الأغاني - ج4

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
522 /
361

نحن‏[1]الملوك فلا حيّ يقاربنا # منّا الملوك و فينا يؤخذ الرّبع‏[2]

تلك المكارم حزناها مقارعة # إذا الكرام على أمثالها اقترعوا

كم قد نشدنا من الأحياء كلّهم # عند النّهاب و فضل العزّ يتّبع

/و ننحر الكوم‏[3]عبطا[4]في منازلنا # للنازلين إذا ما استطعموا شبعوا

و نحن نطعم عند المحل ما أكلوا # من العبيط إذا لم يظهر القزع‏[5]

و ننصر الناس تأتينا سراتهم # من كلّ أوب فتمضي ثم تتّبع‏

فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى حسّان بن ثابت فجاء، فأمره أن يجيبه.

فقال حسان:

إنّ الذوائب‏[6]من فهر و إخوتهم # قد بيّنوا سنّة للنّاس تتّبع

/يرضى بها كلّ من كانت سريرته # تقوى الإله و بالأمر الذي شرعوا

قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم # أو حاولوا النّفع في أشياعهم نفعوا

سجيّة تلك منهم غير محدثة # إنّ الخلائق فاعلم شرّها البدع

لا يرقع‏[7]النّاس ما أوهت أكفّهم # عند الدّفاع‏[8]و لا يوهون ما رقعوا

إن كان في الناس سبّاقون بعدهم # فكلّ سبق لأدنى سبقهم تبع

أعفّة ذكرت في الوحي عفّتهم # لا يطمعون و لا يزري بهم طمع‏[9]

[1]ورد هذا الشعر في «ديوان» حسان و «سيرة ابن هشام» (ص 935 طبع أوربا) و «الطبري» (قسم 1 ص 1712 طبع أوروبا) باختلاف عما هنا.

[2]كان من عادة العرب في الجاهلية إذا غزا بعضهم بعضا و غنموا، أخذ الرئيس ربع الغنيمة خالصا دون أصحابه، و ذلك الربع يسمى المرباع. و رواية البيت في «السيرة» و «الطبري» :

نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا # منا الملوك و فينا تنصب البيع‏

[3]الكوم: جمع أكوم و هو البعير الضخم السنام، و الأنثى كوماء.

[4]عبط الذبيحة عبطا: نحرها من غير داء و لا كسر و هي سمينة فتية. و يقال للناقة: عبيطة، و الجمع عبط (بضمتين) و قد تسكن عينه.

[5]ورد هذا البيت في «نهاية ابن الأثير» و «اللسان» (مادة سدف) هكذا:

و نطعم الناس عند القحط كلهم # من السديف إذا لم يؤنس القزع‏

و السديف: شحم السنام. و القزع: السحاب، أي نطعم الشخم في المحل. و في الأصول: «الفرع» بالفاء و الراء، و هو تصحيف.

[6]ورد هذا الشعر أيضا في «السيرة» (ص 936 طبع أوربا) و «الطبري» (قسم 1 ص 1714 طبع أوروبا) و «الديوان» باختلاف يسير عما هنا.

[7]كذا في أ، ء، و «ديوانه» (ص 23 طبع أوروبا) . و في سائر الأصول: «يرفع» بالفاء.

[8]كذا في «ديوانه» . و في الأصول: «الرقاع» .

[9]في «الديوان» :

لا يطبعون و لا يرديهم الطمع‏

362

و لا يضنّون عن جار بفضلهم # و لا يمسّهم من مطمع طبع‏[1]

يسمون للحرب تبدو و هي كالحة # إذا الزّعانف‏[2]من أظفارها خشعوا

لا يفرحون إذا نالوا عدوّهم # و إن أصيبوا فلا خور و لا جزع

كأنّهم في الوغى و الموت مكتنع‏[3] # أسود بيشة[4]في أرساغها فدع‏[5]

خذ منهم ما أتى‏[6]عفوا و إن منعوا # فلا يكن همّك الأمر الذي منعوا

فإنّ في حربهم-فاترك عداوتهم- # سمّا يخاض‏[7]عليه الصّاب و السّلع

أكرم بقوم رسول اللّه قائدهم # إذا تفرّقت الأهواء و الشّيع

/أهدى لهم مدحي قلب يؤازره # فيما أراد لسان حائك صنع

فإنّهم‏[8]أفضل الأحياء كلّهم # إن جدّ بالناس جدّ القول أو شمعوا[9]

فقام عطارد[10]بن حاجب فقال:

أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا # إذا اجتمعوا وقت احتضار المواسم

بأنّا فروع الناس في كلّ موطن # و أن ليس في أرض الحجاز كدارم‏[11]

فقام حسّان بن ثابت فقال:

منعنا رسول اللّه من غضب له # على أنف راض‏[12]من معدّ و راغم‏

[1]ورد هذا البيت في أ، ء. و ذكر محرّفا في م، و سقط في سائر النسخ.

[2]الزعانف: أرذال الناس.

[3]المكتنع: الداني القريب.

[4]بيشة: من عمل مكة مما يلي اليمن، على خمس مراحل من مكة، و في وادي بيشة موضع مشجر كثير الأسد. و في «السيرة» : «أسد بحلية... » . و حلية: مأسدة بناحية اليمن.

[5]الفدع: اعوجاج في الرسغ.

[6]كذا في «ديوانه» و السيرة. و في الأصول: «... ما أتوا عفوا... إلخ» .

[7]يخاض: يخلط. و الصاب و السلع: ضربان من الشجر مرّان.

[8]هذه رواية السيرة و «الديوان» . و في الأصول: «و إنهم» بالواو.

[9]كذا في «ديوانه» طبع أوروبا «و سيرة ابن هشام» و الطبري. و معناه: مزحوا، و هو أنسب للمقام، لمقابلته لقوله: «إن جدّ بالناس إلخ» . قال أبو ذؤيب يصف حمرا:

فلبثن حينا يعتلجن بروضة # فيجدّ حينا في العلاج و يشمع‏

و في الأصول و «ديوانه» طبع مصر: «سمعوا» بالسين المهملة.

[10]الذي في «سيرة ابن هشام» (ص 937 طبع أوروبا) أن هذا الشعر من قول الزبرقان بن بدر.

[11]دارم: أبو حيّ من تميم.

[12]في الأصول: «على رغم أنف» . و رواية «الديوان» و «سيرة ابن هشام» :

نصرنا و آوينا النبيّ محمدا # على أنف راض من معد و راغم‏

و رواية الطبري:

منعنا رسول اللّه إذ حل وسطنا # على كل باغ من معدّ و راغم‏

363

هل المجد إلاّ السّؤدد العود[1]و النّدى # و جاه الملوك و احتمال العظائم‏

إسلام وفد تميم و إكرام النبيّ لهم:

قال: فقال الأقرع بن حابس: و اللّه إنّ هذا الرجل لمؤتّى‏[2]له!و اللّه لشاعره أشعر من شاعرنا، و لخطيبه أخطب‏[من خطيبنا][3]، و لأصواتهم أرفع من أصواتنا!أعطني يا محمد فأعطاه. فقال: زدني فزاده. فقال: اللّهمّ إنّه سيد/العرب. فنزلت فيهم: (إِنَّ اَلَّذِينَ يُنََادُونَكَ مِنْ وَرََاءِ اَلْحُجُرََاتِ أَكْثَرُهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ) . ثم إنّ القوم أسلموا، و أقاموا عند النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يتعلّمون القرآن، و يتفقّهون في الدّين. ثم أرادوا الخروج إلى قومهم، فأعطاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و كساهم، و قال: «أ ما بقي منكم أحد؟» ، و كان عمرو بن الأهتم في ركابهم، فقال قيس/بن عاصم، و هو من رهطه و كان مشاحنا له، لم يبق منّا أحد إلاّ غلام حديث السنّ في ركابنا؛ فأعطاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مثل ما أعطاهم.

مناقضة عمرو بن الأهتم و قيس بن عاصم:

فبلغ عمرا ما قال قيس؛ فقال عمرو بن الأهتم لقيس:

ظللت مفترش الهلباء[4]تشتمني # عند الرسول فلم تصدق و لم تصب

إن تبغضونا فإنّ الرّوم أصلكم # و الروم لا تملك البغضاء للعرب

فإنّ‏[5]سؤددنا عود و سؤددكم # مؤخّر عند أصل العجب و الذّنب‏

فقال له قيس:

لو لا دفاعي كنتم أعبدّا # داركم الحيرة و السّيلحون‏[6]

شعر حسان الذي يقرر به إيمانه بالرسل:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز و حبيب بن نصر قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني عمر بن عليّ بن مقدّم عن يحيى بن سعيد عن أبي حيّان التّيميّ عن حبيب بن أبي ثابت، قال أبو زيد و حدّثنا محمد بن عبد اللّه بن الزّبير قال حدّثنا مسعر عن سعد بن إبراهيم، قالوا:

/قال حسّان‏[7]: ثابت للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم:

[1]العود: القديم.

[2]كذا في الطبري و «سيرة ابن هشام» . و مؤتى له: مسهّل و ميسر له. و في الأصول: «لمؤثر له» تحريف.

[3]التكملة عن «سيرة ابن هشام» و الطبري.

[4]الهلباء: الاست.

[5]رواية هذا البيت في «سيرة ابن هشام» :

سدناكم سؤددا رهوا و سؤددكم # باد نواجذه مقع على الذنب‏

و العجب من كل دابة: ما انضم عليه الوركان من أصل الذنب المغروز في مؤخر العجز.

[6]السيلحون: موضع قرب الحيرة، و قيل: هو بين الكوفة و القادسية.

[7]نسب هذا الشعر في «اللسان» (مادة فلل) إلى عبد اللّه بن رواحة يصف العزّي، و هي شجرة كانت تعبد، و ذكر بيتين من هذا الشعر نذكرهما لاختلافهما في بعض الألفاظ عما هنا، و هما:

شهدت و لم أكذب بأن محمدا # رسول الذي فوق السموات من عل-

364
صوت‏

شهدت بإذن اللّه أنّ محمدا # رسول الذي فوق السّماوات من عل

و أنّ أخا[1]الأحقاف إذ يعذلونه # يقوم بدين اللّه فيهم فيعدل

و أنّ أبا يحيى‏[2]و يحيى كلاهما # له عمل في دينه متقبّل

و أنّ الذي عادى اليهود ابن مريم # رسول أتى من عند ذي العرش مرسل

و أنّ الذي بالجزع‏[3]من بطن نخلة # و من دونها فلّ‏[4]من الخير معزل‏

-غنّى في هذه الأبيات معبد خفيف ثقيل أوّل بالبنصر من رواية يونس و غيره-فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «أنا أشهد معك» .

أنكرت عليه عائشة شعرا له في مدحها:

أخبرنا أحمد قال حدّثنا عمر قال حدّثنا زهير بن حرب قال حدّثني جرير عن الأعمش عن أبي الضّحى عن مسروق، و أخبرني بها أحمد بن عيسى العجليّ قال حدّثنا سفيان بن وكيع قال حدّثنا جرير عن الأعمش عن أبي الضّحى عن مسروق قال:

دخلت على عائشة و عندها حسّان و هو يرثي بنتا[5]له، و هو يقول:

رزان‏[6]حصان ما تزنّ بريبة # و تصبح غرثى‏[7]من لحوم الغوافل‏

فقالت عائشة: لكن أنت لست كذلك. فقلت لها: أ يدخل عليك هذا و قد قال اللّه عزّ و جلّ: (وَ اَلَّذِي تَوَلََّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذََابٌ عَظِيمٌ) !فقالت: أ ما تراه في عذاب عظيم قد ذهب بصره!

أخبر بوقعة صفين قبل وقوعها:

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدّثنا ابن أبي أويس قال حدّثني أبي -

و أن التي بالجزع من بطن نخلة # و من دانها فل من الخير معزل‏

ثم أعقبهما بالجملة التفسيرية الآتية: «أي خال من الخير. و يروى «و من دونها» ، أي الصنم المنصوب حول العزي» .

[1]هو هود عليه السّلام، و هو المشار إليه في قوله تعالى: (وَ اُذْكُرْ أَخََا عََادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقََافِ) . و الأحقاف هنا: واد بين عمان و أرض مهرة، أو هو رمل فيما بين عمان و حضرموت، أو رمال مشرفة على البحر بالشحر من أرض اليمن.

[2]يعني بأبي يحيى زكريا عليه السّلام.

[3]الجزع: قرية عن يمين الطائف و أخرى عن شماله. و رواية «الديوان» في هذا البيت:

و أن التي بالسدّ من بطن نخلة # و من دانها فل من الخير معزل‏

[4]الفلّ: الذي لا خير عنده، كالأرض الفل و هي التي لا نبت فيها و لا خير. (انظر التعليقات التي على «ديوان حسان» المطبوع بأوروبا الذي أشرف على طبعه المستشرق الإنجليزي چيب) . و بطن نخلة: موضع بين مكة و الطائف.

[5]رجعنا إلى هذه القصيدة في «ديوانه» فلم نجد فيها شيئا من الرثاء، و كلها في مدح عائشة و الاعتذار عما رماها به هو و غيره من الإفك. (راجع «ديوانه» صفحة 162 من هذا الجزء) و هي غير القصيدة التي ربى بها ابنته و إن كانت على قافيتها.

[6]رواية «الديوان» : «خصان رزان إلخ» . و امرأة رزان إذا كانت ذات ثبات و وقار و عفاف و كانت رزينة في مجلسها. و امرأة حصان (بفتح الحاء) : عفيفة بينة الحصانة.

[7]الغرثى: الجائعة، أي إنها تصبح جائعة من لحوم الناس. و المراد أنها لا تغتابهم.

365

و مالك بن الربيع بن مالك حدّثاني جميعا عن الرّبيع بن مالك بن أبي عامر عن أبيه أنه قال:

بينا نحن جلوس عند حسّان بن ثابت، و حسّان مضطجع مسند رجليه إلى فارع‏[1]قد رفعهما عليه، إذ قال:

مه!أ ما رأيتم ما مرّ بكم الساعة؟قال مالك: قلنا: لا و اللّه، و ما هو؟فقال حسّان: فاختة[2]مرّت الساعة بيني و بين فارع فصدمتني، أو قال: فزحمتني. قال: قلنا: و ما هي؟قال:

/

ستأتيكم غدوا أحاديث جمّة # فأصغوا لها آذانكم و تسمّعوا

قال مالك بن أبي عامر: فصبحنا من الغد حديث صفّين.

سمعه المغيرة بن شعبة ينشد شعرا فبعث إليه بمال:

أخبرنا وكيع قال حدّثنا اللّيث بن محمد عن الحنظليّ عن أبي عبدة عن العلاء بن جزء العنبري قال:

بينا حسّان بن ثابت بالخيف و هو مكفوف، إذ زفر زفرة ثم قال:

و كأنّ حافرها بكلّ خميلة[3] # صاع يكيل به شحيح معدم

عاري الأشاجع‏[4]من ثقيف أصله # عبد و يزعم أنّه من يقدم‏[5]

قال: و المغيرة بن شعبة جالس قريبا منه يسمع ما يقول، فبعث إليه بخمسة آلاف درهم. فقال: من بعث بهذا؟قال‏[6]: المغيرة بن شعبة سمع ما قلت. قال: وا سوأتاه!و قبلها.

استجار الحارث بن عوف من شعره بالنبي:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني الأصمعيّ قال:

جاء الحارث بن عوف بن أبي حارثة إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: أجرني من شعر حسّان، فلو مزج البحر بشعره لمزجه. قال: و كان السبب في ذلك-فيما أخبرني به أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبّة عن الأصمعيّ، و أخبرني به الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب-أنّ الحارث بن عوف أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: ابعث معي/من يدعو إلى دينك و أنا له جار. فأرسل معه رجلا من الأنصار. فغدرت بالحارث عشيرته فقتلوا الأنصاريّ، فقدم الحارث على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و كان عليه الصلاة و السلام لا يؤنّب أحدا في وجهه، فقال: «ادعوا لي حسّان» ؛ فدعي له. فلمّا رأى الحارث أنشده:

يا حار من يغدر بذمّة جاره # منكم فإنّ محمدا لم يغدر

[1]فارع: اسم أطم، و هو حصن بالمدينة كان لحسان بن ثابت.

[2]الفاختة: واحدة الفواخت، و هي ذوات الأطواق من الحمام؛ قيل لها ذلك للونها لأنه يشبه الفخت الذي هو ضوء القمر.

[3]الخميلة: الأرض السهلة التي تنبت، شبه نبتها بخمل القطيفة.

[4]الأشاجع: أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، و قيل: هي عروق ظاهر الكف، واحدها: أشجع.

[5]يقدم: أبو قبيلة، و هو يقدم بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار. و هو يحتمل أن يكون بضم الميم، فيكون علما منقولا عن جملة، نحو:

نبئت أخوالي بني يزيد

و أن يكون بكسرها، و بفتحها على أنه ممنوع من الصرف، فيكون فيه إقواء.

[6]كذا في جميع الأصول. و كان الأولى أن يكون «قيل» أو «قالوا» .

366

إن تغدروا فالغدر منكم شيمة # و الغدر ينبت في أصول السّخبر[1]

فقال الحارث: اكففه عنّي يا محمد، و أؤدّي إليك دية الحفارة[2]؛ فأدّى إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم سبعين عشراء[3]، و كذلك دية الخفارة، و قال: يا محمد، أنا عائذ بك من شرّه، فلو مزج البحر بشعره مزجه.

أنشد شعرا بلغ النبي فآلمه فضربه ابن المعطل و عوّضه النبي:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إبراهيم بن المنذر قال حدّثنا عبد اللّه بن وهب قال أخبرنا العطّاف بن خالد قال:

كان حسّان بن ثابت يجلس إلى أطمه فارع، و يجلس معه أصحاب له و يضع لهم بساطا يجلسون عليه؛ فقال يوما، و هو يرى كثرة من يأتي إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم من العرب فيسلمون:

/

أرى الجلابيب‏[4]قد عزّوا و قد كثروا # و ابن الفريعة أمسى بيضة[5]البلد

فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال: «من لي بأصحاب البساط بفارع؟» . فقال صفوان بن المعطّل: أنا لك يا رسول اللّه منهم؛ فخرج إليهم فاخترط سيفه، فلمّا رأوه عرفوا الشرّ في وجهه ففرّوا و تبدّدوا، و أدرك حسّان داخلا بيته، فضربه و فلق أليته. قال: فبلغنا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم عوّضه و أعطاه حائطا[6]، فباعه من معاوية بعد ذلك بمال كثير، فبناه معاوية قصرا، و هو الذي يقال له: «قصر الدّارين» . و قد قيل: إنّ صفوان بن المعطّل إنما ضرب حسّان لما قاله فيه و في عائشة زوج النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم من الإفك‏[7]؛ لأن صفوان/هو الذي رمى أهل الإفك عائشة به.

[1]السخبر: شجر إذا طال تدلت رءوسه و انحنت، و قيل: هو شجر من شجر الثمام له قضب مجتمعة و جرثومة. و في «اللسان» يقال:

ركب فلان السخبر إذا غدر، و ذكر البيت.

[2]الخفارة (مثلثة الخاء) : الذمام.

[3]العشراء من النوق: التي مضى على حملها عشرة أشهر، و قيل: ثمانية.

[4]كذا في أكثر الأصول، و هو الموافق لما في «الطبري» (ص 1526 من القسم الأوّل) و «اللسان» مادة «بيض» و «التنبيه» : (ص 76 طبع دار الكتب المصرية) و «الأضداد في اللغة» (ص 118 طبع بيروت) . و قال البكري في «التنبيه» : «و كان المنافقون يسمون المهاجرين رضي اللّه عنهم الجلابيب» . و في «اللسان» : «أراد بالجلابيب سفلة الناس و غثراءهم» . و في س و «تاج العروس شرح القاموس» (ج 5 ص 12) و «الديوان» : «الخلابيس» . و قال في «الشرح» : الخلابيس: الأخلاط من كل وجه» . (انظر «ديوانه» المطبوع في ليدن سنة 1910 ص 91) .

[5]العرب تقول للرجل: هو بيضة البلد، يمدحونه بذلك، و تقول للآخر: هو بيضة البلد، يذمونه بذلك. و الممدوح يراد به البيضة التي يحضنها الظليم و يقيها؛ لأن فيها فرخه. و المذموم يراد به البيضة المنبوذة بالعراء المذرة التي لا حافظ لها و لا يدري لها أب و هي تريكة الظليم. قال الرمّاني: إذا كانت النسبة إلى مثل المدينة و مكة و البصرة فبيضة البلد مدح، و إذا نسب إلى البلاد التي أهلها أهل ضعة فبيضة البلد ذم.

[6]الحائط: البستان. و في كتاب «التنبيه» للبكري: فأعطاه النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم عوضا: بيرحاء (و هي قصر بني جديلة اليوم بالمدينة) ، و سيرين (أمة قبطية و هي أم عبد الرحمن بن حسان رضي اللّه عنهما) . و سيذكر المؤلف هذه الرواية في ص 162 من هذا الجزء.

