الأغاني - ج1

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
323 /
105

و مما غنّي فيه لابن محرز من أشعار عمر بن أبي ربيعة في زينب بنت موسى قوله:

صوت‏

يا من لقلب متيّم كلف # يهذي بخود[1]مريضة النّظر

تمشي الهوينى إذا مشت فضلا[2] # و هي كمثل العسلوج‏[3]في الشّجر

-للغريض في هذين البيتين خفيف رمل بالوسطى، و لابن سريج رمل بالبنصر عن الهشاميّ و حبش-

ما زال طرفي يحار إذ برزت‏[4] # حتى رأيت النقصان في بصري

أبصرتها ليلة و نسوتها # يمشين بين المقام و الحجر

ما إن طمعنا بها و لا طمعت # حتّى التقينا ليلا على قدر[5]

بيضا حسانا خرائدا قطفا[6] # يمشين هونا كمشية البقر

قد فزن بالحسن و الجمال معا # و فزن رسلا[7]بالدّلّ و الخفر

ينصتن يوما لها إذا نطقت # كيما يشرّفنها على البشر

قالت لترب لها تحدّثها # لنفسدنّ الطّواف في عمر

قومي تصدّي له ليعرفنا # ثم اغمزيه يا أخت في خفر

/قالت لها قد غمزته فأبى # ثم اسبطرّت‏[8]تسعى على أثري

من يسق بعد المنام ريقتها[9] # يسق بمسك و بارد خصر[10]

[غنّى في هذا الشعر الغريض خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. و غنّ فيه ابن سريج رملا بالبنصر عن الهشاميّ و حبش‏][11].

[و منها][12]:

[1]الخود: الفتاة الحسنة الخلق النابة ما لم تصر نصفا و هي المرأة بين الحدثة و المسنة.

[2]كذا في «ديوانه» ، حـ، ر. و الفضل بضمتين: المختالة التي تفضل من ذيلها. و في سائر النسخ: «قطفا» تحريف.

[3]العسلوج: الغصن اللّين الأخضر.

[4]في «ديوانه» ، حـ، ر: «نظرت» .

[5]على قدر: على غير موعد. يريد أن التقاءهما كان مقدّرا في الأزل لا علم له به و لا سعى إليه؛ كما قيل:

جاء الخلافة أو كانت له قدرا # كما أتى ربه موسى على قدر

[6]جمع قطوف، و هي البطيئة في السير.

[7]الرسل بالكسر هنا: الرفق و التؤدة. و الخفر: شدّة الاستحياء.

[8]اسبطرت: أسرعت.

[9]كذا في «الديوان» . و في جميع النسخ:

من يسق بعدي الكرى بريقتها

[10]كذا في «ديوانه» . و في الأصول:

يسق بكأس ذي لذة خصر

و الكأس مؤنثة. و الخصر: البارد.

[11]زيادة في ت.

[12]زيادة في حـ، أ، ء، م. و مرجع الضمير فيه الأشعار التي قالها عمر في زينب بنت موسى و غنى فيها. ـ

106
صوت‏

ألا يا بكر قد طرقا # خيال هاج لي الأرقا

لزينب‏[1]إنها همّي # فكيف بحبلها خلقا

خدلجّة[2]إذا انصرفت # رأيت وشاحها قلقا[3]

و ساقا تملأ الخلخا # ل فيه تراه مختنقا

/إذا ما زينب ذكرت # سكبت الدمع متّسقا

كأنّ سحابة تهمي # بماء حمّلت غدقا[4]

الغناء لحنين رمل عن الهشاميّ. و فيه لابن عبّاد[5]خفيف ثقيل، و يقال: إنه ليونس. و مما قاله‏[فيها[6]] أيضا و غنّي فيه:

صوت‏

ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا[7] # قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا

قد حلفت ليلة الصّورين‏[8]جاهدة # و ما على المرء إلا الحلف‏[9]مجتهدا

لأختها و لأخرى من مناصفها[10] # لقد وجدت به فوق الذي وجدا

لو جمّع الناس ثم اختير صفوهم # شخصا من الناس لم أعدل به أحدا

الغناء لابن سريج رمل بالسّبّابة و البنصر في الأوّل و الثاني عن يحيى المكّيّ، و له فيه أيضا خفيف رمل بالوسطى في الثاني و الثالث و الرابع عن عمرو. و لمعبد ثقيل أوّل في الأوّل و الثاني عن الهشاميّ‏[11]. و فيه خفيف ثقيل ينسب إلى الغريض و مالك.

أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان عن إسحاق عن مصعب الزّبيريّ قال:

اجتمع نسوة فذكرن عمر بن أبي ربيعة و شعره و ظرفه و مجلسه و حديثه، فتشوّقن إليه و تمنّينه. فقالت سكينة:

[1]كذا في حـ، ر. و في سائر النسخ و «الديوان» : «بزينب» بالباء.

[2]الخدلجة (مشدّدة اللام) : المرأة الممتلئة الذراعين و الساقين.

[3]كذا في «الديوان» ، ت، أ، ء، م. و في سائر النسخ: «ألفت السهد و الأرقا» .

[4]الغدق: الماء الكثير.

[5]هو محمد بن عباد أبو جعفر مولى بني مخزوم، مكيّ من كبار المغنين. ستأتي ترجمته في الجزء السادس (طبعة بولاق) .

[6]زيادة في ت.

[7]أفد كفرح هنا: دنا و حضر.

[8]الصوران: موضع بالمدينة بالبقيع. و قد ذكره ياقوت و استشهد بالبيت.

[9]في «ديوانه» : «الصبر» .

[10]المنصف (كمنبر و مقعد) : الخادم، و الأنثى بالهاء، جمعه مناصف.

[11]في ت: «و في الأبيات الأربعة خفيف ثقيل الخ» .

107

أنا لكنّ به، فبعثت إليه رسولا أن يوافي الصّورين ليلة سمّتها، فوافاهنّ على رواحله، فحدّثهنّ حتى طلع الفجر و حان انصرافهنّ. فقال لهنّ: و اللّه إني لمحتاج إلى زيارة قبر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و الصلاة في مسجده، و لكنّي لا أخلط بزيارتكنّ شيئا[1]. ثم انصرف إلى مكة و قال في ذلك:

ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا

و ذكر الأبيات المتقدّمة.

عود إلى شهادة جرير و الغريب و غيرهما في شعر عمر

أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن لقيط قال: أنشد جرير قول عمر بن أبي ربيعة:

الصوت‏

سائلا الربع بالبليّ‏[2]و قولا # هجت شوقا لي‏[3]الغداة طويلا

أين حيّ حلّوك إذ أنت محفو # ف بهم آهل أراك جميلا؟

قال ساروا فأمعنوا و استقلّوا[4] # و برغمي لو استطعت سبيلا

سئمونا و ما سئمنا مقاما # و أحبّوا دماثة و سهولا

فقال جرير: إنّ هذا الذي كنّا ندور[5]عليه فأخطأناه و أصابه هذا القرشيّ. و في هذه الأبيات رملان: أحدهما لابن سريج بالسّبّابة في مجرى الوسطى، و الآخر لإسحاق مطلق في مجرى البنصر جميعا من روايته. و ذكر عمرو:

أن فيها رملا ثالثا بالوسطى، لابن جامع. و قال الهشاميّ: فيها[6]ثلاثة أرمال لابن سريج، و ابن جامع، و إبراهيم.

و لأبي العبيس‏[7]بن حمدون فيها ثاني ثقيل. و فيها هزج لإبراهيم الموصليّ من جامع أغانيه.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال: وجدت كتابا بخطّ محمد بن الحسن ذكر فيه أنّ فليح بن إسماعيل حدّثه عن معاذ[8]صاحب الهرويّ أن النصيب‏[9]قال:

عمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربّات الحجال.

/أخبرني الطّوسيّ: قال حدّثنا الزّبير قال حدّثتني ظمياء مولاة فاطمة بنت عمر[10]بن/مصعب قالت: سمعت جدّك يقول-و قد أنشد قول عمر بن أبي ربيعة:

[1]في ت: «غيرها» .

[2]البليّ (بضم ففتح و ياء مشدّدة) : تل قصير أسفل حاذة بينها و بين ذات عرق (ياقوت) .

[3]في «ديوانه» : «لنا» .

[4]استقلوا: واصلوا السير و جدّوا في الارتحال.

[5]يقال: دار عليه و به و حوله، إذا طاف. و المراد: أن هذا الذي كنا نبحث عنه لنصل إليه.

[6]في جميع النسخ: «فيه» . و ما أثبتناه هو المناسب لما ورد من الضمائر قبله و بعده.

[7]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «و لأبي العنبس» .

[8]في حـ، ر، أ: «معاضد» . و في م، ء هكذا: «معاخر» .

[9]سيأتي في ترجمته في هذا الجزء أن أهل البادية كانوا يدعونه النصيب (بزيادة أل) تفخيما له.

[10]كذا في حـ، ر. و في ت: «عم مصعب» و في سائر النسخ: «عمرو بن مصعب» .

108
صوت‏

يا ليتني قد أجزت الحبل نحوكم # حبل المعرّف أو جاوزت ذا عشر[1]

إنّ الثّواء بإرض لا أراك بها # فاستيقنيه ثواء حقّ ذي كدر

و ما مللت و لكن زاد حبّكم # و ما ذكرتك إلا ظلت كالسّدر[2]

و لا جذلت بشي‏ء كان بعدكم # و لا منحت سواك الحبّ من بشر

الغناء في هذه الأربعة الأبيات لسلاّم بن الغسّانيّ رمل بالسّبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. و فيه لابن جامع وقفا[3]النجار لحنان من كتاب إبراهيم و لم يجنّسهما. و تمام الأبيات:

أذري الدموع كذى سقم يخامره # و ما يخامرني سقم سوى الذّكر

كم قد ذكرتك لو أجدى‏[4]تذكّركم # يا أشبه الناس كلّ الناس بالقمر

-قالت: فقال جدّك: إن لشعر عمر بن أبي ربيعة لموقعا في القلب، و مخالطة للنفس ليسا لغيره، و لو كان شعر يسحر لكان شعره سحرا.

/أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمامة بن عمر[5]قال: رأيت عامر بن صالح بن عبد اللّه بن عروة بن الزّبير يسأل المسور بن عبد الملك عن شعر عمر بن أبي ربيعة، فجعل يذكر له شيئا لا يعرفه، فيسأله أن يكتبه‏[6]إيّاه فيفعل، فرأيته يكتب و يده ترعد من الفرح.

المفاضلة بين شعره و بين شعر الحارث بن خالد.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن عمّه يوسف قال:

ذكر شعر الحارث بن خالد و شعر عمر بن أبي ربيعة عند ابن أبي عتيق في مجلس رجل من ولد خالد بن العاصي‏[7]بن هشام، فقال: صاحبنا-يعني الحارث بن خالد-أشعرهما. فقال له ابن أبي عتيق: بعض قولك [1]أجزت: جاوزت. و الحبل: حبل عرفة، و هو موضع بعرفات. يقال عرّف القوم، إذا وقفوا بعرفة. و المعرّف: موضع الوقوف بها.

و ذو عشر (بوزن زفر) : واد بين البصرة و مكّة.

[2]السدر ككتف: المتحير.

[3]كذا في ت، ب، س، حـ. و في ر: «قفي النجار» . و في م: «مبشر النجار» . و في أ، ء: «بشر النجار» . و لم نعثر على أحد هذه الأسماء علما لمغنّ. فلعل هذا الأخير محرّف عن «نقش النضار» ، و هو لقب لنافع بن طنبورة المغنّي (و سيأتي ذكره في «الأغاني» في الجزء الثامن) .

[4]في «ديوانه» و «الأمالي» (الطبعة الأميرية ج 1 ص 199) : «أجزى بذكركم» .

[5]في ت: «غمامة بن عمرو» . و في ر: «غمامة بن عمر» .

[6]الإكتاب: الإملاء؛ يقال: أكتبني هذه القصيدة أي أملها عليّ.

[7]كذا في حـ، ب، س. و في سائر النسخ: «العاص» بحذف الياء. و المبرد يقول: هو العاصي بالياء لا يجوز حذفها و قد لهجت العامة بحذفها. و قال غيره: إنه من الأسماء المنقوصة يجوز فيها إثبات الياء و حذفها أ هـ باختصار عن «شرح القاموس» . و قال ابن دريد في «كتاب الاشتقاق» المطبوع في مدينة جوتنچن سنة 1854 ص 34 في الكلام على عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية ما نصه: «و العاص اشتقاقه من قولهم عصى يعصي عصيانا و معصية، أو من قولهم فصيل عاص إذا لم يتبع أمه، و اعتاصت الناقة إذا نفرت من الفحل، و كل مستصعب معتاص و المصدر الاعتياض الخ» . و قد روى بالروايتين في ابن جرير الطبري أوروبا قسم 1-

109

يا ابن أخي، لشعر عمر بن ربيعة نوطة[1]في القلب، و علوق بالنفس، و درك للحاجة ليست لشعر، و ما عصي اللّه جلّ و عزّ بشعر أكثر ممّا عصي بشعر ابن أبي ربيعة، فخذ عنّي/ما أصف لك: أشعر قريش من دقّ معناه، و لطف مدخله، و سهل مخرجه، و متن حشوه، و تعطّفت حواشيه، و أنارت معانيه، و أعرب عن حاجته. فقال المفضّل للحارث: أ ليس صاحبنا الذي يقول:

إنّي و ما نحروا غداة منّى # عند الجمار يؤدها[2]العقل

لو بدّلت أعلى مساكنها # سفلا و أصبح سفلها يعلو

فيكاد يعرفها[3]الخبير بها # فيردّه الإقواء و المحل‏[4]

لعرفت مغناها بما احتملت # منّي الضلوع لأهلها قبل‏

فقال له ابن أبي عتيق: يا ابن أخي، استر على نفسك، و اكتم على صاحبك، و لا تشاهد المحافل بمثل هذا، أما تطيّر الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله!ما بقي إلا أن يسأل اللّه تبارك و تعالى لها حجارة من سجّيل‏[5]. ابن أبي ربيعة كان أحسن صحبة للربع من صاحبك، و أجمل مخاطبة حيث يقول:

سائلا الربع بالبليّ و قولا # هجت شوقا لي الغداة طويلا

/و ذكر الأبيات الماضية. قال: فانصرف الرجل خجلا مذعنا.

شي‏ء من أخبار الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة الملقب بالقباع‏

أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثني أبو هفّان عن إسحاق عن رجاله المسمّين، و أخبرني به الحرميّ عن الزّبير عن عمّه عن جدّه، قالوا: /كان الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة أخو عمر بن أبي ربيعة رجلا صالحا ديّنا من سروات قريش، و أنما لقّب القباع لأن عبد اللّه بن الزّبير كان ولاّه البصرة، فرأى مكيالا. لهم فقال: إنّ مكيالكم هذا لقباع-قال: و هو الشي‏ء الذي له قعر-فلقّب بالقباع.

و أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالوا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني عبد اللّه بن محمد الطائيّ قال حدّثنا خالد بن سعيد قال:

استعمل ابن الزّبير الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة على البصرة، فأتوه بمكيال لهم، فقال لهم: إنّ مكيالكم هذا لقباع، فغلب عليه. و قال أبو الأسود الدّؤليّ-و قد عتب عليه-يهجوه و يخاطب ابن الزّبير:

-ص 3257 قوله:

لأصبحنّ العاصي بن العاصي # سبعين ألفا عاقدي النواصي

مجنّبين الخيل بالقلاص # مستحقبين حلق الدّلاص‏

هكذا بإثبات الياء، كما روى «لأصبحنّ العاص و ابن العاص» بحذفها.

[1]النوطة: التعلّق. و في ت، حـ، ر: «لوطة بالقلب» ؛ أي لصوق به.

[2]كذا في ت، حـ، ر. و معناه يثقلها. و في سائر النسخ: «يؤدّها» من أدّه الأمر يؤدّه و شده إذا دهاه، و العقل: الحبس.

[3]في ت، أ، م، ء: «ينكرها» . و هي لا تستقيم مع الشطر الثاني.

[4]أقوت الدار: أقفرت و خلت من أهلها. و المحسل: الجدب.

[5]السجيل: الطين المتحجر، و هو فارسي معرّب؛ و أصله سنك أي حجارة و كل أي طين.

110

أمير المؤمنين جزيت خيرا # أرحنا من قباع بني المغيرة

بلوناه و لمناه فأعيا # علينا ما يمرّ[1]لنا مريرة

على أنّ الفتى نكح أكول # و ولاّج مذاهبه كثيرة

شعر عمر في تشوقه إلى مكة بعد أن خرج منها إلى اليمن‏

قالوا: و كان الحارث ينهى أخاه عن قول الشعر فيأبى أن يقبل منه، فأعطاه ألف دينار على ألاّ يقول شعرا، فأخذ المال و خرج إلى أخواله بلحج‏[2]و أبين مخافة أن يهيجه مقامه بمكة على قول الشعر، فطرب يوما فقال:

صوت‏

هيهات من أمة الوهّاب منزلنا # إذا حللنا بسيف‏[3]البحر من عدن

و احتلّ أهلك أجيادا[4]و ليس لنا # إلا التذكّر أو حظّ من الحزن

لو أنها أبصرت بالجزع عبرته # من أن يغرّد قمريّ على فنن‏[5]

إذا رأت غير ما ظنّت بصاحبها # و أيقنت أنّ لحجا ليس من وطني

ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفها[6] # و موقفي و كلانا ثمّ ذو شجن

و قولها للثّريّا و هي باكية[7] # و الدمع منها على الخدّين ذو سنن‏[8]

باللّه قولي له في غير معتبة # ما ذا أردت بطول المكث في اليمن

إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت‏[9]بها # فما أخذت بترك الحج من ثمن‏

قال: فسارت القصيدة حتى سمعها أخوه الحارث، فقال: هذا و اللّه شعر عمر، قد فتك و غدر. قال: و قال ابن جريج: ما ظننت أنّ اللّه عزّ و جلّ ينفع أحدا بشعر عمر بن أبي ربيعة حتى سمعت و أنا باليمن منشدا ينشد قوله:

[1]كذا في ت. و في سائر النسخ: «فأتمرّ فينا» و هو تحريف. و المريرة و المرير: الحبل الجيد الفتل. و أمره: أحكمه و أبرمه. و المراد أنه لا يحسن أن يسوسهم.

[2]لحج و أبين: مخلافان باليمن.

[3]سيف البحر: ساحله.

[4]أجياد: موضع بمكة؛ سمى بذلك لأن تبّعا لما قدم مكة ربط خيله فيه، فسمى بذلك. و هما موضعان: أجياد الكبير و أجياد الصغير.

[5]كذا في ت. و قد مزج هذا البيت و الذي بعده في سائر النسخ بيتا واحدا هكذا:

لو أنها أبصرت بالجزع عبرته # ظنت بصاحبها أن ليس من وطني‏

و هو تحريف شنيع. و في «ديوانه» .

فلو شهدن غداة البين عبرتنا # لأن تغرد قمريّ على فنن

لاستيقنت غير ما ظنت بصاحبها # و أيقنت أن عكّا ليس من وطني‏

و عك: قبيلة يضاف إليها مخلاف باليمن:

[6]في «ديوانه» : بل ما نسيت ببطن الخيف موقفها. و الخيف: موضع بمنى و به سمى مسجد الخيف.

[7]في «ديوانه» : و قولها للثريا يوم ذي خشب.

[8]ذو سنن: ذو طرائق.

[9]كذا في ت. و في «ديوانه» : «نعمت» . و في سائر النسخ: «رضيت» .

