مجمع البيان في تفسير القرآن - ج10

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
870 /
727

(1) - منعمة في أنواع اللذات ظاهر عليها إثر النعمة و السرور و مضيئة مشرقة} «لِسَعْيِهََا» في الدنيا «رََاضِيَةٌ» حين أعطيت الجنة بعملهاو المعنى لثواب سعيها و عملها من الطاعات راضية يريد أنه لما ظهر نفع أعمالهم و جزاء عباداتهم رضوه و حمدوه و هذا كما يقال عند الصباح يحمد القوم السري‏} «فِي جَنَّةٍ عََالِيَةٍ» أي مرتفعة القصور و الدرجات و قيل إن علو الجنة على وجهين علو الشرف و الجلالة و علو المكان و المنزلة بمعنى أنها مشرفة على غيرها و هي أنزه ما تكون و الجنة درجات بعضها فوق بعض كما أن النار دركات‏} «لاََ تَسْمَعُ فِيهََا لاََغِيَةً» أي كلمة ساقطة لا فائدة فيها و قيل لاغية ذات لغو كقولهم نابل و دارع أي ذو نبل و درع قال الحطيئة :

"و غررتني و زعمت أنك لابن بالصيف تأمر" «فِيهََا» أي في تلك الجنة «عَيْنٌ جََارِيَةٌ» قيل إنه اسم جنس و لكل إنسان في قصره من الجنة عين جارية من كل شراب يشتهيه و في العيون الجارية من الحسن و اللذة و المنفعة ما لا يكون في الواقفة و لذلك وصف بها عيون أهل الجنة و قيل إن عيون أهل الجنة تجري في غير أخدود و تجري كما يريد صاحبها «فِيهََا» أي في تلك الجنة «سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ» قال ابن عباس ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد و الدر و الياقوت مرتفعة ما لم يجي‏ء أهلها فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها ثم ترتفع إلى موضعها و السرر جمع سرير و هو مجلس السرور و قيل إنما رفعت ليرى المؤمنون بجلوسهم عليها جميع ما حولهم من الملك‏} «وَ أَكْوََابٌ مَوْضُوعَةٌ» على حافات العيون الجارية كلما أراد المؤمن شربها وجدها مملوءة و هي الأباريق ليس لها خراطيم و لا عرى تتخذ للشراب و قيل هي أواني الشراب من الذهب و الفضة و الجواهر بين أيديهم و يشربون بها ما يشتهونه من الأشربة و يتمتعون بالنظر إليها لحسنها} «وَ نَمََارِقُ مَصْفُوفَةٌ» أي وسائد يتصل بعضها ببعض على هيئة مجالس الملوك في الدنيا «وَ زَرََابِيُّ مَبْثُوثَةٌ» و هي البسط الفاخرة و الطنافس المخملة و المبثوثة المبسوطة المنشورة و يجوز أن يكون المعنى أنها مفرقة في المجالس و

عن عاصم بن ضمرة عن علي (ع) أنه ذكر أهل الجنة فقال يجيئون فيدخلون فإذا أسس بيوتهم من جندل اللؤلؤ و سرر مرفوعة و أكواب موضوعة و نمارق مصفوفة و زرابي مبثوثة و لو لا أن الله تعالى قدرها لهم لالتمعت أبصارهم بما يرون و يعانقون الأزواج و يعقدون على السرر و يقولون الحمد لله الذي هدانا لهذا

قال قتادة و لما نعت الله الجنة و ما فيها عجب من ذلك أهل الضلال فأنزل الله سبحانه‏} «أَ فَلاََ يَنْظُرُونَ إِلَى اَلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ» و كانت عيشا من عيشهم فيقول أ فلا يتفكرون فيها و ما يخرج الله من ضروعها من بين فرث و دم لبنا خالصا سائغا للشاربين يقول كما صنعت هذا لهم فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة و قيل معناه أ فلا يعتبرون بنظرهم إلى الإبل و ما ركبه الله عليه من عجيب الخلق فإنه مع‏

728

(1) - عظمته و قوته يذلله الصغيرفينقاد له بتسخير الله إياه لعباده فيبركه و يحمل عليه ثم يقوم و ليس ذلك في غيره من ذوات الأربع فلا يحمل على شي‏ء منها إلا و هو قائم فأراهم الله سبحانه هذه الآية فيه ليستدلوا على توحيده بذلك عن أبي عمرو بن العلاء و الزجاج و سأل الحسن عن هذه الآية و قيل له الفيل أعظم من الإبل في الأعجوبة فقال أما الفيل فالعرب بعيدو العهد بها ثم هو خنزير لا يركب ظهرها و لا يؤكل لحمها و لا يحلب درها و الإبل من أعز مال العرب و أنفسه تأكل النوى و ألقت و تخرج اللبن و يأخذ الصبي بزمامها فيذهب بها حيث شاء مع عظمها في نفسها و يحكى أن فأرة أخذت بزمام ناقة فأخذت تجرها و هي تتبعها حتى دخلت الحجر فجرت الزمام فبركت الناقة فجرت فقربت فمها من جحر الفأر.

ـ} «وَ إِلَى اَلسَّمََاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ» أي كيف رفعها الله فوق الأرض و جعل بينهما هذا الفضاء الذي به قوام الخلق و حياتهم‏ثم إلى ما خلقه فيها من بدائع الخلق من الشمس و القمر و الكواكب و علق بها منافع الخلق و أسباب معايشهم‏} «وَ إِلَى اَلْجِبََالِ كَيْفَ نُصِبَتْ» أي أ و لا يتفكرون في خلق الله سبحانه الجبال أوتادا للأرض و مسكنة لها و أنه لولاها لمادت الأرض بأهلها} «وَ إِلَى اَلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ» أي كيف بسطها الله و وسعها و لو لا ذلك لما صح الاستقرار عليها و الانتفاع بها و هذه من نعم الله سبحانه على عباده لا توازيها نعمة منعم و فيها دلائل على توحيده و لو تفكروا فيها لعلموا أن لهم صانعا صنعهم و موجدا أوجدهم و لما ذكر سبحانه الأدلة أمر نيته بالتذكير بها فقال‏} «فَذَكِّرْ» يا محمد و التذكير التعريف للذكر بالبيان الذي يقع به الفهم و النفع بالتذكير عظيم لأنه طريق للعلم بالأمور التي يحتاج إليها «إِنَّمََا أَنْتَ مُذَكِّرٌ» لهم بنعم الله تعالى عندهم و بما يجب عليهم في مقابلتها من الشكر و العبادة و قد أوضح الله تعالى طريق الحجج في الدين و أكده غاية التأكيد بما لا يسع فيه التقليد بقوله «إِنَّمََا أَنْتَ مُذَكِّرٌ» و قوله‏ وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ اَلذِّكْرى‏ََ تَنْفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ و قوله‏ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ و لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ و يَتَفَكَّرُونَ* و قيل إن المراد فذكرهم بهذه الأدلة و أمرهم بالاستدلال بها و نبههم عليها عن الجبائي و أبي مسلم «لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ» معناه لست عليهم بمتسلط تسليطا يمكنك أن تدخل الإيمان في قلوبهم و تجبرهم عليه و إنما الواجب عليك الإنذار فاصبر على الإنذار و التبليغ و الدعوة إلى الحق و قيل معناه لست عليهم بمتسلط الآن حتى تقاتلهم إن خالفوك و كان هذا قبل نزول آية الجهاد ثم نسخ بالأمر بالقتال و الوجه الصحيح أنه لا نسخ فيه لأن الجهاد ليس بأكره للقلوب و المراد أنك إنما بعثت للتذكير و ليس عليك من ترك قبولهم شي‏ء} «إِلاََّ مَنْ تَوَلََّى وَ كَفَرَ» أي أعرض عن الذكر و لم يقبل منك و كفر بالله و بما جئت به فكل أمره إلى الله عن الحسن و قيل معناه إلا من تولى و كفر فلست له بمذكر لأنه لا يقبل منك فكأنك لست تذكره‏ «فَيُعَذِّبُهُ اَللََّهُ‏

729

(1) - اَلْعَذََابَ اَلْأَكْبَرَ» و هو الخلود في النار و لا عذاب أعظم منها ثم ذكر سبحانه أن مرجعهم إليه فقال‏} «إِنَّ إِلَيْنََا إِيََابَهُمْ» أي مرجعهم و مصيرهم بعد الموت‏} «ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنََا حِسََابَهُمْ» أي جزاءهم على أعمالهم فهذا جامع بين الوعد و الوعيد و معناه لا يهمنك أمرهم فإنهم و إن عاندوك و آذوك فمصير جميعهم إلى حكمنا لا يفوتوننا و مجازاتهم علينا و عن قريب تقر عينك بما تراه في أعدائك.

النظم‏

يسأل كيف يتصل ذكر الإبل و ما بعدها بذكر وصف الجنان و نعيمها (و الجواب) إنه يتصل بأول السورة و الضمير في قوله «يَنْظُرُونَ» عائد إلى الذين وصفهم بقوله «عََامِلَةٌ نََاصِبَةٌ» و أنه لما ذكر عقابهم و ثواب المؤمنين عاد عليهم بالاحتجاج بالإبل و السماء و الأرض و الجبال و كيفية دلالتها على وجود الصانع الحكيم يريد هلا نظر هؤلاء في صنائع الله فيعرفونه و يعبدونه عن أبي مسلم و قيل إنه لما ذكر سرر الجنة و ارتفاعها تعجبوا من ذلك و قالوا كيف يصعد عليها فأراهم الله سبحانه الإبل و أنه كيف سخرت لبني آدم مع عظمها حتى أنيخت للحمل عليها و تقوم بعد ذلك و كيف أحكم الله خلق السماوات و الأرض و الجبال ردا على أولئك القوم و إنما خص سبحانه هذه الأشياء بالذكر لاستواء الناس كلهم في معرفتها.

730

(1) -

(89) سورة الفجر مكية و آياتها ثلاثون (30)

توضيح‏

مكية اثنتان و ثلاثون آية حجازي و ثلاثون كوفي شامي و تسع و عشرون بصري.

اختلافها

أربع آيات «وَ نَعَّمَهُ» «فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ» كلتهما حجازي «بِجَهَنَّمَ» حجازي شامي «فِي عِبََادِي» كوفي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأها في ليال عشر غفر الله له و من قرأها سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة

و

روى داود بن فرقد عن أبي عبد الله (ع) قال اقرأوا سورة الفجر في فرائضكم و نوافلكم فإنها سورة الحسين بن علي (ع) من قرأها كان مع الحسين بن علي (ع) يوم القيامة في درجته من الجنة.

تفسيرها

ختم الله سبحانه تلك السورة بأن إياب الخلق إليه و حسابهم عليه و افتتح هذه السورة بتأكيد ذلك المعنى حين أقسم أنه بالمرصاد فقال:

731

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم و الوتر بكسر الواو و الباقون بالفتح و قرأ أبو جعفر و ابن عامر فقدر بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قرأ لا يكرمون بالياء و كذلك ما بعده أهل البصرة و الباقون بالتاء و قرأ لا تحاضون أهل الكوفة و أبو جعفر و قرأ لا يعذب و لا يوثق بالفتح الكسائي و يعقوب و سهل و الباقون «لاََ يُعَذِّبُ» و «لاََ يُوثِقُ» و قرأ أهل المدينة و أبو عمرو و قتيبة عن‏

732

(1) - الكسائي و الليل إذا يسري بإثبات الياء في الوصل و حذفها في الوقف و قرأ ابن كثير و يعقوب بإثبات الياء في الوصل و الوقف و الباقون بالحذف فيهما و قرأ القواس و البزي و يعقوب بالوادي بإثبات الياء في الوصل و الوقف و ورش بإثباتها في الوصل و حذفها في الوقف و الباقون بحذفها في الوصل و الوقف‏و قرأ أهل المدينة أكرمني و أهانني بإثبات الياء في الوصل و حذفها في الوقف و القواس و البزي و يعقوب بإثبات الياء في الوصل و الوقف و أبو عمرو لا يبالي كيف قرأ بالياء و غير الياء و روى العياشي عنه بحذف الياء من غير تخيير و الباقون بحذف الياء في الحرفين في الوصل و الوقف و في الشواذ قراءة ابن عباس بعاد إرم ذات العماد و روي ذلك عن الضحاك أيضا و قراءة ابن عباس و عكرمة و الضحاك و ابن السميقع فادخلي في عبدي .

الحجة

قال أبو علي حدثنا محمد بن السري أن الأصمعي قال لكل فرد وتر و أهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد و يكسرون الوتر في الذحل و قيس و تميم يسوونهما في الكسر و يقولون في الوتر الذي هو الإفراد أوترت و أنا أوتر إيثارا أي جعلت أمري وترا و في الذحل وترته أتره وترا وترة قال أبو بكر وترته في الذحل إنما هو أفردته من أهله و ماله و من قرأ يكرمون و ما بعده بالياء فلما تقدم من ذكر الإنسان و المراد به الجنس و الكثرة على لفظ الغيبة و لا يمتنع في هذه الأشياء الدالة على الكثرة أن يحمل على اللفظ مرة و على المعنى أخرى و من قرأ بالتاء فعلى معنى قل لهم ذلك و معنى لا تحضون على طعام المسكين لا تأمرون به و لا تبعثون عليه «وَ لاََ تَحَاضُّونَ» تتفاعلون منه و قوله «لاََ يُعَذِّبُ عَذََابَهُ أَحَدٌ» معناه لا يعذب تعذيبه فوضع العذاب موضع التعذيب كما وضع العطاء موضع الإعطاء في قوله‏

"و بعد عطائك المائة الرتاعا"

فالمصدر الذي هو عذاب مضاف إلى المفعول به مثل دعاء الخير و المفعول به الإنسان المتقدم ذكره في قوله «يَوْمَ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسََانُ» و الوصاق أيضا موضع الإيثاق فأما من قرأ لا يعذب فقد قيل إن المعنى فيه أنه لا يتولى عذاب الله تعالى يومئذ أحد و الأمر يومئذ أمره و لا أمر لغيره هذا قول و قد قيل أيضا لا يعذب أحد في الدنيا مثل عذاب الله في الآخرة و كان الذي حمل قائل هذا القول على أن قاله إنه إن حمله على ظاهره كان المعنى لا يعذب أحد في الآخرة مثل عذاب الله و معلوم أنه لا يعذب أحد في الآخرة مثل‏

733

(1) - عذاب الله إنما المعذب الله تعالى فعدل عن الظاهر لذلك.

ـو لو قيل إن المعنى فيومئذ لا يعذب أحد أحدا تعذيبا مثل تعذيب الكافر المتقدم ذكره‏فأضيف المصدر إلى المفعول به كما أضيف إليه في القراءة الأولى و لم يذكر الفاعل كما لم يذكره في مثل قوله تعالى‏ مِنْ دُعََاءِ اَلْخَيْرِ لكان المعنى في القراءتين سواء و الذي يرد بأحد الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار و يكون ذلك كقوله‏ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي اَلنََّارِ عَلى‏ََ وُجُوهِهِمْ و قوله‏ وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذْ يَتَوَفَّى اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلْمَلاََئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَ أَدْبََارَهُمْ و قوله‏ «وَ لَهُمْ مَقََامِعُ مِنْ حَدِيدٍ» لا شبهة أن يكون هذا القول أولى و الفاعل له هم الملائكة قال و وجه قول من قال يسري بالياء وصل أو وقف إن الفعل لا يحذف منه في الوقف كما يحذف من الأسماء نحو قاض و غاز فتقول هو يقضي و أنا أقضي فتثبت الياء و لا تحذف كما تحذف من الاسم نحو هذا قاض و ليس إثبات الياء بالأحسن في الوقف من الحذف و ذلك أنها فاصلة و جميع ما لا يحذف في الكلام و ما يختار فيه أن لا يحذف نحو القاضي بالألف و اللام يحذف إذا كان في قافية أو فاصلة قال سيبويه : و الفاصلة نحو «وَ اَللَّيْلِ إِذََا يَسْرِ» و يَوْمَ اَلتَّنََادِ و اَلْكَبِيرُ اَلْمُتَعََالِ فإذا كان شي‏ء من ذلك في كلام تام شبه بالفاصلة فحسن حذفها نحو قوله‏ «ذََلِكَ مََا كُنََّا نَبْغِ» فإن قلت كيف كان الاختيار فيه أن يحذف إذا كان في فاصلة أو قافية و هذه الحروف من أنفس الكلم و هلا لم يستحسن حذفها كما أثبت سائر الحروف و لم يحذف و القول في ذلك أن الفواصل و القوافي في مواضع الوقف و الوقف موضع تغير فلما كان الوقف تغير فيه الحروف الصحيحة بالتضعيف و الإسكان و روم الحركة غيرت فيه هذه الحروف المشابهة للزيادة بالحذف‏أ لا ترى أن النداء لما كان في موضع حذف بالترخيم و الحذف للحروف الصحيحة ألزموا الحذف في أكثر الكلام للحرف المتغير و هو تاء التأنيث فكذلك ألزم الحذف في الوقف لهذه الحروف المتغيرة فجعل تغييرها الحذف و لما يراع فيها ما روعي في الحروف الصحيحة فسووا بينها و بين الزائد في الحذف للجزم نحو لم يغز و لم يرم و لم يخش و أجروها مجرى الزائد في الإطلاق نحو

"و بعض القوم يخلق ثم لا يفري"

و ما يمر و ما يحلو كما قالوا

"أقوين من حجج و من دهر"

فلذلك اختير فيها الحذف في الفواصل و القوافي و كذلك قوله «جََابُوا

734

(1) - اَلصَّخْرَ بِالْوََادِ» الأوجه فيه الحذف إذا كانت فاصلة و إن كان الأحسن إذا لم تكن فاصلة الإثبات و من قرأ في الوصل يسري بالياء و في الوقف بغير ياء فإنه ذهب إلى أنه إذا لم يقف عليها صار بمنزلة غيرها من المواضع التي لا يوقف عليهافلم تحذف من الفاصلة إذا لم يقف عليها كما لم يحذف من غيرها و حذفها إذا وقف عليها من أجل الوقف و من قرأ «أَكْرَمَنِ» و «أَهََانَنِ» بغير ياء في وصل و لا وقف فهو كمن قرأ «يَسْرِ» في الوصل و الوقف لأن ما قبلها كسرة في فاصلة و من قرأهما بياء في الوصل كمثل من قرأ يسري في الوصل بإثبات الياء و بحذفها في الوقف و رواية سيبويه عن أبي عمرو أنه قرأ «رَبِّي أَكْرَمَنِ» و «رَبِّي أَهََانَنِ» على الوقف و من قرأ أرم ذات العماد فالمعنى جعلها رميما رمت هي و استرمت و أرمها غيرها قال ابن جني و أما القراءة « بِعََادٍ إِرَمَ » فعلى أنه أراد أهل إرم هذه المدينة فحذف المضاف و هو يريده كقوله تعالى‏ بِزِينَةٍ اَلْكَوََاكِبِ أي بزينة الكواكب قال و قوله في عبدي لفظه لفظ الواحد و معناه الجمع أي عبادي و ذلك أنه جعل عبادي كالواحد أي لا خلاف بينهم في عبوديته كما لا يخالف الإنسان فيصير

كقول النبي ص و هم يد على من سواهم‏

و قال غيره معناه فادخلي في جسم عبدي.