[7]يعني أبو الفرج بالإفك هنا الحديث الذي تخرّصه قوم على عائشة رضي اللّه عنها، و كان ذلك عقب غزوة غزاها النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كان يستصحب فيها عائشة؛ فحدث أنه أمر بالرحيل، و كانت عائشة منطلقة لبعض شأنها، فأمر بهودجها فحمل على بعيره، و ظن القوم أنها فيها و لم تكن هناك. فلما رجعت عائشة إلى الهودج ألفت النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و أصحابه قد ارتحلوا؛ فمكثت مكانها حتى عثر بها صفوان بن المعطل؛ فرجعها إلى المدينة؛ فأرجف بها أناس و رموها بالإفك، و كان منهم حسان بن ثابت رضي اللّه عنه. ـ

367

/و أخبرنا محمد بن جرير قال حدّثنا محمد بن حميد قال حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة قال:

اعترض صفوان بن المعطّل حسّان بن ثابت بالسّيف لما قذفه به من الإفك حين بلغه ما قاله. و قد كان حسّان قال شعرا يعرّض بابن المعطّل و بمن أسلم من العرب من مضر فقال:

أمسى الجلابيب قد عزّوا و قد كثروا # و ابن الفريعة أمسى بيضة البلد

قد ثكلت أمّه من كنت صاحبه # أو كان منتشبا في برثن الأسد

ما للقتيل الذي أعدو فآخذه # من دية فيه أعطيها و لا قود[1]

ما البحر حين تهبّ الرّيح شامية[2] # فيغطئلّ‏[3]و يرمي العبر بالزّبد

يوما بأغلب منّي حين تبصرني # بالسيف أفري كفري العارض‏[4]البرد

فاعترضه صفوان بن المعطّل بالسيف فضربه و قال:

تلقّ ذباب السّيف عنّي فإنّني # غلام إذا هو جيت لست بشاعر

قبض ثابت بن قيس على ابن المعطل لضربه له، ثم انتهى الأمر إلى النبي فاسترضاه:

و حدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا[ابن‏]حميد قال حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيميّ:

أنّ ثابت بن قيس بن الشّمّاس أخا بلحارث بن الخزرج وثب على صفوان بن المعطّل في ضربه حسّان فجمع يديه على عنقه، فانطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد اللّه بن رواحة فقال: ما هذا؟فقال: أ لا أعجّبك‏[5]!ضرب/حسّان بالسيف!و اللّه ما أراه إلاّ قد قتله. فقال له عبد اللّه بن رواحة: هل علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بشي‏ء من هذا؟قال: لا و اللّه. قال: لقد اجترأت!أطلق الرجل، فأطلقه. ثم أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فذكر ذلك له، فدعا حسّان و صفوان بن المعطّل؛ فقال ابن المعطّل: يا رسول اللّه، آذاني و هجاني فضربته. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لحسّان:

«يا حسّان أ تعيب على قومي أن هداهم اللّه عزّ و جلّ للإسلام!» ، ثم قال: «أحسن يا حسّان في الذي أصابك» . قال:

هي لك يا رسول اللّه.

إيراد ما تقدم برواية أخرى مفصلة:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني المدائنيّ قال حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدّثنا محمد بن إسحاق عن أبيه عن إسحاق بن يسار[6]عن بعض رجال بني النجّار بمثل ذلك، و زاد في الشعر الذي قاله [1]القود: القصاص.

[2]في «ديوانه» ص 62: «شاملة» .

[3]كذا في «ديوانه» . و اغطال الشي‏ء: ركب بعضه بعضا. و في حـ: «فيغضئل» بالغين و الضاد المعجمتين. و في سائر الأصول:

«فيعضئل» بالعين المهملة و الضاد المعجمة، و كلاهما تحريف. و العبر: جانب النهر. و عبر الوادي: شاطئه و ناحيته.

[4]العارض: السحاب المعترض في الأفق. و سحاب برد (بكسر الراء) : فيه قرّ و برد.

[5]يقال: عجبه بالشي‏ء، إذا نبهه على التعجب منه.

[6]كذا في م و هو الموافق لما في «الطبري» (قسم أول ص 1525 طبع أوروبا) و هو الصواب؛ لأنه يعني محمد بن إسحاق بن يسار-

368

حسان زيادة، و وافقه عليها مصعب الزّبيريّ، فيما أخبرنا به الحسن بن عليّ، قال قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمي مصعب في القصّة، فذكر أنّ فتية من المهاجرين و الأنصار تنازعوا على الماء و هم يسقون خيولهم، فغضب من ذلك حسّان فقال هذا الشعر.

و ذكر الزّهري، فيما أخبرنا أحمد بن يحيى بن الجعد، قال حدّثنا محمد بن إسحاق المسيّبي قال حدّثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزّهريّ أنّ هذا الخبر كان بعد غزوة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بني المصطلق‏[1].

قال:

/و كان في أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم رجل يقال له: سنان‏[2]، و رجل من بني غفار يقال له: جهجاه‏[3]؛ فخرج جهجاه بفرس لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و فرس له يومئذ يسقيهما، فأوردهما الماء، فوجد على الماء فتية من الأنصار، /فتنازعوا فاقتتلوا؛ فقال عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول: هذا ما جزونا به، آويناهم ثم هم يقاتلوننا!و بلغ حسّان بن ثابت الذي بين جهجاه و بين الفتية الأنصار، فقال و هو يريد المهاجرين من القبائل الذين قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في الإسلام-و هذا الشعر من رواية مصعب دون الزّهريّ-:

أمسى الجلابيب‏[4]قد عزّوا و قد كثروا # و ابن الفريعة أمسى بيضة البلد

يمشون بالقول سرّا في مهادنة # تهدّدا لي كأنّي لست من أحد

قد ثكلت أمّه من كنت صاحبه # أو كان منتشبا في برثن الأسد

ما للقتيل الذي أسمو فأقتله # من دية فيه أعطيها و لا قود

ما البحر حين تهبّ الريح شامية # فيغطئلّ و يرمي العبر بالزّبد

يوما بأغلب منّي حين تبصرني # أفري من الغيظ فري العارض البرد

أمّا قريش فإنّي لست تاركهم # حتى ينيبوا من الغيّات بالرّشد

/و يتركوا اللاّت و العزّى بمعزلة # و يسجدوا كلّهم للواحد الصّمد

و يشهدوا أنّ ما قال الرسول لهم # حقّ و يوفوا بعهد اللّه في سدد[5]

-صاحب «السيرة» . و قد اضطربت بقية الأصول في هذا السند؛ ففي س: «محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق عن ابن يسار» . و في غيرها: «محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق عن يسار» و كلاهما تحريف.

[1]بنو المصطلق: بطن من خزاعة. و المصطلق: لقب جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة؛ و سمى بالمصطلق لحسن صوته، و هو أوّل من غنى من خزاعة.

[2]كذا في «سيرة ابن هشام» (ص 726 طبع أوروبا) و «الطبري» (ص 1511 من القسم الأول طبع أوروبا) . و في الأصول: «جعان» .

و قد ساق ابن هشام و الطبري هذه القصة هكذا: «فازدحم جهجاه و سنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، و صرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين؛ فغضب عبد اللّه بن أبيّ إلخ» .

[3]هو جهجاه بن سعيد الغفاري، كما في الطبري «و المعارف» لابن قتيبة (ص 165) . و في «سيرة ابن هشام» (ص 726 طبع أوروبا) :

«جهجاه بن مسعود» . و في «أسد الغابة» : «هو جهجاه بن قيس و قيل ابن سعيد بن سعد بن حرام بن غفار الغفاري من أهل المدينة» .

[4]انظر الحاشية رقم 1 ص 156 من هذا الجزء. و انظر هذا الشعر في «الديوان» و «سيرة ابن هشام» (ص 738 و فيما تقدم من هذا الجزء (ص 157) تجده مختلفا عما هنا في بعض ألفاظه.

[5]السدد: القصد.

369

أبلغ بنيّ بأنّي قد تركت لهم # من خير ما ترك الآباء للولد

الدّار واسطة و النخل شارعة # و البيض يرفلن في القسّيّ‏[1]كالبرد

قال: فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «يا حسان نفست‏[2]عليّ إسلام قومي» و أغضبه كلامه. فغدا صفوان بن المعطّل السّلميّ على حسّان فضربه بالسيف. و قال صفوان:

تلقّ ذباب السّيف عنّي فإنني # غلام إذا هو جيت لست بشاعر

فوثب قومه على صفوان فحبسوه، ثم جاءوا سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي حزيمة[3]بن ثعلبة بن طريف‏[4]بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، و هو مقبل على ناضحه بين القربتين، فذكروا له ما فعل حسّان و ما فعلوا؛ فقال: أ شاورتم في ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؟قالوا لا. فقعد إلى الأرض. و قال: و انقطاع ظهراه!أ تأخذون بأيديكم و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بين ظهرانيكم!و دعا بصفوان فأتي به، فكساه و خلاّه. فجاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم؛ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «من كساك كساه اللّه» . و قال حسّان لأصحابه: احملوني إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم/أترضّاه ففعلوا؛ فأعرض عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فردّوه. ثم سألهم فحملوه إليه الثانية؛ فأعرض عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فانصرفوا به. ثم قال لهم: عودوا بي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؛ فقالوا له: قد جئنا بك مرّتين كلّ ذلك يعرض فلا نبرمه‏[5]بك. فقال: احملوني إليه هذه المرّة وحدها، ففعلوا. فقال: يا رسول اللّه، بأبي أنت و أمّي! احفظ قولي:

هجوت محمدا فأجبت عنه # و عند اللّه في ذاك الجزاء

فإنّ أبى و والده و عرضي # لعرض محمد منكم وقاء

/فرضي عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و وهب له سيرين‏[6]أخت مارية أمّ ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إبراهيم. هذه رواية مصعب‏[7]. و أمّا الزّهريّ فإنّه ذكر أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لمّا بلغه ضرب السّلميّ حسّان قال لهم: «خذوه فإن هلك حسّان فاقتلوه» . فأخذوه فأسروه و أوثقوه؛ فبلغ ذلك سعد بن عبادة، فخرج في قومه إليهم فقال: أرسلوا الرجل، فأبوا عليه؛ فقال: أ عمدتم إلى قوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم تؤذونهم و تشتمونهم و قد زعمتم أنّكم نصرتموهم!أرسلوا الرجل؛ فأبوا عليه حتى كاد يكون قتال، ثم أرسلوه. فخرج به سعد إلى أهله فكساه حلّة، ثم أرسله سعد إلى أهله. فبلغنا أنّ [1]القسي: ثياب من كتان مخلوط بحرير يؤتى بها من مصر؛ نسبت إلى قرية على ساحل البحر قريبا من تنّيس يقال لها القس (بفتح القاف و كسرها) .

[2]نفس عليه الشي‏ء: حسده عليه و لم يره أهلا له.

[3]كذا في حـ، و هو الموافق لما في «القاموس» (مادة حزم) و «طبقات ابن سعد» (ج 5 قسم 2 ص 115) . و في سائر الأصول:

«خزيمة» بالخاء المعجمة، و هو تصحيف.

[4]كذا في «الطبقات» . و في الأصول: «ظريف» بالظاء المعجمة.

[5]أبرمه هنا: أضجره و أمله.

[6]كذا في الأصول و «سيرة ابن هشام» (ص 739 طبع أوروبا) و «الطبري» (ص 1528، 1591، 1781 قسم أوّل) و «الإصابة» لابن حجر العسقلاني (ج 8 ص 118) و «التنبيه» للبكري (ص 76 طبع دار الكتب المصرية) ، و ضبطها الزرقاني أيضا في «شرحه على المواهب» (ج 3 ص 325 طبع بولاق) بقوله: «سيرين بكسر السين المهملة و سكون المثناة التحتية و كسر الراء» . و في «تاريخ ابن الأثير» (ج 2 ص 152) و «معجم البلدان» لياقوت (ج 1 ص 784) : «شيرين بالشين المعجمة.

[7]في الأصول: «أبي مصعب» و هو تحريف.

370

النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم دخل المسجد ليصلّي فيه، فقال: «من كساك كساه اللّه من ثياب الجنّة» . فقال: كساني سعد بن عبادة.

و ذكر باقي الخبر نحوه.

شعره في مدح عائشة و الاعتذار عما رماها به:

و حدّثني محمد بن جرير الطبريّ قال حدّثني ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث:

أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أعطاه عوضا منها بيرحاء[1]، و هي قصر بني حديلة[2]اليوم بالمدينة، كانت مالا لأبي طلحة[3]بن سهل تصدّق بها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فأعطاه حسّان في ضربته، و أعطاه سيرين (أمة قبطيّة) فولدت له عبد الرحمن بن حسّان. قال: و كانت عائشة تقول: لقد سئل عن صفوان بن المعطّل، فإذا هو حصور (لا يأتي النساء) ؛ قتل بعد ذلك شهيدا. قال ابن إسحاق في روايته عن يعقوب بن عتبة: فقال حسّان يعتذر من الذي قال في عائشة:

حصان رزان ما تزنّ بريبة # و تصبح غرثى من لحوم الغوافل

فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم # فلا رفعت سوطي إليّ أناملي

و كيف و ودّي من قديم و نصرتي # لآل رسول اللّه زين المحافل

فإنّ الّذي قد قيل ليس بلائط[4] # و لكنّه‏[5]قول امرئ بي ما حل‏[6]

هجاه رجل بما فعل به ابن المعطل:

قال الزبير و حدّثني محمد بن الضحّاك: أنّ رجلا هجا حسّان بن ثابت بما فعل به ابن المعطّل فقال:

و إنّ ابن المعطّل من سليم # أذلّ قياد رأسك بالخطام‏[7]

[1]في «النهاية» لابن الأثير (مادة برح) : «هذه اللفظة كثيرا ما تختلف ألفاظ المحدّثين فيها، فيقولون: بيرحاء بفتح الباء و كسرها و بفتح الراء و ضمها و المدّ فيهما و بفتحهما و القصر، و هي اسم مال و موضع بالمدينة» .

[2]كذا في «اللسان» (مادة حدل) و «معجم البلدان» لياقوت (ج 1 ص 784 طبع أوروبا) ، و «تاريخ ابن الأثير» ج 2 ص 152 طبع أوروبا) و «سيرة ابن هشام» (ص 739 طبع أوروبا) . و قد جاء في «اللسان» : «حديلة بضم الحاء و فتح الدال، هي محلة بالمدينة نسبت إلى بني حديلة بطن من الأنصار» . و في الأصول و كتاب «التنبيه» للبكري (ص 76) : «جديلة» بالجيم المعجمة، و هو تصحيف.

[3]كذا في «اللسان» (مادة برح) و «معجم البلدان» (ج 1 ص 784 طبع أوروبا) و «سيرة ابن هشام» . و في الأصول: «لطلحة» بدون «أبي» و هو تحريف.

[4]كتب في حـ بين السطور بخط رفيع فوق هذه الكلمة تفسيرا لها: «لائق» . و في «اللسان» (مادة ليط) : «... أبو زيد: يقال: ما يليط به النعيم و لا يليق به، معناه واحد» .

[5]رواية «الديوان» :

بك الدهر بل سعى امرئ بك عاجل‏

[6]محل به إلى السلطان محلا و محالا: كاده بسعاية إليه.

[7]الخطام: الحبل الذي يقاد به البعير.

371

سبه أناس فدافعت عنه عائشة:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال أخبرنا أبو عاصم قال أخبرنا ابن جريج قال أخبرني محمد بن السائب عن أمّه: أنّها طافت مع عائشة و معها أمّ حكيم و عاتكة: (امرأتان من بني مخزوم) . قالت:

فابتدرنا حسّان نشتمه و هو يطوف؛ فقالت: ابن الفريعة تسببن!قلن: قد قال فيك فبرّأك اللّه. قالت: فأين قوله:

هجوت محمدا فأجبت عنه # و عند اللّه في ذاك الجزاء

فإنّ أبي و والده و عرضي # لعرض محمد منكم وقاء

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثني إبراهيم بن المنذر عن سفيان بن عيينة عن محمد بن السائب بن بركة عن أمّه بنحو ذلك، و زاد فيه: إني لأرجو أن يدخله اللّه الجنّة بقوله.

أخبرني الحسن قال حدّثنا الزّبير عن عبد العزيز بن عمران عن سفيان بن عيينة و سلّم بن خالد عن يوسف بن ماهك عن أمّه قالت:

كنت أطوف مع عائشة/بالبيت، فذكرت حسّان فسببته؛ فقالت: بئس ما قلت!أ تسبّبنه و هو الذي يقول:

فإنّ أبي و والده و عرضي # لعرض محمد منكم وقاء

/فقلت: أ ليس ممن لعن اللّه في الدنيا و الآخرة بما قال فيك؟قالت: لم يقل شيئا، و لكنه الذي يقول:

حصان رزان ما تزنّ بريبة # و تصبح غرثى من لحوم الغوافل

فإن كان ما قد جاء عنّي قلته # فلا رفعت سوطي إليّ أناملي‏

أخبرني الحسن قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني مصعب عمّي قال حدّثني بعض أصحابنا عن هشام بن عروة عن أبيه قال:

كنت قاعدا عند عائشة، فمرّ بجنازة حسّان بن ثابت فنلت منه؛ فقالت: مهلا!فقلت: أ ليس الذي يقول! قالت: فكيف يقوله:

فإنّ أبي و والده و عرضي # لعرض محمد منكم وقاء

أخبره بلسانه:

أخبرني الحسن قال حدّثنا أحمد قال حدّثني أحمد بن سلمان عن سليمان بن حرب قال حدّثنا حمّاد بن زيد عن أيّوب‏[1]عن محمد بن سيرين:

أنّ حسّان أخذ يوما بطرف لسانه و قال: يا رسول اللّه، ما يسرّني أنّ لي به مقولا[2]بين صنعاء و بصرى‏[3]، ثم قال:

[1]يريد أيوب بن أبي تميمة السختياني، كما في «الخلاصة» للخزرجي.

[2]كذا في ب، حـ. و المغول: سيف دقيق له حد ماض. و في «الديوان» (ص 2) : «لساني صارم... إلخ» . و في سائر الأصول:

«لساني مقول» .

[3]بصرى. اسم لموضعين: بصرى الشام من أعمال دمشق و هي قصبة كورة حوران، و بصرى بغداد و هي إحدى قراها قرب عكبراء.

372

لساني مغول لا عيب فيه # و بحري ما تكدّره الدّلاء

عن مناصرة أمية بنت عبد مناف يوم الخندق:

أخبرنا محمد بن جرير قال حدّثنا محمد بن حميد قال حدّثنا سلمة قال حدّثني محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير عن أبيه قال:

/كانت صفيّة بنت عبد المطّلب في فارع (حصن حسّان بن ثابت) ، يعني يوم الخندق. قالت: و كان حسّان معنا فيه و النساء و الصّبيان. قالت: فمرّ بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن، و قد حاربت بنو قريظة و قطعت ما بينها و بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، ليس بيننا و بينهم أحد يدفع عنّا، و رسول اللّه و المسلمون في نحور عدوّهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم، إذ أتانا آت. قالت: فقلت: يا حسّان، إنّ هذا اليهوديّ كما ترى يطيف بالحصن، و إنّي و اللّه ما آمنه أن يدلّ على عوراتنا من وراءنا من يهود، و قد شغل عنّا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أصحابه، فانزل إليه فاقتله؛ فقال: يغفر اللّه لك يا ابنة عبد المطّلب!لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت: فلمّا قال ذلك و لم أر عنده شيئا احتجزت‏[1]ثم أخذت عمودا ثم نزلت إليه من الحصن فضربته بالعمود حتى قتلته، فلمّا فرغت منه رجعت إلى الحصن، فقلت:

يا حسّان، انزل إليه فاسلبه؛ فإنّه لم يمنعني من سلبه إلاّ أنّه رجل. قال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطّلب.

حديث ابن الزبير عن يوم الخندق و في حديثه ما يبين جبن حسان:

و أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا عليّ بن صالح عن جدّي عبد اللّه بن مصعب عن أبيه قال:

كان ابن الزّبير يحدّث أنه كان في فارع (أطم حسّان بن ثابت) مع النساء يوم الخندق و معهم عمر بن أبي سلمة. قال ابن الزّبير: و معنا حسّان بن ثابت ضاربا وتدا في آخر الأطم، فإذا حمل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على المشركين حمل على الوتد فضربه بالسيف؛ و إذا أقبل المشركون انحاز عن الوتد حتّى كأنه يقاتل قرنا، يتشبّه بهم كأنّه يري أنّه مجاهد حين جبن. و إنّي لأظلم ابن أبي سلمة/و هو أكبر منّي بسنتين فأقول له: تحملني على عنقك حتّى أنظر، فإنّي أحملك إذا نزلت. قال: فإذا حملني ثم سألني أن يركب قلت له: هذه المرّة أيضا. قال: و إنّي لأنظر إلى أبي معلما بصفرة، فأخبرتها أبى بعد؛ فقال: [أين كنت‏[2]حينئذ؟فقلت: على عنق ابن أبي سلمة يحملني.

فقال‏]: أما و الّذي نفسي بيده إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ليجمع لي أبويه‏[3].

قال ابن الزّبير: و جاء يهوديّ يرتقي إلى الحصن. فقالت صفيّة له: أعطني السيف، فأعطاها. فلمّا ارتقى اليهوديّ ضربته حتّى قتلته، ثم احتزّت‏[4]رأسه فأعطته حسّان و قالت: طوّح به؛ فإنّ الرجل أقوى و أشدّ رمية من المرأة. تريد أن ترعب به أصحابه.

[1]يقال: احتجز بردائه، إذا شدّه على وسطه.

[2]هذه العبارة موجودة في س و ساقطة من سائر الأصول.

[3]يعني أن النبي صلوات اللّه عليه كان يقول له: فداك أبي و أمي.

[4]كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «اجتزت» بالجيم المعجمة. و ما اخترناه أصوب في هذا المقام؛ لأن الحز قطع العنق و نحوه، و الجز للشعر و الحشيش و نحوهما.

373

كان حسان مقطوع الأكحل:

قال الزّبير: و حدّثني عمّي عن الواقديّ قال: كان أكحل‏[1]حسّان قد قطع فلم يكن يضرب بيده.

أنشد النبي شعرا في شجاعته فضحك:

قال الزّبير و حدّثني عليّ بن صالح عن جدّي أنّه سمع أن حسّان بن ثابت أنشد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:

لقد غدوت أمام القوم منتطقا # بصارم مثل لون الملح قطّاع

يحفز[2]عنّي نجاد السيف سابغة[3] # فضفاضة[4]مثل لون النّهي بالقاع‏

/قال: فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؛ فظنّ حسّان أنه ضحك من صفته نفسه مع جبنه.

قال النابغة: إنه شاعر و الخنساء بكاءة:

قال الزّبير و حدّثني محمد بن الحسن قال:

قال حسّان بن ثابت: جئت نابغة بني ذبيان، فوجدت الخنساء بنت عمرو حين قامت من عنده، فأنشدته؛ فقال: إنّك لشاعر، و إنّ أخت بني سليم لبكّاءة.

