مجمع البيان في تفسير القرآن - ج10

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
870 /
777

(1) - للنبي ص أي فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذه الحجج بالدين الذي هو الإسلام عن مجاهد و قتادة أي لا شي‏ء يكذبك‏} «أَ لَيْسَ اَللََّهُ بِأَحْكَمِ اَلْحََاكِمِينَ» هذا تقرير للإنسان على الاعتراف بأنه تعالى أحكم الحاكمين في صنائعه و أفعاله و أنه لا خلل في شي‏ء منها و لا اضطراب فكيف يترك هذه الخلائق و يهملهم فلا يجازيهم و قيل معناه أ ليس الله بأقضى القاضين فيحكم بينك يا محمد و بين أهل التكذيب بك عن مقاتل و

قال قتادة و كان رسول الله ص إذا ختم هذه السورة قال بلى و أنا على ذلك من الشاهدين.

النظم‏

اتصل قوله «أَ لَيْسَ اَللََّهُ بِأَحْكَمِ اَلْحََاكِمِينَ» بما قبله من ذكر الدين و الجزاء على سبيل التنبيه على الإعادة فإن الحكيم إذا كلف و أمر و نهى و خلى بين الظالم و المظلوم فلا بد من المجازاة و الإنصاف و الانتصاف فإذا لم يكن ذلك في الدنيا فلا بد من البعث فإن أحكم الحاكمين لا يجوز عليه الإخلال بما ذكرناه.

778

(1) -

(96) سورة العلق مكية و آياتها تسع عشرة (19)

عدد آيها

عشرون آية حجازي و تسع عشرة عراقي و ثماني عشرة شامي.

اختلافها

آيتان الذي ينهى غير الشامي لئن لم ينته حجازي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص من قرأها فكأنما قرأ المفصل كله‏

محمد بن حسان عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ في يومه أو في ليلته اقرأ باسم ربك ثم مات في يومه أو في ليلته مات شهيدا و بعثه الله شهيدا و أحياه كمن ضرب بسيفه في سبيل الله مع رسول الله ص .

تفسيرها

ختم الله سبحانه تلك السورة بذكر اسمه و افتتح هذه السورة باسمه أيضا فقال:

779

(1) -

اللغة

العلق جمع علقة و هي القطعة الجامدة من الدم التي تعلق لرطوبتها بما تمر به فإذا جفت لا تسمى علقة و العلق ضرب من الدود أسود لأنه يعلق على العضو فيمتص منه الدم و الرجعى الرجوع و المرجع واحد و السفع الجذب الشديد يقال سفعت بالشي‏ء إذا قبضت عليه و جذبته جذبا شديدا و سفعته النار و الشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تشويه و منه الحديث‏

ليصيبن أقواما سفع من النار

أي تشويه خلقة و الناصية شعر مقدم الرأس سميت بذلك لأنها متصلة بالرأس من قولهم ناصى يناصي مناصاة إذا وصل قال الراجز:

"قي تناصيها بلاد قي"

النادي مجلس أهل النادي ثم كثر فسمي كل مجلس ناديا و واحد الزبانية زبينة عن أبي عبيدة و زبني عن الكسائي و زابن عن الأخفش أخذ من الزبن و هو الدفع و الناقة تزبن الحالب أي تركضه برجلها قال الشاعر:

و مستعجب مما يرى من انائنا # و لو زبنته الحرب لم يترمرم‏

.

الإعراب‏

«خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ» تخصيص بعد تعميم أ لا ترى أن قوله «خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ» بعد قوله «خَلَقَ» خصوص بعد عموم فهو مثل قوله‏ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ثم قال‏ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ فخصص الآخرة بعد ذكر الغيب الذي هو عام لكل ما غاب عنا و عكسه قول لبيد :

و هم العشيرة أن يبطئ حاسد # أو أن يلوم بحاجة لوامها

780

(1) - أ لا ترى أن اللوم أعم من التبطئة لأن التبطئة نسبة قوم إلى البطء فهذا بعض اللوم و قوله «إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَيَطْغى‏ََ ` أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى‏ََ» الضمير المستكن في رآه عائد إلى الضمير المستكن في يطغى و الهاء في رآه عائد إلى الضمير المستكن فيه و إنما جاز أن يعود الضمير المنصوب إلى ضمير الفاعل في باب علمت و أخواتها من غير ذكر النفس لدخول هذه الأفعال على المبتدأ و الخبر و الخبر هو نفس المبتدأ فتقول علمتني و حسبتني أفعل كذا و لا يجوز في غيرها إلا بواسطة النفس تقول ضربت نفسي و لا تقول ضربتني و إن رآه في محل نصب لأنه مفعول له و «اِسْتَغْنى‏ََ» جملة في موضع النصب لكونها مفعولة ثانية لرآه و التقدير لأن رآه مستغنيا. ناصية بدل من الناصية أي بناصية كاذبة خاطئة و معناه بناصية صاحبها كاذب خاطئ يقال فلان نهاره صائم و ليلة قائم أي هو صائم في نهاره و قائم في ليله. «فَلْيَدْعُ نََادِيَهُ» أي أهل نادية فحذف المضاف. و النون في «لَنَسْفَعاً» نون التأكيد الخفيفة و الاختيار عند البصريين أن تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف و اختار الكوفيون أن تكتب بالنون لأنها نون في الحقيقة.

المعنى‏

«اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» هذا أمر من الله سبحانه لنبيه ص أن يقرأ باسم ربه و أن يدعوه بأسمائه الحسنى و في تعظيم الاسم تعظيم المسمى لأن الاسم ذكر المسمى بما يخصه فلا سبيل إلى تعظيمه إلا بمعناه و لهذا لا يعظم اسم الله حق تعظيمه إلا من هو عارف به و معتقد عبادته و لهذا قال سبحانه‏ قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ أَيًّا مََا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ و قال سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى فالباء هنا زائدة و التقدير اقرأ باسم ربك و أكثر المفسرين على أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن و أول يوم نزل جبرائيل (ع) على رسول الله ص و هو قائم على حراء علمه خمس آيات من أول هذه السورة و قيل أول ما نزل من القرآن قوله‏ «يََا أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ» و قد مر ذكره و قيل أول سورة نزلت على رسول الله ص فاتحة الكتاب

رواه الحاكم أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن رسول الله ص قال لخديجة :

إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء فقالت ما يفعل الله بك إلا خيرا فو الله إنك لتؤدي الأمانة و تصل الرحم و تصدق الحديث قالت خديجة : فانطلقنا إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى هو ابن عم خديجة فأخبره رسول الله ص بما رأى فقال له ورقة : إذا أتاك فاثبت له حتى تسمع ما يقول ثم أتيني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد قل له ذلك فقال له أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم و أنك على مثل ناموس موسى و أنك نبي مرسل و أنك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا و لئن أدركني ذلك لأجاهدن معك فلما توفي ورقة قال رسول الله ص : لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي و صدقني‏

يعني ورقة و روي أن ورقة قال في ذلك:

781

(1) -

فإن يك حقا يا خديجة فأعلمي # حديثك إيانا فأحمد مرسل

و جبريل يأتيه و ميكال معهما # من الله وحي يشرح الصدر منزل

يفوز به من فاز عزا لدينه # و يشقى به الغاوي الشقي المضلل

فريقان منهم فرقة في جنانه # و أخرى بأغلال الجحيم تغلغل‏

ثم وصف سبحانه ربه و بينه بفعله الدال عليه فقال «اَلَّذِي خَلَقَ» أي خلق جميع المخلوقات على مقتضى حكمته و أخرجه من العدم إلى الوجود بكمال قدرته ثم خص الإنسان بالذكر تشريفا له و تنبيها على إبانته إياه عن سائر الحيوان فقال‏} «خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ» أراد به جنس بني آدم أي خلقهم من دم جامد بعد النطفة و قيل معناه خلق آدم من طين يعلق باليد و الأول أصح و في هذا إشارة إلى بيان النعمة بأن خلقه من الأصل الذي هو في الغاية القصوى من المهانةثم بلغ به مبالغ الكمال حتى صار بشرا سويا مهيئا للنطق و التمييز مفرغا في قالب الاعتدال و أنه كما نقل الإنسان من حال إلى حال حتى استكمل كذلك بنقلك من الجهالة إلى درجة النبوة و الرسالة حتى تستكمل شرف محلها ثم أكد الأمر بالإعادة فقال «اِقْرَأْ» و قيل أمره في الأول بالقراءة لنفسه و في الثاني بالقراءة للتبليغ و ليس بتكرار عن الجبائي و معناه اقرأ القرآن «وَ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ» أي الأعظم كرما فلا يبلغه كرم كريم لأنه يعطي من النعم ما لا يقدر على مثله غيره فكل نعمة توجد من جهته تعالى إما بأن اخترعها و إما سببها و سهل الطريق إليها و قيل معناه بلغ قومك و ربك الأكرم الذي يثيبك على عملك بما يقتضيه كرمه و يقويك و يعينك على حفظ القرآن } «اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ» أي علم الكاتب أن يكتب بالقلم أو علم الإنسان البيان بالقلم أو علم الكتابة بالقلم امتن سبحانه على خلقه بما علمهم من كيفية الكتابة بالقلم لما في ذلك من كثرة الانتفاع فيما يتعلق بالدين و الدنياقال قتادة : القلم نعمة من الله عظيمة لولاه لم يقم دين و لم يصلح عيش و قال بعضهم في وصفه:

لعاب الأفاعي القاتلات لعابه # و أري الجنى اشتارته أيد عواسل.

ـو قيل أراد سبحانه آدم لأنه أول من كتب عن كعب و قيل أول من كتب إدريس عن الضحاك و قيل أراد كل نبي كتب بالقلم لأنه ما علمه إلا بتعليم الله إياه‏} «عَلَّمَ اَلْإِنْسََانَ مََا لَمْ يَعْلَمْ» من أنواع الهدى و البيان و أمور الدين و الشرائع و الأحكام فجميع ما يعلمه الإنسان‏

782

(1) - من جهته سبحانه إما بأن اضطره إليه و إما بأن نصب الدليل عليه في عقله و إما بأن بينه له على ألسنة ملائكته و رسله فكل العلوم على هذا مضاف إليه و في هذا دلالة على أنه سبحانه عالم لأن العلم لا يقع إلا من عالم‏ «كَلاََّ» أي حقا «إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَيَطْغى‏ََ» أي يتجاوز حده و يستكبر على ربه و يعدو طوره‏} «أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى‏ََ» أي لأن رآه نفسه مستغنية عن ربه بعشيرته و أمواله و قوته كأنه قال إنما يطغى من رأى أنه مستغن عن ربه لا من كان غنيا قال قتادة :

كان إذا أصاب مالا زاد في ثيابه و مركبه و طعامه و شرابه فذلك طغيانه و قيل إنها نزلت في أبي جهل هشام من هنا إلى آخر السورة «إِنَّ إِلى‏ََ رَبِّكَ اَلرُّجْعى‏ََ» أي إلى الله مرجع كل أحد أي فهذا الطاغي كيف يطغى بماله و يعصي ربه و رجوعه إليه و هو قادر على إهلاكه و على مجازاته إذا رجع إليه‏}} «أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يَنْهى‏ََ ` عَبْداً إِذََا صَلََّى» هذا تقرير للنبي ص و أعلام له بما يفعله بمن ينهاه عن الصلاة

فقد جاء في الحديث أن أبا جهل قال هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم قالوا نعم قال فبالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته فقيل له ها هو ذلك يصلي فانطلق ليطأ على رقبته فما فجأهم إلا و هو ينكص على عقبيه و يتقي بيديه فقالوا ما لك يا أبا الحكم قال إن بيني و بينه خندقا من نار و هولا و أجنحةو قال نبي الله و الذي نفسي بيده لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا فأنزل الله سبحانه «أَ رَأَيْتَ اَلَّذِي يَنْهى‏ََ» إلى آخر السورة رواه مسلم في الصحيح

و معنى الآية أ رأيت يا محمد من منع من الصلاة و نهى من يصلي عنها ما ذا يكون جزاؤه و ما يكون حاله عند الله تعالى و ما الذي يستحقه من العذاب فحذف لدلالة الكلام عليه و الآية عامة في كل من ينهى عن الصلاة و الخير و

روي عن علي (ع) أنه خرج في يوم عيد فرأى ناسا يصلون فقال يا أيها الناس قد شهدنا نبي الله في مثل هذا اليوم فلم يكن أحد يصلي قبل العيد أو قال النبي ص فقال رجل يا أمير المؤمنين أ لا تنهى أن يصلوا قبل خروج الإمام فقال لا أريد أن أنهي عبدا إذا صلى و لكنا نحدثهم بما شهدنا من النبي ص أو كما قال‏

و معنى أ رأيت هاهنا تعجيب للمخاطب ثم كرر هذه اللفظة تأكيدا في التعجيب فقال‏} «أَ رَأَيْتَ إِنْ كََانَ عَلَى اَلْهُدى‏ََ» يعني العبد المنهي و هو محمد ص «أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى‏ََ» يعني بالإخلاص و التوحيد و مخافة الله تعالى و هاهنا حذف أيضا تقديره كيف يكون حال من ينهاه عن الصلاة و يزجره عنها ثم قال‏} «أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ» أبو جهل «وَ تَوَلََّى» عن الإيمان و أعرض عن قبوله و الإصغاء إليه‏} «أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اَللََّهَ يَرى‏ََ» ما يفعله و يعلم ما يصنعه و التقدير أ رأيت الذي فعل هذا الفعل ما الذي يستحق بذلك من الله تعالى من العقاب و قيل إن تقدير نظم الآية أ رأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى و هو على الهدى آمر بالتقوى و الناهي كاذب مكذب متول عن الإيمان فما أعجب هذا ثم هدده بقوله أ لم يعلم هذا