111

/

باللّه قولي له في غير معتبة # ما ذا أردت بطول المكث في اليمن

إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها # فما أخذت بترك الحج من ثمن‏

فحرّكني ذلك على الرجوع إلى مكة، فخرجت مع الحاجّ و حججت.

غنّى في أبيات عمر هذه ابن سريج، و لحنه رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق. و فيها للغريض ثقيل أوّل بالوسطى/عن عمرو.

طلب الوليد من يخبره عن الطائف فدل على عمر

أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان قال حدّثني إسحاق عن السّعديّ‏[1]قال: قدم الوليد بن عبد الملك مكة، فأراد أن يأتي الطائف فقال: هل‏[لي‏][2]في رجل علم بأموال‏[3]الطائف فيخبرني عنها؟فقالوا: عمر بن أبي ربيعة. قال: لا حاجة لي به. ثم عاد فسأل فذكروه له فردّه. ثم عاد فسأل فذكروه‏[له ثم ردّه. ثم عاد فسأل فذكروه له‏[4]]، فقال: هاتوه. فركب معه يحدّثه، ثم حرّك عمر رداءه ليصلحه على كتفه، فرأى على منكبه أثرا.

فقال: ما هذا الأثر؟فقال: كنت عند جارية إذ جاءتني جارية برسالة من عند جارية أخرى، فجعلت تسارّني، فغارت التي كنت أحدّثها فعضّت منكبي، فما وجدت ألم عضّها من لذّة ما كانت تلك تنفث في أذني، حتى بلغت ما ترى، و الوليد يضحك. فلما رجع عمر قيل له: ما الذي كنت تضحك أمير المؤمنين به‏[5]؟فقال: ما زلنا في حديث الزّنا حتى رجعنا.

المفاضلة بينه و بين عبد اللّه بن قيس الرقيات‏

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن عبد اللّه‏[6]البكريّ و غيره عن عبد الجبّار بن سعيد المساحقيّ عن أبيه قال: دخلت مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم مع نوفل بن مساحق، فإنه لمعتمد على يدي، إذ مررنا بسعيد بن المسيّب في مجلسه و حوله جلساؤه، فسلّمنا عليه فردّ علينا، ثم قال لنوفل: يا أبا سعيد، من أشعر: صاحبنا أم صاحبكم؟يريد: عبد اللّه بن قيس، أو عمر بن أبي ربيعة[7]. فقال نوفل: حين يقولان ما ذا يا أبا محمد؟قال: حين يقول صاحبنا:

خليليّ ما بال المطايا كأنّما # نراها على الأدبار بالقوم تنكص‏[8]

و قد قطعت أعناقهن صبابة # فأنفسنا مما يلاقين شخّص‏

[1]في ء، م، أ، حـ: «السعيديّ» .

[2]زيادة في ت. و في حـ، ر: «أن يأتي الطائف فقال: من يخبرني عنها فقالوا عمر الخ» .

[3]كذا في الأصول. و لعله. «بأحوال» .

[4]زيادة في ت.

[5]في ث: «ما الذي كنت تحدث به أمير المؤمنين فأضحكه» .

[6]كذا في ت، أ، ء. و في سائر النسخ: «محمد بن عمر بن عبد اللّه... » .

[7]كذا في حـ، ر. و في ت: «يريد عبد اللّه بن قيس أم عمر بن أبي ربيعة» . و في سائر النسخ: «يريد عبد اللّه بن قيس أو عمر بن أبي ربيعة» . و كله صحيح.

[8]تنكص: ترجع و تولّى و تحجم.

112

و قد أتعب الحادي سراهنّ و انتحى # بهنّ فما يألو عجول مقلّص‏[1]

يزدن بنا قربا فيزداد شوقنا # إذا زاد طول العهد و البعد ينقص‏

و يقول صاحبك ما شئت. فقال له نوفل: صاحبكم أشعر في الغزل، و صاحبنا أكثر أفانين شعر. فقال سعيد: صدقت. فلما انقضى ما بينهما من ذكر الشعر، جعل سعيد يستغفر اللّه و يعقد[2]بيده حتى وفّى مائة.

فقال البكريّ في حديثه عن عبد الجبّار: قال مسلم: فلما انصرفنا قلت لنوفل: أ تراه استغفر اللّه من إنشاد الشعر /في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم؟فقال: كلا!هو كثير الإنشاد و الاستنشاد للشعر فيه، و لكن أحسب ذلك للفخر بصاحبه.

المفاضلة بينه و بين جميل بن معمر العذري‏

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال قال أبو عبيدة حدّثنا عوانة بن الحكم و أبو يعقوب الثّقفيّ: أنّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك قال لأصحابه ذات ليلة: أيّ بيت قالته العرب أغزل؟فقال بعضهم: قول جميل:

يموت الهوى منّي إذا ما لقيتها # و يحيا إذا فارقتها فيعود

و قال آخر: قول عمر بن أبي ربيعة:

كأنّني حين أمسي لا تكلّمني # ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا

فقال الوليد: حسبك و اللّه بهذا! أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الحميد[3]عن شيخ من أهله عن أبي الحارث مولى هشام/بن الوليد بن المغيرة-قال: و هو الذي يقول فيه عمر بن أبي ربيعة:

يا أبا الحارث قلبي طائر # فأتمر أمر رشيد مؤتمن‏[4]-

قال: شهدت عمر بن أبي ربيعة، و جميل بن عبد اللّه بن معمر العذريّ، و قد اجتمعا بالأبطح، فأنشد جميل قصيدته التي يقول فيها:

لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي # بثينة أو أبدت لنا جانب البخل

يقولون مهلا يا جميل و إنّني # لأقسم مالي عن بثينة من مهل‏

/حتى أتى على آخرها، ثم قال لعمر: يا أبا الخطّاب، هل قلت في هذا الرّويّ شيئا؟قال نعم.

[1]مقلص: مشمّر جادّ في السير.

[2]يعقد: يحسب؛ يقال: عقد الحاسب يعقد عقدا أي حسب.

[3]في ت: «محمد بن إسماعيل بن عبد الحميد» . و في ر: «محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد اللّه بن عبد الحميد» .

[4]كذا في ت. و في سائر النسخ: «مؤتمر» بالراء و هو تحريف؛ إذ أن هذه القصيدة نونيّة مطلعها في «ديوانه» :

من رسوم باليات و دمن # عاد لي همّي و عاودت ددن‏

و في هذا الجزء ص 157:

أمن الرسم و أطلال الدمن # عاد لي وجدي و عاودت الحزن‏

113

قال: فأنشدنيه، فأنشده قوله:

جرى ناصح بالودّ بيني و بينها # فقرّبني يوم الحصاب‏[1]إلى قتلي

فطارت بحدّ من فؤادي‏[2]و قارنت‏[3] # قرينتها حبل الصّفاء إلى حبلي

فلمّا تواقفنا عرفت الذي بها # كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل

فقلن‏[4]لها هذا عشاء و أهلنا # قريب أ لمّا تسأمي مركب البغل

فقالت فما شئتنّ قلن لها انزلي # فللأرض خير من وقوف على رحل‏[5]

نجوم دراريّ‏[6]تكنّفن صورة # من البدر وافت غير هوج‏[7]و لا عجل

فسلّمت و استأنست خيفة أن يرى # عدوّ مقامي أو يرى كاشح فعلي

فقالت و أرخت جانب السّتر إنّما # معي فتكلّم غير ذي رقبة أهلي

فقلت لها ما بي لهم من ترقّب # و لكنّ سرّي ليس يحمله مثلي

فلمّا اقتصرنا دونهنّ حديثنا # و هنّ‏[8]طبيبات بحاجة ذي الشّكل

عرفن الذي تهوى‏[9]فقلن ائذني لنا # نطف ساعة في برد ليل و في سهل

/فقالت فلا تلبثن قلن تحدّثي # أتيناك، و انسبن انسياب مها الرّمل

و قمن‏[10]و قد أفهمن ذا اللّبّ أنّما # أتين‏[11]الذي يأتين من ذاك من أجلي‏

فقال جميل: هيهات يا أبا الخطّاب!لا أقول و اللّه مثل هذا سجيس الليالي‏[12]، و اللّه ما يخاطب النساء مخاطبتك أحد. و قام مشمّرا.

قال أبو عبد اللّه الزّبير قال عمّي مصعب: كان عمر يعارض جميلا، فإذا قال هذا قصيدة قال هذا مثلها.

[1]الحصاب كالمحصّب: موضع رمى الجمار.

[2]كذا في «ديوانه» . و في الأصول: «سهامى» .

[3]في «ديوانه» : «و نازعت قريبتها» . و في ت، م، ء: «و قربت قرينتها» .

[4]كذا في «ديوانه» و ت. و في سائر النسخ: «فقلت» و هو تحريف.

[5]كذا في «ديوانه» و أ، ر. و في سائر النسخ: «رجل» .

[6]دراري، ممنوعة من الصرف، و نوّنت لضرورة الشعر.

[7]هوج: جمع هوجاء و هي المتعجلة في السير كأن بها هوجا و حمقا.

[8]كذا في ت. و في «ديوانه» : «و هنّ طبيبات بحاجة ذي التبل» . و في سائر النسخ:

و هنّ ظنينات بحاجة ذي الشكل‏

و هو تحريف. و الشّكل: دلّ المرأة و غزلها. و التبل: أن يسقم الهوى صاحبه و يغلب عليه.

[9]في ت، ر، حـ: «نهوى» .

[10]في «الديوان» : «فقمن» بالفاء. و قد ذكره المؤلف بعد في هذه الصفحة كرواية «الديوان» .

[11]في «ديوانه» .

فعلن الذي يفعلن في ذاك من أجلي‏

[12]هذه كلمة تستعمل للتأبيد؛ يقل: لا آتيك سجيس اللبالي، أي لا آتيك أبدا.

114

فيقال: إنه في الرائيّة و العينيّة أشعر من جميل، و إنّ جميلا أشعر منه في اللاّميّة، و كلاهما قد قال بيتا نادرا ظريفا، قال جميل:

خليليّ فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي‏

و قال عمر:

فقالت و أرخت جانب السّتر إنّما # معي فتكلّم غير ذي رقبة أهلي‏

كلمة الفرزدق و قد سمع شعر عمر

أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان عن إسحاق عن المدائنيّ قال: سمع الفرزدق عمر بن أبي ربيعة ينشد قوله:

جرى ناصح بالودّ بيني و بينها # فقرّ بني يوم الحصاب إلى قتلي‏

و لمّا بلغ قوله:

فقمن و قد أفهمن ذا اللبّ أنما # أتين الذي يأتين من ذاك من أجلي‏

/صاح الفرزدق: هذا و اللّه الذي أرادته الشعراء فأخطأته، و بكت على الديار.

نسبة ما في هذه الأشعار من الغناء

الغناء في قصيدتي جميل و عمر اللاميتين‏

منها في قصيدة جميل التي أنشدها عمر، و استنشده ما له في وزنها:

صوت‏

خليليّ فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي

أبيت مع الهلاّك‏[1]ضيفا لأهلها # و أهلي قريب موسعون ذو و فضل

أفق أيها القلب اللّجوج عن الجهل # و دع عنك «جملا» لا سبيل إلى جمل

فلو تركت عقلي معي ما طلبتها # و لكن طلابيها[2]لما فات من عقلي‏

الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو في الأوّل و الثاني من الأبيات.

و ذكر الهشاميّ الأبيات كلّها و وصف أنّ الثّقيل الثاني الذي يغنّى به فيها لمعبد. و ذكر يحيى المكّيّ: أن لابن محرز في الثالث و ما بعده من الأبيات ثاني ثقيل بالخنصر و البنصر. و في هذه الأبيات التي أوّلها الثالث هزج بالبنصر يمان عن عمرو. و في الرابع و الخامس لابن طنبورة خفيف رمل عن الهشاميّ. و فيها لإسحاق ثقيل أوّل عن [1]الهلاك هنا: الصعاليك الذين ينتابون الناس ابتغاء معروفهم.

[2]طلابيها: مطالبتي إياها.

115

الهشاميّ أيضا. و ذكر حمّاد عن أبيه: أن لنافع الخير مولى عبد اللّه بن جعفر في هذه الأبيات لحنا، و لم يجنّسه.

و ذكر حبش أنّ الثقيل الأوّل لابن طنبورة. و منها في شعر جميل أيضا:

صوت‏

لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي # بثينة أو أبدت لنا جانب البخل

فلو تركت عقلي معي ما طلبتها # و لكن طلابيها لما فات من عقلي‏

الغناء لابن مسجح ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ.

/و منها في شعر عمر بن أبي ربيعة المذكور في أوّل الخبر:

صوت‏

فقالت و أرخت جانب السّتر إنّما # معي فتحدّث غير ذي رقبة أهلي

فقلت لها ما بي لهم من ترقّب # و لكنّ سرّي ليس يحمله مثلي

جرى ناصح بالودّ بيني و بينها # فقرّ بني يوم الحصاب إلى قتلي‏

غنّى في هذه الأبيات ابن سريج، و لحنه رمل مطلق‏[1]في مجرى البنصر عن إسحاق و عمرو[2]. و ذكر يونس‏[3]: أنّ فيه لحنا لمالك لم يجنّسه، و ذكر الهشاميّ: أنّ لحن مالك خفيف ثقيل. و ذكر حبش‏[4]: أنّ لمعبد فيه لحنا من الثّقيل الأوّل بالبنصر، و لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. [و ليس حبش ممن يعتمد في هذا على روايته‏[5]].

استحسان الناس شعر عمر و تفضيله على شعراء عصره‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال:

أدركت مشيخة[6]من قريش لا يزنون بعمر بن أبي ربيعة شاعرا من أهل دهره في النّسيب، و يستحسنون منه ما كانوا يستقبحونه من غيره من مدح نفسه، و التّحلّي/بمودّته، و الابتيار في شعره و الابتيار: أن يفعل الإنسان الشي‏ء فيذكره و يفخر به. و الابتهار: أن يقول ما لم يفعل.

نقد ابن أبي عتيق أبيات عمر الرائية

أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني عبد اللّه بن عمر[7]و غيره عن إبراهيم بن المنذر [1]في ت: «بإطلاق الوتر» .

[2]هذه الكلمة ساقطة من ت.

[3]في‏ء، م، أ: «و ذكر عمر» .

[4]في ت: «حبش بن موسى» .

[5]هذه الجملة ساقطة من أ، م، ء.

[6]مشيخة: جمع لشيخ.

[7]في حـ، ر: «عمرو» . ـ

116

الحزاميّ‏[1]عن عبد العزيز بن عمران قال: قال ابن أبي عتيق لعمر و قد أنشده قوله:

صوت‏

بينما ينعتنني أبصرنني # دون قيد[2]الميل يعدو بي الأغر

قالت الكبرى أ تعرفن الفتى # قالت الوسطى نعم هذا عمر

قالت الصغرى و قد تيّمتها[3] # قد عرفناه و هل يخفى القمر

-الغناء في هذه الأبيات لابن سريج خفيف رمل بالبنصر-فقال له ابن أبي عتيق: -و قد أنشدها-أنت لم تنسب بها، و إنما نسبت بنفسك، كان ينبغي أن تقول: قلت لها فقالت لي، فوضعت خدّي فوطئت عليه.

عود إلى سيرته و خلقه‏

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال:

لم يذهب على أحد من الرّواة أنّ عمر كان عفيفا يصف و لا يقف‏[4]، و يحوم و لا يرد.

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثنا أحمد بن منصور عن ابن الأعرابيّ، و حدّثني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان عن إسحاق الموصليّ عن رجاله، قالوا: كان ابن أبي ربيعة قد حجّ في سنة من السنين. فلما انصرف من الحج ألفى الوليد بن عبد الملك و قد فرش له في ظهر الكعبة و جلس، فجاءه عمر فسلّم عليه و جلس إليه. فقال له: أنشدني شيئا من شعرك. فقال: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ كبير و قد تركت الشعر، و لي غلامان هما عندي بمنزلة الولد، و هما يرويان كلّ ما قلت و هما لك. قال: ائتني بهما ففعل، فأنشداه قوله:

أ من آل نعم أنت غاد فمبكر

فطرب الوليد و اهتزّ لذلك، فلم يزالا ينشدانه حتى قام، فأجزل صلته و ردّ الغلامين إليه.

مميزات شعره‏

حدّثني عليّ بن صالح بن الهيثم الأنباريّ الكاتب الملقّب «كيلجة» [5]قال حدّثني أبو هفّان قال حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الموصليّ عن مصعب بن عبد اللّه الزّبيري، و أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار عن عمه مصعب أنه قال: راق عمر بن أبي ربيعة الناس وفاق نظراءه و برعهم بسهولة الشعر و شدّة الأسر، و حسن الوصف، و دقّة المعنى و صواب المصدر، و القصد للحاجة، و استنطاق الربع، و إنطاق القلب، و حسن العزاء، و مخاطبة النساء، و عفّة المقال، و قلّة الانتقال، و إثبات الحجّة، و ترجيح الشكّ في موضع اليقين، و طلاوة [1]في ت: «الحراميّ» . و في ب، س: «الخزاميّ» و كلاهما تصحيف؛ إذ هو إبراهيم بن المنذر بن عبد اللّه بن المنذر بن المغيرة بن عبد اللّه بن خالد بن حزام الأسدي الخزاميّ. (انظر «تقريب التهذيب» ) .

[2]قيد الميل: قدره.

[3]تيمتها: استوليت عليها و شغلت قلبها.

[4]في ت: «يصف و يقف» و المراد على روايتها أنه يقف عند الوصف لا يجاوزه.

[5]ورد في «تهذيب التهذيب» أنه لقب محمد بن صالح بن عبد الرحمن البغدادي أبي بكر الأنماطي. ثم قال: و يقال اسمه أحمد ا هـ و لم يضبطه. و لعل كيلجة لقب لعلي بن صالح كما هو لقب لمحمد هذا. و في «القاموس» : «كيلجة لقب محمد بن صالح» و ضبطه بالفتح: و ضبطه السيد محمد مرتضى بكسر الكاف و فتح اللام، ثم قال: و مثله في «المصباح» و «المغرب» و «شرح التقريب» للحافظ السخاوي.

117

الاعتذار، و فتح الغزل، و نهج العلل، و عطف المساءة[1]على العذّال، و أحسن التفجّع، و بخّل المنازل، و اختصر الخبر، و صدق الصّفاء، إن قدح أورى، و إن اعتذر أبرا، و إن تشكّى أشجى، و أقدم عن خبرة و لم يعتذر بغرّة، و أسر النوم، و غمّ الطّير، و أغدّ السّير، و حيّر ماء الشباب، و سهّل و قوّل، و قاس الهوى فأربى، و عصى و أخلى، و حالف بسمعه و طرفه، و أبرم‏[2]نعت الرسل و حذّر، و أعلن الحبّ و أسرّ، و بطن به و أظهر، و ألحّ و أسفّ، و أنكح النوم، و جنى الحديث، و ضرب ظهره لبطنه، و أذلّ صعبه، و قنع بالرّجاء من الوفاء، و أعلى قاتله، و استبكى عاذله، و نفّض النوم، و أغلق رهن منّي و أهدر قتلاه، و كان بعد هذا/كلّه فصيحا.

/فمن سهولة شعره و شدّة أسره‏[3]قوله:

صوت‏

فلمّا تواقفنا و سلّمت أشرقت‏[4] # وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا

تبالهن بالعرفان لمّا رأينني # و قلن امرؤ باغ أكلّ و أوضعا[5]

الغناء لابن عبّاد رمل عن الهشاميّ، و فيه لابن جامع لحن غير مجنّس عن إبراهيم.