سمعه الحطيئة ينشد فسأله و هو لا يعرفه فأجابه الحطيئة بما لم يرضه:

قال الزّبير و حدّثني يحيى بن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق قال أخبرني غير واحد من مشايخي‏[5] أنّ الحطيئة وقف على حسّان بن ثابت و حسّان ينشد من شعره؛ فقال له حسّان و هو لا يعرفه: كيف تسمع هذا الشعر يا أعرابيّ؟قال الحطيئة: لا أرى به بأسا. فغضب حسّان و قال: اسمعوا إلى كلام هذا الأعرابيّ!ما كنيتك؟ قال: أبو مليكة. قال: ما كنت قطّ أهون عليّ منك حين كنّيت بامرأة، فما اسمك؟قال: الحطيئة فقال حسّان:

امض بسلام.

اتهمه أعشى بكر عند خمار بالبخل فاشترى كل الخمر و أراقها:

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني محمد بن الحسن بن مسعود الزّرقيّ‏[6]قال حدّثنا عبد اللّه بن [1]الأكحل: عرق في وسط الذراع؛ قال ابن سيده: يقال له عرق النسا في الفخذ، و في الظهر الأبهر، و يسمى: عرق الحياة و نهر البدن.

[2]يحفز: يدفع.

[3]يقال: درع سابغة، إذا كانت طويلة تامة.

[4]فضفاضة: واسعة. و النهي: الغدير. و في «الديوان» (ص 66 طبع أوروبا) ورد هذا الشطر هكذا:

تغشى الأنامل مثل النهي بالقاع‏

و فسره في (ص 95) بقوله: «شبه الدرع في بياضها و اطرادها بالغدير» .

[5]في الأصول: «من مشايخه» .

[6]الزرقيّ: نسبة إلى بني زريق، بطن من الأنصار، و هم بنو زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم الخزرجي. (راجع «أنساب السمعاني» ) .

374

شبيب قال حدّثني الزّبير، و أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثني الزّبير قال حدّثني بعض القرشيين قال:

دخل حسّان بن ثابت في الجاهليّة بيت خمّار بالشّام و معه أعشى بكر بن وائل، فاشتريا خمرا و شربا، فنام حسّان ثم انتبه، فسمع الأعشى يقول للخمّار: كره الشيخ/الغرم. فتركه حسّان حتّى نام، ثم اشترى خمر الخمّار كلّها. ثم سكبها في البيت حتّى سالت تحت الأعشى؛ فعلم أنّه سمع كلامه فاعتذر إليه؛ فقال حسّان:

و لسنا بشرب فوقهم ظلّ بردة # يعدّون للخمّار تيسا و مفصدا[1]

و لكنّنا شرب كرام إذا انتشوا # أهانوا الصّريح‏[2]و السّديف المسرهدا

كأنّهم ماتوا زمان‏[3]حليمة # فإن تأتهم تحمد ندامتهم‏[4]غدا

و إن جئتهم ألفيت حول بيوتهم # من المسك و الجادي‏[5]فتيتا مبدّدا

ترى حول أثناء الزّرابيّ‏[6]ساقطا # نعالا و قسّوبا[7]و ريطا[8]منضّدا

/و ذا نمرق‏[9]يسعى و ملصق خدّه # بديباجة تكفافها قد تقدّدا

[1]كذا في أكثر من خمس نسخ مختلفة من «ديوانه» . و المفصد: آلة الفصد. يريد أنهم ملوك لا يفصدون التيس و يأكلون دمه. و في الأصول: «و مقصدا» بالقاف و هو تصحيف. و في أكثر نسخ «الديوان» : «للحانوت» بدل «للخمار» .

[2]رواية «الديوان» :

ملوك و أبناء الملوك إذا انتشوا # أهانوا الصبوح و السديف المسرهدا

و الصريح: اللبن ذهبت رغوته. و السديف: لحم السنام، و قيل شحمه. و المسرهد: السمين من الأسنمة.

[3]في «ديوانه» :

و تحسبهم ماتوا زمين حليمة

يقول: تراهم من سكرهم كأنهم موتى. و زمان حليمة، يشير به إلى أحد أيام العرب المعروفة، و هو يوم التقى المنذر الأكبر و الحارث الأكبر الغساني. و العرب تضرب به المثل في كل أمر متعالم مشهور، و للشريف النابه الذكر، فتقول: «ما يوم حليمة بسر» . و حليمة هذه هي بنت الحارث بن أبي شمر. و سبب إضافة اليوم إليها أنها أخرجت طيبا في مركن فطيبت به جيش أبيها الذي وجّه به إلى المنذر. قال النابغة يصف سيوفا:

تورثن من أزمان يوم حليمة # إلى اليوم قد جرّبن كل التجارب‏

(انظر: «لسان العرب» مادة حلم و «نهاية الأرب» ج 3 ص 51 طبع دار الكتب المصرية) .

[4]ندامتهم: منادمتهم و مجالستهم.

[5]الجاديّ: الزعفران.

[6]الزرابي: الطنافس. و في «الصحاح» : النمارق، الواحد من كل ذلك زربية (بفتح الزاي و سكون الراء) . و قد ورد هذا البيت و في «اللسان» مادّة قسب و بعض نسخ «الديوان» هكذا:

ترى فوق أذناب الروابي سواقطا # نعالا و قسوبا و ريطا معضدا

[7]كذا في «ديوانه» و «لسان العرب» . و القسوب: خفاف لا واحد له. و في الأصول: «قسيا» .

[8]الريط: جمع ريطة، و هي الملاءة إذا كانت قطعة واحدة و لم تكن لفقين، أو هي كل ثوب لين رقيق.

[9]النمرق و النمرقة: و سادة صغيرة يتكأ عليها، و ما يفترشه الراكب فوق الرحل، و هو المراد هنا. و في بعض نسخ «الديوان» :

و ذو نطف يسعى ملصق خده‏

و النطف: القرط. و التكفاف، لعله يريد به الخياطة الثانية بعد الأولى التي هي الشل. و تقدد: تقطع و بلي.

375

تعييره الحارث بن هشام بفراره عن أخيه و ردّ الحارث عليه:

و هذه القصيدة يقولها حسّان بن ثابت في وقعة بدر يفخر بها و يعيّر الحارث بن هشام بفراره عن أخيه أبي جهل بن هشام. و فيها يقول:

صوت‏

إن كنت كاذبة الذي حدّثتني # فنجوت منجى الحارث بن هشام

ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم # و نجا برأس طمرّة[1]و لجام‏

-غنّاه يحيى المكيّ خفيف ثقيل أوّل بالوسطى. و لعزّة الميلاء فيه خفيف رمل بالبنصر. و فيه خفيف ثقيل بالبنصر لموسى بن خارجة الكوفيّ-فأجاب الحارث بن هشام، و هو مشرك يومئذ، فقال:

صوت‏

اللّه‏[2]يعلم ما تركت قتالهم # حتّى رموا فرسي بأشقر[3]مزبد

و علمت أنّي إن أقاتل واحدا # أقتل و لا يضرر عدوّي مشهدي

ففررت منهم و الأحبّة فيهم # طمعا لهم بعقاب يوم مرصد

غنّى فيه إبراهيم الموصليّ خفيف ثقيل أوّل بالبنصر، و قيل: بل هو لفليح.

تمثل رتبيل بشعر حسان فأنشده الأشعث ردّ الحارث فأعجب به:

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثني سليمان بن أيّوب قال حدّثنا محمد بن سلاّم عن يونس قال:

/لمّا صار ابن الأشعث إلى رتبيل‏[4]، تمثّل رتبيل بقول حسّان بن ثابت في الحارث بن هشام:

ترك الأحبّة أن يقاتل دونهم # و نجا برأس طمرّة و لجام‏

فقال له ابن الأشعث: أ و ما سمعت ما ردّ عليه الحارث بن هشام؟قال: و ما هو؟فقال قال:

اللّه يعلم ما تركت قتالهم # حتى رموا فرسي بأشقر مزبد

و علمت أنّي إن أقاتل واحدا # أقتل و لا يضرر عدوّي مشهدي

فصددت عنهم و الأحبّة فيهم # طمعا لهم بعقاب يوم مرصد

فقال رتبيل: يا معشر العرب، حسّنتم كلّ شي‏ء حتى حسّنتم الفرار.

[1]الطمرة: الأنثى من الجياد. و هي المستفزة للوثب و العدو، و قيل: الطويلة القوائم الخفيفة.

[2]انظر هذه الأبيات في أشعار «الحماسة» و «سيرة ابن هشام» (ص 253 طبع أوروبا) .

[3]الأشقر منّ الدم: الذي صار علقا و لم يعله غبار. و زبده: البياض الذي يعلوه.

[4]رتبيل (و يقال فيه زنبيل كما في «الطبري» و «ابن الأثير» ) : صاحب الترك، كان بنواحي سجستان، و قد غزاه في سنة 79 هـ عبيد اللّه بن أبي بكرة، و كان واليا بسجستان، و توغل في بلاده و أصاب منه غنائم و أموالا و هدم قلاعا و حصونا. و غزاه في سنة 80 هجرية عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث من قبل الحجاج، فدخل بلاده و أخذ منها الغنائم و استولى على الحصون. و كتب إلى الحجاج بذلك و يشير عليه ألا يتوغل في البلاد؛ فأبى الحجاج ذلك و كتب له ثلاثة كتب يأمره فيها بمحاربته و التوغل في بلاده؛ و كان من جراء ذلك أن خرج عبد الرحمن بن الأشعث على الحجاج و بايعه الناس، و كان من أمرهما ما كان مما تراه مفصلا في «كتب التاريخ» .

376

43-ذكر الخبر عن غزاة بدر

أخبار غزاة بدر:

حدّثني بخبرها محمد بن جرير الطبري في «المغازي» قال حدّثنا محمد بن حميد قال حدّثنا سلمة قال حدّثني محمد بن إسحاق قال حدّثني محمد بن مسلم الزّهريّ و عاصم بن عمر بن قتادة و عبد اللّه بن أبي بكر و يزيد بن رومان عن غزوة بدر و غيرهم من علمائنا عن عبد اللّه بن عبّاس، كلّ قد حدّثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سمعت من حديث بدر، قالوا:

ندب النبي المسلمين للعير و استنفار أبي سفيان لقريش:

لمّا سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم، و قال: «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها؛ فلعلّ اللّه أن ينفلكموها» [1]. فانتدب الناس، فخفّ بعضهم و ثقل بعضهم؛ و ذلك أنّهم لم يظنّوا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يلقى حربا. و كان أبو سفيان استقدم حين دنا من الحجاز و جعل يتجسّس‏[2]الأخبار، و يسأل من لقي من/الرّكبان، تخوّفا على أموال الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الرّكبان أنّ محمدا استنفر أصحابه لك و لعيرك، فجدّ[3]عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ فبعثه إلى مكة و أمره أن يأتي قريشا يستنفرهم إلى أموالهم و يخبرهم أنّ محمدا قد عرض لها في أصحابه؛ فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة.

رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب:

قال ابن إسحاق: و حدّثني من لا أتّهم عن عكرمة مولى ابن عبّاس و يزيد بن رومان عن عروة بن الزّبير قال‏[4]:

و قد رأت عاتكة بنت عبد المطّلب قبل قدوم ضمضم‏[مكة][5]بثلاث‏[ليال‏][5]رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العبّاس بن عبد المطلب، فقالت: يا أخي، و اللّه لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني و تخوّفت أن يدخل على قومك [منها][5]شرّ أو مصيبة، فاكتم عني‏[6]ما أحدّثك. قال لها: و ما رأيت؟قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى [1]نفله النفل و نفّله (بالتضعيف) و أنفله: أعطاه الغنيمة أو الهبة.

[2]في حـ «و السيرة» : «يتحسس» (بالحاء المهملة) . و التجسس و التحسس كلاهما بمعنى واحد و هو تطلّب الأخبار و البحث عنها.

[3]في «السيرة» (ص 428 طبع أوروبا) : «فحذر» .

[4]الذي في «السيرة» : «عن عكرمة عن ابن عباس و يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قالا» . و عكرمة هذا هو عكرمة أبو عبد اللّه البربري مولى ابن عباس و يروى عنه.

[5]الزيادة عن «سيرة ابن هشام» .

[6]كذا في «السيرة» . و في الأصول: «عليّ» .

377

وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: أن انفروا/يا آل غدر[1]لمصارعكم في ثلاث؛ و أرى‏[2]الناس قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد و الناس يتبعونه؛ فبينما هم حوله مثّل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بأعلى صوته:

انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي، حتّى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت‏[3]، فما بقي بيت من بيوت مكة و لا دار من دورها إلاّ دخلتها منها فلقة. قال العباس: إنّ هذه لرؤيا، و أنت فاكتميها و لا تذكريها لأحد. ثم خرج العبّاس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة، و كان له صديقا، فذكرها[له‏][4]و استكتمه إيّاها؛ فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث‏[بمكة][4]حتى تحدثت به قريش. قال العبّاس: فغدوت أطوف بالبيت، و أبو جهل بن هشام و رهط من قريش قعود يتحدّثون برؤيا عاتكة. فلمّا رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا؛ فلمّا فرغت أقبلت إليه حتى جلست معهم. فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطّلب‏[5]، متى حدثت فيكم هذه النّبيّة؟!قال: قلت: و ما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة. قلت: و ما رأت؟قال: يا بني عبد المطّلب، أ ما رضيتم أن تتنبّأ رجالكم حتى تتنبّأ نساؤكم!قد زعمت عاتكة في رؤياها أنّها[6]قالت: انفروا في ثلاث؛ فسنتربّص بكم هذه الثلاث؛ فإن يكن ما قالت حقّا فسيكون، و إن تمض الثلاث و لم يكن من ذلك شي‏ء نكتب كتابا عليكم أنّكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العبّاس: /فو اللّه ما كان إليه منّي كبير إلاّ أن جحدت ذلك و أنكرت أن تكون رأت شيئا. قال: ثم تفرّقنا. فلمّا أمسينا[7]لم تبق امرأة من بني عبد المطّلب إلاّ أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، و يتناول النساء و أنت تسمع، و لم يكن عندك غير[8]لشي‏ء مما سمعت؟!قلت: قد و اللّه فعلت، ما كان منّي إليه من كبير، و أيم اللّه لأتعرّضنّ له؛ فإن عاد لأكفينّكه‏[9]. قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة و أنا حديد مغضب أرآى‏[أنّي‏][10]قد فاتني منه أمر أحبّ أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فو اللّه إنّي لأمشي نحوه العرضنة[11]ليعود لبعض ما كان فأوقع به. و كان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللّسان حديد النّظر، إذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ[12]. قال: قلت في نفسي: ما له لعنه اللّه!أ كلّ هذا فرقا أن أشاتمه!فإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو الغفاريّ/و هو يصرخ ببطن الوادي‏[واقفا على بعيره قد جدّع بعيره و حوّل رحله و شقّ قميصه و هو يقول‏][10]: يا معشر قريش اللّطيمة[13][اللطيمة!][10]أموالكم مع أبي سفيان بن حرب قد عرض لها [1]غدر: كصرد، و أكثر ما يستعمل في النداء في الشتم؛ فيقال للمفرد يا غدر، و للجمع يا آل غدر. و قال ابن الأثير: غدر معدول عن غادر للمبالغة. و يقال للذكر: غدر، و الأنثى غدار (كقطام) ، و هما مختصان بالنداء في الغالب.

[2]في «السيرة» : «فأرى» .

[3]أرفضت: تفرّقت.

[4]الزيادة عن «سيرة ابن هشام» .

[5]كذا في «السيرة» . و في الأصول: «يا بني عبد مناف» و لا يخفى أن عبد مناف جد عبد المطلب.

[6]في «سيرة ابن هشام» : «أنه قال انفروا إلخ» و يكون المراد بضمير المذكر الهاتف الذي رأته.

[7]في «السيرة» : «أمسيت» .

[8]مصدر قولك: غار الرجل على امرأته غيرة و غيرا.

[9]كذا في «السيرة» . و في الأصول: «لأكفينكموه» و هو تحريف إذ الخطاب لجماعة الإناث.

[10]زيادة عن «السيرة» .

[11]يقال: فلان يمشي العرضنة و العرضنى أي في مشيته بغى من نشاطه. و في «السيرة لابن هشام» : «إني لأمشي نحوه أتعرّضه» .

[12]يشتدّ: يعدو.

[13]اللطيمة: العير يحمل الطيب و بزّ التجار.

378

محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها!الغوث الغوث!قال: فشغلني عنه و شغله عنّي ما جاء من الأمر. قال:

فتجهّز الناس سراعا، و قالوا: لا يظنّ محمد و أصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميّ‏[1]!كلاّ و اللّه ليعلمنّ غير ذلك! فكانوا بين رجلين: إمّا خارج و إمّا باعث مكانه رجلا.

خروج قريش و إرسال أبي لهب العاصي بن هشام مكانه:

و أوعبت قريش فلم يتخلّف من/أشرافها أحد إلا أبو لهب بن عبد المطلب تخلّف فبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، و كان لطّ[2]له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، فأفلس‏[3]بها، فاستأجره بها على أن يجزئ عنه بعثه، فخرج عنه و تخلّف أبو لهب. هكذا في الحديث. فذكر أبو عبيدة و ابن الكلبيّ: أنّ أبا لهب قامر العاصي بن هشام في مائة من الإبل، فقمره‏[4]أبو لهب، ثم عاد فقمره أيضا، ثم عاد فقمره أيضا الثالثة، فذهب بكلّ ما كان يملكه. فقال له العاصي: أرى القداح قد حالفتك يا ابن عبد المطّلب، هلمّ نجعلها على أيّنا يكون عبدا لصاحبه؛ قال: ذلك لك؛ فدحاها[5]فقمره أبو لهب، فأسلمه قينا، و كان يأخذ منه ضريبة. فلما كان يوم بدر و أخذت قريش كلّ من لم يخرج بإخراج رجل مكانه أخرجه أبو لهب عنه و شرط له العتق؛ فخرج فقتله عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

رجع الحديث إلى وقعة بدر.

وبخ ابن أبي معيط أمية بن خلف لإجماعه القعود فخرج:

قال محمد بن إسحاق: و حدّثني عبد اللّه بن أبي نجيح:

أنّ أميّة بن خلف كان قد أجمع القعود، و كان شيخا[جليلا جسيما][6]ثقيلا، فجاءه عقبة بن أبي معيط و هو جالس في المسجد بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها، فيها نار و مجمر[7]، حتّى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا عليّ، استجمر فإنّما أنت/من النساء!قال: قبّحك اللّه و قبّح ما جئت به!ثم تجهّز و خرج مع الناس. فلمّا فرغوا من جهازهم و أجمعوا السير، ذكروا ما[كان‏][8]بينهم و بين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب‏[9]، فقالوا: إنّا نخشى أن يأتوا من خلفنا.

تخوّف قريش من كنانة و تأمين إبليس لهم:

قال محمد بن إسحاق: فحدّثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزّبير قال: لمّا أجمعت قريش المسير ذكرت [1]هو عمرو بن الحضرمي. و قد أورد ابن هشام في «السيرة» خبر هذه العير.

[2]كذا في هامش «تاريخ الطبري» (ص 1295 من القسم الأوّل) . و لط الغريم بالحق: ما طل فيه و منعه، و لط حقه: جحده. و في حديث طهفة: «لا تلطط في الزكاة» أي لا تمنعها. و في الأصول: «لاط» و هو تحريف.

[3]في «السيرة» : «أفلس» بدون الفاء.

[4]قمره: غلبه في المقامرة.

[5]دحاها: رماها. و الدحو: رمى اللاعب بالحجر أو الجوز و غيره. و ذلك أنهم كانوا يحفرون حفرة بمقدار الحجر الذي يريدون رميه، ثم يتنحون عنها قليلا و يرمون بالأحجار إليها؛ فإن وقعت الأحجار في الحفرة غلب صاحبها و إن لم تقع فيها غلب. و تسمى تلك الأحجار المداحي، واحدها: مدحاة.

[6]الزيادة عن «السيرة» .

[7]المجمر: العود يتبخر به.

[8]الزيادة عن «السيرة» .

[9]كذا في «السيرة» . و في الأصول: «كنانة بن الحارث» و هو تحريف.

379

الذي بينها و بين بني‏[1]بكر بن عبد مناة، فكاد ذلك أن يثبّطهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجيّ، و كان من أشراف بني كنانة، فقال: إنّي جار لكم من أن تأتيكم كنانة[من خلفكم‏][2]بشي‏ء تكرهونه، فخرجوا سراعا.

خروج النبيّ و عدد جيشه و الطريق التي سلكها:

و خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم-فيما بلغني عن غير ابن إسحاق-لثلاث ليال خلون من شهر رمضان المعظّم في ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا من أصحابه. فاختلف في مبلغ الزيادة على العشرة؛ فقال بعضهم: كانوا ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا. و كان المهجرون يوم بدر سبعة و سبعين رجلا، و كان الأنصار مائتين و ستة و ثلاثين رجلا، و كان صاحب راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و كان صاحب راية الأنصار سعد بن عبادة.

/حدّثنا محمد قال حدّثنا هارون بن إسحاق قال حدّثنا مصعب بن المقدام، قال أبو جعفر و حدّثني محمد بن إسحاق الأهوازيّ قال حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ قال حدّثنا إسرائيل قال حدّثنا أبو إسحاق عن البراء قال‏[3] كنّا نتحدّث أنّ عدّة أصحاب بدر على عدّة أصحاب طالوت الذين/جازوا معه النهر-و لم يجز معه إلاّ مؤمن-ثلاثمائة و بضعة عشر.

