مجمع البيان في تفسير القرآن - ج10

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
870 /
827

(1) -

(106) سورة قريش مكية و آياتها أربع (4)

توضيح‏

مكية خمس آيات حجازي أربع آيات عند غيرهم.

اختلافها

آية مِنْ جُوعٍ حجازي.

فضلها

في حديث أبي من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة و اعتكف بها

و

روى العياشي بإسناده عن المفضل بن صالح عن أبي عبد الله (ع) قال سمعته يقول لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلا ( الضحى و أ لم نشرح و أ لم تر كيف و لإيلاف قريش ) .

و

عن أبي العباس عن أحدهما (ع) قال ( أ لم تر كيف فعل ربك و لإيلاف قريش ) سورة واحدة

و روي أن أبي بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه. و قال عمرو بن ميمون الأزدي صليت المغرب خلف عمر بن الخطاب و قرأ في الأولى (و التين) و في الثانية ( أ لم تر كيف و لإيلاف قريش ) .

تفسيرها

و لما ذكر سبحانه عظيم نعمته على أهل مكة بما صنعه بأصحاب الفيل قال عقيب ذلك:

828

(1) -

القراءة

قرأ أبو جعفر ليلاف قريش بغير همز إلافهم مختلسة الهمزة ليس بعدها ياء و قرأ ابن عامر لئلاف قريش مختلسة الهمزة ليس بعدها ياء «إِيلاََفِهِمْ» مشبعة الهمزة في الحرفين بعدها ياء. و قرأ ابن فليح لإيلاف قريش الفهم ساكنة اللام ليس بعدها ياء و قرأ الآخرون «لِإِيلاََفِ قُرَيْشٍ ` إِيلاََفِهِمْ» مشبعة الهمزة في الحرفين بعدها ياء.

الحجة

قال أبو علي : قال أبو عبيدة ألفته و آلفته لغتان أنشد أبو زيد :

من المولفات الرمل أدماء حرة # شعاع الضحى في جيدها يتوضح‏

و أنشد غيره:

ألف الصفون فلا يزال كأنه # مما يقوم على الثلاث كسيرا

و قال آخر:

زعمتم أن إخوتكم قريش # لهم إلف و ليس لكم إلاف‏

و الألف و الآلاف مصدر ألف و الإيلاف مصدر آلف.

ـ

اللغة

الإيلاف إيجاب الألف بحسن التدبير و التلطف يقال ألف يألف ألفا و آلفه يؤلفه إيلافا إذا جعله يألف فالإيلاف نقيض الإيحاش و نظيره الإيناس و ألف الشي‏ء لزومه على عادة في سكون النفس إليه . و الرحلة حال السير على الراحلةو هي الناقة القوية على السير و منه‏

الحديث المروي الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة

و الرحل متاع السفر و الارتحال احتمال الرحل للسير في السفر .

الإعراب‏

قال أبو الحسن الأخفش اللام في قوله «لِإِيلاََفِ قُرَيْشٍ » يتعلق بقوله «كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ» أي فعلنا ذلك بهم لتأتلف قريش رحلتها و قال الزجاج معناه أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش و ما قد ألفوا من رحلة الشتاء و الصيف قال أبو علي اعترض معترض فقال إنما جعلوا كعصف مأكول لكفرهم و لم يجعلوا كذلك لتألف قريش قال و ليس هذا الاعتراض بشي‏ء لأنه يجوز أن يكون المعنى أهلكوا لكفرهم و لما أدى إهلاكهم إلى أن تألف قريش جاز كقوله تعالى‏ «لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» و هم لم يلتقطوه لذلك فلما آل‏

829

(1) - الأمر إليه حسن أن يجعله علة الالتقاطو قال الخليل و سيبويه فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش أي ليجعلوا عبادتكم شكرا لهذه النعمة و اعترافا بها و قيل هو على أ لم تر كيف فعل ربك لإيلاف قريش عن الفراء لأنه سبحانه ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة .

المعنى‏

«لِإِيلاََفِ قُرَيْشٍ » أي فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش مضافة إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء و الصيف فكأنه قال نعمة إلى نعمة فتكون اللام مؤدية معنى إلى و هو قول الفراء و قيل معناه فعلنا ذلك لتألف قريش بمكة و يمكنهم المقام بها أو لتؤلف قريشا فإنهم هابوا من أبرهة لما قصدها و هربوا منه فأهلكناهم لترجع قريش إلى مكة و يألفوا بها و يولد محمد ص فيبعث إلى الناس بشيرا و نذيرا و قوله‏} «إِيلاََفِهِمْ» ترجمة عن الأول و بدل منهم «رِحْلَةَ اَلشِّتََاءِ وَ اَلصَّيْفِ» منصوبة بوقوع إيلافهم عليها و تحقيقه أن قريشا كانت بالحرم آمنة من الأعداء أن تهجم عليهم فيه‏و أن يعرض لهم أحد بالسوء إذا خرجت منها لتجارتها و الحرم واد جديب إنما كانت تعيش قريش فيه بالتجارة و كانت لهم رحلتان في كل سنة رحلة في الشتاء إلى اليمن لأنها بلاد حامية و رحلة في الصيف إلى الشام لأنها بلاد باردة و لو لا هاتان الرحلتان لم يمكنهم به مقام و لو لا الأمن لم يقدروا على التصرف فلما قصد أصحاب الفيل مكة أهلكهم الله لتألف قريش هاتين الرحلتين اللتين بهما معيشتهم و مقامهم بمكة و قيل إن كلتا الرحلتين كانت إلى الشام و لكن رحلة الشتاء في البحر و أيلة طلب للدفأ و رحلة الصيف إلى الشام لأنها بلاد باردة و لو لا هاتين الرحلتين لم يمكنهم مقام و لو لا الأمن لم يقدروا على التصرف فلما قصد أصحاب الفيل مكة أهلكهم الله لتألف قريش هاتين الرحلتين اللتين بهما معيشتهم و مقامهم بمكة و قيل إن كلتا الرحلتين كانت إلى الشام و لكن رحلة الشتاء في البحر و أيلة طلب للدفأ و رحلة الصيف إلى بصري و أذرعات طلبا للهواء و أما قريش فهم ولد النضر بن كنانة فكل من ولده النضر فهو قرشي و من لم يلده النضر فليس بقرشي و اختلف في تسميتهم بهذا الاسم فقيل سموا قريشا للتجارة و طلب المال و جمعه و كانوا أهل تجارة و لم يكونوا أصحاب ضرع و لا زرع و القرش المكسب يقال هو يقرش لعياله أي يكتسب لهم و ذكر أنه قيل لابن عباس لم سميت قريش قريشا فقال لدابة تكون في البحر من أعظم دوابه يقال لها القريش لا تمر بشي‏ء من الغث و السمين إلا أكلته قيل أ فتنشد في ذلك شيئا فأنشد قول الجمحي :

و قريش هي التي تسكن البحر # بها سميت قريش قريشا

830

(1) - تأكل الغث و السمين و لا # تترك فيه لدى الحناجر ريشا

و كانت قريش تعيش بتجارتهم و رحلتهم و كان لا يتعرض لهم أحد بسوء و كانوا يقولون قريش سكان حرم الله و ولاة بيته قال الكلبي و كان أول من حمل الميرة من الشام و رحل إليها الإبل هاشم بن عبد مناف و يصدقه قول الشاعر:

تحمل هاشم ما ضاق عنه # و أعيا أن يقوم به ابن بيض

أتاهم بالغرائر متأقات # من أرض الشام بالبر النفيض

فوسع أهل مكة من هشيم # و شاب البر باللحم الغريض‏

و

قال سعيد بن جبير مر رسول الله ص و معه أبو بكر بملإ و هم ينشدون:

يا ذا الذي طلب السماحة و الندى # هلا مررت بآل عبد الدار

لو أن مررت بهم تريد قراهم # منعوك من جهد و من إقتار

فقال لأبي بكر أ هكذا قال الشاعر فقال لا و الذي بعثك بالحق بل قال:

يا ذا الذي طلب السماحة و الندى # هلا مررت بآل عبد مناف

لو أن مررت بهم تريد قراهم # منعوك من جهد و من إيجاف

الرائشين و ليس يوجد رائش # و القائلين هلم للأضياف

و الخالطين غنيهم بفقيرهم # حتى يصير فقيرهم كالكافي

و القائلين بكل وعد صادق # و رجال مكة مسنتين عجاف

سفرين سنهما له و لقومه # سفر الشتاء و رحلة الأصياف‏

«فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هََذَا اَلْبَيْتِ» هذا أمر من الله سبحانه أي فليوجهوا عبادتهم إلى رب‏

831

(1) - هذه الكعبة و يوحدوه و هو الله سبحانه‏} «اَلَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ» بما سبب لهم من الأرزاق في رحلة الشتاء و الصيف و أعطاهم من الأموال «وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» فلا يتعرض لهم أحد في سفرهم إذا قالوا نحن أهل حرم الله و قيل آمنهم من خوف الغارة بالحرم الذي جبلت قلوب الناس على تعظيمه لأنهم كانوا يقولون في الجاهلية نحن قطان حرم الله فلا يتعرض لهم و إن كان الرجل ليصاب في الحي من أحياء العرب فيقال هو حرمي فيخلي عنه و عن ماله تعظيما للحرم و كان غيرهم إذا خرج أغير عليه‏و قيل «أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ» أي من بعد جوع كما يقال كسوتك من بعد عري يعني ما كانوا فيه من الجوع قال ابن عباس كانوا في ضر و مجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين فلم يكن بنو أب أكثر مالا و لا أعز من قريش .

832

(1) -

(107) سورة الماعون مكية و آياتها سبع (7)

توضيح‏

و تسمى سورة الماعون مكية و قال الضحاك مدنية و قيل بعضها مكي و بعضها مدني.

عدد آيها

سبع عراقي و ست في الباقين.

اختلافها

آية يُرََاؤُنَ عراقي.

فضلها

في‏

حديث أبي من قرأها غفر الله له إن كان للزكاة مؤديا

، و

عمرو بن ثابت عن أبي جعفر (ع) قال من قرأ أ رأيت الذي يكذب بالدين في فرائضه و نوافله قبل الله صلاته و صيامه و لم يحاسبه بما كان منه في الحياة الدنيا.

تفسيرها

ذكر سبحانه نعمه على قريش ثم عجب سبحانه في هذه السورة من تكذيبهم مع عظيم النعمة عليهم فقال:

833

(1) -

القراءة

في الشواذ قراءة أبي رجاء العطاردي يدع اليتيم بفتح الدال خفيفة.

الحجة

و معناه يتركه و يعرض عنه فهو صائر إلى معنى القراءة المشهورة «يَدُعُّ اَلْيَتِيمَ» أي يدفعه و يجفو عليه.

اللغة

الدع الدفع بشدة و منه الدعدعة تحريكك المكيال ليستوعب الشي‏ء كأنك تدفعه و الدعدعة أيضا زجر المعز و الحض و الحث و التحريض بمعنى واحد و الماعون كل ما فيه منفعة قال الأعشى :

بأجود منه بماعونه # إذا ما سماؤهم لم تغم‏

و قال الراعي :

قوم على الإسلام لما يمنعوا # ماعونهم و يضيعوا التهليلا

و قال أعرابي في ناقة له‏

"كيما أنها تعطيك الماعون"

أي تنقاد لك و تطيعك و أصله القلة من المعن و هو القليل قال الشاعر

"فإن هلاك مالك غير معن"

أي غير قليل و يقال ما له ممعن و لا معن‏فالماعون القليل القيمة مما فيه منفعة و يقال معن الوادي إذا جرت مياهه قليلا قليلا .

ـ

الإعراب‏

«فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ` اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاََتِهِمْ سََاهُونَ» اعتمد هنا في الخبر على ما جرى في صلة الموصول الذي هو وصف المجرور باللام المتعلق بالخبر أ لا ترى أن قوله «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ» غير محمول على الظاهر و الاعتماد على السهو في صلة الذين و قوله «اَلَّذِينَ هُمْ يُرََاؤُنَ» يجوز أن يكون مجرورا على أنه صفة للمصلين و يجوز أن يكون منصوبا على إضمار أعني و أن يكون مرفوعا على إضمارهم.

