الأغاني - ج1

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
323 /
255

قال أبو أيّوب المديني: توفّي ابن سريج بالعلّة التي أصابته من الجذام بمكة، في خلافة سليمان بن عبد الملك أو في آخر خلافة الوليد، بمكة و دفن في موضع بها يقال له دسم‏[1].

وقفة على قبر ابن سريج بدسم‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال أخبرني هارون‏[2]بن أبي بكر قال حدّثني إسحاق بن يعقوب العثمانيّ مولى آل عثمان عن أبيه قال:

إنّا لبفناء دار عمرو[3]بن عثمان بالأبطح في صبح خامسة من الثّمان-يعني/أيام الحجّ-قال: كنت جالسا أيام الحجّ، فما إن دريت إلا برجل على راحلة على رحل جميل و أداة حسنة، معه صاحب له على راحلة قد جنب إليها فرسا و بغلا، فوقفا عليّ و سألاني، فانتسبت لهما عثمانيّا. فنزلا و قالا: رجلان من أهلك لهما حاجة و نحبّ أن تقضيها قبل أن نشده‏[4]بأمر الحجّ. فقلت ما حاجتكما؟قالا؟نريد إنسانا يقفنا[5]على قبر عبيد بن سريج. قال:

فنهضت معهما حتى بلغت بهما محلّة بني أبي قارة[6]من خزاعة بمكة، و هم موالي عبيد بن سريج، فالتمست لهما إنسانا يصحبهما حتّى/يقفهما على قبره بدسم، فوجدت ابن أبي دباكل‏[7]فأنهضته معهما. فأخبرني بعد: أنه لمّا وقفهما[8]على قبره نزل أحدهما عن راحلته فحسر عمامته عن وجهه، فإذا هو عبد اللّه بن سعيد بن عبد الملك بن مروان، فعقر ناقته و اندفع يندبه بصوت شجيّ كليل حسن و يقول:

وقفنا على قبر بدسم فهاجنا # و ذكّرنا بالعيش إذ هو مصحب‏[9]

فجالت بأرجاء الجفون سوافح # من الدّمع تستتلي الذي يتعقّب

إذا أبطأت عن ساحة الخدّ ساقها # دم بعد دمع إثره يتصبّب

فإن تسعدا نندب عبيدا بعولة[10] # و قلّ له منّا البكا و التّحوّب‏[11]

ثم نزل صاحبه فعقر ناقته، و قال له القرشيّ: خد في صوت أبي يحيى؛ فاندفع يتغنّى‏[12]:

[1]دسم: موضع قرب مكة، كما في «ياقوت» .

[2]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «أخبرني أخي هارون بن أبي بكر» .

[3]في ت، ر: «عمر» .

[4]نشده أي نشغل.

[5]كذا في ت، حـ، ر و في سائر النسخ: «يوقفنا» و هما لغتان، و الثلاثي أفصح، بل قيل إن الرباعي غير مسموع، و قيل إنه غير فصيح.

(انظر «القاموس» و «شرحه» للمرتضى مادة وقف) .

[6]في ر: «بني قارة» و في ب، أ، ء: «بني أبي فارة» . و في ت، حـ: «بني فارة» .

[7]كذا ضبطه في «شرح القاموس» (مادة دبكل) و قال: إنه شاعر خزاعيّ من شعراء الحماسة، و معناه الغليظ الجلد السمج. و قال التبريزي في «شرح الحماسة» طبع أوروبا ص 594: إنه علم مرتجل و ليس منقولا من جنس.

[8]كذا في ت، حـ، ر، م. و في سائر الأصول: «أوقفهما» .

[9]المصحب: الذليل المنقاد بعد صعوبة.

[10]يقال: أعول و عوّل، إذا رفع صوته بالبكاء و الصياح، و الاسم منه العول و العولة و العويل.

[11]التحوّب: التوجع. و في حـ، ر، ب، س: «التنحب» من النحيب و هو أشدّ البكاء. و لم نجد هذه الصيغة من هذه المادة في «كتب اللغة» .

[12]الشعر لكثير بن كثير بن الصلت السهمي، كما في «ياقوت» مادتي الحصاب و السباب.

256

أسعداني بعبرة أسراب‏[1] # من دموع كثيرة التّسكاب

إنّ أهل الحصاب قد تركوني # مولها مولعا بأهل الحصاب

أهل بيت تتابعوا[2]للمنايا # ما على الموت بعدهم من عتاب

فارقوني و قد علمت يقينا # ما لمن ذاق ميتة من إياب

/كم بذاك الحجون‏[3]من أهل‏[4]صدق # كهول أعفّة و شباب

سكنوا الجزع جزع بيت أبي مو # سى إلى النّخل من صفيّ السّباب‏[5]

فلي الويل بعدهم و عليهم # صرت فردا و ملّني أصحابي‏

قال ابن أبي دباكل: فو اللّه ما تمّم صاحبه منها ثلاثا[6]حتى غشي على صاحبه، و أقبل يصلح السّرج على بغلته و هو غير معرّج عليه. فسألته من هو؟فقال: رجل من جذام. قلت: بمن تعرف؟قال: بعبد اللّه بن المنتشر.

قال: و لم يزل القرشيّ على حاله ساعة ثم أفاق، ثم جعل الجذاميّ ينضح الماء على وجهه و يقول كالمعاتب له:

أنت أبدا مصبوب‏[7]على نفسك!و من كلّفك ما ترى!ثم قرّب إليه الفرس، فلمّا علاه استخرج الجذاميّ من خرج على بغل قدحا و إداوة ماء، فجعل في القدح ترابا من تراب قبر ابن سريج و صبّ عليه ماء من الإداوة، ثم قال: هاك فاشرب هذه السّلوة[8]فشرب، ثم فعل هو مثل ذلك، و ركب على البغل و أردفني. فخرجا و اللّه ما يعرّضان بذكر شي‏ء مما كنا فيه، و لا أرى في وجوههما شيئا مما كنت أرى قبل/ذلك. فلمّا اشتمل علينا أبطح مكة قالا: انزل يا خزاعيّ فنزلت. و أومأ الفتى إلى الجذاميّ بكلام، فمدّ يده إليّ و فيها شي‏ء فأخذته، فإذا هو عشرون دينارا، و مضيا. فانصرفت إلى قبره/ببعيرين، فاحتملت عليهما أداة الراحلتين اللتين عقراهما فبعتها[9]بثلاثين دينارا.

[1]كذا في أكثر النسخ، و هو جمع سرب و هو الماء السائل. و في ب، س، حـ: «أترابي» و لعله تحريف.

[2]في س: «تتايعوا» بالياء المثناة. و التتايع: الوقوع في الشر من غير فكر و لا روية و المتابعة عليه و التهافت فيه، و لا يكون في الخير.

و قد قيل: إن التتابع في الشر كالتتابع في الخير.

[3]الحجون: جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها.

[4]رواية ياقوت في الكلام على صفيّ السباب:

كم بذاك الحجون من حيّ صدق # من كهول أعفّة و شباب‏

[5]قال الزبير: بيت أبي موسى الأشعري و صفي السباب: ما بين دار سعيد الحرشيّ التي تناوح بيوت أبي القاسم بن عبد الواحد التي في أصلها المسجد الذي صلّي عنده على أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، و كان به نخل و حائط لمعاوية فذهب، و يعرف بحائط خرمان. (انظر «معجم البلدان» لياقوت) .

[6]كذا في جـ، ر. و في سائر النسخ: «ثالثا» .

[7]كذا في ت، حـ، ر، أي محثوث على اتباعها تستغويك فتسلس لها القياد. و في سائر النسخ: «منصوب» و لعله تحريف.

[8]قال ابن سيده: و السّلوة و السّلوانة: خرزة شفافة إذا دفنتها في الرمل ثم بحثت عنها رأيتها سوداء يسقاها الإنسان فتسليه، و قيل: أن يؤخذ من تراب قبر ميت فيذرّ على الماء و يسقاه العاشق ليسلو؛ قال عروة بن حزام:

جعلت لعرّاف اليمامة حكمه # و عرّاف نجد إن هما شفياني

فقالا نعم نشفي من الداء كله # و قاما مع العوّاد يبتدران

فما تركا من رقية يعرفانها # و لا سلوة إلا و قد سقياني‏

[9]في الأصول: «فبعتهما» . و مرجع الضمير «أداة الراحلتين» .

257

صوت من المائة المختارة

ثالث الثلاثة الأصوات المختارة

و هو الثالث من الثلاثة المختارة.

أهاج هواك المنزل المتقادم # نعم و به ممّن شجاك معالم

مضارب أوتاد و أشعث‏[1]داثر # مقيم و سفع‏[2]في المحلّ جواثم‏

عروضه من الطّويل. الشعر لنصيب. و الغناء في اللّحن المختار لابن محرز ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، و له فيه أيضا هزج بالسّبّابة في مجرى البنصر، و ذكر جحظة عن أصحابه أنه هو المختار. و حكى عن أصحابه أنه ليس في الغناء كلّه نغمة إلا و هي في الثلاثة الأصوات المختارة التي ذكرها.

و من قصيدة نصيب هذا مما يغنّى فيه قوله:

لقد راعني للبين نوح حمامة # على غصن بان جاوبتها حمائم

هواتف أمّا من بكين فعهده # قديم و أمّا شجوهنّ فدائم‏

الغناء لابن سريج ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن يونس و يحيى المكّيّ و إسحاق، و أظنّه مع البيتين الأوّلين و أن الجميع لحن واحد، و لكنه تفرّق لصعوبة اللّحن و كثرة ما فيه من العمل. فجعلا صوتين.

[1]الأشعث: الوتد. و دائر: قديم.

[2]السفع: الأثافي و هي التي أوقدت بينها النار فسوّدت صفاحها التي تلي النار. و جواثم: رواس.

258

5-ذكر نصيب و أخباره‏

نسب نصيب و نشأته‏

هو نصيب بن رباح‏[1]، مولى عبد العزيز بن مروان، و كان لبعض العرب من بني كنانة السّكّان بودّان‏[2]، فاشتراه عبد العزيز منهم، و قيل: بل كانوا أعتقوه، فاشترى عبد العزيز ولاءه منهم، و قيل: بل كاتب مواليه، فأدّى عنه مكاتبته.

و قال ابن دأب: كان نصيب من قضاعة ثم من بليّ. و كانت أمّه سوداء فوقع عليها سيّدها فحبلت بنصيب، فوثب عليه عمّه بعد وفاة أبيه فباعه من عبد العزيز.

و قال أبو اليقظان: كان أبوه من كنانة من بني ضمرة. و كان شاعرا فحلا فصيحا مقدّما في النّسيب و المديح، و لم يكن له حظّ في الهجاء، و كان عفيفا، و كان يقال: أنه لم ينسب قطّ إلا بامرأته.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال؛ كتب إليّ عبد اللّه‏[3]بن عبد العزيز بن محجن بن نصيب بن رباح يذكر عن عمّته غرضة[4]بنت النّصيب:

أنّ النّصيب كان ابن نوبيّين سبيّين كانا لخزاعة، ثم اشترت سلامة[5]أمّ نصيب امرأة من خزاعة ضمريّة حاملا بالنّصيب، فأعتقت ما في بطنها.

/أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن محمد بن كناسة قال:

كان نصيب من أهل ودّان عبدا لرجل من كنانة هو و أهل بيته. و كان أهل البادية يدعونه النّصيب تفخيما له، و يروون شعره. و كان عفيفا كبير النّفس مقدّما عند الملوك، يجيد مديحهم و مراثيهم.

أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه عن ابن الكلبيّ قال:

كان نصيب من/بليّ بن عمرو[6]بن الحاف بن قضاعة. و كانت أمّه أمة سوداء، وقع عليها أبوه فحملت ثم [1]في م، ء، ر: «رياح» بالياء المثناة. و يرجح الأولى أن رباحا بالباء معروف في أسماء العبيد و السودان. قال في كتاب «المشتبه في أسماء الرجال» للذهبي طبع ليدن ص 212: و رباح بالموحدة أكثرة في الموالي.

[2]ودّان بالفتح، ثلاثة مواضع: أحدها بين مكة و المدينة قرية جامعة من نواحي الفرع، بينها و بين هرشى ستة أميال و بينها و بين الأبواء نحو ثمانية أميال قريبة من الجحفة، و هي لضمرة و غفار و كنانة، و قد أكثر نصيب من ذكرها في شعره.

[3]في حـ، ر: «كتب إلىّ عبد العزيز بن محجن الخ» .

[4]في ت: «عرضة» بعين فراء. و في كتاب «الموشح» للمرزباني المخطوط المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 3293 أدب في الكلام على ابن أبي ربيعة: «عوضة» بالواو.

[5]قد سمى بسلامة بتخفيف اللام و بتشديدها. و قد عد المرتضى في «شرح القاموس» أسماء كثيرة من النوعين، و لم يذكر هذه ضمن واحد منهما.

[6]كذا في أكثر النسخ. و في ت، حـ، ر: «عمران» . و يؤيد أنه عمرو ما في «شرح القاموس» مادّة بلى.

259

مات، فباعه عمّه أخو أبيه من عبد العزيز بن مروان.

مبدأ قوله الشعر و اتصاله بعبد العزيز بن مروان بمصر

قال حمّاد و أخبرني أبي عن أيّوب بن عبابة، و أخبرنا الحرميّ عن الزّبير عن عمّه و عن إسحاق بن إبراهيم جميعا عن أيّوب بن عبابة قال حدّثني رجل من خزاعة من أهل‏[1]كليّة-و هي قرية كان فيها النّصيب و كثيّر-قال:

بلغني أنّ النّصيب قال: قلت الشّعر و أنا شابّ فأعجبني قولي، فجعلت آتي مشيخة من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة-و هم موالي النّصيب-و مشيخة من خزاعة، فأنشدهم القصيدة من شعري، ثم أنسبها إلى بعض شعرائهم الماضين، فيقولون: أحسن و اللّه!هكذا يكون الكلام!و هكذا يكون الشّعر!فلمّا سمعت ذلك منهم علمت أني محسن، فأزمعوا و أزمعت‏[2]الخروج إلى عبد العزيز بن مروان، و هو يومئذ بمصر، فقلت لأختي أمامة و كانت عاقلة جلدة: أي أخيّة، إنّي قد قلت شعرا، و أنا أريد عبد العزيز بن مروان، و أرجو أن يعتقك اللّه عزّ و جلّ به و أمّك، /و من كان مرقوقا من أهل قرابتي. قالت: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون!يا بن أمّ، أ تجتمع عليك الخصلتان: السّواد، و أن تكون ضحكة[3]للناس!قال: قلت فاسمعي، فأنشدتها فسمعت، فقالت: بأبي أنت! أحسنت و اللّه!في هذا و اللّه رجاء عظيم، فاخرج على بركة اللّه. فخرجت على قعود لي حتى قدمت المدينة، فوجدت بها الفرزدق في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فعرّجت إليه فقلت: أنشده و استنشده و أعرض عليه شعري.

فأنشدته، فقال لي: ويلك!أ هذا شعرك الذي تطلب به الملوك؟قلت: نعم. قال: فلست في شي‏ء. إن استطعت أن تكتم هذا على نفسك فافعل. فانفضخت عرقا[4]، فحصبني‏[5]رجل من قريش كان قريبا من الفرزدق، و قد سمع إنشادي و سمع ما قال لي الفرزدق، فأومأ إليّ فقمت إليه. فقال: ويحك!أ هذا شعرك الذي أنشدته الفرزدق؟ قلت: نعم. فقال: قد و اللّه أصبت، و اللّه لئن كان هذا الفرزدق شاعرا لقد حسدك، فإنّا لنعرف محاسن الشعر، فامض لوجهك و لا يكسرنّك. قال: فسرّني قوله، و علمت أنه قد صدقني فيما قال، فاعتزمت على المضيّ.

قال: فمضيت فقدمت مصر، و بها عبد العزيز بن مروان، فحضرت بابه مع الناس، فنحّيت عن مجلس الوجوه، فكنت وراءهم، و رأيت رجلا جاء على بغلة حسن الشّارة سهل المدخل، يؤذن له إذا جاء. فلمّا انصرف إلى منزله انصرفت معه أماشي بغلته. فلما رآني قال: أ لك حاجة؟قلت: نعم، أنا رجل من أهل الحجاز شاعر، و قد مدحت الأمير و خرجت إليه راجيا معروفه. و قد ازدريت فطردت من الباب و نحّيت عن الوجوه. قال: فأنشدني، فأنشدته.

فأعجبه شعري، فقال: ويحك!أ هذا شعرك؟فإيّاك أن تنتحل، فإنّ الأمير/رواية عالم بالشّعر و عنده رواة، فلا تفضحني و نفسك. فقلت: و اللّه ما هو إلا شعري. فقال: ويحك!فقل أبياتا تذكر فيها حوف‏[6]مصر و فضلها على غيرها، و القني بها غدا. فغدوت عليه من غد فأنشدته قولي:

[1]كلية (بالضم و الفتح و تشديد الياء) : واد يأتي من شمنصير بقرب الجحفة. و بكلية على ظهر الطريق ماء آبار يقال لتلك الآبار كلية، و بها سمى الوادي، و كان النصيب يسكنها.

[2]في ت، حـ، ر: «فأجمعوا و أجمعت» .

[3]الضحكة (بضم فسكون) : من يضحك منه الناس. و الضّحكة (بضم ففتح) : من يضحك من الناس كثيرا.

[4]فانفضخت عرقا: تدفقت عرقا.

[5]حصبني: رماني بالحصباء.

[6]الحوف بمصر: حوفان الشرقيّ و الغربيّ و هما متصلان، أوّل الشرقيّ من جهة الشأم، و آخر الغربي قرب دمياط، يشتملان على بلدان و قرى كثيرة. و حوف رمسيس: موضع آخر بمصر.

260

سرى الهمّ تثنيني إليك طلائعه # بمصر و بالحوف اعترتني روائعه

/و بات و سادي ساعد قلّ لحمه # عن العظم حتى كاد تبدو أشاجعه‏[1]

قال: و ذكرت فيها الغيث فقلت:

و كم دون ذاك العارض البارق الذي # له اشتقت من وجه أسيل مدامعه

تمشّى‏[2]به أفناء[3]بكر و مذحج # و أفناء عمرو و هو خصب مرابعه‏[4]

فكلّ مسيل من تهامة طيّب # دميث الرّبا تسقي البحار[5]دوافعه‏[6]

أعنّي على برق أريك وميضه # تضى‏ء دجنّات الظّلام لوامعه

إذا اكتحلت عينا محبّ بضوئه # تجافت به حتّى الصّباح مضاجعه

هنيئا لأمّ البختريّ‏[7]الرّوي‏[8]به # و إن أنهج الحبل الذي أنا قاطعه

/و ما زلت حتّى قلت إنّي لخالع # ولائي من مولى نمتني قوارعه‏[9]

و مانح قوم أنت منهم مودّتي # و متّخذ مولاك مولى فتابعه‏

نصيب و أيمن بن خريم الأسدي‏

فقال: أنت و اللّه شاعر!احضر بالباب حتّى أذكرك للأمير. قال: فجلست على الباب و دخل، فما ظننت أنه أمكنه أن يذكرني حتّى دعي بي. فدخلت فسلّمت على عبد العزيز، فصعّد فيّ بصره و صوّب، ثم قال: أنت شاعر؟ويلك!.

قلت: نعم، أيّها الأمير. قال: فأنشدني. فأنشدته، فأعجبه شعري. و جاء الحاجب فقال: أيّها الأمير، هذا أيمن بن خريم‏[10]الأسديّ بالباب. قال: ائذن له، فدخل فاطمأنّ. فقال له الأمير: يا أيمن بن خريم، كم ترى ثمن هذا العبد؟فنظر إليّ فقال: و اللّه لنعم الغادي في أثر المخاض‏[11]، هذا أيها الأمير أرى ثمنه مائة دينار. قال: فإنّ له [1]الأشاجع: أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف.

[2]أصله تتمشى حذفت إحدى تاءيه.

[3]في «اللسان» : أعناء الناس و أفناؤهم أي أخلاطهم؛ يقال: هؤلاء من أفناء القبائل أي نزّاع من هاهنا و هاهنا. و رجل من أفناء القبائل أي لا يدري من أي قبيلة هو. و قيل: إنما يقال قوم من أفناء القبائل و لا يقال رجل أ هـ.

[4]في حـ، ر، ت: «مراتعه» بالتاء المثناة.

[5]في حـ، ر: «النجاد» . و البحار هنا: المدن و القرى و الأراضي الواسعة، الواحدة بحرة (بالفتح) .

[6]الدوافع: أسافل الميث حيث تدفع في الأودية، أسفل كل ميثاء دافعة، أو الدافعة: التلعة من مسايل الماء تدفع في تلعة أخرى إذا جرى في صبب و حدور من حدب، فترى له في مواضع قد انبسط شيئا و استدار ثم دفع في أخرى أسفل منها، فكل واحد من ذلك دافعة و الجميع الدوافع، و مجرى ما بين الدافعتين مذنب.

[7]كذا في ر. و في سائر النسخ: «البحتري» بالحاء المهملة. و ربما رجح الرواية الأولى أن البحتري سمي به كثيرا. و أما البحتري فنسبة إلى بحتر بن عنود الطائي جدّ أبي عبادة البحتري الشاعر المعروف.

[8]الروى (بكسر ففتح) : الماء الكثير المروي.

[9]كذا في جميع النسخ. و لعله «فوارعه» بالفاء، بمعنى أعاليه و أصوله التي تفرعه.

[10]كذا في أ. و في سائر النسخ: «خزيم» و هو تصحيف. و ستأتي ترجمته في الجزء الحادي و العشرين من «الأغاني» .

[11]المخاض: الحوامل من النوق. و عبارة المحكم: التي أولادها في بطونها، واحدتها خلفة على غير قياس و لا واحد لها من لفظها، كما قيل لواحدة النساء امرأة، قال ابن سيده: و إنما سميت الحوامل مخاضا تفاؤلا بأنها تصير إلى ذلك. يريد: لنعم هذا العبد راعيا للإبل.

261

شعرا و فصاحة. فقال لي أيمن: أ تقول الشّعر؟قلت: نعم. قال: قيمته ثلاثون دينارا. قال: يا أيمن، أرفعه و تخفضه أنت!قال: لكونه أحمق أيّها الأمير!ما لهذا و للشّعر!أمثل هذا يقول الشّعر!أو يحسن شعرا!فقال: أنشده يا نصيب، فأنشدته. فقال له عبد العزيز: كيف تسمع يا أيمن؟قال: شعر أسود، هو أشعر أهل جلدته. قال: هو و اللّه أشعر منك. قال: أ منّي أيّها الأمير؟قال: إي و اللّه منك. قال: و اللّه أيّها الأمير، إنك لملول طرف. قال: كذبت و اللّه ما أنا كذلك!و لو كنت كذلك ما صبرت عليك!تنازعني التّحيّة و تؤاكلني الطّعام/و تتّكئ على وسائدي و فرشي و بك ما بك!-يعني وضحا كان بأيمن-قال: ائذن لي‏[أن‏]أخرج إلى بشر بالعراق. و احملني على البريد.

