الأغاني - ج4

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
522 /
461

و مما في شعر الأحوص من المائة المختارة

صوت من المائة المختارة

يا دين‏[1]قلبك منها لست ذاكرها # إلا ترقرق ماء العين أو دمعا

أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني # حتّى إذا قلت هذا صادق نزعا

لا أستطيع نزوعا عن محبّتها # أو يصنع الحبّ بي فوق الذي صنعا

كم من دنيّ‏[2]لها قد صرت أتبعه # و لو سلا القلب عنها صار لي تبعا

و زادني كلفا في الحبّ أن منعت‏[3] # و حبّ شي‏ء إلى الإنسان ما منعا[4]

/الشعر للأحوص. و الغناء ليحيى بن واصل المكيّ، و هو رجل قليل الصّنعة غير مشهور، و لا وجدت له خبرا فأذكره. و لحنه المختار ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها عن إسحاق. و ذكر يونس أنّ فيه لحنا لمعبد و لم يجنّسه.

محبوبة الأحوص في كبرها:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا مطرّف بن عبد اللّه المدنيّ‏[5][قال‏]حدّثني أبي عن جدّي قال:

بينا أطوف بالبيت و معي أبي، إذا بعجوز كبيرة يضرب أحد لحييها الآخر. فقال لي أبي: أ تعرف هذه؟قلت:

لا، و من هي؟قال: هذه التي يقول فيها الأحوص:

يا سلّم ليت لسانا تنطقين به # قبل الذي نالني من حبّكم قطعا

يلومني فيك أقوام أجالسهم # فما أبالي أطار اللوم أم وقعا

[1]المراد بالدين هنا الداء؛ قال الشاعر:

يا دين قلبك من سلمى و قد دينا

قال المفضل: معناه يا داء قلبك القديم. و قال اللحياني: المعنى يا عادة قلبك. (انظر «اللسان» «و شرح القاموس» مادة دين) .

[2]الدنى (بالهمز و بتشديد الياء بدون همز) : الخسيس الحقير.

[3]يحتمل أن يكون «منعت» مبنيا للفاعل أو للمفعول.

[4]أورد النحويون هذا البيت شاهدا على أن «حب» أفعل تفضيل حذفت همزته مثل خير و شر، إلا أن الحذف فيهما هو الكثير و الحذف في أحب قليل. و في «اللسان» (مادة حبب) : «و أنشد الفراء:

و زاده كلفا في الحب أن منعت # و حب شيئا إلى الإنسان ما منعا

قال: و موضع «ما» رفع، أراد حبب فأدغم» .

[5]في جميع الأصول: «الهذلي» و هو تحريف (انظر الحاشية رقم 2 صفحة 29 من الجزء الأوّل من هذه الطبعة) .

462

أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني # حتّى إذا قلت هذا صادق نزعا

قال: فقلت له: يا أبت، ما أرى أنّه كان في هذه خير قطّ. فضحك ثم قال: يا بنيّ هكذا يصنع الدهر بأهله.

حدّثنا به وكيع قال حدّثنا ابن أبي سعد قال حدّثنا إبراهيم بن المنذر قال حدّثنا أبو خويلد[1]مطرّف بن عبد اللّه المدنيّ‏[2]عن أبيه، و لم يقل عن جدّه، و ذكر الخبر مثل الذي قبله.

صوت من المائة المختارة

كالبيض بالأدحيّ يلمع في الضّحى # فالحسن حسن و النّعيم نعيم

حلّين من‏[3]درّ البحور كأنّه # فوق النّحور إذا يلوح نجوم‏

الأدحيّ: المواضع التي يبيض فيها النّعام، واحدتها أدحيّة[4]. و ذكر أبو عمرو[5]الشّيبانيّ أنّ الأدحيّ البيض نفسه. و يقال فيه أدحيّ و أداح‏[6]أيضا.

الشعر لطريح بن إسماعيل الثّقفيّ. و الغناء لأبي سعيد مولى فائد، و لحنه المختار من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق. و فيه للهذليّ خفيف ثقيل من رواية الهشاميّ. و قد سمعنا من يغنّي فيه لحنا من خفيف الرّمل، و لست أعرف لمن هو.

[1]كذا في أكثر النسخ. و في م: حدّثنا أبو خويلد عن مطرف... إلخ) و ليس في ترجمة مطرف بن عبد اللّه أنه يكنى أبا خويلد بل كنيته أبو مصعب. و ليس هناك من الرواة من يسمى أبا خويلد يروي عنه إبراهيم بن المنذر و يروى هو عن مطرف، حتى نرجح ما في م.

[2]في جميع الأصول: «الهذلي» و هو تحريف (انظر الحاشية رقم 2 صفحة 29 من الجزء الأول من هذه الطبعة) .

[3]في‏ء، ط: «حلين مرجان البحور» .

[4]ظاهر كلام المؤلف في تفسير الأدحيّ أنه جمع. و الذي في «لسان العرب» «و القاموس و شرحه» : أن الأدحيّ. و الأدحية (بضم الهمزة فيهما و كسرها) و الأدحوّة: مبيض النعام في الرمل، و جمع الكلّ: الأداحيّ و مثلها مدحي (وزان مسعى) .

[5]في ب، س: «أبو عمر» و هو تحريف.

[6]لعله على حذف الياء من «أفاعيل» و إلا فحقه «أداحيّ» .

463

48-ذكر طريح و أخباره و نسبه‏

نسبه:

هو-فيما أخبرني به محمد بن الحسن بن دريد عن عمّه عن ابن الكلبيّ في كتاب النسب إجازة، و أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى عن أبي أيّوب المدينيّ عن ابن عائشة و محمد بن سلاّم و مصعب الزّبيريّ، قال: -طريح بن إسماعيل بن عبيد بن أسيد بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزّى بن عنزة بن عوف بن قسيّ-و هو ثقيف-بن منبّه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر.

ثقيف و الخلاف في نسبه:

قال ابن الكلبيّ: و من النسّابين من يذكر أنّ ثقيفا هو قسيّ بن منبّه بن النّبيت بن منصور بن يقدم بن أفصى بن دعميّ بن إياد بن نزار. و يقال: إنّ ثقيفا كان عبدا لأبي رغال، و كان أصله من قوم نجوا من ثمود، فانتمى بعد ذلك إلى قيس. و روي عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه و كرّم وجهه: أنّه مرّ بثقيف، فتغامزوا به؛ فرجع إليهم فقال لهم: يا عبيد أبي رغال، إنما كان أبوكم عبدا له فهرب منه، فثقفه‏[1]بعد ذلك، ثم انتمى إلى قيس.

و قال الحجّاج في خطبة خطبها بالكوفة: بلغني أنّكم تقولون إنّ ثقيفا من بقيّة ثمود، ويلكم!و هل نجا[2]من ثمود إلاّ خيارهم و من آمن بصالح فبقي معه عليه السّلام!ثم قال: قال اللّه تعالى: (وَ ثَمُودَ فَمََا أَبْقى‏ََ) . فبلغ ذلك الحسن البصريّ: فتضاحك ثم قال: حكم لكع لنفسه، إنما قال عزّ و جلّ: (فَمََا أَبْقى‏ََ) أي لم يبقهم بل أهلكهم.

فرفع ذلك إلى الحجّاج فطلبه، فتوارى عنه حتى هلك الحجّاج. و هذا كان سبب تواريه منه. ذكر ابن الكلبيّ أنّه بلغه عن الحسن.

/و كان حمّاد الراوية يذكر أنّ أبا رغال أبو ثقيف كلّها، و أنّه من بقيّة ثمود، و أنّه كان ملكا بالطائف، فكان يظلم رعيّته. فمرّ بامرأة ترضع صبيّا يتيما بلبن عنز لها، فأخذها منها، و كانت سنة مجدبة؛ فبقي الصبيّ بلا مرضعة[3]فمات، فرماه اللّه بقارعة فأهلكه، فرجمت العرب قبره، و هو بين مكة و الطائف. و قيل: بل كان قائد الفيل و دليل الحبشة لمّا غزوا الكعبة، فهلك فيمن هلك منهم، فدفن بين مكة و الطائف؛ فمرّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بقبره، فأمر برجمه فرجم؛ فكان ذلك سنّة.

[1]نقفه: أدركه و ظفر به.

[2]في ء، ط: «و هل بقي» .

[3]المرضع: المرأة لها ولد ترضعه، و لا تلحقها التاء اكتفاء بتأنيثها في المعنى؛ لأنها خاصة بالإناث كما في طالق. فإذا ألقمت الصبيّ ثديها فهي مرضعة (بالهاء) . قال أبو زيد في قوله تعالى: (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمََّا أَرْضَعَتْ) هي التي ترضع و ثديها في في ولدها.

464

قال ابن الكلبيّ و أخبرني أبي عن أبي صالح‏[1]عن ابن عبّاس قال:

كان ثقيف و النّخع من إياد؛ فثقيف قسيّ بن منبّه بن النّبيت بن/يقدم بن أقصى بن دعميّ بن إياد. و النّخع‏[2] ابن عمرو بن الطمنان بن عبد مناة بن يقدم بن أقصى، فخرجا و معهما عنز لهما لبون يشربان لبنها، فعرض لهما مصدّق‏[3]لملك اليمن فأراد أخذها؛ فقالا له: إنّما نعيش بدرّها؛ فأبى أن يدعها؛ فرماه أحدهما فقتله. ثم قال لصاحبه: إنّه لا يحملني و إيّاك أرض فأمّا النّخع فمضى إلى بيشة[4]فأقام بها/و نزل القسيّ موضعا قريبا من الطائف؛ فرأى جارية ترعى غنما لعامر بن الظّرب العدوانيّ، فطمع فيها، و قال: أقتل الجارية ثم أحوي الغنم.

فأنكرت الجارية منظره، فقالت له: إني أراك تريد قتلي و أخذ الغنم، و هذا شي‏ء إن فعلته قتلت و أخذت الغنم منك، و أظنّك غريبا جائعا؛ فدلّته على مولاها. فأتاه و استجار به فزوّجه بنته، و أقام بالطائف. فقيل: للّه درّه ما أثقفه حين ثقف عامرا فأجاره. و كان قد مرّ بيهوديّة بوادي‏[5]القرى حين قتل المصدّق، فأعطته قضبان كرم فغرسها بالطائف فأطعمته و نفعته.

قال ابن الكلبيّ في خبر طويل ذكره: كان قسيّ مقيما باليمن، فضاق عليه موضعه و نبا به، فأتى الطائف-و هو يومئذ منازل فهم و عدوان ابني عمرو بن قيس بن عيلان-فانتهى إلى الظّرب العدوانيّ، و هو أبو عامر بن الظّرب، فوجده نائما تحت شجرة، فأيقظه و قال: من أنت؟قال: أنا الظّرب. قال: عليّ أليّة إن لم أقتلك أو تحالفني‏[6] و تزوّجني ابنتك، ففعل. و انصرف الظّرب و قسيّ معه، فلقيه ابنه عامر بن الظّرب فقال: من هذا معك يا أبت؟فقصّ قصّته. قال عامر: للّه أبوه!لقد ثقف أمره؛ فسمّي يومئذ ثقيفا. قال: و عيّر الظّرب تزويجه‏[7]قسيّا، و قيل: زوّجت عبدا. فسار إلى الكهّان يسألهم، فانتهى إلى شقّ/ابن صعب‏[8]البجليّ و كان أقربهم منه. فلمّا انتهى إليه قال: إنّا قد جئناك في أمر فما هو؟قال: جئتم في قسيّ، و قسيّ عبد إياد، أبق ليلة الواد[9]، في وجّ‏[10]ذات الأنداد، فوالى سعدا ليفاد[11]، ثم لوى بغير معاد. (يعني سعد بن قيس بن عيلان بن مضر) . قال: ثم توجّه إلى سطيح الذّئبيّ (حيّ [1]هو أبو صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب و يقال له باذان أو باذام، و هو الذي يروي عنه ابن الكلبي و يروي هو عن ابن عباس.

(راجع «تهذيب التهذيب» ) .

[2]في «صبح الأعشى» (ج 1 ص 327) «و أنساب السمعاني» في الكلام على النخع: «النخع و اسمه جسر بن عمرو بن علة بن جلد بن مذحج» . و في كتاب «الاشتقاق» لابن دريد: «فمن بني علة النخع قبيلة و أخوه جسر» . و في كتاب «المعارف» لابن قتيبة: «فولد علة عمرا، فولد عمرو جسرا و كعبا. فأما جسر فهو أبو النخع بن جسر بن عمرو» .

[3]المصدق: عامل الزكاة الذي يأخذها من أربابها.

[4]بيشة: قرية باليمن.

[5]وادي القرى: واد بين المدينة و الشام كثير القرى، فتحه النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم عنوة سنة سبع من الهجرة، ثم صالح أهله على الجزية.

[6]كذا في م. و في ء، ط: «أ و تحالفني لتزوّجني» . و في سائر النسخ: «أ و تحلف لي لتزوّجني» .

[7]كذا في ء، ط. و في سائر النسخ: «بتزويجه» . قال في «المصباح» : «و عيرته كذا و عيرته به: قبحته عليه و نسبته إليه، يتعدّى بنفسه و بالباء؛ قال المرزوقي في «شرح الحماسة» : «و المختار أن يتعدّى بنفسه؛ قال الشاعر:

أ عيّرتنا ألبانها و لحومها # و ذلك عار يا بن ريطة ظاهر»

[8]كذا في ء، ط، و هو الموافق لما في الطبري (قسم 1 ص 911-914) . و في سائر الأصول: «مصعب» و هو تحريف.

