الأغاني - ج1

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
323 /
55

عروضه من الطويل، و فيه ثقيل أوّل‏[1]. و الغناء لسائب خاثر، خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، ذكر ذلك حمّاد عن أبيه، و ذكر أن فيه لحنا آخر لأهل المدينة لا يعرف صاحبه. قال الهيثم في خبره: و قال أبو العباس الأعمى في ذلك:

/

قد حلّ في دار البلاط[2]مجوّع # و دار أبي العاص التّميميّ حنتف‏[3]

فلم أر مثل الحيّ حين تحمّلوا # و لا مثلنا عن مثلهم يتنكّف‏[4]

و قال أبو قطيفة أيضا:

صوت من غير المائة فيه ثلاثة ألحان‏

بكى أحد لمّا تحمّل أهله # فسلع فدار المال أمست تصدّع

و بالشأم إخواني و جلّ عشيرتي # فقد جعلت نفسي إليهم تطلّع‏

عروضه من الطويل. غنّى فيه دحمان، و لحنه ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر من رواية إسحاق.

و فيه لمعبد ثقيل أوّل بالوسطى من رواية حبش. و ذكر إسحاق أن فيه لحنا في خفيف الثّقيل الأوّل بالخنصر في مجرى البنصر مجهول الصّانع. و قال أبو قطيفة أيضا:

صوت من غير المائة المختارة

ليت شعري: هل البلاط كعهدي # و المصلّى إلى قصور العقيق؟

لا مني في هواك يا أمّ يحيى # من‏[5]مبين بغشّه أو صديق‏

عروضه من الخفيف. غنّاه معبد و يقال دحمان، و لحنه ثقيل أوّل بالسّبّابة في مجرى الوسطى، و ذكر إسحاق أنه لا يعرف صاحبه.

/حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني محمد بن يونس بن الوليد قال: كان ابن الزّبير قد نفى أبا قطيفة مع من نفاه من بني أميّة عن المدينة إلى الشأم، فلما طال مقامه بها قال:

[1]كذا في الأصول.

[2]البلاط: موضع بالمدينة بين المسجد و السوق مبلّط « (قاموس» .

[3]هو الحنتف بن السجف بن سعد بن عوف بن زهير بن مالك، كان يكنى أبا عبد اللّه و كان دينا شريفا، و له منزلة من عبيد اللّه بن زياد. و لما وقعت فتنة ابن الزبير سار حبيش بن دلجة القيني من قضاعة إلى المدينة يريد قتال ابن الزبير، فعقد الحارث بن عبد اللّه المخزومي و هو أمير البصرة للحنتف لواءه فسار في سبعمائة، و خرج إليه حبيش من المدينة فلقيهم بالربذة فقتل الحنتف حبيشا و عبد اللّه بن الحكم أخا مروان بن الحكم و انهزم الحجاج بن يوسف و أبوه يومئذ، ثم سار الحنتف نحو الشام، حتى إذا كان بوادي القرى سمّ بطعامه فمات هناك (انظر «المعارف» لابن قتيبة ص 212-213 و ابن جرير الطبري طبع أوروبا قسم 2 ص 578-579 و «شرح القاموس» مادة حنتف) .

[4]من نكف عن الشي‏ء إذا عدل عنه. و لم نعثر على هذه الصيغة من هذه المادة في المظان. و في ب، س: «يتكنف» .

[5]قد تزاد «من» في الإثبات؛ و حمل عليه قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) * ، و قول عمر بن أبي ربيعة:

و ينمي لها حبها عندنا # فما قال من كاشح لم يضر

56

ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا # قباء و هل زال العقيق و حاضره؟

و هل برحت بطحاء قبر محمد # أراهط غرّ من قريش تباكره

لهم منتهى حبّي و صفو مودّتي # و محض الهوى منّي و للناس سائره‏

قال و قال أيضا:

صوت من غير المائة المختارة

ليت شعري و أين منّي ليت # أعلى العهد يلبن فبرام؟

أم كعهدي العقيق أم غيّرته # بعدي الحادثات و الأيام؟

و بأهلي بدّلت عكّا و لخما # و جذاما، و أين منّي جذام‏[1]!

و تبدّلت من مساكن قومي # و القصور التي بها الآطام

كلّ قصر مشيّد ذي أواس # يتغنّى على ذراه الحمام

أقر منّي السّلام إن جئت قومي # و قليل لهم لديّ السّلام‏

عروضه من الخفيف، غنّاه معبد، و لحنه ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى البنصر. و «يلبن» و «برام» :

موضعان‏[2]. و الآطام: جمع أطم، و هي القصور و الحصون. و قال الأصمعيّ: الآطام: الدّور المسطّحة السّقوف.

و في رواية ابن عمار: «ذي أواش» بالشين معجمة، كأنه أراد به أنّ هذه القصور موشيّة أي منقوشة. و رواه إسحاق:

«أواس» بالسين غير معجمة، و قال: واحدها آسيّ، و هو الأصل. قال و يقال: فلان في آسيّه، أي في أصله. و الآسيّ و الأساس واحد. و ذرا كلّ شي‏ء: أعاليه، و هو جمع، واحدته ذروة. و يروى:

أبلغنّ السّلام إن جئت قومي‏

/و روى الزّبير بن بكّار هذه الأبيات لأبي قطيفة، و زاد فيها:

أقطع الليل كلّه باكتئاب # و زفير فما أكاد أنام

نحو قومي إذ فرّقت بيننا الدا # ر و جادت‏[3]عن قصدها الأحلام

خشية أن يصيبهم عنت الدّهـ # ر و حرب يشيب منها الغلام‏

فلقد حان أن يكون لهذا الدّهر عنّا تباعد و انصرام‏

عفو ابن الزبير عن أبي قطيفة و عودته إلى المدينة و موته حين وصوله إليها

رجع الخبر إلى سياقته من رواية ابن عمّار. و أخبرنا بمثله من هذا الموضع الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الحزاميّ، و هو إبراهيم بن المنذر، عن مطرّف بن عبد اللّه [1]عك بفتح أوّله: قبيلة يضاف إليها مخلاف باليمن (ياقوت) ، و لخم و جذام: قبيلتان معروفتان.

[2]يلبن: جبل قرب المدينة. و يرام (بفتح أوّله و كسره و الفتح أكثر) : جبل في بلاد بني سليم عند الحرّة من ناحية البقيع. (ياقوت) .

[3]في ت: «و جارت» .

57

/المدنيّ‏[1]قالا: إن ابن الزّبير لمّا بلغه شعر أبي قطيفة هذا قال: حنّ‏[2]و اللّه أبو قطيفة و عليه السّلام و رحمة اللّه، من لقيه فليخبره أنه آمن فليرجع. فأخبر بذلك فانكفأ إلى المدينة راجعا، فلم يصل إليها حتى مات. قال ابن عمّار:

فحدّثت عن المدائنيّ أنّ امرأة من أهل المدينة تزوّجها رجل من أهل الشأم، فخرج بها إلى بلده على كره منها، فسمعت منشدا ينشد شعر أبي قطيفة هذا، فشهقت شهقة و خرّت على وجهها ميّتة، هكذا ذكر ابن عمّار في خبره.

و أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد: قرأت على أبي عن أيّوب بن عباية قال قال حدثني سعيد بن عائشة مولى آل المطّلب بن عبد مناف قال:

/خرجت امرأة من بني زهرة في خفّ‏[3]، فرآها رجل من بني عبد شمس من أهل الشأم فأعجبته، فسأل عنها فنسبت له، فخطبها إلى أهلها فزوّجوه‏[إياها]بكره منها، فخرج بها إلى الشأم. [و خرجت مخرجا][4]، فسمعت متمثّلا يقول:

صوت من غير المائة المختارة

ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا # جبوب‏[5]المصلّى أم كعهدي القرائن؟

و هل أدؤر[6]حول البلاط عوامر # من الحيّ أم هل بالمدينة ساكن؟

إذا برقت نحو الحجاز سحابة # دعا الشوق منّي برقها المتيامن

فلم أتركنها رغبة عن بلادها # و لكنّه ما قدّر اللّه كائن‏

-عروضه من الطويل، يقال: إن لمعبد فيه لحنا-قال: فتنفّست بين النساء فوقعت ميّتة. قال أيّوب‏[7]:

فحدّثت بهذا الحديث عبد العزيز بن أبي ثابت الأعرج فقال: أتعرفها؟قلت لا. قال: هي و اللّه عمّتي حميدة بنت عمر بن عبد الرحمن بن عوف.

أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال أخبرني ابن عائشة قال: لمّا أجلى ابن الزّبير بني أميّة عن الحجاز قال أيمن بن خريم الأسديّ:

كأنّ بني أميّة يوم راحوا # و عرّي عن منازلهم صرار[8]

[1]كذا في م، د. و في سائر النسخ: «الهذلي» و هو خطأ؛ إذ الذي ورد في «كتب التراجم» أنه مطرّف بن عبد اللّه بن مطرف المدنيّ الفقيه شيخ البخاريّ، و أنه روى عنه إبراهيم بن المنذر.

[2]في ب، س: «أحسن» .

[3]كذا في ب، س. و في ر: «حي» و في سائر النسخ: «حق» و كلاهما تحريف؛ يقال: خرج فلان في خف من أصحابه أي في جماعة قليلة.

[4]هذه العبارة ساقطة من أ، م، ء، و المراد أنها خرجت مرة.

[5]في جميع الأصول: «جنوب» بالنون و هو تصحيف. و التصويب عن ياقوت. و الجبوب: الحجارة و الأرض الصلبة.

[6]كذا في أ، س. و في سائر النسخ من غير همز، و كلاهما صحيح.

[7]كذا في ت. و في سائر النسخ: «أبو أيوب» .

[8]في ب، س، م، أ: «صدار» بالدال. و صدار كغراب: موضع قرب المدينة. و صرار: جبل، و قد أورده. ياقوت و ذكر فيه هذا الشعر.

58

شماريخ الجبال إذا تردّت # بزينتها و جادتها القطار[1]

/و أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا محمد بن سعد الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن العتبىّ‏[2]قال:

كتب أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة إلى أبيه و هو متولّي الكوفة لعثمان بن عفّان:

من مبلغ عنّي الأمير بأنني # أرق بلا داء سوى الإنعاظ

إن لم تغثني خفت إثمك أو أرى # في الدار محدودا[3]بزرق لحاظ

يعني دار عثمان التي تقام فيها الحدود. فابتاع له جارية بالكوفة و بعث بها إليه. أخبرني عبد اللّه بن محمد الرّازي قال حدّثنا الخرّاز عن المدائنيّ قال:

كان أبو قطيفة من شعراء قريش، و كان ممن نفاه ابن الزبير مع بني أمية إلى الشأم، فقال في ذلك:

و ما أخرجتنا رغبة عن بلادنا # و لكنّه ما قدّر اللّه كائن

أحنّ إلى تلك الوجوه صبابة # كأنّي أسير في السّلاسل راهن‏

/و كان يتحرّق‏[4]على المدينة، فأتى عبّاد بن زياد ذات يوم عبد الملك فقال له: إنّ خاله أخبره أن العراقين قد فتحا. فقال عبد الملك لأبي قطيفة لما يعلمه من حبّه المدينة: أ ما تسمع ما يقوله عبّاد عن خاله؟قد طابت لك المدينة الآن. فقال أبو قطيفة:

إنّي لأحمق‏[5]من يمشي على قدم # إن غرّني من حياتي خال عبّاد

أنشا يقول لنا المصران قد فتحا # و دون ذلك يوم شرّه بادي‏

قال: و أذن له ابن الزّبير في الرجوع، فرجع فمات في طريقه.

قصر سعيد بن العاص بالعرصة و شي‏ء من أخباره‏

و أمّا خبر القصر الذي تقدّم ذكره و بيعه من معاوية، فأخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال ذكر مصعب بن عمّار[6]بن مصعب بن عروة بن الزّبير:

/أنّ سعيد بن العاص لمّا حضرته الوفاة و هو في قصره هذا، قال له ابنه عمرو: لو نزلت الى المدينة!فقال:

يا بنيّ، إنّ قومي لن يضنّوا عليّ بأن يحملوني على رقابهم ساعة من نهار، و إذا أنا مت فآذنهم‏[7]، فإذا واريتني فانطلق الى معاوية فانعني له، و انظر في ديني، و اعلم أنه سيعرض عليك قضاءه فلا تفعل، و اعرض عليه قصري [1]شماريخ الجبال: رءوسها، و أحدها شمراخ. و القطار: جمع قطر و هو المطر.

[2]في ت، حـ، س: «الضّبّي» :

[3]مقاما عليّ الحد.

[4]يتلهف شوقا إليها.

[5]في ت، أ، م، حـ، ر: «لأجبن» .

[6]كذا في أكثر النسخ. و في ت، حـ: «عثمان» و في ر: «مصعب بن عثمان بن عروة» . و عثمان بن عروة ذكره ابن قتيبة في «المعارف» ص 114.

[7]اذنهم: أعلمهم.

59

هذا، فإنّي إنما اتخذته نزهة و ليس بمال. فلما مات آذن به الناس، فحملوه من قصره حتى دفن بالبقيع، و رواحل عمرو بن سعيد مناخة، فعزّاه الناس على قبره و ودّعوه، فكان هو أوّل من نعاه لمعاوية[1]، فتوجّع له و ترحّم عليه، ثم قال: هل ترك دينا؟قال نعم. [قال: كم هو؟قال‏][2]ثلاثمائة ألف‏[درهم‏][2]. قال: هي عليّ. قال: قد ظنّ ذلك و أمرني ألاّ أقبله منك، و أن أعرض عليك بعض ماله فتبتاعه فيكون قضاء دينه منه. قال: فاعرض‏[عليّ‏][3].

قال: قصره بالعرصة. قال: قد أخذته بدينه. قال: هو لك على أن تحملها إلى المدينة و تجعلها بالوافية[4]. قال:

نعم. فحملها له إلى المدينة و فرّقها في غرمائه، و كان أكثرها عدات‏[5]. فأتاه شابّ من قريش بصكّ فيه عشرون ألف درهم بشهادة سعيد على نفسه و شهادة مولى له عليه. فأرسل إلى المولى فأقرأه الصّكّ، فلما قرأه بكى و قال:

نعم هذا خطّه و هذه شهادتي عليه. فقال له عمرو: من أين يكون لهذا الفتى عليه عشرون ألف درهم و إنما هو صعلوك من صعاليك قريش؟ قال: أخبرك عنه، مرّ سعيد بعد عزله، فاعترض له هذا الفتى و مشى معه حتى صار إلى منزله، فوقف له سعيد فقال: أ لك حاجة؟قال: لا، إلاّ أنّي رأيتك تمشي وحدك فأحببت أن أصل جناحك. فقال لي: ائتني بصحيفة، فأتيته بهذه، فكتب له على نفسه هذا الدّين و قال: إنك لم‏[6]تصادف عندنا شيئا فخذ هذا، /فإذا جاءنا شي‏ء فأتنا.

فقال عمرو: لا جرم و اللّه لا يأخذها إلا بالوافية، أعطيه إيّاها، فدفع إليه عشرين ألف درهم وافية.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا الصّلت بن مسعود قال حدّثنا سفيان بن عيينة قال حدّثنا هارون‏[7]المدائنيّ قال:

كان الرجل يأتي سعيد بن العاص يسأله فلا يكون عنده، فيقول: ما عندي، و لكن اكتب عليّ به، فيكتب عليه كتابا، فيقول: تروني‏[8]أخذت منه ثمن هذا؟لا، و لكنه يجي‏ء فيسألني فينزو[9]دم وجهه في وجهي فأكره ردّه.

فأتاه مولى لقريش بابن مولاه و هو غلام فقال: إنّ أبا هذا قد هلك و قد أردنا تزويجه. فقال: ما عندي، و لكن خذ ما شئت في أمانتي. فلما مات/سعيد بن العاص جاء الرجل إلى عمرو بن سعيد فقال: إنّي أتيت أباك بابن فلان، و أخبره بالقصّة. فقال له عمرو: فكم أخذت؟قال: عشرة آلاف. فأقبل عمرو على القوم فقال: من رأى أعجز من هذا!يقول له سعيد: خذ ما شئت في أمانتي فيأخذ عشرة آلاف!لو أخذت مائة ألف لأدّيتها عنك.

اعتداد أبي قطيفة بنسبه و هجوه عبد الملك بن مروان‏

أخبرني عمّي قال: حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن ابن الكلبيّ قال: قال أبو قطيفة-و كانت أمّه و أمّ [1]في أ، م، ء، ب، س: «إلى معاوية» و كلاهما صحيح.

[2]زيادة في ت.

[3]زيادة في ب، س، حـ، ر.

[4]الدرهم الوافي درهم و أربعة دوانق، و الدانق: سدس الدرهم.

[5]عطايا وعد بها.

[6]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «لن» و هو لا يناسب المقام.

[7]في ت، حـ، ر: «أبو هارون» و لم نعثر في «كتب التراجم» على هارون أو أبي هارون المدائنيّ حتى نرجح إحدى الروايتين. و ما عثرنا عليه فيها هو أن موسى بن أبي عيسى الغفاريّ أبا هارون المدنيّ الحنّاط روى عنه سفيان بن عيينة، و هو مشهور بكنيته؛ فلعله هو.

[8]في ب، س، حـ، ر: «أ تروني» بذكر همزة الاستفهام.

[9]كأن دم وجهه يثب في وجهي لشدّة احمراره خجلا من ذل السؤال. و في ب، س: «فيتردّد وجهه في وجهي... » .

60

خالد بن الوليد بن عقبة عمّة أروى بنت أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتّب‏[1]-

/أنا ابن أبي معيط حين أنمى # لأكرم ضئضئ‏[2]و أعزّ جيل

و أنمي للعقائل من قصيّ # و مخزوم فما أنا بالضّئيل

و أروى من كريز قد نمتني # و أروى الخير بنت أبي عقيل

كلا الحيّين من هذا و هذا # لعمر أبيك في الشّرف الطويل

فعدّد مثلهن أبا ذباب # ليعلم ما تقول ذوو العقول

فما الزّرقاء لي أمّا فأخزى # و لا لي في الأزارق من سبيل‏

قال: يعني بأبي الذّباب عبد الملك. و الزّرقاء: إحدى أمهاته من كندة، و كان يعيّر بها.

أخبرني الحسن بن عليّ قال أخبرني محمد بن زكريا قال حدّثنا قعنب بن المحرز قال حدّثنا المدائنيّ قال:

بلغ أبا قطيفة أنّ عبد الملك بن مروان يتنقّصه، فقال:

نبّئت أنّ ابن العملّس‏[3]عابني # و من ذا من الناس البري‏ء المسلّم؟

من انتم من انتم خبّرونا من انتم‏[4] # فقد جعلت أشياء تبدو و تكتم!

فبلغ ذلك عبد الملك فقال: ما ظننت أنّا نجهل، و اللّه لو لا رعايتي لحرمته لألحقته بما يعلم، و لقطّعت جلده بالسّياط.

شعر أبي قطيفة في امرأته بعد طلاقها

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن العتبيّ قال:

/طلّق أبو قطيفة امرأته، فتزوّجها رجل من أهل العراق، ثم ندم بعد أن رحل‏[5]بها الرجل و صارت له، فقال:

فيا أسفا لفرقة أمّ عمرو # و رحلة أهلها نحو العراق

فليس إلى زيارتها سبيل # و لا حتّى القيامة من تلاقي

و علّ اللّه يرجعها إلينا # بموت من حليل أو طلاق

فأرجع شامتا و تقرّ عيني # و يجمع شملنا بعد افتراق‏

[1]في حـ، ر: «عمرو بن معتب» و في ب، س: «عامر بن قعنب» .

[2]الضئضئ: الأصل و المعدن.

[3]في ت، ر: «القلمس» . و القلمس في اللغة: الرجل الداهية المفكر البعيد الغور. و العملس: الذئب الخبيث أو كلب الصيد الخبيث؛ و قد رجحناه لمناسبته لمقام الهجاء. و قد ورد هذا الشعر في «تاريخ ابن جرير الطبريّ» طبع ليدن قسم 2 ص 1175 «القلمس» و في تعليقاته عن نسخة أخرى: «العملس» .

[4]في «تاريخ ابن جرير الطبريّ» ص 1776

فمن أنتم ها خبّرونا من انتم‏

[5]كذا في ت. و في سائر النسخ: «دخل» .

61

مقتل سعيد بن عثمان بالمدينة

أخبرني عمّي و محمد بن جعفر قالا حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثنا محمد بن عليّ بن أبي‏[1]حسّان عن هشام بن محمد[2]عن خالد بن سعيد عن أبيه قال:

استعمل معاوية سعيد بن عثمان على خراسان، فلمّا عزله قدم المدينة بمال و سلاح و ثلاثين عبدا من السّغد[3]، فأمرهم أن يبنوا له دارا. فبينا هو جالس فيها و معه ابن سيحان و ابن زينة و خالد بن عقبة و أبو قطيفة إذ تآمروا[4]بينهم فقتلوه، فقال أبو قطيفة يرثيه-و قيل إنها لخالد بن عقبة-:

يا عين جودي بدمع منك تهتانا # و ابكي سعيد بن عثمان بن عفّانا

/إن ابن زينة لم تصدق مودّته # و فرّ عنه ابن أرطاة بن سيحانا[5]

2-ذكر معبد و بعض أخباره‏

نسب معبد و نشأته و وفاته‏

هو معبد بن وهب، و قيل ابن قطنيّ‏[6]مولى ابن قطر[7]، و قيل ابن قطن مولى العاص بن وابصة المخزوميّ، و قيل بل مولى معاوية بن أبي سفيان.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الزّهريّ قال:

معبد المغنّي ابن وهب مولى عبد الرحمن بن قطر.

و أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال قال ابن الكلبيّ: معبد مولى ابن قطر، و القطريون موالي معاوية بن أبي سفيان.

و أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو غسّان قال: معبد بن وهب مولى ابن قطن و هم موالي آل وابصة من بني مخزوم، و كان أبوه أسود و كان هو خلاسيّا[8]مديد القامة أحول.

[1]في أ، م، ء: «بن حسان» بسقوط لفظة «أبي» .