قال: قد أذنت لك، و أمر به فحمل على البريد إلى بشر. فقال: أيمن بن خريم:

ركبت من المقطّم في جمادى # إلى بشر بن مروان البريدا

و لو أعطاك بشر ألف ألف # رأى حقّا عليه أن يزيدا

أمير المؤمنين أقم ببشر # عمود الحق إنّ له عمودا

و دع بشرا يقوّمهم و يحدث # لأهل الزّيغ إسلاما جديدا

كأنّ التاج تاج بني هرقل # جلوه لأعظم الأيّام عيدا

على ديباج خدّي وجه بشر # إذا الألوان خالفت الخدودا

قال أيّوب يعني بقوله:

إذا الألوان خالفت الخدودا

أنّه عرّض بكلف كان في/وجه عبد العزيز-.

و أعقب مدحتي سرجا مليحا[1] # و أبيض جوزجانيّا[2]عقودا[3]

/و إنّا قد وجدنا أمّ بشر # كأمّ الأسد مذكارا ولودا[4]

[1]كذا في س. و لم يرد البيت كله في حـ، ر، ب. و في سائر النسخ: «خلنجا» . و الخلنج فارسي معرب: شجر تتخذ من خشبة الأواني، و قيل: هو كل جفنة و صحفة و آنية صنعت من خشب ذي طرائق و أساريع موشاة. و ليس لشي‏ء من هذا معنى مناسب في البيت.

[2]كذا في «الموشح» للمرزباني. و في جميع النسخ: «خوزجانيا» بالخاء المعجمة. و لم نعثر في «معاجم البلدان» على خوزجان علما لموضع خاص. و جوزجان بالجيم: اسم كورة من كور بلخ بخراسان.

[3]يقال: جمل عقد بفتح القاف و كسرها، إذا كان قويا، و ناقة معقودة القرا: موثقة الظهر. فلعل عقودا بمعنى قويا و إن كنا لم نجده بنصه في «كتب اللغة» ، أو لعله محرّف عن عتود بالتاء، قال في «اللسان» : و فرس عتد بفتح التاء و كسرها: شديد تام الخلق سريع الوثبة معدّ للجري ليس فيه اضطراب و لا رخاوة، و قيل هو العتيد الحاضر المعدّ للركوب الذكر و الأنثى فيهما سواء. ثم قال و العتود: الجدي الذي استكرش، و قيل هو الذي بلغ السفاد، و قيل هو الذي أجذع. ثم قال: و العتود أيضا: العريض. فلعله يريد بالعتود معنى العتد المتقدّم.

[4]قال المرزباني في «الموشح» في الكلام على أيمن بن خريم بعد أن ذكر البيت «و لو أعطاك... الخ» ثم هذين البيتين بعده: فجميع هذا المدح على غير الصواب. و ذلك أنه أومأ إلى المدح بالتناهي في الجود أولا ثم أفسده في البيت الثاني بذكر السرج و غيره، ثم ذكر في البيت الثالث ما هو إلى أن يكون ذما أقرب؛ و ذلك أنه جعل أمه ولودا، و الناس مجمعون على أن نتاج الحيوانات الكريمة يكون أعسر؛ و منه قول الشاعر:

بغاث الطير أكثرها فراخا # و أم الصقر مقلات نزور

ـ

262

قال: فأعطاه بشر مائة ألف درهم.

عبد اللّه بن أبي فروة أوّل من نوّه باسم نصيب و وصله بعبد العزيز بن مروان‏

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الزّهريّ عن‏[1]عبد اللّه بن عمران بن أبي فروة قال:

أوّل من نوّه باسم نصيب و قدم به على عبد العزيز بن مروان عبد اللّه بن أبي فروة، قدم به عليه و هو وصيف‏[2]حين بلغ و أوّل ما قال الشّعر. قال: أصلح اللّه الأمير!جئتك بوصيف نوبيّ يقول الشعر-و كان نصيب ابن نوبيّين-فأدخله عليه، فأعجبه شعره، و كان معه أيمن بن خريم الأسديّ. فقال عبد العزيز: إذا دعوت بالغداء فأدخلوه عليّ في جبّة صوف محتزما بعقال، فإذا قلت قوّموه فقوّموه و أخرجوه و ردّوه عليّ في جبّة وشي و رداء وشي. فلما جلس للغداء و معه أيمن بن خريم أدخل نصيب في جبّة صوف محتزما بعقال، فقال: قوّموا هذا الغلام. فقالوا: عشرة، عشرون، ثلاثون دينارا. فقال: ردّوه، فأخرجوه ثم ردّوه في جبّة وشي و رداء وشي. فقال: أنشدنا، فأنشدهم. فقال: قوّموه، قالوا: ألف دينار. فقال أيمن: و اللّه ما كان قطّ أقلّ في عيني منه الآن، و إنه لنعم راعي المخاض. فقال له: فكيف شعره؟ قال: هو أشعر أهل جلدته. فقال له عبد العزيز: /هو و اللّه أشعر منك. قال: أ منّي أيّها الأمير؟قال أيمن: إنك لملول طرف. فقال له: و اللّه ما أنا بملول و أنا أنازعك الطعام منذ كذا و كذا، تضع يدك حيث أضعها و تلتقي يدك مع يدي على مائدة، كلّ ذلك أحتملك!-و كان بأيمن بياض-فقال له أيمن: ائذن لي أخرج إلى بشر. فأذن له فخرج، و قال أبياته التي أوّلها:

ركبت من المقطّم في جمادى‏

و قد مضت الأبيات. قال: فلما جاز بعبد الملك بن مروان، قال: أين تريد؟قال أريد أخاك بشرا.

قال: أ تجوزني؟!قال: إي و اللّه أجوزك إلى من قدم إلىّ و طلبني. قال: فلم فارقت صاحبك؟قال: رأيتكم يا بني مروان‏[3]، تتّخذون للفتى من فتيانكم مؤدّبا، و شيخكم و اللّه محتاج إلى خمسة مؤدّبين. فسرّ ذلك عبد الملك، و كان عازما على أن يخلعه و يعقد لابنه الوليد.

ابتاعه عبد العزيز بن مروان و أعتقه و قيل: أعتقته امرأة من ضمرة

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال:

يقال: إن نصيبا أضلّ إبلا فخرج في بغائها[4]فلم يصبها، و خاف مواليه أن يرجع إليهم، فأتى عبد العزيز بن مروان فمدحه و ذكر له قصته، فأخلف عليه ما ضلّ لمواليه و ابتاعه و أعتقه.

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا عبد اللّه بن إبراهيم الهلاليّ ثم الدّوسيّ‏[5]قال:

[1]في حـ، ر: «عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عمران بن أبي فروة» .

[2]الوصيف: الخادم غلاما كان أو جارية.

[3]في ت، حـ، ر، : «يا بني أمية» .

[4]البغاء بالضم و المدّ: الطلب؛ قال الشاعر:

لا يمنعنك من بغا # ء الخير تعقاد التمائم‏

[5]كذا في ب، س. و في حـ، ر: «الدو أبيّ» . و بنو دوأب قبيلة من غنى بن أعصر، كما في «القاموس» و «شرحه» (مادة دأب) . و في أ، ء، م: «الرومي» . و في ت: «الروسي» من غير إعجام.

263

/أراد النّصيب الخروج إلى عبد العزيز بن مروان، و هو عبد لبني محرز الضّمريّ، فقالت أمّه له: إنّك سترقد و يأخذك ابن محرز يذهب بك، فذهب و لم يبال بقولها. حتى إذا كان بمكان ماء يعرف بالدّوّ[1]، فبينا هو راقد إذ هجم عليه ابن محرز، فقال حين رآه:

إنّي لأخشى من قلاص ابن محرز # إذا وخدت بالدّوّ وخد[2]النّعائم

/يرعن بطين‏[3]القوم أيّة روعة # ضحيّا إذا استقبلنه غير نائم‏

فأطلقوه، فرجع فأتى أمّه. فقالت: أخبرتك يا بنيّ أنّه ليس عندك أن تعجز القوم. فإن كنت يا بنيّ قد غلبتني أنّك ذاهب فخذ بنت الفلانة[4]، فإنّي رأيتها وطئت أفحوص‏[5]بيضات قطاة فلم تفلقهنّ فركبها، فهي التي بلّغته ابن مروان.

قال أبو عبد اللّه بن الزّبير: عندنا أنّ الّتي أعتقته امرأة من بني ضمرة ثم من بني حنبل‏[6].

أوّل اتصال نصيب بعبد العزيز بن مروان‏

حدّثنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثنا عبد اللّه بن صالح بن مسلم قال حدّثنا كليب بن إسماعيل مولى بني أميّة و كان حدثا[7] (أي حسن الحديث) قال:

/بلغني أن نصيبا كان حبشيّا يرعى إبلا لمواليه، فأضلّ منها بعيرا، فخرج في طلبه حتى أتى الفسطاط، و به إذ ذاك عبد العزيز بن مروان، و هو وليّ‏[عهد[8]]عبد الملك بن مروان، فقال نصيب: ما بعد عبد العزيز واحد أعتمده لحاجتي. فأتى الحاجب فقال: استأذن لي على الأمير، فإني قد هيّأت له مديحا. فدخل الحاجب فقال: أصلح اللّه الأمير!بالباب رجل أسود يستأذن عليك بمديح قد هيّأه لك. فظنّ عبد العزيز أنه ممن يهزأ به و يضحكهم، فقال: مره بالحضور ليوم حاجتنا إليه. فغدا نصيب و راح إلى باب عبد العزيز أربعة أشهر، و أتاه آت من عبد الملك فسرّه، فأمر بالسّرير فأبرز للناس، و قال: عليّ بالأسود، و هو يريد أن يضحك منه الناس. فدخل، فلما كان حيث يسمع كلامه، قال:

لعبد العزيز على قومه # و غيرهم نعم غامره

فبابك ألين‏[9]أبوابهم # و دارك مأهولة عامره

و كلبك آنس بالمعتفين # من الأمّ بالابنة الزائره

و كفّك حين ترى السائليـ # ن أندى من اللّيلة الماطرة

[1]الدوّ: أرض ملساء بين مكة و البصرة على الجادة مسيرة أربع ليال ليس فيها جبل و لا رمل و لا شي‏ء. (انظر «ياقوت» ) .

[2]الوخد للبعير: الإسراع أو أن يرمي بقوائمه كمشي النعام.

[3]البطين: عظيم البطن، و البعيد. و في ر: «بطى‏ء» . و في ب، س: «بطير» .

[4]في «اللسان» (مادة فلن) : فلان و فلانة كناية عن أسماء الآدميين، و الفلان و الفلانة كناية عن غير الآدميين؛ تقول العرب: ركبت الفلان و حلبت الفلانة.

[5]الأفحوص بوزن عصفور: مجثم القطاة و هو مبيضها الذي تبيض فيه؛ سمّي بذلك لأنها تفحصه.

[6]في حـ، ر: «حبيك» . و في ت: «حنبك» .

[7]ضبطه في «اللسان» ككتف و عضد و شبر.

[8]التكلمة في ت.

[9]في ر: «أيمن أبوابهم» .

264

فمنك العطاء و منّي الثّناء # بكلّ محبّرة سائره‏

فقال: أعطوه أعطوه. فقال: إنّي مملوك. فدعا الحاجب فقال: اخرج فابلغ في قيمته، فدعا المقوّمين فقال: قوّموا غلاما أسود ليس به عيب. قالوا: مائة دينار. قال: إنه راع للإبل يبصرها و يحسن القيام عليها.

قالوا: حينئذ مائتا دينار. قال: إنه يبري القسيّ و يثقّفها و يرمي النّبل و يريشها. قالوا: أربعمائة دينار. قال: إنه رواية للشّعر بصير به. قالوا: ستّمائة دينار. قال: إنه/شاعر لا يلحق حذقا[1]. قالوا: ألف دينار. قال عبد العزيز: ادفعوها إليه. قال: أصلح اللّه الأمير!ثمن بعيري الذي أضللت. قال: و كم ثمنه؟قال: خمسة و عشرون دينارا. قال: ادفعوها إليه. قال: أصلح اللّه الأمير!جائزتي لنفسي عن مديحي إيّاك. قال: اشتر نفسك ثم عد إلينا. فأتى الكوفة و بها بشر بن مروان، فاستأذن عليه فاستصعب الدخول إليه. و خرج بشر بن مروان متنزّها فعارضه، فلما ناكبه (أي صار حذاء منكبه) ناداه:

يا بشر يا بن الجعفريّة ما # خلق الإله يديك للبخل

جاءت به عجز[2]مقابلة[3] # ما هنّ من جرم‏[4]و لا عكل‏

/قال: فأمر له بشر بعشرة آلاف درهم. الجعفريّة التي عناها نصيب: أمّ بشر بن مروان، و هي قطيّة[5]بنت بشر بن عامر ملاعب الأسنّة بن مالك بن جعفر بن كلاب.

أم بشر بن مروان ابن الحكم‏

أخبرنا اليزيديّ عن الخرّاز عن المدائنيّ عن عبد اللّه بن مسلم و عامر بن حفص و غيرهما:

أنّ مروان بن الحكم مرّ ببادية بني جعفر، فرأى قطيّة بنت بشر تنزع بدلو على أبل لها، و تقول:

/

ليس بنا فقر إلى التّشكّي # جربّة[6]كحمر الأبكّ‏[7]

لا ضرع‏[8]فيها و لا مذكّي‏[9]

[1]في ت، أ، م، ء: «لا يلحن حرفا» .

[2]عجز: جمع عجوز. يريد بهن أمهاته و جداته.

[3]المقابلة: الكريمة النسب من قبل أبويها.

[4]جرم: بطن في طي‏ء و مساكنهم صعيد مصر و منهم بقية في نواحي غزة، و هم غير جرم بن زبّان بن حلوان بن عمران بن الحاف: بطن من قضاعة. و عكل: أبو قبيلة فيهم غباوة و قلة فهم؛ لذلك يقال لكل من فيه غفلة و يستحمق: عكليّ.

[5]في ت، حـ، ر: «قطبة» بالباء الموحدة و قد سمى به، كما في «القاموس» .

[6]وردت هذه الكلمة في ب، س، ر: «جونية» و في حـ: «لجونبة» و في ء: «جرية» . و في م، أ: «جريه» . و في ت: «حرية» . و كل ذلك محرّف عن «جربّة» . و الجربة في الأصل: جماعة الحمر. و قد يقال للأقوياء من الناس إذا كانوا جماعة متساوين، و هو المراد هنا. و قد ورد البيت في «اللسان» مادة صلم:

صلامة كحمر الأبك # لا ضرع فيها و لا مذكّى‏

و الصلامة: القوم المستوون في السنّ و الشجاعة و السخاء.

[7]الأبك: الحمر التي يبكّ (يزحم) بعضها بعضا؛ و نظيره قولهم الأعم في الجماعة، و الأمرّ لمصارين الفرث. و الأبك: اسم موضع؛ قال في «اللسان» مادة بكك: و الأبك: موضع نسبت الحمر إليه، فأما ما أنشده ابن الأعرابي «جربة كحمر الأبك» فزعم أنها الحمر يبكّ بعضها بعضا. قال: يضعف ذلك أن فيه ضربا من إضافة الشي‏ء إلى نفسه و هذا مستكره. و قد يكون الأبك هاهنا الموضع فذلك أصح للإضافة.

[8]الضرع: الضعيف.

[9]المذكى: المسنّ من كل شي‏ء، و خص بعضهم به ذوات الحافر و هو أن يجاوز القروح بسنة. قال الأزهريّ نقلا عن ابن الأعرابي: إذا سقطت رباعية الفرس و نبتت مكانها سنّ فهو رباع و ذلك إذا استتم الرابعة، فإذا حان قروحه سقطت السن التي تلي رباعيته و نبت-

265

ثم تقول:

عامان ترقيق‏[1]و عام تمّما[2] # لم يترك‏[3]لحما و لم يترك دما

و لم يدع في رأس عظم ملدما[4] # إلا رذايا[5]و رجالا رزّما[6]

فخطبها مروان فتزوّجها، فولدت له بشر بن مروان.

/أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أحمد بن معاوية عن إسحاق بن أيّوب عن خليل‏[7]بن عجلان في خبر النّصيب مثل ما ذكره الزّبير و إسحاق سواء.

كان نصيب إذا أصاب شيئا من المال قسمه في مواليه و كان فيه كأحدهم و ظل كذلك حتى مات‏

أخبرني عمي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن العتبيّ قال:

دعا النّصيب مواليه أن يستلحقوه‏[8]فأبى، و قال: و اللّه لأن أكون مولى لائقا[9]أحبّ إلىّ من أن أكون دعيّا لاحقا. و قد علمت أنكم تريدون بذلك مالي، و و اللّه لا أكسب شيئا أبدا إلا كنت أنا و أنتم فيه سواء كأحدكم، لا أستأثر عليكم منه بشي‏ء أبدا. قال: و كان كذلك معهم حتى مات، إذا أصاب شيئا قسمه فيهم، فكان فيه كأحدهم.

نصيب و الفرزدق بحضرة سليمان بن عبد الملك‏

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا[الزّبيري، و حدّثنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدّثنا الزّبير][10]قال حدّثنا محمد بن إسماعيل الجعفريّ قال:

دخل النّصيب على سليمان بن عبد الملك و عنده الفرزدق، فاستنشد الفرزدق و هو يرى أنه سينشده مديحا له، فأنشده قوله يفتخر:

-مكانها نابه و هو قارحه، و ليس بعد القروح سقوط سنّ و لا نبات سنّ. قال: و إذا دخل الفرس في السادسة و استتم الخامسة فقد قرح.

[1]لعلها تريد وصف حالهم في هذين العامين برقة الحال و الضعف و الهزال، كأن الهزال ظل يأخذهم شيئا فشيئا حتى رقت حالهم، أو لعله محرّف عن ترميق، و تريد أنهم في هذين العامين لم يترك لهم الجدب إلا بمقدار ما يمسك رمقهم.

[2]تمم: أجهز.

[3]اتّرك بمعنى ترك.

[4]لعله محرّف عن مكدما. و الكدم: تمشمش العظم و تعرّقه. تعني أنه لم يبق على العظم لحم.

[5]الرذايا: جمع رذيّة و هي المرأة المهزولة؛ قال لبيد:

يأوي إلى الأطناب كل رذية # مثل البلية قالصا أهدامها

أراد كل امرأة أرذاها الجوع و السلال.

[6]رزم: جمع رازم، و هو الثابت على الأرض لا يستطيع النهوض هزالا.

[7]في حـ، ر: «خليد» .

[8]استلحق الولد: ادّعاه و ألحقه بنسبه.

[9]لائقا: لاصقا.

[10]زيادة في ت، و كذا في حـ، ر غير أن النص فيهما: أخبرني الحرميّ عن الزبير و حدّثني اليزيدي عن أبي خيثمة عن الزبير الخ.

266

و ركب كأنّ الريح تطلب عندهم # لها ترة من جذبها[1]بالعصائب‏[2]

/سروا يركبون الريح‏[3]و هي تلفّهم # على‏[4]شعب الأكوار من كلّ جانب‏[5]

إذا استوضحوا نارا يقولون ليتها # و قد خصرت أيديهم نار غالب‏

قال: و عمامته على رأسه مثل المنسف‏[6]؛ فغاظ سليمان و كلح‏[7]في وجهه، و قال لنصيب: قم فأنشد مولاك ويلك!فقام نصيب فأنشده قوله:

أقول لركب صادرين لقيتهم # قفا[8]ذات أوشال و مولاك قارب‏[9]

قفوا خبّروني عن سليمان إنّني # لمعروفه من أهل ودّان طالب

فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله # و لو سكتوا أثنت عليك الحقائب

و قالوا عهدناه و كلّ عشيّة # بأبوابه من طالب العرف راكب

هو البدر و الناس الكواكب حوله # و لا تشبه البدر المضي‏ء الكواكب‏

/فقال له سليمان: أحسنت و اللّه يا نصيب!و أمر له بجائزة و لم يصنع ذلك بالفرزدق. فقال الفرزدق و قد خرج من عنده:

و خير الشّعر أكرمه رجالا # و شرّ الشعر ما قال العبيد

النصيب و عبد العزيز بن مروان بجبل المقطم‏

/أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه [1]كذا في ت، حـ، و في سائر النسخ: «جذبهم» بميم الجمع.

[2]العصائب هنا: العمائم. و في «اللسان» (مادة عصب) :

و ركب كأن الريح تطلب منهم # لها سلبا من جذبها بالعصائب‏

أي تنقض ليّ عمائمهم من شدّتها، فكأنها تسلبهم إياها. و البيت في «ديوانه» كما في الأصل.

[3]في «ديوانه» المطبوع بأوروبا: «يخبطون الليل» .

[4]كذا في «ديوانه» . و في الأصول: «إلى» .

[5]في حـ، ر: «ذات الحقائب» . و في ت بعد هذا البيت ما نصه: «أنا أروى فيها بيتا رواه شيخي أبو زكريا رواه له أبو العلاء المعرّي بمعرّة النعمان:

يعضّون أطراف العصيّ كأنما # يمسّون بالأطراف شوك العقارب‏

أي لا يستطيع السابق-لعلها: الراكب و نحوه-أن يمسّ العصا بيده فيعضّها ما سكا لها بسنّه.

إذا استوضحوا نارا يقولون ليتها # و قد خصرت أيديهم نار غالب»

و قد وجد الناسخ هذه الزيادة بهامش بعض النسخ، فكتبها في الأصل كما هي؛ فإن المعروف أن أبا العلاء المعرّي ولد سنة 363 هـ و أبا الفرج الأصفهاني مات سنة 356 هـ.

[6]المنسف: «شي‏ء طويل متصوّب الصدر أعلاه مرتفع ينفض به الحبّ. و في «الأساس» المنسف الغربال الكبير.

[7]الكلح: التكشر في عبوس.

[8]قفا ذات أو شال: وراءها. و الأوشال: جمع وشل و هو الماء القليل.

[9]في «اللسان» : القارب: طالب الماء ليلا، و لا يقال ذلك لطالب الماء نهارا. و في «التهذيب» : القارب: الذي يطلب الماء، و لم يعين وقتا. و يريد بالمولى نفسه، و الخطاب لسليمان بن عبد الملك.

