الأغاني - ج4

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
522 /
411

46-ذكر الأحوص و أخباره و نسبه‏

اسم الأحوص و لقبه و نسبه:

هو الأحوص. و قيل: إنّ اسمه عبد اللّه، و إنّه لقّب الأحوص لحوص‏[1]كان في عينيه. و هو ابن محمد بن عبد اللّه بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح-و اسم أبي الأقلح قيس-بن عصيمة بن النّعمان بن أميّة بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. و كان يقال لبني ضبيعة بن زيد في الجاهلية: بنو كسر الذّهب. و قال الأحوص حين نفي إلى اليمن:

بدّل الدّهر من ضبيعة عكّا[2] # جيرة و هو يعقب الأبدالا

سبب تسمية جدّه عاصم حميّ الدبر:

و كان جدّه عاصم يقال له حميّ الدّبر؛ و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بعثه بعثا، فقتله المشركون؛ و أرادوا أن يصلبوه فحمته الدّبر، و هي النّحل، فلم يقدروا عليه، حتى بعث اللّه عزّ و جلّ الوادي‏[3]في الليل فاحتمله فذهب به. و في ذلك يقول الأحوص مفتخرا:

و أنا[4]ابن الذي حمت لحمه الدّبـ # ر قتيل اللّحيان‏[5]يوم الرّجيع‏

قصة وفد عضل و القارة و قتل البعث الذي أرسل معهم:

حدّثنا بالخبر في ذلك محمد بن جرير الطّبريّ قال حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة بن الفضل قال حدّثنا

محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر[6]بن قتادة قال:

/قدم على رسول اللّه/صلى اللّه عليه و سلّم بعد أحد رهط من عضل و القارة[7]، فقالوا: يا رسول اللّه، إنّ فينا إسلاما و خيرا، [1]الحوص (بالتحريك و بابه كفرح) : ضيق في مؤخر العينين أو في إحداهما.

[2]عك: قبيلة من قحطان باليمن.

[3]الوادي: كل مفرج بين الجبال و التلال و الآكام، و المراد هنا: السيل الذي يجري فيه.

[4]صحح العلامة الشنقيطي بقلمه بهامش نسخته من كتاب «معجم ما استعجم» للبكري (المحفوظ بدار الكتب المصرية طبع أوروبا تحت رقم 2 جغرافيا ص 401) كلمة «و أنا» بكلمة «و أبى» .

[5]لحيان (بفتح اللام و كسرها) : حيّ من هذيل.

[6]كذا في حـ. و في باقي الأصول: «عن قتادة» . و الصواب في حـ؛ لأن الذي في «تهذيب التهذيب» و «الخلاصة» أن عاصم بن عمر لم يرو عن جدّه قتادة بل روى عن أبيه عمر.

[7]قال القسطلاني في «شرح البخاري» (ج 6 ص 373 طبع بلاق) : «عضل: بطن من الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ينسبون إلى عضل بن الديش. و القارة: بطن من الهون ينسبون إلى الديش المذكور. أو القارة: أكمة سوداء، كأنهم نزلوا عندها فسموا بها» . و قد ذكر ابن دريد في «الاشتقاق» (ص 110) : أن الهون و عضل و القارة إخوة لهذيل و فسر أسماءهم. و سأل الأخفش

412

فابعث معنا نفرا من أصحابك، يفقّهونا[1]في الدّين، و يقرءونا[1]القرآن، و يعلّمونا[1]شرائع الإسلام؛ فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم معهم نفرا ستّة[2]من أصحابه: مرثد بن أبي مرثد الغنويّ حليف حمزة بن عبد المطّلب، و خالد بن البكير حليف بني عديّ بن كعب، و عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخا بني عمرو بن عوف، و خبيب بن عديّ أخا بني جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف، و زيد بن الدّثنّة[3]أخا بني بياضة بن عامر، و عبد اللّه بن طارق حليفا[4]لبني ظفر من بليّ، و أمّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم‏[عليهم‏][5]مرثد بن أبي مرثد، /فخرجوا مع القوم، حتّى إذا كانوا على الرّجيع (ماء لهذيل‏[6]بناحية من الحجاز من صدر[7]الهدأة) غدروا بهم، و استصرخوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم و هم في رحالهم إلاّ بالرّجال في أيديهم السيوف قد غشوهم؛ فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم؛ فقالوا: [إنّا][8]و اللّه ما نريد قتلكم، و لكنّا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكّة، و لكم عهد اللّه و ميثاقه ألاّ نقتلكم. فأمّا مرثد بن أبي مرثد، و خالد بن البكير، و عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقالوا: إنّا و اللّه لا نقبل من مشرك عهدا و لا عقدا أبدا!فقاتلوهم حتّى قتلوهم جميعا. و أمّا زيد بن الدّثنّة، و خبيب بن عديّ، و عبد اللّه بن طارق فلانوا و رقّوا و رغبوا في الحياة و أعطوا بأيديهم‏[9]؛ فأسروهم، ثم خرجوا بهم إلى مكّة ليبيعوهم بها؛ حتّى إذا كانوا بالظّهران‏[10]انتزع عبد اللّه بن طارق يده من القرآن‏[11]، ثم أخذ سيفه و استأخر عن القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره‏[12]بالظّهران. و أمّا خبيب بن عديّ و زيد بن الدّثنّة، فقدموا بهما مكّة فباعوهما. فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التّميميّ حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل-و كان حجير أخا الحارث بن عامر بن نوفل لأمّه-ليقتله بأبيه‏[13]. و أمّا زيد بن الدّثنّة فابتاعه صفوان/بن أميّة ليقتله بأميّة بن خلف أبيه. و قد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه () المبرد عنهما فقال: «هذان حيان كانا في نهاية العداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم» . (راجع «الكامل» ص 632 طبع أوروبا) .

[1]كذا في حـ بحذف النون مجزوما في جواب الطلب. و في سائر الأصول بإثبات نون الرفع، على أن تكون الجملة صفة لنفر.

[2]وردت هذه الأسماء مضطربة في بعض الأصول. و ما أثبتناه عن ط، ب. و هو الموافق لما في الطبري (قسم أول ص 1432 طبع أوروبا) و «السيرة» لابن هشام (ص 638 طبع أوروبا) . و قد ذكرت هذه الأسماء في «نهاية الأرب» (ج 3 ص 375 طبعة أولى) و «شرح القاموس» (مادة رجع) كما هنا بزيادة سابع هو معتب بن عبيد أخو عبد اللّه بن طارق لأمه. إلا أنه ذكر بدل معتب بن عبيد هذا في «شرح القاموس» «مغيث بن عبيدة» و هو تحريف.

[3]الدثنة: بفتح الدال المهملة و كسر الثاء المثلثة و النون المفتوحة المشدّدة ثم تاء تأنيث، قال ابن دريد: من قولهم: دثن الطائر إذا طاف حول وكره و لم يسقط عليه. (انظر «الاشتقاق» ص 272 و «شرح الزرقاني على المواهب اللدنية» ج 2 ص 80 طبع بلاق) .

[4]كذا في حـ، م. و هو الموافق لما في الطبري و «السيرة» و في سائر الأصول: «حلفاء» و هو تحريف.

[5]زيادة عن م.

[6]في «معجم ما استعجم» للبكري: «ماء لهذيل لبني لحيان منهم بين مكة و عسفان بناحية الحجاز... إلخ» .

[7]كذا في «معجم ما استعجم» للبكري نقلا عن ابن إسحاق. و ضبط البكري «الهدأة» بالعبارة فقال: «بفتح الهاء و إسكان الدال المهملة بعدها همزة مفتوحة» . و في جميع الأصول: «الهدّة» بدون همز. و في «السيرة» و «تاريخ الطبري» : «صدور الهدأة» . و في س، حـ:

«حدود» بالدال المهملة، و هو تحريف. و الهدأة: موضع بين عسفان و مكة.

[8]زيادة عن ء، ط، م.

[9]أعطوا بأيديهم: انقادوا.

[10]الظهران: واد بين مكة و عسفان.

[11]القران: الحبل.

[12]في ط، ء: «فقبروه» .

[13]كذا في: حـ: م، و هو الموافق لما في «السيرة» و الطبري. و في سائر الأصول: «بابنه» و هو تحريف؛ لأن الذي قتله خبيب يوم بدر هو الحارث بن عامر بن نوفل والد عقبة، كما يجي‏ء بعد في حديث أبي كريب. ـ

413

ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد[1]، و كانت قد نذرت حين قتل عاصم ابنها[2]يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنّ في قحفه‏[3]الخمر، فمنعته الدّبر. فلمّا حالت بينهم و بينه قالوا: دعوه حتى يمسي، فتذهب عنه فنأخذه. فبعث اللّه عزّ و جلّ الوادي فاحتمل عاصما فذهب به. و كان عاصم قد أعطى اللّه عزّ و جلّ عهدا لا يمسّه مشرك أبدا و لا يمسّ مشركا أبدا تنجّسا[4]منه. فكان عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه يقول حين بلغه أن الدّبر منعته:

«عجبا لحفظ اللّه عزّ و جلّ العبد المؤمن!كان عاصم نذر ألاّ يمسّه مشرك و لا يمسّ مشركا أبدا في حياته، فمنعه اللّه بعد مماته كما امتنع منه في حياته!» .

رواية أخرى عن البعث و مصيره:

قال محمد بن جرير: و أمّا غير ابن إسحاق، فإنّه قصّ من خبر هذه السّريّة غير الذي قصّه غيره:

من ذلك ما حدّثنا أبو كريب قال حدّثنا جعفر بن عون العمريّ قال حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل عن عمر[5]أو عمرو بن أسيد عن أبي هريرة:

/أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بعث عشرة رهط، و أمّر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، فخرجوا، حتّى إذا كانوا بالهدأة ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فبعثوا إليهم مائة رجل راميا، فوجدوا مأكلهم حيث/أكلوا التّمر، فقالوا: نوى يثرب!ثم اتّبعوا آثارهم؛ حتّى إذا أحسّ بهم عاصم و أصحابه التجئوا إلى جبل، فأحاط بهم الآخرون فاستنزلوهم، و أعطوهم العهد. فقال عاصم: و اللّه لا أنزل على عهد كافر، اللّهمّ أخبر نبيّك عنّا. و نزل إليهم ابن الدّثنّة البياضيّ، و خبيب، و رجل آخر؛ فأطلق القوم أوتار قسيّهم، ثم أوثقوهم، فجرحوا رجلا من الثلاثة، فقال: هذا و اللّه أوّل الغدر، و اللّه لا أتبعكم، فضربوه و قتلوه؛ و انطلقوا بخبيب و ابن الدّثنّة إلى مكّة، فدفعوا خبيبا إلى بني الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، و كان خبيب هو الذي قتل الحارث بأحد. فبينما خبيب عند بنات الحارث، استعار من إحدى بنات الحارث موسى ليستحد[6]بها للقتل، فما راع المرأة و لها صبيّ يدرج إلاّ خبيب قد أجلس الصبيّ على فخذه و الموسى بيده، فصاحت المرأة؛ فقال خبيب: أ تحسبين أنّي أقتله!إنّ الغدر ليس من [1]كذا في «طبقات ابن سعد» (ق 2 ج 3 ص 33 طبع أوروبا) و «تاريخ الطبري» و «سيرة ابن هشام» و «معجم ما استعجم» للبكري.

و في الأصول: «سهيل» و هو خطأ.

[2]في «معجم ما استعجم» : «ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد أم مسافع و الجلاس ابني طلحة، و كان عاصم قتلهما يوم أحد فنذرت... إلخ» . و في «طبقات ابن سعد» أنها جعلت لمن جاء برأسه مائة ناقة.

[3]العظم الذي فوق الدماغ.

[4]يقال: فلان يتنجس إذا فعل فعلا يخرج به عن النجاسة، كما يقال: يتأثم و يتحرج و يتحنث إذا فعل فعلا يحرج به عن الإثم و الحرج و الحنث.

[5]كذا في «تاريخ الطبري» (قسم أوّل ص 1434 طبع أوروبا) و قد ذكره صاحب «تهذيب التهذيب» في اسم عمرو بن أبي سفيان بن أسيد و أورد اسمه أيضا في «عمر» و أحاله على «عمرو» ، و هذا يفيد ترجيحه اسم «عمرو» ، كما أنه أثبت في ترجمة أبي هريرة رواية عمرو بن أبي سفيان بن أسيد عنه. و في حـ: «عن عمر أو عمرو بن أسد» . و في سائر الأصول: «عمرو بن عمرو بن أسد» و هما تحريف؛ لأنه لم يوجد في أسماء الرواة من تسمى بهذا الاسم.

[6]يستحدّ: يحلق شعر عانته. قال في «اللسان» مادة حدد: «و في حديث خبيب أنه استعار موسى استحدّ بها لأنه كان أسيرا عندهم و أرادوا قتله، فاستحدّ لئلا يظهر شعر عانته عند قتله» . و منه الحديث حين قدم من سفر فأراد الناس أن يطرقوا النساء ليلا فقال:

«أمهلوا كي تمتشط الشّعثة و تستحدّ المغيبة» . قال أبو عبيد: «و هو استفعال من الحديدة يعني الاستحلاق بها، استعمله على طريق الكناية و التورية» .

414

شأننا. قال: فقالت المرأة بعد: ما رأيت أسيرا قطّ خيرا من خبيب، لقد رأيته و ما بمكة من ثمرة و إنّ في يده لقطفا من عنب يأكله، إن كان إلاّ رزقا رزقه اللّه خبيبا. و بعث حيّ من قيس إلى عاصم ليؤتوا من لحمه بشي‏ء، و قد كان لعاصم فيهم آثار[1]بأحد، فبعث اللّه عليه دبرا فحمت لحمه/فلم يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئا. فلمّا خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه، قال: ذروني أصلّ ركعتين، فتركوه فصلّى ركعتين-فجرت سنّة لمن قتل صبرا أن يصلّي ركعتين-ثم قال: لو لا أن يقال جزع لزدت، و ما أبالي:

على أيّ شقّ كان للّه مصرعي‏[2]

ثم قال:

و ذلك في ذات‏[3]الإله و إن يشأ # يبارك على أوصال شلو ممزّع‏

اللّهمّ أحصهم عددا[4]، و خذهم بددا. ثم خرج به أبو سروعة[5]بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف فضربه فقتله.

حدّثنا محمد قال حدّثنا أبو كريب قال حدّثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل، قال و أخبرني جعفر بن عمرو بن أميّة عن أبيه عن جدّه:

/أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بعثه وحده عينا إلى قريش. قال: فجئت إلى خشبة خبيب و أنا أتخوّف العيون، فرقيت فيها، فحللت خبيبا فوقع إلى الأرض، فانتبذت‏[6]غير بعيد، ثم التفتّ فلم أر لخبيب أثرا، فكأنّما الأرض ابتلعته، فلم تظهر لخبيب رمّة حتّى الساعة.

قال محمد بن جرير: و أمّا زيد بن الدّثنّة، فإنّ صفوان بن أميّة بعث‏[به‏][7]-فيما حدّثنا ابن حميد قال حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق-[مع‏][7]مولى له يقال له نسطاس إلى التّنعيم، فأخرجه من الحرم ليقتله؛ و اجتمع‏[إليه‏][7] رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب؛ فقال له أبو سفيان حين قدّم ليقتل: أنشدك اللّه يا زيد، أ تحبّ أنّ محمدا عندنا الآن مكانك فنضرب عنقه و أنّك في أهلك؟فقال: و اللّه ما أحبّ أنّ محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه [1]كذا في أكثر النسخ. و آثار: جمع ثأر على القلب. و في حـ: «أوتار» جمع وتر، و هو الجناية التي يجنيها الرجل على غير، من قتل أو نهب أو سبى.

[2]هذا الشطر من قصيدة نسبها ابن هشام في «السيرة» (ص 643 طبع أوروبا) لخبيب هذا، و مطلعها:

لقد جمع الأحزاب حولي و ألبوا # قبائلهم و استجمعوا كل مجمع‏

[3]في ذات الإله: في طاعته و طلب رضاه و ثوابه. و الأوصال: جمع وصل و هو العضو. و الشلو (بكسر الشين المعجمة و سكون اللام) :

الجسد. و ممزع: مقطع.

[4]أحصهم: أهلكهم بحيث لا تبقى من عددهم أحدا. و خذهم بددا: قال ابن الأثير: يروي بكسر الباء، جمع بدّة و هي الحصة و النصيب، أي اقتلهم حصصا مقسمة لكل واحد حصته و نصيبه، و يروى بالفتح من التبديد أي متفرّقين في القتل واحدا بعد واحد.

[5]أبو سروعة (بكسر السين المهملة و فتحها، كما في شرح القسطلاني على «صحيح البخاري» ج 6 ص 376 طبع بلاق) : كنية عقبة بن الحارث النوفلي القرشي الصحابي، و هو الذي قتل خبيب بن عدي. و قال في «القاموس» مادّة سرع: «و أبو سروعة، و لا يكسر و قد تضم الراء، عقبة ابن الحارث الصحابي» . قال شارحه: «و في التكملة: و أصحاب الحديث يقولون: أبو سروعة بكسر السين، و قد ضبطه النووي بالوجهين، ثم قال: و بعضهم يقول: أبو سروعة مثال فروقة و ركوبة، و الصواب ما عليه أهل اللغة» .

[6]كذا في الطبري (قسم أوّل ص 1436 طبع أوروبا) . و انتبذ: تنحى. و في حـ، م: «فاستدرت» . و في سائر الأصول: «فاشتددت» .

[7]الزيادة عن الطبري (قسم أوّل ص 1437) .

415

شوكة تؤذيه و أنا جالس في أهلي!قال يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمد محمدا!ثم قتله نسطاس.

نزول عبد اللّه و أبي أحمد ابني جحش من المهاجرين على عاصم بن ثابت:

أخبرني أحمد بن الجعد قال حدّثنا محمد بن إسحاق‏[1]المسيّبيّ قال حدّثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب‏[2]قال:

/نزل عبد اللّه‏[3]و أبو أحمد ابنا جحش، حين قدما مهاجرين، على عاصم بن ثابت، و كنيته أبو سليمان.

شعر لعاصم بن ثابت و كنيته:

و قال عاصم:

/

أبو سفيان‏[4]و ريش المقعد # و مجنأ من جلد ثور أجرد

و ذكر لنا الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير أنّ عاصما، فيما قيل، كان يكنى أبا سفيان. قال: و قال في يوم الرّجيع:

أنا أبو سفيان‏[5]مثلي راما # أضرب كبش العارض‏[6]القدّاما

كنية الأحوص و اسم أمه و بعض صفاته:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا إسماعيل بن‏[7]عبد اللّه عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمّه قال:

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «محمد بن القاسم» . و الذي في «تهذيب التهذيب» أن الذي روى عن محمد بن فليح هو محمد بن إسحاق المسيبي.

[2]كذا في أكثر الأصول. و في ط، ء: «أبي شهاب» ، و هو تحريف. و في «تهذيب التهذيب» أن ابن شهاب اسمه محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه الزهري، و هو الذي يروي عنه موسى بن عقبة.

[3]هو عبد اللّه بن جحش بن رباب بن يعمر أبو محمد الأسدي. و أمه أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو و أخوه أبو أحمد صحابيان، و أختهما زينب بنت جحش زوج النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم. (انظر «أسد الغابة في معرفة الصحابة» ج 3 ص 131 طبع بلاق) .

[4]كذا في حـ، و هو الموافق لما في «سيرة ابن هشام» (ص 638 طبع أوروبا) . و في م:

أبو سليمان و صنع المقعد # و مجنأ من جلد ثور أجلد

و في سائر الأصول: «أبو سليمان وضيع المقعد» . و المقعد: فرخ النسر، و ريشه أجود الريش، و قيل: المقعد: النسر الذي قشب له (خلط له السم في اللحم) حتى صيد فأخذ ريشه. و قيل: المقعد: اسم رجل كان يريش السهام و المجنأ: الترس الذي لا حديد به.

يريد: أنا أبو سليمان و معي سهام راشها المقعد، و ترس من جلد قوي، فما عذري إذا لم أقاتل.

[5]في «السيرة» :

أبو سليمان و مثلي راما # و كان قومي معشرا كراما

و لم يذكر في «السيرة» أن عاصما تكنّى بأبي سفيان.

[6]في ب، س: «العارضي» تحريف. و الكبش: الرئيس. و العارض: الجيش تشبيها له بالسرب العظيم من الجراد في انتشاره، أو بالسحاب. و القدّام (بفتح القاف و ضمها مع تشديد الدال) و القدّيم (بكسر القاف) : السيد و من يتقدّم الناس بالشرف.

[7]كذا في ء، ط، م، و هو الصواب؛ لأن الذي روى عن إسماعيل بن إبراهيم هو إسماعيل بن عبد اللّه كما في «الطبقات» لابن سعد (ج 5 ص 310) «و تهذيب التهذيب» (ج 1 ص 272) . و في سائر الأصول: «عن عبد اللّه» تحريف.

416

/كنية الأحوص أبو محمد. و أمّه أثيلة بنت عمير بن مخشيّ‏[1]؛ و كان أحمر أحوص العينين.

رأي الفرزدق في شعره:

قال الزبير فحدّثني محمد بن يحيى قال:

قدم الفرزدق المدينة، ثم خرج منها، فسئل عن شعرائها، فقال: رأيت بها شاعرين و عجبت لهما: أحدهما أخضر يسكن خارجا من بطحان‏[2] (يريد ابن هرمة) ؛ و الآخر أحمر كأنّه و حرة على برودة في شعره (يريد الأحوص) . و الوحرة[3]: يغسوب أحمر ينزل الأنبار[4].