783

(1) - المكذب فإن لم يعلم فليعلم بأن الله يرى هذا الصنيع الشنيع فيؤاخذه به و في هذا إشارة إلى فعل الطاعة و ترك المعصية ثم قال سبحانه‏} «كَلاََّ» أي لا يعلم ذلك «لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ» يعني أن لم يمتنع أبو جهل عن تكذيب محمد ص و إيذائه «لَنَسْفَعاً بِالنََّاصِيَةِ» أي لنجرن بناصيته إلى النار و هذا كقوله‏ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوََاصِي وَ اَلْأَقْدََامِ و معناه لنذلنه و نقيمنه مقام الأذلة ففي الأخذ بالناصية إهانة و استخفاف و قيل معناه لنغيرن وجهه و نسودنه بالنار يوم القيامة لأن السفع أثر الإحراق بالنار ثم أخبر سبحانه عنه بأنه فاجر خاطئ بأن قال‏} «نََاصِيَةٍ كََاذِبَةٍ خََاطِئَةٍ» وصفها بالكذب و الخطإ بمعنى أن صاحبها كاذب في أقواله خاطئ في أفعاله، لما ذكر الجر بها أضاف الفعل إليها قال ابن عباس : لما أتى أبو جهل رسول الله ص انتهره رسول الله ص فقال أبو جهل أ تنتهرني يا محمد فو الله لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا مني فأنزل الله سبحانه «فَلْيَدْعُ نََادِيَهُ» و هذا وعيد أي فليدع أهل نادية أي أهل مجلسه يعني عشيرته فليستنصر بهم إذا حل عقاب الله به و النادي الفناء قال‏ وَ تَأْتُونَ فِي نََادِيكُمُ اَلْمُنْكَرَ ثم قال‏ «سَنَدْعُ اَلزَّبََانِيَةَ» يعني الملائكة الموكلين بالنار و هم الملائكة الغلاظ الشداد قال ابن عباس : لو دعا نادية لأخذته زبانية النار من ساعته معاينة و قيل إنه إخبار بأنه يدعو إليه الزبانية دعا نادية أم لم يدع و صدق سبحانه ذلك فقتل أبو جهل يوم بدر ثم قال‏} «كَلاََّ» أي ليس الأمر على ما عليه أبو جهل «لاََ تُطِعْهُ» في النهي عن الصلاة «وَ اُسْجُدْ» له عز اسمه «وَ اِقْتَرِبْ» من ثوابه و قيل معناه و تقرب إليه بطاعته و قيل معناه اسجد يا محمد للتقرب منه فإن أقرب ما يكون العبد من الله إذا سجد له و قيل «وَ اُسْجُدْ» أي و صل لله و اقترب من الله‏

و في الحديث عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ص قال أقرب ما يكون العبد من الله إذا كان ساجدا

و قيل المراد به السجود لقراءة هذه السورة و السجود هنا فرض و هو من العزائم‏و

روي عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال العزائم الم تنزل و حم السجدة و النجم إذا هوى و اقرأ باسم ربك و ما عداها في جميع القرآن مسنون و ليس بمفروض‏

784

(1) -

(97) سورة القدر مكية و آياتها خمس (5)

توضيح‏

مكية و قيل مدنية.

عدد آيها

ست آيات مكي و شامي و خمس في الباقين.

اختلافها

آية لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ الثالث مكي شامي.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص من قرأها أعطي من الأجر كمن صام رمضان و أحيا ليلة القدر.

الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ إنا أنزلناه في فريضة من الفرائض نادى مناد يا عبد الله قد غفر لك ما مضى فاستأنف العمل.

سيف بن عميرة عن رجل عن أبي جعفر (ع) قال من قرأ إنا أنزلناه بجهر كان كشاهر سيفه في سبيل الله و من قرأها سرا كان كالمتشحط بدمه في سبيل الله و من قرأها عشر مرات مرت على نحو ألف ذنب من ذنوبه.

تفسيرها

أمر سبحانه بالسجود و التقرب إليه في خاتمة تلك السورة و افتتح هذه السورة بذكر ليلة القدر و إن التقرب فيها إلى الله يزيد على التقرب إليه من سائر الليالي و الأيام فكأنه قال اقترب إليه في سائر الأوقات خصوصا في ليلة القدر و قال أبو مسلم : لما أمره بقراءة القرآن في تلك السورة بين في هذه السورة أن إنزاله في ليلة القدر فقال:

785

(1) -

القراءة

قرأ الكسائي و خلف مطلع بكسر اللام و الباقون بفتح اللام و في الشواذ قراءة ابن عباس و عكرمة و الكلبي من كل امرء .

الحجة

قال أبو علي : مطلع هنا مصدر بدلالة أن المعنى سلام هي حتى وقت طلوعه و إلى وقت طلوعه نحو مقدم الحاج و خفوق النجم المصدر فيه زمانا على تقدير حذف المضاف فالقياس أن يفتح اللام كما أن مصادر سائر ما كان من فعل يفعل مفتوح العين نحو المخرج و المدخل و أما الكسر فلأن المصادر التي ينبغي أن تكون على المفعل ما قد كسر كقولهم علاه المكبر و المعجزة و قوله «من كل امرء» قال ابن جني أنكر أبو حاتم هذه القراءة على أنه حكي عن ابن عباس أنه قال يعني الملائكة قال و لا أدري ما هذا و إنما هو تنزل الملائكة فيها كل آمر كقوله‏ فِيهََا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ` أَمْراً مِنْ عِنْدِنََا و «مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» فتم الكلام ثم استأنف فقال سلام أي هي سلام إلى أن يطلع الفجر و قال قطرب : معناه هي سلام من كل أمر و امرئ و يلزم على قول قطرب أن يقال‏فكيف جاز تقديم معمول المصدر الذي هو سلام عليه و قد عرفنا امتناع جواز تقديم صلة الموصل أو شي‏ء منها عليه و الجواب أن سلاما في الأصل كعمرى مصدر فأما هنا فإنه موضوع اسم الفاعل الذي هو سالمة هي أو مسلمة فكأنه قال من كل أمر سالمة أو مسلمة هي أي هي سالمة أو مسلمة منه.

اللغة

القدر كون الشي‏ء مساويا لغيره من غير زيادة و لا نقصان و قدر الله هذا الأمر يقدره قدرا إذا جعله على مقدار ما تدعو إليه الحكمة و الشهر في الشرع عبارة عما بين هلالين من الأيام و إنما سمي شهرا لاشتهاره بالهلاك و قد يكون الشهر ثلاثين و يكون تسعة و عشرين إذا كان هلاليا فإن لم يكن هلاليا فهو ثلاثون .

الإعراب‏

«خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» تقديره خير من ألف شهر لا ليلة قدر فيه فحذف الصفة و قوله «سَلاََمٌ هِيَ» هي مبتدأ و سلام خبر مقدم عليه و هو بمعنى الفاعل لأنه إذا حمل على المصدر لم يجز تعليق حتى به لأنه لا يفصل بين الصلة و الموصول و مثله قول الشاعر:

فهلا سعيتم سعى عصبة مازن # و هل كفلائي في الوفاء سواء

سواء بمعنى مستو و التقدير فهل كفلائي مستوون في الوفاء لا بد من هذا التقدير لأن‏

786

(1) - سواء لو كانت مصدرا لما تقدم عليه ما في صلته و يجوز تعليق حتى بقوله «تَنَزَّلُ اَلْمَلاََئِكَةُ» و لا يجوز أن يكون هي مبتدأ و تكون حتى نكرة في موضع الخبر لأنه لا فائدة فيه إذ كل ليلة بهذه الصفة و مطلع مجرور بحتى و هو في معنى إلى.

المعنى‏

«إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ» الهاء كناية عن القرآن و إن لم يجر له ذكر لأنه لا يشتبه الحال فيه «فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ» قال ابن عباس : أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم كان ينزله جبريل (ع) على محمد ص نجوما و كان من أوله إلى آخره ثلاث و عشرون سنة و قال الشعبي : معناه أنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر و قال مقاتل :

أنزله من اللوح المحفوظ إلى السفرة و هم الكتبة من الملائكة في السماء الدنيا و كان ينزل ليلة القدر من الوحي على قدر ما ينزل به جبرائيل (ع) على النبي ص في السنة كلها إلى مثلها من القابل‏و الكلام في ليلة القدر على ضروب (فالأول) اختلاف العلماء في معنى هذا الاسم و مأخذه فقيل سميت ليلة القدر لأنها الليلة التي يحكم الله فيها و يقضي بما يكون في السنة بأجمعها من كل أمر عن الحسن و مجاهد و هي الليلة المباركة في قوله‏ إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبََارَكَةٍ لأن الله تعالى ينزل فيها الخير و البركة و المغفرة و روى أبو الضحى عن ابن عباس أنه كان يقضي القضايا في ليلة النصف من شعبان‏ثم يسلمها إلى أربابها في ليلة القدر و قيل ليلة القدر أي ليلة الشرف و الخطر و عظم الشأن من قولهم رجل له قدر عند الناس أي منزلة و شرف و منه‏ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ* أي ما عظموه حق عظمته عن الزهري قال أبو بكر الوراق لأن من لم يكن ذا قدر إذا أحياها صار ذا قدر و قال غيره لأن للطاعات فيها قدرا عظيما و ثوابا جزيلا و قيل سميت ليلة القدر لأنه أنزل فيها كتاب ذو قدر إلى رسول ذي قدر لأجل أمة ذات قدر على يدي ملك ذي قدر و قيل هي ليلة التقدير لأن الله تعالى قدر فيها إنزال القرآن و قيل سميت بذلك لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة من قوله‏ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ عن الخليل بن أحمد (الضرب الثاني) اختلافهم في أنها أية ليلة فذهب قوم إلى أنها إنما كانت على عهد رسول الله ص ثم رفعت و

جاءت الرواية عن أبي ذر أنه قال قلت يا رسول الله ليلة القدر هي شي‏ء تكون على عهد الأنبياء ينزل فيها فإذا قبضوا رفعت قال لا بل هي إلى يوم القيامة

و قيل إنها في ليالي السنة كلها و من علق طلاق امرأته على ليلة القدر لم يقع إلى مضي السنة و هو مذهب أبي حنيفة و في بعض الروايات عن ابن مسعود أنه قال: من يقم الحول كله يصبها فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فقال رحم الله أبا عبد الرحمن أ ما أنه علم أنها في شهر رمضان و لكنه أراد أن لا يتكل الناس و جمهور العلماء على أنها في شهر رمضان في كل سنةثم اختلفوا في.

ـ

787

(1) - أي ليلة هي منه فقيل هي أول ليلة منه عن ابن زيد العقيلي و قيل هي ليلة سبع عشرة منه عن الحسن و روي أنها ليلة الفرقان و في صبيحتها التقى الجمعان و الصحيح أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان و هو مذهب الشافعي و

روي مرفوعا أنه ص قال التمسوها في العشر الأواخر

و

عن علي (ع) أن النبي ص كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من شهر رمضان قال و كان إذا دخل العشر الأواخر دأب و أدأب أهله‏

و

روى أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال كان رسول الله ص إذا دخل العشر الأواخر شد المئزر و اجتنب النساء و أحيا الليل و تفرغ للعبادة

ثم اختلفوا في أنها أية ليلة من العشر فقيل إنها ليلة إحدى و عشرين و هو مذهب أبي سعيد الخدري و اختيار الشافعي

قال أبو سعيد الخدري قال رسول الله ص رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها و رأيتني أسجد في ماء و طين فالتمسوها في العشر الأواخر و التمسوها في كل وتر قال فأبصرت عيناي رسول الله ص انصرف و على جبهته و أنفه أثر الماء و الطين من صبيحة إحدى و عشرين أورده البخاري في الصحيح

و قيل هي ليلة ثلاث و عشرين منه‏

عن عبد الله بن عمر قال جاء رجل إلى النبي ص فقال يا رسول إني رأيت في النوم كان ليلة القدر هي ليلة سابعة تبقى فقال ص: أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث و عشرين فمن كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث و عشرين‏

قال معمر كان أيوب يغتسل ليلة ثلاث و عشرين و يمس طيبا و سأل عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله ص فقال قد علمتم‏

أن رسول الله ص قال في ليلة القدر اطلبوها في العشر الأواخر وترا

ففي أي الوتر ترون فأكثر القوم في الوتر قال ابن عباس فقال لي ما لك لا تتكلم يا ابن عباس فقلت رأيت الله أكثر ذكر السبع في القرآن فذكر السماوات سبعا و الأرضين سبعا و الطواف سبعا و الجمار سبعا و ما شاء الله من ذلك خلق الإنسان سبعة و جعل رزقه في سبعة فقال كل ما ذكرت عرفت فما قولك خلق الإنسان من سبعةو جعل رزقه في سبعة فقلت‏ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ إلى قوله‏ خَلْقاً آخَرَ قرأت‏ أَنََّا صَبَبْنَا اَلْمََاءَ صَبًّا إلى قوله‏ وَ فََاكِهَةً وَ أَبًّا فما أراها إلا ليلة ثلاث و عشرين لسبع بقين فقال عمر عجزتم أن تأتوا بما جاء به هذا الغلام الذي لم يجتمع شؤون رأسه قال و قال عمر وافق رأيي رأيك ثم ضرب منكبي فقال ما أنت بأقل القوم علما و

روى العياشي بإسناده عن زرارة عن عبد الواحد بن المختار الأنصاري قال سألت أبا جعفر (ع) عن ليلة القدر قال في ليلتين ليلة ثلاث و عشرين و إحدى و عشرين فقلت أفرد لي أحدهما فقال و ما عليك أن تعمل في ليلتين هي إحداهما

و

عن شهاب ابن عبد ربه قال قلت لأبي عبد الله (ع) أخبرني بليلة القدر فقال ليلة إحدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين‏

و

عن حماد بن عثمان عن حسان بن أبي علي قال سألت أبا عبد الله (ع) عن ليلة القدر قال اطلبها في تسع عشرة و إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين‏

و

في كتاب من لا

788

(1) - يحضره الفقيه عن علي بن حمزة قال كنت عند أبي عبد الله (ع) فقال له أبو بصير جعلت فداك الليلة التي يرجى فيها ما يرجى أي ليلة هي‏فقال هي ليلة إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين قال فإن لم أقو على كلتيهما فقال ما أيسر ليلتين فيما تطلب قال قلت فربما رأينا الهلال عندنا و جاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك في أرض أخرى فقال ما أيسر أربع ليال فيما تطلب فيها جعلت فداك ليلة ثلاث و عشرين ليلة الجهني قال إن ذلك ليقال قلت جعلت فداك إن سليمان بن خالد روي أن في تسع عشرة يكتب وفد الحاج فقال يا أبا محمد وفد الحاج يكتب في ليلة القدر و المنايا و البلايا و الأرزاق ما يكون إلى مثلها في قابل فاطلبها في إحدى و ثلاث و صل في كل واحدة منها مائة ركعة و أحيهما إن استطعت إلى النور و اغتسل فيهما قال قلت فإن لم أقدر على ذلك و أنا قائم قال فصل و أنت جالس قلت فإن لم أستطع قال فعلى فراشك قلت فإن لم أستطع فقال لا عليك أن تكتحل أول الليل بشي‏ء من النوم إن أبواب السماء تفتح في شهر رمضان و تصفد الشياطين و تقبل أعمال المؤمنين نعم الشهر شهر رمضان كان يسمى على عهد رسول الله ص المرزوق‏