المعنى‏

خاطب الله تعالى نبيه ص فقال «أَ رَأَيْتَ» يا محمد «اَلَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ» أي هذا الكافر الذي يكذب بالجزاء و الحساب و ينكر البعث مع وضوح الأمر في ذلك و قيام الحجج على صحته و إنما ذكره سبحانه بلفظ الاستفهام إرادة للمبالغة في الأفهام و التكذيب بالجزاء من أضر شي‏ء على صاحبه لأنه يعدم بذلك أكثر الدواعي إلى الخير و الصوارف عن الشر فهو يتهالك في الإسراع إلى الشر الذي يدعوه إليه طبعه إذ لا يخاف عواقب الضرر فيه‏

834

(1) - قال الكلبي نزلت في العاص بن وائل السهمي و قيل نزلت في الوليد بن المغيرة عن السدي و مقاتل بن حيان و قيل نزلت في أبي سفيان بن حرب كان ينحر في كل أسبوع جزورين فأتاه يتيم فسأله شيئا فقرعه بعصاه عن ابن جريج و قيل نزلت في رجل من المنافقين عن عطاء عن ابن عباس } «فَذََلِكَ اَلَّذِي يَدُعُّ اَلْيَتِيمَ» بين سبحانه أن من صفة هذا الذي يكذب بالدين أنه يدفع اليتيم عنفا به لأنه لا يؤمن بالجزاء عليه فليس له رادع عنه و قيل يدع اليتيم أي يدفعه عن حقه بجفوة و عنف و يقهره عن ابن عباس و مجاهد } «وَ لاََ يَحُضُّ عَلى‏ََ طَعََامِ اَلْمِسْكِينِ» أي لا يطعمه و لا يأمر بإطعامه يعني لا يفعله إذا قدر و لا يحض عليه إذا عجز لأنه يكذب بالجزاء } «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ` اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاََتِهِمْ سََاهُونَ» و هم الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتها عن ابن عباس و مسروق و روي ذلك مرفوعا و قيل يريد المنافقين الذين لا يرجون لها ثوابا إن صلوا و لا يخافون عليها عقابا إن تركوا فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتهافإذا كانوا مع المؤمنين صلوها رياء و إذا لم يكونوا معهم لم يصلوا و هو قوله‏} «اَلَّذِينَ هُمْ يُرََاؤُنَ» عن علي (ع) و ابن عباس و قال أنس : الحمد لله الذي قال عن صلاتهم و لم يقل في صلاتهم يريد بذلك أن السهو الذي يقع للإنسان في صلاته من غير عمد لا يعاقب عليه و قيل ساهون عنها لا يبالون صلوا أم لم يصلوا عن قتادة و قيل هم الذين يتركون الصلاة عن الضحاك و قيل الذين إن صلوها صلوها رياء و إن فاتتهم لم يندموا عن الحسن و قيل هم الذين لا يصلونها لمواقيتها و لا يتمون ركوعها و لا سجودها عن أبي العالية و عنه أيضا قال هو الذي إذا سجد قال برأسه هكذا و هكذا ملتفتا و

روى العياشي بالإسناد عن يونس بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن قوله «اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاََتِهِمْ سََاهُونَ» أ هي وسوسة الشيطان فقال لا كل أحد يصيبه هذا و لكن أن يغفلها و يدع أن يصلي في أول وقتها

و

عن أبي أسامة زيد الشحام قال سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله «اَلَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاََتِهِمْ سََاهُونَ» قال هو الترك لها و التواني عنها

و

عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (ع) قال هو التضييع لها

و قيل هم الذين يراءون الناس في جميع أعمالهم لم يقصدوا بها الإخلاص لله تعالى‏} «وَ يَمْنَعُونَ اَلْمََاعُونَ» اختلف فيه فقيل‏

هي الزكاة المفروضة عن علي و ابن عمر و الحسن و قتادة و الضحاك و روي ذلك عن أبي عبد الله (ع)

و قيل هو ما يتعاوره الناس بينهم من الدلو و الفأس و القدر و ما لا يمنع كالماء و الملح عن ابن مسعود و ابن عباس و سعيد بن جبير و روي ذلك مرفوعا و

روى أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال هو القرض تقرضه و المعروف تصنعه و متاع البيت تعيره و منه الزكاة قال فقلت إن لنا جيرانا إذا أعرناهم متاعا كسروه و أفسدوه أ فعلينا جناح أن نمنعهم فقال لا ليس عليك جناح أن تمنعهم إذا كانوا كذلك‏

و قيل هو المعروف كله عن الكلبي .

835

(1) -

(108) سورة الكوثر مكية و آياتها ثلاث (3)

توضيح‏

مكية عن ابن عباس و الكلبي مدنية عن عكرمة و الضحاك و هي ثلاث آيات بالإجماع.

فضلها

في‏

حديث أبي من قرأها سقاه الله من أنهار الجنة و أعطي من الأجر بعدد كل قربان قربه العباد في يوم عيد و يقربون من أهل الكتاب و المشركين.

أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ إنا أعطيناك الكوثر في فرائضه و نوافله سقاه الله يوم القيامة من الكوثر و كان محدثة عند محمد ص .

تفسيرها

ذم سبحانه في تلك السورة تاركي الصلاة و مانعي الزكاة و ذكر في هذه السورة أنهم إن فعلوا ذلك و كذبوه فإنه يعطيه الخير الكثير و أمره بالصلاة فقال:

اللغة

الكوثر فوعل من الكثرة و هو الشي‏ء الذي من شأنه الكثرة و الكوثر الخير الكثير و الإعطاء على وجهين إعطاء تمليك و إعطاء غير تمليك و إعطاء الكوثر إعطاء تمليك كإعطاء الأجر و أصله من عطا يعطو إذا تناول و الشانئ المبغض و الأبتر أصله من الحمار الأبتر و هو المقطوع الذنب و في حديث زياد أنه خطب خطبته البتراءلأنه لم يحمد الله فيها و لم يصل على النبي ص .

836

(1) -

الإعراب‏

«وَ اِنْحَرْ» مفعوله محذوف أي و انحر أضحيتك كما حذف لبيد من قوله:

"و هم العشيرة أن يبطئ حاسد"

أي إن يبطأهم حاسد أي أن ينسبهم إلى البطوء و قوله «إِنَّ شََانِئَكَ هُوَ اَلْأَبْتَرُ» لا أنت هذا تقديره أي هو مبتور لا أنت لأن ذكرك مرفوع مهما ذكرت ذكرت معي و هو فصل و الأبتر خبر إن.

النزول‏

قيل نزلت السورة في العاص بن وائل السهمي و ذلك أنه رأى رسول الله ص يخرج من المسجد فالتقيا عند باب بني سهم و تحدثا و أناس من صناديد قريش جلوس في المسجد فلما دخل العاص قالوا من الذي كنت تتحدث معه قال ذلك الأبتر و كان قد توفي قبل ذلك عبد الله بن رسول الله ص و هو من خديجة و كانوا يسمون من ليس له ابن أبترفسمته قريش عند موت ابنه أبتر و صنبورا عن ابن عباس .

ـ

المعنى‏

خاطب سبحانه نبيه ص على وجه التعداد لنعمه عليه فقال «إِنََّا أَعْطَيْنََاكَ اَلْكَوْثَرَ» اختلفوا في تفسير الكوثر فقيل هو نهر في الجنة عن عائشة و ابن عمر

قال ابن عباس لما نزلت إنا أعطيناك الكوثر صعد رسول الله ص المنبر فقرأها على الناس فلما نزل قالوا يا رسول الله ما هذا الذي أعطاك الله قال نهر في الجنة أشد بياضا من اللبن و أشد استقامة من القدح حافتاه قباب الدر و الياقوت ترده طير خضر لها أعناق كأعناق البخت قالوا يا رسول الله ما أنعم تلك الطير قال أ فلا أخبركم بأنعم منها قالوا بلى قال من أكل الطائر و شرب الماء و فاز برضوان الله‏

و

روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال نهر في الجنة أعطاه الله نبيه ص عوضا من ابنه‏

و قيل هو حوض النبي ص الذي يكثر الناس عليه يوم القيامة عن عطاء و

قال أنس بينا رسول الله ص ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاء ثم رفع رأسه مبتسما فقلت ما أضحكك يا رسول الله قال أنزلت علي آنفا سورة فقرأ سورة الكوثر ثم قال أ تدرون ما الكوثر قلنا الله و رسوله أعلم قال فإنه نهر وعدنيه عليه ربي خيرا كثيرا هو حوضي ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد نجوم السماء فيختلج القرن منهم فأقول يا رب إنهم من أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك أورده مسلم في الصحيح

و قيل الكوثر الخير الكثير عن ابن عباس و ابن جبير و مجاهد و قيل هو النبوة و الكتاب عن عكرمة و قيل هو القرآن عن الحسن و قيل هو كثرة الأصحاب و الأشياع عن أبي بكر بن عياش و قيل هو كثرة النسل و الذرية و قد ظهرت الكثرة في نسله من ولد فاطمة (ع) حتى لا يحصى عددهم و اتصل إلى يوم القيامة مددهم و

قيل هو الشفاعة

837

(1) - رووه عن الصادق (ع)

و اللفظ يحتمل للكل فيجب أن يحمل على جميع ما ذكر من الأقوال فقد أعطاه الله سبحانه و تعالى الخير الكثير في الدنيا و وعده الخير الكثير في الآخرةو جميع هذه الأقوال تفصيل للجملة التي هي الخير الكثير في الدارين‏} «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ اِنْحَرْ» أمره سبحانه بالشكر على هذه النعمة العظيمة بأن قال فصل صلاة العيد لأنه عقبها بالنحر أي و انحر هديك و أضحيتك عن عطاء و عكرمة و قتادة و قال‏

أنس بن مالك كان النبي ص ينحر قبل أن يصلي فأمر أن يصلي ثم ينحر

و قيل معناه فصل لربك صلاة الغداة المفروضة بجمع و انحر البدن بمنى عن سعيد بن جبير و مجاهد و قال محمد بن كعب إن أناسا كانوا يصلون لغير الله و ينحرون لغير الله فأمر الله تعالى نبيه ص أن يكون صلاته و نحره للبدن تقربا إليه و خالصا له و قيل معناه فصل لربك الصلاة المكتوبة و استقبل القبلة بنحرك و تقول العرب منازلنا تتناحر أي هذا ينحر هذا يعني يستقبله و أنشد:

أبا حكم هل أنت عم مجالد # و سيد أهل الأبطح المتناحر

أي ينحر بعضه بعضا و هذا قول الفراء و أما

ما رووه عن علي (ع) أن معناه ضع يدك اليمني على اليسرى حذاء النحر في الصلاة

فمما لا يصح عنه‏لأن‏

جميع عترته الطاهرة (ع) قد رووه بخلاف ذلك و هو أن معناه ارفع يديك إلى النحر في الصلاة

و

عن عمر بن يزيد قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول في قوله «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ اِنْحَرْ» هو رفع يديك حذاء وجهك و روى عنه عبد الله بن سنان مثله‏

و

عن جميل قال قلت لأبي عبد الله (ع) «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ اِنْحَرْ» فقال بيده هكذا يعني استقبل بيديه حذو وجهه القبلة في افتتاح الصلاة

و

عن حماد بن عثمان قال سألت أبا عبد الله (ع) ما النحر فرفع يده إلى صدره فقال هكذا ثم رفعها فوق ذلك فقال هكذا يعني استقبل بيديه القبلة في استفتاح الصلاة

و

روي عن مقاتل بن حيان عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (ع) قال لما نزلت هذه السورة قال النبي ص لجبريل (ع) ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي قال ليست بنحيرة و لكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت و إذا ركعت و إذا رفعت رأسك من الركوع و إذا سجدت فإنه صلاتناو صلاة الملائكة في السماوات السبع فإن لكل شي‏ء زينة و إن زينة الصلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة

قال النبي ص رفع الأيدي من الاستكانة قلت و ما الاستكانة قال أ لا تقرأ هذه الآية «فَمَا اِسْتَكََانُوا لِرَبِّهِمْ وَ مََا يَتَضَرَّعُونَ» أورده الثعلبي و الواحدي في تفسيرهما

«إِنَّ شََانِئَكَ هُوَ اَلْأَبْتَرُ» معناه إن مبغضك هو المنقطع عن الخير و هو العاص بن وائل و قيل معناه أنه الأقل الأذل بانقطاعه عن كل خير عن قتادة و قيل معناه أنه لا ولد له على الحقيقة و أن من ينسب إليه ليس بولد له‏

838

(1) - قال مجاهد الأبتر الذي لا عقب له و هو جواب لقول قريش إن محمدا ص لا عقب له يموت فنستريح منه و يدرس دينه إذ لا يقوم مقامه من يدعو إليه فينقطع أمره و في هذه السورة دلالات على صدق نبينا ص و صحة نبوته (أحدها) أنه أخبر عما في نفوس أعدائه و ما جرى على ألسنتهم و لم يكن بلغه ذلك فكان على ما أخبر (و ثانيها) أنه قال «أَعْطَيْنََاكَ اَلْكَوْثَرَ» فانظر كيف انتشر دينه و علا أمره و كثرت ذريته حتى صار نسبه أكثر من كل نسب و لم يكن شي‏ء من ذلك في تلك الحال (و ثالثها) أن جميع فصحاء العرب و العجم قد عجزوا عن الإتيان بمثل هذه السورة على وجازة ألفاظها مع تحديه إياهم بذلك و حرصهم على بطلان أمره منذ بعث النبي ص إلى يومنا هذا و هذا غاية الإعجاز (و رابعها) أنه سبحانه وعده بالنصر على أعدائه و أخبره بسقوط أمرهم و انقطاع دينهم أو عقبهم فكان المخبر على ما أخبر به هذا و في هذه السورة الموجزة من تشاكل المقاطع للفواصل و سهولة مخارج الحروف بحسن التأليف و التقابل لكل من معانيها بما هو أولى به ما لا يخفى على من عرف مجاري كلام العرب.