هجاؤه لابنه:

و قال الأحوص يهجو نفسه و يذكر حوصه‏[5]:

أقبح‏[6]به من ولد و أشقح # مثل جريّ الكلب لم يفقّح‏[7]

إن ير سوءا لم يقم فينبح # بالباب عند حاجة المستفتح‏

قال الزّبير: و لم يبق للأحوص من ولده غير رجلين.

طبقته في الشعر عند ابن سلام و رأي أبي الفرج فيه:

قال الزّبير: و جعل محمد بن سلاّم الأحوص، و ابن قيس الرّقيّات، و نصيبا، و جميل بن معمر طبقة سادسة من شعراء الإسلام، و جعله بعد ابن قيس‏[8]، و بعد نصيب. [قال أبو الفرج‏][9]: و الأحوص، لو لا ما وضع به نفسه من [1]كذا في أكثر الأصول. و في ء، ط: «محشي» بالحاء المهملة.

[2]بطحان (بضم الأوّل و سكون الثاني أو بفتح الأوّل و كسر الثاني) : واد بالمدينة، و هو أحد أوديتها الثلاثة: العقيق و بطحان و قناة.

(انظر «القاموس» و «شرحه» مادة بطح) و «معجم البلدان» (في بطحان) .

[3]كذا في ء، ط. و في سائر الأصول: «قال: و الوحرة يعسوب إلخ» . و كلمة «قال» غير محتاج إليها هنا في الكلام.

[4]كذا في أكثر الأصول. و الأنبار، كما في ياقوت: حدّ بابل؛ سميت بذلك لأنه كان يجمع بها أنابير الحنطة و الشعير و القت و التبن، و كانت الأكاسرة ترزق أصحابها منها، و كان يقال لها الأهراء. فلما دخلتها العرب عرّبتها فقالت الأنبار. و هذا التفسير الذي ذكره المؤلف للوحرة غريب؛ إذ أجمعت «كتب اللغة» التي بين أيدينا على أن الوحرة (بالتحريك) : دويبة تشبه سامّ أبرص، و قال الجوهري: الوحرة بالتحريك: دويبة حمراء تلزق بالأرض. و في حـ: «يلزم البئار» .

[5]لعل هاهنا سقطا؛ فإنه يهجو بهذا الشعر ابنه لا نفسه.

[6]أثبتنا هذين البيتين كما رواهما الجاحظ في كتابه «الحيوان» (ج 1 ص 254 طبع الحلبي) و قد قال: إنه هجا بهما ابنه. و قد وردا في ب، س هكذا:

أسمج به من ولد و أقبح # مثل جرى الكلب لم يفقح

يشر سوءا لم يقم فينبح # بالباب عند حاجة المستفتح‏

و في ء، ط: «يسري شوى ما لم يقم فينبح» . و في م: «بشر سوء لم يقصر فينبح» .

[7]يقال: فقح الجرو و فقح (بالتضعيف) ، و ذلك أوّل ما يفتح عينيه و هو صغير.

[8]كذا في س، ب، حـ. و في ط، ء ورد هذان الاسمان بتقديم الثاني على الأوّل. و في م وردا هكذا: «بعد ابن قيس و قبل نصيب» .

و قد ورد في «طبقات الشعراء» لمحمد بن سلام المذكور (ص 137 طبع ليدن) أن شعراء الطبقة السادسة هم: عبيد اللّه بن قيس الرقيات، و الأحوص، و جميل، و نصيب.

[9]زيادة عن م.

417

دني‏ء الأخلاق و الأفعال، أشدّ تقدّما منهم عند جماعة أهل الحجاز و أكثر الرّواة؛ و هو أسمح طبعا، و أسهل كلاما، و أصحّ معنى منهم؛ و لشعره رونق و ديباجة صافية و حلاوة و عذوبة ألفاظ ليست لواحد منهم. و كان قليل المروءة و الدّين، هجّاء للناس، مأبونا فيما يروى عنه.

جلد سليمان بن عبد الملك إياه و السبب في ذلك:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني أبو عبيدة أنّ جماعة من أهل المدينة أخبروه:

أنّ السبب في جلد سليمان‏[1]بن عبد الملك، أو الوليد بن عبد الملك إيّاه و نفيه له، أنّ شهودا شهدوا عليه عنده أنه قال: إذا أخذت جريري‏[2]لم أبال أيّ الثلاثة لقيت ناكحا أو منكوحا أو زانيا. قالوا[3]: و انضاف إلى ذلك أنّ سكينة/بنت الحسين رضي اللّه عنهما فخرت يوما برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؛ ففاخرها بقصيدته التي يقول فيها:

ليس جهل أتيته ببديع‏

فزاده ذلك حنقا عليه و غيظا حتّى نفاه.

فخرت سكينة بالنبيّ ففاخرها بجدّه و خاله:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة:

أنّ الأحوص كان يوما عند سكينة، فأذّن المؤذّن، فلمّا قال: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أنّ محمدا رسول اللّه، فخرت سكينة بما سمعت؛ فقال الأحوص:

فخرت و انتمت فقلت ذريني # ليس جهل أتيته ببديع

فأنا[4]ابن الذي حمت لحمه الدّبـ # ر قتيل اللّحيان يوم الرّجيع

غسّلت خالي الملائكة الأبـ # رار ميتا طوبى له من صريع‏

قال أبو زيد: و قد لعمري فخر بفخر لو على غير سكينة فخر به!و بأبي سكينة صلّى اللّه عليه و سلّم/حمت أباه‏[5]الدّبر و غسّلت خاله الملائكة.

هجاؤه لابن حزم عامل المدينة:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن يحيى عن أيّوب بن عمر عن أبيه قال:

[1]في م: «في ضرب ابن حزم» . و ابن حزم هذا هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم كان عاملا لسليمان بن عبد الملك على المدينة.

[2]الجرير: الزمام، و هذا كناية عن إطلاق سراحه: و في الحديث أن الصحابة نازعوا جرير بن عبد اللّه زمامه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم:

«خلوا بين جرير و الجرير» أي دعوا له زمامه. و في حـ، م: «صريرتي» . و في سائر الأصول: «صريري» ، و هما تحريف.

[3]في ء، ط: «قال» :

[4]نبهنا فيما تقدّم أن المرحوم الأستاذ الشنقيطي صحح هذه الكلمة بـ «و أبى ابن الذي... » .

[5]كذا في حـ. و في أكثر الأصول: «لحمه» .

418

لمّا جاء ابن حزم عمله من قبل سليمان بن عبد الملك على المدينة و الحجّ، جاءه ابن أبي جهم بن‏[1]حذيفة و حميد بن عبد الرحمن بن عوف و سراقة، فدخلوا عليه/فقالوا له: إيه يا ابن حزم!ما الذي جاء بك؟قال:

استعملني و اللّه أمير المؤمنين على المدينة على رغم أنف من رغم أنفه. فقال له ابن أبي جهم: يا ابن حزم، فإنّي أوّل من يرغم من ذلك أنفه. قال فقال ابن حزم: صادق، و اللّه يحبّ الصّادقين. فقال الأحوص:

سليمان إذ ولاّك ربّك حكمنا # و سلطاننا فاحكم إذا قلت و اعدل

يؤمّ حجيج المسلمين ابن فرتني # فهب ذاك حجّا ليس بالمتقبّل‏

فقال ابن أبي عتيق‏[2]للأحوص: الحمد للّه يا أحوص، إذ لم أحجّ ذلك العام بنعمة ربّي و شكره. قال:

الحمد للّه الذي صرف ذلك عنك يا بن أبي بكر الصّدّيق، فلم يضلل دينك، و لم تعنّ‏[3]نفسك، و تر ما يغيظك و يغيظ المسلمين معك.

وفد على الوليد و تعرّض للخبازين فأمر عامل المدينة بجلده:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه عن عمّه موسى بن عبد العزيز قال:

وفد الأحوص على الوليد بن عبد الملك و امتدحه، فأنزله منزلا، و أمر بمطبخة أن يمال عليه؛ و نزل على الوليد بن عبد الملك شعيب بن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي، فكان الأحوص يراود و صفاء للوليد خبّازين عن‏[4] أنفسهم و يريدهم أن يفعلوا به. و كان شعيب قد غضب على مولى له و نحاه. فلمّا خاف الأحوص أن يفتضح بمراودته الغلمان، اندسّ لمولى شعيب ذلك فقال: ادخل على أمير المؤمنين فاذكر له أنّ شعيبا أرادك عن نفسك، ففعل المولى. فالتفت الوليد إلى شعيب/فقال: ما يقول هذا؟فقال: لكلامه غور[5]يا أمير المؤمنين، فاشدد به يدك يصدقك. فشدد عليه، فقال: أمرني بذلك الأحوص. فقال قيّم الخبّازين: أصلحك اللّه!إنّ الأحوص يراود الخبّازين عن أنفسهم. فأرسل به الوليد إلى ابن حزم بالمدينة، و أمره أن يجلده مائة، و يصبّ على رأسه زيتا، و يقيمه على البلس‏[6]؛ ففعل ذلك به. فقال و هو على البلس أبياته التي يقول فيها:

ما من مصيبة نكبة أمنى‏[7]بها # إلاّ تشرّفني و ترفع‏[8]شأني‏

[1]كذا في ط، ء، و هو الموافق لما في «تاريخ الطبري» ، و هو أبو بكر بن عبد اللّه بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، كما في «تهذيب التهذيب» . و في ب، س، حـ: «ابن أبي جهم حذيفة» بدون ذكر «ابن» و هو خطأ. و في م: «ابن حذيفة» بالخاء المعجمة، و هو تصحيف.

[2]أبو عتيق: لقب محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر.

[3]كذا في حـ، م. و عنّى نفسه و أعناها: أنصبها و كلفها ما يشق عليها. و في سائر الأصول: «و تغر نفسك» .

[4]في جميع الأصول: «على أنفسهم» .

[5]أي في كلامه معنى خفيّ غير واضح.

[6]البلس (بضمتين) : جمع بلاس كسحاب، و هي غرائر كبار من مسوح يجعل فيها التين و يشهر عليها من ينكل به و ينادي عليه. و من دعائهم: «أرانيك اللّه على البلس» .

[7]في ط، ء: «أعيا» . و في «ديوان الحماسة» :

ما تعتريني من خطوب ملمة # إلا تشرفني و تعظم شاني‏

و أوّل الأبيات فيه:

إني على ما قد علمت محسّد # أنمى على البغضاء و الشنآن‏

[8]في ط، ء: «و تعظم» .

419

شعره الذي أنشده حين شهر به:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أيّوب بن عمر قال أخبرني عبد اللّه بن عمران بن أبي فروة قال:

رأيت الأحوص حين وقفه ابن حزم على البلس في سوق المدينة و إنّه ليصيح و يقول:

ما من مصيبة نكبة أمنى بها # إلاّ تعظّمني و ترفع شاني

و تزول حين تزول عن متخمّط[1] # تخشى بوادره على الأقران

إنّي إذا خفي‏[2]اللّئام رأيتني # كالشمس لا تخفى بكلّ مكان‏

شعره في هجو ابن حزم:

قال: و هجا الأحوص ابن حزم بشعر كثير، منه:

أقول و أبصرت ابن حزم بن فرتني # وقوفا له بالمأزمين‏[3]القبائل

/ترى فرتنى كانت بما بلغ ابنها # مصدّقة لو قال ذلك قائل‏

-أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير عن أبي عبيدة قال: كلّ أمة يقال لها فرتنى. و أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلاّم قال: فرتني‏[4]: الأمة بنت الأمة-قال الزّبير: فقال ابن حزم حين سمع قول الأحوص فيه «ابن فرتنى» لرجل من قومه له علم: أ نحن من ولد فرتنى؟أو تعرفها[5]؟فقال: لا و اللّه!قال: و لا أنا أعلم و اللّه ذلك! و لقد عضهني‏[6]به، و لو كانت ولدتني لم أجهل ذلك.

قال الزّبير: و حدّثني عمّي مصعب عن عبد اللّه بن محمد بن عمارة قال:

فرتنى: أمّ لهم في الجاهليّة من بلقين‏[7]، كانوا يسبّون بها، لا أدري ما أمرها، قد طرحوها من كتاب النّسب و هي أمّ خالد[بنت خالد][8]بن سنان بن وهب بن لوذان السّاعديّة أمّ بني حزم.

[1]المتخمط: المتكبر.

[2]في «طبقات ابن سلام الجمحي» : «إني إذا جهل... إلخ» .

[3]المأزمان، كما في ياقوت: جبلا مكة. قال أهل اللغة: هما مضيقا جبلين. و قيل: هو اسم موضع بمكة بين المشعر الحرام و عرفة، و فيه أقوال غير هذا.

[4]و فرتني: المرأة الفاجرة و الأمة. ذهب ابن جني إلى أن نونه زائدة، و جعله سيبويه رباعيا.

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «أو نعرفها» بالنون.

[6]كذا في أكثر الأصول. و عضهني: بهتني أي رماني بالزور و البهتان و قال فيّ ما لم يكن. و في م: «عضبني» و العضب: الشتم و التناول.

[7]بلقين بفتح فسكون: حيّ من بني أسد كما قالوا: بلحارث و بلهجيم، و أصلها بنو القين. قال ابن الجوّاني: «العرب تعتمد ذلك فيما ظهر في واحده النطق باللام، مثل الحارث و الخزرج و العجلان، و لا يقولون ذلك فيما لم تظهر لامه، فلا يقولون بلنجار في بني النجار؛ لأن اللام لا تظهر في النطق بالنجار فلا تجوّزه العربية و لم يقل في «الأنساب» .

[8]هذه العبارة ساقطة في حـ، و قد وردت في م: «ابن خالد» . ـ

420

/أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون‏[1]: أنّ الأحوص قال لابن حزم:

لعمري لقد أجرى ابن حزم بن فرتنى # إلى غاية فيها السّمام المثمّل‏[2]

و قد قلت مهلا آل حزم بن فرتنى # ففي ظلمنا صاب‏[3]ممرّ و حنظل‏

و هي طويلة. و قال أيضا:

أهوى أميّة إنّ شطّت و إن قربت # يوما و أهدي لها نصحي و أشعاري

و لو وردت عليها الفيض‏[4]ما حفلت # و لا شفت‏[5]عطشي من مائه الجاري

لا تأوينّ‏[6]لحزميّ رأيت به # ضرّا و لو طرح‏[7]الحزميّ في النّار

الناخسين‏[8]بمروان بذي خشب # و النفحمين على عثمان في الدّار

دفع عنه بنو زريق فمدحهم:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني جماعة من مشايخ الأنصار:

أنّ ابن حزم لمّا جلد الأحوص‏[و][9]وقفه على البلس يضربه، جاءه بنو زريق‏[10]فدفعوا عنه، و احتملوه من أعلى البلس. فقال في ذلك-قال ابن الزبير: أنشدنيه عبد الملك بن الماجشون عن يوسف بن أبي سلمة الماجشون-:

إمّا تصبني المنايا و هي لاحقة # و كلّ جنب له قد حمّ مضطجع

فقد جزيت بني حزم بظلمهم # و قد جزيت زريقا بالّذي صنعوا

[1]الماجشون ذكره «القاموس» (في مادّة مجش) بضم الجيم. و قال شارحه: «و يكسر الجيم و يفتح فهو إذا مثلث» . ثم نقل عن حاشية المواهب اللدنية أنه «بكسر الجيم و ضم الشين» . و قال: «و على كسر الجيم و ضم الشين اقتصر النووي رحمه اللّه في «شرح مسلم» و الحافظ ابن حجر في «التقريب» . و اقتصر السمعاني في «الأنساب» أيضا على كسر الجيم. و هو معرّب ماه كون. و معناه الورد، أو الأبيض المشرب بحمرة، أو لون القمر.

[2]المثمل: السم المقوّي بالسّلع و هو شجر مرّ. و قال ابن سيده: و سم مثمّل: طال إنقاعه و بقي. و قال الأزهري: و نرى أنه الذي أنقع فبقي و ثبت.

[3]الصاب: عصارة شجر مرّ، و قيل: هو شجر إذا اعتصر خرج منه كهيئة اللبن، و ربما نزت منه نزية (قطرة) فتقع في العين كأنها شهاب نار، و ربما أضعف البصر. و ممرّ، من أمرّ الشي‏ء فهو ممرّ إذا كان مرّا.

[4]الفيض: نهر بالبصرة.

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «سقت» .

[6]أوى لفلان: رحمه ورق له. و الرواية فيما تقدّم (ج 1 ص 26 من هذه الطبعة) «لا ترثين» كما في حـ هنا.

[7]في ب، س: «و لو ألقي» . و في الجزء الأوّل: «و لو سقط» .

[8]الناخسين بمروان، يريد الطاردين لمروان و المزعجين له؛ يقال: نخسوا بفلان إذا نخسوا دابته من خلفه و طردوه حتى سيروه في البلاد. و تفسير «ذي خشب» و قصة طرد مروان مذكوران في الجزء الأوّل (ص 23 و ما بعدها من هذه الطبعة) .

[9]التكملة عن م.

[10]بنو زريق: خلق من الأنصار، و هم بنو زريق بن عامر بن زريق الخزرجيّ، إليه يرجع كل زرقي ما خلا زريق بن ثعلبة طي‏ء. (انظر «القاموس» و «شرحه» مادة زرق) .

421

قوم أبى طبع‏[1]الأخلاق أوّلهم # فهم على ذاك من أخلاقهم طبعوا

و إن أناس ونوا عن كلّ مكرمة # و ضاق باعهم عن وسعهم وسعوا

إنّي رأيت غداة السّوق محضرهم # إذ نحن ننظر ما يتلى و نستمع‏

نفاه ابن حزم إلى دهلك و شعره في ذلك:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي‏[2]قال حدّثني غير واحد من أهل العلم:

أنّ أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم جلد الأحوص في الخنث‏[3]، و طاف به و غرّبه إلى دهلك‏[4]في محمل‏[5]عريانا. فقال الأحوص و هو يطاف به:

ما من مصيبة نكبة أبلى بها

الأبيات. و زاد فيها:

إنّي على ما قد ترون محسّد # أنمى على البغضاء و الشّنآن

/أصبحت للأنصار فيما نابهم # خلفا و للشّعراء من حسّان‏

قال الزّبير: و مما ضرب‏[6]فيه أيضا قوله:

شرّ الحزّاميّين ذو السّنّ منهم # و خير الحزاميّين يعدله الكلب

فإن جئت شيخا من حزام وجدته # من النّوك و التقصير ليس له قلب

فلو سبّني عون إذا لسببته # بشعري أو بعض الأولى جدّهم كعب‏

-عون، يعني عون بن محمد بن عليّ بن أبي طالب عليه رضوان اللّه. و كعب، يعني كعب بن لؤيّ-:

أولئك أكفاء لبيتي بيوتهم # و لا تستوي الأعلاث‏[7]و الأقدح القضب‏

أعانه فتى من بني جحجبى فدعا عليه‏

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن ثابت الأنصاريّ عن محمد بن فضالة قال:

[1]الطبع (بالتحريك) : الدنس و العيب، و كل شين في دين أو دنيا فهو طبع. و أصله من الوسخ و الدنس يغشيان السيف، ثم استعير فيما يشبه ذلك من الأوزار و الآثام و غيرهما من المقابح.

[2]في حـ: «الموصليّ» و انظر الحاشية رقم 1 ص 123 من هذا الجزء.

[3]كذا في أكثر الأصول. و الخنث (بالضم) : اسم من التخنث. و في ب، س: «الخبث» بالباء و هو تصحيف.

[4]دهلك (بفتح أوّله و سكون ثانيه و لام مفتوحة و آخره كاف) ، اسم أعجميّ معرب، و هي جزيرة في بحر القلزم، في طريق المسافرين في بحر عيذاب إلى اليمن، بينها و بين اليمن نحو ثلاثين ميلا، و هي ضيقة حرجة حارّة، كان بنو أمية إذا سخطوا على أحد نفوه إليها.

[5]في ط، ء: «في محمل عري» . و كانت تكون هذه الرواية جميلة لو أنها كانت: على فرس عري أو على دابة عري.

[6]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و مما صرف فيه» .

[7]الأعلاث من الشجر: القطع المختلفة مما يقدح به من المرخ و اليبيس واحدها علث بالكسر. و الأقداح: جمع فدح و هو السهم قبل-

422

كان الأحوص بن محمد الأنصاريّ قد أوسع قومه هجاء فملاهم شرّا، فلم يبق له فيهم صديق، إلاّ فتى من بني جحجبى‏[1]. فلمّا أراد الأحوص الخروج إلى يزيد بن عبد الملك، نهض الفتى في جهاره و قام بحوائجه و شيّعه؛ فلمّا كان بسقاية سليمان و ركب الأحوص محمله، أقبل على الفتى فقال: لا أخلف اللّه عليك بخير!فقال: /مه! غفر اللّه لك!قال الأحوص: لا و اللّه أو أعلّقها حربا!يعني قباء[2]و بني عمرو بن عوف.