[2]انفردت نسخة ت بزيادة «عن أبيه» . و في «كتب التراجم» أن هشام بن محمد يروى عن خالد بن سعيد. فلعل هذه الزيادة غير صحيحة.

[3]السغد (بضم أوّله و سكون ثانيه) : ناحية كثيرة المياه نضرة الأشجار مؤنقة الرياض تمتد مسيرة خمسة أيام لا تقع الشمس على كثير من أراضيها و لا تبين القرى من خلال أشجارها، و قصبتها «سمرقند» ، و ربما قيلت بالصاد. (ياقوت) .

[4]مرجع الضمير فيه هم هؤلاء العبيد. قال ابن قتيبة: كان سعيد بن عثمان أعور بخيلا و قتل، و كان سبب قتله أنه كان عاملا لمعاوية على خراسان فعزله معاوية فأقبل معه برهن كانوا في يديه من أولاد الصغد إلى المدينة و ألقاهم في أرض يعملون له فيها بالمساحى «المجارف» ، فأغلقوا يوما باب الحائط و وثبوا عليه فقتلوه، فطلبوا فقتلوا أنفسهم. (انظر «المعارف» لابن قتيبة طبع ألمانيا ص 101) .

[5]في حـ:

و فرّ عنه ابن سيحان بن أرطانا

[6]لعل ضبطه بفتح القاف و الطاء و النون المكسورة و الياء المشدّدة؛ إذ أنه سمّى كثيرا بقطن بهذا الضبط، و لعل ذلك نسبة إليه.

[7]لم نعثر له على ضبط و لعله بفتح القاف و إسكان الطاء.

[8]الخلاسيّ بالكسر: الولد بين أبوين أبيض و أسود.

62

و ذكر ابن خرداذبه‏[1]أنه غنّى في أوّل دولة بني أمية، و أدرك دولة بني العباس، و قد أصابه الفالج و ارتعش و بطل، فكان إذا غنّى يضحك منه و يهزأ به. و ابن خرداذبه قليل التصحيح‏[2]لما يرويه و يضمّنه كتبه. و الصحيح أن معبدا مات في أيام الوليد بن يزيد بدمشق و هو عنده. و قد قيل: إنه أصابه الفالج قبل موته و ارتعش و بطل صوته.

فأمّا إدراكه دولة بني العباس فلم يروه أحد سوى ابن خرداذبه و لا قاله و لا رواه عن أحد، و إنما جاء به مجازفة.

/أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أيّوب بن عمر أبو سلمة المدينيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن عمران بن أبي فروة قال حدّثني كردم بن معبد المغنّي مولى ابن قطن قال:

مات أبي و هو في عسكر الوليد بن يزيد و أنا معه، فنظرت حين أخرج نعشه إلى سلاّمة القسّ (جارية يزيد بن عبد الملك) و قد أضرب الناس عنه ينظرون إليها و هي آخذة بعمود السّرير، و هي تبكي‏[3]أبي و تقول:

قد لعمري بتّ ليلي # كأخي الدّاء الوجيع

و نجيّ‏[4]الهمّ منّي # بات أدنى من ضجيعي

كلّما أبصرت ربع # خاليا فاضت دموعي

قد خلا من سيّدكا # ن لنا غير مضيع

لا تلمنا إن خشعنا # أو هممنا بخشوع‏

قال كردم: و كان يزيد أمر أبي أن يعلّمها هذا الصوت، فعلّمها إياه فندبته به يومئذ. قال: فلقد رأيت الوليد بن يزيد و الغمر أخاه متجرّدين في قميصين و رداءين يمشيان بين يدي سريره حتى أخرج من دار الوليد، لأنه تولّى أمره و أخرجه من داره إلى موضع قبره.

فأمّا نسبة هذا الصوت، فإنّ الشعر للأحوص، و الغناء لمعبد، ذكره يونس و لم يجنّسه. و ذكر الهشاميّ أنه ثاني ثقيل بالوسطى، قال: و فيه لحبابة[5]خفيف ثقيل، و لابن المكّيّ ثقيل أوّل نشيد. و فيه لسلاّمة القسّ عن إسحاق لحن من القدر الأوسط من الثّقيل الأوّل/بالوسطى في مجراها.

/أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال قال أبو عبيدة:

ذكر مولى لآل الزّبير-و كان منقطعا إلى جعفر و محمد ابني سليمان بن عليّ-: أنّ معبدا عاش حتى كبر و انقطع صوته، فدعاه رجل من ولد عثمان، فلمّا غنّى الشيخ لم يطرب القوم، و كان فيهم فتيان نزول‏[6]من ولد [1]كذا ضبط بالقلم في كتابه «المسالك و الممالك» المطبوع في ليون سنة 1307 هجرية ص 3، و ضبطه شارح «القاموس» بالعبارة مادة روم بقوله: «بضم الخاء و سكون الراء و فتح الدال بعدها ألف و كسر الذال المعجمة و سكون الياء التحتية و آخره هاء» . و كذا وجد مضبوطا بالقلم في ت.

[2]في ت «التحصيل» .

[3]في ت، حـ، ر: «و هي تندب» أي تبكيه و تذكره بحسن فعاله و جميل خصاله.

[4]النجىّ: المناجي، من النجوى و هي الحديث سرّا.

[5]في م، ب، س: «لحنان» و هو تحريف.

[6]هذه الكلمة ساقطة من ت، حـ، ر.

63

أسيد بن أبي العيص بن أميّة، فضحكوا منه و هزئوا به، فأنشأ يغنّي‏[1]:

فضحتم قريشا بالفرار و أنتم # قمدّون‏[2]سودان‏[3]عظام المناكب

فأمّا القتال لا قتال لديكم # و لكنّ سيرا في عراض المواكب‏

-و هذا شعر هجوا به قديما-فقاموا إليه ليتناولوه؛ فمنعهم العثمانيّ من ذلك و قال: ضحكتم منه حتى إذا أحفظتموه‏[4]أردتم أن تتناولوه، لا و اللّه لا يكون ذلك!قال إسحاق: فحدّثني ابن سلاّم قال أخبرني من رآه على هذه الحال فقال له: أصرت إلى ما أرى؟فأشار إلى حلقه و قال: إنّما كان هذا؛ فلمّا ذهب ذهب كلّ شي‏ء.

اعتراف المغنين لمعبد بالتفوق و السبق في صناعة الغناء

قال إسحاق: كان معبد من أحسن الناس غناء، و أجودهم صنعة، و أحسنهم حلقا[5]؛ و هو فحل المغنّين و إمام أهل المدينة في الغناء، و أخذ عن سائب خاثر، و نشيط مولى عبد اللّه بن جعفر، و عن جميلة مولاة بهز (بطن من سليم) ، و كان زوجها مولى لبني الحارث بن الخزرج؛ فقيل لها مولاة الأنصار لذلك. و في معبد يقول الشعر:

أجاد طويس و السّريجي بعده # و ما قصبات السّبق إلا لمعبد

/قال إسحاق قال ابن الكلبيّ عن أبيه: كان ابن أبي عتيق خرج إلى مكة فجاء معه ابن سريج إلى المدينة، فأسمعوه غناء معبد و هو غلام، و ذلك في أيام مسلم بن عقبة المرّيّ، و قالوا: ما تقول فيه؟فقال: إن عاش كان مغنّي بلاده. و لمعبد صنعة لم يسبقه إليها من تقدّم، و لا زاد عليه فيها من تأخّر. و كانت صناعته التجارة في أكثر أيام رقّه، و ربّما رعى الغنم لمواليه، و هو مع ذلك يختلف إلى نشيط الفارسيّ و سائب خاثر مولى عبد اللّه بن جعفر، حتى اشتهر بالحذق و حسن الغناء و طيب الصّوت. و صنع الألحان فأجاد و اعترف له بالتقدّم على أهل عصره.

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد قرأت على أبي:

قال الجمحيّ: بلغني أن معبدا قال: و اللّه لقد صنعت ألحانا لا يقدر شبعان ممتلئ و لا سقّاء يحمل قربة على الترنّم بها و لقد صنعت ألحانا لا يقدر المتّكئ أن يترنّم بها حتى يقعد مستوفزا[6]، و لا القاعد حتى يقوم.

قال إسحاق: و بلغني أن معبدا أتى ابن سريج و ابن سريج لا يعرفه، فسمع منه ما شاء، ثم عرض نفسه عليه و غنّاه و قال له: كيف كنت تسمع جعلت فداءك؟فقال له: لو شئت كنت قد كفيت بنفسك الطلب من غيرك. قال:

و سمعت من لا أحصي من أهل العلم بالغناء يقولون: لم يكن فيمن غنّى أحد أعلم بالغناء من معبد. قال: و حدّثني أيّوب بن عباية قال: دخلت على الحسن بن مسلم أبي العراقيب و عنده جاريته عاتكة، فتحدّث فذكر معبدا فقال:

[1]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «يقول» .

[2]في جميع الأصول: «تمدّون» بالتاء و هو تحريف. و التصويب عن «خزانة الأدب» للبغداديّ. و القمدّ (بضم القاف و الميم و تشديد الدال) : القويّ الشديد.

[3]سودان: جمع سود و هو جمع أسود، من السيادة. و الشعر للحارث بن خالد المخزوميّ. (انظر «البغدادي» طبع بولاق ج 1 ص 217) .

[4]أغضبتموه.

[5]كذا في ت بالحاء المهملة، و في سائر النسخ: «خلقا» بالخاء المعجمة.

[6]قعدة المستوفز، هي قعدة الجالس على هيئة كأنه يريد القيام. ـ

64

أدركته يلبس ثوبين ممشّقين‏[1]، و كان إذا غنّى علا منخراه‏[2]. فقالت عاتكة: يا سيّدي أ و أدركت معبدا؟قال: إي و اللّه و أقدم من معبد. فقالت: استحييت لك من هذا الكبر[3].

علوّ كعبه في صناعة الغناء

أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حمّاد: قرأت على أبي أخبرني محمد بن سلاّم قال حدّثني جرير/قال: قال معبد: قدمت مكة فقيل لي: إنّ ابن صفوان قد سبّق‏[4]بين المغنّين جائزة، فأتيت بابه فطلبت الدخول، فقال لي آذنه: قد تقدّم إليّ ألاّ آذن لأحد عليه و لا أوذنه‏[5]به. قال فقلت: دعني أدنو[6]من الباب فأغنّي صوتا. قال: أمّا هذا فنعم. فدنوت من الباب، فغنّيت‏[صوتا][7]، فقالوا: معبد!و فتحوا لي، فأخذت الجائزة يومئذ.

أخبرني الحسين قال نسخت من كتاب حمّاد: قال أبي: و ذكر عورك-و هو الحسن بن عتبة اللّهبيّ-أن الوليد بن يزيد كان يقول: ما أقدر على الحجّ. فقيل له: و كيف ذاك؟قال: يستقبلني أهل المدينة بصوتي معبد:

القصر فالنخل فالجمّاء بينهما

و «قتيلة» [8]يعني لحنه:

يوم تبدي لنا قتيلة عن جيـ # د تليع‏[9]تزينه الأطواق‏

قال إسحاق: قيل لمعبد: كيف تصنع إذا أردت أن تصوغ الغناء؟قال: أرتحل قعودي و أوقع بالقضيب على رحلي و أترنّم عليه بالشّعر حتى يستوي لي الصوت. فقيل له: ما أبين ذلك في غنائك! /قال إسحاق: و قال مصعب الزّبيريّ قال يحيى‏[10]بن عبّاد بن حمزة بن عبد اللّه بن الزّبير حدّثني أبي قال:

قال معبد: كنت غلاما مملوكا لآل قطن مولى‏[11]بني مخزوم، و كنت أتلقّى الغنم بظهر الحرّة، و كانوا تجارا أعالج لهم التجارة في ذلك، فآرتي صخرة بالحرّة ملقاة بالليل فأستند إليها[12]، فأسمع و أنا نائم صوتا يجري في مسامعي، فأقوم من النوم فأحكيه، فهذا كان مبدأ غنائي.

[1]مصبوغين بالمشق بالكسر و الفتح، و هو المغرة و هي صبغ أحمر.

[2]المنخر: ثقب الأنف.

[3]في ت، حـ، ر: «من هذه الكبرة» .

[4]يقال: سبّق إذا أخذ السّبق أو أعطاه فهو من الأضداد. (انظر «اللسان» في مادة سبق) .

[5]أي أمرني ألا أدخل عليه أحدا و لا أعلمه به.

[6]في ت، حـ، ر: «أدن» بغير واو و كلاهما صحيح.

[7]زيادة في ت.

[8]كذا في ت. و في حـ، ر: «و قتيلة يعني لحنه في» و هو قريب من الأوّل. و في سائر النسخ: «و قبيلة تغنّي في لحنه: في يوم تبدى لنا الخ» و هو تحريف ظاهر.

[9]تليع: طويل. و البيت للأعشى. (انظر «التاج» في مادة تلع) .

[10]كذا في جميع النسخ. و قد ذكر في «تقريب التهذيب» : «يحيى بن عباد بن حمزة بن عبد اللّه بن الزبير. و صوابه: عن عباد بن حمزة، و ما ليحيى مدخل في ذلك» . يعني أن يحيى يروي عن عباد بن حمزة، و ليس ابنا له.

[11]في ب، س: «موالي بني مخزوم» .

[12]كذا في ت. و في سائر النسخ: «بها» .

65

اعتراف مالك بن أبي السمح لمعبد بالتفوّق عليه في صنعة الغناء

أخبرني الحسين بن يحيى قال: نسخت من كتاب حمّاد: قال أبي قال محمد بن سعيد الدّوسيّ عن أبيه و محمد بن يزيد عن سعيد الدوسيّ عن الرّبيع بن أبي الهيثم قال:

كنّا جلوسا مع عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، فقال إنسان لمالك: أنشدك اللّه، أنت أحسن غناء أم معبد؟ فقال مالك: و اللّه ما بلغت شراكه قطّ، و اللّه لو لم يغنّ معبد إلا قوله:

لعمر أبيها لا تقول حليلتي # ألا فرّ عنّي مالك بن أبي كعب

و هم‏[1]يضربون الكبش تبرق بيضه # ترى حوله الأبطال في حلق شهب‏

لكان حسبه!. قال: و كان مالك إذا غنّى غناء معبد يخفّف‏[2]منه، ثم يقول: أطال الشعر معبد و مطّطه، و حذفته أنا. و تمام هذا الصوت:

صوت من غير المائة المختارة

لعمر أبيها لا تقول حليلتي # ألا فرّ عنّي مالك بن أبي كعب

و هم يضربون الكبش تبرق بيضه # ترى حوله الأبطال في حلق شهب

إذا أنفدوا الزّقّ الرّويّ و صرّعوا # نشاوى فلم أقطع بقولي لهم حسبي

بعثت إلى حانوتها فسبأتها # بغير مكاس في السّوام و لا غصب‏[3]

عروضه من الطويل. و الشعر لمالك بن أبي كعب بن القين الخزرجيّ أحد بني سلمة. هكذا ذكر إسحاق، و غيره يذكر أنه من مراد. و لهذا الشعر خبر طويل يذكر بعد هذا. و الغناء في البيتين الأوّلين لمعبد ثقيل أوّل بالوسطى، و من الناس من ينسبه إلى ابن سريج. و لمالك في الثالث و الرابع من الأبيات لحن من الثّقيل الأوّل بالسّبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، و من/الناس من ينسب هذا اللحن إلى معبد و يقول: إنّ مالكا أخذ لحنه فيه فحذف بعض نغمه و انتحله، و إن اللحن لمعبد في الأبيات الأربعة. و قد ذكر أنّ هذا الشعر لرجل من مراد، و روي له فيه حديث طويل. و قد أخرج خبره في ذلك و خبر مالك بن أبي كعب الخزرجيّ أبي‏[4]كعب بن مالك صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و آله في موضع آخر أفرد له، إذ كانت له أخبار كثيرة، و لأجله لا تصلح أن تذكر هاهنا.

رجع الخبر إلى معبد-أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو غسّان عن يونس الكاتب قال:

[1]الكبش: سيد القوم و قائدهم. و البيض: واحدتها بيضة و هي الخوذة توضع على الرأس وقت الحرب، و هي البيض بكسر الباء، جمع أبيض، و هي السيوف. و الحلق: واحدته حلقة، و هي الدرع.

[2]في ب، م: «تخفّف منه» .

[3]سبأ الخمر و استبأها: اشتراها. و ماكسه مماكسة و مكاسا: شاحّه. و السوام (بالضم) كالسوم: عرض السلع و تقدير أثمانها من البائع أو من المشتري.

[4]في ب، س: «أبيّ بن كعب بن مالك» و هو تحريف ظاهر.

66

معبد و ابن محرز

أقبلت من عند معبد، فلقيني ابن محرز ببطحان‏[1]، فقال: من أين أقبلت؟قلت: من عند أبي‏[2]عبّاد.

فقال: ما أخذت عنه؟قلت: غنّى صوتا فأخذته. قال: و ما هو؟قلت:

ما ذا تأمّل واقف جملا # في ربع دار عابه قدمه‏

-الشعر لخالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد-فقال لي: ادخل معي دار ابن هرمة و ألقه عليّ، فدخلت معه، فما زلت أردّده عليه حتى غنّاه، ثم قال: ارجع معي إلى أبي عبّاد، فرجعنا فسمعه منه، ثم لم نفترق‏[3]حتى صنع فيه ابن محرز لحنا آخر.

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

ما ذا تأمّل واقف جملا # في ربع دار عابه قدمه

أقوى و أقفر غير منتصب # لبد الرّمادة ناصع حممه‏[4]

غنّاه معبد، و لحنه ثقيل أوّل بالسّبّابة في مجرى الوسطى. و فيه خفيف ثقيل أوّل بالوسطى ينسب إلى الغريض و إلى ابن محرز. و ذكر عمرو بن بانة أنّ الثقيل الأوّل للغريض. و ذكر حبش أن فيه لمالك ثاني ثقيل بالوسطى. و فيه رمل بالوسطى ينسب إلى سائب خاثر، و ذكر حبش أنه لإسحاق.

قدوم ابن سريج و الغريض المدينة ثم ارتدادهما عنها بعد سماعهما صوت معبد

أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حمّاد: قال أبي قال ابن الكلبيّ:

قدم ابن سريج و الغريض المدينة يتعرّضان لمعروف أهلها، و يزوران من بها من صديقهما[5]من قريش و غيرهم. فلما شارفاها[6]تقدّما ثقلهما ليرتادا منزلا، حتى إذا كانا بالمغسلة[7]-و هي جبّانة على طرف المدينة يغسل فيها الثياب-إذا هما بغلام ملتحف بإزار و طرفه على رأسه، بيده حبالة يتصيّد بها الطير و هو يتغنّى و يقول:

القصر فالنخل فالجمّاء بينهما # أشهى إلى النفس من أبواب جيرون‏

و إذا الغلام معبد. قال: فلمّا سمع ابن سريج و الغريض معبدا مالا إليه و استعاداه الصوت فأعاده، فسمعا شيئا [1]بضم فسكون، كذا يقوله المحدّثون أجمعون. و حكى أهل اللغة: بطحان كقطران، و قيل فيه بطحان بفتح فسكون. و هو أحد أودية المدينة الثلاثة، و هي العقيق و بطحان و قناة. (انظر «التاج» مادة بطح) .

[2]كذا في جميع النسخ. و في ب، س: «من أين أقبلت؟قلت من عند معبد، فلقيني ابن أبي عباد فقال الخ» و هي زيادة مخلة بالمعنى.

[3]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «فسمعته منه ثم لم نعترف» و هو تحريف.

[4]لبد الرمادة: متلصّقها؛ يقال: تلبد الشعر و الصوف إذا تلصّق، و تلبد التراب و الرمل كذلك، و لبده المطر. و هو وصف لربع في البيت السابق. و الحمم: واحدته حممة، و هي الرماد و الفحم و كل ما احترق من النار.

[5]الصديق: يقال للواحد و الجمع؛ قال تعالى: (فَمََا لَنََا مِنْ شََافِعِينَ `وَ لاََ صَدِيقٍ حَمِيمٍ) .

[6]شارف الشي‏ء: دنا منه و قرب.

[7]ضبطه في «القاموس» كمنزلة.

67

لم يسمعا بمثله قطّ. فأقبل أحدهما على صاحبه فقال: هل سمعت كاليوم قطّ؟قال: لا و اللّه!فما رأيك؟قال ابن سريج: هذا غناء غلام يصيد الطير، فكيف بمن في الجوبة[1]!-يعني المدينة-قال: أمّا أنا فثكلته والدته إن لم أرجع. قال: فكرّا راجعين.

قدوم معبد مكة و ما وقع بينه و بين الغريض‏

قال: و قال معبد: قدمت مكة، فذهب بي بعض القرشيّين إلى الغريض، فدخلنا عليه و هو متصبّح‏[2]، فانتبه من صبحته و قعد، فسلّم عليه القرشيّ، و سأله فقال له: هذا معبد قد أتيتك به، و أنا أحبّ/أن تسمع منه. قال: هات، فغنّيته أصواتا. فقال بمدرى‏[3]معه في رأسه، ثم قال: إنك يا معبد لمليح الغناء. قال: /فاحفظني ذلك، فجثوت على ركبتيّ، ثم غنّيته من صنعتي عشرين صوتا لم يسمع بمثلها قطّ، و هو مطرق واجم قد تغيّر لونه حسدا و خجلا.

ما وقع بين معبد و بين حكم الوادي‏

قال إسحاق: و أخبرت عن حكم الواديّ قال: كنت أنا و جماعة من المغنّين نختلف إلى معبد نأخذ عنه و نتعلّم منه، فغنّانا يوما صوتا من صنعته و أعجب به، و هو:

القصر فالنخل فالجمّاء بينهما

فاستحسنّاه و عجبنا منه. و كنت في ذلك اليوم أوّل من أخذه عنه و استحسنه منّي فأعجبتني نفسي. فلما انصرفت من عند معبد عملت فيه لحنا آخر و بكّرت على معبد مع أصحابي و أنا معجب بلحني. فلما تغنّينا أصواتا قلت له: إنّي قد عملت بعدك في الشعر الذي غنّيتناه لحنا، و اندفعت فغنّيته صوتي، فوجم معبد ساعة يتعجّب منّي ثم قال: قد كنت أمس أرجى منّي لك اليوم، و أنت اليوم عندي أبعد من الفلاح. قال حكم: فأنسيت-يعلم اللّه- صوتي ذلك منذ تلك الساعة فما ذكرته إلى وقتي هذا.