و من حسن وصفه قوله:

لها من الرّيم عيناه و سنّته‏[6] # و نخوة[7]السابق المختال إذ[8]صهلا

و من دقة معناه و صواب مصدره قوله‏

صوت‏

عوجا نحيّ الطّلل المحولا[9] # و الرّبع من أسماء و المنزلا

بسابغ البوباة لم يعده‏[10] # تقادم العهد بأن يؤهلا

[1]في ت: «المسألة» .

[2]في ر: «و أبرم و بعث» . و في ب، س: «و أبرص ينعت» . و في أ، ء، م: «و أنذر و بعث» و في ت: «و أبرض نعت» و في حـ: «و أبرص و بعث» ، و كلها تحريف. و قد أثبتنا ما في الصلب لما سيرد بعد في صفحة 139 نقلا عن نسخة ء: «و من إبرامه نعت الرسل قوله... الخ» .

[3]الأسر في كلام العرب: الخلق؛ و في التنزيل العزيز: (نَحْنُ خَلَقْنََاهُمْ وَ شَدَدْنََا أَسْرَهُمْ) أي شددنا خلقهم، كما في «اللسان» .

و المراد من شدّة الأسر هنا إحكام النسج و متانة التركيب.

[4]كذا في «الديوان» ، ت. و في ر، حـ: «أقبلت» . و في بقية النسخ: «أشرفت» بالفاء.

[5]أكلّ: أعيا. و أوضع: أسرع في السير.

[6]سنته صورته. و في النسخة المخطوطة التيمورية من «ديوانه» : «و لفتته» .

[7]كذا في م، ء، أ، ت و «الديوان» . و في بقية النسخ: «و غرّة» .

[8]في حـ، ر: «إن» .

[9]المحول و المحيل: الذي أتت عليه أحوال كثيرة فغيرته.

[10]البوباة: الفلاة و اسم لصحراء بأرض تهامة إذا خرجت من أعالي وادي النخلة اليمانية، و هي بلاد بني سعد بن بكر بن هوازن (ياقوت) . و في «اللسان» (مادة ( «حول» ) :

بجانب البوباة لم يعفه‏

118

الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالسّبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. قال إسحاق بن إبراهيم: يعني أنه لم يؤهل فيعدوه تقادم العهد. و قال الزبير: قال بعض المدنيّين: يحيّيه بأن يؤهل، أي يدعو له بذلك.

و من قصده للحاجة قوله:

صوت‏

أيّها المنكح الثّريّا سهيلا[1] # عمرك اللّه كيف يلتقيان

هي شاميّة إذا ما استقلّت # و سهيل إذا استقلّ يماني‏

و يروى: «هي غوريّة» [2]. الغناء للغريض خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو و ابن المكيّ.

و من استنطاقه الربع قوله:

صوت‏

سائلا الرّبع بالبليّ و قولا # هجت شوقا لي الغداة طويلا

أين حيّ حلّوك إذ أنت محفو[3] # ف بهم آهل‏[4]أراك جميلا

قال ساروا فأمعنوا[5]و استقلّوا # و برغمي لو قد وجدت‏[6]سبيلا

و يروى:

و بكرهي لو استطعت سبيلا

سئمونا و ما سئمنا جوارا[7] # و أحبّوا دماثة[8]و سهولا

فيه رملان: أحدهما لابن سريج بالسّبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، و الآخر لإسحاق مطلق في مجرى البنصر، و فيه لأبي العبيس‏[9]بن حمدون ثاني ثقيل. و قد/شرحت نسبته مع خبره في موضع آخر[10]. قال إسحاق: أنشد جرير هذه الأبيات فقال: إنّ هذا الذي كنّا ندور عليه فأخطأناه.

[1]هي الثريا ابنة علي بن عبد اللّه بن الحارث بن أمية الأصغر ابن عبد شمس بن عبد مناف الأموية. و قال السهيليّ في «الروض الأنف» : هي الثريا ابنة عبد اللّه، و لم يذكر عليا. ثم قال: و قتيلة بنت النضر جدّتها؛ لأنها كانت تحت الحارث بن أمية، و عبد اللّه ولدها هو والد الثريا، تزوّجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ رضي اللّه عنه و نقلها إلى مصر، فقال عمر هذا الشعر يضرب المثل بالثريا و سهيل النجمين المعروفين (راجع ابن خلكان ج 1 ص 538) .

[2]غوريّة: نسبة إلى غور الأردنّ بالشأم بين بيت المقدس و دمشق (ياقوت) .

[3]كذا في «الديوان» و أكثر النسخ. و في ر، حـ: «مسرور» .

[4]في «الديوان» ، ت: «آهلا» أي أراك آهلا جميلا.

[5]في «الديوان» : «بأجمع» أي ساورا بأجمعهم.

[6]كذا في ر، حـ. و في سائر الأصول: «و لو وجدت» .

[7]في حـ، ر: «سقاما» . و في «ديوانه» «ببين» .

[8]يقال: دمثت الأرض دماثة، إذا سهلت و لانت.

[9]كذا في حـ، ت، ر. و في سائر النسخ: «لأبي العنبس» .

[10]في ت: «و لهذا الشعر أخبار قد كتبت في موضع آخر لئلا ينقطع ما هاهنا» .

119

و من إنطاقه القلب قوله:

قال لي فيها عتيق مقالا # فجرت مما يقول الدموع

قال لي ودّع سليمى و دعها # فأجاب القلب: لا أستطيع‏

الغناء للهذليّ ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ. قال: و فيه ليحيى المكيّ ثقيل أوّل نسب إلى معبد و هو من منحوله.

و من حسن عزائه قوله:

[صوت‏][1]

/

أ الحقّ إن‏[2]دار الرّباب تباعدت # أو انبتّ حبل أنّ قلبك طائر

أفق قد أفاق العاشقون و فارقوا الـ # هوى و استمرّت بالرّجال‏[3]المرائر

زع‏[4]النفس و استبق الحياء فإنّما # تباعد أو تدني الرّباب المقادر

أمت حبّها و اجعل قديم وصالها # و عشرتها كمثل من لا تعاشر

و هبها كشي‏ء لم يكن أو كنازح # به الدار أو من غيّبته المقابر

و كالناس‏[5]علّقت الرّباب فلا تكن # أحاديث من يبدو و من هو حاضر[6]

الغناء في بعض هذه الأبيات و أوّله «زغ النفس» لابن سريج ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو. و فيه لعمر الواديّ رمل بالبنصر عن ابن المكّيّ. و فيه لـ «قدار» [7]لحن من/كتاب إبراهيم غير مجنّس. و هذه الأبيات يرويها بعض أهل الحجاز لكثيّر، و يرويها الكوفيون للكميت بن معروف الأسديّ، و ذكر بعضها الزّبير بن بكّار عن أبي عبيدة لكثيّر في أخباره‏[8].

و من حسن غزله في مخاطبة النساء

-قال مصعب الزّبيريّ: و قد أجمع أهل بلدنا ممن له علم بالشعر أنّ هذه الأبيات أغزل ما سمعوا-قوله:

[1]زيادة في ت، ر.

[2]في «الديوان» : «أ حقا لئن دار» .

[3]كذا في «الديوان» ، حـ، ر. و المراد أنّ الرجال قد أفاقوا و استحكمت عزائمهم. ينصح قلبه أن يسلو سلوّهم. و في سائر النسخ:

«بالرحيل» .

[4]أي ازجرها و كفّها عن هواها.

[5]و في «الديوان» : «فإن كنت علقت» .

[6]أي من يقيم في البدو و من يقيم في الحضر.

[7]في «القاموس» أنه سمّي بقدار كغراب. و في م، ء: «قرار» براءين.

[8]كذا في ت. و في سائر النسخ؛ و هذه الأبيات تنسب إلى كثير أيضا و إلى الكميت بن معروف الأسديّ، و لكلّهم فيها أخبار قد ذكرتها في مواضعها» .

120
صوت‏

تقول غداة التقينا الرّباب # أيا ذا أفلت أفول السّماك

و كفّت سوابق من عبرة # كما ارفضّ‏[1]نظم ضعيف السّلاك

فقلت لها من يطع في الصّديـ # ق أعداءه يجتنبه‏[2]كذاك

أغرّك أنّي عصيت الملا # م فيك و أنّ هوانا هواك

و ألاّ أرى لذّة في الحياة # تقرّ بها العين حتى أراك

فكان من الذلنب لي عندكم # مكارمتي و اتّباعي رضاك

فليت الذي لام في حبّكم # و في أن تزاري‏[3]بقرن‏[4] وقاك

هموم الحياة و أسقامها # و إن كان حتف جهيز[5]فداك‏

الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. و ذكر إبراهيم أنّ فيه لحنا لحكم. و قيل: إن فيه لحنا آخر لابن جامع.

و من عفّة مقاله قوله:

صوت‏

طال ليلي و اعتادني اليوم سقم # و أصابت مقاتل القلب نعم

حرّة الوجه و الشمائل و الجو # هر تكليمها لمن نال غنم

و حديث بمثله تنزل العص[6] # م رخيم يشوب ذلك حلم

هكذا وصف ما بدا لي منها # ليس لي بالذي تغيّب علم

إن تجودي أو تبخلي فبحمد # لست يا نعم فيهما من يذمّ‏[7]

الغناء لابن سريج رمل عن الهشاميّ.

و من قلة انتقاله قوله:

صوت‏

أيها القائل غير الصواب # أمسك النّصح و أقلل عتابي‏

[1]كذا في «ديوانه» ، س بالراء. و في سائر النسخ: «انفضّ» بالنون. و السلاك، لعله جمع سلك، و لم نجده في «كتب اللغة» ؛ على أن القياس لا يأباه لأن فعالا يطرد في فعل كذئب و ذئاب و قدح و قداح (انظر الأشموني طبع بولاق ج 3 ص 172) .

[2]في ت: «نجتنبه» بالنون.

[3]في «الديوان» : تزارى برغم» . و في م، ء، ب، أ: «توازى» .

[4]المراد به قرن المنازل، و كثيرا ما يذكره عمر في شعره.

[5]جهيز: سريع.

[6]العصم: جمع أعصم، و هو من الظباء و الوعول ما في ذراعيه بياض، و هي تعتصم غالبا بقنن الجبال.

[7]في ت:

ليس فيما أتيته لك ذمّ‏

121

/

و اجتنبني و اعلمن أن ستعصى # و لخير لك طول اجتنابي‏

إن تقل نصحا فعن ظهر غشّ # دائم الغمر[1]بعيد الذّهاب

ليس بي عيّ بما قلت إنّي # عالم أفقه‏[2]رجع الجواب

إنّما قرّة عيني هواها # فدع اللّوم وكلني لما بي

/لا تلمني في الرّباب و أمست # عدلت‏[3]للنفس برد الشّراب

هي و اللّه الذي هو ربّي # صادقا أحلف غير الكذاب

أكرم الأحياء طرّا علينا # عند قرب منهم و اجتناب‏[4]

خاطبتني ساعة و هي تبكي # ثم عزّت‏[5]خلّتي في الخطاب

و كفى‏[6]بي مدرها لخصوم # لسواها عند حدّ تبابي‏[7]

الغناء لكردم ثقيل أوّل بالسّبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق في الأوّل و الخامس ثم الثاني و الثالث. و فيه لمعبد خفيف ثقيل بالبنصر عن يحيى المكيّ.

و من إثباته الحجّة قوله:

خليليّ بعض اللوم لا ترحلا[8]به # رفيقكما حتّى تقولا على علم

خليليّ من يكلف بآخر كالذي # كلفت به يدمل‏[9]فؤادا على سقم

خليليّ ما كانت تصاب مقاتلي # و لا غرّتي حتى وقعت‏[10]على نعم

خليليّ حتى لفّ حبلي‏[11]بخادع # موقّى إذا يرمى صيود إذا يرمي

/خليليّ لو يرقى خليل من الهوى # رقيت بما يدني النّوار[12]منه العصم‏

[1]الغمر (بالكسر) : الحقد و الغل.

[2]كذا في «ديوانه» . و في جميع النسخ:

ليس لي علم بما قلت إني # عالم أفهم رجع الجواب‏

[3]عدلت: ساوت.

[4]في «الديوان» : «و اغتراب» .

[5]عزّت هنا: غلبت؛ و منه قوله تعالى: (وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطََابِ) .

[6]كذا في ت. و في سائر النسخ «و الديوان» : «و كفاني» .

[7]كذا في الديوان. و قد اضطربت الأصول كلها في هذه الكلمة و هي محرّفة؛ و لذلك عدلنا عنها إلى ما في «الديوان» . يريد: حسبي أن أكون غالبا لكل خصم سواها إلى حدّ هلاكي.

[8]يقال: رحل فلان فلانا بما يكره، إذا أثقله بإسماعه إياه. و في ت: «لا توجعا» .

[9]يدمل: يطوى. قال في «اللسان» : و يقال: ادمل القوم، أي اطوهم على ما فيهم.

[10]في «الديوان» «دللت» .

[11]يكني بهذا عن الوقوع في شركها.

[12]النوار: النافرة. و العصم: الظباء التي في أذرعها بياض.

122

خليليّ إن باعدت لانت و إن ألن # تباعد فلم أنبل بحرب و لا سلّم‏[1]

و من ترجيحه الشكّ في موضع اليقين قوله:

صوت‏

نظرت إليها بالمحصّب من منى # و لي نظر لو لا التّحرّج عارم‏[2]

فقلت: أشمس أم مصابيح بيعة # بدت لك خلف السّجف أم أنت حالم

بعيدة[3]مهوى القرط إمّا لنوفل # أبوها و إمّا عبد شمس و هاشم

و مدّ عليها السّجف يوم لقيتها # على عجل تبّاعها و الخوادم

فلم أستطعها غير أن قد بدا لنا # عشيّة راحت وجهها و المعاصم

معاصم لم تضرب على البهم‏[4]بالضّحى # عصاها و وجه لم تلحه السّمائم

نضار[5]ترى فيه أساريع‏[6]مائه # صبيح تغاديه الأكفّ النّواعم

إذا ما دعت أترابها فاكتنفنها # تمايلن أو مالت بهنّ المآكم‏[7]

طلبن الصّبا حتى إذا ما أصبنه # نزعن و هنّ المسلمات الظّوالم‏

الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى‏[8]البنصر عن إسحاق و ابن المكيّ. و فيها لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق أيضا. و فيها للغريض‏[خفيف‏[9]]ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ.

و من طلاوة اعتذاره قوله:

صوت‏

عاود القلب بعض ما قد شجاه # من حبيب أمسى هوانا هواه

يا لقومي فكيف أصبر عمّن # لا ترى النفس طيب عيش سواه

أرسلت إذ رأت بعادي ألاّ # يقبلن بي محرّشا[10]إن أتاه‏

[1]لم أنبل: لم أصب، أو لم أحسن الرمي. و في «ديوانه» : «فما ترجى لحرب و لا سلّم. و في حـ، ر: «فلم أبلل بحرب و لا سلّم» .

و في م: «فلم أبتل» .

[2]عارم: شرس. و في «الديوان» ، أ، ب، م، حـ: «عازم» .

[3]هذا كناية عن طول العنق؛ و به فسر في المثل السائر (طبع بولاق ص 383) .

[4]البهم: جمع بهمة، و هي الصغير من أولاد الضأن و المعز و البقر.

[5]في «الديوان» : «نضير» .

[6]أساريع الماء: طرائقه. و المراد أنه يترقرق فيه ماء الشباب.

[7]المآكم: جمع مأكمة و هي العجيزة.

[8]كذا في ر، حـ، و في سائر النسخ: «بالسبابة و البنصر» .

[9]زيادة في ت، حـ.

[10]المحرّش: المغري، من التحريش و هو الإغراء و الإفساد.

123

دون أن

يسمع المقالة منّا # و ليطعني فإنّ عندي رضاه

لا تطع بي فدتك نفسي عدوّا # لحديث على هواه افتراه

لا تطع بي من لو رآني‏[1]و إيّا # ك أسيري ضرورة ما عناه

ما ضراري نفسي بهجري‏[2]من ليـ # س مسيئا و لا بعيدا ثراه‏[3]

و اجتنابي بيت الحبيب و ما الخلـ # د بأشهى إليّ من أن أراه‏

الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالخنصر[4]في مجرى الوسطى عن إسحاق. و فيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. و قال عمرو، فيه خفيف ثقيل بالوسطى للهذليّ. و فيه لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو، و ابتداؤه نشيد أوّله: «ما ضراري نفسي» . و قال الهشاميّ: و فيه لعليّة بنت المهديّ و سعيد بن جابر لحنان من الثقيل الثاني‏

و من نهجه العلل قوله:

و آية ذلك أن تسمعي # إذا جئتكم ناشدا ينشد[5]

فرحنا سراعا و راح الهوى # دليلا إليها بنا يقصد

فلمّا دنونا لجرس النّبا # ح و الصوت، و الحيّ لم يرقدوا

بعثنا لها باغيا ناشدا # و في الحيّ بغية من ينشد

و قد نسبت هذه الأبيات إلى من غنّى فيها مع:

تشطّ غدا دار جيراننا

و من فتحه الغزل قوله:

إذا أنت لم تعشق و لم تدر ما الهوى # فكنّ حجرا من يابس الصّخر جلمدا[6]

و من عطفه المساءة على العذّال قوله:

صوت‏

لا تلمني عتيق حسبي الذي بي # إنّ بي يا عتيق ما قد كفاني‏

[1]كذا في ت. و في سائر النسخ: «يراني» .

[2]في ت، حـ، ر و «الديوان» : «بهجرة» .

[3]الثرى: الخير. و في «الديوان» ، ت: «نواه» و النوى هنا: الدار. و في حـ، ر: «ثواه» و الثواء ممدودا و قصر لضرورة الشعر: الإقامة.

[4]في ت: «بالبنصر» .

[5]في ب، س، م، ء: «منشدا ينشد» .

[6]في ت، أ:

فكن حجرا بالحزن من صخرة أصم‏

. و قد ورد هذا البيت في صفحة 230 موافقا لما في الصلب، و ورد بيت مثله في صفحة 67 في قصيدته التي مطلعها «هجرت الحبيب اليوم من غير ما اجترم» هكذا:

إذا أنت لم تعشق و لم تتبع الهوى # فكن صخرة بالحجر من حجر أصم‏

124

لا تلمني و أنت زيّنتها لي # أنت مثل الشيطان للإنسان‏

الغناء لأبي العبيس‏[1]بن حمدون ثقيل أوّل مطلق من مجموع أغانيه. و فيه رمل طنبريّ محدث، و فيه هزج لأبي عيسى بن المتوكّل.

و من حسن تفجّعه قوله:

صوت‏

هجرت الحبيب اليوم من غير ما اجترم # و قطّعت من ذي ودّك الحبل فانصرم

أطعت الوشاة الكاشحين و من يطع # مقالة واش يقرع السّنّ من ندم

أتاني رسول‏[2]كنت أحسب أنه # شفيق علينا ناصح كالذي زعم‏[3]

فلما تباثثنا[4]الحديث و صرّحت # سرائره عن بعض ما كان قد كتم

/تبيّن لي أنّ المحرّش‏[5]كاذب # فعندي لك العتبى على رغم من رغم

فملآن‏[6]لمت‏[7]النفس بعد الذي مضى # و بعد الذي آلت و آليت من قسم

ظلمت و لم تعتب و كان رسولها # إليك سريعا بالرّضا لك إذ ظلم‏

/الغناء لابن سريج رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. و قال يونس: فيه لابن سريج لحنان، و ذكر الهشاميّ أنّ لحنه الآخر ثقيل أوّل، و أن لعلّوية فيه رملا آخر.