267

الزّهريّ‏[1]عن عمّه موسى بن عبد العزيز قال:

حمل عبد العزيز بن مروان النّصيب بالمقطّم (مقطّم مصر) على بختيّ قد رحله بغبيط[2]فوقه، و ألبسه مقطّعات‏[3] وشي، ثم أمره أن ينشد؛ فاجتمع حوله السّودان و فرحوا به، فقال لهم: أ سررتكم؟قالوا: إي و اللّه.

قال: و اللّه لما يسوؤكم من أهل جلدتكم أكثر.

نصيب و جرير

أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلاّم قال حدّثني أبو العرّاف قال:

مرّ جرير بنصيب و هو ينشد، فقال له: اذهب فأنت أشعر أهل جلدتك. قال: و جلدتك يا أبا حزرة.

هشام بن عبد الملك و نصيب‏

أخبرنا الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني أيّوب بن عباية قال:

بلغني أنّ النّصيب كان إذا قدم على هشام بن عبد الملك أخلى له مجلسه و استنشده مراثي بني أميّة، فإذا أنشده بكى و بكى معه. فأنشده يوما قصيدة له مدحه بها، يقول فيها:

/

إذا استبق الناس العلا سبقتهم # يمينك عفوا ثم صلّت‏[4]شمالها

فقال له هشام: يا أسود، بلغت غاية المدح فسلني. فقال: يدك بالعطيّة أجود و أبسط من لساني بمسألتك.

فقال: هذا و اللّه أحسن من الشعر، و حباه و كساه و أحسن جائزته.

نصيب و إعتاقه ذوي قرابته‏

أخبرني الحسين بن يحيى قال أخبرنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه أيّوب بن عباية قال:

أصاب نصيب من عبد العزيز بن مروان معروفا، فكتمه و رجع إلى المدينة في هيئة بذّة[5]، فقالوا: لم يصب بمدحه شيئا. فمكث مدّة، ثم ساوم بأمّه فابتاعها و أعتقها، ثم ابتاع أمّ أمّه‏[6]بضعف ما ابتاع به أمّه فأعتقها. و جاءه ابن خالة له اسمه سحيم فسأله أن يعتقه، فقال له: ما معي و اللّه شي‏ء، و لكنّي إذا خرجت أخرجتك معي، لعل اللّه أن يعتقك. فلمّا أراد الخروج دفع غلاما له إلى مولى سحيم يرعى إبله و أخرجه معه، فسأل في ثمنه فأعطاه و أعتقه.

فمرّ به يوما و هو يزفن‏[7]و يزمر مع السّودان، فأنكر ذلك عليه و زجره. فقال له: إن كنت أعتقتني لأكون كما تريد فهذا و اللّه ما لا يكون أبدا، و إن كنت أعتقتني لتصل رحمي و تقضي حقّي فهذا و اللّه الذي أفعله هو الذي أريده، [1]في حـ، ر: «الزبيريّ» . و قد تقدّم مرارا أنه عبد الرحمن بن عبد اللّه الزهريّ.

[2]الغبيط: الرحل، و هو للنساء يشدّ عليه الهودج و الجمع غبط.

[3]المقطعات من الثياب: شبه الجباب و نحوها من الخز و غيره؛ و منه قوله تعالى: (قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيََابٌ مِنْ نََارٍ) أي خيطت و سوّيت و جعلت لبوسا لهم. و المقطعات: واحدها مقطعة، و قيل لا واحد لها؛ فلا يقال للجبة مقطعة و لا للقميص مقطع، و إنما يقال لجملة الثياب مقطعات و الواحد ثوب.

[4]صلّت شمالها؛ جاءت تالية لليمين؛ و من ذلك المصلّى من خيل الحلبة، و هو الذي يجي‏ء بعد السابق لأن رأسه يلي صلا المتقدّم.

[5]البذاذة: رثاثة الهيئة.

[6]في ب، س: «أم أمامة» و في حـ، ر: «أمامة» و في م: «أم أبيه» .

[7]يزفن: يرقص.

268

أزفن و أزمر و أصنع ما شئت. فانصرف النّصيب و هو يقول:

إنّي أراني لسحيم قائلا # إنّ سحيما لم يثبني طائلا

نسيت إعمالي لك الرّواحلا # و ضربي الأبواب فيك سائلا!

/عند الملوك أستثيب النائلا # حتى إذا آنست عتقا عاجلا[1]

ولّيتني منك القفا و الكاهلا # أخلقا شكسا و لونا حائلا

استعجاله جائزة عند عبد العزيز بن مروان، و ليلى أم عبد العزيز

قال إسحاق: و أبطأت جائزة النّصيب عند عبد العزيز، فقال:

و إنّ وراء ظهري يا بن ليلى # أناسا ينظرون متى أءوب

أمامة منهم و لمأقييها[2] # غداة البين في أثري غروب‏[3]

تركت بلادها و نأيت عنها # فأشبه ما رأيت بها السّلوب‏[4]

فأتبع بعضنا بعضا فلسنا # نثيبك لكن اللّه المثيب‏

/فعجّل جائزته و سرّحه. قال إسحاق: فحدّثني ابن كناسة قال: ليلى أمّ عبد العزيز كلبيّة. و بلغني عنه أنه قال: لا أعطي شاعرا شيئا حتى يذكرها في مدحي لشرفها[5]؛ فكان الشعراء يذكرونها باسمها في أشعارهم.

شرف نصيب لشعره‏

أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه عن ابن عباية قال:

وقفت سوداء بالمدينة على نصيب و هو ينشد الناس، فقالت: بأبي أنت يا بن عمّ و أمّي!ما أنت و اللّه عليّ بخزي. فضحك و قال: و اللّه لمن يخزيك من بني عمّك أكثر ممّن يزينك.

خطبة ابن نصيب بنت سيده و ما فعله نصيب في ذلك‏

قال إسحاق و حدّثني ابن عبابة و غيره أنّ ابنا لنصيب خطب بعد وفاة سيّده الذي أعتقه بنتا له من أخيه، فأجابه إلى ذلك، و عرّف أباه. فقال له: اجمع وجوه الحيّ/لهذا[6]الحال فجمعهم. فلمّا حضروا أقبل نصيب على أخي سيّده فقال: أ زوّجت ابني هذا من ابنة أخيك؟قال نعم. فقال لعبيد له سود: خذوا برجل ابني هذا فجرّوه فاضربوه ضربا مبرّحا، ففعلوا و ضربوه ضربا مبرّحا. و قال لأخي سيّده: لو لا أنّي أكره أذاك لألحقتك به. ثم نظر إلى شابّ من أشراف الحيّ، فقال: زوّج هذا ابنة أخيك و عليّ ما يصلحهما في مالي، ففعل.

[1]في حـ، ر: «باتلا» أي باتا.

[2]مأق العين و مؤقها و موقها و مؤقيها و مأقيها: حرفها الذي يلي الأنف.

[3]الغروب: الدموع حين تخرج من العين، واحدها غرب.

[4]ظبية سلوب و سالب: سلبت ولدها. يريد: لما تركتها رأيتها أشبه الأشياء بالسّلوب التي فقدت ولدها من حزنها عليّ.

[5]في ت: «و ليشرّفها» . و لعل الواو زائدة من الناسخ.

[6]في ت، حـ، ر: «لهذه الحال» . و الحال يذكر و يؤنث.

269

نصيب و عبد الملك بن مروان حين أراد منادمته‏

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال:

دخل نصيب على عبد الملك فتغدّى معه، ثم قال: هل لك فيما نتنادم عليه؟فقال: تؤمّنني‏[1]ففعل.

فقال: لوني حائل، و شعري مفلفل، و خلقتي مشوّهة، و لم أبلغ ما بلغت من إكرامك إيّاي بشرف أب أو أمّ أو عشيرة، و إنما بلغته بعقلي و لساني. فأنشدك اللّه يا أمير المؤمنين أن‏[2]تحول بيني و بين ما بلغت به هذه المنزلة منك فأعفاه.

سبب تسميته بهذا الاسم‏

أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثني محمد بن صالح بن النّطّاح قال بلغني عن خلاّد بن مرّة عن أبي بكر بن مزيد قال:

لقيت النّصيب يوما بباب هشام، فقلت له: يا أبا محجن، لم سمّيت نصيبا، أ لقولك في شعرك عاينها[3] النّصيب؟فقال: لا، و لكني ولدت عند أهل بيت من ودّان، فقال سيّدي: ائتونا بمولودنا هذا لننظر إليه. فلمّا رآني قال: إنه لمنصب‏[4]الخلق؛ فسمّيت النّصيب، ثم اشتراني عبد العزيز بن مروان فأعتقني.

فصاحته و تخلصه إلى جيد الكلام‏

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن محمد بن كناسة أبي يحيى الأسديّ قال:

قال أبو عبد اللّه بن أبي إسحاق البصريّ: لئن وليت العراق لأستكتبنّ نصيبا لفصاحته و تخلّصه إلى جيّد الكلام.

صدق الحديث مع عبد العزيز بن مروان فأجازه‏

أخبرني الأسديّ قال حدّثني محمد بن صالح عن أبيه عن محمد بن عبد العزيز الزّهريّ‏[5]قال: حدّثني نصيب قال:

دخلت على عبد العزيز بن مروان، فقال: أنشدني قولك:

إذا لم يكن بين الخليلين ردّة[6] # سوى ذكر شي‏ء قد مضى درس الذّكر

فقلت: ليس هذا لي، هذا لأبي صخر الهذليّ، و لكنّي الذي أقول:

وقفت بذي دوران‏[7]أنشد ناقتي # و ما إن بها لي من قلوص و لا بكر

[1]في ت، حـ، ر: «تأمّلني» .

[2]في ب، س: «ألاّ تحول» و كلا التعبيرين صحيح (راجع الحاشية رقم 1 صفحة 167 من هذا الجزء) .

[3]كذا!و لم نعثر عليه في شعر نصيب.

[4]كذا في أكثر النسخ. و منصّب الخلق: مسوّاه مستقيمه. و في ب، س: «لنصيب الخلق» . و في حـ، ر: «لنصيب فسميت الخ» .

[5]في ت: «الزبيري» تحريف.

[6]الردّة هنا: البقية.

[7]كذا في حـ، و قد تقدّم الكلام على ذي دوران في الحاشية رقم 3 ص 80 و في سائر النسخ ودان. و قد تقدم الكلام على ودان في الحاشية رقم 2 ص 324 و ربما رجح الرواية الأولى أن ودان لم يرد في «معاجم البلدان» مصدرا بذي، على أنه تقدّم في أوّل ترجمته ـ

270

فقال لي عبد العزيز: لك جائزة على صدق حديثك، و جائزة على شعرك؛ فأعطاني على صدق حديثي ألف دينار، و على شعري ألف دينار.

أوصاف نصيب الجسمية

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن عثمان بن حفص عن أبيه قال: رأيت النّصيب و كان أسود خفيف العارضين ناتئ الحنجرة.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزّبير قال حدّثني إبراهيم بن يزيد[1]/السّعديّ عن جدّته جمال بنت عون بن مسلم عن أبيها عن جدّها قال:

/رأيت رجلا أسود مع امرأة بيضاء، فجعلت أعجب من سوداه و بياضها، فدنوت منه و قلت: من أنت؟قال:

أنا الذي أقول:

ألا ليت شعري ما الذي تحدثين بي # غدا غربة النأي المفرّق و البعد

لدى‏[2]أمّ بكر حين تقترب النّوى # بنا[3]ثم يخلو الكاشحون بها بعدي

أ تصرمني عند الألى هم لنا العدا[4] # فتشمتهم بي أم تدوم على العهد

قال: فصاحت: بل و اللّه تدوم على العهد. فسألت عنهما فقيل: هذا نصيب، و هذه أمّ بكر.

النصيب و عبد اللّه بن جعفر

أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا محمد بن صالح بن النّطّاح قال حدّثني أبو اليقظان عن جويرية بن أسماء قال:

أتى النّصيب عبد اللّه بن جعفر فحمله و أعطاه و كساه. فقال له قائل: يا أبا جعفر، أعطيت هذا العبد الأسود هذه العطايا!فقال: و اللّه لئن كان أسود إنّ ثناءه لأبيض، و إنّ شعره لعربيّ، و لقد استحقّ بما قال أكثر مما نال.

و ما ذاك!إنما هي رواحل تنضى‏[5]، و ثياب تبلى، و دراهم تفنى، و ثناء يبقى، و مدائح تروى! أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن المدائني قال قال أبو الأسود: امتدح نصيب عبد اللّه بن جعفر و ذكر مثله.

نصيب و النسوة اللائي أردن يسمعن شعرك‏

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الخرّاز عن المدائنيّ قال:

-في الصفحة المشار إليها أنه من أهل ودّان.

[1]في حـ، ر: «زيد» .

[2]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «أرى» و هو تحريف.

[3]كذا في ت، م، ء. و في سائر النسخ «لنا» .

[4]كذا في جميع النسخ، غير أنه في نخسة ت شطب لفظ الألى و وضع بدله الذين و شطبت كلمة «لنا» و هو بذلك مستقيم الوزن.

[5]تنضى: تهزل؛ يقال: أنضاه السفر أي هزله.

271

/قيل لنصيب: إنّ هاهنا نسوة يردن أن ينظرن إليك و يسمعن منك شعرك. قال: و ما يصنعن بي!يرين جلدة سوداء و شعرا أبيض، و لكن ليسمعن شعري من وراء ستر[1].

تغنى منقذ الهلالي بشعر نصيب‏

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن عثمان بن حفص عن رجل ذكره قال:

أتاني منقذ الهلاليّ ليلا، فضرب عليّ الباب. فقلت: من هذا؟فقال: منقذ الهلاليّ. فخرجت إليه فزعا.

فقال: البشرى. فقلت: و أيّ بشرى أتتني بك في هذا الليل؟فقال: خير، أتاني أهلي بدجاجة مشويّة بين رغيفين فتعشّيت بها، ثم أتوني بقنّينة من نبيذ قد التقى طرفاها صفاء و رقّة، فجعلت أشرب و أترنّم بقول نصيب:

بزينب ألمم قبل أن يظعن الرّكب‏

ففكّرت في إنسان يفهم حسنه و يعرف فضله، فلم أجد غيرك، فأتيتك مخبرا بذلك. فقلت: ما جاء بك إلا هذا؟!فقال: أولا يكفي!ثم انصرف.

عفة نصيب في شعره‏

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال:

قال مسلمة لنصيب: أنت لا تحسن الهجاء. فقال: بلى و اللّه، أ تراني لا أحسن أن أجعل مكان عافاك اللّه أخزاك اللّه؟!قال: فإنّ فلانا قد مدحته فحرمك فاهجه، قال: لا و اللّه ما ينبغي أن أهجوه، و إنما ينبغي أن أهجو نفسي حين مدحته. فقال مسلمة: هذا و اللّه أشدّ من الهجاء.

نصيب و عمر بن عبد العزيز في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم‏

أخبرني الحسين قال قال حمّاد: قرأت على أبي عن ابن عباية عن الضّحّاك الحزاميّ‏[2]قال:

دخل نصيب مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه يومئذ أمير المدينة، و هو جالس بين قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و منبره، فقال: أيّها الأمير، ائذن لي أن أنشدك من مراثي عبد العزيز. فقال: لا تفعل فتحزنني، و لكن أنشدني قولك. «قفا أخويّ» ؛ فإنّ شيطانك كان لك فيها ناصحا حين‏[3]لقّنك إيّاها. فأنشده:

صوت‏

قفا أخويّ إن الدار ليست # كما كانت بعهد كما تكون

ليالي تعلمان و آل ليلى # قطين الدار فاحتمل القطين‏[4]

فعوجا فانظرا أ تبين عمّا # سألناها به أم لا تبين‏

[1]في ت، حـ، ر: «من وراء وراء» .

[2]كذا في أكثر النسخ. و في ب، س: «الخزامي» بمعجمتين و هو تصحيف؛ إذ هو الضحاك بن عثمان بن عبد اللّه بن خالد بن حزام الأسدي الحزاميّ أبو عثمان المدنيّ، كما في «الخلاصة في أسماء الرجال» و «المشتبه في أسماء الرجال» للذهبي.

[3]كذا في حـ. و في سائر النسخ: «حتى» و المقام للأولى.

[4]القطين: السكان في الدار، و هو كالخليط لفظ الواحد و الجماعة فيه سواء.

272

فظلاّ واقفين و ظلّ دمعي # على خدّي تجود به الجفون‏[1]

فلو لا إذ[2]رأيت اليأس منها # بدا أن كدت ترشقك‏[3]العيون،

برحت‏[4]فلم يلمك الناس فيها # و لم تغلق كما غلق الرّهين‏

/في البيتين الأوّلين من هذه الأبيات و الأخيرين لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. و فيه للغريض خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو و يونس.

قصة نصيب مع امرأة عجوز بالجحفة كان يختلف إليها

أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه عن أيّوب بن عباية قال:

كان نصيب ينزل على عجوز بالجحفة إذا قدم من الشأم، و كان لها بنيّة صفراء و كان يستحليها، فإذا قدم وهب لها دراهم و ثيابا غير ذلك. فقدم عليهما قدمة و بات بهما، فلم يشعر إلا بفتى قد جاءها ليلا فركضها برجله، فقامت معه فأبطأت ثم عادت، و عاد إليها بعد ساعة فركضها برجله فقالت معه فأبطأت ثم عادت. فلمّا أصبح نصيب رأى أثر معتركهما و مغتسلهما. فلما أراد أن يرتحل قالت له العجوز و بنتها: بأبي أنت!عادتك. فقال لها:

أراك طموح العين ميّالة الهوى # لهذا و هذا منك ودّ ملاطف

فإن تحملي ردفين لا أك منهما # فحبّي فرد[5]لست ممن يرادف‏

و لم يعطها شيئا و رحل.

حديث النصيب مع امرأة من ملل كان الناس ينزلون عندها

قال أيّوب: و كانت بملل امرأة ينزل بها الناس، فنزل بها أبو عبيدة بن عبد اللّه‏[6]بن زمعة و عمران بن عبد اللّه بن مطيع و نصيب فلمّا رحلوا وهب لها القرشيّان و لم يكن مع نصيب شي‏ء، فقال لها: اختاري إن شئت أن أضمن لك مثل ما أعطياك إذا قدمت، و إن شئت قلت فيك أبياتا تنفعك. قالت: بل الشّعر أحبّ إليّ. فقال:

/ألا حيّ قبل البين أمّ حبيب # و إن لم تكن منّا غدا بقريب

لئن لم يكن حبّيك حبّا صدقته # فما أحد عندي إذا بحبيب

تهام‏[7]أصابت قلبه ملليّة # غريب الهوى يا ويح كلّ غريب‏

[1]في ت، حـ، ر: «الشئون» جمع شأن و هو مجرى الدمع في العين.

[2]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «أن» . و الظاهر أن «لو لا» هنا للتحضيض، مثلها في قوله تعالى: (لَوْ لاََ تَسْتَغْفِرُونَ اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) .

[3]ترشقك العيون: تحدّ النظر إليك كأنها ترميك بسهام لحظها.

[4]كذا في ت. و في سائر النسخ: «ترحت» . و لعل أصلها «نزحت» .

[5]هكذا في جميع النسخ. و في «الحماسة الصغرى» لأبي تمام المعروفة «بالوحشيات» النسخة الفتو غرافية المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 2297 أدب ص 242 «فجبي بردف» .

[6]كذا في أكثر النسخ، و مثله ما في ياقوت (مادة ملل) و في ر، س: «عبد الملك» .

[7]كذا في حـ، ر و ياقوت (مادة ملل) . و تهامة ينسب إليها فيقال: رجل تهاميّ بالكسر و تهام بالفتح. و قال الجوهري: إذا فتحت التاء لم تشدّد الياء كما قالوا رجل يمان و شآم، إلا أن الألف في تهام من لفظها، و الألف في يمان و شآم عوض من ياء النسبة (و هكذا في مادة تهم من «لسان العرب» و «شرح القاموس» ) . قال المرتضى: و وجدت بخط أبي زكريا ما نصه: الصواب من إحدى ياءي

273

فشهرها بذلك، فأصابت بقوله ذلك فيها خيرا.

النصيب و عمر بن عبد العزيز و قد نهاه عن التشبيب بالنساء

قال أيّوب: و دخل النّصيب على عمر بن عبد العزيز-رحمة اللّه عليه-بعد ما ولي الخلافة. فقال له: إيه يا أسود!أنت الذي تشهّر النساء بنسيبك!فقال: إنّي قد تركت ذلك يا أمير المؤمنين، و عاهدت اللّه عزّ و جلّ الاّ أقول نسيبا، و شهد له بذلك من حضر و أثنوا عليه خيرا. فقال: أمّا إذ كان الأمر هكذا فسل حاجتك. فقال: بنيّات لي نفضت عليهنّ سوادي فكسدن، أرغب بهنّ عن السّودان و يرغب عنهنّ البيضان. قال: فتريد ما ذا؟قال: تفرض لهنّ، ففعل. قال: و نفقة لطريقي. قال: فأعطاه حلية سيفه و كساه ثوبيه، و كانا يساويان ثلاثين درهما.

اجتماع النصيب و الكميت ذي الرمّة و تناشدهم الشعر

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا/عمر بن شبّة عن إسحاق الموصليّ عن ابن كناسة قال: /اجتمع النّصيب و الكميت و ذو الرّمّة، فأنشدهما الكميت قوله:

هل أنت عن طلب الأيفاع‏[1]منقلب‏

حتى بلغ إلى قوله فيها:

أم هل ضغائن بالعلياء[2]نافعة # و إن تكامل فيها الأنس و الشّنب‏[3]

فعقد نصيب واحدة. فقال له الكميت: ما ذا تحصي؟قال: خطأك، باعدت في القول، ما الأنس من الشّنب، أ لا قلت كما قال ذو الرّمّة:

لمياء[4]في شفتيها حوّة[5]لعس‏[6] # و في اللّثات و في أنيابها شنب‏

-النسب. و في «المحكم» : النسب إلى تهامة تهامي و تهام على غير قياس، كأنهم بنوا الاسم على تهمي أو تهمي، ثم عوّضوا الألف قبل الطرف من إحدى الياءين اللاحقتين بعدها، و هذا قول الخليل أ هـ (راجع «اللسان» و «شرح القاموس» مادة تهم» . و في سائر النسخ: «سهام» و هو تحريف.

[1]كذا في أكثر النسخ. و يريد بالأيفاع الكواعب التي شارفت البلوغ. و في حـ، ء: «الإيقاع» و في ر: «الإبقاع» ، و لعلهما تصحيف.

و تمام البيت كما في «الأغاني» ج 15 في ترجمة الكميت:

أم كيف يحسن من ذي الشيبة اللعب‏

[2]العلياء: اسم بلد، كما في «اللسان» مادة سند في الكلام على السند في شعر النابغة

يا دارمية بالعلياء فالسند

و لم يذكره ياقوت و البكري في «معجميهما» .

