الأغاني - ج1

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
323 /
305
صوت‏

/بفناء بيتك و ابن مشعب حاضر # في سامر[1]عطر و ليل مقمر

مستشعرين‏[2]ملاحفا[3]هرويّة # بالزّعفران صباغها و العصفر

فتلازما عند الفراق صبابة # أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر

الأزهر: على ثلاثة أميال من الطّائف‏[4]. و ابن مشعب الذي غناه مغنّ من أهل مكّة كان في زمن ابن سريج. و الغناء في هذه الأبيات له رمل بالوسطى. قال إسحاق: كان ابن مشعب من أحسن الناس وجها و غناء[5]، و مات في تلك الأيام، فأدخل الناس غناءه في غناء ابن سريج و الغريض. قال: و هذا الصوت ينسبه من لا يعلم إلى ابن محرز، يعني:

بفناء بيتك و ابن مشعب حاضر

قال: و هو الذي غنّى:

أقفر ممّن يحلّه السّند[6] # فالمنحنى‏[7]فالعقيق فالجمد[8]

ويحي [9]غدا إن غدا عليّ بما # أحذر من فرقة الحبيب غد

و الناس ينسبونه إلى ابن سريج.

حكاية يرويها ابن مخارق عن العرجي‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير قال حدّثنا محمد بن ثابت بن إبراهيم الأنصاريّ قال حدّثني ابن مخارق قال:

واعد العرجيّ هوى‏[10]له شعبا من شعاب عرج الطائف إذا نزل رجالها يوم الجمعة إلى مسجد الطائف.

فجاءت على أتان لها معها جارية لها، و جاء العرجيّ على حمار معه غلام له، فواقع المرأة، و واقع الغلام الجارية، و نزا الحمار على الأتان. فقال العرجيّ: هذا يوم قد غاب عذّاله:

غنى العرجي‏

أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا النّضر بن عمرو عن ابن داحة قال:

[1]السامر: مجلس السّمار. و السامر أيضا: اسم جمع بمعنى السمار، كالحاج بمعنى الحجاج.

[2]مستشعرين: لابسين؛ يقال: استشعر الثوب أي لبسه، و أصله من الشعار و هو ما يلبس تحت الدثار.

[3]الملاحف: جمع ملحف و مثله الملحفة و اللّحاف، و هو كل ما التحف به.

[4]في ت: «من مكة» . و عبارة ياقوت: «الأزهر موضع على أميال من الطائف» .

[5]في ت، حـ: «أحسن الناس غناء» .

[6]في «معجم ياقوت» : سند في قول النابغة:

يا دارميّة بالعلياء فالسند

بلد معروف في البادية. ثم قال و قال الأديبي: سند بفتحتين: ماء معروف لبني سعد.

[7]المنحنى: موضع قرب مكة، كما في «شرح القاموس» .

[8]الجمد: جبل لبني نصر بنجد، كما في ياقوت.

[9]في ت: «ويلي» .

[10]هوى بمعنى مهويّ أي محبوبة، كما في قول الشاعر:

هواي مع الركب اليمانين مصعد

306

كان العرجيّ يستقي على إبله في شملتين‏[1]، ثم يغتسل و يلبس حلّتين بخمسمائة دينار، ثم يقول:

يوما لأصحابي و يوما للمال # مدرعة[2]يوما و يوما سربال‏[3]

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن بعض رجاله: أنّ العرجيّ كان غازيا فأصابت الناس مجاعة، فقال للتجار: أعطوا الناس و عليّ ما تعطون، فلم يزل يعطيهم و يطعم الناس حتى أخصبوا[4]، فبلغ ذلك عشرين ألف دينار، فألزمها[5]العرجيّ نفسه. و بلغ الخبر عمر بن عبد العزيز فقال: بيت المال أحقّ بهذا، فقضى التّجّار ذلك المال من بيت المال.

العرجيّ و أم الأوقص و هو محمد بن عبد الرحمن المخزومي القاضي‏

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير عن عمّه، و أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبيري‏[6]و غيره:

أنّ العرجيّ خرج إلى جنبات‏[7]/الطائف متنزّها[8]، فمرّ ببطن النّقيع‏[9]فنظر إلى أمّ الأوقص، و هو محمد بن عبد الرحمن المخزوميّ القاضي، و كان يتعرّض لها، فإذا رآها رمت بنفسها و تستّرت منه، و هي امرأة من بني تميم، فبصر بها في نسوة جالسة و هنّ يتحدّثن، فعرفها و أحبّ أن يتأمّلها من قرب، فعدل عنها و لقي أعرابيّا من بني نصر على بكر له و معه وطبا[10]لبن، فدفع إليه دابّته و ثيابه و أخذ قعوده و لبنه و لبس ثيابه، ثم أقبل على النسوة فصحن به: يا أعرابيّ، أ معك لبن؟قال: نعم، و مال إليهنّ و جلس يتأمّل أمّ الأوقص، و تواثب من معها إلى الوطبين، و جعل العرجيّ يلحظها و ينظر أحيانا إلى الأرض كأنه يطلب شيئا و هنّ يشربن من اللّبن. فقالت له امرأة منهنّ: أيّ شي‏ء تطلب يا أعرابيّ في الأرض؟أضاع منك شي‏ء؟قال: نعم قلبي. فلمّا سمعت التّميميّة كلامه نظرت [1]الشملة: كساء مخمل دون القطيفة يشتمل به. قال أبو منصور: الشملة عند العرب: مئزر من صوف أو شعر يؤتزر به، فإذا لفّق لفقين فهي مشملة يشتمل بها الرجل إذا نام بالليل.

[2]قال في «اللسان» : و المدرع: ضرب من الثياب التي تلبس، و قيل جبة مشقوقة المقدم. و المدرعة: ثوب آخر و لا تكون إلا من الصوف خاصة.

[3]السربال: القميص أو الدرع، و قيل: كل ما لبس فهو سربال.

[4]في حـ: «حتى أحصى» .

[5]في حـ: «فالتزمها العرجيّ» . و في ب: «فالتزمها العرجيّ نفسه» .

[6]كذا في ب، س. و في حـ: «الزبير» . و في سائر النسخ: «الزهري» .

[7]جنبات: جمع جنبة و هي الناحية.

[8]قال ابن سيده: تنزه الانسان: خرج إلى الأرض النزهة (و هي الأرض البعيدة النائية من الأنداء و المياه و الغمق) . قال: و العامة يضعون الشي‏ء في غير موضعه و يغلطون فيقولون: خرجنا نتنزه، إذا خرجوا إلى البساتين فيجعلون التنزه الخروج إلى البساتين و الخضر و الرياض، و إنما التنزه: التباعد عن الأرياف و المياه حيث لا يكون ماء و لا ندى و لا جمع ناس، و ذلك شق البادية، و منه قيل: فلان يتنزه عن الأقذار و ينزه نفسه عنها أي يباعد نفسه عنها. قال المرتضى: قال شيخنا نقلا عن الشهاب: لا يخفى أن العادة كون البساتين في خارج القرى غالبا، و لا شك إن الخروج إليها تباعد. (راجع «لسان العرب» و «شرح القاموس» مادّة نزه) .

[9]كذا في معاهد التنصيص طبع بولاق في ترجمة العرجيّ ص 422، و النقيع كما في «القاموس» : موضع بجنبات الطائف. و في الأصول: «البقيع» بالباء و هو تصحيف.

[10]الوطب: سقاء اللبن.