و من تبخيله المنازل قوله:

[1]كذا في حـ، ر، ب. و في سائر النسخ: «العنبس» .

[2]كذا في «ديوانه» . و في الأصول: «عدوّ» .

[3]ترتيب هذه الأبيات في النسخة المخطوطة التيمورية من «ديوانه» هكذا:

أتاني رسول كنت أحسب أنه # شفيق علينا ناصح كالذي زعم

فلما تناثثنا الحديث و بينت # سريرته أبدى الذي كان قد كتم

تخبرني أن المحرّش كاذب # من يطع الواشين أو زعم من زعم

يصرّم بظلم حبله من خليله # وشيكا و يجذم قوّة الجبل ما جذم

و قلت لها لما خشيت لجاجة # من الصرم منها تورث الحزن و الألم

فإن كنت للعتبى عتبت لجاجة # فعندي لك العتبى على رغم من رغم

ظلمت و لم تعتب و كان رسولها # إليك سريعا بالرضا لك إذ ظلم

فملآن لمت النفس بعد الذي مضى # و بعد الذي آلت و آليت من قسم

إذا أنت لم تعشق و لم تتبع الهوى # فكن صخرة بالحجر من حجر اصم‏

و قد أثرنا أن ننقل هذه الأبيات كاملة من «ديوانه» ؛ لأن المعنى المراد غير واضح في رواية الأصول و لا في رواية «الديوان» المطبوع.

[4]بثّ الحديث و نثه: أفشاه.

[5]المحرّش: المغري؛ يقال: حرّش بين القوم، إذا أفسد بينهم.

[6]أصله فمن الآن. و يرى الخليل أن «الآن» مبنيّ على الفتح. و يرى بعضهم أنه يجرّ بالكسرة؛ و أنشد:

كأنهما ملآن لم يتغيرا

[7]كذا في ديوانه، ت. و في سائر النسخ: «فلم أر لوم النفس» .

125
صوت‏

عرفت مصيف الحيّ و المتربّعا[1] # ببطن حليّات‏[2]دوارس بلقعا

إلى السّرح‏[3]من وادي المغمّس‏[4]بدّلت # معالمها و بلا و نكباء[5]زعزعا[6]

فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد ما # نكأن‏[7]فؤادا كان قدما مفجّعا

الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى.

و من اختصاره الخبر قوله:

صوت‏

أ من آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد أم رائح فمهجّر

بحاجة نفس لم تقل في جوابها # فتبلغ عذرا و المقالة تعذر

أشارت بمدراها و قالت لتربها[8] # أ هذا المغيريّ الذي كان يذكر

لئن كان إيّاه لقد حال بعدنا # عن العهد و الإنسان قد يتغيّر

الغناء لابن سريج رمل بالسبّابة في مجرى البنصر، و له في بيتين آخرين من هذه القصيدة، و هما:

و ليلة ذي دوران جشّمتني السّرى # و قد يجشم الهول المحبّ المغرّر[9]

فقلت أباديهم‏[10]فإمّا أفوقهم # و إمّا ينال السّيف ثأرا فيثأر

رمل آخر بالوسطى عن عمرو. قال الزّبير حدّثني إسحاق الموصلي قال: قلت لأعرابيّ ما معنى قول ابن أبي ربيعة:

[1]الذي في «الديوان» :

أ لم تسأل الأطلال و المتربعا

و ما في «الديوان» أصح. قال أبو علي القالي في «أماليه» ج 2 ص 51 الطبعة الأميرية-بعد أن أورده بمثل ما في «الديوان» -: و أملى علينا أبو عبد اللّه: «عرفت مصيف الحيّ و المتربعا» ، و هو غلط؛ لأن «عرفت مصيف الحيّ» أوّل قصيدة جميل.

[2]حليات (بضم الحاء المهملة و فتح اللام و تشديد الياء) : اسم موضع ذكره البكري و ياقوت و لم يبيناه. و لعله موضع قرب مكة بقرينة ذكره مع المغمس الوارد في البيت بعده.

[3]السرح: موضع.

[4]المغمّس (بتشديد الميم و فتحها كما في «ياقوت» ، و ضبطه البكري في «معجمه» بكسر الميم و تشديدها) : موضع قرب مكة في طريق الطائف، مات فيه أبو رغال و قبره يرجم؛ لأنه كان دليل أبرهة صاحب الفيل. و في حـ: «إلى السرح من وادي العقيق تبدّلت» . و في «ديوانه» : إلى الشّري من وادي المغمس» . و الشري كما قال ياقوت: موضع يذكره ابن أبي ربيعة كثيرا في شعره. و سيرد في صفحة 176 من هذا الجزء. «إلى السفح من وادي المغمس... » في جميع النسخ.

[5]النكباء: الريح التي تنكب عن مهابّ الرياح.

[6]يقال: ريح زعزع أي شديدة، و كذلك زعزاع و زعزوع.

[7]نكأ الجرح: قشره قبل أن يلتئم.

[8]في «ديوانه» :

قفي فانظري أسماء هل تعرفينه‏

[9]غرّر بنفسه: عرّضها للهلكة و حملها على غير ثقة.

[10]أباديهم: أجاهرهم و أظهر لهم. ـ

126

بحاجة نفس لم تقل في جوابها # فتبلغ عذرا و المقالة تعذر

فقال: قام كما جلس.

و من صدقه الصفاء قوله:

كلّ وصل أمسى لديك لأنثى # غيرها وصلها إليها أداء

كلّ أنثى و إن دنت لوصال # أو نأت فهى للرّباب الفداء

/و قوله:

صوت‏

أحبّ لحبّك من لم يكن # صفيّا لنفسي و لا صاحبا

و أبذل ما لي لمرضاتكم # و أعتب من جاءكم‏[1]عاتبا

و أرغب في ودّ من لم أكن # إلى ودّه قبلكم راغبا

و لو سلك الناس في جانب # من الأرض و اعتزلت جانبا

ليمّمت طيّتها[2]إنّني # أرى قربها العجب العاجبا

الغناء لابن القفّاص رمل عن الهشاميّ و يحيى المكّيّ، و فيه للرّبعيّ لحن من كتاب إبراهيم/غير مجنّس.

و مما قدح فيه فأورى قوله:

صوت‏

طال ليلي و تعنّاني‏[3]الطّرب‏[4] # و اعتراني طول همّ و وصب

أرسلت أسماء في معتبة # عتبتها و هي أحلى من عتب

أن أتى منها رسول موهنا[5] # وجد الحيّ نياما فانقلب

ضرب الباب فلم يشعر به # أحد يفتح بابا إذ ضرب‏[6]

قال: أيقاظ و لكن حاجة # عرضت تكتم منّا فاحتجب

/و لعمدا ردّني، فاجتهدت # بيمين حلفة عند الغضب‏

[1]في «ديوانه» المخطوط: «جاءني» .

[2]طيتها: ناحيتها و قصدها.

[3]تعنّاني: أوقعني في العناء؛ قال الشاعر:

فقلت لها الحاجات يطرحن بالفتى # و همّ تعنّاني معنى ركائبه‏

[4]الطرب: خفة تعتري الإنسان عند شدّة الفرح أو الحزن و الهمّ.

[5]الموهن: نحو من نصف الليل.

[6]في «الديوان» و ء، ت، م، أ...

أحد يفتح عنه إذا ضرب‏

127

يشهد[1]

الرحمن لا يجمعنا # سقف بيت رجبا بعد رجب

قلت حلا فاقبلي معذرتي # ما كذا يجري محبّ من أحبّ

إنّ كفّيّ لك رهن بالرّضا # فاقبلي يا هند، قالت قد وجب‏

الغناء لمالك خفيف ثقيل بالسّبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. و فيه لدحمان ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو. و فيه لمعبد لحن من كتاب يونس لم يجنّسه، و ذكر الهشاميّ أنه خفيف ثقيل. و فيه لابن سريج رمل عن الهشاميّ.

قال من حكينا عنه في صدر أخبار عمر روايته التي رواها عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن رجاله و الحرميّ عن الزّبير عن عمّه:

كان عمر بن أبي ربيعة يهوى امرأة يقال لها «أسماء» ، فكان الرسول يختلف‏[2]بينهما زمانا و هو لا يقدر عليها. ثم وعدته أن تزوره، فتأهّب لذلك و انتظرها، فأبطأت عنه حتى غلبته عينه فنام، و كانت عنده جارية له تخدمه، فلم تلبث أن جاءت و معها جارية لها، فوقفت حجرة[3]و أمرت الجارية أن تضرب الباب، فضربته فلم يستيقظ. فقالت لها: تطلّعي فانظري ما الخبر؟فقالت لها: هو مضطجع و إلى جنبه امرأة، فحلفت لا تزوره حولا، فقال في ذلك:

طال ليلي و تعنّاني الطّرب‏

قال أبو هفّان في حديثه: و بعث إليها امرأة كانت تختلف بينه و بين معارفه، و كانت جزلة[4]من النساء، فصدقتها عن قصّته و حلفت لها أنه لم يكن عنده إلا جاريته، فرضيت. و إيّاها يعني عمر بقوله:

/

فأتتها طبّة[5]عالمة # تخلط الجدّ مرارا باللّعب

تغلظ القول إذا لانت لها # و تراخي عند سورات الغضب

لم تزل تصرفها عن رأيها # و تأنّاها[6]برفق و أدب‏

قال إسحاق في خبره: و حدّثني ابن كناسة[7]قال أخبرني حمّاد الرواية قال: استنشدني الوليد بن يزيد، فأنشدته نحوا من ألف قصيدة، فما استعادني إلا قصيدة عمر بن أبي ربيعة:

طال ليلي و تعنّاني الطرب‏

[1]في ت: «شهد» . و في حـ، ر: «تشهد الرحمن» .

[2]يختلف: يتردّد.

[3]حجرة: ناحية.

[4]الجزلة من النساء: العاقلة الأصيلة الرأي.

[5]طبة: حاذقة رفيقة.

[6]تأناها (بحذف إحدى تاءيه) : تتمهل عليها؛ يقال: تأنيتك حتى لا أناة بي.

[7]هو أبو يحيى محمد بن عبد اللّه بن عبد الأعلى الأسدي، و يعرف بابن كناسة، قيل: إن كناسة لقب جدّه، و قيل: لقب أبيه؛ و هو ابن أخت إبراهيم بن أدهم من أهل الكوفة، كان عالما بالعربية و أيام الناس و الشعر، سمع هشام بن عروة و سليمان الأعمش، و روى عنه أحمد بن حنبل و محمد بن إسحاق الصاغاني. مات بالكوفة سنة سبع و مائتين (راجع «أنساب السمعاني» في مادة الكناسيّ) .

128

فلما أنشدته قوله:

فأتتها طبّة عالمة # تخلط الجدّ مرارا باللّعب‏

إلى قوله:

إنّ كفّي لك رهن بالرّضا # فاقبلي يا هند قالت قد وجب‏

فقال الوليد: ويحك يا حمّاد!اطلب لي مثل هذه أرسلها إلى سلمى. يعني امرأته سلمى بنت/سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، و كان طلّقها ليتزوج أختها ثم تتبّعتها نفسه.

قال إسحاق و حدّثني جماعة منهم الحرميّ و الزّبيريّ‏[1]و غيرهما: أنّ عمر أنشد ابن أبي عتيق هذه القصيدة، فقال له ابن أبي عتيق: الناس يطلبون خليفة[مذ قتل عثمان‏[2]]في صفة قوّادتك هذه يدبّر أمورهم فما يجدونه!.

/رجع‏[3]إلى خبر عمر الطويل‏

قالوا: و من شعره الذي اعتذر فيه فأبرأ قوله:

فالتقينا فرحّبت حين سلّمـ # ت و كفّت دمعا من العين مارا[4]

ثم قالت عند العتاب رأينا # منك عنّا تجلّدا و ازورارا[5]

قلت كلاّ لاه‏[6]ابن عمّك بل خفـ # نا أمورا كنّا بها أغمارا[7]

فجعلنا الصّدود لمّا خشينا # قالة الناس للهوى أستارا

ليس كالعهد إذ عهدت‏[8]و لكن # أو قد الناس بالنميمة نارا

فلذاك الإعراض عنك و ما آ # ثر قلبي عليك أخرى اختيارا

ما أبالي إذا النّوى قرّبتكم # فدنوتم من حلّ أو من سارا

فاللّيالي إذا نأيت طوال # و أراها إذا قربت قصارا

و من تشكّيه الذي أشجى فيه قوله:

صوت‏

[1]كذا في ت، ب، س. و في سائر النسخ: «الزبير» و هو تحريف؛ إذ هو مصعب بن عبد اللّه الزبيريّ، و إسحاق بن إبراهيم الموصليّ يروى عنه كثيرا.

[2]زيادة في ت.

[3]في جـ: «نرجع» .

[4]مار: جرى و سال. و في أ، ب، س، م، ء: «ثارا» أي هاج و انبعث.

[5]الازورار: الإعراض.

[6]لاه ابن عمك، أي للّه ابن عمك؛ و منه قول ذي الإصبع العدواني:

لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب # عني و لا أنت دياني فتخزوني‏

[7]الغمر (بضم الغين و فتحها مع سكون الميم، و بفتحتين، و بفتح فكسر) : الغر الجاهل الذي لم يجرب الأمور.

[8]أي ليس الأمر كما تعهدين من قبل.

129

لعمرك ما جاورت غمدان‏[1]طائعا # و قصر شعوب أن أكون به صبّا

/و لكنّ حمى أضرعتني‏[2]ثلاثة # مجرّمة[3]ثم استمرّت بنا غبّا[4]

و حتّى لو أن الخلد تعرض إن مشت # إلى الباب رجلي ما نقلت لها إربا[5]

فإنّك لو أبصرت يوم سويقة[6] # مناخي و حبسي العيس دامية جدبا[7]

و مصرع إخوان‏[8]كأنّ أنينهم # أنين المكاكي‏[9]صادفت بلدا خصبا

إذا لاقشعرّ الرّأس‏[10]منك صبابة[11] # و لاستفرغت عيناك من سكبة غربا[12]

غنّى في الأوّل و الثاني من هذه الأبيات معبد و لحنه خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. و فيهما لمالك ثقيل أوّل عن الهشاميّ، و نسبه يونس إلى مالك و لم يجنّسه.

و من إقدامه عن‏[13]خبرة و لم يعتذر بغرّة قوله:

صرمت و واصلت حتّى عرفـ # ت أين المصادر و المورد

و جرّبت من ذاك حتّى عرفـ # ت ما أتوقّى و ما أعمد

و من أسره النوم قوله:

نام صحبي و بات نومي أسيرا # أرقب النّجم موهنا أن يغورا

[1]غمدان كعثمان: قصر باليمن بناه «يشرح بن يحصب» (و قال السيد مرتضى: و في بعض النسخ بالمهملات و في بعضها بزيادة اللام على التحتية) بأربعة وجوه: أحمر و أبيض و أصفر و أخضر، و بنى داخله قصرا بسبعة سقوف بين كل سقفين أربعون دراعا ( «قاموس» مادة «غمد» ) . و قصر شعوب: قصر عال مرتفع باليمن أيضا.

[2]أضرعتني: أضعفتني و أذلّتني.

[3]مجرّمة كمعظمة: تامة. يريد ثلاثة كاملة.

[4]الغبّ من الحمى: ما تأخذ يوما و تدع يوما.

[5]أي ما حرّكت لها عضوا. و في الأصول: «يعرض» .

[6]سويقة: موضع.

[7]حدبا: جمع أحدب و حدباء. و أصل الحدب: ما ارتفع من الأرض؛ و منه قيل: حدب الإنسان حدبا من باب تعب، إذا خرج ظهره و ارتفع من الاستواء، فهو أحدب و الأنثى حدباء. يريد أنه أعياها السير فهي دامية متقوّسة الظهور هزالا. و في أ، م، ء: «جربا» جمع أجرب و جرباء.

[8]كذا في حـ، ر. و في سائر النسخ: «إخواني» بياء المتكلم.

[9]كذا في الأصول. و هو يستقيم لو كان هكذا: «صادفت بلدا جدبا» و في «ديوانه» : المطبوع بليپزج:

أنين مكاك فارقت بلدا خصبا

و المكاكي: جمع مكّاء. و الأصل في الجمع تشديد الياء؛ إذ هو على وزن «فعاليل» ، غير أنه حذفت الياء في الجمع هنا للتخفيف، كما يقال في مفاتيح مفاتح؛ و لذلك حذفت الياء في رواية «الديوان» لأنه صار منقوصا مثل جوار. و المكاء: طير يشبه القبّرة إلا أن في جناحيه بلقا، و هو حسن الصوت في تغريده.

[10]في ت: «الجلد» .

[11]كذا في «الديوان» . و في جميع النسخ: «عجابة» .

[12]في «الديوان» : «من عبرة سكبا» .

[13]في ت: «على» و كلاهما صحيح.

130

و من غمّه الطير قوله:

فرحنا و قلنا للغلام اقض حاجة # لنا ثم أدركنا و لا تتغبّر

/

سراعا نغمّ‏[1]الطير إن سنحت لنا # و إن تلقنا الرّكبان لا نتخبّر[2]

تتغبر، من قولهم: غبر فلان أي لبث.

و من إغذاذه‏[3]السير قوله:

قلت سيرا و لا تقيما ببصرى‏[4] # و حفير[5]فما أحبّ حفيرا

و إذا ما مررتما بمعان‏[6] # فأقلاّ به الثّواء و سيرا

إنّما قصرنا[7]إذا حسّر[8]السيـ # ر بعيرا أن نستجدّ بعيرا

و من تحييره ماء الشباب قوله:

صوت‏

أبرزوها مثل المهاة تهادى # بين خمس كواعب أتراب

ثم قالوا تحبّها قلت بهرا[9] # عدد القطر و الحصى و التراب

و هي مكنونة تحيّر منها # في أديم الخدّين ماء الشباب‏

الغناء لمحمد بن عائشة خفيف ثقيل بالبنصر. و فيه لمالك خفيف ثقيل آخر عن الهشاميّ، و قيل: بل هو هذا.

و من تقويله و تسهيله قوله:

قالت على رقبة يوما لجارتها # ما تأمرين فإنّ القلب قد تبلا[10]

[1]لعله يريد: نحزنها بالسبق، أو نبهرها و نغلبها؛ من قولهم غمّ القمر النجوم، إذا بهرها و كاد يستر ضوأها. و في هامش النسخة التيمورية المخطوطة من «ديوانه» : «و يروى نعيف الطير» . و عيافة الطير: زجرها و هي التفاؤل أو التطيّر بأسمائها و أصواتها و ممرّها.

و هي رواية جيدة يستقيم بها معنى البيت، و لو لا أن أبا الفرج اعتمد الرواية الأولى و عنون الشعر بها لأثبتناها في الأصل.

[2]التخبّر: السؤال عن الخبر.

[3]أغذ السير و أغذ فيه: أسرع.

[4]بصرى: بلد بالشام.

[5]حفير: نهر بالأردن ببلاد الشام.

[6]في ت: «مغان» بالغين، و لعله محرّف عن «معان» بالعين. و معان (بالفتح، و المحدّثون يقولونه بالضم) : مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء. و في سائر النسخ: «بعمان» و لعله تحريف لعدم اتفاقه مع أسماء المواضع في البيت السابق. و في «ديوانه» :

فإذا ما مررتما بحفير

.