اللغة

الفجر شق عمود الصبح فجرة الله لعباده فجرا إذا أظهره في أفق المشرق مبشرا بإدبار الليل المظلم و إقبال النهار المضي‏ء و هما فجران (أحدهما) الفجر المستطيل و هو الذي يصعد طولا كذنب السرحان و لا حكم له في الشرع (و الآخر) هو المستطير المنتشر في أفق السماء و هو الذي يحرم عنده الأكل و الشرب لمن أراد أن يصوم في شهر رمضان و هو ابتداء اليوم و الحجر العقل و أصله المنع يقال حجر القاضي على فلان ماله أي منعه من التصرف فيه فالعقل يمنع من المقبحات و يزجر عن فعلها و العماد جمعه عمد و هو ما تبنى به الأبنية و يستعمل في القوة و الشرق يقال فلان رفيع العماد قال:

و نحن إذا عماد البيت خرت # على الأخفاض نمنع من يلينا

و الجواب القطع قال النابغة :

أتاك أبو ليلى تجوب به الدجى # دجى الليل جواب الفلاة غشمشم‏

و الغشمشم الطويل و السوط معروف قال الفراء السوط اسم للعذاب و إن لم يكن ثم ضرب بسوط و أصل السوط خلط الشي‏ء بعضه ببعض فكان السوط قسط عذاب يخالط اللحوم و الدماء كما يخالطهما السوط قال الشاعر:

أ حارث أنا لو تساط دماؤنا # تزايلن حتى لا يمس دم دما

735

(1) - و المرصاد الطريق مفعال من رصده يرصده رصدا إذا راعى ما يكون منه ليقابله بما يقتضيه و اللم الجمع و لممت ما على الخوان ألمه لما إذا أكلته أجمع كأنه يأكل ما ألم به و لا يميز شيئا من شي‏ء و الجم الكثير العظيم و جمة الماء معظمه و جم الماء في الحوض إذا اجتمع و كثر قال زهير :

فلما وردن الماء زرقا جمامة # وضعن عصي الحاضر المتخيم‏

و الدك حط المرتفع بالبسط يقال اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره و ناقة دكاء إذا كانت كذلك و منه الدكان لاستوائه قال:

ليت الجبال تداعت عند مصرعها # دكا فلم يبق من أحجارها حجر

و الوثاق الشد و أوثقته شددته .

الإعراب‏

جواب القسم قوله «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصََادِ» و قيل جوابه محذوف تقديره ليقبضن على كل ظالم أو لينتصفن كل مظلوم من ظالمة أ ما رأيت كيف فعلنا بعاد و فرعون و ثمود لما ظلموا و أجري إرم على عاد عطف بيان أو على البدل و لا يجوز أن يكون صفة لأنه غير مشتق و إنما لا ينصرف إرم للتعريف و التأنيث أ لا ترى إلى قوله «ذََاتِ اَلْعِمََادِ» و من أضاف فقال بعاد إرم في الشواذ فإنه عنده بمنزلة قولهم زيد بطة لأنه لقب فيضاف إليه الاسم و ثمود في موضع جر أي و بثمود لا ينصرف لأنه أعجمي معرفة على طعام المسكين تقديره على إطعام طعام المسكين فحذف المضاف و يجوز أن يكون طعام اسما أقيم مقام الإطعام كقول لبيد :

باكرت حاجتها الدجاج بسحرة # لأعل منها حين هب نيامها

أي لاحتياجي إليها فهو مفعول له و التراث أصله الوارث من ورثت و لكن التاء تبدل من الواو و مثله تجاه أصله وجاه من واجهه و جواب إذا في قوله «إِذََا دُكَّتِ اَلْأَرْضُ» قوله «فَيَوْمَئِذٍ لاََ يُعَذِّبُ عَذََابَهُ أَحَدٌ» و قوله «صَفًّا صَفًّا» مصدر وضع موضع الحال أي مصطفين.

ـ

المعنى‏

«وَ اَلْفَجْرِ» أقسم الله سبحانه بفجر النهار و هو انفجار الصبح كل يوم عن‏

736

(1) - عكرمة و الحسن و الجبائي و رواه أبو صالح عن ابن عباس و قيل هو فجر ذي الحجة لأن الله تعالى قرن الأيام به فقال‏} «وَ لَيََالٍ عَشْرٍ» و هي عشر ذي الحجة عن مجاهد و الضحاك و قيل فجر أول المحرم لأنه تتجدد عنده السنة عن قتادة و قيل يريد فجر يوم النحر لأنه يقع فيه القربان و يتصل بالليالي العشر عن أبي مسلم و قيل أراد بالفجر النهار كله عن ابن عباس و

ليال عشر يعني العشر من ذي الحجة عن ابن عباس و الحسن و قتادة و مجاهد و الضحاك و السدي و روي ذلك مرفوعا

شرفها الله ليسارع الناس فيها إلى عمل الخير و قيل هي العشر الأواخر من شهر رمضان في رواية أخرى عن ابن عباس و قيل إنها عشر موسى للثلاثين ليلة التي أتمها الله بها} «وَ اَلشَّفْعِ وَ اَلْوَتْرِ» يعني الزوج و الفرد من العدد كله عن الحسن قال أبو مسلم هو تذكير بالحساب لعظم ما فيه من النفع و النعم بما يضبط به من المقادير و قيل الشفع و الوتر كل ما خلقه الله تعالى لأن جميع الأشياء إما زوج و إما فرد عن ابن زيد و الجبائي و

قيل الشفع الخلق لأنه قال‏ وَ خَلَقْنََاكُمْ أَزْوََاجاً و الوتر الله تعالى عن عطية العوفي و أبي صالح و ابن عباس و مجاهد و هي رواية أبي سعيد الخدري عن النبي ص

و

قيل الشفع و الوتر الصلاة و منه شفع و منها وتر و هي رواية ابن حصين عن النبي ص

و

قيل الشفع يوم النحر و الوتر يوم عرفة عن ابن عباس و عكرمة و الضحاك و هي رواية جابر عن النبي ص

و الوجه فيه أن يوم النحر يشفع بيوم نفر بعده و ينفرد يوم عرفة بالموقف و

قيل الشفع يوم التروية و الوتر يوم عرفة و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع)

و قيل إن الشفع و الوتر في قول الله عز و جل‏ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ فالشفع النفر الأول و الوتر يوم النفر الأخير و هو الثالث و أما الليالي العشر فالثماني من ذي الحجة و عرفة و النحر عن ابن الزبير و قيل الوتر آدم شفع بزوجته عن ابن عباس و قيل الشفع الأيام و الليالي و الوتر اليوم الذي لا ليل بعده و هو يوم القيامة عن مقاتل بن حيان و قيل الشفع صفات المخلوقين و تضادها العز و الذل و الوجود و العدم و القدرة و العجز و العلم و الجهل و الحياة و الموت و الوتر صفة الله تعالى إذ هو الموجود لا يجوز عليه العدم و القادر لا يجوز عليه العجز و العالم لا يجوز عليه الجهل و الحي لا يجوز عليه الموت و قيل الشفع علي و فاطمة (ع) و الوتر محمد ص و قيل الشفع الصفا و المروة و الوتر البيت الحرام } «وَ اَللَّيْلِ إِذََا يَسْرِ» اختلفوا في المراد به على وجهين (أحدهما) أنه أراد جنس الليالي كما قال‏ وَ اَللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ أقسم بالليل إذا يمضي بظلامه فيذهب حتى ينقضي بالضياء المبتدئ ففي سيره على المقادير المرتبة و مجيئه بالضياء عند تقضيه أدل دلالة على أن فاعله يختص بالعز و الجلال و يتعالى عن الأشباه و الأمثال و قيل إنه إنما أضاف السير إليه لأن الليل يسير بمسير الشمس في الفلك و انتقالها من أفق إلى أفق و قيل إذا يسري إذا جاء

737

(1) - و أقبل إلينا و يريد كل ليلة عن قتادة و الجبائي و الوجه الآخر أن المراد به ليلة بعينها تمييزا لها من بين الليالي ثم قيل إنها ليلة المزدلفة لاختصاصها باجتماع الناس فيها بطاعة الله تعالى و فيها يسري الحاج من عرفة إلى المزدلفة ثم يصلي الغداة بها و يغدو منها إلى منى عن مجاهد و عكرمة و الكلبي } «هَلْ فِي ذََلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ» أي هل فيما ذكر من الأقسام مقنع لذي عقل و لب يعقل القسم و المقسم به و هذا تأكيد و تعظيم لما وقع القسم به و المعنى أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب و دلائل على توحيد الله توضح عن عجائب صنعه و بدائع حكمته ثم اعترض بين القسم و جوابه بقوله «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعََادٍ إِرَمَ ذََاتِ اَلْعِمََادِ» و هذا خطاب للنبي ص و تنبيه للكفار على ما فعله سبحانه بالأمم السالفة لما كفرت بالله و بأنبيائه و كانت أطول أعمارا و أشد قوة و عاد قوم هود و اختلفوا في إرم على أقوال (أحدها) أنه اسم لقبيلة قال أبو عبيدة هما عادان فالأولى هي إرم و هي التي قال الله تعالى فيهم‏ وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عََاداً اَلْأُولى‏ََ و قيل هو جد عاد و هو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عن محمد بن إسحاق و قيل هو سام بن نوح نسب عاد إليه عن الكلبي و قيل إرم قبيلة من قوم عاد كان فيهم الملك و كانوا بمهرة و كان عاد أباهم عن مقاتل و قتادة (و ثانيها) أن إرم اسم بلد ثم قيل هو دمشق عن ابن سعيد المقري و سعيد بن المسيب و عكرمة و قيل هو مدينة الإسكندرية عن محمد بن كعب القرظي و قيل هو مدينة بناها شداد بن عاد فلما أتمها و أراد أن يدخلها أهلكه الله بصيحة نزلت من السماء (و ثالثها) أنه ليس بقبيلة و لا بلد بل هو لقب لعاد و كان عاد يعرف به عن الجبائي و روي عن الحسن أنه قرأ} بعاد إرم على الإضافة و قيل هو اسم آخر لعاد و كان له اسمان و من جعله بلدا فالتقدير في الآية بعاد صاحب إرم و قوله‏} «ذََاتِ اَلْعِمََادِ» يعني أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم عن ابن عباس في رواية عطاء و الكلبي عن قتادة و قيل معناه ذات الطول و الشدة عن ابن عباس و مجاهد من قول العرب رجل معمد للطويل و رجل طويل العماد أي القامة ثم وصفهم سبحانه فقال‏} «اَلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهََا فِي اَلْبِلاََدِ» أي لم يخلق في البلاد مثل تلك القبيلة في الطول و القوة و عظم الأجسام و هم الذين قالوا من أشد منا قوة و روي أن الرجل منهم كان يأتي بالصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم و قيل ذات العماد أي ذات الأبنية العظام المرتفعة عن الحسن و قال ابن زيد ذات العماد في أحكام البنيان التي لم يخلق مثلها أي مثل أبنيتها في البلاد.

[قصة إرم ذات العماد]

قال وهب بن منبه خرج عبد الله بن قلابة في طلب إبل له شردت فبينا هو في صحاري‏

738

(1) - عدن إذ هو قد وقع في مدينة في تلك الفلوات عليها حصن و حول الحصن قصور كثيرة و أعلام طوال فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله فنزل عن دابته و عقلها و سل سيفه و دخل من باب الحصن فلما دخل الحصن فإذا هو ببابين عظيمين لم ير أعظم منهماو البابان مرصعان بالياقوت الأبيض و الأحمر فلما رأى ذلك دهش ففتح أحد البابين فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها و إذا هو قصور كل قصر فوقه غرف و فوق الغرف غرف مبنية بالذهب و الفضة و اللؤلؤ و الياقوت و مصاريع تلك الغرف مثل مصراع المدينة يقابل بعضها بعضا مفروشة كلها باللآلئ و بنادق من مسك و زعفران فلما رأى الرجل ما رأى و لم ير فيها أحدا هاله ذلك ثم نظر إلى الأزقة فإذا هو بشجر في كل زقاق منها قد أثمرت تلك الأشجار و تحت الأشجار أنهار مطردة يجري ماؤها من قنوات من فضة كل قناة أشد بياضا من الشمس فقال الرجل و الذي بعث محمدا ص بالحق ما خلق الله مثل هذه في الدنيا و إن هذه هي الجنة التي وصفها الله تعالى في كتابه فحمل معه من لؤلؤها و من بنادق المسك و الزعفران و لم يستطع أن يقلع من زبرجدها و من ياقوتها شيئا و خرج و رجع إلى اليمن فأظهر ما كان معه و علم الناس أمره فلم يزل ينمو أمره حتى بلغ معاوية خبره فأرسل في طلبه حتى قدم عليه فقص عليه القصةفأرسل معاوية إلى كعب الأحبار فلما أتاه قال يا أبا إسحاق هل في الدنيا مدينة من ذهب و فضة قال نعم أخبرك بها و بمن بناها إنما بناها شداد بن عاد فأما المدينة فارم ذات العماد التي وصفها الله تعالى في كتابه و هي التي لم يخلق مثلها في البلاد قال معاوية فحدثني حديثها فقال إن عادا الأولى ليس بعاد قوم هود و إنما هود و قوم هود ولد ذلك و كاد عاد له ابنان شداد و شديد فهلك عاد فبقيا و ملكا فقهرا البلاد و أخذاها عنوة ثم هلك شديد و بقي شداد فملك وحده و دانت له ملوك الأرض فدعته نفسه إلى بناء مثل الجنة عتوا على الله سبحانه فأمر بصنعة تلك المدينة إرم ذات العماد و أمر على صنعتها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف من الأعوان و كتب إلى كل ملك في الدنيا أن يجمع له ما في بلاده من الجواهر و كان هؤلاء القهارمة أقاموا في بنيانها مدة طويلة فلما فرغوا منها جعلوا عليها حصنا و حول الحصن ألف قصر ثم سار الملك إليها في جنده و وزرائه‏فلما كان منها على مسيرة يوم و ليلة بعث الله عز و جل عليه و على من معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا و لم يبق منهم أحدا و سيدخلها في زمانك رجل من المسلمين أحمر أشقر قصير على حاجبه خال و على عنقه خال يخرج في طلب إبل له في تلك الصحاري و الرجل عند معاوية فالتفت كعب إليه و قال هذا و الله ذلك الرجل‏

المعنى‏

ثم قال سبحانه «وَ ثَمُودَ اَلَّذِينَ جََابُوا اَلصَّخْرَ بِالْوََادِ» أي و كيف فعل بثمود الذين قطعوا الصخر و نقبوها بالوادي الذي كانوا ينزلونه يعني وادي القرى قال ابن عباس كانوا ينحتون الجبال‏