[9]في جميع الأصول: «الوادي» و الوادي يكون في الوقف بالياء و بدونها؛ و قد حذفنا هاهنا للسجع؛ لأن السجع وقف. على أنه قد يكتفي في «الوادي» بالكسرة عن الياء. (راجع الحاشية رقم 7 ص 215 من هذا الجزء) .

[10]وجّ: اسم واد بالطائف.

[11]ليفاد: ليطلق. و أصله ليفادي من المفاداة، حذف منه الحرف الأخير لالتزام السجع. ـ

465

من غسّان، و يقال: إنّهم حيّ من قضاعة نزول في غسّان) ، فقال: إنّا جئناك في أمر فما هو؟قال: جئتم في قسيّ، و قسيّ من ولد ثمود القديم، ولدته أمّه بصحراء بريم‏[1]، فالتقطه إياد و هو عديم، فاستعبده و هو مليم‏[2]. فرجع الظّرب و هو لا يدري ما يصنع في أمره، و قد وكّد عليه في الحلف و التزويج؛ و كانوا على كفرهم يوفون بالقول.

فلهذا يقول من قال: إنّ ثقيفا من ثمود؛ لأن إيادا من ثمود.

قال: و قد قيل: إنّ حربا كانت بين إياد و بين قيس، و كان رئيسهم عامر بن الظّرب، فظفرت بهم قيس، فنفتهم إلى ثمود و أنكروا أن يكونوا من نزار.

قال: و قال عامر بن الظّرب في ذلك:

قالت إياد قد رأينا نسبا # في ابني نزار و رأينا غلبا

سيري إياد قد رأينا عجبا # لا أصلكم منّا فسامي الطّلبا

دار ثمود إذ رأيت السّببا

/قال: و قد روي عن الأعمش أنّ عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه قال‏[3]على المنبر بالكوفة و ذكر ثقيفا: لقد هممت أن أضع على ثقيف الجزية؛ لأنّ ثقيفا كان عبدا لصالح/نبيّ اللّه عليه السّلام، و إنّه سرّحه إلى عامل له على الصدقة، فبعث العامل معه بها، فهرب و استوطن الحرم، و إنّ أولى الناس بصالح محمد صلّى اللّه عليهما و سلّم، و إنّي أشهدكم أنّي قد رددتهم إلى الرّقّ.

قال: و بلغنا أنّ ابن عبّاس قال، و ذكر عنده ثقيف، فقال: هو قسيّ بن منبّه، و كان عبدا لامرأة صالح نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و هي الهيجمانة بنت سعد، فوهبته لصالح، و إنّه سرّحه إلى عامل له على الصّدقة؛ ثم ذكر باقي خبره مثل ما قال عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه. و قال فيه: إنّه مرّ برجل معه غنم و معه ابن له صغير ماتت أمّه فهو يرضع من شاة ليست في الغنم لبون غيرها، فأخذ الشاة؛ فناشده اللّه، و أعطاه عشرا فأبى، فأعطاه جميع الغنم فأبى.

فلمّا رأى ذلك تنحّى، ثم نثل‏[4]كنانته فرماه ففلق قلبه؛ فقيل له: قتلت رسول رسول اللّه صالح. فأتى صالحا فقصّ عليه قصّته؛ فقال: أبعده اللّه!فقد كنت أنتظر هذا منه؛ فرجم قبره، فإلى‏[5]اليوم و الليلة يرجم، و هو أبو رغال.

قال: و بلغنا عن عبد اللّه بن عبّاس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حين انصرف من الطائف مر بقبر أبي رغال فقال: «هذا قبر أبي رغال و هو أبو ثقيف كان في الحرم فمنعه اللّه عزّ و جلّ، فلمّا خرج منه رماه اللّه و فيه عمود من ذهب» ؛ فابتدره المسلمون فأخرجوه.

/قال: و روى عمرو بن عبيد عن الحسن أنّه سئل عن جرهم: هل بقي منهم أحد؟قال: ما أدري، غير أنّه لم يبق من ثمود إلاّ ثقيف في قيس عيلان، و بنو لجا في طيّى‏ء، و الطّفاوة في بني أعصر.

[1]كذا في م، حـ. و يريم: موضع بنجد و واد بالحجاز قرب مكة. و في سائر الأصول: «تريم» بالتاء المثناة من فوق. و تريم: إحدى مدينتي حضرموت و المدينة الأخرى شبام.

[2]ألام الرجل: فعل ما يلام عليه.

[3]في حـ: «قام» .

[4]نثل الكنانة: استخرج ما فيها من النبل.

[5]كذا في م. و في سائر النسخ: «فرجم قبره إلى اليوم و الليلة و هو أبو رغال» .

466

قال عمرو بن عبيد و قال الحسن: ذكرت القبائل عند النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال: «قبائل تنتمي إلى العرب و ليسوا من العرب حمير من تبّع و جرهم من عاد و ثقيف من ثمود» .

قال: و روي عن قتادة أنّ رجلين جاءا إلى عمران بن حصين. فقال لهما: ممن أنتما؟قالا: من ثقيف. فقال لهما: أ تزعمان أنّ ثقيفا من إياد؟قالا نعم. قال: فإن إيادا من ثمود؛ فشقّ ذلك عليهما. فقال لهما: أ ساءكما قولي؟ قالا: نعم و اللّه. قال: فإنّ اللّه أنجى من ثمود صالحا و الذين آمنوا معه؛ فأنتم إن شاء اللّه من ذرّيّة من آمن، و إن كان أبو رغال قد أتى ما بلغكما. قالا له: فما اسم أبي رغال؛ فإن الناس قد اختلفوا علينا في اسمه؟قال: قسيّ بن منبّه.

قال: و روى الزّهريّ أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يحبّ ثقيفا، و من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يبغض الأنصار» .

قال: و بلغنا عنه عليه الصلاة و السلام أنه قال: «بنو هاشم و الأنصار حلفان و بنو أميّة و ثقيف حلفان» .

قال: و في ثقيف يقول حسّان بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه:

إذا الثّقفيّ فاخركم فقولوا # هلمّ نعدّ شأن أبي رغال /

أبوكم أخبث الآباء قدما # و أنتم مشبهوه على مثال‏[1]

عبيد الفزر أورثهم بنيه‏[2] # و ولّى عنهم أخرى الليالي‏

أم طريح و نسبها:

و أمّ طريح بنت عبد اللّه بن سباع بن عبد العزّى بن نضلة بن غبشان‏[3]من خزاعة، و هم حلفاء بني زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ. و سباع بن عبد العزّى هو الذي قتله حمزة بن عبد المطلب يوم أحد. و لمّا برز إليه سباع قال له حمزة: هلمّ إليّ يا ابن مقطّعة البظور/-و كانت أمّه تفعل ذلك و تقبل‏[4]نساء قريش بمكة-فحمي وحشيّ‏[5]لقوله و غضب لسباع، فرمى حمزة بحربته فقتله-رحمة اللّه عليه-و قد كتب ذلك في خبر غزاة أحد في بعض هذا الكتاب.

[1]ورد هذا الشطر في «ديوان حسان» (ص 36 طبع ليدن) :

و أولاد الخبيث على مثال‏

[2]كذا في «ديوان حسان» . و في جميع الأصول: «أورثه» . و ورد البيت في «ديوان حسان» ضمن بيتين هما:

عبيد الفزر أورثهم بنيه # و آلى لا يبيعهم بمال

و ما لكرامة حبسوا و لكن # أراد هوانهم أخرى الليالي‏

و الفزر: أبو قبيلة من تميم، و هو سعد بن زيد مناة بن تميم.

[3]كذا في ء، ط، م، و هو الموافق لما في «السيرة» (ص 611 طبع أوروبا) . و في سائر الأصول: «غبشان بن خزاعة» و هو تحريف؛ لأن غبشان هو ابن سليم بن ملكان بن أقصى بن خزاعة، كما في «السيرة» .

[4]تقبل نساء قريش (كتفرح) : تتلقى أولادهنّ عند الولادة، و هي القابلة.

[5]يدل ما في «صحيح البخاري» على أن قتل وحشيّ لحمزة إنما كان بتحريض مولاه جبير بن مطعم؛ و ذلك أن حمزة-رضي اللّه تعالى عنه-كان قتل ببدر طعيمة بن عديّ بن الخيار عم جبير. فقال جبير لوحشيّ: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حرّ. فلما بارز حمزة سباعا و قتله كان وحشي متربصا له تحت صخره، فلما دنا منه رماه بحربته فأرداه. (و الخبر مذكور في «صحيح البخاري» بتفصيل، فانظر في كتاب «المغازي» -باب قتل حمزة رضي اللّه عنه) .

467

كنيته:

و يكنى طريح أبا الصّلت؛ كني بذلك لابن كان له اسمه صلت. و له يقول:

/

يا صلت إنّ أباك رهن منيّة # مكتوبة لا بدّ أن يلقاها

سلفت سوالفها[1]بأنفس من مضى # و كذاك يتبع باقيا أخراها

و الدّهر يوشك أن يفرّق ريبه‏[2] # بالموت أو رحل تشتّ‏[3]نواها

لا بدّ بينكما[4]فتسمع دعوة # أو تستجيب لدعوة تدعاها

طرح ابنه الصلت إلى أخواله بعد موت أمه:

و أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة قال أخبرني أبو الحسن الكاتب: أنّ أمّ الصّلت بن طريح ماتت و هو صغير، فطرحه طريح إلى أخواله بعد موت أمّه. و فيه يقول:

بات الخيال من الصّليت مؤرّقي # يفري‏[5]السّراة مع الرّباب الملثق‏[6]

ما راعني إلاّ بياض وجيهه # تحت الدّجنّة[7]كالسّراج المشرق‏

نشأ في دولة بني أمية و أدرك دولة بني العباس و كان مدّاحا للوليد بن يزيد و غضب عليه ثم رضي عنه:

و نشأ طريح في دولة بني أميّة، و استفرغ شعره في الوليد بن يزيد، و أدرك دولة بني العباس، و مات في أيام المهديّ‏[8]؛ و كان الوليد له مكرما مقدّما؛ لانقطاعه إليه و لخئولته في‏[9]ثقيف.

فأخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثني أحمد بن حمّاد[10]بن الجميل عن العتبيّ عن سهم بن عبد الحميد قال أخبرني طريح بن إسماعيل الثّقفيّ قال:

/خصصت بالوليد بن يزيد حتى صرت أخلو معه. فقلت له ذات يوم و أنا معه في مشربة[11]:

يا أمير المؤمنين، خالك يحبّ أن تعلم شيئا من خلقه. قال: و ما هو؟قلت: لم أشرب شرابا قطّ ممزوجا إلاّ من لبن أو عسل. قال: قد عرفت ذاك و لم يباعدك من قلبي. قال: و دخلت يوما إليه و عنده الأمويّون، فقال لي: إليّ يا خالي، و أقعدني إلى جانبه، ثم أتي بشراب فشرب، ثم ناولني القدح؛ فقلت: يا أمير المؤمنين قد أعلمتك رأيي [1]في ء، ط: «سوابقها» .

[2]في م: «يفرق بينهم» .

[3]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «تشب» بالباء الموحدة، و هو تصحيف.

[4]كذا في الأصول!

[5]كذا في م. و في سائر النسخ: «يقري» بالقاف.

[6]الملثق: البالّ؛ يقال: لثق الطائر إذا ابتلّ ريشه، و ألثقه غيره إذا بلّه.

[7]الدجنة: الظلام.

[8]في ء، ط، م: «في أيام الهادي» .

[9]في ب، س: «من» .

[10]في ط: «أحمد بن محمد بن الجميل» . و في ء: «أحمد بن محمد الجميل» و في م: «أحمد بن حماد بن عبد الحميد» .

[11]المشربة (بضم الراء و فتحها) : الغرفة. و في ء، ط: «و نحن في مشرقة» و المشرقة (مثلثة الراء) : موضع القعود في الشمس بالشتاء.

468

في الشراب. قال: ليس لذلك أعطيتك، إنّما دفعته إليك لتناوله الغلام، و غضب. فرفع القوم أيديهم كأنّ صاعقة نزلت‏[1]على الخوان؛ فذهبت أقوم، فقال: اقعد. فلمّا خلا البيت افترى عليّ، ثم قال: يا عاضّ كذا و كذا!أردت أن تفضحني، و لو لا أنّك خالي لضربتك ألف سوط!ثم نهى الحاجب عن إدخالي، و قطع عني أرزاقي. فمكثت ما شاء اللّه. ثم دخلت عليه يوما متنكرا، فلم يشعر إلاّ و أنا بين يديه و أنا أقول:

يا ابن الخلائف ما لي بعد تقربة # إليك أقصى و في حاليك لي عجب

ما لي أذاد[2]و أقصى‏[3]حين أقصدكم # كما توقّي من ذي العرّة[4]الجرب

كأنّني لم يكن بيني و بينكم # إلّ‏[5]و لا خلّة ترعى و لا نسب

لو كان بالودّ يدنى منك أزلفني # بقربك الود و الإشفاق و الحدب

و كنت دون رجال قد جعلتهم # دوني إذ ما رأوني مقبلا قطبوا[6]

/إن يسمعوا الخير يخفوه و إن سمعوا # شرّا أذاعوا و إن لم يسمعوا كذبوا

رأوا صدودك عنّي في اللّقاء فقد # تحدّثوا أنّ حبلى منك منقضب /

فذو الشّماتة مسرور بهيضتنا # و ذو النّصيحة و الإشفاق مكتئب‏

قال: فتبسّم و أمرني بالجلوس فجلست. و رجع إليّ و قال: إيّاك أن تعاود. و تمام هذه القصيدة:

أين الذّمامة و الحقّ الذي نزلت # بحفظه و بتعظيم له الكتب

و حوكي الشّعر أصفيه و أنظمه # نظم القلائد فيها الدّرّ و الذهب

و إنّ سخطك شي‏ء لم أناج به # نفسي و لم يك مما كنت أكتسب

لكن أتاك بقول كاذب أثم # قوم بغوني فنالوا فيّ ما طلبوا

و ما عهدتك فيما زلّ تقطع ذا # قربى و لا تدفع الحقّ الذي يجب

و لا توجّع من حقّ تحمّله # و لا تتبّع بالتكدير ما تهب

فقد تقرّبت جهدا من رضاك بما # كانت تنال به من مثلك القرب

فغير دفعك حقّي و ارتفاضك لي # و طيّك الكشح عنّي كنت أحتسب

أ مشمت بي أقواما صدورهم # عليّ فيك إلى الأذقان تلتهب

قد كنت أحسب أنّي قد لجأت إلى # حرز و ألاّ يضرّوني و إن ألبوا[7]

[1]في ء، ط، م: «كأن صاعقة وقعت عليهم» .