و

في رواية عبد الله بن بكير عن زرارة عن أحدهما قال سألته عن الليالي التي يستحب فيها الغسل في شهر رمضان فقال ليلة تسع عشرة و ليلة إحدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين و قال ليلة ثلاث و عشرين هي ليلة الجهني و حديثه أنه قال لرسول الله ص إن منزلي نأى عن المدينة فمرني بليلة أدخل فيها فأمره بليلة ثلاث و عشرين‏

قال الشيخ أبو جعفر (ره) و اسم الجهني عبد الله بن أنيس الأنصاري و قيل إنها ليلة سبع و عشرين عن أبي بن كعب و عائشة و

روي أن ابن عباس و ابن عمر قالا قال رسول الله ص تحروها ليلة سبع و عشرين‏

و عن زر بن حبيش قال قلت لأبي يا أبا المنذر من أين علمت إنها ليلة سبع و عشرين قال بالآية

789

(1) - التي أنبأ بها رسول الله ص قال تطلع الشمس غداتئذ كأنها طست ليس لها شعاع و قال بعضهم إن الله قسم كلمات السورة على ليالي شهر رمضان فلما بلغ السابعة و العشرين أشار إليها فقال هي و قيل إنها ليلة تسع و عشرين و

روي عن أبي بكرة قال سمعت رسول الله ص يقول التمسوها في العشر الأواخر في تسع بقين أو سبع بقين أو خمس بقين أو ثلاث بقين أو آخر ليلة

و الفائدة في إخفاء هذه الليلة أن يجتهد الناس في العبادة و يحيوا جميع ليالي شهر رمضان طمعا في إدراكها كما أن الله سبحانه أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس و اسمه الأعظم في الأسماء و ساعة الإجابة في ساعات الجمعة (و الضرب الثالث) ذكر بعض ما ورد في فضل هذه الليلة

روى ابن عباس عن النبي أنه قال إذا كان ليلة القدر تنزل الملائكة الذين هم سكان سدرة المنتهى و منهم جبرائيل فينزل جبرائيل (ع) و معه ألوية ينصب لواء منها على قبري و لواء على بيت المقدس و لواء في المسجد الحرام و لواء على طور سيناء و لا يدع فيها مؤمنا و لا مؤمنة إلا سلم عليه إلا مدمن الخمر و آكل لحم الخنزير و المتضمخ بالزعفران‏

عنه ص قال من قام ليلة القدر إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه‏

و

عنه ص قال إن الشيطان لا يخرج في هذه الليلة حتى يضي‏ء فجرها و لا يستطيع فيها على أحد بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد و لا ينفذ فيه سحر ساحر

و

روى الحسن عن النبي ص قال في ليلة القدر إنها ليلة سمحة لا حارة و لا باردة تطلع الشمس في صبيحتها و ليس لها شعاع‏

ثم قال الله سبحانه تعظيما لشأن هذه الليلة و تنبيها لعظم قدرها و شرف محلها} «وَ مََا أَدْرََاكَ مََا لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ» فكأنه قال و ما أدراك يا محمد ما خطر ليلة القدر و ما حرمتها و هذا حث على العبادة فيها ثم فسر سبحانه تعظيمه و حرمته فقال‏} «لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» أي قيام ليلة القدر و العمل فيها خير من قيام ألف شهر ليس فيه ليلة القدر و صيامه عن مقاتل و قتادة و ذلك أن الأوقات إنما يفضل بعضها على بعض بما يكون فيها من الخير من النفع فلما جعل الله الخير الكثير في ليلة القدر كانت خيرا من ألف شهر لا يكون فيها من الخير و البركة ما يكون في هذه الليلة ذكر

عطاء عن ابن عباس قال ذكر لرسول الله ص رجل من بني إسرائيل أنه حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله تعالى ألف شهر فعجب من ذلك رسول الله ص عجبا شديدا و تمنى أن يكون ذلك في أمته فقال يا رب جعلت أمتي أقصر الناس أعمارا و أقلها أعمالا فأعطاه الله ليلة القدر و قال ليلة القدر خير من ألف شهر الذي حمل الإسرائيلي السلاح في سبيل الله لك و لأمتك من بعدك إلى يوم القيامة في كل رمضان‏

ثم أخبر سبحانه بما يكون في تلك الليلة

790

(1) - فقال‏} «تَنَزَّلُ اَلْمَلاََئِكَةُ» أي تتنزل الملائكة «وَ اَلرُّوحُ» يعني جبرائيل «فِيهََا» أي في ليلة القدر إلى الأرض ليسمعوا الثناء على الله و قراءة القرآن و غيرها من الأذكار و قيل ليسلموا على المسلمين بإذن الله أي بأمر الله و قيل ينزلون بكل أمر إلى السماء الدنيا حتى يعلم ذلك أهل السماء الدنيا فيكون لطفا لهم و قال كعب و مقاتل بن حيان الروح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة ينزلون من لدن غروب الشمس إلى طلوع الفجر و قيل الروح هو الوحي كما قال‏ وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا أي تنزل الملائكة و معهم للوحي بتقدير الخيرات و المنافع «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» أي بأمر ربهم كما قال و ما نتنزل إلا بأمر ربك و قيل بعلم ربهم كما قال‏ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ «مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» أي بكل أمر من الخير و البركة كقوله‏ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللََّهِ أي بأمر الله و قيل بكل أمر من أجل و رزق إلى مثلها من العام القابل فعلى هذا يكون الوقف هنا تاما ثم قال‏} «سَلاََمٌ هِيَ حَتََّى مَطْلَعِ اَلْفَجْرِ» أي هذه ليلة إلى آخرها سلامة من الشرور و البلايا و آفات الشيطان و هو تأويل قوله‏ فِي لَيْلَةٍ مُبََارَكَةٍ عن قتادة و قال مجاهد يعني أن ليلة القدر سالمة عن أن يحدث فيها سوء أو يستطيع شيطان أن يعمل فيها و قيل معناه سلام على أولياء الله و أهل طاعته فكلما لقيهم الملائكة في هذه الليلة سلموا عليهم من الله تعالى عن عطاء و الكلبي و قيل إن تمام الكلام عند قوله «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» ثم ابتدأ فقال «مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ` سَلاََمٌ» أي بكل أمر فيه سلامة و منفعة و خير و بركة لأن الله يقدر في تلك الليلة كل ما فيه خير و بركة ثم قال «هِيَ حَتََّى مَطْلَعِ اَلْفَجْرِ» أي السلامة و البركة و الفضيلة تمتد إلى وقت طلوع الفجر و لا يكون في ساعة منها فحسب بل يكون في جميعها و الله أعلم بالصواب.

791

(1) -

(98) سورة البينة مدنية و آياتها ثمان (8)

توضيح‏

و تسمى سورة البرية و سورة القيمة مدنية و قيل مكية.

عدد آيها

تسع آيات بصري ثمان في الباقين.

اختلافها

آية مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ بصري.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأها كان يوم القيامة مع خير البرية مسافرا و مقيما

و

عن أبي الدرداء قال قال رسول الله ص : لو يعلم الناس ما في لم يكن لعطلوا الأهل و المال و تعلموها فقال رجل من خزاعة ما فيها من الأجر يا رسول الله فقال لا يقرأها منافق أبدا و لا عبد في قلبه شك في الله عز و جل و الله إن الملائكة المقربين ليقرءونها منذ خلق الله السماوات و الأرض لا يفترون عن قراءتهاو ما من عبد يقرؤها بليل إلا بعث الله ملائكة يحفظونه في دينه و دنياه و يدعون له بالمغفرة و الرحمة فإن قرأها نهارا أعطي عليها من الثواب مثل ما أضاء عليه النهار و أظلم عليه الليل فقال رجل من قيس عيلان زدنا يا رسول الله من هذا الحديث فداك أبي و أمي فقال ص تعلموا عم يتساءلون و تعلموا ق و القرآن المجيد و تعلموا و السماء ذات البروج و تعلموا و السماء و الطارق فإنكم لو تعلمون ما فيهن لعطلتهم ما أنتم فيه و تعلمتموهن و تقربتم إلى الله بهن و إن الله يغفر بهن كل ذنب إلا الشرك بالله و اعلموا أن تبارك الذي بيده الملك تجادل عن صاحبها يوم القيامة و تستغفر له من الذنوب.

أبو بكر الحضرمي عن أبي جعفر (ع) قال: من قرأ سورة لم يكن كان بريئا من الشرك و أدخل في دين محمد ص و بعثه الله مؤمنا و حاسبه الله حسابا يسيرا

تفسيرها

بين الله سبحانه في سورة القدر أن القرآن حجةثم بين في هذه السورة أن الكفار قبله لم يخلو قط من حجة فقال:

792

(1) -

القراءة

قرأ نافع و ابن ذكوان البريئة مهموزة و الباقون بغير همزة.

الحجة

قال أبو علي البريئة من برأ الله الخلق فالقياس فيه الهمز إلا أنه مما ترك همزةكقولهم النبي و الذرية و الخابية فالهمزة فيه كالرد إلى الأصل المتروك في الاستعمال كما أن همز النبي كذلك و ترك الهمز أجود لأنه لما ترك فيه الهمز صار كرده إلى الأصول المرفوضة مثل ظننوا و همز من همز البريئة يدل على فساد قول من قال إنه من البري الذي هو التراب .

793

(1) -

اللغة

الانفكاك الانفصال عن شدة اتصال قال ذو الرمة :

قلائص ما تنفك إلا مناخة # على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا

و أكثر ما يستعمل ذلك في النفي مثل ما زال تقول ما انفك من هذا الأمر أي ما انفصل منه لشدة ملابسته له و البينة الحجة الظاهرة التي يتميز بها الحق من الباطل و أصلها من البينونة و فصل الشي‏ء من غيره فالنبي ص حجة و بينة و إقامة الشهادة العادلة بينة و كل برهان و دلالة بينة و القيمة المستمرة في جهة الصواب و الحنيف المائل إلى الصواب و الحق و الحنيفية الشريعة المائلة إلى الحق‏و أصله الميل و من ذلك الأحنف المائل القدم إلى جهة القدم الأخرى و قيل أصله الاستقامة و إنما قيل للمائل القدم أحنف على وجه التفاؤل .

الإعراب‏

«رَسُولٌ مِنَ اَللََّهِ» بدل من البينة قبله و قال الفراء هو مستأنف تقديره هو رسول دين القيمة تقديره دين لملة القيمة لأنه إذا لم يقدر ذلك كان إضافة الشي‏ء إلى صفته و ذلك غير جائز لأنه بمنزلة إضافة الشي‏ء إلى نفسه «جَزََاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنََّاتُ عَدْنٍ» أي دخول جنات عدن «خََالِدِينَ فِيهََا» حال من مضمر أي يجزونها خالدين فيها.

المعنى‏

«لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ» يعني اليهود و النصارى «وَ اَلْمُشْرِكِينَ» أي و من المشركين الذين هم عبدة الأوثان من العرب و غيرهم و هم الذين ليس لهم كتاب «مُنْفَكِّينَ» أي منفصلين و زائلين و قيل لم يكونوا منتهين عن كفرهم بالله و عبادتهم غير الله عن ابن عباس في رواية عطاء و الكلبي «حَتََّى تَأْتِيَهُمُ» اللفظ لفظ الاستقبال و معناه المضي كقوله‏ مََا تَتْلُوا اَلشَّيََاطِينُ أي ما تلت و قوله «اَلْبَيِّنَةُ» يريد محمدا ص عن ابن عباس و مقاتل بين سبحانه لهم ضلالهم و شركهم و هذا إخبار من الله تعالى عن الكفار أنهم لم ينتهوا عن كفرهم و شركهم بالله حتى أتاهم محمد ص فبين لهم ضلالهم عن الحق و دعاهم إلى الإيمان و قيل معناه لم يكونوا ليتركوا منفكين من حجج الله حتى تأتيهم البينة التي تقوم بها الحجة عليهم و قوله‏} «رَسُولٌ مِنَ اَللََّهِ» بيان للبينة و تفسير لها أي رسول من قبل الله «يَتْلُوا» عليهم «صُحُفاً مُطَهَّرَةً» يعني مطهرة في السماء لا يمسها إلا الملائكة المطهرون و من الأنجاس عن الحسن و الجبائي و هو محمد ص أتاهم بالقرآن و دعاهم إلى‏

794

(1) - التوحيد و الإيمان‏} «فِيهََا» أي في تلك الصحف «كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» أي مستقيمة عادلة غير ذات عوج تبين الحق من الباطل و قيل مطهرة عن الباطل و الكذب و الزور يريد القرآن عن قتادة و يعني بالصحف ما تتضمنه الصحف من المكتوب فيها و يدل على ذلك أن النبي ص كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن كتاب و قيل معناه رسول من الملائكة يتلو صحفا من اللوح المحفوظ عن أبي مسلم و قيل «فِيهََا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» معناه في هذه الصحف التي هي القرآن كتب قيمة أي إن القرآن يشتمل على معاني الكتب المتقدمة فتاليها تالي الكتب القيمة كما قال‏ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ* فإذا كان مصدقا لها كان تاليا لها و قيل معناه في القرآن كتب قيمة بمعنى أنه يشتمل على أنواع من العلوم كل نوع كتاب قال السدي : فيها فرائض الله العادلة} «وَ مََا تَفَرَّقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنَةُ» يعني و ما اختلف هؤلاء في أمر محمد ص إلا من بعد ما جاءتهم البشارة به في كتبهم و على السنة رسلهم فكانت الحجة قائمة عليهم فكذلك لا يترك المشركون من غير حجة تقوم عليهم و قيل معناه و لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد ص حتى بعثه الله فلما بعث تفرقوا في أمره و اختلفوا فآمن به بعضهم و كفر آخرون ثم ذكر سبحانه ما أمروا به في كتبهم فقال‏} «وَ مََا أُمِرُوا إِلاََّ لِيَعْبُدُوا اَللََّهَ» أي لم يأمرهم الله تعالى إلا لأن يعبدوا الله وحده لا يشركون بعبادته فهذا ما لا تختلف فيه ملة و لا يقع فيه تبدل «مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ» لا يخلطون بعبادته عبادة ما سواه «حُنَفََاءَ» مائلين عن جميع الأديان إلى دين الإسلام مسلمين مؤمنين بالرسل كلهم قال عطية : إذا اجتمع الحنيف و المسلم كان معنى الحنيف الحاج و إذا انفرد كان معناه المسلم و هو قول ابن عباس لأنه قال حنفاء أي حجاجا و قال ابن جبير : لا تسمي العرب حنيفا إلا من حج و اختتن قال قتادة : الحنيفية الختان و تحريم البنات و الأمهات و الأخوات و العمات و الخالات و إقامة المناسك «وَ يُقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُوا اَلزَّكََاةَ» أي و يداوموا على إقامة الصلاة و يخرجوا ما فرض عليهم في أموالهم من الزكاة «وَ ذََلِكَ» يعني الدين الذي قدم ذكره «دِينُ اَلْقَيِّمَةِ» أي دين الكتب القيمة التي تقدم ذكرها و قيل دين الملة القيمة و الشريعة القيمة قال النضر بن شميل سألت الخليل عن هذا فقال القيمة جمع القيم و القيم و القائم واحد فالمراد و ذلك دين القائمين لله بالتوحيد و في هذه الآية دلالة على بطلان مذهب أهل الجبر لأن فيها تصريحا بأنه سبحانه إنما خلق الخلق ليعبدوه و استدل بهذه الآية أيضا على وجوب النية في الطهارة إذ أمر سبحانه بالعبادة على وجه الإخلاص و لا يمكن الإخلاص إلا بالنية و القربة و الطهارة عبادة فلا تجزي بغير نية ثم ذكر سبحانه حال الفريقين فقال‏} «إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ» يعني من جحد توحيد الله و أنكر نبوة نبيه ص و من أشرك‏

