الأغاني - ج4

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
522 /
311

اقتص منه الجماز لخاله مسلم فاعتذر له:

أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ المؤدّب و محمد بن عمران الصّيرفيّ قالا حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني محمد بن أحمد بن سليمان العتكيّ قال حدّثني العبّاس بن عبيد اللّه بن سنان بن عبد الملك بن مسمع قال:

/كنّا عند قثم بن جعفر بن سلمان و عنده أبو العتاهية ينشد في الزهد، فقال قثم: يا عبّاس، اطلب الساعة الجمّاز حيث كان، و لك عندي سبق‏[1]. فطلبته فوجدته عند ركن دار جعفر بن سليمان، فقلت: أجب الأمير؛ فقام معي حتّى أتى قثم؛ فجلس في ناحية مجلسه و أبو العتاهية ينشده؛ فأنشأ الجمّاز يقول:

ما أقبح التّزهيد من واعظ # يزهّد الناس و لا يزهد

لو كان في تزهيده صادقا # أضحى و أمسى بيته المسجد

يخاف أن تنفد أرزاقه # و الرزق عند اللّه لا ينفد

و الرزق مقسوم على من ترى # يناله الأبيض و الأسود

قال: فالتفت أبو العتاهية إليه فقال: من هذا؟قالوا: [هذا][2]الجمّاز و هو ابن أخت سلّم الحاسر، اقتصّ لخاله منك. فأقبل عليه و قال: يا بن أخي، إني لم أذهب حيث ظننت و لا ظنّ خالك، و لا أردت أن أهتف به؛ و إنما خاطبته كما يخاطب الرجل صديقه، فاللّه يغفر لكما، ثم قام.

غناه مخارق بشعره:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني محمد بن أحمد بن خلف الشّمريّ عن أبيه قال:

كنت عند مخارق، فجاء أبو العتاهية في يوم جمعة فقال: لي حاجة و أريد الصلاة؛ فقال مخارق: لا أبرح حتّى تعود. قال: فرجع و طرح ثيابه، و هي صوف، و غسل وجهه، ثم قال له: غنّني:

صوت‏

قال لي أحمد و لم يدر ما بي # أ تحبّ الغداة عتبة حقّا

فتنفّست ثم قلت نعم حبّ # ا جرى في العروق عرقا فعرقا

فجذب مخارق دواة كانت بين يديه فأوقع عليها ثم غنّاه؛ فاستعاده ثلاث مرّات فأعاده عليه، ثم قام و هو يقول: لا يسمع و اللّه هذا الغناء أحد فيفلح. و هذا الخبر رواية محمد بن القاسم بن مهرويه عنه.

و حدّثنا[به‏][3]أيضا في كتاب هارون بن عليّ بن يحيى عن ابن مهرويه عن ابن عمّار قال حدّثني أحمد بن يعقوب عن محمد بن حسّان الضّبّيّ قال حدّثنا مخارق قال:

[1]أصل السبق (بالتحريك) الخطر يوضع بين أهل السباق، و هو ما يتراهنون عليه.

[2]زيادة عن حـ.

[3]هذه الكلمة ساقطة من ب، س. ـ

312

لقيني أبو العتاهية فقال: بلغني أنك خرّجت قولي:

قال لي أحمد و لم يدر ما بي # أ تحبّ الغداة عتبة حقّا

فقلت نعم. فقال: غنّه. فملت معه إلى خراب، فيه قوم فقراء سكّان، فغنّيته إياه؛ فقال: أحسنت و اللّه!منذ ابتدأت حتّى سكتّ؛ ثم قال لي: أما ترى ما فعل الملك بأهل هذا الخراب!

شعره في تبخيل الناس:

أخبرني جحظة قال حدّثني ميمون بن هارون قال:

قال مخارق: لقيت أبا العتاهية على الجسر، /فقلت له: يا أبا إسحاق، أ تنشدني قولك في تبخيلك الناس كلّهم؟فضحك و قال لي: هاهنا؟قلت نعم. فأنشدني:

إن كنت متّخذا خليلا # فتنقّ و انتقد الخليلا

من لم يكن لك منصفا # في الودّ فابغ به بديلا

و لربّما سئل البخيـ # ل الشي‏ء لا يسوى فتيلا

/فيقول لا أجد السّبيـ # ل إليه يكره أن ينيلا

فلذاك لا جعل الإلـ # ه له إلى خير سبيلا

فاضرب بطرفك حيث شئـ # ت فلن ترى إلاّ بخيلا

فقلت له: أفرطت يا أبا إسحاق!فقال: فديتك!فأكذبني بجواد واحد. فأحببت موافقته، فالتفتّ يمينا و شمالا ثم قلت: ما أجد. فقبّل بين عينيّ و قال: فديتك يا بنيّ!لقد رفقت حتى كدت تسرف.

كان بعد تنسكه يطرب لحديث هارون بن مخارق:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني هارون بن مخارق قال:

كان أبو العتاهية لمّا نسك يقول لي: يا بنيّ، حدّثني؛ فإن ألفاظك تطرب كما يطرب غناؤك.

جفاه أحمد بن يوسف فعاتبه بشعر:

أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم الأنباريّ قال حدّثني أبو هفّان قال حدّثني موسى بن عبد الملك قال:

كان أحمد بن يوسف صديقا لأبي العتاهية، فلمّا خدم المأمون و خصّ به، رأى منه أبو العتاهية جفوة، فكتب إليه:

أبا جعفر إنّ الشريف يشينه # تتايهه على الأخلاّء بالوفر

أ لم تر أنّ الفقر يرجى له الغنى # و أنّ الغنى يخشى عليه من الفقر

فإن نلت تيها بالذي نهلت من غنى # فإنّ غناي في التجمّل و الصبر

قال: فبعث إليه بألفي درهم، و كتب إليه يعتذر مما أنكره.

313

طلب إليه أن يجيز شعرا فأجازه على البديهة:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم الكوفيّ قال حدّثني أبو جعفر المعبديّ قال:

/قلت لأبي العتاهية: أجز لي قول الشاعر:

و كان المال يأتينا فكنّا # نبذّره و ليس لنا عقول

فلمّا أن تولّى المال عنّا # عقلنا حين ليس لنا فضول‏

قال: فقال أبو العتاهية على المكان:

فقصّر ما ترى بالصّبر حقّا # فكلّ إن صبرت له مزيل‏

قال لابنه: أنت ثقيل الظل:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني الحسن بن الفضل الزّعفرانيّ قال: حدّثني من سمع أبا العتاهية يقول لابنه و قد غضب عليه: اذهب فإنك ثقيل الظلّ جامد الهواء.

أهدى إلى الفضل نعلا فأهداها للخليفة:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني يحيى بن خليفة الرّازيّ قال حدّثنا حبيب بن الجهم النّميريّ قال:

حضرت الفضل بن الربيع متنجّزا جائزتي و فرضي، فلم يدخل عليه أحد قبلي، فإذا عون حاجبه قد جاء فقال:

هذا أبو العتاهية يسلّم عليك و قد قدم من مكة؛ فقال: أعفني منه الساعة يشغلني عن ركوبي. فخرج إليه عون /فقال: إنّه على الرّكوب إلى أمير المؤمنين. فأخرج من كمّه نعلا عليها شراك فقال: قل له إنّ أبا العتاهية أهداها إليك جعلت فداءك. قال: فدخل بها؛ فقال: ما هذه؟فقال‏[1]: نعل و على شراكها مكتوب كتاب. فقال: يا حبيب، اقرأ ما عليها فقرأته فإذا هو:

نعل بعثت بها ليلبسها # قرم‏[2]بها يمشي إلى المجد

لو كان يصلح أن أشرّكها[3] # خدّي جعلت شراكها خدّي‏

/فقال لحاجبه عون: احملها معنا، فحملها. فلمّا دخل على الأمين قال له: يا عبّاسيّ، ما هذه النّعل؟ فقال: أهداها إليّ أبو العتاهية و كتب عليها بيتين، و كان أمير المؤمنين أولى بلبسها لما وصف به لابسها. فقال: و ما هما؟فقرأهما. فقال: أجاد و اللّه!و ما سبقه إلى هذا المعنى أحد، هبوا له عشرة آلاف درهم. فأخرجت و اللّه في بدرة و هو راكب على حماره، فقبضها و انصرف.

[1]في الأصول: «قال: فدخلت بها؛ فقال: ما هذه؟فقلت» .

[2]القرم (بالفتح) هنا: السيد العظيم. و لتلبسها قدم بها تمشي» .

[3]أشركها: أجعل لها شراكا. و الشراك: سير النعل على ظهر القدم.

314

قيل إنه كان من أقل الناس معرفة:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا إسماعيل‏[1]بن عبد اللّه الكوفيّ قال حدّثنا عمروس‏[2]صاحب الطعام و كان جار أبي العتاهية، قال:

كان أبو العتاهية من أقلّ الناس معرفة، سمعت بشرا المرّيسيّ يقول له: يا أبا إسحاق، لا تصلّ خلف فلان جارك و إمام مسجدكم؛ فإنه مشبّه‏[3]. قال: كلاّ!إنّه قرأ بنا البارحة في الصّلاة: (قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ) ؛ و إذا هو يظنّ أنّ المشبّه لا يقرأ (قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ) .

شكا إليه بكر بن المعتمر ضيق حبسه فكتب إليه شعرا:

أخبرني الحسن قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني أحمد بن يعقوب الهاشميّ قال حدّثني أبو شيخ منصور بن سليمان عن أبيه قال:

كتب بكر بن المعتمر إلى أبي العتاهية يشكو إليه ضيق القيد و غمّ الحبس؛ فكتب إليه أبو العتاهية:

/

هي الأيّام و العبر # و أمر اللّه ينتظر

أ تيأس أن ترى فرجا # فأين اللّه و القدر

ذمّه الخيلاء و شعره في ذلك:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا أحمد بن عبيد بن ناصح قال:

كنت أمشي مع أبي العتاهية يده في يدي و هو متكئ عليّ ينظر إلى الناس يذهبون و يجيئون، فقال: أ ما تراهم هذا يتيه فلا يتكلم، و هذا يتكلم بصلف!ثم قال لي: مرّ بعض أولاد المهلّب بمالك بن دينار و هو يخطر، فقال:

يا بنيّ، لو خفّضت بعض هذه الخيلاء أ لم يكن أحسن بك من هذه الشّهرة التي قد شهرت بها نفسك؟!فقال له الفتى: أ و ما تعرف من أنا!فقال له: بلى!و اللّه أعرفك معرفة جيدة، أوّلك نطفة مذرة[4]، و آخرك جيفة قذرة، و أنت بين ذينك حامل عذرة. قال: فأرخى الفتى أذنيه و كفّ عما كان يفعل و طأطأ رأسه و مشى مسترسلا. ثم أنشدني أبو العتاهية:

أيا واها لذكر اللّ # ه يا واها له واها

لقد طيّب ذكر اللّ # ه بالتسبيح أفواها

[1]في أ، ء، م: «ابن إسماعيل بن عبد اللّه» .

[2]في ء، م: «عمرو بن صاحب الطعام» .

[3]المشبه: الذي يرى رأي المشبهة، و هم فرقة من الشيعة يقولون: إن معبودهم صورة ذات أعضاء و أبعاض إما روحانية و إما جسمانية، و يجوز عليه الانتقال و النزول و الصعود و الاستقرار و التمكن. و قد حكى أن جماعة منهم أجازوا على ربهم الملامسة و المصافحة، و أن المخلصين من المسلمين يعانقونه في الدنيا و الآخرة إذا بلغوا في الرياضة و الاجتهاد إلى حدّ الإخلاص و الاتحاد المحض.

(انظر كتاب «الملل و النحل» للشهرستانيّ طبع أوروبا ص 75) .

[4]مذرة: قذرة.

315

فيا أنتن من حشّ‏[1] # على حشّ إذا تاها

أرى قوما يتيهون # حشوشا[2]رزقوا جاها

مدح إسماعيل بن محمد شعره و استنشده إياه:

حدّثني اليزيديّ عن عمه إسماعيل بن محمد بن أبي محمد قال.

قلت لأبي العتاهية و قد جاءنا: /يا أبا إسحاق، شعرك كلّه حسن عجيب، و لقد مرّت بي منذ أيام أبيات لك استحسنتها جدّا؛ و ذلك أنها مقلوبة أيضا، فأواخرها كأنها رأسها، لو كتبها الإنسان إلى صديق له كتابا و اللّه لقد كان حسنا أرفع ما يكون شعرا. قال: و ما هي؟قلت:

المرء في تأخير مدّته # كالثوب يخلق بعبد جدّته

و حياته نفس يعدّ له # و وفاته استكمال عدّته

و مصيره من بعد مدّته # لبلى‏[3]و ذا من بعد وحدته

من مات مال ذوو مودّته # عنه و حالوا عن مودّته

أزف الرحيل و نحن في لعب # ما نستعدّ له بعدّته

و لقلّما تبقي الخطوب على # أشر الشّباب و حرّ وقدته

عجبا لمنتبه يضيّع ما # يحتاج فيه ليوم رقدته‏

شبه أبو نواس شعرا له بشعره:

قال اليزيديّ: قال عمّي و حدّثني الحسين بن الضحّاك قال:

كنت مع أبي نواس فأنشدني أبياته التي يقول فيها:

يا بني النقص و الغير # و بني الضعف و الخور

فلمّا فرغ منها قال لي: يا أبا عليّ، و اللّه لكأنها من كلام صاحبك (يعني أبا العتاهية) .

سأل أعرابيا عن معاشه ثم قال شعرا:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني حذيفة بن محمد الطائيّ قال حدّثني أبو دلف القاسم بن عيسى العجليّ قال:

/حججت فرأيت أبا العتاهية واقفا على أعرابيّ في ظل ميل‏[4]و عليه شملة[5]إذا غطّى بها رأسه بدت [1]الحش (بتثليث أوّله) : النخل المجتمع، و يكنى به عن بيت الخلاء لأنه كان من عادتهم التغوّط في البساتين، و الجمع: حشوش.

و في «ديوان أبي العتاهية» : «... من زبل على زبل... » .

[2]في «الديوان» : «بهاما» .

[3]في ب، س و «ديوانه» ص 56 طبع بيروت هكذا: «بليا» . و في سائر الأصول هكذا: «باليا» . و قد رجحنا ما أثبتناه.

[4]الميل: منار يبنى للمسافر في أنشاز الأرض و أشرافها.

[5]الشملة: كساء مخمل دون القطيفة.

316

رجلاه، و إذا غطّى رجليه بدا رأسه. فقال له أبو العتاهية: كيف اخترت هذا البلد القفر على البلدان المخصبة؟فقال له: يا هذا، لو لا أن اللّه أقنع بعض العباد بشرّ البلاد، ما وسع خير البلاد جميع العباد. فقال له: فمن أين معاشكم؟ فقال: منكم معشر الحاجّ، تمرّون بنا فننال من فضولكم، و تنصرفون فيكون ذلك. فقال‏[له‏][1]: إنما نمرّ و ننصرف في وقت من السنة، فمن أين معاشكم؟فأطرق الأعرابيّ ثم قال: لا و اللّه لا أدري ما أقول إلا أنّا نرزق من حيث لا نحتسب أكثر مما نرزق من حيث نحتسب. فولّى أبو العتاهية و هو يقول:

ألا يا طالب الدّنيا # دع الدنيا لشانيكا

و ما تصنع بالدنيا # و ظلّ الميل يكفيكا

شتمه سلّم لما سمع هجوه فيه:

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال:

لمّا قال أبو العتاهية:

تعالى اللّه يا سلّم بن عمر # أذلّ الحرص أعناق الرجال‏

قال‏[2]سلم: ويلي على ابن الفاعلة!كنز البدور و يزعم أنّي حريص و أنا في ثوبيّ هذين!

كان عبد اللّه بن عبد العزيز يتمثل كثيرا بشعره:

أخبرني محمد بن مزيد و الحرميّ بن أبي العلاء قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمرو بن أدعج قال:

قلت لعبد اللّه بن عبد العزيز العمريّ و سمعته يتمثّل كثيرا من شعر أبي العتاهية: أشهد أنّي سمعته ينشد لنفسه:

/

مرّت اليوم شاطره # بضّة الجسم ساخره

إنّ دنيا هي التي # مرّت اليوم سافره

سرقوا نصف اسمها # فهي دنيا و آخره‏

فقال عبد اللّه بن عبد العزيز: وكله اللّه إلى آخرتها. قال: و ما سمع بعد ذلك يتمثّل ببيت‏[3]من شعره.

قال عليّ بن الحسين مؤلف هذا الكتاب: هذه الأبيات لأبي عيينة المهلّبيّ، و كان يشبّب بدنيا في شعره، فإما أن يكون الخبر غلطا، و إما أن يكون الرجل أنشدها العمريّ لأبي العتاهية و هو لا يعلم أنّها ليست له.

موازنة بينه و بين أبي نواس:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل قال:

قال لي الحرمازيّ: شهدت أبا العتاهية و أبا نواس في مجلس، و كان أبو العتاهية أسرع الرجلين جوابا عند البديهة، و كان أبو نواس أسرعهما في قول الشعر؛ فإذا تعاطيا جميعا السرعة فضله أبو العتاهية، و إذا توقّفا و تمهّلا فضله أبو نواس.

[1]زيادة عن حـ.

[2]في الأصول: «فقال» .

[3]في الأصول: «و ما سمع بعد ذلك بيت يتمثل به... » .

317

رأى من صالح المسكين جفوة فعاتبه فجاهره بالعداوة:

أخبرني أحمد بن العبّاس عن ابن عليل العنزيّ قال حدّثنا أبو أنس كثير بن محمد الحزاميّ قال حدّثني الزّبير بن بكّار[عن‏][1]معروف العامليّ قال:

قال أبو العتاهية: كنت منقطعا إلى صالح المسكين، و هو ابن أبي جعفر المنصور، فأصبت في ناحيته مائة ألف درهم، و كان لي ودودا[2]و صديقا، فجئته يوما، و كان لي في مجلسه مرتبة لا يجلس فيها غيري، فنظرت إليه قد قصّر بي عنها، و عاودته ثانية فكانت حاله تلك، و رأيت نظره إليّ ثقيلا، فنهضت و قلت:

/

أراني صالح بغضا # فأظهرت له بغضا

و لا و اللّه لا ينقـ # ض إلا زدته نقضا

و إلاّ زدته مقتا # و إلا زدته رفضا

ألا يا مفسد الودّ # و قد كان له محضا

تغضبت من الريح # فما أطلب أن ترضى

لئن كان لك المال الـ # مصفى إنّ لي عرضا

قال أبو العتاهية: فنمي الكلام إلى صالح فنادى بالعداوة؛ فقلت فيه:

مددت لمعرض حبلا طويلا # كأطول ما يكون من الحبال

حبال بالصّريمة ليس تفنى # موصّلة على عدد الرمال

فلا تنظر إليّ و لا تردني # و لا تقرب حبالك من حبالي

فليت الرّدم‏[3]من يأجوج بيني # و بينك مثبتا أخرى الليالي

فكرش‏[4]إن أردت لنا كلاما # و نقطع قحف‏[5]رأسك بالقذال‏[6]

استنشده مساور شعرا في جنازة فأبى:

حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا عليّ بن سليمان النّوفليّ قال: قال مساور السبّاق، و أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير عن مساور السبّاق قال:

شهدت جنازة في أيّام الحاجّ وقت خروج الحسين بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن الحسن‏[7]المقتول بفخّ‏[8]، فرأيت رجلا قد حضر الجنازة معنا و قد قال لآخر: هذا/الرجل الذي/صفته كذا و كذا أبو العتاهية.

[1]زيادة يقتضيها السياق. و في حـ: «الزبير بن معروف العاملي» .