839

(1) -

(109) سورة الكافرون مكية و آياتها ست (6)

توضيح‏

مكية و عن ابن عباس و قتادة مدنية و هي ست آيات بالإجماع.

فضلها

في‏

حديث أبي و من قرأ يا أيها الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن و تباعدت عنه مردة الشياطين و بري من الشرك و يعافى من الفزع الأكبر.

و

عن جبير بن مطعم قال قال لي رسول الله ص أ تحب يا جبير أن تكون إذا خرجت سفرا من أمثل أصحابك هيئة و أكثرهم زادا قلت نعم بأبي أنت و أمي يا رسول الله قال فاقرأ هذه السور الخمس قل يا أيها الكافرون و إذا جاء نصر الله و الفتح و قل هو الله أحد و قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس و افتتح قراءتك ببسم الله الرحمن الرحيم قال جبير و كنت غير كثير المال و كنت أخرج مع من شاء الله أن أخرج فأكون أكثرهم همة و أمثلهم زادا حتى أرجع من سفري ذلك‏

و عن‏

فروة بن نوفل الأشجعي عن أبيه أنه أتى النبي ص فقال جئت يا رسول الله لتعلمني شيئا أقوله عند منامي قال إذا أخذت مضجعك فاقرأ قل يا أيها الكافرون ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك.

شعيب الحداد عن أبي عبد الله (ع) قال كان أبي يقول قل يا أيها الكافرون ربع القرآن و كان إذا فرغ منها قال أعبد الله وحده أعبد الله وحده.

و

عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال إذا قلت «لاََ أَعْبُدُ مََا تَعْبُدُونَ» فقل و لكني أعبد الله مخلصا له ديني فإذا فرغت منها فقل ديني الإسلام ثلاث مرات.

و

عن الحسين بن أبي العلاء قال من قرأ قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد في فريضة من الفرائض غفر الله له و لوالديه و ما ولدا و إن كان شقيا محي من ديوان الأشقياء و كتب في ديوان السعداء و أحياه الله سعيد و أماته شهيدا و بعثه شهيدا.

تفسيرها

ذكر سبحانه في تلك السورة أن أعداءه عابوه بأنه أبتر فرد ذلك عليهم و ذكر في هذه السورة أنهم سألوه المداهنةفأمره بالبراءة منهم فقال:

840

(1) -

القراءة

قرأ نافع و ابن كثير و حفص عن عاصم «لِيَ دِينِ» بفتح الياء و الباقون بسكون الياء.

الحجة

إسكان الياء من و لي و فتحها جميعا حسنان سائغان.

الإعراب‏

«وَ لاََ أَنْتُمْ عََابِدُونَ مََا أَعْبُدُ» كان الوجه من أعبدو لكنه جاء بما ليطابق ما قبله و ما بعده و قيل إن ما هاهنا بمعنى من و العائد من الصلة إلى الموصول في الجميع محذوف و التقدير ما تعبدونه و ما أعبده و ما عبدتموه.

ـ

النزول‏

نزلت السورة في نفر من قريش منهم الحارث بن قيس السهمي و العاص ابن أبي وائل و الوليد بن المغيرة و الأسود بن عبد يغوث الزهري و الأسود بن المطلب بن أسد و أمية بن خلف قالوا هلم يا محمد فاتبع ديننا نتبع دينك و نشركك في أمرنا كله تعبد آلهتنا سنة و نعبد إلهك سنة فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه و أخذنا بحظنا منه و إن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك كنت قد شركتنا في أمرنا و أخذت بحظك منه فقال ص معاذ الله أن أشرك به غيره قالوا فاستلم بعض الهتنا نصدقك و نعبد إلهك فقال حتى أنظر ما يأتي من عند ربي فنزل قل يا أيها الكافرون السورة فعدل رسول الله ص إلى المسجد الحرام و فيه الملأ من قريش فقام على رءوسهم ثم قرأ عليهم حتى فرغ من السورة فأيسوا عند ذلك فآذوه‏و آذوا أصحابه قال ابن عباس و فيهم نزل قوله‏ قُلْ أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا اَلْجََاهِلُونَ .

المعنى‏

خاطب سبحانه النبي ص فقال «قُلْ» يا محمد «يََا أَيُّهَا اَلْكََافِرُونَ» يريد قوما معينين لأن الألف و اللام للعهد} «لاََ أَعْبُدُ مََا تَعْبُدُونَ» أي لا أعبد آلهتكم التي تعبدونها اليوم و في هذه الحال‏} «وَ لاََ أَنْتُمْ عََابِدُونَ مََا أَعْبُدُ» أي إلهي الذي أعبده اليوم و في هذه الحال أيضا

841

(1) -} «وَ لاََ أَنََا عََابِدٌ مََا عَبَدْتُّمْ» فيما بعد اليوم‏} «وَ لاََ أَنْتُمْ عََابِدُونَ مََا أَعْبُدُ» فيما بعد اليوم من الأوقات المستقبلة عن ابن عباس و مقاتل قال الزجاج : نفى رسول الله ص بهذه السورة عبادة آلهتهم عن نفسه في الحال و فيما يستقبل و نفي عنهم عبادة الله في الحال و فيما يستقبل‏و هذا في قوم أعلمه الله سبحانه أنهم لا يؤمنون كقوله سبحانه في قصة نوح (ع) أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاََّ مَنْ قَدْ آمَنَ و قيل أيضا في وجه التكرار إن القرآن نزل بلغة العرب و من عادتهم تكرير الكلام للتأكيد و الأفهام فيقول المجيب بلى بلى و يقول الممتنع لا لا عن الفراء قال و مثله قوله تعالى‏ كَلاََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ` ثُمَّ كَلاََّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ و أنشد:

و كائن و كم عندي لهم من صنيعة # أيادي ثنوها علي و أوجبوا

و أنشد:

كم نعمة كانت لكم # كم كم كم كم كم و كم‏

و قال آخر:

نعق الغراب ببين ليلي غدوة # كم كم و كم بفراق ليلى ينعق‏

و قال آخر:

"هلا سألت جموع كندة يوم و لو أين أينا"

و قال آخر:

أردت لنفسي بعض الأمور # فأولى لنفسي أولى لها

و قال و هذا أولى المواضع بالتأكيد لأن الكافرين أبدوا في ذلك و أعادوا فكرر سبحانه ليؤكد أيأسهم و حسم أطماعهم بالتكرير و قيل أيضا في ذلك أن المعنى لا أعبد الأصنام التي تعبدونها و لا أنتم عابدون الله الذي أنا عابده إذا أشركتم به و اتخذتم الأصنام و غيرها تعبدونها من دونه و إنما يعبد الله من أخلص العبادة له «وَ لاََ أَنََا عََابِدٌ مََا عَبَدْتُّمْ» أي لا أعبد عبادتكم فيكون ما مصدرية «وَ لاََ أَنْتُمْ عََابِدُونَ مََا أَعْبُدُ» أي و ما تعبدون عبادتي على نحو ما ذكرناه فأراد في الأول المعبود و في الثاني العبادة فإن قيل أما اختلاف المعبودين فمعلوم فما معنى اختلاف العبادة (قلنا) إنه يعبد الله على وجه الإخلاص و هم يشركون به في عبادته فاختلفت العبادتان و لأنه كان يتقرب إلى عبادته إلى معبوده بالأفعال المشروعة الواقعة على وجه العبادة و هم لا يفعلون‏

842

(1) - ذلك‏و إنما يتقربون إليه بأفعال يعتقدونها قربة جهلا من غير شرع‏} «لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ» ذكر فيه وجوه (أحدها) أن معناه لكم جزاء دينكم و لي جزاء ديني فحذف المضاف و أقام المضاف إليه مقامه (و ثانيها) أن المعنى لكم كفركم بالله و لي دين التوحيد و الإخلاص و هذا و إن كان ظاهره إباحة فإنه وعيد و تهديد و مبالغة في النهي و الزجر كقوله‏ اِعْمَلُوا مََا شِئْتُمْ (و ثالثها) أن الدين الجزاء و معناه لكم جزاؤكم و لي جزائي قال الشاعر:

إذا ما لقونا لقيناهم # و دناهم مثل ما يقرضونا

و قد تضمنت السورة معجزة لنبينا ص من جهة الإخبار بما يكون في الأوقات المستقبلة مما لا سبيل إلى علمه إلا بوحي من قبل الله سبحانه العالم بالغيوب فكان ما أخبر به كما أخبر و فيها دلالة على ذم المداهنة في الدين و وجوب مخالفة الكفار و المبطلين و البراءة منهم و

روى داود بن الحصين عن أبي عبد الله (ع) قال إذا قرأت «قُلْ يََا أَيُّهَا اَلْكََافِرُونَ» فقل أيها الكافرون و إذا قلت «لاََ أَعْبُدُ مََا تَعْبُدُونَ» فقل أعبد الله وحده و إذا قلت «لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ» فقل ربي الله و ديني الإسلام.

843

(1) -

(110) سورة النصر مدنية و آياتها ثلاث (3)

توضيح‏

مدنية و هي ثلاث آيات بالإجماع.

فضلها

في حديث أبي من قرأها فكأنما شهد مع رسول الله ص فتح مكة

و

روى كرام الخثعمي عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ إذا جاء نصر الله و الفتح في نافلة أو فريضة نصره الله على جميع أعدائه و جاء يوم القيامة و معه كتاب ينطق قد أخرجه الله من جوف قبره فيه أمان من حر جهنم و من النار و من زفير جهنم يسمعه بأذنيه فلا تمر على شي‏ء يوم القيامة إلا بشره و أخبره بكل خير حتى يدخل الجنة.

تفسيرها

ختم الله سبحانه تلك السورة بذكر الدين و افتتح هذه السورة بظهور الدين فقال:

الإعراب‏

مفعول جاء محذوف و التقدير إذا جاءك نصر الله و جواب إذا محذوف و التقدير إذا جاء نصر الله حضر أجلك و قيل جوابه الفاء في قوله فسبح و أفواجا منصوب على الحال.

844

(1) -

المعنى‏

«إِذََا جََاءَ» يا محمد «نَصْرُ اَللََّهِ» على من عاداك و هم قريش «وَ اَلْفَتْحُ» فتح مكة و هذه بشارة من الله سبحانه لنبيه ص بالنصر و الفتح قبل وقوع الأمر} «وَ رَأَيْتَ اَلنََّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اَللََّهِ أَفْوََاجاً» أي جماعة بعد جماعة و زمرة بعد زمرة و المراد بالدين الإسلام و التزام أحكامه و اعتقاد صحته و توطين النفس على العمل به قال الحسن : لما فتح رسول الله ص مكة قالت العرب أما إذا ظفر محمد ص بأهل الحرم و قد أجارهم الله من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان أي طاقة فكانوا يدخلون في دين الله أفواجا أي جماعات كثيرة بعد أن كانوا يدخلون فيه واحدا واحدا أو اثنين فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام و قيل في دين الله أي في طاعة الله و طاعتك و أصل الدين الجزاء ثم يعبر به عن الطاعة التي يستحق بها الجزاء كما قال سبحانه‏ فِي دِينِ اَلْمَلِكِ أي في طاعته‏} «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اِسْتَغْفِرْهُ» هذا أمر من الله سبحانه بأن ينزه عمالا يليق به من صفات النقص و أن يستغفره و وجه وجوب ذلك بالنصر و الفتح أن النعمة تقتضي القيام بحقها و هو شكر المنعم و تعظيمه و الائتمار بأوامره و الانتهاء عن معاصيه فكأنه قال قد حدث أمر يقتضي الشكر و الاستغفار و إن لم يكن ثم ذنب فإن الاستغفار قد يكون عند ذكر المعصية بما ينافي الإصرار و قد يكون على وجه التسبيح و الانقطاع إلى الله عز و جل «إِنَّهُ كََانَ تَوََّاباً» يقبل توبة من بقي كما قبل توبة من مضى‏

قال مقاتل لما نزلت هذه السورة قرأها ص على أصحابه ففرحوا و استبشروا و سمعها العباس فبكى فقال ص: ما يبكيك يا عم فقال أظن أنه قد نعيت إليك نفسك يا رسول الله فقال: إنه لكما تقول فعاش بعدها سنتين ما رؤي فيهما ضاحكا مستبشرا

قال و هذه السورة تسمى سورة التوديع و قال ابن عباس : لما نزلت إذا جاء نصر الله قال: نعيت إلي نفسي بأنها مقبوضة في هذه السنة و اختلف في أنهم من أي وجه علموا ذلك و ليس في ظاهره نعي فقيل لأن التقدير فسبح بحمد ربك فإنك حينئذ لاحق بالله و ذائق الموت كما ذاق من قبلك من الرسل و عند الكمال يرقب الزوال كما قيل

إذا تم أمر بدا نقصه # توقع زوالا إذا قيل تم‏

و قيل لأنه سبحانه أمره بتجديد التوحيد و استدراك الفائت بالاستغفار و ذلك مما يلزم عند الانتقال من هذه الدار إلى دار الأبرار و

عن عبد الله مسعود قال: لما نزلت السورة كان النبي ص يقول كثيرا سبحانك اللهم و بحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم‏

و

عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ص بالآخرة لا يقوم و لا يقعد و لا يجي‏ء و لا يذهب إلا قال سبحان الله و بحمده أستغفر الله و أتوب إليه فسألناه عن ذلك فقال ص إني أمرت بها ثم قرأ إذا

845

(1) - جاء نصر الله و الفتح

و

في رواية عائشة : أنه كان يقول سبحانك اللهم و بحمدك أستغفرك و أتوب إليك.