307

إليه و كان أزرق فعرفته، فقالت: العرجيّ بن عمر و ربّ الكعبة!و وثبت و سترها نساؤها و قلن: انصرف عنّا لا حاجة بنا إلى لبنك. فمضى منصرفا، و قال في ذلك:

أقول لصاحبيّ و مثل ما بي # شكاه المرء ذو الوجد الأليم ش

/إلى الأخوين مثلهما إذا ما # تأوّبه مؤرّقه الهموم

لحيني و البلاء لقيت ظهرا # بأعلى النّقع‏[1]أخت بني تميم

فلمّا أن رأت عيناي منها # أسيل الخدّ في خلق عميم‏[2]

و عيني جؤذر خرق‏[3]و ثغرا # كلون الأقحوان و جيد ريم

حنا أترابها دوني عليها # حنوّ العائدات على السّقيم‏

قال إسحاق في خبره: فقال رجل من بني جمع يقال له ابن عامر للأوقص و قضى عليه بقضيّة فتظلّم منه: [4] و اللّه لو كنت أنا عبد اللّه بن عمر العرجيّ لكنت قد أسرفت عليّ. فضربه الأوقص سبعين سوطا.

أبو السائب المخزومي و شعر العرجي‏

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا مصعب بن عبد اللّه عن أبيه قال:

أتاني أبو السّائب المخزوميّ ليلة بعد ما رقد السّامر فأشرفت عليه. فقال: سهرت و ذكرت أخا لي أستمتع به، فلم أجد سواك. فلو مضينا إلى العقيق فتناشدنا و تحدّثنا!فمضينا، فأنشدته في بعض ذلك بيتين للعرجي:

باتا بأنعم ليلة حتّى بدا # صبح تلوّح كالأغرّ الأشقر

فتلازما عند الفراق صبابة # أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر

فقال: أعده عليّ، فأعدته. فقال: أحسن و اللّه!امرأته طالق إن نطق بحرف غيره حتّى يرجع إلى بيته.

قال: فلقينا عبد اللّه بن حسن بن حسن، فلمّا صرنا إليه وقف‏[5]بنا و هو منصرف من ماله يريد المدينة، فسلّم ثم قال: كيف أنت يا أبا السائب؟فقال:

/فتلازما عند الفراق صبابة # أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر

فالتفت إليّ فقال: متى أنكرت صاحبك؟فقلت: منذ الليلة. فقال: إنّا للّه!و أيّ كهل أصيبت منه قريش!ثم مضينا، فلقينا محمد بن عمران التّيميّ قاضي المدينة يريد مالا له على بغلة له و معه غلام على عنقه مخلاة فيها قيد البغلة، فسلّم ثم قال: كيف أنت يا أبا السائب؟فقال:

/فتلازما عند الفراق صبابة # أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر

[1]النقع: موضع قرب مكة في جنبات الطائف.

[2]عميم: تامّ.

[3]يقال: خرق الظبي فهو خرق، إذا دهش من فزع.

[4]كذا في حـ. و في سائر النسخ: «فتظلم منه و قال له الخ» . و كلمة «و قال له» مكررة لا داعي إليها.

[5]كذا في ت. و في سائر النسخ: «و وقف» ؛ بالواو. و قد تزاد الواو في جواب «لما» .

308

فالتفت إليّ فقال: متى أنكرت صاحبك؟قلت: آنفا. فلمّا أراد المضيّ قلت: أ فتدعه هكذا؟و للّه ما آمن أن يتهوّر[1]في بعض آبار العقيق!قال: صدقت، يا غلام قيد البغلة، فأخذ القيد فوضعه في رجله و هو ينشد البيت و يشير بيده إليه يري أنه‏[2]يفهم عنه قصّته. ثم نزل الشيخ و قال لغلامه: يا غلام، احمله على بغلتي و ألحقه بأهله.

فلمّا كان بحيث علمت أنه فاته أخبرته بخبره، فقال: قبّحك اللّه ماجنا!فضحت شيخا من قريش و غررتني.

ابن أبي عتيق و شعر العرجي‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عروة بن عبد اللّه بن عروة بن الزبير عن عروة بن أذينة[3]قال:

/أنشد ابن جندب الهذليّ ابن أبي عتيق قول العرجيّ:

و ما أنس م الأشياء لا أنس قولها # لخادمها قومي اسألي لي عن الوتر

فقالت يقول الناس في ستّ عشرة # فلا تعجلي منه فإنّك في أجر

فما ليلة عندي و إن قيل جمعة # و لا ليلة الأضحى و لا ليلة الفطر

بعادلة الاثنين عندي و بالحرى # يكون سواء منهما ليلة القدر

فقال ابن أبي عتيق: أشهدكم أنّها حرّة من مالي إن أجاز ذلك أهلها، هذه و اللّه أفقه من ابن شهاب.

شعر العرجيّ في زوجته أم نعمان بنت بكير بن عمرو بن عثمان بن عفان‏

أخبرني حبيب بن نصر قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الموصليّ قال:

تزوّج العرجيّ أمّ عثمان بنت بكير بن عمرو بن عثمان بن عفّان، و أمّها سكينة بنت مصعب بن الزّبير، فقال فيها:

إنّ عثمان و الزّبير أحلاّ # دارها باليفاع‏[4]إذ ولداها

إنّها بنت كلّ أبيض قرم‏[5] # نال في المجد من قصيّ ذراها

[1]يتهوّر هنا: يسقط.

[2]لعلها: «يريد أن يفهم عنه قصته» .

[3]كذا في حـ. و في ت: «حدّثني عمرو بن الزبير عن عروة بن أذينة» . و في سائر النسخ: «حدّثني عروة بن عبد اللّه بن عروة بن الزبير بن عروة بن أذينة» . و هذه الرواية ظاهرة التحريف؛ فإن عروة بن الزبير بن العوّام ليس ابنا لعروة بن أذينة. و يظهر أن نسخة حـ أقرب للصواب، غير أنه يلاحظ أن فيها عروة بن عبد اللّه بن عروة بن الزبير، و لم يرد هذا الاسم في «كتب التراجم» ، و لم يعرف أن لعبد اللّه بن عروة بن الزبير ابنا اسمه عروة، و إنما ابنه عمر بن عبد اللّه بن عروة بن الزبير، و المعروف أنه روى عن أبيه وجده و لم يعرف أنه روى عن عروة بن أذينة. فلعل الصواب في هذه النسخة: «حدّثني عمر بن عبد اللّه عن عروة بن الزبير عن عروة بن أذينة» ؛ لأن رواية عروة بن الزبير عن عروة بن أذينة و إن لم يرد في «كتب التراجم» ما يثبتها، أقرب من رواية عمر بن عبد اللّه بن عروة بن الزبير عنه. و أما نسخة ت فلم نستطع التثبت من صحتها؛ لأنه لم يرد في «كتب التراجم» من تسمى بعمرو بن الزبير، حتى نعلم أروى عن عروة بن أذينة أم لا.

[4]اليفاع: المشرف من الأرض و الجبل.

[5]القرم من الرجال: السيد المعظم.

309

سكن الناس بالظّواهر منها # و تبوّا لنفسه بطحاها[1]

قال إسحاق: و لمّا تزوّج الرشيد زوجته العثمانيّة أعجب بها، فكان كثيرا ما يتمثّل بهذه الأبيات.