795

(1) - معه إلها آخر في العبادة «فِي نََارِ جَهَنَّمَ خََالِدِينَ فِيهََا» لا يفنى عقابهم «أُولََئِكَ هُمْ شَرُّ اَلْبَرِيَّةِ» أي شر الخليقة ثم أخبر عن حال المؤمنين فقال‏} «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ أُولََئِكَ هُمْ خَيْرُ اَلْبَرِيَّةِ» أي خير الخليقة «جَزََاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنََّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ» مر معناه «خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً» أي مؤبدين فيها دائما «رَضِيَ اَللََّهُ عَنْهُمْ» بما قدموه من الطاعات «وَ رَضُوا عَنْهُ» بما جازاهم من الثواب و قيل رضي الله عنهم إذ وحدوه و نزهوه عما لا يليق به و أطاعوه و رضوا عنه إذ فعل بهم ما رجوا من رحمته و فضله «ذََلِكَ» الرضاء و الثواب «لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ» فترك معاصيه و فعل طاعاته و

في كتاب شواهد التنزيل للحاكم أبي القاسم الحسكاني (ره) قال‏أخبرنا أبو عبد الله الحافظ بالإسناد المرفوع إلى يزيد بن شراحيل الأنصاري كاتب علي (ع) قال سمعت عليا (ع) يقول قبض رسول الله ص و أنا مسنده إلى صدري فقال يا علي أ لم تسمع قول الله تعالى «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ أُولََئِكَ هُمْ خَيْرُ اَلْبَرِيَّةِ» هم شيعتك و موعدي و موعدكم الحوض إذا اجتمعت الأمم للحساب يدعون غرا محجلين‏

و فيه عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس في قوله «هُمْ خَيْرُ اَلْبَرِيَّةِ» قال نزلت في علي (ع) و أهل بيته .

796

(1) -

(99) سورة الزلزلة مدنية و آياتها ثمان (8)

توضيح‏

مدنية عن ابن عباس و قتادة مكية عن الضحاك و عطاء .

عدد آياتها

ثمان آيات كوفي و المدني الأول تسع في الباقين.

اختلافها

آية أَشْتََاتاً غير الكوفي و المدني الأول.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال من قرأها فكأنما قرأ البقرة و أعطي من الأجر كمن قرأ ربع القرآن

و

عن أنس بن مالك قال سأل النبي ص رجلا من أصحابه فقال يا فلان هل تزوجت قال لا و ليس عندي ما أتزوج به قال أ ليس معك قل هو الله أحد قال بلى قال ربع القرآن قال أ ليس معك قل يا أيها الكافرون قال بلى قال ربع القرآن قال أ ليس معك إذا زلزلت قال بلى قال ربع القرآن ثم قال تزوج تزوج تزوج‏

و

عن أبي عبد الله (ع) قال لا تملوا من قراءة إذا زلزلت فإن من كانت قراءته في نوافله لم يصبه الله بزلزلة أبدا و لم يمت بها و لا بصاعقة و لا بآفة من آفات الدنيا و إذا مات أمر به إلى الجنة فيقول الله سبحانه عبدي أبحتك جنتي فاسكن منها حيث شئت و هويت لا ممنوع و لا مدفوع عنه.

تفسيرها

ختم الله سبحانه تلك السورة ببيان حال المؤمنين و الكافرين و افتتح هذه السورة ببيان وقت ذلك فقال:

797

(1) -

القراءة

في بعض الروايات عن الكسائي

خيرا يره و شرا يره بضم الياء فيهما و هي رواية أبان عن عاصم أيضا و هي قراءة علي (ع)

و الباقون «يَرَهُ» بفتح الياء في الموضعين إلا أن أبا جعفر و روحا و رويسا قرءوا بضم الهاء ضمة مختلسة غير مشبعة.

الحجة

قال أبو علي من قرأ يره جعل الفعل منقولا من رأيت زيدا إذا أدركته ببصرك و أريته عمرا و بنى الفعل للمفعول و من قرأ «يَرَهُ» فالتقدير ير جزاءه و إثبات الواو في يرهو بعد الهاء هو الوجه كما تقول أكرمهولأن هذه الهاء يتبعها حرف اللين الواو و الياء إذا كان قبلها كسرة أو ياء نحو بهي و عليهي و قد جاء في الشعر نحوه قاله‏

"و نضواي مشتاقان له أرقان".

اللغة

الزلزلة شدة الاضطراب و الزلزال بكسر الزاي المصدر و بفتحها الاسم و زلزلت و رجفت و رجت بمعنى واحد و الأثقال جمع الثقل و سمى سبحانه الموتى أثقالا تشبيها بالحمل الذي يكون في البطن لأن الحمل سمي ثقلا كما قال سبحانه‏ فَلَمََّا أَثْقَلَتْ و تقول العرب إن للسيد الشجاع ثقلا على الأرض فإذا مات سقط عنها بموته ثقل قالت الخنساء ترثي أخاها صخرا :

أ بعد ابن عمرو من آل الشريد # حلت به الأرض أثقالها

عنت بذلك أنه حل عن الأرض ثقل بموته لسؤدده و عزة و قيل معناه زينت موتاها به من الحلية و قال الشمردل اليربوعي يرثي أخاه:

و حلت به أثقالها الأرض و انتهى # لمثواه منها و هو عف شمائله‏

و ذكر ابن السائب أن زهير بن أبي سلمى قال بيتا ثم أكدى فمر به النابغة الذبياني

798

(1) - فقال له يا أبا أمامة أجز قال ما ذا قال:

تزال الأرض إما مت خفا # و تحبا ما حييت بها ثقيلا

نزلت بمستقر العز منها

فما ذا قال فأكدى و الله النابغة الذبياني و أقبل كعب بن زهير و هو غلام فقال له أبوه أجز يا بني قال ما ذا فأنشده فقال كعب

"فتمنع جانبها أن تزولا"

فقال له زهير أنت و الله ابني و أوحى و وحي بمعنى واحد قال العجاج :

"وحي القرار فاستقرت"

.

الإعراب‏

العامل في إذا قوله «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ» و قوله «خَيْراً» منصوب على التمييز و قيل إن العامل في إذا قوله «تُحَدِّثُ أَخْبََارَهََا» و يكون يومئذ تكرارا أي إذا زلزلت الأرض تحدث أخبارها و قيل إن التقدير و قال الإنسان يومئذ ما لها يومئذ تحدث أخبارها فقيل ذلك بأن ربك أوحى لها و تحدث يجوز أن يكون على الخطاب أي تحدث أنت و يجوز أن يكون على تحدث هي.

المعنى‏

خوف الله سبحانه عباده أهوال يوم القيامة فقال «إِذََا زُلْزِلَتِ اَلْأَرْضُ زِلْزََالَهََا» أي إذا حركت الأرض تحريكا شديدا لقيام الساعة زلزالها التي كتب عليها و يمكن أن يكون إنما أضافها إلى الأرض لأنها تعم جميع الأرض بخلاف الزلازل المعهودة التي تختص ببعض الأرض فيكون في قوله «زِلْزََالَهََا» تنبيها على شدتها} «وَ أَخْرَجَتِ اَلْأَرْضُ أَثْقََالَهََا» أي أخرجت موتاها المدفونة فيها تخرجها أحياء للجزاء عن ابن عباس و مجاهد و الجبائي و قيل معناه لفظت ما فيها من كنوزها و معادنها فتلقيها على ظهرها ليراها أهل الموقف و تكون الفائدة في ذلك أن يتحسر العصاة إذا نظروا إليها لأنهم عصوا الله فيها ثم تركوها لا تغني عنهم شيئا و أيضا فإنه تكوى بها جباههم و جنوبهم و ظهورهم‏} «وَ قََالَ اَلْإِنْسََانُ مََا لَهََا» أي و يقول الإنسان متعجبا ما للأرض تتزلزل يعني ما لها حدث فيها ما لم يعرف منها عن أبي مسلم و قيل إن المراد بالإنسان الكافر لأن المؤمن معترف بها لا يسأل عنها أي يقول الكافر الذي لم يؤمن بالبعث أي شي‏ء زلزلها و أصارها إلى هذه الحالة} «يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبََارَهََا» أي تخبر بما عمل عليها و جاء في‏

الحديث أن النبي ص قال أ تدرون ما أخبارها قالوا الله و رسوله أعلم قال أخبارها أن تشهد على كل عبد و أنه بما عمل على ظهرها تقول عمل كذا و كذا يوم كذا و كذا و هذا أخبارها

و على هذا فيجوز أن يكون الله تعالى أحدث الكلام فيها و إنما

799

(1) - نسبه إليها توسعا و مجازا و يجوز أن يقلبها حيوانا يقدر على النطق‏و يجوز أن يظهر فيها ما يقوم مقامه الكلام فعبر عنه بالكلام كما يقال عيناك تشهدان بسهرك و كقول الشاعر

"و قالت له العينان سمعا و طاعة"

و قد مر أمثاله و قوله‏} «بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى‏ََ لَهََا» معناه أن الأرض تحدث بها فتقول إن ربك يا محمد أوحى لها أي ألهمها و عرفها بأن تحدث أخبارها و قيل بأن تلقي الكنوز و الأموات على ظهرها يقال أوحى له و إليه أي ألقي إليه من جهة تخفي قال الفراء تحدث أخبارها بوحي الله و إذنه لها و قال ابن عباس إذن لها لتخبر بما عمل عليهاو

روى الواحدي بإسناده مرفوعا إلى ربيعة الحرشي قال قال رسول الله ص حافظوا على الوضوء و خير أعمالكم الصلاة و تحفظوا من الأرض فإنها أمكم و ليس فيها أحد يعمل خيرا و شرا إلا و هي مخبرة

و

قال أبو سعيد الخدري إذا كنت بالبوادي فارفع صوتك بالأذان فإني سمعت رسول الله ص يقول لا يسمعه جن و لا إنس و لا حجر إلا يشهد له‏

«يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ اَلنََّاسُ أَشْتََاتاً» أي يرجع الناس عن موقف الحساب بعد العرض متفرقين أهل الإيمان على حدة و أهل كل دين على حدة و هذا كقوله و يَوْمَ تَقُومُ اَلسََّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ و قوله‏ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ «لِيُرَوْا أَعْمََالَهُمْ» أي ليروا جزاء أعمالهم عن ابن عباس و المعنى أنهم يرجعون عن الموقف فرقا لينزلوا منازلهم من الجنة و النار و قيل معنى الرؤية هنا المعرفة بالأعمال عند تلك الحال و هي رؤية القلب‏و يجوز أن يكون التأويل على رؤية العين بمعنى ليروا صحائف أعمالهم فيقرءون ما فيها لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها} «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ» أي فمن يعمل وزن ذرة من الخير ير ثوابه و جزاءه‏} «وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» أي ير ما يستحق عليه من العقاب و يمكن أن يستدل بها على بطلان الإحباط لأن الظاهر يدل على أنه لا يفعل أحد شيئا من طاعة أو معصية إلا و يجازي عليها و ما يقع محبطا لا يجازي عليه و ليس لهم أن يقولوا إن الظاهر بخلاف ما تذهبون إليه في جواز العفو عن مرتكب الكبيرة و ذلك لأن الآية مخصوصة بالإجماع فإن التائب معفو عنه بلا خلاف و عندهم أن من شرط المعصية التي يؤاخذ بها أن لا تكون صغيرة فجاز لنا أيضا أن نشرط فيها أن لا يكون مما يعفو الله عنه و قال محمد بن كعب معناه فمن يعمل مثقال ذرة خيرا و هو كافر ير ثوابه في الدنيا في نفسه و أهله و ماله و ولده حتى يخرج من الدنيا و ليس له عند الله خير و من يعمل مثقال ذرة شرا و هو مؤمن ير عقوبته في الدنيا في نفسه و أهله و ماله و ولده حتى يخرج من الدنيا و ليس له عند الله شر و قال مقاتل فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره يوم القيامة في كتابه فيفرح به و كذلك من الشر يراه‏

800

(1) - في كتابه فيسوءه ذلك قال و كان أحدهم يستقل أن يعطي اليسير و يقول إنما نوجر على ما نعطي و نحن نحبه و ليس اليسير مما يحب و يتهاون بالذنب اليسير و يقول إنما وعد الله النار على الكبائر فأنزل الله هذه الآية يرغبهم في القليل من الخير و يحذرهم اليسير من الشر و

عن أبي عثمان المازني عن أبي عبيدة قال قدم صعصعة بن ناجية جد الفرزدق على رسول الله ص في وفد بني تميم فقال بأبي أنت يا رسول الله أوصيني خيرا فقال أوصيك بأمك و أبيك و أدانيك قال زدني يا رسول الله قال احفظ ما بين لحييك و رجليك ثم قال رسول الله ص ما شي‏ء بلغني عنك فعلته فقال يا رسول الله رأيت الناس يمرجون على غير وجه و لم أدر أين الصواب غير أني علمت أنهم ليسوا عليه فرأيتهم يئدون بناتهم فعرفت الله عز و جل لم يأمرهم بذلك فلم أتركهم يئدون‏و فديت ما قدرت و في رواية أخرى أنه سمع «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ` وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» فقال حسبي ما أبالي أن لا أسمع من القرآن غير هذا

و قال عبد الله بن مسعود أحكم آية في القرآن «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ» إلى آخر السورة و كان ص يسميها الجامعة و تصدق سعد بن أبي وقاص بتمرتين فقبض السائل يده فقال سعد ويحك يقبل الله منا مثقال الذرة و الخردلة و كان فيها مثاقيل.