[7]قصرنا أي قصارانا و غايتنا.

[8]حسّر السير بعيرا: أجهده و أعياه.

[9]يزاد على ما في الحاشية الرابعة ص 79 أنه قيل: إن معنى «بهرا» هنا: جمّا أي كثيرا.

[10]المتبول: من أسقمه الهوى و غلبه الحب على أمره. و في ديوانه: «شغلا» .

131

و هل لي اليوم من أخت مواخية # منكنّ أشكو إليها بعض ما فعلا

فراجعتها حصان‏[1]غير فاحشة # برجع قول و لبّ لم‏[2]يكن خطلا

لا تذكري حبّه حتى أراجعه # إنّي سأكفيكه إن لم أمت عجلا

فاقني‏[3]حياءك في ستر و في كرم # فلست أوّل أنثى علّقت رجلا

و أما ما قاس فيه الهوى فقوله:

و قرّبن أسباب الهوى لمتيّم # يقيس ذراعا كلّما قسن إصبعا

و من عصيانه و إخلائه قوله:

و أنصّ المطيّ يتبعن بالرّكـ # ب سراعا نواعم الاظعان‏[4]

فنصيد الغرير[5]من بقر الوحـ # ش و نلهو بلذّة الفتيان

/في زمان لو كنت فيه ضجيعي # غير شكّ عرفت لي عصياني

و تقلّبت في الفراش و لا تد # رين إلا الظّنون أين مكاني‏

و من محالفته بسمعه و طرفه قوله:

سمعي و طرفي حليفاها على جسدي # فكيف أصبر عن سمعي و عن بصري

لو طاوعاني على ألاّ أكلّمها # إذا لقضّيت من أوطارها و طري‏

و من إبرامه‏[6]نعت الرسل قوله:

فبعثت كاتمة الحديـ # ث رفيقة[7]بجوابها

و حشيّة إنسيّة # خرّاجة من بابها

فرقت فسهّلت المعا # رض من سبيل نقابها

و من تحذيره قوله:

صوت‏

لقد أرسلت جاريتي # و قلت لها خذي حذرك‏

[1]حصان: عفيفة. و الخطل: الفاسد المضطرب.

[2]كذا؟و في «الديوان» : «و أمر» .

[3]اقنى حياءك: لا تفرطي فيه.

[4]في «ديوانه» :

و أنصّ المطيّ بالركب يطلبـ # ن سراعا بواكر الأظعان‏

[5]الغرير هنا: الغافل.

[6]كذا في‏ء. و في ر: «إبرامه ببعث» . و في ب، س، م، ت: «إبراصه بعث» . و في حـ: «إبراضه ببعث» . و إبرام النعت: إحكامه.

[7]في أ، ء، م: «رقيقة» .

132

و قولي في ملاطفة # لزينب نوّلي عمرك

فإن داويت ذا سقم # فأخزى اللّه من كفرك

فهزّت رأسها عجبا # و قالت من بذا أمرك

أ هذا سحرك النّسوا # ن، قد خبّرنني خبرك

و قلن إذا قضى و طرا # و أدرك حاجة هجرك‏

/غنّى ابن سريج في هذه الأبيات، و لحنه خفيف ثقيل. و لابن المكّيّ فيها هزج بالوسطى. و فيها رمل ذكر ذكاء وجه‏[1]الرّزّة عن أحمد بن أبي العلاء عن مخارق أنه لابن جامع، و ذكر قمريّ أنه له و أنّ ذكاء[2]أبطل في هذه الحكاية. قال الزّبير[3]: حدّثني عمّي قال حدّثني أبي قال: قال شيخ من قريش: لا تروّوا نساءكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورّطن في الزّنا تورّطا، و أنشد:

لقد أرسلت جاريتي # و قلت لها خذي حذرك‏

... الأبيات.

و من إعلانه الحبّ و إسراره قوله:

شكوت إليها الحبّ أعلن بعضه # و أخفيت منه في الفؤاد غليلا

و مما بطن به‏[4]و أظهر قوله:

حبّكم يا آل ليلى قاتلي # ظهر الحبّ بجسمي و بطن

ليس حبّ فوق ما أحببتكم # غير أن أقتل نفسي أو أجنّ‏

و مما ألحّ فيه و أسفّ قوله:

ليت حظّي كطرفة العين منها # و كثير منها القليل المهنّا

أو حديث على خلاء يسلّي # ما يجنّ الفؤاد منها و منّا

كبرت ربّ نعمة منك يوما # أن أراها قبل الممات و منّا

و من إنكاحه النوم قوله:

[1]كذا في ت، أ، م، ء. و في سائر النسخ: «وجه الررة» و لم نتثبت منه غير أنه غلام أحمد بن يوسف (انظر «الأغاني» 14 في ذكر هاشم بن سليمان و بعض أخباره) . و ذكاء: اسم للشمس.

[2]كذا في ت. و في أ، م، ء: «و إن كان ذكاء أبطل الخ» . و في سائر النسخ: «و إن كان ذكاء أبطن الخ» و هو تحريف.

[3]كذا في ت. و في حـ: «ابن الزبير» . و في سائر النسخ: الزبيري» و لعلهما تحريف؛ إذ قد تكرر أن الزبير بن بكار يروي عن عمه، و عمه يروي عن أبيه.

[4]في كل النسخ هنا: «بطن فيه» .

133
صوت‏

حتّى إذا ما الليل جنّ ظلامه # و نظرت غفلة كاشح‏[1]أن يعقلا[2]

و استنكح النوم الذين نخافهم # و سقى الكرى بوّابهم فاستثقلا[3]

خرجت تأطر في الثياب كأنّها # أيم يسيب على كثيب أهيلا[4]

الغناء لمعبد خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. و فيه ألحان لغيره و قد نسبت في غير هذا الموضع مع قوله‏[5]:

ودّع لبابة[6]قبل أن تترحّلا

و من جنيه الحديث قوله:

و جوار مساعفات على اللّهـ # و و مسرّات باطن الأضغان‏[7]

صيّد للرجال يرشقن بالمطرّ # ف حسان كخذّل‏[8]الغزلان

/قد دعاني و قد دعاهنّ للّهـ # و شجون مهمّة[9]الأشجان

فاجتنينا من الحديث ثمارا # ما جنى مثلها لعمرك جاني‏

و من ضربه الحديث ظهره لبطنه قوله:

في خلاء من الأنيس و أمن # فبثثنا غليلنا و اشتفينا

و ضربنا الحديث ظهرا لبطن # و أتينا من أمرنا ما اشتهينا[10]

فمكثنا بذاك عشر ليال # في قضاء لديننا و اقتضينا[11]

[1]و في حـ، ر: «حارس» .

[2]كذا في أ، ء. و في سائر النسخ: «يغفلا» و في «ديوانه» :

و رقبت غفلة كاشح أن يمحلا

من المحل و هو المكر و الكيد.

[3]يقال: أثقله النوم فهو مستثقل، بصيغة المفعول. و في «ديوانه» : فتخبلا» .

[4]أصله تتأطر، فحذفت إحدى تاءيه، و معناه تتثنى. و الأيم: الأفعى. و يسيب: يمشي. و الكثيب الأهيل: الرمل المنهال. و في «ديوانه» المخطوط:

ريح تسيّب عن كثيب أهيلا

و في «ديوانه» المطبوع: «تسنّت» و ليس له معنى مناسب.

[5]هذه الجملة: «مع قوله... تترحلا» غير موجودة في حـ، ر. و في ب، س، م: ذكرت هذه الجملة من غير لفظ «مع» .

[6]كذا في س. و في سائر النسخ: «لبانة» بالنون، و هو تحريف: إذ هي لبابة بنت عبد اللّه بن العباس امرأة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان.

[7]في «ديوانه» :

فجوار مستقتلات إلى اللهـ # و حسان كناضر الأغصان‏

[8]الخذل: جمع خاذل، و هي الظبية تتخلف عن صواحباتها أو أولادها.

[9]أي مثيرة الأشجان. و في ديوانه: «من أعجب الأشجان» .

[10]كذا في «ديوانه» . و في الأصول: «هويتا» . و فيه السّناد هو أن يخالف بين الحركات التي تلى الأرداف في الرويّ؛ كقوله:

شربنا من دماء بني تميم # بأطواف القنا حتى روينا

أ لم تر أن تغلب بيت عز # جبال معاقل ما يرتقينا

[11]في «ديوانه» :

فقضينا ديوننا و اقتضينا

134

و من إذلاله صعب الحديث قوله:

فلما أفضنا في الهوى نستبينه # و عاد لنا صعب الحديث ذلولا

شكوت إليها الحبّ أظهر بعضه # و أخفيت منه في الفؤاد غليلا

و من قناعته بالرجاء من الوفاء قوله:

فعدي نائلا و إن لم تنيلي # إنه ينفع‏[1]المحبّ الرجاء

قال الزّبير: هذا أحسن من قول كثيّر:

و لست براض من خليل بنائل # قليل و لا أرضى له بقليل‏

و من إعلائه قاتله قوله:

فبعثت جاريتي و قلت لها اذهبي # فاشكي إليها ما علمت و سلّمي

قولي يقول تحرّجي‏[2]في عاشق # كلف بكم حتّى الممات متيّم

/و يقول إنّك قد علمت بأنّكم # أصبحتم يا بشر أوجه‏[3]ذي دم

فكّي رهينته فإن لم تفعلي # فاعلي‏[4]على قتل ابن عمّك و اسلمي

فتضاحكت عجبا و قالت حقّه # ألاّ يعلّمنا بما لم نعلم

علمي به-و اللّه يغفر ذنبه- # فيما بدا لي، ذو[5]هوى متقسّم

طرف‏[6]ينازعه إلى الأدنى‏[7]الهوى # و يبتّ خلّة ذي الوصال الأقدم‏

و من تنفيضه النوم قوله:

فلمّا فقدت الصوت منهم و أطفئت # مصابيح شبّت بالعشاء و أنور[8]

و غاب قمير كنت أرجو غيوبه # و روّح رعيان و نوّم سمّر[9]

و نفّضت عنّي أقبلت مشية الـ # حباب و ركني خشية القوم أزور[10]

[1]كذا في جميع النسخ و «الديوان» . و يحتمل أن يكون «يقنع» .

[2]أي كفّي عن الحرج و الإثم.

[3]أي أحقّ إنسان آخذ منه بدمى.

[4]يقال: علا يعلو كسما يسمو، و على يعلى كرضى يرضى.

[5]على تقدير: علمي به أنه ذو هوى متقسم.

[6]الطّرف: من لا يثبت على امرأة و لا صاحب.

[7]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «أدنى» و هو تحريف.

[8]في «ديوانه» : «أنؤر» و كلاهما جمع نار، يهمز و لا يهمز، كما في «الكامل» للمبرّد طبع ليپزج ص 383.

[9]روّح: من الرواح و هو وقت العشيّ. و الرعيان: جمع راع كالرّعاء و الرّعاء و الرعاء. و نوّم الرجل تنويما: مبالغة في نام.

[10]في ب، س، أ: «و لكن» بدل «و ركني» . و الحباب: الحية. و أزور: مائل. و في «ديوانه» :

و شخصي خشية الحيّ أزور

135

و من إغلاقه رهن منى و إهداره قتلاه قوله:

فكم من قتيل ما يباء[1]به دم # و من غلق‏[2]رهنا إذا لفّه‏[3]منى

/و من مالئ عينيه من شي‏ء[4]غيره # إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى‏[5]

و كان بعد هذا كلّه فصيحا شاعرا مقولا[6].

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير قال حدّثني عمّي، و أخبرنا به عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن رجاله:

أنّ عمر بن أبي ربيعة نظر إلى رجل يكلّم امرأة في الطّواف، فعاب ذلك عليه و أنكره. فقال له: إنها/ابنة عمّي. قال: ذاك أشنع لأمرك. فقال: إنّي خطبتها إلى عمّي، فأبى عليّ إلا بصداق أربعمائة دينار، و أنا غير مطيق ذلك، و شكا إليه من حبّها و كلفه بها أمرا عظيما، و تحمّل‏[7]به على عمّه. فسار معه إليه فكلّمه. فقال له: هو مملق، و ليس عندي ما أصلح به أمره. فقال له عمر: و كم الذي تريده منه؟قال: أربعمائة دينار. فقال له: هي عليّ فزوّجه، ففعل ذلك.

و قد كان عمر حين أسنّ حلف ألاّ يقول بيت شعر ألاّ أعتق رقبة. فانصرف عمر إلى منزله يحدّث نفسه، فجعلت جارية له تكلّمه فلا يردّ عليها جوابا. فقالت له: إنّ لك لأمرا، و أراك تريد أن تقول شعرا، فقال:

صوت‏

تقول وليدتي لمّا رأتني # طربت و كنت قد أقصرت حينا

أراك اليوم قد أحدثت شوقا[8] # و هاج لك الهوى داء دفينا

و كنت زعمت أنّك ذو عزاء # إذا ما شئت فارقت القرينا

/بربّك هل أتاك لها رسول # فشاقك أم لقيت لها خدينا[9]

فقلت شكا إليّ أخ محبّ # كبعض زماننا إذ تعلمينا

[1]يقال: أباء القاتل بالقتيل، إذا قتله به. و المراد هنا: فكم من قتيل يطلّ دمه و لا يؤخذ له بثأر.

[2]يقال: غلق الرهن في يد المرتهن يغلق غلقا، إذا لم يقدر الراهن على افتكاكه في الوقت المشروط. يريد: و كم من قلوب أسيرة لا يقدر أصحابها على افتكاكها.

[3]في «الديوان» : «ضمه» .

[4]في ر: «من سيّئ عبرة» يريد: من فيض عبرة.

[5]الدمى: جمع دمية و هي الصورة المنقّشة من العاج و نحوه.

[6]المقول: الحسن القول المفصح المبين.

[7]يقال: تحمل بفلان على فلان، إذا استشفع به لديه.

[8]في حـ، ر: «أمرا» .

[9]الخدين: الصديق الذي يخادنك فيكون معك في كل أمر ظاهر و باطن؛ و منه خدن الجارية: محدّثها. و كان العرب في الجاهلية لا يمتنعون من خدن يحدّث الجارية، فجاء الإسلام بهدمه. و في التنزيل العزيز: (اَلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبََاتُ) إلى قوله: (وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذََا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسََافِحِينَ وَ لاََ مُتَّخِذِي أَخْدََانٍ) . الآية. ـ

136

فقصّ عليّ ما يلقى بهند # فذكّر بعض ما كنّا نسينا[1]

و ذو الشّوق القديم و إن تعزّى‏[2] # مشوق حين يلقى العاشقينا

و كم من خلّة[3]أعرضت عنها # لغير قلى‏[4]و كنت بها ضنينا

أردت بعادها فصددت عنها[5] # و لو جنّ الفؤاد بها جنونا

ثم دعا تسعة من رقيقه فأعتقهم لكلّ بيت واحد[6]. الغناء لابن سريج رمل بالبنصر عن عمرو و الهشاميّ.

و فيه ثقيل أوّل يقال: إنه للغريض. و ذكر عبد اللّه بن موسى أنّ فيه لدحمان خفيف رمل.

عمر بن أبي ربيعة و عروة بن الزبير

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا أحمد بن عبيد أبو عصيدة[7]قال:

ذكر ابن الكلبيّ أنّ عمر بن أبي ربيعة كان يساير عروة بن الزّبير و يحادثه، فقال له: و أين زين المواكب؟يعني ابنه محمد بن عروة، و كان يسمّى بذلك لجماله.

/فقال له عروة: هو أمامك، فركض يطلبه. فقال له عروة: يا أبا الخطّاب، أ و لسنا أكفاء كراما لمحادثتك و مسايرتك؟فقال: بلى بأبي أنت و أمي!و لكنّي مغرى بهذا الجمال أتبعه حيث كان. ثم التفت إليه و قال:

إنّي امرؤ مولع‏[8]بالحسن أتبعه # لا حظّ لي فيه إلا لذّة النّظر

ثم مضى حتى لحقه فسار معه، و جعل عروة يضحك من كلامه تعجّبا منه.

عمر بن أبي ربيعة و مالك بن أسماء بن خارجة

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا مصعب ابن عبد اللّه قال:

رأى عمر بن أبي ربيعة رجلا يطوف بالبيت قد بهر الناس بجماله و تمامه، فسأل عنه فقيل له: هذا مالك بن أسماء بن خارجة. فجاءه فسلّم عليه و قال له: يا ابن أخي ما زلت أتشوّقك منذ بلغني قولك:

إنّ لي عند كلّ نفحة بستا # ن من الورد أو من الياسمينا[9]

نظرة و التفاتة أتمنّى # أن تكوني حللت فيما يلينا

و يروى:

«... أترجّى # أن تكوني حللت... »

عمر و أبو الأسود الدؤلي و قد عرض لامرأته في الطواف‏

[1]في ديوانه:

فوافق بعض ما قد تعرفينا

و في ت:

فذكر ما كنا لقينا

[2]في «ديوانه» : «و ذو القلب المصاب و لو تعزى» .

[3]الخلة: الخليلة.

[4]في «الديوان» : «من آجلكم» .

[5]في «ديوانه» : «أردت فراقها و صبرت عنها» .

[6]كذا في ت، و في سائر النسخ: «واحدا» على تقدير: أعتق لكل بيت واحدا. و هذه الجملة: «لكل بيت واحد» ساقطة من أ، م، ء.

[7]كذا في ت، حـ. و في سائر الأصول: «أبو عبيدة» و هو تحريف؛ فإن الموجود في «كتب التراجم» أنّ أحمد بن عبيد يكنى أبا عصيدة.

[8]في ت: «موزع» .

[9]في «المصباح» : الياسمين بكسر السين و بعضهم يفتحها.

137

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا عبد اللّه/بن محمد قال حدّثنا العباس بن هشام عن أبيه قال أخبرني مولى لزياد قال:

حجّ أبو الأسود الدّؤليّ‏[1]و معه امرأته و كانت جميلة. فبينا هي تطوف بالبيت إذ عرض لها عمر بن أبي ربيعة، فأتت أبا الأسود فأخبرته، فأتاه أبو الأسود/فعاتبه. فقال له عمر: ما فعلت شيئا. فلما عادت إلى المسجد عاد فكلّمها، فأخبرت أبا الأسود، فأتاه في المسجد و هو مع قوم جالس فقال له:

و إنّي ليثنيني عن الجهل و الخنا # و عن شتم أقوام خلائق أربع

حياء و إسلام و بقيا[2]و أنّني # كريم و مثلي قد يضرّ و ينفع

فشتّان ما بيني و بينك إنّني # على كل حال أستقيم و تظلع‏[3]

فقال له عمر: لست أعود يا عمّ لكلامها بعد هذا اليوم. ثم عاود[4]فكلّمها، فأتت أبا الأسود فأخبرته، فجاء إليه فقال له:

أنت الفتى و ابن الفتى و أخو الفتى # و سيّدنا لو لا خلائق أربع

نكول عن الجلّى و قرب من الخنا # و بخل عن الجدوى و أنك تبّع‏[5]

ثم خرجت و خرج معها أبو الأسود مشتملا على سيف. فلما رآهما عمر أعرض عنها، فتمثّل أبو الأسود:

تعدو الذّئاب على من لا كلاب له # و تتّقي صولة المستأسد الحامي‏[6]

رأي الفرزدق في شعر ابن أبي ربيعة

أخبرني ابن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم الفراسيّ‏[7]قال حدّثنا العمريّ‏[8]قال أخبرنا الهيثم بن عديّ قال:

[1]في حـ، ر: «الديلي» . و النسبة إلى «الدئل» بضم الدال و كسر الهمزة، و هي قبيلة من كنانة «الدّؤليّ» بضم الدال و فتح الهمزة. و إنما فتحت الهمزة لئلا تتوالى الكسرات؛ كما قالوا في النسبة إلى نمرة نمريّ بالفتح، و هي قاعدة مطردة. و يقال فيها: الدّولي (بواو غير مهموزة) ، و الدّئلي (بضم الدال و كسرة الهمزة) و هي نادرة. و أما الديلي (بكسر الدال) و الدولى (بضمها) فنسبتان لقبيلتين أخريين.