العرجي و أبو عدي العبلي‏

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:

/حدّثت أنّ أبا عديّ العبليّ خرج يريد واديا نحو الطائف يقال له جلدان‏[2]، فمرّ بعبد اللّه بن عمر العرجيّ و هو نازل هناك بواد يقال له العرج، فأرسل إليه غلاما له فأعلمه بمكانه، فأتاه الغلام فقال له: هذا أبو عديّ، فأمر أن ينزله في مسجد الخيف‏[3]، فأنزله و أبطأ عليه في الخروج. فقال للغلام: ويحك!ما يحبس مولاك؟قال: عنده ابن وردان مولى معاوية، و هما يأكلان القسب‏[4]و الجلجلان‏[5]. ثم بعث إليه بخبز و لبن، و بعث لرواحله بحمض‏[6]و قدّم إلى رواحل ابن وردان القتّ‏[7]و الشّعير. فكتب إليه أبو عديّ:

أبا عمر لم تنزل الركب إذ أتوا # منازلهم و الرّكب يحفون‏[8]بالرّكب

رفعت لئام الناس فوق كرامهم # و آثرتهم بالجلجلان و القسب

فأمّا بعيرانا فبالحمض غذّيا[9] # و أوثر عبّاد بن وردان بالقضب‏[10]

فكتب إليه العرجيّ:

أتانا فلم نشعر به غير أنّه # له لحية طالت على حمق القلب

/كراية بيطار[11]بأعلى حديدة[12] # إذا نصبت لم تكسب الحمد بالنّصب

أتانا على سغب‏[13]يعرّض بالقرى # و هل فوق قرض من قرى صاحب السّغب‏

قال: فارتحل أبو عديّ مغضبا و قال: مزحت معه فهجاني، و أنشأ يقول في العرجيّ:

[1]انظر الكلام على قريش الظواهر و قريش البطاح في الحاشية رقم 3 ص 254 من هذا الجزء.

[2]قال ياقوت: جلدان-بكسر الجيم و سكون اللام، و اختلف في الدال فمنهم من رواها مهملة و منهم من رواها معجمة-: موضع قرب الطائف يسكنه بنو نصر بن معاوية من هوزان.

[3]كذا في ب، س، حـ. و الظاهر من سياق الحكاية أنه غير مسجد الخيف المعروف بمنى. و في سائر النسخ: «الضيف» و لم تترجح عندنا إحدى الروايتين.

[4]القسب: التمر اليابس يتفتت في الفم صلب النواة.

[5]الجلجلان: السمسم.

[6]الحمض: ما ملح و أمرّ من النبات و هو كفاكهة الإبل تأكله عند سآمتها من الخلة. و هي ما حلا من النبات.

[7]في «المصباح» : القت: الفصفصة إذا يبست. و قال الأزهري: القت: حب بريّ لا ينبته الآدمي، فإذا كان عام قحط و فقد أهل البادية ما يقتاتون به من لبن و تمر و نحوه، دقوه و طبخوه و اجتزءوا به على ما فيه من الخشونة.

[8]حفي به يحفى حفاوة و حفاية: بالغ في إكرامه.

[9]في ت، أ، م، ء: «ففي الحمض عديا» .

[10]تقدّم أن الذي قدّم لرواحل ابن وردان هو القت و الشعير. فلعله يريد بالقضب هنا القت و هو أحد معانيه؛ لأن أهل مكة يسمون القت القضب.

[11]البيطار: معالج الدواب، من البطر و هو الشقّ. و راية البيطار يضرب بها المثل في الشهرة فيقال: «أشهر من راية البيطار» .

[12]في حـ: «جريدة» .

[13]السغب بسكون الغين و تحريكها: الجوع. و في ت، أ، ء، م: «سقب» بالقاف و هو تحريف. ـ

310

سرت ناقتي حتّى إذا ملّت السّرى # و عارضها عرج الجبانة[1]و الخصب

طواها الكرى بعد السّرى بمعرّس # جديب‏[2]و شيخ بئس مستعرض الرّكب

و همّت بتعريس فحلّت قيودها # إلى رجل بالعرج ألأم من كلب

تمطّى‏[3]قليلا ثم جاء بصربة[4] # و قرص شعير مثل كركرة السّقب‏[5]

فقلت له أردد قراك مذمّما # فلست إليه بالفقير و لا صحبي

جزى اللّه خيرا خيرنا عند بيته # و أنحرنا للكوم في اليوم ذي السّغب

لقد علمت فهر بأنّك شرّها # و آكل فهر للخبيث من الكسب

و تلبس للجارات إتبا[6]و مئزرا # و مرطا[7]فبئس الشيخ يرفل في الإتب

/يدخّنّ بالعود اليلنجوج‏[8]مرّة # و بالضّرو[9]و السّوداء[10]و المائع‏[11]الرّطب

فإن قلت عثمان بن عفّان والدي # فقد كان عثمان بريئا من الوشب‏[12]

و قدما يجي‏ء الحيّ بالنّسل ميّتا # و يأتي كريم الناس بالوكل‏[13]الثّلب‏[14]

له لحية قد مزّقت فكأنّها # مقمّة[15]حشّاش محالفة العشب‏[16]

فلمّا بلغ ذلك العرجيّ أتى عمّه عليّ‏[17]بن عبد اللّه بن عليّ العبليّ فشقّ قميصه بين يديه و شكاه إليه. فبعث [1]كذا في ب، س. و في ت، حـ، م: «الخيانة» و في ء: «الحبابة» و في أ هكذا من غير نقط: «الـ؟؟؟» .

[2]كذا في حـ، ت. و في سائر النسخ: «و شيخ جديب الخ» .

[3]تمطى: تمدّد و تبختر في مشيته و تطاول.

[4]الصربة بسكون الراء و تحريكها: واحدة الصرب هو اللبن الذي حبس في السقاء أياما حتى اشتدّ حمضه.

[5]السقب: ولد الناقة. و الكركرة بالكسر: زور البعير الذي إذا برك أصاب الأرض، و هي ناتئة عن جسمه كالقرصة.

[6]الإتب: ثوب يشق في وسطه ثم تلقيه المرأة في عنقها من غير جيب و لا كمين.

[7]المرط: كساء من خز أو صوف أو كتان، و قيل: هو الثوب الأخضر و جمعه مروط.

[8]اليلنجوج و الألنجوج: عود طيب الريح يتبخر به. (انظر «اللسان» مادة: لنج) .

[9]في «اللسان» : الضرو بكسر الضاد و فتحها: شجر طيب الريح يستاك به و يجعل ورقة في العطر. ثم قال: و الضرو: المحلب، و يقال الحبة الخضراء. قال أبو حنيفة: و أكثر منابت الضرو باليمن، و قال: إنه من شجر الجبال و هو مثل شجر البلّوط العظيم، له عناقيد كعناقيد البطم غير أنه أكبر حبا، و يطبخ ورقة حتى ينضج، فإذا نضج صفّي ورقه ورد الماء إلى النار فيعقد و يصير كالقبيّطي يتداوى به من خشونة الصدر و وجع الحلق.

[10]السوداء: هي الحبة المعروفة، و اسمها بالفارسية الشونيز.

[11]المائع الرطب: ضرب من الطيب.

[12]الوشب بالكسر: واحد الأوشاب، و هم أوباش الناس و أخلاطهم.

[13]الوكل (بفتح الكاف و كسرها) : العاجز البليد الذي يكل أمره إلى غيره.

[14]كذا في ت. و الثلب: الرجل المعيب المنثلم الذي يتنقصه الناس. و في حـ: «الحلب» . و في سائر النسخ: «الوثب» .

[15]المقمة: المكنسة. و الحشاش: الذي يحتش الحشيش و هو اليابس من الكلأ.

[16]كذا في‏ء و هي أنسب النسخ. و في م: «مخالفة العشب» و لعلها مصحفة عن سابقتها. و في حـ، أ: «محالفة القشب» . و في سائر النسخ: «مخالفة القشب» و قشب الطعام: ما يلقى منه مما لا خير فيه.

[17]في ت، حـ: «أتى عمه عبد اللّه بن علي» .

311

إلى أبي عديّ فنهاه عنه و قال: لئن عدت لا كلّمتك أبدا، فكفّ عنه.

كان العرجي من أفرس الناس و أرماهم و أبراهم لسهم‏

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن سليمان بن عثمان بن يسار: رجل من أهل مكة و كان هيّبا[1]أديبا قال:

كان للعرجيّ حائط يقال له العرج في وسط بلاد بني نصر بن معاوية، فكانت إبلهم و غنمهم تدخل فيه فيعقر كلّ ما دخل منها، فكانت تضرّ به و يضرّ/بأهلها و يشكونه و يشكوهم. و كان من أفرس الناس و أرماهم و أبراهم لسهم، فكان ربّما برى مائة سهم من الرّمّان، ثم يقول: و اللّه لا أنقلب حتى أقتل بها مائة خلفة[2]من إبل بني نصر، فيفعل ذلك.