801

(1) -

(100) سورة العاديات مكية و آياتها إحدى عشرة (11)

توضيح‏

مدنية عن ابن عباس و قتادة و قيل مكية.

عدد آياتها

إحدى عشرة آية بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة و شهد جمعا .

سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) قال و من قرأ و العاديات و أدمن قراءتها بعثه الله مع أمير المؤمنين (ع) يوم القيامة خاصة و كان في حجره و رفقائه.

النظم‏

اتصلت هذه السورة بما قبلها لما فيها من ذكر القيامة و الجزاء اتصال النظير بالنظير فقال:

802

(1) -

القراءة

في الشواذ قراءة أبي حياة فأثرن بتشديد الثاء

و قراءة علي (ع) و قتادة و ابن أبي ليلى فوسطن بتشديد السين.

الحجة

قال ابن جني : فأثرن مثل أبدين و أرين نقعا كما يؤثر الإنسان النقش و غيره مما يبديه للناظر و هو من التأثير فالهمزة فاء الفعل و أثرن بالتخفيف من الإثارة فالهمزة مزيدة و قوله «فوسطن» بالتشديد معناه ميزن به جمعا أي جعلته شطرين قسمين و شقين و معنى وسطنه بالتخفيف صرن في وسطه .

اللغة

الضبح في الخيل الحمحمة عند العدو و قيل هو شدة النفس عند العدو و ضبحت الخيل تضبح ضباحا و قيل ضبح و ضبع بمعنى و هو أن يمد ضبعه في السير حتى لا يجد مزيدا و أورى القادح النار يوري إيراء إذا قدح قدحا و تسمى تلك النار نار الحباحب لضعفها قال النابغة :

يقد السلوقي المضاعف نسجه # و يوقدن بالصفاح نار الحباحب

و هو اسم رجل كان بخيلا و كانت ناره ضعيفة لئلا يراها الأضياف فضربوا المثل بناره و شبهوا نار الحوافر بها لقلتها و النقع الغبار يغوص فيه صاحبه كما يغوص في الماء و الكنود الكفور و منه الأرض الكنود و هي التي لا تنبت شيئا و الأصل فيه منع الحق و الخير قال الأعشى :

أحدث لها تحدث لوصلك إنها # كند لوصل الزائر المعتاد

و قيل إنما سميت كندة لقطعها إياها .

النزول‏

قيل بعث رسول الله ص سرية إلى حي من كنانة فاستعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري أحد النقباء فتأخر رجوعهم فقال المنافقون قتلوا جميعافأخبر الله تعالى عنها بقوله وَ اَلْعََادِيََاتِ ضَبْحاً عن مقاتل و قيل‏

نزلت السورة لما بعث النبي ص عليا (ع) إلى ذات‏

803

(1) - السلاسل فأوقع بهم و ذلك بعد أن بعث عليهم مرارا غيره من الصحابة فرجع كل منهم إلى رسول الله ص و هو المروي عن أبي عبد الله (ع) في حديث طويل قال و سميت هذه الغزوة ذات السلاسل لأنه أسر منهم و قتل و سبى و شد أسراهم في الحبال مكتفين كأنهم في السلاسل و لما نزلت السورة خرج رسول الله ص إلى الناس فصلى بهم الغداة و قرأ فيها و العاديات فلما فرغ من صلاته قال أصحابه هذه سورة لم نعرفها فقال رسول الله ص نعم إن عليا ظفر بأعداء الله و بشرني بذلك جبرئيل (ع) في هذه الليلة فقدم علي (ع) بعد أيام بالغنائم و الأسارى.

المعنى‏

«وَ اَلْعََادِيََاتِ ضَبْحاً» قيل هي الخيل في الغزو تعدو في سبيل الله عن ابن عباس و عطاء و عكرمة و الحسن و مجاهد و قتادة و الربيع قالوا أقسم الله بالخيل العادية لغزو الكفار و هي تضبح ضبحا و ضبحها صوت أجوافها إذا عدت ليس بصهيل و لا حمحمة و لكنه صوت نفس‏و قيل‏

هي الإبل حين ذهبت إلى غزوة بدر تمد أعناقها في السير فهي تضبح أي تضبع روي ذلك عن علي (ع)

و ابن مسعود و السدي و روي أيضا أنها إبل الحاج تعدو من عرفة إلى المزدلفة و من المزدلفة إلى منى قالت صفية بنت عبد المطلب :

ألا و العاديات غداة جمع # بأيديها إذا سطع الغبار

و اختلفت الروايات فيه‏

فروي عن أبي صالح أنه قال قاولت فيه عكرمة فقال عكرمة قال ابن عباس هي الخيل في القتال فقلت أنا قال علي (ع) هي الإبل في الحج و قلت مولاي أعلم من مولاك‏

و في‏

رواية أخرى أن ابن عباس قال: هي الخيل أ لا تراه يقول «فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً» فهل تثيره إلا بحوافرها و هل تضبح الإبل إنما تضبح الخيل قال علي (ع) ليس كما قلت لقد رأيتنا يوم بدر و ما معنا إلا فرس أبلق للمقداد بن الأسود

و في‏

رواية أخرى لمرثد بن أبي مرثد الغنوي و روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال بينما أنا في الحجرة جالس إذ أتاني رجل فسأل عن العاديات ضبحا فقلت له الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم و يورون نارهم فانفتل عني‏و ذهب إلى علي بن أبي طالب (ع) و هو تحت سقاية زمزم فسأله عن العاديات ضبحا فقال سألت عنها أحدا قبلي قال نعم سألت عنها ابن عباس فقال الخيل حين تغير في سبيل الله قال فاذهب فادعه لي فلما وقف على رأسه قال تفتي الناس بما لا علم لك به و الله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر و ما كانت معنا إلا فرسان فرس للزبير و فرس للمقداد بن الأسود فكيف تكون العاديات الخيل بل العاديات ضبحا الإبل من عرفة إلى مزدلفة و من مزدلفة إلى منى قال ابن عباس فرغبت عن قولي و رجعت إلى الذي قاله علي (ع)

«فَالْمُورِيََاتِ قَدْحاً» هي الخيل توري النار بحوافرها إذا

804

(1) - صارت في الحجارة و الأرض المحصبة عن عكرمة و الضحاك و قال مقاتل : يقدحن بحوافرهن النار في الحجارة قال ابن عباس : يريد ضرب الخيل بحوافرها الجبل فأورت منه النار مثل الزناد إذا قدح و قال مجاهد : يريد مكر الرجال في الحروب تقول العرب إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه أما و الله لأورين لك بزند وار و لأقدحن لك و خالف المصدر فيها صدر الكلام و مجازه فالقادحات قدحا و قيل هي النيران بجمع عن محمد بن كعب و قيل هي ألسنة الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به عن عكرمة } «فَالْمُغِيرََاتِ صُبْحاً» يريد الخيل تغير بفرسانها على العدو وقت الصبح و إنما ذكر وقت الصبح لأنهم كانوا يسيرون إلى العدو ليلا فيأتونهم صبحا هذا قول الأكثرين و قيل يريد الإبل ترتفع بركبانها يوم النحر من جمع إلى منى و السنة أن لا ترتفع بركبانها حتى تصيح و الإغارة سرعة السير و منه قولهم أشرق ثبير كيما نغير عن محمد بن كعب } «فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً» يقال ثار الغبار و الدخان و أثرته أي هيجته و الهاء في به عائد إلى معلوم يعني بالمكان أو بالوادي المعنى فهيجن بمكان عدوهن غبارا «فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً» أي صرن بعدوهن أو بذلك المكان وسط جمع العدو و هم الكتيبة و قال محمد بن كعب : يريد جمع منى } «إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ» هذا جواب القسم و الكنود الكفور الجحود لنعم الله عن ابن عباس و قتادة و الحسن و مجاهد و قيل هو بلسان كندة و حضرموت العاصي و بلسان مضر و ربيعة و قضاعة الكفور عن الكلبي و قيل هو الذي يعد المصائب و ينسى النعم عن الحسن أخذه بعض الشعراء فقال:

يا أيها الظالم في فعله # و الظلم مردود على من ظلم

إلى متى أنت و حتى متى # تشكو المصيبات و تنسى النعم‏

و

روى أبو أمامة عن النبي ص أنه قال أ تدرون من الكنود قالوا الله و رسوله أعلم قال الكنود الذي يأكل وحده و يمنع رفده و يضرب عبده‏

و قيل الكنود الذي لا يعطي في النائبة مع قومه عن عطاء و قيل هو القليل الخير عن أبي عبيدة } «وَ إِنَّهُ عَلى‏ََ ذََلِكَ لَشَهِيدٌ» معناه و إن الله على كفره لشهيد عن ابن عباس و قتادة و عطاء و قيل أن الهاء تعود إلى الإنسان و المعنى أن الإنسان شاهد على نفسه يوم القيامة بكنوده أو في الدنيا فإنك لو سألته عن النعمة لم يذكر أكثرها و يذكر جميع مصائبه و هو معنى قول الحسن } «وَ إِنَّهُ» يعني الإنسان «لِحُبِّ اَلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ» أي لأجل حب الخير الذي هو المال أي من أجله لبخيل شحيح يمنع منه حق الله تعالى عن الحسن يقال للبخيل شديد و متشدد قال طرفة :

805

(1) -

أرى الموت يعتام الكرام و يصطفي # عقيلة مال الفاحش المتشدد

و قيل معناه و إنه لشديد الحب للخير أي المال عن الفراء و قال ابن زيد : سمى الله سبحانه المال خيرا و عسى أن يكون خبيثا و حراما و لكن لأن الناس يعدونه خيرا فكذلك سمي الجهاد سوءا فقال‏ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ أي قتال و ليس هو عند الله بسوء لأن الناس يسمونه سوءا و قال سبحانه على وجه التذكير و الوعيد} «أَ فَلاََ يَعْلَمُ» هذا الإنسان الذي وصفناه «إِذََا بُعْثِرَ مََا فِي اَلْقُبُورِ» أي بعث الموتى و نشروا و أخرجوا و مثله بحثر} «وَ حُصِّلَ مََا فِي اَلصُّدُورِ» أي ميزوا بين ما فيها من الخير و الشرو قيل معناه و أظهر ما أخفته الصدور ليجازي على السر كما يجازي على العلانية} «إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ» قال الزجاج : الله سبحانه خبير بهم في ذلك اليوم و في غيره و لكن المعنى أن الله يجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم و ليس يجازيهم إلا بعلمه بأحوالهم و أعمالهم و مثله قوله‏ أُولََئِكَ اَلَّذِينَ يَعْلَمُ اَللََّهُ مََا فِي قُلُوبِهِمْ و معناه أولئك الذين لا يترك الله مجازاتهم و في هذا إشارة إلى الزجر و الوعيد فإن الإنسان متى علم أن خالقه يرى جميع أعماله و يعلم سائر أفعاله و يحقق ذلك لا بد أن ينزجر عن المعاصي.

806

(1) -

(101) سورة القارعة مكية و آياتها إحدى عشرة (11)

عدد آيها

إحدى عشرة آية كوفي حجازي ثمان بصري شامي.

اختلافها

ثلاث آيات‏ اَلْقََارِعَةُ الأولى كوفي‏ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ و خَفَّتْ مَوََازِينُهُ كلتاهما حجازي كوفي.

فضلها

في حديث أبي من قرأها ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة.

عمرو بن ثابت عن أبي جعفر (ع) قال من قرأ القارعة آمنه الله من فتنة الدجال أن يؤمن به و من قيح جهنم يوم القيامة.

تفسيرها

اتصلت هذه السورة بما قبلها اتصال النظير بالنظير فإن كلتيهما في ذكر القيامة فقال سبحانه:

807

(1) -

القراءة

روي عن أبي عمرو أنه أمال «القارعة» و قرأ حمزة و يعقوب ما هي في الوصل و الباقون «مََا هِيَهْ» بإثبات الهاء و لم يختلفوا في الوقف أنها بالهاء.

الحجة

قال أبو علي : إمالة القارعة و إن كان المستعلي فيه مفتوحا جائزة و ذلك أن كسرة الراء غلبت عليها فإمالتها و قد أمالت ما تباعد عنها نحو قادر و زعم سيبويه أن ذلك لغة قوم ترضى عربيتهم و كذلك طارد و غارم و طاهر و كل ذلك تجوز إمالته إذا كانت الراء مكسورة و قال سيبويه : و ينشد أصحاب هذه اللغة:

عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر # بمنهمر جون الرباب سكوب‏

و أما قوله «مََا هِيَهْ» فيوقف عندها لأنها فاصلة و الفواصل مواضع وقوف كما أن أواخر الأبيات كذلك و هذا مما يقوي حذف الياء من‏ يَسْرِ و ما أشبهه أ لا ترى أنهم حذفوا الياء من نحو قوله:

و لأنت تفري ما خلقت و بعض # القوم يخلق ثم لا يفري.

اللغة

القارعة البلية التي تقرع القلب بشدة المخافة و القرع الضرب بشدة الاعتماد قرع يقرع قرعا و منه المقرعة و تقارع القوم في القتال إذا تضاربوا بالسيوف و القرعة كالضرب بالفال و قوارع الدهر دواهيه و الفراش الجراد الذي ينفرش و يركب بعضه بعضا و هو غوغاء الجراد عن الفراء و المبثوث المتفرق في الجهات كأنه محمول على الذهاب فيها و البث التفريق و أبثثته الحديث إذا ألقيته إليه كأنك فرقته بأن جعلته عند اثنين و العهن الصوف ذو الألوان يقال عهن و عهنة و عيشة راضية مرضية بمعنى المفعول و قيل معناه ذات رضى كقولهم فلان نابل أي ذو نبل قال:

و غررتني و زعمت أنك # لابن بالصيف تأمر

أي ذو لبن و تمر و قال النابغة :

808

(1) -

كليني لهم يا أميمة ناصب # و ليل أقاسيه بطي‏ء الكواكب‏

أي ذي نصب و الهاوية من أسماء جهنم و هي المهواة التي لا يدرك قعرها .