[2]أذاد: أمنع و أدفع.

[3]كذا في م. و في ء، ط: «و أرمي» . و في سائر النسخ: و أنهي.

[4]العرّة: الحرب.

[5]إلّ: عهد. و خلة: الصداقة.

[6]قطبوا: عبسوا و غضبوا.

[7]ألبوا: تجمعوا.

469

إنّ التي صنتها عن معشر طلبوا # منّي إليّ الذي لم ينجح الطّلب‏

أخلصتها لك إخلاص امرئ علم الأقوام أنّ ليس إلاّ فيك يرتغب

أصبحت تدفعها منّي‏[1]و أعطفها # عليك و هي لمن يحبى بها رغب

فإن وصلت فأهل العرف أنت و إن # تدفع يديّ فلي بقيا و منقلب /

إنّي كريم كرام عشت في أدب # نفى العيوب و ملك‏[2]الشّيمة الأدب

قد يعلمون بأنّ العسر منقطع # يوما و أنّ الغنى لا بدّ منقلب

فمالهم حبس‏[3]في الحقّ مرتهن # مثل الغنائم تحوى ثم تنتهب

و ما على جارهم ألاّ يكون له # إذا تكنّفه أبياتهم نشب

لا يفرحون إذا ما الدّهر طاوعهم # يوما بيسر و لا يشكون إن نكبوا

فارقت قومي فلم أعتض بهم عوضا # و الدّهر يحدث أحداثا لها نوب‏

رواية المدائني في ذلك:

و أمّا المدائنيّ فقال: كان الوليد بن يزيد يكرم طريحا، و كانت له منه منزلة قريبة و مكانة، و كان يدني مجلسه، و جعله أوّل داخل و آخر خارج، و لم يكن يصدر إلاّ عن رأيه. فاستفرغ مديحه كلّه و عامّة شعره فيه؛ فحسده ناس من أهل بيت الوليد. و قدم حمّاد الراوية على التّفئة[4]الشأم، فشكوا ذلك إليه و قالوا: و اللّه لقد ذهب طريح بالأمير[5]، فما نالنا منه ليل و لا نهار. فقال حمّاد: ابغوني من ينشد الأمير بيتين من شعر، فأسقط منزلته. فطلبوا إلى الخصيّ الذي كان يقوم على رأس الوليد، و جعلوا له عشرة آلاف درهم على أن ينشدهما الأمير في خلوة، فإذا سأله من قول من ذا؟قال: من قول طريح؛ فأجابهم الخصيّ إلى ذلك، و علّموه البيتين. فلمّا كان ذات يوم دخل طريح على الوليد و فتح الباب و أذن للناس فجلسوا طويلا ثم نهضوا، و بقي طريح مع الوليد و هو وليّ عهد؛ ثم دعا/بغدائه فتغدّيا جميعا. ثم إنّ طريحا خرج و ركب إلى منزله، و ترك الوليد في مجلسه ليس معه أحد، فاستلقى على فراشه.

و اغتنم الخصيّ خلوته فاندفع ينشد:

/

سيري ركابي إلى من تسعدين به # فقد أقمت بدار الهون ما صلحا

سيري إلى سيّد سمح خلائقه # ضخم الدّسيعة[6]قرم يحمل المدحا

فأصغى الوليد إلى الخصيّ بسمعه و أعاد الخصيّ غير مرّة؛ ثم قال الوليد: ويحك يا غلام!من قول من هذا؟ قال: من قول طريح. فغضب الوليد حتى امتلأ غيظا؛ ثم قال: وا لهفا على أمّ لم تلدني!قد جعلته أوّل داخل و آخر [1]في حـ، م: «عني» .

[2]ملك الشيمة: قوامها و معظمها.

[3]حبس (بضمتين) : محبوس.

[4]التفئة: الحين و الزمان.

[5]كذا في ء، م، ط، و هو الصواب؛ إذ كان الوليد في ذلك الوقت وليّ عهد.

[6]الدسيعة: العطية الجزيلة، و الجفنة الواسعة، و المائدة الكريمة.

470

خارج، ثم يزعم أنّ هشاما يحمل المدح و لا أحملها!ثم قال: عليّ بالحاجب، فأتاه. فقال: لا أعلم ما أذنت لطريح و لا رأيته على وجه الأرض؛ فإن حاولك فاخطفه بالسيف. فلمّا كان العشيّ و صلّيت العصر، جاء طريح للساعة التي كان يؤذن له فيها، فدنا من الباب ليدخل. فقال له الحاجب: وراءك!فقال: ما لك!هل دخل عليّ وليّ العهد أحد بعدي؟قال: لا!و لكن ساعة ولّيت من عنده دعاني فأمرني ألاّ آذن لك، و إن حاولتني في ذلك خطفتك بالسيف. فقال: لك عشرة آلاف‏[درهم‏][1]و أذن لي في الدخول عليه. فقال له الحاجب: و اللّه لو أعطيتني خراج العراق ما أذنت لك في ذلك، و ليس لك من خير في الدخول عليه فارجع. قال: ويحك!هل تعلم من دهاني عنده؟ قال الحاجب: لا و اللّه!لقد دخلت عليه و ما عنده أحد، و لكنّ اللّه يحدث ما يشاء في اللّيل و النهار. قال: فرجع طريح و أقام بباب الوليد سنة لا يخلص إليه و لا يقدر على الدخول عليه. و أراد الرجوع إلى بلده و قومه فقال: و اللّه إنّ هذا لعجز بي أن أرجع من غير أن ألقى وليّ العهد فأعلم من دهاني عنده. و رأى أناسا كانوا له أعداء قد فرحوا بما كان من أمره، فكانوا يدخلون على الوليد/و يحدّثونه و يصدر عن رأيهم. فلم يزل يلطف بالحاجب‏[2]و يمنّيه؛ حتّى قال له الحاجب: أمّا إذ أطلت المقام فإنّي أكره أن تنصرف على حالك هذه، و لكنّ الأمير إذا كان يوم كذا و كذا دخل الحمّام، ثم أمر بسريره فأبرز، و ليس عليه يومئذ حجاب؛ فإذا كان ذلك اليوم أعلمتك فتكون قد دخلت عليه و ظفرت بحاجتك و أكون أنا على حال عذر. فلمّا كان ذلك اليوم، دخل الحمّام و أمر بسريره فأبرز و جلس عليه، و أذن للناس فدخلوا عليه، و الوليد ينظر إلى من أقبل. و بعث الحاجب إلى طريح، فأقبل و قد تتامّ الناس. فلما نظر الوليد إليه من بعيد صرف عنه وجهه، و استحيا أن يردّه من بين الناس؛ فدنا فسلّم فلم يردّ عليه السّلام. فقال طريح يستعطفه و يتضرّع إليه:

نام الخليّ من الهموم و بات لي # ليل أكابده و همّ مضلع

و سهرت لا أسري و لا في لذّة # أرقي و أغفل ما لقيت الهجّع

أبغي وجوه مخارجي من تهمة # أزمت عليّ و سدّ منها المطلع

جزعا لمعتبة الوليد و لم أكن # من قبل ذاك من الحوادث أجزع

يا ابن الخلائف إنّ سخطك لامرى ء # أمسيت عصمته بلاء مفظع

فلأنزعنّ عن الذي لم تهوه # إن كان لي و رأيت ذلك منزع /

فاعطف فداك أبي عليّ توسّعا # و فضيلة فعلى الفضيلة تتبع

فلقد كفاك و زاد ما قد نالني # إن كنت لي ببلاء ضرّ تقنع

سمة لذاك عليّ جسم شاحب # باد تحسّره و لون أسفع‏[3] /

إن كنت في ذنب عتبت فإنّني # عمّا كرهت لنازع متصرّع‏

[1]زيادة في ء.

[2]في ط، ء: «يلطف للحاجب» . و في أساس البلاغة: «و أنا ألطف بفلان إذا أريته مودّة و رفقا في المعاملة» . و في «اللسان» : «يقال:

لطف به و له بالفتح يلطف لطفا إذا رفق به... » .

[3]أسفع: شاحب متغير من مقاساة المشاق.

471

و يئست منك فكلّ عسر باسط # كفّا إليّ و كلّ يسر أقطع‏[1]

من بعد أخذي من حبالك بالّذي # قد كنت أحسب أنّه لا يقطع

فاربب‏[2]صنيعك بي فإنّ بأعين # للكاشحين و سمعهم‏[3]ما تصنع

أدفعتني حتى انقطعت و سدّدت # عني الوجوه و لم يكن لي مدفع

و رجيت و اتّقيت يداي و قيل قد # أمسى يضرّ إذا أحبّ و ينفع

و دخلت في حرم الذّمام و حاطني # خفر أخذت به و عهد مولع

أ فهادم ما قد بنيت و خافض # شرفي و أنت لغير ذلك أوسع

أ فلا خشيت شمات قوم فتّهم # سبقا و أنفسهم عليك تقطّع

و فضلت في الحسب الأشمّ عليهم # و صنعت في الأقوام ما لم يصنعوا[4]

فكأنّ آنفهم بكلّ صنيعة # أسديتها و جميل فعل‏[5]تجدع

ودّوا لو أنّهم ينال أكفّهم # شلل و أنكّ عن صنيعك تنزع

أو تستليم‏[6]فيجعلونك أسوة # و أبى الملام لك النّدى و الموضع‏

قال: فقرّبه و أدناه، و ضحك إليه، و عاد له إلى ما كان عليه.

عاتبه المنصور في شعر مدح به الوليد فأحسن الاعتذار:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن شبيب قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه بن حمزة بن عتبة اللّهبيّ عن أبيه:

أنّ طريحا دخل على أبي جعفر المنصور و هو في الشّعراء؛ فقال له: لا حيّاك اللّه و لا بيّاك!أ ما اتّقيت اللّه -ويلك!-حيث تقول للوليد بن يزيد:

/

لو قلت للسيل دع طريقك و الـ # موج عليه كالهضب يعتلج

لساخ و ارتدّ[7]أو لكان له # في سائر الأرض عنك منعرج‏

فقال له طريح: قد علم اللّه عزّ و جلّ أنّي قلت ذاك و يد ممدودة إليه عزّ و جلّ، و إيّاه تبارك و تعالى عنيت. فقال المنصور: يا ربيع، أما ترى هذا التخلّص! [1]أقطع: مقطوع اليد.

[2]اربب صنيعك: زده.

[3]كذا في م. و في سائر النسخ: «و سمعها» .

[4]في م: «ما لا يصنع» .

[5]كذا في حـ. و في سائر النسخ: «و جميل فعلك» .

[6]تستليم: تفعل ما تستحق عليه اللوم؛ فكأنك تطلب إلى الناس أن يلوموك.

[7]في هامش ط كتبت هذه العبارة: «الصحيح: لارتد أو ساخ أو لكان له» . و هي أيضا رواية «اللسان» (مادة ولج) .

472

أدخل على الوليد فمدحه فطرب و أجازه:

نسخت من كتاب أحمد بن الحارث مما أجاز لي أبو أحمد الجريريّ‏[1]روايته عنه: حدّثنا المدائنيّ:

أنّ الوليد جلس يوما في مجلس له عامّ، و دخل إليه أهل بيته و مواليه و الشعراء و أصحاب الحوائج فقضاها، و كان أشرف يوم رئى له؛ فقام بعض الشعراء فأنشد، ثم وثب طريح، و هو عن يسار الوليد، و كان أهل بيته عن يمينه، و أخواله عن شماله و هو فيهم، فأنشده:

صوت‏

أنت ابن‏[2]مسلنطح البطاح و لم # تطرق‏[3]عليك الحنيّ و الولج

طوبى لفرعيك‏[4]من هنا و هنا # طوبى لأعراقك التي تشج‏[5]

/لو قلت للسيل دع طريقك و الـ # موج عليه كالهضب يعتلج‏[6]

لساخ و ارتدّ أو لكان له # في سائر الأرض عنك منعرج‏

ولاؤه، و كان مغنيا و شاعرا:

فطرب الوليد بن يزيد حتّى رئى الارتياح فيه، و أمر له بخمسين ألف درهم، و قال: ما أرى أحدا منكم يجيئني اليوم بمثل ما قال خالي، فلا ينشدني أحد بعده شيئا؛ و أمر لسائر الشعراء بصلات و انصرفوا، و احتبس طريحا عنده، و أمر ابن عائشة فغنّى في هذا الشعر.