حبس العرجي‏

قال إسحاق: فحدّثني ابن غرير[3]قال: لمّا حبس العرجيّ و ضرب و أقيم على البلس‏[4]قال:

معي ابن غرير واقفا في عباءة # لعمري لقد قرّت عيون بني نصر

فقال فتى من بني نصر يجيبه-و كان حاضرا لضربه و إقامته-:

أجل قد أقرّ اللّه فيك عيوننا # فبئس الفتى و الجار في سالف الدّهر

و قال إسحاق في خبره: قال رجل للعرجيّ: جئتك أخطب إليك مودّتك. قال: بل خذها زنا، فإنها أحلى و ألذّ!

تمثل امرأة بشعر العرجيّ و قد ليمت على رفثها في الحج‏

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا إسماعيل بن مجمّع عن المدائنيّ عن عبد اللّه بن سلّم‏[5]قال:

قال عبد اللّه بن عمر العمريّ: خرجت حاجا، فرأيت امراة جميلة تتكلّم بكلام أرفثت‏[6]فيه، فأدنيت ناقتي منها، ثم قلت لها: يا أمة اللّه، أ لست حاجّة!أ ما تخافين اللّه!فسفرت عن وجه يبهر الشمس حسنا، ثم قالت: تأمّل يا عمّ!فإنّني ممّن غنا العرجيّ بقوله:

صوت‏

أماطت كساء الخزّ عن حرّ وجهها # و أدنت على الخدّين‏[7]بردا مهلهلا

من اللاّء لم يحججن يبغين حسبة # و لكن ليقتلن البري‏ء المغفّلا

[1]الهيب: المهيب..

[2]الخلفة: الناقة الحامل، و جمعها خلف بكسر اللام، و قيل جمعها مخاض على غير قياس، كما قالوا لواحدة النساء: امرأة.

[3]كذا في حـ، ر. و في ت: «ابن عزير» . و في سائر النسخ: «عرير» .

[4]كذا في س. و في م، أ: «البليس» و في ء: «التليس» و هما محرّفان عنها. و في سائر النسخ: «على الناس» . و البلس: غرائر كبار من مسوح يجعل فيها التين و يشهر عليها من ينكل به و ينادي عليه. و من دعائهم: «أرانيك اللّه على البلس» .

[5]في ب، س: «سلام» .

[6]كذا في أكثر النسخ. و في ب، س: «رفثت» و كلاهما صحيح.

[7]و يروى: «و أرخت على المتنين» .

312

قال فقلت لها: فإنّي أسأل اللّه ألاّ يعذّب هذا الوجه بالنّار. قال: و بلغ ذلك سعيد بن المسيّب فقال: أما و اللّه لو كان من بعض بغضاء[1]العراق لقال لها: اعزبي قبّحك اللّه!و لكنّه ظرف عبّاد أهل الحجاز. و قد رويت هذه الحكاية عن أبي حازم الأعرج و هو سلمة بن دينار، و قد روى أبو حازم عن أبي هريرة و سهل بن سعد و غيرهما، و روى عنه مالك و ابن أبي أيّوب. و الحكاية عنه في هذا أصحّ منها عن عبد اللّه العمري، حدّثنا بهذا وكيع. و الغناء في هذه الأبيات لعرار المكّيّ ثاني ثقيل. و فيه خفيف ثقيل لمعبد، و فيها لعبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ ثقيل أوّل، و يقال إنّ خفيف الثقيل لابن سريج، و يقال للغريض.

غناء عبد اللّه بن العباس الربيعي في شعر العرجيّ‏

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني أبو ثوبة قال: قال عبد اللّه‏[2]بن العبّاس: دعاني المتوكّل، فلمّا جلست مجلس المنادمة قال لي: يا عبد اللّه، تغنّ، فغنّيته في شعر مدحته به، فقال: أين هذا من غنائك في:

أماطت كساء الخزّ عن حرّ وجهها

/و من صنعتك في:

أقفر ممّن يحلّه‏[3]سرف‏[4]

فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ صنعتي حينئذ كانت و أنا شابّ عاشق، فإن استطعت ردّ شبابي و عشقي صنعت مثل تلك الصنعة. فقال هيهات!و قد لعمري‏[5]صدقت، و وصلني. و الأبيات التي فيها الغناء المذكور من شعر العرجيّ يقوله في جيداء أمّ محمد بن هشام بن إسماعيل المخزوميّ، و كان يهجوه و يشبّب بأمه و بامرأته، و كان محمد تيّاها شديد الكبر جبّارا، فلم يزل يتطلّب عليه العلل حتى حبسه و قيّده بعد أن ضربه بالسّوط و أقامه على البلس للناس. و اختلف الرّواة في السبب الذي اعتلّ به عليه، و قد ذكرت ذلك في رواياتهم:

هجاء العرجيّ محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي و تشبيبه بأمه‏

أخبرني بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة، و أخبرنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب و محمد بن الضّحاك الحزاميّ‏[6]عن الضّحاك بن عثمان، و ذكره حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب بن عباية، [1]يريد بهم المتزمتين المتغالين في الورع.

[2]كذا في ت، حـ. و في سائر النسخ: «أبو عبد اللّه بن العباس» . و لفظ «أبو» زيادة من الناسخ؛ إذ هو عبد اللّه بن العباس الربيعي، و كان شاعرا مطبوعا و مغنيا محسنا جيد الصنعة نادرها حسن الرواية، حلو الشعر ظريفة، ليس من الشعر الجيد الجزل و لا من المرذول و لكنه شعر مطبوع ظريف مليح المذهب من أشعار المترفين و أولادهم النعم. و ترجمته في الجزء السابع عشر من «الأغاني» طبع بلاق.

[3]كذا في أكثر النسخ. و في ت: «من بعد حلة» . و الحلة بالكسر: القوم النزول. و في حـ: «من بعد خلة» و الخلة: الصديقة.

[4]سرف ككتف: موضع على ستة أميال من مكة، و قيل سبعة و تسعة و عشرة و اثني عشر، تزوّج به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ميمونة بنت الحارث و هناك بني بها و هناك توفيت.

[5]في ت: «هيهات قد صدقت» .

[6]كذا في ت. و في ب، س: «الخزاميّ» . و في أ، م، ء: «الحراميّ» . و لم تذكر هذه الكلمة في حـ. و ما في ت هو الصحيح؛ قال الذهبيّ في «المشتبه في أسماء الرجال» في الكلام على الحزامي: و بزاي الضحاك ابن عثمان الحزامي مشهور و ابنه محمد بن الضحاك أ هـ.

313

و نسخته أيضا من رواية محمد بن حبيب قالوا:

كان محمد بن هشام خال هشام بن عبد الملك، فلمّا ولي الخلافة ولاّه مكة، و كتب إليه يحجّ بالناس، فهجاه العرجيّ بأشعار كثيرة.

/منها قوله فيه:

كأنّ العام ليس بعام حجّ # تغيّرت المواسم و الشّكول

إلى جيداء قد بعثوا رسولا # ليخبرها فلا صحب الرّسول‏

و يروى: «ليحزنها» و هكذا يغنّي.

و منها قوله:

ألا قل لمن أمسى بمكة قاطنا # و من جاء من عمق‏[1]و نقب المشلّل‏[2]

دعوا الحجّ لا تستهلكوا نفقاتكم # فما حجّ هذا العام بالمتقبّل

و كيف يزكّي حجّ من لم يكن له # إمام لدى تجميره غير دلدل‏[3]

يظلّ يرائي بالصّيام نهاره # و يلبس في الظّلماء سمطى‏[4]قرنفل‏

فلم يزل محمد يطلب عليه العلل حتى وجدها فحبسه.