ما وقع بين معبد و هو في طريقه إلى بعض أمراء الحجاز و بين العبد الأسود

قال إسحاق: و قال معبد: بعث إليّ بعض أمراء الحجاز-و قد كان جمع له الحرمان-أن اشخص إلى مكة، فشخصت. قال: فتقدّمت غلامي في بعض تلك الأيام، و اشتدّ عليّ الحرّ و العطش، فانتهيت إلى خباء فيه أسود و إذا حباب‏[4]ماء قد برّدت، فملت إليه فقلت: يا هذا، اسقني من هذا الماء. فقال لا. فقلت: فأذن لي في الكنّ‏[5] ساعة. قال لا. فأنخت ناقتي و لجأت إلى ظلّها فاستترت به، و قلت: لو أحدثت لهذا الأمير شيئا من الغناء أقدم به [1]كذا في الأصل. و قد ذكر ياقوت للمدينة تسعة و عشرين اسما لم يذكر من بينها هذا الاسم. و أقرب الأسماء إليه «المحومة» . فلعل ما هنا محرّف عنه، أو أنه هو الذي أطلق هذا الاسم على المدينة؛ لأن الجوبة هي الموضع ينجاب في الحرّة، و المدينة بين حرّتين تكتنفانها.

[2]التصبّح: النوم بالغداة.

[3]قال ابن الأثير: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال و تطلقه على غير الكلام و اللسان، فتقول: قال بيده أي أخذ، و قال برجله أي مشى‏

و قالت له العينان سمعا و طاعة

أي أومأت؛ و منه الحديث «قال بالماء على يده» أي قلب، و «قال بثوبه هكذا» أي رفعه، و كل ذلك على المجاز و الاتّساع. فهو هنا من هذا القبيل. و المراد أنه حكّ رأسه بهذه المدرى، و هي حديدة يحكّ بها الرأس.

[4]جمع حب (بالضم) و هي الجرّة صغيرة كانت أو كبيرة.

[5]الكنّ: ما وقاك من حرّ أو برد، أي ائذن لي في أن أستظلّ بكنك ساعة من جهد الحرّ و العطش.

68

عليه، و لعلّي إن حرّكت لساني أن يبلّ حلقي اريقي فيخفّف عنّي بعض ما أجده من العطش!فترنّمت بصوتي:

القصر فالنخل فالجمّاء بينهما

/فلما سمعني الأسود، ما شعرت به إلا و قد احتملني حتى أدخلني خباءه، ثم قال: أي، بأبي أنت و أمي!هل لك في سويق السّلت‏[1]بهذا الماء البارد؟فقلت: قد منعتني أقلّ من ذلك، و شربة ماء تجزئني. قال: فسقاني حتى رويت، و جاء الغلام فأقمت عنده إلى وقت الرّواح. فلما أردت الرّحلة قال: أي، بأبي أنت و أمي!الحرّ شديد و لا آمن عليك مثل الذي أصابك، فأذن لي‏[في‏][2]أن أحمل معك قربة من ماء على عنقي و أسعى بها معك، فكلّما عطشت سقيتك صحنا و غنّيتني صوتا!قال: قلت ذاك لك. فو اللّه ما فارقني يسقيني و أغنّيه حتى بلغت المنزل.

نسخت من كتاب جعفر بن قدامة بخطّه: حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الزّبير[3]عن جرير قال:

معبد و ابن سريج، التقاؤهما عفوا ببطن مرّ ثم تعارفهما بصوتيهما

كان معبد خارجا إلى مكة في بعض أسفاره، فسمع في طريقه غناء في «بطن مرّ» [4]فقصد الموضع، فإذا رجل جالس على حرف بركة فارق شعره حسن الوجه، عليه درّاعة[5]قد صبغها بزعفران، و إذا هو يتغنّى:

صوت‏

حنّ قلبي من بعد ما قد أنابا # و دعا الهمّ شجوه فأجابا

ذاك من منزل لسلمى خلاء # لابس من خلائه جلبابا

عجبت فيه و قلت للرّكب عوجوا[6] # طمعا أن يردّ ربع جوابا

فاستثار المنسيّ من لوعة الحب و أبدى # الهموم و الأوصابا

//فقرع معبد بعصاه و غنّى:

منع الحياة من الرجال و نفعها # حدق تقلّبها النساء مراض

و كأنّ أفئدة الرجال إذا رأوا # حدق النساء لنبلها أغراض‏

فقال له ابن سريج: باللّه أنت معبد؟قال: نعم، و باللّه‏[7]أنت ابن سريج؟قال: نعم، و و اللّه لو عرفتك ما غنّيت بين يديك.

[1]قال الليث: السّلت: شعير لا قشر له أجرد؛ زاد الجوهريّ كأنه الحنطة، يكون بالغور و الحجاز، يتبرّدون بسويقه في الصيف.

و السويق: ما يتخذ من الحنطة و الشعير.

[2]زيادة في ت. و في أ، م، ء: «بأن» .

[3]في حـ، ر: «الزبيري» .

[4]بطن مرّ (بفتح الميم و تشديد الراء) : من نواحي مكة عنده يجتمع وادي النخلتين فيصيران واديا واحدا (ياقوت) . و قال في «القاموس» : إنه موضع على مرحلة من مكة و يقال له: «مرّ الظهران» .

[5]الدّرّاعة: جبة مشقوقة المقدّم.

[6]في «الديوان» :

ظلت فيه و الركب حولى وقوف‏

و عجت فيه: وقفت به و أقمت

[7]في أ، ب، س، م، ء: «قال نعم، فسألته أ أنت ابن سريج الخ» .

69

نسبة هذين الصوتين و أخبارهما

صوت‏

حنّ قلبي من بعد ما قد أنابا # و دعا الهمّ شجوه فأجابا

فاستثار المنسي من لوعة الحبّ # و أبدى‏[1]الهموم و الأوصابا

ذاك من منزل لسلمى خلاء # مكتس من عفائه جلبابا

عجت فيه و قلت للرّكب عوجوا # طمعا أن يردّ ربع جوابا

ثانيا من زمام و جناء عنس # قانيا لونها يخال خضابا[2]

جدّها الفالج الأشمّ من البخـ # ت و خالاتها انتخبن عرابا[3]

/الشعر لعمر بن أبي ربيعة. و الغناء لابن سريج، و له فيه لحنان: رمل بالسّبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق، و خفيف ثقيل أوّل‏[4]بالبنصر عن عمرو.

صوت‏

منع الحياة من الرجال و نفعها # حدق تقلّبها النساء مراض

و كأنّ أفئدة الرجال إذا رأوا # حدق النساء لنبلها أغراض‏

الشعر للفرزدق، و الغناء لمعبد ثقيل أوّل عن الهشاميّ:

أخبرني محمد بن مزيد[5]بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن سياط قال حدّثني يونس الكاتب قال:

رحلة معبد إلى الأهواز و ما وقع بينه و بين الجواري المغنيات بالسفينة

كان معبد قد علّم جارية من جواري الحجاز الغناء-تدعى «ظبية» [6]-و عني بتخريجها، فاشتراها رجل من أهل العراق فأخرجها إلى البصرة و باعها هناك، فاشتراها رجل من أهل الأهواز، فأعجب بها و ذهبت به كلّ مذهب [1]في حـ، ر: «و سوى» و في ت: «و سر» و هما محرفان عن «شرى» التي في «الديوان» .

[2]روى في «الديوان» :

ثانيا من زمام و جناء حرف # عاتك لونها يحاكي الضبابا

و الوجناء: الناقة الشديدة. و اشتقاقه من الوجين و هي الأرض الصلبة أو الحجارة. و العنس هنا: الناقة الصلبة القوية. و الحرف من الإبل: النجيبة الماضية التي أنضتها الأسفار، شبهت بحرف السيف في مضائها و نجائها و دقتها و قنأ كمنع قنوءا و قنا قنوّا: اشتدت حمرته، و العاتك: الأحمر، يقال: عتكت القوس إذا احمرّت من القدم و طول العهد.

[3]قال الجوهريّ في «الصحاح» : الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين يحمل من السند للفحلة. و البخت و البختية: الإبل الخراسانية تنتج من بين عربية و فالج. و العراب: العربية و هي خلاف البراذين و البخاتي، جمع عربي و هو جمع خاص بالخيل و الإبل، يقال في الناس: عرب و أعراب، و في الخيل و الإبل: عراب. قال في «اللسان» : و قد قالوا: خيل أعرب و إبل أعرب. و قد روى في ت: «من النجب» و هي مستقيمة أيضا.

[4]هذه الكلمة ساقطة من ت، حـ، ر.

[5]في حـ، ب، س: «يزيد» . و لم نعثر على هذا الاسم حتى نرجح إحدى الروايتين.

[6]في ت: «طيبة» .

70

و غلبت عليه، ثم ماتت بعد أن أقامت عنده برهة[1]من الزمان و أخذ جواريه أكثر غنائها عنها، فكان لمحبّته إيّاها و أسفه عليها لا يزال يسأل عن أخبار معبد و أين مستقرّه، و يظهر التعصّب له و الميل إليه و التقديم لغنائه على سائر أغاني أهل عصره إلى أن عرف ذلك منه. و بلغ معبدا خبره، فخرج من مكة حتى أتى البصرة، فلمّا وردها صادف الرجل قد خرج عنها في ذلك اليوم إلى الأهواز فاكترى سفينة. و جاء معبد يلتمس سفينة ينحدر فيها إلى الأهواز، فلم يجد غير سفينة الرجل، و ليس يعرف أحد منهما صاحبه، فأمر الرجل الملاّح أن يجلسه معه في مؤخّر السفينة ففعل و انحدروا. فلما صاروا في فم نهر الأبلّة[2]/تغدّوا و شربوا، و أمر جواريه فغنّين، و معبد ساكت و هو في ثياب السّفر، و عليه فرو و خفّان غليظان و زيّ جاف من/زيّ أهل الحجاز، إلى أن غنّت إحدى الجواري:

صوت‏

بانت سعاد و أمسى حبلها انصرما # و احتلّت الغور فالأجزاع من إضما[3]

إحدى بليّ و ما هام الفؤاد بها # إلاّ السفاه و إلاّ ذكرة حلما[4]

-قال حمّاد: و الشعر للنابغة الذّبيانيّ. و الغناء لمعبد، خفيف ثقيل أوّل بالبنصر، و فيه لغيره ألحان قديمة و محدثة-فلم تجد أداءه، فصاح بها معبد: يا جارية، إنّ غناءك هذا ليس بمستقيم. قال: فقال له مولاها و قد غضب: و أنت ما يدريك الغناء ما هو؟أ لا[5]تمسك و تلزم شأنك!فأمسك. ثم غنّت أصواتا من غناء غيره و هو ساكت لا يتكلّم، حتى غنّت:

صوت‏

بابنة الأزديّ قلبي كئيب # مستهام عندها ما ينيب

و لقد لاموا فقلت دعوني # إنّ من تنهون عنه حبيب

إنّما أبلى عظامي و جسمي # حبّها و الحبّ شي‏ء عجيب‏

[1]قال ابن السكيت: البرهة بالفتح و الضم: الزمان الطويل، و قال غيره: الزمان مطلقا.

[2]الأبلّة: بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة. و يقال فيه: الأبلة بفتح الهمزة و الباء (ياقوت) .

[3]كذا في حـ، ر. و ب، س: «الغور فالأجراع» بالراء المهملة. و في أكثر النسخ الخطية: «الغور و الأجزاع» . و «الغور» : المطمئن من الأرض، و «الأجراع» : جمع جرع و هو مفرد أو هو جرعة، و هي الرملة الطيبة المنبت لا وعوثة فيها. و «إضم» بكسر ففتح:

واد بجبل تهامة، و هو الوادي الذي فيه المدينة. و قد ورد هذا البيت في «ديوان النابغة» المطبوع بباريس هكذا:

بانت سعاد و أمسى حبلها انجذما # و احتلت الشّرع فالأجزاع من إضما

و «شرع» : قرية على شرقيّ ذرة مزارع و نخيل على عيون، و واديها يقال له: رخيم. و «الأجزاع» : جمع جزع بالكسر-و قال أبو عبيدة: اللائق به أن يكون مفتوحا-: منعطف الوادي. و في «التاج» مادة «أضم»

و احتلت الشرع فالخبتين من إضما

و الخبت: المتسع من بطون الأرض. (انظر ياقوت و «القاموس» و «شرحه» في هذه المواد) .

[4] «بليّ» كغنيّ: اسم قبيلة. و السفاه: الطيش و خفة الحلم. و الذكرة (بالكسر و الضم) : نقيض النسيان. و في ت:

إلا السفاه و إلا ذكرها حلما

[5]في ت: «لم لا تمسك الخ» .

71

أيّها العائب عندي هواها # أنت تفدي من أراك تعيب‏

-و الشعر لعبد الرحمن بن أبي بكر، و الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالسّبّابة في مجرى البنصر-قال: فأخلّت ببعضه.

فقال لها معبد: يا جارية، لقد أخللت بهذا الصوت إخلالا شديدا. فغضب الرجل و قال له: ويلك!ما أنت و الغناء! أ لا تكفّ عن هذا الفضول!فأمسك. و غنّى الجواري مليّا، ثم غنّت إحداهنّ:

صوت‏

خليليّ عوجا فابكيا[1]ساعة معي # على الرّبع نقضي حاجة و نودّع

و لا تعجلاني أن ألمّ بدمنة # لعزّة لاحت لي ببيداء بلقع

و قولا لقلب قد سلا: راجع الهوى # و للعين: أذري من دموعك أو دعي

فلا عيش إلا مثل عيش مضى لنا # مصيفا أقمنا فيه من بعد مربع‏

-الشعر لكثيّر، و الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى، و فيه رمل للغريض-قال: فلم تصنع فيه شيئا. فقال لها معبد: يا هذه، أ ما تقوين‏[2]على أداء صوت واحد؟فغضب الرجل و قال له: ما أراك تدع هذا الفضول بوجه و لا حيلة!و أقسم باللّه لئن عاودت لأخرجنّك من السفينة، فأمسك معبد، حتى إذا سكتت/الجواري سكتة اندفع يغنّي الصوت الأوّل حتى فرغ منه، فصاح الجواري: أحسنت و اللّه يا رجل!فأعده. فقال: لا و اللّه و لا كرامة. ثم اندفع يغنّي الثاني، فقلن لسيدهنّ: ويحك!هذا و اللّه أحسن الناس غناء، فسله أن يعيده علينا و لو مرّة واحدة لعلّنا نأخذه عنه، فإنه إن فاتنا لم نجد مثله أبدا. فقال: قد سمعتنّ سوء ردّه عليكنّ و أنا خائف مثله منه، و قد أسلفناه الإساءة، فاصبرن حتى نداريه. ثم غنّى الثالث، فزلزل عليهم الأرض. فوثب الرجل فخرج إليه و قبّل رأسه و قال: يا سيّدي/أخطأنا عليك و لم نعرف موضعك. فقال له: فهبك لم تعرف موضعي، قد كان ينبغي لك أن تتثبّت و لا تسرع إليّ بسوء العشرة و جفاء القول. فقال له: قد أخطأت و أنا أعتذر إليك مما جرى، و أسألك أن تنزل اليّ و تختلط بي. فقال: أمّا الآن فلا. فلم يزل يرفق به حتى نزل إليه. فقال‏[3]له الرجل: ممن أخذت هذا الغناء؟قال: من بعض أهل الحجاز، فمن أين أخذه جواريك؟فقال: أخذنه من جارية كانت لي ابتاعها رجل من أهل البصرة من مكة، و كانت قد أخذت عن أبي عبّاد معبد و عني بتخريجها، فكانت تحلّ منّي محلّ الروح من الجسد، ثم استأثر اللّه عزّ و جلّ بها، و بقي هؤلاء الجواري و هنّ من تعليمها، فأنا إلى الآن أتعصّب لمعبد و أفضّله على المغنّين جميعا و أفضّل صنعته على كل صنعة. فقال له معبد: أو إنك‏[4]لأنت هو!أ فتعرفني؟قال لا. قال: فصكّ‏[5]معبد بيده صلعته ثم قال: فأنا و اللّه معبد، و إليك قدمت من الحجاز، و وافيت البصرة ساعة نزلت السفينة لأقصدك بالأهواز، و و اللّه لا قصّرت في جواريك هؤلاء، و لأجعلنّ لك في كلّ واحدة منهنّ خلفا من الماضية. فأكبّ الرجل و الجواري على يديه و رجليه يقبّلونها و يقولون: كتمتنا نفسك طول/هذا [1]في جميع الأصول: «عوجا منكما» . و التصويب من نسخة «مسالك الأبصار» المخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم 99 تاريخ م.

[2]في أ، ت، ء، م: «أ ما تقومين» .

[3]في ت: «فقال: أيها الرجل» .

[4]في ت: «و إنك لأنت هو» بغير همزة الاستفهام.

[5]صكّ: ضرب. ـ

72

[اليوم‏][1]حتى جفوناك في المخاطبة، و أسأنا عشرتك، و أنت سيّدنا و من نتمنّى على اللّه أن نلقاه. ثم غيّر الرجل زيّه و حاله و خلع عليه عدّة خلع، و أعطاه في وقته ثلاثمائة دينار و طيبا و هدايا بمثلها، و انحدر معه إلى الأهواز، فأقام عنده حتى رضي حذق جواريه و ما أخذنه عنه، ثم ودّعه و انصرف إلى الحجاز.

غناء معبد للوليد بن يزيد

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف و عبد الباقي بن قانع قالا: حدّثنا محمد بن زكريّا الغلابيّ‏[2]قال حدّثني مهديّ بن سابق قال حدّثني سليمان بن غزوان مولى هشام قال حدّثني عمر القاري‏[3]بن عديّ قال:

قال الوليد بن يزيد يوما: لقد اشتقت إلى معبد، فوجّه البريد إلى المدينة فأتى بمعبد، و أمر الوليد ببركة قد هيّئت له فملئت بالخمر و الماء، و أتيّ بمعبد فأمر به فأجلس و البركة بينهما، و بينهما ستر قد أرخي، فقال له غنّني يا معبد:

صوت‏

لهفي على فتية ذلّ الزمان لهم # فما أصابهم إلا بما شاءوا

ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم # حتى تفانوا و ريب الدهر عدّاء

أبكى فراقهم عيني و أرّقها # إنّ التفرّق للأحباب بكّاء

-الغناء لمعبد خفيف ثقيل، و فيه ليحيى المكّيّ رمل، و لسليمان هزج، كلّها رواية الهشاميّ-قال: فغنّاه إيّاه، فرفع الوليد السّتر و نزع ملاءة مطيّبة كانت عليه/و قذف نفسه في تلك البركة، فنهل فيها نهلة، ثم أتي بأثواب غيرها و تلقّوه بالمجامر[4]و الطّيب، ثم قال غنّني:

صوت‏

يا ربع مالك لا تجيب متيّما # قد عاج نحوك زائرا و مسلّما

جادتك كلّ سحابة[5]هطّالة # حتى ترى عن زهرة[6]متبسّما

-الغناء لمعبد ثاني ثقيل بالوسطى و الخنصر عن ابن المكيّ. و فيه لعلّوية ثاني ثقيل/آخر بالبنصر في مجراها [1]زيادة في ت.

[2]في ت: «العلائي» و هو تحريف؛ إذ هو أبو بكر محمد بن زكريا بن دينار الغلابيّ البصري. كذا أورده السيد مرتضى في مادة غلب في كلامه على من سمى بغلاب كسحاب. و ضبطه السمعاني بفتح الغين المعجمة و اللام. و أورده ابن النديم في «الفهرست» و قال: إنه أبو عبد اللّه محمد بن زكريا بن دينار الغلابي أحد الرواة للسّير و الأحداث و المغازي و غير ذلك، و ذكر له أسماء مؤلفات عدّة (انظر «الفهرست» طبع ليبزج ص 108) .

[3]كذا في أ، ء. و في حـ، ر، ب، س: «عمرو بن القارئ بن عدي» . و في ت: «عمر بن القاري بن عدي» و في م: «عمر القادري بن عدي» . و لم نعثر على هذا الاسم حتى ترجح بعضها. و قد ورد هذا الاسم في الصفحة الآتية: «القارئ بن عدي» .

[4]المجامر: جمع مجمرة (بكسر الميم) و هي المبخرة. و المجمر بحذف الهاء: ما يبخر به من عود و غيره، و قد يراد به ما يراد بالمجمرة أيضا.

[5]في حـ: «سحية» بالحاء و هي محرّفة عن «سخيّة» .

[6]الزّهرة: البهجة و النضارة و الحسن. و قد صوّبه الشنقيطيّ:

حتى يرى عن زهره متبسما

بالالتفات من الخطاب إلى الغيبة.

73

عنه-قال: فغنّاه فدعا له بخمسة عشر ألف دينار فصبّها بين يديه، ثم قال: انصرف إلى أهلك و اكتم ما رأيت.

و أخبرني بهذا الخبر عمّي فجاء ببعض معانيه و زاد فيه و نقص، قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزّيات قال حدّثني سليمان بن سعد[1]الحلبيّ قال:

سمعت القاري بن عديّ يقول: اشتاق الوليد بن يزيد إلى معبد، فوجّه إليه إلى المدينة فأحضر. و بلغ الوليد قدومه، فأمر ببركة بين يدي مجلسه فملئت ماء ورد قد خلط بمسك و زعفران، ثم فرش للوليد في داخل البيت على حافة البركة، و بسط لمعبد مقابله على حافة البركة، ليس معهما ثالث، و جي‏ء بمعبد فرأى سترا مرخى و مجلس رجل واحد. فقال له الحجّاب: يا معبد، سلّم على أمير المؤمنين و اجلس في هذا الموضع؛ فسلّم فردّ عليه الوليد السّلام من خلف السّتر، ثم قال له: حيّاك اللّه يا معبد!أ تدري لم وجّهت/إليك؟قال: اللّه أعلم و أمير المؤمنين.