نسبة هذا الصوت‏

أنت ابن مسلنطح البطاح و لم # تطرق عليك الحنيّ و الولج‏

الأبيات الأربعة. عروضه عن المنسرح. غنّاه ابن عائشة، و لحنه رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق.

طلب إليه المهدي أن يغنيه صوتا له فغناه غيره و اعتذر عنه:

المسلنطح من البطاح: ما اتّسع و استوى سطحه منها. و تطرق عليك: تطبق عليك و تغطّيك و تضيّق مكانك؛ [1]كذا في حـ، و هو الموافق لما في «الأنساب» للسمعاني (ص 129) . و في سائر الأصول: «الحريري» بالحاء المهملة.

[2]سيشرح أبو الفرج بعد قليل هذا الشعر.

[3]في كتاب «الشعر و الشعراء» «و اللسان» (مادتي ولج و سلطح) : «تعطف» و قال في «اللسان» (مادة طرق) : «و أطرق جناح الطائر: لبس الريش الأعلى الريش الأسفل، و أطرق عليه الليل ركب بعضه بعضا. و قوله:

و لم تطرق عليك الحنيّ و الولج‏

أي لم يوضع بعضه على بعض فتراكب» . و تفسير صاحب «اللسان» هذا هو الذي يتفق مع معنى كلمات البيت. و منه يعلم ما في تفسير أبي الفرج لهذه الكلمة من بعد.

[4]في ء، ط: «طيبا لفرعيك... طيبا لأعراقك» .

[5]تشج: تشتبك و تلتف.

[6]يعتلج: يلتطم.

473

يقال: طرقت الحادثة بكذا و كذا إذا أتت بأمر ضيّق معضل. و الوشيج: أصول النبت؛ يقال: أعراقك واشجة في الكرم، أي نابتة فيه. قال الشاعر[1]:

و هل ينبت الخطّيّ إلاّ وشيجه # و تنبت إلاّ في مغارسها النّخل‏[2]

يعني أنّه كريم الأبوين من قريش و ثقيف. و قد ردّد طريح هذا المعنى في الوليد، فقال في كلمة له:

و اعتام‏[3]كهلك‏[4]من ثقيف كفأه # فتنازعاك فأنت جوهر جوهر

فنمت فروع القريتين قصيّها[5] # و قسيّها بك في الأشمّ الأكبر

/و الحنيّ: ما انخفض من الأرض، و الواحدة[6]حنا، و الجمع حنيّ مثل عصا و عصيّ. و الولج: كلّ متّسع في الوادي، الواحدة ولجة[7]. و يقال: الولجات بين الجبال مثل الرّحاب. أي لم تكن بين الحنيّ و لا الولج فيخفى مكانك، أي لست في موضع خفيّ من الحسب. و قال أبو عبيدة: سمع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه رجلا يقول لآخر يفخر عليه: أنا ابن مسلنطح البطاح، و ابن كذا و كذا؛ فقال له عمر: إن كان لك عقل فلك أصل، و إن كان لك خلق فلك شرف، و إن كان لك تقوى فلك كرم، و إلاّ فذاك الحمار خير منك. أحبّكم إلينا قبل أن نراكم أحسنكم سمتا، فإذا تكلّمتم فأبينكم منطقا، فإذا اختبرناكم فأحسنكم فعلا.

قوله: «لو قلت للسيل دع طريقك» ، يقول: أنت ملك هذا الأبطح و المطاع فيه، فكلّ من تأمره يطيعك فيه، حتى لو أمرت السّيل بالانصراف عنه لفعل لنفوذ أمرك. و إنما ضرب هذا مثلا و جعله مبالغة؛ لأنّه لا شي‏ء أشدّ تعذّرا من هذا و شبهه، فإذا صرفه كان على كل شي‏ء سواه أقدر. و قوله: «لساخ» أي لغاض في الأرض. «و ارتد» أي عدل عن طريقه، و إن لم يجد إلى ذلك سبيلا كان له منعرج عنك إلى سائر الأرض.

غضب الوليد على ابن عائشة فلما غناه في شعره طرب و رضي عنه:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه‏[8]قال إسحاق و حدّثني به الواقديّ عن أبي الزّناد عن إبراهيم بن عطيّة:

/أنّ الوليد بن يزيد لمّا ولي الخلافة بعث إلى المغنّين بالمدينة و مكة فأشخصهم إليه، و أمرهم أن يتفرّقوا و لا [1]هو زهير بن أبي سلمى.

[2]في ء، ط، م:

و تغرس إلا في منابتها النخل‏

[3]اغتام: اختار.

[4]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «أهلك» تحريف.

[5]قصيّ: ابو عدّة بطون من قريش. و قسيّ (بفتح فكسر و تشديد آخره) : هو ثقيف، و قد تقدّم في أوّل ترجمة طريح.

[6]لم نجد في كتب اللغة التي بين أيدينا ( «كاللسان» «و القاموس و شرحه» «و الصحاح» ) ما يؤيد التفسير الذي ذكره أبو الفرج لمعنى هذه الكلمة و لا لمفردها. و عبارة «اللسان» (في مادة حنا) : «... و الحنو: كل شي‏ء فيه اعوجاج أو شبه الاعوجاج كعظم الحجاج و الحي و الضلع و القفّ و الحقف و منعرج الوادي، و الجمع أحناء و حنّي و حنيّ... » .

[7]في «اللسان» (مادة ولج) : «... ابن الأعرابي: ولاج الوادي: معاطفه، واحدتها ولجة، و الجمع الولج» . و منه يعلم أن الولج جمع الجمع لولجة.

[8]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «عن أبيه عن ابن الكلبي عن أبيه قال إسحاق إلخ» . و لم نثبت هذه الزيادة لأننا لم نجد في كتب التراجم أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي روى عن محمد بن السائب الكلبيّ. ـ

474

يدخلوا نهارا لئلا يعرفوا، و كان إذ ذاك/يتستّر في أمره و لا يظهره. فسبقهم ابن عائشة فدخل نهارا و شهر أمره، فحبسه الوليد و أمر به فقيّد، و أذن للمغنّين و فيهم معبد، فدخلوا عليه دخلات. ثم إنّه جمعهم ليلة فغنّوا له حتى طرب و طابت نفسه. فلمّا رأى ذلك منه معبد قال لهم: أخوكم ابن عائشة فيما قد علمتم، فاطلبوا فيه. ثم قال:

يا أمير المؤمنين، كيف ترى مجلسنا هذا؟قال: حسنا لذيذا. قال: فكيف لو رأيت ابن عائشة و سمعت ما عنده! قال: فعليّ به. فطلع ابن عائشة يرسف في قيده. فلمّا نظر إليه الوليد، اندفع ابن عائشة فغنّاه في شعر طريح، و الصنعة فيه له:

أنت ابن مسلنطح البطاح و لم # تطرق عليك الحنيّ و الولج‏

فصاح الوليد[1]: اكسروا قيده و فكّوا عنه؛ فلم يزل عنده أثيرا مكرما.

غنى مسلمة بن محمد بن هشام من شعره فتذكر قومه:

أخبرني الحسن بن عليّ‏[2]قال حدّثنا ابن أبي سعد عن الحزاميّ عن عثمان بن حفص عن إبراهيم بن عبد السّلام بن أبي الحارث الذي يقول له عمر بن أبي ربيعة:

يا أبا الحارث قلبي طائر # فأتمر[3]أمر رشيد مؤتمن‏

قال: و اللّه إنّي لقاعد مع مسلمة بن محمد بن هشام إذ مرّ به ابن جوان بن عمر بن أبي ربيعة، و كان يغنّي؛ فقال له: اجلس يا ابن أخي غنّنا. فجلس فغنّى:

أنت ابن مسلنطح البطاح و لم # تطرق عليك الحنيّ و الولج‏

/فقال له: يا ابن أخي، ما أنت و هذا حين تغنّاه، و لا حظّ لك فيه!هذا قاله طريح فينا:

إذ النّاس ناس و الزّمان زمان‏

و مما في المائة الصوت المختارة من الأغاني من أشعار طريح بن إسماعيل التي مدح بها الوليد بن يزيد:

صوت من المائة المختارة

ويحي غدا إن غدا عليّ بما # أحذر من لوعة الفراق غد

و كيف صبري و قد تجاوب بالـ # فرقة منها الغراب و الصّرد[4]

الشعر لطريح بن إسماعيل. و الغناء لابن مشعب الطائفيّ، و لحنه المختار من الرّمل بالوسطى.

[1]كذا في ء، م، ط. و في سائر النسخ: «فصاح به الوليد» .

[2]كذا في ط، م، ء. و في سائر النسخ: «الحسين بن يحيى» . و المعروف أن الحسن بن عليّ يروي عن عبد اللّه بن أبي سعد (انظر ص 68 ج 2 من هذا الكتاب) .

[3]كذا في ط، م، ء و فيما تقدم في الجزء الأوّل (ص 114 من هذه الطبعة) . و في سائر الأصول هنا: «فاستمع» .

[4]الصرد (بضم ففتح) : طائر أبقع أبيض البطن أخضر الظهر ضخم الرأس و المنقار له مخلب يصطاد العصافير و صغار الطير، جمعه صردان، و يكنى بأبي كثير، و يسمى الأخطب لخضرة ظهره، و الأخيل لاختلاف لونه. و هو مما يتشاءم به من الطير؛ قال الشاعر:

فما طائري يوما عليك بأخيلا

475

49-ذكر ابن مشعب‏[1]و أخباره‏

ابن مشعب و أصله:

هو رجل من أهل الطائف مولى لثقيف، و قيل: إنّه من أنفسهم، و انتقل إلى مكة فكان بها. و إيّاه يعني العرجي بقوله:

بفناء بيتك و ابن مشعب حاضر # في سامر عطر و ليل مقمر

فتلازما عند الفراق صبابة # أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر

كان عامة الغنّاء الذي ينسب إلى أهل مكة له:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال:

ابن مشعب مغنّ من أهل الطائف، و كان من أحسن الناس غناء، و كان في زمن ابن سريج و الأعرج؛ و عامّة الغناء الذي ينسب إلى أهل مكة له، و قد تفرّق غناؤه، فنسب بعضه إلى ابن سريج، و بعضه إلى الهذليّين، /و بعضه إلى ابن محرز. قال: و من غنائه الذي ينسب إلى ابن محرز:

يا دار عاتكة الّتي بالأزهر

و منه أيضا:

أقفر ممن يحلّه السّند[2] # فالمنحنى‏[3]فالعقيق فالجمد[4]

انتهى مريض أن يغني في شعر العرجي الذي ورد فيه اسمه:

أخبرني الحسين قال قال حمّاد و حدّثني أبي قال:

مرض رجل من أهل المدينة بالشأم، فعاده جيرانه و قالوا له: ما تشتهي؟قال: أشتهي إنسانا يضع فمه على أذني و يغنّيني في بيتي العرجيّ:

/

بفناء بيتك و ابن مشعب حاضر # في سامر عطر و ليل مقمر

[1]نلاحظ أن صاحب «الأغاني» أفحم ترجمة ابن مشعب هذا في وسط ترجمة طريح. و لما يتحدث عنه إلا قليلا، ثم عاد إلى حديثه عن طريح.

[2]في «معجم ما استعجم» للبكري: سند: ماء تهامة معروف. و قال أبو بكر: سند (بفتحتين) : ماء معروف لبني سعد.

[3]المنحنى: موضع قرب مكة، كما في شرح «القاموس» .

[4]الجمد (بضمتين) : جبل لبني نصر بنجد، كما في «معجم ياقوت» .

476

فتلازما عند الفراق صبابة # أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر

نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني‏

يا دار عاتكة الّتي بالأزهر # أو فوقه بقفا الكثيب الأحمر

بفناء بيتك و ابن مشعب حاضر # في سامر عطر و ليل مقمر

فتلازما عند الفراق صبابة # أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر

الشعر للعرجيّ. و الغناء لابن محرز خفيف ثقيل أوّل بالبنصر، و ذكر إسحاق أنّه لابن مشعب. و ذكر حبش أنّ فيه لابن المكيّ هزجا خفيفا بالبنصر.

و أمّا الصوت الآخر الذي أوّله:

أقفر ممن يحلّه السّند

فإنّه الصوت الذي ذكرناه الذي فيه اللحن المختار، و هو أوّل قصيدة طريح التي منها:

ويحي غدا إن غدا عليّ بما # أكره من لوعة الفراق غد

و ليس يغنّى فيه في زماننا هذا. و هذه القصيدة طويلة يمدح فيها طريح الوليد بن يزيد، يقول فيها:

لم يبق فيها من المعارف بعـ # د الحيّ إلاّ الرّماد و الوتد

و عرصة نكّرت معالمها الرّ # يح بها مسجد و منتضد[1]

أنشد المنصور قصيدة طريح الدالية فمدحها:

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال حدّثني محمد بن خلف القارئ قال أخبرنا هارون بن محمد، و أخبرنا به وكيع-و أظنه هو الذي كنى عنه يحيى بن عليّ، فقال: /محمد بن خلف القارى -[قال‏][2]حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني عليّ بن عبد اللّه اللّهبيّ قال حدّثنا أبي عن أبيه قال:

أنشد المنصور هذه القصيدة، فقال للربيع: أسمعت أحدا من الشعراء ذكر في باقي معالم الحيّ المسجد غير طريح!. و هذه القصيدة من جيّد قصائد طريح، يقول فيها:

لم أنس سلمى و لا ليالينا # بالحزن إذ عيشنا بها رغد[3]

إذ نحن في ميعة الشّباب و إذ # أيّامنا تلك غضّة جدد

في عيشة كالفريد عازبة[4]الشّ # قوة خضراء غصنها خضد[5]

[1]منتضد: مجتمع و مقام؛ يقال: انتضد القوم بمكان كذا إذا أقاموا به.