استشارة النبيّ لأصحابه و تأييد الأنصار له:

قال ابن إسحاق في حديثه عمّن روى عنه: و خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في أصحابه، و جعل على الساقة[4]قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجّار، في ليال مضت من رمضان؛ فسار حتّى إذا كان قريبا من الصّفراء بعث بسبس بن عمرو الجهنيّ حليف بني ساعدة و عدي بن أبي الزّغباء حليف بني النجّار إلى بدر يتجسّسان‏[5]له الخبر عن أبي سفيان بن حرب و غيره، ثم ارتحل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و قدّمهما. فلمّا استقبل الصّفراء، و هي قرية بين جبلين، سأل عن جبليها ما اسماهما؟فقيل: يقال لأحدهما هذا مسلح، و للآخر هذا مخرئ؛ و سأل عن أهلها فقالوا: بنو النّار، و بنو حراق (بطنان من غفار) ؛ فكرههما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و المرور بينهما، و تفاءل‏[6]باسميهما و أسماء أهاليهما، فتركهما و الصفراء يسارا، و سلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران فخرج منه، حتّى إذا كان ببعضه نزل، و أتاه [1]كانت الحرب التي بين قريش و بين بني بكر في ابن الحفص بن الأخيف أحد بني معيص بن عامر بن لؤي، قتله بنو بكر بضجنان، و كان خرج يبتغي بها ضالة له، بإيعاز من سيدهم عامر بن يزيد بن عامر بن الملوح، فثأر للغلام أخوه مكرز من عامر بن يزيد بأن قتله و خاض بطنه بسيفه، ثم أتى به الكعبة ليلا فعلقه بأستارها. فلما أصبحت قريش رأوا سيف عامر بن يزيد معلقا بأستار الكعبة فعرفوه، فقالوا: إن هذا لسيف عامر بن يزيد عدا عليه مكرز بن حفص فقتله. (انظر «السيرة» لابن هشام ج 1 ص 431 طبع أوروبا) .

[2]الزيادة عن «السيرة» .

[3]كذا في الأصول. و لعله: «قالا» .

[4]ساقه الجيش: مؤخرته.

[5]في حـ: «يتحسان» . (انظر الحاشية رقم 2 ص 171 من هذا الجزء) .

[6]تفاءل هنا بمعنى تطير. و الفأل يكون فيما يحسن و يسوء، و الطيرة لا تكون إلا فيما يسوء. و في الحديث عن أنس عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال:

«لا عدوى و لا طيرة و يعجبني الفأل الصالح» . و الفأل الصالح: الكلمة الحسنة. و هذا يدل على أن من الفأل ما يكون صالحا و منه ما يكون غير صالح.

380

الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم؛ فاستشار النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم الناس و أخبرهم/عن قريش، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول اللّه، امض لما أمرك اللّه فنحن معك.

و اللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت و ربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، و لكن اذهب أنت و ربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون معلمون‏[1]. فو الّذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى برك‏[2]الغماد-يعني مدينة الحبشة- لجالدنا معك حتّى تبلغه. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم خيرا و دعا له بخير.

حدّثنا محمد قال حدّثنا محمد بن عبيد المحاربيّ قال حدّثني إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى قال حدّثنا المخارق عن طارق عن عبد اللّه بن مسعود قال:

شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه أحبّ إليّ مما في الأرض من كلّ شي‏ء، كان رجلا فارسا، و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إذا غضب احمارّت وجنتاه، فأتاه المقداد على تلك الحال، فقال: أبشر يا رسول اللّه، فو اللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت و ربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، و لكن و الذي بعثك بالحقّ لنكونن بين يديك و من خلفك و عن يمينك و شمالك أو يفتح اللّه تبارك و تعالى.

رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق:

ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «أشيروا عليّ أيّها الناس» . و إنما يريد الأنصار؛ و ذلك أنّهم كانوا عدد الناس، و أنّهم حين بايعوا بالعقبة قالوا: يا رسول اللّه إنا برآء من ذمامك حتّى نصير إلى دارنا، فإذا وصلت فأنت في ذمامنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا و أبناءنا و نساءنا. فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يتخوّف ألاّ تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلاّ ممن دهمه بالمدينة من عدوّه، و أن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ في غير بلادهم. فلما قال ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال له سعد بن معاذ: و اللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه. قال: «أجل» . قال: فقد آمنّا بك يا رسول اللّه و صدّقناك و شهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ، و أعطيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا على السمع و الطاعة، فامض بنا يا رسول اللّه لما أردت [فنحن معك‏][3]. فو الذي/بعثك بالحقّ لو استعرضت‏[4]بنا هذا البحر و خضته لخضناه معك ما يتخلّف منّا رجل واحد، و ما نكره أن تلقى بنا عدوّا غدا. إنّا لصبر عند الحرب، صدق‏[5]عند اللّقاء، لعل اللّه تعالى أن يريك [منّا][3]ما تقرّ به عينك؛ فسر بنا على بركة اللّه. فسرّ[6]رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم‏[بقول سعد][3]و نشّطه ذلك؛ ثم قال:

[1]أعلم نفسه: و سمها بسيما الحرب كعلّمها.

[2]برك الغماد (بفتح الباء و كسرها، و بكسر الغين و ضمها و قيل مثلث الغين) ، اختلف فيه فقيل: موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، و قيل: موضع في أقصى أرض هجر، و قيل: بلد باليمن، و قيل غير ذلك. و ورد في «تاريخ الطبري» (ص 1300 من القسم الأوّل طبع أوروبا) ما يؤيد التفسير الذي ذكره أبو الفرج. و ورد أيضا في «معجم ما استعجم» للبكريّ (ص 148) ما نصه:

«... و في حديث هجرة النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه لما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا إلى الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنّة... إلخ» .

[3]زيادة عن «السيرة» .

[4]استعرض البحر: أتاه من جانبه عرضا.

[5]يقال: رجل صدق اللقاء و قوم صدق (بالضم) ، و مثاله فرس ورد و أفراس ورد. (انظر «اللسان» مادة صدق) .

[6]في الأصول: «فسار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و نشطه ذلك» . و ما أثبتناه عن «السيرة و الكشاف» للزّمخشري في تفسير سورة الأنفال.

381

«سيروا على بركة اللّه و أبشروا؛ فإنّ اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين‏[1]، و اللّه لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» .

نزول النبيّ قريبا من بدر و سؤاله شيخا عن قريش:

ثم ارتحل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من ذفران‏[2]، و سلك على ثنايا يقال لها/الأصافر[3]، ثم انحطّ منها على بلد يقال له الدّبّة[4]، ثم ترك الحنّان‏[5]بيمين، و هو كثيب عظيم كالجبل، ثم نزل قريبا من بدر، فركب هو و رجل من أصحابه-قال الطبريّ‏[6]قال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن يحيى بن حبّان-حتّى وقف على شيخ من العرب، فسأله عن قريش و عن محمد و أصحابه و ما بلغه عنهم؛ فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن‏[7] أنتما. فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «إذا أخبرتنا أخبرناك» . فقال: أو ذاك بذاك؟فقال: «نعم» . قال الشيخ: فإنّه بلغني أنّ محمدا و أصحابه خرجوا يوم كذا و كذا؛ فإن كان صدقني الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا و كذا (للمكان الذي به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم) . و بلغني أنّ قريشا خرجوا يوم كذا و كذا؛ فإن كان الذي حدّثني صدقني، فهم اليوم بمكان كذا و كذا (للمكان الذي به قريش) . فلمّا فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «نحن من ماء» ، ثم انصرف الشيخ عنه. قال يقول الشيخ: ما من ماء؟أ من ماء العراق؟ثم رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى أصحابه.

أرسل النبي نفرا من أصحابه إلى بدر يلتمسون له الخير:

فلما أمسى بعث عليّ بن أبي طالب، رضي اللّه عنه، و الزبير بن العوّام، و سعد بن أبي وقّاص في نفر من أصحابه إلى بدر يلتمسون له الخبر عليه-.

قبض هؤلاء النفر على غلامين لقريش و معرفة أخبارهم منهما:

قال محمد بن إسحاق: حدّثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزّبير: -فأصابوا راوية[8]لقريش فيها أسلم غلام [1]يشير إلى قوله تعالى في سورة الأنفال: (وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اَللََّهُ إِحْدَى اَلطََّائِفَتَيْنِ أَنَّهََا لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذََاتِ اَلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَ يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُحِقَّ اَلْحَقَّ بِكَلِمََاتِهِ وَ يَقْطَعَ دََابِرَ اَلْكََافِرِينَ) . و الطائفتان هما العير و هم ركب أبي سفيان، و النفير و هم أهل مكة الذين نفروا لمساعدته.

[2]ذفران: واد قرب وادي الصفراء.

[3]الأصافر: جبال قريبة من الجحفة عن يمين الطريق من المدينة إلى مكة؛ سميت بذلك لأنها هضبات صفر.

[4]الدبة: موضع قرب بدر.

[5]كذا في «السيرة و معجم البلدان» لياقوت. و في جميع الأصول: «ثم نزل الحيان» و هو تحريف.

[6]كذا في الطبري و «السيرة» . و في جميع الأصول وردت هذه العبارة هكذا: «قال الطبري: قال محمد بن إسحاق حدّثني محمد بن إسحاق حدّثني محمد بن يحيى بن حبان... إلخ» . و محمد بن إسحاق المكرر هنا شخص واحد، و هو محمد بن إسحاق بن يسار صاحب «السيرة» الذي ينقل عنه الطبري و الذي يروى عن محمد بن يحيى بن حبان. (راجع «تهذيب التهذيب» و «تراجم» من روى عنهم محمد بن إسحاق المطبوع بليدن) .

[7]كذا في «السيرة» و الطبري. و في الأصول: «من» .

[8]يراد بالراوية هنا القوم يستقون الماء على الدواب. ـ

382

/بني الحجّاج، و عريض‏[1]أبو يسار غلام بني العاصي بن سعيد، فأتوا بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو يصلّي. فسألوهما فقالا[2]: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم من الماء. فكره القوم خبرهما و رجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما، فلمّا أذلقوهما[3]قالا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما. و ركع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و سجد سجدتين ثم سلّم، ثم قال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، فإذا كذباكم تركتموهما، صدقا و اللّه إنّهما لقريش. أخبراني أين قريش» ؟قالا: هم وراء[هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى‏[4]-و]الكثيب: العقنقل-فقال لهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «كم القوم» ؟قالا: لا ندري. قال: «كم ينحرون كلّ يوم» ؟قالا: يوما تسعا و يوما عشرا. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «القوم ما بين التّسعمائة[5] و الألف» . ثم قال لهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «فمن فيهم من أشراف قريش» ؟قالا: عتبة بن ربيعة، و شيبة بن ربيعة، و أبو البختريّ بن هشام، و حكيم بن حزام، و نوفل بن خويلد، و الحارث بن عامر بن نوفل، و طعيمة بن عديّ، و النّضر بن الحارث، و زمعة[6]بن الأسود، و أبو جهل بن هشام، و أميّة بن/خلف، و نبيه و منبّه ابنا الحجّاج، و سهيل بن عمرو، و عمرو بن ودّ. فأقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على الناس فقال: «هذه مكة قد رمت إليكم أفلاذ/كبدها» .

قدم أبو سفيان إلى بدر متجسسا ثم اتجه بالعير نحو الساحل:

قال ابن إسحاق‏[7]: و قد كان بسبس بن عمرو و عديّ بن أبي الزّغباء مضيا حتّى نزلا بدرا فأناخا إلى تلّ قريب من الماء، ثم أخذا شنّا[8]يستقيان فيه، و مجديّ بن عمرو الجهنيّ على الماء، فسمع عديّ و بسبس جاريتين من جواري الحاضر و هما تتلازمان‏[9]على الماء، و الملزومة تقول لصاحبتها: إنّما تأتي العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك. قال مجديّ: صدقت، ثم خلّص بينهما. و سمع ذلك عديّ و بسبس فجلسا على بعيريهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فأخبراه بما سمعا. و أقبل أبو سفيان قد[9]تقدّم العير حذرا حتى ورد الماء، فقال [1]كذا في «السيرة لابن هشام» (ج 1 ص 436) «و الطبري» (ص 1303 من القسم الأوّل. و في الأصول: «غريض بن يسار» بالغين المعجمة.

[2]كذا في الطبري و «السيرة» . و في الأصول: «فقالوا» .

[3]أذلقه: أضعفه و أقلقه. و في حديث عائشة أنها كانت تصوم في السفر حتى أذلقها الصوم أي أجهدها و أذابها و أقلقها.

[4]التكملة عن الطبري و «السيرة» .

[5]الفصيح في العدد المضاف أن يعرف المضاف إليه، و جوز بعضهم تعريف الطرفين. أما تعريف الأوّل دون الثاني فغير صواب. و على هذا يحمل ما ورد من الأحاديث من هذا النوع على أنه مروي بالمعنى. على أن بعضهم خرجه بتقدير مضاف نكرة، فيقول في مثل ما هنا: «بين التسع تسع مائة» .

[6]ضبطه صاحب «المغني» في «أسماء رجال الحديث» المطبوع بهامش «تقريب التهذيب» (ص 101 طبع الهند) بالعبارة هكذا: «زمعة بزاي و ميم مفتوحتين و عين مهملة و أكثر الفقهاء و المحدّثين يسكنون الميم، و الدسودة... إلخ» . و قال صاحب «القاموس» : و زمعة بالفتح و يحرّك» . و ضبطه الفيومي في «المصباح» بفتح الميم، ثم قال: «و المحدّثون يقولون: زمعة بالسكون، و لم أظفر به في «كتب اللغة» . و في «شرح المواهب اللدنية» (ج 3 ص 271) قال: «زمعة بزاي فميم فعين مهملة مفتوحات» . و قال ابن الأثير: «و أكثر ما سمعنا أهل الحديث و الفقهاء يقولونه بسكون الميم. و قول «المصباح» : لم أظفر بالسكون في «كتب اللغة» قصور؛ فقد قدّمه «القاموس» ثم حكى الفتح؛ فظاهره أن السكون أكثر لغة» .

[7]في الأصول: «قالوا و قد كان بسبس إلخ» ، و التصويب عن «السيرة» .

[8]الشنّ: القربة الخلق الصغيرة.

[9]يقال: لزم فلان غريمه، إذا تعلق به.

[10]كذا في صلب الطبري (ص 1305 قسم أوّل طبع أوروبا) . و في الأصول: «حين تقدم» . و في «سيرة ابن هشام» : «حتى تقدم» و كلتا الروايتين أشير إليها في هامش الطبري.

383

لمجديّ بن عمرو: هل أحسست أحدا؟قال: ما رأيت أحدا أنكره، إلاّ أنّي رأيت راكبين أناخا إلى هذا التلّ ثم استقيا في شنّ لهما ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففتّه فإذا فيه النّوى، فقال: هذه و اللّه علائف يثرب!فرجع إلى أصحابه سريعا فصرف‏[1]وجه عيره عن الطريق‏[فساحل بها][2]و ترك بدرا يسارا، ثم انطلق حتّى أسرع.

رؤيا جهيم بن أبي الصلت:

و أقبلت قريش، فلمّا نزلوا الجحفة[3]رأى جهيم بن أبي الصّلت بن مخرمة بن عبد المطّلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إنّي رأيت فيما يرى النائم، و إنّي/لبين النائم و اليقظان إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس و معه بعير له ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، و شيبة بن ربيعة، و أبو الحكم بن هشام، و أميّة بن خلف، و فلان و فلان-فعدّد رجالا ممن قتل يومئذ من أشراف قريش-و رأيته ضرب في لبّة[4]بعيره ثم أرسله في العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلاّ أصابه نضح من دمه. قال: فبلغت أبا جهل فقال: و هذا أيضا نبيّ آخر من بني عبد المطّلب!سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.

نصح أبو سفيان إلى قريش أن يرجعوا فأبى أبو جهل:

و لمّا رأى أبو سفيان أنّه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنّكم إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم و رحالكم‏[5] و أموالكم فقد نجّاها اللّه فارجعوا. فقال أبو جهل: و اللّه لا نرجع حتّى نرد بدرا-و كان بدر موسما من مواسم العرب تجتمع به، لهم بها سوق كلّ عام-فنقيم عليه ثلاثا، و ننحر الجزر و نطعم الطعام و نسقي الخمور، و تعزف علينا القيان، و تسمع بنا العرب‏[بمسيرنا و جمعنا][6]، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا.

رجوع بني زهرة:

فقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثّقفيّ، و كان حليفا لبني زهرة، و هم بالجحفة: يا بني زهرة قد نجّى اللّه لكم عيركم و خلّص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، و إنّما نفرتم لتمنعوه و ماله، فاجعلوا بي جبنها[7] و ارجعوا؛ فإنّه لا حاجة بكم في أن تخرجوا في غير ضيعة لما يقول هذا (يعني أبا جهل) ؛ فلم يشهدها زهريّ، و كان فيهم مطاعا. و لم يكن بقي من قريش بطن إلاّ نفر منهم ناس، إلاّ بني عديّ بن كعب لم يخرج منهم رجل واحد.

فرجعت بنو زهرة مع الأخنس بن شريق، فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد.

[1]في الطبري و «السيرة» : «فضرب» .

[2]زيادة عن «السيرة» . و ساحل بها: اتجه بها نحو الساحل.

[3]الجحفة (بالضم) : ميقات أهل الشام، و كانت قرية جامعة، على اثنين و ثمانين ميلا من مكة، و كانت تسمى مهيعة فنزل بها بنو عبيل و هم إخوة عاد، و كان أخرجهم العماليق من يثرب، فجاءهم سيل الجحاف فأجحفهم؛ فسميت الجحفة.

[4]اللبة: المنحر و موضع القلادة من الصدر كاللبب.

[5]في «السيرة لابن هشام» : «رجالكم» بالجيم المعجمة.

[6]زيادة عن «السيرة» .

[7]كذا في «السيرة لابن هشام» (ج 1 ص 438) و «تاريخ الطبري» (ص 1307 من القسم الأوّل) . و في الأصول: «فاجعلوني جنبها» و هو تحريف.

384

اتهام قريش لبني هاشم:

و مضى القوم، و قد كان بين طالب بن أبي طالب-و كان في القوم-و بين بعض قريش محاورة؛ فقالوا: و اللّه لقد عرفنا يا بني هاشم-و إن خرجتم معنا-أنّ هواكم/[لمع‏][1]محمد؛ فرجع طالب إلى مكة فيمن رجع. و أمّا ابن الكلبيّ فإنه قال فيما حدّثت عنه: شخص طالب بن أبي طالب إلى بدر مع المشركين، أخرج كرها، فلم يوجد في الأسرى و لا في القتلى و لم يرجع إلى أهله، و كان شاعرا، و هو الذي يقول:

/

يا ربّ إمّا يغزونّ طالب # في مقنب‏[2]من هذه المقانب

فليكن المسلوب غير السالب # و ليكن المغلوب غير الغالب‏

رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق‏

نزول قريش بالعدوة القصوى من الوادي:

قال: و مضت قريش حتّى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل. و بطن الوادي، و هو يليل‏[3]، بين بدر و بين العقنقل: الكثيب الذي خلفه قريش. و القليب ببدر من العدوة الدّنيا من بطن يليل إلى المدينة. و بعث اللّه عزّ و جلّ السماء، و كان الوادي دهسا[4]، فأصاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم‏[و أصحابه منها][1]ما لبّد لهم الأرض و لم يمنعهم المسير، و أصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه. فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يبادرهم إلى الماء حتّى حاذى ماء من مياه بدر فنزل به.

أشار الحباب بن المنذر على النبيّ برأي فاتبعه:

قال ابن إسحاق: فحدّثني عشرة[5]رجال من بني سلمة ذكروا أنّ الحباب بن المنذر بن الجموح قال:

يا رسول اللّه، أ رأيت هذا المنزل، أ منزل أنزلكه اللّه ليس لنا/أن نتقدّمه و لا نتأخّر عنه، أم هو الرأي و الحرب و المكيدة؟قال: «بل هو الرأي و الحرب و المكيدة» . فقال: يا رسول اللّه، إنّ هذا ليس لك بمنزل، فانهض بالناس حتّى تأتي أدنى ماء من مياه القوم فتنزله، ثم تعوّر[6]ما سواه من القلب ثم تبني عليه حوضا فتملأه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب و لا يشربوا. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «لقد أشرت بالرأي» . فنهض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و من معه من الناس حتّى أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه، ثم أمر بالقلب فعوّرت‏[7]و بنوا حوضا على القليب الذي نزل عليه فملئ، ماء ثم قذفوا فيه الآنية.

[1]الزيادة عن «السيرة لابن هشام» (ج 1 ص 438 طبع أوروبا) .

[2]المقنب: جماعة الخيل و الفرسان، و قيل: هي دون المائة.

[3]يليل (بتكرير الياء المفتوحة) : اسم واد يدفع في بدر. و في «معجم ما استعجم» (في الكلام على رضوى) : «و وادي ينبع يليل يصب في غيقة» . و في الأصول: «تليل» بالتاء المثناة من فوق في أوّله، و هو تصحيف.

[4]الدهس: هو كل لين سهل لا يبلغ أن يكون رملا و ليس بتراب و لا طين كالدّهاس، و قيل أيضا: الأرض السهلة يثقل فيها المشي.

[5]في «السيرة» : «قال ابن إسحاق: فحدّثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا إلخ» .

[6]كذا في الطبري و «السيرة» . و عوّر العين أو القليب: طمّه و ردمه. و في الأصول: «تغوّر» بالغين المعجمة، و هو تصحيف.

[7]كذا في «السيرة» و الطبري. و في الأصول: «فغوّرت» بالغين المعجمة.

385

بناء عريش من جريد للنبيّ:

قال محمد بن إسحاق: فحدّثني محمد بن أبي بكر أنّ سعد بن معاذ قال: يا رسول اللّه، نبني لك عريشا من جريد فتكون فيه و نعدّ عندك ركائبك، ثم نلقى عدوّنا؛ فإن نحن أعزّنا اللّه و أظهرنا على عدوّنا كان ذلك‏[1]ما أحببنا، و إن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا؛ فقد تخلّف عنك أقوام يا نبيّ اللّه ما نحن بأشدّ حبّا لك منهم، [و لو ظنّوا[2]أنّك تلقى حربا ما تخلّفوا عنك، يمنعك اللّه بهم، يناصحونك و يجاهدون معك‏].

فأثنى‏[عليه‏][3]رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم خيرا، و دعا له بخير. ثم بني لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عريش فكان فيه.

إقبال قريش دعاء النبيّ عليها:

و قد ارتحلت قريش حين أصبحت و أقبلت. فلمّا رآها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم تصوّب‏[4]من العقنقل-و هو الكثيب الذي منه جاءوا-إلى الوادي قال: «اللّهمّ هذى قريش قد أقبلت بخيلائها و فخرها تحادّك و تكذّب رسولك. اللّهمّ فنصرك الذي وعدتني . اللّهمّ فأحنهم‏[5]/الغداة» . و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر: «إن يكن عند أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر إن يطيعوه يرشدوا» .