قال: ذكرتك فأحببت أن أسمع منك. قال معبد: أ أغنّي ما حضر أم ما يقترحه أمير المؤمنين؟قال: بل غنّني:

ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم # حتى تفانوا و ريب الدهر عدّاء

فغنّاه، فما فرغ منه حتى رفع الجواري السّجف، ثم خرج الوليد فألقى نفسه في البركة فغاص فيها ثم خرج منها، فاستقبله الجواري بثياب غير الثياب الأولى، ثم شرب و سقى معبدا، ثم قال له: غنّني يا معبد:

يا ربع مالك لا تجيب متيّما # قد عاج نحوك زائرا و مسلّما

جادتك كلّ سحابة هطّالة # حتى ترى عن زهرة متبسّما

لو كنت تدري من دعاك أجبته # و بكيت من حرق عليه إذا دما

قال: فغنّاه، و أقبل الجواري فرفعن السّتر، و خرج الوليد فألقى نفسه في البركة فغاص فيها ثم خرج، فلبس ثيابا غير تلك، ثم شرب و سقى معبدا، ثم قال له: غنّني. فقال: بما ذا يا أمير المؤمنين؟قال غنّني:

عجبت لمّا رأتني # أندب الربع المحيلا[2]

واقفا في الدار أبكي # لا أرى إلا الطّلولا

كيف تبكي لأناس # لا يملّون الذّميلا؟[3]

كلّما قلت اطمأنّت # دارهم قالوا[4]الرّحيلا

قال: فلمّا غنّاه رمى نفسه في البركة ثم خرج، فردّوا عليه ثيابه، ثم شرب و سقى معبدا، ثم أقبل عليه الوليد فقال له: يا معبد، من أراد أن يزداد عند الملوك حظوة/فليكتم أسرارهم. فقلت: ذلك ما لا يحتاج أمير المؤمنين إلى إيصائي به. فقال: يا غلام، احمل إلى معبد عشرة آلاف دينار تحصّل‏[5]له في بلده و ألفي دينار لنفقة طريقه، [1]في ت: «سعيد» و في خـ، ر: «سعيد الخير» . و لم نعثر على هذا الاسم حتى نرجح إحدى ما في الأصول.

[2]المحيل: الذي أتت عليه أحوال فغيّرته.

[3]الذميل كأمير: السير اللّين ما كان أو هو فوق العنق.

[4]في ت: «صاحوا» و في «نهاية الأرب» ج 4 ص 281: «جدّوا» .

[5]أي تدفع و تسلّم.

74

فحملت إليه كلّها، و حمل على البريد[1]من وقته إلى المدينة.

خبر معبد مع الرجل الشاميّ الذي لم يستحسن غناءه‏

قال إسحاق: و قال معبد: أرسل إليّ الوليد بن يزيد فأشخصت إليه. فبينا أنا يوما في بعض حمّامات الشأم إذ دخل عليّ رجل له هيبة و معه غلمان له، فاطّلى‏[2]و اشتغل به صاحب الحمّام عن سائر الناس. فقلت: و اللّه لئن لم أطلع هذا على بعض ما عندي لأكوننّ/بمزجر الكلب؛ فاستدبرته حيث يراني و يسمع منّي، ثم ترنّمت، فالتفت إليّ و قال للغلمان: قدّموا إليه‏[جميع‏][3]ما هاهنا، فصار جميع ما كان بين يديه عندي. قال: ثم سألني أن أسير معه إلى منزله فأجبته، فلم يدع من البرّ و الإكرام شيئا إلا فعله، ثم وضع النبيذ، فجعلت لا آتي بحسن إلاّ خرجت إلى ما هو أحسن منه و هو لا يرتاح و لا يحفل لما[4]يرى منّي. فلما طال عليه أمري قال: يا غلام، شيخنا شيخنا، فأتي بشيخ، فلما رآه هشّ إليه، فأخذ الشيخ العود ثم اندفع يغنّي.

سلّور في القدر و يلي علوه‏[5] # جاء القطّ أكله و يلي علوه‏[5]

-/السّلّور: السّمك الجرّيّ‏[6]بلغة أهل الشأم-قال: فجعل صاحب المنزل يصفّق و يضرب برجله طربا و سرورا. قال: ثم غنّاه:

و ترميني حبيبة بالدّراقن‏[7] # و تحسبني حبيبة لا أراها

-الدّراقن: اسم الخوخ بلغة أهل الشأم-قال: فكاد أن يخرج من جلده طربا. قال: و انسللت منهم فانصرفت و لم يعلم بي. فما رأيت مثل ذلك اليوم قطّ غناء أضيع، و لا شيخا أجهل! [1]البريد: مسافة تقدّر باثني عشر ميلا، و يطلق على الرسول المرتب لنقل الرسائل. و قد قال الخليل بن أحمد: إنه عربيّ مشتق من بردت الحديد إذا أرسلت ما يخرج منه، أو من برد إذا ثبت لأنه يأتي بما تستقرّ عليه الأخبار. و ذهب آخرون إلى أنه فارسيّ معرّب.

قال ابن الأثير في «النهاية» : إن أصله «بريده دم» و معناه مقصوص الذنب. و ذلك أن ملوك الفرس كان من عادتهم أنهم إذا أقاموا بغلا في البريد قصّوا ذنبه ليكون علامة على أنه من بغال البريد.

و قد كان البريد موجودا في عهد الأكاسرة من ملوك الفرس و القياصرة ملوك الروم. أما في الإسلام فقد ذكر أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» : أن أوّل من وضعه في الإسلام معاوية بن أبي سفيان و أحكمه بعده عبد الملك بن مروان ا هـ باختصار عن «صبح الأعشى» ج 14 ص 366-372.

[2]اطّلى: لطخ نفسه بنورة أو نحوها.

[3]زيادة في ت.

[4]الذي في «اللسان» : حفله و حفل به، مثل بالاه و بالى به.

[5]لعلّ هذه لهجة شامية إذا ذاك في كلمة «عليه» .

[6]الجرّيّ كذميّ: حوت يكون بنيل مصر طويل أملس ليس له فصوص و لا ريش و له رأس إلى الطول و فم مستطيل كالخرطوم، و سماه ديسقوريدوس «سلورس» . و قال إسحاق بن سليمان: أهل مصر يسمون الجرّيّ «السّلّور» (انظر «مفردات ابن البيطار» مادة أرى) .

و قد ضبطه صاحب «القاموس» في مادّة «صلور» بأنه كسنّور. و ذكره ابن الأثير في «النهاية» في حديث عمّار: «لا تأكلوا السلور و الأنقليس» و فسر الصلور بالجرّيّ، و الأنقليس بالمارماهي ، و قال: إنهما نوعان من السمك كالحيات.

[7]الدّراقن كعلابط و قد تشدّد الراء، قال السيد مرتضى: و هو المشهور على الألسنة، و قد فسره صاحب «القاموس» بأنه المشمش.

و ذكر السيد مرتضى قول ابن دريد: إن عرب الشأم يسمون الخوخ «الدراقن» و قال: إن تفسيره بالمشمش غير معروف. (انظر «تاج العروس» مادة دراقن) .

75

معبد و ابن عائشة

قال إسحاق: و ذكر لي شيخ من أهل المدينة عن هارون بن سعد: أن ابن عائشة كان يلقي عليه و على ربيحة[1]الشّمّاسيّة، فدخل معبد فألقى عليهما صوتا، فاندفع ابن عائشة يغنّيه و قد أخذه منه؛ فغضب معبد و قال:

أحسنت يا ابن عاهرة[2]الدّار، تفاخرني!فقال: لا و اللّه-جعلني اللّه فداءك يا أبا عبّاد-و لكنّي أقتبس منك، /و ما أخذته إلاّ عنك، ثم قال: أنشدك‏[3]اللّه يا ابن شمّاس، هل قلت لك: قد جاء أبو عبّاد فاجمع بيني و بينه أقتبس منه؟قال: اللّهم نعم.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه‏[4]قال:

قيل لابن عائشة، و قد غنّى صوتا أحسن فيه فقال: أصبحت أحسن الناس غناء، فقيل له: و كيف أصبحت أحسن الناس غناء؟قال: و ما يمنعني من ذلك و قد أخذت من أبي عبّاد أحد عشر صوتا، و أبو عبّاد مغنّي أهل المدينة و المقدّم فيهم![5] أخبرنا وكيع قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال حدّثني أبي قال حدّثني أيّوب بن عباية عن رجل من هذيل قال:

قدومه مكة و التقاؤه بالمغنين بها

قال معبد: غنّيت فأعجبني غنائي و أعجب الناس و ذهب لي به صيت‏[6]و ذكر، فقلت: لآتينّ مكّة فلأسمعنّ من المغنّين بها و لأغنّينّهم و لأتعرّفنّ إليهم، فابتعت حمارا فخرجت عليه إلى مكّة. فلمّا قدمتها بعت حماري و سألت عن المغنّين أين يجتمعون؟فقيل: بقعيقعان‏[7]في بيت فلان، فجئت إلى منزله بالغلس‏[8]فقرعت الباب، فقال:

من هذا؟فقلت: انظر عافاك اللّه!فدنا و هو يسبّح و يستعيد كأنه يخاف، ففتح فقال: من أنت عافاك اللّه؟قلت:

رجل من أهل المدينة. قال: /فما حاجتك؟قلت: أنا رجل أشتهي الغناء، و أزعم أني أعرف منه شيئا، و قد بلغني أنّ القوم‏[9]يجتمعون عندك، و قد أحببت أن تنزلني في جانب منزلك و تخلطني بهم، فإنه لا مئونة عليك و لا عليهم منّي‏[10]. فلوى‏[11]شيئا ثم قال: انزل على بركة اللّه. قال: فنقلت متاعي فنزلت في جانب حجرته. ثم جاء القوم حين أصبحوا واحدا بعد واحد[12]حتى اجتمعوا، فأنكروني و قالوا: من هذا الرجل؟قال: رجل من أهل المدينة [1]لم نعثر على ضبطه و قد ضبطناه قياسا على تسميتهم «ربيح» بالتصغير.

[2]كذا في ر. و في أ م، : «يا ابن عائشة» و في سائر النسخ: «يا ابن عاهة الدار» .

[3]في حـ، ر: «أنشدك باللّه» و كلاهما صحيح.

[4]في س: «أخبرني الحسين عن ابن حماد عن أبيه» و في ب، ر: «أخبرني الحسين بن حماد عن أبيه» و في حـ: «أخبرني الحسن بن حماد عن أبيه» و كلها أسانيد مضطربة. و قد اعتمدنا ما أثبتناه في الصلب و قد تقدّم مرارا.

[5]كذا في حـ، ر. و في ت: «و متقدّمهم» و في سائر النسخ: «و المقدّم منهم عليهم» .

[6]في ت، حـ، ر: «صوت» . و الصوت و الصّات و الصّيت: الذكر.

[7]قعيقعان: اسم قرية بها مياه و زروع و نخيل قرب مكة بينها و بين مكة اثنا عشر ميلا (ياقوت) .

[8]الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح.

[9]في ت: «المغنّين» .

[10]في ت: «في ذلك» .

[11]أي تمكّث قليلا.

[12]في ت «واحدا واحدا» .

76

خفيف يشتهي الغناء و يطرب عليه، ليس عليكم منه عناء[1]و لا مكروه. فرحّبوا بي و كلّمتهم، ثم انبسطوا/و شربوا و غنّوا، فجعلت أعجب بغنائهم و أظهر ذلك لهم و يعجبهم مني، حتى أقمنا أيّاما، و أخذت من غنائهم و هم لا يدرون أصواتا و أصواتا و أصواتا. ثم قلت لابن سريج: أي‏[2]فديتك!أمسك عليّ صوتك:

قل لهند و تربها[3] # قبل شحط[4]النّوى غدا

قال: أو تحسن شيئا؟قلت: تنظّر[5]، و عسى أن أصنع شيئا، و اندفعت فيه فغنّيته، فصاح و صاحوا و قالوا: أحسنت قاتلك اللّه!قلت: فأمسك‏[6]عليّ صوت كذا فأمسكوه عليّ، فغنّيته، فازدادوا عجبا و صياحا.

فما تركت واحدا منهم إلا غنّيته من غنائه أصواتا قد تخيّرتها. قال: فصاحوا حتى علت أصواتهم و هرفوا[7]بي و قالوا: /لأنت أحسن بأداء غنائنا عنّا منّا. قال: قلت: فأمسكوا عليّ‏[و لا تضحكوا[8]بي حتى تسمعوا من غنائي‏[9]]، فأمسكوا عليّ؛ فغنّيت صوتا من غنائي فصاحوا بي، ثم غنّيتهم آخر و آخر فوثبوا إليّ و قالوا: نحلف باللّه إنّ لك لصيتا و اسما و ذكرا، و إنّ لك فيما هاهنا لسهما عظيما، فمن أنت؟قلت: أنا معبد. فقبّلوا رأسي و قالوا: لفّقت‏[10]علينا و كنّا نتهاون بك و لا نعدّك شيئا و أنت أنت. فأقمت عندهم شهرا آخذ منهم و يأخذون منّي، ثم انصرفت إلى المدينة.

نسبة هذا الصوت‏
صوت‏

قل لهند و تربها # قبل شحط النّوى غدا

إن تجوي فطالما # بتّ ليلي مسهّدا

أنت في ودّ بيننا # خير ما عندنا يدا

حين تدلي مضفّرا # حالك اللّون أسودا

الشعر لعمر بن أبي ربيعة، و الغناء لابن سريج عن حمّاد و لم يجنّسه. و فيه لمالك خفيف ثقيل أوّل بالبنصر في مجراها عن إسحاق. و قال الهشاميّ: فيه لابن محرز خفيف ثقيل بالوسطى.

[1]في ت: «غبن» و في بعض النسخ «عين أو غين» و هما مصحفان عنها.

[2]كذا في ت، حـ، ر يريد: يا مولاي، أو يا سيدي، فأي للنداء، و المنادى محذوف و في سائر الأصول: «إني فديتك» .

[3]التّرب: اللّدة و هو من يماثلك في سنّك، و أكثر ما يستعمل التّرب في الإناث.

[4]الشّحط: البعد.

[5]تنظّر: تأنّ و تريّث.

[6]في حـ، ر: «و أمسك» .

[7]هرف بفلان (من باب ضرب) هنا: مدحه حتى جاوز القدر في الثناء و الإطراء.

[8]يقال: ضحك به و منه بمعنى.

[9]هذه الجملة ساقطة من ت، حـ، ر.

[10]أي سترت علينا أمرك حتى لم نعرفك.

77
و من الثلاثة الأصوات المختارة
صوت فيه أربعة ألحان من رواية عليّ بن يحيى‏
ثاني الثلاثة الأصوات المختارة

تشكّى الكميت الجري لمّا جهدته # و بيّن لو يسطيع أن يتكلّما

لذلك أدني دون خيلي‏[1]مكانه # و أوصي به ألاّ يهان و يكرما[2]

فقلت له: إن ألق للعين قرّة # فهان علي أن تكلّ و تسأما

عدمت إذا و فري و فارقت مهجتي # لئن لم أقل قرنا[3]إن اللّه سلّما

عروضه من الطويل. قوله: «لئن لم أقل قرنا» ، يعني أنه يجدّ في سيره حتى يقيل بهذا الموضع، و هو قرن المنازل، و كثيرا ما يذكره في شعره.

الشعر لعمر بن أبي ربيعة المخزوميّ، و الغناء في هذا اللّحن المختار لابن سريج، ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى. و فيه لإسحاق أيضا ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو بن بانة. و فيه ثقيل أوّل يقال إنه ليحيى المكّي. و فيه خفيف رمل يقال إنه لأحمد بن موسى المنجّم. و فيه للمعتضد ثاني ثقيل آخر في نهاية الجودة. و قد كان عمرو بن /بانة صنع فيه لحنا فسقط لسقوط صنعته.

أخبرني جحظة قال حدّثني أبو عبد اللّه الهشاميّ قال:

صنع عمرو بن بانة لحنا في «تشكّي الكميت الجري» فأخبرني بعض عجائزنا بذلك، قالت فأردنا أن نعرضه على متيّم لنعلم ما عندها فيه، فقلنا لبعض من أخذه عن عمرو: غنّ «تشكّى الكميت الجري» في اللحن الجديد، فقالت متيّم: أيش‏[4]هذا اللحن/الجديد و الكميت المحدث؟قلنا: لحن صنعه عمرو بن بانة. فغنّته الجارية، فقالت متيّم لها: اقطعي اقطعي، حسبك حسبك هذا!و اللّه لحمار حنين المكسور أشبه مه بالكميت.

[1]في «ديوانه» «رباطه» .

[2]ورد هذا البيت في «الديوان» بعد البيت: «عدمت إذا و فرى... » .

[3]في «ديوانه» «إذا» .

[4]منحوتة من «أيّ شي‏ء» .

78

3-ذكر خبر عمر بن أبي ربيعة و نسبه‏

نسب عمر بن أبي ربيعة

هو عمر بن عبد اللّه بن أبي ربيعة، و اسم أبي ربيعة: حذيفة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر. و قد تقدّم باقي النسب في نسب أبي قطيفة. و يكنى عمر بن أبي ربيعة «أبا الخطّاب» . و كان أبو ربيعة جدّه يسمّى «ذا الرّمحين» ، سمّي بذلك لطوله، كان يقال: كأنه يمشي على رمحين.

أخبرني بذلك الحرميّ بن أبي العلاء قال حدثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي و محمد بن الضّحّاك عن أبيه الضّحّاك عن عثمان بن عبد الرحمن اليربوعيّ. و قيل: إنه قاتل يوم عكاظ برمحين فسمّي «ذا الرّمحين» لذلك.

و أخبرني بذلك أيضا عليّ بن صالح بن الهيثم قال حدّثني أبو هفّان عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ عن مصعب الزبيريّ و المدائنيّ و المسيّبيّ و محمد بن سلاّم‏[1]، قالوا: و فيه يقول عبد اللّه بن الزّبعرى:

/ألا للّه قوم و # لدت أخت بني سهم

هشام و أبو عبد # مناف مدرة[2]الخصم

و ذو الرّمحين أشباك‏[3] # على القوّة و الحزم

فهذان يذودان # و ذا من كثب يرمي

أسود تزدهي‏[4]الأقرا # ن منّاعون للهضم

و هم يوم عكاظ مـ # نعوا الناس من الهزم

و هم من ولدوا أشبوا[5] # بسرّ الحسب الضّخم

فإن أحلف و بيت اللّ # ه لا أحلف على إثم‏

[1]قال في «كتاب المغني» المطبوع بهامش «تقريب التهذيب» طبع الهند: سلام كله بالتشديد إلا عبد اللّه بن سلام و أبا عبد اللّه محمد ابن سلام شيخ البخاريّ. ثم قال: و شدّده جماعة و المختار فيه التخفيف. أ هـ بشي‏ء من التصرّف. و قد جاء بعده في ب، س:

«و العسيبي» و هي زيادة لم تستند إلا إلى نسخة حـ المخطوطة. و لعله ذكر فيها هذا الاسم محرّفا عن المسيبيّ لاتفاق أكثر النسخ على ذلك.

[2]المدرة: زعيم القوم و خطيبهم و المتكلم عنهم، و قد أطلق تجوّزا الآن على المحامي.

[3]في جميع النسخ: «أشبال» و هو تحريف. و التصويب عن «أمالي القالي» طبع دار الكتب المصرية ج 3 ص 208 قال: و يقال أشباك بفلان كما يقال حسبك بفلان، و أنشد هذا البيت. و قد ضبطه الشنقيطي بهامش نسخته بضمتين فوق الكاف و هو خطأ.

[4]تزدهي الأقران: تستخفّ بهم و تتهاون.

[5]يقال: أشبى فلان إذا ولد له ولد كيّس.

79

لما من إخوة بين # قصور الشأم و الرّدم‏[1]

بأزكى من بني ريط # ة أو أوزن في الحلم‏

أبو عبد مناف: الفاكه بن المغيرة. و ريطة هذه التي عناها هي أمّ بني المغيرة، و هي بنت سعيد بن سعد بن سهم، ولدت من المغيرة هشاما و هاشما ربيعة و الفاكه.

/و أخبرني أحمد بن سليمان بن داود الطّوسيّ و الحرميّ بن أبي العلاء قالا: حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي ثابت قال أخبرني محمد بن عبد العزيز عن‏[2]ابن أبي نهشل عن أبيه قال:

قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام-و جئته أطلب/منه مغرما-يا خال، هذه أربعة آلاف درهم و أنشد هذه الأبيات الأربعة و قل: سمعت حسّان ينشدها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم. فقلت: أعوذ باللّه أن أفتري على اللّه و رسوله، و لكن إن شئت أن أقول: سمعت عائشة تنشدها فعلت. فقال: لا، إلاّ أن تقول: سمعت حسّان ينشدها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم و رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم جالس، فأبى عليّ و أبيت عليه، فأقمنا لذلك لا نتكلّم عدّة ليال. فأرسل إليّ فقال: قل أبياتا تمدح بها هشاما-يعني ابن المغيرة-و بني أميّة. فقلت: سمّهم لي، فسمّاهم و قال: اجعلها في عكاظ و اجعلها لأبيك. فقلت:

ألا للّه قوم و # لدت أخت بني سهم‏

... الأبيات. قال: ثم جئت فقلت: هذه قالها أبي. فقال: لا، و لكن قل: قالها ابن الزّبعري. قال: فهي إلى الآن منسوبة في كتب الناس إلى ابن الزّبعري.

قال الزبير: و أخبرني محمد بن الحسن‏[3]المخزوميّ قال: أخبرني محمد بن طلحة أنّ عمر بن أبي ربيعة قائل هذه الأبيات:

ألا للّه قوم و # لدت أخت بني سهم‏

/أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن يحيى قال حدّثني عبد العزيز بن عمران قال حدّثني محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه بمثل ما رواه الزّبير عنه. و زاد فيه عمر بن شبّة: قال محمد بن يحيى: و «أخت بني سهم التي عناها ريطة بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب، و هي أمّ بني المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم و هم:

هشام و هاشم و أبو ربيعة و الفاكه، و عدّة غيرهم لم يعقبوا[4]، و إيّاهم يعني أبو ذؤيب بقوله:

[1]ورد هذا البيت و الذي بعد في «الأمالي» هكذا:

ما إن إخوة بين # قصور الشأم و الردم

كأمثال بني ريط # ة من عرب و لا عجم

و في ب، س: «تبني # قصور الشام» و هو تحريف.