[2]في حـ، ب: «ودّا» . و الود (مثلث الواو) : الكثير الود، كالودود.

[3]الردم: سدّ يأجوج و مأجوج.

[4]كرّش الرجل: قطب وجهه.

[5]القحف: العظم الذي فوق الدماغ من الجمجمة. و قيل لا يسمى قحفا حتى ينفلق من الجمجمة فيبين.

[6]كذا في حـ. و القذال: جماع مؤخر الرأس ما بين نقرة القفا إلى الأذن. و في سائر الأصول: «بالقتال» بالتاء المثناة من فوق.

[7]في طبعة بولاق: الحسن بن علي بن الحسين بن الحسن بن الحسين.

[8]فخ: واد بمكة، و هو فيما قيل: وادي الزاهر.

318

فالتفت إليه فقلت له: أنت أبو العتاهية؟فقال: لا، أنا أبو إسحاق. فقلت له: أنشدني شيئا من شعرك؛ فقال لي:

ما أحمقك!نحن على سفر و على شفير قبر، و في أيام العشر، و ببلدكم هذا تستنشدني الشعر!ثم أدبر عنّي ثم عاد إليّ فقال: و أخرى أزيدكها، لا و اللّه ما رأيت في بني آدم قطّ أسمج منك وجها! قال النوفليّ في خبره: و صدق أبو العتاهية، كان مساور هذا مقبّحا طويل الوجه كأنّه ينظر في سيف.

حجبه حاجب يحيى بن خاقان فقال شعرا فاسترضاه فأبى:

أخبرني عمّي الحسن بن محمد و جحظة قالا حدّثنا ميمون بن هارون قال:

قدم أبو العتاهية يوما منزل يحيى بن خاقان، فلمّا قام بادر له الحاجب فانصرف. و أتاه يوما آخر فصادفه حين نزل، فسلّم عليه و دخل إلى منزله و لم يأذن له؛ فأخذ قرطاسا و كتب إليه:

أراك تراع حين ترى خيالي # فما هذا يروعك من خيالي

لعلّك خائف منّي سؤال # ألا فلك الأمان من السؤال

كفيتك إنّ حالك لم تمل بي # لأطلب مثلها بدلا بحالي

و إنّ اليسر مثل العسر عندي # بأيّهما منيت فلا أبالي‏

فلمّا قرأ الرّقعة أمر الحاجب بإدخاله إليه، فطلبه فأبى أن يرجع معه، و لم يلتقيا بعد ذلك.

كان بينه و بين أبي الشمقمق شرّ:

أخبرني عبد اللّه بن محمد الرّازيّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث قال حدّثنا المدائنيّ قال:

/اجتمع أبو نواس و أبو الشّمقمق في بيت ابن أذين، و كان بين أبي العتاهية و بين أبي الشّمقمق شرّ، فخبّئوه من أبي العتاهية في بيت. و دخل أبو العتاهية فنظر إلى غلام عندهم فيه تأنيث‏[1]، فظنّ أنّه جارية، فقال لابن أذين: متى استطرفت‏[2]هذه الجارية؟فقال: قريبا يا أبا إسحاق، فقال: قل فيها ما حضر؛ فمدّ أبو العتاهية يده إليه و قال:

مددت كفّي نحوكم سائلا # ما ذا تردّون على السائل‏

فلم يلبث أبو الشمقمق حتى ناداه من البيت:

نردّ في كفّك ذا فيشة # يشفي جوى في استك من داخل‏

فقال أبو العتاهية: شمقمق و اللّه!و قام مغضبا.

استنشد ابن أبي أمية شعره و مدحه:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني سليمان بن عبّاد قال حدّثنا سليمان بن مناذر قال:

كنّا عند جعفر بن يحيى و أبو العتاهية حاضر في وسط المجلس؛ فقال أبو العتاهية لجعفر: جعلني اللّه فداك! [1]فيه تأنيث: فيه لين و تخنّث.

[2]استطرفت: استحدثت. و في الأصول: «متى استظرفتها» بالمعجمة.

319

معكم شاعر يعرف بابن أبي أميّة أحبّ أن أسمعه ينشد؛ فقال له جعفر: هو أقرب الناس منك. فأقبل أبو العتاهية على محمد، و كان إلى جانبه، و سأله أن ينشده، فكأنّه حصر ثم أنشده:

صوت‏

ربّ وعد منك لا أنساه لي # أوجب الشكر و إن لم تفعل

أقطع الدهر بوعد حسن # و أجلّي غمرة ما تنجلي

كلّما أمّلت وعدا صالحا # عرض المكروه دون الأمل

/و أرى الأيّام لا تدني الذي # أرتجي منك و تدني أجلي‏

/-في هذه الأبيات لأبي حبشة رمل-قال: فأقبل أبو العتاهية يردّد البيت الأخير و يقبّل رأس ابن أبي أميّة و يبكي، و قال: وددت و اللّه أنّه لي بكثير من شعري.

لم يرض بتزويج ابنته لمنصور بن المهدي:

أخبرني حبيب بن نصر قال حدّثنا عمر بن شبّة قال:

كانت لأبي العتاهية بنتان، اسم إحداهما «للّه» ، و الأخرى «باللّه» ؛ فخطب منصور بن المهديّ «للّه» فلم يزوّجه، و قال: إنما طلبها لأنّها بنت أبي العتاهية، و كأنّي بها قد ملّها، فلم يكن لي إلى الانتصاف منه سبيل، و ما كنت لأزوّجها إلا بائع خزف و جرار، و لكنّي أختاره لها موسرا.

كان له ابن شاعر:

و كان لأبي العتاهية ابن يقال له محمد و كان شاعرا، و هو القائل:

قد أفلح السّالم الصّموت # كلام راعي الكلام قوت

ما كلّ نطف له جواب # جواب ما يكره السّكوت

يا عجبا لامرئ ظلوم # مستيقن أنّه يموت‏

سأله عبد اللّه بن الحسن بن سهل أن ينشده من شعره ففعل:

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: حدّثنا زكريّا بن الحسين‏[1]عن عبد اللّه بن الحسن بن سهل الكاتب قال:

قلت لأبي العتاهية: أنشدني من شعرك ما تستحسن، فأنشدني:

ما أسرع الأيّام في الشّهر # و أسرع الأشهر في العمر

[1]في حـ: «الحسن» .

320
صوت‏

ليس لمن ليست له حيلة # موجودة خير من الصّبر

فاخط مع الدهر إذا ما خطا # واجر مع الدهر كما يجري

من سابق الدهر كبا كبوة # لم يستقلها آخر الدهر

لإبراهيم في هذه الأبيات خفيف ثقيل و ثقيل أوّل.

لما جفاه الفضل وصله ابن الحسن بن سهل:

قال عبد اللّه بن الحسن: و سمعت أبا العتاهية يحدّث قال: ما زال الفضل بن الربيع من أميل النّاس إليّ، فلمّا رجع من خراسان بعد موت الرشيد دخلت إليه، فاستنشدني فأنشدته:

أفنيت عمرك إدبارا و إقبالا # تبغي البنين و تبغي الأهل و المالا

الموت هول فكن ما شئت ملتمسا # من هوله حيلة إن كنت محتالا

أ لم تر الملك الأمسيّ حين مضى # هل نال حيّ من الدنيا كما نالا

أفناه من لم يزل يفني القرون فقد # أضحى و أصبح عنه الملك قد زالا

كم من ملوك مضى ريب الزمان بهم # فأصبحوا عبرا فينا و أمثالا

فاستحسنها و قال: أنت تعرف شغلي، فعد إليّ في وقت فراغي اقعد معك و آنس بك. فلم أزل أراقب أيّامه حتى كان يوم فراغه فصرت إليه؛ فبينما هو مقبل عليّ يستنشدني و يسألني فأحدّثه، إذ أنشدته:

ولّى الشباب فما له من حيلة # و كسا ذؤابتي المشيب حمارا

أين البرامكة الذين عهدتهم # بالأمس أعظم أهلها أخطارا

/فلمّا سمع ذكرى البرامكة تغيّر لونه و رأيت الكراهية في وجهه، فما رأيت منه خيرا بعد ذلك.

قال: و كان أبو العتاهية يحدّث هذا الحديث ابن الحسن بن سهل؛ فقال له: لئن كان ذلك ضرّك عند الفضل بن الربيع لقد نفعك عندنا؛ فأمر له بعشرة آلاف درهم و عشرة أثواب و أجرى له كلّ شهر ثلاثة آلاف درهم، فلم يزل يقبلها دارّة إلى أن مات.

عاتب مجاشع بن مسعدة فردّ عليه من شعره:

قال عبد اللّه بن الحسن بن سهل: و سمعت عمرو بن مسعدة يقول: قال لي أخي مجاشع: بينما أنا في بيتي إذ جاءتني رقعة من أبي العتاهية فيها:

/

خليل لي أكاتمه # أراني لا ألائمه

خليل لا تهبّ الرّيـ # ح إلاّ هبّ لائمه

كذا من نال سلطانا # و من كثرت دراهمه‏

قال: فبعثت إليه فأتاني، فقلت له: أ ما رعيت حقّا و لا ذماما و لا مودّة!فقال لي: ما قلت سوءا. قلت: فما

321

حملك على هذا؟قال: أغيب عنك عشرة أيّام فلا تسأل عنّي و لا تبعث إليّ رسولا!فقلت: يا أبا إسحاق، أنسيت قولك:

يأبى المعلّق بالمنى # إلاّ رواحا و ادّلاجا

ارفق فعمرك عود ذي # أود رأيت به اعوجاجا

من عاج من شي‏ء إلى # شي‏ء أصاب له معاجا

فقال: حسبك!حسبك!أوسعتني عذرا.

عاب شعر ابن مناذر لاستعماله الغريب، فخجل:

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ الزّارع قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني محمد بن عمران بن عبد الصّمد الزّارع قال حدّثنا ابن عائشة قال:

قال أبو العتاهية لابن مناذر[1]: شعرك مهجّن لا يلحق بالفحول، و أنت خارج عن طبقة المحدثين. فإن كنت تشبّهت بالعجّاج و رؤبة فما لحقتهما و لا أنت/في طريقهما، و إن كنت تذهب مذهب المحدثين فما صنعت شيئا.

أخبرني عن قولك:

و من عاداك لاقى المرمريسا[2]

أخبرني عن المرمريس ما هو؟قال: فخجل ابن مناذر و ما راجعه حرفا. قال: و كان بينهما تناغر[3].

عرف عبيد اللّه بن إسحاق بمكة و سأله أن يجيز شعره:

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى قال حدّثني الحسين بن إسماعيل المهديّ قال حدّثني رجاء بن سلمة قال:

وجد المأمون عليّ في شي‏ء، فاستأذنته في الحجّ فأذن لي، فقدمت البصرة و عبيد اللّه بن إسحاق بن الفضل الهاشميّ‏[4]عليها و إليه أمر الحجّ، فزاملته إلى مكة. فبينا نحن في الطّواف رأيت أبا العتاهية، فقلت لعبيد اللّه:

جعلت فداك!أ تحبّ أن ترى أبا العتاهية؟فقال: و اللّه إنّي لأحبّ أن أراه و أعاشره. قلت: فافرغ من طوافك و اخرج، ففعل. فأخذت بيد أبي العتاهية فقلت له: يا أبا إسحاق، هل لك في رجل من أهل البصرة شاعر أديب ظريف؟ [1]في شرح «القاموس» مادة «نذر» ما نصه: و «ابن مناذر بالفتح ممنوع من الصرف و يضم فيصرف. قال الجوهريّ: هو محمد بن مناذر شاعر بصري، فمن فتح الميم منه لم يصرفه و يقول إنه جمع منذر؛ لأنه محمد بن المنذر بن المنذر بن المنذر، و من ضمه صرفه» اهـ. و قد ورد في «معجم البلدان» لياقوت (ج 4 ص 644 طبع مدينة ليدن) ما يؤكد أنه بالضم ليس غير؛ قال: «ذكر المبرد أن محمد بن مناذر الشاعر كان إذا قيل ابن مناذر بفتح الميم يغضب و يقول: أ مناذر الكبرى أم مناذر الصغرى، و هما كورتان من كور الأهواز، إنما هو مناذر على وزن مفاعل من ناذر يناذر فهو مناذر، مثل ضارب فهو مضارب» . و قد ورد في «المشتبه في أسماء الرجال» للذهبيّ (ص 457 طبع مدينة ليدن) بالضم أيضا.

[2]المرمريس: الداهية.

[3]التناغر: التناكر. و في حـ: «تباعد» .

[4]كذا في حـ، ء. و في سائر النسخ: «الهاشمي» و هو تحريف. ـ

322

قال: و كيف لي بذلك؟فأخذت بيده فجئت به إلى عبيد اللّه، و كان لا يعرفه، فتحدّثا ساعة، ثم قال له أبو العتاهية:

هل لك في بيتين تجيزهما؟فقال له عبيد اللّه: إنه لا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحجّ. فقال له: لا نرفث و لا نفسق و لا نجادل. فقال: هات إذا. فقال أبو العتاهية:

/

إنّ المنون غدوّها و رواحها # في الناس دائبة تجيل قداحها

يا ساكر الدنيا لقد أوطنتها # و لتنزحنّ و إن كرهت نزاحها

/فأطرق عبيد اللّه ينظر إلى الأرض ساعة، ثم رفع رأسه فقال:

خذ لا أبا لك للمنيّة عدّة # و احتل لنفسك إن أردت صلاحها

لا تغترر فكأنّني بعقاب ريـ # ب الموت قد نشرت عليك جناحها

قال: ثم سمعت الناس ينحلون أبا العتاهية هذه الأربعة الأبيات كلّها، و ليس له إلاّ البيتان الأوّلان.

قصته في السجن مع داعية عيسى بن زيد:

أخبرني عمّي الحسن بن محمد قال حدّثنا ميمون بن هارون قال حدّثني إبراهيم بن رباح قال أخبرني إبراهيم بن عبد اللّه، و أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا هارون بن مخارق قال حدّثني إبراهيم بن دسكرة، و أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال:

قال أبو العتاهية: حبسني‏[1]الرشيد لمّا تركت قول الشعر، فأدخلت السجن و أغلق الباب عليّ، فدهشت كما يدهش مثلي لتلك الحال، و إذا أنا برجل جالس في جانب الحبس مقيّد، فجعلت أنظر إليه ساعة، ثم تمثّل:

صوت‏

تعوّدت مرّ الصبر حتى ألفته # و أسلمني حسن العزاء إلى الصبر

و صيّرني يأسي من النّاس راجيا # لحسن صنيع اللّه من حيث لا أدري‏

فقلت له: أعد، يرحمك اللّه، هذين البيتين. فقال لي: ويلك أبا العتاهية!ما أسوأ أدبك و أقلّ عقلك!دخلت عليّ الحبس فما سلّمت تسليم المسلم على المسلم، و لا سألت مسألة الحرّ للحرّ، و لا توجّعت توجّع المبتلى للمبتلى، حتى إذا سمعت بيتين/من الشعر الذي لا فضل فيك غيره، لم تصبر عن استعادتهما، و لم تقدّم قبل مسألتك عنهما عذرا لنفسك في طلبهما!فقلت: يا أخي إنّي دهشت لهذه الحال، فلا تعذلني و اعذرني متفضّلا بذلك. فقال: أنا و اللّه أولى بالدّهش و الحيرة منك؛ لأنك حبست في أن تقول شعرا به ارتفعت و بلغت، فإذا قلت أمّنت، و أنا مأخوذ بأن أدلّ على ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ليقتل أو أقتل دونه، و و اللّه لا أدلّ عليه أبدا، و الساعة يدعى بي فأقتل، فأيّنا أحقّ بالدّهش؟فقلت له: أنت و اللّه أولى، سلّمك اللّه و كفاك، و لو علمت أنّ هذه حالك ما سألتك.

قال: فلا نبخل عليك إذا، ثم أعاد البيتين حتى حفظتهما. قال: فسألته من هو؟فقال: أنا خاصّ داعية عيسى بن زيد و ابنه أحمد. و لم نلبث أن سمعنا صوت الأقفال، فقام فسكب عليه ماء كان عنده في جرّه، و لبس ثوبا نظيفا كان [1]في «وفيات الأعيان» لابن خلكان (ج 1 ص 102) : «أمر المهدي بحبسي... » .

323

عنده، و دخل الحرس و الجند معهم الشمع فأخرجونا جميعا، و قدّم قبلي إلى الرشد. فسأله عن أحمد بن عيسى؛ فقال: لا تسألني عنه و اصنع ما أنت صانع، فلو أنه تحت ثوبي هذا ما كشفته عنه. و أمر بضرب عنقه فضرب. ثم قال لي: أظنّك قد ارتعت يا إسماعيل!فقلت: دون ما رأيته تسيل منه النفوس. فقال: ردّوه إلى محبسه فرددت، و انتحلت هذين البيتين و زدت فيهما:

إذا أنا لم أقبل من الدّهر كلّ ما # تكرّهت منه طال عتبي على الدهر

/لزرزور غلام المارقيّ في هذين البيتين المذكورين خفيف رمل. و فيهما لعريب خفيف ثقيل.

كان خلفا في شعره له منه الجيد و الردي ء:

نسخت من كتاب هارون بن عليّ بن يحيى: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني ناجية بن عبد الواحد قال:

/قال لي أبو العبّاس الخزيميّ:

كان أبو العتاهية خلفا في الشعر، بينما هو يقول في موسى الهادي:

لهفي على الزمن القصير # بين الخورنق و السّدير

إذ قال:

أيا ذوي الوخامه # أكثرتم الملامة

فليس لي على ذا # صبر و لا قلامه

نعم عشقت موقا # هل قامت القيامه

لأركبنّ فيمن # هويته الصّرامه‏

عرض شعرا له على سلّم الخاسر فذمه فأجابه:

و نسخت من كتابه‏[1]: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني أحمد بن عيسى قال حدّثني الجمّاز قال:

قال سلّم الخاسر: صار إليّ أبو العتاهية فقال: جئتك زائرا؛ فقلت: مقبول منك و مشكور أنت عليه، فأقم.

فقال: إنّ هذا مما يشتدّ عليّ. قلت: و لم يشتدّ عليك ما يسهل على أهل الأدب؟فقال: لمعرفتي بضيق صدرك.

فقلت له و أنا أضحك و أعجب من مكابرته: «رمتني بدائها[2]و انسلّت» . فقال: دعني من هذا و اسمع منّي أبياتا.

فقلت: هات؛ فأنشدني:

نغّص الموت كلّ لذّة عيش # يا لقومي للموت ما أوحاه‏[3]

عجبا أنّه إذا مات ميت # صدّ عنه حبيبه و جفاه

حيثما وجّه امرؤ ليفوت الـ # موت فالموت واقف بحذاه‏

[1]يريد كتاب هارون بن علي الوارد في الصفحة السابقة.

[2]هذا مثل يضرب لمن يعيّر آخر غيبا هو فيه.

[3]ما أوحاه: ما أسرعه.

324

إنّما الشّيب لابن آدم ناع # قام في عارضيه ثم نعاه

/من تمنّى المنى فأغرق فيها # مات من قبل أن ينال مناه

ما أذلّ المقلّ في أعين النّا # س لإقلاله و ما أقماه‏[1]

إنما تنظر العيون من النا # س إلى من ترجوه أو تخشاه‏

ثم قال لي: كيف رأيتها؟فقلت له: لقد جوّدتها لو لم تكن ألفاظها سوقيّة. فقال: و اللّه ما يرغّبنيّ فيها إلاّ الذي زهّدك فيها.