عرض خفاف بن إيماء معونته على قريش:

و قد كان خفاف‏[بن إيماء][6]بن رحضة الغفاريّ، أو أبوه‏[7]أيما بن رحضة، بعث إلى قريش حين مرّوا به ابنا له بجزائر أهداها لهم و قال لهم: إن أحببتم أن نمدّكم‏[8]بسلاح و رجال فعلنا. فأرسلوا[إليه‏][6]مع ابنه: أن وصلتك رحم!فقد قضيت الذي عليك. فلعمري لئن كنّا إنّما نقاتل الناس فما بنا ضعف‏[عنهم‏][6]، و لئن كنّا نقاتل اللّه كما يزعم محمد فما لأحد باللّه من طاقة. فلمّا نزل الناس أقبل نفر من قريش حتّى وردوا الحوض حوض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. /فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «دعوهم» . فما شرب منهم رجل إلاّ قتل يومئذ، إلاّ ما كان من حكيم بن حزام فإنّه لم يقتل، نجا على فرس له يقال له الوجيه، و أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه؛ فكان إذا اجتهد[في‏][6] يمينه قال: و الذي نجّاني من يوم بدر.

بعثت قريش عمير بن وهب متجسسا فأخبرهم بما روّعهم:

قال محمد بن إسحاق: و حدّثني أبي إسحاق بن يسار و غيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار قالوا:

لمّا اطمأنّ القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحيّ فقالوا: احزر[9]لنا أصحاب محمد؛ فاستجال بفرسه حول [1]كذا في «السيرة» . و في الأصول: «ذلك مما» .

[2]زيادة عن «السيرة» و «تاريخ الطبري» .

[3]الزيادة عن «السيرة» (ج 1 ص 440 طبع أوروبا) .

[4]التصوّب: الانحدار من علو.

[5]الحين (بالفتح) : الهلاك. و حان الرجل: هلك. و أحانه اللّه: أهلكه.

[6]الزيادة عن «السيرة» و «تاريخ الطبري» .

[7]في الأصول: «أخوه» ، و التصويب عن «السيرة» و «تاريخ الطبري» . و إيماء بكسر الهمزة مع المدّ أو بفتحها مع القصر. و رحضة بالتحريك أو بالفتح، أو بالضم، أقوال فيه. (انظر «شرح القاموس» مادة رحض) .

[8]كذا في «السيرة» . و في الأصول و الطبري: «أمدّكم» .

[9]الحزر: التخمين و التقدير.

386

العسكر ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه، و لكن أمهلوني حتّى أنظر: أ للقوم كمين أو مدد. قال: فضرب في الوادي حتى أمعن، فلم ير شيئا، فرجع فقال: لم أر شيئا، و لكن قد رأيت/يا معشر قريش الولايا[1]تحمل المنايا!نواضح‏[2]يثرب تحمل الموت الناقع!قوم ليس لهم منعة و لا ملجأ إلاّ سيوفهم. و اللّه ما أرى أن يقتل رجل منهم حتّى يقتل رجلا منكم!فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خير العيش بعد ذلك!فروا رأيكم.

فلمّا سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فأتى عتبة بن ربيعة و قال: يا أبا الوليد، إنّك كبير قريش الليلة و سيّدها و المطاع فيها، هل لك إلى أمر لا تزال تذكر منه بخير إلى آخر الدهر؟قال: و ما ذاك يا حكيم؟قال: ترجع بالناس و تحمل دم حليفك عمرو بن الحضرميّ. قال: قد فعلت، أنت على ذلك شهيد، إنما هو حليفي فعليّ عقله‏[3]و ما أصيب من ماله؛ فأت ابن الحنظليّة[4]فإنّي لا أخشى أن يسحر الناس غيره (يعني أبا جهل بن هشام) .

يقص حكيم بن حزام حديث بدر لمروان بن الحكم:

حدّثنا محمد قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا غمامة[5]بن عمرو السّهمي قال حدّثنا مسوّر بن عبد الملك اليربوعيّ عن أبيه عن سعيد بن المسيّب قال:

بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل عليه حاجبه فقال: هذا أبو خالد حكيم بن حزام. قال: ائذن له. فلمّا دخل حكيم بن حزام، قال: مرحبا بك يا أبا خالد، أدن؛ فحال له مروان عن صدر المجلس حتّى كان بينه و بين الوسادة، ثم استقبله مروان فقال: حدّثنا حديث بدر. قال: خرجنا حتّى إذا نزلنا الجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش بأسرها، فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا؛ ثم خرجنا حتّى نزلنا العدوة التي/قال اللّه عزّ و جلّ؛ فجئت عتبة بن ربيعة فقلت: يا أبا الوليد، هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟قال: أفعل ما ذا؟قال: قلت: إنّكم لا تطلبون من محمد إلاّ دم واحد: (ابن الحضرميّ) و هو حليفك، فتحمّل ديته فيرجع الناس. قال: أنت و ذاك، و أنا أتحمّل ديته، فاذهب إلى ابن الحنظليّة (يعني أبا جهل) فقل له: هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمّك؟ فجئته فإذا هو في جماعة من بين يديه و من ورائه، فإذا ابن الحضرميّ واقف على رأسه و هو يقول: قد فسخت عقدي من بني عبد شمس، و عقدي إلى بني مخزوم. فقلت له: يقول لك عتبة بن ربيعة: هل لك أن ترجع اليوم عن ابن عمّك بمن معك؟قال: أ ما وجد رسولا غيرك؟قلت: لا، و لم أكن لأكون رسولا لغيره. قال حكيم: فخرج مبادرا إلى عتبة و خرجت معه لئلا يفوتني من الخبر شي‏ء، و عتبة يتّكئ على إيماء بن رحضة الغفاريّ، و قد أهدى [1]الولايا: جمع ولية، و هي البرذعة أو ما تحتها.

[2]النواضح: جمع ناضح. و الناضح: البعير يستقى عليه، ثم استعمل في كل بعير و إن لم يحمل الماء.

[3]العقل: الدية.

[4]قال ابن هشام: الحنظلية أم أبي جهل، و هي أسماء بنت مخرّبة أحد بني نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.

[5]كذا في الأصول بالغين المعجمة. و قد ذكر الطبري (قسم أوّل ص 1313) هذا القصة بهذا الإسناد، و فيه: «عمامة بن عمرو السهمي» بالعين المهملة. و في هامشه في الصفحة نفسها نقلا عن نسخة أخرى: «غمامة» بالغين المعجمة كما في الأصول. و في القسم الثالث من الطبري (ص 268) : «عثامة بن عمرو السهمي» . و في هامشه في الصفحة نفسها نقلا عن نسختين أخريين: «غمانة» بالغين و «عتّامة» بالعين و التاء. و لم نعثر على هذا الاسم في «كتب التراجم» حتى نستطيع ترجيح أحد هذه الأسماء.

387

إلى المشركين عشر جزائر، فطلع أبو جهل و الشرّ في وجهه، فقال لعتبة: انتفخ سحرك‏[1]!فقال عتبة: فستعلم.

فسلّ أبو جهل سيفه/فضرب به متن فرسه؛ فقال إيماء بن رحضة: بئس المقام هذا!فعند ذلك قامت الحرب.

رجع الحديث إلى ابن إسحاق:

نصح عتبة بن ربيعة قريشا بالرجوع فأبى أبو جهل:

ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبا، فقال: يا معشر قريش، و اللّه ما تصنعون بأن تلقوا محمدا و أصحابه شيئا!و اللّه لئن أصبتموه، لا يزال الرجل منكم ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، رجل قتل ابن عمّه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته، فارجعوا و خلّوا بين محمد و بين سائر العرب؛ فإن أصابوه فذلك الذي أردتم، و إن كان غير ذلك ألفاكم‏[2] /و لم تعدموا منه ما تريدون. قال حكيم: فانطلقت حتّى جئت أبا جهل، فوجدته قد نثل‏[3]درعا له من جرابها[4] و هو يهيّئها؛ فقلت له: يا أبا الحكم، إنّ عتبة أرسلني إليك بكذا و كذا (الذي قال) ؛ فقال: انتفخ و اللّه سحره حين رأى محمدا و أصحابه. كلاّ و اللّه!لا مرجع حتّى يحكم اللّه بيننا و بين محمد و أصحابه؛ و ما بعتبة ما قال، و لكنه قد رأى أنّ محمدا و أصحابه أكلة[5]جزور، و فيهم ابنه قد تخوّفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ فقال له: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس و قد رأيت ثارك بعينك، فقم فانشد خفرتك‏[6]و مقتل أخيك. فقام عامر بن الحضرميّ فاكتشف‏[7]ثم صرخ: وا عمراه!وا عمراه!فحميت الحرب، و حقب‏[8]أمر الناس، و استوسقوا[9]على ما هم عليه من الشرّ، و أفسد على الناس الرّأي الذي دعاهم إليه عتبة بن ربيعة. و لمّا بلغ عتبة قول أبي جهل: «انتفخ سحره» قال: سيعلم مصفّر الاست من انتفخ سحره: أنا أم هو!ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه فلم يجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته؛ فلمّا رأى ذلك اعتجر[10]على رأسه ببرد له.

أقسم الأسود بن عبد الأسد ليشربن من حوض المسلمين فقتل:

و قد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ، و كان رجلا شرسا سيّئ الخلق، فقال: أعاهد اللّه لأشربنّ من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتنّ دونه. فلمّا خرج خرج له حمزة بن عبد المطّلب، فلمّا التقيا ضربه حمزة فأبان قدمه [1]يكنى بانتفاخ السحر عن مجاوزة القدر، و لكنه هنا كناية عن الجبن؛ و ذلك أن الجبان يملأ الخوف جوفه فينتفخ سحره. و السحر:

الرئة و ما حولها مما يعلق به الحلقوم فوق السرة.

[2]في حـ: «ألفاكم و لم تعرضوا منه لما تريدون» .

[3]نثل: أخرج.

[4]كذا في م، و هو الموافق لما في «السيرة» و الطبري. و في سائر الأصول: «عن جرابها» .

[5]يريد أنهم قلة تكفيهم جزور واحدة لطعامهم.

[6]كذا في «السيرة» و «تاريخ الطبري» . و الخفرة: الذمة و العهد. و في الأصول: «حقوقك» .

[7]كذا في م «و السيرة» و الطبري. و في «القاموس» : «و اكتشفت المرأة لزوجها: بالغت في التكشف له عند الجماع» . فلعله يريد أنه أشرف على شي‏ء عال أو نحو ذلك حتى انكشف للناس ثم صرخ فيهم. و في سائر الأصول: «فاكتنف» ، و هو تحريف.

[8]حقب أمر الناس: فسد.

[9]استوسقوا: اجتمعوا.

[10]الاعتجار: لف العمامة على الرأس.

388

بنصف ساقه و هو دون الحوض، فوقع على ظهره/تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن يبرّ يمينه، و أتبعه حمزة فضربه حتّى قتله في الحوض.

طلب عتبة بن ربيعة و ابنه و أخوه المبارزة فندب لهم النبيّ من قتلهم:

ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة و ابنه الوليد بن عتبة، حتّى إذا نصل‏[1]من الصّفّ دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة نفر، و هم: عوف‏[2]و معوّذ ابنا الحارث، و أمّهما عفراء و رجل آخر يقال‏[3]: هو عبد اللّه بن رواحة؛ فقالوا: من أنتم؟قالوا: رهط من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «قم يا حمزة بن عبد المطّلب، قم يا عبيدة ابن الحارث، قم يا عليّ بن أبي طالب» . فلمّا قاموا و دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟فقال عبيدة: عبيدة، و قال حمزة:

حمزة، و قال عليّ: عليّ. قالوا: نعم‏[4]أكفاء كرام. فبارز عبيدة بن الحارث، و كان أسنّ القوم، عتبة بن ربيعة؛ و بارز حمزة شيبة بن ربيعة؛ و بارز عليّ الوليد بن عتبة. فأمّا حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله. و[أمّا][5]عليّ فلم يمهل الوليد بن عتبة أن قتله. و اختلف عبيدة و عتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت‏[6]صاحبه؛ فكّر حمزة و عليّ على عتبة بأسيافهما فذفّفا[7]عليه فقتلاه، و احتملا صاحبهما عبيدة، فجاءا به إلى أصحابه و قد قطعت/رجله و مخّه يسيل. فلمّا أتوا بعبيدة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: أ لست شهيدا يا رسول اللّه؟/قال: «بلى» . فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيّا لعلم أنّي بما قال أحقّ منه حيث يقول:

و نسلمه‏[8]حتّى نصرّع حوله # و نذهل عن أبنائنا و الحلائل‏

قال محمد بن إسحاق: و حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أنّ عتبة بن ربيعة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا له: أكفاء كرام، إنما نريد قومنا. ثم تزاحف الناس و دنا بعضهم من بعض-و قد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم‏[أصحابه‏][9]ألاّ [1]كذا في «سيرة ابن هشام» . و نصل: خرج. و في الأصول و الطبري: «فصل» بالفاء.

[2]كذا في م، و هو الموافق لما في «سيرة ابن هشام» (ص 443 طبع أوروبا) و «تاريخ الطبري» (ص 1210، 1212، 1317، 1322، 1336 من القسم الأوّل طبع أوروبا) و «طبقات ابن سعد» . و في الأصول: «عوذ» بالذال المعجمة في آخره، و هو قول لبعضهم في اسمه حكاه ابن عبد البر في «الاستيعاب» و ابن حجر في «الإصابة» .

[3]كذا في «السيرة» . و في الأصول و الطبري: «يقال له عبد اللّه بن رواحة» . و لا يخفى ما بين التعبيرين من خلاف.

[4]في حـ، ب: «نحن» .

[5]زيادة عن م «و السيرة» و الطبري.

[6]أثبت صاحبه: أثخنه بالجراح.

[7]دفف على الجريح: أجهز عليه.

[8]هذا البيت من قصيدة أبي طالب التي مطلعها:

خليليّ ما أذني لأوّل عاذل # بصغواء في حق و لا عند باطل‏

و قبل هذا البيت:

كذبتم و بيت اللّه نبزى محمدا # و لما نطاعن دونه و نناظل‏

و نبزي: نغلب و نقهر، و هو على تقدير النفي. و محمد نصب على نزع الخافض، أي لا نغلب عليه. و نسلمه (بالرفع) معطوف على نبزي أي لا نسلمه. و قد ورد هذا البيت في «اللسان» مادة (بزا) هكذا:

كذبتم و حق اللّه يبزي محمد # ...............................

إلخ و معناه، كما في «اللسان» ، يقهر و يستذل. و هو على تقدير النفي أيضا.

[9]زيادة عن «السيرة» و الطبري. ـ

389

يحملوا حتى يأمرهم، و قال: «إن اكتنفكم القوم فانضحوهم بالنّبل» -و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في العريش معه أبو بكر.

و كانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان، قال ابن إسحاق: كما[1]حدّثني أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين.

تعديل النبي لصفوف أصحابه و قصة سواد بن غزية:

قال محمد بن جرير و حدّثنا ابن حميد[2]قال حدّثنا سلمة قال قال لي محمد بن إسحاق حدّثني حبّان‏[3]بن واسع بن حبّان عن أشياخ من قومه:

/أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عدّل صفوف أصحابه يوم بدر، و في يده قدح‏[4]يعدّل به القوم، فمرّ بسواد[5]بن غزيّة حليف بني عديّ بن النجّار و هو مستنتل‏[6]من الصفّ، فطعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في بطنه بالقدح، ثم قال: «استو يا سواد بن غزيّة» . فقال: يا رسول اللّه، أوجعتني !و قد بعثك اللّه بالحقّ، فأقدني. قال: فكشف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عن بطنه و قال: «استقد» ؛ فاعتنقه و قبّل بطنه. فقال: «ما حملك على هذا يا سواد» ؟فقال: يا رسول اللّه، حضر ما ترى، فلم آمن الموت، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك؛ فدعا له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بخير و قال له خيرا. ثم عدّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الصفوف، و رجع إلى العريش و دخله و معه أبو بكر ليس معه غيره، و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يناشد ربّه ما وعده من النصر، و يقول فيما يقول: «اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة اليوم-يعني المسلمين-لا تعبد بعد اليوم» ، و أبو بكر يقول: يا نبيّ اللّه خلّ بعض مناشدتك ربّك؛ فإنّ اللّه منجز لك ما وعدك.

دعاء النبيّ يوم بدر:

حدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا محمد بن عبيد المحاربيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن المبارك عن عكرمة بن عمّار قال حدّثني سماك الحنفيّ قال سمعت ابن عبّاس يقول: حدّثني عمر بن الخطاب قال:

لمّا كان يوم بدر و نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى المشركين وعدتهم و إلى أصحابه و هم نيّف على ثلاثمائة، استقبل الكعبة و جعل يدعو و يقول: «اللّهمّ/أنجز لي ما وعدتني. اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» ، فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه؛ فأخذ أبو بكر فوضع رداءه عليه، ثم التزمه من ورائه فقال: كفاك [1]كذا في «سيرة ابن هشام و تاريخ الطبري» . و في الأصول: «قال ابن إسحاق فحدّثني إلخ» و هو خطأ.

[2]كذا في الطبري و «تهذيب التهذيب» ، و هو محمد بن حميد بن حيان التميمي أبو عبد اللّه الرازي أحد شيوخ ابن جرير الطبري و ممن رووا عن سلمة بن الفضل. و في الأصول: «أبو أحمد» و هو خطأ.

[3]كذا في «السيرة» (ص 444 طبع أوروبا) ، و هو حبان بن واسع بن حبان بن منفذ أحد شيوخ محمد بن إسحاق (راجع «تهذيب التهذيب» حـ 2 ص 170، و «كتاب من روى عنهم» محمد بن إسحاق ص 9 طبع ليدن) . و في الطبري: «حبان بن واسع بن حبان بن واسع» . و في جميع الأصول: «واسع حيان بن واسع» .

[4]القدح (بالكسر) : السهم قبل أن ينصل و يراش.

[5]ورد هذا الاسم هكذا في «تاريخ الطبري» (ص 1319 قسم أول) و «أسد الغابة» (ج 2 ص 374) و «طبقات ابن سعد» (ج 3 ص 72 من القسم الثاني) . و في «سيرة ابن هشام» (ص 444، 504 طبع أوروبا) قال ابن هشام في الموضعين: «و يقال سوّاد بن غزية» .

و في «الإصابة» (ج 3 ص 148 طبع مصر) في الكلام على سواد بن غزية: «المشهور أنه بتخفيف الواو، و حكى السهيلي تشديدها» .

[6]كذا في س و الطبري و «السيرة» . و نتل من بين الصف و استنتل: تقدّم. و في سائر الأصول: «استنثل» بالثاء المثلثة.

390

يا نبيّ اللّه، بأبي أنت و أمّي، مناشدتك لربّك، سينجز لك ما وعدك. فأنزل اللّه تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجََابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ مُرْدِفِينَ) [1].

حدّثنا محمد قال حدّثنا ابن وكيع قال حدّثنا الثّقفيّ (يعني عبد الوهّاب) عن خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس:

أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال و هو في قبّته‏[2]يوم بدر «اللّهمّ أسألك عهدك و وعدك. اللّهمّ إن شئت لم تعبد بعد اليوم» .

قال: فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك/يا نبيّ اللّه، فقد ألححت على ربّك، و هو في الدّرع؛ فخرج و هو يقول:

(سَيُهْزَمُ اَلْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ `بَلِ اَلسََّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ اَلسََّاعَةُ أَدْهى‏ََ وَ أَمَرُّ) .

رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق‏

أخذت النبيّ سنة ثم انتبه مبشرا بالنصر و محرّضا على القتال:

قال: و قد خفق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم خفقة و هو في العريش، ثم انتبه فقال: «يا أبا بكر أتاك نصر اللّه، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده و على ثناياه النّقع» [3]. قال: و قد رمي مهجع مولى عمر بن الخطّاب بسهم فقتل، فكان أوّل قتيل من المسلمين. ثم رمي حارثة بن سراقة أحد بني عديّ بن النجّار و هو يشرب من الحوض‏[بسهم فأصاب نحره‏][4]فقتل. ثم خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى الناس فحرّضهم و نفّل كلّ امرئ ما أصاب، و قال: «و الذي نفسي بيده لا يقاتلهم/اليوم رجلا فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلاّ أدخله اللّه الجنّة» . فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة و في يده تمرات يأكلها: بخ بخ!أ ما بيني و بين أن أدخل الجنّة إلاّ أن يقتلني هؤلاء!قال: ثم قذف التّمرات من يده و أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل، و هو يقول:

ركضا إلى اللّه بغير زاد # إلاّ التّقى و عمل المعاد

و الصّبر في اللّه على الجهاد # و كلّ زاد عرضة النّفاد

غير التّقى و البرّ و الرّشاد

حدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة قال حدّثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة:

أنّ عوف بن الحارث، و هو ابن عفراء، قال: يا رسول اللّه، ما يضحك الربّ من عبده؟قال: «غمسه يده في العدوّ حاسرا» ؛ فنزع درعا كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.

التقاء الفريقين و هزيمة المشركين:

حدّثنا محمد قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق قال و حدّثني محمد بن مسلم الزّهريّ عن عبد اللّه بن ثعلبة بن صعير العذريّ حليف بني زهرة قال:

[1]مردفين: متتابعين بعضهم في إثر بعض.

[2]كذا في «تاريخ الطبري» . و المراد بالقبة العريش الذي نصب له. و في الأصول: «في فتية» و هو تحريف.

[3]النقع: الغبار.

[4]زيادة عن «السيرة» .