[2]كذا في ت، و في ب، س، حـ: «عبد العزيز بن أبي نهشل» و في م، ء، أ: «عبد العزيز عن أبي نهشل» و كلاهما تحريف و قد تكرر كما في الصلب قريبا في الصفحة التالية.

[3]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «الحسين» و هو تحريف؛ إذ هو محمد بن الحسن بن زبالة المخزوميّ المدنيّ.

[4]لم يعقبوا: لم يجيئوا بنسل.

80

صخب الشّوارب لا يزال كأنه # عبد لآل أبي ربيعة مسبع‏[1]

ضرب بعزّهم المثل. [قال‏][2]: و كان اسم عبد اللّه بن أبي ربيعة في الجاهلية بحيرا[3]، فسمّاه رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم عبد اللّه، و كانت قريش تلقّبه «العدل» ، لأنّ قريشا كانت تكسو الكعبة في الجاهلية بأجمعها من أموالها سنة، و يكسوها هو من ماله سنة، فأرادوا بذلك أنه وحده عدل لهم جميعا في ذلك.

و فيه يقول ابن الزّبعري:

بحير بن ذي الرّمحين قرّب مجلسي # و راح عليّ خيره غير عاتم‏[4]

و قد قيل: إن العدل هو الوليد بن المغيرة.

و كان عبد اللّه بن أبي ربيعة تاجرا موسرا، و كان متجره إلى اليمن، و كان من أكثرهم مالا. و أمّه أسماء بنت مخرّبة[5]، و قيل: مخرّمة، و كانت عطّارة يأتيها/العطر من اليمن. و قد تزوّجها هشام بن المغيرة أيضا، فولدت له أبا جهل و الحارث ابني هشام، فهي أمّهما و أمّ عبد اللّه و عيّاش ابني أبي ربيعة.

أخبرني الحرميّ و الطّوسيّ قال: حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي عن الواقديّ قال:

كانت أسماء بنت مخرّبة تبيع العطر بالمدينة. فقالت الرّبيّع بنت معوّذ بن عفراء الأنصاريّة-و كان أبوها قتل أبا جهل بن هشام يوم بدر و احتزّ رأسه عبد اللّه بن مسعود-و قيل: بل عبد اللّه بن مسعود هو الذي قتله-فذكرت أنّ أسماء بنت مخرّبة دخلت عليها و هي تبيع عطرا لها في نسوة، قالت: /فسألت عنّا، فانتسبنا لها. فقالت: أ أنت ابنة قاتل سيّده؟تعني أبا جهل. قلت: بل أنا بنت قاتل عبده. قالت: حرام عليّ أن أبيعك من عطري شيئا.

قلت: و حرام عليّ أن أشتري منه شيئا، فما وجدت لعطر نتنا غير عطرك، ثم قمت، و لا و اللّه ما رأيت عطرا أطيب من عطرها، و لكنّي أردت أن أعيبه لأغيظها.

و كان لعبد اللّه بن أبي ربيعة عبيد من الحبشة يتصرّفون في جميع المهن، و كان عددهم كثيرا، فروي عن سفيان بن عيينة أنه قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم حين خرج إلى حنين: هل لك في حبش بني المغيرة تستعين بهم؟ فقال: «لا خير في الحبش إن جاعوا سرقوا و إن شبعوا زنوا، و إنّ فيهم لخلّتين‏[6]حسنتين إطعام الطعام و البأس يوم البأس» . و استعمل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم عبد اللّه بن أبي ربيعة على الجند و مخلفيها[7]، فلم يزل عاملا عليها حتى قتل [1]هذا وصف لحمار الوحش. و في «لسان العرب» : يقال حمار صخب الشوارب: يردّد نهاقه في شواربه. و الشوارب: مجاري الماء في الحلق. و عبد مسبع: مهمل جري‏ء ترك حتى صار كالسبع. (انظر «اللسان» في مادتي صخب و سبع) .

[2]زيادة عن ت.

[3]كذا في أ، ء. و في سائر النسخ: «بجير» بالجيم و هو تحريف؛ إذ هو بجير بن أبي ربيعة المخزوميّ (انظر «تاج العروس» مادة بحر) .

[4]عاتم: مبطئ.

[5]مخرّبة كمحدّثة «قاموس» .

[6]الخلة: الخصلة وزنا و معنى.

[7]الجند (بالتحريك) : ولاية إسلامية من ولايات اليمن الثلاث، و هي الجند و صنعاء و حضر موت. و بالجند مسجد بناه معاذ بن جبل رضي اللّه عنه. و المخاليف: جمع مخلاف، و هو الكورة و الرستاق (القرية و السواد) . ـ

81

عمر بن الخطّاب/رضي اللّه عنه. هذا من رواية الزّبير عن عمّه. قال: و حدّثني ابن الماجشون‏[1]. عن عمّه أنّ عثمان بن عفّان-رحمه اللّه-استعمله أيضا عليها.

أمّ عمر بن أبي ربيعة و أخوه الحارث الملقب بالقباع‏

و أمّ عمر بن أبي ربيعة أمّ ولد يقال لها «مجد» ، سبيت من حضر موت، و يقال من حمير. قال أبو محلّم‏[2] و محمد بن سلاّم: هي من حمير، و من هناك أتاه الغزل، يقال: غزل يمان، و دلّ حجازيّ.

و قال عمر بن شبّة: أمّ عمر بن أبي ربيعة أمّ ولد سوداء من حبش يقال لهم: فرسان‏[3]. و هذا غلط من أبي زيد[4]، تلك أمّ أخيه الحارث بن عبد اللّه الذي يقال له: «القباع» ، و كانت نصرانيّة. و كان الحارث بن عبد اللّه شريفا كريما ديّنا و سيّدا من سادات قريش.

قال الزّبير بن بكّار: ذكره عبد الملك بن مروان يوما و قد ولاّه عبد اللّه بن الزّبير، فقال: أرسل عوفا و قعد[5]! «لا حرّ بوادي‏[6]عوف» . فقال له يحيى/بن الحكم: و من الحارث ابن السّوداء!فقال له عبد الملك: ما ولدت و اللّه أمة خيرا مما ولدت أمّه!.

و أخبرني عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق بن إبراهيم عن الزّبير و المدائنيّ و المسيّبيّ: أن أمّه ماتت نصرانيّة و كانت تسرّ ذلك منه. فحضر الأشراف جنازتها، و ذلك في عهد عمر بن الخطّاب-رحمة اللّه عليه-فسمع الحارث من النساء لغطا[7]، فسأل عن الخبر، فعرّف أنها ماتت نصرانيّة و أنه وجد الصليب في عنقها، و كانت تكتمه ذلك. فخرج إلى الناس فقال: انصرفوا رحمكم اللّه، فإنّ لها أهل دين هم أولى بها منّا و منكم فاستحسن ذلك منه و عجب الناس من فعله.

[1]معرّب ماه كون أي لون القمر «قاموس» . و هو مثلث الجيم كما في «تاج العروس» . و قال السيد مرتضى: إن النوويّ في «شرح مسلم» و الحافظ بن حجر في «التقريب» اقتصرا على كسر الجيم و ضم الشين.

[2]لم نعثر له على ضبط. و قد جاء في «اللسان» في مادة حلم «محلّم اسم رجل و من أسماء الرجال محلّم» فلعل ضبطه كذلك.

[3]في أ، م، ء. «مرسان» و لم نعثر عليه. و في ياقوت: فرسان بالفتح و التحريك و آخره نون. ثم قال: و قال ابن الحائك: من جزائر اليمن جزائر فرسان. و فرسان قبيلة من تغلب كانوا قديما نصارى و لهم في جزائر فرسان كأس قد خربت... و يحملون التجار إلى بلد الحبش ا هـ.

[4]أبو زيد: كنية عمر بن شبة، و اسم أبيه زيد. و إنما قيل له ابن شبة لأن أمه كانت ترقصه و تقول:

يا بابي يا شبّا # و عاش حتى دبّا

شيخا كبيرا خبا

ا هـ من «بغية الوعاة» للسيوطيّ.

[5]في ب، س: «أرسل عوفا و قعد و قال: لا حر بوادي عوف» الخ و المراد أنه اعتمد على عظيم و استراح.

[6]هو عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان، و قد طلب منه عمرو بن هند أن يسلم إليه مروان القرظ و كان قد أجاره، فمنعه و أبى أن يسلمه؛ فقال الملك: «لا حرّ بوادي عوف» أي إنه يقهر من حلّ بواديه، فكلّ من فيه كالعبيد له لطاعتهم إياه. يضرب مثلا للرجل يسود الناس فلا ينازعه أحد منهم في سيادته. (انظر «أمثال الميدانيّ» ج 2 ص 157) .

[7]في ب، س، حـ: «لفظا» و هو تحريف.

82

نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء

الغناء في «ألا للّه قوم» ... الأبيات‏
صوت‏

ألا للّه قوم و # لدت أخت بني سهم

هشام و أبو عبد # مناف مدرة الخصم

و ذو الرّمحين أشباك # على القوّة و الحزم

فهذان يذودان # و ذا من كثب يرمي‏

عروضه من مكفوف الهزج‏[1]. الغناء لمعبد خفيف رمل من رواية حمّاد.

رأي يزيد بن عبد الملك في غناء معبد و ابن سريج‏

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال إسماعيل بن مجمّع أخبرنا المدائنيّ عن رستم ابن صالح قال:

/قال يزيد بن/عبد الملك يوما لمعبد: يا أبا عبّاد، أني أريد أن أخبرك عن نفسي و عنك، فإن قلت فيه خلاف ما تعلم فلا تتحاش أن تردّه عليّ، فقد أذنت لك. قال: يا أمير المؤمنين، لقد وضعك ربّك بموضع لا يعصيك إلا ضالّ، و لا يردّ عليك إلا مخطئ. قال: إن الذي أجده في غنائك لا أجده في غناء ابن سريج: أجد في غنائك متانة، و في غنائه انحناثا[2]ولينا. قال معبد: و الذي أكرم أمير المؤمنين بخلافته، و ارتضاه لعباده، و جعله أمينا على أمّة نبيّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم، ما عدا[3]صفتي و صفة ابن سريج، و كذا يقول ابن سريج و أقول، و لكن أن رأى أمير المؤمنين أن يعلمني هل وضعني‏[4]ذاك عنده فعل‏[5]. قال: لا و اللّه، و لكنّي أوثر الطّرب على كلّ شي‏ء.

قال: يا سيدي فإذا كان ابن سريج يذهب إلى الخفيف من الغناء و أذهب أنا إلى الكامل التامّ، فأغرّب أنا و يشرّق هو، فمتى نلتقي؟قال: أ فتقدر أن تحكي رقيق بن سريج؟قال نعم، فصنع من وقته لحنا من الخفيف في:

ألا للّه قوم و # لدت أخت بني سهم‏

الأربعة الأبيات. فغنّاه، فصاح يزيد: أحسنت و اللّه يا مولاي!أعد فداك أبي و أمّي، فأعاد، فردّ عليه مثل قوله الأوّل، فأعاد. ثم قال: أعد فداك أبي و أمّي، فأعاد فاستخفّه الطّرب حتى وثب و قال لجواريه: افعلن كما أفعل، و جعل يدور في الدار و يدرن معه و هو يقول:

[1]في جميع نسخ الأصل «مكفوف الرمل» و هو خطأ و صوابه «مكفوف الهزج» . و تقطيع الهزج: مفاعيلن مفاعيلن مرتين. و الكف:

حذف السابع الساكن. و مطلع هذه القصيدة و أكثر أبياتها حذفت فيها نون مفاعيلن الثانية، فصارت بذلك من مكفوف الهزج.

[2]في أ، م، ء: «ألحانا» و في ب، س: «انحناء» و كلاهما تحريف.

[3]أي ما جاوز ما قلت صفتى و صفة ابن سريج.

[4]وضعني: حطّ من قدري.

[5]كذا في ت و في سائر النسخ: «فليفعل» .

83

يا دار دوّريني # يا قرقر امسكيني

/آليت منذ حين # حقا لتصرميني

و لا تواصليني # باللّه فارحميني

لم تذكري يميني!

قال: فلم يزل يدور كما يدور الصّبيان و يدرن معه، حتى خرّ مغشيا عليه و وقعن فوقه ما يعقل و لا يعقلن، فابتدره الخدم‏[فأقاموه‏[1]]و أقاموا من كان على ظهره من جواريه، و حملوه و قد جاءت نفسه أو كادت.

سيرة جوان بن عمر بن أبي ربيعة

رجع الخبر إلى ذكر عمر بن أبي ربيعة و كان لعمر بن أبي ربيعة بن‏[صالح‏[2]]يقال له «جوان» ، و فيه يقول العرجيّ:

شهيدي جوان على حبّها # أ ليس بعدل عليها جوان‏

فأخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني يحيى بن محمد بن عبد اللّه بن ثوبان قال:

جاء جوان بن عمر بن أبي ربيعة إلى زياد بن عبد اللّه الحارثيّ و هو إذ ذاك أمير على الحجاز، فشهد عنده بشهادة، فتمثّل:

شهيدي جوان على حبها # أ ليس بعدل عليها جوان‏

-و هذا الشعر للعرجيّ-ثم قال: قد أجزنا شهادتك، و قبله. و قال غير الزّبير: إنه جاء إلى العرجيّ فقال له: يا هذا!ما لي و ما لك تشهّرني‏[3]في شعرك!متى أشهدتني على صاحبتك هذه!و متى كنت أنا أشهد في مثل هذا!قال: و كان امرأ صالحا.

/و أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني بكّار بن عبد اللّه قال: استعمل بعض ولاة مكة جوان بن عمر على تبالة[4]، فحمل على/خثعم في صدقات أموالهم حملا شديدا، فجعلت خثعم سنة جوان تاريخا، فقال ضبارة بن الطّفيل:

أ تلبسنا ليلى على شعث بنا # من العام أو يرمى بنا الرّجوان‏[5].

[1]زيادة في ت.

[2]زيادة في ب، س، حـ.

[3]في ب، س، حـ: «تشهدني» بالدال.

[4]تبالة: بلدة مشهورة من أرض تهامة في طريق اليمن. قال المهلّبيّ: تبالة في الإقليم الثاني عرضها تسع و عشرون درجة أ هـ. بينها و بين مكة اثنان و خمسون فرسخا. و كانت أوّل عمل وليه الحجاج، فسار إليها، فلما قرب منها قال للدليل: أين تبالة؟و على أيّ سمت هي؟فقال: ما يسترها عنك إلا هذه الأكمة. فقال: لا أراني أميرا على موضع تستره عنّي هذه الأكمة. أهون بها ولاية!و كرّ راجعا. و لذلك قيل في مثل: «أهون من تبالة على الحجاج» .

[5]يقال: لبست قوما، أي تمليت بهم دهرا، و لبست فلانة عمري أي كانت معي شبابي، و البس الناس على قدر أخلاقهم أي عاشرهم.

و الرجوان: مثنّى رجا، و هو جانب البئر. و قد أورد الميدانيّ المثل: «حتى متى يرمي بي الرّجوان» . و رمي به الرّجوان: استهين به كما يستهان بالدلو يرمي به رجوا البئر.

84
صوت‏

رأتني كأشلاء[1]اللّجام و راقها # أخو غزل ذو لمّة و دهان

و لو شهدتني في ليال مضين لي # لعامين مرّا قبل عام جوان

رأتنا كريمي معشر حمّ‏[2]بيننا # هوى فحفظناه بحسن صيان

نذود النفوس الحائمات‏[3]عن الصّبا # و هنّ بأعناق إليه ثواني‏

ذكر حبش أنّ الغناء في هذه الأبيات للغريض ثاني ثقيل بالبنصر، و ذكر الهشاميّ أنه لقراريط.

أمة الواحد بنت عمر بن أبي ربيعة

قالوا: و كان لعمر أيضا بنت يقال لها: «أمه الواحد» و كانت مسترضعة في هذيل، و فيها يقول عمر بن أبي ربيعة-و قد خرج يطلبها فضلّ الطريق-:

/لم تدر و ليغفر لها ربّها # ما جشّمتنا أمة الواحد

جشّمت الهول براذيننا[4] # نسأل عن بيت أبي خالد

نسأل عن شيخ بني كاهل‏[5] # أعيا خفاء نشدة الناشد

مولد عمر يوم قتل عمر بن الخطاب و وفاته و قد قارب السبعين‏

أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي بكر العامريّ أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني يعقوب بن القاسم‏[6]قال حدّثنا أسامة بن زيد بن الحكم بن عوانة عن عوانة بن الحكم-قال: أراه عن الحسن‏[7]-قال:

ولد عمر بن أبي ربيعة ليلة قتل عمر بن الخطّاب-رحمة اللّه عليه-فأيّ حقّ رفع، و أيّ باطل وضع!. قال عوانة: و مات و قد قارب السّبعين أو جاوزها.

أخبرني الجوهري و المهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني يعقوب بن القاسم قال حدّثني عبد اللّه بن الحارث عن ابن جريج عن عطاء قال: كان عمر بن أبي ربيعة أكبر منّي كأنّه ولد في أوّل الإسلام.

عمر بن أبي ربيعة في مجلس ابن عباس بالمسجد الحرام و إنشاده شعره‏

أخبرني الجوهريّ و المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني هارون بن عبد اللّه [1]أشلاء اللجام: حدائده بلا سيور.

[2]حمّ: قضي و قدّر.

[3]في أ، م، ء: «الحاميات» .

[4]البراذين: جمع برذون و هو خلاف العراب من الخيل، و أكثر ما تجلب من بلاد الروم.

[5]كذا في «الديوان» . و في جميع الأصول: «أبي كاهل» .

[6]في ت: «الهيثم» و قد ورد ذكره في السند الآتي بعد: «يعقوب بن القاسم» في جميع النسخ.

[7]في ت: «قال حدّثنا أسامة بن زيد بن الحكم قال أراه عن الحسن الخ» و في م: «حدّثنا أسامة بن زيد بن الحكم بن عوانة بن الحكم قال أراه عن عوانة عن الحسن» .

85

الزّهريّ‏[1]قال: حدّثنا ابن أبي ثابت، و حدّثني به عليّ‏[2]بن صالح بن الهيثم عن أبي هفّان عن إسحاق عن المسيّبيّ و الزّبيريّ و المدائنيّ و محمد بن سلاّم، قالوا: قال أيّوب/بن سيّار، و أخبرني به الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن الحسن المخزوميّ عن عبد العزيز بن عمران عن أيّوب بن سيّار عن عمر الركاء[3]قال: بينا ابن عبّاس في المسجد الحرام و عنده نافع بن الأزرق و ناس من الخوارج يسألونه، إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين مورّدين أو ممصّرين‏[4]حتى دخل و جلس، فأقبل عليه ابن عباس فقال أنشدنا فأنشده:

أ من آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد[5]أم رائح فمهجّر

حتى أتى على آخرها. فأقبل عليه نافع بن الأزرق فقال: اللّه يا ابن عبّاس!إنّا نضرب إليك أكباد الإبل‏[6]من أقاصي البلاد نسألك عن الحلال و الحرام فتتثاقل عنّا، و يأتيك غلام‏[7]مترف من مترفي قريش فينشدك:

/رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت # فيخزى و أمّا بالعشىّ فيخسر

فقال: ليس هكذا قال. قال: فكيف قال؟فقال: قال:

رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت # فيضحى و أمّا بالعشىّ فيخصر[8]

فقال: ما أراك إلا و قد[9]حفظت البيت!قال: أجل!و إن شئت أن أنشدك القصيدة أنشدتك إيّاها. قال فإنّي أشاء، فأنشده القصيدة حتى أتى على آخرها. و في غير رواية عمر بن شبّة: أنّ ابن عباس أنشدها من أوّلها إلى آخرها، /ثم أنشدها من آخرها إلى أوّلها مقلوبة، و ما سمعها قطّ إلا تلك المرّة صفحا[10]. قال: و هذا غاية الذكاء. فقال له بعضهم: ما رأيت أذكى منك قطّ. فقال: لكنّي ما رأيت قطّ أذكى من عليّ بن أبي طالب-عليه السّلام-. و كان ابن عباس يقول: ما سمعت شيئا قط إلا رويته، و إني لأسمع صوت النائحة فأسدّ أذنيّ كراهة أن أحفظ ما تقول. قال: و لامه بعض أصحابه في حفظ هذه القصيدة: «أ من آل نعم... » فقال: إنّا نستجيدها[11].

و قال الزّبير في خبره عن عمّه: فكان ابن عباس بعد ذلك كثيرا ما يقول: هل أحدث هذا المغيريّ شيئا بعدنا؟.

قال: و حدّثني عبد اللّه بن نافع بن ثابت قال:

[1]في ت: «الزبيري» .

[2]في ب، س، حـ، ر: «بن أبي صالح» . و قد تكرر ذكره كثيرا «علي بن صالح» .

[3]لم نعثر على هذا الاسم. و لعله مضاف إلى اسم موضع. و هو كما في ياقوت-بوزن كتاب-موضع عن ابن دريد، و ابن فارس بفتح الراء. أو لعله وصف له من ركا الأرض ركوا إذا حفرها.

[4]قال أبو عبيد: الثياب الممصّرة: التي فيها شي‏ء من صفرة ليست بالكثيرة.

[5]في م، ء، أ، ب: «أو» .

[6]في ت، حـ: «المطىّ» .

[7]لم توجد هذه الكلمة إلا في حـ، ب.

[8]يضحى: يظهر للشمس. و عارضت: قابلت. و الضمير فيه محذوف أي عارضته. و يخصر: يبرد.

[9]كذا في ت. و في سائر النسخ: «إلا قد كنت حفظت... » .

[10]أي مرورا؛ يقال: صفحت الجيش على الأمير إذا أمررته عليه.

[11]كذا في ت: و في سائر النسخ: «فقال: إنها أ من آل نعم، يستجيدها» .