739

(1) - فيجعلون منها بيوتا كما قال الله تعالى‏ وَ تَنْحِتُونَ مِنَ اَلْجِبََالِ بُيُوتاً فََارِهِينَ «وَ فِرْعَوْنَ » أي و كيف فعل فرعون الذي أرسل إليه موسى «ذِي اَلْأَوْتََادِ» أي ذي الجنود الذين كانوا يشيدون أمره عن ابن عباس و سماهم أوتادا لأنهم قواد عسكره الذين بهم قوام أمره و قيل كان يشد الرجل بأربعة أوتاد على الأرض إذا أراد تعذيبه‏و يتركه حتى يموت عن مجاهد و عن ابن مسعود قال وتد امرأته بأربعة أوتاد ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت و قد مر بيانه في سورة _ص } «اَلَّذِينَ طَغَوْا فِي اَلْبِلاََدِ» يعني عادا و ثمود و فرعون طغوا أي تجبروا في البلاد على أنبياء الله و عملوا فيها بمعصية الله‏} «فَأَكْثَرُوا فِيهَا» أي في الأرض أو في البلاد «اَلْفَسََادَ» أي القتل و المعصية عن الكلبي ثم بين سبحانه ما فعله بهم عاجلا بأن قال‏} «فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذََابٍ» أي فجعل سوطة الذي ضربهم به العذاب عن الزجاج و قيل معناه صب عليهم قسط عذاب كالعذاب بالسوط الذي يعرف أراد ما عذبوا به و قيل إن كل شي‏ء عذب الله به فهو سوط فأجري على العذاب اسم السوط مجازا عن قتادة شبه سبحانه العذاب الذي أحله بهم و ألقاه عليهم بانصباب السوط و تواتره على المضروب حتى يهلكه‏} «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصََادِ» أي عليه طريق العباد فلا يفوته أحد عن الكلبي و الحسن و عكرمة و المعنى أنه لا يفوته شي‏ء من أعمالهم‏لأنه يسمع و يرى جميع أقوالهم و أفعالهم كما لا يفوت من هو بالمرصاد و

روي عن علي (ع) أنه قال معناه إن ربك قادر على أن يجزي أهل المعاصي جزاءهم‏

و

عن الصادق (ع) أنه قال المرصاد قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة عبد

و قال عطاء يعني يجازي كل واحد و ينتصف من الظالم للمظلوم و قيل لأعرابي أين ربك قال بالمرصاد و ليس يريد به المكان‏

فقد سئل علي (ع) أين كان ربنا قبل أن خلق السماوات و الأرض فقال أين سؤال عن مكان و كان الله و لا مكان‏

و روي عن ابن عباس في هذه الآية قال إن على جسر جهنم سبع محابس يسأل العبد عندها أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني فيسأل عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع فيسأل عن الصوم فإن جاء بها تامة جاز إلى الخامس فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى السادس‏فيسأل عن العمرة فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع فيسأل عن المظالم فإن خرج منها و إلا يقال انظروا فإن كان له تطوع أكمل به أعماله فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة ثم قسم سبحانه أحوال البشر فقال‏} «فَأَمَّا اَلْإِنْسََانُ إِذََا مَا اِبْتَلاََهُ رَبُّهُ» أي اختبره و امتحنه بالنعمة «فَأَكْرَمَهُ» بالمال «وَ نَعَّمَهُ» بما وسع عليه من أنواع الإفضال «فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ» فيفرح بذلك و يسر و يقول ربي أعطاني هذا لكرامتي عنده و منزلتي لديه أي يحسب أنه كريم على ربه حيث وسع الدنيا عليه‏} «وَ أَمََّا إِذََا مَا اِبْتَلاََهُ» بالفقر و الفاقة «فَقَدَرَ» أي فضيق و

740

(1) - قتر «عَلَيْهِ رِزْقَهُ» و جعله على قدر البلغة «فَيَقُولُ رَبِّي أَهََانَنِ» أي فيظن أن ذلك هوان من الله و يقول ربي أذلني بالفقر ثم قال‏} «كَلاََّ» أي ليس كما ظن فإني لا أغني المرء لكرامته علي و لا أفقره لمهانته عندي و لكني أوسع على من أشاء و أضيق على من أشاء بحسب ما توجبه الحكمة و يقتضيه الصلاح ابتلاء بالشكر و الصبر و إنما الإكرام على الحقيقة يكون بالطاعة و الإهانة تكون بالمعصية ثم بين سبحانه ما يستحق به الهوان فقال بل إنما أهنت من أهنت لأنهم عصوني.

ـثم فصل العصيان فقال «بَلْ لاََ تُكْرِمُونَ اَلْيَتِيمَ» و هو الطفل الذي لا أب له أي لا تعطونهم مما أعطاكم الله حتى تغنوهم عن ذل السؤال و خص اليتيم لأنهم لا كافل لهم يقوم بأمرهم و

قد قال ص أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنة و أشار بالسبابة و الوسطى‏

قال مقاتل : كان قدامة بن مظعون في حجر أمية بن خلف يتيما و كان يدفعه عن حقه فعلى هذا فإنه يحتمل معنيين (أحدهما) إنكم لا تحسنون إليه‏ (و الآخر) إنكم لا تعطونه حقه من الميراث على ما جرت به عادة الكفار من حرمان اليتيم ما كان له من الميراث و لا تحضون على طعام المسكين أي و لا تحثون على إطعامه و لا تأمرون بالتصدق عليه و من قرأ} «لاََ تَحَاضُّونَ» أراد لا يحض بعضكم بعضا على ذلك و المعنى أن الإهانة ما فعلتموه من ترك إكرام اليتيم و منع الصدقة من الفقير لا ما توهمتموه و قيل إن المراد إنما أعطيتكم المال لذلك فإذا لم تفعلوه فذلك يوجب إهانتكم‏} «وَ تَأْكُلُونَ اَلتُّرََاثَ» أي الميراث و قيل أموال اليتامى عن أبي مسلم قال و لم يرد الميراث الحلال لأنه لا يلام آكله عليه قال الحسن : يأكل نصيبه و نصيب اليتيم و ذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء و الصبيان و يأكلون أموالهم و قيل يأكلون الميراث فيما يشتهون و لا يتفكرون في إخراج ما أوجب الله عليهم من الحقوق فيه «أَكْلاً لَمًّا» شديدا تلمون جميعه في الأكل و قيل هو أن يأكل نصيبه و نصيب غيره عن الحسن و قيل هو أن يأكل ما يجده و لا يفكر فيما يأكله من خبيث و طيب عن ابن زيد «وَ تُحِبُّونَ اَلْمََالَ حُبًّا جَمًّا» أي كثيرا شديدا عن ابن عباس و مجاهد و المعنى تحبون جمع المال و تولعون به فلا تنفقونه في خير و قيل يحبون كثرة المال من فرط حرصهم فيجمعونه من غير وجهه و يصرفونه في غير وجهه و لا يتفكرون في العاقبة ثم قال سبحانه‏} «كَلاََّ» أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا و قال مقاتل :

معناه لا يفعلون ما أمروا به في اليتيم و المسكين و قيل كلا زجر تقديره لا تفعلوا هكذا ثم خوفهم فقال «إِذََا دُكَّتِ اَلْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا» أي كسر كل شي‏ء على ظهرها من جبل أو بناء أو شجر حتى زلزلت فلم يبق عليها شي‏ء يفعل ذلك مرة بعد مرة و قيل دكت الأرض أي مدت يوم القيامة مد الأديم عن ابن عباس و قيل دقت جبالها و أنشازها حتى استوت عن ابن قتيبة و المعنى استوت في انفراشها و ذهب دورها و قصورها و سائر أبنيتها حتى تصير كالصحراء

741

(1) - الملساء «وَ جََاءَ رَبُّكَ» أي أمر ربك و قضاؤه و محاسبته عن الحسن و الجبائي و قيل جاء أمره الذي لا أمر معه بخلاف حال الدنيا عن أبي مسلم و قيل جاء جلائل آياته فجعل مجيئها مجيئه تفخيما لأمرها و قال بعض المحققين: المعنى و جاء ظهور ربك لضرورة المعرفة به لأن ظهور المعرفة بالشي‏ء يقوم مقام ظهوره و رؤيته و لما صارت المعارف بالله في ذلك اليوم ضرورية صار ذلك كظهوره و تجليه للخلق فقيل جاء ربك أي زالت الشبهة و ارتفع الشك كما يرتفع عند مجي‏ء الشي‏ء الذي كان يشك فيه جل و تقدس عن المجي‏ء و الذهاب لقيام البراهين القاهرة و الدلائل الباهرة على أنه سبحانه ليس بجسم «وَ اَلْمَلَكُ» أي و تجي‏ء الملائكة «صَفًّا صَفًّا» يريد صفوف الملائكة و أهل كل سماء صف على حدة عن عطاء و قال الضحاك :

أهل كل سماء إذا زلزلوا يوم القيامة كانوا صفا محيطين بالأرض و بمن فيها فيكون سبع صفوف فذلك قوله «صَفًّا صَفًّا» و قيل معناه مصطفين كصفوف الناس في الصلاة يأتي الصف الأول ثم الصف الثاني ثم الصف الثالث ثم على هذا الترتيب لأن ذلك أشبه بحال الاستواء من التشويش فالتعديل و التقويم أولى‏} «وَ جِي‏ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ» أي و أحضرت في ذلك اليوم جهنم ليعاقب بها المستحقون لها و يرى أهل الموقف هولها و عظم منظرها و

روي مرفوعا عن أبي سعيد الخدري قال لما نزلت هذه الآية تغير وجه رسول الله ص و عرف في وجهه حتى اشتد على أصحابه ما رأوا من حاله و انطلق بعضهم إلى علي بن أبي طالب (ع) فقالوا يا علي لقد حدث أمر قد رأيناه في نبي الله ص فجاء علي (ع) فاحتضنه من خلفه و قبل بين عاتقيه ثم قال يا نبي الله بأبي أنت و أمي ما الذي حدث اليوم قال جاء جبرائيل (ع) فأقرأني «وَ جِي‏ءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ» قال فقلت كيف يجاء بها قال يجي‏ء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع ثم أتعرض لجهنم فتقول ما لي و لك يا محمد فقد حرم الله لحمك علي فلا يبقى أحد إلا قال نفسي نفسي و إن محمدا يقول رب أمتي أمتي‏

ثم قال سبحانه‏ «يَوْمَئِذٍ» يعني يوما يجاء بجهنم «يَتَذَكَّرُ اَلْإِنْسََانُ» أي يتعظ و يتوب الكافر «وَ أَنََّى لَهُ اَلذِّكْرى‏ََ» أي و من أين له التوبة عن الزجاج و قيل معناه يتذكر الإنسان ما قصر و فرط إذ يعلم يقينا ما قد توعد به فكيف ينفعه التذكر أثبت له التذكر ثم نفاه بمعنى أنه لا ينتفع به فكأنه لم يكن و كان ينبغي له أن يتذكر في وقت ينفعه ذلك فيه ثم حكى سبحانه ما يقول الكافر و المفرط الجاني على نفسه و يتمناه بقوله‏} «يَقُولُ يََا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيََاتِي» أي يتمنى أن يكون قد كان عمل الطاعات و الحسنات لحياته بعد موته أو عملها للحياة التي تدوم له بقوله «يََا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيََاتِي» العمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها ثم قال سبحانه‏} «فَيَوْمَئِذٍ لاََ يُعَذِّبُ عَذََابَهُ أَحَدٌ» أي لا يعذب عذاب الله أحد من‏

742

(1) - الخلق‏} «وَ لاََ يُوثِقُ وَثََاقَهُ أَحَدٌ» أي وثاق الله أحد من الخلق فالمعنى لا يعذب أحد في الدنيا مثل عذاب الله الكافر يومئذ و لا يوثق أحد في الدنيا بمثل وثاق الله الكافر يومئذو أما القراءة بفتح العين في يعذب و يوثق

فقد وردت الرواية عن أبي قلابة قال أقرأني من أقرأه رسول الله ص فيومئذ لا يعذب عذابه أحد و لا يوثق وثاقه أحد

و المعنى لا يعذب أحد تعذيب هذا الكافر إن قلنا إنه كافر بعينه أو تعذيب هذا الصنف من الكفار و هم الذين ذكروا في قوله «لاََ تُكْرِمُونَ اَلْيَتِيمَ» الآيات و هذا و إن أطلق فالأولى أن يكون المراد التقييد لأنا نعلم أن إبليس أشد عذابا و وثاقا منه و قيل معناه لا يؤاخذ بذنبه غيره و التقدير لا يعذب أحد بعذابه لأنه المستحق بعذابه و لا يؤاخذ الله أحدا بجرم غيره‏} «يََا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ» بالإيمان المؤمنة الموقنة المصدقة بالثواب و البعث و الطمأنينة حقيقة الإيمان عن الحسن و مجاهد و قيل المطمئنة الآمنة بالبشارة بالجنة عند الموت و يوم البعث عن ابن زيد و قيل النفس المطمئنة التي يبيض وجهها و يعطى كتابها بيمينها فحينئذ تطمئن عن الكلبي و أبي روق «اِرْجِعِي إِلى‏ََ رَبِّكِ» أي يقال لها عند الموت عن أبي صالح و قيل عند البعث عن عكرمة و الضحاك ارجعي إلى ثواب ربك و ما أعده لك من النعيم عن الحسن و قيل ارجعي إلى الموضع الذي يختص الله سبحانه بالأمر و النهي فيه دون خلقه و قيل إن المراد ارجعي إلى صاحبك و جسدك فيكون الخطاب للروح أن ترجع إلى الجسد عن ابن عباس «رََاضِيَةً» بثواب الله «مَرْضِيَّةً» أعمالها التي عملتها و قيل راضية عن الله بما أعد الله لها مرضية رضي عنها ربها بما عملت من طاعته و قيل راضية بقضاء الله في الدنيا حتى رضي الله عنها و رضي بأفعالها و اعتقادها} «فَادْخُلِي فِي عِبََادِي» أي في زمرة عبادي الصالحين المصطفين الذين رضيت عنهم و هذه نسبة تشريف و تعظيم‏} «وَ اُدْخُلِي جَنَّتِي» التي وعدتكم بها و أعددت نعيمكم فيها.

النظم‏

وجه اتصال قوله «فَأَمَّا اَلْإِنْسََانُ» الآية بما قبله فيه قولان (أحدهما) أنه يتصل بقوله «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصََادِ» أي هو بالمرصاد لأعمالهم لا يخفى عليه شي‏ء من مصالحهم فإذا أكرم أحدا منهم بنوع من النعم التي هي الصحة و السلامة و المال و البنون امتحانا و اختبارا ظن ذلك واجبا و إذا قتر عليه رزقه ظن ذلك إهانة له و إنما يفعل سبحانه جميع ذلك للمصالح عن أبي مسلم (و الثاني) أن المعنى بالمرصاد لهم يتعبده بما هو الأصلح لهم و أنهم يظنون أنه يبتدئ عباده بالإكرام و الإهانة و ليس كذلك بل هما مستحقان و لا يدخل العباد تحت الاستحقاق إلا بعد التكليف و أما قوله «بَلْ لاََ تُكْرِمُونَ اَلْيَتِيمَ» فوجه اتصاله بما قبله أنه رد عليهم ظنهم أنه ضيق عليهم أرزاقهم على وجه الإهانة فبين سبحانه أن الإهانة لما ذكره لا لما قالوه.

743

(1) -

(90) سورة البلد مكية و آياتها عشرون (20)

توضيح‏

مكية عشرون آية بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب قال قال رسول الله ص من قرأها أعطاه الله الأمن من غضبه يوم القيامة

أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال من كان قراءته في الفريضة لا أقسم بهذا البلد كان في الدنيا معروفا أنه من الصالحين و كان في الآخرة معروفا أن له من الله مكانا و كان من رفقاء النبيين و الشهداء و الصالحين.

تفسيرها

لما ختم تلك السورة بذكر النفس المطمئنة بين في هذه السورة وجه الاطمئنان و أنه النظر في طريق معرفة الله و أكد ذلك بالقسم فقال:

744

(1) -

القراءة

قرأ أبو جعفر لبدا بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و الكسائي فك رقبة أو أطعم و الباقون «فَكُّ رَقَبَةٍ» بالرفع و الإضافة «أَوْ إِطْعََامٌ» بالتنوين و قرأ أبو عمرو و أهل الكوفة غير عاصم مؤصدة بالهمزة و الباقون بغير همزة و يعقوب مختلف عنه و في الشواذ قراءة الحسن في يوم ذا مسغبة .