[3]الشنب: رقة و برد و عذوبة في الأسنان. و قد روى هذا البيت في كتاب «الموشح» لأبي عبيد اللّه محمد بن عمران بن موسى المرزباني المخطوط المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 3293 كما هنا، ثم رواه من طريق آخر قال: أخبرني محمد بن أبي الأزهر قال حدّثنا محمد بن يزيد النحوي قال: حدّثت أن الكميت بن زيد أنشد نصيبا فاستمع له، فكان فيما أنشده.

و قد رأينا بها حورا منعمة # بيضا تكامل فيها الدّل و الشنب‏

فثنى نصيب خنصره، فقال له الكميت: ما تصنع؟قال: أحصي خطأك!تباعدت في قولك: تكامل فيها الدل و الشنب، هلا قلت كما قال ذو الرمة:

لمياء في شفتيها حوّة لعس‏

الخ.

[4]اللمياء: بيّنة اللمى، و هو سمرة الشفتين و اللثات.

[5]الحوّة: سمرة الشفة.

[6]اللعس: سواد اللثة و الشفة في حمرة، و هو بدل مما قبله.

274

ثم أنشدهما قوله:

أبت هذه النفس إلاّ ادّكارا

/حتى بلغ إلى قوله:

إذا ما الهجارس‏[1]غنّينها # تجاوبن بالفلوات الوبارا[2]

فقال له النّصيب: و الوبار لا تسكن الفلوات. ثم أنشد حتى بلغ منها:

كأنّ الغطامط[3]من غليها # أراجيز أسلم تهجو غفارا[4]

فقال النّصيب: ما هجت أسلم غفارا قطّ[5]، فانكسر الكميت و أمسك.

نصيب و عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري‏

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبيّ:

أنّ نصيبا مدح عبد الرحمن بن الضّحّاك بن قيس الفهريّ، فأمر له بعشر قلائص‏[6]، و كتب بها إلى رجلين من الأنصار، و اعتذر إليه و قال له: و اللّه ما أملك إلاّ رزقي، و إني لأكره أن أبسط يدي في أموال هؤلاء القوم.

فخرج حتّى أتى/الأنصاريّين فأعطاهما الكتاب مختوما. فقرآه و قالا: قد أمر لك بثمان قلائص، و دفعا ذلك إليه.

ثم عزل و ولّي مكانه رجل من بني نصر بن هوازن، فأمر بأن يتتبّع ما أعطى ابن الضّحّاك و يرتجع، فوجد باسم نصيب عشر قلائص، فأمر بمطالبته بها. فقال: و اللّه ما دفع إليّ إلا ثماني قلائص فقال: و اللّه ما تخرج من الدّار حتى تؤدّي عشر قلائص أو أثمانها، فلم يخرج حتى قبض ذلك منه. فلمّا قدم على هشام سمر عنده ليلة و تذاكروا النّصريّ، فأنشده قوله فيه:

أ في قلائص جرب‏[7]كنّ من‏[8]عمل # أردى و تنزع من أحشائي الكبد

[1]الهجارس: جمع هجرس و هو القرد و الثعلب أو ولده، و هو الدب أيضا، أو هو من السباع كل ما يعسعس بالليل مما كان دون الثعلب و فوق اليربوع.

[2]الوبار: جمع وبر (بسكون الباء) و هو دويبّة على قدر السنور غبراء أو بيضاء من دواب الصحراء حسنة العينين شديدة الحياء تكون بالغور و الأنثى وبرة. كذا في «اللسان» (مادة «وبر» ) ، و هو لا يتفق مع نقد نصيب أنّ هذه الدابة لا تسكن الفلوات. و لعل المناسب في بيانها هنا ما نقله صاحب «اللسان» عن الجوهري من أنها دابة طحلاء اللون (كلون الطحال) لا ذنب لها تدجن في البيوت.

[3]الغطامط بضم الغين: صوت غليان القدر، و قد قيل إن الميم زائدة. قال المرتضى نقلا عن العباب: و البيت للكميت يصف به قدور أبان بن الوليد البجلي.

[4]أسلم و غفار: قبيلتان.

[5]قد أورد ابن جني في الجزء الثاني ص 123 من كتاب «الخصائص» المخطوط المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 5 نحوش هذا النقد و سكت عليه، و كذلك السيوطي في «المزهر» طبع بولاق ج 2 ص 250 و لكن السيد مرتضى في مادة غطمط من «شرح القاموس» نقل عن «العباب» ما نصه: و قيل وردت غفار و أسلم إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فلما صاروا في الطريق قالت غفار لأسلم: انزلوا بنا.

فلما حطت أسلم رحلها مضت غفار فلم تنزل فسبوهم، فلما رأت ذلك أسلم ارتحلوا و جعلوا يرجزون بهجائهم أ هـ.

[6]في ت، أ، ء: «فرائض» جمع فريضة و هي القلوص التي تكون بنت سنة؛ و إنما سمت كذلك لأنها فرضت في خمس و عشرين من الإبل تؤخذ فيها زكاة، فهي مفروضة و فريضة، و أدخلت فيها الهاء لأنها جعلت اسما لا نعتا.

[7]في ت، أ، م، ى: «حور» : جمع حوراء و هي البيضاء.

[8]كذا في جميع النسخ. و لعله: «في عمل» .

275

ثمانيا كنّ في أهلي و عندهم # عشر فأيّ كتاب بعدنا و جدوا

أخانني أخوا الأنصار فانتقصا # منها فعندهما الفقد[1]الذي فقدوا

و إنّ عاملك النّصريّ كلّفني # في غير نائرة[2]دينا له صعد[3]

أذنب غيري و لم أذنب يكلّفني # أم كيف أقتل لا عقل و لا قود

قال: فقال هشام: لا جرم و اللّه، لا يعمل لي النّصريّ عملا أبدا، فكتب بعزله عن المدينة.

شعر لنصيب في الجفر من نواحي ضرية

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرنا الزّبير بن بكّار إجازة عن هارون بن عبد اللّه الزّبيريّ عن شيخ من الجفر[4]قال:

/قدم علينا النّصيب فجلس في هذا المجلس و أومأ إلى مجلس حذاءه، فاستنشدناه، فأنشدنا قوله:

ألا يا عقاب الوكر وكر ضريّة[5] # سقتك‏[6]الغوادي من عقاب و من وكر

/تمرّ الليالي ما مررن و لا أرى # مرور الليالي منسياتي ابنة النّضر

وقفت بذي دوران‏[7]أنشد ناقتي # و ما لي لديها من قلوص و لا بكر

و ما أنشد الرّعيان إلا تعلّة # بواضحة الأنياب طيّبة النّشر

أما و الذي نادى من الطّور عبده # و علّم أيّام المناسك و النّحر

لقد زادني للجفر حبّا و أهله # ليال أقامتهنّ ليلى على الجفر

نصيب و عبد الملك بن مروان‏

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال أخبرني عمر بن إبراهيم السّعديّ عن يوسف بن يعقوب بن العلاء بن سليمان عن‏[8]سلمة بن عبد اللّه بن أبي مسروح قال:

قال عبد الملك بن مروان لنصيب أنشدني، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

و مضمر الكشح يطويه الضّجيع به # طيّ الحمائل لا جاف و لا فقر[9]

[1]كذا في ت، حـ، ر. و لعله هنا بمعنى المفقود. و في سائر النسخ: «النقد الذي نقدوا» .

[2]النائرة: الحقد و العداوة.

[3]كذا في أ، ب، ء، م. و الصعد هنا: المشقة؛ و منه قوله تعالى: (وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذََاباً صَعَداً) . و الصّعد أيضا:

الصعود. و لعله يشير بذلك إلى الزيادة في الدين الذي تقاضوه إياه، كما هو مبين بالقصة. و في سائر النسخ: «صفد» و الصفد:

القيد.

[4]الجفر: موضع بناحية ضرية من نواحي المدينة.

[5]ضرية: قرية عامرة قديمة على وجه الدهر في طريق مكة من البصرة و نجد.

[6]في «اللسان» مادة ضرا: «سقيت الغوادي» .

[7]كذا في أكثر النسخ. و في ت: «بذي ودّان» (انظر الحاشية رقم 3 ص 342 من هذا الجزء) .

[8]كذا في ر. و في سائر النسخ: «ابن سلمة» .

[9]فقر من باب تعب: اشتكى فقاره.

276

و ذي روادف لا يلغي الإزار بها # يلوى و لو كان سبعا حين يأتزر

فقال له عبد الملك: يا نصيب، من هذه؟قال: بنت عمّ لي نوبيّة، لو رأيتها ما شربت من يدها الماء. فقال له: لو غير هذا قلت لضربت الذي فيه عيناك.

رحلة نصيب إلى عبد العزيز بن مروان كل عام يستميحه العطاء

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا الحارث بن محمد بن أبي أسامة قال حدّثنا المدائنيّ قال:

/كان عبد العزيز بن مروان اشترى نصيبا و أهله و ولده فأعتقهم، و كان نصيب يرحل إليه في كلّ عام مستميحا[1]فيجيزه و يحسن صلته. فقال فيه نصيب:

يقول فيحسن القول ابن ليلى # و يفعل فوق أحسن ما يقول

فتى لا يرزأ[2]الخلاّن إلاّ # مودّتهم و يرزؤه الخليل

فبشّر أهل مصر فقد أتاهم # مع النّيل الذي في مصر نيل‏

نصيب و شاعر هجاه من أهل الحجاز

أخبرني هاشم بن محمد بن هارون بن عبد اللّه بن مالك الخزاعيّ أبو دلف قال حدّثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمّه قال:

كان نصيب يكنى أبا الحجناء، فهجاه شاعر من أهل الحجاز فقال:

رأيت أبا الحجناء في الناس حائرا # و لون أبي الحجناء لون البهائم

تراه على ما لاحه من سواده # و إن كان مظلوما له وجه ظالم‏

فقيل لنصيب: أ لا تجيبه!فقال: لا، و لو كنت هاجيا لأحد لأجبته و لكن اللّه أوصلني بهذا الشعر إلى خير، فجعلت على نفسي ألاّ أقوله في شرّ[3]، و ما وصفني إلا بالسواد و قد صدق. أ فلا أنشدكم ما وصفت به نفسي؟ قالوا بلى. فأنشدهم قوله:

ليس السواد بناقصي ما دام لي # هذا اللسان إلى فؤاد ثابت

من كان ترفعه منابت أصله # فبيوت أشعاري جعلن منابتي

كم بين أسود ناطق ببيانه # ماضي الجنان و بين أبيض صامت

إنى ليحسدني الرفيع بناؤه # من فضل ذاك و ليس بي من شامت‏

و يروى مكان «من فضل ذاك» ، «فضل البيان» و هو أجود.

/أخبرني عمّي و محمد بن خلف/قالا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني سعيد بن يحيى الأمويّ قال [1]استماحه: سأله العطاء. و في ر: مستمنحا» .

[2]أي لا يصيب منهم إلا الودّ.

[3]في ر، حـ: «في سوء» .

277

حدّثني عمّي عن محمد بن سعد قال:

قال قائل للنّصيب: أيّها العبد، مالك و للشّعر؟!فقال: أمّا قولك عبد فما ولدت إلا و أنا حرّ، و لكن أهلي ظلموني فباعوني. و أمّا السواد فأنا الذي أقول:

و إن أك حالكا لوني فإنّي # لعقل غير ذي سقط وعاء

و ما نزلت بي الحاجات إلاّ # و في‏[1]عرضي من الطّمع الحياء

شعر النصيب في جارية طلبت منه أن يشبب بها

أخبرني محمد بن مزيد[2]قال حدّثنا حمّاد عن أبيه قال حدّثت عن السّدوسيّ قال: وقف نصيب على أبيات فاستسقى ماء، فخرجت إليه جارية بلبن أو ماء فسقته، و قالت: شبّب بي. فقال: و ما اسمك؟فقالت: هند. و نظر إلى جبل و قال: ما اسم هذا العلم؟قالت: قنا. فأنشأ يقول:

أحبّ قنا[3]من حبّ هند و لم أكن # أبالي أقربا زاده اللّه أم بعدا

ألا إنّ بالقيعان من بطن ذي قنا # لنا حاجة مالت إليه بنا عمدا

أروني قنا أنظر إليه فإنّني # أحبّ قنا إنّي رأيت به هندا

قال: فشاعت هذا الأبيات، و خطبت هذه الجارية من أجلها، و أصابت بقول نصيب فيها خيرا كثيرا.

قصة نصيب مع جارية خطبها فأبت ثم تزوّجته‏

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل بن نبيه قال حدّثنا محمد بن سلاّم قال:

/دخل نصيب على يزيد بن عبد الملك، فقال له: حدّثني يا نصيب ببعض ما مرّ عليك. فقال: نعم، يا أمير المؤمنين!علّقت جارية حمراء، فمكثت‏[4]زمانا تمنّيني بالأباطيل، فلمّا ألححت عليها قالت: إليك عنّي، فو اللّه لكأنّك من طوارق‏[5]الليل. فقلت لها: و أنت و اللّه لكأنّك من طوارق النهار. فقالت: ما أظرفك يا أسود!فغاظني قولها، فقلت لها: هل تدرين ما الظّرف؟إنما الظّرف العقل. ثم قالت لي: انصرف حتّى أنظر في أمرك. فأرسلت إليها هذه الأبيات:

فإن أك حالكا فالمسك أحوى # و ما لسواد جلدي من دواء

و لي كرم عن الفحشاء ناء[6] # كبعد الأرض من جوّ السّماء

و مثلي في رجالكم قليل # و مثلك ليس يعدم في النّساء

[1]كذا في جميع النسخ. و لعله محرّف عن «وقى» بالقاف.

[2]في ت: «يزيد» .

[3]كذا في ت. و هو جبل لبني فزارة. و في سائر النسخ: «قبا» بالباء و هو تصحيف.

[4]كذا في ت و هو أجود. و في سائر النسخ: «فمكثت عندها زمانا» .

[5]طوارق الليل: مصائبه التي تفجأ فيه. و في الحديث: «أعوذ بك من طوارق الليل إلا طارقا يطرق بخير» .

[6]في ت، حـ، ر: «ناب» . ـ

278

فإن ترضي فردّي قول راض # و إن تأبي فنحن على السّواء

قال: فلمّا قرأت الشّعر قالت: المال و الشعر[1]يأتيان على غيرهما، فتزوّجتني.

استجادة الأصمعيّ شعرا لنصيب‏

أخبرنا هاشم بن محمد قال حدّثنا الرّياشيّ قال:

أنشدنا الأصمعيّ لنصيب و كان يستجيد هذه الأبيات و يقول إذا أنشدها: قاتل اللّه نصيبا ما أشعره!.

فإن يك من لوني السّواد فإنّني # لكالمسك لا يروى من المسك ذائقه

و ما ضرّ أثوابي سوادي و تحتها # لباس من العلياء بيض بنائقه‏[2]

إذا المرء لم يبذل من الودّ مثل ما # بذلت له فاعلم بأنّي مفارقه‏

نصيب و جرير

أخبرني الفضل بن الحباب أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلاّم عن خلف: أنّ نصيبا أنشد جريرا شيئا من شعره، فقال له: كيف ترى يا أبا حرزة؟فقال له: أنت أشعر أهل جلدتك.

نصيب و الوليد بن عبد الملك‏

/أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران بن محمد[3]عن المسور بن عبد الملك قال:

قال نصيب لعبد الرحمن بن أزهر: أنشدت الوليد بن عبد الملك‏[4]، فقال لي: أنت أشعر أهل جلدتك، و اللّه ما زاد عليها!فقال لي عبد الرحمن: يا أبا محجن، أ فرضيت منه أن جعلك أشعر السّودان فقط؟فقال له: وردت و اللّه يا بن أخي أنه أعطاني أكثر من هذا، و لكنّه لم يفعل و لست بكاذبك.

نصيب و وصفه لشعره و شعر غيره من معاصريه‏

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد[5]قال حدّثنا أبو حاتم قال أخبرنا أبو عبيدة قال:

قال لي محمد بن عبد ربّه: دخلت مسجد الكوفة، فرأيت رجلا لم أر قطّ مثله و لا أشدّ سوادا منه، و لا أنقى ثيابا منه، و لا أحسن زيّا. فسألت عنه، فقيل: هذا نصيب. فدنوت منه فحدّثته، ثم قلت له: أخبرني عنك و عن أصحابك. فقال: جميل إمامنا، و عمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربّات الحجال، و كثيّر أبكانا على الدّمن و أمدحنا [1]في حـ، ر: «و العقل» .

[2]البنائق: جمع بنيقة و هي طوق الثوب الذي يضم النحر و ما حوله و هو الجربّان، و تجمع أيضا على بنيق بحذف الهاء، قال الشاعر:

قد أغتدي و الصبح ذو بنيق‏

قال في «اللسان» : جعل له بنيقا على التشبيه ببنيقة القميص لبياضها.

[3]هذه الكلمة «بن محمد» ساقطة من ت، حـ، ر.

[4]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «عن المسور بن عبد الملك عن النصيب قال: دخلت على عبد العزيز بن مروان فقال لي الخ» .

[5]كذا في سائر النسخ. و في ت: «ذويد» بذال معجمة فواو، و قد سمي به، كما في «القاموس» .

279

للملوك، و أمّا أنا فقد قلت ما سمعت. فقلت له: إنّ الناس يزعمون أنك لا تحسن أن تهجو. فضحك ثم قال: أ فتراهم يقولون: إنّي لا[1]أحسن أن أمدح؟فقلت لا. فقال: أ فما تراني أحسن أن أجعل مكان عافاك اللّه /أخزاك اللّه؟قال قلت بلى. قال: فإنّي رأيت الناس رجلين: إمّا رجل‏[2]لم أسأله شيئا فلا ينبغي أن أهجوه فأظلمه، و إمّا رجل سألته فمنعني فنفسي كانت أحقّ بالهجاء، إذ سوّلت لي أن سأله و أن أطلب ما لديه.

نصيب و كثير و الأحوص في مجلس امرأة من بني أميّة

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني عبد اللّه بن إسماعيل بن أبي عبيد[3]اللّه كاتب المهديّ قال: وجدت في كتاب أبي بخطّه: حدّثني أبو يوسف التّجيبيّ‏[4]قال حدّثني إسماعيل بن المختار مولى آل طلحة و كان شيخا كبيرا قال:

حدّثني النّصيب أبو محجن أنه خرج هو و كثيّر و الأحوص غبّ يوم أمطرت فيه السماء، فقال: هل لكم في أن نركب جميعا فنسير حتّى نأتي العقيق فنمتّع فيه أبصارنا؟فقالوا نعم. فركبوا أفضل ما يقدرون عليه من الدّوابّ، و لبسوا أحسن ما يقدرون عليه من الثياب، و تنكّروا ثم ساروا حتّى أتوا العقيق، فجعلوا يتصفّحون‏[5] و يرون بعض ما يشتهون، حتّى رفع لهم سواد عظيم فأمّوه حتى أتوه، فإذا وصائف و رجال من الموالي و نساء بارزات، فسألنهم أن ينزلوا، فاستحيوا أن يجيبوهنّ من أوّل وهلة، فقالوا: لا نستطيع أو نمضي في حاجة لنا.

فحلّفنهم أن يرجعوا إليهنّ، ففعلوا و أتوهّن، فسألنهم النزول فنزلوا. و دخلت امرأة من النساء/فاستأذنت لهم، فلم تلبث أن جاءت المرأة فقالت: ادخلوا. فدخلنا على امرأة جميلة برزة على فرش لها، فرحّبت و حيّت، و إذا كراسيّ موضوعة، فجلسنا جميعا في صفّ واحد كلّ إنسان على كرسيّ. فقالت: إن أحببتم أن ندعو بصبيّ لنا فنصيّحه و نعرك‏[6]أذنه فعلنا، و إن شئتم بدأنا بالغداء[7]. فقلنا: بل تدعين بالصبيّ و لن يفوتنا الغداء. فأومأت بيدها إلى بعض الخدم، فلم يكن إلا كلا و لا[8]حتّى جاءت جارية جميلة قد [1]في حـ، ر: «أ فتراهم يقولون: إني أحسن أن أمدح فقلت: نعم» .

[2]كذا في أكثر النسخ: «رجل» بالرفع على أنه خبر لمبتدإ و محذوف و التقدير: هما إما رجل الخ و في حـ، ر: إما رجلا بالنصب على أنه بدل مما قبله.

[3]في حـ، ر: «عبد اللّه بن أبي إسماعيل بن أبي عبد اللّه» . و في م، ء، أ: «عبد اللّه بن إسماعيل بن أبي عبيد» . و كلاهما تحريف، إذ هو أبو عبيد اللّه الدمشقي الحافظ معاوية بن عبيد اللّه بن يسار الأشعريّ كاتب المهديّ. (انظر «تهذيب التهذيب» في ترجمة معاوية بن صالح بن الوزير، و ابن جرير الطبريّ طبع أوروبا القسم الثالث ص 351 و 352 و 355) .

[4]نسبة إلى تجيب، و هي قبيلة من كندة. و التجيبيون أمهم تجيب بنت ثوبان بن سليم بن رها من مذحج. و في أ، ت: «الحسى» و في م: «الحسيّ» . و في ء: «الحتبي» . و لعل كل ذلك محرّف عن الحيني نسبة إلى مدينة حينة، ذكره الحافظ الذهبيّ و قال: لا أعرفه. (انظر «شرح القاموس» مادة حين) .

[5]تصفحت الشي‏ء: نظرت إليه لأتعرّفه.

[6]عرك الأذن: دلكها. و هي تقصد العود.

[7]الغداء: طعام أوّل النهار ضدّ العشاء.

[8]قال في «اللسان» (مادة لا) : و العرب إذا أرادوا تقليل مدة فعل أو ظهور شي‏ء خفي قالوا: كان نعله كلا، و ربما كرروا فقالوا: كلا و لا. و من الأول قوله:

أصاب خصاصة فبدا كليلا # كلا و انغلّ سائره انغلالا

و من الثاني:

يكون نزول القوم فيها كلا و لا

280

سترت‏[1]بمطرف، فأمسكوه عليها حتى ذهب بهرها[2]، ثم كشف عنها و إذا جارية ذات جمال قريبة من جمال مولاتها، فرحّبت بهم و حيّتهم، فقالت لها مولاتها: خذي-ويحك-من قول النّصيب عافى اللّه أبا محجن‏[3]:

/

ألا هل من البين المفرّق من بدّ # و هل مثل أيّام بمنقطع السّعد[4]

تمنّيت أيّامي أولئك، و المنى # على عهد عاد ما تعيد و لا تبدي‏[5]

/فغنّته، فجاءت به كأحسن ما سمعته قطّ بأحلى لفظ و أشجى صوت. ثم قالت لها: خذي أيضا من قول أبي محجن عافى اللّه أبا محجن:

أرق المحبّ و عاده سهده # لطوارق الهمّ التي ترده

و ذكرت من رقّت له كبدي # و أبى فليس ترقّ لي كبده

لا قومه قومي و لا بلدي # -فنكون حينا جيرة-بلده

و وجدت وجدا لم يكن أحد # قبلي من اجل صبابة يجده‏[6]

إلاّ ابن عجلان‏[7]الذي تبلت‏[8] # هند ففات‏[9]. بنفسه كمده‏

قال: فجاءت به أحسن من الأوّل، فكدت أطير سرورا. ثم قالت لها: ويحك!خذي من قول أبي محجن عافى اللّه أبا محجن:

فيا لك من ليل تمتّعت طوله # و هل طائف من نائم متمتّع‏[10]

نعم إنّ ذا شجو متى يلق شجوه # و لو نائما مستعتب‏[11]أو مودّع‏

[1]كذا في حـ، ر. و في سائر النسخ: «قد سترت عليها بمطرف» .