قال الزّبير في خبره عن عمّه و محمد الضّحّاك، و قال إسحاق في خبره عن أيّوب بن عباية: كان العرجيّ يشبّب بأمّ محمد بن هشام، و هي من بني الحارث بن كعب، و يقال لها جيداء:

صوت‏
[5]

عوجي علينا ربّة الهودج # إنّك إن لا تفعلي تحرجي

إنّي أتيحت لي يمانية # إحدى بني الحارث من مذحج

/نلبث حولا كاملا كلّه # ما نلتقي إلا على منهج

في الحجّ إن حجّت و ما ذا منى # و أهله إن هي لم تحجج

أيسر ما نال محبّ لدى # بين حبيب قوله عرّج‏

[1]عمق: واد من أودية الطائف نزله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما حاصر الطائف، و فيه بئر ليس بالطائف أطول رشاء منها.

[2]المشلل: جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر. و النقب: الطريق في الجبل.

[3]الدلدل: شبه القنفذ، و هي دابة تنتفض فترمي بشوك كالسهام، و فرق ما بينهما كفرق ما بين الفئرة و الجرذان و البقر و الجواميس و العراب و البخاتيّ. و لعله شبهه بالقنفذ لأنه أكثر ما يظهر بالليل.

[4]السمط: الخيط ما دام فيه الخرز و إلاّ فهو سلك.

[5]هذه الكلمة موجودة في جميع النسخ عدا نسخة ت و لم يذكر بعد أنه غنى فيه.

314

نقض إليكم حاجة أو نقل # هل لي ممّا بي من مخرج‏

قال إسحاق في خبره: فحدّثني حمزة بن عتبة اللّهبيّ قال: أنشد عطاء بن أبي رباح قول العرجيّ.

في الحجّ إن حجّت و ما ذا مني # و أهله إن هي لم تحجج‏

فقال: الخير و اللّه كلّه بمنى و أهله حجّت أو[1]لم تحجّ. قال: و لقي ابن سريج عطاء و هو راكب‏[بمنى‏][2]على بغلته، فقال له: سألتك باللّه إلاّ وقفت لي حتى أسمعك شيئا. قال: ويحك!دعني‏[3]فإنّي عجل. قال: امرأته طالق لئن لم تقف مختارا للوقوف لأمسكنّ بلجام بغلتك ثم لا أفارقها و لو قطعت يدي حتى أغنّيك و أرفع صوتي لا أسرّه. قال: هات و عجّل؛ فغنّاه:

في الحجّ إن حجّت و ما ذا منى # و أهله إن هي لم تحجج‏

قال: الخير كلّه و اللّه بمنى، لا سيّما و قد غيّبها اللّه عن‏[4]مشاعره!خلّ سبيل البغلة.

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا إبراهيم بن المنذر قال حدّثني حمزة بن عتبة اللّهبيّ عن عبد الوهاب‏[5]بن مجاهد أو غيره قال:

/كنت مع عطاء بن أبي رباح فجاءه رجل فأنشده قول العرجيّ:

إنّي أتيحت لي يمانية # إحدى بني الحارث من مذحج

نلبث حولا كاملا كلّه # لا نلتقي إلا على منهج

في الحجّ إن حجّت و ما ذا منى # و أهله إن هي لم تحجج‏

فقال عطاء: خير كثير بمنى إذ غيّبها اللّه عن مشاعره.

تشبيبه بجبرة المخزومية زوجة محمد بن هشام‏

قال: و قال في زوجته جبرة المخزوميّة (يعني زوجة محمد بن هشام) :

صوت‏

عوجي عليّ فسلّمي جبر # فيم الصدود[6]و أنتم سفر

ما نلتقي إلا ثلاث منى # حتى يفرّق بيننا النّفر

[1]في ت، حـ: «أم لم» تحريف.

[2]زيادة في حـ، ب، س.

[3]في ب، س، م: «ويحك عني فإني عجل» .

[4]في ب، س: «من» .

[5]كذا في ت، حـ. و في سائر النسخ: «عبد اللّه» . و لم نعثر في «كتب التراجم» على من تسمى بعبد اللّه بن مجاهد. و أما عبد الوهاب بن مجاهد فقد ذكره صاحب «تهذيب التهذيب» و ذكر أنه روى من عطاء.

[6]كذا في حـ. و في ب، س: «فيم الصدور» و ظاهر تحريفه عن الصدود. و في سائر النسخ: «فيم الوقوف» .

315

الحول بعد الحول يتبعه‏[1] # ما الدهر إلا الحول و الشهر

قال حمّاد بن إسحاق في خبره: حدّثني ابن‏[2]أبي الحويرث الثّقفيّ عن ابن عمّ لعمارة ابن حمزة قال حدّثنا سليمان الخشّاب‏[3]عن داود المكّيّ‏[4]قال: كنّا في حلقة ابن جريج و هو يحدّثنا و عنده جماعة فيهم عبد اللّه بن المبارك و عدّة من العراقيّين، إذ مرّ به ابن تيزن‏[5]المغنّي و قد ائتزر بمئزر على صدره، و هي إزرة الشّطّار[6]عندنا، فدعاه ابن جريج/فقال له: أحبّ أن تسمعني. قال: إنّي‏[7]مستعجل، فألحّ عليه؛ فقال: امرأته طالق إن غنّاك أكثر من ثلاثة أصوات. فقال له: ويحك!ما أعجلك إلى اليمين!غنّني الصوت الذي غنّاه ابن سريج في اليوم الثاني من أيام منى على جمرة العقبة[8]فقطع طريق الذاهب و الجائي حتى تكسّرت المحامل. فغنّاه:

عوجي عليّ فسلّمي جبر

فقال له ابن جريج: أحسنت و اللّه! (ثلاث مرات) ، ويحك!أعده. قال: من الثلاثة فإني قد حلفت. قال:

أعده، فأعاده. فقال: أحسنت!فأعده من الثلاثة، فأعاده و قام و مضى، و قال: لو لا مكان هؤلاء الثّقلاء عندك لأطلت معك حتى تقضي و طرك. فالتفت ابن جريج إلى أصحابه فقال: لعلّكم أنكرتم ما فعلت!فقالوا: إنا لننكره عندنا بالعراق و نكرهه. قال: فما تقولون في الرّجر؟ (يعني الحداء) . قالوا: لا بأس به عندنا: قال: فما الفرق بينه و بين الغناء؟!

اضطغان محمد بن هشام على العرجي من هذه الأشعار و حبسه حتى مات في الحبس‏

قال إسحاق في خبره: بلغني أنّ محمد بن هشام كان يقول لأمّه جيداء[بنت عفيف‏][9]: أنت غضضت منّي بأنك أمّي، و أهلكتني و قتلتني. فتقول له: ويحك!و كيف ذاك؟قال: لو كانت أمّي من قريش ما ولي الخلافة غيري. قالوا: فلم يزل محمد بن هشام مضطغنا على العرجيّ من‏[10]هذه الأشعار التي يقولها فيه و متطلّبا[11]سبيلا عليه حتى وجده فيه، فأخذه و قيّده و ضربه و أقامه للناس، ثم حبسه و أقسم: لا يخرج من الحبس ما دام لي‏[12] [1]في ت: «يجمعنا» .

[2]في ت: «ابن الحويرث» بدون أبي.

[3]في ت، حـ: «سليم الخشاب» .

[4]في ت، س: «الثقفي» .

[5]انظر الحاشية رقم 2 ص 283 من هذا الجزء.