[2]زيادة عن حـ، م.

[3]عيش رغد (بفتح الغين و كسرها) : مخصب رفيه غزير، و مثلهما رغد (بسكون الغين) و رغيد و راغد و أرغد.

[4]عازبة الشقوة: بعيدتها.

[5]خضد (بالتحريك) : رطب.

477

نحسد فيها على النّعيم و ما # يولع إلاّ بالنّعمة الحسد

أيّام سلمى غريرة[1]أنف # كأنّها خوط بانة رؤد[2]

ويحي غدا إن غدا عليّ بما # أكره من لوعة الفراق غد

قد كنت أبكي من الفراق و حيّ # انا جميع و دارنا صدد[3]

فكيف صبري و قد تجاوب بالـ # فرقة منها الغراب و الصّرد

/دع عنك سلمى لغير مقلية # و عدّ مدحا بيوته شرد

للأفضل الأفضل الخليفة عبـ # د اللّه من دون شأوه صعد

في وجهه النّور يستبان كما # لاح سراج النّهار إذ يقد

/يمضي على خير ما يقول و لا # يخلف ميعاده إذا يعد

من معشر لا يشمّ من خذلوا # عزّا و لا يستذلّ من رفدوا

بيض عظام الحلوم حدّهم # ماض حسام و خيرهم عتد[4]

أنت إمام الهدى الذي أصلح اللّ # ه به الناس بعد ما فسدوا

لمّا أتى الناس أنّ ملكهم # إليك قد صار أمره سجدوا

و استبشروا بالرضا تباشرهم # بالخلد لو قيل إنّكم خلد

و عجّ بالحمد أهل أرضك # حتّى كاد يهتزّ فرحة أحد

و استقبل الناس عيشة أنفا # إن تبق فيها لهم فقد سعدوا

رزقت من ودّهم و طاعتهم # ما لم يجده لوالد ولد

أثلجهم منك أنّهم علموا # أنّك فيما وليت مجتهد

و أنّ ما قد صنعت من حسن # مصداق ما كنت مرّة تعد

ألّفت أهواءهم فأصبحت الأ # ضغان سلما و ماتت الحقد

كنت أرى أنّ ما وجدت من الـ # فرحة لم يلق مثله أحد

حتّى رأيت العباد كلّهم # قد وجدوا من هواك ما أجد

[1]غريرة: بلهاء لصغر سنها و قلة تجاربها. و أنف: عذراء.

[2]الخوط: الغصن. و الرّؤد: الغصن أرطب ما يكون و أرخصه؛ و ذلك حين يكون في السنة التي نبت فيها. تشبه به الجارية الحسنة الشباب من النعمة.

[3]يقال: دار فلان صدد دار فلان و بصددها أي قبالتها.

[4]عند: حاضر معدّ.

478
صوت‏

قد طلب الناس ما بلغت فما # نالوا و لا قاربوا و قد جهدوا

يرفعك اللّه بالتّكرّم و التـ # قوى فتعلو و أنت مقتصد

حسب امرئ من غنى تقرّبه # منك و إن لم يكن له سبد[1]

فأنت أمن لمن يخاف و للـ # مخذول أودى نصيره عضد

/-غنّى في هذه الأبيات الأربعة إبراهيم خفيف ثقيل بالبنصر-.

كلّ امرئ ذي‏[2]يد تعدّ عليـ # ه منك معلومة يد و يد

فهم ملوك ما لم يروك فإن # داناهم منك منزل خمدوا

تعروهم رعدة لديك كما # قفقف‏[3]تحت الدّجنّة الصّرد

لا خوف ظلم و لا قلى خلق # إلاّ جلالا كساكه الصّمد

و أنت غمر النّدى إذا هبط الـ # زّوّار أرضا تحلّها حمدوا

فهم رفاق فرفقة صدرت # عنك بغنم و رفقة ترد

إن حال دهر بهم‏[4]فإنّك لا # تنفكّ عن حالك الّتي عهدوا

قد صدّق اللّه مادحيك فما # في قولهم فرية و لا فند

ذكاء جعفر بن يحيى و علمه بالأشعار و الألحان:

/أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني الحسين بن يحيى قال:

سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصليّ يحلف باللّه الذي لا إله إلاّ هو إنه ما رأى أذكى من جعفر بن يحيى قطّ، و لا أفطن، و لا أعلم بكلّ شي‏ء، و لا أفصح لسانا، و لا أبلغ في مكاتبة. قال: و لقد كنّا يوما عند الرشيد، فغنّى أبي لحنا في شعر طريح بن إسماعيل، و هو:

قد طلب الناس ما بلغت فما # نالوا و لا قاربوا و قد جهدوا

فاستحسن الرشيد اللحن و الشعر و استعاده و وصل أبي عليه. و كان اللحن‏[5]في طريقة خفيف الثقيل الأوّل.

فقال جعفر بن يحيى: قد و اللّه يا سيّدي أحسن، و لكنّ اللحن مأخوذ من لحن الدّلال الذي غنّاه في شعر أبي زبيد:

[1]كذا في حـ، م. و السبد: الشّعر، و يكنى به عن المال. و يقال: ما له سبد و لا لبد أي ما له شي‏ء. و في سائر الأصول: «سند» .

[2]في حـ: «ذي ندى» .

[3]قفقف: ارتعد من البرد. و الصرد: المقرور.

[4]في حـ: «لهم» .

[5]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «و كان اللحن الذي في طريقة خفيف الثقيل إلخ» .

479

/

من ير العير لابن أروى على ظهـ # ر المروري‏[1]حداتهنّ عجال‏

و أمّا الشعر فنقله طريح من قول زهير:

سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم # فلم يبلغوا[2]و لم يلاموا[3]و لم يألوا

قال إسحاق: فعجبت و اللّه من علمه بالألحان و الأشعار، و إذا اللحن يشبه لحن الدّلال، قال: و كذلك الشعر؛ فاغتممت أنّي لم أكن فهمت اللحن، و كان ذلك أشدّ عليّ من ذهاب أمر الشعر عليّ، و أنا و اللّه مع ذلك أغنّي الصوتين و أحفظ الشعرين. قال الحسين: و لحن الدّلال في شعر أبي زبيد هذا من خفيف الثقيل أيضا.

صادف طريح أبا ورقاء في سفر فأنس به و ذكر له قصته مع أعرابي عاشق:

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة قال حدّثني أبو الحسن البلاذريّ أحمد بن يحيى و أبو أيّوب المدينيّ، قال البلاذريّ و حدّثني الحرمازيّ، و قال أبو أيّوب‏[3]و حدّثونا عن الحرمازيّ قال حدّثني أبو القعقاع سهل‏[4]بن عبد الحميد عن أبي ورقاء الحنفيّ قال:

/خرجت من الكوفة أريد بغداد، فلمّا صرت إلى أوّل خان نزلته، بسط غلماننا و هيّئوا غداءهم، و لم يجي‏ء أحد بعد، إذ رمانا الباب برجل فاره البرذون‏[5]حسن الهيئة، فصحت بالغلمان، فأخذوا دابّته فدفعها إليهم، و دعوت بالغداء، فبسط يده غير محتشم، و جعلت لا أكرمه بشي‏ء إلا قبله. ثم جاء غلمانه بعد ساعة في ثقل‏[6]سريّ و هيئة حسنة. فتناسبنا[7]فإذا الرجل طريح بن إسماعيل الثّقفيّ. فلمّا ارتحلنا في قافلة غنّاء لا يدرك طرفاها. قال:

فقال لي: ما حاجتنا إلى زحام الناس و ليست بنا إليهم وحشة و لا علينا خوف!نتقدّمهم بيوم فيخلو لنا الطريق و نصادف الخانات فارغة و نودع أنفسنا إلى أن يوافوا. قلت: ذلك إليك. قال: فأصبحنا الغد فنزلنا الخان فتغدّينا و إلى جانبنا نهر ظليل؛ فقال: هل لك أن نستنقع‏[8]فيه؟فقلت له: شأنك. فلمّا سرا[9]ثيابه إذا[ما]بين عصعصه إلى‏[10]عنقه ذاهب، و في جنبيه أمثال الجرذان، فوقع في نفسي منه شي‏ء[11]. فنظر إليّ ففطن و تبسّم، ثم قال: قد [1]كذا في أكثر الأصول. و المروري على وزن فعلعل: جمع مروراة و هي الفلاة البعيدة المستوية. ( «معجم ما استعجم» ص 520) .

و في حـ «و الشعر و الشعراء» (ص 167) : «المروي» . و المروّي (بضم أوّله و فتح ثانيه بعده واو مشدّدة مفتوحة) : موضع. ( «معجم ما استعجم» ص 526) .

[2]في «ديوان زهير» (طبعة دار الكتب ص 114) : «فلم يفعلوا» . و في س: «فلم يفعلوا و لم يليموا» . أي لم يأتوا ما يلامون عليه، أو لم يلاموا، حين لم يبلغوا منزلة هؤلاء القوم لأنها أعلى من أن تبلغ؛ فهم معذورون في التقصير عنها و التوقف دونها، و هم مع ذلك لم يألوا أي لم يقصروا في السعي بجميل الفعل.

[3]كذا في ء، ط، م. و في سائر الأصول: «و قال أبو أيوب و حدّثني الحرمازي... إلخ» .

[4]في ء، ط: «سهيل بن عبد الحميد» .

[5]البرذون الفاره: النشيط السريع السير.

[6]الثقل: متاع المسافر و حشمه.

[7]تناسبنا: ذكر كل منا نسبه.

[8]كذا في ء، ط. و في سائر النسخ: «تستنقع» بالتاء في أوّله.

[9]سرا ثيابه سروا: ألقاها عنه مثل سرى سريا و أسرى، و الواو أغلى. (انظر «اللسان» مادة سرا) .

[10]في ء، ط، م: «كرده» . و الكرد (بالفتح) . العنق، و قيل أصله.

[11]في ء: ط، م: «شر» .

480

رأيت ذعرك مما رأيت؛ و حديث هذا إذا سرنا العشيّة إن شاء اللّه تعالى أحدّثك به. قال: فلمّا ركبنا قلت: الحديث! قال: نعم!قدمت من عند الوليد بن يزيد بالدّنيا، و كتب إلى يوسف بن عمر مع فرّاش فملأ يدي أصحابي‏[1]، فخرجت أبادر الطائف. فلمّا امتدّ لي الطريق و ليس يصحبني فيه خلق، عنّ لي‏[2]أعرابيّ على بعير له، فحدّثني، فإذا هو حسن الحديث، و روى لي الشّعر فإذا هو/راوية، و أنشدني لنفسه فإذا هو/شاعر. فقلت له: من أين أقبلت؟قال: لا أدري. قلت: فأين تريد؟فذكر قصّة يخبر فيها أنّه عاشق لمريئة قد أفسدت عليه عقله، و سترها عنه‏[3]أهلها و جفاه‏[4]أهله، فإنّما يستريح إلى الطريق ينحدر مع منحدريه و يصعد مع مصعديه. قلت: فأين هي؟ قال: غدا ننزل بإزائها. فلمّا نزلنا أراني ظربا[5]على يسار الطريق، فقال لي: أ ترى ذلك الظّرب؟قلت: أراه. قال:

فإنّها في مسقطه. قال: فأدركتني أريحيّة الشباب، فقلت: أنا و اللّه آتيها برسالتك. قال: فخرجت و أتيت الظّرب، و إذا بيت حريد[6]، و إذا فيه امرأة جميلة ظريفة، فذكرته لها، فزفرت زفرة كادت أضلاعها تساقط. ثم قالت: أو حيّ هو؟قلت: نعم، تركته في رحلي وراء هذا الظّرب، و نحن بائتون و مصبحون. فقالت: يا أبي أرى لك وجها يدلّ على خير، فهل لك في الأجر؟فقلت: فقير و اللّه إليه. قالت: فالبس ثيابي و كن مكاني و دعني حتّى آتيه، و ذلك مغيربان الشمس. قلت: أفعل‏[7]. قالت: إنّك إذا أظلمت أتاك زوجي في هجمة[8]من إبله، فإذا بركت أتاك و قال:

يا فاجرة يا هنتاه‏[9]، فيوسعك شتما فأوسعه صمتا، ثم يقول: اقمعي‏[10]سقاءك، فضع القمع في هذا السّقاء حتّى يحقن‏[11]فيه، و إيّاك/و هذا الآخر فإنّه واهي الأسفل. قال: فجاء ففعلت ما أمرتني به، ثم قال: اقمعي سقاءك، فحيّنني‏[12]اللّه، فتركت الصحيح و قمعت الواهي، فما شعر إلاّ باللبن بين رجليه، فعمد إلى رشاء[13]من قد مربوع، فثناه باثنين فصار على ثمان قوى، ثم جعل لا يتّقي منّي رأسا و لا رجلا و لا جنبا، فخشيت أن يبدو له وجهي، فتكون الأخرى، فألزمت وجهي الأرض، فعمل بظهري ما ترى.

[1]كذا في حـ. و في سائر النسخ: «أصحابه» .

[2]عنّ لي: عرض لي.

[3]في حـ: «و حدّ عليها أهلها» . و حدّ عليه: غضب عليه.