86

كان عبد اللّه بن الزّبير إذا سمع قول عمر بن أبي ربيعة:

فيضحى و أمّا بالعشيّ فيحضر

قال: لا، بل:

فيخزى و أمّا بالعشيّ فيخسر

قال عمر بن شبّة و أبو هفّان و الزّبير في حديثهم: ثم أقبل على ابن أبي ربيعة فقال: أنشد، فأنشده:

تشطّ غدا دار جيراننا

و سكت، فقال ابن عباس:

و للدّار بعد غد أبعد

فقال له عمر: كذلك قلت-أصلحك اللّه-أ فسمعته؟قال: لا، و لكن كذلك ينبغي.

شعره و خلقه و شهادة الشعراء فيه‏

أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني يعقوب بن إسحاق قال:

كانت العرب تقرّ لقريش بالتقدّم في كلّ شي‏ء عليها إلا في الشعر، فإنها كانت لا تقرّ لها به، حتى كان عمر بن أبي ربيعة، فأقرّت لها الشعراء بالشعر أيضا و لم تنازعها شيئا.

قال الزّبير: و سمعت عمّي مصعبا يحدّث عن جدّي أنه قال مثل هذا القول. قال: و حدّثني عدّة من أهل العلم أن النّصيب قال: لعمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربّات الحجال.

قال المدائنيّ قال سليمان بن عبد الملك لعمر بن أبي ربيعة: ما يمنعك من مدحنا؟قال: إني لا أمدح الرجال، إنما أمدح النساء. قال: و كان ابن جريج يقول: ما دخل على العواتق‏[1]في حجالهنّ شي‏ء أضرّ عليهنّ من شعر عمر بن أبي ربيعة.

قال الزّبير و حدّثني عمّي عن جدّي-و ذكره أيضا إسحاق فيما رويناه عن أبي هفّان عنه عن المدائنيّ-قال قال هشام بن عروة: لا تروّوا[2]فتياتكم‏[3]شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورّطن في الزّنا تورّطا، و أنشد:

لقد أرسلت جاريتي # و قلت لها خذي حذرك

و قولي في ملاطفة # لزينب: نوّلي عمرك‏

/أخبرنا عليّ بن صالح قال حدّثني أبو هفّان عن إسحاق عن الزّبيريّ‏[4]قال حدّثني أبي عن سمرة الدّومانيّ‏[5]من حمير قال:

[1]جمع عاتق، و هي الفتاة التي قد أدركت فخدّرت في بيت أهلها و لم تتزوّج؛ سميت بذلك لأنها عتقت عن خدمة أبويها و لم يملكها زوج بعد.

[2]أي لا تحملوهنّ على روايته؛ يقال: روّيته الشعر و أرويته إياه، إذا حملته على روايته.

[3]في، حـ، ر، م: «فتيانكم... لا يتورّطوا» .

[4]كذا في ب، س، ح، ر: و في سائر النسخ: «الزبير» و لعله تحريف؛ إذ هو مصعب بن ثابت بن عبد اللّه الزبيريّ، و هو يروي عن أبيه.

[5]نسبة إلى «دومان» (بضم أوّله و ميم مفتوحة بعدها ألف و في آخره نون) : بطن من همدان. و همدان: قبيلة باليمن. كذا ضبطه-

87

إنّي لأطوف بالبيت فإذا أنا بشيخ في الطّواف، فقيل لي: هذا عمر بن/أبي ربيعة. فقبضت على يده و قلت له:

يا ابن أبي ربيعة. فقال: ما تشاء؟قلت: أ كلّ ما قلته في شعرك فعلته؟قال: إليك عنّي. قلت: أسألك باللّه!قال:

نعم و أستغفر اللّه.

قال إسحاق و حدّثني الهيثم بن عديّ عن حمّاد الرّاوية: أنه سئل عن شعر عمر بن أبي ربيعة فقال: ذاك الفستق‏[1]المقشّر.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير عن عمّه قال:

سمع الفرزدق شيئا من نسيب‏[2]عمر فقال: هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطأته و بكت الديار، و وقع هذا عليه. قال: و كان بالكوفة رجل من الفقهاء تجتمع إليه الناس فيتذاكرون العلم، فذكر يوما شعر عمر بن أبي ربيعة فهجّنه. فقالوا له: بمن ترضى؟و مرّ بهم حمّاد الراوية فقال: قد رضيت بهذا. فقالوا له: /ما تقول فيمن يزعم أنّ عمر بن أبي ربيعة لم يحسن شيئا؟فقال: أين هذا؟اذهبوا بنا إليه. قالوا: نصنع به ما ذا؟قال: ننزو على أمّه لعلّها تأتي بمن هو أمثل من عمر.

قال إسحاق: و قال أبو المقوّم الأنصاريّ: ما عصى اللّه بشي‏ء كما عصي بشعر عمر بن أبي ربيعة.

قال إسحاق: و حدّثني قيس بن داود[3]قال حدّثني أبي قال: سمعت عمر بن أبي ربيعة يقول: لقد كنت و أنا شابّ أعشق و لا أعشق، فاليوم صرت إلى مداراة الحسان إلى الممات. و لقد لقيتني فتاتان مرّة فقالت لي إحداهما:

أدن منّي يا ابن أبي ربيعة أسرّ إليك شيئا. فدنوت منها و دنت الأخرى فجعلت تعضّني، فما شعرت بعضّ هذه من لذّة سرار هذه.

قال إسحاق: و ذكر عبد الصّمد بن المفضّل‏[4]الرّقاشيّ عن محمد بن فلان الزّهريّ-سقط اسمه-عن إسحاق عن عبد اللّه بن مسلمة[5]بن أسلم قال: لقيت جريرا فقلت له: يا أبا حزرة، إنّ شعرك رفع إلى المدينة و أنا أحبّ أن تسمعني منه شيئا. فقال: إنكم يأهل المدينة يعجبكم النّسيب، و إنّ أنسب الناس المخزوميّ. يعني ابن أبي ربيعة.

قال إسحاق: و ذكر محمد بن إسماعيل الجعفريّ عن أبيه عن خاله عبد العزيز[6]بن عبد اللّه بن عيّاش بن أبي ربيعة قال: أشرف عمر بن أبي ربيعة على أبي قبيس، و بنو أخيه معه و هم محرمون، فقال لبعضهم: خذ بيدي فأخذ بيده، و قال/: و ربّ هذه البنيّة[7]ما قلت لامرأة قطّ شيئا لم تقله لي، و ما كشفت ثوبا عن حرام قطّ. قال:

-السمعاني في «الأنساب» . و قد ضبط بالقلم في «القاموس» في الطبعة الثالثة الأميرية «دومان» بفتح أوّله و سكون ثانيه.

[1]في أ، م، ء: «الفاسق المفسد» و هو تحريف؛ بدليل قول حماد نفسه في الحكاية التالية.

[2]في ب، س، م، ء، أ: «تشبيب» ، و النسيب و الغزل و التشبيب كلها بمعنى واحد.

[3]في ب، س، حـ: «رافد» و في ر: «راقد» .

[4]في ب، س، م: «الفضل» .

[5]في ت، حـ، ر: «سلمة» .

[6]في ت: «عن خاله عن عبد العزيز» .

[7]في ت، أ، م، ء: «الكعبة» و هما اسمان لها.

88

و لمّا مرض عمر مرضه الذي مات فيه جزع أخوه الحارث جزعا شديدا. فقال له عمر: أحسبك إنما تجزع لما تظنّه بي، و اللّه ما أعلم أنّي ركبت فاحشة قطّ!فقال: ما كنت أشفق عليك إلاّ من ذلك، و قد سلّيت عنّي.

قال إسحاق: حدّثني مصعب الزّبيريّ قال قال مصعب بن عروة بن الزّبير: خرجت أنا و أخي عثمان إلى مكة معتمرين أو حاجّين، فلما طفنا بالبيت مضينا إلى الحجر نصلّي فيه، فإذا شيخ قد فرج بيني و بين أخي فأوسعنا له.

فلما قضى صلاته أقبل علينا فقال: من أنتما؟فأخبرناه. فرحّب بنا و قال: يا ابني أخي، إني موكّل بالجمال أتبعه، و إني رأيتكما فراقني حسنكما و جمالكما، فاستمتعا بشبابكما قبل أن تندما عليه، ثم قام، فسألنا عنه فإذا هو عمر بن أبي ربيعة.

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن الضّحّاك قال:

عاش عمر أبي ربيعة ثمانين سنة، فتك منها أربعين سنة، و نسك أربعين سنة.

قال الزّبير و حدّثني إبراهيم بن حمزة و محمد بن ثابت عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال:

حججت/مع أبي و أنا غلام و عليّ جمّة[1]. فلما قدمت مكة جئت عمر بن أبي ربيعة، فسلّمت عليه و جلست معه، فجعل يمدّ الخصلة من شعري ثم يرسلها فترجع على ما كانت عليه، و يقول: وا شباباه!حتى فعل ذلك مرارا.

ثم قال لي: يا ابن أخي، قد سمعتني أقول في شعري: قالت لي و قلت لها، و كلّ مملوك لي حرّ إن كنت كشفت/عن فرج حرام قطّ!فقمت و أنا متشكّك في يمينه، فسألت عن رقيقه فقيل لي: أمّا في الحوك‏[2]فله سبعون عبدا سوى غيرهم.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثتني ظبية[3]مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت:

مررت بجدّك عبد اللّه بن مصعب و أنا داخلة منزله و هو بفنائه و معي دفتر، فقال: ما هذا معك؟و دعاني.

فجئته و قلت: شعر عمر بن أبي ربيعة. فقال: ويحك!تدخلين على النساء بشعر عمر بن أبي ربيعة!إنّ لشعره لموقعا من القلوب و مدخلا لطيفا، لو كان شعر يسحر لكان هو، فارجعي به. قالت: ففعلت.

[قال إسحاق‏][4]: و أخبرني الهيثم بن عديّ قال:

قدمت امرأة مكة و كانت من أجمل النساء. فبينا عمر بن أبي ربيعة يطوف إذ نظر إليها فوقعت في قلبه، فدنا منها فكلّمها، فلم تلتفت إليه. فلما كان في الليلة الثانية جعل يطلبها حتى أصابها. فقالت له: إليك عنّي يا هذا، فإنك في حرم اللّه و في أيام عظيمة الحرمة. فألحّ عليها يكلّمها، حتى خافت أن يشهّرها. فلما كان في الليلة الأخرى قالت لأخيها: اخرج معي يا أخي فأرني المناسك، فإنّي لست أعرفها، فأقبلت و هو معها. فلما رآها عمر أراد أن يعرض لها، فنظر إلى أخيها معها فعدل عنها، فتمثّلت المرأة بقول النابغة[5]:

[1]الجمة بالضم: مجتمع شعر الرأس.

[2]في ت: «الحول» و في م، ء: «الخوك» و لم نعثر عليه. و لعله اسم موضع.

[3]في ت: «طيبة» .

[4]هاتان الكلمتان ساقطتان من أ، م، ء.

[5]كذا في ت. و في سائر النسخ: «جرير» تحريف. و قد ورد هذا البيت في كتاب «شرح الأشعار الستة» للأعلم الشنتمري المخطوط- ـ

89

تعدو الذئاب على من لا كلاب له # و تتّقي صولة المستأسد الحامي‏[1]

قال إسحاق: فحدّثني السّنديّ‏[2]مولى أمير المؤمنين أن المنصور قال-و قد حدّث بهذا الخبر-: وددت أنه لم تبق فتاة من قريش في خدرها إلاّ سمعت بهذا الحديث.

قال إسحاق: قال لي الأصمعيّ: عمر حجّة في العربية، و لم يؤخذ عليه إلا قوله:

ثم قالوا تحبّها قلت بهرا[3] # عدد الرّمل‏[4]و الحصى و التّراب‏

و له في ذلك مخرج، إذ قد أتى به على سبيل الإخبار[5]. قال: و من الناس من يزعم أنه إنما قال:

قيل لي هل تحبّها قلت بهرا

نسبة ما مضى في هذه الأخبار من الأشعار التي قالها عمر بن أبي ربيعة و غنّى فيها المغنّون إذ كانت لم تنسب هناك لطول شرحها

شعر عمر الذي غنى فيه المغنّون‏

منها ما يغنّى فيه من قوله:

صوت‏

أ من آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد أم رائح فمهجّر

لحاجة نفس لم تقل في جوابها[6] # فتبلغ عذرا و المقالة تعذر

/أشارت‏[7]بمدراها و قالت لأختها # أ هذا المغيريّ الذي كان يذكر؟

فقالت: نعم لا شكّ غيّر لونه # سر الليل يطوي نصّه‏[8]و التهجّر

-بدار الكتب المصرية تحت رقم 81 أدب ش ضمن قصيدة ميمية للنابغة، مطلعها:

قالت بنو عامر خالوا بني أسد # يا بؤس للجهل ضرّارا لأقوام‏

خالوا بني أسد: قاطعوهم، من خالاه مخالاة و خلاء: فارقه.

[1]في جميع الأصول: «الضاري» و هو من قصيدة ميمية، كما سبق. و أورده في «اللسان» (مادة ثفر) «المستثفر الحامي» . يقال: استثفر الكلب، إذا أدخل ذنبه بين فخذيه حتى يلزقه ببطنه.

[2]في أ، م، ء: «المسندي» .

[3]أي أحبها حبا بهرني بهرا أي غلبني غلبة. و قيل: معناه عجبا. عن «المغني» .

[4]في ت: «القطر» و في «ديوانه» : «النجم» .

[5]و قد خرّج أيضا على أنه استفهام بتقدير الهمزة. و الأخفش يجيز حذف الهمزة في الاختيار، و غيره لا يجيزه إلا في الضرورة (راجع المغني مع حاشية الأمير ج 1 ص 12) .

[6]يريد: في جواب سؤالها، أي في جواب السؤال عنها. و تعذر هنا: تبدي العذر. يريد: لحاجة نفس كتمتها فلم تقل في جواب السؤال عنها شيئا يبلغ سائليك عذرك؛ فإن التصريح بما تنتويه، يكشف عذرك و يبديه.

[7]في «ديوانه» :

قفي فانظري أسماء هل تعرفينه‏

و المدرى و المدراة: حديدة يحك بها الرأس.

[8]نص السرى: إسراعه. و أصل النص: حث الدابة و استخراج أقصى ما عندها من السير.

90

رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت # فيضحى و أمّا بالعشيّ فيخصر

/أخا سفر جوّاب أرض تقاذفت # به فلوات فهو أشعث أغبر

و ليلة ذي دوران‏[1]جشّمتني السّرى‏[2] # و قد يجشم الهول المحبّ المغرّر

فقلت: أباديهم‏[3]فإمّا أفوتهم # و إمّا ينال السيف ثأرا فيثأر

هذه الأبيات جمعت على غير توال؛ لأنه إنما ذكر منها ما فيه صنعة. غنّى في الأوّل و الثاني من الأبيات ابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن أحمد بن المكيّ و ذكر حبش أن فيهما لمعبد لحنا من الثّقيل الأوّل بالبنصر.

و غنّى ابن سريج في الثالث و الرابع أيضا خفيف ثقيل بالوسطى، و ذكر حبش أن فيهما لحنا من الهزج بالوسطى لحكم‏[4]. و غنّى ابن سريج في الخامس و السادس لحنا من الرّمل بالوسطى عن عمرو بن بانه. و ذكر يونس أن في السّابع و الثامن لابن سريج لحنا و لم يذكر طريقته، و ذكر حبش أن فيهما لمالك لحنا من الثقيل الثاني بالبنصر.

/أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان‏[5]قال أخبرني محمد بن إسحاق قال أخبرني محمد بن حبيب‏[6]عن هشام بن الكلبيّ:

أنّ عمر بن أبي ربيعة أتى عبد اللّه بن عباس و هو في المسجد الحرام فقال: متّعني اللّه بك!إنّ نفسي قد تاقت إلى قول الشّعر و نازعتني إليه، و قد قلت منه شيئا أحببت أن تسمعه و تستره عليّ. فقال: أنشدني، فأنشده:

أ من آل نعم أنت غاد فمبكر

فقال له: أنت شاعر يا ابن أخي، فقل ما شئت. قال: و أنشد عمر هذه القصيدة طلحة بن عبد اللّه بن عوف الزّهريّ و هو راكب، فوقف و ما زال شانقا[7]ناقته حتى كتبت له.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني الحسين بن إسماعيل قال حدّثنا ابن عائشة عن أبيه قال:

[1]ذو دوران (بفتح أوّله و بعد الواو راء مهملة و آخره نون) : موضع بين قديد و الجحفة (ياقوت) .

[2]أي كلّفتني السير ليلا.

[3]أجاهرهم و أظهر لهم و مرجع الضمير فيه ظاهر في قوله من القصيدة:

فلما تقضي الليل إلا أقله # و كادت توالي نجمه تتغوّر

أشارت بأن الحيّ قد حان منهم # هبوب و لكن موعد منك عزور

فما راعني إلا مناد: ترحّلوا # و قد لاح معروف من الصبح أشقر

فلما رأت من قد تنبه منهم # و أيقاظهم قالت: أشر كيف تأمر

[4]في ب، س: «عن الحكم» .

[5]المرزبان، بفتح الميم و سكون الراء و ضم الزاي و فتح الباء الموحدة و بعد الألف نون، و هو يطلق في اللغة الفارسية على الرجل العظيم القدر، و معناه بالعربية حافظ الحدّ، قاله ابن الجواليقيّ في كتابه «المعرّب» . (انظر ابن خلكان ج 1 ص 725) .

[6]كذا في ت. و في سائر النسخ: «محمد بن أبي حبيب» و هو تحريف؛ إذ هو محمد بن حبيب أبو جعفر. قال ياقوت: من علماء بغداد باللغة و الشعر و الأخبار و الأنساب و كان ثقة مؤدّبا، و لا يعرف أبوه، و إنما نسب إلى أمّه. قال السيد مرتضى: «و محمد بن حبيب نسّابة، و حبيب هذه أمّه أو جدّته» . و كتبه صحيحة، و له مصنفات في الأخبار، منها كتاب «المحبّر» و «الموشّى» و غيرهما. مات بسامرّا في ذي الحجة سنة 245 في أيام المتوكل (راجع ترجمته في «معجم الأدباء» لياقوت «و بغية الوعاة» للسيوطيّ) .

[7]يقال: شنق البعير (من بابي ضرب و نصر) إذا جذبه بالشّناق حتى يرفع رأسه. و الشناق كالزمام و زنا و معنى.

91

كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: هذا شعر تهاميّ إذا أنجد[1]وجد البرد، حتى أنشد قوله:

/رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت # فيضحى و أمّا بالعشيّ فيخصر

قليلا على ظهر المطيّة ظلّه # سوى ما نفى عنه الرداء المحبّر[2]

و أعجبها من عيشها ظلّ غرفة # و ريّان ملتفّ الحدائق أخضر

و وال كفاها كلّ شي‏ء يهمّها # فليست لشي‏ء آخر الليل تسهر

فقال جرير: ما زال هذا القرشيّ يهذي حتى قال الشعر.

أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني أبو عبد اللّه اليماميّ قال حدّثني الأصمعيّ قال:

قال لي الرشيد: أنشدني أحسن ما قيل في رجل قد لوّحه‏[3]السّفر، فأنشدته قول عمر بن أبي ربيعة:

رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت # فيضحى و أمّا بالعشيّ فيخصر

أخا سفر جوّاب أرض تقاذفت # به فلوات فهو أشعث أغبر

... الأبيات كلّها. قال: فقال لي الرشيد: أنا و اللّه ذلك الرجل. قال: و هذا بعقب قدومه من بلاد الرّوم.

أخبرني الفضل بن الحباب الجمحيّ أبو خليفة في كتابه إليّ: قال حدّثنا محمد بن سلاّم قال أخبرني شعيب بن صخر قال:

كان بين عائشة بنت طلحة و بين زوجها عمر بن عبيد اللّه بن معمر كلام، فسهرت ليلة فقالت: إن ابن أبي ربيعة لجاهل بليلتي هذه حيث/يقول:

و وال كفاها كلّ شي‏ء يهمّها # فليست لشي‏ء آخر الليل تسهر

أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان قال حدّثني إسحاق عن المدائنيّ قال:

/عرض يزيد بن معاوية جيش أهل الحرّة، فمرّ به رجل من أهل الشأم معه ترس‏[4]خلق سمج، فنظر إليه يزيد و ضحك و قال له: ويحك!ترس عمر بن أبي ربيعة كان أحسن من ترسك. يريد قول عمر:

فكان مجنّي دون من كنت أتّقي # ثلاث شخوص كاعبان و معصر[5]

أخبرنا جعفر بن قدامة قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك الخزاعيّ قال: سمع أبو الحارث جمّيز[6]مغنّية تغنّي:

[1]كذا في ت، حـ، ر، و كتاب «الموشح للمرزباني» المخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم 3293 أدب. و في سائر النسخ «أنشد» .

[2]المحبّر: المزيّن المحسّن.

[3]لوّحه السفر: غيره.

[4]الترس: صفحة من الفولاذ مستديرة تحمل للوقاية من السيف و نحوه. و الخلق (بالتحريك) : البالي، يقال للمذكر و المؤنث؛ يقال:

ثوب خلق و جبّه خلق. و السمج (بسكون الميم و كسرها) : القبيح.

[5]المجن: الترس. و حذفت هاء التأنيث من العدد حملا على المعنى؛ لأنه أراد بالشخص المرأة. و الكاعب: التي نهد ثديها.

و المعصر: التي دخلت في عصر شبابها.

[6]ورد في الأصول التي بأيدينا «جمين» . قال في «القاموس» في مادة جمن: «و أبو الحارث جمين كقبّيط المدينيّ ضبطه المحدّثون بالنون، و الصواب بالزاي المعجمة؛ أنشد أبو بكر بن مقسم:

92

أشارت

بمدراها و قالت لأختها # أ هذا المغيريّ الذي كان يذكر؟

فقال جمّيز: امرأته طالق إن كانت أشارت إليه بمدراها إلا لتفقأ بها عينه، هلاّ أشارت إليه بنقانق‏[1]مطرف بالخردل‏[2]، أو سنبوسجة[3]مغموسة في الخلّ، أو لوزينجة[4]شرقة[5]بالدّهن!فإن ذلك أنفع له، و أطيب لنفسه، و أدلّ على مودّة صاحبته.