مر به حميد الطوسي متكبرا فقال شعرا:

و نسخت من كتابه: عن عليّ بن مهديّ قال حدّثني عبد اللّه بن عطيّة عن محمد بن عيسى الحربيّ قال:

كنت جالسا مع أبي العتاهية، إذ مرّ بنا حميد الطّوسيّ في موكبه و بين يديه الفرسان و الرّجّالة، و كان بقرب أبي العتاهية سواديّ‏[2]على أتان، فضربوا وجه الأتان و نحّوه عن الطريق، و حميد واضع طرفه على معرفة فرسه و الناس ينظرون إليه يعجبون منه و هو لا يلتفت تيها؛ فقال أبو العتاهية:

للموت أبناء بهم # ما شئت من صلف و تيه

و كأنّني بالموت قد # دارت رحاه على بنيه‏

/قال: فلمّا جاز حميد مع صاحب الأتان قال أبو العتاهية:

ما أذلّ المقلّ في أعين النا # س لإقلاله و ما أقماه

إنما تنظر العيون من النا # س إلى من ترجوه أو تخشاه‏

اعترض عليه في بخله فأجاب:

قال عليّ بن مهديّ و حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال:

قيل لأبي العتاهية: مالك تبخل بما رزقك اللّه؟قال: و اللّه ما بخلت بما رزقني اللّه قطّ. قيل له: و كيف ذاك و في بيتك من المال ما لا يحصى؟قال: ليس ذلك رزقي، و لو كان رزقي لأنفقته.

طلب من صالح الشهرزوري حاجة فلم يقضها فعاتبه حتى استرضاه فمدحه:

قال عليّ بن مهديّ و حدّثني محمد بن جعفر الشّهرزوريّ قال حدّثني رجاء مولى صالح الشّهرزوريّ قال:

كان أبو العتاهية صديقا لصالح الشهرزوريّ و آنس الناس به، فسأله أن يكلّم الفضل بن يحيى في حاجة له؛ فقال له صالح: لست أكلّمه في أشباه هذا، و لكن حمّلني ما شئت في مالي. فانصرف عنه أبو العتاهية و أقام أيّاما لا يأتيه؛ فكتب إليه أبو العتاهية:

أقلل زيارتك الصديق و لا تطل # إتيانه فتلجّ في هجرانه‏

[1]ما أقماه: ما أذله.

[2]السواديّ: القرويّ، من سواد البلدة و هو ما حولها من القرى، أو هو الرجل من عامة الناس.

325

إنّ الصديق يلجّ في غشيانه # لصديقه فيملّ من غشيانه

حتّى تراه بعد طول مسرّة # بمكانه متبرّما بمكانه

و أقلّ ما يلفى الفتى ثقلا على # إخوانه ما كفّ عن إخوانه

و إذا توانى عن صيانة نفسه # رجل تنقص و استخفّ بشانه‏

فلمّا قرأ الأبيات قال: سبحان اللّه!أ تهجرني لمنعي إيّاك شيئا تعلم أنّي ما ابتذلت نفسي له قطّ، و تنسى مودّتي و أخوّتي، و من دون ما بيني و بينك ما أوجب عليك أن تعذرني!فكتب إليه:

أهل التّخلّق لو يدوم تخلّق # لسكنت ظلّ جناح من يتخلّق

ما الناس في الإمساك إلا واحد # فبأيّهم إن حصّلوا[1]أتعلّق

هذا زمان قد تعوّد أهله # تيه الملوك و فعل من يتصدّق‏[2]

فلمّا أصبح صالح غدا بالأبيات على الفضل بن يحيى و حدّثه بالحديث؛ فقال له: لا و اللّه ما على الأرض أبغض إليّ من إسداء عارفة إلى أبي العتاهية؛ لأنه ممن ليس/يظهر عليه أثر صنيعة، و قد قضيت حاجته لك؛ فرجع و أرسلني إليه بقضاء حاجته‏[3]. فقال أبو العتاهية:

جزى اللّه عنّي صالحا بوفائه # و أضعف أضعافا له في جزائه

بلوت رجالا بعده في إخائهم # فما ازددت إلاّ رغبة في إخائه

صديق إذا ما جئت أبغيه حاجة # رجعت بما أبغي و وجهي بمائه‏

أخبرني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن موسى قال حدّثني أحمد بن حرب قال:

أنشدني محمد بن أبي العتاهية لأبيه يعاتب صالحا هذا في تأخيره قضاء حاجته:

صوت‏

أ عينيّ جودا و ابكيا ودّ صالح # و هيجا عليه معولات النّوائح

فما زال سلطانا أخ لي أودّه # فيقطعني جرما[4]قطيعة صالح‏

/الغناء في هذين البيتين لإبراهيم ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.

أمر الرشيد مؤدّب ولده أن يرويهم شعره:

أخبرني محمد بن أبي الأزهر قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن جدّه قال:

كان الرشيد معجبا بشعر أبي العتاهية، فخرج إلينا يوما و في يده رقعتان على نسخة واحدة، فبعث بإحداهما [1]حضلوا: خبروا و ميزوا.

[2]يتصدّق هنا: يسأل.

[3]أي رجع الفضل و أرسلني إلى أبي العتاهية بقضاء حاجته.

[4]في ء: «جزما» . و في سائر النسخ: «حزما» بالحاء المهملة. و يظهر أن كليهما مصحف عما أثبتناه.

326

إلى مؤدّب لولده و قال: ليروّهم ما فيها، و دفع الأخرى إليّ و قال: غنّ في هذه الأبيات. ففتحتها فإذا فيها:

صوت‏

قل لمن ضنّ بودّه # و كوى القلب بصدّه

ما ابتلى اللّه فؤادي # بك إلاّ شؤم جدّه

/أيّها السارق عقلي # لا تضنّنّ بردّه

ما أرى حبّك إلاّ # بالغا بي فوق حدّه‏

تمثل المعتصم عند موته بشعر له:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثني عبد اللّه بن محمد الأمويّ العتبيّ قال قال لي محمد بن عبد الملك الزيّات:

لمّا أحسّ المعتصم بالموت قال لابنه الواثق: ذهب و اللّه أبوك يا هارون!للّه درّ أبي العتاهية حيث يقول:

الموت بين الخلق مشترك # لا سوقة يبقى و لا ملك

ما ضرّ أصحاب القليل و ما # أغنى عن الأملاك ما ملكوا

عدّ أبو تمام خمسة أبيات من شعره و قال لم يشركه فيها غيره:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ و عمّي الحسن و الكوكبيّ قالوا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال:

قال لي أبو تمام الطائيّ: لأبي العتاهية خمسة أبيات ما شركه فيها أحد، و لا قدر على مثلها متقدّم و لا متأخّر، و هو قوله:

الناس في غفلاتهم # و رحى المنيّة تطحن‏

و قوله لأحمد بن يوسف:

أ لم تر أنّ الفقر يرجى له الغنى # و أنّ الغنى يخشى عليه من الفقر

و قوله في موسى الهادي:

و لمّا استقلّوا بأثقالهم # و قد أزمعوا للّذي أزمعوا

قرنت التفاتي بآثارهم # و أتبعتهم مقلة تدمع‏

و قوله:

هب الدنيا تصير إليك عفوا # أ ليس مصير ذاك إلى زوال‏

عزاؤه صديقا له:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني محمد بن سعيد المهديّ عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ قال:

327

مات شيخ لنا ببغداد، فلمّا دفنّاه أقبل الناس على أخيه يعزّونه، فجاء أبو العتاهية إليه و به جزع شديد، فعزّاه ثم أنشده:

لا تأمن الدّهر و البس # لكلّ حين لباسا

ليدفنّنا أناس # كما دفنّا أناسا

/قال: فانصرف الناس، و ما حفظوا غير قول أبي العتاهية.

أرسل لخزيمة من شعره في الزهد فغضب و ذمه:

نسخت من كتاب هارون بن عليّ: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني حبيب بن عبد الرحمن عن بعض أصحابه:

قال: كنت في مجلس خزيمة[1]، فجرى حديث ما يسفك من الدماء، فقال: و اللّه ما لنا عند اللّه عذر و لا حجّة إلاّ رجاء عفوه و مغفرته. و لو لا عزّ السلطان و كراهة الذلّة، و أن أصير بعد الرئاسة سوقة و تابعا بعد ما كنت متبوعا، ما كان في الأرض أزهد و لا أعبد منّي؛ فإذا هو بالحاجب قد دخل عليه برقعة من أبي العتاهية فيها مكتوب:

أراك امرأ ترجو من اللّه عفوه # و أنت على ما لا يحبّ مقيم

تدلّ على التقوى و أنت مقصّر # أيا من يداوي الناس و هو سقيم

و إنّ امرأ لم يلهه اليوم عن غد # تخوّف ما يأتي به لحكيم

و إنّ امرأ لم يجعل البرّ كنزه # و إن كانت الدنيا له لعديم‏

/فغضب خزيمة و قال: و اللّه ما المعروف عند هذا المعتوه الملحف من كنوز البرّ فيرغب فيه حرّ. فقيل له:

و كيف ذاك؟فقال: لأنّه من الذين يكنزون الذهب و الفضّة و لا ينفقونها في سبيل اللّه.

مدح يزيد بن مزيد فوصله:

و نسخت من كتابه: عن عليّ بن مهديّ قال حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال قال لي الفضل بن العبّاس:

قال لي أبو العتاهية: دخلت على يزيد بن مزيد، فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها:

و ما ذاك إلاّ أنّني واثق بما # لديك و أنّي عالم بوفائكا

كأنّك في صدري إذا جئت زائرا # تقدّر فيه حاجتي بابتدائكا

و إنّ أمير المؤمنين و غيره # ليعلم في الهيجاء فضل غنائكا

كأنّك عند الكرّ في الحرب إنّما # تفرّ من السّلم الذي من ورائكا

فما آفة الأملاك غيرك في الوغى # و لا آفة الأموال غير حبائكا

قال: فأعطاني عشرة آلاف درهم، و دابة بسرجها و لجامها..

[1]هو خزيمة بن خازم أحد قوّاد الرشيد.

328

وعظ راهب رجلا عابدا بشعره:

و أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق و عمّي الحسن بن محمد و حبيب بن نصر المهلّبي قالوا: حدّثنا عمر بن شبّة قال:

مرّ عابد براهب في صومعة؛ فقال له: عظني. فقال: أعظك و عليكم نزل القرآن، و نبيّكم محمد صلّى اللّه عليه و سلّم قريب العهد بكم‏[1]؟قلت نعم. قال: فاتّعظ ببيت من شعر شاعركم أبي العتاهية حين يقول:

تجرّد من الدنيا فإنّك إنّما # وقعت إلى الدنيا و أنت مجرّد

فضله العتابي على أبي نواس:

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني الفضل بن محمد الزّارع قال حدّثني جعفر بن جميل قال:

/قدم العتّابي الشاعر على المأمون، فأنزله على إسحاق بن إبراهيم، فأنزله على كاتبه ثوابة بن يونس، و كنّا نختلف إليه نكتب عنه. فجرى ذات يوم ذكر الشعراء؛ فقال: لكم يا أهل العراق شاعر منوّه الكنية، ما فعل؟فذكر القوم أبا نواس؛ فانتهرهم و نفض يده و قال: ليس ذلك، حتى طال الكلام. فقلت: لعلّك تريد أبا العتاهية. فقال:

/نعم!ذاك أشعر الأوّلين و الآخرين في وقته.

لام أبا نواس في استماع الغناء:

أخبرني محمد بن عمران قال حدّثني العنزيّ قال حدّثني محمد بن إسحاق عن عليّ بن عبد اللّه الكنديّ قال:

جلس أبو العتاهية يوما يعذل أبا نواس و يلومه في استماع الغناء و مجالسته لأصحابه؛ فقال له أبو نواس:

أ تراني يا عتاهي # تاركا تلك الملاهي

أ تراني مفسدا بالنّ # سك عند القوم جاهي‏

قال: فوثب أبو العتاهية و قال: لا بارك اللّه عليك!و جعل أبو نواس يضحك.

بلغه أن إبراهيم بن المهدي رماه بالزندقة فبعث إليه يعاتبه فردّ عليه إبراهيم:

أخبرني جحظة قال حدّثني هبة اللّه بن إبراهيم بن المهديّ قال:

بلغ أبا العتاهية أنّ أبي رماه في مجلسه بالزندقة و ذكره بها؛ فبعث إليه يعاتبه على لسان إسحاق الموصلي، فأدّى إليه إسحاق الرسالة؛ فكتب إليه أبي:

إنّ المنيّة أمهلتك عتاهي # و الموت لا يسهو و قلبك ساهي

يا ويح ذي السنّ الضعيف أماله # عن غيّه قبل الممات تناهي

وكّلت بالدنيا تبكّيها و تنـ # دبها و أنت عن القيامة لاهي

و العيش حلو و المنون مريرة # و الدّار دار تفاخر و تباهى‏

[1]في جميع الأصول: «و نبيكم محمد صلّى اللّه عليه و سلّم قريب العهد بكم صلّى اللّه عليه و سلّم و على آله» . و يظهر أن هذا تكرار من النساخ.

329

/فاختر[1]

لنفسك دونها سبلا و لا # تتحامقنّ لها فإنّك لاهي

لا يعجبنّك أن يقال مفوّه # حسن البلاغة أو عريض الجاه

أصلح جهولا من سريرتك الّتي # تخلو بها و ارهب مقام اللّه

إنّي رأيتك مظهرا لزهادة # تحتاج منك لها إلى أشباه‏

كان عبد اللّه بن العباس بن الفضل مشغوفا بالغنا في شعره:

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني الحسين بن يحيى الصوليّ قال حدّثني عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع قال:

رآني الرشيد مشغوفا بالغناء في شعر أبي العتاهية:

صوت‏

أحمد قال لي و لم يدر ما بي # أ تحبّ الغداة عتبة حقّا

فتنفّست ثم قلت نعم حبـ # بّا جرى في العروق عرقا فعرقا

لو تجسّين يا عتيبة قلبي # لوجدت الفؤاد قرحا تفقّا

قد لعمري ملّ الطبيب و ملّ # الأهل منّي مما أقاسي و ألقى

ليتني متّ فاسترحت فإنّي # أبدا ما حييت منها ملقّى‏[2]

و لا سيما من مخارق، و كان يغنّي فيه رملا لإبراهيم أخذه عنه. و فيه لحن لفريدة رمل. هكذا قال الصّولي:

«فريدة» بالياء، و غيره يقول: «فرندة» بالنون.

أمره الرشيد أن يقول شعرا يغني فيه الملاحون فلما سمعه بكى:

حدّثني الصّولي قال حدّثنا محمد بن موسى قال حدّثنا محمد بن صالح العدويّ قال أخبرني أبو العتاهية قال:

كان الرشيد مما يعجبه غناء الملاّحين في الزّلالات‏[3]إذا ركبها، و كان يتأذّى بفساد كلامهم و لحنهم، فقال:

قولوا لمن معنا من الشعراء يعملوا لهؤلاء شعرا يغنّون فيه. /فقيل له: ليس أحد أقدر على/هذا من أبي العتاهية، و هو في الحبس. قال: فوجّه إليّ الرشيد: قل شعرا حتّى أسمعه منهم، و لم يأمر بإطلاقي؛ فغاظني ذلك فقلت:

و اللّه لأقولنّ شعرا يحزنه و لا يسرّ به، فعملت شعرا و دفعته إلى من حفّظه الملاّحين. فلمّا ركب الحرّاقة[4]سمعه، و هو:

خانك الطّرف الطّموح # أيّها القلب الجموح‏

[1]في حـ: «فاحتل» .

[2]الملقى: الممتحن الذي لا يزال يلقاه مكروه.

[3]لم نجد هذا الاسم في «كتب اللغة» التي بين أيدينا بالمعنى المراد منه هنا. و ظاهر أن المراد به نوع من السفن.

[4]الحرّاقة: ضرب من السفن الحربية الكبيرة فيها مرامي نيران يرمى بها العدوّ في البحر. و كان منها أنواع تستعمل للنزهة و الرياضة و التنقل عند الخلفاء و الملوك و الأمراء في أوّل العصر العباسي (مثل الذهبية عندنا) و هي المرادة هنا.

330

لدواعي الخير و الشّ # رّ دنوّ و نزوح

هل لمطلوب بذنب # توبة منه نصوح

كيف إصلاح قلوب # إنّما هنّ قروح

أحسن اللّه بنا # أنّ الخطايا لا تفوح

فإذا المستور منّا # بين ثوبيه نضوح‏[1]

كم رأينا من عزيز # طويت عنه الكشوح

صاح منه برحيل # صائح الدّهر الصّدوح

موت بعض الناس في الأر # ض على قوم فتوح

سيصير المرء يوما # جسدا ما فيه روح

بين عيني كلّ حيّ # علم الموت يلوح

كلّنا في غفلة و الـ # موت يغدو و يروح

لبني الدّنيا من الدّنـ # يا غبوق‏[2]و صبوح

رحن في الوشى و أصبحـ # ن عليهنّ المسوح /

كلّ نطّاح من الدّهـ # ر له يوم نطوح

نح على نفسك يا مسـ # كين إن كنت تنوح

لتموتنّ و إن عمّ # رت ما عمّر نوح‏

قال: فلمّا سمع ذلك الرشيد جعل يبكي و ينتحب، و كان الرشيد من أغزر الناس دموعا في وقت الموعظة، و أشدّهم عسفا في وقت الغضب و الغلظة. فلمّا رأى الفضل بن الرّبيع كثرة بكائه، أومأ إلى الملاّحين أن يسكتوا.

هجا منجابا الذي كان موكلا بحبسه:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني الحسن بن جابر كاتب الحسن‏[3]بن رجاء قال:

لمّا حبس الرشيد أبا العتاهية دفعه إلى منجاب، فكان يعنف به؛ فقال أبو العتاهية:

منجاب مات بدائه # فاعجل له بدوائه

إنّ الإمام أعلّه # ظلما بحدّ شقائه

لا تعنفنّ‏[4]سياقه # ما كلّ ذاك برائه‏[5]

[1]في «الديوان» : «فضوح» بالفاء.

[2]الغبوق: ما شرب أو أكل آخر النهار، و يقابله الصبوح و هو ما أكل أو شرب أوّل النهار.

[3]في الأصول: «الحسين» و هو تحريف.

[4]أعنف الشي‏ء: أخذه بشدّة.

[5]يريد: «برأيه» .

331

ما شمت هذا في مخا # يل بارقات سمائه‏

مدح الرشيد حين عقد ولاية العهد لبنيه:

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني أحمد بن معاوية القرشيّ قال:

لمّا عقد الرشيد ولاية العهد لبنيه الثلاثة: الأمين، و المأمون، و المؤتمن، قال/أبو العتاهية:

رحلت عن الرّبع المحيل قعودي # إلى ذي زحوف‏[1]جمّة و جنود

و راع يراعي اللّيل في حفظ أمّة # يدافع عنها الشرّ غير رقود

بألوية جبريل يقدم أهلها # و رايات نصر حوله و بنود

/تجافى عن الدّنيا و أيقن أنّها # مفارقة ليست بدار خلود

و شدّ عرا الإسلام منه بفتية # ثلاثة أملاك ولاة عهود

هم خير أولاد، لهم خير والد # له خير آباء مضت و جدود

بنو المصطفى هارون حول سريره # فخير قيام حوله و قعود

تقلّب ألحاظ المهابة بينهم # عيون ظباء في قلوب أسود

جدودهم‏[2]شمس أتت في أهلّة # تبدّت لراء في نجوم سعود

قال: فوصله الرشيد بصلة ما وصل بمثلها[3]شاعرا قطّ.