[4]في‏ء، ط: «و خلعه» ؛ يقال: خلع فلان ابنه إذا تبرأ منه. و كان في الجاهلية إذا قال قائل: هذا ابني قد خلعته، لا يؤخذ بعد بجريرته.

[5]كذا في ب، س. و الظرب: الرابية الصغيرة. و في سائر الأصول: «ظريبا» بالتصغير.

[6]كذا في ء، ط. و الحريد: المعتزل المتنحى. و في حديث صعصعة «فرفع لي بيت حريد» أي منتبذ متنح عن الناس. و في م: «بيت جريد» بالجيم المعجمة. و في سائر النسخ: «جديد» و كلاهما تحريف.

[7]كذا في ء، ط. و في سائر الأصول: «فقلت افعلي» .

[8]الهجمة من الإبل: أوّلها أربعون إلى ما زادت، أو ما بين السبعين إلى المائة، فإذا بلغت المائة فهي هنيدة.

[9]يا هنتاه: أي يا هذه، و قيل: يا بلهاء. و تفتح النون و تسكن، و تضم الهاء الأخيرة و تسكن. (انظر «اللسان» مادة هنو) .

[10]قمع الإناء: وضع القمع في فمه ليصب فيه الدهن و غيره.

[11]حقن اللبن (من باب نصر) : جمعه.

[12]حينه اللّه: لم يوفقه للرشاد.

[13]الرشاء: الحبل. و القدّ: السير المقدود من الجلد. و مربوع: ذو أربع قوى.

481

50-ذكر أخبار أبي سعيد مولى فائد و نسبه‏

ولاؤه، و كان مغنيا و شاعرا:

أبو سعيد مولى فائد. و فائد مولى عمرو بن عثمان بن عفّان رضي اللّه تعالى عنه. و ذكر ابن خرداذبه أنّ اسم أبي سعيد إبراهيم. و هو يعرف في الشعراء بابن أبي سنّة[1]مولى بني أميّة، و في المغنّين بأبي سعيد مولى فائد.

و كان شاعرا مجيدا و مغنّيا، و ناسكا بعد ذلك، فاضلا مقبول الشهادة بالمدينة معدّلا. و عمّر إلى خلافة الرشيد، و لقيه إبراهيم بن المهديّ و إسحاق الموصليّ و ذووهما. و له قصائد جياد في مراثي بني أميّة الذين قتلهم عبد اللّه و داود ابنا عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس، يذكر هاهنا في موضعه منها ما تسوق‏[2]الأحاديث ذكره.

طلب إليه المهدي أن يغنيه صوتا له فغناه غيره و اعتذر عنه:

أخبرني عليّ بن عبد العزيز عن عبيد اللّه‏[3]بن عبد اللّه عن إسحاق، و أخبرني الحسين بن يحيى عن ابن أبي الأزهر عن حمّاد عن أبيه، و أخبرنا به يحيى بن عليّ عن أخيه أحمد بن عليّ عن عافية بن شبيب عن أبي جعفر الأسديّ عن إسحاق، قال يحيى خاصّة في خبره:

قال إسحاق: حججت مع الرشيد، فلمّا قربت من مكة استأذنته في التقدّم فأذن لي، فدخلت مكة، فسألت عن أبي سعيد مولى فائد، فقيل لي: هو في المسجد الحرام. فأتيت المسجد فسألت عنه، فدللت عليه، فإذا هو قائم يصلّي، فجئت فجلست قريبا منه. فلمّا فرغ قال لي: يا فتى، أ لك حاجة؟قلت: نعم، تغنّيني: «لقد طفت سبعا» . هذه رواية يحيى بن عليّ. و أمّا الباقون فإنّهم ذكروا عن إسحاق أنّ المهديّ قال‏[هذا][4]لأبي سعيد و أمره أن يغنّي له:

/

لقد طفت سبعا قلت لمّا قضيتها # ألا ليت هذا لا عليّ و لا ليا

/و رفق به و أدنى مجلسه، و قد كان نسك؛ فقال: أ و أغنّيك يا أمير المؤمنين أحسن منه؟قال: أنت و ذاك. فغنّى‏[5]:

إنّ هذا الطويل من آل حفص # نشر المجد بعد ما كان ماتا

و بناه على أساس وثيق # و عماد قد أثبتت إثباتا

[1]في م: «بابن أبي شبة» .

[2]كذا في حـ، م. و في سائر الأصول: «يسوق» بالياء المثناة من تحت.

[3]في م: «عبيد اللّه بن عباس» .

[4]التكملة عن ء، ط.

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فقال» .

482

مثل ما قد بنى له أوّلوه # و كذا يشبه البناة[1]البنانا

-الشعر و الغناء لأبي سعيد مولى فائد-فأحسن. فقال له المهديّ: أحسنت يا أبا سعيد!فغنّني «لقد طفت سبعا» . قال: أ و أغنّيك أحسن منه؟قال: أنت و ذاك. فغنّاه:

قدم الطويل فأشرقت و استبشرت # أرض الحجاز و بان في الأشجار

إنّ الطويل من آل حفص فاعلموا # ساد الحضور و ساد في الأسفار

فأحسن فيه. فقال: غنّني «لقد طفت سبعا» . قال: أ و أغنيك أحسن منه؟قال: فغنّني. فغناه:

أيّها السائل الذي يخبط الأر # ض دع الناس أجمعين وراكا

و أت هذا الطويل من آل حفص # إن تخوّفت علية[2]أو هلاكا

فأحسن فيه. فقال له: غنّني «لقد طفت سبعا» ، فقد أحسنت فيما غنّيت، و لكنا نحبّ أن تغنّي ما دعوناك إليه. فقال: لا سبيل إلى ذلك يا أمير المؤمنين؛ لأنّي رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في منامي و في يده شي‏ء لا أدري ما هو، /و قد رفعه ليضربني به و هو يقول: يا أبا سعيد، لقد طفت سبعا، لقد طفت سبعا سبعا طفت!ما صنعت بأمّتي في هذا الصوت!فقلت له: بأبي أنت و أمي اغفر لي، فو الّذي بعثك بالحقّ و اصطفاك بالنبوّة لا غنّيت هذا الصوت أبدا؛ فردّ يده ثم قال: عفا اللّه عنك إذا!ثم انتبهت. و ما كنت لأعطي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم شيئا في منامي فأرجع عنه في يقظتي.

فبكى المهديّ و قال: أحسنت يا أبا سعيد أحسن اللّه إليك!لا تعد في غنائه، و حباه و كساه و أمر بردّه إلى الحجاز.

فقال له أبو سعيد: و لكن اسمعه يا أمير المؤمنين من منّة جارية البرامكة. و أظنّ حكاية من حكى ذلك عن المهديّ غلطا؛ لأن منّة جارية البرامكة لم تكن في أيّام المهديّ، و إنما نشأت و عرفت في أيّام الرشيد.

و قد حدّثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني هبة اللّه بن إبراهيم بن المهديّ عن أبيه أنّه هو الذي لقي أبا سعيد مولى فائد و جاراه هذه القصّة. و ذكر ذلك أيضا حمّاد بن إسحاق عن إبراهيم بن المهديّ. و قد يجوز أن يكون إبراهيم بن المهديّ و إسحاق سألاه عن هذا الصوت فأجابهما فيه بمثل ما أجاب المهديّ. و أمّا خبر إبراهيم بن المهديّ خاصّة فله معان غير هذه، و الصوت الذي سأله عنه غير هذا؛ و سيذكر بعد انقضاء هذه الأخبار لئلاّ تنقطع.

أراده إبراهيم بن المهدي على الذهاب إلى بغداد فأبى:

و أخبرني إسماعيل‏[3]بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة:

أنّ إبراهيم بن المهديّ لقي أبا سعيد مولى فائد؛ و ذكر الخبر بمثل الذي قبله، و زاد فيه: فقال له: اشخص معي إلى بغداد، فلم يفعل. فقال: ما كنت لآخذك بما لا تحبّ، و لو كان غيرك لأكرهته على ما أحبّ، و لكن دلّني /على من ينوب/عنك. فدلّه على ابن جامع، و قال له: عليك بغلام من بني سهم قد أخذ عنّي و عن نظرائي [1]في ء، ط، م هنا و فيما يأتي:

و كذا يشبه النبات النباتا

[2]في م: «غيلة» . و في ء، ط: «عولة» .

[3]في ب، س: «إسحاق» ، و هو تحريف.

483

و تخرّج، و هو كما تحبّ. فأخذه إبراهيم معه فأقدمه بغداد؛ فهو الذي كان سبب وروده إيّاها.

نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني‏

صوت من المائة المختارة

لقد طفت سبعا قلت لمّا قضيتها # ألا ليت هذا لا عليّ و لا ليا

يسائلني صحبي فما أعقل الّذي # يقولون من ذكر لليلى اعترانيا

عروضه من الطويل. ذكر يحيى بن عليّ أنّ الشعر و الغناء لأبي سعيد مولى فائد، و ذكر غيره أنّ الشعر للمجنون. و لحنه خفيف رمل بالبنصر و هو المختار. و ذكر حبش أنّ فيه لإبراهيم خفيف رمل آخر. و الذي ذكر يحيى بن عليّ من أنّ الشعر لأبي سعيد مولى فائد هو الصحيح.

أخبرني عمّي عن الكرانيّ عن عيسى بن إسماعيل عن القحذميّ أنّه أنشده لأبي سعيد مولى فائد. قال عمّي:

و أنشدني هذا الشعر أيضا أحمد بن أبي طاهر عن أبي دعامة لأبي سعيد. و بعد هذين البيتين اللّذين مضيا هذه الأبيات:

إذا جئت باب الشّعب شعب ابن‏[1]عامر # فأقرئ غزال الشّعب منّي سلاميا

و قل لغزال الشّعب هل أنت نازل # بشعبك أم هل يصبح‏[2]القلب ثاويا

لقد زادني الحجّاج شوقا إليكم # و قد كنت قبل اليوم للحجّ قاليا

و ما نظرت عيني إلى وجه قادم # من الحجّ إلاّ بلّ دمعي ردائيا

/في البيت الأوّل من هذه الأبيات، و هو:

إذا جئت باب الشعب شعب ابن عامر

[لحن‏]لابن جامع خفيف رمل عن الهشاميّ.

و منها:

صوت‏

إنّ هذا الطويل من آل حفص # نشر المجد بعد ما كان ماتا

و بناه على أساس وثيق # و عماد قد أثبتت إثباتا

مثل ما قد بنى له أوّلوه # و كذا يشبه البناة البناتا

[1]شعب بني عامر: ماء أوّله الأبلّة، كما في «معجم ياقوت» .

[2]لعل الأوجه: «أم هل تصبح» بالخطاب. ـ

484

عروضه من الخفيف. الشعر و الغناء لأبي سعيد مولى فائد. و لحنه رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.

و منها:

صوت‏

قدم الطويل فأشرقت لقدومه # أرض الحجاز و بان في الأشجار

إنّ الطويل من آل حفص فاعلموا # ساد الحضور و ساد في الأسفار

الشعر و الغناء لأبي سعيد.

و منها:

صوت‏

أيّها الطالب الذي يخبط الأر # ض دع الناس أجمعين وراكا /

و أت هذا الطويل من آل حفص # إن تخوّفت عيلة أو هلاكا

/عروضه من الخفيف. الشعر لأبي سعيد مولى فائد، و قيل: إنّه للدّارميّ. و الغناء لأبي سعيد خفيف ثقيل.

و فيه للدّارميّ ثاني ثقيل.

الطويل من آل حفص الذي غناه الشعراء في هذه الأشعار، هو عبد اللّه بن عبد الحميد بن حفص، و قيل: ابن أبي حفص بن المغيرة المخزوميّ؛ و كان ممدّحا.

مدحه لعبد اللّه بن عبد الحميد المخزومي:

فأخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى إجازة عن أبي أيّوب المدينيّ قال حدّثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمّه:

أنّ عبد اللّه بن عبد الحميد المخزوميّ، كان يعطي الشعراء فيجزل، و كان موسرا، و كان سبب يساره ما صار إليه من أمّ سلمة المخزوميّة امرأة أبي العبّاس السفّاح؛ فإنّه تزوّجها بعده، فصار إليه منها مال عظيم، فكان يتسمّح به و يتفتّى‏[1]و يتّسع في العطايا. و كانت أمّ سلمة مائلة إليه، فأعطته ما لا يدرى ما هو، ثم إنّها اتّهمته بجارية لها فاحتجبت عنه، فلم تعد إليه حتّى مات. و كان جميل الوجه طويلا. و فيه يقول أبو سعيد مولى فائد:

إنّ هذا الطويل من آل حفص # نشر المجد بعد ما كان ماتا

و فيه يقول الدّارميّ:

أيّها السائل الذي يخبط الأر # ض دع الناس أجمعين وراكا

و أت هذا الطويل من آل حفص # إنّ تخوّفت عيلة أو هلاكا

و فيه يقول الدّارميّ أيضا:

[1]يتفتى: يتسخى.

485
صوت‏

إنّ الطويل إذا حللت به # يوما كفاك مئونة الثّقل‏

/-و يروى:

ابن الطويل إذا حللت به‏

و حللت في دعة و في كنف # رحب الفناء و منزل سهل‏

غنّاه ابن عبّاد الكاتب، و لحنه من الثقيل الأوّل بالبنصر عن ابن المكّي.