[2]يريد حتى هدأ روعها و اطمأنّت.

[3]في ر: «خذي العود ويحك و غنى من قول النصيب عافى اللّه أبا محجن» .

[4]منقطع المكان: حيث ينقطع و ينتهي. و السعد: موضع معروف قريب من المدينة بينهما ثلاثة أميال، كانت غزاة ذات الرقاع قريبة منه. و قال نصر: سعد: جبل بالحجاز بينه و بين الكديد ثلاثون ميلا، و عنده قصر و منازل و سوق و ماء عذب على جادّة طريق كان يسلك من فيد إلى المدينة. قال: و الكديد على ثلاثة أميال من المدينة. و أورد ياقوت بيتي نصيب:

و هل مثل أيام بنعف سويقة # عوائد أياما كما كنّ بالسعد

تمنيت أنا من أولئك و المنى # على عهد عاد ما تعيد و لا تبدي‏

[5]ما تعيد و لا تبدي، أي لا تأتي بعائدة و لا بادئة. يريد أنه لا نفع فيها.

[6]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ‏

: «... لم يكن أحد # من أجله بصبابة يجده» .

[7]يريد عمرو بن العجلان بن عامر بن برد بن منبه أحد بني كاهل بن لحيان بن هذيل المعروف بعمرو ذي الكلب. قال محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي: إنه سمي ذا الكلب لأنه كان له كلب لا يفارقه. و عن الأثرم عن أبي عبيدة أنه قال: لم يكن له كلب لا يفارقه، إنما خرج غازيا معه كلب يصطاد به، فقال له أصحابه: يا ذا الكلب، فثبتت عليه. قال: و من الناس من يقول له: عمرو الكلب و لا يقول فيه «ذا» . (راجع نسب عمرو ذي الكلب و أخباره في الجزء المتم العشرين من «الأغاني» ) .

[8]في «أمالي القالي» الطبعة الأولى الأميرية ج 2 ص 223 شعر لقيس بن ذريح:

و في عروة العذريّ إن مت أسوة # و عمرو بن عجلان الذي قتلت هند

[9]أي ذهب كمده بنفسه و أتى عليها فأهلكها.

[10]لعلها:

و هل نائم من طائف متمتع‏

.

[11]الاستعتاب: طلب العتبى، يقال: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني.

281

له حاجة قد طالما قد أسرّها # من الناس في صدر بها يتصدّع

/تحمّلها طول الزمان لعلّها # يكون لها يوما من الدهر منزع

و قد قرعت في أمّ عمرو لي‏[1]العصا # قديما كما كانت لذي الحلم تقرع‏[2]

قال: فجاءت‏[3]و اللّه بشي‏ء حيّرني و أذهلني طربا لحسن الغناء و سرورا باختيارها الغناء في شعري، و ما سمعت فيه من حسن الصّنعة و جودتها و إحكامها. ثم قالت لها: خذي أيضا من قول أبي محجن، عافى اللّه أبا محجن:

يا أيّها الرّكب إنّي غير تابعكم # حتى تلمّوا و أنتم بي ملمّونا

فما أرى مثلكم ركبا كشكلكم # يدعوهم ذو هوى إلاّ يعوجونا

أم خبّروني عن دائي‏[4]بعلمكم # و أعلم النّاس بالداء الأطبّونا[5]

قال نصيب: فو اللّه لقد زهيت‏[6]بما سمعت زهوا خيّل إليّ أنيّ من قريش، و أنّ الخلافة لي. ثم قالت:

حسبك يا بنيّة!هات الطعام يا غلام!فوثب الأحوص و كثيّر و قالا: و اللّه لا نطعم لك طعاما و لا نجلس لك في مجلس؛ فقد أسأت عشرتنا و استخففت بنا، و قدّمت شعر هذا على أشعارنا، و استمعت‏[7]الغناء فيه، و إن في أشعارنا لما يفضل شعره، و فيها من الغناء ما هو أحسن من هذا. فقالت: على معرفة كلّ ما كان منّي، فأيّ شعركما أفضل من شعره؟أقولك يا أحوص:

(يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها # و أحسن شي‏ء ما به العين قرّت‏

أو قولك يا كثيّر في عزّة:

و ما حسبت ضمريّة جدويّة[8] # سوى التّيس ذي القرنين أنّ لها بعلا

أم قولك فيها:

إذا ضمريّة عطست فنكها # فإن عطاسها طرف السّفاد

/قال: فخرجا مغضبين و احتبستني، فتغدّيت عندها، و أمرت لي بثلاثمائة دينار و حلّتين و طيب، ثم دفعت إليّ مائتي دينار و قالت: ادفعها إلى صاحبيك؛ فإن قبلاها و إلا فهي لك. فأتيتهما منازلهما فأخبرتهما القصّة. فأمّا [1]في ت، حـ، ر: «لك العصا» .

[2]يشير بذلك إلى المثل المعروف: «إن العصا قرعت لذي الحلم» . و أصله أن حكما من حكام العرب عاش حتى أهتر، فقال لابنته: إذا أنكرت من فهمي شيئا عند الحكم فاقرعي لي المجنّ بالعصا لأرتدع. و هذا الحكم هو عمرو بن حممة الدوسيّ.

و قيل: أوّل من قرعت له العصا عامر بن الظرب العدواني أحد حكماء العرب و حكامهم. و المثل يضرب لمن إذا نبّه انتبه. يريد أنه ليم في حبّها قديما.

[3]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «فجاءني و اللّه شي‏ء» .

[4]كذا في ت. و في سائر النسخ: «داء» بغير ياء. و في حـ، ر: «أم خبروني بداء لي بعلمكم» .

[5]الأطبون: البارعون في الطب.

[6]كذا في حـ، ر. و في سائر النسخ: «زهوت» .

[7]كذا في حـ، ر. و في سائر النسخ: «و أسمعت» .

[8]نسبة إلى جديّ بن ضمرة بن بكر من كنانة.

282

الأحوص فقبلها، و أمّا كثيّر فلم يقبلها، و قال: لعن اللّه صاحبتك و جائزتها و لعنك معها!فأخذتها و انصرفت.

فسألت النّصيب: ممن المرأة؟فقال: من بني أميّة و لا أذكر اسمها ما حييت لأحد.

رثاء نصيب عبد العزيز بن مروان و قد مات بسكر من قرى الصعيد

أخبرني عيسى بن يحيى الورّاق عن أحمد بن الحارث الخرّاز قال حدّثنا المدائنيّ قال:

وقع الطّاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان إيّاها، فخرج هاربا منه فنزل بقرية من الصعيد يقال لها «سكر» [1]. فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك، فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟فقال: طالب بن مدرك.

فقال: أوّه، ما أراني راجعا إلى الفسطاط أبدا!و مات في تلك القرية. فقال نصيب يرثيه:

أصبت يوم الصعيد من سكر # مصيبة ليس لي بها قبل

تاللّه أنسى‏[2]مصيبتي أبدا # ما أسمعتني حنينها الإبل

/و لا التّبكّي عليه أعوله‏[3] # كلّ المصيبات بعده جلل

لم يعلم النّعش ما عليه من الـ # عرف و لا الحاملون ما حملوا

حتى أجنّوه في ضريحهم # حين انتهى من خليلك‏[4]الأمل‏

غنّى في هذه الأبيات ابن سريج، و لحنه رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، و ذكر الهشاميّ أنّ له فيه لحنا من الهزج، و ذكر ابن بانة أن الرّمل لابن الهربذ[5].

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن مصعب الزّبيري عن مشيخة من أهل الحجاز:

أنّ نصيبا دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: أنشدني بعض ما رثيت به أخي؛ فأنشده قوله:

عرفت و جرّبت الأمور فما أرى # كماض تلاه الغابر[6]المتأخّر

و لكنّ أهل الفضل من أهل نعمتي # يمرّون أسلافا أمامي و أغبر

فإن أبكه‏[7]أعذر و إن أغلب الأسى # بصبر فمثلي عند ما اشتدّ يصبر

[1]سكر بوزن زفر: موضع بشرقية الصعيد بينه و بين مصر يومان كان عبد العزيز بن مروان يخرج إليه كثيرا.

[2]يريد: تاللّه لا أنسى مصيبتي أبدا. و حذف لا يطرد في جواب القسم إذا كان المنفيّ مضارعا، نحو قوله تعالى: (تَاللََّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) و قول الشاعر:

فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا

[3]أعول إعوالا: رفع صوته بالبكاء و الصياح.

[4]في ياقوت (مادة سكر) : «من خليله» .

[5]كذا في أكثر النسخ. و في ب، س: «لابن الهزبر» و هو تحريف، إذ المغني هو إسماعيل بن الهزبذ مولى آل الزبير بن العوّام. و ستأتي له ترجمة مستقلة في الجزء السادس من «الأغاني» .

[6]الغابر هنا: الباقي، و يستعمل أيضا في الماضي.

[7]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «أبكهم» .

283

و كانت ركابي كلّما شئت تنتحي # إليك فتقضي نحبها و هي ضمّر[1]

ترى الورد يسرا[2]و الثّواء غنيمة # لديك و تثنى بالرّضا حين تصدر

فقد عريت بعد ابن ليلى فإنّما # ذراها لمن لاقت من الناس منظر

/و لو كان حيّا لم يزل بدفوفها[3] # مراد لغربان الطريق و منقر

فإن كنّ قد نلن ابن ليلى فإنّه # هو المصطفى من أهله المتخيّر

فلمّا سمع عبد الملك قوله:

فإن أبكه أعذر و إن أغلب الأسى # بصبر فمثلي عند ما اشتدّ يصبر

قال له: ويلك!أنا كنت أحقّ بهذه الصفة في أخي منك!فهلاّ وصفتني بها!و جعل يبكي.

نصيب و عبد اللّه بن إسحاق البصري‏

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أبي يحيى‏[4]محمد بن كناسة/قال:

قال لي عبد اللّه بن إسحاق البصريّ‏[5]: لو وليت العراق لاستكتبت نصيبا. قلت: لما ذا؟قال لفصاحته و حسن تخلصه إلى جيّد الكلام، أ لم تسمع قوله:

فلا النفس ملّتها و لا العين تنتهي # إليها سوام‏[6]الطّرف عنها فترجع

رأتها فما ترتدّ عنها سآمة # ترى‏[7]بدلا منها به النّفس تقنع‏

نصيب و إبراهيم بن هشام‏

أخبرني الحرميّ عن الزّبير عن محمد بن الحسن قال:

دخل نصيب على إبراهيم بن هشام فأنشده مديحا له. فقال إبراهيم: ما هذا بشي‏ء!أين هذا من قول أبي دهبل لصاحبنا ابن الأزرق حيث يقول:

[1]في ب، س:

جماحا فتقضي نحبها و هي تضمر

[2]كذا في ت. و في حـ، ر: «بشرى» . و في م: «بشرا» . و لهله مصحف عن «بسرا» و البسر (بضم الباء و فتحها) : الماء الطريّ الحديث العهد بالمطر ساعة ينزل من المزن. و في سائر النسخ: «يشرى» و هو تحريف.

[3]الدفوف: جمع دف، و هو هنا صفحة الجنب.

[4]كذا في ت. و في سائر النسخ: «أبو أيوب» و هو خطأ، إذ هو محمد بن عبد اللّه بن عبد الأعلى بن عبد اللّه بن خليفة بن زهير بن نضلة بن معاوية بن مازن الأسديّ أبو يحيى و يقال أبو عبد اللّه الكوفيّ المعروف بابن كناسة، ولد سنة 123 و مات سنة 207 (انظر ترجمته في «تهذيب التهذيب» لابن حجر العسقلاني) .

[5]تقدم في ص 342 س 3 «أبو عبد اللّه بن أبي إسحاق البصريّ» . و لم نهتد إليه.

[6]كذا في ت، م. و في سائر النسخ: «سوى في» . و لعل صوابه: «سوامي الطرف منها» أي إذا انتهت إليها نظرات الطرف التي تسمو إليها من العين، تعلقت بها فلم ترجع عنها.

[7]الجملة حال من فاعل «فما ترتد» فهي نفي.

284

إن تغد من منقلي‏[1]نخلان‏[2]مرتحلا # يرحل من اليمن المعروف و الجود

/قال: فغضب نصيب و نزع عمامته و برك عليها، و قال: لئن تأتونا برجال مثل ابن الأزرق نأتكم بمثل مديح أبي دهبل أو أحسن؛ إن المديح و اللّه إنما يكون على قدر الرجال. قال: فأطرق ابن هشام، و عجبوا من إقدام نصيب عليه، و من حلم ابن هشام و هو غير حليم‏[3].

نصيب و أم بكر الخزاعية

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الزّهريّ: أنّ نصيبا كان ربما قدم من الشأم فيطرح في حجر أمّ بكر الخزاعيّة أربعمائة دينار، و أنّ عبد الملك بن مروان ظهر على تعلّقه بها و نسيبه فيها، فنهاه عن ذلك حتى كفّ.

حديث نصيب عن نفسه أنه كان يستعصى عليه أحيانا قول الشعر، و شي‏ء من أوصافه الخلقية

أخبرني محمد بن يزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن عثمان بن حفص الثّقفيّ عن أبيه قال:

رأيت النّصيب بالطائف، فجاءنا و جلس في مجلسنا و عليه قميص قوهيّ و رداء و حبرة[4]، فجعل ينشدنا مديحا لابن هشام، ثم قال: إنّ الوادي مسبعة، فمن أهل المجلس؟قالوا: ثقيف؛ فعرف أنّا نبغض ابن هشام و يبغضنا، فقال: إنّا للّه!أبعد ابن ليلى أمتدح ابن جيداء![5]فقال له أهل المجلس: يا أبا محجن، أ تطلب القريض /أحيانا فيعسر عليك؟فقال: إي و الله لربّما فعلت، فآمر براحلتي فيشدّ بها رحلي، ثم أسير في الشّعاب الخالية، و أقف في الرّباع المقوية، فيطربني ذلك و يفتح لي الشعر. و اللّه إني على ذلك ما قلت بيتا قطّ تستحي الفتاة الحييّة من إنشاده في ستر أبيها. قال إسحاق قال عثمان بن حفص فوصفه أبي و قال: كأنّي أراه صدعا[6]خفيف العارضين ناتئ الحنجرة.

نصيب و ابن أبي عتيق‏

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد عن أبيه عن محمد بن كناسة قال: أنشد نصيب قوله:

و كدت و لم أخلق من الطير إن بدا # لها بارق نحو الحجاز[7]أطير

[1]هو مثنى منقل. قال في «اللسان» : و المنقل: الطريق في الجبل، و هو أيضا طريق مختصر.

[2]كذا في ت. و نخلان، كما في ياقوت، من نواحي اليمن، و استشهد بالبيت. و في سائر النسخ: «نجران» .

[3]بعد هذا في جميع النسخ عدا نسخة ت: «أخبرني الحرمي عن الزبير عن إبراهيم بن يزيد السعديّ قال حدّثتني جدّتي جمال بنت عون بن مسلم عن أبيها عن جدّها قال: رأيت رجلا أسود و معه امرأة بيضاء حسناء الخ» . و قد تقدّمت هذه الحكاية بنصها في ص 342 و 343 و لم تتكرر هذه الحكاية في ت.

[4]في ت: «و رداء حبرة» من غير واو. قال في «اللسان» : يقال برد حبرة و برد حبرة بالوصف أو بالإضافة. و الحبرة: ضرب من برود اليمن.

[5]جيداء: أمّ محمد بن هشام خال بن عبد الملك، و قد ولاه مكة و كتب إليه أن يحج بالناس، فهجاه العرجيّ بأشعار كثيرة منها:

كأن العام ليس بعام حج # تغيرت المواسم و الشكول

إلى جيداء قد بعثوا رسولا # ليخبرها فلا صحب الرسول‏

و لها ذكر في أخبار العرجي الشاعر الآتي في هذا الجزء.

[6]الصدع (بالتحريك و بالفتح) الرجل الخفيف اللحم.

[7]في ت، حـ، «العراق» .

285

/فسمعه ابن أبي عتيق، فقال: يا ابن أمّ، قل غاق فإنك تطير. يعني أنه غراب أسود.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال أخبرني أحمد بن محمد الأسديّ أسد قريش قال:

قال ابن أبي عتيق لنصيب: إنّي خارج، أ فترسل إلى سعدى بشي‏ء؟قال: نعم، بيتي شعر. قال: قل؛ فقال:

أتصبر عن سعدى و أنت صبور # و أنت بحسن الصبر منك جدير

و كدت و لم أخلق من الطير إن بدا # سنى‏[1]بارق نحو الحجاز أطير

/قال: فأنشد ابن أبي عتيق سعدى البيتين، فتنفّست تنفّسة شديدة. فقال ابن أبي عتيق: أوّه!أجبته‏[2]و اللّه بأجود من شعره، و لو سمعك خليلك لنعق و طار إليك.

نصيب و الحكم بن المطلب‏

أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم الكاتب قال حدّثني أبو هفّان‏[3]عن إسحاق الموصليّ عن المسيّبيّ قال:

قال أبو النّجم: أتيت الحكم بن المطّلب فمدحته، و خرج إلى السّعاية[4]فخرجنا معه و معه عدّة من الشعراء.

فبينا هو مع أصحابه‏[5]يوما واقف‏[6]، إذا[7]براكب يوضع‏[8]في السّراب‏[9]و إذا هو نصيب، فتقدّم إليه فمدحه فأمر بإنزاله، فمكث أياما حتى أتاه فقال: إنّي قد خلّفت صبية صغارا و عيالا ضعافا. فقال له: ادخل الحظيرة[10] فخذ منها سبعين فريضة[11]. فقال له: جعلني اللّه فداك قد أحسنت!و معي ابن لي أخاف أن يثلمها[12]عليّ. قال:

فادخل فخذ له سبعين فريضة أخرى؛ فانصرف بمائة و أربعين فريضة.

/أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير عن محمد بن الضّحّاك عن عثمان عن أبيه قال:

قيل لنصيب: هرم شعرك. قال: لا!و اللّه ما هرم، و لكن العطاء هرم، و من يعطيني مثل ما أعطاني الحكم بن المطّلب!خرجت إليه و هو ساع على بعض صدقات المدينة، فلمّا رأيته قلت:

أبا مروان لست بخارجيّ‏[13] # و ليس قديم مجدك بانتحال‏

[1]في ت، م،

: «إن بدا # لها بارق»

.

[2]في ب، س: «أجبنيه» بياء بعد تاء المخاطبة، و كلاهما صحيح، و قد استشهد للثاني بقول الشاعر:

رميتيه فأقصدت # و ما أخطأت في الرمية

بسهمين مليحين # أعارتكيهما الظبيه‏

(انظر «خزانة الأدب» للبغدادي ج 2 ص 401) .

[3]هفان بفتح الهاء و كسرها و تشديد الفاء: اسم مرتجل غير منقول، مشتق من الهفيف و هو سرعة السير.

[4]يقال: سعي سعاية، إذا باشر عمل الصدقات.

[5]كذا في ت، م. و في سائر النسخ: «فبينما هو في موضع أضحى به يوما واقفا» و هو تحريف.

[6]كذا في ت، م. و في سائر النسخ: «واقفا» و كلاهما صحيح.

[7]كذا في ت. و في سائر النسخ: «إذ» و كلاهما للمفاجأة.

[8]الإيضاع: الإسراع في السير.

[9]في حـ، ر: «في السير» .

[10]الحظيرة: ما أحاط بالشي‏ء و هي تكون من قصب و خشب.

[11]انظر الحاشية رقم 6 ص 349 من هذا الجزء.

[12]أي يأخذ منها فينقصها.

[13]الخارجي هنا: الذي يخرج و يشرف بنفسه من غير أن يكون له قديم. و استشهد صاحب «اللسان» على هذا بالبيت، و لكنه نسبه إلى كثيّر. ـ

286

أغرّ إذا الرّواق‏[1]انجاب‏[2]عنه # بدا مثل الهلال على المثال‏[3]

تراءاه العيون كما تراءى # عشيّة فطرها وضح الهلال‏

قال: فأعطاني أربعمائة ضائنة و مائة لقحة[4]، و قال: ارفع فراشي؛ فرفعته فأخذت من تحته مائتي دينار.

نصيب و كثير عند أبي عبيدة بن عبد اللّه بن زمعة

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني أسعد[5]بن عبد اللّه المريّ عن إبراهيم بن سعيد بن بشر بن عبد اللّه بن عقيل‏[6]الخارجيّ عن أبيه قال:

/و اللّه إنّي لمع أبي عبيدة بن عبد اللّه بن زمعة في حواء[7]له، إذ جاءه كثيّر فحيّاه، فاحتفى به، و دعا بالغداء فشرعنا فيه و شرع معنا كثيّر؛ و جاء رجل فسلّم فرددنا عليه السّلام و استدنيناه، فإذا نصيب في بزّة جميلة قد وافى الحجّ قادما من الشأم، فأكبّ على أبي عبيدة فعانقه و سأله ثم دعاه إلى الغداء، فأكل مع القوم، فرفع كثيّر يده و أقلع عن الطعام، و أقبل عليه أبو عبيدة و القوم جميعا يسألونه أن يأكل، فأبى فتركوه. و أقبل كثيّر على نصيب فقال:

و اللّه يا أبا محجن، إنّ أثر أهل الشأم عليك لجميل، لقد رجعت هذه الكرّة ظاهر الكبر قليل الحياء. فقال له نصيب: لكنّ أثر الحجاز عليك يا أبا صخر غير جميل. [لقد رجعت‏][8]و إنك لزائد النقص، كثير الحماقة. فقال كثيّر: أنا و اللّه أشعر العرب حيث أقول لمولاتك:

/إذا أمسيت بطن مجاح‏[9]دوني # و عمق‏[10]دون عزّة فالبقيع‏

[1]قال أبو زيد: رواق البيت بالضم و الكسر: سترة مقدّمه من أعلاه إلى الأرض، ضد الكفاء و هو سترة مؤخرة من أعلاه إلى أسفله.