(انظر «القاموس» و «شرحه» مادة دأل) .

[2]أبقيت عليه بقيا: أشفقت و رحمته.

[3]يقال: ظلع يظلع ظلعا من باب نفع، إذا عرج و غمز في مشيه.

[4]في ت، حـ: «عاودت» .

[5]يقال: هو تبع نساء و تبّعهنّ، إذا جدّ في طلبهنّ.

[6]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «الضاري» . (انظر الحاشية رقم 4 ص 78 و الحاشية رقم 1 ص 79 من هذا الجزء) .

[7]كذا في جميع النسخ عدا نسخة ت، و لم نعثر عليه. و لعله نسبة إلى بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة. و في ت: «الفراشي» بالشين المعجمة، و لعله نسبة إلى فراشة بفتح الفاء و الراء: قرية بين بغداد و الحلّة، أو موضع بالبادية، كما في «القاموس» . و يجوز أن يكون «الفراشي» بكسر الفاء و فتح الراء نسبة إلى بني فراشة بن سلمة بن عبد اللّه المروزي الفراشيّ، كما في أنساب السمعاني و «شرح القاموس» . (انظر «القاموس» و «شرحه» و أنساب السمعاني في هاتين المادتين) .

[8]كذا في ت، حـ. و في سائر النسخ: «الغمري» بالغين المعجمة، و هو تصحيف؛ إذ لم نجد هذه النسبة في كتب «الأنساب» ، على أنه قد ورد ذكره كثيرا في الأسانيد العمري» بالعين المهملة.

138

/قدم الفرزدق المدينة و بها رجلان يقال لأحدهما صريم‏[1]، و للآخر ابن أسماء، وصفا له فقصدهما، و كان عندهما قيان‏[2]، فسلّم عليهما و قال لهما: من أنتما؟فقال أحدهما: أنا فرعون، و قال الآخر: أنا هامان.

قال: فأين منزلكما في النار حتى أقصدكما؟فقالا: نحن جيران الفرزدق الشاعر!فضحك و نزل، فسلّم عليهما و سلّما عليه و تعاشروا مدّة. ثم سألهما أن يجمعا بينه و بين عمر بن أبي ربيعة ففعلا، و اجتمعا و تحادثا و تناشدا إلى أن أنشد عمر قصيدته التي يقول فيها:

فلمّا[3]

التقينا و اطمأنت بنا النّوى # و غيّب عنّا من نخاف و نشفق‏

حتى انتهى إلى قوله:

فقمن لكي يخليننا[4]فترقرقت # مدامع عينيها و ظلّت تدفّق

و قالت أ ما ترحمنني!لا تدعنني # لدى غزل جمّ الصّبابة يخرق‏[5]

فقلن اسكتي عنّا فلست مطاعة # و خلّك منّا-فاعلمي-بك أرفق‏[6]

فصاح الفرزدق: أنت و اللّه يا أبا الخطّاب أغزل الناس!لا يحسن و اللّه الشعراء أن يقولوا مثل هذا النّسيب و لا أن يرقوا مثل هذه الرّقية!و ودّعه و انصرف.

عمرو و عبد الرحمن بن الحارث بن عبد اللّه بن عياش بن أبي ربيعة

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الجبّار بن سعيد[7]المساحقيّ عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه:

أنه حجّ مع أبيه‏[8]الحارث بن عبد اللّه بن عيّاش بن أبي ربيعة، فأتى عمر بن أبي ربيعة و قد أسنّ و شاخ، فسلّم عليه و ساء له ثم قال له: أيّ شي‏ء أحدثت بعدي يا أبا الخطّاب؟فأنشده:

يقولون‏[9]: إنّي لست أصدقك الهوى # و إنّي لا أرعاك حين أغيب

/فما بال طرفي‏[10]عفّ عما تساقطت # له أعين من معشر و قلوب‏

[1]كذا في ت. حـ، ر. و في سائر النسخ: «صويم» بالواو. و لم نرجحه إذ لم نقف على أنه سمي به.

[2]في ت: «فتيان» .

[3]في «ديوانه» المطبوع و المخطوط: «لما» بدون الفاء. و هو الصواب؛ لأن هذا البيت مطلع هذه القصيدة، و قد دخله الخرم.

[4]يخليننا: يجعلننا في خلوة منهنّ.

[5]يخرق: يحمق. و البيت في «ديوانه» :

و قالت أ ما ترحمنني أن تدعنني # لديه و هو فيما علمتنّ أخرق‏

[6]في ديوانه:

......... فغير مطاعة # لهو بك منا-فاعلمي ذاك-أرفق‏

[7]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «سعد» و هو تحريف. (انظر «أنساب السمعاني» في مادة المساحقي) .

[8]في جميع النسخ عدا نسخة ت: «معه ابنه» . و في ت: «مع ابنه» و كلاهما تحريف. و لعل الأخيرة محرّفة عن «مع أبيه» ؛ إذ أن أبا عبد الرحمن هو الحارث بن عبد اللّه بن عياش بن أبي ربيعة. (انظر «تقريب التهذيب» فيمن اسمه المغيرة) .

[9]في ت: «تقولين» .

[10]في ت: «قلبي» .

139

عشيّة لا يستنكف القوم أن يروا # سفاه امرئ ممن‏[1]يقال لبيب‏

و لا فتنة من ناسك أومضت [2]له # بعين الصّبا كسلى القيام لعوب

تروّح يرجو أن تحطّ ذنوبه # فآب و قد زيدت عليه ذنوب

و ما النّسك أسلاني و لكنّ‏[3]للهوى # على العين منّي و الفؤاد رقيب‏

عمرو و النسوة اللاتي واعدهنّ بالعقيق‏

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذميّ قال: واعد عمر بن أبي ربيعة نسوة من قريش إلى العقيق ليتحدّثن معه، فخرج إليهنّ و معه الغريض، فتحدّثوا مليّا و مطروا، فقال عمر و الغريض و جاريتان للنسوة فأظلّوا/عليهنّ بمطرفه و بردين له حتى استترن من المطر إلى أن سكن، ثم انصرفن. فقال له الغريض: قل في هذا شعرا حتى أغنّي فيه، فقال عمر:

صوت‏

أ لم تسأل المنزل المقفرا # بيانا فيكتم أو يخبرا

ذكرت به بعض ما قد شجاك‏[4] # و حقّ لذي الشّجو أن يذكرا

مقام المحبّين‏[5]قد ظاهرا[6] # كساء و بردين أن يمطرا

و ممشى الثلاث به موهنا # خرجن إلى زائر زوّرا

إلى مجلس من وراء القبا # ب سهل الرّبا طيّب أعفرا[7]

غفلن عن اللّيل حتّى بدت # تباشير من واضح أسفرا[8]

فقمن يعفّين آثارنا # بأكسية الخزّ أن تقفرا[9]

مهاتان شيّعتا جؤذرا[10] # أسيلا مقلّده‏[11]أحورا[12]

[1]كذا في «الديوان» . و في الأصول: «مما» .

[2]أومضت له: سارقته النظر.

[3]كذا في جميع النسخ و «الديوان» . و لعل اسم «لكن» ضمير الشأن و الجملة بعده خبر. على أنه يستقيم لو كان: «و لكنه الهوى» أو «و لكنما الهوى» .

[4]في «الديوان» :

ذكرت به بعض ما قد مضى‏

[5]في «الديوان» : «مبيت الحبيبين» .

[6]يقال: ظاهر بين الثوبين، إذا لبس أحدهما على الآخر.

[7]أعفر: ذي رمل أحمر.

[8]في «ديوانه» : «أشقرا» .

[9]يقال: قفر الأثر قفرا، إذا اقتفاه و تبعه.

[10]كذا في «الديوان» . و في الأصول: «ربربا» . و الجؤذر (بضم أوّله و ضم الذال و فتحها) : ولد البقرة. و الربرب: القطيع من بقر الوحش و قيل من الظباء، و لا واحد له من لفظه.

[11]المقلد: موضع القلادة، و يراد به الجيد.

[12]ورد هذا البيت في «ديوانه» بعد قوله: «و ممشى الثلاث» البيت.

140

و

قمن و قلن لو انّ النها # ر مدّ له اللّيل فاستأخرا

قضينا به بعض أشجاننا[1] # و كان الحديث به أجدرا

/ذكر ابن المكيّ أنّ الغناء في الخمسة الأبيات الأولى لابن سريج ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر، و ذكر الهشاميّ أنّ هذا اللحن للغريض، و أنّ لحن ابن سريج رمل بالوسطى. قال: و لدحمان فيه أيضا ثاني ثقيل آخر بالوسطى. و فيها لابن الهربذ خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى. و قال حبش: فيها لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى.

عمرو ابن أبي عتيق‏

أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أبو العبّاس المدينيّ‏[2]قال أخبرنا ابن عائشة قال:

حضر ابن أبي عتيق عمر بن أبي ربيعة و هو ينشد قوله:

و من كان محزونا بإهراق عبرة # و هي غربها[3]فليأتنا نبكه غدا

نعنه على الإثكال إن كان ثاكلا # و إن كان‏[4]محروبا و إن كان مقصدا[5]

قال: فلمّا أصبح ابن أبي عتيق أخذ معه خالدا الخرّيت و قال له: قم بنا إلى عمر. فمضيا[6]إليه، فقال له ابن أبي عتيق: قد جئناك لموعدك. قال: و أيّ موعد بيننا؟قال: قولك: «فليأتنا نبكه غدا» . قد جئناك، و اللّه لا نبرح أو تبكي إن كنت صادقا في قولك، أو ننصرف على أنك غير/صادق. ثم مضى و تركه. قال ابن عائشة: خالد الخرّيت هو خالد بن عبد اللّه القسري.

عود إلى خلق عمر

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا دماذ[7]عن الهيثم بن عديّ عن عبد اللّه‏[8]بن عيّاش الهمدانيّ قال:

[1]في «ديوانه» :

لقينا به بعض ما نشتهي‏

[2]كذا في أكثر النسخ المخطوطة. و في حـ، ر: «المدنيّ» . و في ب، س: «المدائنيّ» .

[3]و هي غربها، يريد: ضعف دمعها. و نبكه هنا نعنه في البكاء، مثل أحلبه، إذا أعانه في الحلب. و لم نجد «أبكاه» بهذا المعنى في «كتب اللغة» .

[4]كذا في «الديوان» . و المحروب: من سلب ماله. و في الأصول: «محزونا» .

[5]المقصد: من طعن أو رمي بسهم فلم يخطئ مقاتله.

[6]في جميع الأصول: «فمضينا» .

[7]في ت: «ذماد» . و في حـ: «دمارذ» . و في م: «دماد» . و في أ، ء: «دمار» . و في ر: «حماد» و لعلها محرّقة عن «دماذ» و لم نعثر على ضبطه. و قد ورد ذكره في «الأمالي» الطبعة الأميرية ج 3 ص 18 و 108 و 189، و ضبط في الصفحة الأخيرة بالقلم بفتح الدال و الميم، و ذكر فيها أنه رفيع بن سلمة العبدي المعروف بدماذ و ذكر له قصيدة. و ذكره ابن النديم في «الفهرست» طبع أوروبا ص 54 و ضبط هكذا «دمّاد» و ذكر أن كنيته أبو غسان و اسمه رفيع بن سلمة بن مسلم بن رفيع العبدي، روى عن أبي عبيدة و كان يورّق كتبه و أخذ عنه «الأنساب» و «الأخبار» و «المآثر» . و ذكره أبو الفرج في «الأغاني» ج 3 ص 55 و ج 12 ص 33 طبعة بولاق، و قال عنه في الأخيرة: إنه من رواة البصرة. و ذكره السيوطي في «بغية الوعاة» ص 248 طبع مصر سنة 1326 هـ، فقال: إنه رفيع بن سلمة المعروف بدماث (هكذا) و لعله محرّف عن دماذ-و نقل أنه كان كاتب أبي عبيدة و أوثق الناس عنه، و منه سمع المازنيّ.

[8]في م، ء: «عبيد اللّه بن العباس» . و في ت: «عبد اللّه بن عباس» . و في أ: «عبد اللّه بن العباس» .

141

لقيت عمر بن أبي ربيعة فقلت له: يا أبا الخطّاب، أ كلّ ما قلته في شعرك فعلته؟قال: نعم، و أستغفر اللّه.

قدوم عمر الكوفة و نزوله على عبد اللّه بن هلال‏

أخبرني عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن عبد اللّه بن مصعب قال:

قدم عمر بن أبي ربيعة الكوفة، فنزل على عبد اللّه بن هلال الذي كان يقال له صاحب إبليس، و كان له قينتان حاذقتان، و كان عمر يأتيهما فيسمع منهما، فقال في ذلك:

يأهل بابل ما نفست‏[1]عليكم # من عيشكم إلاّ ثلاث خلال

ماء الفرات و طيب ليل بارد # و غناء مسمعتين لابن هلال‏

وصف الشعراء للبرق و ما قاله عمر في ذلك‏

أخبرني عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن رجاله:

أن عمر بن أبي ربيعة و الحارث بن خالد و أبا ربيعة المصطلقيّ و رجلا من بني مخزوم و ابن أخت الحارث بن خالد، خرجوا يشيّعون بعض خلفاء بني أمية. فلمّا انصرفوا نزلوا «بسرف» فلاح لهم برق؛ فقال الحارث: كلّنا شاعر، فهلمّوا نصف البرق. فقال أبو ربيعة:

أرقت لبرق آخر الليل‏[2]لامع # جرى من سناه ذو الرّبا فينابع‏[3]

فقال الحارث:

أرقت له ليل التّمام‏[4]و دونه # مهامه موماة و أرض بلاقع‏[5]

فقال المخزوميّ:

يضي‏ء عضاه‏[6]الشّوك حتّى كأنّه # مصابيح أو فجر من الصّبح ساطع‏

فقال عمر:

أيا ربّ لا آلو المودّة جاهدا # لأسماء فاصنع بي الذي أنت صانع‏

ثم قال: مالي و للبرق و الشوك!

بقية خبر اجتماع عمر و النسوة اللاتي واعدهنّ بالعقيق‏

أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال:

[1]نفس عليه كذا: جسده عليه.

[2]في حـ، ر: «لاح في الليل» .

[3]كذا في ت. و «ينابع» : اسم مكان أو جبل أو واد في بلاد هذيل. و في سائر النسخ: «فيتابع» بالتاء، و هو تصحيف.

[4]ليل التمام: أطول ليالي الشتاء.

[5]المهامة: جمع مهمة و هو المفازة البعيدة. و الموماة: الفلاة الواسعة الملساء. و البلاقع: جمع بلقع و هي الأرض القفراء؛ قال في «اللسان» (مادة «بلقع» ) : و أرض بلاقع، جمعوا لأنهم جعلوا كل جزء منها بلقعا.

[6]العضاه: كل شجر يعظم و له شوك، و هو كثير الأنواع.

142

كان عمر بن أبي ربيعة و خالد القسريّ معه-و هو خالد الخرّيت-ذات يوم يمشيان، فإذا هما بهند و أسماء اللتين كان يشبّب بهما عمر بن أبي ربيعة تتماشيان، /فقصداهما و جلسا معهما مليّا، فأخذتهم السماء و مطروا. ثم ذكر مثل خبر تقدّم، و رويته آنفا عن هاشم بن محمد الخزاعيّ، و ذكر الأبيات الماضية، و لم يذكر فيها خبر الغريض. و حكى أنه قال في ذلك:

صوت‏

أ في‏[1]رسم دار دمعك المترقرق‏[2] # سفاها!و ما استنطاق ما ليس ينطق!

بحيث التقى «جمع» و مفضى «محسّر» # مغاني قد كادت على العهد تخلق‏[3]

ذكرت به ما قد مضى من زماننا # و ذكرك رسم الدار ممّا يشوّق‏[4]

مقاما لنا عند[5]العشاء و مجلسا # به لم يكدّره علينا معوّق‏[6]

و ممشى فتاة بالكساء تكنّنا[7] # به تحت عين برقها يتألّق

يبلّ أعالي الثوب قطر و تحته # شعاع بدا يعشي العيون و يشرق

فأحسن شي‏ء بدء أوّل ليلنا[8] # و آخره حزن إذا نتفرّق‏

//ذكر يحيى بن المكيّ أنّ الغناء في ستة أبيات متوالية من هذا الشعر لمعبد خفيف ثقيل بالسبابة و الوسطى، و ذكر الهشاميّ أنه من منحول يحيى.

عمر و ليلى بنت الحارث البكرية و ما قاله فيها من الشعر

[أخبرنا[9]الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال أخبرني مصعب قال:

[1]في «ديوانه» : «أ من» .

[2]ترقرق الدمع: سال.

[3]في جـ: «و مفضى مجمر» .

و «مغاني» نصب على القطع. و لعل صوابه: «مغانيه قد كادت... » . و رواية البيت في «الديوان» :

بحيث التقى جمع و أقصى محسّر # معالمه كادت على العهد تخلق‏

و جمع: المزدلفة. و محسر: موضع بين منى و المزدلفة. و المجمّر: موضع رمي الجمار. و يقال: خلق الشي‏ء (من بابي كرم و فرح) و أخلق و اخلولق، كل ذلك بمعنى بلي.

[4]في «ديوانه» :

ذكرت به ما قد مضى و تذكر الـ # حبيب و رسم الدار مما يشوّق‏

[5]في «ديوانه» : «ذات العشاء» .

[6]معوّق: عائق و مانع. و قيل هذا البيت في «ديوانه» :

ليالي من دهر إذا الحيّ جيرة # و إذ هو مأهول الخميلة مؤنق‏

[7]كذا «بالديوان» . و في الأصول: «يكنها» .

و العين هنا: السحاب.

[8]كذا في «ديوانه» و في الأصول:

فأحسن شي‏ء بدء أوّل ليلة

[9]هذه الزيادة المبدوءة بهذا القوس و المختومة بمثله في صفحة 163 لم توجد إلا في النسخة التيمورية فأثبتناها عنها.

143

لقي عمر بن أبي ربيعة ليلى بنت الحارث بن عمرو البكريّة و هي تسير على بغلة لها، و قد كان نسب بها، فقال: جعلني اللّه فداك!عرّجي هاهنا أسمعك بعض ما قلته فيك. قالت: أو قد فعلت؟قال نعم!فوقفت و قالت:

هات. فأنشدها:

صوت‏

ألا يا ليل إنّ شفاء نفسي # نوالك إن بخلت فنوّلينا

و قد حضر الرّحيل و حان منّا # فراقك فانظري ما تأمرينا[1]

فقالت: آمرك بتقوى اللّه و إيثار طاعته و ترك ما أنت عليه. ثم صاحت ببغلتها و مضت.

و في هذين البيتين لابن سريج خفيق ثقيل بالوسطى عن يحيى المكيّ، و ذكر الهشاميّ أنه من منحوله إلى ابن سريج. و فيهما رمل طنبوري لأحمد بن صدقة.