غنى إبراهيم بن المهدي في المسجد:

فأمّا خبر إبراهيم بن المهديّ مع أبي سعيد مولى فائد الذي قلنا إنّه يذكر هاهنا، فأخبرني به الحسن بن عليّ قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثني القطرانيّ المغنّي قال حدّثني ابن جبر قال:

سمعت إبراهيم بن المهديّ يقول: كنت بمكة في المسجد الحرام، فإذا شيخ قد طلع و قد قلب إحدى نعليه على الأخرى و قام يصلّي؛ فسألت عنه فقيل لي: هذا أبو سعيد مولى فائد. فقلت لبعض الغلمان: احصبه فحصبه؛ فأقبل عليه و قال: ما يظنّ أحدكم إذا دخل المسجد إلاّ أنّه له. فقلت للغلام: قل له: يقول لك مولاي: ابلغني؛ فقال ذلك له. فقال له أبو سعيد: من مولاك حفظه اللّه؟قال: مولاي إبراهيم بن المهديّ، فمن أنت؟قال: أنا أبو سعيد مولى فائد؛ و قام فجلس بين يديّ، و قال: لا و اللّه-بأبي أنت و أمّي-ما عرفتك!فقلت: لا عليك!أخبرني عن هذا الصوت:

أفاض المدامع قتلى كدى‏[1] # و قتلى بكثوة[2]لم ترمس‏

/قال: هو لي. قلت: و ربّ هذه البنيّة لا تبرح حتى تغنيه. قال: و ربّ هذه البنيّة لا تبرح حتّى تسمعه. قال:

ثم قلب إحدى نعليه و أخذ بعقب الأخرى، و جعل يقرع بحرفها على/الأخرى و يغنّيه حتّى أتى عليه، فأخذته منه.

قال ابن جبر: و أخذته أنا من إبراهيم بن المهديّ.

ردّ محمد بن عمران القاضي شهادته ثم قبلها و صار يذهب إليه لسماعها:

أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ قال حدّثني دنية[3]المدنيّ صاحب العبّاسة بنت المهديّ، و كان آدب من قدم علينا من أهل الحجاز:

أنّ أبا سعيد مولى فائد حضر مجلس محمد بن عمران التّيميّ قاضي المدينة لأبي جعفر، و كان مقدّما لأبي سعيد. فقال له ابن عمران التيميّ: يا أبا سعيد أنت القائل:

[1]كذا في أكثر الأصول. و كدى (بالضم و القصر) : موضع بأسفل مكة عند ذي طوى بقرب شعب الشافعيين، و كدى (منقوصة كفتى) :

ثنية بالطائف. و في حـ كداء (كسماء) : اسم لعرفات أو جبل بأعلى مكة. و الشاعر يريد موضعا بعينه من هذه المواضع كانت به وقعة و قتلى، و كل منها يحتمله وزن الشعر.

[2]كثوة (بالضم) بموضع.

[3]كذا في ب، س. و في حـ: «دينه المدني» بتقديم الياء المثناة على النون. و قد ورد في ء، ط هكذا: «دينه المدييني» بدون نقط.

486

لقد طفت سبعا قلت لمّا قضيتها # ألا ليت هذا لا عليّ و لا ليا

فقال: إي لعمر أبيك، و إني لأدمجه إدماجا من لؤلؤ. فردّ محمد بن عمران شهادته في ذلك المجلس. و قام أبو سعيد من مجلسه مغضبا و حلف ألاّ يشهد عنده أبدا. فأنكر أهل المدينة على ابن عمران ردّه شهادته، و قالوا:

عرّضت حقوقنا للتّوى‏[1]و أموالنا للتلف؛ لأنا كنّا نشهد هذا الرجل لعلمنا بما كنت عليه و القضاة قبلك من الثقة به و تقديمه و تعديله. فندم ابن عمران بعد ذلك على ردّ شهادته، و وجّه إليه يسأله حضور[2]مجلسه و الشهادة عنده ليقضي بشهادته؛ فامتنع، و ذكر أنه لا يقدر على/حضور مجلسه ليمين لزمته إن حضره حنث. قال: فكان ابن عمران بعد ذلك، إذا ادّعى أحد عنده شهادة أبي سعيد، صار إليه إلى منزله أو مكانه من المسجد حتّى يسمع منه و يسأله عما يشهد به فيخبره. و كان محمد بن عمران كثير اللّحم، عظيم البطن. كبير العجيزة، صغير القدمين، دقيق الساقين، يشتدّ عليه المشي، فكان كثيرا ما يقول: لقد أتعبني هذا الصوت «لقد طفت سبعا» و أضرّ بي ضررا طويلا شديدا. و أنا رجل ثقال، بتردّدي إلى أبي سعيد لأسمع شهادته.

ردّ المطلب بن حنطب شهادته فقال له شعرا فقلها:

أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا النّضر بن عمرو عن الهيثم بن عديّ قال:

كان المطّلب بن عبد اللّه بن حنطب قاضيا على مكة، فشهد عنده أبو سعيد مولى فائد بشهادة؛ فقال له المطّلب: [ويحك!][3]أ لست الذي يقول:

لقد طفت سبعا قلت لمّا قضيتها # ألا ليت هذا لا عليّ و لا ليا

لا قبلت لك شهادة أبدا. فقال له أبو سعيد: أنا و اللّه الذي أقول:

كأنّ وجوه الحنطبيّين‏[4]في الدّجى # قناديل تسقيها السّليط[5]الهياكل‏

فقال الحنطبيّ: إنّك ما علمتك إلاّ دبّابا حول البيت في الظّلم، مدمنا للطّواف به في الليل و النهار؛ و قبل شهادته.

نسبة الصوت المذكور قبل هذا، الذي في حديث إبراهيم بن المهديّ و خبره‏

صوت‏

أفاض المدامع قتلي كدى # و قتلي بكثوة لم ترمس‏

[1]كذا في ب، حـ، س. و التوى (وزان الحصى، و قد يمدّكما في «المصباح» ) : الهلاك. و في سائر الأصول: «الثوى» بالثاء المثلثة، و هو تصحيف.

[2]كذا في ء، ط. و في سائر النسخ: «يسأله حضور الشهادة في مجلسه ليقضي بشهادته إلخ» .

[3]زيادة عن م.

[4]الحنطبيون: بطن من مخزوم، ينسبون إلى حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم القرشي الصحابي.

[5]السليط: الزيت و كل دهن عصر من حب.

487

و قتلي بوجّ‏[1]و باللاّبتيـ # ن من‏[2]يثرب خير ما أنفس

و بالزّابيين نفوس‏[3]ثوت # و أخرى بنهر أبي فطرس‏[4]

أولئك قومي أناخت بهم # نوائب من زمن متعس

إذا ركبوا زيّنوا الموكبين # و إن جلسوا الزّين في المجلس

/هم أضرعوني لريب الزّمان # و هم ألصقوا الرّغم‏[5]بالمعطس‏

عروضه من المتقارب. الشعر للعبليّ، و اسمه عبد اللّه بن عمر[6]، و يكنّى أبا عديّ، و له أخبار تذكر مفردة في موضعها إن شاء اللّه. و الغناء لأبي سعيد مولى فائد، و لحنه من الثقيل الثاني بالسبّابة في مجرى البنصر. و قصيدة العبليّ أوّلها:

/

تقول أمامة لمّا رأت # نشوزي عن المضجع الأنفس‏

أنشد عبد اللّه بن عمر العبلي عبد اللّه بن حسن شعره في رثاء قومه فبكى:

نسخت من كتاب الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار، و أخبرني الأخفش عن المبرّد عن المغيرة بن محمد المهلّبيّ عن الزّبير عن سليمان بن عيّاش‏[7]السّعديّ قال:

جاء عبد اللّه بن عمر العبليّ إلى سويقة[8]و هو طريد بني العبّاس؛ و ذلك بعقب‏[9]أيّام بني أميّة و ابتداء خروج ملكهم إلى بني العبّاس، فقصد عبد اللّه و حسنا ابني الحسن بن حسن بسويقة؛ فاستنشده عبد اللّه بن حسن شيئا من شعره فأنشده؛ فقال له: أريد أن تنشدني شيئا مما رثيت به قومك‏[10]؛ فأنشده قوله:

تقول أمامة لمّا رأت # نشوزي عن المضجع الأنفس

و قلّة نومي على مضجعي # لدى هجعة الأعين النّعّس‏

[1]وج: اسم واد بالطائف.

[2]اللابتان: تثنية لابة و هي الحرّة، و هما حرتان تكتنفان المدينة. و في الحديث: أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم حرّم ما بين لابتيها، يعني المدينة.

و الحرّة: أرض ذات حجارة نخرة سود كأنها أحرقت بالنار.

[3]الزابيان: تثنية زاب، و ربما قيل فيه: «زابي» (بياء في آخره) فيثني على «زابيين» . و هو اسم لروافد كثيرة. و لعل الشاعر يريد الزاب الأعلى الذي بين الموصل و إربل. و فيه كانت وقعة بين مروان الحمار بن محمد و بني العباس؛ أو الزاب الأسفل و بينه و بين الزاب الأعلى مسيرة يومين أو ثلاثة، و عليه كان مقتل عبيد اللّه بن زياد و هو من بني أمية. (انظر «معجم ياقوت» ) .

[4]كذا في حـ، م. و نهر أبي فطرس: نهر قرب الرملة من أرض فلسطين على اثني عشر ميلا من الرملة، و مخرجه من أعين في الحبل المتصل بنابلس، و يصب في البحر الملح بين يدي مدينتي أرسوف و يافا؛ و به كانت الوقعة التي بين عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن العباس و بين بني أمية، فقتلهم في سنة 132 هـ. و في سائر الأصول: «نهر أبي بطرس» بالباء الموحدة، و هو تحريف.

[5]الرغم (مثلث الراء) : التراب. و المعطس (كمجلس و مقعد) : الأنف.

[6]في‏ء، ط، م: «عمرو» . و هو تحريف.

[7]كذا في س، م. و في سائر الأصول: «عباس» .

[8]سويقة: موضع قرب المدينة يسكنه آل عليّ بن أبي طالب.

[9]كذا في ء، ط. و في سائر النسخ: «بعقب آخر أيام بني أمية إلخ» .

[10]في‏ء، ط، م: «بني أمية» .

488

أبي ما عراك؟فقلت الهموم # عرون‏[1]أباك فلا تبلسي‏[2]

عرون أباك فحبّسنه # من الذّلّ في شرّ ما محبس

لفقد الأحبّة إذ نالها # سهام من الحدث المبئس‏[3]

رمتها المنون بلا نكّل # و لا طائشات و لا نكّس

بأسهمها المتلفات النفوس # متى ما تصب مهجة تخلس

فصرّعنهم في نواحي البلاد # ملقّى بأرض و لم يرسس‏[4] /

تقيّ‏[5]أصيب و أثوابه # من العيب و العار لم تدنس

و آخر قد دسّ في حفرة # و آخر قد طار لم يحسس

إذا عنّ ذكرهم لم ينم # أبوك و أوحش في المجلس

فذاك الذي غالني‏[6]فاعلمي # و لا تسألي بامرئ متعس

أذلّوا قناتي لمن رامها # و قد ألصقوا الرّغم بالمعطس‏

قال: فرأيت عبد اللّه بن حسن و إنّ دموعه لتجري على خدّه.

غنى الرشيد و كان مغضبا فسكن غضبه:

و قد أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز[7]عن المدائنيّ عن إبراهيم بن رباح قال:

عمّر أبو سعيد بن أبي سنّة مولى بني أميّة و هو مولى فائد مولى عمرو بن عثمان إلى أيّام الرشيد؛ فلمّا حجّ أحضره فقال: أنشدني قصيدتك:

تقول أمامة لمّا رأت‏

فاندفع فغنّاه قبل أن ينشده الشعر لحنه في أبيات منها، أوّلها:

أفاض المدامع قتلى كدى‏

و كان الرشيد مغضبا فسكن غضبه و طرب، فقال: أنشدني القصيدة. فقال: يا أمير المؤمنين، كان القوم مواليّ [1]في ء، ط، م: «عرين» و عراه يعريه و يعروه (من بابي ضرب و نصر) : غشيه.

[2]لا تبلسي: لا تحزني.

[3]في حـ: «الحدث الموئس» .

[4]في م: «ترمس» و صوابه: «يرمس» بالياء. و الرمس و الرس: الدفن. و في الحادي عشر (ص 298 من هذه الطبعة) :

فصرعاهم في نواحي البلا # د تلقى بأرض و لم ترمس‏

[5]في م: «نقيّ» .

[6]في حـ: «عالني» .

[7]انظر الحاشية رقم 2 ص 277 من الجزء الثالث من هذا الكتاب.

489

و أنعموا عليّ، فرثيتهم‏[1]و لم أهج أحدا؛ فتركه.

كان ابن الأعرابي ينشد شعر العبلي فصحّفه فردّه أبو هفان:

أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا الحزنبل قال:

كنّا عند ابن/الأعرابيّ و حضر معنا أبو هفان‏[2]، فأنشدنا ابن الأعرابيّ عمن أنشده قال: قال ابن أبي سبة العبليّ‏[3]:

أفاض المدامع قتلى كذا # و قتلى بكبوة لم ترمس‏

فغمز أبو هفّان رجلا و قال له: قل له: ما معنى «كذا» ؟قال: يريد كثرتهم. فلمّا قمنا قال لي أبو هفّان:

أسمعت إلى هذا المعجب الرّقيع!صحّف اسم الرجل، هو ابن أبي سنّة، فقال: ابن أبي سبّة؛ و صحّف في بيت واحد موضعين، فقال: «قتلى كذا» و هو كدى، و «قتلى بكبوة» و هو بكثوة. و أغلظ عليّ من هذا أنه يفسّر تصحيفه بوجه وقاح. و هذا الشعر الذي غنّاه أبو سعيد يقوله أبو عديّ عبد اللّه بن عمر العبليّ فيمن قتله عبد اللّه بن عليّ بنهر أبي فطرس أبو العبّاس السفّاح أمير المؤمنين بعدهم من بني أميّة. و خبرهم و الوقائع التي كانت بينهم مشهورة يطول ذكرها جدّا. و نذكر هاهنا ما يستحسن منها.