ذكر لملك الروم فالتمسه من الرشيد فاستعفى هو، فكتب من شعره في مجلسه و على باب مدينته:

أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد الأسديّ إجازة قال حدّثني الرّياشيّ قال:

قدم رسول لملك الرّوم إلى الرشيد، فسأل عن أبي العتاهية و أنشده شيئا من شعره، و كان يحسن العربيّة، فمضى إلى ملك الرّوم و ذكره له؛ فكتب ملك الرّوم إليه، و ردّ رسوله يسأل الرشيد أن يوجّه بأبي العتاهية و يأخذ فيه رهائن من أراد، و ألحّ في ذلك. فكلّم الرشيد أبا العتاهية في ذلك، فاستعفى منه و أباه. و اتّصل بالرشيد أنّ ملك الرّوم أمر أن يكتب بيتان من شعر أبي العتاهية على أبواب مجالسه و باب مدينته، و هما:

صوت‏

ما اختلف اللّيل و النّهار و لا # دارت نجوم السماء في الفلك

إلاّ لنقل السّلطان عن ملك # قد انقضى ملكه إلى ملك‏

[1]الزحوف: جمع زحف و هو الجيش.

[2]كذا في «الديوان» . و في الأصول: «خدودهم» بالخاء.

[3]في الأصول: «ما وصل مثلها» .

332

انقطع بعد خروجه من الحبس فلامه الرشيد فكتب له شعرا معتذرا و مادحا:

أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا الرّبيع بن محمد الختّليّ الورّاق قال أخبرني ابن أبي العتاهية:

/أنّ الرشيد لمّا أطلق أباه من الحبس، لزم بيته و قطع الناس؛ فذكره الرشيد فعرّف خبره، فقال: قولوا له:

صرت زير نساء و حلس‏[1]بيت؛ فكتب إليه أبو العتاهية:

برمت بالنّاس و أخلاقهم # فصرت أستأنس بالوحده

ما أكثر النّاس لعمري و ما # أقلّهم في منتهى العدّه‏

ثم قال: لا ينبغي أن يمضي شعر إلى أمير المؤمنين ليس فيه مدح له، فقرن هذين البيتين بأربعة أبيات مدحه فيها، و هي:

صوت‏

عاد لي من ذكرها نصب # فدموع العين تنسكب

و كذاك الحبّ صاحبه # يعتريه الهمّ و الوصب

/خير من يرجى و من يهب # ملك دانت له العرب

و حقيق أن يدان له # من أبوه للنّبيّ أب‏

أمره الرشيد أن يعظه فقال شعرا فبكى:

حدّثنا الصّوليّ قال حدّثنا عون بن محمد قال حدّثنا محمد بن أبي العتاهية قال:

قال الرشيد لأبي: عظني؛ فقال له: أخافك. فقال له: أنت آمن. فأنشده:

لا تأمن الموت في طرف و لا نفس # إذا تستّرت بالأبواب و الحرس

و اعلم بأنّ سهام الموت قاصدة # لكلّ مدّرع منّا و متّرس

ترجو النجاة و لم تسلك طريقتها # إنّ السفينة لا تجري على اليبس‏

قال: فبكى الرشيد حتى بل كمّه.

تناظر ابن أبي فنن و ابن خاقان فيه و في أبي نواس، ثم حكما ابن الضحاك ففضله:

حدّثني عمّي قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال:

قال لي أحمد بن أبي فنن: تناظرت أنا و الفتح بن خاقان في منزله: أيّما[الرجلين‏]أشعر: أبو نواس أم أبو العتاهية. فقال الفتح: أبو نواس، و قلت: أبو العتاهية. ثم قلت: لو وضعت أشعار العرب كلّها بإزاء شعر أبي العتاهية لفضلها، و ليس بيننا خلاف في أنّ له في كلّ قصيدة جيّدا و وسطا و ضعيفا، فإذا جمع جيّده كان أكثر من جيّد كلّ مجوّد. [ثم‏]قلت له: بمن ترضى؟قال: بالحسين بن الضحّاك. فما انقطع كلامنا حتّى دخل الحسين بن [1]حلس بيت: ملازمه لا يبرحه، و هو مما يذم به الرجل. ـ

333

الضحّاك؛ فقلت: ما تقول في رجلين تشاجرا، فضّل أحدهما أبا نواس و فضّل الآخر أبا العتاهية؟فقال الحسين: أمّ من فضّل أبا نواس على أبي العتاهية زانية؛ فخجل الفتح حتى تبيّن ذلك فيه، ثم لم يعاودني في شي‏ء من ذكرهما حتّى افترقنا.

اجتمع مع مخارق فما زال يغنيه و هو يشرب و يبكي ثم كسر الآنية و تزهد:

و قد حدّثني الحسن بن محمد بهذا الخبر على خلاف ما ذكره إبراهيم بن المهديّ فيما تقدّم، فقال: حدّثني هارون بن مخارق قال حدّثني أبي قال:

جاءني أبو العتاهية فقال: قد عزمت على أن أتزوّد منك يوما تهبه لي، فمتى تنشط؟فقلت: متى شئت.

فقال: أخاف أن تقطع بي. فقلت: و اللّه لا فعلت و إن طلبني الخليفة. فقال: يكون ذلك في غد. فقلت: أفعل.

فلمّا كان من غد باكرني رسوله فجئته، فأدخلني بيتا له نظيفا فيه فرش نظيف، ثم دعا بمائدة عليها خبز سميذ[1] و خلّ و بقل‏[2]و ملح و جدي مشويّ فأكلنا منه، ثم دعا بسمك مشويّ فأصبنا منه حتى اكتفينا، ثم دعا بحلواء فأصبنا منها و غسلنا أيدينا، و جاءونا بفاكهة و ريحان و ألوان/من الأنبذة، فقال: اختر ما يصلح لك منّها؛ فاخترت و شربت؛ و صبّ قدحا ثم قال: غنّني في قولي:

أحمد قال لي و لم يدر ما بي # أ تحبّ الغداة عتبة حقّا

فغنّيته، فشرب قدحا و هو يبكي أحرّ بكاء. ثم قال: غنّني في قولي:

ليس لمن ليست له حيلة # موجودة خير من الصّبر

فغنّيته و هو يبكي و ينشج‏[3]، ثم شرب قدحا آخر ثم قال: غنّني، فديتك، في قولي:

خليليّ ما لي لا تزال مضرّتي # تكون مع الأقدار ختما من الحتم‏

فغنّيته إيّاه. و ما زال يقترح عليّ كلّ صوت غنّي به في شعره فأغنّيه و يشرب و يبكي حتى صار العتمة. فقال:

أحبّ أن تصبر حتّى ترى ما أصنع فجلست. فأمر ابنه و غلامه فكسرا كلّ ما بين أيدينا من النبيذ/و آلته و الملاهي، ثم أمر بإخراج كلّ ما في بيته من النّبيذ و آلته، فأخرج جميعه، فما زال يكسره و يصبّ النبيذ و هو يبكي حتى لم يبق من ذلك شي‏ء، ثم نزع ثيابه و اغتسل، ثم لبس ثيابا بيضا من صوف، ثم عانقني و بكى، ثم قال: السلام عليك يا حبيبي و فرحي من الناس كلّهم سلام الفراق الذي لا لقاء بعده؛ و جعل يبكي، و قال: هذا آخر عهدي بك في حال تعاشر أهل الدنيا؛ فظننت أنّها بعض حماقاته، فانصرفت، و ما لقيته زمانا. ثم تشوّقته‏[4]فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت، فإذا هو قد أخذ قوصرتين‏[5]و ثقب إحداهما و أدخل رأسه و يديه فيها و أقامها مقام القميص، و ثقب الأخرى‏[6]و أخرج رجليه منها و أقامها مقام السّراويل. فلمّا رأيته نسيت كلّ ما كان عندي من الغمّ عليه و الوحشة [1]السميذ: الدقيق الأبيض و هو لباب الدقيق.

[2]كذا في الأصول. و يحتمل أيضا أن يكون «نقل» إذ هو المناسب للمقام.

[3]نشج الباكي: غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب.

[4]في «معاجم اللغة» التي بين أيدينا أن «تشوّق» يتعدّى بالحرف. فلعل ما هاهنا من باب الحذف و الإيصال، و الأصل: «تشوّقت إليه» .

[5]القوصرة (بتشديد الراء و تخفيفها) : وعاء من قصب يرفع فيه التمر من البواري.

[6]في الأصول: «أخرى» .

334

لعشرته، /و ضحكت و اللّه ضحكا ما ضحكت مثله قطّ. فقال: من أيّ شي‏ء تضحك؟فقلت: أسخن‏[1]اللّه عينك! هذا أيّ شي‏ء هو؟من بلغك عنه أنّه فعل مثل هذا من الأنبياء و الزّهّاد و الصحابة و المجانين، انزع عنك هذا يا سخين العين!فكأنه استحيا منّي. ثم بلغني أنّه جلس حجّاما، فجهدت أن أراه بتلك الحال فلم أره. ثم مرض، فبلغني أنه اشتهى أن أغنّيه، فأتيته عائدا، فخرج إليّ رسوله يقول: إن دخلت إليّ جدّدت لي حزنا و تاقت نفسي من سماعك إلى ما قد غلبتها عليه، و أنا أستودعك اللّه و أعتذر إليك من ترك الالتقاء، ثم كان آخر عهدي به.

تمنى عند موته أن يجي‏ء مخارق فيغنيه في شعره:

حدّثني جحظة قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:

قيل لأبي العتاهية عند الموت: ما تشتهي؟فقال: أشتهي أن يجي‏ء مخارق فيضع فمه على أذني ثم يغنّيني.

سيعرض عن ذكري و تنسى مودّتي # و يحدث بعدي للخليل خليل

إذا ما انقضت عنّي من الدّهر مدّتي‏[2] # فإنّ غناء الباكيات قليل‏

و أخبرني به أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا محمد بن صالح‏[بن‏]النطّاح قال:

قال بشر بن الوليد لأبي العتاهية عند الموت: ما تشتهي؟فذكر مثل الأوّل.

و أخبرني به ابن عمّار أبو العبّاس عن ابن أبي سعد عن محمد بن صالح: أنّ بشرا قال ذلك لأبي العتاهية عند الموت، فأجابه بهذا الجواب.

آخر شعر قاله في مرضه الذي مات فيه:

نسخت من كتاب هارون بن عليّ: حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني عبد اللّه بن عطيّة قال حدّثني محمد بن أبي العتاهية قال: آخر شعر قاله أبي في مرضه الذي مات فيه:

إلهي‏[3]لا تعذّبني فإنّي # مقرّ بالّذي قد كان منّي

فما لي حيلة إلاّ رجائي # لعفوك إن عفوت و حسن ظنّي

/و كم من زلة لي في الخطايا # و أنت عليّ ذو فضل و منّ

إذا فكّرت في ندمي عليها # عضضت أناملي و قرعت سنّي

اجنّ بزهرة الدّنيا جنونا # و أقطع طول عمري بالتمنّي

و لو أنّي صدقت الزّهد عنها # قلبت لأهلها ظهر المجنّ

يظنّ الناس بي خيرا و إنّي # لشرّ الخلق إن لم تعف عنّي‏

[1]أسخن اللّه عينه: أبكاه و أحزنه.

[2]كذا في «وفيات الأعيان» لابن خلكان «و ديوانه» طبع بيروت (ص 221) . و مدته: أجله. و في الأصول: «ليلة» .

[3]ورد هذا الشعر في «ديوانه» (ص 263) باختلاف يسير في الرواية عما هنا.

335

أمر بنته في علته التي مات فيها أن تندبه بشعر له:

/أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل قال حدّثني أحمد بن حمزة الضّبعيّ قال أخبرني أبو محمد المؤدّب قال:

قال أبو العتاهية لابنته رقيّة في علّته التي مات فيها: قومي يا بنيّة فاندبي أباك بهذه الأبيات؛ فقامت فندبته بقوله:

لعب البلى بمعالمي و رسومي # و قبرت حيّا تحت ردم همومي

لزم البلى جسمي فأوهن قوّتي # إن البلى لموكّل بلزومي‏

تاريخ وفاته و مدفنه:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا محمد بن داود بن الجرّاح قال حدّثني عليّ بن محمد قال حدّثني مخارق المغني قال:

توفّي أبو العتاهية، و إبراهيم الموصليّ، و أبو عمرو الشّيباني عبد السلام‏[1]في يوم واحد في خلافة المأمون، و ذلك في سنة ثلاث عشرة و مائتين.

/أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه عن أحمد بن يوسف عن أحمد بن الخليل عن إسماعيل بن أبي قتيبة قال:

مات أبو العتاهية، و راشد الخنّاق، و هشيمة الخمّارة في يوم واحد سنة تسع و مائتين.

و ذكر الحارث بن أبي أسامة عن محمد بن سعد كاتب الواقديّ: أنّ أبا العتاهية مات في يوم الاثنين لثمان خلون من جمادى الأولى سنة إحدى عشرة و مائتين، و دفن حيال قنطرة الزيّاتين في الجانب الغربيّ ببغداد.

أخبرني الصّوليّ عن محمد بن موسى عن أبي محمد الشّيباني عن محمد بن أبي العتاهية: أنّ أباه توفّي سنة عشر و مائتين.

الشعر الذي أمر أن يكتب على قبره:

أخبرني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن موسى عن محمد بن القاسم عن إبراهيم بن عبد اللّه بن الجنيد عن إسحاق بن عبد اللّه بن شعيب قال:

أمر أبو العتاهية أن يكتب على قبره:

[1]كذا في أكثر الأصول. و ظاهر الكلام أن عبد السلام اسم لأبي عمرو الشيباني، و هو غير صحيح؛ فإن أبا عمرو الشيباني الذي توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو العتاهية اسمه إسحاق بن مرار (وزان كتاب) و هو من رمادة الكوفة، و نزل إلى بغداد و جاور شيبان للتأدب فيها فنسب إليها، و كان من الأئمة الأعلام في اللغة و الشعر. و في ء: «و عبد السلام» بزيادة واو العطف، و هو ما يفيد أنه اسم لشخص آخر ذكر في وفيات هذه السنة. و قد بحثنا في كتب التاريخ و التراجم عمن توفوا في سنة 213 فلم نعثر فيهم على من تسمى بعبد السلام. و في نسخة أ: «أبو عمرو الشيباني... السلام» . و الظاهر أن البياض في «أ» و كلمة «عبد» في باقي الأصول أصله «بمدينة» . و مدينة السلام هي بغداد. و يؤيد هذا ما ورد في «وفيات الأعيان» في ترجمة أبي عمرو الشيباني من قوله: «... مات إسحاق بن مرار في اليوم الذي مات فيه أبو العتاهية و إبراهيم النديم الموصليّ سنة ثلاث عشرة و مائتين ببغداد» .

336

أذن حيّ تسمّعي # اسمعي ثمّ عي و عي

أنا رهن بمضجعي # فاحذري مثل مصرعي

عشت‏[1]تسعين حجّة # أسلمتني لمضجعي

كم ترى الحيّ ثابتا # في ديار التزعزع

ليس زاد سوى التّقى # فخذي منه أو دعي‏

رثاه ابنه بشعر:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة قال:

لمّا مات أبو العتاهية رثاه ابنه محمد بن أبي العتاهية فقال:

/

يا أبي ضمّك الثّرى # و طوى الموت أجمعك

ليتني يوم متّ صر # ت إلى حفرة معك

رحم اللّه مصرعك # برّد اللّه مضجعك‏

أنكر ابنه أنه أوصى أن يكتب شعر على قبره:

أخبرني الحسن قال حدّثني أحمد بن زهير قال:

قال محمد بن أبي العتاهية: لقيني محمد بن أبي محمد اليزيديّ‏[2]فقال: أنشدني الأبيات التي أوصى أبوك أن تكتب على قبره؛ فأنشأت أقول له:

كذبت على أخ لك في مماته # و كم كذب فشا لك في حياته

/و أكذب ما تكون على صديق # كذبت عليه حيّا في مماته‏

فخجل و انصرف. قال: و النّاس يقولون: إنّه أوصى أن يكتب على قبره شعر له، و كان ابنه ينكر ذلك.

و ذكر هارون بن عليّ بن مهديّ عن عبد الرحمن بن الفضل أنّه قرأ الأبيات العينيّة التي أوّلها:

أذن حيّ تسمّعي‏

على حجر عند قبر أبي العتاهية.

و لم أذكر هاهنا مع أخبار أبي العتاهية أخباره مع عتبة، و هي من أعظم أخباره؛ لأنّها طويلة، و فيها أغان كثيرة، و قد طالت أخباره هاهنا فأفردتها.

[1]في «الديوان» بدل هذا البيت و الذي يليه بيت واحد، و هو:

عشت تسعين حجة # في ديار التزعزع‏

[2]في الأصول: «الزيدي» . و التصويب عن كتاب «الأنساب» للسمعاني.

337

40-أخبار فريدة

أخبار فريدة الكبرى و نشأتها و مصيرها:

قال مؤلف هذا الكتاب: هما اثنتان محسنتان لهما صنعة تسمّيان بفريدة. فأمّا إحداهما، و هي الكبرى، فكانت مولّدة نشأت بالحجاز، ثم وقعت إلى آل الربيع، فعلّمت الغناء في دورهم، ثم صارت إلى البرامكة. فلمّا قتل جعفر بن يحيى و نكبوا هربت، و طلبها الرشيد فلم يجدها، ثم صارت إلى الأمين، فلمّا قتل خرجت، فتزوّجها الهيثم بن مسلم‏[1]فولدت له ابنه عبد اللّه، ثم مات عنها، فتزوّجها السّنديّ بن الحرشيّ‏[2]و ماتت عنده. و لها صنعة جيّدة، منها في شعر الوليد بن يزيد:

بعض الشعر الذي لها فيه صنعة:

صوت‏

ويح سلمى لو تراني # لعناها ما عناني

واقفا في الدّار أبكي # عاشقا حور الغواني‏

و لحنها فيه خفيف رمل.

و من صنعتها:

صوت‏

ألا أيّها الرّكب ألا هبّوا # نسائلكم هل يقتل الرّجل الحبّ‏[3]

ألا ربّ ركب قد وقفت مطيّهم # عليك و لو لا أنت لم يقف الرّكب‏

لحنها فيه ثاني ثقيل. و فيه لابن جامع خفيف رمل بالسبّابة في مجرى الوسطى.

سأل صالح بن حسان الهيثم بن عديّ عن بيت نصفه بدوي و الآخر حضري ثم ذكره:

فحدّثني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثني العمريّ قال حدّثني الهيثم بن عديّ قال:

[1]كذا في ب، س. و في سائر النسخ: «سلم» .

[2]كذا في «الطبري» (ص 680 و 734 و 855 و 856 من القسم الثالث) و هو أحد رجالات الرشيد و المأمون. و في الأصول:

«الجرشي» بالجيم.

[3]الرواية المشهورة لهذين البيتين:

ألا أيها النوّام ويحكم هبّوا # نسائلكم هل قتل الرجل الحبّ

ألا رب ركب قد دفعت و جيفهم # إليك و لو لا أنت لم يوجف الركب‏

338

قال صالح بن حسّان يوما: ما نصف بيت كأنّه أعرابيّ في شملة، و النصف الآخر كأنّه مخنّث مفكّك؟قلت:

لا أدري. فقال: قد أجّلتك حولا. فقلت: لو أجّلتني عشرة أحوال ما عرفته. فقال: أوّه!أفّ لك!قد كنت أحسبك أجود ذهنا مما أرى. فقلت: فما هو الآن؟قال: قول جميل.

ألا أيّها الرّكب النّيام ألا هبّوا

هذا كلام أعرابيّ، ثم قال:

أسائلكم هل يقتل الرّجل الحبّ‏

كأنّه و اللّه من مخنثي العقيق.