[حديث فتح مكة ]

لما صالح رسول الله ص قريشا عام الحديبية كان في أشراطهم أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله ص أدخل فيه فدخلت خزاعة في عقد رسول الله ص و دخلت بنو بكر في عقد قريش و كان بين القبيلتين شر قديم ثم وقعت فيما بعد بين بني بكر و خزاعة مقاتلة و رفدت قريش بني بكر بالسلاح و قاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا و كان ممن أعان بني بكر على خزاعة بنفسه عكرمة بن أبي جهل و سهيل بن عمرو فركب عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله ص المدينة و كان ذلك مما هاج فتح مكة فوقف عليه و هو في المسجد بين ظهراني القوم فقال:

لا هم إني ناشد محمدا # حلف أبينا و أبيه الأتلدا

إن قريشا أخلفوك الموعدا # و نقضوا ميثاقك المؤكدا

و قتلونا ركعا و سجدا

فقال رسول الله : حسبك يا عمرو ثم قام فدخل دار ميمونة و قال: اسكبي لي ماء فجعل يغتسل و هو يقول لا نصرت أن لم أنصر بني كعب و هم رهط عمرو بن سالم ثم خرج بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله ص فأخبروه بما أصيب منهم و مظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة و قد كان ص قال للناس كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العقد و يزيد في المدة و سيلقى بديل بن ورقاء فلقوا أبا سفيان بعسفان و قد بعثته قريش إلى النبي ص ليشدد العقد فلما لقي أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل قال: سرت في هذا الساحل و في بطن هذا الوادي قال: ما أتيت محمدا قال: لا فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان : لئن كان جاء من المدينة لقد علف بها النوى فعمد إلى مبرك ناقته و أخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال أحلف بالله تعالى لقد جاء بديل محمدا ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ص فقال: يا محمد احقن دم قومك و أجر بين قريش و زدنا في المدة فقال ص: أ غدرتم يا أبا سفيان قال: لا قال ص: فنحن على ما كنا عليه فخرج فلقي أبا بكر فقال: أجر بين قريش قال: ويحك واحد يجير على رسول الله ص ثم لقي‏

846

(1) - عمر بن الخطاب فقال له مثل ذلك ثم خرج فدخل على أم حبيبة فذهب ليجلس على الفراش فأهوت إلى الفراش فطوته فقال: يا بنية أ رغب بهذا الفراش عني فقالت نعم هذا فراش رسول الله ص ما كنت لتجلس عليه و أنت رجس مشرك ثم خرج فدخل على فاطمة (ع) فقال: يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش و تزيدين في المدة فتكونين أكرم سيدة في الناس فقالت: جواري جوار رسول الله ص قال: أ تأمرين ابنيك أن يجيرا بين الناس قالت: و الله ما بلغ ابناي أن يجيرا بين الناس و ما يجير على رسول الله ص أحد فقال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني فقال علي (ع) : إنك شيخ قريش فقم على باب المسجد و أجر بين قريش ثم الحق بأرضك قال و ترى ذلك مغنيا عني شيئا قال: لا و الله ما أظن ذلك و لكن لا أجد لك غير ذلك‏فقام أبو سفيان في المسجد فقال يا أيها الناس إني قد أجرت بين قريش ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا ما وراك فأخبرهم بالقصة فقالوا: و الله إن زاد علي بن أبي طالب على أن لعب بك فما يغني عنا ما قلت قال: لا و الله ما وجدت غير ذلك قال: فأمر رسول الله ص بالجهاز لحرب مكة و أمر الناس بالتهيئة و قال: اللهم خذ العيون و الأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها و كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش فأتى رسول الله ص الخبر من السماء فبعث عليا (ع) و الزبير حتى أخذ كتابه من المرأة و قد مضت هذه القصة في سورة الممتحنة ثم استخلف رسول الله ص أبا ذر الغفاري و خرج عامدا إلى مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان في عشرة آلاف من المسلمين و نحو من أربعمائة فارس و لم يتخلف من المهاجرين و الأنصار عنه أحد و قد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب و عبد الله بن أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله ص بنيق العقاب فيما بين مكة و المدينة فالتمسا الدخول عليه فلم يأذن لهما فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك و ابن عمتك و صهرك قال: لا حاجة لي فيهما أما ابن عمي فهتك عرضي‏و أما ابن عمتي و صهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال فلما خرج الخبر إليهما بذلك و مع أبي سفيان بني له فقال: و الله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا و جوعا فلما بلغ ذلك رسول الله ص رق لهما فأذن لهما فدخلا عليه فأسلما فلما نزل رسول الله مر الظهران و قد غمت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم عن رسول الله ص خبر خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب و حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار و قد قال العباس ليلتئذ يا سوء صباح قريش و الله لئن بغتها رسول الله في بلادها فدخل مكة عنوة أنه لهلاك‏

847

(1) - قريش إلى آخر الدهر فخرج على بغلة رسول الله و قال أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فنخبرهم بمكان رسول الله فيأتونه فيستأمنونه قال العباس :

فو الله إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان و حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء و سمعت أبا سفيان يقول: و الله ما رأيت كالليلة قط نيرانا فقال بديل : هذه نيران خزاعة فقال أبو سفيان : خزاعة الأم من ذلك قال‏فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة يعني أبا سفيان فقال أبو الفضل فقلت نعم قال لبيك فداك أبي و أمي ما وراك فقلت هذا رسول الله وراءك قد جاء بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين قال فما تأمرني فقلت تركب عجز هذه البغلة فاستأمن لك رسول الله ص فو الله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فردفني فخرجت أركض به بغلة رسول الله فكلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا هذا عم رسول الله ص على بغلة رسول الله حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال يعني عمر يا أبا سفيان الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد و لا عقد ثم اشتد نحو رسول الله ص و ركضت البغلة حتى اقتحمت باب القبة و سبقت عمر بما يسبق به الدابة البطيئة الرجل البطي‏ء فدخل عمر فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد و لا عقد فدعني أضرب عنقه فقلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم إني جلست إلى رسول الله ص و أخذت برأسه و قلت و الله لا يناجيه اليوم أحد دوني فلما أكثر فيه عمر قلت مهلا يا عمر فو الله ما يصنع هذا الرجل إلا أنه رجل من آل بني عبد مناف و لو كان من عدي بن كعب ما قلت هذاقال مهلا يا عباس فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم فقال ص اذهب فقد أمناه حتى تغدو به علي في الغداة قال: فلما أصبح غدوت به على رسول الله ص فلما رآه قال ويحك يا أبا سفيان أ لم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله فقال بأبي أنت و أمي ما أوصلك و أكرمك و أرحمك و أحلمك و الله لقد ظننت أن لو كان معه إله لأغنى يوم بدر و يوم أحد فقال ويحك يا أبا سفيان أ لم يأن لك أن تعلم أني رسول الله فقال بأبي أنت و أمي أما هذه فإن في النفس منها شيئا قال العباس فقلت له ويحك اشهد بشهادة الحق قبل أن يضرب عنقك فتشهد فقال ص للعباس انصرف يا عباس فاحبسه عند مضيق الوادي حتى تمر عليه جنود الله قال: فحبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي و مر عليه القبائل قبيلة قبيلة و هو يقول من هؤلاء و أقول أسلم و جهينة و فلان حتى مر رسول الله ص في الكتيبة الخضراء من المهاجرين و الأنصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق‏فقال من هؤلاء يا أبا الفضل قلت هذا رسول الله ص في المهاجرين و الأنصار فقال يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما فقلت ويحك إنها النبوة فقال نعم إذا و جاء حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء رسول الله ص و أسلما

ـ

848

(1) -

و بايعاه فلما بايعاه بعثهما رسول الله ص بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام و قال من دخل دار أبي سفيان و هي بأعلى مكة فهو آمن و من دخل دار حكيم و هي بأسفل مكة فهو آمن و من أغلق بابه و كف يده فهو آمن و لما خرج أبو سفيان و حكيم من عند رسول الله ص عامدين إلى مكة بعث في إثرهما الزبير بن العوام و أمره على خيل المهاجرين و أمره أن يغرز رايته بأعلى مكة بالحجون و قال له لا تبرح حتى آتيك ثم دخل رسول الله ص مكة و ضربت هناك خيمته و بعث سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمته و بعث خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضائه و بني سليم و أمره أن يدخل أسفل مكة و يغرز رايته دون البيوت و أمرهم رسول الله ص جميعا أن يكفوا أيديهم و لا يقاتلوا إلا من قاتلهم و أمرهم بقتل أربعة نفر عبد الله بن سعد بن أبي سرح و الحويرث بن نفيل و ابن خطل و مقبس بن ضبابة و أمرهم بقتل قينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله ص و قال اقتلوهم و إن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة فقتل علي (ع) الحويرث بن نفيل و إحدى القينتين و أفلتت الأخرى و قتل مقبس بن ضبابة في السوق و أدرك ابن خطل و هو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث و عمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا فقتله قال و سعى أبو سفيان إلى رسول الله ص و أخذ غرزه أي ركابه فقبله ثم قال بأبي أنت و أمي أ ما تسمع ما يقول سعد إنه يقول‏

اليوم يوم الملحمة # اليوم تسبى الحرمة

فقال ص لعلي (ع) أدركه فخذ الراية منه و كن أنت الذي يدخل بها و أدخلها إدخالا رفيقا فأخذها علي (ع) و أدخلها كما أمر و لما دخل رسول الله ص مكة دخل صناديد قريش الكعبة و هم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم و أتى رسول الله و وقف قائما على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده وحده أنجز وعده و نصر عبده‏و هزم الأحزاب وحده ألا أن كل مال أو مأثرة و دم تدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة الكعبة و سقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما ألا أن مكة محرمة بتحريم الله لم تحل لأحد كان قبلي و لم تحل لي إلا ساعة من نهار و هي محرمة إلى أن تقوم الساعة لا يختلى خلاها و لا يقطع شجرها و لا يفر صيدها و لا تحل لقطتها إلا لمنشد ثم قال ألا لبئس جيران النبي كنتم لقد كذبتم و طردتم و أخرجتم و آذيتم ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلونني فاذهبوا فأنتم الطلقاء فخرج القوم فكأنما أنشروا من القبور و دخلوا في الإسلام و كان الله سبحانه أمكنه من رقابهم عنوة فكانوا له فيئافلذلك سمي أهل مكة الطلقاء و جاء ابن الزبعري إلى رسول الله ص و أسلم و قال:

يا رسول الإله إن لساني # راتق ما فتقت إذ أنا بور

849

(1) - إذ أباري الشيطان في سنن الغي # و من مال ميلة مثبور

أمن اللحم و العظام لربي # ثم نفسي الشهيد أنت النذير

و عن ابن مسعود قال: دخل النبي ص يوم الفتح و حول البيت ثلاثمائة و ستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده و يقول جاء الحق و ما يبدئ الباطل و ما يعيد جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل كان زهوقا و عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ص إلى مكة أبى أن يدخل البيت و فيه الآلهة فأمر بها فأخرجت صورة إبراهيم و إسماعيل (ع) و في أيديهما الأزلام فقال ص: قاتلهم الله أما و الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قط.

850

(1) -

(111) سورة المسد مكية و آياتها خمس (5)

توضيح‏

و تسمى أيضا سورة أبي لهب و تسمى سورة المسد مكية.

عدد آيها

خمس آيات بالإجماع.

فضلها

في حديث أبي من قرأها رجوت أن لا يجمع الله بينه و بين أبي لهب في دار واحدة

عن أبي عبد الله (ع) قال إذا قرأتم تبت فادعوا على أبي لهب فإنه كان من المكذبين بالنبي ص و بما جاء به من عند الله.

تفسيرها

ذكر سبحانه في تلك السورة وعده بالنصر و الفتح ثم بين في هذه السورة ما كفاه الله من أمر أبي لهب فقال:

القراءة

قرأ ابن كثير أبي لهب ساكنة الهاء و الباقون بفتحها و اتفقوا في «ذََاتَ لَهَبٍ» أنها مفتوحة الهاء لو فاق الفواصل و قرأ عاصم «حَمََّالَةَ اَلْحَطَبِ» بالنصب و الباقون بالرفع و روي‏

851

(1) - عن البرجمي سيصلى بضم الياء و هي قراءة أشهب العقيلي و أبي رجاء و في الشواذ قراءة ابن مسعود و مريئته حمالة للحطب في جيدها حبل من مسد .