[6]في «القاموس» و «شرحه» : الشاطر: من أعيا أهله خبثا. قال أبو إسحاق: فلان شاطر معناه أنه أخذ في نحو غير الاستواء؛ و لذلك قيل له شاطر لأنه تباعد عن الاستواء. و المراد من الشطار هنا طائفة من أهل الدعارة كانوا يمتازون بملابس خاصة و زي خاص. ففي «أخبار أبي نواس» ج 1 ص 235 طبع مصر ما نصه: «زي الشطار طرّة مصففة و كان واسعان و ذيل مجرور و فعل مطبق» . و تختلف أسماؤهم باختلاف البلاد؛ ففي «رحلة ابن بطوطة» ج 1 ص 235 طبع مصر: «الشطار بمعنى الفتاك من اصطلاح العراقيين، و يعرفون في خراسان بسربداران و في المغرب بالصقورة» . و ذكر تفشيهم في أيامه و اجتماعهم على قطع الطرق. و في «نفح الطيب» ج 2 ص 766 طبع بولاق: «و لشطار الأندلس من النوادر و التنكيت و التركيبات و أنواع المضحكات ما تملأ الدواوين كثرته» ا هـ.

[7]كذا في ت، حـ. و في سائر النسخ: «أنا» .

[8]في ت: «فغنى فقطع... » .

[9]زيادة في ت.

[10]في ت: «مضطغنا على العرجيّ هذه الأشعار» بدون من.

[11]كذا في ت. و في سائر النسخ: «متطلبا» بغير واو.

[12]كذا في ت، حـ. و في سائر النسخ: «ما دام له» .

316

سلطان. فمكث في حبسه نحوا من تسع سنين حتى مات فيه.

روايات أخرى في سبب الخصومة بين محمد بن هشام و العرجيّ‏

و ذكر إسحاق في خبره عن أيّوب بن عباية و وافقه عمر بن شبّة و محمد بن حبيب: أن السبب في ذلك أنّ العرجيّ لاحى‏[1]مولى كان لأبيه فأمضّه‏[2]العرجيّ، فأجابه المولى بمثل ما قاله له. فأمهله حتى إذا كان الليل أتاه مع جماعة من مواليه و عبيده فهجم عليه في منزله و أخذه و أوثقه كتافا[3]، ثم أمر عبيده أن ينكحوا امرأته بين يديه ففعلوا، ثم قتله و أحرقه بالنار. فاستعدت امرأته على العرجيّ محمد بن هشام فحبسه.

و ذكر الزبير في خبره عن الضّحّاك بن عثمان: أنّ العرجيّ كان و كلّ بحرمه‏[4]مولى له يقوم بأمورهنّ، فبلغه أنه يخالف إليهنّ، فلم يزل يرصده حتى وجده يحدّث بعضهنّ، فقتله و أحرقه بالنار. فاستعدت عليه امرأة المولى محمد بن هشام المخزوميّ و كان واليا على مكة في خلافة هشام، و كان العرجيّ قد هجاه قبل ذلك هجاء كثيرا لمّا ولاّه هشام الحجّ فأحفظه. فلمّا وجد عليه سبيلا ضربه و أقامه على البلس للناس‏[5]، و سجنه حتى مات في سجنه.

و ذكر الزّبير أيضا في خبره عن عمّه و غيره أنّ أشعب كان حاضرا للعرجيّ و هو يشتم مولاه هذا، و أنه طال شتمه إيّاه. فلما أكثر ردّ المولى عليه، فاختلط من‏[6]ذلك، فقال لأشعب: اشهد على ما سمعت. قال أشعب:

و علام أشهد، قد شتمته ألفا و شتمك واحدة. و اللّه لو أنّ أمّك أمّ الكتاب، و أمّة حمّالة الحطب ما زاد على هذا!

تعذيب محمد بن هشام للعرجيّ و ما كان يقوله العرجي من الشعر في ذلك‏

قال الزّبير و حدّثني حمزة بن عتبة اللّهبيّ قال:

/لمّا أخذ محمد بن هشام المخزوميّ العرجيّ أخذه و أخذه معه الحصين بن غرير[7]الحميريّ، فجلدهما، و صبّ على رءوسهما الزيت، و أقامهما في الشمس على البلس‏[8]في الحنّاطين بمكة؛ فجعل العرجيّ ينشد:

سينصرني الخليفة بعد ربّي # و يغضب حين يخبر عن مساقي

عليّ عباءة بلقاء[9]ليست # مع البلوى تغيّب نصف ساقي

و تغضب لي بأجمعها قصيّ # قطين البيت و الدّمث‏[10]الرّقاق‏

[1] لاحاه: خاصمه و شاتمه.

[2]أمضه: آلمه و أوجعه.

[3]الكتاف: الوثاق و هو الحبل الذي يكتف به.

[4]الحرم: النساء.

[5]كذا في‏ء. و في ت: «و أقامه على الناس» . و في حـ: «و أقامه للناس» . و في سائر النسخ: و أقامه على البلس» .

[6]اختلط هنا: فسد عقله. يريد غضب غضبا شديدا حتى فسد عقله.

[7]كذا في أكثر النسخ. و في أ، م: «عزيز» . و في ت: «عزيز» .

[8]في ت: «و أقامهما على الناس في الحناطين» .

[9]في ت، حـ: «برقاء» و البلقاء و البرقاء كلاهما: ما اجتمع فيه اللونان السواد و البياض.

[10]الدمث: جمع دمثاء، و هي الأرض اللينة السهلة.

317

ثم يصيح: يا غرير أجياد[1]، يا غرير أجياد!فيقول له الحميريّ المجلود معه: أ لا تدعنا!أ لا ترى ما نحن فيه من البلاء!يعني بقوله: يا غرير، الحصين بن غرير الحميريّ المجلود معه، و كان صديقا للعرجيّ و خليطا. و ذكر إسحاق تمام هذه الأبيات و أوّلها:

و كم من كاعب حوراء بكر # ألوف السّتر واضحة التّراقي‏[2]

بكت جزعا و قد سمرت‏[3]كبول‏[4] # و جامعة[5]يشدّ بها خناقي

/على دهماء مشرفة سموق‏[6] # ثناها[7]القمح مزلقة[8]التّراقي

عليّ عباءة بلقاء ليست # مع البلوى تغيّب نصف ساقي

كأنّ على الخدود و هنّ شعث # سجال‏[9]الماء يبعث في السّواقي

فقلت تجلّدا و حلفت صبرا # أبالي اليوم‏[10]ما دفعت‏[11]مآقي‏[12]

سينصرني الخليفة بعد ربّي # و يغضب حين يخبر عن مساقي

و تغضب لي بأجمعها قصيّ # قطين البيت و الدّمث الرّقاق

بمجتمع السّيول إذ تنحّى # لئام الناس في الشّعب العماق‏

قال: فكان إذا أنشد هذا البيت التفت إلى ابن غرير فصاح به: يا غرير أجياد، يا غرير أجياد!يعني بني مخزوم، و كانت منازلهم في أجياد، فعيّرهم بأنهم ليسوا من أهل الأبطح.

و قال الزّبير في خبره و وافقه إسحاق فذكر أنّ رجلا مرّ بالعرجيّ و هو واقف على البلس و معه ابن غرير و قد جلدا و حلقا و صبّ الزيت على رءوسهما و ألبسا عباءتين و اجتمع الناس ينظرون إليهما. قال: و كان الرجل صديقا [1]قال أبو القاسم الخوارزمي: أجياد: موضع بمكة يلي الصفا. و قد تقدّم في الحاشية (رقم 2 ص 111) من هذا الجزء أنه إنما سمى بذلك لأن تبّعا لما قدم مكة ربط خيله فيه فسمّى بذلك. و قال السهيليّ: إنه لم يسم بأجياد الخيل لأن جياد الخيل لا يقال فيها أجياد، و إنما أجياد جمع جيد. و ذكر أصحاب الأخبار: أن مضاضا ضرب في ذلك الموضع أجياد مائة رجل من العمالقة؛ فسمى ذلك الموضع بأجياد لذلك. و ردّ ذلك بأن الجوهريّ حكى أن العرب تجمع جوادا على أجياد.