و قال ابن الأعرابي: من الأخبية ما يروّق و منها مالا يروّق. فإذا كان بيتا ضخما جعل له رواق و كفاء. و قد يكون الرواق من شقة و شقتين و ثلاث شقق.

[2]انجاب: انكشف.

[3]المثال هنا: الفراش. و في الحديث أنه دخل على سعد و في البيت مثال رثّ أي فراش خلق. و قال الأعشى:

بكلّ طوال الساعدين كأنما # يرى بسرى الليل المثال الممهدا

[4]اللقحة (بكسر اللام و يفتح) : الناقة الحلوب الغزيرة اللبن، و لا يوصف بها فلا يقال ناقة لقحة، و لكن يقال لقحة فلان، و إنما يوصف بلقوح فيقال: ناقة لقوح.

[5]في ت، م: «سعد بن عبيد اللّه المزني» . و في س: «أسعد بن عبد اللّه المزني» .

[6]قال المرتضى: «و في «شرح مسلم» للنووي أن عقيلا كله بالفتح إلا ابن خالد عن الزهري و يحيى بن عقيل و أبا قبيلة فبالضم» و ذكر أسماء أخرى مضمومة العين ليس هذا منها.

[7]الحواء ككتاب: جماعة البيوت المتدانية.

[8]زيادة في ت.

[9]في أكثر النسخ: «بطن صحاح» و في ت «بطن محاح» و كلاهما محرّف، و الصواب بطن مجاح بالمعجمة. قال ياقوت: و مجاح:

موضع من نواحي مكة. و قد ضبط في ياقوت بفتح الميم و الجيم، و ضبطه المرتضى في مادة مجح ككتاب. و جاء في حديث الهجرة عن ابن إسحاق أن دليلهما أجاز بهما مدلجة لقف ثم استوطن بهما مدلجة محاج، كذا ضبطه بفتح الميم و حاء مهملة و آخره جيم.

قال ابن هشام. و يقال مجاج (بجيمين و كسر الميم) . قال ياقوت: «و الصحيح عندنا فيه غير ما روياه، جاء في شعر ذكره الزبير بن بكار و هو مجاح بفتح الميم ثم جيم و آخره حاء مهملة. و الشعر هو قول محمد بن عروة بن الزبير:

لعن اللّه بطن لقف مسبلا # و مجاحا و ما أحب مجاحا

و أنا أحسب أن هذه هي رواية ابن إسحاق، و إنما انقلب على كاتب الأصل فأراد تقديم الجيم فقدّم الحاء» . (انظر ياقوت و المرتضى مادة مجح) .

[10]عمق (بفتح أوله و سكون ثانيه) : واد من أودية الطائف نزله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما حاصر الطائف، و فيه بئر ليس بالطائف أطول رشاء منها.

287

فليس بلائمي أحد يصلّي # إذا أخذت مجاريها الدموع‏

/فقال له نصيب: أنا و اللّه أشعر منك حيث أقول لابنة عمّك:

خليليّ إن حلّت كليّة[1]فالرّبا[2] # فذا أمج‏[3]فالشّعب‏[4]ذا الماء[5]و الحمض

فأصبح من حوران‏[6]رحلي بمنزل # يبعّده من دونها نازح الأرض

و أيأستما أن يجمع الدهر بيننا # فخوضا لي‏[7]السمّ المصرّح بالمحض‏[8]

ففي ذاك من بعض الأمور سلامة # و للموت خير من حياة على غمض‏

قال: فاقتحم‏[9]إليه كثيّر، و ثبت له النّصيب. فلما نالته رجلاه رمحه‏[10]نصيب بساقه رمحة طاح منها بعيدا عنه، فما زال راقدا حتى أيقظناه عشيّا لرمي الجمار.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير عن محمد بن موسى بن طلحة[11]عن عبد اللّه بن عمر بن عثمان النّحويّ عن أنيس‏[12]بن ربيعة الأسلميّ أنه قال:

/غدوت يوما إلى أبي عبيدة بن عبد اللّه بن زمعة و هو محتلّ‏[13]بالرّحبة[14]، فألفيت عنده جماعة منا و من غيرنا، فأتاه آت فقال له: ذاك النّصيب منذ ثلاث بالفرش‏[15]من ملل‏[16]متلدّد[17]كأنّه واله في أثر قوم ظاعنين. فنهض أبو عبيدة [1]كذا في ت، حـ، ر: و كلية (بالضم ثم بالفتح و تشديد الياء) : واد يأتي من شمنصير بقرب الجحفة. و في سائر النسخ: «كليبة» و هو تحريف.

[2]كذا في م و ياقوت في الكلام على كلية، بالفاء.. و في سائر النسخ: «بالربا» و الربا كما في ياقوت: موضع بين الأبواء و السقيا من طريق الجادة بين مكة و المدينة.

[3]كذا في ت، م. و في سائر النسخ: «فذي أمج» بعطفه على الربا المجرورة بالباء. و ذو أمج: بلد من أعراض المدينة.

[4]الشعب: اسم لجملة أماكن بين مكة و المدينة.

[5]كذا في ت، م. و في سائر النسخ: «ذي الماء» .

[6]حوران: كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة ذات قرى كثيرة و مزارع و حرار، و لها ذكر كثير في الشعر و قصبتها بصرى، و حوران أيضا: ماء بنجد، قال نصر: أظنه بين اليمامة و مكة.

[7]في الأصول: «بي» تحريف.. و الخوض هنا: الخلط.

[8]في ت: «المصرح بالمخض» . و المصرح: الذي انجلى عنه زبده فخلص. و في أكثر الأصول: «المضرج بالمحض» . تصحيف.

[9]اقتحم إليه: تقدم إليه.

[10]رمحه: رفسه.

[11]كذا في حـ، ر. و في ت: «قال حدّثنا عبد اللّه بن عثمان النحوي» . و في سائر النسخ: «طلحة بن عبد اللّه بن عمر بن عثمان النحوي» .

[12]في ت: «عن أنس بن زمعة» . و في م: «عن أنيس بن زمعة» .

[13]كذا في ت، م. و في سائر النسخ: «و معه محمد بالرحبة» .

[14]الرحبة (بالفتح و السكون و بفتحتين) : البقعة المتسعة بين أفنية القوم.

[15]الفرش: واد بين غميس الحمام و ملل.

[16]كذا في ت، م. و ملل: اسم موضع في طريق مكة بين الحرمين. و في سائر النسخ: «متململ» و هو تحريف.

[17]تلدد: تلفت يمينا و شمالا و تحيّر متبلّدا.

288

و نهضنا معه، فإذا نصيب على المنحر[1]من صفر[2]. فلمّا عايننا و عرف أبا عبيدة هبط؛ فسأله عن أمره، فأخبره أنه تبع قوما سائرين و أنه وجد آثارهم و محلّهم بالفرش فاستولهه ذلك. فضحك به أبو عبيدة و القوم، و قالوا له:

إنما يهتر[3]إذا عشق من انتسب عذريّا، فأمّا أنت فما لك و لهذا؟!فاستحيا و سكن. و سأله أبو عبيدة: هل قلت في مقامك شعرا؟قال: نعم!و أنشد:

لعمري لئن أمسيت بالفرش مقصدا # ثويّاك‏[4]عبّود[5]و عدنة[6]أو صفر

/ففرّع‏[7]صبّا أو تيمّم مصعدا # لربع قديم العهد ينتكف‏[8]الأثر

دعا أهله بالشأم برق فأوجفوا # و لم أر متبوعا أضرّ من المطر

لتستبدلن قلبا عينا سواهما # و إلا أتى قصدا حشاشتك‏[9]القدر

خليليّ فيما عشتما أو رأيتما # هل اشتاق مضرور إلى من به أضرّ

نعم ربّما كان الشّقاء متيّحا[10] # يغطّي على سمع ابن آدم و البصر

قال: فانصرف به‏[أبو عبيدة][11]إلى منزله، و أطعمه و كساه و حمله‏[12]، و انصرف و هو يقول:

أصاب دواء علّتك الطبيب # و خاض‏[13]لك السّلوّ ابن الرّبيب‏[14]

[1]كذا في النسخ. و لعله محرّف عن «المنجى» و هو الموضع الذي لا يبلغه السيل.

[2]صفر: جبل أحمر من جبال ملل قرب المدينة. و قال الأديبيّ: صفر: جبل بفرش ملل، كان عنده منزل أبي عبيدة بن عبد اللّه بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى جد ولد عبد اللّه بن الحسن بن علي بن أبي طالب، و به صخرات تعرف بصخرات أبي عبيدة.

[3]أهتر الرجل-بالباء للمفعول و أهتر بالبناء للفاعل نادر-: ذهب عقله من كبر أو مرض أو حزن.

[4]كذا في ت، م. و في سائر النسخ:

و برّح بي وهج بقلبي أو صفر

و الثويان: مثنى ثويّ و هو المقيم معك في مكان واحد.

[5]في ياقوت، عبود: جبل بين السّيالة و ملل له ذكر في «المغازي» . و قيل إنه البريد الثاني من مكة في طريق بدر.

[6]في م، ت: «وعدته» بالتاء و هو مصحف عن عدنه. و عدنه (بضم أوّله و سكون ثانيه) : ثنيّة قرب ملل لها ذكر في «المغازي» .

[7]كذا في ت. و فرّع في الجبل و أفرع: انحدر، قال الشماخ:

فإن كرهت هجائي فاجتنب سخطي # لا يدركنك إفراعي و تصعيدي‏

و صبا، الظاهر أنها هنا مصدر من صب اللازم، لا وصف من الصبابة، يقال: صب في الوادي، إذا انحدر فيه. و في ر: «يفزع صبا أو سقيما مصعدا» . و في م: «يفرع صبا أو هما مصعدا» . و يظهر أن كليهما محرّف عن الأوّل. و في سائر النسخ:

و جمت شجوني و استهلت مدامعي‏

يريد: كثرت أحزاني و تتابعت دموعي.

[8]انتكف الأثر: تتبّعه في مكان سهل، و ذلك لأن الأثر لا يتبين في الأرض الغليظة الصلبة.

[9]الحشاشة: رمق بقية من حياة.

[10]متيحا: مقدّرا. و لم نجد هذه الصيغة من هذه المادة، و إنما الموجود أتاحه له اللّه: قدّره، و تاح له الأمر: قدر عليه. و في ت: «موكلا» .

[11]زيادة في ت، م، ر.

[12]حمله هنا: أتى له بما يركبه في سفره، قال تعالى: (وَ لاََ عَلَى اَلَّذِينَ إِذََا مََا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاََ أَجِدُ مََا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) .

[13]خاض الشراب: خلطه و حرّكه. و انظر الكلام على السلوة في الحاشية رقم 6 ص 322 من هذا الجزء.

[14]يريد بابن الربيب أبا عبيدة بن عبد اللّه بن زمعة.

289

و أبصر من رقاك منفّثات‏[1] # و داؤك كان أعرف بالطّبيب‏

نصيب و يزيد بن عبد الملك‏

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعيّ قال:

دخل نصيب على يزيد بن عبد الملك ذات يوم، فأنشده قصيدة امتدحه بها، فطرب لها يزيد و استحسنها، فقال له: أحسنت يا نصيب!سلني ما شئت. فقال:

/يدك يا أمير المؤمنين بالعطاء أبسط من لساني بالمسألة!فأمر به فملئ فمه جوهرا، فلم يزل به غيّا حتى مات.

نصيب و إبراهيم بن هشام‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا أبو غزيّة[2]عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد قال:

دخل نصيب على إبراهيم بن هشام و هو وال على المدينة، فأنشده قوله:

/يا ابن الهشامين‏[3]لا بيت كبيتهما[4] # إذا تسامت إلى أحسابها مضر

فقال له إبراهيم: قم يا أبا محجن إلى تلك الراحلة المرحولة فخذها برحلها. فقام إليها نصيب متباطئا و الناس يقولون: ما رأينا عطيّة أهنأ من هذه و لا أكرم و لا أعجل و لا أجزل. فسمعهم نصيب فأقبل عليهم و قال: و اللّه إنكم قلّما صاحبتم الكرام!و ما راحلة و رحل حتى ترفعوهما فوق قدرهما!

نصيب و هشام بن عبد الملك‏

أخبرني الحرميّ و عيسى بن الحسين قالا حدّثنا الزّبير عن عبد اللّه بن محمد بن‏[عبد اللّه‏[5]بن‏]عمرو بن عثمان بن عفّان عن أبيه قال:

استبطأ هشام بن عبد الملك حين ولي الخلافة نصيبا ألاّ يكون جاءه وافدا عليه مدحا له و وجد عليه. و كان نصيب مريضا، فبلغه ذلك حين برأ، فقدم عليه و عليه أثر المرض و على راحلته أثر النّصب، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

/حلفت بمن حجّت قريش لبيته‏[6] # و أهدت له بدنا[7]عليها القلائد

[1]لعله يريد: و عرف رقي منفثات من رقاك، أي رقى ذات نفث، أي ينفث فيها.

[2]كذا في م. و في ت: «قال حدّثنا أبو عونة» . و في سائر النسخ: «... الحرمي عن أبي الزبير عن غزبة» ، و كلاهما تحريف. و قد تكرر هذا السند نفسه في «الأغاني» في الجزء الثالث في ذكر نسب أبي العتاهية و أخباره، و هو أبو غزية الأنصاري، و كان قاضيا على المدينة.

[3]يريد بالهشامين هشام بن عبد الملك بن مروان أباه، و هشام بن إسماعيل المخزوميّ جدّ أبيه لأمه. و في ب، س: «الهشاميّ» تحريف.

[4]في ب، س: «كبيتكم» .

[5]زيادة في ت.

[6]في ت، حـ، ر، م: «لبرّه» .

[7]بدنا: جمع بدنة و هي ناقة أو بقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها. و يجمع على بدن أيضا بضمتين.

290

لئن كنت طالت غيبتي عنك إنّني # بمبلغ حولي في رضاك لجاهد

و لكنّني قد طال سقمي و أكثرت # عليّ العهاد[1]المشفقات العوائد

صريع فراش لا يزلن يقلن لي # بنصح و إشفاق متى أنت قاعد

فلمّا زجرت العيس أسرت بحاجتي # إليك و ذلّت للّسان القصائد

و إنّي فلا تستبطني‏[2]بمودّتي # و نصحي و إشفاقي إليك لعامد[3]

فلا تقصني حتى أكون بصرعة[4] # فييأس ذو قربي و يشمت حاسد

أنلني و قرّبني فإنّي بالغ # رضاك بعفو من نداك و زائد[5]

أبت نائما أمّا فؤادي فهمّه # قليل و أمّا مسّ جلدي فبارد

و قد كان لي منكم إذا ما لقيتكم # ليان‏[6]و معروف و للخير قائد

إليك رحلت العيس حتّى كأنّها # قسيّ السّرى ذبلا[7]برتها الطّرائد[8]

/و حتى هواديها[9]دقاق و شكوها[10] # صريف و باقي النّقي‏[11]منها شرائد[12]

و حتّى ونت ذات المراح‏[13]فأذعنت # إليك و كلّ الرّاسمات‏[14]الحوافد

قال: فرقّ له هشام و بكى، قال له: ويحك يا نصيب!لقد أضررنا بك و برواحلك. و وصله و أحسن صلته و احتفل به.

نصيب و عبد الواحد النصري أمير المدينة:

أخبرنا الحرميّ عن الزّبير عن عمّه عن أيّوب بن عبابة قال:

قدم نصيب على عبد الواحد النصريّ و هو أمير المدينة بفرض من أمير المؤمنين يضعه في قومه من بني ضمرة، فأدخلهم عليه ليفرض لهم و فيهم أربعة غلمة لم يحتلموا، فردّهم النصريّ. فكلّمه نصيب كلاما غليظا إدلالا [1]العهاد: جمع عهد و عهدة بفتح العين و كسرها، و هي مطر بعد. مطر يدرك آخره بلل أوّله، سمي بذلك لأن الأوّل عهد بالثاني.

و المراد بالعهاد هنا الدموع.

[2]يريد: لا تستبطئني، سهّلت الهمزة ياء، ثم حذفت الياء للجزم.

[3]كذا في م. و في ت: «إليك لعائد» . و في سائر النسخ: «لديك لعامد» .

[4]أي حتى يحلّ بي الموت.

[5]كذا في ت، م. و في سائر النسخ:

أنلني و قرّبني فإنك بالغ # رضاي بعفو من نداك و زائد

[6]الليان بالفتح: نعمة العيش.

[7]كذا في ت، م، و هو جمع ذبلاء. و في سائر النسخ: «ذبلى» كقتلى.

[8]الطرائد: جمع طريدة، و هي قصبة فيها حزّة توضع على المغازل و العود و القداح فتنحت عليها و تبرى بها.

[9]الهوادي: الأعناق: و دقاق: جمع دقيق.

[10]شكوها: شكواها. و الصريف: صرير الأنياب.

[11]النقى: مخّ العظم.

[12]كذا في ت، م. و الشرائد: جمع شريد على غير قياس، و هو: البقية من الشي‏ء. و في سائر النسخ: «الصرائد» و ليس له معنى مناسب.

[13]المراح: النشاط.

[14]الراسمات: ذوات الرسيم، و هو ضرب من السير سريع مؤثر في الأرض. و الحوافد: المسرعات.

291

بمنزلته عند الخليفة، فأشار إليه إبراهيم بن عبد اللّه بن مطيع أن اسكت و كفّ و اخرج، فإنّي كافيك. فلمّا خرج إبراهيم لقيه نصيب، فقال له: أشرت إليّ فكرهت أن أغضبك، فما كرهت لي من مراجعته و الصّلابة له و من ورائي المستعتب من أمير المؤمنين؟فقال إبراهيم: هو رجل عربيّ حديد غلق‏[1]، و خشيت إن جاذبته شيئا ألاّ يرجع عنه و أن يمضي عليه و يلجّ‏[2]فيه، و هو مالك للأمر و له فيه‏[3]سلطان، /فأردت أن تخرج قبل أن يلجّ و يظهر منه ما لا يرجع عنه فيمضي عليه و يلجّ فيه، فتنتظر لتصادف منه طيب نفس فتكلّمه و نرفدك‏[4]عنده. فقال نصيب:

/يومان يوم لرزيق‏[5]فسل # و يومه الآخر سمح فضل‏

أنا-جعلت فداءك-فاعل ذلك، فإذا رأيت القول فأشر إليّ حتى أكلّمه.

قال: و دخل إليه نصيب عشيّات، كلّ ذلك يشير إليه ابن مطيع ألاّ يكلّمه، حتى صادف عشيّة من العشيّات منه طيب نفس، فأشار إليه أن كلّمه. فكلّمه نصيب فأصاب مختله‏[6]بكلامه، ثم قال: إنّي قد قلت شعرا فاسمعه أيّها الأمير و أجزه، ثم قال:

أهاج البكا ربع بأسفل ذي السّدر[7] # [8]عفاه اختلاف العصر بعدك و القطر

نعم فثناني الوجد فاشتقت للّذي # ذكرت و ليس الشوق إلا مع الذّكر

حلفت بربّ الموضعين‏[9]لربّهم # و حرمة ما بين المقام إلى الحجر

لئن حاجتي يوما قضيت و رشتني‏[10] # بنفحة عرف من يديك أبا بشر[11]

لتعترفنّ‏[12]الدّهر منّي مودّة # و نصحا على نصح و شكرا على شكر

سقى اللّه صوب المزن أرضا عمرتها[13] # بريّ و أسقاها[14]بلاد بني نصر

[1]الغلق هنا: الضيق الخلق العسر الرضا.

[2]يلجّ فيه: يتمادى عليه، يقال: لجّ في الأمر، إذا تمادى عليه و أبى أن ينصرف عنه.

[3]في حـ، ر: «و له فينا سلطان» .

[4]رفده و أرفده: أعانه.

[5]في ت، حـ: «لزريق» . و الفسل: الردي‏ء الرذل من كل شي‏ء.

[6]في حـ: «نخيلة كلامه» .

[7]ذو السدر: اسم موضع بعينه، كذا ذكره ياقوت و لم يبينه.

[8]عفت الرّيح الدار كعفّتها: جعلتها دارسة بالية.

[9]الموضعين: المسرعين في السير، من الإيضاع و هو سير مثل الخبب.

[10]يقال: رشت فلانا، إذا قوّيت جناحه بالإحسان فارتاش و تريّش، قال الشاعر:

فرشني بخير طالما قد بريتني # و خير الموالي من يريش و لا يبري‏

[11]في ت: «أبا بكر» .

[12]في ت: «ليعترفن» . و في م، حـ: «لتعرفن» و كلاهما تحريف. و في سائر الأصول: «إذا تعرفن» . و اعترف هنا بمعنى عرف، و مثله قول أبي ذؤيب يصف نعاما:

مرته النعامى فلم يعترف # خلاف النعامى من الشام ريحا

و النعامى: من أسماء ريح الجنوب.

[13]كذا في أكثر النسخ. و في ت: «حللتها بريّ» . و في حـ، ر: «حللتها رهاما» . و الرهام: جمع رهمة و هي المطر الضعيف الدائم.

[14]كذا في حـ، ر. و في سائر النسخ: «فأسقاها» .

292

بوجهك فاستعملت ما دمت خائفا # لربّك تقضي راشدا آخر الدّهر

/لتنقذ أصحابي و تستر عورة # بدت لك من صحبي فإنك ذو ستر

فما بأمير المؤمنين إلى الّتي # سألت فأعطاني لقومي من فقر

و قد خرجت منه إليك فلا تكن # بموضع بيضات الأنوق‏[1]من الوكر

قال: فقال عثمان بن حيّان المرّيّ و هو عنده-و كان قد جاءه بالقود من ابن حزم-: قد احتلم الآن القوم أيّها الأمير، و استوجبوا الفرض. و رفده‏[2]ابن مطيع فأحسن، و اشتدّ عليه أن شركه ابن حيّان في رفده و تشييعه و قال النّصريّ لابن مطيع و ابن حيّان: صدقتما قد احتلموا و استوجبوا الفرض، افرض لهم يا فلان-لكاتب من كتّابه-ففرض لهم.