الحجة

لبد يجوز أن يكون واحدا على وزن زمل و جبا و يجوز أن يكون جمعا فيكون جمع لأبد و أما قوله «فَكُّ رَقَبَةٍ ` أَوْ إِطْعََامٌ» فقد قال أبو علي : المعنى فيه و ما أدراك ما اقتحام العقبة فك رقبة أو إطعام أي اقتحامها أحد هذين أو هذا الضرب من فعل القرب فلو لم تقدره و تركت الكلام على ظاهره كان المعنى العقبة فك رقبة و لا تكون العقبة الفك لأنه عين و الفك حدث و الخبر ينبغي أن يكون المبتدأ في المعنى و مثل هذا قوله «وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْحُطَمَةُ ` نََارُ اَللََّهِ اَلْمُوقَدَةُ» أي الحطمة نار الله و مثله‏ «وَ مََا أَدْرََاكَ مََا هِيَهْ ` نََارٌ حََامِيَةٌ» و كذلك قوله «وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْقََارِعَةُ ` يَوْمَ يَكُونُ اَلنََّاسُ كَالْفَرََاشِ اَلْمَبْثُوثِ» و المعنى القارعة يوم يكون الناس لأن القارعة مصدر فيكون اسم الزمان خبرا عنه فهذه الجمل من الابتداء و الخبر تفسير لهذه الأشياء المتقدم ذكرها من اقتحام العقبة و الحطمة و القارعة كما أن قوله تعالى‏ «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ عَظِيمٌ» تفسير للوعد و قوله «فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ» معناه فلم يقتحم و إذا كانت لا بمعنى لم لم يلزم تكريرها كما لا يلزم التكرير مع لم فإن تكررت في موضع نحو فَلاََ صَدَّقَ وَ لاََ صَلََّى فهو كتكرير لم في قوله‏ لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا و قوله «ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي كان مقتحم العقبةو فكاك الرقبة من الذين آمنوا فإنه إذا لم يكن منهم لم ينفعه قربه و جاز وصف‏

745

(1) - اليوم بقوله «ذِي مَسْغَبَةٍ» كما جاز أن يقال ليله نائم و نهاره صائم و نحو ذلك و من قرأ فك رقبة أو أطعم فإنه يجوز أن يكون ما ذكر من الفعل تفسيرا لاقتحام العقبة فإن قلت إن هذا الضرب لم يفسر بالفعل و إنما فسر بالابتداء و الخبر كقوله‏ «نََارُ اَللََّهِ اَلْمُوقَدَةُ» و قوله‏ «نََارٌ حََامِيَةٌ» فهلا رجحت القراءة الأخرى قيل إنه قد يمكن أن يكون‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَ عََادٌ بِالْقََارِعَةِ تفسيرا لقوله‏ وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْقََارِعَةُ على المعنى و قد جاء إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ََ عِنْدَ اَللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ و فسر المثل بقوله خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ و زعموا أن أبا عمرو احتج بقوله «ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» لقراءة فك رقبة كأنه لما كان فعلا وجب أن يكون المعطوف عليه مثله و قد يجوز أن يكون ذلك كالقطع من الأول و الاستئناف كأنه أعلم أن فكاك الرقبة من الرق بأن كان من الذين آمنوا لأنه بالإيمان يحرز ثواب ذلك و يحوزه فإذا لم ينضم الإيمان إلى فعل القرب التي تقدم ذكرها لم ينفع ذلك و التقدير ثم كونه من الذين آمنوا فجاء هذا مجي‏ء قوله سبحانه‏ كَيْفَ يَهْدِي اَللََّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمََانِهِمْ وَ شَهِدُوا يريد و إن شهدوا. و أوصدت الباب و أصدته لغتان فمن لم يهمز موصدة احتمل أمرين (أحدهما) أن يكون على لغة من قال أوصدت (و الوجه الآخر) أن يكون من آصدت ثم خففت الهمزة فقلبت واوا كما جاء في جونة و تووي و من همز مؤصدة فهو من أصدت و أبو عمرو يترك الهمزة الساكنة و يبدلها واوا إذا انضم ما قبلها نحو يؤمنون و مؤمنين و يبدلها ألفا إذا انفتح ما قبلها ياء إذا انكسر ما قبلها و لا يبدلها في نحو قوله «مُؤْصَدَةٌ» بل يهمزها لأن مؤصدة بالهمز هي لغة من قال آصدت الباب و الباب مؤصدة و أبو عمرو على هذه اللغة فلا يترك الهمز إذا احتاج أن يترك لغته و ينتقل عنها إلى لغة أخرى و كذلك لا يترك الهمز في قوله تؤوي إليك لأنه لو أبدلها واوا و بعدها واو اجتمع واوان و اجتماعهما أثقل من الهمزة و كذلك إذا كان الفعل مجزوما و لامها همزة بقاها على حالها و لا يبدلها بتة نحو قوله‏ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ لأنه لو أبدلها واوا وجب حذفها بالجزم كما تقول في يغزو لم يغز كذلك‏ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ لا يبدلها ألفا لهذا المعنى أيضا و كذلك قوله‏ أَثََاثاً وَ رِءْياً لا يقلبها ياء لأنه يشتبه بالري من روي من الماء فهذه أربعة أحوال لا يترك الهمز فيها إذا احتاج إلى ترك لغته و أن ينتقل إلى لغة أخرى و إذا كان الهمز في موضع الجزم و إذا اشتبه المعنى في الكلمة بكلمة أخرى و إذا كان ترك الهمز يؤدي إلى اجتماع الواوين فافهم ذلك و من قرأ ذا مسغبة جعله مفعول إطعام و يتيما بدل منه و يجوز أن يكون يتيما وصفا لذا مسغبة كقولك رأيت كريما عاقلا و جاز وصف الصفة الذي هو كريم لأنه لما لم يجر على الاسم الموصوف أشبه الاسم.

اللغة

الحل الحال و هو الساكن و الحل الحلال و رجل حل و حلال أي محل و الكبد

746

(1) - في اللغة شدة الأمر و منه تكبد اللبن إذا غلظ و اشتد و منه الكبد لأنه دم يغلظ و يشتد و تكبد الدم إذا صار كالكبد قال لبيد :

عين هلا بكيت أربد إذ # قمنا و قام الخصوم في كبد

و اللبد الكثير مأخوذ من تلبد الشي‏ء إذا تراكب بعضه على بعض و منه اللبد يقال ما له سبد و لا لبد و أصل النجد العلو و سمي نجد نجدا لعلوه عن انخفاض تهامة و كل عال من الأرض نجد و الجمع نجود قال امرؤ القيس :

غداة غدوا فسألك بطن نخلة # و آخر منهم جازع نجد كبكب‏

أراد طريقه في ارتفاع و كبكب جبل و في المثل (أنجد من رأى حضنا) و رجل نجد بين النجدة إذا كان جلدا قويا لاستعلائه على قرنه و استنجدت فلانا فأنجدني أي استعنته للاستعلاء على قرني فأعانني و شبه طريق الخير و الشر بالطريقين العاليين لظهور ما فيهما و الاقتحام الدخول على الشدة بالضيق يقال اقتحم و تقحم و أقحمه و قحمه غيره و العقبة الطريقة التي ترتقي على صعوبة و يحتاج فيها إلى معاقبة الشدة بالضيق و المخاطرة و قيل العقبة الثنية الضيقة في رأس الجبل يتعاقبها الناس فشبهت النفقة في وجوه البر بها و عاقب الرجل صاحبه إذا صار في موضعه بدلا منه و الفك فرق يزيد المنع و يمكن معه أمر لم يكن متمكنا كفك القيد و الغل لأنه يزول به المنع و يمكن به تصرف لم يمكن قبل ففك الرقبة فرق بينها و بين حال الرق بإيجاب الحرية و إبطال العبودية و المسغبة المجاعة سغب يسغب سغبا فهو ساغب إذا جاع قال جرير :

تعلل و هي ساغبة بنيها # بأنفاس من الشبم القراح‏

و المقربة القرابة و لا يقال فلان قرابتي و إنما يقال ذو قرابتي لأنه مصدر كما قال الشاعر:

747

(1) -

يبكي الغريب عليه ليس يعرفه # و ذو قرابته في الحي مسرور

و المتربة الحاجة الشديدة من قولهم ترب الرجل إذا افتقر .

ـ

المعنى‏

«لاََ أُقْسِمُ بِهََذَا اَلْبَلَدِ» أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام و هو مكة و قد تقدم بيان قوله «لاََ أُقْسِمُ» في سورة القيامة } «وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهََذَا اَلْبَلَدِ» أي و أنت يا محمد مقيم به و هو محلك و هذا تنبيه على شرف البلد بشرف من حل به من الرسول الداعي إلى توحيده و إخلاص عبادته و بيان أن تعظيمه له و قسمه به لأجله ص و لكونه حالا فيه كما سميت المدينة طيبة لأنها طابت به حيا و ميتا و قيل معناه و أنت محل بهذا البلد و هو ضد المحرم و المراد و أنت حلال لك قتل من رأيت به من الكفار و ذلك حين أمر بالقتال يوم فتح مكة فأحلها الله له ص حتى قاتل و قتل و

قد قال ص لا يحل لأحد قبلي و لا يحل لأحد من بعدي و لم يحل لي إلا ساعة من نهار

عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و عطاء و هذا وعد من الله لنبيه ص أن يحل له مكة حتى يقاتل فيها و يفتحها على يده و يكون بها حلا يصنع بها ما يريد القتل و الأسر و قد فعل سبحانه ذلك فدخلها غلبة و كرها و قتل ابن أخطل و هو متعلق بأستار الكعبة و مقيس بن سبابة و غيرهما و

قيل معناه لا أقسم بهذا البلد و أنت حل فيه منتهك الحرمة مستباح العرض لا تحترم فلم يبن للبلد حرمة حيث هتكت حرمتك عن أبي مسلم و هو المروي عن أبي عبد الله (ع)

قال كانت قريش تعظم البلد و تستحل محمدا ص فيه فقال «لاََ أُقْسِمُ بِهََذَا اَلْبَلَدِ ` وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهََذَا اَلْبَلَدِ» يريد أنهم استحلوك فيه فكذبوك و شتموك و كانوا لا يأخذ الرجل منهم فيه قاتل أبيه و يتقلدون لحاء شجر الحرم فيأمنون بتقليدهم إياه فاستحلوا من رسول الله ص ما لم يستحلوا من غيره فعاب الله ذلك عليهم ثم عطف على القسم فقال «وَ وََالِدٍ وَ مََا وَلَدَ» يعني آدم (ع) و ذريته عن الحسن و مجاهد و قتادة و ذلك أنهم خليقة أعجب من هذه الخليقة و هم عمار الدنيا و

قيل آدم و ما ولد من الأنبياء و الأوصياء و أتباعهم عن أبي عبد الله (ع)

و قيل يريد إبراهيم (ع) و ولده عن ابن أبي عمران الجوني لما أقسم بالبلد أقسم بإبراهيم فإنه بانيه و بأولاده العرب إذ هم المخصصون بالبلد و قيل يعني كل والد و ولده عن ابن عباس و الجبائي و قيل و والد من يولد له و ما ولد يعني العاقر عن ابن جبير فيكون ما نفيا و هو بعيد لأنه يكون تقديره و ما ما ولد فحذف ما الأولى التي تكون موصولة أو موصوفة «لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ فِي كَبَدٍ» أي في نصب و شدة عن ابن عباس و سعيد بن جبير و الحسن قال يكابد مصائب الدنيا و شدائد الآخرة و قال ابن آدم لا يزال يكابد أمرا حتى يفارق الدنيا و قيل في شدة خلق من حمله و ولادته و رضاعه و فطامه و معاشه و حياته و موته ثم أنه سبحانه لم‏

748

(1) - يخلق خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم و هو أضعف الخلق‏و قيل في كبد أي قائما على قدميه منتصبا و كل شي‏ء خلق فإنه يمسي مكبا إلا الإنسان فإنه خلق منتصبا فالكبد الاستواء و الاستقامة و هو رواية مقسم عن ابن عباس و هو قول مجاهد و أبي صالح و عكرمة و قيل يريد شدة الأمر و النهي أي خلقناه ليعبدنا بالعبادات الشاقة مثل الاغتسال من الجنابة في البرد و القيام إلى الصلاة من النوم فينبغي له أن يعلم أن الدنيا دار كبد و مشقة و الجنة دار الراحة و النعمة} «أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ» معناه أ يظن هذا الإنسان أنه لن يقدر على عقابه أحد إذا عصى الله تعالى و ركب القبائح فبئس الظن ذلك و هذا استفهام إنكار أي لا يظنن ذلك و قيل معناه أ يحسب هذا المغتر بماله أن لا يقدر عليه أحد يأخذ ماله عن الحسن و قيل أ يحسب أن لا يسأل عن هذا المال من أين اكتسبه و في ما ذا أنفقه عن قتادة و قيل أنه يعني أبا الأسد بن كلدة و هو رجل من جمح كان قويا شديد الخلق بحيث يجلس على أديم عكاظي فتجره العشرة من تحته فينقطع و لا يبرح من مكانه عن الكلبي ثم أخبر سبحانه عن مقالة هذا الإنسان فقال‏ «يَقُولُ أَهْلَكْتُ مََالاً لُبَداً» أي أنفقت مالا كثيرا في عداوة النبي ص يفتخر بذلك و قيل هو الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف و ذلك أنه أذنب ذنبا فاستفتى رسول الله ص فأمره أن يكفر فقال لقد ذهب مالي في الكفارات و النفقات منذ دخلت في دين محمد عن مقاتل } «أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ» فيطالبه من أين اكتسبه و في ما ذا أنفقه عن قتادة و سعيد بن جبير و

روي عن ابن عباس عن النبي ص قال لا تزول قدما العبد حتى يسأل عن أربعة عن عمره فيما أفناه و عن ماله من أين جمعه و فيما ذا أنفقه و عن عمله ما ذا عمل به و عن حبنا أهل البيت

و قيل أنه كان كاذبا لم ينفق ما قاله فقال الله سبحانه أ يظن أن الله تعالى لم ير ذلك فعل أو لم يفعل أنفق أو لم ينفق عن الكلبي ثم ذكر سبحانه النعم التي أنعم بها عليه ليستدل بها على توحيده فقال‏} «أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ» ليبصر بهما آثار حكمته‏ «وَ لِسََاناً وَ شَفَتَيْنِ» لينطق بهما فيبين باللسان و يستعين بالشفتين على البيان قال قتادة : نعم الله عليك متظاهرة فقررك بها كيما تشكر و

روى عبد الحميد المدائني عن أبي حازم أن رسول الله ص قال إن الله تعالى يقول يا ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق و إن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق و إن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق‏

} «وَ هَدَيْنََاهُ اَلنَّجْدَيْنِ» أي سبيل الخير و سبيل الشر عن علي (ع)

و ابن مسعود و ابن عباس و الحسن و مجاهد و قتادة و قيل معناه أرشدناه للثديين عن سعيد بن المسيب و الضحاك و

في رواية أخرى عن ابن عباس روي أنه قيل لأمير المؤمنين (ع) أن ناسا يقولون في قوله «وَ هَدَيْنََاهُ‏

749

(1) - اَلنَّجْدَيْنِ» أنهما الثديان فقال لا هما الخير و الشر

و

قال الحسن بلغني أن رسول الله ص قال يا أيها الناس هما نجدان نجد الخير و نجد الشر فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير

و لو قيل كيف يكون نجد الشر مرتفعا كنجد الخير و معلوم أنه لا رفعة في الشر "و الجواب"أن الطريقين جميعا ظاهران باديان للمكلفين فسمى سبحانه كلاهما نجدا لظهوره و بروزه و يجوز أن يكون سمي طريق الشر نجدا من حيث يحصل في اجتناب سلوكه الرفعة و الشرف كما يحصل ذلك في طريق الخير و قيل أيضا أنه على عادة العرب في تثنية الأمرين إذا اتفقا على بعض الوجوه فيجري لفظ أحدهما على الآخر كقولهم القمرين في الشمس و القمر قال الفرزدق :

أخذنا بآفاق السماء عليكم # لنا قمراها و النجوم الطوالع‏

و نظائره كثيرة} «فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ» فيه أقوال (أحدها) أن المعنى فلم يقتحم هذا الإنسان العقبة و لا جاوزها و أكثر ما يستعمل هذا الوجه بتكرير لفظة لاكما قال سبحانه‏ فَلاََ صَدَّقَ وَ لاََ صَلََّى أي لم يصدق و لم يصل و كما قال الحطيئة :

و إن كانت النعماء فيهم جزوا بها # و إن أنعموا لأكدروها و لا كدوا

و قد جاء من غير تكرار في نحو قوله:

إن تغفر اللهم تغفر جما # و أي عبد لك لا ألما

أي لم يلم بذنب (و الآخر) أن يكون على وجه الدعاء عليه بأن لا يقتحم العقبة كما يقال لا غفر الله له و لا نجا و لا سلم و المعنى لا نجا من العقبة و لا جاوزها (و الثالث) أن المعنى فهلا اقتحم العقبة أو أ فلا اقتحم العقبة عن ابن زيد و الجبائي و أبي مسلم قالوا و يدل على ذلك قوله تعالى «ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ تَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَوََاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ» و لو كان أراد النفي لم يتصل الكلام قال المرتضى قدس الله روحه: هذا الوجه ضعيف جدا لأن الكلام خال من لفظ الاستفهام‏و قبيح حذف حرف الاستفهام في مثل هذا الموضع و قد عيب على عمر بن أبي ربيعة قوله:

ثم قالوا تحبها قلت بهرا # عدد الرمل و الحصى و التراب.