الإعراب‏

«اَلْقََارِعَةُ» مبتدأ و ما مبتدأ ثان و ما بعده خبره و كان حقه القارعة ما هي لكنه سبحانه كرر تفخيما لشأنها و مثله قوله‏ لاََ أُقْسِمُ بِهََذَا اَلْبَلَدِ ` وَ أَنْتَ حِلٌّ بِهََذَا اَلْبَلَدِ و الجملة خبر المبتدأ الأول و يجوز أن يكون قوله «اَلْقََارِعَةُ» مبتدأ و يكون الناس خبره بمعنى أن القارعة تحدث في هذا اليوم فيكون قوله «مَا اَلْقََارِعَةُ ` وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْقََارِعَةُ» اعتراضا و يجوز أن يكون التقدير هذا الأمر يقع يوم يكون الناس كالفراش المبثوث.

المعنى‏

«اَلْقََارِعَةُ» اسم من أسماء يوم القيامة لأنها تقرع القلوب بالفزع و تقرع أعداء الله بالعذاب‏} «مَا اَلْقََارِعَةُ» هذا تعظيم لشأنها و تهويل لأمرها و معناه و أي شي‏ء القارعة ثم عجب نبيه ص فقال‏} «وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْقََارِعَةُ» يقول إنك يا محمد لا تعلم حقيقة أمرها و كنه وصفها على التفصيل و إنما تعلمها على سبيل الإجمال ثم بين سبحانه أنها متى تكون فقال‏} «يَوْمَ يَكُونُ اَلنََّاسُ كَالْفَرََاشِ اَلْمَبْثُوثِ» شبه الناس عند البعث بما يتهافت في النار و قال قتادة : هذا هو الطائر الذي يتساقط في النار و السراج و قال أبو عبيدة : هو طير ينفرش ليس بذباب و لا بعوض لأنهم إذا بعثوا ماج بعضهم إلى بعض فالفراش إذا ثار لم يتجه إلى جهة واحدة فدل ذلك على أنهم يفزعون عند البعث فيختلفون في المقاصد على جهات مختلفة و هذا مثل قوله‏ كَأَنَّهُمْ جَرََادٌ مُنْتَشِرٌ «وَ تَكُونُ اَلْجِبََالُ كَالْعِهْنِ اَلْمَنْفُوشِ» و هو الصوف المصبوغ المندوف و المعنى أن الجبال تزول عن أماكنها و تصير خفيفة السير ثم ذكر سبحانه أحوال الناس فقال‏} «فَأَمََّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ» أي رجحت حسناته و كثرت خيراته‏} «فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ» أي معيشة ذات رضى يرضاها صاحبها} «وَ أَمََّا مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ» أي خفت حسناته و قلت طاعاته و القول في حقيقة الوزن و الميزان و الاختلاف في ذلك قد مضى ذكره فيما سبق من الكتاب و قد ذكر سبحانه الحسنات في الموضعين و لم يذكر وزن السيئات لأن الوزن عبارة عن القدر و الخطر و السيئة لا خطر لها و لا قدر و إنما الخطر و القدر للحسنات فكان المعنى فأما من عظم قدره عند الله لكثرة حسناته و من خف قدره عند الله لخفة حسناته «فَأُمُّهُ هََاوِيَةٌ» أي فمأواه جهنم و مسكنه النار و إنما سماها أمه لأنه يأوي إليها كما يأوي الولد إلى أمه و لأن الأصل السكون إلى الأمهات قال قتادة : هي كلمة عربية كان الرجل إذا وقع‏

809

(1) - في أمر شديد قيل هوت أمه و قيل إنما قال «فَأُمُّهُ هََاوِيَةٌ» لأن العاصي يهوي إلى أم رأسه في النار عن أبي صالح و قيل أنه يهوي فيها و هي المهواة لا يدرك قعرها ثم قال سبحانه‏} «وَ مََا أَدْرََاكَ مََا هِيَهْ» هذا تعظيم و تفخيم لأمرها يريد أنك لا تعلم تفصيلها و أنواع ما فيها من العقاب و إن كنت تعلمها على طريق الجملة و الهاء في هيه للوقف‏ثم فسرها فقال‏} «نََارٌ حََامِيَةٌ» أي نار حارة شديدة الحرارة.

810

(1) -

(102) سورة التكاثر مكية و آياتها ثمان (8)

توضيح‏

مدنية و قيل مكية ثمان آيات بالإجماع.

فضلها

في حديث أبي و من قرأها لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم عليه في دار الدنيا و أعطي من الأجر كأنما قرأ ألف آية.

شعيب العقرقوفي عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ سورة ألهاكم التكاثر في فريضة كتب له ثواب و أجر مائة شهيد و من قرأها في نافلة كان له ثواب خمسين شهيدا و صلى معه في فريضته أربعون صفا من الملائكة.

و

عن درست عن أبي عبد الله (ع) قال قال رسول الله ص من قرأ ألهاكم التكاثر عن النوم وقى فتنة القبر.

تفسيرها

أخبر الله سبحانه في تلك السورة عن صفة القيامة و ذكر في هذه السورة من ألهاه عنها التكاثر فقال:

القراءة

قرأ ابن عامر و الكسائي

لترون بضم التاء و روي ذلك عن علي (ع)

و الباقون «لَتَرَوُنَّ» بالفتح.

811

(1) -

الحجة

قال أبو علي : من قال لترون بضم التاء فإن رأى فعل يتعدى إلى مفعول واحد تقول رأيت الهلال كما تقول لبست ثوبك فإذا نقلت الفعل بالهمزة زاد مفعول آخر تقول أريت زيدا الهلال فإذا بنيت هذا الفعل للمفعول قلت أري زيد الهلال و كذلك «لَتَرَوُنَّ اَلْجَحِيمَ» .

اللغة

الإلهاء الصرف إلى اللهو و اللهو الانصراف إلى ما يدعو إليه الهوى يقال لها يلهو لهوا و لهي عن الشي‏ء يلهى و منه قولهم فإذا استأثر الله بشي‏ء فاله عنه و التكاثر التفاخر بكثرة المناقب يقال تكاثر القوم إذا تعادوا ما لهم من المناقب و الزيارة إتيان الموضع كإتيان المألوف على غير إقامة زاره يزوره زيارة و منه زور تزويرا إذا شبه الخط بما يوهم أنه خط فلان و ليس به و المزورة من ذلك اشتقت و الفرق بين النعيم و النعمة أن النعمة كالإنعام في التضمين لمعنى منعم أنعم إنعاما و نعمة و كلاهما موجب للشكر و النعيم ليس كذلك لأنه من نعم نعيما فلو عمل ذلك بنفسه لكان نعيما لا يوجب شكرا و أما النعمة بفتح النون فمن نعم بضم العين إذا لان .

ـ

الإعراب‏

كلا حرف و ليس باسم و تضمنه معنى ارتدع لا يدل على أنه كصه بمعنى اسكت و مه بمعنى اكفف أ لا ترى أن أما تتضمن معنى مهما يكن من شي‏ء و هو حرف فكذا كلا ينبغي أن يكون حرفا «كَلاََّ لَوْ تَعْلَمُونَ» جواب لو محذوف و تقديره لما ألهاكم التكاثر. و «عِلْمَ اَلْيَقِينِ» مصدر و قيل هو قسم و التقدير و علم اليقين لترون الجحيم أي عذاب الجحيم فحذف لأن رؤيتها ليس بوعيد و إن الوعيد برؤية عذابها و تقديره في الإعراب علم الخبر اليقين فحذف المضاف و مثله حب الحصيد و لا يجوز الهمز في واو «لَتَرَوُنَّ» و «لَتَرَوُنَّهََا» على قياس أثؤب في أثوب و أعد في وعد لأن الضمة هنا عارضة لالتقاء الساكنين و ليست بلازمة و أما «عَيْنَ اَلْيَقِينِ» فانتصابه انتصاب المصدر أيضا كما تقول رأيته حقا و تبينته يقينا و الرؤية هنا بمعنى المشاهدة كما قال سبحانه‏ وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا .

النزول‏

قيل نزلت السورة في اليهود قالوا نحن أكثر من بني فلان و بنو فلان أكثر من بني فلان ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا عن قتادة و قيل نزلت في فخذ من الأنصار تفاخروا عن أبي بريدة و قيل نزلت في حيين من قريش بني عبد مناف بن قصي و بني سهم بن عمرو تكاثروا و عدوا أشرافهم فكثرهم بنو عبد مناف ثم قالوا نعد موتانا حتى زاروا القبور فعدوهم و قالوا هذا قبر فلان و هذا قبر فلان فكثرهم بنو سهم لأنهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية عن مقاتل و الكلبي .

812

(1) -

المعنى‏

«أَلْهََاكُمُ اَلتَّكََاثُرُ» أي شغلكم عن طاعة الله و عن ذكر الآخرة التكاثر بالأموال و الأولاد و التفاخر بكثرتهما} «حَتََّى زُرْتُمُ اَلْمَقََابِرَ» أي حتى أدرككم الموت على تلك الحال عن الحسن و قتادة و قال الجبائي : حتى متم على ذلك و لم تتوبوا و قيل ألهاكم التباهي بكثرة المال و العدد عن تدبر أمر الله حتى عددتم الأموات في القبور و

روى قتادة عن مطرف بن عبد الله الشخير عن أبيه قال انتهيت إلى رسول الله ص و هو يقول «أَلْهََاكُمُ اَلتَّكََاثُرُ» السورة قال يقول ابن آدم مالي مالي و ما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت‏أو تصدقت فأمضيت أورده مسلم في الصحيح

ثم رد الله تعالى عليهم هذا فقال‏} «كَلاََّ» أي ليس الأمر الذي ينبغي أن تكونوا عليه التكاثر ثم أوعدهم فقال «سَوْفَ تَعْلَمُونَ» ثم أكد ذلك و كرره فقال‏} «ثُمَّ كَلاََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ» قال الحسن و مقاتل : هو وعيد بعد وعيد و المعنى سوف تعلمون عاقبة تباهيكم و تكاثركم إذا نزل بكم الموت و قيل معناه سوف تعلمون في القبر ثم سوف تعلمون في الحشر

رواه زر بن حبيش عن علي (ع) قال ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت «أَلْهََاكُمُ اَلتَّكََاثُرُ» إلى قوله «كَلاََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ» يريد في القبر «ثُمَّ كَلاََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ» بعد البعث‏

و قيل إن المعنى «كَلاََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ» إذا رأيتم دار الأبرار «ثُمَّ كَلاََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ» إذا رأيتم دار الفجار و العرب تؤكد بكلا و حقا} «كَلاََّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ» هذا كلام آخر يقول لو تعلمون الأمر علما يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التفاخر و التباهي بالعز و الكثرةو علم اليقين هو العلم الذي يثلج به الصدر بعد اضطراب الشك فيه و لهذا لا يوصف الله بأنه متيقن ثم استأنف سبحانه وعيدا آخر فقال‏} «لَتَرَوُنَّ اَلْجَحِيمَ» على نية القسم عن مقاتل يعني حين تبرز الجحيم في القيامة قبل دخولهم إليها} «ثُمَّ لَتَرَوُنَّهََا» يعني بعد الدخول إليها «عَيْنَ اَلْيَقِينِ» كما يقال حق اليقين و محض اليقين و معناه ثم لترونها بالمشاهدة إذا دخلتموها و عذبتم بها} «ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ اَلنَّعِيمِ» قال مقاتل : يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير و النعمة فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه إذ لم يشكروا رب النعيم حيث عبدوا غيره و أشركوا به ثم يعذبون على ترك الشكر و هذا قول الحسن قال لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار و قال الأكثرون: أن المعنى ثم لتسئلن يا معاشر المكلفين عن النعيم قال قتادة : إن الله سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه‏و قيل عن النعيم في المأكل و المشرب و غيرهما من الملاذ عن سعيد بن جبير و قيل النعيم الصحة و الفراغ عن عكرمة و يعضده ما

رواه ابن عباس عن النبي ص قال نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة و الفراغ‏

و

قيل هو الأمن و الصحة عن عبد الله بن مسعود و مجاهد و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع)

و قيل يسأل عن كل نعيم إلا ما خصه الحديث و هو

قوله ثلاث لا يسأل‏

813

(1) - عنها العبد خرقة يواري بها عورته أو كسرة يسد بها جوعته أو بيت يكنه من الحر و البرد

و

روي أن بعض الصحابة أضاف النبي ص مع جماعة من أصحابه فوجدوا عنده تمرا و ماء باردا فأكلوا فلما خرجوا قال هذا من النعيم الذي تسألون عنه‏

و

روى العياشي بإسناده في حديث طويل قال سأل أبو حنيفة أبا عبد الله (ع) عن هذه الآية فقال له ما النعيم عندك يا نعمان قال القوت من الطعام و الماء البارد فقال لئن أوقفك الله يوم القيامة بين يديه حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها و شربة شربتها ليطولن وقوفك بين يديه قال فما النعيم جعلت فداك‏قال نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد و بنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين و بنا ألف الله بين قلوبهم و جعلهم إخوانا بعد أن كانوا أعداء و بنا هداهم الله للإسلام و هي النعمة التي لا تنقطع و الله سائلهم عن حق النعيم الذي أنعم الله به عليهم و هو النبي ص و عترته‏

814

(1) -

(103) سورة العصر مكية و آياتها ثلاث (3)

توضيح‏

مكية ثلاث آيات بالإجماع.

اختلافها

آيتان‏ وَ اَلْعَصْرِ غير المكي و المدني الأخير بِالْحَقِّ مكي و المدني الأخير.

فضلها

في‏

حديث أبي و من قرأها ختم الله له بالصبر و كان مع أصحاب الحق يوم القيامة.

الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ و العصر في نوافله بعثه الله يوم القيامة مشرقا وجهه ضاحكا سنة قريرة عينه حتى يدخل الجنة.

تفسيرها

ختم الله سبحانه تلك السورة بوعيد من ألهاه التكاثر و افتتح هذه السورة بمثل ذلك و هو أن الإنسان لفي خسر إلا المؤمن الصالح فقال سبحانه:

اللغة

أصل العصر عصر الثوب و نحوه و هو فتله لإخراج مائه و منه عصر الدهر فإنه الوقت الذي يمكن فيه فتل الأمور كما يفتل الثوب و العصر العشي قال:

يروح بنا عمرو و قد قصر العصر # و في الروحة الأولى الغنيمة و الأجر

و العصران الغداة و العشي و العصران الليل و النهار قال:

815

(1) -

و لن يلبث العصران يوم و ليلة # إذا طلبا أن يدركا ما تيمما

.

الإعراب‏

أراد بالإنسان الجمع دون المفرد بدلالة أنه استثنى منه الذين آمنوا و روى بعضهم عن أبي عمرو «وَ تَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ» على لغة من قال مررت ببكر.