/أخبرني بذلك جحظة عنه. و أخبرني بهذا الخبر عبد اللّه بن محمد الرّازيّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن ابن الأعرابيّ: أنّ ليلى هذه كانت جالسة في المسجد الحرام، فرأت عمر بن أبي ربيعة، فوجّهت إليه مولى لها فجاءها به. فقالت له: يا ابن أبي ربيعة، حتّى متى لا تزال سادرا[2]في حرم اللّه تشبّب بالنساء و تشيد بذكرهنّ!أ ما تخاف اللّه!قال: دعيني من ذاك و اسمعي ما قلت. قالت: و ما قلت؟فأنشدها الأبيات المذكورة.

فقالت له القول الذي تقدّم أنها أجابته به. قال: و قال لها: اسمعي أيضا ما قلت فيك، ثم أنشدها قوله:

أمن الرّسم و أطلال الدّمن # عاد لي وجدي و عاودت الحزن‏[3]

إنّ حبّي آل ليلى قاتلي‏[4] # ظهر الحبّ بجسمي‏[5]و بطن

يا أبا الحارث قلبي طائر[6] # فأتمر أمر رشيد مؤتمن

التمس للقلب وصلا عندها[7] # إنّ خير الوصل ما ليس يمنّ‏[8]

[1]في «ديوانه» المطبوع بليپزج ذكر هذا البيت بعد بيت آخر هكذا:

أحنّ إذا رأيت جمال سعدى # و أبكي إن رأيت لها قرينا

و قد أفد الرحيل فقل لسعدى # لعمرك خبّري ما تأمرينا

[2]السادر: الذي لا يهتم و لا يبالي ما صنع.

[3]رواية هذا البيت في «ديوانه» :

من رسوم باليات و دمن # عاد لي همّي و عاودت ددن‏

و الددن كبدن: اللهو و اللعب، و مثله الدّد.

[4]كذا في «ديوانه» ، و في الأصل:

حبكم يا آل نعم قاتلي‏

[5]في الأصل: «بقلبي» . و قد تقدّمت روايته في صفحة 140 كما أثبتناه.

[6]في «ديوانه» :

يا أبا الخطاب قلبي هائم‏

[7]في «ديوانه» :

اطلبن لي صاح و صلا عندها

[8]كذا في «الديوان» . و معناه ما ليس يقطع؛ و منه قوله تعالى: (وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ) .

144

علق القلب، و قد كان صحا، # من بني بكر غزالا قد شدن‏[1]

أحور المقلة كالبدر، إذا # قلّد الدّرّ فقلبي ممتحن‏[2]

/ليس حبّ فوق ما أحببتكم # غير أن أقتل نفسي أو أجنّ

خلقت للقلب منّي فتنة # هكذا يخلق معروض الفتن‏

قال: و فيها يقول:

إنّ ليلى و قد بلغت المشيبا # لم تدع للنساء عندي نصيبا

هاجر بيتها لأنفي عنها # قول ذي العيب إن أراد عيوبا

نسبة ما في هذين الشعرين من الغناء

الغناء في الأبيات الأولى النونية لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. و فيها لابن عائشة ثقيل أوّل، يقال: إنه أوّل ثقيل غنّاه، كان يغنّي الخفيف، فعيب بذلك فصنع هذا اللحن. و فيه لعبد اللّه بن يونس الأبلّي رمل عن الهشاميّ.

و الغناء في:

إنّ ليلى و قد بلغت المشيبا

لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو. و فيه لكردم ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو أيضا. و ذكر إبراهيم أنّ فيه لحنا لعطرّد، و لم يجنّسه.

حديثه مع النوار و ما قاله فيها من الشعر

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني محمد بن منصور الأزديّ قال حدثني أبي عن الهيثم بن عديّ قال:

بينما عمر بن أبي ربيعة منصرف من المزدلفة يريد منى إذ بصر بامرأة في رحالة[3]ففتن، و سمع عجوزا معها تناديها: يا نوار استتري لا يفضحك ابن أبي ربيعة. فاتّبعها عمر و قد شغلت قلبه حتى نزلت بمنى في مضرب‏[4]قد ضرب لها، فنزل إلى/جنب المضرب، و لم يزل يتلطّف حتى جلس معها و حادثها، و إذا أحسن الناس وجها و أحلاه‏[5]منطقا، فزاد ذلك في إعجاب عمر بها. ثم أراد معاودتها فتعذّر ذلك عليه، و كان آخر عهده، فقال فيها:

-و في الأصل: «يعنّ» .

[1]رواية هذا البيت في «ديوانه» :

علق القلب غزالا شادنا # يا لقوم لغزال قد شدن‏

و شدن: شبّ و ترعرع.

[2]ممتحن: واقع في محنة.

[3]الرحالة: مركب للنساء يوضع على البعير.

[4]ضبطه السيد مرتضى شارح «القاموس» كمنبر، قال: و ضبطه شيخنا كمجلس، و العامة ينطقون به كمقعد، و هو الفسطاط العظيم.

[5]في «لسان العرب» (مادة «حنا» ) : «و روى أبو هريرة: أن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «خير نساء ركبن الإبل خيار نساء قريش أحناه على ولد في- ـ

145
صوت‏

علق النّوار فؤاده جهلا # و صبا فلم تترك له عقلا

و تعرّضت لي في المسير فما # أمسى الفؤاد يرى لها مثلا[1]

ما نعجة[2]من وحش ذي بقر[3] # تغذو بسقط صريمة طفلا[4]

بألذّ منها إذ تقول لنا # و أردت كشف قناعها: مهلا

دعنا فإنك لا مكارمة # تجزي و لست بواصل حبلا

و عليك من تبل الفؤاد و إن‏[5] # أمسى لقلبك ذكره شغلا

فأجبتها إنّ المحب مكلّف‏[6] # فدعي العتاب و أحدثي بذلا

/الغناء لابن محرز خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه ثاني ثقيل بالبنصر ينسب إلى ابن عائشة.

حديثه مع أم الحكم و ما قاله فيها من الشعر

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثني أبو عبد اللّه السّدوسي عن عيسى بن إسماعيل العتكيّ عن هشام بن الكلبيّ عن أبيه قال:

حجّت امرأة من بني أمية يقال لها أمّ الحكم، فقدمت قبل أوان الحج معتمرة. فبينا هي تطوف على بغلة لها إذ مرّت على عمر بن أبي ربيعة في نفر من بني مخزوم و هم جلوس يتحدثون و قد فرعهم‏[7]طولا و جهرهم‏[8]جمالا و بهرهم شارة و عارضة[9]و بيانا، فمالت إليهم و نزلت عندهم، فتحدّثت معهم طويلا ثم انصرفت. و لم يزل عمر -صغره و أرعاه على زوج في ذات يده» . قوله أحناه أي أعطفه. و قوله أرعاه على زوج: إذا كان لها مال واست زوجها. قال ابن الأثير: «و إنما وحّد الضمير ذهابا إلى المعنى، تقديره أحنى من وجد و من خلق أو من هناك؛ و منه أحسن الناس خلقا و أحسنه وجها، يريد أحسنهم، و هو كثير من أفصح الكلام» . ا هـ.

[1]في «ديوانه» : «شكلا» .

[2]في «الديوان» و «ياقوت» : «ما ظبية» .

[3]ذو بقر: موضع.

[4]سقط الصريمة: منتهاها.

و الصريمة: الرملة المنصرمة من الرمال ذات الشجر.

[5]كذا في الأصول و «الديوان» . و لعلها: «و من أمسى... » .

[6]مكلّف لهج بالحب؛ يقال: كلف بالشي‏ء كلفا أي لهج به فهو كلف و مكلّف. و الأبيات من الكامل الأحذّ، و هو ما حذف من عروضه و ضربه الوتد المجموع «علن» من «متفاعلن» . و قد جاء عروض هذا البيت تاما على خلاف بقية الأبيات. و ظاهر أن حذف الوتد في اصطلاح علماء العروض علة. و العلة إذا لحقت بعروض أو ضرب لزم استعمالها في سائر الأبيات.

و لو كان:

فأجبتها إني بكم كلف # لخلت القصيدة من هذا العيب‏

[7]فرعهم طولا: علاهم و طالهم.

[8]جهرهم: راعهم جماله و هيئته.

[9]العارضة: قوّة الحجة.

146

يتردّد إليها إلى أن انقضت أيّام الحج، فرحلت إلى الشأم. و فيها يقول عمر:

تأوّب ليلى بنصب‏[1]و همّ # و عاودت ذكرى لأمّ الحكم

فبتّ أراقب ليل التّما # م، من نام من عاشق لم أنم

فإما ترينني على ما عزا # ضعيف القيام شديد السّقم

كثير القلب قوق الفرا # ش ما إن تقلّ قيامي قدم‏[2]

بالمديحة طيّب نشرها # هضيم الحشا[3]عذبة المبتسم‏

في أول الأبيات الثلاثة غناء. و قبلها و هو أوّل الصوت:

صوت‏

و فتيان صدق صباح الوجو # ه لا يجدون لشي‏ء ألم

من آل المغيرة لا يشهدو # ن عند المجازر لحسم الوضم‏[4]

الغناء في هذه الأبيات لمالك خفيف ثقيل الثاني بالبنصر و هو الذي يقال له الماخوريّ، عن عمرو. و فيه ثاني ثقيل ينسب إلى ابن سريج و العريض و دحمان. و فيه لابن المكيّ خفيف رمل.

حديثه مع سكينة بنت الحسين و ما قاله فيها من الشعر

أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان عن إسحاق عن أبي عبد اللّه الزّبيريّ قال:

اجتمع نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف، فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة و شعره و ظرفه و حسن حديثه، فتشوّقن إليه و تمنّينه، فقالت سكينة بنت الحسين عليهما السّلام: أنا لكنّ به. فأرسلت إليه رسولا و واعدته الصّورين، و سمّت له الليلة و الوقت، و واعدت صواحباتها، فوافاهنّ عمر على راحلته، فحدّثهنّ حتى أضاء الفجر و حان انصرافهنّ. فقال لهنّ: و اللّه إني لمحتاج إلى زيارة قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم و الصلاة في مسجده، و لكن لا أخلط بزيارتكنّ شيئا. ثم انصرف إلى مكة و قال:

صوت‏

قالت سكينة و الدموع ذوارف # منها على الخدّين و الجلباب‏[5]

[1]النصب (بالفتح و الضم و بضمتين) : البلاء و الشر.

[2]في هامش ت عن نسخة أخرى: «ما تستقل بساقي قدم» .

[3]الحشا: الحضن و هو ظاهر البطن هضيم الحشا: هيفاء لطيفة الخصر.

[4]الوضم: ما وقي به اللحم عن الأرض من خشب و حصير. قال أبو منصور: إن من عادة العرب في باديتها إذا نحر بعير لجماعة الحيّ يقتسمونه أن يقلعوا شجرا كثيرا و يوضم (يوضع) بعضه على بعض، و يغضّى (يقطع) اللحم و يوضع عليه، ثم يلقى لحمه من عراقه (عظامه) و يقطع على الوضم هبرا للقسم، و تؤجج نار؛ فإذا سقط جمرها اشتوى من شاء من الحيّ شواءة بعد أخرى على جمر النار لا يمنع أحد من ذلك. فإذا وقعت فيه المقاسم و حاز كل شريك في الجزور مقسمة حوّله عن الوضم إلى بيته و لم يعرض له أحد.

و المراد وصفهم بالترفّع عن شهود اللحم يقتسمه الناس.

[5]الجلباب: القميص أو هو الخمار، و هو ما تغطي به المرأة رأسها.

147

ليت المغيريّ الذي لم أجزه # فيما أطال تصيّدي و طلابي

كانت تردّ لنا المنى أيّامنا # إذ لا نلام على هوى و تصابي

خبّرت ما قالت فبتّ كأنّما # ترمي‏[1]الحشا بنوافذ النّشّاب‏[2]

أ سكين‏[3]ما ماء الفرات و طيبه # منّي على ظمأ و فقد شراب‏[4]

بألذّ منك و إن نأيت و قلّما # ترعى النساء أمانة الغيّاب‏

الغناء للهذليّ رمل بالوسطى عن الهشاميّ. و فيه للغريض خفيف ثقيل بالوسطى عن حبش. قال و قال فيها:

صوت‏

أحبّ لحبّك من لم يكن # صفيّا لنفسي و لا صاحبا

و أبذل نفسي‏[5]لمرضاتكم # و أعتب من جاءكم عاتبا

و أرغب في ودّ من لم أكن # إلى ودّه قبلكم راغبا

و لو سلك الناس في جانب # من الأرض و اعتزلت جانبا

ليمّمت طيّتها، إنّني # أرى قربها العجب العاجبا

/فما نعجة[6]من ظباء الأرا # ك تقرو[7]دميث‏[8]الرّبا عاشبا

بأحسن منها غداة الغميم‏[9] # و قد[10]أبدت الخدّ و الحاجبا

غداة تقول على‏[11]رقبة # لخادمها: [12]يا احبسي الراكبا

فقالت لها: فيم هذا الكلام # و أبدت لها عابسا قاطبا[13]

[1]كذا في الأصل و «الديوان» المخطوط. و في «الديوان» المطبوع: «رمى» .

[2]النّشّاب: النّبل.

[3]في «أمالي القالي» الطبعة الأميرية ج 1 ص 31: «أ عليّ» . و في ج 2 ص 26: «أ سكين» .

[4]كذا في «الأمالي» في الموضعين السابقين. و في «ديوانه» : «و حب شراب» . و في الأصل: «و برد شراب» .

[5]بهامش ت عن نسخة أخرى: «ما لي» .

[6]في «الديوان» : «فما ظبية» .

[7]قراه يقروه: تتّبعه.

[8]دميت الربا: سهلها و لينها. و في «ديوانه» : «دماث» . و الظاهر أنه تحريف؛ لأن دماثا: جمع دمث أو دمثة أو دميث، و قوله «عاشبا» إنما يناسب أن يكون حالا من المفرد لا من الجمع.

[9]الغميم كأمير: موضع بين مكة و المدينة.

[10]في «الديوان» «إذا» .

[11]الخادم: واحد الخدم غلاما كان أو جارية.

[12]أي وجها عابسا. و هذا البيت و ما بعده في «ديوانه» هكذا:

غداة تقول على رقبة # لقيمها: احبس الراكبا

فقال لها فيم هذا الكلى # م في وجهها عابسا قاطبا

[13]قاطبا: من القطوب، و هو تزوّي ما بين العينين من العبوس.

148

فقالت كريم أتى زائرا # يمرّ بكم هكذا جانبا

شريف أتى ربعنا زائرا # فأكره رجعته خائبا[1]

] غنّى في الأوّل و الثاني و الرابع و الخامس‏[2]من هذه الأبيات ابن القفّاص‏[3]المكيّ، و لحنه رمل من رواية الهشاميّ.

بغوم ابن أبي ربيعة

و حدّثني‏[4]وكيع و ابن المرزبان و عمّي قالوا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحزاميّ قال حدّثنا محمد بن معن الغفاريّ قال حدّثني سفيان بن عيينة قال:

/بينا أنا و مسعر بن كدام مع إسماعيل بن أميّة بفناء الكعبة إذا[5]بعجوز قد صلعت علينا عوراء متكئة على عصا يصفّق أحد لحييها على الآخر، فوقفت على إسماعيل فسلّمت عليه، فردّ عليها السّلام، و ساءلها فأحفى‏[6] المسألة، ثم انصرفت. فقال إسماعيل: لا إله إلا اللّه!ما ذا تفعل الدنيا بأهلها!ثم أقبل علينا فقال: أ تعرفان هذه؟ قلنا: لا و اللّه، و من هي؟قال: هذه «بغوم» [7]ابن أبي ربيعة التي يقول فيها:

حبّذا أنت يا بغوم و أسما # ء و عيص‏[8]يكنّنا و خلاء

انظرا[9]كيف صارت، و ما كان بمكة امرأة أجمل منها. قال: فقال له مسعر: لا و ربّ هذه البنيّة، ما أرى أنه كان عند هذه خير قطّ. و في هذه الأبيات يقول عمر:

صوت‏

صرمت حبلك البغوم و صدّت # عنك في غير ريبة أسماء

و الغواني إذا رأينك كهلا # كان فيهنّ عن هواك التواء

حبّذا أنت يا بغوم و أسما # ء و عيص يكنّنا و خلاء

و لقد قلت ليلة الجزل لمّا # أخضلت ريطتي عليّ السماء[10]

[1]إلى هنا انتهت الزيادة عن النسخة التيمورية.

[2]في ت: «في الأوّل و الرابع و الخامس... و في أ: «غنى في الأول و الثاني و الخامس» .

[3]في م، ء: «ابن العقاص» و قد تقدّم في صفحة 133 «ابن القفاص» في جميع النسخ.

[4]الجملة الموضوعة بين هذين القوسين المربعين و التي أوّلها في هذه الصفحة و تنتهي في صفحة 168 غير موجودة في نسختي حـ، ر.

[5]في الأصول: «و إذا» بزيادة الواو.

[6]كذا في ت، أ، م. و معناه ردّد المسألة و بالغ فيها. و في سائر النسخ: «فأخفى» و هو تصحيف.

[7]في ت: «هذه بغوم جارية عمر بن أبي ربيعة» .

[8]كذا في «الديوان» . و العيص: الشجر الكثير الملتفّ. و في‏ء، أ، ت: «و عيش يكفّنا» . و في سائر النسخ: «و عيس يكفّنا» تحريف.

[9]كذا في ت، و في سائر النسخ: «انظر» تحريف.

[10]الجزل: موضع قرب مكة.

و أخضل: بلّ. و الربطة: ملاءة كلها نسج واحد و قطعة واحدة.

149

/ليت شعري-

و هل يردّنّ ليت- # هل لهذا عند الرّباب جزاء

كلّ وصل أمسى لديّ لأنثى # غيرها وصلها إليها أداء

كل خلق و إن دنا لوصال # أو نأى فهو للرّباب الفداء

فعدي نائلا و إن لم تنيلي # إنّما[1]ينفع‏[2]المحب الرجاء

لمعبد في: «و لقد قلت ليلة الجزل... » و الذي بعده خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن يونس و إسحاق و دنانير، [و هو من مشهور غنائه‏[3]].

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني ظبية[4]مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب عن ذهيبة[5]مولاة محمد بن مصعب بن الزّبير قالت:

كنت عند أمة الواحد أو أمة المجيد[6]بنت عمر بن أبي ربيعة في الجنبذ[7]الذي في بيت سكينة بنت خالد بن مصعب أنا و أبوها عمر و جاريتان له تغنّيان، يقال لإحداهما البغوم، و الأخرى أسماء. و كانت أمة المجيد بنت عمر تحت محمد بن مصعب بن الزبير.

/قالت: فقال عمر بن أبي ربيعة و هو معهم في الجنبذ[8]هذه الأبيات. فلما انتهى إلى قوله:

و لقد قلت ليلة الجزل لمّا # أخضلت ريطتي عليّ السماء

/خرجت البغوم ثم رجعت إليه فقالت: ما رأيت أكذب منك يا عمر!تزعم أنك بالجزل و أنت في جنبذ[8] محمد بن مصعب، و تزعم أنّ السماء أخضلت ريطتك و ليس في السماء قزعة[9]!قال: هكذا يستقيم هذا الشأن.

و أخبرني عليّ بن صالح عم أبي هفّان عن إسحاق عن المسيّبيّ و محمد بن سلاّم. أنّ عمر أنشد ابن أبي عتيق قوله:

[1]في ت «إنه» .

[2]تقدّم في صفحة 143 في الحاشية رقم 3 احتمال أنه «يقنع» .

