سيبويه يقدر الاستثناء المنقطع بلكن و الفراء يقدره بسوى.

المعنى‏

«هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ اَلْغََاشِيَةِ» خطاب للنبي ص يريد قد أتاك حديث يوم القيامة لأنها تغشى الناس بأهوالها بغتة عن ابن عباس و الحسن و قتادة و قيل الغاشية النار تغشي وجوه الكفار بالعذاب و هذا كقوله‏ تَغْشى‏ََ وُجُوهَهُمُ اَلنََّارُ عن محمد بن كعب و سعيد بن جبير } «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خََاشِعَةٌ» أي ذليلة بالعذاب الذي يغشاها و الشدائد التي تشاهدها و المراد

726

(1) - بذلك أرباب الوجوه و إنما ذكر الوجوه لأن الذل و الخضوع يظهر فيها و قيل المراد بالوجوه الكبراء تقول جاءني وجوه بني تميم أي ساداتهم و قيل عنى به وجوه الكفار كلهم لأنها تكبرت عن عبادة الله تعالى عن مقاتل «عََامِلَةٌ نََاصِبَةٌ» فيه وجوه (أحدها) أن المعنى عاملة في النار ناصبة فيها عن الحسن و قتادة قالا لم يعمل الله سبحانه في الدنيا فأعملها و أنصبها في النار بمعالجة السلاسل و الأغلال قال الضحاك يكلفون ارتقاء جبل من حديد في النار و قال الكلبي يجرون على وجوههم في النار (و ثانيها) أن المراد عاملة في الدنيا بالمعاصي ناصبة في النار يوم القيامة عن عكرمة و السدي (و ثالثها) عاملة ناصبة في الدنيا يعملون و ينصبون و يتعبون على خلاف ما أمرهم الله تعالى به و هم الرهبان و أصحاب الصوامع و أهل البدع و الآراء الباطلة لا يقبل الله أعمالهم في البدعة و الضلالة و تصير هباء لا يثابون عليها عن سعيد بن جبير و زيد بن أسلم و أبي الضحاك عن ابن عباس و

قال أبو عبد الله (ع) كل ناصب لنا و إن تعبد و اجتهد يصير إلى هذه الآية «عََامِلَةٌ نََاصِبَةٌ»

«تَصْلى‏ََ نََاراً حََامِيَةً» قال ابن عباس قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله و قيل المعنى إن هؤلاء يلزمون الإحراق بالنار التي في غاية الحرارة «تُسْقى‏ََ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ» أي و تسقى أيضا من عين حارة قد بلغت إناها و انتهت حرارتها قال الحسن قد أوقدت عليها جهنم مذ خلقت فدفعوا إليها وردا عطاشا هذا شرابهم ثم ذكر طعامهم فقال‏} «لَيْسَ لَهُمْ طَعََامٌ إِلاََّ مِنْ ضَرِيعٍ» و هو نوع من الشوك يقال له الشبرق و أهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس و هو أخبث طعام و أبشعه لا ترعاه دابة و

عن الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله ص الضريع شي‏ء يكون في النار يشبه الشوك أمر من الصبر و أنتن من الجيفة و أشد حرا من النار سماه الله الضريع‏

و قال أبو الدرداء و الحسن إن الله يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب فيستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء فيستقون فيعطشهم الله سبحانه ألف سنة ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة و لا مريئة كلما أدنوه إلى وجوههم سلخ جلود وجوههم و شواها فإذا وصل إلى بطونهم قطعهافذلك قوله‏ وَ سُقُوا مََاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعََاءَهُمْ و لما نزلت هذه الآية قال المشركون إن إبلنا لتسمن على الضريع و كذبوا في ذلك لأن الإبل لا ترعاه فقال الله سبحانه تكذيبا لهم‏} «لاََ يُسْمِنُ وَ لاََ يُغْنِي مِنْ جُوعٍ» أي لا يدفع جوعا و لا يسمن أحدا قال الحسن لا أدري ما الضريع لم أسمع من أصحاب محمد ص شيئا فيه و قيل هو سم عن مجاهد و قتادة و قيل ضريع بمعنى مضرع أي يضرعهم و يذلهم و قيل يسمى ضريعا لأن آكله يضرع في الإعفاء منه لخشونته و شدة كراهته عن كيسان و قيل هو الحجارة عن سعيد بن جبير ثم وصف سبحانه أهل الجنة فقال‏} «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاعِمَةٌ» أي‏