المعنى‏

«وَ اَلْعَصْرِ» أقسم سبحانه بالدهر لأن فيه عبرة لذوي الأبصار من جهة مرور الليل و النهار على تقدير الأدوار و هو قول ابن عباس و الكلبي و الجبائي و قيل هو وقت العشي عن الحسن و قتادة فعلى هذا أقسم سبحانه بالطرف الأخير من النهار لما في ذلك من الدلالة على وحدانية الله تعالى بإدبار النهار و إقبال الليل و ذهاب سلطان الشمس كما أقسم بالضحى و هو الطرف الأول من النهار لما فيه من حدوث سلطان الشمس و إقبال النهار و أهل الملتين يعظمون هذين الوقتين و قيل أقسم بصلاة العصر و هي الصلاة الوسطى عن مقاتل و قيل هو الليل و النهار و يقال لهما العصران عن ابن كيسان } «إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ» هذا جواب القسم و الإنسان اسم الجنس و المعنى أنه لفي نقصان لأنه ينقص عمره كل يوم و هو رأس ماله فإذا ذهب رأس ماله و لم يكتسب به الطاعة يكون على نقصان طول دهره و خسران إذ لا خسران أعظم من استحقاق العقاب الدائم و قيل لفي خسر أي في هلكة عن الأخفش «إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ» استثنى من جملة الناس المؤمنين المصدقين بتوحيد الله العاملين بطاعة الله «وَ تَوََاصَوْا بِالْحَقِّ» أي وصى بعضهم بعضا باتباع الحق و اجتناب الباطل و قيل الحق القرآن عن الحسن و قتادة و قيل هو الإيمان و التوحيد عن مقاتل و قيل هو أن يقولوا عند الموت لمخلفيهم‏ لاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ «وَ تَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ» أي وصى بعضهم بعضا بالصبر على تحمل المشاق في طاعة الله عن الحسن و قتادة و بالصبر عن معاصي الله أي فإن هؤلاء ليسوا في خسر بل هم في أعظم ربح و زيادة يربحون الثواب باكتساب الطاعات و إنفاق العمر فيها فكان رأس مالهم باق‏كما أن التاجر إذا خرج رأس المال من يده و ربح عليه لم يعد ذلك ذهابا و قيل «لَفِي خُسْرٍ» معناه لفي عقوبة و غبن من فوت أمهله و منزله في الجنة و قيل المراد بالإنسان الكافر خاصة و هو أبو جهل و الوليد بن المغيرة و في هذه السورة أعظم دلالة على إعجاز القرآن أ لا ترى أنها مع قلة حروفها تدل على جميع ما يحتاج الناس إليه في الدين علما و عملا و في وجوب التواصي بالحق و الصبر إشارة إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الدعاء إلى التوحيد و العدل و أداء الواجبات و الاجتناب عن المقبحات و قيل أن في قراءة ابن مسعود

و العصر إن الإنسان لفي خسر و أنه فيه إلى آخر الدهر و روي ذلك عن علي (ع) .

816

(1) -

(104) سورة الهمزة مكية و آياتها تسع (9)

توضيح‏

مكية و هي تسع آيات بالإجماع.

فضلها

و

في حديث أبي من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد ص و أصحابه.

أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ ويل لكل همزة في فريضة من فرائضه نفت عنه الفقر و جلبت عليه الرزق و تدفع عنه ميتة السوء.

تفسيرها

أجمل سبحانه في تلك السورة أن الإنسان لفي خسر و فصل في هذه السورة تلك الجملة فقال:

القراءة

قرأ أهل البصرة و ابن كثير و نافع و عاصم «جَمَعَ» بالتخفيف و الباقون جمع بالتشديد «مُؤْصَدَةٌ» و ذكرناه في سورة البلد و قرأ أهل الكوفة غير حفص في عمد بضمتين و الباقون «فِي عَمَدٍ» بفتح العين و الميم.

817

(1) -

الحجة

قال أبو الحسن : المثقلة أكثر تقول فلان يجمع المال من هنا و من هنا قال أبو عمرو : و جمع خفيفة إذا أكثر و إذا ثقل فإنما هو شي‏ء بعد شي‏ء قال أبو علي : و قد يجوز أن يكون جمع لما يجمع فيما قرب من الوقت و لم يجمع شيئا بعد شي‏ء قال سبحانه‏ وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ فَجَمَعْنََاهُمْ جَمْعاً و قال الأعشى :

و لمثل الذي جمعت لريب الدهر # لا مسند و لا زمال‏

و الأشبه أن تكون أداة الحرب لا تجمع في وقت واحد و إنما هو شي‏ء بعد شي‏ء فيجوز على هذا أن يكون شيئا بعد شي‏ء في قول من خفف كما تقول ذلك في قول من ثقل و من قرأ عمد جعله جمعا لعمود مثل قدوم و قدم و زبور و زبر و من قال «عَمَدٍ» فإنه جمع عمود أيضا كما قالوا أفق و أدم و أهب في جمع أفيق و أديم و إهاب و هذا اسم من أسماء الجمع غير مستمر و قد قالوا حارس و حرس و غائب و غيب و خادم و خدم و رائح و روح و هو في أنه غير مطرد مثل عمد.

ـ

اللغة

الهمزة الكثير الطعن على غيره بغير حق العائب له بما ليس بعيب و أصل الهمز الكسر فكان العائب بعيبه إياه و طعنه فيه يكسره و يهمزه و قيل لأعرابي أ تهمز الفأرة قال السنور تهمزها و كان الهمز في الكلام نبرة كالطعنة بقوة اعتمادها و اللمز العيب أيضا و الهمزة و اللمزة بمعنى و قد قيل بينهما فرق فإن الهمزة الذي يعيبك بظهر الغيب و اللمزة الذي يعيبك في وجهك عن الليث و قيل الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء لفظه و اللمزة الذي يكسر عينه على جليسه و يشير برأسه و يومئ بعينه و يقال لمزة يلمزه و يلمزه بكسر الميم و ضمها و رجل لماز و لمزة و هماز و همزة قال زياد الأعجم :

تدلي بودي إذا لاقيتني كذبا # و إن تغيبت كنت الهامز اللمزة

و الحطمة الكثير الحطم أي الأكل و رجل حطمة أكول و حطم الشي‏ء إذا كسره و أذهبه قال:

قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل و لا غنم‏

و فعلة بناء المبالغة في صفة من يكثر منه الفعل و يصير عادة له تقول رجل نكحة كثير النكاح و ضحكة كثير الضحك و كذا همزة و لمزة و فعلة ساكنة العين يكون للمفعول به .

818

(1) -

الإعراب‏

«اَلَّذِي جَمَعَ» في موضع جر على البدل من همزة و لا يجوز أن يكون صفة لأنه معرفة و يجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار أعني و في موضع رفع على إضمار هو و في حرف عبد الله ويل للهمزة اللمزة فعلى هذا الوجه يكون صفة. «لَيُنْبَذَنَّ» يعني الجامع للمال و روي في الشواذ عن الحسن لينبذان يعني الجامع و المال. و «نََارُ اَللََّهِ» تقديره هي نار الله.

المعنى‏

«وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» هذا وعيد من الله سبحانه لكل مغتاب غياب مشاء بالنميمة مفرق بين الأحبة عن ابن عباس و عنه أيضا قال: الهمزة الطعان و اللمزة المغتاب و قيل الهمزة المغتاب و اللمزة الطعان عن سعيد بن جبير و قتادة و قيل الهمزة الذي يطعن في الوجه بالعيب و اللمزة الذي يغتاب عند الغيبة عن الحسن و أبي العالية و عطاء بن أبي رباح و قيل الهمزة الذي يهمز الناس بيده و يضربهم و اللمزة الذي يلمزهم بلسانه و بعينه عن ابن زيد «اَلَّذِي جَمَعَ مََالاً وَ عَدَّدَهُ» أي أحصاه عن الفراء و قيل عدده للدهور فيكون من العدة عن الزجاج يقال أعددت الشي‏ء و عددته إذا أمسكته و قيل جمع مالا من غير حله و منعه من حقه و أعده ذخرا لنوائب دهره عن الجبائي و قيل أن الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة و كان يغتاب النبي ص من ورائه و يطعن عليه في وجهه عن مقاتل و قيل نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي و كان يلمز الناس و يغتابهم عن الكلبي ثم ذكر سبحانه طول أمله فقال‏} «يَحْسَبُ أَنَّ مََالَهُ أَخْلَدَهُ» أي يظن أن ماله الذي جمعه يخلده في الدنيا و يمنعه من الموت فأخلده في معنى يخلده‏لأن قوله «يَحْسَبُ» يدل عليه و إنما قال ذلك و إن كان الموت معلوما عند جميع الناس لأنه يعمل عمل من يتمنى ذلك و قيل «أَخْلَدَهُ» بمعنى أوجب إخلاده و هذا كما يقال هلك فلان إذا حدث به سبب الهلاك و إن لم يقع هلاكه بعد ثم قال سبحانه‏} «كَلاََّ» أي لا يخلده ماله و لا يبقى له و قيل معناه ليس الأمر كما حسب و قيل معناه حقا «لَيُنْبَذَنَّ فِي اَلْحُطَمَةِ» أي ليقذفن و يطرحن من وصفناه في الحطمة و هي اسم من أسماء جهنم قال مقاتل : و هي تحطم العظام و تأكل اللحوم حتى تهجم على القلوب ثم قال سبحانه‏} «وَ مََا أَدْرََاكَ مَا اَلْحُطَمَةُ» تفخيما لأمرها ثم فسرها بقوله‏} «نََارُ اَللََّهِ اَلْمُوقَدَةُ» أي المؤججة أضافها سبحانه إلى نفسه ليعلم أنها ليست كسائر النيران ثم وصفها بالإيقاد على الدوام‏} «اَلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى اَلْأَفْئِدَةِ» أي تشرف على القلوب فيبلغها ألمها و حريقها و قيل معناه أن هذه النار تخرج من الباطن إلى الظاهر بخلاف نيران الدنيا «إِنَّهََا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ» يعني أنها على أهلها مطبقة يطبق أبوابها عليهم تأكيدا للإياس عن الخروج‏} «فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» و هي جمع عمود و قال أبو عبيدة :

كلاهما جمع عماد قال و هي أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار و قال مقاتل : أطبقت‏

819

(1) - الأبواب عليهم ثم شدت بأوتاد من حديد من نار حتى يرجع إليهم غمها و حرها فلا يفتح عليهم باب و لا يدخل عليهم روح و قال الحسن : يعني عمد السرادق في قوله‏ أَحََاطَ بِهِمْ سُرََادِقُهََا فإذا مدت تلك العمد أطبقت جهنم على أهلها نعوذ بالله منها و قال الكلبي : في عمد مثل السواري ممددة مطولة تمد عليهم و قال ابن عباس : هم في عمد أي في أغلال في أعناقهم يعذبون بها و

روى العياشي بإسناده عن محمد بن النعمان الأحول عن حمران بن أعين عن أبي جعفر (ع) قال أن الكفار و المشركين يعيرون أهل التوحيد في النار و يقولون ما نرى توحيدكم أغنى عنكم شيئا و ما نحن و أنتم إلا سواء قال فيأنف لهم الرب تعالى فيقول للملائكة اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله ثم يقول للنبيين اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله‏ثم يقول للمؤمنين اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله و يقول الله أنا أرحم الراحمين أخرجوا برحمتي كما يخرج الفراش قال ثم قال أبو جعفر (ع) ثم مدت العمد و أوصدت عليهم و كان و الله الخلود.

820

(1) -

(105) سورة الفيل مكية و آياتها خمس (5)

توضيح‏

مكية خمس آيات بالإجماع.

فضلها

في حديث أبي من قرأها عافاه الله أيام حياته في الدنيا من المسخ و القذف.

أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ في الفريضة أ لم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل شهد له يوم القيامة كل سهل و جبل و مدر بأنه كان من المصلين و ينادي يوم القيامة مناد صدقتم على عبدي قبلت شهادتكم له أو عليه أدخلوا عبدي الجنة و لا تحاسبوه فإنه ممن أحبه و أحب عمله و من أكثر قراءة لإيلاف قريش بعثه الله يوم القيامة على مركب من مراكب الجنة حتى يقعد على موائد النور يوم القيامة.

تفسيرها

ذكر الله سبحانه في تلك السورة ما أعده من العذاب لمن عاب الناس و اغتابهم و ركن إلى الدنيا و بين في هذه السورة ما فعله بأصحاب الفيل قال:

القراءة

في الشواذ قراءة أبي عبد الرحمن أ لم تر بسكون الراء.

الحجة

قال ابن جني : أن هذا السكون بابه الشعر دون القرآن لما فيه من استهلاك‏

821

(1) - الحرف و الحركة قبله يعني الألف و الفتحة من ترى أنشد أبو زيد :

"قالت سليمى اشتر لنا سويقا"

يريد اشتر و أنشد:

قد حج في ذا العام من كان رجا # فاكتر لنا كري صدق فالنجا

و احذر فلا تكتر كريا أعرجا # علجا إذا سار بنا عفنججا

فحذف كسرة اكتر في الموضعين.

اللغة

أبابيل جماعات في تفرقة زمرة زمرة و لا واحد لها في قول أبي عبيدة و الفراء كعباديد و قال الكسائي : واحدها أبول مثل عجول و زعم أبو جعفر الرواسي أنه سمع في واحدها إبالة .

الإعراب‏

«كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ» منصوب بفعل على المصدر أو على الحال من الرب و التقدير أ لم تر أي فعل فعل ربك أو أ منتقما فعل ربك بهم أم مجازيا و نحو ذلك و الجملة التي هي كيف فعل ربك سدت مسد مفعولي ترى.