391

لمّا التقى الناس و دنا بعضهم من بعض‏[1]، قال أبو جهل: اللّهمّ أقطعنا للرّحم و آتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة؛ فكان هو المستفتح على نفسه. ثم إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أخذ حفنة من الحصباء و استقبل بها قريشا، ثم قال:

«شاهت الوجوه» ثم نفحهم‏[2]بها، و قال لأصحابه: «شدّوا» ؛ فكانت الهزيمة، فقتل اللّه من قتل من صناديد قريش، و أسر من أسر منهم. فلمّا وضع القوم أيديهم/يأسرون-و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في العريش، و سعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم متوشّحا بالسيف في نفر من الأنصار، يحرسون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، يخافون عليه كرّة العدوّ-رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم-فيما ذكر لي-في وجه سعد بن معاذ الكراهة فيما يصنع الناس؛ فقال له: «كأنّك كرهت ما يصنع الناس» !قال: أجل يا رسول اللّه!كانت أوّل وقعة أوقعها اللّه عزّ و جلّ بأهل الشّرك؛ فكان الإثخان في القتل أعجب إليّ من استبقاء الرجال.

نهى النبيّ عن قتل جماعة خرجوا مستكرهين مع قريش:

حدّثنا محمد قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال، و حدّثني العبّاس بن عبد/اللّه بن معبد[3]عن بعض أهله عن ابن عبّاس:

أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال لأصحابه يومئذ: «إنّي قد عرفت أنّ رجالا من بني هاشم‏[و غيرهم‏][4]قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا؛ فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله، و من لقي أبا البختريّ‏[بن هشام‏]بن الحارث فلا يقتله و من لقي العبّاس بن عبد المطّلب-عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم-فلا يقتله، فإنّما خرج مستكرها» . قال: فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أ يقتل آباؤنا و أبناؤنا و إخواننا[5]و عشيرتنا و نترك العبّاس!و اللّه لئن لقيته لألحمنّه‏[6] السيف!فبلغت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فجعل يقول لعمر بن الخطّاب: «يا أبا حفص أ ما تسمع إلى قول أبي حذيفة يقول أضرب وجه عمّ رسول اللّه-صلى اللّه عليه و سلّم-بالسيف» . فقال: عمر: يا رسول اللّه، دعني فلأضربنّ عنقه بالسيف، فو اللّه لقد نافق. قال/عمر: و اللّه إنّه لأوّل يوم كناني فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بأبي حفص. قال: فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ و لا أزال منها خائفا إلاّ أن تكفّرها عنّي الشهادة؛ فقتل يوم اليمامة[شهيدا][7].

سبب نهي النبي عن قتل أبي البختري و قصة قتله:

قال: و إنّما نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عن قتل أبي البختريّ، لأنه كان أكفّ القوم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو بمكة، كان لا يؤذيه و لا يبلغه عنه بمكة شي‏ء يكرهه، و كان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم و بني المطّلب. فلقيه المجدّر بن ذياد[8]البلويّ حليف الأنصار من بني عديّ، فقال المجذّر بن ذياد لأبي البختريّ: إنّ [1]كذا في م و «السيرة» . و في باقي الأصول: «و دنا بعضهم من بعضهم» .

[2]نفحهم: ضربهم.

[3]كذا في «تاريخ الطبري» (ص 1323 من القسم الأوّل طبع أوروبا) و «سيرة ابن هشام» (ص 446 طبع أوروبا) و «تهذيب التهذيب» (ج 5 ص 120 طبع الهند) . و في الأصول: «مصعب» و هو تحريف.

[4]زيادة عن م «و السيرة» و الطبري.

[5]في «السيرة» : «و إخوتنا» .

[6]لأجعلن لحمه طعاما للسيف. و في الأصول: «لألجمنه» .

[7]زيادة عن م «و السيرة» و الطبري.

[8]كذا في الطبري و «سيرة ابن هشام و طبقات ابن سعد» (ج 3 ص 98 من القسم الثاني طبع أوروبا) و «أسد الغابة» (ج 4 ص 302) و

392

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قد نهى عن قتلك، و مع أبي البختريّ زميل له خرج معه من مكة، و هو جنادة بن مليحة بن زهير بن الحارث بن أسد-و جنادة رجل من بني ليث. و اسم أبي البختريّ العاصي بن هشام بن الحارث بن أسد-قال:

و زميلي؟فقال المجذّر: لا و اللّه ما نحن بتاركي زميلك؛ ما أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلاّ بك وحدك. قال: و اللّه إذا لأموتن‏[أنا][1]و هو جميعا!لا تتحدّث عنّي نساء قريش بين أهل مكة أنّي تركت زميلي حرصا على الحياة. فقال أبو البختريّ حين نازله المجذّر و أبى إلاّ القتال‏[2]و هو يرتجز:

لن يسلم ابن حرّة أكيله‏[3] # حتّى يموت أو يرى سبيله‏

/فاقتتلا، فقتله المجذّر بن ذياد. ثم أتى المجذّر بن ذياد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: و الّذي بعثك بالحق، لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به، فأبى إلاّ القتال، فقاتلته فقتلته.

عبد الرحمن بن عوف و أمية بن خلف:

قال محمد بن إسحاق: و حدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير عن أبيه، قال: و حدّثنيه‏[4]أيضا عبد اللّه بن أبي بكر و غيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال:

كان أميّة بن خلف لي صديقا بمكة. قال: و كان اسمي عبد عمرو، فسمّيت حين أسلمت عبد الرحمن و نحن بمكة. قال: و كان يلقاني بمكة فيقول: يا عبد عمرو، أرغبت عن اسم سمّاك به أبواك؟فأقول نعم؛ فيقول: فإنّي لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني و بينك شيئا أدعوك به، أمّا أنت فلا تجيبني باسمك الأوّل، و أمّا أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. قال: فكان إذا دعاني: يا عبد عمرو، لم أجبه. فقلت: اجعل بيني و بينك يا أبا عليّ ما شئت. قال: فأنت عبد الإله. فقلت نعم. قال: فكنت إذا مررت به قال: يا عبد/الإله فأجيبه فأتحدّث معه. حتى إذا كان يوم بدر، مررت به و هو واقف مع عليّ ابنه آخذا بيده، و معي أدراع قد سلبتها و أنا أحملها. فلمّا رآني قال: يا عبد عمرو، فلم أجبه. فقال: يا عبد الإله، قلت نعم. قال: هل لك فيّ فأنا خير لك من هذه الأدراع؟قلت: نعم، هلمّ إذا.

فطرحت الأدراع من يدي و أخذت بيده و بيد ابنه عليّ، و هو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ، أ ما لكم حاجة في اللبن‏[5]؟ ثم خرجت أمشى بينهما.

مقتل أمية بن خلف و ابنه:

قال ابن إسحاق: و حدّثني عبد الواحد بن أبي عون عن سعد[6]بن إبراهيم بن عبد الرحمن عن أبيه عن‏[7] عبد الرحمن بن عوف قال:

() «المشتبه في أسماء الرجال» للذهبي (ص 464) و «شرح القاموس» مادة ذود. و ورد فيه: «و المجذر بن ذياد بالكسر و يقال ذيّاد ككتّان، و الأول أكثر» . و في الأصول: «زياد» بالزاي. و في «سيرة ابن هشام» (ص 447) : «و يقال المجذر بن ذئاب» .

[1]زيادة عن م و «السيرة» و الطبري.

[2]كذا في م و «السيرة» . و في سائر الأصول: «القتل» .

[3]في «سيرة ابن هشام» : «زميله» .

[4]كذا في «السيرة» . و في الأصول: «حدّثني» .

[5]قال ابن هشام: «يريد باللبن أن من أسرني افتديت منه بابل كثيرة اللبن» .

[6]كذا في الطبري. و في «تهذيب التهذيب» لابن حجر العسقلاني أن عبد الواحد بن أبي عون يروي عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. و قد ورد في الأصول: «... أبي عون بن سعيد بن إبراهيم إلخ» و هو خطأ.

[7]كذا في م و «سيرة ابن هشام» و الطبري. و في سائر الأصول: «عن أبيه عبد الرحمن» و هو خطأ.

393

قال لي أميّة بن خلف و أنا بينه و بين ابنه آخذ بأيديهما: يا عبد الإله، من الرجل المعلم‏[1]منكم بريش نعامة في صدره؟قال قلت: ذلك حمزة بن عبد المطّلب. قال: ذلك الذي فعل بنا الأفاعيل. قال عبد الرحمن: فو اللّه إنّي لأقودهما إذ رآه بلال معي-و كان هو الذي يعذّب بلالا بمكة على أن يترك الإسلام، فيخرجه إلى رمضاء مكة[2]إذا حميت فيضجعه على ظهره، ثم يأمر[3]بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تفارق دين محمد؛ فيقول بلال: أحد أحد-فقال بلال حين رآه: رأس الكفر أميّة بن خلف، لا نجوت إن نجوا!قال:

قلت: أي بلال، أ بأسيريّ!قال: لا نجوت إن نجوا!قلت: أي بلال، أ بأسيريّ تسمّع‏[4]يا بن السوداء!قال: لا نجوت إن نجوا!ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار اللّه، رأس الكفر أميّة بن خلف، لا نجوت إن نجوا. قال:

فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة[5]و أنا أذبّ عنه. قال: فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه‏[6]فوقع، و صاح أميّة/صيحة ما سمعت بمثلها قطّ. قال قلت: انج بنفسك و لا نجاء[7]!فو اللّه ما أغني عنك شيئا. قال:

فهبروهما[8]بأسيافهم حتى فرغوا منهما. قال: فكان عبد الرحمن يقول: رحم اللّه بلالا!ذهب بأدراعي و فجعني بأسيريّ.

قتال الملائكة في غزوة بدر:

قال ابن إسحاق حدّثني عبد اللّه بن أبي بكر أنه حدث عن ابن عباس قال حدّثني رجل من بني غفار[9]قال:

أقبلت أنا و ابن عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، و نحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدّبرة[10]-فننهب مع من ينهب. فبينا نحن في الجبل إذ دنت منّا سحابة، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، و سمعت قائلا يقول: أقدم‏[11]حيزوم. قال: فأمّا ابن عمّي فانكشف قناع‏[12]قلبه فمات مكانه. و أما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت.

قال محمد بن إسحاق حدّثني أبي إسحاق بن يسار عن رجال من بني مازن بن النجّار عن أبي داود المازنيّ، و كان شهد بدرا، قال:

[1]كذا في م و «السيرة» و الطبري. و في سائر الأصول: «المتعلم» .

[2]كذا في م و «السيرة» و الطبري. و في سائر الأصول: «رمضاء بمكة» .

[3]كذا في م و «السيرة» . و في سائر الأصول: «يأتي» .

[4]كذا في م. و التسميع: التشهير؛ يقال: سمّع بالرجل، إذا أذاع عنه عيبا و ندّد به و شهره و فضحه. و في جـ و الطبري: «أي بلال تسمع يا ابن السوداء» . و في سائر الأصول: «أي بلال أ تسمع يا ابن السوداء» .

[5]كذا في م و «السيرة» و الطبري. و المسكة (بالتحريك) : السوار. و في سائر الأصول: «السكة» و هو تحريف.

[6]كذا في «السيرة» . و في الأصول: «قال: فضرب رجل أمية فوقع إلخ» .

[7]في «السيرة» : «انج بنفسك و لا نجاء به» .

[8]هبروهما: قطعوهما.

[9]كذا في «سيرة ابن هشام» و «تاريخ الطبري» . و في الأصول: «بني عفان» .

[10]الدبرة (بالفتح) : العاقبة؛ يقال: لمن الدبرة أي الدولة و النصر و الظفر، و على من الدبرة أي الهزيمة.

[11]أقدم حيزوم: أمر بالإقدام، و هو التقدّم في الحرب، و الإقدام: الشجاعة. و قد تكسر همزة «اقدم» فيكون أمرا بالتقدّم لا غير، و الصحيح الفتح من أقدم. و حيزوم: اسم فرس جبريل عليه السّلام. (انظر ابن الأثير و «اللسان» مادتي قدم و حزم) .

[12]قناع القلب: غشاؤه؛ تشبيها بقناع المرأة.

394

إنّ لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعلمت أنه قد قتله غيري.

/حدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه بن الحكم المصريّ قال حدّثنا يحيى بن بكير قال حدّثني محمد بن إسحاق عن العلاء بن كثير عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال:

قال لي أبي: يا بنيّ، لقد رأيتنا يوم بدر و إنّ أحدنا ليشير إلى المشرك بسيفه فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف.

لباس الملائكة يوم بدر و حنين:

حدّثنا محمد قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن محمد قال، و حدّثني الحسن بن عمارة قال أخبرنا سلمة عن الحكم بن عتيبة[1]عن مقسم مولى عبد اللّه/بن الحارث عن عبد اللّه بن عباس قال:

كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها على‏[2]ظهورهم، و يوم حنين عمائم حمرا، و لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيّام سوى يوم بدر، و كانوا يكونون فيما سواه من الأيام مددا و عددا و لا يضربون.

مقتل أبي جهل بن هشام:

حدّثنا محمد قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة قال، قال محمد و حدّثني ثور بن زيد[3]ولي بني‏[4]الدّيل عن عكرمة مولى ابن عبّاس عن ابن عباس، قال و حدّثني عبد اللّه بن أبي بكر، قالا: كان معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة يقول:

لمّا فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من غزوة بدر أمر بأبي جهل أن يلتمس في القتلى، و قال: «اللّهمّ لا يعجزنّك» . و كان أوّل من لقي أبا جهل معاذ بن عمرو بن الجموح، قال: سمعت القوم، و أبو جهل في مثل الحرجة[5]، و هم يقولون: أبو الحكم/لا يخلص إليه. فلمّا سمعتها جعلتها من شأني، فعمدت نحوه، فلمّا أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنّت‏[6]قدمه بنصف ساقه، فو اللّه ما شبّهتها حين طاحت إلاّ كالنواة تطيح من تحت مرضخة[7]النّوى حين يضرب بها. قال: و ضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلّقت بجلدة من جنبي، و أجهضني القتال عنها؛ فلقد قاتلت عامّة يومي و إنّي لأسحبها خلفي، فلمّا آذتني جعلت عليها رجلي ثم تمطّيت بها حتى طرحتها.

قال: ثم عاش معاذ بعد ذلك حتى كان في زمن عثمان بن عفّان. قال: ثم مرّ بأبي جهل، و هو عقير[8]، معوّذ بن [1]كذا في «المشتبه في أسماء الرجال» للذهبي و «تهذيب التهذيب» . و في الأصول: «عيينة» و هو تصحيف.

[2]كذا في «السيرة» . و في الأصول: «في» .

[3]في الأصول: «يزيد» و التصويب عن «تهذيب التهذيب» و الطبري.

[4]كذا في م. و في سائر الأصول: «ابن الديل» .

[5]الحرجة بالتحريك: مجتمع شجر ملتف كالغيضة، و الجمع: حرج و حراج.

[6]أطنت: قطعت.

[7]كذا في الطبري. و في «النهاية» لابن الأثير: «شبهتها النواة تنزو من تحت المراضخ» جمع مرضخة، و هي حجر يرضخ به النوى.

و الرضخ: الكسر. و في الأصول: «مرضة النوى» . و رض الشي‏ء: دقه و جرشه.

[8]كذا في م و «السيرة» و الطبري. و العقير: المجروح. و في سائر الأصول: «عفير» بالفاء، و هو تصحيف.

395

عفراء، فضربه حتى أثبته‏[1]، فتركه و به رمق، و قاتل معوذ حتى قتل. فمرّ عبد اللّه بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أن يلتمس في القتلى، و قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فيما بلغني: «انظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح بركبته؛ فإنّي ازدحمت أنا و هو يوما على مأدبة لعبد اللّه بن جدعان‏[و نحن غلامان‏][2]و كنت أشبّ-أو أشفّ- منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فخدش‏[في‏][2]إحداهما خدشا لم يزل أثره فيها بعد» [3]. فقال عبد اللّه بن مسعود: فوجدته بآخر رمق فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه. قال: و قد كان ضبث‏[4]بي مرّة بمكة فآذاني و لكزني، ثم قلت: هل أخزاك اللّه/يا عدوّ اللّه؟قال: و بما ذا أخزاني!أعمد[5]من رجل قتلتموه!لمن الدّبرة اليوم؟ قال: قلت: للّه و لرسوله صلّى اللّه عليه و سلّم.

حدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن محمد قال:

زعم رجال من بني مخزوم أنّ ابن مسعود كان يقول: قال لي أبو جهل: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا؛ ثم احتززت رأسه، ثم جئت به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقلت: يا رسول اللّه، هذا رأس عدوّ اللّه أبي جهل. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «اللّه الذي لا إله غيره» !-و كانت يمين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم-قلت: نعم و اللّه الذي لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؛ قال: فحمد اللّه.

تكليم النبي أصحاب القليب بعد موتهم:

قال محمد بن إسحاق و حدّثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزّبير عن عائشة قالت:

لمّا أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيها إلاّ ما كان من أميّة بن خلف، فإنّه انتفخ في درعه فملأها؛ فذهبوا به ليخرجوه فتزايل، فأقرّوه‏[6]و ألقوا عليه ما غيّبه من التراب و الحجارة. فلمّا ألقوهم في القليب، وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم/فقال: «يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا فإني وجدت ما وعدني ربّي حقّا» . فقال له أصحابه: يا رسول اللّه، أتكلّم قوما/موتى؟قال: «لقد علموا أنّ ما وعدهم ربّهم حقّ» . قالت عائشة: و الناس يقولون: «لقد سمعوا ما قلت لهم» ، و إنما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «لقد علموا» .

قال ابن إسحاق و حدّثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال:

لمّا سمع أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و هو يقول من جوف الليل: «يا أهل القليب يا عتبة بن ربيعة و يا شيبة بن ربيعة و يا أبا جهل بن هشام-فعدّد من كان منهم في القليب-هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا فإنّي قد [1]أي جرحه جراحا لا يتحرّك معها و لا يقوم.

[2]زيادة عن م و «السيرة» .

[3]كذا في م. و في سائر الأصول: «بعده» .

[4]ضبث بالشي‏ء ضبثا: قبض عليه بكفه.

[5]أعمد: أي أعجب. قال أبو عبيد: معناه هل زاد على سيد قتله قومه!هل كان إلا هذا!أي إن هذا ليس بعار. يريد أن يهوّن على نفسه ما حل به من الهلاك، و أنه ليس بعار عليه أن يقتله قومه. و قال شمر: هذا استفهام أي أ أعجب من رجل قتله قومه!قال الأزهري: كأن الأصل أ أعمد إلخ فخففت إحدى الهمزتين. و المراد بالدبرة: الدولة و الظفر كما مرّ في الحاشية رقم 4 ص 198 من هذا الجزء.

[6]كذا في «السيرة» . و في الأصول: «فأفروه» بالفاء، و هو تصحيف. ـ

396

وجدت ما وعدني ربّي حقّا» قال المسلمون: يا رسول اللّه، أ تنادي قوما قد جيّفوا!فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، و لكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني» .

قال محمد بن إسحاق و حدّثني بعض أهل العلم: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يوم قال هذه المقالة قال: «يا أهل القليب بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم!كذّبتموني و صدّقني الناس، و أخرجتموني و آواني الناس، و قاتلتموني و نصرني الناس» . ثم قال: «هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا» للمقالة التي قالها. و لمّا أمر بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أن يلقوا في القليب، أخذ عتبة فسحب إلى القليب، فنظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فيما بلغني، إلى وجه أبي حذيفة بن عتبة، فإذا هو كثيب قد تغيّر؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «يا أبا حذيفة لعلّك قد دخلك من شأن أبيك شي‏ء» أو كما قال. قال فقال: لا و اللّه يا رسول اللّه ما شككت في أبي و لا في مصرعه، و لكنّني كنت أعرف من أبي رأيا و فضلا و حلما، فكنت أرجو أن يهديه اللّه إلى الإسلام، فلمّا رأيت ما أصابه و ذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني‏[1] ذلك. قال: فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم له بخير و قال له خيرا.

اختلاف المسلمين على الفي‏ء:

ثم إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أمر بما في العسكر مما جمع الناس فجمع، و اختلف المسلمون فيه: فقال من جمعه: هو لنا، و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم نفّل كلّ امرئ ما أصاب. فقال الذين كانا يقاتلون العدوّ و يطلبونهم: لو لا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا القوم عنكم حتّى أصبتم ما أصبتم. و قال‏[2]الذين كانوا يحرسون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مخافة أن يخالف‏[3]إليه العدوّ: و اللّه ما أنتم بأحقّ منّا، و لقد رأينا أن نقتل العدوّ إذ ولاّنا اللّه و منحنا أكتافهم، و لقد رأينا أن تأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، و لكن خفنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم كرّة العدوّ، فقمنا دونه، فما أنتم بأحقّ به منّا.

مقتل النضر بن الحارث:

قال ابن إسحاق و حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة و يزيد بن رومان: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم جمع الأسارى من المشركين، و كانوا أربعة و أربعين أسيرا، و كان من القتلى مثل ذلك، و في الأسارى عقبة بن أبي معيط، و النّضر بن الحارث بن كلدة، حتّى إذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بالصّفراء، قتل النّضر بن الحارث بن كلدة، قتله عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

تعنيف سودة لسهيل بن عمرو حين أسر و عتاب النبيّ لها في ذلك:

قال محمد بن إسحاق حدّثني عبد اللّه بن أبي بكر عن يحيى بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن سعد[4]بن زرارة قال:

[1]كذا في «السيرة» . و في الأصول: «فلما رأيت ما أصابه ذكرت...... فحزنني ذلك» .

[2]كذا في «السيرة» . و في الأصول: «فقال» .

[3]أي مخافة أن يأتيه العدوّ في غيبة أصحابه.

[4]في الأصول: «أسعد» و هو خطأ؛ و التصويب عن «طبقات ابن سعد» (ج 3 ص 138 من القسم الثاني طبع أوروبا) . قال ابن سعد ما نصه: «و كان لأسعد بن زرارة من الولد حبيبة مبايعة، و كبشة مبايعة، و الفريعة مبايعة؛ و أمهم عميرة بنت سهل بن ثعلبة بن

397

/قدم بالأسارى/حين قدم بهم، و سودة بنت زمعة (زوج النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم) عند آل عفراء في مناحتهم على عوف و معوّذ ابني عفراء، و ذلك قبل أن يضرب عليهنّ الحجاب. قال: تقول سودة: و اللّه إنّي لعندهم إذ أتينا، فقيل:

هؤلاء الأسارى قد أتي بهم، فرحت إلى بيتي و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فيه، و إذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. قالت: فو اللّه ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت: يا أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، أ لا متّم كراما!فو اللّه ما أنبهني إلاّ قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من البيت: «يا سودة أعلى اللّه و على رسوله» !قالت فقلت: يا رسول اللّه، و الذي بعثك بالحقّ ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بحبل أن قلت ما قلت.