هجا معن بن حميد الأنصاريّ فعفا عنه ثم هجا ابن أبي جرير فأهاله و هدّده:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن يحيى قال قال غسّان بن عبد الحميد:

أقبل الأحوص حتّى وقف على معن بن حميد الأنصاريّ، أحد بني عمرو بن عوف بن جحجبى، فقال:

رأيتك مزهوّا كأنّ أباكم # صهيبة أمسى خير عوف مركّبا

تقرّ بكم كوثى‏[3]إذا ما نسبتم # و تنكركم عمر بن عوف بن جحجبى

عليك بأدنى الخطب إن أنت نلته # و أقصر فلا يذهب بك التّيه مذهبا

فقام إليه بنوه و مواليه؛ فقال: دعوا الكلب، خلّوا عنه، لا يمسّه أحد منكم؛ فانصرف. حتّى إذا كان عند أحجار المراء بقباء لقيه ابن أبي جرير أحد بني العجلان، و كان شديدا ضابطا[4]؛ فقال له الأحوص:

إنّ بقوم سوّدوك لحاجة # إلى سيّد لو يظفرون بسيّد

فألقى ثيابه و أخذ بحلق الأحوص، و مع الأحوص راويته، و جاء الناس‏[ليخلّصوه‏][5]، فحلف لئن خلّصه أحد من يديه ليأخذنّه و ليدعنّ الأحوص؛ فخنقه حتى استرخى، و تركه حتى أفاق؛ ثم قال له: كلّ مملوك لي حرّ، لئن‏[6] سمع أو سمعت هذا البيت من أحد من الناس لأضربنّك ضربة بسيفي أريد بها نفسك و لو كنت/تحت أستار الكعبة. فأقبل الأحوص على راويته فقال: إنّ هذا مجنون، و لم يسمع هذا البيت غيرك؛ فإيّاك أن يسمعه منك خلق.

لقي عباد بن حمزة و محمد بن مصعب فلم يهشا له ثم تهدّداه إن هجاهما:

أخبرني الحرميّ و الطّوسيّ قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني بعض أصحابنا:

-أن يراش و ينصل. و القضب: كل شجر سبطت أغصانه و طالت، و ما قطع من الأغصان للسهام أو القسيّ. (انظر «القاموس» و «شرحه» مادتي علث و قضب) .

[1]جحجبى بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس و هو جدّ أحيحة بن الجلاح اليثربي: حي من الأنصار ثم من الأوس. (انظر «القاموس» و «شرحه» مادة جحجب) .

[2]كذا بالأصول.

[3]كوثى: محلة بمكة لبني عبد الدار.

[4]ضابط: شديد البطش و القوّة و الجسم.

[5]. زيادة عن م.

[6]كذا في م. و في ط: «لئن سمعت هذا البيت... » . و في سائر الأصول: «كل مملوك لي حر إن سمع أو سمعت... » .

423

أنّ الأحوص مرّ بعبّاد بن حمزة بن عبد اللّه بن الزّبير و محمد بن مصعب بن الزّبير بخيمتي‏[1]أمّ معبد، و هما يريدان الحجّ مرجعه من عند يزيد بن عبد الملك، و هو على نجيب له فاره و رحل فاخر و بزة مرتفعة، فحدّثهما أنّه قدم على يزيد بن عبد الملك، فأجازه و كساه و أخدمه‏[2]؛ فلم يرهما يهشّان لذلك، فجعل يقول: خيمتي أمّ معبد، عبّاد و محمد، كأنه يروض القوافي للشعر يريد/قوله. فقال له محمد بن مصعب: إنّ أراك في تهيئة شعر و قواف و أراك تريد أن تهجونا!و كلّ مملوك‏[3]لي حرّ لئن هجوتنا بشي‏ء إن لم أضربك بالسيف مجتهدا[4]على نفسك.

فقال الأحوص: جعلني اللّه فداك!إنّي أخاف أن تسمع هذا فيّ عدوّا فيقول شعرا يهجو كما به فينحلنيه‏[5]، و أنا أبرئكما الساعة، كلّ مملوك لي حرّ إن هجوتكما ببيت شعر أبدا.

أراد أن يصحب محمد بن عباد في طريقه إلى مكة فأبى محمد:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب قال حدّثنا الزبير بن خبيب‏[6]عن أبيه خبيب بن ثابت قال:

/خرجنا مع محمد بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير إلى العمرة، فإنّا لبقرب قديد[7]إذ لحقنا الأحوص الشاعر على جمل برحل؛ فقال: الحمد للّه الّذي وفّقكم لي‏[8]، ما أحبّ أنّكم غيركم، و ما زلت أحرك في آثاركم مذ رفعتم لي‏[9]؛ فقد ازددت بكم غبطة. فأقبل عليه محمد، و كان صاحب جدّ يكره الباطل و أهله، فقال: لكنّا و اللّه ما اغتبطنا بك و لا نحبّ مسايرتك، فتقدّم عنّا أو تأخّر. فقال: و اللّه ما رأيت كاليوم جوابا!قال: هو ذاك. قال: و كان محمد صاحب جدّ[يكره الباطل و أهله‏][10]، فأشفقنا مما صنع، و معه عدّة من آل الزبير[11]، فلم يقدر أحد منهم أن يردّ عليه. قال: و تقدّم الأحوص، و لم يكن لي شأن غير أن أعتذر إليه. فلمّا هبطنا من المشلّل‏[12]على خيمتي أمّ [1]خيمة أم معبد و يقال بئر أم معبد: موضع بين مكة و المدينة نزله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في هجرته. و معه أبو بكر رضي اللّه عنه، و قصته مشهورة. قالوا: لما هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لم يزل مساحلا حتى انتهى إلى قديد فانتهى إلى خيمة منتبذة، و ذكروا الحديث، و سمع هاتف ينشد:

جزى اللّه خيرا و الجزاء بكفه # رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد

[2]اخدمه: وهب له خادما.

[3]في الأصول: «و كل مملوك له» .

[4]الاجتهاد: بذل الوسع و المجهود في طلب الأمر، و هو افتعال من الجهد بمعنى الطاقة. فلعل معنى قوله: «مجتهدا على نفسك» :

باذلا ما في وسعي و طاقتي في القضاء على نفسك.

[5]نخله القول: نسبه إليه و هو لم يقله.

[6]كذا في «المشتبه» للذهبي (ص 147) و «فهرس» الطبري. و في الأصول: «حبيب» بالحاء المهملة، و هو تصحيف.

[7]قال ياقوت في «معجمه» : «قديد بالتصغير: اسم موضع قرب مكة. قال ابن الكلبيّ: لما رجع تبّع من المدينة بعد حربه لأهلها نزل قديدا فهبت ريح قدّت خيم أصحابه، فسمى قديدا» . و قال في «اللسان» مادّة قدد: «قديد: ماء بالحجاز و هو مصغر، و ورد ذكره في الحديث؛ قال ابن سيده: و قديد موضع، و بعضهم لا يصرفه و يجعله اسما للبقعة» .

[8]وفقكم لي: جعلكم تصادفونني و تلاقونني. و في «اللسان» (مادة وفق) : «و يقال: وفقت له و وفّقت له و وفقته و وفقني، و ذلك إذا صادفني و لقيني» .

[9]رفع لي الشي‏ء: أبصرته من بعد.

[10]زيادة عن ط، م، ء.

[11]في ط، م، ء: «من ولد الزبير» .

[12]المشلل (بالضم فالفتح و فتح اللام المشدّدة) : جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر. (انظر ياقوت في المشلل) .

424

معبد سمعت الأحوص يهمهم‏[1]بشي‏ء، فتفهّمته فإذا هو يقول: خيمتي أم معبد، محمد، كأنّه يهيّئ القوافي؛ فأمسكت راحلتي حتّى جاءني محمد، فقلت. إنّي سمعت هذا يهيّئ لك القوافي، فإمّا أذنت لنا أن نعتذر إليه و نرضيه، و إمّا خلّيت‏[2]بيننا و بينه فنضربه‏[3]؛ فإنّا لا نصادفه في أخلى من هذا المكان. قال: كلاّ!إنّ سعد بن مصعب قد أخذ عليه ألاّ يهجو زبيريّا أبدا، فإن فعل رجوت أن يخزيه اللّه، دعه.

هجا سعد بن مصعب فلما أراد ضربه حلف له ألا يهجو زبيريا فتركه:

قال الزّبير: و أمّا خبره مع سعد بن مصعب، فحدّثني به عمّي مصعب قال أخبرني يحيى بن الزّبير بن عبّاد أو مصعب بن عثمان-شكّ: أيّهما حدّثه-قال:

كانت أمة الملك بنت حمزة بن عبد اللّه بن الزّبير، تحت سعد بن مصعب بن الزّبير، و كان فيهم مأتم، فاتّهمته بامرأة، فغارت عليه و فضحته. فقال الأحوص يمازحه:

و ليس بسعد النّار من تزعمونه # و لكنّ سعد النار سعد بن مصعب

أ لم تر أنّ القوم ليلة نوحهم # بغوه فألفوه على شرّ مركب

فما يبتغي بالغيّ لا درّ درّه # و في بيته مثل الغزال المربّب‏

-قال: و سعد النار رجل يقال له سعد حضنة، و هو الذي جدّد لزياد بن عبيد اللّه‏[4]الحارثيّ الكتاب الذي في جدار المسجد، و هو آيات من القرآن أحسب أنّ منها (إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ وَ إِيتََاءِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ يَنْهى‏ََ عَنِ اَلْفَحْشََاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلْبَغْيِ) . فلمّا فرغ منه قال لزياد: أعطني أجري. فقال له زياد: انتظر، فإذا رأيتنا نعمل بما كتبت، فخذ أجرك-.

قال: فعمل سعد بن مصعب سفرة، و قال للأحوص: اذهب بنا إلى سدّ عبيد اللّه بن عمر نتغدّ عليه، و نشرب من مائه، و نستنقع فيه؛ فذهب معه. فلمّا صارا إلى الماء، أمر غلمانه أن يربطوه و أراد ضربه، و قال: ما جزعت من هجائك إيّاي، و لكن ما ذكرك زوجتي؟!فقال له: يا سعد، إنك لتعلم أنّك إن ضربتني لم أكفف عن الهجاء، و لكن خير لك من ذلك أحلف‏[5]لك بما/يرضيك ألاّ أهجوك و لا أحدا من آل الزّبير أبدا؛ فأحلفه و تركه.

هجا مجمع بن يزيد فسبه:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني مصعب عمّي عن مصعب بن عثمان قال:

قال الأحوص لمجمّع بن يزيد بن جارية[6]:

[1]الهمهمة: الكلام الخفيّ، و قيل: الهمهمة: تردّد الزئير في الصدر من الهمّ و الحزن؛ يقال: همهم الأسد، و همهم الرجل، إذا لم يبين كلامه.

[2]في الأصول: «و إما أن خليت» بزيادة «أن» .

[3]في ط، م، ء: «فضربناه» .

[4]كذا في م، و هو الموافق لما في الطبري. و في حـ: «لعبيد اللّه بن زياد الحارثي» . و في أكثر الأصول: «لزياد بن عبد اللّه» .

[5]سياق الكلام يقتضي وجود «أن» المصدرية، فهي إذا محذوفة مقدّرة.

[6]مجمع، بضم أوّله و فتح الجيم و تشديد الميم المكسورة. و جارية، بالجيم و الراء و الياء المثناة من تحت كما في «تهذيب التهذيب» في اسم مجمع. و قد ورد هذا الاسم في الأصول: «حارثة» بالحاء و الراء و الثاء المثلثة، و هو تصحيف.

425

و جمّعت من أشياء شتّى خبيثة # فسمّيت لمّا جئت منها مجمّعا

فقال له مجمّع: إنّي لا أحسن الشعر، ثم أخذ كرنافة[1]فغمسها في ماء فغاصت، ثم رفع يده عنها فطفت، فقال: هكذا و اللّه كانت تصنع خالاتك السّواحر.

طلب من أمّ ليث أن تدخله إلى جارة لها فأبت فعرّضا بها في شعره:

أخبرني الحرميّ قال و حدّثنا الزّبير قال:

كانت امرأة يقال لها أمّ ليث امرأة صدق‏[2]، فكانت قد فتحت بينها و بين جارة لها من الأنصار خوخة، و كانت الأنصاريّة من أجمل أنصاريّة خلقت. فكلّم الأحوص أمّ ليث أن تدخله في بيتها يكلّم الأنصاريّة من الخوخة التي فتحت بينها و بينها، فأبت؛ فقال: أما لأكافئنّك، ثم قال:

هيهات منك بنو عمر و مسكنهم # إذا تشتّيت قنّسرين‏[3]أو حلبا

قامت تراءى و قد جدّ الرحيل بنا # بين السّقيفة و الباب الذي نقبا

إني لمانحها ودّي و متّخذ # بأمّ ليث إلى معروفها سببا

فلمّا بلغت الأبيات زوج المرأة، سدّ الخوخة؛ فاعتذرت إليه أمّ ليث، فأبى أن يقبل و يصدّقها. فكانت أمّ ليث تدعو على الأحوص.

وعده مخزوميّ أن يعينه عند الوليد ثم أحلف:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثني أبي قال:

ركب الأحوص إلى الوليد بن عبد الملك قبل ضرب ابن حزم إيّاه، فلقيه رجل من بني مخزوم يقال له محمد بن عتبة، فوعده أن يعينه. فلمّا دخل على الوليد قال: ويحك!ما هذا الذي رميت به يا أحوص؟قال: و اللّه يا أمير المؤمنين، لو كان الذي رماني به ابن حزم من أمر الدّين لاجتنبته، فكيف و هو من أكبر معاصي اللّه!فقال ابن عتبة: يا أمير المؤمنين، إنّ من فضل ابن حزم و عذله كذا و كذا، و أثنى عليه. فقال الأحوص: هذا و اللّه كما قال الشاعر[4]:

و كنت كذئب السّوء لمّا رأى دما # بصاحبه يوما[5]أحال على الدّم‏

شكاه أهل المدينة فنفى إلى دهلك ثم استعطف عمر بن عبد العزيز فلم يعطف عليه:

فأمّا خبره في بقيّة أيّام سليمان بن عبد الملك و عمر بن عبد العزيز، فأخبرني به أبو خليفة الفضل بن الحباب [1]الكرنافة: واحدة الكرناف (بكسر الكاف و ضمها) ، و هو أصول الكرب التي تبقى في جذع النخلة بعد قطع السعف.

[2]إذا قلت: رجل صدق أو امرأة صدق بالإضافة كسرت الصاد، و إن نعتّ به فتحتها.

[3]قنسرين (بكسر القاف و فتح النون مشدّدة) : كورة بالشام بالقرب من حلب، و هي أحد أجناد الشام. فتحها أبو عبيدة بن الجرّاح رضي اللّه عنه في سنة سبع عشرة.

[4]هو الفرزدق.

[5]أحال على الدم: أقبل عليه. و مثله قول الشاعر:

فتى ليس لابن العمّ كالذئب إن رأى # بصاحبه يوما دما فهو آكله‏

426

[الجمحيّ‏][1]قال حدّثنا عون بن محمد بن سلاّم قال حدّثني أبي عمّن حدّثه عن الزّهريّ، و أخبرني به الطّوسيّ و الحرميّ بن أبي العلاء قالا: حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب عن مصعب بن عثمان قال:

كان الأحوص ينسب بنساء ذوات أخطار من أهل المدينة، و يتغنّى في شعره معبد و مالك، و يشيع ذلك في الناس، فنهي فلم ينته؛ فشكي إلى عامل سليمان بن عبد الملك على المدينة و سألوه الكتاب فيه إليه، ففعل ذلك.

فكتب سليمان إلى عامله يأمره أن يضربه مائة سوط و يقيمه على البلس للناس، ثم يصيّره إلى دهلك‏[2]ففعل ذلك به؛ فثوى هناك سلطان‏[3]سليمان بن عبد الملك. ثم ولي عمر/ابن عبد العزيز؛ فكتب إليه يستأذنه في القدوم و يمدحه؛ فأبى أن يأذن له. و كتب فيما كتب إليه به:

/

أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن # هديت أمير المؤمنين رسائلي

و قل لأبي حفص إذا ما لقيته # لقد كنت نفّاعا قليل الغوائل

و كيف ترى للعيش طيبا و لذّة # و خالك أمسى موثقا في الحبائل!

-هذه الأبيات من رواية الزّبير وحده، و لم يذكرها ابن سلاّم-قال: فأتى رجال من الأنصار عمر بن عبد العزيز، فكلّموه فيه و سألوه أن يقدمه، و قالوا له: قد عرفت نسبه و موضعه و قديمه، و قد أخرج إلى أرض الشّرك، فنطلب إليك أن تردّه إلى حرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و دار قومه. فقال لهم عمر: فمن الذي يقول:

فما هو إلاّ أن أراها فجاءة # فأبهت حتّى ما أكاد أجيب‏

قالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول:

أدور و لو لا أن أرى أمّ جعفر # بأبياتكم ما درت حيث أدور[4]

و ما كنت زوّارا و لكنّ ذا الهوى # إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور

قالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول:

كأنّ لبنى صبير غادية[5] # أو دمية زيّنت بها البيع

اللّه بيني و بين قيّمها # يفرّ منّي بها و أتّبع‏

/قالوا: الأحوص. قال: بل اللّه بين قيّمها و بينه. قال: فمن الذي يقول:

ستبقى لها[6]في مضمر القلب و الحشا # سريرة حبّ يوم تبلى السّرائر

[1]زيادة عن س، حـ.

[2]دهلك: جزيرة في بحر اليمن و هو مرسي بين بلاد اليمن و الحبشة، بلدة ضيقة حرجة حارة، كان بنو أمية إذا سخطوا على أحد نفوه إليها. (راجع ياقوت) .

[3]يريد: مدة سلطانه.

[4]هذا البيت لعروة بن حزام العذري، كما ذكره المؤلف في ترجمته ضمن شعر له، و كما ذكره ابن قتيبة في كتابه «الشعر و الشعراء» ، لا للأحوص.

[5]الصبير: السحاب الأبيض الذي يصبر بعضه فوق بعض درجا. و الغادية: السحابة تنشأ غدوة.

[6]في «الشعر و الشعراء» (ص 330 طبع أوروبا) : «ستبلى لكم» .

427

قالوا: الأحوص. قال: إنّ الفاسق عنها يومئذ لمشغول، و اللّه لا أردّه ما كان لي سلطان. قال: فمكث هناك بقيّة ولاية عمر و صدرا من ولاية يزيد بن عبد الملك.

غنت حبابة يزيد بن عبد الملك بشعر فلما علم أنه للأحوص أطلقه و أجازه:

قال: فبينا يزيد و جاريته حبابة ذات ليلة على سطح تغنّيه بشعر الأحوص، قال لها: من يقول هذا الشعر؟ قالت: لا و عينيك ما أدري!-قال: و قد كان ذهب من الليل شطره-فقال: ابعثوا إلى ابن شهاب الزّهريّ، فعسى أن يكون عنده علم من ذلك. فأتي الزّهريّ فقرع عليه بابه فخرج مروّعا إلى يزيد. فلمّا صعد إليه قال له يزيد: لا ترع، لم ندعك إلاّ لخير، اجلس، من يقول هذا الشعر؟قال: الأحوص بن محمد يا أمير المؤمنين. قال: ما فعل؟قال:

قد طال حبسه بدهلك. قال: قد عجبت لعمر كيف أغفله. ثم أمر بتخلية سبيله، و وهب له أربعمائة دينار. فأقبل الزّهريّ من ليلته إلى قومه من الأنصار فبشّرهم بذلك.

قصيدته التي يعاتب بها عمر بن عبد العزيز على إدنائه زيد بن أسلم و إقصائه له:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا محمد بن إسماعيل و محمد بن زيد الأنصاريّ قالا:

لمّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة أدنى زيد بن أسلم، و جفا الأحوص. فقال له الأحوص:

أ لست أبا حفص هديت مخبّري # أ في الحقّ أن أقصى و يدنى ابن أسلما

فقال عمر: ذلك هو الحق.

/قال الزّبير: و أنشدنيها عبد الملك بن الماجشون عن يوسف بن الماجشون:

ألا صلة الأرحام أدنى إلى التّقى # و أظهر في أكفائه‏[1]لو تكرّما

/فما ترك الصّنع الذي قد صنعته # و لا الغيظ منّي ليس جلدا و أعظما

و كنّا ذوي قربى لديك فأصبحت # قرابتنا ثديا أجدّ[2]مصرّما

و كنت و ما أمّلت منك كبارق # لوى قطره من بعد ما كان غيّما

و قد كنت أرجى الناس عندي مودّة # ليالي كان الظنّ غيبا مرجّما

أعدّك حرزا إن جنيت ظلامة # و مالا ثريّا حين أحمل مغرما

تدارك بعتبى عاتبا ذا قرابة # طوى الغيظ لم يفتح بسخط له فما

قيل إنه دس إلى حبابة الشعر الذي غنت يزيد به فأطلقه و أجازه:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: كتب إليّ إسحاق بن إبراهيم أنّ أبا عبيدة حدّثه:

أنّ الأحوص لم يزل مقيما بدهلك حتّى مات عمر بن عبد العزيز، فدسّ إلى حبابة فغنّت يزيد بأبيات له-قال أبو عبيدة: أظنّها قوله:

[1]في ط: «و أطهر في أكفانه» .

[2]كذا في ء، ط و «الشعر و الشعراء» . و ثدي أجدّ: يابس لا لبن به. و مصرّم: منقطع اللبن. و في ب، س: «أحذ» بالحاء و الذال المعجمة، و هو تصحيف. ـ

428
صوت‏

أيّ هذا المخبّري عن يزيد # بصلاح فداك أهلي و مالي

ما أبالي إذا يزيد بقي لي # من تولّت به صروف الليالي‏

لم يجنّسه. كذا جاء في الخبر أنها غنّته به، و لم يذكر طريقته قال أبو عبيدة: أراه عرّض بعمر بن عبد العزيز و لم يقدر أن يصرّح مع بني مروان-فقال: من/يقول هذا؟قالت: الأحوص، و هوّنت أمره، و كلّمته في أمانه فأمّنه. فلمّا أصبح حضر فاستأذنت له، ثمّ أعطاه مائة ألف درهم.