ـ

قصة أصحاب الفيل

أجمعت الرواة على أن ملك اليمن الذي قصد هدم الكعبة هو أبرهة بن الصباح الأشرم و قيل أن كنيته أبو يكسوم قال الواقدي : هو صاحب النجاشي جد النجاشي الذي كان على عهد رسول الله ص و قال محمد بن يسار أقبل تبع حتى نزل على المدينة فنزل بوادي قبا فحفر بها بئرا يدعى اليوم بئر الملك قال و بالمدينة إذ ذاك يهود و الأوس و الخزرج فقاتلوه و جعلوا يقاتلونه بالنهار فإذا أمسى أرسلوا إليه بالضيافة فاستحيا و أراد صلحهم فخرج إليه رجل من الأوس يقال له أحيحة بن جلاح و خرج إليه من اليهود بنيامين القرظي فقال أحيحة :

أيها الملك نحن قومك و قال بنيامين : هذه بلدة لا تقدر على أن تدخلها و لو جهدت قال و لم قال لأنها منزل نبي من الأنبياء يبعثه الله من قريش قال ثم خرج يسير حتى إذا كان من مكة على ليلتين بعث الله عليه ريحا فقصفت يديه و رجليه و شنجت جسده فأرسل إلى من معه من اليهود فقال ويحكم ما الذي أصابني قالوا حدثت نفسك بشي‏ء قال نعم و ذكر ما أجمع عليه من هدم البيت و إصابة ما فيه قالوا ذلك بيت الله الحرام و من أراده هلك قال‏ويحكم و ما

822

(1) - المخرج مما دخلت فيه قالوا تحدث نفسك بأن تطوف به و تكسوه و تهدي له فحدث نفسه بذلك فأطلقه الله ثم سار حتى دخل مكة فطاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة و كسا البيت و ذكر الحديث في نحره بمكة و إطعامه الناس ثم رجوعه إلى اليمن و قتله و خروج ابنه إلى قيصر و استغاثته به فيما فعل قومه بأبيه و أن قيصر كتب له إلى النجاشي ملك الحبشة و أن النجاشي بعث له ستين ألفا و استعمل عليهم روزبه حتى قاتلوا حمير أبيه و دخلوا صنعاء فملكوها و ملكوا اليمن و كان في أصحاب روزبه رجل يقال له أبرهة و هو أبو يكسوم فقال لروزبه : إني أولى بهذا الأمر منك و قتله مكرا و أرضى النجاشي ثم أنه بني كعبة باليمن و جعل فيها قبابا من ذهب فأمر أهل مملكته بالحج إليها يضاهي بذلك البيت الحرام و إن رجلا من بني كنانة خرج حتى قدم اليمن فنظر إليها ثم قعد فيها يعني لحاجة الإنسان فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة فيهافقال من اجترأ علي بهذا و نصرانيتي لأهدمن ذلك البيت حتى لا يحجه حاج أبدا و دعا بالفيل و أذن قومه بالخروج و من اتبعه من أهل اليمن و كان أكثر من اتبعه منهم عك و الأشعرون و خثعم قال ثم خرج يسير حتى إذا كان ببعض طريقه بعث رجلا من بني سليم ليدعو الناس إلى حج بيته الذي بناه فتلقاه أيضا رجل من الحمس من بني كنانة فقتله فازداد بذلك حنقا و حث السير و الانطلاق و طلب من أهل الطائف دليلا فبعثوا معه رجلا من هذيل يقال له نفيل فخرج بهم يهديهم حتى إذا كانوا بالمغمس نزلوه و هو من مكة على ستة أميال فبعثوا مقدماتهم إلى مكة فخرجت قريش عباديد في رءوس الجبال و قالوا لا طاقة لنا بقتال هؤلاء و لم يبق بمكة غير عبد المطلب بن هاشم أقام على سقايته و غير شيبة بن عثمان بن عبد الدار أقام على حجابة البيت فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادتي الباب ثم يقول:

لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك # لا يغلبوا بصليبهم و محالهم عدوا محالك

لا يدخلوا البلد الحرام إذا فأمر ما بدا لك‏

ثم إن مقدمات أبرهة أصابت نعما لقريش فأصابت فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم فلما بلغه ذلك خرج حتى أتى القوم و كان حاجب أبرهة رجلا من الأشعرين و كانت له بعبد المطلب معرفة فاستأذن له على الملك و قال له أيها الملك جاءك سيد قريش الذي يطعم إنسها في الحي و وحشها في الجبل فقال له ائذن له و كان عبد المطلب رجلا جسيما جميلا فلما رآه أبو يكسوم أعظمه أن يجلسه تحته و كره أن يجلسه معه على سريره فنزل من سريره‏

823

(1) - فجلس على الأرض و أجلس عبد المطلب معه ثم قال ما حاجتك قال حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدمتك فقال أبو يكسوم و الله لقد رأيتك فأعجبتني ثم تكلمت فزهدت فيك فقال و لم أيها الملك قال لأني جئت إلى بيت عزكم و منعتكم من العرب و فضلكم في الناس و شرفكم عليهم و دينكم الذي تعبدون فجئت لأكسره و أصيبت لك مائتا بعير فسألتك عن حاجتك فكلمتني في إبلك و لم تطلب إلى في بيتكم فقال له عبد المطلب : أيها الملك أنا أكلمك في مالي‏و لهذا البيت رب هو يمنعه لست أنا منه في شي‏ء فراع ذلك أبا يكسوم و أمر برد إبل عبد المطلب عليه ثم رجع و أمست ليلتهم تلك الليلة كالحة نجومها كأنها تكلمهم كلاما لاقترابها منهم فأحست نفوسهم بالعذاب و خرج دليلهم حتى دخل الحرم و تركهم و قام الأشعرون و خثعم فكسروا رماحهم و سيوفهم و برءوا إلى الله أن يعينوا على هدم البيت فباتوا كذلك بأخبث ليلة ثم أدلجوا بسحر فبعثوا فيلهم يريدون أن يصبحوا بمكة فوجهوه إلى مكة فربض فضربوه فتمرغ فلم يزالوا كذلك حتى كادوا أن يصبحوا ثم أنهم أقبلوا على الفيل فقالوا لك الله أن لا نوجهك إلى مكة فانبعث فوجهوه إلى اليمن راجعا فتوجه يهرول فعطفوه حين رأوه منطلقا حتى إذا ردوه إلى مكانه الأول ربض فلما رأوا ذلك عادوا إلى القسم فلم يزالوا كذلك يعالجونه حتى إذا كان مع طلوع الشمس طلعت عليهم الطير معها الحجارة فجعلت ترميهم و كل طائر في منقاره حجر و في رجليه حجران‏و إذا رمت بذلك مضت و طلعت أخرى فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلا خرقه و لا عظم إلا أوهاه و ثقبه و تاب أبو يكسوم راجعا قد أصابته بعض الحجارة فجعل كلما قدم أرضا انقطع له فيها أرب حتى إذا انتهى إلى اليمن لم يبق شي‏ء إلا باده فلما قدمها تصدع صدره و انشق بطنه فهلك و لم يصب من الأشعرين و خثعم أحد قال و كان عبد المطلب يرتجز و يدعو على الحبشة يقول:

يا رب لا أرجو لهم سواكا # يا رب فامنع منهم حماكا

إن عدو البيت من عاداكا # إنهم لم يقهروا قواكا

قال و لم تصب تلك الحجارة أحدا إلا هلك و ليس كل القوم أصابت و خرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاءوا و يسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق و قال نفيل في ذلك:

ردينة لو رأيت و لن ترينه # لدى جنب المحصب ما رأينا

824

(1) - حمدت الله إذ عاينت طيرا # و خفت حجارة تلقى علينا

و كل القوم يسأل عن نفيل # كان علي للحبشان دينا

و قال مقاتل بن سليمان : السبب الذي جر أصحاب الفيل إلى مكة هو أن فئة من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي فساروا حتى دنوا من ساحل البحر و في حقف من أحقافها بيعة للنصارى تسميها قريش الهيكل و يسميها النجاشي و أهل أرضه ماسرخشان فنزل القوم فجمعوا حطبا ثم أججوا نارا و اشتروا لحما فلما ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف فذهبت الرياح بالنار فاضطرم الهيكل نارا فغضب النجاشي لذلك فبعث أبرهة لهدم الكعبة و روى‏

العياشي بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال أرسل الله على أصحاب الفيل طيرا مثل الخطاف و نحوه في منقاره حجر مثل العدسة فكان يحاذي برأس الرجل فيرميه بالحجارة فيخرج من دبره‏فلم تزل بهم حتى أتت عليهم قال فأفلت رجل منهم فجعل يخبر الناس بالقصة فبينا هو يخبرهم إذ أبصر طيرا فقال هذا هو منها قال فحاذى فطرحه على رأسه فخرج من دبره‏

و قال عبيد بن عمير الليثي : لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل فبعث عليهم طيرا نشأت من البحر كأنها الخطاطيف كل طير منها معه ثلاثة أحجار ثم جاءت حتى صفت على رءوسهم ثم صاحت و ألقت ما في أرجلها و مناقيرها فما من حجر وقع منها على رجل إلا خرج من الجانب الآخر و إن وقع على رأسه خرج من دبره و إن وقع على شي‏ء من جسده خرج من الجانب الآخر و عن عكرمة عن ابن عباس قال دعا الله الطير الأبابيل فأعطاها حجارة سودا عليها الطين فلما حاذت بهم رمتهم فما بقي أحد منهم إلا أخذته الحكة و كان لا يحك الإنسان منهم جلدا إلا تساقط لحمه قال و كانت الطير نشأت من قبل البحر لها خراطيم الطيور و رءوس السباع لم تر قبل ذلك و لا بعده‏

ـ

المعنى‏

خاطب الله سبحانه نبيه ص تنبيها على عظم الآية التي أظهرهاو المعجزة التي فعلها فقال «أَ لَمْ تَرَ» أي أ لم تعلم يا محمد لأنه ص لم ير ذلك و قيل معناه أ لم تخبر عن الفراء «كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحََابِ اَلْفِيلِ » الذي قصدوا تخريب الكعبة و كان معهم فيل واحد اسمه محمود عن مقاتل و قيل ثمانية أفيال عن الضحاك و قيل اثنا عشر فيلا عن الواقدي و إنما وحد لأنه أراد الجنس و كان ذلك في العام الذي ولد فيه رسول الله ص و عليه أكثر العلماء و قيل كان أمر الفيل قبل مولد النبي ص بثلاث و عشرين سنة عن الكلبي و قيل كان قبل مولده بأربعين سنة عن مقاتل و الصحيح الأول و يدل عليه ما ذكر أن عبد الملك بن مروان قال لعتاب بن أشيم الكناني الليثي يا عتاب أنت أكبر أم رسول الله ص قال عتاب رسول الله ص

825

(1) - أكبر مني و أنا أسن منه ولد رسول الله ص عام الفيل و وقعت على روث الفيل و قالت عائشة :

رأيت قائد الفيل و سائقه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان‏ «أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ» معناه أ لم يجعل إرادتهم السوء و احتيالهم في تخريب البيت الحرام و قتل أهله و سبيهم و استباحتهم في تضليل عما قصدوا إليه ضل سعيهم حتى لم يصلوا إلى ما أرادوه بكيدهم و قيل في تضليل أي في ذهاب و بطلان‏} «وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبََابِيلَ» أي أقاطيع يتبع بعضها بعضا كالإبل المؤبلة قال الأعشى :

طريق و جبار رواء أصوله # عليه أبابيل من الطير تنعب‏

و قال امرؤ القيس :

تراهم إلى الداعي سراعا كأنهم # أبابيل طير تحت داجن مدجن‏

و كانت لها خراطيم كخراطيم الطير و أكف كأكف الكلاب عن ابن عباس و قيل لها أنياب كأنياب السباع عن الربيع و قيل طير خضر لها مناقير صفر عن سعيد بن جبير و قيل طير سود بحرية تحمل في مناقيرها و أكفها الحجارة عن عبيد الله بن عمير و قتادة و يمكن أن يكون بعضها خضرا و بعضها سودا} «تَرْمِيهِمْ بِحِجََارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ» أي تقذفهم بحجارة صلبة شديدة ليست من جنس الحجارة و قد فسرنا السجيل في سورة هود و ما جاء من الأقوال فيه فلا معنى لإعادته و قال موسى بن عائشة : كانت الحجارة أكبر من العدسة و أصغر من الحمصة و قال عبد الله بن مسعود : صاحت الطير فرمتهم بالحجارة فبعث الله ريحا فضربت الحجارة فزادتها شدة فما وقع منها حجر على رجل إلا خرج من الجانب الآخر فإن وقع على رأسه خرج من دبره‏} «فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ» أي كزرع و تبن قد أكلته الدواب ثم راثته فديست و تفرقت أجزاؤه شبه الله تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث قال الحسن : كنا و نحن غلمان بالمدينة نأكل الشعير إذا قصب و كان يسمى العصف و قال أبو عبيدة : العصف ورق الزرع قال الزجاج :

أي جعلهم كورق الزرع الذي جز و أكل أي وقع فيه الأكال و كان هذا من أعظم المعجزات القاهرات و الآيات الباهرات في ذلك الزمان أظهره الله تعالى ليدل على وجوب معرفته و فيه إرهاص لنبوة نبينا ص لأنه ولد في ذلك العام و قال قوم من المعتزلة أنه كان معجزة لنبي من الأنبياء في ذلك الزمان و ربما قالوا هو خالد بن سنان و نحن لا نحتاج إلى ذلك لأنا نجوز

826

(1) - إظهار المعجزات على غير الأنبياء من الأئمة و الأولياء و فيه حجة لائحة قاصمة لظهور الفلاسفة و الملحدين المنكرين للآيات الخارقة للعادات فإنه لا يمكن نسبة شي‏ء مما ذكره الله تعالى من أمر أصحاب الفيل إلى طبع و غيره كما نسبوا الصيحة و الريح العقيم و الخسف و غيرهما مما أهلك الله تعالى به الأمم الخالية إلى ذلك‏إذ لا يمكنهم أن يروا في أسرار الطبيعة إرسال جماعات من الطير معها أحجار معدة مهياة لهلاك أقوام معينين قاصدات إياهم دون من سواهم فترميهم بها حتى تهلكهم و تدمر عليهم حتى لا يتعدى ذلك إلى غيرهم و لا يشك من له مسكة من عقل و لب أن هذا لا يكون إلا من فعل الله تعالى مسبب الأسباب و مذلل الصعاب و ليس لأحد أن ينكر هذا لأن نبينا ص لما قرأ هذه السورة على أهل مكة لم ينكروا ذلك بل أقروا به و صدقوه مع شدة حرصهم على تكذيبه و اعتنائهم بالرد عليه و كانوا قريبي العهد بأصحاب الفيل فلو لم يكن لذلك عندهم حقيقة و أصل لأنكروه و جحدوه و كيف و أنهم قد أرخوا بذلك كما أرخوا ببناء الكعبة و موت قصي بن كعب و غير ذلك و قد أكثر الشعراء ذكر الفيل و نظموه و نقلته الرواة عنهم فمن ذلك ما قاله أمية بن أبي الصلت :

إن آيات ربنا بينات # ما يماري فيهن إلا الكفور

حبس الفيل بالمغمس حتى # ظل يحبو كأنه معقور

و قال عبد الله بن عمرو بن مخزوم :

أنت الجليل ربنا لم تدنس # أنت حبست الفيل بالمغمس

من بعد ما هم بشي‏ء مبلس # حبسته في هيئة المكركس‏

أي المنكس قال ابن الرقيات في قصيدة:

و استهلت عليهم الطير بالجندل # حتى كأنه مرجو.