أخبار فريدة و هي المحسنة دون فريدة الكبرى:

و أمّا فريدة الأخرى فهي الّتي أرى بل لا أشكّ في أنّ اللّحن المختار لها؛ لأنّ إسحاق اختار هذه المائة الصوت للواثق، فاختار فيها لمتيّم لحنا، و لأبي دلف لحنا، و لسليم بن سلاّم لحنا، و لرياض جارية أبي حمّاد لحنا. و كانت فريدة أثيرة عند الواثق و حظيّة لديه جدّا، فاختار لها هذا الصوت، لمكانها من الواثق، و لأنّها ليست دون من اختار له من نظرائها.

قدّمت هي و شارية في الطيب و إحكام الغناء:

أخبرني الصّوليّ قال/حدّثنا الحسين بن يحيى عن ريّق: أنّها اجتمعت هي و خشف الواضحيّة يوما، فتذاكرتا أحسن ما سمعتاه من المغنّيات؛ فقالت ريّق: شارية أحسنهنّ غناء و متيّم، و قالت خشف: عريب و فريدة؛ ثم اجتمعنا على تساويهنّ، و تقديم متيّم في الصّنعة، و عريب في الغزارة و الكثرة، و شارية و فريدة في الطّيب و إحكام الغناء.

أهداها ابن بانة للواثق:

حدّثني جحظة قال حدّثني أبو عبد اللّه الهشاميّ قال:

كانت فريدة جارية الواثق لعمرو بن بانة، و هو أهداها إلى الواثق، و كانت من الموصوفات المحسنات، و ربّيت عند عمرو بن بانة مع صاحبة لها اسمها «خلّ» ، و كانت حسنة الوجه، حسنة الغناء، حادّة الفطنة و الفهم.

سألت ابن بانة عن صاحبة لها بالإشارة:

قال الهشاميّ فحدّثني عمرو بن بانة قال: غنّيت الواثق:

قلت حلاّ[1]فاقبلي معذرتي # ما كذا يجزي محبّ من أحبّ‏

فقال لي: تقدّم إلى السّتارة فألقه على فريدة، فألقيته عليها؛ فقالت: هو حلّ‏[2]أو خلّ كيف هو؟فعلمت أنها سألتني عن صاحبتها في خفاء من الواثق.

[1]كذا في ترجمة عمر بن أبي ربيعة الواردة في هذا الكتاب (ج 1 ص 134 من هذه الطبعة) . و في الأصول هنا: «خلا» بالخاء المعجمة.

[2]في الأصول: «خلى» بالخاء المعجمة و الياء في آخره.

339

تزوّجها المتوكل ثم ضربها حتى غنت:

و لمّا تزوّجها المتوكل أرادها على الغناء، فأبت أن تغنّي وفاء للواثق، فأقام على رأسها خادما و أمره أن يضرب رأسها أبدا أو تغنّي؛ فاندفعت و غنّت:

فلا تبعد[1]فكلّ فتى سيأتي # عليه الموت يطرق أو يغادي‏

نقل ابن بُسخُنَّر قصة لها مع الواثق و غيرته من جعفر المتوكل:

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجم قال حدّثني محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر قال:

كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كل جمعة، إذا حضرت ركبت إلى الدار؛ فإن نشط إلى الشّرب أقمت عنده، و إن لم ينشط انصرفت. و كان رسمنا ألاّ يحضر أحد منّا إلاّ في يوم نوبته. فإنّي لفي منزلي في غير يوم نوبتي إذا رسل الخليفة قد هجموا عليّ و قالوا لي: احضر. فقلت: أ لخير؟قالوا: خير. فقلت: إنّ هذا يوم لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قطّ، و لعلكم غلطتم. فقالوا: اللّه المستعان، لا تطل/و بادر؛ فقد أمرنا ألاّ ندعك تستقرّ على الأرض. فداخلني فزع شديد؛ و خفت أن يكون ساع قد سعى بي، أو بليّة قد حدثت في رأي الخليفة عليّ؛ فتقدّمت بما أردت و ركبت حتى وافيت الدار؛ فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل، فمنعت، و أخذ بيدي الخدم فأدخلوني و عدلوا بي إلى ممرّات‏[2]لا أعرفها، فزاد ذلك في جزعي و غمّي. ثم لم يزل الخدم يسلمونني من خدم إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصّحن، ملبسة الحيطان بالوشى المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواق أرضه و حيطانه ملبسة بمثل ذلك، و إذا الواثق في صدره على سرير مرصّع بالجوهر و عليه ثياب منسوجة بالذهب، و إلى جانبه فريدة جاريته، عليها مثل ثيابه و في حجرها عود. فلمّا رآني قال: جوّدت‏[3]و اللّه يا محمد إلينا. فقبّلت الأرض ثم قلت: يا أمير المؤمنين خيرا!قال: خيرا، أ ما ترانا[4]!طلبت و اللّه ثالثا يؤنسنا فلم أر أحقّ بذلك منك، فبحياتي بادر فكل شيئا و بادر إلينا. فقلت: قد و اللّه يا سيّدي أكلت و شربت أيضا. قال: فاجلس فجلست، و قال:

هاتوا لمحمد رطلا في قدح، فأحضرت ذلك، و اندفعت فريدة تغنّي:

/

أهابك إجلالا و ما بك قدرة # عليّ و لكن مل‏ء عين حبيبها

و ما هجرتك النّفس يا ليل أنّها # قلتك و لا أن قلّ منك نصيبها[5]

فجاءت و اللّه بالسّحر، و جعل الواثق يجاذبها، و في خلال ذلك تغنّي الصوت بعد الصوت، و أغنّي أنا في خلال غنائها، فمرّ لنا أحسن ما مرّ لأحد. فإنا لكذلك إذ رفع/رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض و تفتّت عودها و مرّت تعدو و تصيح، و بقيت أنا كالمنزوع الرّوح؛ و لم أشكّ في أنّ عينه [1]لا تبعد: لا تهلك.

[2]في جميع الأصول: «مبرات» بالباء، و هو تحريف.

[3]جوّدت هنا: أسرعت. قال في «اللسان» : «يقال: جوّد في عدوه تجويدا» .

[4]في ب، س: «خيرا ما ترى أنا طلبت... » .

[5]ورد هذا البيت في شرح «ديوان حماسة» أبي تمام (ص 598 طبع أوروبا) هكذا:

و ما هجرتك النفس أنك عندها # قليل و لكن قل منك نصيبها

340

وقعت عليّ‏[1]و قد نظرت إليها و نظرت إليّ؛ فأطرق ساعة إلى الأرض متحيّرا و أطرقت أتوقّع ضرب العنق. فإنّي لكذلك إذ قال لي: يا محمد، فوثبت. فقال: ويحك!أ رأيت أغرب مما تهيّأ علينا!فقلت: يا سيّدي، الساعة و اللّه تخرج روحي، فعلى من أصابنا بالعين لعنة اللّه!فما كان السبب؟أ لذنب؟قال: لا و اللّه!و لكن فكرت أنّ جعفرا يقعد هذا المقعد و يقعد معها كما هي قاعدة معي، فلم أطق الصبر و خامرني ما أخرجني إلى ما رأيت. فسري عنّي و قلت:

بل يقتل اللّه جعفرا، و يحيا أمير المؤمنين أبدا، و قبّلت الأرض و قلت: يا سيّدي اللّه اللّه!ارحمها و مر بردّها. فقال لبعض الخدم الوقوف: من يجي‏ء بها؟فلم يكن بأسرع من أن خرجت و في يدها عودها و عليها غير الثياب التي كانت عليها. فلما رآها جذبها و عانقها، فبكت و جعل هو يبكي، و اندفعت أنا في البكاء. فقالت: ما ذنبي يا مولاي و يا سيّدي؟و بأيّ شي‏ء استوجبت هذا؟فأعاد عليها ما قاله لي و هو يبكي و هي تبكي. فقالت: سألتك باللّه يا أمير المؤمنين إلاّ ضربت عنقي الساعة و أرحتني من الفكر في هذا، و أرحت قلبك من الهمّ بي، و جعلت تبكي و يبكي، ثم مسحا أعينهما و رجعت إلى مكانها؛ و أومأ إلى خدم وقوف بشي‏ء لا أعرفه، فمضوا و أحضروا أكياسا فيها عين‏[2]و ورق، و رزما فيها ثياب كثيرة، و جاء خادم بدرج ففتحه و أخرج منه عقدا ما رأيت قطّ مثل جوهر كان فيه، فألبسها إيّاه، و أحضرت بدرة فيها عشرة آلاف درهم فجعلت بين يدي و خمسة تخوت فيها ثياب، و عدنا إلى أمرنا و إلى أحسن مما كنا؛ فلم نزل كذلك/إلى الليل، ثم تفرّقنا.

قصتها مع المتوكّل بعد الواثق:

و ضرب الدهر ضربه‏[3]و تقلّد المتوكل. فو اللّه إني لفي منزلي بعد يوم نوبتي إذ هجم عليّ رسل الخليفة، فما أمهلوني حتى ركبت و صرت إلى الدّار، فأدخلت و اللّه الحجرة بعينها، و إذا المتوكّل في الموضع الذي كان فيه الواثق على السرير بعينه و إلى جانبه فريدة. فلمّا رآني قال: ويحك!أما ترى ما أنا فيه من هذه!أنا منذ غدوة أطالبها بأن تغنّيني فتأبى ذلك!فقلت لها: يا سبحان اللّه!أ تخالفين سيّدك و سيّدنا و سيد البشر!بحياته غنّي!فعرفت و اللّه ثم اندفعت تغنّي:

مقيم بالمجازة[4]من قنوني‏[5] # و أهلك بالأجيفر[6]فالثّماد[7]

فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي # عليه الموت يطرق أو يغادي‏

ثم ضربت بالعود الأرض، ثم رمت بنفسها عن السرير و مرّت تعدو و هي تصيح وا سيّداه!فقال لي: ويحك!ما هذا؟فقلت: لا أدري و اللّه يا سيّدي. فقال: فما ترى؟فقلت: أرى/أن أنصرف أنا و تحضر هذه و معها غيرها؛ فإنّ الأمر يؤول إلى ما يريد أمير المؤمنين. قال: فانصرف في حفظ اللّه!فانصرفت و لم أدر ما كانت القصة.

[1]في الأصول: «وقعت إليّ» ، على أنه يجوز أن يكون التحريف في الفعل و أن أصله: «وقعت إليّ» .

[2]العين: الذهب المضروب و هو الدنانير. و الورق: الدراهم المضروبة من الفضة.

[3]يقال: ضرب الدهر ضربانه و من ضربانه، و ضرب الدهر ضربه و من ضربه أي مرّ من مروره و ذهب بعضه.

[4]المجازة: منزل من منازل طريق مكة بين ماوية و ينسوعة.

[5]قنوني: واد من أودية السراة يصب إلى البحر في أوائل أرض اليمن من جهة مكة.

[6]الأجيفر: موضع في أسفل السبعان من بلاد قيس. و قال الأصمعيّ: هو لبني أسد.

[7]الثماد: موضع في ديار بني تميم قرب المرّوت.

341

مدح محمد بن عبد الملك غناءها:

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني محمد بن عبد الملك قال:

سمعت فريدة تغنّي:

أخلاّي بي شجو و ليس بكم شجو # و كلّ امرئ مما بصاحبه خلو

أذاب الهوى لحمي و جسمي و مفصلي # فلم يبق إلاّ الرّوح و الجسد النّضو

فما سمعت قبله و لا بعده غناء أحسن منه.

/الشعر لأبي العتاهية، و الغناء لإبراهيم ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى عن الهشاميّ، و له أيضا فيه خفيف ثقيل بالسبّابة و البنصر عن ابن المكيّ. و فيه لعمرو بن بانة رمل بالوسطى من مجموع أغانيه. و فيه لعريب خفيف ثقيل آخر صحيح في غنائها من جمع ابن المعتزّ و عليّ بن يحيى. و تمام هذه الأبيات:

و ما من محبّ نال ممن يحبّه # هوى صادقا إلاّ سيدخله زهو

-و فيها كلّها غناء مفترق الألحان في أبياته‏[1]-:

بليت و كان المزح بدء بليّتي # فأحببت جهلا و البلايا لها بدو

و علّقت من يزهو عليّ تجبّرا # و إنّي في كلّ الخصال له كفو

صوت من المائة المختارة من رواية جحظة عن أصحابه‏

باتت همومي تسري طوارقها # أكفّ عيني و الدمع سابقها

لما أتاها من اليقين و لم # تكنّ تراه يلمّ طارقها

الشعر لأميّة بن أبي الصّلت، و الغناء للهذليّ خفيف ثقيل أوّل بالوسطى. و فيه لابن محرز لحنان: هزج و ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ و حبش. و ذكر يونس: أنّ فيه لابن محرز لحنا واحدا مجنّسا.

[1]وردت هذه الجملة في الأصول هكذا: «و فيها كلها غناء مفترق في أبياته الألحان» . و كان ينبغي أن تكون هذه الجملة عقب الأبيات.

342

41-ذكر أميّة بن أبي الصّلت و نسبه و خبره‏

نسبه من قبل أبويه:

و اسم أبي الصّلت عبد اللّه بن أبي ربيعة بن عوف بن عقدة بن عنزة[1]بن قسيّ، و هو ثقيف بن منبّه بن بكر بن هوازن. هكذا يقول من نسبهم إلى قيس‏[2]، و قد شرح ذلك في خبر طريح‏[3]. و أمّ أميّة بن أبي الصلت رقيّة بنت عبد شمس بن عبد مناف. و كان أبو الصلت شاعرا، و هو الذي يقول في مدح سيف بن ذي يزن:

ليطلب الثأر أمثال ابن ذي يزن # إذ صار في البحر للأعداء أحوالا[4]

و قد كتب خبر ذلك في موضعه.

أولاد أمية:

و كان له أربعة بنين: عمرو و ربيعة و وهب و القاسم. و كان القاسم شاعرا، و هو الذي يقول-أنشدنيه الأخفش و غيره عن ثعلب، و ذكر الزّبير أنّها لأميّة-:

صوت‏

قوم إذا نزل الغريب‏[5]بدارهم # ردّوه ربّ صواهل و قيان

لا ينكتون الأرض عند سؤالهم # لتلمّس العلاّت بالعيدان‏

يمدح عبد اللّه بن جدعان بها، و أوّلها:

قومي ثقيف إن سألت و أسرتي # و بهم أدافع ركن من عاداني‏

غنّاه الغريض، و لحنه ثقيل أوّل بالبنصر. و لابن محرز فيه خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، عن الهشاميّ جميعا.

[1]في كتاب «الشعر و الشعراء» : «غيرة» . و غيرة (وزان عنبة) : اسم قبيلة أيضا.

[2]يريد قيس عيلان و هو الجد الأعلى لهوازن؛ لأن هوازن هو ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.

[3]ستأتي أخبار طريح في هذا الجزء (ص 302) .

[4]في «الشعر و الشعراء» :

لن يطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن # لجج في البحر للأعداء أحوالا

و في «شعراء النصرانية» :

في البحر خيّم للأعداء أحوالا

و في «سيرة ابن هشام» :

في البحر ريم للأعداء أحوالا

[5]في «الشعر و الشعراء» : «الحريب» بالحاء المهملة، و هو الذي سلب ماله. ـ

343

/و كان ربيعة ابنه شاعرا، و هو الذي يقول:

و إن يك حيّا[1]من إياد فإنّنا # و قيسا سواء ما بقينا و ما بقوا

و نحن خيار النّاس طرّا بطانة # لقيس و هم خير لنا إن هم بقوا[2]

كان يستعمل في شعره كلمات غريبة

أخبرني إبراهيم بن أيّوب قال حدّثنا عبد اللّه بن مسلم قال:

كان أميّة بن أبي الصّلت قد قرأ كتاب اللّه عز و جل الأوّل، فكان يأتي في شعره بأشياء لا تعرفها العرب؛ فمنها قوله:

قمر و ساهور يسلّ و يغمد[3]

و كان يسمّي اللّه عزّ و جلّ في شعره السّلطيط، فقال:

و السّلطيط[4]فوق الأرض مقتدر

و سمّاه في موضع آخر التغرور فقال‏[5]: «و أيّده التغرور» . و قال ابن قتيبة: و علماؤنا لا يحتجّون بشي‏ء من شعره لهذه العلّة.

هو أشعر ثقيف بل أشعر الناس‏

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال:

/قال أبو عبيدة: اتّفقت العرب على أنّ أشعر أهل المدن أهل يثرب ثم عبد القيس ثم ثقيف، و أنّ أشعر ثقيف أميّة بن أبي الصّلت.

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال:

قال يحيى بن محمد: قال الكميت: أميّة أشعر الناس، قال كما قلنا و لم نقل كما قال.

[1]كذا في الأصول.

[2]كذا في الأصول. و فيه الإيطاء و هو تكرار القافية لفظا و معنى، و هو عيب.

[3]هذا عجز بيت و صدره:

لا نقص فيه غير أن خبيئه‏

و الساهور فيما يذكر أهل الكتاب: غلاف القمر يدخل فيه إذا كسف.

[4]هكذا في الأصول. و هذه الصيغة لا يتزن بها الشطر. و قد ورد البيت كاملا في «اللسان» (مادة سلط) هكذا:

إن الأنام رعايا اللّه كلهم # هو السّليطط فوق الأرض مستطر

قال ابن جني: هو القاهر، من السّلاطة. قال: و يروى السّليطط (بكسر السين) و كلاهما شاذ. قال صاحب «التهذيب» : سليطط جاء في شعر أمية بمعنى المسلط، قال: و لا أدري ما حقيقته. و ورد في «الشعر و الشعراء» : «السلطليط» . و في «القاموس» : «و السلطيط» بالكسر: المسلط، ثم قال شارحه: «هكذا في سائر أصول «القاموس» ، و الصواب السّلطيط كما في «العباب» ، و قد وجد هكذا أيضا في بعض النسخ على الهامش، و هو صحيح. و يروى السليطط بفتح السين و بكسرها... و بكل هذا يروى شعر أمية... إلخ» .

[5]عبارة ابن قتيبة في «الشعر و الشعراء» : «و أبدت الثغرورا، يريد الثغر. و هذه أشياء منكرة، و علماؤنا لا يرون شعره حجة في اللغة» .

344

تعبد و التمس الدين و طمع في النبوّة:

قال الزّبير و حدّثني عمّي مصعب عن مصعب بن عثمان قال:

كان أميّة بن أبي الصلت قد نظر في الكتب و قرأها، و لبس المسوح تعبّدا، و كان ممن ذكر إبراهيم و إسماعيل و الحنيفيّة، و حرّم الخمر و شكّ في الأوثان، و كان‏[1]محقّقا، و التمس الدّين و طمع في النبوّة؛ لأنه قرأ في الكتب أنّ نبيّا يبعث من العرب، فكان يرجو أن يكونه‏[2]. قال: فلمّا بعث النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قيل له: هذا الذي كنت تستريث‏[3]و تقول فيه؛ فحسده عدوّ اللّه و قال: إنّما كنت أرجو أن أكونه؛ فأنزل اللّه فيه عزّ و جلّ: (وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا) . قال: و هو الذي يقول:

كلّ دين يوم القيامة عند اللّه إلاّ دين الحنيفة زور

كان يحرّض قريشا بعد بدر:

قال الزّبير و حدّثني يحيى بن محمد قال: كان أميّة يحرّض قريشا بعد وقعة بدر، و كان يرثي من قتل من قريش في وقعة بدر؛ فمن ذلك قوله:

ما ذا ببدر و العقنـ # قل من مرازبة جحاجح‏[4]

/و قال: و هي قصيدة نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عن رواياتها. و يقال: إن أميّة قدم على أهل مكة «باسمك اللّهمّ» ؛ فجعلوها في أوّل كتبهم مكان (بسم اللّه الرحمن الرحيم) .