حديث نصيب عن نفسه أنه عشق أمة لبني مدلج و شعره فيها

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني جعفر بن عليّ اليشكريّ قال حدّثني الرّياشيّ عن العتبيّ قال:

دخل نصيب على عبد العزيز بن مروان، فقال له عبد العزيز و قد طال الحديث بينهما: هل عشقت قطّ؟ قال: نعم، أمة لبني مدلج. قال: فكنت تصنع ما ذا؟قال: كانوا يحرسونها منّي، فكنت أقنع أن أراها في الطّريق و أشير إليها بعيني أو حاجبي، و فيها أقول:

وقفت لها كيما تمرّ لعلّني # أخالسها التّسليم إن لم تسلّم

و لمّا رأتني و الوشاة تحدّرت # مدامعها خوفا و لم تتكلّم

مساكين أهل العشق ما كنت أشتري # جميع حياة العاشقين بدرهم‏

/فقال عبد العزيز: ويحك!فما فعلت؟قال: بيعت فأولدها سيّدها. قال: فهل في نفسك منها شي‏ء؟ قال: نعم، عقابيل‏[3]أحزان.

حمل عبد العزيز بن مروان دينا عن نصيب في إبل ابتاعها

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني بهلول بن سليمان بن قرضاب البلويّ:

أنّ إبلا لنصيب أجدبت و حالت‏[4]، و كان لرجل من أسلم عليه ثمانية/آلاف درهم قال: فأخبرني أبي و عمّي أنه وفد على عبد العزيز بن مروان، فقال له: جعلني اللّه فداءك!إنّي حملت دينا في إبل ابتعتها مجدبات حيال‏[5]، و قد قلت فيها شعرا.

قال: انشده، فأنشده:

[1]الأنوق: الرخمة أو ذكر الرخم، و يضاف البيض إليه لأنه كثيرا ما يحضنها و إن كان ذكرا كما يحضن الظليم بيضه. و قال عمارة: الأنوق عندي: العقاب، و قيل غير ذلك. و في المثل: «أعز من بيض الأنوق» ، لأنها تحرزه فلا يكاد يظفر به، لأن أوكارها في رءوس الجبال و الأماكن الصعبة البعيدة. و هو يضرب للشي‏ء العزيز البعيد المنال.

[2]في ت: «و وصله» .

[3]عقابيل أحزان: بقايا أحزان.

[4]الحائل من النوق: التي حمل عليها و لم تلقح، أو التي لم تلقح سنة أو سنتين أو سنوات، و كذلك كل حامل ينقطع عنها الحمل سنة أو سنوات حتى تحمل.

[5]جمع حائل.

293

فلمّا حملت الدّين فيها و أصبحت # حيالا مسنّات‏[1]الهوى كدت أندم

على حين أن راث‏[2]الرّبيع و لم يكن # لها بصعيد من تهامة مقضم

ثمانية للأسلميّ و ما دنا # لفحش و لا تدنو إلى الفحش أسلم‏

فقال له عبد العزيز: فما دينك؟ ويحك!قال: ثمانية آلاف، فأمر له بثمانية آلاف درهم. فلمّا رجع أنشد الأسلميّ الشعر فترك ماله عليه، قال: الثمانية الآلاف لك.

نصيب و النسوة الثلاث اللاتي كنّ يتناشدن الشعر في المسجد الحرام‏

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني الموصليّ عن ابن أبي عبيدة قال:

/أتى نصيب مكة فأتى المسجد الحرام ليلا. فبينما هو كذلك إذ طلع ثلاث نسوة فجلسن قريبا منه و جعلن يتحدّثن و يتذاكرن الشعر و الشعراء، و إذا هنّ من أفصح النساء و آدابهنّ. فقالت إحداهنّ: قاتل اللّه جميلا حيث يقول:

و بين الصّفا و المروتين ذكرتكم # بمختلف ما بين ساع و موجف

و عند طوافي قد ذكرتك ذكرة # هي الموت بل كادت على‏[3]الموت تضعف‏

فقالت الأخرى: بل قاتل اللّه كثيّر عزّة حيث يقول:

طلعن علينا بين مروة و الصّفا # يمرن‏[4]على البطحاء مور السحائب

فكدن لعمر اللّه يحدثن فتنة # لمختشع من خشية اللّه تائب‏

فقالت الأخرى: قاتل اللّه ابن الزّانية نصيبا حيث يقول:

ألام على ليلى و لو أستطيعها # و حرمة ما بين البنيّة و السّتر

لملت على ليلى بنفسي ميلة # و لو كان في يوم التّحالق و النّحر

فقام نصيب إليهنّ فسلّم عليهنّ، فرددن عليه السّلام. فقال لهنّ: إنّي رأيتكنّ تتحادثن شيئا عندي منه علم.

فقلن: و من أنت؟فقال: اسمعن أوّلا. فقلن: هات. فأنشدهنّ قصيدته التي أوّلها:

و يوم ذي سلّم شاقتك نائحة # و رقاء في فنن و الريح تضطرب‏

فقلن له: نسألك باللّه و بحقّ هذه البنيّة، من أنت؟فقال: أنا ابن المظلومة المقذوفة بغير جرم «نصيب» .

فقمن إليه فسلّمن عليه و رحّبن به، و اعتذرت إليه القائلة، و قالت: و اللّه ما أردت سوءا، و إنّما حملني الاستحسان لقولك على ما سمعت. فضحك و جلس إليهنّ، فحادثهنّ إلى أن انصرفن.

[1]مسنات الهوى: انقطع منها الغرض، فلا يرغب فيها أحد لكبرها.

[2]راث: أبطأ.

[3]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «عن» و تضعف بمعنى تزيد إنما تتعدّى بعلي، و في الحديث: «تضعف صلاة الجماعة على صلاة الفذ خمسة و عشرين درجة» أي تزيد عليها. و «عن» هنا بمعنى «على» و في الشعر إقواء.

[4]يمرن: يتمايلن جائيات ذاهبات.

294

6-أخبار ابن محرز و نسبه‏

نسب ابن محرز

هو مسلم بن محرز. فيما روى ابن المكّيّ، و يكنّى أبا الخطّاب، مولى بني عبد الدّار ابن‏[1]قصيّ. و قال ابن الكلبيّ: اسمه سلّم. قال و يقال: اسمه عبد اللّه. و كان أبوه من سدنة[2]الكعبة، أصله من الفرس، و كان أصفر أحنى‏[3]طويلا.

و أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني/أخي هارون عن عبد الملك بن الماجشون قال:

اسم ابن محرز سلّم، و هو مولى بني مخزوم. و ذكر إسحاق أنه كان يسكن المدينة مرّة و مكّة مرّة، فإذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر يتعلّم الضّرب من عزّة الميلاء، ثم يرجع إلى مكّة فيقيم بها ثلاثة أشهر. ثم شخص‏[4] إلى فارس فتعلّم ألحان الفرس و أخذ غناءهم، ثم صار إلى الشأم فتعلّم ألحان الرّوم و أخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، و أخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض و ألّف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يسمع مثله. و كان يقال له صنّاج‏[5]العرب.

ابن محرز أوّل من غنى الرمل‏

أخبرني عمّي قال حدّثني أبو أيّوب المديني عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: قال أبي: أوّل من غنّى الرّمل ابن محرز و ما غنّي قبله. فقلت له: و لا بالفارسية؟قال: و لا بالفارسية، و أوّل‏[6]من غنّى رملا بالفارسية سلمك‏[7]في أيّام الرشيد، استحسن لحنا من ألحان ابن محرز، فنقل لحنه إلى الفارسية و غنّى فيه.

[1]كذا في ت. و في حـ، ر: «مولى أبي الخطاب بن قصيّ» . و في سائر النسخ: «مولى بني عبد الدار من قصيّ» و كلاهما محرّف. قال في «شرح القاموس» : «و الدار صنم، و به سمي عبد الدار بن قصيّ بن كلاب أبو بطن» .

[2]السدنة: جمع سادن، و هو خادم الكعبة. و كانت السّدانة و اللواء لبني عبد الدار في الجاهلية، فأقرّها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لهم في الإسلام.

[3]كذا في أ، م، ر: و معناه محدودب الظهر، يقال: رجل أحنى الظهر إذا كان في ظهره احديداب. و في سائر النسخ: «أجنى» بالجيم المعجمة. و لعل الأصل «أجنأ» بالهمز و معناه أحدب الظهر أيضا، و يقال: جنئ الرجل يجنأ جنأ و هو أجنأ إذا أشرف كاهله على صدره.

[4]كذا في أ، ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «ثم يشخص إلى فارس فيتعلم الخ» .

[5]الصنج: صفيحة مدوّرة من الصّفر يضرب بها على أخرى مثلها للطرب، و هو أيضا ما يجعل في إطار الدف من الهنات المدوّرة.

و أما الصنج ذو الأوتار الذي يلعب به فمختص بالعجم معرّب، و اللاعب به يقال له صنّاج و صناجة، و كان أعشى بكر يسمى صنّاجة العرب، لجودة شعره.

[6]و في ت: «أوّل» بغير واو.

[7]في حـ: «سملك» .

295

كان ابن محرز بعيد عن الناس حمل ذكره فما يذكر منه إلا غناؤه‏

قال أبو أيّوب و قال إسحاق: كان ابن محرز قليل الملابسة للناس، فأحمل ذلك ذكره فما يذكر منه إلاّ غناؤه، و أخذت أكثر غنائه جارية كانت لصديق له من أهل مكة كانت تألفه، فأخذه الناس عنها. و مات بداء كان به. و سقط إلى فارس فأخذ غناء الفرس، و إلى الشأم فأخذ غناء الروم، فتخيّر من نغمهم ما تغنّى به غناءه. و كان يقدم بما يصيبه فيدفعه إلى صديقه ذاك فينفقه كيف شاء، لا يسأله عن شي‏ء منه، حتّى إذا كاد أن‏[1]ينفد جهّزه و أصلح من أمره، و قال له: إذا شئت فارحل، فيرحل ثم يعود. فلم يزل كذلك حتى مات.

ابن محرز أوّل من غنّى بزوج من الشعر و اقتدى به المغنون في ذلك‏

[قال‏[2]]: و هو أوّل من غنّى بزوج من الشّعر، و عمل ذلك بعده المغنّون اقتداء به. و كان يقول: الأفراد لا تتمّ بها الألحان. و ذكر أنه أوّل ما أخذ الغناء أخذه عن ابن مسجح. قال إسحاق: و كانت العلّة التي مات بها الجذام، فلم يعاشر الخلفاء و لا خالط الناس لأجل ذلك.

قال أبو أيّوب قال إسحاق: قدم ابن محرز يريد[3]العراق، فلمّا نزل القادسيّة[4]لقيه حنين، فقال له: كم منّتك نفسك من العراق؟قال: ألف دينار. قال: فهذه خمسمائة دينار فخذها و انصرف و احلف ألاّ تعود.

علو كعبه في صنعة الغناء

و قال إسحاق: و قلت ليونس: من أحسن الناس غناء؟قال: ابن محرز. قلت: و كيف قلت‏[5]ذاك؟قال: إن شئت فسّرت، و إن شئت أجملت. قلت: أجمل. قال: كأنه خلق من كلّ قلب، فهو يغنّي لكل إنسان بما يشتهي.

و هذه الحكاية بعينها قد حكيت في ابن سريج، و لا أدري أيّهما الحقّ.

قال إسحاق: و أخبرني الفضل بن يحيى بن خالد أنه سأل بعض من يبصر الغناء: من أحسن الناس غناء؟ فقال: أ من الرجال أم من النساء؟فقلت: من الرجال. فقال: ابن محرز. فقلت: فمن النساء؟فقال: ابن سريج.

قال: و كان إسحاق يقول: الفحول ابن سريج، ثم ابن محرز، ثم معبد ثم الغريض، ثم مالك.

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد: قرأت على أبي حدّثنا بعض أهل المدينة، و أخبرني بهذا الخبر الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني أخي هارون عن عبد الملك بن الماجشون قال:

كان ابن محرز أحسن الناس غناء، فمرّ بهند بنت كنانة بن عبد الرحمن بن نضلة بن صفوان بن أمية بن محرّث‏[6]الكنانيّ حليف/قريش، فسألته أن يجلس لها و لصواحب لها، ففعل و قال: أغنّيكنّ صوتا أمرني [1]كذا في أكثر النسخ، و هو غير الفصيح في كاد من عدم اقتران خبرها بأن. و في حـ، ر: «كان ينفد» بالنون. و هو تحريف.

[2]زيادة في ت، حـ، ر.

[3]في ت، حـ، ر: «بلد العراق» .

[4]القادسية: بلدة قرب الكوفة بينها و بين الكوفة خمسة عشر فرسخا و بينها و بين العذيب أربعة أميال، و كانت بها وقعة القادسية المعروفة بين المسلمين و الفرس في عهد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سنة 16 من الهجرة.

[5]في ت: «قلت دع و كيف ذاك» .

[6]كذا في ت، أ، م، ء. و في سائر النسخ: «محرز» . قال في «القاموس» و «شرحه» : و سموا محرّثا كمحمد، قال ابن الأعرابيّ: هو اسم جدّ صفوان بن أميّة بن محرّث، و صفوان هذا أحد حكام كنانة ا هـ.

296

الحارث بن خالد بن العاص بن هشام أن أغنّيه عائشة بنت طلحة بن عبيد اللّه في شعر له قاله فيها و هو يومئذ أمير مكة؟قلن نعم. فغنّاهنّ:

صوت‏

فوددت إذ شحطوا و شطّت دارهم # وعدتهم عنّا عواد تشغل

أنّا نطاع و أن تنقّل أرضنا # أو أنّ أرضهم إلينا تنقل

لتردّ من كثب إليك رسائلي # بجوابها و يعود ذاك المرسل‏[1]

عروضه من الكامل. الغناء في هذه الأبيات خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر، ذكر عمرو بن بانة أنه لابن محرز، و ذكر إسحاق أنه لابن سريج.

ابن محرز و حنين الحيري‏

و قال أبو أيّوب المدينيّ في خبره: بلغني أنّ ابن محرز لمّا شخص يريد العراق لقيه حنين فقال له: غنّني صوتا من غنائك. فغنّاه:

صوت‏

و حسن‏[2]الزّبرجد في نظمه # على واضح اللّيت‏[3]زان العقودا

يفصّل ياقوته درّه # و كالجمر أبصرت فيه الفريدا[4]

عروضه من المتقارب. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. و الغناء لابن محرز ثاني ثقيل بالسّبّابة في مجرى البنصر -قال: فقال له حنين حينئذ: كم أمّلت من العراق؟قال: ألف دينار. فقال له: هذه خمسمائة دينار فخذها و انصرف. و لمّا شاع ما فعل لامه أصحابه عليه؛ فقال: و اللّه لو دخل العراق لما كان لي معه فيه خبز آكله، و لاطّرحت و سقطت إلى آخر الدهر. و هذا الصوت أعنى:

و حسن الزبرجد في نظمه‏

/من صدور أغاني ابن محرز و أوائلها و ما لا يتعلّق بمذهبه فيه و لا يتشبّه به أحد. و مما يغنّى فيه من قصيدة نصيب التي أوّلها:

أهاج هواك المنزل المتقادم‏

صوت‏

لقد راعني للبين نوح حمامة # على غصن بان جاوبتها حمائم‏

[1]كذا في حـ، ر و في سائر النسخ: «الدخلل» رد خلل الرجل بضم اللام و فتحها: الذي يداخله في أموره كلها و يعرف سرّه.

[2]كذا في «ديوانه» و أكثر النسخ. و في ت: «و حرّ» . و في حـ، ر: «و جرى» و لعله محرّف عن «و حر» .

[3]الليت: صفحة العنق.

[4]الفريد: الدرّ إذا نظم و فصل بغيره.

297

هواتف أمّا من بكين فعهده # قديم و أمّا شجوهنّ فدائم‏

الغناء لابن سريج من رواية يونس و عمرو و ابن المكيّ، و هو ثاني ثقيل بالبنصر، و هو من جيّد الألحان و حسن الأغاني، و هو مما عارض ابن سريج فيه ابن محرز و انتصف منه.

ذكر الأصوات التي رواها جحظة عن أصحابه و حكى أنها من الثلاثة المختارة

صوت‏

إلى جيداء قد بعثوا رسولا # ليحزنها فلا صحب الرّسول

كأنّ العام ليس بعام حجّ # تغيّرت المواسم و الشكول‏[1]

/الشعر للعرجيّ، و الغناء لإبراهيم الموصليّ، و لحنه المختار ماخوريّ بالوسطى. و هو من خفيف الثّقيل الثاني على مذهب إسحاق. و فيه لابن سريج ثاني ثقيل بالسّبّابة. في مجرى البنصر، و ذكر عمرو بن بانة أنّ الماخوريّ لابن سريج.

[1]الشكول: جمع شكل.

298

7-أخبار العرجيّ و نسبه‏

نسب العرجي من قبل أبويه‏

هو عبد اللّه بن عمر[1]بن عمرو بن عثمان بن عفّان بن أبي العاصي بن أميّة بن عبد شمس. و قد شرح هذا النسب في نسب أبي قطيفة. و أمّ عفّان و جميع بني أبي العاصي آمنة بنت عبد العزّى بن حرثان‏[2]بن عوف بن عبيد بن عويج بن عديّ بن كعب. و أمّ عثمان أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس. و أمّها البيضاء أمّ حكيم بنت عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، و هي أخت عبد اللّه بن عبد المطّلب أبى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم، لأمّه‏[و أبيه‏][3]ولدا في بطن واحد. و أمّ عمرو بن عثمان أمّ أبان بنت جندب الدّوسيّة.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء و الطّوسيّ قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عليّ بن صالح عن يعقوب بن محمد عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال حدّثني محرز بن جعفر عن أبيه عن جدّه قال:

قدم جندب بن عمرو بن حممة الدّوسيّ المدينة مهاجرا في خلافة عمر بن الخطاب، ثم مضى إلى الشأم و خلّف ابنته أمّ أبان عند عمر، و قال له: يا أمير المؤمنين، /إن وجدت لها كفؤا فزوّجه بها و لو بشراك نعله‏[4]، و إلا فأمسكها حتى تلحقها بدار قومها بالسّراة[5]. فكانت عند عمر، و استشهد أبوها، فكانت تدعوا عمر أباها و يدعوها ابنته. قال: فإنّ عمر على المنبر يوما يكلّم الناس في بعض الأمر[6]إذ خطر على قلبه ذكرها، فقال: من له في الجميلة الحسيبة بنت جندب بن عمرو بن حممة، و ليعلم امرؤ من هو!فقام عثمان فقال: إنا يا أمير المؤمنين. فقال أنت لعمر اللّه!كم سقت إليها؟قال: كذا و كذا. قال: قد زوّجتكها، فعجّله؛ فإنها معدّة. قال: و نزل عن المنبر.

فجاء عثمان رضي اللّه عنه بمهرها، فأخذه عمر في ردنه‏[7]فدخل به عليها، فقال: يا بنيّة، مدّي حجرك، ففتحت حجرها، فألقى فيه المال، ثم قال: يا بنيّة، قولي اللّهمّ بارك لي فيه. فقالت: اللهم بارك لي فيه، و ما هذا يا أبتاه؟ [1]كذا في أكثر النسخ. في ت: «هو عبد اللّه بن عمرو بن عمرو بن عثمان بن عفان» . و في حـ، م: «عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان» و مثله ما في «القاموس» في الكلام على العرج قال: «و منزل بطريق مكة منه عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان العرجيّ الشاعر» . و يظهر أن هذا ناقص؛ فإن المعروف بعبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان شخص آخر محدّث ذكره صاحب «تهذيب التهذيب» و قال: إنه المعروف بالمطرف مات سنة 96 هـ، و لهذا يظهر أن في قول شارح «القاموس» : «و في بعض النسخ عبد اللّه بن عمر بن عمرو بن عثمان و لم يتابع عليه» . نظرا. و قد ذكره ياقوت في «معجمة» فقال «إنه عبد اللّه بن عمر بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان» .

[2]كذا في أ، ت. و في ب، س: «حريان» . و في ء: «حربان» . و في حـ: «حدثان» . و في م: «حربان» من غير نقط.

[3]تكملة يقتضيها الكلام.

[4]شراك النعل: سيرها الذي على ظهر القدم. و هو مثل في القلة.

[5]سراة كل شي‏ء: أعلاه و هي مضافة إلى عدّة قبائل و مواضع و هي كثيرة. قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح الناس أهل السروات و هي ثلاث، و هي الجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن: أوّلها هذيل و هي تلي السهل من تهامة، ثم بجبلة و هي السراة الوسطى و قد شركتهم ثقيف في ناحية منها، ثم سراة الأزد أزد شنوءة و هم بنو كعب بن الحارث بن كعب بن عبد اللّه بن مالك بن نصر بن الأزد.

[6]في حـ، ب، س: «الأمور» .

[7]في ت: «يده» . و الردن: الكم.

299

قال: مهرك. فنفحت به‏[1]و قالت: وا سوأتاه!فقال: احتبسي منه لنفسك و وسّعي منه لأهلك، و قال لحفصة:

يا بنتاه، أصلحي من شأنها و غيّري بدنها[2]و اصبغي ثوبها، ففعلت. ثم أرسل بها مع نسوة إلى عثمان. فقال عمر لمّا فارقته: إنها أمانة في عنقي أخشى/أن تضيع بيني و بين عثمان، فلحقهنّ فضرب على عثمان بابه، ثم قال: خذ أهلك بارك اللّه لك فيهم. فدخلت على عثمان، فأقام عندها مقاما طويلا لا يخرج إلى حاجة. فدخل عليه سعيد بن العاص فقال له: يا أبا عبد اللّه، لقد أقمت عند هذه الدّوسيّة مقاما ما كنت تقيمه عند النساء. فقال: أما إنه ما بقيت خصلة كنت أحبّ أن تكون في امرأة إلا صادفتها فيها ما خلا خصلة واحدة. قال: و ما هي؟قال: إنّي رجل قد دخلت في السّنّ، و حاجتي في النساء الولد، و أحسبها حديثة لا ولد فيها/اليوم. قال: فتبسّمت. فلمّا خرج سعيد من عنده قال لها عثمان: ما أضحكك؟قالت: قد سمعت قولك في الولد، و إني لمن نسوة ما دخلت امرأة منهنّ على سيّد قطّ فرأت حمراء[3]حتى تلد سيّد من هو منه. قال: فما رأت حمراء حتى ولدت عمرو بن عثمان. و أمّ عمر بن عمرو بن عثمان و أمّ ولد. و أمّ العرجيّ آمنة بنت عمر بن عثمان؛ و قال إسحاق: بنت سعيد بن عثمان، و هي لأمّ ولد.

سبب تلقبه بالعرجي و نحوه نحو عمر بن أبي ربيعة في شعره‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي:

أنه إنما لقّب العرجيّ لأنه كان يسكن عرج‏[4]الطائف. و قيل: بل سمّي بذلك لماء كان له و مال عليه بالعرج.