إخبار الحيسمان أهل مكة عن قتلى بدر:

قال محمد بن إسحاق: و كان أوّل من قدم مكة بمصاب قريش، الحيسمان‏[1]بن عبد اللّه بن إياس بن ضبيعة بن رومان بن كعب بن عمرو الخزاعيّ. قالوا: ما وراءك؟قال: قتل عتبة بن ربيعة، و شيبة بن ربيعة، و أبو الحكم بن هشام، و أميّة بن خلف، و زمعة بن الأسود، و أبو البختريّ بن هشام، و نبيه و منبّه ابنا الحجّاج. قال: فلمّا جعل يعدّد أشراف قريش قال صفوان بن أميّة و هو قاعد في الحجر: و اللّه إن يعقل هذا فسلوه عنّي. قالوا: ما فعل صفوان بن أميّة؟قال: هو ذلك جالس في الحجر، و قد و اللّه رأيت أباه و أخاه حين قتلا.

أبو لهب و تخلفه عن الحرب ثم موته:

قال محمد بن إسحاق حدّثني حسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عبّاس عن عكرمة[2]مولى ابن عبّاس قال:

قال أبو رافع مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: كنت غلاما للعبّاس بن عبد المطّلب، و كان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، [فأسلم العبّاس‏][3]و أسلمت أمّ الفضل، و أسلمت، و كان العبّاس يهاب قومه، و يكره خلافهم، و كان يكتم إسلامه، و كان ذا مال كثير متفرّق في قومه، و كان أبو لهب عدوّ اللّه قد تخلّف عن بدر، و بعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، و كذلك صنعوا، لم يتخلّف رجل إلاّ بعث مكانه رجلا. فلمّا جاء الخبر عن مصاب أهل بدر من قريش، كبته اللّه و أخزاه، و وجدنا في أنفسنا قوّة و عزّا؛ و كنت رجلا ضعيفا، و كنت أعمل القداح أنحتها في حجرة زمزم؛ فو اللّه إنّي لجالس فيها أنحت القداح، و عندي أمّ الفضل جالسة و قد سرّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرّ رجليه يسير[4]حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب قد قدم؛ فقال أبو لهب: هلمّ إليّ يا بن أخي، فعندك لعمري الخبر. فجلس () الحارث بن يزيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، و لم يكن لأسعد بن زرارة ذكر و ليس له عقب إلا ولادات بناته هؤلاء، و العقب لأخيه سعد من زرارة» .

[1]كذا في «تاريخ الطبري» (ص 1338 من القسم الأوّل طبع أوروبا) و «سيرة ابن هشام» (ص 460) و «شرح القاموس» مادة «حسم» .

و في الأصول: «الحيثمان» بالثاء المثلثة، و هو تحريف. ثم ذكر الطبري خلافا في نسب الحيسمان هذا فقال: «و قال الواقديّ:

الحيسمان بن حابس الخزاعي» . و في «الاشتقاق» لابن دريد (ص 280) : «الحيسمان بن عمرو» . و في «أسد الغابة» : «الحيسمان بن إياس بن عبد اللّه بن إياس بن ضبيعة بن عمرو بن مازن» . و ذكر في «الإصابة» في نسبه أقوالا كثيرة، فراجعها.

[2]كذا في «سيرة ابن هشام» . و في سائر النسخ: «عن عكرمة بن إسحاق مولى ابن عباس» تحريف.

[3]الزيادة عن «السيرة» .

[4]في «السيرة» : «بشرّ» .

398

إليه و النّاس قيام عليه. فقال يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟قال: لا شي‏ء و اللّه، إن كان إلاّ أن لقيناهم فأبحناهم أكتافنا يقتلون و يأسرون كيف شاءوا. و ايم اللّه مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء و الأرض ما تليق‏[1]شيئا و لا يقوم لها شي‏ء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك و اللّه الملائكة!فرفع أبو لهب/يده فضرب وجهي ضربة شديدة. قال: فساورته فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك عليّ يضربني، و كنت رجلا ضعيفا؛ فقامت أمّ الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة، فشجّت في رأسه/شجّة منكرة و قالت: أ تستضعفه أن غاب عنه سيّده!فقام مولّيا ذليلا. فو اللّه ما عاش فيها إلاّ سبع ليال حتى رماه اللّه جلّ جلاله بالعدسة[2]فقتلته؛ فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا لا يدفنانه حتّى أنتن في بيته-و كانت قريش تتّقي العدسة كما يتّقى الطاعون-حتى قال لهما رجل من قريش ويحكما!لا تستحييان أنّ أباكما قد أنتن في بيته لا تغيّبانه!فقالا: نخشى هذه القرحة. قال: فانطلقا فأنا معكما. فما غسّلوه إلاّ قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسّونه؛ فاحتملوه فدفنوه بأعلى مكة على جدار، و قذفوا عليه الحجارة حتّى واروه.

العباس بن عبد المطلب و تألم النبي لأسره:

قال محمد بن إسحاق و حدّثني العبّاس بن عبد اللّه بن معبد عن بعض أهله عن الحكم بن عتيبة عن ابن عبّاس قال:

لمّا أمسى القوم من يوم بدر، و الأسارى محبوسون في الوثاق، بات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ساهرا أوّل ليلته. فقال له أصحابه: يا رسول اللّه، ما لك لا تنام؟فقال: «سمعت تضوّر العبّاس في وثاقه» ؛ فقاموا إلى العبّاس فأطلقوه؛ فنام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.

قال ابن إسحاق و حدّثني الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن ابن عبّاس قال:

كان الذي أسر العبّاس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة، و كان رجلا مجموعا، و كان العبّاس رجلا جسيما. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لأبي اليسر: / «كيف أسرت العبّاس يا أبا اليسر» ؟فقال: يا رسول اللّه، أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك و لا بعده، هيئته كذا و كذا. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «لقد أعانك عليه ملك كريم» .

طلب منه النبي الفداء و أخبره عن أمواله بمكة:

قال ابن إسحاق عن الكلبيّ‏[3]عن أبي صالح عن ابن عبّاس:

أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال للعبّاس بن عبد المطلب حين انتهي به إلى المدينة: «يا عبّاس افد نفسك، و ابن أخيك عقيل بن أبي طالب، و نوفل بن الحارث، و حليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر؛ فإنك ذو مال» . فقال: يا رسول اللّه، إنّي كنت مسلما و لكنّ القوم استكرهوني. فقال: «اللّه أعلم بإسلامك، إن يكن ما [1]ما تليق شيئا: ما تبقى على شي‏ء؛ يقال: هذا سيف لا يليق شيئا أي لا يمرّ بشي‏ء إلا قطعه. و في ب، حـ: «ما تلين» ؛ و هو تحريف.

[2]العدسة: بثرة قاتلة تخرج بالبدر.

[3]كذا في أكثر الأصول و الطبري. و في س: «عن ابن الكلبي» ، و الذي يروي عنه ابن إسحاق، كما في «الأنساب» للسمعاني، هو محمد بن السائب الكلبي، و محمد هذا يسميه الرواة كثيرا «الكلبي» . و في بعض الأحيان «ابن الكلبي» . و أما هشام ابنه فيعرف بالكلبي قولا واحدا، و لم نعرف أن ابن إسحاق روى عنه.

399

تذكر حقّا فاللّه يجزيك به، فأمّا ظاهر أمرك فقد كان علينا؛ فافد نفسك» . و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قد أخذ منه عشرين أوقيّة من ذهب. فقال العبّاس: يا رسول اللّه، احسبها لي في فدائي. قال: «لا، ذلك شي‏ء أعطاناه اللّه منك» قال:

فإنّه ليس لي مال. قال قال: «فأين المال الذي وضعته بمكة حين خرجت من عند أمّ الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد، ثم قلت لها إن أصبت في سفرتي هذه فللفضل كذا و لعبد اللّه كذا و لقثم كذا و لعبيد اللّه كذا» ؟قال:

و الذي بعثك بالحقّ ما علم هذا أحد غيري و غيرها، و إنّي لأعلم أنّك رسول اللّه. ففدى العبّاس نفسه و ابن أخيه و حليفه.

فدت زينب زوجها أبا العاصي فردّ عليها النبي الفداء:

قال ابن إسحاق: و حدّثني يحيى‏[1]بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير عن أبيه عن عائشة قالت:

لمّا بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في فداء أبي العاصي بن الربيع بمال، و بعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاصي حين بنى عليها. فلمّا رآها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم رقّ لها[2] رقّة شديدة و قال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها و تردّوا عليها الذي لها فافعلوا» !فقالوا: نعم يا رسول اللّه؛ /فأطلقوه و ردّوا عليها الذي لها.

رثاه الأسود بن المطلب لأولاده:

قال ابن إسحاق. حدّثني يحيى بن عبّاد عن أبيه قال:

ناحت قريش على قتلاها، ثم قالت: لا تفعلوا فيبلغ ذلك محمدا[و أصحابه‏][3]فيشمتوا بكم، و لا تبعثوا في فداء أسراكم حتى تستأنوا[4]بهم، لا يتأرّب‏[5]عليكم محمد و أصحابه في الفداء. قال: و كان الأسود بن المطّلب‏[6] قد أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة[7]و عقيل و الحارث بنو الأسود، و كان يحبّ أن يبكي على بنيه. فبينا هو/كذلك إذ سمع نائحة في الليل، فقال لغلامه و قد ذهب بصره: أنظر هل أحلّ النّحيب؟و هل بكت قريش على قتلاها؟لعلّي أبكي على أبي حكيمة (يعني زمعة) ؛ فإنّ جوفي قد احترق. فلمّا رجع إليه الغلام قال: إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلّته؛ فذلك حين يقول الأسود:

[1]كذا في م و «السيرة» (ص 465) و الطبري (قسم أوّل ص 1347) و فيما سيأتي في هذه الصفحة في جميع الأصول. و في سائر الأصول هنا: «محمد بن عباد» . و محمد بن عباد هذا هو أخو يحيى بن عباد، و لم تعرف لابن إسحاق رواية عنه.

[2]كذا في «السيرة» لابن هشام (ص 465 طبع أوروبا) . و في الأصول: «فلما رآها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم رق لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم رقة إلخ» و لعل هذا تكرار من الناسخ.

[3]زيادة عن س.

[4]كذا في الطبري (قسم 1 ص 1342) و «السيرة» (ص 461) . و استأنى: تربص و انتظر. و في ب، حـ: «حتى يستأنسوا بهم» . و في س: «حتى يتأسوا منهم» .

[5]كذا في الطبري. و يتأرب: يتأبى و يتشدّد. و في «السيرة» و «اللسان» مادة أرب: «لا يأرب» . و أرب: تشدّد. و في الأصول: «و لا يتأوب» بالواو.

[6]كذا في «السيرة» و هو الموافق لما في «حماسة أبي تمام» (ص 397-شرح التبريزي طبع أوروبا) و «الاشتقاق» لابن دريد. و في الأصول و الطبري: «ابن عبد يغوث» و هو خطأ.

[7]انظر الحاشية رقم 5 ص 180 من هذا الجزء.

400

أ تبكي أن أضلّ لها بعير # و يمنعها البكاء من الهجود[1]

و لا[2]تبكي على بكر و لكن # على بدر تقاصرت الجدود[3]

على بدر سراة[4]بني هصيص # و مخزوم و رهط أبي الوليد

و بكّي‏[5]إن بكيت على عقيل # و بكّي حارثا أسد الأسود

و بكّيهم و لا تسمي جميعا # فما لأبي حكيمة من نديد

ألا قد ساد بعدهم رجال # و لو لا يوم بدر لم يسودوا

رثاء هند بنت عتبة أباها:

و مما قيل في بدر من الشّعر و غنّي به قول هند بنت عتبة ترثي أباها:

صوت‏

من حسّ‏[6]لي الأخوين كالـ # غصنين أو من راهما[7]

قرمان‏[8]لا يتظالما # ن و لا يرام حماهما

ويلي على أبويّ و الـ # قبر الذي واراهما

لا مثل كهلي في الكهو # ل و لا فتى كفتاهما

-ذكر الهشاميّ أنّ الغناء لابن سريج رمل، و في الكتاب الكبير المنسوب إلى إسحاق أنه للغريض-و تمام هذه الأبيات:

[1]ورد هذا البيت في «حماسة أبي تمام» و «السيرة» ص 462 و الطبري هكذا:

أ تبكي أن يضل لها بعير # و يمنعها من النوم السهود

و ذكر معه في «الحماسة» الثاني و الأخير من هذه الأبيات، و هما البيتان المتفقان معه في حركة الروي.

[2]في «الحماسة» و الطبري و «السيرة» : «فلا..... إلخ» .

[3]البكر: الفتيّ من الإبل. و تقاصرت الجدود أي تواضعت الحظوظ. يريد أنه يستهين فقد المال و يستعظم فقد النفوس. و تقاصرت:

تفاعلت من القصور و العجز، كأنها تبارت في القصور. و يحتمل أن تكون من القصر الذي هو ضد الطول، و تكون كلمة «على» من «على بدر» موضوعة موضع الباء؛ كما يقال: هم على ماء كذا و هم بماء كذا. و قال أبو هلال: تقاصرت الجدود: عثرت. و العاثر يتطأطأ عند العثار فيتقاصر. و العثار في الجدّ مثل، و كذلك التقاصر. و يجوز أن يقال: إنه أراد بالجدود الأعمار أي إنه قتل من قتل من المشركين فذهب بهم عز قريش، أي لا تبكي على بكر و ابكي على من تقاصرت جدودهم ببدر فهلكوا. (عن «شرح الحماسة» للتبريزي باختصار) .

[4]سراة: جمع سرى و هو السيد الكريم.

[5]بكّاه بالتضعيف مثل بكاه المخفف.

[6]حس من باب نصر كأحس.

[7]أصل راهما: رآهما؛ فخففت فيه الهمزة على حدّ: «لا هناك المرتع» ؛ فاجتمعت ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين. (انظر «اللسان» مادة رأى) .

[8]القرم: السيد العظيم.

401

أسدان لا يتذلّلا # ن و لا يرام حماهما

رمحين خطّيّين في # كبد السماء تراهما

ما خلّفا إذ ودّعا # في سودد شرواهما[1]

سادا بغير تكلّف # عفوا يفيض نداهما

معاظمتها الخنساء بعكاظ و شعرهما في مصابهما:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني الحارث بن أبي أسامة قال حدّثنا محمد بن سعد عن الواقديّ، و أخبرني ابن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الواقديّ عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد قال:

لمّا كانت وقعة بدر، قتل فيها عتبة بن ربيعة، و شيبة بن ربيعة، و الوليد بن عتبة؛ فأقبلت هند بنت عتبة ترثيهم، و بلغها تسويم‏[2]الخنساء هودجها في الموسم/و معاظمتها العرب بمصيبتها بأبيها عمرو بن الشّريد و أخويها صخر و معاوية، و أنّها/جعلت تشهد الموسم و تبكيهم، و قد سوّمت هودجها براية، و أنها تقول: أنا أعظم العرب مصيبة، و أنّ العرب قد عرفت لها بعض ذلك. فلمّا أصيبت هند بما أصيبت به و بلغها ذلك، قالت: أنا أعظم من الخنساء مصيبة، و أمرت بهودجها فسوّم براية، و شهدت الموسم بعكاظ، و كانت سوقا يجتمع فيها العرب، فقالت:

اقرنوا جملي بجمل الخنساء، ففعلوا. فلمّا أن دنت منها، قالت لها الخنساء: من أنت يا أخيّة؟قالت: أنا هند بنت عتبة أعظم العرب مصيبة، و قد بلغني أنّك تعاظمين العرب بمصيبتك، فبم تعاظمينهم؟فقالت الخنساء: بعمرو بن الشّريد، و صخر و معاوية ابني عمرو، و بم تعاظمينهم أنت؟قالت: بأبي عتبة بن ربيعة، و عمّي شيبة بن ربيعة، و أخي الوليد. قالت الخنساء: أو سواء هم عندك؟ثم أنشدت تقول:

أبكي أبي عمرا بعين غزيرة # قليل إذا نام الخليّ هجودها

و صنويّ لا أنسى معاوية الذي # له من سراة الحرّتين‏[3]وفودها

و صخرا، و من ذا مثل صخر إذا غدا # بساهمة[4]الآطال قبّا يقودها

فذلك يا هند الرّزيّة فاعلمي # و نيران حرب حين شبّ وقودها

/فقالت هند تجيبها:

أبكي عميد الأبطحين‏[5]كليهما # و حاميهما من كل باغ يريدها

[1]شرواهما: مثلهما.

[2]سوّم الشي‏ء: جعل له سومة و علامة ليعرف بها و يتميز.

[3]الحرّة: الأرض ذات الحجارة السود النخرة. و المراد بالحرّتين: حرة بني سليم و حرة بني هلال بالحجاز. أي هو مقصد الأشراف من القبائل تأتيه وفودها فيما يلم بها.

[4]كذا في «ديوان الخنساء» (طبع المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين سنة 1895) . و الساهمة: الدقيقة. و الآطال: جمع إطل (بالكسر و بكسرتين) و هو الخاصرة. و في م: «بسلهبة الآطال» و السلهبة: من الخيل الطويلة على وجه الأرض. و في سائر الأصول:

«الأبطال» و هو تحريف. و في نسخة مخطوطة من «الديوان» محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (570 أدب ص 86) : «بساهمة الأبصار قب» . و القب: جمع أقب و قباء، و هي الفرس الدقيقة الخصر الضامرة البطن.

[5]عميد القوم: سندهم و سيدهم. و تريد بالأبطحين: بطحاء مكة و سهل تهامة. و أصل الأبطح: المسيل الواسع فيه دقاق الحصى.

402

أبي عتبة الخيرات ويحك فاعلمي # و شيبة و الحامي الذّمار وليدها

أولئك آل المجد من آل غالب # و في العزّ منها حين ينمي عديدها[1]

و قالت لها أيضا يومئذ:

من حسّ لي الأخوين كالـ # غصنين أو من راهما

لم ينكر معاوية على عبد اللّه بن جعفر سماعه الغناء:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني بعض القرشيّين قال:

قدم عبد اللّه بن جعفر على معاوية وافدا، فدخل عليه إنسان ثم ذهب إلى معاوية فقال: هذا ابن جعفر يشرب النّبيذ، و يسمع الغناء، و يحرّك رأسه عليه. فجاء معاوية متغيّرا حتّى دخل على ابن جعفر، و عزّة الميلاء بين يديه كالشمس الطالعة في كواء[2]البيت يضي‏ء بها البيت، تغنّيه على عودها:

تبلت‏[3]فؤادك في الظلام خريدة # تشفي الضّجيع ببارد بسّام‏

و بين يديه عسّ‏[4]؛ فقال: ما هذا يا أبا جعفر؟قال: أقسمت عليك يا أمير المؤمنين لتشربنّ منه، فإذا عسل مجدوح‏[5]بمسك و كافور. فقال: هذا طيّب، فما هذا الغناء؟قال: هذا شعر حسّان بن ثابت في الحارث بن هشام.

قال: فهل تغنّي بغير هذا؟/قال: نعم، بالشعر الذي يأتيك به الأعرابيّ الجافي‏[6]الأدفر، القبيح المنظر، فيشافهك به، فتعطيه عليه؛ و آخذه أنا، فأختار محاسنه و رقيق كلامه، فأعطيه هذه الحسنة الوجه، اللّيّنة اللمس، الطيبة الريح، فترتله بهذا الصوت الحسن. قال: فما تحريكك رأسك؟قال: أريحيّة أجدها إذا سمعت الغناء، لو سئلت عندها لأعطيت، و لو لقيت لأبليت. فقال معاوية: قبّح اللّه قوما عرّضوني لك. ثم خرج و بعث/إليه بصلة.

صوت من المائة المختارة

عمر بن أبي ربيعة و نعم:

أيّها القلب لا أراك تفيق # طالما قد تعلّقتك العلوق‏[7]

من يكن من هوى حبيب قريبا # فأنا النازح البعيد السّحيق‏

[1]عديدها: جموعها.

[2]كواء البيت: منافذه و ثقوبه، واحدها كوّة. و في م: «كسر البيت» . و في سائر الأصول: «كذا البيت» بالدال المهملة، و هو تحريف.

[3]ورد هذا البيت في «ديوان حسان» (طبع أوروبا ص 3) هكذا:

تبلت فؤادك في المنام خريدة # تسقى الضجيع ببارد بسام‏

و تبلت فؤادك: أسقمته و ذهبت به.

[4]العس (بالضم) : القدح الكبير.

[5]مجدوح: مخلوط.

[6]الجافي: الغليظ في المعاشرة. و الأدفر (بالدال المهملة) : النتن.

[7]يريد به ما علقه من كلف الحب و جهده.

403

قضي الحبّ بيننا فالتقينا # و كلانا إلى اللّقاء مشوق‏

الشعر في البيت الأوّل و الثالث لعمر بن أبي ربيعة، و البيت الثاني ليس له، و لكن هكذا غنّي؛ و ليس هو أيضا مشاكلا لحكاية ما في البيت الثالث. و الغناء لبابويه‏[1]الكوفيّ، خفيف ثقيل أوّل. و هذا الشعر يقوله عمر بن أبي ربيعة في امرأة من قريش، يقال لها نعم، كان كثير الذّكر لها في شعره. أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي عبد اللّه التّميميّ عن القحذميّ و المدائنيّ. قال: و هي التي يقول فيها:

أ من آل نعم أنت غاد فمبكر

/قال: و كانت تكنى أمّ بكر، و هي من بني جمح. و تمام هذه الأبيات على ما حكاه ابن المرزبان عمّن ذكرت:

فالتقينا و لم نخف ما لقينا # ليلة الخيف، و المنى قد تشوق‏[2]

و جرى بيننا فجدد وصلا # قلّب‏[3]حوّل أريب رفيق

لا تظنّي أنّ التّراسل و البد # ل لكلّ النساء عندي يليق

هل لك اليوم إن نأت أمّ بكر # و تولّت إلى عزاء طريق‏

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثت عن محمد بن حميد عن عبد اللّه بن سوّار القاضي عن بشر بن المفضّل قال:

بلغ عمر بن أبي ربيعة أنّ نعما اغتسلت في غدير، فأتاه فأقام عليه، و ما زال يشرب منه حتى جفّ.