أخبرنا الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن الهيثم بن عديّ عن صالح بن حسّان:

أنّ الأحوص دسّ إلى حبابة، فغنّت يزيد قوله:

كريم قريش حين ينسب و الذي # أقرّت له بالملك كهلا و أمردا

و ليس و إن أعطاك في اليوم مانعا # إذا عدت من أضعاف أضعافه‏[1]غدا

أهان تلاد المال في الحمد إنّه # إمام هدى يجري على ما تعوّدا

تشرّف مجدا من أبيه و جدّه # و قد ورثا بنيان مجد تشيّدا[2]

فقال يزيد: ويلك يا حبابة!من هذا من قريش؟قالت: و من يكون!أنت هو يا أمير المؤمنين. فقال: و من قال هذا الشعر؟قالت: الأحوص يمدح به أمير المؤمنين؛ فأمر به أمير المؤمنين أن يقدم عليه من دهلك، و أمر له بمال و كسوة.

أخبره يزيد بن عبد الملك بأنه معجب بشعر له في مدحهم:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني بعض أهل العلم قال:

دخل الأحوص على يزيد بن عبد الملك و هو خليفة؛ فقال له يزيد: و اللّه لو لم تمت إلينا بحرمة، و لا توسّلت بدالّة، و لا جدّدت لنا مدحا[3]، غير أنك مقتصر على البيتين اللذين قلتهما فينا، لكنت مستوجبا لجزيل الصّلة منّي حيث تقول:

و إنّي لأستحييكم أن يقودني # إلى غيركم من سائر الناس مطمع /

و أن أجتدي للنفع غيرك منهم # و أنت إمام للرعيّة مقنع‏[4]

قال: و هذه قصيدة مدح بها عمر بن عبد العزيز.

[1]كذا في حـ، م. و في سائر الأصول: «أضعاف إعطائه» .

[2]في م: «مشيدا» و في ء، ط: «وشيدا» .

[3]كذا في «الأمالي» لأبي عليّ القالي (ج 1 ص 69 طبع دار الكتب المصرية) . و في الأصول: «و لم تضربنا بدالة و لم تجدّد لنا مديحة... إلخ» .

[4]رجل مقنع (بفتح الميم) : يقنع به و يرضى برأيه و قضائه.

429

لما ولي يزيد بعث إليه فأكرمه فمدحه:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الزّهريّ قال حدّثني عمر بن موسى بن عبد العزيز قال:

لمّا ولي يزيد بن عبد الملك بعث إلى الأحوص، فأقدم عليه، فأكرمه و أجازه بثلاثين ألف/درهم. فلمّا قدم قباء صبّ المال على نطع و دعا جماعة من قومه، و قال: إنّي قد عملت لكم طعاما. فلمّا دخلوا عليه كشف لهم عن ذلك المال، و قال: (أَ فَسِحْرٌ هََذََا أَمْ أَنْتُمْ لاََ تُبْصِرُونَ) .

قال الزّبير: و قال في يزيد بن عبد الملك يمدحه حينئذ بهذه القصيدة:

صرمت حبلك الغداة نوار # إنّ صرما لكلّ حبل قصار[1]

و هي طويلة، يقول فيها:

من يكن سائلا فإنّ يزيدا # ملك من عطائه الإكثار

عمّ معروفه فعزّ به الدّيـ # ن و ذلّت لملكه الكفّار

و أقام الصّراط فابتهج‏[2]الـ # حقّ منيرا كما أنار النّهار

و من هذه القصيدة بيتان يغنّى فيهما، و هما:

صوت‏

بشر لو يدبّ ذرّ عليه # كان فيه من مشيه آثار

إنّ أروى إذا تذكّر أروى # قلبه كاد قلبه يستطار

/غنّت فيه عريب لحنا من الثقيل الأوّل بالبنصر، و ذكر ابن المكّي أنه لجدّه يحيى.

بعث يزيد إليه و إلى ابن حزم فأراد أن يكيد عنده لابن حزم فلم يقبل منه و أهانه:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب عن مصعب بن عثمان قال:

حجّ يزيد بن عبد الملك فتزوّج بنت عون بن محمد بن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه و أصدقها مالا كثيرا؛ فكتب الوليد بن عبد الملك إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: إنّه بلغ أمير المؤمنين أنّ يزيد بن عبد الملك قد تزوّج بنت عون بن محمد بن عليّ بن أبي طالب و أصدقها مالا كثيرا، و لا أراه فعل ذلك إلاّ و هو يراها خيرا منه، قبّح اللّه رأيه!فإذا جاءك كتابي هذا فادع عونا فاقبض المال منه؛ فإن لم يدفعه إليك فأضربه بالسّياط حتى تستوفيه منه ثم افسخ نكاحه. فأرسل أبو بكر بن محمد بن عمرو إلى عون بن محمد و طالبه بالمال. فقال له: ليس عندي شي‏ء و قد فرّقته. فقال له أبو بكر: إنّ أمير المؤمنين أمرني إن لم تدفعه إليّ كلّه أن أضربك بالسّياط ثم لا أرفعها عنك حتى أستوفيه منك. فصاح به يزيد: تعال إليّ، فجاءه؛ فقال له فيما بينه و بينه: كأنّك خشيت أن أسلمك إليه، ادفع إليه المال و لا تعرّض له نفسك؛ فإنّه إنّ دفعه إليّ رددته عليك، و إن لم يردّه عليّ أخلفته عليك، ففعل. فلمّا [1]القصار: الغاية.

[2]في حـ، م: «فانتهج» بالنون بدل الباء. و على هذه الرواية يكون الفعل مبنيا للمفعول.

430

ولي يزيد بن عبد الملك، كتب في أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم و في الأحوص، فحملا إليه، لما بين أبي بكر و الأحوص من العداوة؛ و كان أبو بكر قد ضرب الأحوص و غرّبه إلى دهلك و أبو بكر مع عمر بن عبد العزيز، و عمر إذ ذاك على المدينة. فلمّا صارا بباب يزيد أذن للأحوص، فرفع أبو بكر يديه يدعو، فلم يخفضهما حتى خرج الغلمان بالأحوص ملبّبا[1]مكسور الأنف، و إذا هو لمّا دخل على يزيد/قال له: أصلحك اللّه!هذا ابن حزم الذي سفّه رأيك و ردّ نكاحك. فقال يزيد: كذبت!عليك لعنة اللّه و على من يقول ذلك!اكسروا أنفه، و أمر به فأخرج ملبّبا.

قصته مع عبد الحكم بن عمرو الجمحي:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه عن عبد اللّه بن/عمرو[2]الجمحيّ قال:

كان عبد الحكم‏[3]بن عمرو بن عبد اللّه بن صفوان الجمحيّ قد اتّخذ بيتا فجعل فيه شطرنجات و نردات و قرقات‏[4]و دفاتر فيها من كلّ علم، و جعل في الجدار أوتادا، فمن جاء علّق ثيابه على وتد منها، ثم جرّ دفترا فقرأه، أو بعض ما يلعب به فلعب به مع بعضهم. قال: فإنّ عبد الحكم يوما لفي المسجد الحرام إذا فتى داخل من باب الحنّاطين، باب بني جمح، عليه ثوبان معصفران مدلوكان و على أذنه ضغث‏[5]ريحان و عليه ردع‏[6]الخلوق، فأقبل يشقّ الناس حتى جلس إلى عبد الحكم بن عمرو بن عبد اللّه؛ فجعل من رآه يقول: ما ذا صبّ عليه من هذا!أ لم يجد أحدا يجلس إليه غيره!و يقول بعضهم: فأيّ شي‏ء يقوله له عبد الحكم و هو أكرم من أن يجبه من يقعد إليه!فتحدّث إليه ساعة ثم أهوى فشبّك يده في يد عبد الحكم و قام يشقّ المسجد حتّى خرج من باب الحنّاطين-قال عبد الحكم:

فقلت في نفسي: ما ذا سلّط اللّه عليّ منك!رآني معك نصف الناس في المسجد و نصفهم في الحنّاطين-حتّى دخل مع عبد الحكم بيته، فعلّق رداءه على وتد و حلّ أزراره و اجترّ الشّطرنج/و قال: من يلعب؟فبينا هو كذلك إذ دخل الأبجر المغنّي، فقال له: أي زنديق ما جاء بك إلى هاهنا؟و جعل يشتمه و يمازحه. فقال له عبد الحكم: أ تشتم رجلا في منزلي!فقال: أتعرفه؟هذا الأحوص. فاعتنقه عبد الحكم و حيّاه. و قال له: أمّا إذ كنت‏[7]الأحوص فقد هان عليّ ما فعلت.

خطب عبد الملك بن مروان أهل المدينة و تمثل بشعر له:

أخبرني الطّوسيّ و الحرميّ قالا حدّثنا الزّبير بن بكار قال حدّثني حميد بن عبد العزيز عن أبيه قال:

لمّا قدم عبد الملك بن مروان حاجّا سنة خمس و سبعين، و ذلك بعد ما اجتمع الناس عليه بعامين، جلس على المنبر فشتم أهل المدينة و وبّخهم، ثم قال: إنّي و اللّه يا أهل المدينة قد بلوتكم فوجدتكم تنفسون القليل و تحسدون [1]ملببا: مأخوذا بتلابيبه، و هو أن يجمع ثيابه عند صدره و نحره ثم يجرّ منها.

[2]في حـ، م: «عمر» .

[3]في حـ، م: «عبد الحكيم» .

[4]النردات: جمع نرد و هو ما يعرف اليوم «بالطاولة» . و القرقات: جمع قرق و هي لعبة للصبيان يخطّون بها أربعة و عشرين خطأ مربعة، كل مربع منها داخل الآخر، و يصفون بين تلك المربعات حصيات صغيرة على طريقة مخصوصة.

[5]الضغث: كل ما ملأ الكف من النبات.

[6]الردع: اللطخ بالزعفران. و الخلوق: ضرب من الطيب، و قيل: الزعفران.

[7]كذا في م. و في سائر النسخ: «فقال إذا كنت... إلخ» .

431

على الكثير، و ما وجدت لكم مثلا إلاّ ما قال مخنّثكم و أخوكم الأحوص:

و كم نزلت بي من خطوب مهمّة # خذلتم عليها[1]ثم لم أتخشّع

فأدبر عنّي شرّها لم أبل‏[2]بها # و لم أدعكم في كربها المتطلّع‏

فقام إليه نوفل بن مساحق فقال: يا أمير المؤمنين، أقررنا بالذّنب و طلبنا المعذرة؛ فعد بحلمك، فذلك ما يشبهنا منك و يشبهك منّا؛ فقد قال من ذكرت من بعد بيتيه الأوّلين:

و إنّي لمستأن و منتظر بكم # و إن لم تقولوا في الملمّات دع دع‏[3]

أؤمّل منكم أن تروا غير رأيكم # وشيكا و كيما تنزعوا خير منزع‏

أثر أهل دهلك عنه الشعر و عن عراك بن مالك الفقه:

أخبرني الحرمي و الطّوسيّ قالا حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن الضحّاك عن المنذر بن عبد اللّه الحزاميّ:

أنّ عراك‏[4]بن مالك كان من أشدّ أصحاب عمر بن عبد العزيز على بني مروان في انتزاع ما حازوا من الفي‏ء و المظالم من أيديهم. فلمّا ولي يزيد بن عبد الملك ولّى عبد الواحد بن عبد اللّه النّصري‏[5]المدينة، فقرّب عراك بن مالك و قال: صاحب الرجل الصالح، و كان لا يقطع أمرا دونه، و كان يجلس معه على سريره. فبينا هو معه إذ أتاه كتاب يزيد بن عبد الملك: أن ابعث مع عراك بن مالك حرسيا حتى ينزله أرض دهلك و خذ من عراك/حمولته.

فقال لحرسيّ بين يديه و عراك معه على السرير: خذ بيد عراك فابتع من ماله راحلة ثم توجّه به نحو دهلك حتى تقرّه فيها؛ ففعل ذلك الحرسيّ. قال: و أقدم الأحوص؛ فمدحه الأحوص؛ فأكرمه و أعطاه. قال: فأهل دهلك يأثرون الشعر عن الأحوص، و الفقه عن عراك ابن مالك.

كاد له الجراح الحكمي بأذربيجان لهجائه يزيد بن المهلب و أهانه:

أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب عن محمد بن سلاّم عن أبي الغرّاف‏[6]عمن يثق به قال:

بعث يزيد بن عبد الملك حين قتل يزيد بن المهلّب في الشعراء، فأمر بهجاء يزيد بن المهلّب، منهم الفرزدق و كثيّر و الأحوص. فقال الفرزدق: لقد امتدحت بني/المهلّب بمدائح ما امتدحت بمثلها أحدا، و إنه لقبيح بمثلي أن [1]في م:

«... خطوب ملمة # صبرت عليها... »

[2]أبل: أصله أبالي، فحذف آخره للجازم، ثم حذفت حركة اللام تخفيفا كما تحذف نون يكون بعد الجازم، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين.

[3]هذه كلمة تقال للعاثر، و معناها: دع العثار و قم و انتعش و اسلم، و قد تجعل اسما كالكلمة و تعرب؛ قال الشاعر:

لحي اللّه قوما لم يقولوا لعاثر # و لا لابن عم ناله العثر دعدعا

[4]هو عراك بن مالك الغفاري التابعي، مات في ولاية يزيد بن عبد الملك. و قد ورد هذا الاسم محرّفا في أكثر الأصول.

[5]كذا في حـ، م. و هو الموافق لما في «الخلاصة» (ص 247) و «تهذيب التهذيب» (ج 2 ص 436) و «الأنساب» للسمعاني. و ينتسب كما هو مذكور في الأخيرين إلى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن بن مالك بن عوف. و قد أصلح المرحوم الأستاذ الشنقيطي نسخته بما صوبناه. و في ب، س: «البصري» و هو تصحيف.

[6]كذا في حـ. و في سائر النسخ: «أبو العوّام» و هو تحريف. و أبو الغراف هذا من شيوخ ابن سلام.

432

يكذّب نفسه على كبر السّنّ، فليعفني أمير المؤمنين؛ قال: فأعفاه. و قال كثيّر: إنّي أكره أن أعرّض نفسي لشعراء أهل العراق إن هجوت بني المهلّب. و أمّا الأحوص فإنّه هجاهم. ثم بعث به يزيد بن عبد الملك إلى الجرّاح بن عبد اللّه الحكميّ و هو بأذربيجان، و قد كان بلغ الجرّاح هجاء الأحوص بني المهلّب، فبعث إليه بزقّ من خمر فأدخل منزل الأحوص، ثم بعث إليه خيلا فدخلت منزله فصبّوا الخمر على رأسه ثم أخرجوه على رءوس الناس فأتوا به الجرّاح، فأمر بحلق رأسه و لحيته، و ضربه الحدّ بين أوجه الرجال، و هو يقول: ليس هكذا تضرب الحدود؛ فجعل الجرّاح يقول: أجل!و لكن لما تعلم. ثم كتب إلى يزيد بن عبد الملك يعتذر فأغضى له عليها.

رأي أبي الفرج فيه و استدلاله على هذا الرأي:

قال أبو الفرج الأصبهانيّ: و ليس ما جرى من ذكر الأحوص إرادة للغضّ منه في شعره، و لكنّا ذكرنا من كلّ ما يؤثر عنه ما تعرف به حاله من تقدّم و تأخّر، و فضيلة و نقص؛ فأمّا تفضيله و تقدّمه في الشعر فمتعالم مشهور، و شعره ينبئ عن نفسه و يدلّ على فضله فيه و تقدّمه و حسن رونقه و تهدّبه و صفائه.

رأي الفرزدق و جرير في نسيبه:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء و الطّوسيّ قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا عبد الملك بن عبد العزيز[1]قال حدّثني عبد اللّه بن مسلم بن جندب الهذليّ قال حدّثنا شيخ لنا من هذيل كان خالا للفرزدق من بعض أطرافه قال:

سمعت بالفرزدق و جرير على باب الحجّاج، فقلت: لو تعرّضت ابن أختنا!فامتطيت إليه بعيرا، حتى وجدتهما قبل أن يخلصا[2]، و لكلّ واحد منهما شيعة؛ فكنت/في شيعة الفرزدق؛ فقام الآذن يوما فقال: أين جرير؟فقال جرير: هذا أبو فراس؛ فأظهرت شيعته لومه و أسرّته. فقال الآذن: أين الفرزدق؟فقام فدخل. فقالوا لجرير: أ تناوئه و تهاجيه و تشاخصه، ثم تبدّى عليه فتأبى و تبدّيه؟!قضيت له على نفسك!فقال لهم: إنّه نزر القول، و لم ينشب‏[3]أن ينفد ما عنده و ما قال فيه فيفاخره و يرفع نفسه عليه؛ فما جئت به بعد حمدت عليه و استحسن. فقال قائلهم: لقد نظرت نظرا بعيدا. قال: فما نشبوا أن خرج الآذن فصاح: أين جرير؟فقام جرير فدخل. قال:

فدخلت، فإذا ما مدحه به الفرزدق قد نفد، و إذا هو يقول:

أين الذين بهم تسامي دارما[4] # أم من إلى سلفي‏[5]طهيّة تجعل‏

قال: و عمامته على رأسه مثل المنسف‏[6]، فصحت من ورائه:

[1]كذا في ء، ط، م، و هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن أبي سلمة الماجشون. و في سائر الأصول: «قال حدّثنا عبد العزيز» و فيه حذف؛ لأن الزبير بن بكار روى عن عبد الملك و لم يرو عن أبيه.

[2]يخلصا: يصلا؛ يقال: خلص فلان إلى كذا إذا وصل إليه.

[3]لم ينشب: لم يلبث. و هذا اللفظ عند العرب عبارة عن السرعة. و أصله من نشب العظم في الخلق و الصيد في الحبالة. أي لم يعلق به شي‏ء يمنعه من ذلك.

[4]دارم: اسم قبيلة.

[5]في ب، س: «سفلى طهية» و هو تحريف. و التصويب عن بقية الأصول و النقائض (ص 183) . و طهية: بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم، كانت عند مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد، فولدت له أبا سود و عوفا و جشيشا، فغلبت على بنيها فنسبوا إليها.

[6]المنسف: الغربال الكبير.

433

هذا ابن يوسف فاعلموا و تفهّموا # برح الخفاء فليس حين تناجي /

من سدّ مطّلع‏[1]النّفاق عليكم # أم من يصول كصولة الحجّاج

أم من يغار على النّساء حفيظة # إذ لا يثقن بغيرة الأزواج

قل للجبان إذا تأخّر سرجه # هل أنت من شرك المنيّة ناجي‏

قال: و ما تشبيبها؟و طرب: فقال جرير:

/

لجّ الهوى بفؤادك الملجاج‏[2] # فاحبس بتوضح باكر الأحداج‏

و أمرّها، أو قال: أمضاها. فقال: أعطوه كذا و كذا؛ فاستقللت ذلك. فقال الهذليّ: و كان جرير عربيّا قرويّا، فقال للحجّاج: قد أمر لي الأمير بما لم يفهم عنه، فلو دعا كاتبا و كتب بما أمر به الأمير!فدعا كاتبا و احتاط فيه بأكثر من ضعفه، و أعطى الفرزدق أيضا. قال الهذليّ: فجئت الفرزدق فأمر لي بستّين دينارا و عبد، و دخلت على رواته فوجدتهم يعدّلون ما انحرف من شعره، فأخذت من شعره ما أردت. ثم قلت له: يا أبا فراس، من أشعر الناس؟قال: أشعر الناس بعدي ابن المراغة. قلت: فمن أنسب الناس؟قال الذي يقول:

لي ليلتان فليلة معسولة # ألقى الحبيب بها بنجم الأسعد

و مريحة[3]همّي عليّ كأنّني # حتّى الصّباح معلّق بالفرقد

قلت: ذاك الأحوص. قال: ذاك هو. قال الهذليّ: ثم أتيت جريرا فجعلت أستقلّ عنده ما أعطاني صاحبي أستخرج به منه؛ فقال: كم أعطاك ابن أختك؟فأخبرته. فقال: و لك مثله؛ فأعطاني ستين دينارا و عبدا. قال:

و جئت رواته و هم يقوّمون ما انحرف من شعره و ما فيه من السّناد[4]، فأخذت منه ما أردت، ثم قلت: يا أبا حزرة، من أنسب الناس؟قال الذي يقول:

/

يا ليت شعري عمّن كلفت به # من خثعم إذ نأيت ما صنعوا

قوم يحلّون بالسّدير[5]و بالـ # حيرة منهم مرأى و مستمع

أن شطّت الدار عن ديارهم # أ أمسكوا بالوصال أم قطعوا

بل هم على خير ما عهدت و ما # ذلك إلاّ التأميل و الطّمع‏

قلت: و من هو؟قال: الأحوص. فاجتمعا على أن الأحوص أنسب الناس.

[1]المطلع: المأتي؛ تقول: من أين مطّلع هذا الأمر، أي من أين مأتاه.

[2]الملجاج: اللجوج. و قد ورد هذا البيت في «الأمالي» (ج 3 ص 43 طبع دار الكتب المصرية) و «ديوانه» المطبوع و المخطوط هكذا:

هاج الهوى لفؤادك المهتاج # فانظر بتوضح باكر الأحداج‏

و توصح: موضع معروف في بلاد بني يربوع. و الأحداج: جمع حدج و هو مركب من مراكب النساء نحو الهودج و المحفة. يريد، على هذه الرواية، هاج باكر الأحداج الهوى لفؤادك، فارم بطرفك نحو توضح.

[3]مريحة: من أراح الإبل إذا ردّها إلى المراح من العشيّ، و المراد أنها تسوق إليه همه.

[4]السناد: كل عيب يوجد في القافية قبل الرويّ، و فسره ابن سيده بأنه المخالفة بين الحركات التي تلي الأرداف في الرويّ. (انظر الحاشية رقم 1 ص 143 من الجزء الأوّل و الحاشية رقم 1 ص 348 من الجزء الثاني من هذه الطبعة) .

[5]السدير: نهر بالحيرة، و قيل: السدير: قصر في الحيرة من منازل آل المنذر. (انظر الحاشية رقم 2 ص 137 ج 2 من هذه الطبعة) .