/أخبرني الحرميّ قال: حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد العزيز بن أبي أويس عن عطّاف بن خالد الوابصيّ‏[6]عن عبد الرحمن بن حرملة قال:

أنشد سعيد بن المسيّب قول عمر بن أبي ربيعة:

و غاب قمير كنت أرجو[7]غيوبه # و روّح رعيان و نوّم‏[8]سمّر

فقال: ما له قاتله اللّه!لقد صغّر ما عظّم اللّه!يقول اللّه عز و جلّ: (وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْنََاهُ مَنََازِلَ حَتََّى عََادَ كَالْعُرْجُونِ‏[9]اَلْقَدِيمِ) .

شعر عمر في فاطمة بنت محمد بن الأشعث الكندية

و منها ما فيه غناء لم ينسب في موضعه من الأخبار فنسب هاهنا:

صوت‏

تشطّ[10]غدا دار جيراننا # و للدّار بعد غد أبعد

إذا سلكت غمر[11]ذي كندة # مع الصّبح‏[12]قصد لها الفرقد[13]

-

إن أبا الحارث جمّيزا # قد أوتي الحكمة و الميزا»

و هو صاحب النوادر و المزاح (راجع «تاج العروس» مادة جمن) .

[1]جاء في «شفاء الغليل» : لقانق (باللام بدل النون الأولى) : اسم لأحد الأمعاء؛ و به سمى معى الغنم المحشوّ المقليّ.

[2]لعل المراد أنه محسّن بالخردل يوضع عليه. و لم نجد في كتب اللغة ما يساعد على التثبت من هذا المعنى. و الخردل: حب شجر معروف، كما في «القاموس» . قال ابن البيطار: إذا دق كان داخله أصفر و فيه نداوة أ هـ و هو المعروف باسم‏ ) La moutarde ( .

[3]السّنبوسج-و ورد بالقاف و الكاف بدل الجيم-: ما يحشى بقدر (قطع) اللحم و الجوز و نحوه من الرّقاق المعجون بالسمن أو الشّيرج. «أقرب الموارد» .

[4]اللّوزينج: من الحلواء شبه القطائف يؤدم بدهن اللوز. «أقرب الموارد» .

[5]شرقة: غاصّة ممتلئة.

[6]في ب، س، حـ، ر: «الواصبيّ» . و في ت: «الواقصيّ» و كلاهما تحريف؛ إذ هو عطاف بن خالد بن عبد اللّه بن العاص بن وابصة، كما في «تهذيب التهذيب» .

[7]في «ديوانه» : «أهوى» .

[8]نوّم: نام، و التضعيف فيه «للمبالغة» .

[9]العرجون: أصل العذق الذي يعوّج و تقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابسا؛ سمّى بذلك لانعراجه.

[10]تشط: تبعد.

[11]غمر ذي كندة: موضع وراء وجرة بينه و بين مكة مسيرة يومين.

[12]في «ديوانه» : «مع الركب» .

[13]الفرقد: نجمان في السماء من نجوم الدب الأصغر و هي في الشمال، و يقال الفرقد بالأفراد، و الفرقدان بالتثنية. و لعله يريد أنها تسير-

93

عراقيّة، و تهامي الهوى # يغور بمكة أو ينجد[1]

و حثّ الحداة بها عيرها[2] # سراعا إذا ما ونت تطرد[3]

/هنالك إمّا تعزّي الفؤاد # و إمّا على إثرها تكمد

و ليست ببدع‏[4]إذا[5]دارها # نأت و العزاء إذا أجلد

صرمت و واصلت حتّى علمـ # ت أين المصادر و المورد

و جرّبت من ذاك حتّى عرفـ # ت ما أتوقّى و ما أحمد

فلما دنونا لجرس‏[6]النّبا # ح و الضوء، و الحيّ لم يرقدوا[7]

[نأينا[8]عن الحيّ حتّى إذا # تودّع‏[9]من نارها الموقد]

بعثنا لها باغيا ناشدا[10] # و في الحيّ بغية من ينشد

أتتنا تهادى‏[11]على رقبة[12] # من الخوف أحشاؤها ترعد

تقول و تظهر وجدا[13]بنا # و وجدي و إن أظهرت أوجد

لممّا شقائي تعلّقتكم # و قد كان لي عندكم‏[14]مقعد

و كفّت سوابق من عبرة # على الخدّ يجري‏[15]بها الإثمد

-جهته؛ لأن العراق التي تقصده في الشمال الشرقيّ من مكة. و في ت: «القرقد» بقافين. و لعله تحريف؛ إذ لم نجد في هذه المادة سوى «قرقد» هكذا بدون أداة التعريف اسم جبل قرب مكة.

[1]يأتي الغور و النجد. و الغور: المطمئن من الأرض. و النجد: ما غلظ و ارتفع منها. و المراد أنه لا يزيم أغوار مكة و نجادها و محبوبته عراقية لا يتمكن أن يصل إليها.

[2]العير: الإبل، و لا واحد له من لفظه.

[3]الحداة: جمع حاد، و أصله المغنّي للإبل لتنشط في السير، و قد يراد به الزاجر و السائق. و ونت: ضعفت و تباطأت. و تطرد:

تساق.

[4]في ت «تروع» .

[5]كذا في ت. و في سائر النسخ و «الديوان» : «لئن» .

[6]الجرس: الصوت.

[7]في «الديوان» :

فلما دنونا لجرس النباح # إذا الضوء، و الحيّ لم يرقدوا

[8]أثبتنا هذا البيت عن «ديوانه» لتوقف المعنى عليه؛ و ليلاحظه مكانه في الألحان؛ فالتاسع صار به العاشر، و هكذا.

[9]تودّع: سكنت ناره و انطفأت.

[10]في «الديوان» :

و ناموا بعثنا لها ناشدا

.

[11]تتهادى: تمشي في تمايل و سكون.

[12]الرقبة: التحفّظ و الفرق.

[13]الوجد: الشغف و الشوق الشديد.

[14]كذا في أكثر النسخ «و الديوان» . و المراد: من شقائي أني تعلقتكم و قد كان لي عندكم مكانة و منزلة. و في ت: «عنكم» . و معناه:

و قد كان لي منأى عنكم.

[15]في «ديوانه» المطبوع بأوروبا: «جال» . و الإثمد: حجر الكحل. و قد ورد هذا البيت في «الديوان» بعد قوله «أتتنا تهادى... البيت» و السياق يقتضيه. و قد أبقيناه كما هو في الأصل؛ لأن البيان الآتي بعد يتبع هذا الترتيب.

94

//

فإنّ الّتي شيّعتنا الغداة # مع الفجر قلبي بها مقصد[1]

[كأنّ أقاحيّ مولية[2] # تحدّر من ماء مزن ندي‏][3]

غنّى معبد في الأوّل و الثاني و الثالث من الأبيات خفيف ثقيل من أصوات قليلات الأشباه عن إسحاق. و غنّى فيها أشعب‏[المعروف‏[4]بالطامع‏]ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ. و للغريض في الأبيات الأربعة الأول ثاني ثقيل‏[5]بالوسطى عن عمرو. و لابن سريج في الرابع عشر و هو:

و كفّت سوابق من عبرة

ثم الأوّل و التاسع رمل بالوسطى عن ابن المكيّ. و لمالك-و يقال إنه لمعبد-خفيف ثقيل في الرابع عشر و الثالث عشر و الأوّل عن الهشاميّ. و في السابع و الثامن و الأوّل لابن جامع ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ. و في الأوّل و الحادي عشر لابن سريج رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق، و فيهما[6]ثاني ثقيل بالسّبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق و لم ينسبه إلى أحد، و ذكر أحمد بن المكّيّ أنه لأبيه. و في الرابع و الخامس رمل لمعبد عن ابن المكيّ، و قيل: إنه من منحول أبيه إلى معبد. و في الثالث عشر و السادس ليونس خفيف رمل عن الهشاميّ. و في الأوّل و الثاني عشر ثاني ثقيل تشترك فيه الأصابع عن ابن المكيّ، و قال أيضا: فيه للأبجر لحن آخر من الثّقيل الثاني. و لمعبد في الرابع و السادس ثاني ثقيل آخر عنه، و فيهما/أيضا رمل لابن سريج عنه و عن حبش. و لإسحاق في الأوّل و الثاني رمل من كتابه. و لعليّة بنت المهديّ في الثالث عشر و الأوّل ثقيل أوّل. و لابن مسجح‏[7]في الثاني عشر و الأوّل رمل، و يقال إنه للرّطّاب، و ذكر حبش أنه لابن سريج. و في الخمسة الأبيات الأولى متوالية خفيف رمل بالوسطى ينسب إلى معبد و إلى يحيى المكيّ، و زعم حبش أنّ فيها رملا بالوسطى لابن محرز. و الذي ذكره يونس في كتابه أنّ في:

تشطّ غدا دار جيراننا

خمسة ألحان: اثنان لمعبد، و اثنان لمالك، و واحد ليونس. و ذكر أحمد بن عبيد أنّ الذي عرف صحته من الغناء فيه سبعة ألحان: ثقيل أوّل، و ثاني ثقيل، و خفيف ثقيل، و رمل، و خفيفه‏[8].

أخبرني بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه بن المرزبان أنّ الذي أحصي فيه إلى وقته ستة عشر لحنا. و الذي [1]في «ديوانه» :

فتلك التي شيعتها الفتاة # إلى الخدر قلبي بها مقصد

و مقصد: مقتول.

[2]و ليت الأرض وليا إذا مطرت بالوليّ أو الولي بالتسكين، و هو المطر يأتي بعد المطر؛ سمّى بذلك لأنه بلى الوسميّ. و الوسميّ: مطر الربيع الأوّل.

[3]لم يرد هذا البيت بتلك القصيدة في «ديوانه» . و لعله مدسوس على شعره لاختلاف رويّه.

[4]زيادة في ت.

[5]في ت: «ثاني خفيف بالبنصر» و في حـ، ر: «ثاني ثقيل بالبنصر» .

[6]كذا في ت. و في سائر النسخ: «و فيها» .

[7]في ت «و لابن سريج... و ذكر حبش أنه لابن مسجح» .

[8]كذا ورد في جميع النسخ عدا نسخة ت، م، ء. و المذكور منها خمسة ألحان لا سبعة، و لكن ورد في ت: «و ثانيا ثقيل» بدل «و ثاني ثقيل، و ورد في م، ء: «و خفيفا ثقيل» بدل: «و خفيف ثقيل» ؛ و بذلك تكون الألحان سبعة لا خمسة كما ورد في أكثر النسخ.

95

وجدته فيه مما جمعته هاهنا-سوى ما لم يذكر يونس طريقته-تسعة عشر لحنا: منها في الثقيل الأوّل لحنان، و في خفيف الثقيل لحنان، و في الثّقيل الثاني ستة، و في الرّمل سبعة، و في خفيف الرّمل لحنان.

و هذا الشعر يقوله عمر بن أبي ربيعة في امرأة من ولد الأشعث بن قيس حجّت فهويها و راسلها، فواصلته و دخل إليها و تحدّث معها و خطبها، فقالت: أمّا هاهنا فلا سبيل إلى ذلك، و لكن إن قدمت إلى بلدي خاطبا تزوّجتك، فلم يفعل.

أخبرني بهذا الخبر الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا محمد بن الحسن المخزوميّ عن محرز بن جعفر مولى أبي هريرة عن أبيه قال: /سمعت بديحا يقول: حجّت بنت محمد بن الأشعث الكنديّة، فراسلها عمر بن أبي ربيعة و وعدها أن يتلقّاها مساء الغد، و جعل الآية بينه و بينها أن تسمع ناشدا ينشد-إن لم يمكنه أن يرسل رسولا-يعلمها بمصيره إلى المكان الذي وعدها. قال بديح: فلم أشعر به/إلا متلثّما، فقال لي: يا بديح، ائت بنت محمد بن الأشعث فأخبرها أنّي قد جئت لموعدها، فأبيت أن أذهب و قلت: مثلي لا يعين على مثل هذا.

فغيّب بغلته عنّي ثم جاءني فقال لي: قد أضللت بغلتي فانشدها لي في زقاق‏[1]الحاجّ. فذهبت فنشدتها، فخرجت عليّ بنت محمد بن الأشعث و قد فهمت الآية، فأتته لموعده، و ذلك قوله:

و آية ذلك أن تسمعي # إذا جئتكم ناشدا ينشد

قال بديح: فلمّا رأيتها مقبلة عرفت أنه قد خدعني بنشدي البغلة، فقلت له: يا عمر، لقد صدقت الّتي قالت لك:

فهذا سحرك النّسوا # ن، قد خبّرنني خبرك‏[2]

قد سحرتني و أنا رجل!فكيف برقّة قلوب النساء و ضعف رأيهنّ!و ما آمنك بعدها، و لو دخلت الطّواف ظننت أنك دخلته لبليّة. قال: و حدّثها بحديثي، فما زالا ليلتهما يفصلان حديثهما بالضحك منّي.

قال الزّبير: فحدّثني أبو الهندام‏[3]مولى الرّبعيّين عن أبي الحارث بن عبد اللّه الرّبعيّ قال: /لقي ابن أبي عتيق بديحا فقال له: يا بديح، أخدعك‏[4]ابن أبي ربيعة أنه قرشيّ؟فقال بديح: نعم!و قد أخطأه ذلك عند القسريّ‏[5]و صواحبه. فقال ابن أبي عتيق: ويحك يا بديح!أنّ من تغابى لك ليغبى عنك، فقد ضمّت عليه قبضتك إن كان لك ذهن، أ ما رأيت لمن كانت العاقبة؟و اللّه ما بالى ابن أبي ربيعة أوقع عليهنّ أم وقعن عليه!.

[1]في ت، حـ: «رقاق» .

[2]يجوز أن يقرأ هذا البيت هكذا:

فهذا سحرك، النسوا # ن قد خبرتني خبرك‏

[3]في ت: «الهيذام» . و قد ذكر ابن النديم في «الفهرست» طبع ليبزج ص 82 أبا الهندام و قال إن اسمه كلاب بن حمزة من أهل حرّان و قد أقام بالبادية و قيل إنه كان معلما، و كان عالما شاعرا، و له من الكتب «كتاب النحو» و «كتاب ما تلحن فيه العامة» أ هـ بتصرّف.

و لم ندر أ هو هذا أم غيره. و الهيذام في اللغة: الرجل الشجاع أو الأكول.

[4]كذا في ت. و في ب، س، أ، م، ء: «أحدّثك» و في حـ، ر. «أخذك» .

[5]يراد به-فيما يظن صاحب «الأغاني» -خالد بن عبد اللّه القسري المعروف بالخرّيت. و قد روى عنه أنه نشأ بالمدينة، و كان في حداثته يتخنّث و يتتبع المخنّثين و المغنّين و يمشي مع عمر بن أبي ربيعة و يترسل بينه و بين النساء (انظر ج 19 من «الأغاني» طبعة بولاق في أخبار خالد بن عبد اللّه) .

96

أخبرني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعد الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن كعب بن بكر[1]المحاربيّ: أنّ فاطمة بنت محمد بن الأشعث حجّت، فراسلها عمر بن أبي ربيعة فواعدته أن تزوره، فأعطى الرسول الذي بشّره بزيارتها مائة دينار.

أخبرني عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن رجاله المذكورين، قالوا: حجّت بنت لمحمد بن الأشعث‏[-هكذا قال إسحاق و هو عندي الصحيح-][2]و كانت معها أمّها و قد سمعت بعمر بن أبي ربيعة فأرسلت إليه، فجاءها فاستنشدته، فأنشدها:

تشطّ غدا دار جيراننا # و للدّار بعد غد أبعد

و ذكر القصة[3]بطولها. قال: و قد كانت لمّا جاءها أرسلت بينها و بينه سترا رقيقا تراه من ورائه و لا يراها، فجعل يحدثها حتى استنشدته، فأنشدها هذه القصيدة، /فاستخفّها الشعر فرفعت السّجف، فرأى وجها حسنا في جسم ناحل، فخطبها و أرسل إلى أمّها بخمسمائة دينار، فأبت و حجبته و قالت للرسول: تعود[4]إلينا. فكأن الفتاة غمّها ذلك، فقالت لها أمّها: قد قتلك الوجد به فتزوّجيه. قالت: لا و اللّه لا يتحدّث أهل العراق عنّي‏[5]أنّي جئت ابن أبي ربيعة أخطبه، و لكن إن أتاني إلى العراق تزوّجته. قال: و يقال: إنها راسلته و واعدته أن تزوره، فأجمر[6]بيته و أعطى المبشّر مائة دينار، فأتته و واعدته إذا صدر[7]الناس أن يشيّعها، و جعلت علامة ما بينهما أن يأتيها رسوله ينشدها ناقة له‏[8]. فلما صدر الناس فعل ذلك عمر. و فيه يقول و قد شيّعها:

صوت‏

/

قال الخليط[9]غدا تصدّعنا[10] # أو بعده‏[11]، أ فلا تشيّعنا

أمّا الرّحيل فدون بعد غد # فمتى تقول‏[12]الدار تجمعنا

لتشوقنا هند و قد علمت‏[13] # علما بأنّ البين يفزعنا[14]

[1]كذا في ت. و في سائر النسخ: «بكير» و لعله تحريف؛ إذ الغالب أنه أخو لقيط بن بكر المحاربيّ الآتي بعد في صفحة 99 من هذا الجزء.

[2]هذه الجملة ساقطة في أ، م، ء.

[3]كذا في ب، جـ، ر. و في سائر النسخ: «القصيدة» .

[4]في ت: «لا تعود إلينا» .

[5]كذا في ت. و في سائر النسخ: «خلفي» .

[6]أجمر بيته: بخّره بعود و نحوه.

[7]صدر الناس: انصرفوا و رجعوا.

[8]في ب، س: «ناقة له ضلت» .

[9]الخليط: القوم المختلطون الذين أمرهم واحد. و قد كثرت هذه الكلمة في الشعر العربيّ؛ لأنهم كانوا ينتجعون أيام الكلأ فتجتمع منهم قبائل شتى في مكان واحد فيتآلفون و يتحابّون، فإذا افترقوا ساءهم ذلك، و قال شعراؤهم في هذا المقام ما شاءت لهم فصاحتهم و بلاغتهم.

[10]تصدّع القوم: تفرّقوا.

[11]في «ديوانه» ، ت، أ، م، ء: «شيعه» ؛ يقال: أقام فلان شهرا أو شيعه، أي مقداره أو قريبا منه.

[12]تقول هنا: تظن.

[13]في «ديوانه» : «قتلت» .

[14]في ب، س، حـ، «يقرعنا» . و في «ديوانه» ، ت، أ، م، ء: «فاجعنا» . ـ

97

/

عجبا لموقفنا و موقفها # و بسمع تربيها[1]تراجعنا!

و مقالها سر ليلة معنا # نعهد[2]فإنّ البين فاجعنا[3]!

قلت العيون كثيرة معكم # و أظنّ أنّ السّير مانعنا

لا بل نزوركم بأرضكم # فيطاع قائلكم و شافعنا

قالت أ شي‏ء أنت فاعله # هذا لعمرك أم تخادعنا؟

باللّه حدّث ما تؤمّله # و اصدق فإنّ الصّدق واسعنا

اضرب لنا أجلا نعدّ[4]له # إخلاف موعده تقاطعنا[5]

الغناء لابن سريج ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق، و ذكر عمرو أنه للغريض بالوسطى. و فيه لابن سريج خفيف رمل عن الهشاميّ، و ذكر حبش أنه لموسى شهوات.

شعره في زينب بنت موسى الجمحية

و منها ممّا لم ينسب أيضا

صوت‏

لقد أرسلت جاريتي # و قلت لها: خذي حذرك

و قولي في ملاطفة # لزينب: نوّلي عمرك

فهزّت رأسها عجبا # و قالت: من بذا أمرك

أ هذا سحرك‏[6]النّسوا # ن، قد خبّرنني خبرك‏

/غنّى فيها[7]ابن سريج خفيف رمل‏[8]بالبنصر عن عمرو، و قال قوم: إنه للغريض. و فيها لمالك خفيف ثقيل عن ابن المكّيّ. و في هذا الشعر ألحان كثيرة، و الشعر فيها على غير هذه القافية، لأنّ هذه الأبيات لعمر من قصيدة رائيّة موصولة[9]الرّاءات بألف، إلاّ أنّ المغنّين غيّروا هذه الأبيات في هذين اللّحنين، [1]في الأصول التي بأيدينا: «تربتها» . و التصويب عن «الديوان» .

[2]نأخذ عليك العهد و الميثاق أن تلقانا بعد افتراقنا.

[3]في «ديوانه» ، ت: «شائعنا» أي متعقبنا و ملازمنا.

[4]أي نحسب الأيام و الليالي في انتظاره. و في ت: «يعدّ لكم» و في أ، م، ء: «نعدّ لكم» .

[5]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «يقاطعنا» .

[6]كذا في حـ، ر، س. و في سائر النسخ: «خدعك» .

[7]في حـ، ر، ب، س: «فيه» ، و الضمير عائد على الشعر أو الصوت، و هو في «فيها» عائد على الأبيات.

[8]كذا في ب، حـ، ر. و في سائر النسخ؛ «خفيف ثقيل» .

[9]كذا في ت. و في سائر النسخ: «مردفة» . و حرف الوصل في اصطلاح علماء العروض هو الذي يقع بعد الرويّ، و هو على ضربين:

أحدهما ما كان بعده خروج (و هي الألف التي بعد الصلة في القافية) كقوله:

عفت الديار محلها فمقامها

و الثاني ألاّ يكون بعده خروج، كقوله:

98

فجعلوا مكان الألف كافا، و أنّما هي:

لقد أرسلت جاريتي # و قلت لها: خذي حذرا

و أوّل القصيدة:

صوت‏

تصابى القلب و ادّكرا # صباه و لم يكن ظهرا

لزينب إذ تجدّلنا # صفاء لم يكن كدرا

أ ليست بالتي قالت # لمولاة لها ظهرا

أشيري بالسّلام له # إذا هو نحونا خطرا[1]

/[لقد أرسلت جاريتي # و قلت لها: خذي حذرا[2]]

و قولي في ملاطفة # لزينب: نوّلي عمرا[2]

فهزّت رأسها عجبا # و قالت: من بذا أمرا!