أسف الحجاج على ضياع شعره:

قال الزّبير و حدّثني عليّ بن محمد المدائنيّ قال:

قال الحجّاج على المنبر: ذهب قوم يعرفون شعر أميّة، /و كذلك اندراس الكلام.

كان يتحسس أخبار نبيّ العرب فلما أخبر ببعثته تكدّر:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير عن عمر بن أبي بكر المؤمّلي‏[5]و غيره قال:

كان أميّة بن أبي الصلت يلتمس الدّين و يطمع في النبوّة، فخرج إلى الشأم فمرّ بكنيسة، و كان معه جماعة من العرب و قريش، فقال أميّة: إنّ لي حاجة في هذه الكنيسة فانتظروني، فدخل الكنيسة و أبطأ، ثم خرج إليهم كاسفا متغيّر اللّون، فرمى بنفسه، و أقاموا حتى سرّي عنه، ثم مضوا فقضوا حوائجهم ثم رجعوا. فلمّا صاروا إلى الكنيسة قال لهم: انتظروني، و دخل إلى الكنيسة فأبطأ، ثم خرج إليهم أسوأ من حاله الأولى؛ فقال أبو سفيان بن حرب: قد [1]في حـ: «و صام محققا» .

[2]في جميع الأصول: «أن يكون هو» .

[3]تستريث: تستبطئ.

[4]العقنقل: كثيب رمل ببدر. و مرازبة: جمع مرزبان، و هو الفارس الشجاع المقدّم على القوم دون الملك، و هو معرّب و أصله فارسي. و جحاجح: جمع جحجح، و هو السيد المسارع في المكارم.

[5]كذا ورد هذا الاسم هنا في أكثر الأصول، و هو الموافق لما في «الطبري» (ص 1116 قسم أوّل طبعة أوروبا) و أشير بهامشه إلى أن في بعض النسخ: «الموصلي» . و في م، ء هنا و في جميع الأصول فيما يأتي (ص 125) : «عمرو بن أبي بكر الموصلي» .

345

شققت على رفقائك. فقال: خلّوني؛ فإنّي أرتاد على نفسي‏[1]لمعادي، إنّ هاهنا راهبا عالما أخبرني أنه تكون بعد عيسى عليه السّلام ستّ رجعات، و قد مضت منها خمس و بقيت واحدة، و أنا أطمع في النبوّة و أخاف أن تخطئني، فأصابني ما رأيت. فلمّا رجعت ثانية أتيته فقال: قد كانت الرجعة، و قد بعث نبيّ من العرب؛ فيئست من النبوّة، فأصابني ما رأيت؛ إذا فاتني ما كنت أطمع فيه.

أخبره شيخ راهب أن ليست فيه أوصاف النبيّ:

قال: و قال الزّهريّ: خرج أميّة في سفر فنزلوا منزلا، فأمّ أميّة وجها و صعد في كثيب، فرفعت له كنيسة فانتهى إليها، فإذا شيخ جالس، فقال لأميّة حين رآه: إنّك لمتبوع، فمن أين يأتك رئيّك‏[2]؟قال: من شقّي الأيسر.

قال: فأيّ الثياب أحبّ إليك‏[3]أن يلقاك فيها؟قال: السواد. قال: كدت تكون نبيّ العرب و لست به، هذا خاطر من الجنّ و ليس بملك، و إنّ نبيّ العرب صاحب هذا الأمر يأتيه من شقّه الأيمن، و أحب الثياب إليه أن يلقاه فيها البياض.

حديثه مع أبي بكر:

قال الزّهريّ: و أتى أميّة أبا بكر فقال: يا أبا بكر، عمي الخبر، فهل أحسست شيئا؟قال: لا و اللّه!قال: قد وجدته يخرج العام.

سأل أبا سفيان عن عتبة بن ربيعة:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال:

سمعت خالد بن يزيد يقول: إنّ أميّة و أبا سفيان اصطحبا في تجارة إلى الشأم؛ ثم ذكر نحوه، و زاد فيه:

فخرج من عند الراهب و هو ثقيل. فقال له أبو سفيان: إنّ بك لشرا، فما قصّتك؟قال: خير، أخبرني عن عتبة بن ربيعة كم سنّه؟فذكر سنّا. و قال: أخبرني عن ماله فذكر مالا. فقال له: وضعته. فقال أبو سفيان. بل رفعته. فقال له: إنّ صاحب هذا الأمر ليس بشيخ و لا ذي مال. قال: و كان الراهب أشيب، و أخبره أنّ الأمر لرجل من قريش.

زعم أنه فهم ثغاء شاة:

أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزّبير قال حدّثت عن عبد الرحمن بن أبي حمّاد المنقريّ قال:

كان أميّة جالسا معه قوم، فمرّت بهم غنم فثغت‏[4]منها شاة؛ فقال للقوم: هل تدرون ما قالت الشاة؟قالوا لا. قال: إنّها قالت لسخلتها: مرّي لا يجي‏ء الذئب/فيأكلك كما أكل أختك عام أوّل في هذا الموضع. فقام بعض القوم إلى الراعي فقال له: أخبرني عن هذه الشاة التي ثغت أ لها سخلة؟فقال: نعم، هذه سخلتها. قال: أ كانت لها عام أوّل سخلة؟قال: نعم، و أكلها الذئب في هذا الموضع.

[1]في حـ: «لنفسي لمعادي» .

[2]رئيّ (بفتح الراء و قد تكسر) : جنيّ كانت العرب تزعم أنه يرى مصاحبه كهانة وطبا و يلقى على لسانه شعرا.

[3]لعله: «أحب إليه» . و انظر الخبر في ص 126.

[4]ثغت الشاة: صاحت و صوّتت.

346

قال الأصمعي: كل شعره في بحث الآخرة:

قال الزّبير و حدّثني يحيى بن محمد عن الأصمعيّ قال: ذهب أميّة في شعره بعامّة ذكر الآخرة، و ذهب عنترة بعامّة ذكر الحرب، و ذهب عمر بن أبي ربيعة بعامّة ذكر الشباب.

جاءه طائران و هو نائم فشق احدهما عن قلبه:

قال الزبير حدّثني عمر[1]بن أبي بكر المؤمّلي قال حدّثني رجل من أهل الكوفة قال:

كان أميّة نائما فجاء طائران/فوقع أحدهما على باب البيت، و دخل الآخر فشقّ عن قلبه ثم ردّه الطائر؛ فقال له الطائر الآخر: أوعى؟قال نعم. قال: زكا؟قال: أبى‏[2].

خرج مع ركب إلى الشام فعرضت لهم جنية فاسترشد راهبا للوقاية منها:

أخبرني عمّي قال حدّثني أحمد بن الحارث عن ابن الأعرابيّ عن ابن دأب قال:

خرج ركب من ثقيف إلى الشأم، و فيهم أميّة بن أبي الصّلت، فلمّا قفلوا راجعين نزلوا منزلا ليتعشّوا بعشاء، إذ أقبلت عظاية[3]حتّى دنت منهم، فحصبها بعضهم بشي‏ء في وجهها فرجعت؛ و كفتوا[4]سفرتهم ثم قاموا يرحلون ممسين؛ فطلعت عليهم/عجوز من وراء كثيب مقابل لهم تتوكّأ على عصا، فقالت: ما منعكم أن تطعموا رجيمة[5] الجارية اليتيمة التي جاءتكم عشيّة؟قالوا: و من أنت؟قالت: أنا أمّ العوّام، إمت‏[6]منذ أعوام؛ أمّا و ربّ العباد، لتفترقنّ في البلاد؛ و ضربت بعصاها الأرض ثم قالت: بطّئي إيابهم، و نفّري ركابهم؛ فوثبت الإبل كأنّ على ذروة كل بعير منها شيطانا ما يملك منها شي‏ء، حتى افترقت في الوادي. فجمعناها في آخر النهار من الغد و لم نكد[7]. فلمّا أنخناها لنرحلها طلعت علينا العجوز فضربت الأرض بعصاها ثم قالت كقولها الأوّل؛ ففعلت الإبل كفعلها بالأمس، فلم نجمعها إلا الغد[8]عشيّة. فلمّا أنخناها لنرحلها أقبلت العجوز ففعلت كفعلها في اليومين و نفرت الإبل. فقلنا لأميّة: أين ما كنت تخبرنا به عن نفسك؟فقالت: اذهبوا أنتم في طلب الإبل و دعوني. فتوجّه إلى ذلك الكثيب الذي كانت العجوز تأتي منه حتى علاه و هبط منه إلى واد، فإذا فيه كنيسة و قناديل، و إذا رجل مضطجع معترض على بابها، و إذا رجل أبيض الرأس و اللّحية؛ فلمّا رأى أميّة قال: إنّك لمتبوع، فمن أين يأتيك صاحبك؟قال: من أذني اليسرى. قال فبأيّ الثياب يأمرك؟قال: بالسواد. قال: هذا خطيب الجنّ؛ كدت و اللّه أن تكونه و لم تفعل؛ إنّ [1]في الأصول: «عمرو بن أبي بكر الموصلي» . و انظر الحاشية رقم 1 في الصفحة 123.

[2]ورد هذا الخبر في «طبقات الشعراء» لمحمد بن سلام الجمحي (ص 67 طبع أوروبا) مع زيادة في العبارة و اختلاف في بعض الكلمات. و سيعيده المؤلف بتفصيل أوفى في ص 127.

[3]العظاية: دويبة ملساء تشبه سام أبرص و تسمى شحمة الأرض و شحمة الرمل، و هي أنواع كثيرة و كلها منقطة بالسواد، و من طبعها أنها تمشي مشيا سريعا ثم تقف.

[4]كذا في أ، ء، م. و كفت الشي‏ء: ضم بعضه إلى بعض. و في سائر الأصول: «و كفوا» . و السفرة: ما يبسط تحت الخوان من جلد أو غيره.

[5]في حـ: «رحيمة» بالحاء المهملة.

[6]آمت المرأة (من باب ضرب) : فقدت زوجها.

[7]في الأصول: «تكد» بالتاء المثناة من فوق.

[8]في الأصول: «إلى الغد» .

347

صاحب النبوّة يأتيه صاحبه من قبل أذنه اليمنى، و يأمره بلباس البياض؛ فما حاجتك؟فحدّثه حديث العجوز؛ فقال:

صدقت، و ليست بصادقة!هي امرأة يهودية من الجنّ هلك زوجها منذ أعوام، و إنّها لن تزال تصنع ذلك بكم حتى تهلككم إن استطاعت. فقال أميّة: و ما الحيلة؟فقال: جمّعوا ظهركم‏[1]، فإذا جاءتكم ففعلت كما كانت تفعل فقولوا لها: سبع من فوق و سبع من/أسفل، باسمك اللّهم؛ فلن تضرّكم. فرجع أميّة إليهم و قد جمعوا الظّهر.

فلمّا أقبلت قال لها ما أمره به الشيخ، فلم تضرّهم. فلمّا رأت الإبل لم تتحرّك قالت: قد عرفت صاحبكم، و ليبيضنّ أعلاه، و ليسودنّ أسفله؛ فأصبح أميّة و قد برص في عذاريه و اسودّ أسفله. فلمّا قدموا مكة ذكروا لهم هذا الحديث؛ فكان ذلك أوّل ما كتب أهل مكة «باسمك اللّهم» في كتبهم.

خبر الطائرين اللذين شق أحدهما صدره و محاورتهما:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو غسّان محمد بن يحيى قال حدّثنا عبد العزيز بن عمران عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عامر بن مسعود عن الزّهريّ قال:

دخل يوما أميّة بن أبي الصّلت على أخته و هي تهيئ‏[2]أدما لها، فأدركه النوم فنام على سرير في ناحية البيت. قال‏[3]: فانشقّ جانب من السقف في البيت، و إذا بطائرين قد وقع أحدهما على صدره و وقف الآخر مكانه، فشقّ الواقع/صدره فأخرج قلبه فشقّه؛ فقال الطائر الواقف للطائر الذي على صدره: أوعى؟قال: وعى. قال:

أقبل؟قال: أبى. قال: فردّ قلبه في موضعه فنهض؛ فأتبعهما أميّة طرفه فقال:

لبّيكما لبيكما # ها أنا ذا لديكما

لا بري‏ء فأعتذر، و لا ذو عشيرة فأنتصر. فرجع الطائر فوقع على صدره فشقّه، ثم أخرج قلبه فشقّه؛ فقال الطائر الأعلى: أوعى؟قال: وعى. قال: أقبل؟قال: أبى، و نهض؛ فأتبعهما بصره و قال:

لبّيكما لبيكما # ها أنا ذا لديكما

/لا مال يغنيني، و لا عشيرة تحميني. فرجع الطائر فوقع على صدره فشقّه، ثم أخرج قلبه فشقّه؛ فقال الطائر الأعلى: أوعى؟قال: وعى. قال: أقبل؟قال: أبى، و نهض؛ فأتبعهما بصره و قال:

لبّيكما لبيكما # ها أنا ذا لديكما

محفوف بالنّعم، محوط من الريب. قال: فرجع الطائر فوقع على صدره فشقّه و أخرج قلبه فشقّه؛ فقال الأعلى: أوعى؟فقال: وعى. قال: أقبل؟قال: أبى. قال: و نهض، فأتبعهما بصره و قال:

لبّيكما لبيكما # ها أنا ذا لديكما

إن تغفر اللّهمّ تغفر جمّا # و أيّ عبد لك لا ألمّا[4]

[1]الظهر: الركاب التي تحمل عليها الأثقال في السفر، لحملها إياها على ظهورها.

[2]في حـ: «تهنأ» . و في «اللسان» (مادة خلق) : «قالت فدخل عليّ و أنا أخلق أديما لي» . و الخلق: التقدير؛ يقال: خلق الأديم يخلقه خلقا، إذا قدره قبل القطع و قاسه ليقطع منه مزادة أو قربة أو خفا.

[3]كذا في ب، س، حـ. و في سائر الأصول: «قالت» أي أخته.

[4]ألم: باشر اللمم أي صغار الذنوب.

348

قالت أخته: ثم انطبق السّقف و جلس أميّة يمسح صدره. فقلت: يا أخي، هل تجد شيئا؟قال: لا، و لكنّي أجد حرّا في صدري. ثم أنشأ يقول:

ليتني كنت قبل ما قد بدا لي # في قنان‏[1]الجبال أرعى الوعولا

اجعل الموت نصب عينك و احذر # غولة الدّهر إنّ للدّهر غولا

تصديق النبيّ له في شعره:

حدّثني محمد بن جرير الطبريّ قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثني سلمة عن ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عبّاس:

أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم صدّق أميّة في قوله:

رجل و ثور تحت رجل يمينه # و النّسر للأخرى و ليث مرصد[2]

/فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. «صدق» [3].

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني حمّاد بن عبد الرحمن بن الفضل الحرّانيّ قال حدّثنا أبو يوسف-و ليس بالقاضي-عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بمثل هذا.

أنشد النبيّ بعض شعره فقال: «إن كاد أمية ليسلم» :

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزّبير قال حدّثنا جعفر بن الحسين المهلّبيّ قال حدّثني إبراهيم بن إبراهيم بن أحمد عن عكرمة قال: أنشد[4]النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قول أميّة:

الحمد للّه ممسانا و مصبحنا # بالخير صبّحنا ربّي و مسّانا

ربّ الحنيفة لم تنفد خزائنها # مملوءة طبّق الآفاق سلطانا

أ لا نبيّ لنا منّا فيخبرنا # ما بعد غايتنا من رأس محيانا

بينا يربّيننا آباؤنا هلكوا # و بينما نقتني الأولاد أفنانا

و قد علمنا لو أنّ العلم ينفعنا # أن سوف يلحق أخرانا بأولانا

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «إن كاد أميّة ليسلم» .

شعر له في عتاب ابنه و توبيخه:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أحمد بن معاوية قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي بكر، /و حدّثنا خالد بن عمارة:

[1]القنان: أعالي الجبال، واحدها قنّة.

[2]قال الجاحظ في كتاب «الحيوان» (ج 6 ص 68) طبع مصر: «و قد جاء في الخبر أن من الملائكة من هو في صورة الرجال، و منهم من هو في صورة الثيران، و منهم من هو في صورة النسور، و يدل على ذلك تصديق النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لأمية بن أبي الصلت... » و أورد هذا البيت.

[3]هذه الكلمة تتطلب أن يكون الكلام قبلها هكذا: و أنشد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قول أمية كذا فقال صلّى اللّه عليه و سلّم: «صدق» .

[4]في س: «استنشدني» ، في ب: «أنشدني» .

349

/أنّ أميّة عتب على ابن له فأنشأ يقول:

غذوتك مولودا و منتك‏[1]يافعا # تعلّ بما أجني‏[2]عليك و تنهل

إذا ليلة نابتك بالشّكو[3]لم أبت # لشكواك إلاّ ساهرا أتململ

كأنّي أنا المطروق دونك بالّذي # طرقت به دوني فعيني تهمل

تخاف الرّدى نفسي عليك و إنّني # لأعلم أنّ الموت حتم مؤجّل

فلمّا بلغت السّنّ و الغاية التي # إليها مدى ما كنت فيك أؤمّل

جعلت جزائي غلظة و فظاظة # كأنّك أنت المنعم المتفضّل‏

محاورة بين أبي بكر الهذليّ و عكرمة في شعر له:

قال الزبير قال أبو عمرو الشّيبانيّ قال أبو بكر الهذليّ قال‏[4]: قلت لعكرمة: ما رأيت من يبلّغنا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال لأميّة: «آمن شعره و كفر قلبه» ؛ فقال: هو حقّ، و ما الذي أنكرتم من ذلك؟فقلت له: أنكرنا قوله:

و الشمس تطلع كلّ آخر ليلة # حمراء مطلع لونها متورّد

تأبى فلا تبدو لنا في رسلها[5] # إلاّ معذّبة و إلاّ تجلد

فما شأن الشمس تجلد؟قال: و الذي نفسي بيده ما طلعت قطّ حتّى ينخسها سبعون ألف ملك يقولون لها:

اطلعي؛ فتقول: أ أطلع على قوم يعبدونني من دون اللّه!قال: فيأتيها شيطان حين‏[6]تستقبل الضّياء يريد أن يصدّها عن الطّلوع فتطلع على قرنيه، فيحرقه اللّه تحتها. و ما غربت قطّ إلاّ خرّت للّه ساجدة، فيأتيها شيطان/يريد أن يصدّها عن السجود، فتغرب على قرنيه فيحرقه اللّه تحتها؛ و ذلك قول النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «تطلع بين قرني شيطان و تغرب بين قرني شيطان» .

تمثل ابن عباس بشعره عند معاوية:

حدّثني أحمد بن محمد بن‏[7]الجعد قال حدّثنا محمد بن عبّاد قال حدّثنا سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد أنّه سمع ابن حاضر[8]يقول:

اختلف ابن عبّاس و عمرو بن العاصي عند معاوية؛ فقال ابن عباس: أ لا أغنيك؟قال بلى!فأنشده:

[1]في شرح «ديوان الحماسة» للتبريزي (ص 354) طبع أوروبا: «و علتك» .

[2]أجني عليك: أكسب. و يجوز أن يكون من جنيت الثمرة جنيا و جناية. (عن «شرح الحماسة» للتبريزي) . و فيه رواية أخرى: «بما أدنى إليك» .

[3]كذا في «شرح ديوان الحماسة» . و في الأصول: «آبتك بالشجو» .

[4]كذا ورد في جميع النسخ لفظ «قال» ، و لا لروم له.

[5]الرسل هنا: الرفق و التؤدة.

[6]في ب: «حتى يستقبل» .