الحجة

قال أبو علي يشبه أن يكون لهب و لهب لغتين كالشمع و الشمع و النهر و النهر و اتفاقهم في الثانية على الفتح يدل على أنه أوجه من الإسكان و كذلك قوله‏ وَ لاََ يُغْنِي مِنَ اَللَّهَبِ و أما حمالة الحطب فمن رفع جعله وصفا لقوله «وَ اِمْرَأَتُهُ» و يدل على أن الفعل قد وقع كقولك مررت برجل ضارب عمرا أمس فهذا لا يكون إلا معرفة و لا يقدر فيه إلا الانفصال كما يقدر في هذا النحو إذا لم يكن الفعل واقعا و أما ارتفاع امرأته فيحتمل وجهين (أحدهما) العطف على فاعل سيصلى التقدير سيصلى نارا هو و امرأته إلا أن الأحسن أن لا يؤكد لما جرى من الفصل بينهما و يكون «حَمََّالَةَ اَلْحَطَبِ» على هذا وصفا لها و يجوز في قوله «فِي جِيدِهََا» أن يكون في موضع حال و فيها ذكر منها و يتعلق بمحذوف و يجوز فيه وجه آخر و هو أن يرتفع امرأته بالابتداء و حمالة وصف لها و في جيدها خبر المبتدأ و أما النصب في «حَمََّالَةَ اَلْحَطَبِ» فعلى الذم لها كأنها كانت اشتهرت بذلك فجرت الصفة عليها للذم لا للتخصيص و التخليص من موصوف غيرها و قوله «حَبْلٌ» معناه غليظ. رجل حبل الوجه و حبل الرأس.

اللغة

التب و التباب الخسران المؤدي إلى الهلاك و المسد الحبل من الليف و جمعه أمساد قال:

و مسد أمر من أيانق # ليس بأنياب و لا حقائق‏

.

النزول‏

سعيد بن جبير عن ابن عباس قال صعد رسول الله ص ذات يوم الصفا فقال يا صباحاه فأقبلت إليه قريش فقالوا له ما لك فقال أ رأيتم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أ ما كنتم تصدقوني قالوا بلى قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب تبا لك لهذا دعوتنا جميعا فأنزل الله هذه السورة أورده البخاري في الصحيح .

ـ

المعنى‏

«تَبَّتْ يَدََا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ» أي خسرت يداه و خسر هو عن مقاتل و إنما قال خسرت يداه لأن أكثر العمل يكون باليد و المراد خسر عمله و خسرت نفسه بالوقوع في النار و قيل أن اليد هنا صلة كقولهم يد الدهر و يد السنة قال:

"و أيدي الرزايا بالذخائر مولع"

و قيل معناه صفرت يداه من كل خير قال الفراء : الأول دعاء و الثاني خبر فكأنه قال أهلكه الله‏

852

(1) - و قد هلك و في حرف عبد الله و أبي و قد تب و قيل أن الأول أيضا خبر و معناه أنه لم تكتسب يداه خيرا قط و خسر مع ذلك هو نفسه أي تب على كل حال و أبو لهب هو ابن عبد المطلب عم النبي ص و كان شديد المعاداة و المناصبة له‏

قال طارق المحاربي : بينا أنا بسوق ذي المجاز إذا أنا بشاب يقول أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا و إذا برجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه و عرقوبيه و يقول يا أيها الناس أنه كذاب فلا تصدقوه فقلت من هذا فقالوا هو محمد يزعم أنه نبي و هذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب‏

و إنما ذكر سبحانه كنيته دون اسمه لأنها كانت أغلب عليه و قيل لأن اسمه عبد العزى فكره الله سبحانه أن ينسبه إلى العزى و أنه ليس بعبد لها و إنما هو عبد الله و قيل بل اسمه كنيته و إنما سمي بذلك لحسنه و إشراق وجهه و كانت وجنتاه كأنهما تلتهبان عن مقاتل «مََا أَغْنى‏ََ عَنْهُ مََالُهُ وَ مََا كَسَبَ» أي ما نفعه و لا دفع عنه عذاب الله ماله و ما كسبه و يكون ما في قوله «وَ مََا كَسَبَ» موصولة و الضمير العائد من الصلة محذوف‏و قيل معناه أي شي‏ء أغنى عنه ماله و ما كسب يعني ولده لأن ولد الرجل من كسبه و ذلك أنه قال لما أنذره النبي ص بالنار إن كان ما تقول حقا فإني أفتدي بمالي و ولدي ثم أنذره سبحانه بالنار فقال «سَيَصْلى‏ََ نََاراً ذََاتَ لَهَبٍ» أي سيدخل نارا ذات قوة و اشتعال تلتهب عليه و هي نار جهنم و في هذا دلالة على صدق النبي ص و صحة نبوته لأنه أخبر أن أبا لهب يموت على كفره و كان كما قال‏ «وَ اِمْرَأَتُهُ» و هي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان «حَمََّالَةَ اَلْحَطَبِ» كانت تحمل الشوك و العضاة فتطرحه في طريق رسول الله ص إذا خرج إلى الصلاة ليعقره عن ابن عباس و في رواية الضحاك قال الربيع بن أنس كانت تبث و تنشر الشوك على طريق الرسول فيطأه كما يطأ أحدكم الحرير و قيل أنها كانت تمشي بالنميمة بين الناس فتلقي بينهم العداوة و توقد نارها بالتهييج كما توقد النار الحطب فسمى النميمة حطبا عن ابن عباس في رواية أخرى و قتادة و مجاهد و عكرمة و السدي قالت العرب فلان يحطب على فلان إذا كان يغري به قال‏

"و لم يمش بين الحي بالحطب الرطب"

أي لم يمش بالنميمة و قيل حمالة الحطب معناه حمالة الخطايا عن سعيد بن جبير و أبي مسلم و نظيره قوله‏ وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزََارَهُمْ عَلى‏ََ ظُهُورِهِمْ «فِي جِيدِهََا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ» أي في عنقها حبل من ليف و إنما وصفها بهذه الصفة تخسيسا لها و تحقيراو قيل حبل يكون له خشونة الليف و حرارة النار و ثقل الحديد يجعل في عنقها زيادة في عذابها و قيل في عنقها سلسلة من حديد طولها سبعون ذراعا تدخل من فيها و تخرج من دبرها و تدار على عنقها في النار عن ابن عباس و عروة بن الزبير و سميت السلسلة مسدا بمعنى أنها ممسودة أي مفتولة و قيل أنها كانت لها قلادة فاخرة من جوهر فقالت لأنفقنها في عداوة محمد فيكون عذابا يوم القيامة في عنقها عن سعيد بن المسيب و يروى عن أسماء

853

(1) - بنت أبي بكر قالت لما نزلت هذه السورة أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب و لها ولولة و في يدها فهر و هي تقول‏

"مذمما أبينا. # و دينه قلينا

و أمره عصينا"

و النبي ص جالس في المسجد و معه أبو بكر فلما رآها أبو بكر قال يا رسول الله قد أقبلت و أنا أخاف أن تراك قال رسول الله ص إنها لن تراني و قرأ قرآنا فاعتصم به كما قال‏ وَ إِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ جَعَلْنََا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجََاباً مَسْتُوراً فوقفت على أبي بكر و لم تر رسول الله ص فقالت يا أبا بكر أخبرت أن صاحبك هجاني فقال لا و رب البيت ما هجاك فولت و هي تقول" قريش تعلم إني بنت سيدها"

و روي أن النبي ص قال صرف الله سبحانه عني أنهم يذمون مذمما و أنا محمد

و متى قيل كيف يجوز أن لا ترى النبي ص و قد رأت غيره فالجواب يجوز أن يكون الله قد عكس شعاع عينيها أو صلب الهواء فلم ينفذ فيه الشعاع أو فرق الشعاع فلم يتصل بالنبي ص

و روي أن النبي ص قال ما زال ملك يسترني عنها

و إذا قيل هل كان يلزم أبا لهب الإيمان بعد هذه السورة و هل كان يقدر على الإيمان و لو آمن لكان فيه تكذيب خبر الله سبحانه بأنه سيصلى نارا ذات لهب فالجواب أن الإيمان يلزمه لأن تكليف الإيمان ثابت عليه و إنما توعده الله بشرط أن لا يؤمن أ لا ترى إلى قوله سبحانه في قصة فرعون «آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ» و في هذا دلالة على أنه لو تاب قبل وقت اليأس لكان يقبل منه و لهذا خص رد التوبة عليه بذلك الوقت و أيضا فلو قدرنا أن أبا لهب سأل النبي ص قال لو آمنت هل أدخل النار لكان ص يقول له لا و ذلك لعدم الشرط.

854

(1) -

(112) سورة الإخلاص مكية و آياتها أربع (4)

توضيح‏

مكية و قيل مدنية و سميت سورة التوحيد لأنه ليس فيها إلا التوحيد و كلمة التوحيد تسمى كلمة الإخلاص و قيل إنما سميت بذلك لأن من تمسك بما فيها اعتقادا و إقرارا كان مؤمنا مخلصا و قيل لأن من قرأها على سبيل التعظيم أخلصه الله من النار أي أنجاه منها و تسمى أيضا سورة الصمد و تسمى أيضا بفاتحتها و تسمى أيضا نسبة الرب و

روي في الحديث لكل شي‏ء نسبة و نسبة الرب سورة الإخلاص

و

في الحديث أيضا أنه كان يقول لسورتي قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد المقشقشتان

سميتا بذلك لأنهما يبرئان من الشرك و النفاق يقال تقشقش المريض من علته إذا أفاق و برأ و قشقشه أبرأه كما يقشقش الهناء الجرب .

عدد آيها

خمس آيات مكي شامي أربع في الباقين.

اختلافها

آية «لَمْ يَلِدْ» مكي شامي.

فضلها

في حديث أبي من قرأها فكأنما قرأ ثلث القرآن و أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر

و

عن أبي الدرداء عن النبي ص قال أ يعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة قلت يا رسول الله و من يطيق ذلك قال اقرأوا قل هو الله أحد

و

عن أنس عن النبي ص قال من قرأ قل هو الله أحد مرة بورك عليه فإن قرأها مرتين بورك عليه و على أهله فإن قرأها ثلاث مرات بورك عليه و على أهله و على جميع جيرانه فإن قرأها اثنتي عشرة مرة بني له اثنا عشر قصرا في الجنة فتقول الحفظة انطلقوا بنا ننظر إلى قصر أخينا فإن قرأها مائة مرة كفر عنه ذنوب خمس و عشرين سنة ما خلا الدماء و الأموال فإن قرأها أربعمائة كفر عنه ذنوب أربعمائة سنة فإن قرأها ألف مرة لم يمت حتى‏

855

(1) - يرى مكانه من الجنة أو يرى له‏

و

عن سهل بن سعد الساعدي قال جاء رجل إلى النبي ص فشكا إليه الفقر و ضيق المعاش فقال له رسول الله ص إذا دخلت بيتك فسلم إن كان فيه أحد و إن لم يكن فيه أحد فسلم و اقرأ قل هو الله أحد مرة واحدة ففعل الرجل فأفاض الله عليه رزقا حتى أفاض على جيرانه.

السكوني عن أبي عبد الله (ع) أن رسول الله ص صلى على سعد بن معاذ فلما صلى عليه قال ص لقد وافى من الملائكة سبعون ألف ملك و فيهم جبرائيل (ع) يصلون عليه فقلت يا جبرائيل بم استحق صلاتكم عليه قال بقراءة قل هو الله أحد قاعدا و قائما و راكبا و ماشيا و ذاهبا و جائيا.

منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) قال من مضى به يوم واحد فصلى فيه الخمس صلوات و لم يقرأ فيها بقل هو الله أحد قيل له يا عبد الله لست من المصلين.

إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (ع) قال من مضت عليه جمعة و لم يقرأ فيها بقل هو الله أحد ثم مات مات على دين أبي لهب .

هارون بن خارجة عنه ص قال من أصابه مرض أو شدة فلم يقرأ في مرضه أو شدته بقل هو الله أحد ثم مات في مرضه أو في تلك الشدة التي نزلت به فهو من أهل النار.

أبو بكر الحضرمي عنه ص قال من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يدع أن يقرأ في دبر الفريضة بقل هو الله أحد فإنه من قرأها جمع له خير الدنيا و الآخرة و غفر الله له و لوالديه و ما ولدا.

عبد الله بن حجر قال سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول من قرأ قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة في دبر الفجر لم يتبعه في ذلك اليوم ذنب و أرغم أنف الشيطان.

إبراهيم بن مهزم عمن سمع أبا الحسن (ع) يقول من قدم قل هو الله أحد بينه و بين كل جبار منعه الله منه يقرؤها بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله فإذا فعل ذلك رزقه الله خيره و منعه شره و قال إذا خفت أمرا فاقرأ مائة آية من القرآن حيث شئت ثم قل اللهم اكشف عني البلاء ثلاث مرات.

عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن علي (ع) قال قال رسول الله ص من قرأ قل هو الله أحد مائة مرة حين يأخذ مضجعه غفر الله له ذنوب خمسين سنة.