ـ

750

(1) - و أما قولهم لو أريد النفي لم يتصل الكلام فليس بشي‏ء لأن المعنى فلا اقتحم العقبة ثم كان من الذين آمنوا أي لم يقتحم و لم يؤمن و أما المراد بالعقبة ففيه وجوه (أحدها) أنه مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس و الهوى و الشيطان في أعمال الخير و البر فجعل ذلك كتكليف صعود العقبة الشاقة الكؤود فكأنه قال لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة و الإطعام و هو قوله‏ «وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْعَقَبَةُ» أي ما اقتحام العقبة ثم ذكره فقال‏} «فَكُّ رَقَبَةٍ» و هو تخليصها من إسار الرق إلى آخره (و ثانيها) أنها عقبة حقيقة قال الحسن و قتادة : هي عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله عز و جل و

روي أن النبي ص أنه قال إن أمامكم عقبة كؤودا لا يجوزها المثقلون و أنا أريد أن أخفف عنكم لتلك العقبة

و عن ابن عباس أنه قال:

هي النار نفسها و روي عنه أيضا أنها عقبة في النار (و ثالثها) ما روي عن مجاهد و الضحاك و الكلبي أنها الصراط يضرب على جهنم كحد السيف مسيرة ثلاثة آلاف سهلا و صعودا و هبوطا و إن في جنبيه كلاليب و خطاطيف كأنها شوك السعدان فمن بين مسلم و ناج و مخدوش في النار منكوس فمن الناس من يمر عليه كالبرق الخاطف و منهم من يمر عليه كالريح العاصف و منهم من يمر عليه كالفارس و منهم من يمر عليه كالرجل يعدو و منهم من يمر عليه كالرجل يسير و منهم من يزحف زحفا و منهم الزالون و الزالات‏و منهم من يكردس في النار و اقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء و قال سفيان بن عيينة : كل شي‏ء قاله سبحانه «وَ مََا أَدْرََاكَ» فإنه أخبره به و كل شي‏ء قال فيه «وَ مََا يُدْرِيكَ» * فإنه لم يخبره به و

روي مرفوعا عن البراء بن عازب قال جاء أعرابي إلى النبي ص فقال يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة قال إن كنت أقصرت الخطبة لقد عرضت المسألة أعتق النسمة و فك الرقبة فقال أ و ليسا واحدا قال لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها و فك الرقبة أن تعين في ثمنها و الفي‏ء على ذي الرحم الظالم فإن لم يكن ذلك فأطعم الجائع و اسق الظمآن و أمر بالمعروف و أنه عن المنكر فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير

و قيل أن معنى فك رقبة أن يفك رقبة من الذنوب بالتوبة عن عكرمة و قيل أراد فك نفسه من العقاب بتحمل الطاعات عن الجبائي «أَوْ إِطْعََامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ» أي ذي مجاعة قال ابن عباس :

يريد بالمسغبة الجوع و

في الحديث عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله ص من أشبع جائعا في يوم سغب أدخله الله يوم القيامة من باب من أبواب الجنة لا يدخلها إلا من فعل مثل ما فعل‏

و

عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ص من موجبات المغفرة إطعام المسلم‏

751

(1) - السغبان‏

و

روي عن محمد بن عمر بن يزيد قال قلت لأبي الحسن الرضا (ع) أن لي ابنا شديد العلة قال مرة يتصدق بالقبضة من الطعام بعد القبضة فإن الله تعالى يقول فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ و قرأ الآيات‏

«يَتِيماً ذََا مَقْرَبَةٍ» أي ذا قربى من قرابة النسب و الرحم و هذا حث على تقديم ذوي القرابة المحتاجين على الأجانب في الإطعام و الإنعام‏} «أَوْ مِسْكِيناً» أي فقيرا «ذََا مَتْرَبَةٍ» قد لصق بالتراب من شدة فقره و ضره و روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: هو المطروح في التراب لا يقيه شي‏ء و هذا مثل قولهم فقير مدقع مأخوذ من الدقعاء و هو التراب ثم بين سبحانه أن هذه القربة إنما تنفع مع الإيمان فقال‏} «ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي ثم كان مع هذا من جملة المؤمنين الذين استقاموا على إيمانهم «وَ تَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ» على فرائض الله و الصبر عن معصية الله أي وصى بعضهم بعضا بذلك «وَ تَوََاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ» أي و أوصى بعضهم بعضا بالمرحمة على أهل الفقر و ذوي المسكنة و الفاقة و قيل تواصوا بالمرحمة فيما بينهم فرحموا الناس كلهم‏} «أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ» يؤخذ بهم ناحية اليمين و يأخذون كتبهم بأيمانهم عن الجبائي و قيل هم أصحاب اليمن و البركة على أنفسهم عن الحسن و أبي مسلم } «وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِآيََاتِنََا» أي بحججنا و دلالاتنا و كذبوا أنبياءنا «هُمْ أَصْحََابُ اَلْمَشْأَمَةِ» أي يأخذون كتبهم بشمالهم و يؤخذ بهم ذات الشمال و قيل أنهم أصحاب الشؤم على أنفسهم‏} «عَلَيْهِمْ نََارٌ مُؤْصَدَةٌ» أي مطبقة عن ابن عباس و مجاهد و قيل يعني أن أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لهم باب و لا يخرج عنها غم و لا يدخل فيها روح آخر الأبد عن مقاتل .

النظم‏

وجه اتصال قوله سبحانه «أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ» بما قبله أن المعنى كيف يحسب هذا الإنسان أن الله سبحانه لا يراه و هو الذي خلقه و جعل له عينين و كذا و كذا و قيل أنه اتصل بقوله «لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ فِي كَبَدٍ» أي اختبرناه حيث كلفناه ثم أزحنا علته بأن جعلنا له عينين و قيل أنه يتصل بقوله «أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ» و المعنى كيف يظن ذلك و قد خلقناه و خلقنا أعضاءه التي يبصر الدلائل بها و يتكلم بها.

752

(1) -

(91) سورة الشمس مكية و آياتها خمس عشرة (15)

عدد آياتها

ست عشرة آية مكي و المدني الأول و خمس عشرة في الباقين.

اختلافها

آية فَعَقَرُوهََا مكي و المدني الأول.

فضلها

أبي بن كعب عنه ص قال من قرأها فكأنما تصدق بكل شي‏ء طلعت عليه الشمس و القمر.

معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال من أكثر قراءة و الشمس و ضحاها و الليل إذا يغشى و الضحى و أ لم نشرح في يومه أو في ليلته لم يبق شي‏ء بحضرته إلا شهد له يوم القيامة حتى شعره و بشره و لحمه و دمه و عروقه و عصبه و عظامه و جميع ما أقلت الأرض منه و يقول الرب تبارك و تعالى قبلت شهادتكم لعبدي و أجزتها له انطلقوا به إلى جناني حتى يتخير منها حيث أحب فأعطوه إياها من غير من مني و لكن رحمة و فضلا مني عليه فهنيئا هنيئا لعبدي.

تفسيرها

لما ختم الله سبحانه تلك السورة بذكر النار المؤصدة بين في هذه السورة أن النجاة منها لمن زكى نفسه و أكده بأن أقسم عليه فقال:

753

(1) -

القراءة

قرأ أهل المدينة و ابن عامر

فلا يخاف بالفاء و كذلك هو في مصاحف أهل المدينة و الشام و روي ذلك عن أبي عبد الله (ع)

و الباقون «وَ لاََ يَخََافُ» بالواو و كذلك هو في مصاحفهم.

الحجة

قال أبو علي : الواو يجوز أن يكون في موضع حال‏أي فسواها غير خائف عقباها يعني غير خائف أن يتعقب عليه في شي‏ء مما فعله و فاعل يخاف الضمير العائد إلى قوله «رَبُّهُمْ» و قيل أن الضمير يعود إلى صالح النبي ص الذي أرسل إليهم و قيل إذا انبعث أشقاها و هو لا يخاف عقباها أي لا يخاف من إقدامه على ما أتاه مما نهي عنه ففاعل يخاف العاقر على هذا و الفاء للعطف على قوله «فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهََا» فلا يخاف كأنه يتبع تكذيبهم و عقرهم إن لم يخوفوا.

اللغة

ضحى الشمس صدر وقت طلوعها و ضحى النهار صدر وقت كونه و أضحى يفعل كذا إذا فعله في وقت الضحى و ضحى بكبش أو غيره إذا ذبحه في وقت الضحى من أيام الأضحى ثم كثر ذلك حتى لو ذبح في غير ذلك الوقت لقيل ضحى و الطحو و الدحو بمعنى يقال طحا بك همك يطحو طحوا إذا انبسط بك إلى مذهب بعيد قال علقمة :

"طحا بك قلب في الحسان ظروب"

يقال طحا القوم بعضهم بعضا عن الشي‏ء إذا دفعوا دفعا

754

(1) - شديد الانبساط و الطواحي النسور تنبسط حول القتلى و أصل الطحو البسط الواسع يقال دسا فلان يدسو دسوا فهو داس نقيض زكا يزكو زكا فهو زاك و قيل أن أصل دسا دس فأبدل من أحد السينين ياء كما قالوا تظنيت بمعنى تظننت و مثله:

"تقضي البازي إذا البازي كسر"

بمعنى تقضض و إنما يفعلون ذلك كراهية التضعيف و الطغوى و الطغيان مجاوزة الحد في الفساد و بلوغ غايته و في قراءة الحسن و حماد بن مسلمة بطغواها بضم الطاء و على هذا فيكون مصدرا على فعلى كالرجعى و الحسنى و بعث مطاوع انبعث يقال بعثته على الأمر فانبعث له و السقيا الحظ من الماء و النصيب منه و العقر قطع اللحم بما يسيل الدم و هو من عقر الحوض أي أصله و العقر نقص شي‏ء من أصل بنية الحيوان و الدمدمة ترديد الحال المستكرة و هي مضاعفة ما فيه الشقة و قال مؤرج : الدمدمة هلاك باستئصال قال ابن الأعرابي : دمدم أي عذب عذابا تاما .

ـ

الإعراب‏

و الشمس هذه الواو الأولى هي التي للقسم و سائر الواوات فيما بعدها عطف عليها إلى قوله «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا» و هو جواب القسم و التقدير لقد أفلح و قوله «وَ مََا بَنََاهََا» «وَ مََا طَحََاهََا» «وَ مََا سَوََّاهََا» ما هاهنا مصدرية و تقديره و السماء و بنائها و الأرض و طحواها و نفس و تسويتها و قيل أن ما في هذه المواضع بمعنى من أي و الذي بناها و يحكى عن أهل الحجاز أنهم يقولون إذا سمعوا صوت الرعد سبحان ما سبحت له أي سبحان الذي سبحت له و من سبحت له و قوله «نََاقَةَ اَللََّهِ وَ سُقْيََاهََا» منصوب بفعل مضمر أي احذروا ناقة الله و ذروا سقياها.

المعنى‏

«وَ اَلشَّمْسِ وَ ضُحََاهََا» قد تقدم أن لله سبحانه أن يقسم بما يشاء من خلقه تنبيها على عظيم قدره و كثرة الانتفاع به و لما كان قوام العالم من الحيوان و النبات بطلوع الشمس و غروبها أقسم الله سبحانه بها و بضحاها و هو امتداد ضوئها و انبساطه عن مجاهد و الكلبي و قيل هو النهار كله عن قتادة و قيل حرها عن مقاتل كقوله تعالى في طه «وَ لاََ تَضْحى‏ََ» أي لا يؤذيك حرها} «وَ اَلْقَمَرِ إِذََا تَلاََهََا» أي إذا أتبعهافأخذ من ضوئها و سار خلفها قالوا و ذلك في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة و خلفها في النور و قيل تلاها ليلة الهلال و هي أول ليلة من الشهر إذا سقطت الشمس رؤي القمر عند غيبوبتها عن الحسن و قيل في الخامس عشر يطلع القمر مع غروب الشمس و قيل في الشهر كله فهو في النصف الأول يتلوها و تكون أمامه و هو وراؤها و في النصف الأخير يتلو

755

(1) - غروبها بالطلوع‏} «وَ اَلنَّهََارِ إِذََا جَلاََّهََا» أي جلى الظلمة و كشفها و جازت الكناية عن الظلمة و لم تذكر لأن المعنى معروف غير ملتبس و قيل أن معناه و النهار إذا أظهر الشمس و أبرزها سمي النهار مجليا لها لظهور جرمها فيه‏} «وَ اَللَّيْلِ إِذََا يَغْشََاهََا» أي يغشى الشمس حتى تغيب فتظلم الآفاق و يلبسها سواده‏} «وَ اَلسَّمََاءِ وَ مََا بَنََاهََا» أي و من بناها عن مجاهد و الكلبي و قيل و الذي بناها عن عطاء و قيل معناه و السماء و بنائها مع إحكامها و اتساقها و انتظامها «وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا طَحََاهََا» في ما وجهان كما ذكرناه أي و طحوها و تسطيحها و بسطها ليمكن الخلق التصرف عليها} «وَ نَفْسٍ وَ مََا سَوََّاهََا» هو كما ذكرناه و سواها عدل خلقها و سوى أعضاءها و قيل سواها بالعقل الذي فضل به سائر الحيوان ثم قالوا يريد جميع ما خلق من الجن و الإنس عن عطاء و قيل يريد بالنفس آدم و من سواها الله تعالى عن الحسن } «فَأَلْهَمَهََا فُجُورَهََا وَ تَقْوََاهََا» أي عرفها طريق الفجور و التقوى و زهدها في الفجور و رغبها في التقوى عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الضحاك و قيل علمها الطاعة و المعصية لتفعل الطاعة و تذر المعصية و تجتني الخير و تجتنب الشر} «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا» على هذا وقع القسم أي قد أفلح من زكى نفسه عن الحسن و قتادة أي طهرها و أصلحها بطاعة الله و صالح الأعمال‏} «وَ قَدْ خََابَ مَنْ دَسََّاهََا» بالعمل الطالح أي أخملها و أخفى محلهاو قيل أضلها و أهلكها عن ابن عباس و قيل أفجرها عن قتادة و قيل معناه قد أفلحت نفس زكاها الله و خابت نفس دساها الله أي جعلها قليلة خسيسة و

جاءت الرواية عن سعيد بن أبي هلال قال كان رسول الله إذا قرأ هذه الآية «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا» وقف ثم قال اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها و مولاها و زكها و أنت خير من زكاها

و

روى زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) في قوله «فَأَلْهَمَهََا فُجُورَهََا وَ تَقْوََاهََا» قال بين لها ما تأتي و ما تترك و في قوله «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا» قال قد أفلح من أطاع «وَ قَدْ خََابَ مَنْ دَسََّاهََا» قال قد خاب من عصى‏

و قال ثعلب قد أفلح من زكى نفسه بالصدقة و الخير و خاب من دس نفسه في أهل الخير و ليس منهم ثم أخبر سبحانه عن ثمود و قوم صالح فقال‏ «كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوََاهََا» أي بطغيانها و معصيتها عن مجاهد و ابن زيد يعني أن الطغيان حملهم على التكذيب فالطغوى اسم من الطغيان كما أن الدعوى من الدعاء و قيل أن الطغوى اسم العذاب الذي نزل بهم فالمعنى كذبت ثمود بعذابها عن ابن عباس و هذا كما قال‏ فَأُهْلِكُوا بِالطََّاغِيَةِ و المراد كذبت بعذابها الطاغية فأتاها ما كذبت به‏} «إِذِ اِنْبَعَثَ أَشْقََاهََا» أي كان تكذيبها حين انبعث أشقى ثمود للعقر و معنى انبعث انتدب و قام و الأشقى عاقر الناقة و هو أشقى الأولين على لسان رسول الله ص و اسمه قدار بن سالف قال الشاعر و هو عدي بن زيد :

756

(1) -

فمن يهدي أخا لذناب لو # فأرشوه فإن الله جار

و لكن أهلكت لو كثيرا # و قبل اليوم عالجها قدار

يعني حين نزل بها العذاب فقال لو فعلت و قد صحت‏

الرواية بالإسناد عن عثمان بن صهيب عن أبيه قال قال رسول الله ص لعلي بن أبي طالب (ع) من أشقى الأولين قال عاقر الناقة قال صدقت فمن أشقى الآخرين قال قلت لا أعلم يا رسول الله قال: الذي يضربك على هذه و أشار إلى يافوخة

و

عن عمار بن ياسر قال كنت أنا و علي بن أبي طالب (ع) في غزوة العسرة نائمين في صور من النخل و دقعاء من التراب فو الله ما أهبنا إلا رسول الله ص يحركنا برجله و قد تتربنا من تلك الدقعاء فقال أ لا أحدثكما بأشقى الناس رجلين قلنا بلى يا رسول الله قال أحيمر ثمود الذي عقر الناقة و الذي يضربك بالسيف يا علي على هذه و وضع يده على قرنه حتى تبل منها هذه و أخذ بلحيته‏

و قيل أن عاقر الناقة كان أشقر أزرق قصيرا ملتزق الحلق «فَقََالَ لَهُمْ رَسُولُ اَللََّهِ» صالح «نََاقَةَ اَللََّهِ» قال الفراء : حذرهم إياها و كل تحذير فهو نصب و التقدير احذروا ناقة الله فلا تعقروها عن الكلبي و مقاتل كما يقال الأسد الأسد أي احذروه «وَ سُقْيََاهََا» أي و شربها من الماء أو ما يسقيها أي فلا تزاحموها فيه‏كما قال سبحانه‏ لَهََا شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ «فَكَذَّبُوهُ» أي فكذب قوم صالح صالحا و لم يلتفتوا إلى قوله و تحذيره إياهم بالعذاب بعقرها «فَعَقَرُوهََا» أي فقتلوا الناقة «فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ» أي فدمر عليهم ربهم عن عطاء و مقاتل و قيل أطبق عليهم بالعذاب و أهلكهم «بِذَنْبِهِمْ» لأنهم رضوا جميعا به و حثوا عليه و كانوا قد اقترحوا تلك الآية فاستحقوا بما ارتكبوه من العصيان و الطغيان عذاب الاستئصال «فَسَوََّاهََا» أي فسوى الدمدمة عليهم و عمهم بها فاستوت على صغيرهم و كبيرهم و لم يفلت منها أحد منهم و قيل معناه سوى الأمة أي أنزل العذاب بصغيرها و كبيرها فسوى بينها فيه عن الفراء و قيل جعل بعضها على مقدار بعض في الاندكاك و اللصوق بالأرض فالتسوية تصيير الشي‏ء على مقدار غيره و قيل سوى أرضهم عليهم‏ «وَ لاََ يَخََافُ عُقْبََاهََا» أي لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم عن ابن عباس و الحسن و قتادة و مجاهد و الجبائي و المعنى لا يخاف أن يتعقب عليه في شي‏ء من فعله فلا يخاف عقبى ما فعل بهم من الدمدمة عليهم لأن أحدا لا يقدر على معارضته و الانتقام منه و هذا كقوله‏ لاََ يُسْئَلُ عَمََّا يَفْعَلُ و قيل معناه لا يخاف الذي عقرها عقباها عن الضحاك و السدي و الكلبي أي لا يخاف عقبى ما صنع بها لأنه كان مكذبا بصالح و قيل معناه و لا يخاف صالح عاقبة ما خوفهم به من العقوبات لأنه كان على ثقة من نجاته.