434

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء:

منها الأبيات التي يقول فيها الأحوص:

لي ليلتان فليلة معسولة

و أوّل ما يغنّى به فيها:

صوت‏

يا للرّجال لوجدك المتجدّد # و لما تؤمّل من عقيلة في غد

ترجو مواعد بعث آدم دونها # كانت خبالا للفؤاد المقصد

هل تذكرين عقيل أو أنساكه # بعدي تقلّب ذا الزّمان المفسد

يومي و يومك بالعقيق إذ الهوى # منّا جميع الشّمل لم يتبدّد

لي ليلتان فليلة معسولة # ألقى الحبيب بها بنجم الأسعد

و مريحة همّي عليّ كأنّني # حتّى الصباح معلّق بالفرقد

/-عروضه من الكامل. يقال: يا للرّجال و يا للرجال بالكسر و الفتح‏[1]و في الحديث أنّ عمر رضي اللّه عنه صاح لمّا طعن: يا للّه يا للمسلمين. و قوله: / «في غد» ، يريد فيما بعد و في باقي الدهر؛ قال اللّه سبحانه:

(سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ اَلْكَذََّابُ اَلْأَشِرُ) . و الخبل و الخبال: النّقصان من الشي‏ء. و المخبّل، أصله مأخوذ من النقص لأنه ناقص العقل. و المعسولة: الحلوة المشتهاة-.

الشعر للأحوص. و الغناء في البيت الأوّل و الثاني لمالك خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي و حبش. و في الثالث و الرابع لسليمان‏[2]أخي بابويه ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. و فيهما و في الخامس و السادس لحن لابن سريج ذكره يونس و لم يجنّسه. و ذكر حمّاد بن إسحاق عن أبيه أنّ لمعبد في الأبيات كلها لحنا و أنه من صحيح غنائه، و لم يجنّسه.

سألت امرأة ابنا للأحوص عن شعر له:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه. عن أيّوب بن عباية قال:

بلغني أنّ ابنا للأحوص بن محمد الشاعر دخل على امرأة شريفة، و أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني إبراهيم بن زيد عن عنبسة[3]بن سعيد بن العاصي قال أخبرني أشعب‏[4]بن جبير قال:

حضرت امرأة شريفة و دخل عليها ابن الأحوص بن محمد الشاعر؛ فقالت له: أ تروي قول أبيك:

[1]لام الاستغاثة تفتح مع المستغاث و تكسر مع المستغاث لأجله. فإذا دخلت على ضمير، مثل يا لك، فتحت دائما، و كسرت مع ياء المتكلم، و احتمل الكلام حينئذ الأمرين.

[2]في م: «لسليم» .

[3]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «إبراهيم بن زيد بن عنبسة» ، و هو تحريف.

[4]كذا في ب، حـ، م. و في سائر النسخ: «أشعث» و هو تصحيف.

435

لي

ليلتان فليلة معسولة # ألقى الحبيب بها بنجم الأسعد

و مريحة همّي عليّ كأنّني # حتّى الصباح معلّق بالفرقد

/قال نعم. قالت: أ تدري أيّ الليلتين التي يبيت فيها معلّقا بالفرقد؟قال: لا و اللّه. قالت: هي ليلة أمّك التي يبيت معها فيها. قال إبراهيم في خبره: فقلت لأشعب: يا أبا العلاء، فأيّ ليلتيه المعسولة؟فقال:

ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا # و يأتيك بالأخبار من لم تزوّد

هي ليلة الإسراف‏[1]، و لا تسأل عمّا بعدها.

ما قاله ابن جندب حين أنشد شعر الأحوص:

أخبرني عبد العزيز ابن بنت الماجشون قال:

أنشد ابن جندب قول الأحوص:

لي ليلتان فليلة معسولة # ألقى الحبيب بها بنجم الأسعد

و مريحة همّي عليّ كأنّني # حتّى الصباح معلّق بالفرقد

فقال: أما إنّ اللّه يعلم أنّ الليلة المريحة همّي لألذّ الليلتين عندي. قال الحرميّ بن أبي العلاء: و ذلك لكلفه بالغزل و الشّوق و الحنين و تمنّي اللقاء.

من هي عقيلة التي شغف بها الأحوص:

و للأحوص مع عقيلة هذه أخبار قد ذكرت في مواضع أخر. و عقيلة امرأة من ولد عقيل بن أبي طالب رضي اللّه عنه. و قد ذكر الزّبير عن ابن بنت الماجشون عن خاله أنّ عقيلة هذه هي سكينة بنت الحسين عليهما السلام، كنى عنها بعقيلة.

أعجب أبو عبيدة بن محمد بن عمار ببيت له و حلف لا يسمعه إلا جرّ رسنه:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي:

أنّ إنسانا أنشد عند إبراهيم بن هشام و هو والي المدينة قول الأحوص:

إذ أنت فينا لمن ينهاك‏[2]عاصية # و إذ أجرّ إليكم سادرا رسني‏

/فوثب أبو عبيدة بن عمّار بن ياسر[3]قائما ثم أرخى رداءه و مضى يمشي على تلك الحال و يجرّه/حتى بلغ العرض‏[4]ثم رجع. فقال له إبراهيم بن هشام حين جلس: ما شأنك؟فقال: أيّها الأمير، إني سمعت هذا البيت مرّة فأعجبني، فحلفت لا أسمعه إلاّ جررت رسني.

[1]كذا في ط. و في سائر الأصول: «ليلة الأشراف» بالشين المعجمة.

[2]كذا في حـ، م، و قد اتفقت عليها الأصول فيما بعد. و في سائر النسخ هنا: «يهواك» .

[3]نسبه إلى جده لشهرته؛ فإن أبا أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر.

[4]العرض (بالكسر) : الوادي فيه زروع و نخل؛ يقال: أخصبت أعراض المدينة؛ و هي قراها التي في أوديتها. و يراد به هنا مكان بعينه.

436

نسبة هذا البيت و ما غنّي فيه من الشعر

صوت‏

سقيا لربعك من ربع بذي سلّم # و للزّمان به إذ ذاك من زمن

إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصية # و إذ أجرّ إليكم سادرا رسني‏

عروضه من البسيط. غنّى ابن سريج في هذين البيتين لحنا من الثقيل الأوّل بالوسطى‏[1]عن عمرو. و ذكر إسحاق فيه لحنا من الثقيل الأوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى و لم ينسبه إلى أحد، و ذكر حبش‏[2]أنّه للغريض.

كان حماد الراوية يفضله على الشعراء في النسيب:

أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلاّم عن سالم بن أبي السّحماء و كان صاحب حمّاد الراوية:

أنّ حمّادا كان يقدّم الأحوص في النّسيب.

هجا رجلا فاستعدى عليه الفرزدق و جريرا فلم ينصراه فعاد فصالحه:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا عمر بن أبي سليمان عن يوسف بن أبي سليمان بن عنيزة[3]قال:

/هجا الأحوص رجلا من الأنصار من بني حرام يقال له ابن بشير، و كان كثير المال؛ فغضب من ذلك، فخرج حتّى قدم على الفرزدق بالبصرة و أهدى إليه و ألطفه‏[4]، فقبل منه، ثم جلسا يتحدّثان؛ فقال الفرزدق: ممن أنت؟قال: من الأنصار. قال: ما أقدمك؟قال: جئت مستجيرا باللّه عزّ و جلّ ثم بك من رجل هجاني. قال: قد أجارك اللّه منه و كفاك مئونته، فأين أنت عن الأحوص؟قال: هو الذي هجاني. فأطرق ساعة ثم قال: أ ليس هو الذي يقول:

ألا قف برسم الدّار فاستنطق الرّسما # فقد هاج أحزاني و ذكّرني نعما[5]

قال بلى. قال: فلا و اللّه لا أهجو رجلا هذا شعره. فخرج ابن بشير فاشترى أفضل من الشّراء الأوّل من الهدايا، فقدم بها على جرير؛ فأخذها و قال له: ما أقدمك؟قال: جئت مستجيرا باللّه و بك من رجل هجاني. فقال:

قد أجارك اللّه عزّ و جلّ منه و كفاك، أين أنت عن ابن عمّك الأحوص بن محمد؟قال: هو الذي هجاني. قال:

فأطرق ساعة ثم قال: أ ليس هو الذي يقول:

تمشّي بشتمي في أكاريس‏[6]مالك # تشيد به كالكلب إذ ينبح النّجما

فما أنا بالمخسوس في جذم‏[7]مالك # و لا بالمسمّى ثم يلتزم الإسما

[1]في حـ: «بالسبابة في مجرى الوسطى» .

[2]في ط، ء: «يونس» .

[3]في حـ: «عنترة» .

[4]ألطفه: أكرمه و بره بطرف التحف، و الاسم «اللطف» بالتحريك.

[5]ورد في بعض الأصول: «نعمي» بالياء في آخره؛ و قد سموا «بنعم» «و نعمى» .

[6]أكاريس: جمع الجمع لكرس و هو هنا الجماعة من الناس.

[7]الجذم: الأصل.

437

و لكنّ بيتي إن سألت وجدته # توسّط منها العزّ و الحسب الضّخما

قال: بلى و اللّه. قال: فلا و اللّه لا أهجو شاعرا هذا شعره. قال: فاشتري أفضل من تلك الهدايا و قدم على الأحوص فأهداها إليه و صالحه.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت‏

ألا قف برسم الدّار فاستنطق الرّسما # فقد هاج أحزاني و ذكّرني نعمى

فبتّ كأنّي شارب من مدامة # إذا أذهبت همّا أتاحت له همّا

غنّاه إبراهيم الموصليّ خفيف رمل بالوسطى عن الهشاميّ. و ذكر عبد اللّه بن العبّاس/الرّبيعي أنّه له.

أنشد أبو السائب المخزومي شعرا له فطرب و مدحه:

أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزّبير قال حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز قال:

قال لي أبو السائب المخزوميّ: أنشدني للأحوص؛ فأنشدته قوله:

قالت و قلت تحرّجي وصلي # حبل امرئ بوصالكم صبّ

واصل إذا بعلي فقلت لها # الغدر شي‏ء ليس من ضربي‏[1]

صوت‏

ثنتان لا أدنو لوصلهما[2] # عرس الخليل و جارة الجنب‏[3]

أمّا الخليل فلست فاجعه # و الجار أوصاني به ربّي

عوجوا كذا نذكر لغانية # بعض الحديث مطيّكم صحبي

و نقل لها فيم الصّدود و لم # نذنب بل انت بدأت بالذّنب

إن تقبلي نقبل و ننزلكم # منّا بدار السّهل و الرّحب

أو تدبري تكدر معيشتنا # و تصدّعي متلائم الشّعب‏

/-غنّى في «ثنتان لا أدنو» و الذي بعده ابن جامع ثقيلا أوّل بالوسطى. و غنّى في «عوجوا كذا نذكر لغانية» و الأبيات التي بعده ابن محرز لحنا من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل مطلقا في مجرى البنصر-قال: فأقبل عليّ أبو السائب فقال: يا ابن أخي، هذا و اللّه المحبّ عينا لا الذي يقول:

و كنت إذا خليل رام صرمي # وجدت وراي منفسحا عريضا

[1]كذا في حـ. و في سائر النسخ: «شعبي» .

[2]في ب، س: «بوصلهما» تحريف.

[3]جار الجنب بالفتح: اللازق بك إلى جنبك.

438

اذهب فلا صحبك اللّه و لا وسّع عليك (يغني قائل هذا البيت) .

سأل المهدي عن أنسب بيت قالته العرب فأجاب رجل من شعره فأجازه:

أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزّبير قال حدّثنا خالد بن وضّاح قال حدّثني عبد الأعلى بن عبد اللّه بن محمد بن صفوان الجمحيّ قال:

حملت دينا بعسكر المهديّ، فركب المهديّ بين أبي عبيد اللّه و عمر بن بزيع، و أنا وراءه في موكبه على برذون قطوف‏[1]؛ فقال: ما أنسب بيت قالته العرب؟فقال له أبو عبيد اللّه: قول امرئ القيس:

و ما ذرفت عيناك إلا لتضربي # بسهميك في أعشار قلب مقتّل‏

فقال: هذا أعرابيّ قحّ. فقال عمر بن بزيع: قول كثير يا أمير المؤمنين:

أريد لأنسى ذكرها فكأنّما # تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل‏

فقال: ما هذا بشي‏ء و ماله يريد أن ينسى ذكرها حتى تمثّل له!فقلت: عندي حاجتك يا أمير المؤمنين جعلني اللّه فداك!قال: الحق بي. قلت: لا لحاق بي، ليس ذلك في دابّتي. قال: احملوه على دابّة. قلت: هذا أوّل الفتح؛ فحملت على دابّة، فلحقت. فقال: ما عندك؟فقلت: قول الأحوص:

/

إذا قلت إنّي مشتف بلقائها # فحمّ التلاقي بيننا زادني سقما

فقال: أحسن و اللّه!اقضوا عنه دينه؛ فقضي عنّي ديني.

نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني‏

/منها الشعر الذي‏[2]هو:

أريد لأنسى ذكرها فكأنّما # تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل‏

صوت‏

ألا حيّيا ليلى أجدّ رحيلي # و آذن أصحابي غدا بقفول

و لم أر من ليلى نوالا أعدّه # ألا ربّما طالبت غير منيل

أريد لأنسى ذكرها فكأنّما # تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل

و ليس خليلي بالملول و لا الذي # إذا غبت عنه باعني بخليل

و لكن خليلي من يدوم وصاله # و يحفظ سرّي عند كلّ دخيل‏

عروضه من الطويل. الشعر لكثيّر. و الغناء في ثلاثة الأبيات الأول لإبراهيم، و لحنه من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. و لابنه إسحاق في:

و ليس خليلي بالملول و لا الّذي‏

[1]القطوف: الدابة التي تبطئ في سيرها.

[2]كذا في ب. و في س: «الذي هو أوّله» . و في سائر النسخ: «الذي أوله» .

439

ثقيل آخر بالوسطى.

حديث ابن سلام عن كثير و جميل:

أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلاّم، و أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير عن محمد بن سلاّم قال:

كان لكثيّر في النّسيب حظّ وافر، و جميل مقدّم عليه و على أصحاب النسيب جميعا، و لكثيّر من فنون الشّعر ما ليس لجميل. و كان كثيّر راوية جميل، و كان جميل/صادق الصّبابة و العشق، و لم يكن كثيّر بعاشق، و كان يتقوّل.

قال: و كان الناس يستحسنون بيت كثيّر في النّسيب:

أريد لأنسى ذكرها فكأنّما # تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل‏

قال: و قد رأيت من يفضّل عليه بيت جميل:

خليليّ فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي‏

حديث ابن مصعب الزبيري عن كثير:

قرأت في كتاب منسوب إلى أحمد بن يحيى البلاذريّ: و ذكر إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أنّ عبد اللّه بن مصعب الزّبيريّ كان يوما يذكر شعر كثيّر و يصف تفضيل أهل الحجاز إيّاه، إلى أن انتهى إلى هذا البيت. قال إسحاق: فقلت له: إنّ الناس يعيبون عليه هذا المعنى و يقولون: ما له يريد أن ينساها!فتبسّم ابن مصعب ثم قال:

إنّكم يا أهل العراق لتقولون ذلك.

سئل كثير عن أنسب بيت قاله فأجاب:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثني أبو يحيى الزّهريّ‏[1]قال حدّثني الهزبريّ‏[2]قال:

قيل لكثيّر: ما أنسب بيت قلته؟قال: الناس يقولون:

أريد لأنسى ذكرها فكأنّما # تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل‏

و أنسب عندي منه قولي:

و قل أمّ عمر داؤه و شفاؤه # لديها و ريّاها الشّفاء من الخبل‏[3]

و قد قيل: إنّ بعض هذه الأبيات للمتوكّل اللّيثيّ.

[1]في م: «الزبيري» .

[2]في ط، ء، م: «الهديري» .

[3]كذا في ط، ء، م. و لعله من القصيدة التي منها:

خليليّ فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حب قاتله قبلي‏

و في سائر الأصول:

لديها و رباها إليه طبيب‏

440

قال محرز بن جعفر إن الشعر في الأنصار و استشهد بشعر صاحبهم الأحوص:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عثمان-قال الحرميّ: أحسبه ابن عبد الرحمن المخزوميّ- قال حدّثنا إبراهيم بن أبي عبد اللّه قال:

قيل لمحرز بن جعفر: أنت صاحب شعر، و نراك تلزم الأنصار، و ليس هناك منه شي‏ء؛ قال: بلى و اللّه، إنّ هناك للشّعر عين الشّعر، و كيف لا يكون الشعر هناك و صاحبهم/الأحوص الذي يقول:

يقولون لو ماتت لقد غاض حبّه # و ذلك حين الفاجعات و حيني

لعمرك إنّي إن تحمّ وفاتها # بصحبة من يبقى لغير ضنين‏

و هو الذي يقول:

و إنّي لمكرام لسادات مالك # و إنّي لنوكى مالك لسبوب

و إنّي على الحلم الذي من سجيّتي # لحمّال أضغان لهنّ طلوب‏

ما قاله الأحوص من الشعر في مرض موته:

أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب قال حدّثني يحيى بن الزّبير بن عبّاد بن حمزة بن عبد اللّه بن الزّبير، قال الزّبير و حدّثني عليّ بن صالح عن عامر بن صالح:

أنّ الأحوص قال في مرضه الذي مات فيه-و قال عامر بن صالح: حين هرب من عبد الواحد النّصريّ إلى البصرة-:

يا بشر يا ربّ محزون بمصرعنا # و شامت جذل ما مسّه الحزن

و ما شمات امرئ إن‏[1]مات صاحبه # و قد يرى أنّه بالموت مرتهن

يا بشر هبّي فإنّ النّوم أرّقه # نأي مشتّ و أرض غيرها الوطن‏

[1]في ط، م: «قد مات» .

441

47-ذكر الدّلال و قصته حين خصي و من خصي معه و السبب في ذلك و سائر أخباره‏

اسمه و كنيته و ولاؤه:

الدّلال اسمه ناقد[1]، و كنيته أبو زيد[2]. و هو مدنيّ مولى بني فهم.

و أخبرني عليّ بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه قال:

قال إسحاق: لم يكن في المخنّثين أحسن وجها و لا أنظف ثوبا و لا أظرف من الدّلال. قال: و هو أحد من خصاه ابن حزم. فلمّا فعل ذلك به قال: الآن تمّ الخنث.

و أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن أبي عبد اللّه مصعب الزّبيريّ قال:

الدّلال مولى عائشة بنت سعيد بن العاص.

كان ظريفا صاحب نوادر و كان يغني غناء كثير العمل:

و أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبد اللّه مصعب الزّبيري قال:

كان الدّلال من أهل المدينة، و لم يكن أهلها يعدّون في الظّرفاء و أصحاب النوادر من المخنّثين بها إلاّ ثلاثة:

طويس، و الدّلال، و هنب‏[3]؛ فكان هنب أقدمهم، و الدلال أصغرهم. و لم يكن بعد طويس أظرف من الدّلال و لا أكثر ملحا.

/قال إسحاق: و حدّثني هشام بن المرّيّة عن جرير، و كانا نديمين مدنيّين، قال: ما ذكرت الدّلال قطّ إلاّ ضحكت لكثرة نوادره. قال: و كان نزر الحديث، فإذا تكلّم أضحك الثّكلى، و كان ضاحك السنّ، و صنعته نزرة جيّدة، و لم يكن يغنّي إلاّ غناء مضعفا، يعني كثير العمل.

كان أهل المدينة يفخرون به:

قال إسحاق: و حدّثني أيّوب بن عباية قال:

شهدت أهل المدينة إذا ذكروا الدّلال و أحاديثه، طوّلوا رقابهم و فخروا به؛ فعلمت أنّ ذلك لفضيلة كانت فيه.

[1]كذا في «شرح القاموس» (مادة دلل) «و نهاية الأرب» (ج 4 ص 315) . و في س، م: «نافد» بألفاء و الدال المهملة. و في باقي الأصول: «نافذ» بالفاء و الذال المعجمة.

[2]كذا في «شرح القاموس» «و نهاية الأرب» . و في جميع الأصول: «أبو يزيد» .

[3]كذا في ب، س. و في «شرح القاموس» (مادة هنب) أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم نفى مخنثين أحدهما «هيت» و الآخر «ماتع» . قال إنما هو «هنب» فصحفه أصحاب الحديث. و قال الأزهري: رواه الشافعي و غيره «هيت» ، و أظنه صوابا. و قد ورد في «المشتبه» : «هيت» . و قد ورد هذا الاسم في باقي الأصول مضطربا.

442

كان يلازم النساء:

قال و حدّثني ابن جامع عن يونس قال:

كان الدّلال مبتلى بالنّساء و الكون معهنّ، و كان يطلب فلا يقدر عليه، و كان بديع الغناء صحيحه حسن الجرم‏[1].

سبب لقبه، و توسطه بين الرجال و النساء:

قال إسحاق و حدّثني الزّبيريّ قال:

إنّما لقّب بالدّلال لشكله‏[2]و حسن دلّه و ظرفه و حلاوة منطقه و حسن وجهه و إشارته. و كان مشغوفا[3]بمخالطة النّساء و وصفهنّ للرجال. و كان من أراد خطبة امرأة سأله عنها و عن غيرها، فلا يزال يصف له النساء واحدة /فواحدة حتّى ينتهي إلى وصف ما يعجبه؛ ثم يتوسّط بينه و بين من يعجبه منهنّ حتّى يتزوّجها؛ فكان يشاغل كلّ من جالسه عن الغناء بتلك الأحاديث كراهة منه للغناء.