أ هذا سحرك النسوا # ن، قد خبّرنني الخبرا

غنّى ابن سريج في الثالث و الرابع و الخامس‏[3]و الأوّل خفيف ثقيل أوّل بإطلاق الوتر/في مجرى البنصر من رواية إسحاق. و ذكر عمرو بن بانة في نسخته الأولى أنه لابن سريج، و أبو إسحاق ينسبه في نسخته الثانية إلى دحمان. و للغريض في الأوّل من الأبيات لحن من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالوسطى في مجراها، و أضاف إليه بيتين ليسا من هذه القصيدة و هما:

طربت و ردّ من تهوى # جمال الحيّ فابتكروا

فقل للمالكيّة[4]لا # تلومي القلب إن جهرا[5]

و ذكر يونس أنّ لمعبد في هذا الشعر الذي أوّله:

تصابى القلب و ادّكرا

-

ألا طال هذا الليل و ازورّ جانبه # و أرّقني أن لا حبيب ألاعبه‏

و هو يقع بحروف اللين أو الهاء تأتي عقب الرويّ. و الردف: حرف ساكن من حروف المدّ و اللين يقع قبل حرف الرويّ ليس بينهما شي‏ء. و هو إن كان ألفا لم يجز معها غيرها، و إن كان واوا جاز معه الياء (انظر «اللسان» في مادتي «وصل» و «ردف» ) و بذلك تكون النسخ صحيحة إذا أريد المعنى اللغويّ، و أما إذا أريد المعنى الاصطلاحيّ فلا تصح إلا نسخة ت.

[1]في «ديوانه» : «نظرا» .

[2]نقلنا هذا البيت من «الديوان» و وضعناه في مكانه من ترتيب الشعر لتوقف السياق عليه.

[3]صار الآن السادس بالبيت الذي أثبتناه من «الديوان» . و كلمة: «و الأوّل» بعده ليست في ت.

[4]في ت، أ، م، ء: «للبربرية» .

[5]في حـ، ر: «هجرا» .

99

لحنين لم يذكر جنسيهما، و ذكر الهشاميّ: أنّ أحدهما خفيف ثقيل‏[1]و الآخر رمل. و في الأبيات التي غنّى فيها الغريض رمل لدحمان عن الهشاميّ، قال: و يقال إنه لابنة الزّبير. و زينب التي ذكرها عمر بن أبي ربيعة هاهنا، يقال لها: زينب بنت موسى أخت قدامة بن موسى الجمحيّ.

/أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي بكر العامريّ. و أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز الزّهريّ قال حدّثني عمّي عمران‏[2]بن عبد العزيز قال:

شبّب عمر بن أبي ربيعة بزينب بنت موسى الجمحيّة في قصيدته التي يقول فيها:

صوت‏

يا خليليّ من ملام‏[3]دعاني # و ألمّا الغداة بالأظعان

لا تلوما في آل زينب إنّ الـ # قلب رهن بآل زينب عاني

ما أرى ما بقيت‏[4]أن أذكر المو # قف منها بالخيف‏[5]إلا شجاني‏

-غنّى في هذه الأبيات الغريض خفيف رمل بالبنصر عن عمرو-

لم تدع للنساء عندي حظّا[6] # غير ما قلت‏[7]مازحا بلساني

هي أهل الصّفاء و الودّ منّي # و إليها الهوى فلا تعدلاني

حين قالت‏[8]لأختها[9]و لأخرى # من قطين‏[10]مولّد: حدّثاني

كيف لي اليوم أن أرى عمر المر # سل سرّا في القول أن يلقاني‏[11]؟

/قالتا: نبتغي رسولا إليه # و نميت الحديث بالكتمان

إنّ قلبي بعد الذي نلت منها # كالمعمّى عن سائر النّسوان‏[12]

[1]هذه الكلمة ليست في ت، م، ء.

[2]كذا في ت، حـ، و في سائر النسخ: «حدّثني عمي أن عمران بن عبد العزيز» ، و زيادة «أن» غير صحيحة كما هو ظاهر من السند نفسه.

[3]في حـ: «ململام» بحذف نون «من» .

[4]في «ديوانه» «ما حييت» .

[5]الخيف: ما ارتفع عن مجرى السيل و انحدر عن غلظ الجبل.

[6]في «ديوانه» «نصيبا» .

[7]في «ديوانه» : «كنت» .

[8]في «ديوانه» : «ثم قالت» .

[9]في «ديوانه» ، ت، أ، م، ء: «لتربها» .

[10]القطين: الخدم و الأتباع و الحشم. و المولد من العبيد و الإماء: من ولد بين العرب و نشأ مع أولادهم.

[11]في «الديوان» : «... المر

سل بالهجر قبل أن يلقاني»

.

[12]في «ديوانه» : «كالمعنّى» أي المأسور المحبوس عن غيرها.

100

قال: و كان سبب ذكره لها أنّ ابن أبي عتيق ذكرها عنده يوما فأطراها، و وصف من عقلها و أدبها و جمالها ما شغل قلب عمر و أماله إليها، فقال فيها الشعر و شبّب بها، فبلغ ذلك ابن أبي عتيق، فلامه فيه و قال له: أ تنطق الشعر في ابنة عمّي؟فقال عمر:

صوت‏

لا تلمني عتيق حسبي الذي بي # إنّ بي يا عتيق ما قد كفاني

لا تلمني و أنت زيّنتها لي # أنت مثل الشيطان للإنسان

إنّ بي داخلا من الحبّ قد أبـ # لى عظامي مكنونه و براني

/لو بعينيك يا عتيق نظرنا # ليلة السّفح قرّت العينان

إذ بدا الكشح و الوشاح من الدّ # رّ و فصل فيه من المرجان‏[1]

قد قلى قلبي النساء سواها # غير ما قلت مازحا بلساني‏[2]

/و أوّل هذه القصيدة:

إنّني‏[3]اليوم عاد لي أحزاني # و تذكّرت ما مضى من زماني

و تذكّرت ظبية أمّ رئم‏[4] # هاج لي‏[5]الشوق ذكرها فشجاني‏

غنّى أبو العبيس‏[6]بن حمدون في «لا تلمني عتيق... » لحنا من الثقيل الأوّل المطلق. و فيه رمل طنبوريّ مجهول.

[1]لم يرد هذا البيت بتلك القصيدة في «ديوانه» . و الكشح: ما بين الحجبة-و هي رأس الورك الذي يشرف على الخاصرة-إلى الإبط.

و الوشاح: شبه قلادة ينسج من أديم عريض يرصع بالجواهر تشدّه المرأة بين عاتقيها.

[2]ذكر في «ديوانه» صدر هذا البيت آخر و عجزه لبيت ثان هكذا:

لم تدع للنساء عندي نصيبا # غير ما كنت مازحا بلساني

و قلى قلبي النساء سواها # بعد ما كان مغرما بالغواني‏

[3]في «ديوانه» :

إنني اليوم عادني أحزاني # و تذكّرت ميعتي في زماني‏

و الميعة: أوّل الشباب و أنشطه.

[4]الرثم: ولد الظبية.

[5]في «ديوانه» :

صدع القلب ذكرها فشجاني‏

[6]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «أبو العنبس» . و قد تكرر ذكر هذين الاسمين كثيرا في «الأغاني» في أجزاء مختلفة، و ذكرهما السنيور جويدي مرتب فهرس «الأغاني» على أنهما علمان لشخصين مختلفين، و ذكر عمن ظنه أبا العبيس أنه غنى إبراهيم بن المدبّر، و عمن حسبه أبا العنبس أنه أثنى على ألحان عبد اللّه بن طاهر. و الحقيقة أنهما علمان لشخص واحد ذكر في الأصل الذي نقلت عنه النسخة الأولى أبا العنبس و مرة أبا العبيس. و لا يبعد أن يكون اسمه أبا العبيس نودي به مصغرا تصغير ترخيم أبا العبيس. و كذلك تختلف النسخ التي بين أيدينا في أكثر المواضع التي ورد فيها هذا الاسم؛ ففي الموضع الواحد يذكره بعضها أبا العبيس و بعضها أبا العنبس كما هنا. و مما يدل على أنهما علمان لشخص واحد أنه ورد ذكره في «الأغاني» ج 9 في أخبار إبراهيم بن العباس و نسبه أبا العبيس و أنه غنى في هذين البيتين:

فلو كان للشكر شخص يبين # إذا ما تأمله الناظر

لمثلته لك حى تراه # فتعلم أنى أمرؤ شاكر

101

/أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال أخبرني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون قال:

أنشد عمر بن أبي ربيعة قوله:

يا خليليّ من ملام دعاني # و ألمّا الغداة بالأظعان

لا تلوما في آل زينب إنّ الـ # قلب رهن بآل زينب عاني‏

القصيدة. قال: فبلغ ذلك أبا وداعة السّهميّ فأنكره و غضب. و بلغ ذلك ابن أبي عتيق و قيل له: إنّ أبا وداعة قد اعترض لابن أبي ربيعة من دون زينب بنت موسى، و قال: لا أقرّ لابن أبي ربيعة أن يذكر امرأة من بني هصيص في شعره. فقال ابن أبي عتيق: لا تلوموا أبا وداعة أن ينعظ من سمرقند على أهل عدن! /قال الزّبير: و حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز الزّهريّ قال حدّثني عمّي عمران بن عبد العزيز قال: شبّب عمر بن أبي ربيعة بزينب بنت موسى في أبياته التي يقول فيها:

لا تلوما في آل زينب إنّ الـ # قلب رهن بآل زينب عاني‏

فقال له ابن أبي عتيق: أمّا قلبك فقد غيّب عنّا، و أمّا لسانك فشاهد عليك.

قال عبد الرحمن بن عبد اللّه قال عمران بن عبد العزيز: عذل ابن أبي عتيق عمر في ذكره زينب في شعره، فقال عمر:

لا تلمني عتيق حسبي الذي بي # إنّ بي يا عتيق ما قد كفاني‏

لا تلمني و أنت زيّنتها لي قال: فبدره ابن أبي عتيق، فقال:

أنت مثل الشيطان للإنسان -قال أبو الفرج: «الغناء لأبي العبيس ثقيل أوّل و فيه لرذاذ ثاني ثقيل. حدّثني أبو يعقوب إسحاق بن يعقوب النوبختي قال: حدّثني جماعة من عمومتي و أهلنا أن رذاذا صنع في هذين البيتين لحنا أعجب به الناس و استحسنوه، فلما كثر ذلك صنع فيه أبو العبيس لحنا آخر فسقط لحن رذاذ و اختار الناس لحن أبي العبيس» ا هـ و ذكر أبو الفرج في ج 12 في أخبار العتابي و نسبه هذين البيتين و ذكر أن الغناء فيهما لأبي العنبس (هكذا) ابن حمدون ثقيل أوّل و لرذاذ خفيف ثقيل (هكذا) ، و ذكر القصة المتقدّمة بنصها أو قريب منه.

و ما أشار إليه السنيور جويدي من أن أبا العبيس غنى إبراهيم بن المدبر و أن أبا العنبس أثنى على ألحان عبد اللّه بن طاهر لا ينهض دليلا على ما زعم؛ فقد كانا متعاصرين تقريبا. فأما عبد اللّه بن طاهر فقد كان في عصر المأمون، و كان المأمون كثير الاعتماد عليه حسن الالتفات إليه، و كان واليا على الدّينور ثم ولي الشام و مصر. و كان عبد اللّه أديبا ظريفا جيد الغناء، نسب إليه صاحب «الأغاني» أصواتا كثيرة أحسن فيها و نقلها أهل الصنعة عنه. و له شعر مليح و رسائل ظريفة. توفي بمرو في سنة 230 هـ.

و أما إبراهيم بن المدبر فقد كان في عصر المتوكل، و كان كاتبا متقدّما من وجوه كتّاب أهل العراق و متقدّميهم و ذوي الجاه و المتصرّفين في كبار الأعمال، و كان المتوكل يقدّمه و يؤثره و يفضله. و كانت بينه و بين عريب حال مشهورة، كان يهواها و تهواه، و لهما في ذلك أخبار كثيرة و أشعار جيدة ذكرها صاحب «الأغاني» في أخبار عريب في ج 18 و في أخبار ابن المدبر في ج 19.

و قد ورد هذا الاسم بهذا الاختلاف في «مسالك الأبصار» ؛ فكان يذكر باسم أبي العنبس في سرد أحاديث الغناء، و لكنه حين أفرد بالترجمة ذكر باسم أبي العبيس. و قد يكون في هذا ترجيح لاختيار الاسم الأخير؛ لأن الناسخ عادة يكون أكثر تنبها عند تقييد التراجم؛ إذ كان يكتبها في سطر واحد و بلون خاص، و ليست كذلك حاله و هو يسرد الأحاديث. و قد أثبتناه في هذه الطبعة «أبا العبيس» و سننبه في كل موضع يرد فيه على اختلاف النسخ في رسمه.

102

فقال ابن أبي ربيعة: هكذا و ربّ البيت قلته. فقال ابن أبي عتيق: إنّ شيطانك و ربّ القبر[1]ربّما ألمّ بي، فيجد عندي من عصيانه خلاف ما يجد عندك من طاعته، فيصيب منّي و أصيب منه.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز قال حدّثني قدامة بن موسى قال:

خرجت بأختي زينب إلى العمرة، فلما كنت‏[2]بسرف‏[3]لقيني عمر بن أبي ربيعة على فرس فسلّم عليّ.

فقلت له: إلى أين أراك متوجّها يا أبا الخطّاب؟فقال: /ذكرت لي امرأة من قومي برزة الجمال، فأردت الحديث معها. فقلت: هل علمت أنها أختي؟فقال: لا!و استحيا و ثنى عنق فرسه راجعا إلى مكة.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم قال حدّثنا العمريّ عن لقيط بن بكر[4] المحاربيّ/قال:

أنشدني ابن أبي عتيق قول عمر:

صوت‏

من‏[5]لسقيم يكتم الناس ما به # لزينب نجوى صدره و الوساوس

أقول لمن يبغي الشّفاء متى تجي‏ء # بزينب تدرك بعض ما أنت لامس

فإنّك‏[6]إن لم تشف من سقمي بها # فإنّي من طبّ الأطبّاء آيس

و لست بناس ليلة الدار مجلسا # لزينب حتى يعلو الرأس رامس‏[7]

خلاء[8]بدت قمراؤه و تكشّفت # دجنّته و غاب من هو حارس

و ما نلت منها محرما غير أنّنا # كلانا من الثوب المورّد[9]لابس‏

[1]في ت: «البشر» . و من عادة أهل المدينة القسم بالقبر و صاحب القبر. يريدون قبر النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم.

[2]في الأصول: «فلما كانت» .

[3]سرف ككتف: موضع على عشرة أميال من مكة قرب التنعيم و به تزوّج رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي اللّه عنها سنة تسع من الهجرة في عمرة القضاء و هناك بنى بها و هناك توفيت و هو مصروف، و بعضهم ترك صرفه، جعله اسما للبقعة. (ياقوت «و شرح القاموس» ) .

[4]كذا في ت. و في سائر النسخ: «بكير» و هو تحريف؛ إذ هو أبو هلال لقيط بن بكر المحاربيّ الكوفيّ، كان من الرواة للعلم المصنفين للكتب عاش إلى سنة 190 هـ (انظر «فهرست ابن النديم» طبع مدينة ليبزج سنة 1872 ص 94) .

[5]كذا في «الديوان» ، ت. و في سائر الأصول: «و من لسقيم» بالواو. و قد دخل عليه الخرم و هو حذف الفاء من فعولن؛ و الخرم جائز في مطلع القصيدة.

[6]في «ديوانه» :

فإنك إلاّ تأت يوما بزينب‏

[7]الرامس: الدافن في الرّمس و هو القبر.

[8]كذا في «ديوانه» . و في الأصول كلها: «فلما بدت» .

[9]في ت، أ، م، ء: «و الثوب المطارف» . و المطارف. جمع مطرف بالضم و الكسر، و هو رداء. من خز مربع ذو أعلام. قال الفرّاء:

و أصله الضم لأنه في المعنى مأخوذ من أطرف أي جعل في طرفيه العلمان، و لكنهم استثقلوا الضمة فكسروه. و المورّد: الذي صبغ على لون الورد.

103

نجيّين نقضي اللهو في غير مأثم # و إن رغمت م الكاشحين المعاطس‏

/قال: فقال ابن أبي عتيق: أمنّا[1]يسخر ابن أبي ربيعة!فأيّ محرم بقي!ثم أتى عمر فقال له: يا عمر، أ لم تخبرني أنّك ما أتيت حراما قطّ؟قال بلى!قال: فأخبرني عن قولك:

كلانا من الثّوب المورّد لابس‏

ما معناه؟قال: و اللّه لأخبرنّك!خرجت أريد المسجد و خرجت زينب تريده، فالتقينا فاتّعدنا[2]لبعض الشّعاب، فلما توسّطنا الشّعب أخذتنا السماء، فكرهت أن يرى بثيابها بلل المطر، فيقال لها: أ لا استترت بسقائف المسجد أن كنت فيه، فأمرت غلماني فسترونا بكساء خزّ كان عليّ؛ فذلك حين أقول:

كلانا من الثوب‏[3]المطارف لابس‏

فقال له ابن أبي عتيق: يا عاهر!هذا البيت يحتاج إلى حاضنة! الغناء في هذه الأبيات التي أوّلها:

من‏[4]لسقيم يكتم النّاس ما به‏

لرذاذ ثقيل أوّل، و كان بعض المحدثين ممن شاهدناه يدّعي أنه له، و لم يصدّق.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون قال:

قال عمر بن أبي ربيعة في زينب بنت موسى:

صوت‏

طال من آل زينب الإعراض # للتعدّي و ما بها الإبغاض‏[5]

و وليدين كان علّقها القلـ # ب إلى أن علا الرءوس بياض

حبلها عندنا متين و حبلي # عندها واهن القوى أنقاض‏[6]

الغناء في هذه الأبيات لابن محرز خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. و قال الهشاميّ: فيه لابن جامع خفيف رمل آخر.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال قال عبد الرحمن بن عبد اللّه و حدّثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز عن أبيه قال:

لمّا قال عمر بن أبي ربيعة في زينب:

[1]كذا في ت. و في سائر النسخ: «أبنا سخر الخ» . و في «اللسان» في مادة سخر: «الجوهريّ، حكى أبو زيد سخرت به و هو أردأ اللغتين» .

[2]اتعدنا: تواعدنا.

[3]في س: «من أثواب المطارف» .

[4]كذا في ت. و في سائر النسخ: «و من» .

[5]كذا في «ديوانه» ، ر، ب، أ. و في ت، س، م: «للصغيرى و ما بها الإبغاض» و هو تحريف. و في سائر النسخ: «للمغيرى و ما بها الإبغاض» . و هذه رواية جيدة، غير أن «أعرض» إنما تتعدى بعن لا باللام.

[6]أنقاض: جمع نقض بالكسر، و هو الحبل الذي لم يجوّد فتله و لم يبرم.

104

لم تدع للنساء عندي نصيبا # غير ما قلت مازحا بلساني‏

قال له ابن أبي عتيق: رضيت لها بالمودّة، و للنساء بالدّهفشة[1]. قال: و الدّهفشة: التّجميش‏[2]و الخديعة بالشي‏ء اليسير. [و قال‏[3]غير الزّبير في هذا الخبر: الدهقشة[4]، مكان الدهفشة].

/و مما قاله عمر في زينب و غنّي فيه قوله:

صوت‏

أيّها الكاشح المعيّر[5]بالصّر # م تزحزح فما لها الهجران‏[6]

لا مطاع في آل زينب فارجع # أو تكلّم حتّى يملّ‏[7]اللّسان

نجعل الليل موعدا حين نمسي # ثم يخفي حديثنا الكتمان

كيف صبري عن بعض نفسي و هل يصـ # بر عن بعض نفسه الإنسان!

و لقد أشهد المحدّث عند الـ # قصر فيه تعفّف و بيان‏[8]

في زمان من المعيشة لدن‏[9] # قد مضى عصره‏[10]و هذا زمان‏

الغناء في هذه الأبيات لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو و دنانير. و ذكر يونس أنّ فيه لحنا لابن محرز و لحنا لابن عباد الكاتب، أوّل لحن ابن عبّاد الكاتب:

لا مطاع في آل زينب......

و أوّل لحن ابن محرز:

و لقد أشهد المحدّث......

[1]في ب، س، حـ، ر، ء: «و للنساء الدهشنة» . و في ت: «و للنساء بالدهشنة» بالنون. و في م، ء: «و للنساء الدهشنة» . و كل ذلك محرّف عن «الدهفشة» بالفاء.

[2]التجميش: المداعبة و المغازلة.

[3]زيادة في ت.

[4]في هذه النسخة كذا: «الدهفشة مكان الدهنشة» و هو محرّف عما أثبتناه. قال السيد مرتضى: «و مما يستدرك عليه الدهفشة بالقاف لغة في الفاء، أورده صاحب «اللسان» و أهمله الجماعة» .

[5]في «ديوانه» : «المعرّض» .

[6]الكاشح: عدوّك الذي يولّيك كشحه و يعرض عنك بوجهه. و الصرم: الهجر.

[7]في ت: «يكلّ» .

[8]كذا في أكثر النسخ و «الديوان» . و لعله يريد بالمحدّث مكان التحدّث أو التحدّث نفسه. يعني أنه و إياها كانت لهما عند القصر أحاديث فيها التعفف و البيان في زمان الخ. و في حـ:

و لقد أشهد المحدّث عنها الـ # قسّ فيه تعفف و بيان‏

و القس (بالفتح) هنا: رئيس من رؤساء النصارى في الدين و العلم. و لعله يريد أن القس إذا ذكرها أفصح في بيان محاسنها و عفّ في حديثه عن خلقها و فضائلها.

[9]كذا في أ، م، ء. و اللدن: اللين. و في سائر النسخ «لذّ» و اللذ؛ اللذيذ؛ قال تعالى: (مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشََّارِبِينَ) .

[10]في ب، س: «عسره» و هو تحريف.