757

(1) -

(92) سورة الليل مكية و آياتها إحدى و عشرون (21)

توضيح‏

مكية إحدى و عشرون آية بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال من قرأها أعطاه الله حتى يرضى و عافاه من العسر و يسر له اليسر.

تفسيرها

لما قدم في تلك السورة بيان حال المؤمن و الكافر عقبه سبحانه بمثل ذلك في هذه السورة فاتصلت بها اتصال النظير بالنظير فقال:

758

(1) -

القراءة

في الشواذ قراء النبي ص و قراءة علي بن أبي طالب (ع) و ابن مسعود و أبي الدرداء و ابن عباس و النهار إذا تجلى و خلق الذكر و الأنثى بغير ما و روي ذلك عن أبي عبد الله (ع) .

الحجة

قال ابن جني : في هذه القراءة شاهد لما أخبرنا به أبو بكر عن أبي العباس أحمد بن يحيى قراءة بعضهم و ما خلق الذكر و الأنثى بالجرو ذلك أنه جره لكونه بدلا من ما فقراءة النبي ص شاهد بصحة ذلك.

اللغة

شتى أي متفرق على تباعد ما بين الشيئين جدا و منه شتان أي بعد ما بينهما كبعد ما بين الثرى و الثريا و تشتت أمر القوم و شتتهم ريب الزمان و اليسرى تأنيث الأيسر و العسرى تأنيث الأعسر من اليسر و العسر و التلظي تلهب النار بشدة الإيقاد و تلظت النار تتلظى فحذف إحدى التاءين تخفيفا و قرأ ابن كثير تلظى بتشديد التاء أدغم إحدى التاءين في الأخرى و التجنب تصيير الشي‏ء في جانب من غيره .

الإعراب‏

«وَ مََا خَلَقَ اَلذَّكَرَ وَ اَلْأُنْثى‏ََ» أن جعلت ما مصدرية فهو في موضع الجر و التقدير و خلق الذكر أي و خلقه الذكر و الأنثى و إن جعلتها بمعنى من فكذلك و الحسنى صفة حذف موصوفها أي و صدق بالخصلة الحسنى و كذا اليسرى و العسرى. التقدير فيهما للطريقة اليسرى و للطريقة العسرى‏و يتزكى في موضع نصب على الحال و يجوز أن يكون منصوب الموضع أو مرفوعا على تقدير حذف أن أي لأن يتزكى فحذف اللام فصار أن يتزكى ثم حذف أن أيضا كما في قول طرفة :

أ لا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # و أن أشهد اللذات هل أنت مخلدي‏

روي أحضر بالرفع و النصب «وَ مََا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى‏ََ» من نعمة الجار و المجرور

759

(1) - في موضع رفع، و من مزيدة لتأكيد النفي و إفادة العموم و تجزى جملة مجرورة الموضع لكونها صفة لنعمة و التقدير من نعمة مجزية و إن شئت كانت مرفوعة الموضع على محل كونه من نعمة و التقدير و ما لأحد عنده نعمة مجزية و ابتغاء منصوب لأنه مفعول له و العامل فيه يؤتي أي و ما يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه أي لطلب ثواب ربه و لم يفعل ذلك مجازاة ليد قد أسديت إليه.

المعنى‏

«وَ اَللَّيْلِ إِذََا يَغْشى‏ََ» أقسم الله سبحانه بالليل إذا يغشى بظلمته النهار و قيل إذا يغشى بظلمته الأفق و جميع ما بين السماء و الأرض و المعنى إذا أظلم و ادلهم و أغشى الأنام بالظلام لما في ذلك من الهول المحرك للنفس بالاستعظام‏ «وَ اَلنَّهََارِ إِذََا تَجَلََّى» أي بأن و ظهر من بين الظلمة و فيه أعظم النعم إذ لو كان الدهر كله ظلاما لما أمكن الخلق طلب معايشهم و لو كان ذلك كله ضياء لما انتفعوا بسكونهم و راحتهم فلذلك كرر سبحانه ذكر الليل و النهار في السورتين لعظم قدرهما في باب الدلالة على مواقع حكمته‏} «وَ مََا خَلَقَ اَلذَّكَرَ وَ اَلْأُنْثى‏ََ» أي و الذي خلق عن الحسن و الكلبي و على هذا يكون ما بمعنى من و قيل معناه خلق الذكر و الأنثى عن مقاتل قال مقاتل و الكلبي : الذكر و الأنثى آدم و حواء (ع) و قيل أراد كل ذكر و أنثى من الناس و غيرهم‏} «إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتََّى» هذا جواب القسم و المعنى أن أعمالكم لمختلفة فعمل للجنة و عمل للنار عن ابن عباس و قيل أن سعيكم لمتفرق فساع في فكاك رقبته و ساع في هلاكه و ساع للدنيا و ساع للعقبى و

روى الواحدي بالإسناد المتصل المرفوع عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال‏و كان الرجل إذا جاء فدخل الدار و صعد النخلة ليأخذ منها التمر فربما سقطت التمرة فيأخذها صبيان الفقير فينزل الرجل من النخلة حتى يأخذ التمر من أيديهم فإن وجدها في أحدهم أدخل إصبعه حتى يأخذ التمرة من فيه فشكا ذلك الرجل إلى النبي ص و أخبره بما يلقى من صاحب النخلة فقال له النبي ص اذهب و لقي رسول الله ص صاحب النخلة فقال تعطيني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان و لك بها نخلة في الجنة فقال له الرجل إن لي نخلا كثيرا و ما فيه نخلة أعجب إلي تمرة منها قال ثم ذهب الرجل فقال رجل كان يسمع الكلام من رسول الله ص يا رسول الله أ تعطيني ما أعطيت الرجل نخلة في الجنة إن أنا أخذتها قال نعم فذهب الرجل و لقي صاحب النخلة فساومها منه فقال له أ شعرت أن محمدا أعطاني بها نخلة في الجنة فقلت له يعجبني تمرتها و إن لي نخلا كثيرا فما فيه نخلة أعجب إلي تمرة منها فقال له الآخر أ تريد بيعها فقال لا إلا أن أعطى ما لا أظنه أعطى قال فما مناك قال أربعون نخلة فقال الرجل جئت بعظيم تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة ثم سكت عنه فقال له أنا أعطيك‏

760

(1) - أربعين نخلةفقال له اشهد إن كنت صادقا فمر إلى أناس فدعاهم فأشهد له بأربعين نخلة ثم ذهب إلى النبي ص فقال يا رسول الله إن النخلة قد صارت في ملكي فهي لك فذهب رسول الله ص إلى صاحب الدار فقال له النخلة لك و لعيالك فأنزل الله تعالى «وَ اَللَّيْلِ إِذََا يَغْشى‏ََ» السورة

و عن عطاء قال اسم الرجل أبو الدحداح } «فَأَمََّا مَنْ أَعْطى‏ََ وَ اِتَّقى‏ََ» هو أبو الدحداح «وَ أَمََّا مَنْ بَخِلَ وَ اِسْتَغْنى‏ََ» و هو صاحب النخلة و قوله «لاََ يَصْلاََهََا إِلاَّ اَلْأَشْقَى» و هو صاحب النخلة «وَ سَيُجَنَّبُهَا اَلْأَتْقَى» هو أبو الدحداح «وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏ََ» إذا دخل الجنة

قال و كان النبي ص يمر بذلك الحش و عذوقه دانية فيقول عذوق و عذوق لأبي الدحداح في الجنة

و عن ابن الزبير قال أن الآية نزلت في أبي بكر لأنه اشترى المماليك الذين أسلموا مثل بلال و عامر بن فهيرة و غيرهما و أعتقهم و الأولى أن تكون الآيات محمولة على عمومها في كل من يعطي حق الله من ماله و كل من يمنع حقه سبحانه و

روى العياشي ذلك بإسناده عن سعد الإسكاف عن أبي جعفر (ع) قال «فَأَمََّا مَنْ أَعْطى‏ََ» مما أتاه الله «وَ اِتَّقى‏ََ ` وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ََ» أي بأن الله يعطي بالواحد عشرا إلى كثير من ذلك و في رواية أخرى إلى مائة ألف فما زاد «فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ََ» قال لا يريد شيئا من الخير إلا يسره الله له «وَ أَمََّا مَنْ بَخِلَ بما أتاه الله وَ اِسْتَغْنى‏ََ ` وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى‏ََ» بأن الله يعطي بالواحد عشرا إلى أكثر من ذلك و في رواية أخرى إلى مائة ألف فما زاد «فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ََ» قال لا يريد شيئا من الشر إلا يسره الله له قال ثم قال أبو جعفر (ع) «وَ مََا يُغْنِي عَنْهُ مََالُهُ إِذََا تَرَدََّى» أما و الله ما تردى من جبل و لا تردى من حائط و لا تردى في بئر و لكن تردى في نار جهنم‏

فعلى هذا يكون قوله «وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى‏ََ» معناه بالعدة الحسنى و هو قول ابن عباس و قتادة و عكرمة و قيل بالجنة التي هي صواب المحسنين عن الحسن و مجاهد و الجبائي و قوله «فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ََ» معناه فسنهون عليه الطاعة مرة بعد مرة و قيل معناه سنهيؤه و نوفقه للطريقة اليسرى أي سنسهل عليه فعل الطاعة حتى يقوم إليها بجد و طيب نفس و قيل معناه سنيسره للخصلة اليسرى و الحالة اليسرى و هو دخول الجنةو استقبال الملائكة إياه بالتحية و البشرى‏}و قوله «وَ أَمََّا مَنْ بَخِلَ» أي ضن بماله الذي لا يبقى له و بخل بحق الله فيه «وَ اِسْتَغْنى‏ََ» أي التمس الغنى بذلك المنع لنفسه و قيل معناه أنه عمل عمل من هو مستغن عن الله و عن رحمته‏} «وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى‏ََ» أي بالجنة و الثواب و الوعد و بالخلف‏} «فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى‏ََ» هو على مزاوجة الكلام و المراد به التمكين أي نخلي بينه و بين الأعمال الموجبة للعذاب و العقوبة} «وَ مََا يُغْنِي عَنْهُ مََالُهُ إِذََا تَرَدََّى» أي سقط في النار عن قتادة و أبي صالح .

ـ

761

(1) - و قيل إذا مات و هلك عن مجاهد و قيل للحسن أن فلانا جمع مالا فقال هل جمع لذلك عمرا قالوا لا قال فما تصنع الموتى بالأموال‏} «إِنَّ عَلَيْنََا لَلْهُدى‏ََ» معناه إن علينا لبيان الهدى بالدلالة عليه فأما الاهتداء فإليكم أخبر سبحانه أن الهدى واجب عليه و لو جاز الإضلال عليه لما وجب الهدايةقال قتادة : معناه أن علينا بيان الطاعة و المعصية} «وَ إِنَّ لَنََا لَلْآخِرَةَ وَ اَلْأُولى‏ََ» و إن لنا ملك الآخرة و ملك الأولى فلا يزيد في ملكنا اهتداء من اهتدى و لا ينقص منه عصيان من عصى و لو نشاء لمنعناهم عن ذلك قسرا و جبرا و لكن التكليف اقتضى أن نمنعهم بيانا و أمرا و زجرا}ثم خوف سبحانه العادل عن الهدى فقال «فَأَنْذَرْتُكُمْ نََاراً تَلَظََّى» أي خوفتكم نارا تتلهب و تتوهج و تتوقد} «لاََ يَصْلاََهََا» أي لا يدخل تلك النار و لا يلزمها «إِلاَّ اَلْأَشْقَى» و هو الكافر بالله‏} «اَلَّذِي كَذَّبَ» بآيات الله و رسله «وَ تَوَلََّى» أي أعرض عن الإيمان «وَ سَيُجَنَّبُهَا» أي سيجنب النار و يجعل منها على جانب «اَلْأَتْقَى» المبالغ في التقوى «اَلَّذِي يُؤْتِي مََالَهُ» أي ينفقه في سبيل الله «يَتَزَكََّى» يطلب أن يكون عند الله زكيا لا يطلب بذلك رياء و لا سمعةقال القاضي : قوله «لاََ يَصْلاََهََا إِلاَّ اَلْأَشْقَى ` اَلَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلََّى» لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر على ما يقوله الخوارج و بعض المرجئة و ذلك لأنه نكر النار المذكورة و لم يعرفها فالمراد بذلك أن نارا من جملة النيران لا يصلاها إلا من هذه حاله و النيران دركات على ما بينه سبحانه في سورة النساء في شأن المنافقين فمن أين عرف أن غير هذه النار لا يصلاها قوم آخرون و بعد فإن الظاهر من الآية يوجب أن لا يدخل النار إلا من كذب و تولى و جمع بين الأمرين فلا بد للقوم من القول بخلافه لأنهم يوجبون النار لمن يتولى عن كثير من الواجبات و إن لم يكذب‏و قيل أن الأتقى و الأشقى المراد بهما التقي و الشقي كما قال طرفة :

تمنى رجال أن أموت و إن أمت # فتلك سبيل لست فيها بأوحد

أراد بواحد}ثم وصف سبحانه الأتقى فقال «وَ مََا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى‏ََ» أي و لم يفعل الأتقى ما فعله من إيتاء المال و إنفاقه في سبيل الله ليد أسديت إليه يكافئ عليها و لا ليد يتخذها عند أحد من الخلق‏} «إِلاَّ اِبْتِغََاءَ وَجْهِ رَبِّهِ اَلْأَعْلى‏ََ» أي و لكنه فعل ما فعل يبتغي به وجه الله و رضاه و ثوابه و إنما ذكر الوجه طلبا لشرف الذكر و المعنى إلا الله و لابتغاء ثواب الله «وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏ََ» أي و لسوف يعطيه الله من الجزاء و الثواب ما يرضى به فإنه يعطيه كل ما تمنى و لم يخطر بباله فيرضى به لا محالة.

762

(1) -

(93) سورة الضحى مكية و آياتها إحدى عشرة (11)

توضيح‏

إحدى عشر آية بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأها كان ممن يرضاه الله و لمحمد ص أن يشفع له و له عشر حسنات بعدد كل يتيم و سائل.

تفسيرها

ختم الله سبحانه تلك السورة بأن الأتقى يعطيه من الثواب ما به يرضى و افتتح هذه السورة بأنه يرضي نبيه بما يؤتيه يوم القيامة من الكرامة و الزلفى فقال:

القراءة

في الشواذ

عن النبي ص و عروة بن الزبير ما ودعك بالتخفيف‏

و القراءة المشهورة بالتشديد و عن أشهب العقيلي فأوى بغير مد و عن ابن أبي السميقع عيلا بالتشديد

763

(1) - و عن النخعي و الشعبي فلا تكهر بالكاف و كذلك هو في مصحف عبد الله .

الحجة

قال ابن جني : ودع بالتخفيف يقل استعماله و قال سيبويه : استغنوا عن وزر و ودع بقولهم ترك و أنشد أبو علي ذلك في شعر أبي الأسود قوله:

ليت شعري عن خليلي ما الذي # غاله في الحب حتى ودعه‏

و أما قوله فآوى فإنه من أويته أي رحمته و أما عيلا فإنه فيعل من العيلة و هي الفقر و هو مثل العائل و معناها ذو العيلة من غير جدة يقال عال الرجل يعيل عيلة إذا كثر عياله و افتقر قال الشاعر:

و ما يدري الفقير متى غناه # و ما يدري الغني متى يعيل‏

أي متى يفتقر و أما الكهر فهو مثل القهر و العرب قد تعاقب بين القاف و الكاف و في حديث معاوية بن الحكم الذي تكلم في الصلاة قال ما كهرني و لا ضربني .

اللغة

السجو السكون يقال سجى يسجو إذا هدئ و سكن و طرف ساج و بحر ساج قال الأعشى :

فما ذنبنا إذ جاش بحر ابن عمكم # و بحرك ساج لا يواري الدعامصا

و قال الآخر:

يا حبذا القمراء و الليل الساج # و طرق مثل ملإ النساج‏

و القلى البغض إذا كسرت القاف قصرت و إذا فتحت مددت قال:

عليك سلام لا مللت قريبة # و ما لك عندي إن نأيت قلاء

و نهره و انتهره بمعنى و هو أن يصيح في وجه السائل الطالب للرفد .