تفسيرها

لما ذم سبحانه أعداء أهل التوحيد في السورة المتقدمة ذكر في هذه السورة بيان التوحيد فقال:

856

(1) -

القراءة

قرأ أبو عمرو أحد الله الصمد بغير تنوين الدال من أحد و

روي عنه (ع) أنه كان يقول «قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ» ثم يقف فإن وصل قال أحد الله

و زعم أن العرب لم تكن تصل مثل هذا و الباقون «أَحَدٌ ` اَللََّهُ» بالتنوين و قرأ إسماعيل عن نافع و حمزة و خلف و رويس كفؤا ساكنة الفاء مهموزة و قرأ حفص «كُفُواً» مضمومة الفاء مفتوحة الواو و غير مهموزة و قرأ الباقون كفؤا بالهمزة و ضم الفاء.

الحجة

قال أبو علي : من قرأ «أَحَدٌ ` اَللََّهُ» فوجهه بين و ذلك أن التنوين من أحد ساكن و لام المعرفة من الاسم ساكن فلما التقى الساكنان حرك الأول منهما بالكسركما تقول اذهب اذهب و من قال أحد الله فحذف النون فإن النون قد شابهت حروف اللين في الآخر في أنها تزاد كما يزدن و في أنها تدغم فيهن كما يدغم كل واحد من الواو و الياء في الآخر و في أنها قد أبدلت منها الألف في الأسماء المنصوبة و في الخفيفة فلما شابهت حروف اللين أجريت مجراها في أن حذفت ساكنة لالتقاء الساكنين كما حذف الألف و الواو و الياء لذلك في نحو رمى القوم و يغزو الجيش و يرمي القوم و من ثم حذفت ساكنة في الفعل في نحو لَمْ يَكُ* و فَلاََ تَكُ فِي مِرْيَةٍ فحذفت في أحد الله لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف في نحو هذا زيد بن عمرو حتى استمر ذلك في الكلام و أنشد أبو زيد :

فالفيته غير مستعتب # و لا ذاكر الله إلا قليلا

و قال الشاعر:

كيف نومي على الفراش و لما # تشمل أشأم غارة شعواء

تذهل الشيخ عن بنيه و تبدي # عن خدام العقيلة العذراء

أما كفوا و «كُفُواً» فأصله الضم فخفف مثل طنب و طنب و عنق و عنق.

اللغة

أحد أصله وحد فقلبت الواو همزة و مثله أناة و أصله وناة و هو على ضربين (أحدهما) أن يكون اسما (و الآخر) أن يكون صفة فالاسم نحو أحد و عشرون يريد به الواحد و الصفة كما في قول النابغة :

كان رحلي و قد زال النهار بنا # بذي الجليل على مستأنس وحد

857

(1) - و كذلك قولهم واحد يكون اسما كالكاهل و الغارب و منه قولهم واحد اثنان ثلاثة و تكون صفة كما في قول الشاعر:

"فقد رجعوا كحي واحدينا"

و قد جمعوا أحدا الذي هو الصفة على أحد أن قالوا أحد و أحدان شبهوه بسلق و سلقان و نحوه قول الشاعر:

يحمي الصريمة أحدان الرجال له # صيد و مجترئ بالليل هماس‏

فهذا جمع لأحد الذي يراد به الرفع من الموصوف و التعظيم له و أنه متفرد عن الشبه و المثل و قالوا هو أحد الأحد إذا رفع منه و عظم و قالوا أحد الأحدين و واحد الآحاد و حقيقة الواحد شي‏ء لا ينقسم في نفسه أو في معنى صفته فإذا أطلق واحد من غير تقدم موصوف فهو واحد في نفسه و إذا أجري على موصوف فهو واحد في معنى صفته فإذا قيل الجزء الذي لا يتجزأ واحد أريد أنه واحد في نفسه و إذا قيل هذا الرجل إنسان واحد فهو واحد في معنى صفته و إذا وصف الله تعالى بأنه واحد فمعناه أنه المختص بصفات لا يشاركه فيها أحد غيره نحو كونه قادرا لنفسه عالما حيا موجودا كذلك و الصمد السيد المعظم الذي يصمد إليه في الحوائج أي يقصد و قيل هو السيد الذي ينتهي إليه السؤدد قال الأسدي :

ألا بكر الناعي بخيري بني أسد # بعمرو بن مسعود و بالسيد الصمد

و قال الزبرقان :

"و لا رهينة إلا السيد الصمد"

و قال رجل مصمد أي مقصود و كذلك بيت مصمد قال طرفة :

و إن يلتقي الحي الجميع تلاقني # إلى ذروة البيت الرفيع المصمد

و الكفو و الكفي‏ء و الكفاء واحد و هو المثل و النظير قال النابغة :

لا تقذفني بركن لا كفاء له # و لو تأثفك الأعداء بالرفد

858

(1) - و قال حسان :

و جبريل رسول الله منا # و روح القدس ليس له كفاء

و قال آخر في الكفي‏ء:

أما كان عباد كفيئا لدارم # بلى و لأبيات بها الحجرات‏

.

ـ

الإعراب‏

قال أبو علي «قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ» يجوز في إعراب الله ضربان (أحدهما) أن يكون خبر مبتدإ و ذلك على قول من ذهب إلى أن هو كناية عن اسم الله تعالى ثم يجوز في قوله «أَحَدٌ» ما يجوز في قولك زيد أخوك قائم (و الآخر) على قول من ذهب إلى أن هو كناية عن القصة و الحديث فيكون اسم الله عنده مرتفعا بالابتداء و أحد خبره و مثله قوله تعالى‏ فَإِذََا هِيَ شََاخِصَةٌ أَبْصََارُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إلا أن هي جاءت على التأنيث‏لأن في التفسير اسما مؤنثا و على هذا جاء فَإِنَّهََا لاََ تَعْمَى اَلْأَبْصََارُ و إذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة و قوله «اَللََّهُ اَلصَّمَدُ» الله مبتدأ و الصمد خبره و يجوز أن يكون الصمد صفة الله و الله خبر مبتدإ محذوف أي هو الله الصمد و يجوز أن يكون «اَللََّهُ اَلصَّمَدُ» خبرا بعد خبر على قول من جعل هو ضمير الأمر و الحديث «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» قال أن له ظرف غير مستقر و هو متعلق بكان و كفوا منتصب بأنه خبر متقدم كما كان قوله تعالى‏ وَ كََانَ حَقًّا عَلَيْنََا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ كذلك و زعموا أن من البغداديين من يقول أن في يكن من قوله «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» ضميرا مجهولا و قوله «كُفُواً» ينتصب على الحال و العامل فيها له و هذا إذا أفردته عن يكن كان معناه له أحد كفوا و إذا حمل على هذا لم يسغ و وجه ذلك أنه محمول على معنى النفي فكأنه لم يكن أحد له كفوا كما كان قولهم ليس الطيب إلا المسك محمولا على معنى النفي و لو لا حمله على المعنى لم يجز أ لا ترى أنك لو قلت زيدا إلا منطلق لم يكن كلاما فكما أن هذا محمول على المعنى كذلك «لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» محمول على المعنى و على هذا جاز أن يكون أحد فيه الذي يقع لعموم النفي و لو لا ذلك لم يجز أن يقع أحد هذا في الإيجاب‏فإن قلت أ يجوز أن يكون قوله تعالى «لَهُ» عندكم حالا على أن يكون المعنى و لم يكن كفوا له أحد فيكون له صفة للنكرة فلما قدم صار في موضع الحال كقوله‏

" لعزة موحشا طلل قديم"

فإن سيبويه قال إن ذلك يقل‏

859

(1) - في الكلام و إن كثر في الشعر فإن حملته على هذا على استكراه كان غير ممتنع و العامل في قوله «لَهُ» إذا كان حالا يجوز أن يكون أحد شيئين (أحدهما) يكن (و الآخر) أن يكون ما في معنى كفوا من معنى المماثلة فإن قلت أن العامل في الحال إذا كان معنى لم يتقدم الحال عليه فإن له لما كان على لفظ الظرف و الظرف يعمل فيه المعنى و إن تقدم عليه كقولك كل يوم لك ثوب كذلك يجوز في هذا الظرف و ذلك من حيث كان ظرفا و فيه ضمير في الوجهين يعود إلى ذي الحال و هو كفوا.

النزول‏

قيل أن المشركين قالوا لرسول الله ص أنسب لنا ربك فنزلت السورة عن أبي بن كعب و جابر و قيل أتى عامر بن الطفيل و أربد بن ربيعة أخو لبيد النبي ص و قال عامر إلى ما تدعونا يا محمد فقال إلى الله فقال صفه لنا أ من ذهب هو أم من فضة أم من حديد أم من خشب فنزلت السورة و أرسل الله الصاعقة على أربد فأحرقته و طعن عامر في خنصره فمات عن ابن عباس و قيل جاء أناس من أحبار اليهود إلى النبي ص فقالوا يا محمد صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك فإن الله أنزل نعته في التوراة فنزلت السورة و هي نسبة الله خاصة عن الضحاك و قتادة و مقاتل و

روى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال أن اليهود سألوا النبي ص فقالوا أنسب لنا ربك فمكث ثلاثا لا يجيبهم ثم نزلت السورة.

و قريب منه ما ذكره القاضي في تفسيره أن عبد الله بن سلام انطلق إلى رسول الله ص و هو بمكة فقال له رسول الله ص أنشدك بالله هل تجدني في التوراة رسول الله فقال أنعت لنا ربك فنزلت هذه السورة فقرأها النبي ص فكانت سبب إسلامه إلا أنه كان يكتم ذلك إلى أن هاجر النبي ص إلى المدينة ثم أظهر الإسلام.

المعنى‏

«قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ» هذا أمر من الله عز اسمه لنبيه ص أن يقول لجميع المكلفين هو الله الذي تحق له العبادة قال الزجاج : هو كناية عن ذكر الله عز و جل و معناه الذي سألتم تبيين نسبته هو الله أحد أي واحد و يجوز أن يكون المعنى الأمر الله أحد لا شريك له و لا نظيرو قيل معناه واحد ليس كمثله شي‏ء عن ابن عباس و قيل واحد في الإلهية و القدم و قيل واحد في صفة ذاته لا يشركه في وجوب صفاته أحد فإنه يجب أن يكون موجودا عالما قادرا حيا و لا يكون ذلك واجبا لغيره و قيل واحد في أفعاله لأن أفعاله كلها إحسان لم يفعلها لجر نفع و لا لدفع ضرر فاختص بالوحدة من هذا الوجه إذ لا يشركه فيه سواه واحد في أنه لا يستحق العبادة سواه لأنه القادر على أصول النعم من الحياة و القدرة و الشهوة و غير ذلك مما لا تكون النعمة نعمة إلا به و لا يقدر على شي‏ء من ذلك غيره فهو أحد من هذه الوجوه الثلاثة

860

(1) - و قيل إنما قال أحد و لم يقل واحد لأن الواحد يدخل في الحساب و يضم إليه آخر و أما الأحد فهو الذي لا يتجزأ و لا ينقسم في ذاته و لا في معنى صفاته و يجوز أن يجعل للواحد ثانيا و لا يجوز أن يجعل للأحد ثانيا لأن الأحد يستوعب جنسه بخلاف الواحد أ لا ترى أنك لو قلت فلان لا يقاومه واحد جاز أن يقاومه اثنان و لما قلت لا يقاومه أحد لم يجز أن يقاومه اثنان و لا أكثر فهو أبلغ و

قال أبو جعفر الباقر (ع) في معنى «قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ» أي قل أظهر ما أوحينا إليك و ما نبأناك به بتأليف الحروف التي قرأناها عليك ليهتدي بها من ألقى السمع و هو شهيد

و هو اسم مكنى مشار إلى غائب فالهاء تنبيه عن معنى ثابت‏و الواو إشارة إلى الغائب عن الحواس كما أن قولك هذا إشارة إلى الشاهد عند الحواس و ذلك أن الكفار نبهوا عن آلهتهم بحرف إشارة إلى المشاهد المدرك فقالوا هذه آلهتنا المحسوسة بالأبصار فأشر أنت يا محمد إلى إلهك الذي تدعو إليه حتى نراه و ندركه و لا ناله فيه فأنزل الله سبحانه «قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ» فالهاء تثبيت للثابت و الواو إشارة إلى الغائب عن درك الأبصار و لمس الحواس و أنه يتعالى عن ذلك بل هو مدرك الأبصار و مبدع الحواس و

حدثني أبي عن أبيه عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال رأيت الخضر في المنام قبل بدر بليلة فقلت له علمني شيئا أنتصر به على الأعداء فقال قل يا هو يا من لا هو إلا هو فلما أصبحت قصصت على رسول الله ص فقال يا علي علمت الاسم الأعظم فكان على لساني يوم بدر قال و قرأ (ع) يوم بدر «قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ» فلما فرغ قال يا هو يا من لا هو إلا هو اغفر لي و انصرني على القوم الكافرين و كان يقول ذلك يوم صفين و هو يطارد فقال له عمار بن ياسر يا أمير المؤمنين ما هذه الكنايات قال اسم الله الأعظم و عماد التوحيد لله لا إله إلا هو ثم قرأ شَهِدَ اَللََّهُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ أُولُوا اَلْعِلْمِ قََائِماً بِالْقِسْطِ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ و آخر الحشر ثم نزل فصلى أربع ركعات قبل الزوال قال و قال أمير المؤمنين (ع) الله معناه المعبود الذي يأله فيه الخلق و يؤله إليه الله المستور عن إدراك الأبصار المحجوب عن الأوهام و الخطرات‏

و

قال الباقر (ع) الله معناه المعبود الذي أله الخلق عن إدراك ماهيته و الإحاطة بكيفيته‏

و تقول العرب أله الرجل إذا تحير في الشي‏ء فلم يحط به علما و وله إذا فزع إلى شي‏ء قال و الأحد الفرد المتفرد و الأحد و الواحد بمعنى واحد و هو المتفرد الذي لا نظير له و التوحيد الإقرار بالوحدة و هو الانفراد و الواحد المباين الذي لا ينبعث من شي‏ء و لا يتحد بشي‏ء و من ثم قالوا إن بناء العدد من الواحد و ليس الواحد من العدد لأن العدد لا يقع على الواحد بل يقع على الاثنين فمعنى قوله «اَللََّهُ أَحَدٌ» أي المعبود الذي يسأله الخلق عن إدراكه و الإحاطة بكيفيته فرد بإلهيته متعال عن صفات خلقه.