[2]التراقي: جمع ترقوة و هي مقدّم الحلق في أعلى الصدر حيثما يترقى فيه النفس.

[3]سمرت: شدّت.

[4]الكبول: جمع كبل و هو القيد. و في ت: «كبولى» .

[5]الجامعة هنا: الغل.

[6]كذا في أكثر النسخ، و هو صيغة مبالغة من سمق الشي‏ء فهو سامق إذا علا و ارتفع. و في م، ء: «بسوق» و بسق الشي‏ء من هذا المعنى أيضا. و في ت: «سبوق» .

[7]في م، ء: «بناها القمح» .

[8]في ت: «مولعة التراقي» . و في أ، ب، س: «مزلفة التراقي» . و في م، ء: «مزلفة البراقي» . و في حـ: «ثناها عن مولعة البراق» . و لم يظهر لنا فيها معنى نطمئن إليه.

[9]كذا في أكثر النسخ. و السجال: جمع سجل و هو الدلو العظيمة مملوءة. و في ت: «سجال الدمع» .

[10]في ب، س، حـ: «إلى ذا اليوم» .

[11]كذا في ت. و في أ، ء، م: «دمعت» . يريد لا أبالي اليوم بما دفعته أو دمعته عيناي من الدموع. و في ب، س، حـ: «رفعت» .

[12]المآقي: جمع مؤق بوزن مؤت، و مؤقى العين كمؤقها و مأقها: حرفها الذي يلي الأنف. ـ

318

للعرجيّ، و كان/فأفاء، فوقف عليه فأراد أن يتوجّع لما ناله و يدعو له، فلجلج لما كان في لسانه كما يفعل الفأفاء[1]. فقال له ابن غرير: عنّي، لا خرجت من فيك أبدا!فقال له الرجل: فمكانك‏[2]إذا لا برحت منه أبدا.

قال: و مرّ به صبيان يلقطون النّوى، فوقفوا ينظرون إليه، فالتفت إلى ابن غرير و قال له: ما أعرف في الدنيا سخلين أشأم منّي و منك!إنّ هؤلاء الصّبيان لأهلهم عليهم في كلّ يوم على كلّ واحد منهم مدّ نوى، فقد تركوا لقطهم للنّوى، و قد وقفوا ينظرون إليّ و إليك و ينصرفون بغير شي‏ء فيضربون، فيكون شؤمنا قد لحقهم.

قال: و قال العرجيّ في حبسه:

صوت‏

أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا # ليوم كريهة و سداد[3]ثغر

و صبر[4]عند معترك المنايا # و قد شرعت أسنّتها بنحري

أجرّر في الجوامع‏[5]كلّ يوم # فيا للّه مظلمتي‏[6]و صبري‏[7]

كأنّي لم أكن فيهم وسيطا[8] # و لم تك نسبتي في آل عمرو[9]

أبو حنيفة و جار له كان يغني بشعر العرجيّ‏

أخبرني محمد بن زكريّا الصّحّاف‏[10]قال حدّثنا قعنب بن المحرز الباهليّ عن الأصمعيّ قال:

/كان لأبي حنيفة جار بالكوفة يغنّي، فكان إذا انصرف و قد سكر يغنّي في غرفته، و يسمع أبو حنيفة غناءه فيعجبه. و كان كثيرا ما يغنّي:

أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا # ليوم كريهة و سداد ثغر

فلقيه العسس ليلة[11]فأخذوه و حبس. ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة، فسأل عنه من غد فأخبر، فدعا بسواده‏[12] [1]كذا في أكثر النسخ. و في ب، س: «الفأفاءة» و لعل التاء زيدت فيه للمبالغة.

[2]في ت: «مكانك» من غير فاء.

[3]سداد الثغر بالكسر: ما يسد به الثغر من خيل و رجال و غير ذلك من عدد الحرب.

[4]في ت: «فصبرا عند معترك المنايا» .

[5]الجوامع: جمع جامعة و هي هنا الغل.

[6]المظلمة بكسر اللام: الظلم.

[7]الصبر: الحبس.

[8]يقال: فلان وسيط في قومه، إذا كان أوسطهم نسبا و أرفعهم مجدا.

[9]يريد عمرو بن عثمان بن عفان.

[10]الصحاف كشدّاد: بائع الصحف أو الذي يعملها.

[11]العسس: جمع عاسّ، و هو الذي يطوف بالليل يحرس الناس و يكشف أهل الريبة.

[12]كان السواد شعارا لبني العباس، و كان أشياعهم يرتدونه؛ و لذلك سمّوا المسوّدة (بكسر الواو المشدّدة) . و قد روى أبو الفرج في الجزء التاسع من «الأغاني» ، طبع بلاق، في أخبار أبي دلامة و نسبه أن أبا جعفر المنصور أمر أصحابه بلبس السواد و قلانس طوال تدعم بعيدان من داخلها، و أن يعلقوا السيوف في المناطق و يكتبوا على ظهورهم: « (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اَللََّهُ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ) . فدخل عليه أبو دلامة في هذا الزي، فقال له أبو جعفر: ما حالك؟قال: شرّ حال، وجهي في نصفي و سيفي في استي و كتاب اللّه وراء

319

و طويلته‏[1]فلبسهما، و ركب إلى عيسى بن موسى فقال له: إنّ لي جارا أخذه عسسك البارحة فحبس، و ما علمت منه إلا خيرا. فقال عيسى: سلّموا إلى أبي حنيفة كلّ من أخذه العسس البارحة، فأطلقوا جميعا. فلمّا خرج الفتى دعا به أبو حنيفة و قال له سرّا: أ لست كنت تغنّي يا فتى كلّ ليلة:

أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا

فهل أضعناك؟قال: لا و اللّه أيّها القاضي، و لكن أحسنت و تكرّمت، أحسن اللّه جزاءك. قال: فعد إلى ما كنت تغنّيه، فإنّي كنت آنس به، و لم أر به بأسا. قال: أفعل.

عبد اللّه بن علي كان كثير التمثل في حبسه بقول العرجيّ أضاعوني البيت‏

و قال إسحاق في خبره: لمّا حبس المنصور عبد اللّه بن عليّ، كان يكثر التّمثّل بقول العرجيّ:

أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا # ليوم كريهة و سداد ثغر

/فبلغ ذلك المنصور، فقال: هو أضاع نفسه بسوء فعله، فكانت أنفسنا عندنا آثر من نفسه.

حكاية الأصمعيّ من كناس بالبصرة كان يتمثل بهذا البيت‏

قال إسحاق: و قال الأصمعيّ: مررت بكنّاس بالبصرة يكنس كنيفا و يغنّي:

أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا # ليوم كريهة و سداد ثغر

فقلت له: أمّا سداد الكنيف فأنت ملي‏ء به‏[2]. و أما الثغر فلا علم لي بك كيف أنت فيه-و كنت حديث السنّ فأردت العبث به-فأعرض عنّي مليا، ثم أقبل عليّ فأنشد متمثّلا:

و أكرم نفسي إنّني إن أهنتها # و حقّك لم تكرم على أحد بعدي‏

قال فقلت له: و اللّه ما يكون من الهوان شي‏ء أكثر مما بذلتها له، فبأيّ شي‏ء أكرمتها؟فقال: بلى!و اللّه إنّ من الهوان لشرّا مما أنا فيه. فقلت: و ما هو؟. فقال: الحاجة إليك و إلى أمثالك من الناس. فانصرفت عنه أخزى الناس. قال محمد بن مزيد: فحدّثني حمّاد قال قال لي أبي: اختصر الأصمعي-فيما أرى-الجواب، و ستر أقبحه على نفسه، و إلا فكنّاس كنيف قائم يكنسه و يعبث به هذا العبث، فيرضى بهذا الجواب الذي لا يجيب بمثله الأحنف بن قيس لو كانت المخاطبة له!.