الإعراب‏

«وَ مََا قَلى‏ََ» أي و ما قلاك و كذلك قوله «فَآوى‏ََ» «فَأَغْنى‏ََ» تقديره فآواك فأغناك فالمفعول في هذه الآي محذوف و قال «وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ» و لم يقل و يعطينك و إن كان جواب‏

764

(1) - القسم لأن النون إنما تدخل لتؤذن بأن اللام لام القسم لا لام الابتداء و قد حصل هاهنا العلم بأن هذه اللام للقسم لا للابتداء لدخوله على سوف و لام الابتداء لا تدخل على سوف لأن سوف تختص بالأفعال و لام الابتداء إنما تدخل على الأسماء «فَأَمَّا اَلْيَتِيمَ فَلاََ تَقْهَرْ» تقديره فمهما يكن من شي‏ء فلا تقهر اليتيم ثم أقيم أما مقام الشرط فحصل أما فلا تقهر اليتيم ثم قدم المفعول على الفاء كراهة لأن يكون الفاء التي من شأنها أن تكون متبعة شيئا فشيئا في أول الكلام و إن كثر يجتمع في اللفظ مع أما فتكون على خلاف أصول كلامهم و كذلك «أَمََّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» .

النزول‏

قال ابن عباس : احتبس الوحي عنه ص خمسة عشر يوما فقال المشركون أن محمدا قد ودعه ربه و قلاه‏و لو كان أمره من الله تعالى لتتابع عليه فنزلت السورة و قيل إنما احتبس الوحي اثني عشر يوما عن ابن جريج و قيل أربعين يوما عن مقاتل و

قيل إن المسلمين قالوا ما ينزل عليك الوحي يا رسول الله فقال و كيف ينزل علي الوحي و أنتم لا تنقون براجمكم و لا تقلمون أظفاركم و لما نزلت السورة قال النبي ص لجبرائيل (ع) ما جئت حتى اشتقت إليك فقال جبرائيل (ع) و أنا كنت أشد إليك شوقا و لكني عبد مأمور و ما نتنزل إلا بأمر ربك‏

و

قيل سألت اليهود رسول الله ص عن ذي القرنين و أصحاب الكهف و عن الروح فقال سأخبركم غدا و لم يقل إن شاء الله فاحتبس عنه الوحي هذه الأيام فاغتم لشماتة الأعداء فنزلت السورة تسلية لقلبه‏

و

قيل إن النبي ص رمي بحجر في إصبعه فقال"هل أنت إلا إصبع رميت، و في سبيل الله ما لقيت"فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يوحى إليه فقالت له أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث فنزلت السورة.

ـ

المعنى‏

«وَ اَلضُّحى‏ََ» أقسم سبحانه بنور النهار كله من قولهم ضحى فلان للشمس إذ ظهر لها و يدل عليه قوله في مقابلته‏} «وَ اَللَّيْلِ إِذََا سَجى‏ََ» أي سكن و استقر ظلامه و قيل إن المراد بالضحى أول ساعة من النهار و قيل صدر النهار و هي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس و اعتدال النهار في الحر و البرد في الشتاء و الصيف و قيل معناه و رب الضحى و رب الليل إذا سجى عن الجبائي و قيل إذا سجى أي غطى بالظلمة كل شي‏ء عن عطاء و الضحاك و قيل إذا أقبل ظلامه عن الحسن } «مََا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مََا قَلى‏ََ» هذا جواب القسم و معناه و ما

765

(1) - تركك يا محمد ربك و ما قطع عنك الوحي توديعا لك و ما قلاك أي ما أبغضك منذ اصطفاك «وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ اَلْأُولى‏ََ» يعني أن ثواب الآخرة و النعيم الدائم فيها خير لك من الدنيا الفانية و الكون فيها و قيل إن له ص في الجنة ألف ألف قصر من اللؤلؤ ترابه من المسك و في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج و الخدم‏و ما يشتهي على أتم الوصف عن ابن عباس و قيل معناه و لآخر عمرك الذي بقي خير لك من أوله لما يكون فيه من الفتوح و النصرة} «وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ََ» معناه و سيعطيك ربك في الآخرة من الشفاعة و الحوض و سائر أنواع الكرامة فيك و في أمتك ما ترضى به و روى حرث بن شريح عن محمد بن علي بن الحنفية أنه قال يا أهل العراق تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز و جل‏ «يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ» الآية و إنا أهل البيت (ع) نقول أرجى آية في كتاب الله «وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ََ» و هي و الله الشفاعة ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول رب رضيت و

عن الصادق (ع) قال دخل رسول الله ص على فاطمة (ع) و عليها كساء من ثلة الإبل و هي تطحن بيدها و ترضع ولدها فدمعت عينا رسول الله ص لما أبصرها فقال يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة فقد أنزل الله علي «وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ََ»

و قال زيد بن علي إن من رضا رسول الله ص أن يدخل أهل بيته الجنةو

قال الصادق (ع) رضا جدي أن لا يبقى في النار موحد

ثم عدد سبحانه عليه نعمه في دار الدنيا فقال‏} «أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ََ» قيل في معناه قولان (أحدهما) أنه تقرير لنعمة الله عليه حين مات أبوه و بقي يتيما فآواه الله بأن سخر له أولا عبد المطلب ثم لما مات عبد المطلب قيض له أبا طالب و سخره للإشفاق عليه و حببه إليه حتى كان أحب إليه من أولاده فكلفه و رباه و اليتيم من لا أب له و كان النبي ص مات أبوه و هو في بطن أمه و قيل أنه مات بعد ولادته بمدة قليلة و ماتت أمه ص و هو ابن سنتين و مات جده و هو ابن ثماني سنين فسلمه إلى أبي طالب (ع) لأنه كان أخا عبد الله لأمه فأحسن تربيته و

سئل الصادق (ع) لم أوتم النبي ص عن أبويه فقال لئلا يكون لمخلوق عليه حق‏

(و الآخر) أن يكون المعنى أ لم يجدك واحدا لا مثل لك في شرفك و فضلك فآواك إلى نفسه و اختصك برسالته من قولهم درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل قال:

لا و لا درة يتيمة بحر # تتلألأ في جؤنة البياع‏

و قيل فآواك أي جعلك مأوى للأيتام بعد أن كنت يتيما و كفيلا للأنام بعد أن كنت‏

766

(1) - مكفولا عن الماوردي ثم ذكر نعمة أخرى فقال‏} «وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى‏ََ» قيل في معناه أقوال (أحدها) وجدك ضالا عما أنت عليه الآن من النبوة و الشريعة أي كنت غافلا عنهما فهداك إليهما عن الحسن و الضحاك و الجبائي و نظيره‏ مََا كُنْتَ تَدْرِي مَا اَلْكِتََابُ وَ لاَ اَلْإِيمََانُ و قوله «وَ إِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ اَلْغََافِلِينَ» فمعنى الضلال على هذا هو الذهاب عن العلم مثل قوله‏ «أَنْ تَضِلَّ إِحْدََاهُمََا فَتُذَكِّرَ إِحْدََاهُمَا اَلْأُخْرى‏ََ» (و ثانيها) إن المعنى وجدك متحيرا لا تعرف وجوه معاشك فهداك إلى وجوه معاشك فإن الرجل إذا لم يهتد طريق مكسبه و وجه معيشته يقال أنه ضال لا يدري إلى أين يذهب و من أي وجه يكتسب عن أبي مسلم و

في الحديث نصرت بالرعب و جعل رزقي في ظل رمحي يعني الجهاد

(و ثالثها) إن المعنى وجدك لا تعرف الحق فهداك إليه بإتمام العقل و نصب الأدلة و الألطاف حتى عرفت الله بصفاته بين قوم ضلال مشركين و ذلك من نعم الله سبحانه عليك (رابعها) وجدك ضالا في شعاب مكة فهداك إلى جدك عبد المطلب

فروي أنه ص ضل في شعاب مكة و هو صغير فرآه أبو جهل و رده إلى جده عبد المطلب

فروي أنه ص ضل في شعاب مكة و هو صغير فرآه أبو جهل و رده إلى جده عبد المطلب فمن الله سبحانه بذلك عليه إذا رده إلى جده على يد عدوه‏

عن ابن عباس (و خامسها)

ما روي أن حليمة بنت أبي ذؤيب لما أرضعته مدة و قضت حق الرضاع ثم أرادت رده على جده جاءت به حتى قربت من مكة فضل في الطريق فطلبته جزعة و كانت تقول إن لم أره لأرمين نفسي من شاهق و جعلت تصيح وا محمداه قالت فدخلت مكة على تلك الحال فرأيت شيخا متوكئا على عصا فسألني عن حالي فأخبرته فقال لا تبكين فأنا أدلك على من يرده عليك فأشار إلى هبل صنمهم الأكبر و دخل البيت فطاف بهبل و قبل رأسه و قال يا سيداه لم تزل منتك جسيمة رد محمدا على هذه السعدية قال فتساقطت الأصنام لما تفوه باسم محمد ص و سمع صوت إن هلاكنا على يدي محمد فخرج و أسنانه تصطك و خرجت إلى عبد المطلب و أخبرته بالحال فخرج فطاف بالبيت و دعا الله سبحانه فنودي و أشعر بمكانه فأقبل عبد المطلب و تلقاه ورقة بن نوفل في الطريق فبينما هما يسيران إذ النبي ص قائم تحت شجرة يجذب الأغصان و يلعب بالورق فقال عبد المطلب فداك نفسي و حمله و رده إلى مكة

عن كعب (و سادسها)

ما روي أنه ص خرج مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة فبينما هو راكب ذات ليلة ظلماء جاء إبليس فأخذ بزمام ناقته فعدل به عن الطريق فجاء جبرائيل (ع) فنفخ إبليس نفخة رفع بها إلى الحبشة و رده إلى القافلة فمن الله عليه بذلك‏

عن سعيد بن المسيب (و سابعها) إن المعنى وجدك مضلولا عنك في قوم لا يعرفون حقك فهداهم إلى معرفتك و أرشدهم إلى فضلك و الاعتراف بصدقك و المراد أنك كنت خاملا لا تذكر و لا تعرف فعرفك الله الناس حتى عرفوك و عظموك.

ـ} «وَ وَجَدَكَ عََائِلاً»

767

(1) - أي فقيرا لا مال لك «فَأَغْنى‏ََ» أي فأغناك بمال خديجة و الغنائم و قيل فأغناك بالقناعة و رضاك بما أعطاك عن مقاتل و اختار الفراء قال لم يكن غنيا عن كثرة المال لكن الله سبحانه أرضاه بما أتاه من الرزق و ذلك حقيقة الغنى و

روى العياشي بإسناده عن أبي الحسن الرضا (ع) في قوله «أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ََ» قال فردا لا مثل لك في المخلوقين فآوى الناس إليك و وجدك ضالا أي ضالة في قوم لا يعرفون فضلك فهداهم إليك و وجدك عائلا تعول أقواما بالعلم فأغناهم بك‏

و

روي أن النبي ص قال من علي ربي و هو أهل المن‏

و قد طعن بعض الملحدين فقال كيف يحسن الامتنان بالإنعام و هل يكون هذا من فعل الكرام (و الجواب) أن المن إنما يقبح من المنعم إذا أراد به الغض من المنعم عليه و الأذى له فأما من أراد التذكير لشكر نعمته و الترغيب فيه ليستحق الشاكر المزيد فإنه في غاية الحسن و لأن من كمال الجود و تمام الكرم تعريف المنعم عليه أنه إنما أنعم عليه ليسأل جميع ما يحتاج إليه فيعطي ثم أوصاه سبحانه باليتامى و الفقراء فقال‏} «فَأَمَّا اَلْيَتِيمَ فَلاََ تَقْهَرْ» أي فلا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه كما كانت تفعل العرب في أمر اليتامى عن الفراء و الزجاج و قيل معناه لا تحتقر اليتيم فقد كنت يتيما عن مجاهد و كان النبي ص يحسن إلى اليتامى و يبرهم و يوصي بهم و

جاء في الحديث عن أبي أوفى قال كنا جلوسا عند رسول الله ص فأتاه غلام فقال غلام يتيم و أخت لي يتيمة و أم لي أرملة أطعمنا مما أطعمك الله أعطاك الله مما عنده حتى ترضى قال ما أحسن ما قلت يا غلام اذهب يا بلال فأتنا بما كان عندنا فجاء بواحدة و عشرين تمرة فقال سبع لك و سبع لأختك و سبع لأمك فقام إليه معاذ بن جبل فمسح رأسه و قال جبر الله يتمك و جعلك خلفا من أبيك و كان من أبناء المهاجرين فقال رسول الله ص رأيتك يا معاذ و ما صنعت قال رحمته قال لا يلي أحد منكم يتيما فيحسن ولايته و وضع يده على رأسه إلا كتب الله له بكل شعرة حسنة و محا عنه بكل شعرة سيئة و رفع له بكل شعرة درجة

و

عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ص من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر على يده نور يوم القيامة

و

قال ص أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنة إذا اتقى الله عز و جل و أشار بالسبابة و الوسطى‏

و

عن عمر بن الخطاب عن النبي ص قال إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن فيقول الله لملائكته يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الذي غيب أبوه في التراب فتقول الملائكة أنت أعلم فيقول الله تعالى يا ملائكتي فإني أشهدكم أن لمن أسكته و أرضاه أن أرضيه يوم القيامة

و كان عمر إذا رأى يتيما مسح رأسه و أعطاه شيئا} «وَ أَمَّا اَلسََّائِلَ فَلاََ تَنْهَرْ» أي لا تنهر السائل و لا ترده إذا أتاك يسألك فقد كنت فقيرا فأما أن تطعمه و إما أن ترده ردا لينا و

في الحديث عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ص إذا أتاك سائل‏

768

(1) - على فرس باسط كفيه فقد وجب له الحق و لو بشق تمرة

قال أبو مسلم يريد كما أعطاك الله و رحمك و أنت عائل فأعط سائلك و ارحمه و قال الجبائي : المراد بها جميع المكلفين و إن كان الخطاب للنبي ص و قيل إن المراد بالسائل طلب العلم و هو متصل بقوله «وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى‏ََ» عن الحسن و المعنى علم من يسألك كما علمك الله الشرائع و كنت بها غير عالم «وَ أَمََّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ» معناه اذكر نعمة الله و أظهرها و حدث بها و

في الحديث من لم يشكر الناس لم يشكر الله و من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير و التحدث بنعمة الله شكر و تركه كفر

و قيل يريد بالنعمة القرآن عن الكلبي قال و كان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به فأمره أن يقرأه و قيل بالنبوة التي أعطاك ربك عن مجاهد و اختاره الزجاج قال: أي بلغ ما أرسلت به و حدث بالنبوة التي آتاكها الله و هي أجل النعم و قيل معناه اشكر لما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة

قال الصادق (ع) معناه فحدث بما أعطاك الله و فضلك و رزقك و أحسن إليك و هداك.

النظم‏

وجه اتصال قوله «لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ اَلْأُولى‏ََ» بما قبله أن في قوله «مََا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مََا قَلى‏ََ» إثباتا لمحبته سبحانه إياه و إنعامه عليه فاتصل هذا أيضا به و التقدير ليس الأمر كما قالوه بل الوحي يأتيك ما عمرت و تدوم محبتي لك و ما أعطيتك في الآخرة من الشرف و رفعة المنزلة خير مما أعطيتك اليوم فإذا حسدوك على ذا فكيف بهم إذا رأوا ذلك و أما اتصال قوله «أَ لَمْ يَجِدْكَ» بما قبله فوجهه أنه اتصال ذكر النعم بذكر المنعم و التقدير أنه سبحانه سينعم عليك في مستقبل أمرك كما أنعم عليك في الماضي من أمرك.

769

(1) -

(94) سورة الشرح مكية و آياتها ثمان (8)

توضيح‏

مكية و هي ثماني آية بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب عنه ص قال من قرأها أعطي من الأجر كمن لقي محمدا ص مغتما ففرج عنه‏

و روى أصحابنا أن الضحى و أ لم نشرح سورة واحدة لتعلق إحديهما بالأخرى و لم يفصلوا بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم و جمعوا بينهما في الركعة الواحدة في الفريضة و كذلك القول في سورة أ لم تر كيف و لإيلاف قريش و السياق يدل على ذلك لأنه قال أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى‏ََ إلى آخرها ثم قال:

اللغة

الشرح فتح الشي‏ء بإذهاب ما يصد عن إدراكه و أصل الشرح التوسعة و يعبر عن السرور بسعة القلب و شرحه و عن الهم بضيق القلب‏لأنه يورث ذلك و الوزر الثقل في اللغة و منه اشتق اسم الوزير لتحمله أثقال الملك و إنما سميت الذنوب أوزارا لما يستحق عليها من العقاب العظيم و الأنقاض الأثقال التي كان ينتقض بها ما حمل عليه و النقض‏

770

(1) - و الهدم واحد و نقض المذهب إبطاله بما يفسده و بعير نقض سفر إذا أثقله السفر و النصب التعب و أنصبه الهم فهو منصب قال الشاعر:

(تعناك هم من أميمة منصب)

و هم ناصب ذو نصب قال النابغة :

(كليني لهم يا أميمة ناصب)

.