/قال إسحاق‏[4]و حدّثني مصعب الزّبيريّ قال:

أنا أعلم خلق اللّه بالسبب الذي من أجله خصي الدّلال؛ و ذلك أنه كان القادم يقدم المدينة، فيسأل عن المرأة يتزوّجها فيدلّ على الدّلال؛ فإذا جاءه قال له: صف لي من تعرف من النساء للتزويج؛ فلا يزال يصف له واحدة بعد واحدة حتّى ينتهي إلى ما يوافق هواه؛ فيقول: كيف لي بهذه؟فيقول: مهرها كذا و كذا؛ فإذا رضي بذلك أتاها الدّلال، فقال لها: إنّي قد أصبت لك رجلا من حاله و قصّته و هيئته و يساره و لا عهد له بالنساء، و إنما قدم بلدنا آنفا؛ فلا يزال بذلك يشوّقها و يحرّكها حتّى تطيعه؛ فيأتي الرجل فيعلمه أنه قد أحكم له ما أراد. فإذا سوّي الأمر و تزوّجته المرأة، قال لها: قد آن لهذا الرجل أن يدخل بك، و الليلة موعده، و أنت مغتلمة شبقة جامّة[5]؛ فساعة يدخل عليك قد دفقت عليه مثل سيل العرم، فيقذرك و لا يعاودك، و تكونين من أشأم النّساء على نفسك و غيرك. فتقول: فكيف أصنع؟فيقول: أنت أعلم بدواء حرك و دائه و ما يسكّن غلمتك. فتقول: أنت أعرف. فيقول: ما أجد له شيئا أشفى من النّيك. فيقول لها: إن لم تخافي الفضيحة فابعثي إلى بعض الزّنوج حتّى يقضي بعض وطرك و يكفّ عادية حرك؛ فتقول له: ويلك!و لا كلّ هذا!فلا تزال المحاورة بينهما حتّى يقول لها: فكما جاء[6]عليّ أقوم، فأخفّفك و أنا و اللّه إلى التخفيف أحوج. فتفرح المرأة فتقول: هذا أمر مستور، فينيكها؛ حتّى إذا قضى لذّته منها، قال لها: أمّا أنت فقد استرحت و أمنت العيب، و بقيت أنا. ثم يجي‏ء إلى الزوج فيقول له: قد واعدتها/أن تدخل عليك الليلة، و أنت [1]كذا في أكثر الأصول. و الجرم بالكسر هنا: الصوت أو جهارته. و في م «و نهاية الأرب» (حـ 4 ص 216) : «الجزم» و الجزم: وضع الحروف مواضعها في بيان و مهل.

[2]الشكل (بالكسر) : الدل. و الشكل (بالفتح) : الهيئة و المذهب.

[3]في‏ء، حـ، م: «مشعوفا» بالعين المهملة، و كلاهما بمعنى واحد. و قد قرئ بهما في قوله تعالى: (قَدْ شَغَفَهََا حُبًّا) .

[4]اشتمل هذا الخبر على ألفاظ صريحة في الفحش، و قد آثرنا إبقاءه كما هو احتفاظا بكيان «الأغاني» الذي يعدّ من أجل مصادر التاريخ و الأدب العربي.

[5]يقال: جم الفرس و غيره، إذا ترك الضراب فتجمع ماؤه.

[6]في م: «فكما حكم عليّ أقوم» .

443

رجل عزب‏[1]، و نساء المدينة خاصّة يردن المطاولة في الجماع، و كأنّي بك كما تدخله عليها تفرغ و تقوم، فتبغضك و تمقتك و لا تعاودك بعدها و لو أعطيتها الدنيا، و لا تنظر في وجهك بعدها. فلا يزال في مثل هذا القول حتّى يعلم أنّه قد هاجت شهوته؛ فيقول له: كيف أعمل؟قال: تطلب زنجيّة فتنيكها مرّتين أو ثلاثا حتى تسكن غلمتك؛ فإذا دخلت الليلة إلى أهلك لم تجد أمرك إلاّ جميلا. فيقول له ذاك: أعوذ باللّه من هذه الحال، أ زنا و زنجيّة!لا و اللّه لا أفعل!فإذا أكثر محاورته قال له: فكما جاء عليّ قم فنكني أنا حتّى تسكن غلمتك و شبقك؛ فيفرح فينيكه مرّة أو مرّتين. فيقول له: قد استوى أمرك الآن و طابت نفسك، و تدخل على زوجتك فتنيكها نيكا يملؤها سرورا و لذّة.

فينيك المرأة قبل زوجها، و ينيكه الرجل قبل امرأته. فكان ذلك دأبه، إلى أن بلغ خبره سليمان بن عبد الملك، و كان غيورا شديد الغيرة، فكتب بأن يحصى هو و سائر المخنّثين‏[بالمدينة و مكة][2]، و قال: إنّ هؤلاء يدخلون على نساء قريش و يفسدونهنّ. فورد الكتاب على ابن حزم فخصاهم. هذه رواية إسحاق عن الزّبيري. و السبب في هذا أيضا مختلف فيه، و ليس كلّ الرواة يروون ذلك كما رواه مصعب.

رواية أخرى في السبب الذي خصي من أجله الدلال و سائر المخنثين بالمدينة:

فممّا روي من أمرهم ما أخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ-و هذا الخبر أصحّ ما روي في ذلك إسنادا-قال أخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة عن معن/بن عيسى، هكذا رواه الجوهريّ، و أخبرنا به إسماعيل بن يونس قال حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثني أبو غسّان قال: قال ابن جناح حدّثني معن بن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن أبيه و عن‏[3]محمد بن معن الغفاريّ قالا:

/كان سبب ما خصي له المخنّثون بالمدينة أنّ سليمان بن عبد الملك كان في نادية[4]له يسمر ليلة على ظهر سطح، فتفرّق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء فجاءت به جارية له. فبينا هي تصبّ عليه إذ أومأ بيده و أشار بها مرّتين أو ثلاثا، فلم تصبّ عليه؛ فأنكر ذلك فرفع رأسه، فإذا هي مصغية بسمعها إلى ناحية العسكر، و إذا صوت رجل يغنّي، فأنصت له حتى سمع جميع ما تغنّى به. فلمّا أصبح أذن للناس، ثم أجرى ذكر الغناء فليّن فيه حتى ظنّ القوم أنه يشتهيه و يريده، فأفاضوا فيه بالتّسهيل و ذكر من كان يسمعه. فقال سليمان: فهل بقي أحد يسمع منه الغناء؟فقال رجل من القوم: عندي يا أمير المؤمنين رجلان من أهل أيلة مجيدان محكمان. قال: و أين منزلك؟فأومأ إلى الناحية التي كان الغناء منها. قال: فابعث إليهما، ففعل. فوجد الرسول أحدهما، فأدخله على سليمان؛ فقال: ما اسمك؟قال: سمير، فسأله عن الغناء، فاعترف به. فقال: متى عهدك به؟قال: الليلة الماضية. قال: و أين كنت؟ فأشار إلى الناحية التي سمع سليمان منها الغناء. قال: فما غنّيت به؟فأخبره الشعر الذي سمعه سليمان. فأقبل على القوم فقال: هدر الجمل فضبعت‏[5]الناقة، و نبّ التّيس فشكرت الشاة، و هدر[6]الحمام فزافت‏[7]الحمامة، و غنّى [1]في م: «غريب عزب» .

[2]زيادة عن م.

[3]في ء، ط: «عن أبيه محمد بن معن الغفاري» و هو تحريف؛ إذ أن أبا عبد الرحمن هذا هو عبد اللّه بن ذكوان المعروف بأبي الزناد.

[4]كذا في م. و النادية: مؤنث النادي و هو مجلس القوم و متحدثهم. و في سائر النسخ: «بادية» بالباء الموحدة.

[5]ضبعت الناقة: اشتهت الفحل. و نبّ التيس: صاح عند الهياج. و شكرت الشاة: امتلأ ضرعها، و يكنى بذلك عن حنينها.

[6]في م: «هدل» ، و الهديل: كالهدير، و قيل هو صوت الذكر خاصة.

[7]زافت الحمامة: تبخترت في مشيتها بين يدي الذكر و أقبلت عليه ناشرة جناحيها و ذباباها.

444

الرجل فطربت المرأة، ثم أمر به فخصي. و سأل عن الغناء أين أصله؟فقيل: بالمدينة في المخنّثين، و هم أئمّته و الحذّاق فيه. فكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ، و كان عامله عليها، أن أخص‏[1]من قبلك من المخنّثين المغنّين-فزعم موسى بن جعفر بن/أبي كثير قال أخبرني بعض الكتّاب قال: قرأت كتاب سليمان في الديوان، فرأيت على الخاء نقطة كتمرة العجوة. قال: و من لا يعلم يقول: إنّه صحّف القارئ، و كانت أحص- قال: فتتبعهم ابن حزم فخصى منهم تسعة؛ فمنهم الدّلال، و طريف‏[2]، و حبيب نومة الضّحى. و قال بعضهم حين خصي: سلم الخاتن و المختون. و هذا كلام يقوله الصبيّ إذا ختن.

قال: فزعم ابن أبي ثابت الأعرج قال أخبرني حماد بن نشيط الحسنيّ قال: أقبلنا من مكة و معنا بدراقس‏[3] و هو الذي ختنهم، و كان غلامه قد أعانه على خصائهم، فنزلنا على حبيب نومة الضّحى، فاحتفل لنا و أكرمنا. فقال له ثابت‏[4]: من أنت؟قال: يا ابن أخي أ تجهلني و أنت وليت ختاني!أو قال: و أنت ختنتني. قال: وا سوأتاه!و أيّهم أنت؟قال أنا حبيب. [قال ثابت: ][5]فاجتنبت طعامه و خفت أن يسمني. قال: و جعلت لحية الدّلال بعد سنة أو سنتين تتناثر. و أمّا ابن الكلبيّ فإنه ذكر عن أبي مسكين و لقيط أن أيمن كتب بإحصاء من في المدينة من المخنّثين ليعرفهم، فيوفد عليه من يختاره للوفادة؛ فظنّ‏[الوالي‏][5]أنه يريد الخصاء، فخصاهم.

أخبرني وكيع قال حدّثني أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثني محمد بن سلاّم قال حدّثني ابن جعدبة، و نسخت أنا من كتاب أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدينيّ عن ابن جعدبة و اللفظ له:

أنّ الذي هاج سليمان بن عبد الملك على ما صنعه بمن كان بالمدينة من/المخنّثين، أنّه كان مستلقيا على فراشه في الليل، و جارية له إلى جنبه، و عليها غلالة و رداء/معصفران، و عليها وشاحان من ذهب، و في عنقها فصلان من لؤلؤ و زبرجد و ياقوت، و كان سليمان بها مشغوفا[6]، و في عسكره رجل يقال له سمير الأيليّ يغنّي، فلم يفكّر سليمان في غنائه شغلا بها و إقبالا عليها، و هي لاهية عنه لا تجيبه مصغية إلى الرجل، حتى طال ذلك عليه، فحوّل وجهه عنها مغضبا، ثم عاد إلى ما كان مشغولا عن فهمه بها، فسمع سميرا يغنّي بأحسن صوت و أطيب نغمة:

صوت‏

محجوبة سمعت صوتي فأرّقها # من آخر اللّيل حتّى شفّها[7]السّهر

تدني على جيدها ثنتي‏[8]معصفرة # و الحلي منها على لبّاتها خصر

[1]ذكر الجاحظ في كتاب «الحيوان» (ج 1 ص 55 طبع مصر) : أن الذي أمر بخصاء المخنثين هو هشام بن عبد الملك، و أن الذي تولى ذلك هو عثمان بن حيّان والي المدينة. ثم ساق بعد ذلك طرفا من القصة.

[2]في ط، م: «طريفة» .

[3]كذا ورد هذا الاسم مضبوطا في ط.

[4]لم يتقدّم لثابت هذا ذكر في الكلام. و لعله اسم آخر لبدراقس أو اسم غلامه الذي كان يعينه.

[5]زيادة يقتضيها السياق.

[6]في م: «مشعوفا» بالعين المهملة، و كلاهما بمعنى واحد.

[7]في ط: «حتى ظلها السحر» . و في «المحاسن و الأضداد» ص 293: «لما بلها السحر» .

[8]كذا في ء، ط، م. و في حـ: «تثنى» . و في سائر النسخ: «ثنتي» و كلاهما تصحيف.

445

في ليلة النصف ما يدري مضاجعها # أوجهها عنده أبهى أم القمر

-و يروى:

أوجهها ما يرى أم وجهها القمر

لو خلّيت لمشت نحوي على قدم # تكاد من رقّة للمشي تنفطر

-الغناء لسمير الأيليّ رمل مطلق بالبنصر عن حبش. و أخبرني ذكاء وجه الرّزّة أنّه سمع فيه لحنا للدّلال من الثقيل الأوّل-فلم يشكك سليمان أنّ الذي بها مما سمعت، و أنّها تهوى سميرا؛ فوجّه من وقته من أحضره و حبسه، و دعا لها بسيف و نطع، و قال: و اللّه لتصدقنّي أو لأضربنّ عنقك!قالت: سلني عمّا تريد. قال: أخبرني عمّا بينك و بين هذا الرجل. قالت: و اللّه ما أعرفه و لا رأيته قطّ، و أنا جارية منشئي الحجاز، و من هناك حملت إليك، و و اللّه /ما أعرف بهذه البلاد أحدا سواك. فرقّ لها، و أحضر الرجل فسأله، و تلطّف له في المسألة، فلم يجد بينه و بينها سبيلا، و لم تطب نفسه بتخليته سويّا[1]فخصاه؛ و كتب في المخنّثين بمثل ذلك. هذه الرواية الصحيحة.

أسف ابن أبي عتيق لخصاء الدلال:

و قد أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي قال:

قيل للوليد بن عبد الملك: إنّ نساء قريش يدخل عليهنّ المخنّثون بالمدينة، و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «لا يدخل عليكنّ هؤلاء» . فكتب إلى ابن حزم الأنصاريّ أن اخصهم، فخصاهم. فمرّ ابن أبي عتيق فقال: أ خصيتم الدّلال!أما و اللّه لقد كان يحسن:

لمن ربع بذات الجيـ # ش أمسى دارسا خلقا

تأبّد[2]بعد ساكنه # فأصبح أهله فرقا

وقفت به أسائله # و مرّت عيسهم حزقا[3]

ثم ذهب ثم رجع، فقال: إنما أعني خفيفه، لست أعني ثقيله.

أسف الماجشون لذلك:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن الواقديّ عن ابن الماجشون:

أنّ خليفة صاحب الشّرطة لمّا خصي المخنّثون مرّ بأبيه‏[4]الماجشون و هو في حلقته؛ فصاح به: تعال، فجاءه؛ فقال: أ خصيتم الدّلال؟قال نعم. قال: أما إنّه كان يجيد:

لمن ربع بذات الجيـ # ش أمسى دارسا خلقا

ثم مضى غير بعيد فردّه، ثم قال: أستغفر اللّه!إنما أعني هزجه لا ثقيله.

[1]سويا: كاملا.

[2]تأبد: توحش.

[3]حزقا: جماعات.

[4]في الأصول: «مرّ بابن الماجشون» و هو تحريف؛ إذ الذي كان يعجبه الدلال و يستحسن غناءه و يدنيه و يقرّ به هو الماجشون لا ابنه.

و ابن الماجشون هذا لم ير الدلال، و إنما تحدّث إليه عنه أبوه. (انظر ص 280 من هذا الجزء) .

446

أضحك الناس في الصلاة:

أخبرني الحسين بن/يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني حمزة النّوفليّ قال:

صلّى الدّلال المخنّث إلى جانبي في المسجد، فضرط ضرطة هائلة سمعها من في المسجد، فرفعنا رءوسنا و هو ساجد، و هو يقول في سجوده رافعا بذلك صوته: سبّح لك أعلاي و أسفلي؛ فلم يبق في المسجد أحد إلاّ فتن و قطع صلاته بالضحك.

طرب شيخ في مجلس ابن جعفر للغناء و كان يكرهه:

أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه عن المدائنيّ عن أشياخه:

أنّ عبد اللّه بن جعفر قال لصديق له: لو غنّتك جاريتي فلانة:

لمن ربع بذات الجيـ # ش أمسى دارسا خلقا

لما أدركت دكّانك‏[1]. فقال: جعلت فداك، قد وجبت جنوبها (فَكُلُوا مِنْهََا وَ أَطْعِمُوا اَلْبََائِسَ اَلْفَقِيرَ) . فقال عبد اللّه: يا غلام، مر فلانة أن تخرج؛ فخرجت معها عودها. فقال عبد اللّه: إن هذا الشيخ يكره السماع. فقال:

ويحه!لو كره الطعام و الشراب كان أقرب له إلى الصواب!فقال الشيخ: فكيف ذاك و بهما الحياة؟فقالت: إنّهما ربّما قتلا و هذا لا يقتل. فقال عبد اللّه غنّي:

لمن ربع بذات الجيـ # ش أمسى دارسا خلقا

فغنّت؛ فجعل الشيخ يصفّق و يرقص و يقول:

هذا أوان الشّدّ فاشتدّي زيم‏

و يحرّك رأسه و يدور حتى وقع مغشيّا عليه، و عبد اللّه بن جعفر يضحك منه.

غنى الدلال الغمر بن يزيد فطرب:

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو غسّان قال:

مرّ الغمر بن يزيد بن عبد الملك حاجّا، فغنّاه الدّلال:

/

بانت سعاد و أمسى حبلها انصرما # و احتلّت الغمر[2]فالأجراع‏[3]من إضما[4]

[1]الدكان: بناء يسطح أعلاه و يجلس عليه كالمصطبة في مصر. أي لأصابك من غنائها ما يعوقك عن أن تصل إلى المكان الذي تجلس فيه. و في حـ، م: «ذكاتك» .

[2]تقدّم في الجزء الأوّل (ص 49 من هذه الطبعة) : «الغور» . و الغمر: الماء الكثير، أو بئر قديمة بمكة، أو موضع بينه و بينها يومان.

[3]كذا في أكثر الأصول. و في حـ، م: «فالأجزاع» بالزاي المعجمة. و الأجراع: جمع جرع و هو مفرد أو جمع جرعة و هي الرملة الطيبة المنبت لا وعوثة فيها.

[4]اضم (بكسر ففتح) : واد بجبل تهامة، و هو الوادي الذي فيه المدينة. و قد ورد هذا البيت في «ديوان» النابغة الذبياني هكذا:

بانت سعاد و أمسى حبلها انجذما # و احتلت الشرع فالأجزاع من إضما

و شرع: قرية على شرقيّ ذرة فيها مزارع و نخيل على عيون، و واديها يقال له رخيم. و الأجزاع: جمع جزع بالكسر-و قال أبو عبيدة:

اللائق به أن يكون مفتوحا-: منعطف الوادي. و في «تاج العروس» (أضم) :

و احتلت الشرع فالخبتين من إضما

و الخبت: المتسع من بطون الأرض. (انظر «القاموس» و «شرحه» و ياقوت في هذه المواد) .

447

فقال له الغمر: أحسنت و اللّه، و غلبت فيه ابن سريج!فقال له الدّلال: نعمة اللّه عليّ فيه أعظم من ذلك. قال:

و ما هي؟قال: السّمعة، لا يسمعه أحد إلاّ علم أنه غناء مخنّث حقّا.

نسبة هذا الصوت:

صوت‏

بانت سعاد و أمسى حبلها انصرما # و احتلّت الغمر فالأجراع من إضما

إحدى‏[1]بلي و ما هام الفؤاد بها # إلاّ السّفاة و إلاّ ذكرة حلما

هلاّ سألت بني ذبيان ما حسبي # إذا الدّخان تغشّى‏[2]الأشمط البرما

الشعر للنابغة الذّبيانيّ. و الغناء للدّلال خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشامي. و فيه خفيف ثقيل‏[3]بالبنصر لمعبد عن عمرو بن بانة. و فيه لابن سريج ثقيل أوّل/بالبنصر عن حبش. و فيه لنشيط ثاني ثقيل بالبنصر عنه. و ذكر الهشاميّ أنّ لحن معبد ثقيل أوّل، و ذكر حمّاد أنّه للغريض. و فيه لجميلة و دحمان لحنان، و يقال: إنهما جميعا من الثقيل الأوّل.

احتكم إليه شيعي و مرجئ:

أخبرني الحسين بن يحيى قال أخبرنا حمّاد بن إسحاق إجازة عن أبيه عن المدائنيّ قال:

اختصم شيعيّ و مرجئ‏[4]، فجعلا بينهما أوّل من يطلع، فطلع الدّلال. فقالا له: أبا زيد، أيّهما خير: الشّيعيّ أم المرجئ؟فقال: لا أدري إلاّ أنّ أعلاي شيعيّ و أسفلي مرجئ!

هرب من المدينة إلى مكة:

قال إسحاق قال المدائنيّ و أخبرني أبو مسكين عن فليح بن سليمان قال:

كان الدّلال ملازما لأمّ سعيد الأسلميّة/و بنت ليحيى بن الحكم بن أبي العاصي، و كانتا من أمجن النّساء، كانتا تخرجان فتركبان الفرسين فتستبقان عليهما حتى تبدو خلا خيلهما. فقال معاوية لمروان بن الحكم: اكفني بنت أخيك؛ فقال: أفعل. فاستزارها، و أمر ببئر فحفرت في طريقها، و غطّيت بحصير، فلمّا مشت عليه سقطت في البئر فكانت قبرها. و طلب الدّلال فهرب إلى مكة. فقال له نساء أهل مكة: قتلت نساء أهل المدينة و جئت لتقتلنا!فقال:

و اللّه ما قتلهنّ‏[5]إلا الحكاك. فقلن: اعزب أخزاك اللّه، و لا أدنى بك‏[دارا[6]، و لا آذانا بك‏]!قال: فمن لكنّ [1]بليّ كغنيّ: قبيلة من قضاعة. و السفاه: الطيش و خفة الحلم. و الذكرة (بالكسر و الضم) : نقيض النسيان.