[7]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «أحمد بن محمد الجعد» . و هو من شيوخ أبي الفرج الدين يروي عنهم كثيرا في هذا الكتاب.

[8]اسمه عثمان بن حاضر الحميري؛ و يقال: الأزدي أبو حاضر القاص. و قال عبد الرزاق: عثمان بن أبي حاضر (انظر «تهذيب التهذيب» في اسم عثمان) .

350

و الشمس تغرب كلّ آخر ليلة # في عين ذي خلب‏[1]و ثأط حرمد

أحاديثه و أحواله في مرض موته:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا عمّي عن مصعب بن عثمان عن ثابت بن الزّبير قال:

لمّا مرض أميّة مرضه الذي مات فيه، جعل يقول: قد دنا أجلي، و هذه المرضة منيّتي، و أنا أعلم أنّ الحنيفيّة حقّ، و لكن الشكّ يداخلني في محمد. قال: و لمّا دنت وفاته أغمي عليه قليلا ثم أفاق و هو يقول:

لبّيكما لبيكما # ها أنا ذا لديكما

/لا مال يفديني، و لا عشيرة تنجيني. ثم أغمي عليه أيضا بعد ساعة حتى ظنّ ممن حضره من أهله أنّه قد قضى، ثم أفاق و هو يقول:

لبّيكما لبيكما # ها أنا ذا لديكما

لا بري‏ء فأعتذر، و لا قويّ فأنتصر. ثم إنّه بقي يحدّث من حضره ساعة، ثم أغمي عليه مثل المرّتين الأوليين حتى يئسوا من حياته، و أفاق و هو يقول:

لبيكما لبيكما # ها أنا ذا لديكما

محفوف بالنّعم،

إن تغفر اللّهمّ تغفر جمّا # و أيّ عبد لك لا ألمّا

ثم أقبل على القوم فقال: قد جاء وقتي، فكونوا في أهبتي؛ و حدّثهم قليلا حتّى يئس القوم/من مرضه، و أنشأ يقول:

كلّ عيش و إن تطاول دهرا # منتهى أمره إلى أن يزولا

ليتني كنت قبل ما قد بدا لي # في رءوس الجبال أرعى الوعولا

اجعل الموت نصب عينيك‏[2]و احذر # غولة الدّهر إنّ للدّهر غولا

ثم قضى نحبه، و لم يؤمن بالنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم. و قد قيل في وفاة أميّة غير هذا.

لما بعث النبي هرب بابنتيه إلى اليمن ثم مات بالطائف:

أخبرني عبد العزيز بن أحمد عمّ أبي قال حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال:

سمعت في خبر أميّة بن أبي الصّلت، حين بعث النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، أنه أخذ بنتيه و هرب بهما إلى أقصى اليمن، ثم عاد [1]الخلب: أيابن بلغة حمير. و التأط: الطين الحمأة (أي الأسود) ، و قيل: الطين حمأة كان أو غير حمأة. و الحرمد: الأسود مل الطين. و رواية هذا الشعر في «اللسان» مادة (ثأط) :

لمع المشارق و المغارب يبتغي # أسباب أمر عن حكيم مرشد

فأتى مغيب الشمس عند مآبها # في عين ذي خلب و ثأط حرمد

و قد أورده صاحب «اللسان» لأمية، ثم قال: و أورد الأزهري هذا البيت مستشهدا به على الثأطة الحمأة، و كذلك أورده ابن برّي و قال: إنه لتبّع يصف ذا القرنين.

[2]كذا في س. و في سائر الأصول: «عينك» .

351

إلى الطائف؛ فبينما هو يشرب مع/إخوان له في قصر غيلان‏[1]بالطائف، و قد أودع ابنتيه اليمن و رجع إلى بلاد الطائف، إذ سقط غراب على شرفة في القصر فنعب نعبة؛ فقال أميّة: بفيك الكثكث!-و هو التّراب-فقال أصحابه:

ما يقول؟قال: يقول إنّك إذا شربت الكأس التي‏[2]بيدك متّ، فقلت: بفيك الكثكث. ثم نعب نعبة أخرى، فقال أميّة نحو ذلك؛ فقال أصحابه: ما يقول؟قال: زعم أنّه يقع على هذه المزبلة أسفل القصر، فيستثير عظما فيبتلعه فيشجى به فيموت، فقلت نحو ذلك. فوقع الغراب على المزبلة، فأثار العظم فشجي به فمات؛ فانكسر أميّة، و وضع الكأس من يده، و تغيّر لونه. فقال له أصحابه: ما أكثر ما سمعنا بمثل هذا و كان باطلا!فألحّوا عليه حتى شرب الكأس، فمال في شقّ و أغمي عليه ثم أفاق، ثم قال: لا بري‏ء فأعتذر، و لا قويّ فأنتصر، ثم خرجت نفسه.

صوت من المائة المختارة

تبلت‏[3]فؤادك في المنام خريدة # تشفي‏[4]الضّجيع ببارد بسّام

كالمسك تخلطه بماء سحابة # أو عاتق‏[5]كدم الذّبيح مدام‏

عروضه من الكامل. الشعر لحسّان بن ثابت، و الغناء لموسى بن خارجة الكوفيّ ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. و ذكر حمّاد عن أبيه أنّ فيه لحنا لعزّة الميلاء. و ليس موسى بكثير الصنعة و لا مشهور، و لا ممن خدم الخلفاء.

[1]هو غيلان بن سلمة بن معتّب، و كان وفد على كسرى و حاوره فأعجب به و اشترى منه التجارة بأضعاف ثمنها و كساه و بعث معه من الفرس من بنى له هذا القصر بالطائف؛ فكان أوّل قصر بنى بها. (راجع «الأغاني» ج 12 ص 48، 49 طبع بلاق) .

[2]في جميع الأصول: «الذي» .

[3]تبلت فؤادك: أسقمته. و الخريدة: الحيية.

[4]في «ديوان» حسان: «تسقى» و على هذه الرواية تكون الباء في «ببارد» زائدة.

[5]العاتق هنا: الخمر القديمة التي حبست زمانا حتى عتقت و جادت، و قيل: هي التي لم يفض أحد ختامها كالجارية العاتق التي قد أدركت و لما تتزوّج.

352

42-أخبار حسّان بن ثابت و نسبه‏

نسبه من قبل أبويه و كنيته:

هو حسّان‏[1]بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النّجّار، و اسمه‏[2]تيم اللّه بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة، و هو العنقاء بن عمرو؛ و إنما سمّي العنقاء لطول عنقه. و عمرو هو مزيقياء بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد، و هو ذري‏[3]-و قيل: ذراء ممدود-بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

قال مصعب الزّبيريّ فيما أخبرنا[به‏]الحسن بن عليّ عن أحمد بن زهير عمّه قال: بنو عديّ بن عمرو بن مالك‏[بن‏]النجّار يسمّون بني معالة. و معالة أمّه‏[4]، و هي امرأة من القين و إليها كانوا ينسبون. و أمّ حسّان بن ثابت بن المنذر، الفريعة بنت خالد بن قيس‏[5]بن لوذان/بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج. و قيل: إنّ اسم النجّار تيّم اللاّت؛ و في ذلك يقول حسّان بن ثابت:

و أمّ ضرار تنشد النّاس والها # أما لابن تيم اللّه ما ذا أضلّت‏

/يعني ضرار بن عبد المطّلب، و كان ضلّ فنشدته أمّه. و إنما سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم تيم اللّه؛ لأنّ الأنصار كانت تنسب إليه، فكره أن يكون في أنسابها ذكر اللاّت.

و يكنى‏[6]حسّان بن ثابت أبا الوليد. و هو فحل من فحول الشعراء. و قد قيل: إنّه أشعر أهل المدر[7]. و كان أحد المعمّرين من المخضرمين، عمّر مائة و عشرين سنة: ستّين في الجاهليّة و ستّين في الإسلام.

[1]هذا الاسم إن جعلته فعّالا من الحسن أجريته، و إن جعلته فعلان من الحس (بالفتح) و هو القتل أو الحس بالشي‏ء لم تجره. قال ابن سيده: و قد ذكرنا أنه من الحسّ أو الحسّ، و قال: ذكر بعض النحويين أنه فعّال من الحسن، و ليس بشي‏ء. (انظر «اللسان» مادة حسن) .

[2]كذا في «أسد الغابة» في ترجمة حسان. و في سائر الأصول: «و هم تيم اللّه» . و بنو النجار هم تيم اللّه بن ثعلبة.

[3]نقل صاحب «شرح القاموس» مادة أزد عن الشيخ عبد القادر البغدادي أن اسمه «درء» بكسر فسكون و آخره همزة، و عن أبي القاسم الوزير أنه دراء ككتاب.

[4]كذا في أكثر الأصول. و في حـ: «أمة» .

[5]في «تهذيب التهذيب» طبع الهند: «الفريعة بنت خالد بن حبيش» . و في «أسد الغابة» طبع بلاق: «الفريعة بنت خالد بن خنيس» . و في «خزانة الأدب» للبغدادي (ج 1 ص 111 طبع بلاق) : «الفريعة بنت خنس» .

[6]و يكنى أيضا أبا الحسام، كما في «خزانة الأدب» للبغدادي و «أسد الغابة» ، لمناضلته عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و لتقطيعه أعراض المشركين.

و يكنى أيضا أبا عبد الرحمن. و يلقب بذي الأكلة (بالضم) كما في «القاموس» مادة أكل.

[7]المدر (بالتحريك) : العدن و الحضر. و في ء، أ، م: «المدن» .

353

عاش حسان مائة و عشرين سنة:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن أبي عبيدة قال: عاش ثابت بن المنذر مائة و خمسين‏[1]سنة، و عاش حسّان مائة و عشرين سنة. و مما يحقّق ذلك ما أخبرني به الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثني الزّبير بن بكار قال حدّثني محمد بن حسين‏[2]عن إبراهيم بن محمد عن صالح بن إبراهيم عن يحيى بن عبد الرحمن بن سعيد بن زرارة عن حسّان بن ثابت قال: إنّي لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان، إذا بيهوديّ بيثرب يصرخ ذات غداة: يا معشر يهود؛ فلما اجتمعوا إليه قالوا: ويلك!مالك؟قال: طلع نجم أحمد الذي يولد به في هذه الليلة. قال: ثم أدركه اليهوديّ و لم يؤمن به. فهذا يدلّ على مدّة عمره في الجاهليّة؛ لأنه ذكر أنه أدرك ليلة ولد النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و له يومئذ ثمان سنين، و النبيّ/صلى اللّه عليه و سلّم بعث و له أربعون سنة، و أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، فقدم المدينة و لحسّان يومئذ، على ما ذكره، ستّون سنة أو إحدى و ستون سنة، و حينئذ أسلم.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير بن بكّار عن الرحمن بن عبد اللّه قال حدّثني ابن أبي الزّناد قال:

عمّر حسّان بن ثابت عشرين و مائة سنة: ستّين في الجاهليّة، و ستّين في الإسلام.

قال أخبرني الحسن بن عليّ قال أخبرني أحمد بن زهير قال حدّث سليمان بن حرب عن حمّاد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار قال:

رأيت حسّان بن ثابت و له ناصية قد سدلها بين عينيه.

كان يخضب شاربه و عنفقته بالحناء:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ عن أبيه قال:

كان حسّان بن ثابت يخضب شاربه و عنفقته‏[3]بالحنّاء، و لا يخضب سائر لحيته. فقال له ابنه عبد الرحمن:

يا أبت، لم تفعل هذا؟قال: لأكون كأنّي أسد والغ في دم.

فضل الشعراء بثلاث:

أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال:

فضل حسّان الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهليّة، و شاعر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في النبوّة، و شاعر اليمن كلّها في الإسلام.

أجمعت العرب على أنه أشعر أهل المدر:

قال أبو عبيدة: و أجمعت‏[4]العرب على أنّ حسّان أشعر أهل المدر. أخبرنا بذلك أيضا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة عن أبي عبيدة قال:

[1]. في «أسد الغابة» و «تهذيب التهذيب» و «النجوم الزاهرة» : أن عمر حسان مائة و عشرون سنة، و كذلك عاش أبوه ثابت و جدّه المنذر و أبو جدّه حرام، و لا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد و عاش كل منهم مائة و عشرين سنة غيرهم.

[2]. في حـ: «محمد بن الحسن» .

[3]. العنفقة: شعرات بين الشفة السفلى و الذقن.

[4]. كذا في «أسد الغابة» . و في جميع الأصول: «اجتمعت» .

354

/اتّفقت العرب على أنّ أشعر أهل المدر أهل يثرب، ثم عبد القيس ثم ثقيف؛ و على أنّ أشعر أهل يثرب حسّان بن ثابت.

سأل أبا هريرة عن حديث في شأنه فأجابه:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا عفّان/قال حدّثنا عبد الواحد بن زياد قال حدّثنا معمر عن الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب قال.

جاء حسّان إلى نفر فيهم أبو هريرة، فقال: أنشدك اللّه: أسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: «أجب عنّي» ثم قال:

«اللّهمّ أيّده بروح القدس» ؟قال أبو هريرة: اللّهمّ نعم.

كان أحد الأنصار الثلاثة الذين عارضوا شعراء قريش:

أخبرني حبيب بن نصر و أحمد بن عبد العزيز قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا وهب بن جرير قال حدّثنا أبي قال سمعت محمد بن سيرين، قال أبو زيد و حدّثنا هوذة بن خليفة قال حدّثنا عوف عن محمد بن سيرين قال:

كان يهجو رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ثلاثة[1]رهط من قريش: عبد اللّه بن الزّبعري، و أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، و عمرو بن العاصي؛ فقال قائل لعليّ بن أبي طالب رضوان اللّه عليه: اهج عنّا القوم الذين قد هجونا.

فقال عليّ رضي اللّه عنه: إن أذن لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فعلت. فقال رجل: يا رسول اللّه، ائذن لعليّ كي يهجو عنّا هؤلاء القوم الذين قد هجونا. قال: «ليس هناك» أو «ليس عنده ذلك» ؛ ثم قال للأنصار: «ما يمنع القوم الذين نصروا رسول اللّه-صلى اللّه عليه و سلّم-بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟» . فقال حسّان بن ثابت: أنا لها، و أخذ بطرف لسانه و قال:

و اللّه ما يسرّني به مقول‏[2]بين بصرى و صنعاء. فقال: «كيف/تهجوهم و أنا منهم» ؟فقال: إنّي أسلّك منهم كما تسلّ الشّعرة من العجين. قال: فكان يهجوهم ثلاثة من الأنصار: حسان بن ثابت، و كعب بن مالك، و عبد اللّه بن رواحة. فكان حسّان و كعب يعارضانهم بمثل قولهم بالوقائع و الأيّام و المآثر و يعيّرانهم بالمثالب، و كان عبد اللّه بن رواحة يعيّرهم بالكفر. قال: فكان في ذلك الزمان أشد القول عليهم قول حسان و كعب، و أهون القول عليهم قول ابن رواحة. فلمّا أسلموا و فقهوا الإسلام، كان أشدّ القول عليهم قول ابن رواحة.

استأذن النبيّ في هجو قريش فأمره أن يأخذ أنسابهم عن أبي بكر:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا عبد اللّه بن بكر بن حبيب السّهميّ قال حدّثنا أبو يونس القشيريّ و هو حاتم‏[3]بن أبي صغيرة قال حدّثنا سماك بن حرب قال:

قام حسّان أبو الحسام فقال: يا رسول اللّه، ائذن لي فيه، و أخرج لسانا له أسود، فقال: يا رسول اللّه، لو شئت لفريت به المزاد[4]، ائذن لي فيه. فقال: «اذهب إلى أبي بكر فليحدّثك حديث القوم و أيّامهم و أحسابهم ثم [1]. زاد في «أسد الغابة» رابعا هو ضرار بن الخطاب.

[2]. المقول: «اللسان» .

[3]. كذا في «طبقات ابن سعد» (ج 7 قسم 2 ص 31 طبع أوروبا) و «تهذيب التهذيب» (ج 2 ص 130 طبع الهند) و «الخلاصة» طبع مصر؛ و هو مولى بني قشير، و اسم أبيه مسلم، و أبو صغيرة أبو أمه، و هو يروي عن عمرو بن دينار و سماك بن حرب. (انظر «الأنساب» للسمعاني) . و قد ورد هذا الاسم مضطربا في جميع الأصول.

[4]. المزاد: جمع مزادة، و هي التي يحمل فيها الماء، و هي ما فئم بجلد ثالث بين الجلدين ليتسع؛ سميت بذلك لمكان الزيادة.

355

اهجهم و جبريل معك» . قال أبو زيد قال ابن وهب و حدّثنا بهذا الحديث حاتم عن السّدّيّ عن البراء بن عازب و عن سماك بن حرب-فأنا أشك: أ هو عن أحدهما أم عنهما جميعا-قال أبو زيد: و حدّثنا عليّ بن عاصم قال حدّثنا حاتم بن أبي‏[1]صغيرة عن سماك بن حرب/بنحوه، و زاد فيه: فأخرج لسانه أسود، فوضعه على طرف أرنبته، و قال: يا رسول اللّه، لو شئت لفريت به المزاد؛ فقال: «يا حسّان و كيف و هو منّي و أنا[2]منه» ؟قال: و اللّه لأسلنّه منك كما يسلّ الشّعر من العجين!قال: «يا حسّان فأت أبا بكر فإنّه أعلم بأنساب القوم منك» . فأتى أبا بكر فأعلمه ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؛ فقال: كفّ عن فلانة و اذكر فلانة. فقال:

هجوت‏[3]محمدا فأجبت عنه # و عند اللّه في ذاك الجزاء

/فإنّ أبي و والده و عرضي # لعرض محمد منكم وقاء

أ تهجوه و لست له بكف ء # فشرّكما لخيركما الفداء

لما بلغ قريشا شعر حسان اتهموا فيه أبا بكر:

أخبرني الحسن بن عليّ قال‏[4]حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا أحمد بن سليمان عن الأصمعيّ عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد قال:

لمّا أنشدت قريش شعر حسّان قالت: إنّ هذا الشّتم ما غاب عنه ابن‏[5]أبي قحافة.

قال الزّبير: و حدّثني محمد بن يحيى عن يعقوب‏[6]بن إسحاق بن مجمّع عن رجل من بني العجلان قال:

/لما بلغ أهل مكة شعر حسّان و لم يكونوا علموا أنّه قوله، جعلوا يقولون: لقد قال أبو بكر الشّعر بعدنا.

أسمعه ابن الزبعري و ضرار من هجوهما وفرا فاستعدى عمر فردّهما فأنشدهما مما قال فيهما:

قال الزّبير: و حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن فضالة عن أبيه عن خالد بن محمد بن فضالة عن أبيه عن خالد[7]بن محمد بن ثابت بن قيس بن شمّاس قال:

[1]. كذا في «طبقات ابن سعد» (ج 7 قسم 2 ص 31 طبع أوربا) و «تهذيب التهذيب» (ج 2 ص 130 طبع الهند) و «الخلاصة» طبع مصر و هو مولى بني قشير، و اسم أبيه مسلم، و أبو صغيره أبو أمه و هو يروي عن عمرو بن دينار و سماك بن حرب. (انظر «الأنساب» للسمعاني) و قد ورد هذا الاسم مضطربا في جميع الأصول.

[2]. يريد ابن عمه أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.

[3]. وردت هذه الأبيات في «السيرة» لابن هشام (ص 830 طبع أوروبا) ضمن قصيدة مطلعها:

عفت ذات الأصابع فالجواء # إلى عذراء منزلها خلاء

على غير ترتيب «الأغاني» بذكر البيت الثالث بعد الأوّل و بزيادة بيتين بعده هما:

هجوت مباركا برّا حفيا # أمين اللّه شيمته الوفاء

أ من يهجو رسول اللّه منكم # و يمدحه و ينصره سواء

و يليهما البيت «فإن أبى إلخ» . و انظر هذا الشعر أيضا في «صحيح مسلم» (ج 2 ص 260-261 طبع بولاق) .