المعنى‏

ثم أتم سبحانه تعداد نعمه على نبيه ص فقال «أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ»

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله ص لقد سألت ربي مسألة وددت أني لم أسأله قلت أي رب أنه قد كان أنبياء قبلي منهم من سخرت له الريح‏و منهم من كان يحيي الموتى قال فقال (أ لم أجدك يتيما فأويتك) قال قلت بلى قال (أ لم أجدك ضالا فهديتك) قال قلت بلى أي رب قال (أ لم أشرح لك صدرك و وضعت عنك وزرك) قال قلت بلى أي رب‏

و المعنى أ لم نفتح لك صدرك و نوسع قلبك بالنبوة و العلم حتى قمت بأداء الرسالة و صبرت على المكاره و احتمال الأذى و اطمأننت إلى الإيمان فلم تضق به ذرعا و منه تشريح اللحم لأنه فتحه بترقيقه فشرح سبحانه صدره بأن ملأه علما و حكمة و رزقه حفظ القرآن و شرائع الإسلام و من عليه بالصبر و الاحتمال و قيل إنه ص كان قد ضاق صدره بمعاداة الجن و الإنس إياه و مناصبتهم له فأتاه من الآيات ما اتسع به صدره بكل ما حمله الله إياه و أمره به و ذلك من أعظم النعم عن البلخي و قيل معناه أ لم نشرح صدرك بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق و

عن ابن عباس قال سئل النبي ص فقيل يا رسول الله أ ينشرح الصدر قال نعم قالوا يا رسول الله و هل لذلك علامة يعرف بها قال نعم التجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود و الإعداد للموت قبل نزول الموت‏

و معنى الاستفهام في الآية التقرير أي قد فعلنا ذلك‏و يدل عليه قوله في العطف عليه‏} «وَ وَضَعْنََا عَنْكَ وِزْرَكَ» أي و حططنا عنك وزرك‏} «اَلَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ» أي أثقله حتى سمع له نقيض أي صوت عن الزجاج قال: و هذا مثل معناه أنه لو كان حملا لسمع نقيض ظهره و قيل إن المراد به تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها سهل الله ذلك عليه حتى تيسر له و من عليه بذلك عن أبي عبيدة و عبد العزيز بن يحيى و قيل معناه و أزلنا عنك همومك التي أثقلتك من أذى الكفار فشبه الهموم بالحمل و العرب تجعل الهم ثقلا عن أبي مسلم و قيل معناه و عصمناك عن احتمال الوزر فإن المقصود من الوضع أن لا يكون عليه ثقل فإذا عصم كان أبلغ في أن لا يكون قال المرتضى قدس الله روحه إنما سميت الذنوب بأنها أوزار لأنها تثقل كاسبها و حاملها فكل شي‏ء أثقل الإنسان و غمه و كده جاز أن يسمى وزرا فلا يمتنع أن يكون‏

771

(1) - الوزر في الآية إنما أراد به غمه ص بما كان عليه قومه من الشرك و أنه و أصحابه بينهم مقهور مستضعف فلما أعلى الله كلمته و شرح صدره‏و بسط يده خاطبه بهذا الخطاب تذكيرا له بمواقع النعمة ليقابله بالشكر و يؤيده ما بعده من الآيات فإن اليسر بإزالة الهموم أشبه و العسر بإزالة الشدائد و الغموم أشبه فإن قيل أن السورة مكية نزلت قبل أن يعلي الله كلمة الإسلام فلا وجه لقولكم قلنا أنه سبحانه لما بشره بأن يعلي دينه على الدين كله و يظهره على أعدائه كان بذلك واضعا عنه ثقل غمه بما كان يلحقه من أذى قومه و مبدلا عسره يسرا فإنه يثق بأن وعد الله حق و يجوز أيضا أن يكون اللفظ و إن كان ماضيا فالمراد به الاستقبال كقوله‏ وَ نََادى‏ََ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ أَصْحََابَ اَلنََّارِ وَ نََادَوْا يََا مََالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنََا رَبُّكَ و لهذا نظائر كثيرة} «وَ رَفَعْنََا لَكَ ذِكْرَكَ» أي قرنا ذكرك بذكرنا حتى لا أذكر إلا و تذكر معي يعني في الأذان و الإقامة و التشهد و الخطبة على المنابر عن الحسن و غيره قال قتادة : رفع الله ذكره في الدنيا و الآخرة فليس خطيب و لا متشهد و لا صاحب صلاة إلا و ينادي بأشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله‏و

في الحديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي ص في هذه الآية قال قال لي جبرائيل قال الله عز و جل إذا ذكرت ذكرت معي‏

و في هذا يقول حسان بن ثابت يمدح النبي ص :

أغر عليه للنبوة خاتم # من الله مشهور يلوح و يشهد

و ضم الإله اسم النبي إلى اسمه # إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

و شق له من اسمه ليجله # فذو العرش محمود و هذا محمد .

ـثم وعد سبحانه اليسر و الرخاء بعد الشدة و ذلك أنه كان بمكة في شدة قال‏} «فَإِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً» أي مع الفقر سعة عن الكلبي و قيل معناه أن مع الشدة التي أنت فيها من مزاولة المشركين يسرا و رخاء بأن يظهرك الله عليهم حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به طوعا أو كرها ثم كرر ذلك فقال‏} «إِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً»

روى عطاء عن ابن عباس قال يقول الله تعالى خلقت عسرا واحدا و خلقت يسرين فلن يغلب عسر يسرين‏

و

عن الحسن قال خرج النبي ص يوما مسرورا فرحا و هو يضحك و يقول لن يغلب عسر يسرين‏

«فَإِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً ` إِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً» قال الفراء : إن العرب تقول إذا ذكرت نكرة ثم أعدتها نكرة مثلها صارتا اثنتين كقولك إذا كسبت درهما فأنفق درهما فالثاني غير الأول فإذا أعدتها معرفة فهي هي كقولك إذا كسبت الدرهم فأنفق الدرهم فالثاني هو الأول و نحو هذا ما قال الزجاج : أنه ذكر العسر مع الألف و اللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين‏و قال صاحب كتاب النظم في تفسير

772

(1) - هذه الآية: إن الله بعث نبيه و هو مقل مخف و كانت قريش تعيره بذلك حتى قالوا له إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة فكره النبي ص ذلك و ظن أن قومه إنما يكذبوه لفقره فوعده الله سبحانه الغنى ليسليه بذلك عما خامره من الهم فقال «فَإِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً» و تأويله لا يحزنك ما يقولون و ما أنت فيه من الإقلال فإن مع العسر يسرا في الدنيا عاجلا ثم أنجز ما وعده فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز و ما والاها من القرى العربية و عامة بلاد اليمن فكان يعطي المائتين من الإبل و يهب الهبات السنية و يعد لأهله قوت سنته ثم ابتدأ فصلا آخر فقال «إِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً» و الدليل على ابتدائه تعريه من فاء و واو و هو وعد لجميع المؤمنين لأنه يعني بذلك أن مع العسر في الدنيا للمؤمن يسرا في الآخرة و ربما اجتمع له اليسران يسر الدنياو هو ما ذكر في الآية الأولى و يسر الآخرة و هو ما ذكر في الآية الثانية

فقوله ص لن يغلب عسر يسرين‏

أي يسر الدنيا و الآخرة فالعسر بين يسرين أما فرج الدنيا و أما ثواب الآخرة و هذا الذي ذكره الجرجاني يؤيد ما ذهب إليه المرتضى قدس الله روحه من أن القائل إذا قال شيئا ثم كرره فإن الظاهر من تغاير الكلامين تغاير مقتضاهما حتى يكون كل واحد منهما مفيدا لما لا يفيده الآخر فيجب مع الإطلاق حمل الثاني على غير مقتضى الأول إلا إذا كان بين المتخاطبين عهد أو دلالة يعلم المخاطب بذلك أن المخاطب أراد بكلامه الثاني الأول فيحمله على ذلك و أنشد أبو بكر الأنباري :

إذا بلغ العسر مجهوده # فثق عند ذاك بيسر سريع

أ لم تر نحس الشتاء الفظيع # يتلوه سعد الربيع البديع‏

و أنشد إسحاق بن بهلول القاضي :

فلا تيأس و إن أعسرت يوما # فقد أيسرت في دهر طويل

و لا تظنن بربك ظن سوء # فإن الله أولى بالجميل

فإن العسر يتبعه يسار # و قول الله أصدق كل قيل‏

}

«فَإِذََا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ` وَ إِلى‏ََ رَبِّكَ فَارْغَبْ» معناه فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء و أرغب إليه في المسألة يعطك عن مجاهد و قتادة و الضحاك و مقاتل و الكلبي و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع)

و معنى انصب من النصب و هو التعب أي لا تشتغل بالراحة و قال الزهري : إذا فرغت من الفرائض فادع بعد التشهد بكل حاجتك و

قال الصادق (ع) هو الدعاء في دبر الصلاة و أنت جالس‏

و قيل معناه فإذا فرغت من‏

773

(1) - الفرائض فانصب في قيام الليل عن ابن مسعود و قيل معناه فإذا فرغت من دنياك فانصب في عبادة ربك و صل عن مجاهد و الجبائي و قيل فإذا فرغت من الفرائض فانصب فيما رغبك الله فيه من الأعمال و صل عن ابن عباس و قيل إذا فرغت من جهاد أعدائك فانصب بالعبادة لله عن الحسن و ابن زيد و قيل فإذا فرغت من جهاد الأعداء فانصب بجهاد نفسك و قيل إذا فرغت من أداء الرسالة فانصب لطلب الشفاعة و سئل علي بن طلحة عن هذه الآية فقال القول فيه كثير و قد سمعناه أنه يقال إذا صححت فاجعل صحتك و فراغك نصبا في العبادة و يدل على هذا ما روي أن شريحا مر برجلين يصطرعان فقال: ليس بهذا أمر الفارغ إنما قال الله سبحانه «فَإِذََا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ` وَ إِلى‏ََ رَبِّكَ فَارْغَبْ» أي فارفع حوائجك إلى ربك و لا ترفعها إلى أحد من خلقه و قال عطاء : يريد تضرع إليه راهبا من النار و راغبا إلى الجنة.

774

(1) -

(95) سورة التين مكية و آياتها ثمان (8)

توضيح‏

مكية المعدل عن ابن عباس مدنية ثماني آيات بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص من قرأها أعطاه الله خصلتين العافية و اليقين ما دام في دار الدنيا فإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة صيام يوم‏

و

عن البراء بن عازب قال سمعت النبي ص يقرأ في المغرب و التين و الزيتون فما رأيت إنسانا أحسن قراءة منه رواه أبو مسلم في الصحيح

و

روى شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ و التين في فرائضه و نوافله أعطي من الجنة حيث يرضى.

تفسيرها

أمر الله سبحانه بالرغبة إليه في خاتمة تلك السورة و افتتح هذه السورة بذكر أنه الخالق المستحق للعبادة بعد أن أقسم عليه فقال:

775

(1) -

اللغة

التقويم تصيير الشي‏ء على ما ينبغي أن يكون عليه من التأليف و التعديل يقال قومه فاستقام و تقوم .

ـ

المعنى‏

«وَ اَلتِّينِ وَ اَلزَّيْتُونِ» أقسم الله سبحانه بالتين الذي يؤكل و الزيتون الذي يعصر منه الزيت عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و عكرمة و قتادة و هو الظاهر و إنما أقسم بالتين لأنه فاكهة مخلصة من شائب التنغيص و فيه أعظم عبرة لأنه عز اسمه جعلها على مقدار اللقمة و هيأها على تلك الصفة إنعاما على عباده بها و

قد روى أبو ذر عن النبي ص قال في التين لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه هي لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير و تنفع من النقرس‏

و أما الزيتون فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة و هو إدام و التين طعام فيه منافع كثيرة و قيل التين الجبل الذي عليه دمشق و الزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس عن قتادة و قال عكرمة : هما جبلان و إنما سميا لأنهما ينبتان بهما و قيل التين مسجد دمشق و الزيتون بيت المقدس عن كعب الأحبار و عبد الرحمن بن غنيم و ابن زيد و قيل التين مسجد نوح الذي بني على الجودي و الزيتون بيت المقدس عن ابن عباس و قيل التين المسجد الحرام و الزيتون المسجد الأقصى عن الضحاك } «وَ طُورِ سِينِينَ » يعني الجبل الذي كلم الله عليه موسى عن الحسن و سينين و سيناء واحد و قيل إن سينين معناه المبارك الحسن و كأنه قيل جبل الخير الكثير لأنه إضافة تعريف عن مجاهد و قتادة و قيل معناه كثير النبات و الشجر عن عكرمة و قيل إن كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين و سيناء بلغة النبط عن مقاتل

قال عمرو بن ميمون سمعت عمر بن الخطاب يقرأ بمكة في المغرب و التين و الزيتون و طور سيناء قال فظننت أنه إنما قرأها ليعلم حرمة البلد و روي ذلك عن موسى بن جعفر (ع)

أيضا «وَ هََذَا اَلْبَلَدِ اَلْأَمِينِ» يعني مكة البلد الحرام يأمن فيه الخائف في الجاهلية و الإسلام فالأمين يعني المؤمن من يدخله و قيل بمعنى الأمن و يؤيده قوله‏ أَنََّا جَعَلْنََا حَرَماً آمِناً قال الشاعر:

أ لم تعلمي يا أسم ويحك إنني # حلفت يمينا لا أخون أميني‏

يريد آمني‏} «لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» هذا جواب القسم و أراد جنس الإنسان و هو آدم و ذريته خلقهم الله في أحسن صورة عن إبراهيم و مجاهد و قتادة و قيل في أحسن تقويم أي منتصب القامة و سائر الحيوان مكب على وجهه إلا الإنسان عن ابن عباس

776

(1) - و قيل أراد أنه خلقهم على كمال في أنفسهم و اعتدال في جوارحهم و أبانهم عن غيرهم بالنطق و التمييز و التدبير إلى غير ذلك مما يختص به الإنسان و في ذلك إشارة أيضا إلى حال الشباب «ثُمَّ رَدَدْنََاهُ أَسْفَلَ سََافِلِينَ» يريد إلى الخرف و أرذل العمر و الهرم و نقصان العقل و السافلون هم الضعفاء و الزمنى و الأطفال‏و الشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعا عن ابن عباس و إبراهيم و قتادة و قيل معناه ثم رددناه إلى النار عن الحسن و مجاهد و ابن زيد و الجبائي و المعنى إلى أسفل الأسفلين لأن جهنم بعضها أسفل من بعض و على هذا فالمراد به الكفار أي خلقناهم في أحسن خلقة أحرارا عقلاء مكلفين فكفروا فرددناهم إلى النار في أقبح صورة ثم استثنى فقال‏} «إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي صدقوا بالله «وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ» أي أخلصوا العبادة لله و أضافوا إلى ذلك الأعمال الصالحة فإن هؤلاء لا يردون إلى النار و من قال بالقول الأول قال إن المؤمن لا يرد إلى الخرف و إن عمر عمرا طويلا قال إبراهيم : إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز معه من العمل كتب له ما كان يعمل و هو قوله «فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» و قال عكرمة : من رد منهم إلى أرذل العمر كتب له صالح ما كان يعمل في شبابه و ذلك أجر غير ممنون و عن ابن عباس قال: و من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر و ذلك قوله «ثُمَّ رَدَدْنََاهُ أَسْفَلَ سََافِلِينَ ` إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ» قال إلا الذين قرءوا القرآن و

في الحديث عن أنس قال قال رسول الله ص المولود حتى يبلغ الحنث ما عمل من حسنة كتب لوالديه فإن عمل سيئة لم تكتب عليه و لا على والديه فإذا بلغ الحنث و جرى عليه القلم أمر الله الملكين اللذين معه يحفظانه و يسددانه فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام آمنه الله من البلايا الثلاث الجنون و الجذام و البرص فإذا بلغ خمسين خفف الله حسابه فإذا بلغ ستين رزقه الإنابة إليه فيما يجب فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء فإذا بلغ ثمانين كتب الله حسناته و تجاوز عن سيئاته فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و شفعه في أهل بيته و كان اسمه أسير الله في الأرض فإذا بلغ أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا كتب الله له بمثل ما كان يعمل في صحته من الخير و إن عمل سيئة لم تكتب عليه‏

و أقول إن صح الخبر فإنما لا تكتب عليه السيئة لزوال عقله و نقصان تمييزه في ذلك الوقت و قوله «غَيْرُ مَمْنُونٍ» أي غير منقوص و قيل غير مقطوع عن أبي مسلم و قيل غير محسوب عن مجاهد و قيل غير مكدر بما يؤذي و يغم عن الجبائي «فَمََا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ» معناه أي شي‏ء يكذبك أيها الإنسان بعد هذه الحجج بالدين الذي هو الجزاء و الحساب عن الحسن و عكرمة و أبي مسلم و المراد ما يحملك على أن لا تتفكر في صوتك و شبابك و هرمك فتعتبر و تقول إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني و يحاسبني و يجازيني بعملي فيكون قوله «فَمََا يُكَذِّبُكَ» يعني به ما الذي يجعلك تكذب و قيل إن الخطاب‏