[3]زيادة عن ت.

[4]في ت: «طيبة» .

[5]في ت: «ذهبية» .

[6]في ت. : «كنت عند أمة الحميد بنت عمر... و كانت أمة الحميد الخ» . و قد تقدّم أن لعمر بن أبي ربيعة ابنة يقال لها أمة الواحد، و فيها يقول:

لم تدر و ليغفر لها ربها # ما جشمتنا أمة الواحد

[7]في الأصول: «الجنيد» تحريف. و الجنبذ، كما في «شرح القاموس» (مادة جنبذ) كل مرتفع مستدير من الأبنية و الآزاج كالقبة. و في «القاموس» و «شرحه» مادة جبذ و «اللسان» و ابن الأثير مادة جنبذ: أن الجنبذة (هكذا بالتاء) القبة عن ابن الأعرابي. و في الحديث في صفة أهل الجنة: «وسطها من جنابذ من ذهب و فضة يسكنها قوم من أهل الجنة كالأعراب في البادية» . و في حديث آخر: «فيها جنابذ من لؤلؤ» . قال السيد محمد مرتضى: و هو فارسيّ معرب، و أصله كنبد. و قال «ياقوت» في مادة حنبذ: حنبذ من قرى نيسابور، العجم تقول كنبذ بالكاف، معناها عندهم الأزج المدوّر كالقبة، و نحوها.

[8]انظر الحاشية رقم 7 في الصفحة السابقة.

[9]القزعة: قطعة الغيم.

150

حبّذا أنت يا بغوم و أسما # ء و عيص يكنّنا و خلاء

فقال له: ما أبقيت شيئا يتمنّى يا أبا الخطّاب إلا مرجلا يسخّن لكم فيه الماء للغسل.

عمرو و أم محمد بنت مروان بن الحكم‏

أخبرني ابن المرزبان قال حدّثني إسماعيل بن جعفر عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال:

حجّت أمّ محمد بنت مروان بن الحكم، فلمّا قضت نسكها أتت عمر بن أبي ربيعة و قد أخفت نفسها[1]في نسوة، فحدّثها مليّا. فلما انصرفت أتبعها عمر رسولا عرف موضعها و سأل عنها حتى أثبتها[2]، فعادت إليه بعد ذلك فأخبرها بمعرفته إيّاها.

/فقالت: نشدتك‏[3]اللّه أن تشهّرني بشعرك!و بعثت إليه بألف دينار، فقبلها و ابتاع بها حللا و طيبا فأهداه إليها، فردّته. فقال لها: و اللّه لئن لم تقبليه لأنهبنّه‏[4]، فيكون مشهورا، فقبلته و رحلت. فقال فيها:

صوت‏

أيّها الراكب‏[5]المجدّ ابتكارا # قد قضى من تهامة الأوطارا

من يكن قلبه صحيحا سليما # ففؤادي بالخيف أمسى معارا

ليت ذا الدهر كان حتما علينا # كلّ يومين حجّة و اعتمارا

الغناء لابن محرز و لحنه من القدر الأوسط من الثّقيل الأوّل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق، و فيه أيضا له خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المكّيّ. و فيه لذكاء وجه الرّزّة[6]المعتمديّ ثقيل أوّل من جيّد الغناء و فاخر الصّنعة ليس لأحد من/طبقته و أهل صنعته مثله. و أنشد ابن أبي عتيق قول عمر هذا، فقال: اللّه أرحم بعباده أن يجعل عليهم ما سألته ليتمّ لك فسقك.

[1]كذا في ت. و في ب، س: «بيتها» .

[2]أثبتها: عرفها و تحققها.

[3]يقال: نشدتك اللّه و نشدتك باللّه و ناشدتك اللّه أن تفعل كذا، أي سألتك به برفع نشيدي أي صوتي. و المراد هنا سألتك باللّه ألا تشهرني في شعرك. و قد تحذف «لا» النافية إذا دل عليها سياق الكلام. و قد حمل على ذلك آيات من القرآن الكريم؛ قال صاحب «اللسان» (مادة لا) : «... عن أبي زيد في قول اللّه عزّ و جلّ: (يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) قيل في تفسيره مخافة أن تضلوا أو حذار أن تضلوا. ثم قال: و لو كان: يبين اللّه لكم أن لا تضلوا، لكان صوابا. و منه قوله تعالى: (إِنَّ اَللََّهَ يُمْسِكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ أَنْ تَزُولاََ) يريد: أن لا تزولا. و قوله تعالى: (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمََالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاََ تَشْعُرُونَ) يريد: أن لا تحبط» . و قد تحذف «لا» ، و هذا مقيس، فيكون حذفها و ذكرها سواء؛ و ذلك إذا وقعت قبل المضارع في جواب القسم، فيكون عدم توكيد الفعل دليل حذفها. و من حذفها قوله تعالى: (قََالُوا تَاللََّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) أي لا تفتأ؛ و قول الشاعر:

و آليت آسي على هالك # و أسأل نائحة ما لها

أي لا آسي و لا أسأل.

[4]لأنهبنه: لأبيحنّه لمن شاء نهبا.

[5]في «الديوان» ، ت: «الرابح» .

[6]كذا في ت، ب، س. و في سائر النسخ هكذا: «وجه الررة» (انظر الحاشية رقم 1 ص 141 من هذا الجزء) .

151
عمر و حميدة جارية ابن تفاحة

أخبرني ابن المرزبان قال أخبرني أحمد بن يحيى القرشيّ عن أبي الحسن الأزديّ عن جماعة من الرّواة:

أنّ عمر كان يهوى حميدة جارية ابن تفّاحة[1]، و فيها يقول:

صوت‏

حمّل القلب من حميدة ثقلا # إنّ في ذاك للفؤاد لشغلا

إن فعلت الذي سألت فقولي # حمد خيرا و أتبعي‏[2]القول فعلا

و صليني فأشهد[3]اللّه أنّي # لست أصفي سواك ما عشت وصلا

الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى عن يحيى المكيّ و الهشاميّ. و فيها يقول:

صوت‏

يا قلب هل لك عن حميدة زاجر # أم أنت مدّكر الحياء فصابر

فالقلب من ذكرى حميدة موجع # و الدّمع منحدر و عظمي‏[4]فاتر

قد كنت أحسب أنّني قبل الذي # فعلت على ما عند حمدة قادر

حتّى بدا لي من حميدة خلّتي‏[5] # بين و كنت من الفراق أحاذر

/[الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق‏[6]].

حديث عمر مع بعض جواري بني أمية في موسم الحج‏

/أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف‏[7]قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أبو مسلم المستملي‏[8]عن ابن أخي زرقان‏[9]عن أبيه قال:

أدركت مولى لعمر بن أبي ربيعة شيخا كبيرا، فقلت له: حدّثني عن عمر بحديث غريب، فقال: نعم!كنت معه ذات يوم، فاجتاز به نسوة من جواري بني أمية قد حججن، فتعرّض لهنّ و حادثهنّ و ناشدهنّ مدّة أيام حجّهنّ، ثم قالت له إحداهنّ: يا أبا الخطّاب، إنّا خارجات في غد فابعث مولاك هذا إلى منزلنا ندفع إليه تذكرة تكون عندك تذكرنا بها. فسرّ بذلك و وجّه بي إليهنّ في السّحر، فوجدتهنّ يركبن، فقلن لعجوز معهن: يا فلانة، ادفعي إلى مولى [1]في ب، س: «ابن ماجة» و لم نوفق لترجيح أحد الاسمين.

[2]كذا في ت. و في سائر النسخ و «الديوان» : «أو اتبعي» .

[3]في ت: «و صليني و أشهد» .

[4]كذا في ت. و في سائر النسخ و «الديوان» : «و دمعي» .

[5]خلتي: صديقتي.

[6]في ت: «الغناء لمعبد ذكره له إسحاق و لم يجنسه و ذكر الهشاميّ أنه ثقيل أوّل» . و إلى هنا انتهى الكلام الساقط من نسختي حـ، ر.

[7]الخفّاف: بائع الخفاف.

[8]في ء: «المشتمل» و في: حـ «المستهلي» و كلاهما تحريف؛ لأن الاستملاء صناعة من كانوا كتبة لما يملى عليهم من الأكابر و العلماء، و به لقّب كثير من العلماء.

[9]في ب، س، م، أ، ء: «ذروان» و زرقان و ذروان كلاهما مسمّى به. و لم نعثر على ما يرجح أحدهما.

152

أبي الخطّاب التّذكرة التي أتحفناه بها. فأخرجت إليّ صندوقا لطيفا مقفلا مختوما، فقلن: ادفعه إليه و ارتحلن.

فجئته به و أنا أظنّ أنه قد أودع طيبا أو جوهرا. ففتحه عمر فإذا هو مملوء من المضارب (و هي الكير نجات‏[1]) ، و إذا على كلّ واحد منها اسم رجل من مجّان مكّة، و فيها اثنان كبيران عظيمان، على أحدهما الحارث بن خالد و هو يومئذ أمير مكة. و على الآخر عمر بن أبي ربيعة. فضحك و قال: تماجنّ عليّ و نفذ[2]لهنّ. ثم أصلح مأدبة.

/و دعا كلّ واحد ممن له اسم في تلك المضارب. فلما أكلوا و اطمأنوا للجلوس قال: هات يا غلام تلك الوديعة، فجئته بالصندوق، ففتحه و دفع إلى الحارث الكيرنج الذي عليه اسمه. فلما أخذه و كشف عنه غطاءه فزع و قال: ما هذا أخزاك اللّه!فقال له: رويدا، اصبر حتّى ترى. ثم أخرج واحدا واحدا فدفعه إلى من عليه اسمه حتّى فرّقها فيهم ثم أخرج الذي باسمه و قال: هذا لي. فقالوا له: ويحك!ما هذا؟فحدّثهم بالخبر فعجبوا منه، و ما زالوا يتمازحون بذلك دهرا طويلا و يضحكون منه.

قصة عمر مع البنات اللاتي أبصرنه من وراء المضرب‏

قال و حدّثني هذا المولى قال: كنت مع عمر و قد أسنّ و ضعف، فخرج يوما يمشي متوكئا على يدي حتّى مرّ بعجوز جالسة، فقال لي: هذه فلانة و كانت إلفا لي، و عدل‏[3]إليها فسلّم عليها و جلس عندها و جعل يحادثها، ثم قال: هذه التي أقول فيها:

صوت‏

أبصرتها ليلة و نسوتها # يمشين بين المقام و الحجر

بيضا حسانا نواعما[4]قطفا # يمشين هونا كمشية البقر

قالت لترب لها تلاطفها # لنفسدنّ الطّواف في عمر

قومي تصدّي له ليعرفنا # ثم اغمزيه يا أخت في خفر

قالت لها قد غمزته فأبى # ثم اسبطرّت‏[5]تشتدّ في أثري

بل يا خليليّ عادني ذكري # بل اعترتني الهموم بالسّهر[6]

/-الغناء لابن سريج في السادس و الأوّل و الثاني خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. و فيها لسنان الكاتب رمل بالوسطى عنه و عن يونس. و فيها للأبجر خفيف رمل بالوسطى عنه. و في:

[1]الكيرنجات: جمع الكيرنج، و هي كلمة فارسية مركبة من كلمتين هما «كير» بمعنى عضو التناسل و «رنج» و هو بالفارسية رنك و معناه الشكل و اللون. و ذلك مثل «نيرنج» المركب من كلمتين الأولى «نو» أو «ني» بمعنى الجديد، و رنج أي اللون و الشكل؛ و ذلك مجاز عن المكر و الخديعة، فمعناه البدعة الجديدة. و المضارب: جمع مضرب، و لعله يريد آلة الضراب و هو السفاد؛ يقال: ضرب الفحل الناقة يضربها ضرابا، إذا نزا عليها.

[2]أي نفذ لهنّ تماجنهنّ و تم لهنّ ما أردن.

[3]في ب، س، حـ، ر: «فعدل» .

[4]في «ديوانه» : «خرائدا» : جمع خريدة و هي البكر التي لم تمسس قط، أو الحيّية الطويلة السكوت الخافضة الصوت الخفرة المتسترة.

[5]اسبطرّت: أسرعت. و في ت: «استطيرت» ؛ يقال استطير الفرس، إذا أسرع في الجري فهو مستطار. و تشتدّ: تعدو.

[6]لم يذكر هذا البيت بتلك القصيدة في «ديوانه» : و إنما ذكر بعد البيت الذي قبله بيتان آخران هما:

من يسق بعد المنام ريقتها # يسق بمسك و بارد خصر

حوراء ممكورة محبّبة # عسراء للشكل عند مجتمر

ـ

153

قالت لترب لها تلاطفها

لعبد اللّه بن العباس خفيف رمل بالبنصر عن الهشاميّ، و فيه للدّلال خفيف ثقيل عنه أيضا. و لأبي سعيد مولى فائد[1]في الأوّل و الثاني ثقيل أوّل/عن الهشاميّ أيضا، و من الناس من ينسب لحنه إلى سنان الكاتب و ينسب لحن سنان إليه- قال: و جلس معها يحادثها، فأطلعت رأسها إلى البيت و قالت: يا بناتي، هذا أبو الخطّاب عمر بن أبي ربيعة عندي، فإن كنتنّ تشتهين أن ترينه فتعالين. فجئن إلى مضرب‏[2]قد حجزن‏[3]به دون بابها فجعلن يثقبنه و يضعن أعينهن عليه يبصرن. فاستسقاها عمر، فقالت له: أيّ الشراب أحبّ إليك؟قال: الماء. فأتي بإناء فيه ماء، فشرب منه، ثم ملأ فمه فمجّه عليهنّ. في‏[4]وجوههنّ من وراء الحاجز، فصاح الجواري و تهاربن و جعلن يضحكن. فقالت له العجوز: ويلك!لا تدع مجونك و سفهك مع هذه السنّ!فقال: لا تلوميني، فما ملكت نفسي لمّا سمعت من حركاتهن أن فعلت ما رأيت.

حديث عمر مع المرأة التي رآها في الطواف و ارتحل معها إلى العراق‏

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أحمد بن منصور بن أبي العلاء[5]الهمدانيّ‏[6]قال حدّثني عليّ بن طريف‏[7]الأسديّ قال:

/سمعت أبي يقول: بينما عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت إذ رأى امرأة من أهل العراق فأعجبه جمالها، فمشى معها حتّى عرف موضعها، ثم أتاها فحادثها و ناشدها و ناشدته‏[8]و خطبها. فقالت: إنّ هذا لا يصلح هاهنا، و لكن إن جئتني إلى بلدي و خطبتني إلى أهلي تزوّجتك. فلما ارتحلوا جاء إلى صديق له من بني سهم و قال له: إنّ لي إليك حاجة أريد أن تساعدني عليها، فقال له نعم. فأخذ بيده و لم يذكر له ما هي، ثم أتى منزله فركب نجيبا له و أركبه نجيبا[آخر[9]]، و أخذ معه ما يصلحه، و سارا لا يشكّ السّهميّ في أنه يريد سفر يوم أو يومين، فما زال يحفد[10]حتّى لحق بالرّفقة، ثم سار بسيرهم يحادث المرأة طول طريقه و يسايرها و ينزل عندها إذا نزلت حتّى ورد العراق. فأقام أيّاما، ثم راسلها يتنجّزها وعدها، فأعلمته أنها كانت متزوجة ابن عمّ‏[11]لها و ولدت منه أولادها ثم [1]في ت: «قائد» .

[2]المضرب (كمنبر و مقعد) : الفسطاط العظيم.

[3]في ت، أ، ء، م: «حجرت به» .

[4]كذا في ت. و في سائر النسخ: «و في وجوههن» .

[5]في ت، حـ، ر: «ابن العلاء» بدون «أبي» .

[6]في ت، ب، س: «الهمذاني» بالذال المعجمة.

[7]كذا في ت، ر. و في سائر النسخ: «ظريف» . و لم نعثر على أنه سمّى به.

[8]كذا في ت. و في سائر النسخ: «و أنشدته» . و لم توجد هذه الكلمة في حـ.

[9]زيادة في ت.

[10]حفد (من باب ضرب) : خفّ و أسرع. و في ت: «يحثّ» ؛ يقال: حثه و استحثّه و احتثه فاحتثّ، أي استعجله و حضّه على السير.

و في أ، م، ء: «يخبّ» و الخبب: ضرب من العدو، و قيل هو الرمل و هو الهرولة في السير.

[11]كذا في ت. و في سائر النسخ: «متزوّجة بابن عم» . قال في «اللسان» نقلا عن «التهذيب» : و ليس من كلامهم تزوّجت بامرأة و لا زوّجت منه امرأة. و قوله تعالى: (وَ زَوَّجْنََاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) * أى قرنّاهم بهنّ. و قال الفراء: تزوّجت بامرأة لغة في أزد شنوءة.

154

مات و أوصى بهم و بماله إليها ما لم تتزوج، و أنها تخاف فرقة أولادها و زوال النعمة، و بعثت إليه بخمسة آلاف درهم و اعتذرت، فردّها عليها و رحل إلى مكة، و قال في ذلك قصيدته التي أوّلها:

صوت‏

نام صحبي و لم أنم # من خيال بنا ألمّ

/طاف بالركب موهنا # بين خاخ‏[1]إلى إضم‏[2]

ثم نبّهت صاحبا # طيّب الخيم‏[3]و الشّيم

أريحيّا مساعدا # غير نكس و لا برم‏[4]

قلت يا عمرو شفّني # لا عج الحبّ و الألم

ايت هندا فقل لها # ليلة الخيف ذي السّلم‏[5]

الغناء لمالك خفيف رمل بالسّبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق و يونس. و فيه لعبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ خفيف رمل من رواية عمرو بن بانة، و ذكر حبش أنّ لحن عبد اللّه بن العباس رمل آخر عن الهشاميّ.

عود إلى شهادة جرير في شعر عمر

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثنا الحسين بن إسماعيل عن ابن عائشة عن أبيه قال:

كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: شعر تهاميّ/إذا أنجد وجد البرد، حتّى أنشد قوله:

رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت # فيضحى و أمّا بالعشيّ فيخصر

... الأبيات. فقال: ما زال هذا يهذي حتى قال الشعر.

حنين عمر إلى ذكر الغزل بعد أن كبرت سنه‏

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي عن عثمان بن إبراهيم الخاطبيّ، [1]خاخ: موضع بين الحرمين، و يقال له: روضة خاخ، بقرب حمراء الأسد من المدينة، يصرف باعتبار المكان و لا يصرف باعتبار البقعة مع العلميّة.

[2]إضم: واد بجبل تهامة، و هو الوادي الذي فيه المدينة؛ قال الأحوص:

يا موقد النار بالعليا من إضم # أوقد فقد هجت شوقا غير مضطرم‏

إلى قوله:

و ما طربت بشجو أنت نائله # و لا تنوّرت تلك النار من إضم

ليست لياليك من خاخ بعاهدة # كما عهدت و لا أيام ذي سلّم‏

بعاهدة: بوافية كما وفيت؛ من عهد فلان وعده: وفاه. و يجوز أن تكون «بعائدة» بمعنى راجعة كما عرفت. و في ت، حـ، ر:

بين خاخ إلى عظم‏

و ذو عظم بضمتين: عرض من أعراض خيبر فيه عيون جارية و نخيل عامرة. و يروى عظم بفتحتين.

[3]الخيم: الطبيعة و السجية.

[4]النكس: الضعيف. و البرم: الذي لا نفع فيه.

[5]في «الديوان» ، حـ، ر:

ليلة الخيف بالسلم‏