و كان من شعراء قريش، و من شهر بالغزل منها، و نحا نحو عمر بن أبي ربيعة في ذلك و تشبّه به فأجاد. و كان مشغوفا باللّهو و الصّيد حريصا عليهما قليل المحاشاة[5]لأحد فيهما. و لم يكن له نباهة في أهله، و كان أشقر أزرق جميل الوجه. و جيداء التي شبّب بها هي أمّ محمد بن هشام بن إسماعيل/المخزوميّ، و كان ينسب بها ليفضح ابنها لا لمحبّة كانت بينهما؛ فكان ذلك سبب حبس محمد إيّاه و ضربه له، حتى مات في السّجن.

و أخبرني محمد بن مزيد إجازة عن حمّاد بن إسحاق فذكر أن حمادا حدّثه عن إسحاق عن أبيه عن بعض شيوخه:

أنّ العرجيّ كان أزرق كوسجا[6]ناتئ الحنجرة، و كان صاحب غزل و فتوّة[7]، و كان يسكن بمال له في الطائف يسمّى العرج؛ فقيل له العرجيّ و نسب إلى ماله. و كان من الفرسان المعدودين مع مسلمة بن عبد الملك بأرض الروم، و كان له معه بلاء حسن و نفقة كثيرة.

[1]كذا في أ، م، ت، حـ. و نفحت به: رمت به و ردّته. و في ب، س: «فنفخت فيه» و معناه رمته و ردته كما تنفخ الشي‏ء إذا دفعته عنك. قال في «اللسان» (مادة نفخ) : و في الحديث «رأيت كأنه وضع في يديّ سواران من ذهب فأوحى إليّ أن انفخهما» أي ارمهما و القهما كما تنفخ الشي‏ء إذا دفعته عنك. و إن كانت بالحاء المهملة فهو من نفحت الشي‏ء إذا رميته أ هـ. و في ء: «فتعجبت به» .

[2]البدن: شبه درع إلا أنه قصير قدر ما يكون على الجسد فقط قصير الكمين، و به فسر ثعلب قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) .

[3]فرأت حمراء، كناية عن الحيض. تريد أنها تلد من يفوق أباه.

[4]عرج الطائف: قرية جامعة في واد من نواحي الطائف و هي أوّل تهامة، و بينها و بين المدينة ثمانية و سبعون ميلا، و هي في بلاد هذيل.

[5]أي قليل المبالاة و الاكتراث بأحد فيهما.

[6]الكوسج: الأثطّ و هو الخفيف شعر اللحية أو الخفيف شعر العارضين.

[7]في ت: «و فتوّة و مروءة» .

300

قال إسحاق: قد ذكر عتبة بن إبراهيم اللّهبيّ‏[1]: أنّ العرجيّ فيما بلغه باع أموالا عظاما كانت له و أطعم ثمنها في سبيل اللّه حتى نفد ذلك كلّه. و كان قد اتّخذ غلامين، فإذا كان الليل نصب قدره‏[2]و قام الغلامان يوقدان، فإذا نام واحد قام الآخر، فلا يزالان كذلك حتى يصبحا، يقول: لعلّ طارقا يطرق.

أخبرني حبيب بن نصر قال حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدّثني مصعب، و أخبرنا الحرميّ عن الزّبير عن عمّه مصعب، و عن محمد بن الضّحّاك بن عثمان عن أبيه قال، دخل حديث بعضهم في بعض، و أخبرني محمد بن مزيد عن حمّاد عن أبيه عن مصعب قال:

العرجيّ خليفة عمر بن أبي ربيعة

كانت حبشيّة من مولّدات مكة ظريفة صارت إلى المدينة، فلمّا أتاهم موت عمر بن أبي ربيعة اشتدّ جزعها و جعلت تبكي و تقول: من لمكة و شعابها و أباطحها و نزهها و وصف نسائها و حسنهنّ و جمالهنّ و وصف ما فيها!فقيل لها: خفّضي عليك؛ فقد نشأ فتى من ولد عثمان رضي اللّه عنه يأخذ مأخذه و يسلك مسلكه. فقالت: أنشدوني من شعره، فأنشدوها؛ فمسحت عينها و ضحكت و قالت: الحمد للّه الذي لم يضيّع حرمه.

العرجيّ و كلابة مولاة عبد اللّه بن القاسم العبلى‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب، و أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن عورك‏[3]اللّهبيّ:

أنّ مولاة لثقيف يقال لها كلابة[4]كانت عند عبد اللّه بن القاسم الأمويّ العبليّ‏[5]، و كان يبلغها تشبيب العرجيّ بالنساء و ذكره لهنّ في شعره، و كانت كلابة تكثر أن تقول: لشدّ ما اجترأ العرجيّ على نساء قريش حين‏[6] يذكرهنّ في شعره!و لعمري/ما لقي أحدا فيه خير، /و لئن لقيته لأسوّدنّ وجهه!فبلغه ذلك عنها. قال إسحاق في خبره: و كان العبليّ نازلا على ماء لبني نصر بن معاوية يقال له الفتق‏[7]على ثلاثة أميال من مكّة على طريق من جاء [1]لا ندري أ هو منسوب إلى أبي لهب عم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أم إلى لهب و هي قبيلة من الأزد، و قد نسب لهما جميعا. و ممن نسب إلى الأوّل إبراهيم بن أبي حميد اللهبي و إبراهيم بن أبي خداش اللهبي من أهل مكة. و لا ندري أ عتبة هذا ابن أحدهما أم لا.

[2]في ت: «قدوره» .

[3]تقدّم هذا الإسم في صفحة 40 من هذا الجزء و قال عنه صاحب «الأغاني» : إنه الحسن بن عتبة. و سيرد في الجزء الثامن من «الأغاني» في ذكر الحارث بن خالد و نسبه و خبره و قال عنه: إنه المعروف بفورك بالفاء.

[4]كذا في الأصول عارية عن الضبط غير أنه في نسخة ت ضبطت في هذا الموضع بضم الكاف و فتح اللام. و في أ حين ذكرت في الشعر الآتي بعد ضبطت بضم الكاف فقط. و لم نعثر في «كتب اللغة و التراجم» على التسمية بهذا الإسم، غير أن وزن الشعر يحتم تخفيف اللام. و يغلب على الظن أن وزنها فعالة بضم ففتح؛ و قد سمّي به كثيرا كقحافة و ثمامة و أمامة و غيرها.

[5]هو بفتح العين و إسكان الباء نسبة إلى عبلة أم قبيلة من قريش يقال لهم العبلات من بني أمية الصغرى، و النسبة إليهم عبلى بفتح فسكون؛ لأن النسبة إلى الجمع يراعي فيها المفرد. و قال ابن ماكولا: النسبة إليهم عبلى بفتح العين و الباء. قال المرتضى:

و التحريك خطأ كما حققه البلبيسي في «الأنساب» . و أما العبل-بفتح العين و الباء-بن عمر بن مالك بن زيد بن رعين فأبو قبيلة أخرى.

[6]كذا في ت، ب، حـ. و في سائر النسخ: «حتى» .

[7]في الأصول: «الفنق» بفاء فنون. و هو مصحف عن الفتق بفاء فتاء. قال في ياقوت: «الفتق قرية بالطائف. و في كتب «المغازي» أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سيّر قطبة بن عامر بن حديدة إلى تبالة ليغير على خثعم في سنة تسع، فسلك على موضع يقال له فتق. و قرأت بخط بعض الفضلاء: الفتق من مخاليف الطائف بفتح الفاء و سكون التاء. و في «كتاب الأصمعي» في ذكر نواحي الطائف فقال: و «قرية الفتق» أ هـ.

301

من نجران أنو تبالة إلى مكّة، و العرج أعلاها قليلا ممّا يلي الطائف. فبلغ العرجيّ أنه خرج إلى مكّة، فأتى قصره فأطاف‏[1]به، فخرجت إليه كلابة و كان خلّفها في أهله، فصاحت به: إليك، ويلك!و جعلت ترميه بالحجارة و تمنعه أن يدنو من القصر. فاستسقاها ماء فأبت أن تسقيه، و قالت: لا يوجد و اللّه أثرك عندي أبدا فيلصق بي منك شرّ. فانصرف و قال: ستعلمين!و قال:

صوت‏

حور بعثن رسولا في ملاطفة # ثقفا[2]إذا غفل‏[3]النّسّاءة[4]الوهم‏[5]

إليّ أن ائتنا هدأ[6]إذا غفلت # أحراسنا و افتضحنا إن هم علموا

فجئت أمشي على هول أجشمه # تجشّم المرء هولا في الهوى كرم

إذا تخوّفت من شي‏ء أقول له # قد جفّ فامض بشي‏ء قدّر القلم

أمشي كما حرّكت ريح يمانية # غصنا من البان رطبا طلّه‏[7]الدّيم

/في حلّة من طراز السّوس‏[8]مشربة[9] # تعفو[10]بهدّابها ما أثّرت قدم

خلّت سبيلي كما خلّيت ذا عذر[11] # إذا رأته عتاق الخيل ينتجم‏[12]

و هنّ في مجلس خال و ليس له # عين عليهنّ أخشاها و لا ندم‏[13]

حتى جلست إزاء الباب مكتتما # و طالب الحاج تحت الليل مكتتم

أبدين لي أعينا نجلا كما نظرت # أدم هجان أتاها مصعب‏[14]قطم‏

[1]في ت: «فطاف» و كلاهما فصيح.

[2]يقال: رجل ثقف و ثقف و ثقف، إذا كان حاذقا فهما.

[3]كذا في ت. و في حـ: «استيقظ» . و في سائر النسخ: «عقل» و كلاهما ظاهر التحريف.

[4]النساءة: صيغة مبالغة في الناسي، و التاء فيه للمبالغة.

[5]الوهم: الكثير الوهم و هو السهو و الغلط.

[6]الهدء: الثلث الأوّل من الليل، و ذلك ابتداء سكونه و انقطاع الناس عن المشي و الاختلاف في الطرق.

[7]طله هنا: أمطره. و الديم: جمع ديمة، و هي مطر يدوم في سكون بلا رعد و برق.

[8]السوس: بلدة بخوزستان فيها قبر دانيال النبي عليه السّلام. قال في كتاب «لطائف المعارف» للثعالبي طبع أوروبا ص 107 في ذكر خصائص البلاد: «و منها السوس التي بها طراز الخزوز الثمينة الملوكية» .

[9]الإشراب: أن تخلط لونا بلون آخر، كأن أحد اللونين سقي الآخر؛ يقال: أشرب الأبيض حمرة إذا علاه ذلك. و في ت: «معلمة» .

و المعلم: الثوب الذي جعلت فيه علامة.

[10]في ت: «أعفو» .

[11]العذر: جمع عذار، و هو من الافرس كالعارض للإنسان، ثم سمى السير الذي يكون عليه من اللجام عذرا باسم موضعه. و قيل:

عذار اللجام السيران اللذان يجتمعان عند القفا.

[12]كذا في أكثر النسخ. و في ت: «تنتجم» . و لعله مصحف عن تنتحم. و النحيم: صوت يخرج من صدر الفرس كالزحير أو هو فوقه.

[13]كذا في أكثر النسخ، و هو هنا بمعنى الأثر. و في حـ: «و لا قدم» و هو هنا مجاز عن الشخص الذي يسعى بالشرّ. و بهذا ينتفي الإيطاء لاختلاف المعنى.

[14]المصعب: الفحل الذي يودع من الركوب و العمل للفحلة. و القطم: المشتهى للضراب. ـ

302

قالت كلابة من هذا؟فقلت لها # أنا الذي أنت من أعدائه زعموا

أنا امرؤ جدّ بي حبّ فأحرضني‏[1] # حتى بليت و حتى شفّني السّقم

لا تكليني إلى قوم لو انّهم # من بغضنا أطعموا الحمى إذا طعموا

و أنعمي نعمة تجزي بأحسنها # فطالما مسّني من أهلك النّعم

ستر المحبّين في الدنيا لعلّهم # أن يحدثوا توبة فيها إذا[2]أثموا

هذي يميني رهن بالوفاء لكم # فارضي بها و لأنف الكاشح الرّغم‏[3]

/قالت رضيت و لكن جئت في قمر # هلاّ[4]تلبّثت حتى تدخل الظّلم

فبتّ أسقي بأكواس‏[5]أعلّ بها # من بارد طاب منها الطّعم و النّسم‏[6]

حتّى بدا ساطع للفجر نحسبه # سنى حريق بليل حين يضطرم

كغرّة الفرس المنسوب‏[7]قد حسرت‏[8] # عنه الجلال‏[9]تلالا و هو يلتجم‏[10]

ودّعتهنّ و لا شي‏ء يراجعني # إلا البنان و إلا الأعين السّجم‏[11]

إذا أردن كلامي عنده اعترضت # من دونه عبرات فانثنى الكلم

تكاد إذ رمن نهضا للقيام معي # أعجازهنّ من الأنصاف تنقصم‏

قال: فسمع ابن القاسم العبليّ بالشّعر يغنّى به، و كان العرجيّ قد أعطاه جماعة من المغنّين/و سألهم أن يغنّوا فيه، فصنعوا في أبيات منه عدّة ألحان، و قال: و اللّه لا أجد لهذه الأمة شيئا أبلغ من إيقاعها تحت التّهمة عند ابن القاسم ليقطع مأكلتها من ماله. قال: فلمّا سمع العبليّ بالشعر يغنّى به أخرج كلابة و اتّهمها، ثم أرسل بها بعد زمان على بعير بين غرارتي بعر، فأحلفها بمكّة بين الرّكن و المقام إنّ العرجيّ كذب فيما قاله. فحلفت سبعين يمينا، فرضي عنها و ردّها. فكان بعد ذلك إذا سمع قول العرجيّ:

فطالما مسّني من أهلك النّعم‏

/قال: كذب و اللّه ما مسّه ذلك قطّ. و قال إسحاق: و قد قيل: إنّ صاحب هذه القصيدة[و القصة][12]أبو [1]في ت: «فأجرضني» بالجيم. و قد تقدّم الكلام عليهما في الحاشية رقم 3 ص 281 من هذا الجزء.

[2]في ت، م، ء، : «و إن» .

[3]الرغم (مثلثة الراء مع سكون الغين) : الذل و القسر؛ و أصله أن يلتصق أنفه بالرغام و هو التراب. و قد حرّك في الشعر للضرورة.

[4]في م، ء: «ألاّ» و هي بمعنى «هلاّ» .

[5]كذا في الأصول. و الموجود في «كتب اللغة» جمعا لكأس أكؤس و كئاس و كئوس و كأسات. فلعله محرّف عن «أكواب» .

[6]النسم و النسيم: الريح الطيبة.

[7]المنسوب: الأصيل الكريم.

[8]حسر الشي‏ء عن الشي‏ء يحسره و يحسره فانحسر هنا: كشفه.

[9]الجلال: جمع جلّ، و هو ما تلبسه الدابة لتصان به.

[10]ألجمت الفرس فالتجم أي ألبسته اللجام فلبسه.

[11]السجم: جمع سجوم. و السجوم من العيون: الكثيرة سيلان الدمع.

[12]زيادة في ت.

303

حراب‏[1]العبليّ، و إنّ كلابة كانت أمة لسعدة بنت عبد اللّه بن عمرو[2]بن عثمان، و كان العرجيّ قد خطبها و سمّيت‏[3]به، ثم خطبها يزيد بن عبد الملك أو الوليد بن‏[4]يزيد فزوّجته‏[5]، فقال العرجيّ هذا الشعر فيها. غنّى في قوله:

أمشي كما حرّكت ريح يمانية

عليّ بن هشام هزجا مطلقا بالبنصر، و فيه للمسدود[6]هزج آخر طنبوريّ، ذكر ذلك جحظة. و في:

لا تكليني إلى قوم لو انهم‏

رمل لابن سريج عن ابن المكّيّ و إسحاق‏[7]بالسّبّابة في مجرى الوسطى. و في «قالت كلابة» و الذي بعده لعبيد[8]اللّه بن أبي غسّان لحن من خفيف الرّمل. و لنبيه‏[9]في «أنا امرؤ جدّ بي» و ما بعده، هزج بالوسطى.

و لدحمان في «حور بعثن» و ما بعده، هزج بالوسطى، و روى عنه الهشاميّ فيه ثقيلا أوّل‏[10]. و لأبي عيسى بن المتوكّل في «و أنعمي نعمة» و بيتين بعده، ثقيل أوّل.

/و أخبرني بخبر العرجيّ و كلابة هذه الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير بن بكّار عن عمّه مصعب، و أخبرني به وكيع عن أبي أيّوب المدينيّ عن مصعب و ذكر نحوا مما ذكره إسحاق؛ و زعما أن كلابة كانت قيّمة لأبي حراب العبليّ و هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن الحارث بن أميّة الأصغر بن عبد شمس.

أيوب بن مسلمة و أشعب يتذكران شعر للعرجيّ‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال أخبرني مسلمة بن إبراهيم بن هشام قال:

كنت عند أيّوب بن مسلمة و معنا أشعب، فذكر قول العرجيّ:

أين ما قلت متّ قبلك أينا # أين تصديق ما وعدت‏[11]إلينا

فلقد خفت منك أن تصرمي الحبـ # ل و أن تجمعي مع الصّرم بينا

[1]كذا بالحاء في أكثر النسخ. و في ب: «أبو جراب» بالجيم و قد سمى بهما. و قد تقدّم في ص 210 من هذا الجزء أنه محمد بن عبد اللّه المعروف بأبي جراب العبلى (بالجيم) الذي قتله داود بن علي و أنه أخو الثريا.

[2]في ب، س: «عبد اللّه بن عمر بن عمرو بن عثمان» و هو خطأ (راجع «المعارف» لابن قتيبة ص 99 و 100) .

[3]الضمير فيه لسعدة بنت عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان، و قد كانت ابنة عم العرجي. و يريد بقوله: و سميت به أنه عرف عند الناس أنها خطيبته.

[4]في «تاريخ ابن جرير الطبري» طبع أوروبا قسم 2 ص 1464 و 1465: أن سعدة امرأة يزيد بن عبد الملك، و قد ذكر قصتها مع يزيد في شراء حبابة المغنية، فراجعها.

[5]في ب، س: «فتزوّجته» .

[6]هو مغنّ ستأتي ترجمته في الجزء الحادي و العشرين من «الأغاني» .

[7]في ت، حـ: «و لإسحاق» .

[8]في ت، ء: «عبد اللّه» .

[9]كان نبيه في أوّل أمره شاعرا لا يغني، ثم هوى قينة ببغداد فتعلم الغناء من أجلها، و لم يزل يتزيد حتى جاد غناؤه و عدّ في المحسنين. و لم نعثر له على ضبط خاص. و قد سمى بنبيه كأمير و نبيه كزبير.

[10]كذا في أكثر النسخ. و في حـ: «و لدحمان في حور بعثن و ما بعده ثقيل أوّل عن الهشاميّ» .

[11]في ت، حـ: «عهدت» .

304

ما تقولين في فتى هام إذ ها # م بمن لا ينال جهلا و حينا

فاجعلي بيننا و بينك عدلا # لا تحيفي و لا يحيف علينا

و اعلمي أنّ في القضاء شهودا # أو يمينا فأحضري شاهدينا

خلّتي لو قدرت منك على ما # قلت لي في الخلاء حين التقينا

ما تحرّجت من دمي علم اللّ # ه و لو كنت قد شهدت حنينا

قال فقال أيّوب لأشعب: ما تظنّ أنّها وعدته‏[1]؟قال: أخبرك يقينا لا ظنّا أنّها وعدته أن تأتيه في شعب من شعاب العرج يوم الجمعة إذا نزل الرجال إلى الطائف للصّلاة، فعرض لها عارض‏[2]شغل فقطعها عن موعده. قال: فمن كان الشاهدان؟/قال: كسير و عوير، و كلّ غير خير[3]: فند[4]أبو زيد مولى عائشة بنت سعد، و زور[5]الفرق مولى الأنصار. قال: فمن العدل الحكم؟قال: /حصين بن غرير[6]الحميريّ. قال: فما حكم به؟قال: أدّت إليه حقّه و سقطت المئونة عنه. قال: يا أشعب، لقد أحكمت صناعتك!قال: سل علاّمة عن علمه.

شعر العرجي في عاتكة زوجة طريح بن إسماعيل الثقفيّ‏

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن عورك‏[7]اللّهبيّ قال:

قال العرجيّ في امرأة من بني حبيب (بطن من بني نصر بن معاوية) يقال لها عاتكة، و كانت زوجة طريح بن إسماعيل الثّقفيّ:

يا دار عاتكة التي بالأزهر # أو فوقه بقفا الكثيب الأحمر[8]

لم ألق أهلك بعد عام لقيتهم # يا ليت أنّ لقاءهم لم يقدر

[1]كذا في م، ء، س. و في حـ: «ما نظنها وعدته» . و في سائر النسخ: «ما نظن أنها وعدته» .

[2]في ب. س: «أعرض لها شغل» .

[3]في «مجمع الأمثال» للميداني: أن أوّل من قال هذا المثل أمامة بنت نشبة بن مرة، تزوّجها رجل من غطفان أعور، فمكثت عنده ثم نشزت عليه فطلقها، فزوّجت من حارثة بن مرة من بني سليم و كان أعرج مكسور الفخذ. فلما دخل بها و رأته كذلك قالت هذا المثل. و في ياقوت في الكلام على كسير: كسير و عوير: جبلان عظيمان مشرفان على أقصى بحر عمان صعبا المسلك و عرا المصعد و أورد المثل: «كسير و عوير و ثالث ليس فيه خير» . (انظر «مجمع الأمثال» للميداني و «ياقوت» و «شرح القاموس» ) .

[4]هو فند مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، و كان أحد المغنّين المجيدين، و كان يجمع بين الرجال و النساء، و له يقول ابن قيس الرقيات:

قل لفند يشيّع الأظعانا # طالما سرّ عيشنا و كفانا

و كانت عائشة أرسلته يأتيها بنار، فوجد قوما يخرجون إلى مضر فخرج معهم فأقام بها سنة، ثم قدم فأخذ بنار و جاء يعدو فقال:

«تعست العجلة» فصارت مثلا. و لهذا قيل في المثل: «أبطأ من فند» .

[5]كذا في ب، س، حـ. و في م، أ، ت، د: «و زرّ الفرق» . و في معاهد التنصيص طبع بولاق ص 321: «و زرّ العذق» و لم نعثر عليه.

[6]سيأتي هكذا بعد في صفحة 403 من هذا الجزء و في ب، س، أ، م: «عرير» و في ت: «عوير» . و في حـ، ء: «عزير» .

[7]تقدّم هكذا في صفحة 40 من هذا الجزء. و في ت، حـ: «غورك» . و في سائر النسخ: «عون» . (و انظر الحاشية رقم 1 ص 387) من هذا الجزء.

[8]في «معجم ياقوت» في مادّة الأزهر: «الأعفر» .