ـ} «اَللََّهُ اَلصَّمَدُ»

قال الباقر (ع) حدثني أبي زين العابدين (ع) عن أبيه الحسين بن علي‏

861

(1) - (ع) أنه قال الصمد الذي قد انتهى سؤدده‏و الصمد الدائم الذي لم يزل و لا يزال و الصمد الذي لا جوف له و الصمد الذي لا يأكل و لا يشرب و الصمد الذي لا ينام‏

و أقول أن المعنى في هذه الثلاثة أنه سبحانه الحي الذي لا يحتاج إلى الطعام و الشراب و النوم‏

قال الباقر (ع) و الصمد السيد المطاع الذي ليس فوقه آمر و لا ناه‏

قال و كان محمد بن الحنفية يقول الصمد القائم بنفسه الغني عن غيره و قال غيره الصمد المتعالي عن الكون و الفساد و الصمد الذي لا يوصف بالنظائر قال و

سئل علي بن الحسين زين العابدين (ع) عن الصمد فقال الصمد الذي لا شريك له و لا يؤوده حفظ شي‏ء و لا يعزب عنه شي‏ء

و قال أبو البختري وهب بن وهب القرشي قال زيد بن علي (ع) الصمد الذي إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون و الصمد الذي أبدع الأشياء فخلقها أضدادا و أصنافا و أشكالا و أزواجا و تفرد بالوحدة بلا ضد و لا شكل و لا مثل و لا ند

قال وهب بن وهب و حدثني الصادق جعفر بن محمد (ع) عن أبيه الباقر (ع) إن أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن علي (ع) يسألونه عن الصمد فكتب إليهم بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فلا تخوضوا في القرآن و لا تجادلوا فيه و لا تكلموا فيه بغير علم فقد سمعت جدي رسول الله ص يقول من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار و إن الله قد فسر سبحانه الصمد فقال «لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ ` وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ»

«لَمْ يَلِدْ» لم يخرج منه شي‏ء كثيف كالولد و لا سائر الأشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين و لا شي‏ء لطيف كالنفس و لا ينبعث منه البدوات كالسنة و النوم و الخطرة و الغم و الحزن و البهجة و الضحك و البكاء و الخوف و الرجاء و الرغبة و السامة و الجوع و الشبع تعالى أن يخرج منه شي‏ء و أن يتولد منه شي‏ء كثيف أو لطيف «وَ لَمْ يُولَدْ» أي و لم يتولد من شي‏ء و لم يخرج من شي‏ء كما تخرج الأشياء الكثيفة من عناصرها كالشي‏ء من الشي‏ء و الدابة من الدابة و النبات من الأرض و الماء من الينابيع و الثمار من الأشجار و لا كما تخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين و السمع من الأذن و الشم من الأنف و الذوق من الفم و الكلام من اللسان و المعرفة و التمييز من القلب و النار من الحجر لا بل هو الله الصمد الذي لا من شي‏ء و لا في شي‏ء و لا على شي‏ء مبدع الأشياء و خالقها و منشئ الأشياء بقدرته يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئته و يبقى ما خلق للبقاء بعلمه فذلكم الله الصمد الذي لم يلد و لم يولد عالم الغيب و الشهادة الكبير المتعال‏} «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ»

قال وهب بن وهب سمعت الصادق (ع) يقول قدم وفد من فلسطين على الباقر (ع) فسألوه عن مسائل فأجابهم عنها ثم سألوه عن الصمد فقال تفسيره فيه الصمد خمسة أحرف (فالألف) دليل على انيته و هو قوله عز و جل‏ «شَهِدَ اَللََّهُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ» و ذلك تنبيه و إشارة إلى الغائب عن درك الحواس (و اللام)

862

(1) - دليل على إلهيته بأنه هو الله و الألف و اللام مدغمان لا يظهران على اللسان و لا يقعان في السمع و يظهران في الكتابة دليلان على أن إلهيته بلطفه خافية لا يدرك بالحواس و لا يقع في لسان واصف و لا أذن سامع لأن تفسير الإله هو الله الذي أله الخلق عن درك ماهيته و كيفيته بحس أو بوهم لا بل هو مبدع الأوهام و خالق الحواس و إنما يظهر ذلك عند الكتابة فهو دليل على أن الله سبحانه أظهر ربوبيته في إبداع الخلق و تركيب أرواحهم اللطيفة في أجسادهم الكثيفة و إذا نظر عبد إلى نفسه لم ير روحه كما أن لام الصمد لا يتبين و لا يدخل في حاسة من حواسه الخمس فلما نظر إلى الكتابة ظهر له ما خفي و لطف فمتى تفكر العبد في ماهية البارئ و كيفيته أله و تحير و لم تحط فكرته بشي‏ء يتصور له لأنه تعالى خالق الصورو إذا نظر إلى خلقه ثبت له أنه عز و جل خالقهم و مركب أرواحهم في أجسادهم و أما (الصاد) فدليل على أنه سبحانه صادق و قوله صدق و كلامه صدق و دعا عباده إلى اتباع الصدق بالصدق و وعدنا بالصدق و أراد الصدق و أما (الميم) فدليل على ملكه و أنه الملك الحق المبين لم يزل و لا يزال و لا يزول ملكه و أما (الدال) فدليل على دوام ملكه و أنه دائم تعالى عن الكون و الزوال بل هو الله عز و جل مكون الكائنات الذي كان بتكوينه كل كائن ثم قال (ع) لو وجدت لعلمي الذي أتاني الله حملة لنشرت التوحيد و الإسلام و الدين و الشرائع من الصمد و كيف لي بذلك و لم يجد جدي أمير المؤمنين (ع) حملة لعلمه حتى كان يتنفس على الصعداء أو يقول على المنبر سلوني قبل أن تفقدوني فإن بين الجوانح مني علما جما هاه هاه ألا لا أجد من يحمله ألا و أن عليكم من الله الحجة البالغة فلا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور

و

عن عبد خير قال سأل رجل عليا (ع) عن تفسير هذه السورة فقال قل هو الله أحد بلا تأويل عدد الصمد بلا تبعيض بدد لم يلد فيكون موروثا هالكا و لم يولد فيكون إلها مشاركا و لم يكن له من خلقه كفوا أحد

و قال ابن عباس لم يلد فيكون والدا و لم يولد فيكون ولدا و قيل لم يلد ولدا فيرث عنه ملكه و لم يولد فيكون قد ورث الملك عن غيره و قيل لم يلد فيدل على حاجته فإن الإنسان يشتهي الولد لحاجته إليه و لم يولد فيدل على حدوثه و ذلك من صفة الأجسام و في هذا رد على القائلين أن عزيرا و المسيح ابن الله و إن الملائكة بنات الله و لم يكن له كفوا أحد أي لم يكن له أحد كفوا أي عديلا و نظيرا يماثله و في هذا رد على من أثبت له مثلا في القدم و غيره من الصفات و قيل معناه و لم تكن له صاحبة و زوجة فتلد منه‏لأن الولد يكون من الزوجة فكني عنها بالكفؤ لأن الزوجة تكون كفوا لزوجها و قيل إنه سبحانه بين التوحيد بقوله «اَللََّهُ أَحَدٌ» و بين العدل بقوله «اَللََّهُ اَلصَّمَدُ» و بين ما يستحيل عليه من الوالد و الولد بقوله «لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ» و بين ما لا

863

(1) - يجوز عليه من الصفات بقوله «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» و فيه دلالة على أنه ليس بجسم و لا جوهر و لا عرض و لا هو في مكان و لا جهة و قال بعض أرباب اللسان وجدنا أنواع الشرك ثمانية النقص و التقلب و الكثرة و العدد و كونه علة أو معلولا و الأشكال و الأضداد فنفى الله سبحانه عن صفته نوع الكثرة و العدد بقوله «قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ» و نفي التقلب و النقص بقوله «اَللََّهُ اَلصَّمَدُ» و نفي العلة و المعلول بقوله «لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ» و نفي الأشكال و الأضداد بقوله «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» فحصلت الوحدانية البحث و

روى عمران بن الحصين أن النبي ص بعث سرية و استعمل عليها عليا (ع) فلما رجعوا سألهم عن علي (ع) فقالوا كل خير غير أنه كان يقرأ في أثناء كل صلاة بقل هو الله أحد فقال لم فعلت يا علي هذافقال لحبي قل هو الله أحد فقال النبي ص ما أحببتها حتى أحبك الله عز و جل‏

و

يروى أن النبي ص كان يقف عند آخر كل آية من هذه السورة

و

روى الفضيل بن يسار قال أمرني أبو جعفر أن أقرأ قل هو الله أحد و أقول إذا فرغت منها كذلك الله ربي ثلاثا.

864

(1) -

(113) سورة الفلق مكية و آياتها خمس (5)

توضيح‏

مدنية في أكثر الأقاويل و قيل مكية.

عدد آيها

خمس آيات بالإجماع.

فضلها

في‏

حديث أبي و من قرأ ( قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس ) فكأنما قرأ جميع الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء.

و

عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله ص أنزلت علي آيات لم ينزل مثلهن المعوذتان أورده مسلم في الصحيح .

و

عنه عن النبي ص قال يا عقبة أ لا أعلمك سورتين هما أفضل القرآن أو من أفضل القرآن قلت بلى يا رسول الله فعلمني المعوذتين ثم قرأ بهما في صلاة الغداة و قال لي اقرأهما كلما قمت و نمت.

أبو عبيدة الحذاء عن أبي جعفر (ع) قال من أوتر بالمعوذتين و قل هو الله أحد قيل له يا عبد الله أبشر فقد قبل الله و ترك.

تفسيرها

ذم سبحانه أعداء الرسول ص في سورة تبت ثم ذكر التوحيد في سورة الإخلاص ثم ذكر سبحانه الاستعاذة في السورتين فقال:

865

(1) -

اللغة

أصل الفلق الفرق الواسع من قولهم فلق رأسه بالسيف يفلقه فلقاو يقال أبين من فلق الصبح و فرق الصبح لأن عموده ينفلق بالضياء عن الظلام و الغاسق في اللغة الهاجم بضرره و هو هاهنا الليل لأنه يخرج السباع من آجامها و الهوام من مكامنها فيه يقال غسقت القرحة إذا جرى صديدها و منه الغساق صديد أهل النار لسيلانه بالعذاب و غسقت عينه سال دمعها . التقوب الدخول وقب يقب و منه الوقبة النقرة لأنه يدخل فيها النفث شبيهة بالنفخ و أما التفل فنفخ بريق فهذا الفرق بين النفث و التفل قال الفرزدق :

هما نفثا في في من فمويهما # على النافث الغاوي أشد رجام‏

و الحاسد الذي يتمنى زوال النعمة عن صاحبها و إن لم يردها لنفسه فالحسد مذموم و الغبطة محمودة و هي أن يريد من النعمة لنفسه مثل ما لصاحبه و لم يرد زوالها عنه .

النزول‏

قالوا أن لبيد بن أعصم اليهود سحر رسول الله ص ثم دس ذلك في بئر لبني زريق فمرض رسول الله ص فبينا هو نائم إذا أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه و الآخر عند رجليه فأخبراه بذلك و أنه في بئر دروان في جف طلعة تحت راعوفة و الجف قشر الطلع و الراعوفة حجر في أسفل البئر يقوم عليها الماتح فانتبه رسول الله ص و بعث عليا (ع) و الزبير و عمار فنزحوا ماء تلك البئر ثم رفعوا الصخرة و أخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأس و أسنان من مشطة و إذا فيه معقد في إحدى عشرة عقدة مغروزة بالأبر فنزلت هاتان السورتان فجعل كلما يقرأ آية انحلت عقدة و وجد رسول الله ص خفة فقام فكأنما أنشط من عقال و جعل جبرائيل (ع) يقول باسم الله أرقيك من شر كل شي‏ء يؤذيك من حاسد و عين الله تعالى يشفيك و رووا ذلك عن عائشة و ابن عباس

و هذا لا يجوز لأن من وصف بأنه مسحور فكأنه قد خبل عقله و قد أبى الله سبحانه ذلك في قوله‏ «وَ قََالَ اَلظََّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاََّ رَجُلاً مَسْحُوراً» أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا و لكن يمكن أن يكون اليهودي أو بناته على ما روي اجتهدوا في ذلك فلم يقدروا عليه و أطلع الله نبيه ص على ما فعلوه من التمويه حتى استخرج و كان ذلك دلالة على صدقه و كيف يجوز أن يكون المرض من فعلهم و لو قدروا على ذلك لقتلوه و قتلوا كثيرا من المؤمنين مع شدة عداوتهم له.