[2]تغشّى: تلبّس. و الأشمط: الذي خالطه الشيب. و خص الأشمط لأنه أجزع للبرد من الشاب فهو يتغشى النار قبله. و البرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر لبخله.

[3]في م: «ثقيل أوّل بالبنصر» .

[4]المرجئة: جماعة كانوا يؤخرون العمل عن النية و العقد، و كانوا يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

و هم فرق أربع: مرجئة الخوارج، و مرجئة القدرية، و مرجئة الجبرية، و المرجئة الخالصة. (انظر «الملل و النحل» للشهرستاني ص 103 طبع أوروبا) .

[5]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «ما قتلهنّ أحد إلا الحكاك» .

[6]زيادة عن س، م.

448

/بعدي يدلّ على دائكنّ و يعلم موضع شفائكنّ؟و اللّه ما زنيت قطّ و لا زني بي، و إنّي لأشتهي ما تشتهي نساؤكم و رجالكم.

كان الماجشون يقرّب الدلال و يستحسن غناءه:

قال إسحاق و حدّثني الواقديّ عن ابن الماجشون قال:

كان أبي يعجبه الدّلال و يستحسن غناءه و يدنيه و يقرّبه، و لم أره أنا، فسمعت أبي يقول: غنّاني الدّلال يوما بشعر مجنون بني عامر، فلقد خفت الفتنة على نفسي. فقلت: يا أبت، و أيّ شعر تغنّى؟قال قوله.

صوت‏

عسى اللّه أن يجري المودّة بيننا # و يوصل حبلا منكم بحباليا

فكم من خليلي جفوة قد تقاطعا # على الدّهر لمّا أن أطالا التّلاقيا

و إنّي لفي كرب و أنت خليّة # لقد فارقت في الوصف حالك حاليا

عتبت فما أعتبتني بمودّة # و رمت فما أسعفتني بسؤاليا

الغناء في هذا الشعر للغريض ثقيل أوّل بالوسطى، و لا أعرف فيه لحنا غيره. و ذكر حماد في أخبار الدّلال أنّه للدّلال، و لم يجنّسه.

غرر بمخة المخنث فغابت خثيم بن عراك صاحب الشرطة:

قال إسحاق و حدّثني الواقديّ عن عثمان بن إبراهيم الحاطبيّ قال:

قدم مخنّث من مكة يقال له مخّة، فجاء إلى الدّلال فقال: يا أبا زيد، دلّني على بعض مخنّثي أهل المدينة أكايده و أمازحه ثم أجاذبه. قال: قد وجدته لك-و كان خثيم‏[1]بن عراك بن مالك صاحب شرطة زياد بن عبيد اللّه‏[2] الحارثيّ جاره، و قد خرج في ذلك الوقت ليصلّي في المسجد-فأومأ إلى خثيم فقال: الحقه في المسجد؛ فإنّه /يقوم فيه فيصلّي ليرائي الناس، فإنّك ستظفر بما تريد منه. فدخل‏[3]المسجد و جلس إلى جنب ابن عراك، فقال:

عجّلي بصلاتك لا صلّى اللّه عليك!فقال خثيم: سبحان اللّه!فقال المخنّث: سبّحت في جامعة[4]قرّاصة، انصرفي حتّى أتحدّث معك. فانصرف خثيم من صلاته، و دعا بالشّرط و السّياط فقال: خذوه فأخذوه‏[5]، فضربه مائة و حبسه.

[1]كذا في حـ، و هو الموافق لما في «تهذيب التهذيب» «و طبقات ابن سعد» (ج 5 ص 187) «و تقريب التهذيب» «و شرح القاموس» .

و في ب، س: «خيثم» . و ورد في ء، ط مضطربا غير واضح.

[2]كذا في ء، ط، م و هو الموافق لما في الطبري (قسم 2 ص 1468 طبع أوروبا) او ابن الأثير (ج 5 ص 345 طبع أوروبا) . و في سائر الأصول: «زياد بن عبد اللّه» و هو تحريف.

[3]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «فجلس في المسجد و جلس إلخ» . و لعلها «فجاس في المسجد» .

[4]الجامعة: الغل لأنها تجمع اليدين إلى العنق.

[5]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «فأخذه» .

449

أضحك الناس في الصلاة فتهدّده الوالى:

أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه قال:

صلّى الدّلال يوما خلف الإمام بمكة، فقرأ: (وَ مََا لِيَ لاََ أَعْبُدُ اَلَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ؛ فقال الدّلال: لا أدري و اللّه!فضحك أكثر الناس و قطعوا الصلاة. فلمّا قضى الوالي صلاته دعا به و قال له: ويلك!أ لا تدع هذا المجون و السّفه!فقال له: قد كان عندي أنّك تعبد اللّه، فلمّا سمعتك تستفهم، طننت أنّك قد تشكّكت في ربّك فثبّتّك. فقال له: أنا شككت‏[1]في ربّي و أنت ثبّتني!اذهب لعنك اللّه!و لا تعاود[2]فأبالغ و اللّه في عقوبتك!

قصته مع رجل زوّجه امرأة لم يدخل بها:

قال إسحاق و حدّثني الواقديّ عن عثمان بن إبراهيم قال:

سأل رجل الدّلال أن يزوّجه امرأة فزوّجه. فلمّا أعطاها صداقها و جاء بها إليه فدخلت عليه، قام إليها فواقعها، فضرطت قبل أن يطأها، فكسل عنها الرجل و مقتها و أمر/بها فأخرجت؛ و بعث إلى الدّلال، فعرّفه ما جرى عليه. فقال له الدّلال: /فديتك!هذا كلّه من عزّة نفسها. قال: دعني منك؛ فإنّي قد أبغضتها، فاردد عليّ دراهمي، فردّ بعضها. فقال له: لم رددت بعضها و قد خرجت كما دخلت؟قال: للرّوعة التي أدخلتها على استها.

فضحك و قال له: اذهب فأنت أقضى الناس و أفقههم.

مكر مع فتية من قريش و سيق إلى الأمير فأراد أن يحدّه ثم عفا عنه:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثني محمد بن سلاّم عن أبيه قال، [و]أخبرني به الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن محمد بن سلاّم عن أبيه‏[قال‏]:

أنّ الدّلال خرج يوما مع فتية من قريش في نزهة لهم، و كان معهم غلام جميل الوجه، فأعجبه؛ و علم القوم بذلك، فقالوا: قد ظفرنا به بقية يومنا، و كان لا يصبر في مجلس حتّى ينقضي، و ينصرف عنه استثقالا لمحادثة الرجال و محبة في محادثة النساء. فغمزوا الغلام عليه؛ و فطن لذلك فغضب، و قام لينصرف؛ فأقسم الغلام عليه و القوم جميعا فجلس. و كان معهم شراب فشربوا، و سقوه و حملوا عليه لئلاّ يبرح، ثم سألوه أن يغنّيهم فغنّاهم:

صوت‏

زبيريّة بالعرج منها منازل # و بالخيف من أدنى منازلها رسم‏[3]

أسائل عنها كلّ ركب لقيته # و ما لي بها من بعد مكّتنا علم

أيا صاحب الخيمات من بطن أرثد[4] # إلى النخل من ودّان ما فعلت نعم‏

[1]كذا في حـ. و في ء، ط: «أنا أشك في ربي و أنت تثبتني» . و في سائر النسخ: «أنا أثبك في ربي و أنت ثبتني» .

[2]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «و لا تعاوده» .

[3]ورد في س، م بعد هذا البيت: «و رواه آخرون: و بالخيف من أعلى منازلها رسم» .

[4]كذا في حـ و ياقوت. و أرثد: اسم واد بين مكة و المدينة في وادي الأبواء. و ودّان: قرية جامعة من نواحي الفرع، بينها و بين هرشى

450

فإن تك حرب بين قومي و قومها # فإنّي لها في كلّ نائرة[1]سلم‏

/-ذكر يحيى‏[2]المكّيّ و عمرو بن بانة أنّ الغناء في هذا الشعر لمعبد ثاني ثقيل بالوسطى، و ذكر غيرهما أنه للدّلال. و فيه لمخارق رمل. و ذكر إسحاق هذا اللحن في طريقة الثقيل الثاني و لم ينسبه إلى أحد-قال: فاستطير القوم فرحا و سرورا و علا نعيرهم؛ فنذر[3]بهم السّلطان، و تعادت‏[4]الأشراط، فأحسّوا بالطّلب فهربوا؛ و بقي الغلام و الدّلال ما يطيقان براحا من السّكر؛ فأخذا فأتي بهما أمير المدينة. فقال للدّلال: يا فاسق!فقال له: من فمك إلى السماء. قال: جئوا[5]فكّه؛ قال: و عنقه أيضا. قال: يا عدوّ اللّه!أ ما وسعك بيتك حتّى خرجت بهذا الغلام إلى الصحراء تفسق به!فقال: لو علمت أنّك تغار علينا و تشتهي أن نفسق‏[6]سرّا ما خرجت من بيتي. قال:

جرّدوه و اضربوه حدّا. قال: و ما ينفعك من ذلك!و أنا و اللّه أضرب في كلّ يوم حدودا. قال: و من يتولّى ذلك منك؟ قال: أيور المسلمين. قال: ابطحوه على وجهه و اجلسوا على ظهره. قال: أحسب أنّ الأمير قد اشتهى أن يرى كيف أناك. قال: أقيموه لعنه اللّه و اشهروه في المدينة مع الغلام. فأخرجا يدار بهما في السّكك. فقيل له: ما هذا يا دلال؟قال: اشتهى الأمير أن يجمع بين الرأسين، فجمع بيني و بين هذا الغلام و نادى علينا، و لو قيل له الآن: إنّك قوّاد غضب!فبلغ قوله الوالي فقال: خلّوا سبيلهما، لعنة اللّه عليهما!

شهادة معبد في غناء الدلال:

قال إسحاق في خبره خاصّة-و لم يذكره أبو أيّوب-فحدّثني أبي عن ابن جامع عن سياط قال:

/سمعت يونس يقول قال لي معبد: ما ذكرت غناء الدّلال في هذا الشعر:

زبيريّة بالعرج منها منازل‏

إلاّ جدّد لي سرورا، و لوددت أنّي كنت سبقته إليه لحسنه عندي. قال يونس: فقلت له: ما بلغ من حسنه /عندك؟قال: يكفيك أني لم أسمع أحسن منه قطّ.

ما كان بينه مع بعض المخنثين و بين عبد الرحمن بن حسان:

أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه عن الهيثم بن عديّ عن صالح بن حسّان قال:

كان بالمدينة عرس، فاتّفق فيه الدّلال و طويس و الوليد المخنّث، فدخل عبد الرحمن بن حسّان، فلمّا رآهم قال: ما كنت لأجلس في مجلس فيه هؤلاء. فقال له طويس: قد علمت يا عبد الرحمن نكايتي فيك و أنّ جرحي () ستة أميال، و بينها و بين الأبواء نحو ثمانية أميال. و في سائر الأصول: «أربد» بالباء الموحدة. و أربد: قرية بالأردن قرب طبرية عن يمين طريق المغرب. و قد رجحنا رواية حـ و ياقوت لأنها الأشبه بشعر الأحوص و ليكون بين الموضعين تناسب مكاني.

[1]النائرة: العداوة و الشحناء، مشتقة من النار.

[2]كذا في ط، و قد تقدّم كذلك مرارا. و في سائر النسخ: «يحيى بن المكي» و هو تحريف و له ترجمة في الجزء السادس من «الأغاني» طبع بولاق.

[3]نذر: علم.

[4]تعادت: من العدو و هو سرعة الجري.

[5]جثوا: اضربوا؛ يقال: وجأ عنقه يجؤه مثل وضع يضع.

[6]في جميع الأصول: «تفسق» بالتاء.

451

إيّاك لم يندمل-يعني خبره معه بحضرة عبد اللّه بن جعفر، و ذكره لعمّته الفارعة-فاربح نفسك و أقبل على شأنك؛ فإنّه لا قيام لك بمن يفهمك فهمي. و قال له الدّلال: يا أخا الأنصار!إنّ أبا عبد النّعيم أعلم بك منّي، و سأعلمك بعض ما أعلم به. ثم اندفع و نقر بالدّفّ، و كلّهم ينقر بدفّه معه، فتغنّى:

صوت‏

أ تهجر يا إنسان من أنت عاشقه # و من أنت مشتاق إليه و شائقه‏[1]

و ريم أحمّ المقلتين موشّح # زرابيّه‏[2]مبثوثة و نمارقه

ترى الرّقم‏[3]و الدّيباج في بيته معا # كما زيّن الروض الأنيق‏[4]حدائقه

/و سرب ظباء ترتعي جانب الحمى # إلى الجوّ[5]فالخبتين بيض عقائقه‏[6]

و ما من حمى في الناس إلاّ لنا حمى # و إلاّ لنا غربيّة و مشارقه‏

فاستضحك عبد الرحمن و قال: اللّهمّ غفرا، و جلس.

لحن الدّلال في هذه الأبيات هزج بالبنصر عن يحيى المكيّ و حمّاد.

استدعاه سليمان بن عبد الملك سرا فغناه فطرب و أعاده إلى الحجاز مكرما:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن أبي عبد اللّه الجمحيّ عن محمد بن عثمان عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت عمّي عتبة يقول حدّثني مولى للوليد بن عبد الملك قال:

كان الدّلال ظريفا جميلا حسن البيان، من أحضر الناس جوابا و أحجّهم؛ و كان سليمان بن عبد الملك قد رقّ له حين خصي غلطا، فوجّه إليه مولى له و قال له: جئني به سرّا، و كانت تبلغه نوادره و طيبه، و حذّر رسوله أن يعلم بذلك أحد. فنفذ المولى إليه و أعلمه ما أمره به، و أمره بالكتمان و حذّره أن يقف على مقصده أحد، ففعل. و خرج به إلى الشام، فلمّا قدم أنزله المولى منزله المولى منزله و أعلم سليمان بمكانه؛ فدعا به ليلا فقال: ويلك ما خبرك؟ فقال: جببت من القبل مرّة أخرى يا أمير المؤمنين، فهل تربد أن تجبّني المرّة من الدّبر؟!فضحك و قال: اعزب أخزاك اللّه!ثم قال له: غنّ. فقال: لا أحسن إلاّ بالدّفّ. فأمر فأتي له بدفّ؛ فغنّى في شعر العرجيّ:

أ في رسم دار دمعك المتحدّر # سفاها و ما استنطاق ما ليس يخبر

تغيّر ذاك الربع من بعد جدّة # و كلّ جديد مرّة متغيّر

[1]في‏ء، ط، ب: «و وامقه» .

[2]الزرابيّ: البسط. و قيل: كل ما بسط و اتكئ عليه. و النمارق: الوسائد.

[3]الرقم: ضرب مخطط من الوشي أو الخز أو البرود.

[4]في حـ: «الروض الأثيث» . و الأثيث: الكثير العظيم.

[5]الجوّ و الخبتان: كلاهما موضع.

[6]الأقرب أن يكون «بيض عقائقه» مرتبطا بالموضع الذي قبله، و أن يكون المراد بالعقائق: النهاء (جمع نهي بكسر أوّله و فتحه) الغدران في الأخاديد المنعقة (العميقة) .

452

لأسماء إذ قلبي بأسماء مغرم # و ما ذكر أسماء الجميلة مهجر /

و ممشى ثلاث بعد هدء[1]كواعب # كمثل الدّمى بل هنّ من ذاك أنضر

فسلّمن تسليما خفيّا و سقّطت # مصاعبة[2]ظلع من السير حسّر

لها أرج من زاهر البقل و الثّرى # و برد إذا ما باشر الجلد يخصر[3]

فقالت لتربيها الغداة تبقّيا[4] # بعين و لا تستبعدا حين أبصر

/و لا تظهرا برديكما و عليكما # كساءان من خزّ بنقش‏[5]و أخضر

فعدّي فما هذا العتاب بنافع # هواي و لا مرجي الهوى حين يقصر

فقال له سليمان: حقّ لك يا دلال أن يقال لك الدّلال!أحسنت و أجملت!فو اللّه ما أدري أيّ أمريك أعجب:

أ سرعة جوابك و جودة فهمك أم حسن غنائك، بل جميعا عجب!و أمر له بصلة سنيّة. فأقام عنده شهرا يشرب على غنائه، ثم سرّحه إلى الحجاز[مكرما][6].

قصته مع شامي من قوّاد هشام أراد أن يتزوّج من المدينة:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الأصمعيّ قال:

حجّ هشام بن عبد الملك، فلمّا قدم المدينة نزل رجل من أشراف أهل الشأم و قوّادهم بجنب‏[7]دار الدّلال، فكان الشاميّ يسمع غناء الدّلال و يصغي إليه و يصعد فوق السطح ليقرب من الصوت؛ ثم بعث إلى الدّلال: إمّا أن تزورنا و إمّا/أن نزورك؛ فبعث إليه الدّلال: بل تزورنا. فتهيّأ الشاميّ‏[8]و مضى إليه، و كان للشاميّ غلمان روقة[9]، فمضى معه بغلامين منهم كأنّهما درّتان. فغنّاه الدّلال:

قد كنت آمل فيكم أملا # و المرء ليس بمدرك أمله

حتّى بدا لي منكم خلف # فزجرت قلبي عن هوى جهله‏[10]

ليس الفتى بمخلّد أبدا # حقّا و ليس بفائت أجله‏

[1]الهدء: الهزيع من الليل، و قيل: من أوّله إلى ثلثه و ذلك ابتداء سكونه.

[2]مصاعبة: جمع مصعب و هو الفحل الذي تركته فلم تركبه و لم يمسه حبل حتى صار صعبا.

[3]يخصر: يبرد.

[4]كذا في م. و تبقيا بعين أي انتظرا بمرأى مني؛ يقال: بقاه و بقّاه و أبقاه و تبقّاه، كله بمعنى انتظره. في ء، ط:

«فقالت لتربيها فديت تنقبا # بعين... »

. و في سائر النسخ:

«فقالت لتربيها الغداة تنقبا # لعين... » .

[5]في حـ، ء، ط: «بنفس» .

[6]زيادة عن ء، ط، م.

[7]كذا في م. و في سائر النسخ: «تحت» .

[8]في م: «فبعث الشامي بما يصلح و مضى إلخ» .

[9]الروقة: الحسان؛ يقال: غلمان روقة و جارية روقة.

[10]في حـ، م:

فزجرت قلبي فارعوى جهله‏

453

حيّ العمود و من بعقوته‏[1] # وقفا العمود و إن جلا أهله‏[2]

قال: فاستحسن الشاميّ غناءه، و قال له: زدني؛ فقال: أ و ما يكفيك ما سمعت؟قال: لا و اللّه ما يكفيني.

قال: فإنّ لي إليك حاجة. قال: و ما هي؟قال: تبيعني أحد هذين الغلامين أو كليهما. قال: اختر أيّهما شئت؛ فاختار أحدهما. فقال الشاميّ: هو لك؛ فقبله الدّلال، ثم غنّاه:

دعتني دواع من أريّا فهيّجت # هوى كان قدما من فؤاد طروب

لعلّ زمانا قد مضى أن يعود لي # فتغفر أروى عند ذاك ذنوبي

سبتني أريّا يوم نعف محسّر[3] # بوجه جميل للقلوب سلوب‏

فقال له الشاميّ: أحسنت!ثم قال له: أيها الرجل الجميل، إن لي إليك حاجة. قال: و ما هي؟قال: أريد وصيفة ولدت في حجر صالح، و نشأت في خير، جميلة الوجه مجدولة، وضيئة، جعدة[4]، في بياض مشربة حمرة، حسنة القامة، سبطة[5]، أسيلة الخدّ، /عذبة اللسان، لها شكل و دلّ، تملأ العين و النفس. فقال له الدّلال:

قد أصبتها لك، فما لي عليك إن دللتك؟قال: غلامي هذا. قال: إذا رأيتها و قبلتها[6]فالغلام لي؟قال نعم. فأتى امرأة كنى عن اسمها، فقال لها: جعلت فداك!إنّه نزل بقربي رجل من أهل الشأم من قوّاد هشام له ظرف و سخاء، و جاءني زائرا فأكرمته، و رأيت معه غلامين كأنّهما الشمس الطالعة و القمر المنير و الكواكب الزاهرة، ما وقعت عيني على مثلهما و لا ينطلق لساني بوصفهما، فوهب لي أحدهما و الآخر عنده؛ و إن لم يصل إليّ فنفسي خارجة. قالت:

فتريد ما ذا؟قال: طلب منّي و صيفة يشتريها على صفة لا أعلمها في أحد إلاّ في فلانة بنتك، فهل لك أن تريها له؟ قالت: و كيف لك بأن يدفع الغلام إليك إذا رآها؟قال: فإنّي قد شرطت عليه ذلك عند النظر لا عند البيع. قالت:

فشأنك و لا يعلم/أحد بذلك. فمضى الدلال فجاء الشاميّ معه. فلمّا صار إلى المرأة أدخلته، فإذا هو بحجلة[7] و فيها امرأة على سرير مشرف برزة جميلة، فوضع له كرسيّ فجلس. فقالت له: أ من العرب أنت؟قال نعم. قالت:

من أيّهم؟قال: من خزاعة. قالت: مرحبا بك و أهلا، أيّ شي‏ء طلبت؟فوصف الصفة؛ فقالت: أصبتها، و أصغت‏[8]إلى جارية لها فدخلت فمكثت هنيهة ثم خرجت؛ فنظرت إليها المرأة فقالت لها: أي حبيبتي، اخرجي؛ فخرجت وصيفة ما رأى الرّاءون مثلها. فقالت لها: أقبلي فأقبلت، ثم قالت لها: أدبري، فأدبرت تملأ العين و النفس؛ فما بقي منها شي‏ء إلاّ وضع يده عليه. فقالت: أ تحبّ أن نؤزّرها لك؟قال نعم. قالت: أي حبيبتي ائتزري، فضمّها الإزار و ظهرت محاسنها الخفيّة، و ضرب بيده على عجيزتها و صدرها. ثم قالت: أ تحبّ أن [1]العقوة: الساحة.