أخبرني محمد بن خلف قال: قال محمد بن حبيب الراوية:

بلغني أنّ نعما استقبلت عمر بن أبي ربيعة في المسجد الحرام، و في يدها خلوق‏[4]من خلوق المسجد، فمسحت به ثوبه، و مضت و هي تضحك؛ فقال عمر:

أدخل اللّه ربّ موسى و عيسى # جنّة الخلد من ملاني خلوقا

مسحته من كفّها في قميصي # حين طافت بالبيت مسحا رفيقا

غضبت أن نظرت نحو نساء # ليس يعرفنني سلكن طريقا

و أرى بينها و بين نساء # كنت أهذي بهنّ بونا سحيقا

و هذا البيت الأوّل مما عيب على عمر.

/و مما غنّي فيه من تشبيب عمر بنعم هذه:

[1]في الأصول: «لباتويه» بالتاء المثناة، و هو تصحيف.

[2]كذا في أكثر الأصول. و في م و جميع نسخ «ديوانه» : «تسوق» بالسين المهملة.

[3]القلّب الحوّل: المحتال البصير بتقليب الأمور.

[4]الخلوق: ضرب من الطيب مائع فيه صفرة؛ لأن أعظم أجزائه من الزعفران. ـ

404
صوت‏

دين‏[1]هذا القلب من نعم # بسقام‏[2]ليس كالسّقم

إنّ نعما أقصدت‏[3]رجلا # آمنا بالخيف إذ ترمى

بشتيت‏[4]نبته رتل # طيّب الأنياب و الطّعم

/و بوحف‏[5]مائل رجل # كعناقيد من الكرم‏

و منها:

صوت‏

خليليّ أربعا[6]و سلا # بمغنى الحيّ قد مثلا

بأعلى الواد[7]عند البئـ # ر هيّج عبرة سبلا[8]

و قد تغنى به نعم # و كنت بوصلها جذلا

/ليالي لا نحبّ لنا # بعيش قد مضى بدلا

و تهوانا و نهواها # و نعصي قول من عذلا

و ترسل في ملاطفة # و نعمل نحوها الرّسلا

غنّاه الهذليّ، و لحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. و فيه لابن سريج لحنان: رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق، و خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. و فيها عن إسحاق ثاني ثقيل، و لسليم خفيف رمل، جميعا عن الهشاميّ. قال: و يقال: إنّ اللحن المنسوب إلى سليم لحكم‏[9]الواديّ.

و منها من قصيدة أوّلها:

[1]دين: جوزي و كوفي.

[2]كذا في «اللسان» (مادة دين) . و في الأصول. «و سقام» بواو العطف. و ورد هذا البيت في «ديوان عمر بن أبي ربيعة» (ص 57 طبع المطبعة الميمنية بمصر سنة 1311 هـ و طبع أوروبا ص 84) هكذا:

قد أصاب القلب من نعم # سقم داء ليس كالسقم‏

[3]أقصده: أصابه فقتله.

[4]الثغر الشتيت: المفلّج، و هو أن يكون بين أسنانه تباعد. و رتل (وزان كتف و سبب) : مستو حسن التنضيد.

[5]الوحف: الشعر الكثيف المسودّ. و الرجل من الشعر (بفتح الراء و كسر الجيم، و مثله الرجل بفتح الراء و الجيم) : ما كان بين السبوطة و الجعودة.

[6]أربعا: أقيما. و مغني الحيّ: محل إقامتهم. و مثل: قام و انتصب.

[7]الوادي: كل منفرج بين الجبال و التلال و الآكام يكون مسلكا للسيل و منفذا. و ربما اكتفى فيه بالكسرة عن الياء؛ كما قال أبو الرّبيس التغلبي:

لا صلح بيني فاعلموه و لا # بينكم ما حملت عاتقي

سيفي و ما كنا بنجد و ما # قرقر قمر الواد بالشاهق‏

[8]سبل (بالتحريك) : اسم المصدر من أسبل المطر و الدمع إذا هطلا؛ و لذلك لا يؤنث و لا يثنى و لا يجمع إذا وصف به.

[9]في م: «لسليمان» . و في سائر الأصول: «لسليم الوادي» .

405

لقد

أرسلت نعم إلينا أن ائتنا # فأحبب بها من مرسل متغصّب‏

يغنّى منها في قوله:

صوت‏

فقلت لجنّاد خذ السيف و اشتمل # عليه برفق و ارقب الشمس تغرب

و أسرج لي الدّهماء و اعجل بممطري‏[1] # و لا تعلمن حيّا من النّاس مذهبي‏[2]

فلمّا التقينا سلّمت و تبسّمت # و قالت مقال المعرض المتجنّب

أ من أجل واش كاشح‏[3]بنميمة # مشى بيننا صدّقته لم تكذّب

و قطّعت حبل الوصل منّا، و من يطع # بذي ودّه قول المؤرّش‏[4]يعتب‏

صوت‏

ما بال أهلك يا رباب # خزرا[5]كأنّهم غضاب

إن زرت أهلك أوعدوا # و تهرّ دونهم الكلاب‏

عروضه من الكامل‏[6]. الشعر لعلس ذي جدن الحميريّ، أخبرنا بذلك محمد بن الحسن بن دريد عن عمّه عن العبّاس بن هشام عن أبيه. و الغناء لطويس؛ و لحنه المختار خفيف رمل بالبنصر.

44-نسب علس ذي جدي و أخباره‏

نسبه و سبب لقبه:

هو علس بن زيد بن الحارث بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عديّ بن مالك بن زيد[7]الجمهور بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أعز[8]بن الهمّ بن الهميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن/يعرب بن قحطان. و هو ملك من ملوك حمير. و لقّب [1]الممطر و الممطرة (بكسر الميم فيهما) : ثوب من صوف يلبس في المطر يتوقى به منه.

[2]هذه رواية «الديوان» في هذا الشطر. و في الأصول:

و لا يعلمن حيّ من الناس مذهبي‏

و في هذه الأبيات اختلاف يسير عما في «الديوان» .

[3]الكاشح: العدوّ المضمر للعداوة؛ لأنه يطوي كشحه على العداوة أو لأنه يتباعد عنك و يوليك كشحه.

[4]أرّش بين القوم: أفسد. و في س: «المحرش» . و المحرّش: الذي يغري بعض القوم ببعض.

[5]خزرا: جمع أخزر. و الأخزر: الذي ينظر بلحظ عينه.

[6]هو من مجزوء الكامل المرفّل.

[7]في «نهاية الأرب» (ج 2 ص 308 طبعة أولى) عند كلامه على نسب أحد ولد الهميسع بن حمير: «... زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عديّ بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة، و هم حمير الأصغر بن سبأ الأصغر بن كعب بن كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو... إلخ» و يلاحظ أن بين سياق النسبين خلافا.

[8]في «نهاية الأرب» (ص 309) : «ابن زهير بن أيمن بن الهميسع» . و في كتاب «العبر» لابن خلدون (ج 2 ص 51 طبع بلاق) :

«زهير بن أبين بن الهميسع» .

406

ذا جدن لحسن صوته-و الجدن: الصوت بلغتهم-و يقال: إنه أوّل من تغنّى باليمن.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن ابن الكلبيّ و أبي مسكين قالا: إنّما سمّي ذا جدن لحسن صوته.

قبره بصنعاء و آثاره:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا عليّ بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ عن إسماعيل بن إبراهيم بن ذي الشّعار الهمدانيّ عن حيّان بن هانئ الأرحبيّ عن أبيه قال:

أخبرني رجل من أهل صنعاء: أنّهم حفروا حفيرا في زمن مروان، فوقفوا على أزج‏[1]له باب، فإذا هم برجل على سرير كأعظم ما يكون من الرجال، عليه خاتم من ذهب و عصابة من ذهب، و عند رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه: «أنا علس ذو جدن القيل، لخليلي منّي النّيل، و لعدوّي منّي الويل. طلبت فأدركت و أنا ابن مائة سنة من عمري، و كانت الوحش تأذن‏[2]لصوتي. و هذا سيفي ذو الكفّ عندي، و درعي ذات الفروج و رمحي الهزبريّ، و قوسي الفجواء[3]، و قربي‏[4]ذات الشرّ، فيها ثلاثمائة حشر، من صنعة ذي نمر[5]؛ أعددت ذلك لدفع الموت عنّي فخانني» . قال: فنظرنا فإذا جميع ذلك عنده. و وجدت هذا الخبر عن ابن الكلبيّ في بعض الكتب من غير رواية ابن عمّار، فوجدت فيه: فإذا طول السيف اثنا عشر شبرا، و عليه مكتوب تحت شاربه‏[6]بالمسند[7]: «باست امرئ كنت في يده فلم ينتصر» .

انقضت أخباره.

[1]عبارة «القاموس» و «شرحه» مادّة أزج: «الأزج محركة: ضرب من الأبنية» . و في «الصحاح» و «المصباح» و «اللسان» : الأزج: بيت يبنى طولا و يقال له بالفارسية أوستان.

[2]تأذن كتفرح: تسمع. يشير بذلك إلى جمال صوته.

[3]القوس الفجواء: هي التي يبين وترها عن كبدها، و مثل الفجواء الفجّاء و المنفجّة.

[4]القرن: الجعبة. و الحشر: الدقيق من الأسنّة.

[5]ذو نمر: واد بنجد في ديار بني كلاب. (انظر «معجم ياقوت» في نمر، و كتاب «ما يعوّل عليه في المضاف و المضاف إليه» في «ذي نمر» ) .

[6]للسيف شاربان و هما، كما قال ابن شميل، أنفان طويلان أسفل القائم، أحدهما من أحد الجانبين و الآخر من الجانب الآخر، و تحتهما الغاشية. و الشارب و الغاشية يكونان من حديد و فضة و أدم.

[7]المسند: خط لحمير، و هو موجود بكثرة في الحجارة و قصور اليمن، و ترى صورته في كتاب «منتخبات في أخبار اليمن» (ص 52 طبع ليدن) و كتاب «تاريخ الأدب» للمرحوم حفني ناصف بك (ج 1 ص 50 طبع مصر) .

407

45-أخبار طويس‏[1]و نسبه‏

أوّل من صنع الهزج و الرمل و اشتهر بالهزج:

طويس لقب، و اسمه طاوس‏[2]، مولى بني مخزوم. و هو أوّل من غنّى الغناء المتقن من المخنّثين. و هو أوّل من صنع الهزج و الرّمل في الإسلام. و كان يقال: أحسن الناس غناء في الثّقيل ابن محرز، و في الرمل ابن سريج، و في الهزج طويس. و كان الناس يضربون به المثل، فيقال: «أهزج من طويس» .

غنى أبان بن عثمان بالمدينة فطرب و سأله عن عقيدته و عن سنه و عن شؤمه:

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر و الحسين بن يحيى قالا: حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبيّ عن أبيه و أبي مسكين، قال إسحاق: و حدّثني المدائنيّ و الهيثم بن عديّ عن صالح بن كيسان:

أنّ أبان بن عثمان وفد على عبد الملك بن مروان، فأمّره على الحجاز؛ فأقبل حتّى إذا دنا من المدينة تلقّاه أهلها، و خرج إليه أشرافها، فخرج معهم طويس؛ فلمّا رآه سلّم عليه، ثم قال له: أيها الأمير، إنّي كنت أعطيت اللّه عهدا لئن رأيتك أميرا لأخضبنّ يديّ إلى المرفقين، ثم أزدو[3]بالدّفّ بين يديك، ثم أبدى عن دفّه و تغنّى بشعر ذي جدن الحميريّ:

ما بال أهلك يا رباب # خزرا كأنّهم غضاب‏

قال: فطرب أبان حتى كاد أن يطير، ثم جعل يقول له: حسبك يا طاوس-و لا يقول له: يا طويس لنبله في عينه-ثم قال له: اجلس فجلس. فقال له أبان: قد زعموا أنّك كافر. فقال: جعلت فداءك!و اللّه إنّي لأشهد أن لا إله/إلاّ اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه، و أصلّي الخمس، و أصوم شهر رمضان، و أحجّ البيت. فقال: أ فأنت أكبر أم عمرو بن عثمان؟-و كان عمرو أخا أبان لأبيه و أمّه-فقال له طويس: أنا و اللّه، جعلت فداءك، مع جلائل‏[4]نساء قومي، أمسك بذيولهنّ يوم زفّت أمّك المباركة إلى أبيك الطيّب‏[5]. قال: فاستحيا أبان و رمى بطرفه إلى الأرض.

[1]تقدمت لطويس ترجمة أخرى في الجزء الثالث من هذه الطبعة (صفحة 27-44) . و قد ذكرنا هناك ما قد يكون سببا في تكرار الترجمة، و بينا سبب عدم ضمنا إحدى الترجمتين إلى الأخرى.

[2]تقدم في ترجمته في الجزء الثالث من هذا الكتاب أن اسمه عيسى بن عبد اللّه.

[3]أزدو: أضرب.

[4]كذا في حـ، ط، ء. و في سائر النسخ: «حلائل» بالحاء المهملة، و هو تصحيف.

[5]قال ابن عبد ربه في «العقد الفريد» (ج 3 ص 242) بعد أن ساق هذه القصة: «انظر إلى حذفه ورقة أدبه كيف لم يقل أمك الطيبة إلى أبيك المبارك» . و فسر ذلك الجاحظ في كتابه «الحيوان» (ج 4 ص 19) فقال: «و لو قال شهدت زفاف أمك الطيبة إلى أبيك المبارك لم يحسن ذلك؛ لأن قولك طيب إنما يدل على قدر ما اتصل به من الكلام، و قد قال الشاعر:

و الطيبون معاقد الأزر

و قد يخلو الرجل بالمرأة فيقول وجدتها طيبة، يريد طيبة الكوم (الوطء) لذيذة نفس الوطء» .

408

و أخبرني بهذه/القصة إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا العتبيّ عن أبيه بمثل هذه القصة عن أبان و طويس. و زاد فيها أنّ طويسا قال له: نذري أيّها الأمير!قال: و ما نذرك؟قال: نذرت إن رأيتك أميرا في هذه الدار أن أغنّي لك و أزدو بدفّي بين يديك. فقال له: أوف بنذرك؛ فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) . قال: فأخرج يديه مخضوبتين، و أخرج دفّه و تغنّى:

ما بال أهلك يا رباب‏

و زاد فيه: فقال له أبان: يقولون: إنّك مشئوم، قال: و فوق ذلك!قال: و ما بلغ من شؤمك؟قال: ولدت ليلة قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و فطمت ليلة مات أبو بكر رضي اللّه عنه، و احتلمت ليلة قتل عمر رضوان اللّه عليه، و زفّت إليّ أهلي ليلة قتل عثمان رضي اللّه عنه. قال: فاخرج عنّي عليك الدّبار[1].

أهدر دمه أمير المدينة مع المخنثين:

أخبرني إسماعيل قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا محمد بن الوليد قال حدّثني مصعب بن عثمان عن نوفل بن عمارة قال:

/خرج يحيى‏[2]بن الحكم و هو أمير على المدينة، فبصر بشخص بالسّبخة مما يلي مسجد الأحزاب، فلمّا نظر إلى يحيى بن الحكم جلس، فاستراب به، فوجّه أعوانه في طلبه؛ فأتي به كأنه امرأة في ثياب مصبّغة مصقولة و هو ممتشط مختضب. فقال له أعوانه: هذا ابن نغاش‏[3]المخنّث. فقال له: ما أحسبك تقرأ من كتاب اللّه عزّ و جلّ شيئا، اقرأ أمّ القرآن. فقال: يا أبانا لو عرفت أمّهنّ عرفت البنات. فقال له: أ تتهزّأ بالقرآن لا أمّ لك!و أمر به فضربت عنقه. و صاح في المخنّثين: من جاء بواحد منهم فله ثلاثمائة[4]درهم. قال زرجون المخنّث: فخرجت بعد ذلك أريد العالية، فإذا بصوت دفّ أعجبني، فدنوت من الباب حتى فهمت نغمات قوم آنس بهم، ففتحته و دخلت، فإذا بطويس قائم في يده الدّفّ يتغنّى؛ فلمّا رآني قال لي: إيه يا زرجون!قتل يحيى بن الحكم ابن‏[5] نغاش؟قلت نعم. [قال‏][6]: و جعل‏[7]في المخنّثين ثلاثمائة درهم؟قلت نعم. فاندفع يغنّي:

ما بال أهلك يا رباب # خزرا كأنّهم غضاب

إن زرت أهلك أوعدوا # و تهرّ دونهم كلاب‏

ثم قال لي: ويحك!أ فما جعل فيّ زيادة و لا فضّلني عليهم في الجعل بفضلي‏[شيئا][8].

[1]كذا في أكثر الأصول. و في م: «الدمار» و معناهما: الهلاك.

[2]ساق المؤلف هذا الخبر في الجزء الثالث من هذا الكتاب (ص 29 من هذه الطبعة) منسوبا لأخيه مروان، و كلاهما ولي المدينة.

[3]في الخبر السابق بالجزء الثالث: «النغاشي» .

[4]في الخبر السابق: «عشرة دنانير» .

[5]في ب، س: «قال ابن نغاش» بزيادة «قال» . و لا يستقيم معها السياق.

[6]زيادة في ط، ء.

[7]في ب، س: «أ و جعل» بهمزة الاستفهام. على أن الاستفهام مفهوم من سياق الكلام.

[8]زيادة عن م، س.

409

مالك بن أنس و حسين بن دحمان الأشقر:

أخبرني محمد بن عمرو[1]العتّابيّ قال حدّثنا محمد بن خلف بن المرزبان-و لم أسمعه أنا من‏[2]محمد بن خلف-قال حدّثني إسحاق بن محمد بن أبان الكوفيّ قال حدّثني حسين بن دحمان الأشقر قال:

كنت بالمدينة، فخلا لي الطريق وسط النهار، فجعلت أتغنّى:

ما بال أهلك يا رباب # خزرا كأنّهم غضاب‏

قال: فإذا خوخة[3]قد فتحت، و إذا وجه قد بدا تتبعه لحية حمراء، فقال: يا فاسق أسأت التأدية، و منعت القائلة، و أذعت الفاحشة؛ ثم اندفع يغنّيه، فظننت أنّ طويسا قد نشر بعينه‏[4]؛ فقلت له: أصلحك اللّه!من أين لك هذا الغناء؟فقال: نشأت و أنا غلام حدث أتبع المغنّين و آخذ عنهم، فقالت لي أمّي: يا بنيّ إنّ المغنّي إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه، فدع الغناء و اطلب الفقه؛ فإنه لا يضرّ معه قبح الوجه. فتركت المغنّين و اتّبعت الفقهاء، فبلغ اللّه بي عزّ و جلّ ما ترى. فقلت له: فأعد جعلت فداءك!قال: لا و لا كرامة!أ تريد أن تقول: أخذته/عن مالك بن أنس!و إذا هو مالك بن أنس و لم أعلم.

صوت من المائة المختارة

لمن ربع بذات الجيـ # ش أمسى دارسا خلقا

وقفت به أسائله # و مرّت عيسهم حزقا[5]

علوا بك ظاهر البيدا # ء و المحزون قد قلقا

حديث النبي عن انخساف الأرض بجيش يغزو الكعبة:

-ذات الجيش: موضع. ذكر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنّ جيشا يغزو الكعبة، فيخسف بهم إلاّ رجلا واحدا يقلب وجهه إلى قفاه، فيرجع إلى قومه كذلك، فيخبرهم الخبر. حدّثني بهذا الحديث أحمد بن محمد الجعديّ قال حدّثنا محمد بن بكّار قال حدّثنا إسماعيل بن زكريّا عن محمد بن سوقة قال سمعت نافع بن‏[6]جبير بن مطعم يقول حدّثتني عائشة قالت:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم و آخرهم» . قالت [1]كذا في ط، ء. و في حـ: «محمد بن عمرو العباسي القرشي» . و في ب، س: «محمد بن عمر العباسيّ القرشي» . و في م: «محمد بن العمرو الغنائي القرشي» . و قد بحثنا عنه في «إنباه الرواة» للقفطي و «معجم الأدباء» لياقوت و «تاريخ ابن خلكان» و «نزهة الألباء» لابن الأنباري و «بغية الوعاة» للسيوطي و «تهذيب التهذيب» لابن حجر العسقلاني، فلم نجده حتى نرجح إحدى هذه الروايات.

[2]هذه الجملة المعترضة ساقطة من ء، ط.

[3]الخوخة: البويب، أو الباب الصغير في الباب الكبير.

[4]كذا في حـ، س، م. و في باقي الأصول: «يغنيه» بصيغة الفعل المضارع.

[5]حزقا: جماعات، واحده حزقة.

[6]كذا في أكثر الأصول، و هو الموافق لما في الطبري و «تهذيب التهذيب» . و في ء، ط: «نافع بن حسن بن معظم» و هو تحريف.

410

عائشة: فقلت يا رسول اللّه، كيف يخسف بأوّلهم و آخرهم و فيهم سواهم و من ليس منهم؟قال: «يخسف بأوّلهم و آخرهم ثم يبعثون على‏[قدر][1]نيّاتهم» -الشعر للأحوص، و الغناء في هذا اللحن المختار للدّلال المخنّث و هو أحد من خصاه ابن حزم بأمر الوليد بن عبد الملك مع المخنّثين. و الخبر في ذلك يذكر بعد. و لحنه المختار من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر في الأوّل و الثالث. و لإسحاق فيه ثقيل أوّل آخر. و فيه لمالك لحن من خفيف الرّمل عن يونس و الهشاميّ و غيرهما. و فيه رمل ينسب إلى ابن سريج، و هو مما يشكّ في نسبته إليه. و قيل:

إنّ خفيف الرّمل لابن سريج، و الرّمل لمالك. و ذكر حبش أنّ فيه للدّلال خفيف ثقيل بالبنصر أيضا.

[1]الزيادة عن م، س.