المعنى‏

«قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلْفَلَقِ» هذا أمر من الله سبحانه لنبيه ص و المراد جميع أمته و معناه قل يا محمد اعتصم و امتنع برب الصبح و خالقه و مدبره و مطلعه متى شاء على ما يرى من الصلاح فيه‏} «مِنْ شَرِّ مََا خَلَقَ» من الجن و الإنس و سائر الحيوانات و إنما سمي الصبح فلقا لانفلاق عموده بالضياء عن الظلام كما قيل له فجر لانفجاره بذهاب ظلامه و هذا

866

(1) - قول ابن عباس و جابر و الحسن و سعيد بن جبير و مجاهد و قتادة و قيل الفلق المواليد لأنهم ينفلقون بالخروج من أصلاب الآباء و أرحام الأمهات كما ينفلق الحب من النبات‏و قيل الفلق جب في جهنم يتعوذ أهل جهنم من شدة حره عن السدي و رواه أبو حمزة الثمالي و علي بن إبراهيم في تفسيريهما و قوله «مََا خَلَقَ» عام في جميع ما خلقه الله تعالى ممن يجوز أم يحصل منه الشر و تقديره من شر الأشياء التي خلقها الله تعالى مثل السباع و الهوام و الشياطين و غيرها «وَ مِنْ شَرِّ غََاسِقٍ إِذََا وَقَبَ» أي و من شر الليل إذا دخل بظلامه عن ابن عباس و الحسن و مجاهد و على هذا فيكون المراد من شر ما يحدث في الليل من الشر و المكروه كما يقال أعوذ من شر هذه البلدة و إنما اختص الليل بالذكر لأن الغالب أن الفساق يقدمون على الفساد بالليل و كذلك الهوام و السباع تؤذي فيه أكثر و أصل الفسق الجريان بالضرر و قيل إن معنى الغاسق كل هاجم بضرره كائنا ما كان‏} «وَ مِنْ شَرِّ اَلنَّفََّاثََاتِ فِي اَلْعُقَدِ» معناه و من شر النساء الساحرات اللاتي ينفثن في العقد عن الحسن و قتادة و إنما أمر بالتعوذ من شر السحرة لإيهامهم أنهم يمرضون و يصحون و يفعلون شيئا من النفع و الضرر و الخير و الشر و عامة الناس يصدقونهم فيعظم بذلك الضرر في الدين‏و لأنهم يوهمون أنهم يخدمون الجن و يعلمون الغيب و ذلك فساد في الدين ظاهر فلأجل هذا الضرر أمر بالتعوذ من شرهم و قال أبو مسلم النفاثات النساء اللاتي يملن آراء الرجال و يصرفنهم عن مرادهم و يردونهم إلى آرائهن لأن العزم و الرأي يعبر عنهما بالعقد فعبر عن حلها بالنفث فإن العادة جرت أن من حل عقد نفث فيه‏} «وَ مِنْ شَرِّ حََاسِدٍ إِذََا حَسَدَ» فإنه يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود فأمر بالتعوذ من شره و قيل إنه أراد من شر نفس الحاسد و من شر عينه فإنه ربما أصاب بهما فعاب و ضر و قد جاء

في الحديث أن العين حق‏

و قد مضى الكلام فيه و روي‏

أن العضباء ناقة النبي ص لم تكن تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسابق بها فسبقها فشق ذلك على الصحابة فقال النبي ص حق على الله عز و جل ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه‏

و

روى أنس أن النبي ص قال من رأى شيئا يعجبه فقال الله الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضر شيئا

و

روي أن النبي ص كان كثيرا ما يعوذ الحسن و الحسين (ع) بهاتين السورتين‏

و قال بعضهم إن الله سبحانه جمع الشرور في هذه السورة و ختمها بالحسد ليعلم أنه أحس الطبائع نعوذ بالله منه.

867

(1) -

(114) سورة الناس مكية و آياتها ست (6)

توضيح‏

مدنية و هي مثل سورة الفلق لأنها إحدى المعوذتين و هي ست آيات.

فضلها

الفضل بن يسار قال سمعت أبا جعفر (ع) يقول إن رسول الله ص اشتكى شكوى شديدة و وجع وجعا شديدا فأتاه جبرائيل و ميكائيل (ع) فقعد جبرائيل (ع) عند رأسه و ميكائيل عند رجليه فعوذه جبرائيل بقل أعوذ برب الفلق و عوذه ميكائيل بقل أعوذ برب الناس .

أبو خديجة عن أبي عبد الله (ع) قال جاء جبرائيل إلى النبي ص و هو شاك فرقاه بالمعوذتين و قل هو الله أحد و قال باسم الله أرقيك و الله يشفيك من كل داء يؤذيك خذها فلتهنيك‏

فقال:

القراءة

قرأ أبو عمرو الدوري عن الكسائي يميل الناس في موضع الجر و لا يميل في الرفع و النصب و الباقون لا يميلون.

اللغة

الوسواس حديث النفس بما هو كالصوت الخفي‏و أصله الصوت الخفي من قول الأعشى :

868

(1) -

تسمع للحلي وسواسا إذا انصرفت # كما استعان بريح عشرق زجل‏

قال رؤبة :

وسوس يدعو مخلصا رب الفلق # سرا و قد أون تأوين العقق‏

و الوسوسة كالهمهمة و منه قولهم فلان موسوس إذا غلب عليه ما يعتريه من المرة يقال وسوس وسواسا و وسوسة و توسوس و الخنوس الاختفاء بعد الظهور خنس يخنس و منه الخنس في الأنف لخفائه بانخفاضة عند ما يظهر بنتوة و أصل الناس الأناس فحذفت الهمزة التي هي فأويد لك على ذلك الإنس و الأناس و أما قولهم في تحقيره نويس فإن الألف لما كانت ثانية زائدة أشبهت ألف فاعل فقلبت واوا .

الإعراب‏

قيل إن قوله «مِنَ اَلْجِنَّةِ» بدل من قوله «مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوََاسِ» فكأنه قال أعوذ بالله من شر الجنة و الناس و قيل إن من تبين للوسواس و التقدير من شر ذي الوسواس الخناس من الجنة و الناس أي صاحب الوسواس الذي من الجنة و الناس فيكون الناس معطوفا على الوسواس الذي هو في معنى ذي الوسواس و إن شئت لم تحذف المضاف فيكون التقدير من شر الوسواس الواقع من الجنة التي توسوسه في صدور الناس فيكون فاعل يوسوس ضمير الجنة و إنما ذكر لأن الجنة و الجن واحد و جازت الكناية عنه و إن كان متأخرا لأنه في نية التقديم فجرى مجرى قوله‏ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى‏ََ و حذف العائد من الصلة إلى الموصوف كما في قوله‏ أَ هََذَا اَلَّذِي بَعَثَ اَللََّهُ رَسُولاً أي بعثه الله رسولا.

المعنى‏

«قُلْ» يا محمد «أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنََّاسِ» أي خالقهم و مدبرهم و منشئهم «مَلِكِ اَلنََّاسِ» أي سيدهم و القادر عليهم و لم يجز هنا إلا ملك‏و جاز في فاتحة الكتاب ملك و مالك و ذلك لأن صفة ملك تدل على تدبير من يشعر بالتدبير و ليس كذلك مالك و ذلك لأنه يجوز أن يقال مالك الثوب و لا يجوز ملك الثوب فجرت اللفظة في فاتحة الكتاب على معنى الملك في يوم الجزاء و جرت في هذه السورة على ملك تدبير من يعقل التدبير فكان لفظ

869

(1) - ملك أولى هنا و أحسن و معناه ملك الناس كلهم و إليه مفزعهم في الحوائج‏} «إِلََهِ اَلنََّاسِ» معناه الذي يجب على الناس أن يعبدوه لأنه الذي تحق له العبادة دون غيره و إنما خص سبحانه الناس و إن كان سبحانه ربا لجميع الخلائق لأن في الناس عظماء فأخبر بأنه ربهم و إن عظموا و لأنه سبحانه أمر بالاستعاذة من شرهم فأخبر بذكرهم أنه الذي يعيذه منهم و في الناس ملوك فذكر أنه ملكهم و في الناس من يعبد غيره فذكر أنه إلههم و معبودهم و أنه هو المستحق للعبادة دون غيره قال جامع العلوم النحوي و ليس قوله «اَلنََّاسِ» تكرارا لأن المراد بالأول الأجنةو لهذا قال «بِرَبِّ اَلنََّاسِ» لأنه يربيهم و المراد بالثاني الأطفال و لذلك قال «مَلِكِ اَلنََّاسِ» لأنه يملكهم و المراد بالثالث البالغون المكلفون و لذلك قال «إِلََهِ اَلنََّاسِ» لأنهم يعبدونه و المراد بالرابع العلماء لأن الشيطان يوسوس إليهم و لا يريد الجهال لأن الجاهل يضل بجهله و إنما تقع الوسوسة في قلب العالم كما قال‏ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ اَلشَّيْطََانُ و قوله‏} «مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوََاسِ اَلْخَنََّاسِ» فيه أقوال (أحدها) أن معناه من شر الوسوسة الواقعة من الجنة و قد مر بيانه (و ثانيها) أن معناه من شر ذي الوسواس و هو الشيطان‏

كما جاء في الأثر أنه يوسوس فإذا ذكر العبد ربه خنس‏

ثم وصفه الله تعالى بقوله‏} «اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنََّاسِ» أي بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى قلوبهم من غير سماع ثم ذكر أن هذا الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس‏} «مِنَ اَلْجِنَّةِ» و هم الشياطين كما قال سبحانه‏ إِلاََّ إِبْلِيسَ كََانَ مِنَ اَلْجِنِّ ثم عطف بقوله‏ «وَ اَلنََّاسِ» على الوسواس و المعنى من شر الوسواس و من شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن و الإنس (و ثالثها) أن معناه من شر ذي الوسواس الخناس ثم فسره بقوله «مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنََّاسِ» كما يقال نعوذ بالله من شر كل مارد من الجن و الإنس و على هذا فيكون وسواس الجنة هو وسواس الشيطان على ما مضى‏و في وسواس الإنس وجهان (أحدهما) أنه وسوسة الإنسان من نفسه (و الثاني) إغواء من يغويه من الناس و يدل عليه قوله‏ شَيََاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ فشيطان الجن يوسوس و شيطان الإنس يأتي علانية و يرى أنه ينصح و قصده الشر قال مجاهد :

الخناس الشيطان إذا ذكر اسم الله سبحانه خنس و انقبض و إذا لم يذكر الله انبسط على القلب و يؤيده‏

ما روي عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله ص : إن الشيطان واضح خطمة على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله سبحانه خنس و إذا نسي التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس‏

و قيل الخناس معناه الكثير الاختفاء بعد الظهور و هو المستتر المختفي من أعين الناس‏لأنه يوسوس من حيث لا يرى بالعين و قال إبراهيم التيمي أول ما يبدو الوسواس من قبل الوضوء و قيل إن معنى قوله «يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنََّاسِ» يلقي الشغل في قلوبهم بوسواسه و المراد أن له رفقاء به يوصل الوسواس إلى المصدر و هو أقرب من خلوصه بنفسه إلى صدره و في هذا إشارة إلى أن‏

870

(1) - الضرر يلحق من جهة هؤلاء و أنهم قادرون على ذلك و لولاه لما حسن الأمر بالاستعاذة منهم و فيه دلالة على أنه لا ضرر ممن يتعوذ به و إنما الضرر كله ممن يتعوذ منه و لو كان سبحانه خالقا للقبائح لكان الضرر كله منه جل و عز و فيه إشارة أيضا إلى أنه سبحانه يراعي حال من يتعوذ به فيكفيه شرورهم و لو لا ذلك لما دعاه إلى التعوذ به من شرورهم و لما وصف سبحانه نفسه بأنه الرب الإله الغني عن الخلق فإن من احتاج إلى غيره لا يكون إلها و من كان غنيا عالما لغناه لا يختار فعل القبيح و لهذا حسنت الاستعاذة به من شر غيره و

روى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع) قال إذا قرأت قل أعوذ برب الفلق فقل في نفسك أعوذ برب الفلق و إذا قرأت قل أعوذ برب الناس قل في نفسك أعوذ برب الناس‏

و

روى العياشي بإسناده عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد قال قال رسول الله ص أما من مؤمن إلا و لقلبه في صدره أذنان أذن ينفث فيها الملك و أذن ينفث فيها الوسواس الخناس فيؤيد الله المؤمن بالملك و هو قوله سبحانه‏ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