اقتصاص الوليد بن يزيد من محمد بن هشام و أخيه إبراهيم بن هشام‏

و قال إسحاق في خبره: كان الوليد بن يزيد مضطغنا على محمد بن هشام لأشياء[3]كانت تبلغه عنه في حياة هشام، فلمّا ولي الخلافة قبض عليه و على أخيه إبراهيم بن هشام و أشخصا إليه إلى الشام، ثم دعا بالسّياط. فقال له -ظهري، و قد صبغت بالسواد ثيابي؛ فضحك منه و أعفاه من ذلك و قال له: إياك أن يسمع هذا منك أحد.

[1]الطويلة: القلنسوة العالية المدعومة بعيدان، كما يستفاد من عبارة «الأغاني» المتقدّمة. و يظهر من البيهقي في المحاسن و المساوي طبع ليپزج ص 213 أنها كانت لباس القضاة.

[2]ملي‏ء به: مضطلع به.

[3]في ت، حـ: «أشياء» من غير لام.

320

محمد: أسألك بالقرابة. قال: و أيّ قرابة بيني و بينك!و هل أنت إلا من أشجع!قال: فأسألك بصهر عبد الملك.

قال: لم تحفظه. فقال له: يا أمير المؤمنين، قد نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم أن يضرب قرشيّ بالسّياط إلا في حدّ. قال: ففي حدّ أضربك و قود، أنت/أوّل من سنّ ذلك على العرجيّ، و هو ابن عمّي و ابن أمير المؤمنين عثمان، فما رعيت حقّ جدّه و لا نسبه بهشام، و لا ذكرت حينئذ هذا الخبر، و أنا وليّ ثأره، اضرب يا غلام، فضربهما ضربا مبرّحا، و أثقلا بالحديد، و وجّه بهما إلى يوسف بن عمر بالكوفة، و أمره باستصفائهما[1]و تعذيبهما حتى يتلفا، و كتب إليه: احبسهما مع ابن النّصرانيّة-يعني خالدا القسريّ-و نفسك نفسك إن عاش أحد منهم.

فعذّبهم عذابا شديدا، و أخذ منهم مالا عظيما حتى لم يبق فيهم موضع للضّرب. فكان محمد بن هشام مطروحا، فإذا أرادوا أن يقيموه أخذوا بلحيته فجذبوه بها. و لمّا اشتدّت عليهما الحال، تحامل‏[2]إبراهيم لينظر في وجه محمد، فوقع عليه فماتا جميعا، و مات خالد القسريّ معهما في يوم واحد. فقال الوليد بن يزيد لمّا حملهما إلى يوسف بن عمر:

قد راح نحو العراق مشخلبه‏[3] # قصاره السّجن بعده الخشبه‏[4]

يركبها صاغرا بلا قتب # و لا خطام و حوله جلبه

فقل لدعجاء إن مررت بها # لن يعجز اللّه هارب طلبه

قد جعل اللّه بعد غلبتكم # لنا عليكم يا دلدل الغلبه

لست إلى هاشم و لا أسد # و لا إلى نوفل و لا الحجبه‏[5]

لكنّما أشجع أبوك سل الـ # كلبيّ‏[6]لا ما يزوّق الكذبة

الرشيد و إسحاق حين غناه قول العرجيّ أضاعوني البيت‏

قال إسحاق في خبره: غنيت الرشيد يوما في عرض الغناء:

أضاعوني و أيّ فتى أضاعوا # ليوم كريهة و سداد ثغر

فقال لي: ما كان سبب هذا الشعر حتى قاله العرجيّ؟فأخبرته بخبره من أوّله إلى أن مات، فرأيته يتغيظ كلّما مرّ منه شي‏ء. فأتبعته بحديث مقتل ابني هشام، فجعل وجهه يسفر و غيظه يسكن. فلمّا انقضى الحديث، قال لي: يا إسحاق!و اللّه لو لا ما حدّثتني به من فعل الوليد لما تركت أحدا من أماثل بني مخزوم إلا قتلته بالعرجيّ.

[1]كذا في ت، حـ. و معناه أخذ أموالهما. و في سائر النسخ: «باستصعابهما» و هو تحريف.

[2]أي تكلف التحرّك بعض الشي‏ء ليرى حالة أخيه.

[3]كذا في أكثر النسخ. قال في «اللسان» : و المشخلبة: كلمة عراقية ليس على بنائها شي‏ء من العربية، و هي تتخذ من الليف و الخرز أمثال الحلي، و قد تسمى الجارية مشخلبة لما يرى عليها من الخرز كالحليّ. و في ت: «مخشلبة» بتقديم الخاء المعجمة على الشين المعجمة، و معناهما واحد.

[4]أي غايته السجن بعده الصلب.

[5]يريد حجبة الكعبة. و كانت الحجابة في بني قصيّ و قد بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حجابة البيت في يد شيبة بن عثمان بن طلحة بن عبد الدار بن قصى، فأبقاها و اختص بها أولاده من بعده، فهي فيهم إلى الآن.

[6]يريد بالكلبي محمد بن السائب بن بشر بن عمرو الكلبيّ النّسابة المعروف.

321

و الصوت الآخر من رواية جحظة عن أصحابه:

صوت‏

إذا ما طواك الدّهر يا أمّ مالك # فشأن المنايا القاضيات و شانيا

تمرّ الليالي و الشهور و تنقضي # و حبّك ما يزداد إلا تماديا

خليليّ إن دارت على أمّ مالك # صروف الليالي فابغيا لي ناعيا

و لا تتركاني لا لخير معجّل # و لا لبقاء تنظران بقائيا

الشعر للمجنون، و من الناس من يروي البيت الأوّل منها لقيس بن الحداديّة[1]و هو جاهليّ. و الغناء لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى. و ذكر حبش و ابن المكيّ أنّ فيه لإسحاق لحنا آخر من الثقيل الثاني بالخنصر و البنصر.

إلى هنا انتهى الجزء الأوّل من كتاب «الأغاني» ، و يليه الجزء الثاني منه، و أوّله (أخبار مجنون بني عامر و نسبه) .

[1]ترجمة قيس في أوّل الجزء الثالث عشر من «الأغاني» ، طبع بلاق، و الحدادية اسم أمه، و هي منسوبة إلى حداد (بكسر الحاء المهملة) ابن بلادة بن ذهل بن طريف بن خلف بن محارب بن قيس بن عيلان بن مضر (راجع «أنساب السمعاني» في هذه المادة) .

322

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

323

فهرس موضوعات الجزء الأول‏

الموضوع الصفحة

-كلمة دار إحياء التراث العربي 7

-فصل في صناعة الغناء عن العلامة ابن خلدون في «مقدمته» 10

-ترجمة المؤلف 14

-كتاب الأغاني و ثناء أهل العلم و الأدب عليه و نقده و مختصراته 25

-كتب الأغاني المؤلفة قبل هذا الكتاب و المسماة باسمه 27

-الكلمات الاصطلاحية الواردة في كتاب الأغاني 28

-وصف النسخ الخطية للكتاب 30

-طريقة تصحيح الكتاب 36

-مقدمة المؤلف 38

-ذكر المائة الصوت المختارة 42

التراجم‏

1-خبر أبي قطيفة و نسبه 45

2-ذكر معبد و بعض أخباره 61

3-ذكر خبر عمر بن أبي ربيعة و نسبه 78

4-أخبار ابن سريح و نسبه 206

5-ذكر نصيب و أخباره 258

6-أخبار ابن محرز و نسبه 294

7-أخبار العرجي و نسبه 298-321