[4]. كذا في حـ. و في سائر الأصول: «أخبرني الحسن بن علي قال قال... » بتكرير كلمة «قال» .

[5]. هو أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه.

[6]. لم نعثر على هذا الاسم في «كتب التراجم» التي بين أيدينا و الذي بها هو: «يعقوب بن مجمع» أو «يعقوب بن إسحاق بن زيد» كما في «تهذيب التهذيب» و «الخلاصة في أسماء الرجال» . و في «لسان الميزان» (ج 6 ص 302) : «يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن مجمع» و لعله هذا.

[7]. لم نعثر على خالد هذا في «كتب التراجم» ، و ليس في ولد محمد بن ثابت بن قيس بن شماس من يسمى خالدا، و قد أحصاهم ابن سعد-

356

نهى عمر بن الخطّاب الناس أن ينشدوا شيئا من مناقضة الأنصار و مشركي قريش، و قال: في ذلك شتم الحيّ‏[1]بالميّت، و تجديد الضغائن، و قد هدم اللّه أمر الجاهليّة بما جاء من الإسلام. فقدم المدينة عبد اللّه بن الزّبعري السّهمي و ضرار بن الخطّاب الفهريّ ثم المحاربيّ، فنزلا على أبي أحمد بن جحش، و قالا له: نحبّ أن ترسل إلى حسّان بن ثابت حتّى يأتيك، فننشده و ينشدنا مما قلنا له و قال لنا. فأرسل إليه فجاءه؛ فقال له: يا أبا الوليد، هذان أخواك ابن الزّبعري و ضرار قد جاءا أن يسمعاك و تسمعهما ما قالا لك و قلت لهما. فقال ابن الزّبعري و ضرار: نعم يا أبا الوليد، إن شعرك كان يحتمل في الإسلام و لا يحتمل شعرنا، و قد أحببنا أن نسمعك و تسمعنا.

فقال حسّان: أ فتبدءان أم أبدأ؟قالا: نبدأ نحن. قال: ابتدئا؛ فأنشداه حتى فار فصار كالمرجل غضبا، ثم استويا على راحلتيهما يريدان مكة؛ فخرج حسّان حتى دخل على عمر بن الخطّاب فقصّ عليه قصّتهما و قصّته. فقال له عمر:

لن يذهبا عنك بشي‏ء إن شاء اللّه، و أرسل من يردّهما، و قال له عمر: لو لم تدركهما إلاّ بمكة فارددهما عليّ.

و خرجا فلمّا كانا بالرّوحاء[2]رجع ضرار إلى صاحبه بكره، فقال له يا ابن الزّبعري: أنا أعرف عمر و ذبّه عن الإسلام و أهله، /و أعرف حسّان و قلّة صبره على ما فعلنا به، و كأنّي به قد جاء و شكا إليه ما فعلنا، فأرسل في آثارنا و قال لرسوله: إن لم تلحقهما إلاّ بمكة فارددهما عليّ؛ فاربح بنا ترك العناء و أقم بنا مكاننا؛ فإن كان الذي ظننت فالرجوع من الرّوحاء أسهل منه من أبعد منها، و إن أخطأ ظنّي فذلك الذي نحبّ و نحن من وراء المضيّ. فقال ابن الزّبعري: نعم ما رأيت. قال: فأقاما بالرّوحاء، فما كان إلا كمرّ الطائر حتّى وافاهما رسول عمر فردّهما إليه؛ فدعا لهما بحسّان، و عمر في جماعة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال لحسّان: أنشدهما مما قلت لهما؛ فأنشدهما حتّى فرغ مما قال لهما فوقف. فقال له عمر: أفرغت؟قال نعم. فقال له: أنشداك في الخلاء و أنشدتهما في الملا. و قال لهما عمر: إن شئتما فأقيما، و إن شئتما فانصرفا. و قال لمن حضره: إنّي قد كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين المسلمين و المشركين شيئا دفعا للتضاغن عنكم و بثّ القبيح فيما بينكم، فأمّا إذ أبوا فاكتبوه/و احتفظوا به. فدوّنوا ذلك عندهم. قال خلاّد[3]بن محمد: فأدركته و اللّه و إنّ الأنصار لتجدّده عندها إذا خافت بلاه.

شعر له في هجو أبي سفيان بن الحارث:

أخبرنا أحمد[4]بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا عفّان بن مسلم قال حدّثنا عمران بن زيد قال: سمعت أبا إسحاق قال في قصة حسّان و أبي سفيان بن الحارث نحو ما ذكره مما قدّمنا ذكره، و زاد فيه: فقال حسّان فيه:

و إنّ سنام المجد من آل هاشم # بنو بنت‏[5]مخزوم، و والدك العبد

-في «الطبقات» (ج 5 ص 58-59 طبع أوروبا) . على أن السند كله مضطرب و لم نوفق لتحقيقه.

[1]. في «أسد الغابة» : «و قال في ذلك شتم الحيّ و الميت إلخ» .

[2]. الروحاء: موضع بين مكة و المدينة على نحو ثلاثين ميلا من المدينة.

[3]. لم نجد هذا الاسم في «كتب التراجم» التي بين أيدينا. و قد تقدم في سند هذا الخبر رجلان كل منهما يسمى خالد بن محمد، فلعله أحدهما.

[4]. في الأصول: «محمد بن عبد العزيز» و ظاهر جدّا أنه أحمد بن عبد العزيز الجوهري الذي يروي عن عمر بن شبة، و يروي عنه كثيرا أبو الفرج.

[5]. بنت مخزوم: يريد بها فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، و هي أم عبد اللّه (أبى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم) و الزبير و أبي طالب أبناء عبد المطلب. و والدك العبد: يريد به الحارث بن عبد المطلب و هو أبو أبي سفيان.

357

/

و من ولدت أبناء زهرة[1]منكم # كرام و لم يلحق عجائزك المجد

و إنّ امرأ كانت سميّة[2]أمّه # و سمراء[3]مغلوب إذا بلغ الجهد

و أنت هجين‏[4]نيط في آل هاشم # كما نيط خلف الرّاكب القدح الفرد

فقال العبّاس: و ما لي و ما لحسّان!يعني في ذكره نتيلة[5]، فقال فيها:

و لست كعبّاس و لا كابن أمّه‏[6] # و لكن هجين ليس يورى له زند

أعانه جبريل في مديح النبي:

أخبرنا أحمد قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا القعنبيّ قال حدّثنا مروان بن معاوية قال حدّثنا إياس السّلميّ عن ابن بريدة قال:

أعان جبريل عليه السّلام حسّان بن ثابت في مديح النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بسبعين بيتا.

مدحه النبي و مدح كعبا و عبد اللّه بن رواحة:

أخبرنا أحمد قال حدّثنا عمر قال حدّثنا محمد بن منصور قال حدّثنا سعيد بن عامر قال حدّثني جويرية بن أسماء قال:

/بلغني أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «أمرت عبد اللّه بن رواحة فقال و أحسن، و أمرت كعب بن مالك فقال و أحسن، و أمرت حسّان بن ثابت فشفى و اشتفى» .

أخبره النبيّ أن روح القدس يؤيده:

أخبرنا أحمد قال حدّثنا عمر قال حدّثنا أحمد بن عيسى قال حدّثنا ابن وهب قال أخبرنا عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن مروان بن عثمان و يعلى بن شدّاد بن أوس عن عائشة قالت:

سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول لحسّان بن ثابت الشاعر: «إنّ روح القدس لا يزال يؤيّدك ما كافحت عن اللّه عز و جل و عن رسول اللّه» صلى اللّه عليه و سلّم.

[1]. يريد في هذا البيت مدح آمنة أم النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و هالة أم حمزة و صفية، و كلتاهما زهرية؛ إذ هما ابنتا وهب بن عبد مناف بن زهرة. و قوله:

«و لم يلحق عجائزك المجد» يهجو أبا سفيان بأن أمهاته لسن بأحرار؛ إذ كانت أم أبي سفيان نفسه أم ولد و أم أبيه كذلك أم ولد.

و رواية «الديوان» في هذا البيت (ص 91 طبع ليدن) :

و ما ولدت أفناء زهرة منكم # كريما و لم يقرب عجائزك المجد

[2]. كذا في «الديوان» . و سمية هي أم الحارث بن عبد المطلب، و أبوها موهب غلام لبني عبد مناف. و في الأصول: «نثيلة» بالثاء المثلثة و هو تحريف. (انظر «شرح النووي» على «صحيح مسلم» ج 5 ص 200 طبق بلاق) .

[3]. سمراء: هي أم أبي سفيان المهجوّ.

[4]. الهجين: من أبوه عربيّ و أمه ليست بعربية. و نيط في آل هاشم: نسب إليهم و ليس منهم. يريد أنه ليس من خالصهم.

[5]. كذا في «المعارف» لابن قتيبة و «شرح القاموس» (مادة نتل) ، و هي نتيلة بنت كليب بن مالك بن جناب أم العبّاس و ضرار ابني عبد المطلب، و هي إحدى نساء بني النمر بن قاسط. و في الأصول «نثيلة» بالثاء المثلثة و هو تصحيف.

[6]. يريد ضرار بن عبد المطلب.

358

استنشده النبيّ و جعل يصغي إليه:

أخبرنا أحمد قال حدّثنا عمر قال حدّثنا هوذة بن خليفة قال حدّثنا عوف بن محمد قال:

قال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم ليلة و هو في سفر: «أين حسّان بن ثابت» ؟فقال حسّان: لبّيك يا رسول اللّه و سعديك. قال:

«أحد» ، فجعل ينشد و يصغي إليه النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و يستمع، فما زال يستمع إليه و هو سائق راحلته حتّى كان رأس الراحلة يمسّ الورك حتّى فرغ من نشيده. فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «لهذا أشدّ عليهم من وقع النّبل» .

انتهره عمر لإنشاده في مسجد الرسول فردّ عليه:

أخبرنا أحمد قال حدّثنا عمر قال حدّثنا أبو عاصم النبيل قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرنا زياد بن أبي سهل قال حدّثني سعيد بن المسيّب:

أنّ عمر مرّ بحسّان بن ثابت و هو ينشد في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فانتهره عمر؛ فقال حسّان: قد[1]أنشدت فيه من هو خير منك؛ فانطلق عمر.

/أخبرنا أحمد قال حدّثنا أبو داود الطّيالسيّ قال حدّثنا إبراهيم بن سعد عن الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب:

أنّ عمر مرّ على حسان و هو ينشد في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فذكر مثله و زاد فيه: و علمت أنّه يريد النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم.

أخبرنا أحمد قال حدّثنا/عمر قال حدّثنا محمد بن حاتم قال حدّثنا شجاع بن الوليد عن الإفريقيّ عن مسلم بن يسار:

أنّ عمر مرّ بحسّان و هو ينشد الشعر في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فأخذ بأذنه و قال: أرغاء كرغاء البعير!فقال حسّان: دعنا عنك يا عمر!فو اللّه لتعلم أنّي كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك فلا يغيّر عليّ!فصدّقه عمر.

مدح الزبير بن العوام للومه قوما لم يحسنوا الاستماع له:

حدّثنا محمد بن جرير الطبريّ و الحرميّ بن أبي العلاء و عبد العزيز بن أحمد عمّ أبي و جماعة غيرهم قالوا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا أبو غزّيّة محمد بن موسى قال حدّثني عبد اللّه بن مصعب عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن جدّتها أسماء بنت أبي بكر قالت:

مرّ الزّبير بن العوّام بمجلس من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و حسّان بن ثابت ينشدهم من شعره و هم غير نشاط لما يسمعون منه، فجلس معهم الزّبير فقال: ما لي أراكم غير آذنين لما تسمعون من شعر ابن الفريعة!فلقد كان يعرض لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فيحسن استماعه و يجزل عليه ثوابه، و لا يشتغل عنه بشي‏ء. فقال حسّان:

أقام على عهد النبيّ و هديه # حواريّه‏[2]و القول بالفعل يعدل

/أقام على منهاجه و طريقه # يوالي وليّ الحقّ و الحقّ أعدل

هو الفارس المشهور و البطل الذي # يصول إذا ما كان يوم محجّل‏

[1]. رواية «صحيح مسلم» (ج 2 ص 259 طبع بلاق) : «قد كنت أنشد فيه من هو خير منك» .

[2]. حواريّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم الزبير بن العوّام، لقوله عليه الصلاة و السلام: «إن لكل نبي حواريا و إن حواريّ الزبير» . و في رواية: «الزبير ابن عمتي و حواريّ من أمتي» أي خاصتي من أصحابي و ناصري.

359

إذا

كشفت عن ساقها الحرب حشّها[1] # بأبيض سباق إلى الموت يرقل‏[2]

و إنّ امرأ كانت صفية أمّه # و من أسد في بيتها لمرفّل‏[3]

له من رسول اللّه قربى قريبة # و من نصرة الإسلام نصر مؤثّل

فكم كربة ذبّ الزّبير بسيفه # عن المصطفى و اللّه يعطي فيجزل

فما مثله فيهم و لا كان قبله # و ليس يكون الدّهر ما دام يذبل‏[4]

ثناؤك خير من فعال معاشر # و فعلك يا ابن الهاشميّة أفضل‏

تقدم هو و كعب و ابن رواحة لحماية أعراض المسلمين فاختاره النبيّ دونهما:

أخبرني أحمد بن عيسى العجليّ قال حدّثنا واصل بن عبد الأعلى قال حدّثنا ابن فضيل عن مجالد عن الشّعبيّ قال:

لما كان عام الأحزاب‏[5]و ردّهم اللّه بغيظهم لم ينالوا خيرا، قال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «من يحمي أعراض المسلمين» ؟ فقال كعب: أنا يا رسول اللّه، و قال عبد اللّه بن رواحة: أنا يا رسول اللّه، و قال حسّان بن ثابت: أنا يا رسول اللّه؛ فقال: «نعم اهجهم أنت فإنّه سيعينك عليهم روح القدس» .

سبه قوم في مجلس ابن عباس فدافع عنه:

أخبرني أحمد بن عبد[6]الرحمن قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو داود قال حدّثنا حديج بن معاوية عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير قال:

/كنّا عند ابن عبّاس فجاء حسّان، فقالوا: قد جاء اللّعين. فقال ابن عبّاس: ما هو بلعين؛ لقد نصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بلسانه و يده.

حدّثنيه أحمد بن الجعد قال حدّثنا محمد بن بكّار قال حدّثنا حديج بن معاوية قال حدّثنا أبو إسحاق عن سعيد بن جبير قال:

جاء رجل إلى ابن عبّاس فقال: قد جاء اللعين حسّان من الشأم. فقال ابن عبّاس: ما هو بلعين؛ لقد جاهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بلسانه و نفسه.

[1]. حش الحرب: أسعرها و هيجها.

[2]. الإرقال: ضرب من السير السريع؛ قال النابغة:

إذا استنزلوا للطعن عنهنّ أرقلوا # إلى الموت إرقال الجمال المصاعب‏

[3]. المرفل: المعظم المسوّد.

[4]. يذبل: اسم جبل في بلاد نجد.

[5]. الأحزاب: قريش و غطفان و بنو قريظة تألبوا على حرب النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم.

[6]. كذا في جميع الأصول. و الذي يروي عن عمر بن شبة كثيرا في كتاب «الأغاني» هو أحمد بن عبد العزيز الجوهري؛ فلعله هذا.

360

قدم وفد تميم على النبيّ مفتخرين فأمره النبيّ أن يجيب شاعرهم:

أخبرنا أحمد قال حدّثنا/عمر قال حدّثنا عبد اللّه بن عمرو و شريح بن النّعمان قالا حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت:

لمّا قدم وفد بني تميم وضع النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لحسّان منبرا و أجلسه عليه، و قال: «إنّ اللّه ليؤيّد حسّان بروح القدس ما كافح‏[1]عن نبيّه» صلى اللّه عليه و سلّم. هكذا روى أبو زيد هذا الخبر مختصرا. و أتينا به على تمامه هاهنا؛ لأنّ ذلك حسن فيه:

أخبرنا به الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا محمد بن الضحّاك عن أبيه قال:

قدم على النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم وفد بني تميم و هم سبعون أو ثمانون رجلا، فيهم الأقرع بن حابس، و الزّبرقان بن بدر، و عطارد بن حاجب، و قيس بن عاصم، و عمرو بن الأهتم، و انطلق معهم عيينة بن حصن، فقدموا المدينة، فدخلوا المسجد، فوقفوا عند الحجرات، فنادوا بصوت عال جاف: اخرج إلينا يا محمد؛ فقد جئنا لنفاخرك، و قد جئنا بشاعرنا و خطيبنا. فخرج إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم/فجلس. فقام الأقرع بن حابس فقال: و اللّه إنّ مدحي لزين، و إن ذمّي لشين. فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «ذلك اللّه» . فقالوا: إنّا أكرم العرب. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «أكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السّلام» . فقالوا: ائذن لشاعرنا و خطيبنا. فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فجلس و جلس معه الناس، فقام عطارد بن حاجب فقال:

الحمد للّه الذي له الفضل علينا و هو أهله، الذي جعلنا ملوكا و جعلنا أعزّ أهل المشرق‏[2]، و آتانا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، ليس في الناس مثلنا؛ ألسنا برءوس النّاس و ذوي فضلهم!فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، و لو نشاء لأكثرنا، و لكنّا نستحي من الإكثار فيما خوّلنا اللّه و أعطانا. أقول هذا، فأتوا بقول أفضل من قولنا، أو أمر أبين من أمرنا. ثم جلس.

فقام ثابت بن قيس بن شمّاس فقال: الحمد للّه الذي السموات و الأرض خلقه، قضى فيهنّ أمره و وسع كرسيّه علمه‏[3]، و لم يقض شيئا إلاّ من فضله و قدرته؛ فكان من قدرته أن اصطفى من خلقه لنا رسولا أكرمهم حسبا و أصدقهم حديثا و أحسنهم رأيا، فأنزل عليه كتابا، و ائتمنه على خلقه، و كان خيرة اللّه من العالمين. ثم دعا[4] رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى الإيمان، فأجابه من قومه و ذوي رحمه المهاجرون أكرم الناس أنسابا، و أصبح الناس وجوها، و أفضل الناس فعالا. ثم كان أوّل من اتّبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من العرب و استجاب له نحن معشر الأنصار؛ /فنحن أنصار اللّه و وزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا و يقولوا: لا إله إلاّ اللّه. فمن آمن باللّه و رسوله منع منّا ماله و دمه، و من كفر باللّه و رسوله جاهدناه في اللّه، و كان جهاده يسيرا. أقول قولي هذا، و أستغفر اللّه للمؤمنين و المؤمنات.

فقام الزّبرقان فقال:

[1]في حـ: «ما نافح» بالحاء المهملة، و هما بمعنى واحد.

[2]في الطبري (ص 1711 من القسم الأوّل طبع أوروبا) : «و جعلنا أعز أهل المشرق و أكثره عددا و أيسره عدة... إلخ» .

[3]كذا في «سيرة ابن هشام» (ص 935 طبع أوروبا) و الطبري. و في الأصول: «و وسع كرسيه و علمه» بواو العطف. و قد وردت هاتان الخطبتان في «السيرة» و الطبري باختلاف يسير عما هنا.

[4]في «سيرة ابن هشام» و الطبري: «ثم دعا الناس إلى... إلخ» .