[2]كذا في جميع الأصول. و فيه إقواء.

[3]النعف: المرتفع من الأرض في اعتراض. و قيل: ما انحدر عن السفح و غلظ و كان فيه صعود و هبوط. (و محسر بالضم فالفتح و كسر السين المشدّدة) : موضع بين مكة و عرفة، و قيل: بين منى و عرفة، و قيل: بين منى و المزدلفة.

[4]الجعدة: التي في شعرها جعودة.

[5]كذا في أكثر الأصول؛ يقال: غلام سبط الجسم أي حسن القدّ لطيفه. و في ء، ط: «شاطّة» أي حسنة القوام في اعتدال.

[6]كذا في: حـ. و في سائر الأصول: «قلبتها» .

[7]الحجلة: بيت يزين بالثياب و الأسرّة و الستور.

[8]أي مالت إليها برأسها.

454

/نجرّدها لك؟قال نعم. قالت: أي حبيبتي وضّحي؛ فألقت إزارها فإذا أحسن خلق اللّه كأنّها سبيكة. فقالت:

يا أخا أهل الشأم كيف رأيت؟قال: منية[1]المتمنّي. قال: بكم تقولين؟قالت: ليس يوم النظر يوم البيع، و لكن تعود غدا حتى نبايعك و لا تنصرف إلاّ على الرّضا، فانصرف من عندها. فقال له الدّلال: أرضيت؟قال: نعم، ما كنت أحسب أنّ مثل هذه في الدنيا؛ فإن الصفة لتقصر دونها. ثم دفع إليه الغلام الثاني. فلمّا كان من الغد قال له الشاميّ: امض بنا، فمضيا حتّى قرعا الباب؛ فأذن لهما، فدخلا و سلما، و رحّبت المرأة بهما، ثم قالت للشاميّ:

أعطنا ما تبذل؛ قال: ما لها عندي ثمن إلاّ و هي أكبر منه، فقولي يا أمة اللّه. قالت: بل قل؛ فإنّا لم نوطئك أعقابنا و نحن نريد خلافك و أنت لها رضا. قال: ثلاثة آلاف دينار. فقالت: و اللّه لقبلة من هذه خير من ثلاثة آلاف دينار.

قال: بأربعة آلاف دينار. قالت: غفر اللّه لك!أعطنا أيّها الرجل. قال: و اللّه ما معي غيرها-و لو كان لزدتك-إلاّ رقيق و دوابّ و خرثيّ‏[2]أحمله إليك. قالت: ما أراك إلاّ صادقا، أ تدري من هذه؟قال: تخبريني. قالت: هذه ابنتي فلانة بنت فلان، و أنا فلانة بنت فلان، و قد كنت أردت أن أعرض عليك و صيفة عندي، فأحببت إذا رأيت غدا غلظ أهل الشأم و جفاءهم، ذكرت ابنتي فعلمت أنّكم في غير شي‏ء، قم راشدا. فقال للدّلال: خدعتني!قال: أو لا ترضى أن ترى ما رأيت من مثلها و تهب مائة غلام مثل غلامك؟قال: أمّا هذا فنعم. و خرجا من عندها.

نسبة ما عرفت نسبته من الغناء المذكور في هذا الخبر

صوت‏

قد كنت آمل فيكم أملا # و المرء ليس بمدرك أمله

حتّى بدا لي منكم خلف # فزجرت قلبي عن هوى جهله‏

الشعر للمغيرة بن عمرو بن عثمان. و الغناء للدّلال، و لحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالبنصر في مجراها؛ وجدته في بعض كتب إسحاق بخطّ يده هكذا. و ذكر عليّ بن يحيى المنجّم أنّ هذا اللحن في هذه الطريقة لابن سريج، و أنّ لحن الدّلال خفيف‏[3]ثقيل نشيد. و ذكر أحمد بن المكّيّ أنّ لحن الدّلال ثاني ثقيل بالوسطى، و لحن ابن سريج ثقيل أوّل. و فيه/لمتيّم و عريب خفيفا[4]ثقيل، المطلق المسجح منهما لعريب.

و منها:

صوت‏

دعتني دواع من أريّا فهيّجت # هوى كان قدما من فؤاد طروب

سبتني أريّا يوم نعف محسّر # بوجه صبيح للقلوب سلوب

لعلّ زمانا قد مضى أن يعود لي # و تغفر أروى عند ذاك ذنوبي‏

[1]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «منتهى المتمني» .

[2]الخرئي: متاع البيت و أثاثه، و هو أيضا أردأ المتاع.

[3]في حـ: «ثاني ثقيل» .

[4]في حـ: «خفيف ثقيل» . ـ

455

الغناء للدّلال خفيف ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها من رواية حمّاد عن أبيه، و ذكر يحيى المكيّ أنه لابن سريج.

غنى نائلة بنت عمار الكلبي فأجازته:

أخبرني الحسين‏[1]بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن أبي قبيصة قال:

/جاء الدّلال يوما إلى منزل نائلة بنت عمّار الكلبيّ، و كانت عند معاوية فطلّقها، فقرع الباب فلم يفتح له؛ فغنّى في شعر مجنون بني عامر و نقر[2]بدفّه:

خليليّ لا و اللّه ما أملك البكا # إذا علم من أرض ليلى بدا ليا

خليليّ إن بانوا بليلى فهيّئا # لي النّعش و الأكفان و استغفرا ليا

فخرج حشمها فزجروه و قالوا: تنحّ عن الباب. و سمعت الجلبة فقالت: ما هذه الضّجّة بالباب؟فقالوا:

الدّلال. فقالت: ائذنوا له. فلمّا دخل عليها شقّ ثيابه و طرح التراب على رأسه و صاح بويله و حربه؛ فقالت له:

الويل ويلك!ما دهاك؟و ما أمرك؟قال: ضربني حشمك. قالت: و لم؟قال: غنّيت صوتا أريد أن أسمعك إيّاه لأدخل إليك؛ فقالت: أفّ لهم و تفّ!نحن نبلغ لك ما تحبّ و نحسن تأديبهم. يا جارية هاتي ثيابا مقطوعة. فلمّا طرحت عليه جلس. فقالت: ما حاجتك؟قال: لا أسألك حاجة حتّى أغنّيك. قالت: فذاك إليك؛ فاندفع يغنّي شعر جميل:

ارحميني فقد بليت فحسبي # بعض ذا الدّاء يا بثينة حسبي

لامني فيك يا بثينة صحبي # لا تلوموا قد أقرح الحبّ قلبي

زعم الناس أنّ دائي طبّي # أنت و اللّه يا بثينة طبّي‏[3]

ثم جلس فقال: هل من طعام؟قالت: عليّ بالمائدة؛ فأتي بها كأنها كانت مهيّأة عليها أنواع الأطعمة، فأكل، ثم قال: هل من شراب؟قالت: أمّا نبيذ فلا، و لكن غيره. فأتي بأنواع الأشربة، فشرب من جميعها. ثم قال: هل من فاكهة؟فأتي بأنواع الفواكه فتفكّه، ثم قال: حاجتي خمسة آلاف درهم، و خمس/حلل من حلل معاوية، و خمس حلل من حلل حبيب بن مسلمة، و خمس حلل من حلل النّعمان بن بشير. فقالت: و ما أردت بهذا؟قال:

هو ذاك، و اللّه ما أرضى ببعض دون بعض، فإمّا الحاجة و إما الردّ. فدعت له بما سأل، فقبضه و قام. فلمّا توسّط الدار غنّى و نقر بدفّه:

ليت شعري أ جفوة أم دلال # أم عدوّ أتى بثينة بعدي

فمريني أطعك في كلّ أمر # أنت و اللّه أوجه الناس عندي‏

[1]في حـ، س، ب: «محمد بن الحسين عن حماد» .

[2]كذا في ء، ط. و في سائر النسخ: «و نقر بدفه عليه» .

[3]كذا في س، م. و في سائر الأصول:

أنت و اللّه يا حميتك طبي‏

456

و كانت نائلة عند معاوية، فقال لفاختة بنت قرظة[1]: اذهبي فانظري إليها، فذهبت فنظرت إليها، فقالت له:

ما رأيت مثلها، و لكنّي رأيت تحت سرّتها خالا ليوضعنّ منه رأس زوجها/في حجرها. فطلّقها معاوية؛ فتزوّجها بعده رجلان: أحدهما حبيب بن مسلمة، و الآخر النّعمان بن بشير؛ فقتل أحدهما فوضع رأسه في حجرها.

نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني‏

صوت‏

خليليّ لا و اللّه ما أملك البكا # إذا علم من أرض ليلى بدا ليا

خليليّ إن بانوا بليلى فهيّئا # لي النّعش و الأكفان و استغفرا ليا

أ مضروبة ليلى على أن أزورها # و متّخذ ذنبا لها أن ترانيا

خليليّ لا و اللّه ما أملك الذي # قضى اللّه في ليلى و لا ما قضى ليا

قضاها لغيري و ابتلاني بحبها # فهلاّ بشي‏ء غير ليلى ابتلانيا

الشعر للمجنون. و الغناء لابن محرز ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. و ذكر الهشاميّ أنّ فيه لحنا لمعبد ثقيلا أوّل لا يشك فيه. قال: و قد قال/قوم: إنه منحول يحيى المكيّ. و فيه لإبراهيم خفيف ثقيل عن الهشاميّ أيضا. و فيه ليحيى المكيّ رمل من رواية ابنه أحمد. و فيه خفيف رمل عن أحمد بن عبيد لا يعرف صانعه.

و منها:

صوت‏

ليت شعري أ جفوة أم دلال # أم عدوّ أتى بثينة بعدي

فمريني أطعك في كلّ أمر # أنت و اللّه أوجه الناس عندي‏

الشعر لجميل. و الغناء لابن محرز خفيف ثقيل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه لعلّويه خفيف ثقيل آخر. و ذكر عمرو بن بانة أنّ فيه خفيف ثقيل بالوسطى لمعبد. و ذكر إسحاق أن فيه رملا بالبنصر في مجراها و لم ينسبه إلى أحد، و ذكر الهشاميّ أنّه لمالك. و فيه لمتيّم خفيف رمل. و فيه لعريب ثقيل أوّل‏[بالبنصر][2]. و ذكر حبش أنّ فيه للغريض ثقيلا أوّل بالبنصر. و لمعبد فيه ثقيل أوّل بالوسطى. و ذكر ابن المكيّ أنّ فيه خفيف ثقيل لمالك و علّويه.

غنى في زفاف ابنة عبد اللّه بن جعفر:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائنيّ عن عوانة بن الحكم قال:

[1]كذا في أكثر الأصول، و هو الموافق لما في الطبري (قسم أول ص 2889 طبع أوروبا) و في حا: «فرضة» بالضاد المعجمة.

[2]زيادة في ء، ط، م.

457

لمّا أراد عبد اللّه بن جعفر إهداء[1]بنته إلى الحجّاج، كان ابن أبي عتيق عنده، فجاءه الدّلال متعرّضا فاستأذن.

فقال له ابن جعفر: لقد جئتنا يا دلال في وقت حاجتنا إليك. قال: ذلك قصدت. فقال له ابن أبي عتيق: غنّنا؛ فقال ابن جعفر: ليس وقت ذلك، نحن في شغل عن هذا. فقال ابن أبي عتيق: و ربّ/الكعبة ليغنّينّ. فقال له ابن جعفر: هات. فغنّى و نقر بالدّفّ-و الهوادج و الرّواحل قد هيّئت، و صيّرت بنت ابن جعفر فيها مع جواريها و المشيّعين لها-:

يا صاح لو كنت عالما خبرا # بما يلاقي المحبّ لم تلمه‏[2]

لا ذنب لي في مقرّط[3]حسن # أعجبني دلّه و مبتسمه

شيمته البخل و البعاد لنا # يا حبّذا هو و حبّذا شيمه

مضمّخ بالعبير عارضه # طوبى لمن شمّه و من لثمه‏[4]

/-قال: و لابن محرز في هذا الشعر لحن أجود من لحن الدّلال-فطرب ابن جعفر و ابن أبي عتيق. و قال له ابن جعفر: زدني و طرب. فأعاد اللحن ثلاثا ثم غنّى:

بكر العواذل في الصّبا # ح يلمنني و ألومهنّه

و يقلن شيب قد علا # ك و قد كبرت فقلت إنّه‏

و مضت بنت ابن جعفر، فاتّبعها يغنّيها بهذا الشعر-و لعبد آل الهذليّ فيه لحن و هو أحسنها-:

إنّ الخليط أجدّ فاحتملا # و أراد غيظك بالذي فعلا

فوقفت أنظر بعض شأنهم # و النّفس مما تأمل الأملا

و إذا البغال تشدّ صافنة[5] # و إذا الحداة قد أزمعوا الرّحلا

فهناك كاد الشّوق يقتلني # لو أنّ شوقا قبله قتلا

/فدمعت عينا عبد اللّه بن جعفر، و قال للدّلال: حسبك!فقد أوجعت قلبي!و قال لهم: امضوا في حفظ اللّه على خير طائر و أيمن نقيبة.

[1]الإهداء: الزفاف.

[2]لم تلمه، أصل ميمه الإسكان فنقلت إليه ضمة الهاء؛ كقوله:

عجبت و الدهر كثير عجبه # من عنزيّ سبني لم أضربه‏

نقل ضمة الهاء إلى الباء.

[3]كذا في ء، ط. و المقرط: المتحلى بالقرط. و في سائر الأصول: «مقرطق» . و المقرطق: لابس القرطق، و هو قباء ذو طاق واحد.

[4]لثمه، أصل ميمه الفتح، فنقلت إليه ضمة الهاء بعده على لغة لخم؛ لأنهم يجيزون في الوقف نقل حركة الحرف الأخير إلى المتحرك قبله؛ كقوله: «من يأتمر بالخير فيما قصده» .

[5]تشدّ: تهيأ عليها الرحال. و الصافن من الخيل و نحوه: القائم على ثلاث قوائم و قد أقام الرابعة على طرف الحافر.

458

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت‏

بكر العواذل في الصّبا # ح يلمنني و ألومهنّه

و يقلن شيب قد علا # ك و قد كبرت فقلت إنّه

لا بدّ من شيب فدعـ # ن و لا تطلن ملامكنّه

يمشين كالبقر الثّقا # ل عمدن نحو مراحهنّه‏[1]

يحفين في الممشى القريـ # ب إذا يردن صديقهنّه‏

الشعر لابن قيس الرقيّات. و الغناء لابن مسجح خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه ثقيل أوّل للغريض عن الهشاميّ. و فيه خفيف ثقيل آخر بالوسطى ليعقوب بن هبّار عن الهشاميّ و دنانير، و ذكر حبش أنّه ليعقوب.

و منها:

صوت‏

إنّ الخليط أجدّ فاحتملا # و أراد غيظك بالذي فعلا

الأبيات الأربعة.

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. و الغناء للغريض ثقيل أوّل بالسبّابة عن يحيى المكّي. و فيه ليحيى أيضا ثقيل أوّل بالوسطى من رواية أحمد ابنه، و ذكر حبش أنّ هذا اللحن لبسباسة بنت معبد.

سأله ابن أبي ربيعة الغناء في شعر له فغناه فأجازه:

أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه عن عثمان بن حفص الثّقفيّ قال:

كان للدّلال صوت يغنّي به و يجيده، و كان عمر بن أبي ربيعة سأله الغناء فيه و أعطاه مائة دينار ففعل، و هو قول عمر:

صوت‏

أ لم تسأل الأطلال و المتربّعا # ببطن حليّات دوارس بلقعا[2]

إلى السّرح من وادي المغمّس بدّلت # معالمه و بلا و نكباء زعزعا

و قرّبن أسباب الهوى لمتيّم # يقيس ذراعا كلّما قسن إصبعا

/فقلت لمطريهنّ في الحسن إنّما # ضررت فهل تسطيع نفعا فتنفعا

[1]المراح (بالضم) : مأوى الإبل و البقر و الغنم.

[2]تقدّم هذا الشعر و التعليق عليه في صفحتي 131، 176 من الجزء الأوّل من هذه الطبعة.

459

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. و الغناء للغريض فيه لحنان: أحدهما في الأوّل و الثاني من الأبيات ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو، و الآخر في الثالث و الرابع ثاني ثقيل بالبنصر. و في هذين البيتين الآخرين لابن سريج ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و في الأوّل و الثاني للهذليّ خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. و فيهما لابن جامع رمل بالوسطى عنه أيضا. و قال يونس: لمالك فيه لحنان، و لمعبد لحن واحد.

روى هشام بن المرّية عن جرير صوتين له:

أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني هشام بن المرّيّة قال:

كنّا نعرف للدّلال صوتين عجيبين، و كان جرير يغنّي بهما فأعجب من حسنهما. فأخذتهما عنه و أنا أغنّي بهما.

فأمّا أحدهما فإنّه يفرح القلب. و الآخر يرقص كلّ من سمعه. فأمّا الذي يفرح القلب فلابن سريج فيه أيضا لحن حسن و هو:

/

و لقد جرى لك يوم سرحة[1]مالك # مما تعيّف سانح و بريح

أحوى القوادم بالبياض ملمّع # قلق المواقع بالفراق يصيح

الحبّ أبغضه إليّ أقلّه # صرّح بذاك فراحتي التّصريح

بانت عويمة[2]فالفؤاد قريح # و دموع عينك في الرّداء سفوح‏

و الآخر:

كلّما أبصرت وجها # حسنا قلت خليلي

فإذا ما لم يكنه # صحت ويلي و عويلي

فصلي حبل محبّ # لكم جدّ وصول

و انظري لا تخذليه # إنّه غير خذول‏

نسبة هذين الصوتين‏

للدّلال في الشعر الأوّل الذي أوّله:

و لقد جرى لك يوم سرحة مالك‏

خفيف ثقيل بالوسطى. و فيه لابن سريج ثقيل أوّل عن الهشاميّ. و قال حبش: إنّ للدّلال فيه لحنين: خفيف ثقيل أوّل‏[3]و خفيف رمل. و أوّل خفيف الرّمل:

بانت عويمة فالفؤاد قريح‏

و ذكر أنّ لحن ابن سريج ثاني ثقيل، و أنّ لابن مسجح فيه أيضا خفيف ثقيل.

[1]في ء، ط، م: «سرحة رائع» .

[2]في ء، ط: «عوينة» .

[3]كلمة «أوّل» ساقطة في ط، ء.

460

و الصوت الثاني الذي أوّله:

كلّما أبصرت وجها # حسنا قلت خليلي‏

/الغناء فيه لعطرّد خفيف ثقيل بالوسطى عن حبش، و يقال إنّه للدّلال. و فيه ليونس خفيف رمل. و فيه لإبراهيم الموصليّ خفيف ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو.

شرب النبيذ و كان لا يشربه فسكر حتى خلع ثيابه:

أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن مصعب بن عبد اللّه الزّبيريّ قال:

كان الدّلال لا يشرب النبيذ، فخرج مع قوم إلى متنزّه لهم و معهم نبيذ، فشربوا و لم يشرب منه، و سقوه عسلا مجدوحا[1]، و كان كلّما تغافل صيّروا في شرابه النبيذ فلا ينكره، و كثر ذلك حتّى سكر و طرب، و قال: اسقوني من شرابكم، فسقوه حتى ثمل، و غنّاهم في شعر الأحوص:

طاف الخيال و طاف الهمّ فاعتكرا # عند الفراش فبات الهمّ محتضرا[2]

أراقب النّجم كالحيران مرتقبا # و قلّص النوم عن عينيّ فانشمرا

/من لوعة أورثت قرحا على كبدي # يوما فأصبح منها القلب منفطرا

و من يبت مضمرا همّا كما ضمنت # منّي الضّلوع يبت مستبطنا غيرا

فاستحسنه القوم و طربوا و شربوا. ثم غنّاهم:

طربت و هاجك من تدّكر # و من لست من حبّه تعتذر

فإن نلت منها الذي أرتجي # فذاك لعمري الذي أنتظر

و إلاّ صبرت فلا مفحشا # عليها بسوء و لا مبتهر[3]

-لحن الدلال في هذا الشعر خفيف ثقيل أوّل بالبنصر عن حبش. قال: و ذكر قوم أنّه للغريض-.

/قال: و سكر حتّى خلع ثيابه و نام عريانا، فغطّاه القوم بثيابهم و حملوه إلى منزله ليلا فنوّموه و انصرفوا عنه.

فأصبح و قد تقيّأ و لوّث ثيابه بقيئه، فأنكر نفسه، و حلف ألاّ يغنّي أبدا و لا يعاشر من يشرب النبيذ؛ فوفى بذلك إلى أن مات. و كان يجالس المشيخة و الأشراف فيفيض معهم في أخبار الناس و أيّامهم حتى قضى نحبه.

[انقضت‏[4]أخبار الدلال‏].

[1]المجدوح: المخلوط.

[2]في ء، ط:

طاف الخيال و طال الليل فاعتكرا # عند الفراش فآب الهم محتضرا

و اعتكر الليل: اشتدّ سواده. و اعتكر أيضا: اختلط. و محتضرا: حاضرا؛ يقال: حضر الهمّ و احتضر.

[3]الابتهار: قول الكذب و الحلف عليه. و في جميع الأصول: «منتهر» بالنون.

[4]زيادة عن م.