[1]يلاحظ هنا أن أبا الفرج قد نسب قصيدة:

تقول أمامة لما رأت‏

لأبي سعيد بن أبي سنة، مع أنه في الخبر الذي تقدّمه نسبها لعبد اللّه بن عمر العبليّ، و سينسبها إليه بعد أسطر، كما نسبها إليه أيضا في ترجمته الخاصة به في (ج 11 ص 293-309 من هذه الطبعة) .

[2]أبو هفان: كنية عبد اللّه بن أحمد الهزمي، كما في «معجم ياقوت» في كلامه على «كثوة» .

[3]كذا في جميع الأصول. و يلاحظ أن «العبليّ» ليس نسبة لأبي سنة، و إنما هو نسبة لأبي عديّ عبد اللّه بن عمر صاحب هذا الشعر، كما سيذكره المؤلف في هذا الخبر بعد قليل.

490

51-[ذكر[1]من قتل أبو العبّاس السفّاح من بني اميّة]

مقتل مروان بن محمد و ظفر عبد الصمد بن علي برأسه:

أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني مسبّح بن حاتم العكليّ‏[2]قال حدّثني الجهم بن السّبّاق عن صالح بن ميمون مولى عبد الصمد بن عليّ، قال:

لمّا استمرّت الهزيمة بمروان، أقام عبد اللّه بن عليّ بالرّقّة، و أنفذ أخاه عبد الصمد في طلبه فصار إلى دمشق، و أتبعه جيشا عليهم أبو إسماعيل عامر الطويل من قوّاد خراسان، فلحقه و قد جاز مصر في قرية تدعى بوصير[3]، فقتله، و ذلك يوم الأحد ثلاث بقين من ذي الحجّة، و وجّه برأسه إلى عبد اللّه بن عليّ، فأنفذه عبد اللّه بن عليّ إلى أبي العباس. فلمّا وضع بين يديه خرّ للّه ساجدا، ثم رفع رأسه و قال: الحمد للّه الذي أظهرني عليك و أظفرن بك و لم يبق ثاري قبلك و قبل رهطك أعداء الدّين؛ ثم تمثّل قول ذي الإصبع العدوانيّ:

لو[4]يشربون دمي لم يرو شاربهم # و لا دماؤهم للغيظ ترويني‏

أتى عبد اللّه بن علي ابن مسلمة بن عبد الملك فأبى و قاتل حتى قتل:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني محمد بن يزيد قال:

نظر عبد اللّه بن عليّ إلى فتى عليه أبّهة الشّرف و هو يقاتل مستنتلا[5]، فناداه: يا فتى، لك الأمان و لو كنت مروان بن محمد. فقال: إلاّ أكنه فلست بدونه. قال: فلك الأمان من كنت. فأطرق ثم قال:

/

أذلّ الحياة و كره الممات # و كلاّ أرى لك شرّا وبيلا

-و يروى:

و كلاّ أراه طعاما وبيلا

[1]زيادة عن ب، س.

[2]في م: «مسبح بن حاتم العتكي» .

[3]هي بوصير قوريدس من أعمال الفيوم التي قتل بها مروان المذكور، كما في «تقويم البلدان» لأبي الفدا إسماعيل (ص 107 طبع أوروبا و «معجم البلدان» لياقوت في كلامه على «بوصير» . و في كتاب «ولاة مصر و قضائها» للكندي (ص 96 طبع بيروت) أنه «قتل ببوصير من كورة الأشمونين يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة سنة اثنتين و ثلاثين و مائة» . و كورة الأشمونين من كور الصعيد الأدنى غربي النيل كما في «معجم ياقوت» . و في «النجوم الزاهرة» (ج 1 ص 317 طبع دار الكتب المصرية) أنه قتل ببوصير بالجيزة.

[4]ورد هذا البيت في «الأمالي» (ج 1 ص 256 طبع دار الكتب المصرية) . في قصيدة ذي الإصبع العدوانيّ هكذا:

لو تشربون دمي لم يرو شاربكم # و لا دماؤكم جمعا تروّيني‏

[5]كذا في س. و المستنتل: الخارج من الصف المتقدم على أصحابه. و في سائر الأصول: «مستقتلا» .

491

فإن لم يكن غير إحداهما # فسيرا إلى الموت سيرا جميلا

ثم قاتل حتى قتل. قال: فإذا هو ابن مسلمة[1]بن عبد الملك بن مروان.

اجتمع عند السفاح جماعة من بني أمية فأنشده سديف شعرا يغريه بهم فقتلهم و كتب إلى عماله بقتلهم:

أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن سعد الكرانيّ قال حدّثني النّضر بن عمرو عن المعيطيّ، و أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال قال أبو السائب سلّم بن جنادة السّوائيّ‏[2]سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول:

دخل سديف-و هو مولى لآل أبي لهب-على أبي العبّاس بالحيرة. هكذا قال وكيع. و قال الكرانيّ في خبره و اللفظ له: كان أبو العبّاس جالسا في مجلسه على سريره و بنو هاشم دونه/على الكراسيّ، و بنو أميّة على الوسائد قد ثنيت لهم، و كانوا في أيّام دولتهم يجلسون هم و الخلفاء منهم على السرير، و يجلس بنو هاشم على الكراسيّ؛ فدخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين، بالباب رجل حجازيّ أسود راكب على نجيب متلثّم يستأذن و لا يحبر باسمه، و يحلف ألاّ يحسر اللّثام عن وجهه حتّى يراك. قال: هذا مولاي سديف، يدخل، فدخل. فلمّا نظر إلى أبي العبّاس و بنو أميّة حوله، حدر اللّثام عن وجهه و أنشأ يقول‏[3]:

/

أصبح الملك ثابت الآساس # بالبهاليل‏[4]من بني العبّاس

بالصدور المقدّمين قديما # و الرّءوس القماقم الرّؤاس‏[5]

يا أمير المطهرين من الذّمّ و يا رأس منتهى كلّ راس

أنت مهديّ هاشم و هداها # كم أناس رجوك بعد إياس‏[6]

لا تقيلنّ بعد شمس عثارا # و اقطعن كلّ رقلة[7]و غراس‏

أنزلوها بحيث أنزلها اللّه بدار الهوان و الإتعاس [1]في «النجوم الزاهرة» (ج 1 ص 258 طبع دار الكتب المصرية) بعد ذكر هذين البيتين: «فإذا هو ابن عبد الملك، و قيل: ابن لمسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم» .

[2]السوائيّ (بالضم و التخفيف و الهمز) : نسبة إلى سواءة بن عامر بن صعصعة.

[3]اتفق «الكامل» للمبرد (ص 707 طبع أوروبا) «و العقد الفريد» (ج 2 ص 356 طبع مصر) على أن قائل هذا الشعر هو شبل بن عبد اللّه مولى بني هاشم. و يؤكد هذا الشعر نفسه؛ إذ يقول فيه، على رواية، :

نعم شبل الهراش مولاك شبل # لو نجا من حبائل الإفلاس‏

و اتفقا أيضا على أن شعر سديف هو:

لا يغرّنك ما ترى من أناس # إن تحت الضلوع داء دويا

فضع السيف و ارفع السوط حتى # لا ترى فوق ظهرها أمويا

و اختلفا فيمن أنشد بين يديه هذا الشعر؛ ففي «العقد الفريد» أنه أبو العباس السفاح، و في «الكامل» أنه عبد اللّه بن عليّ.

[4]البهاليل: جمع بهلول و هو العزيز الجامع لكل خير، أو هو الحيّ الكريم.

[5]الرؤاس: الولاة و الحكام.

[6]في ء، ط:

كم أناس رجوك بعد أناس‏

[7]الرقلة: النخلة الطويلة التي تفوت اليد.

492

خوفهم أظهر التّودّد منهم # و بهم منكم كحزّ المواسي

أقصهم أيّها الخليفة و احسم # عنك بالسّيف شأفة الأرجاس

و اذكرن‏[1]مصرع الحسين و زيد[2] # و قتيل‏[3]بجانب المهراس‏[4]

و الإمام‏[5]الذي بحرّان أمسى # رهن قبر في غربة و تناسي

فلقد ساءني و ساء سوائي # قربهم من نمارق و كراسي

نعم كلب‏[6]الهراش مولاك لو لا # أود[7]من حبائل الإفلاس‏

/فتغيّر لون أبي العبّاس و أخذه زمع‏[8]و رعدة؛ فالتفت بعض ولد سليمان بن عبد الملك إلى رجل منهم، و كان إلى جنبه، فقال: قتلنا و اللّه العبد. ثم أقبل أبو العبّاس عليهم فقال: يا بني الفواعل، أرى قتلاكم من أهلي قد سلفوا و أنتم أحياء تتلذّذون في الدنيا!خذوهم!فأخذتهم الخراسانيّة بالكافر[9]كوبات، فأهمدوا، إلاّ ما كان من عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فإنّه استجار بداود بن عليّ و قال له: إنّ أبي لم يكن كآبائهم و قد علمت صنيعته إليكم؛ فأجاره و استوهبه من السفّاح، و قال له: قد علمت يا أمير المؤمنين صنيع أبيه إلينا. فوهبه له و قال له: لا تريني وجهه، و ليكن بحيث تأمنه؛ و كتب إلى عمّاله في النواحي بقتل بني أميّة.

سبب قتل السفاح لبني أمية و تشفيه فيهم:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني أحمد بن سعيد الدّمشقيّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار عن عمّه:

أنّ سبب قتل بني أمية: أنّ السفاح أنشد قصيدة مدح بها، فأقبل على بعضهم فقال: أين هذا مما مدحتم به! فقال: هيهات!لا يقول و اللّه أحد فيكم مثل قول ابن قيس الرّقيّات فينا:

ما نقموا من بني أميّة إلاّ أنّهم يحلمون إن غضبوا

و أنّهم معدن الملوك و لا # تصلح إلاّ عليهم العرب‏

فقال له: يا ماصّ كذا من أمّه!أ و إنّ الخلافة لفي نفسك بعد!خذوهم!فأخذوا فقتلوا.

[1]في «الكامل» : «و اذكروا» .

[2]هو زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قتل في أيام هشام بن عبد الملك.

[3]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «و قتيلا» . و يعني به حمزة بن عبد المطلب، قتله يوم أحد وحشيّ غلام جبير بن مطعم.

[4]المهراس فيما ذكر المبرد: ماء بأحد؛ روي أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم عطش يوم أحد فجاءه عليّ في درقة بماء من المهراس، فعافه و غسل به الدم عن وجهه. قال المبرد في «الكامل» : و إنما نسب شبل قتل حمزة إلى بني أمية لأن أبا سفيان بن حرب كان قائد الناس يوم أحد.

[5]الإمام الذي بحرّان: هو إبراهيم الإمام رأس الدعوة العباسية، و قد قتله مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية صبرا.

[6]في «الكامل» «و العقد الفريد» :

نعم شبل الهراش مولاك شبل # لو نجا من حبائل الإفلاس‏

[7]الأود هنا: الكد و التعب و الجهد.

[8]الزمع: شبه الرعدة تأخذ الإنسان.

[9]في حـ: «بالكفر كربات» . و لعله اسم أعجميّ لآلات يضرب بها كالعمد و غيرها.

493

بسط السفاح على قتلاهم بساطا تغدى عليه و هم يضطربون تحته:

أخبرني عمّي عن الكرانيّ عن النّضر بن عمرو عن المعيطيّ:

/أنّ أبا العباس دعا بالغداء/حين قتلوا، و أمر ببساط فبسط عليهم، و جلس فوقه يأكل و هم يضطربون تحته.

فلمّا فرغ من الأكل قال: ما أعلمني أكلت أكلة قطّ أهنأ و لا أطيب لنفسي منها. فلمّا فرغ قال: جرّوا بأرجلهم؛ فألقوا في الطريق يلعنهم الناس أمواتا كما لعنوهم أحياء. قال: فرأيت الكلاب تجرّ بأرجلهم و عليهم سراويلات الوشى حتى أنتنوا؛ ثم حفرت لهم بئر فألقوا فيها.

أنشد ابن هرمة داود بن علي شعرا فأوغر صدره على بعض أمويين في مجلسه:

أخبرني عمر بن عبد اللّه بن جميل العتكيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن معن الغفاريّ عن أبيه قال:

لمّا أقبل داود بن عليّ من مكة أقبل معه بنو حسن جميعا و حسين بن عليّ بن حسين و عليّ بن عمر[1]بن عليّ بن حسين و جعفر بن محمد و الأرقط محمد بن عبد اللّه و حسين بن زيد و محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان و عبد اللّه بن عنبسة بن سعيد بن العاصي و عروة و سعيد ابنا خالد بن سعيد بن عمرو بن عثمان، فعمل لداود مجلس بالرّويثة[2]؛ فجلس عليه هو و الهاشميّون، و جلس الأمويّون تحتهم؛ فأنشده إبراهيم بن هرمة قصيدة يقول فيها.

فلا عفا اللّه عن مروان مظلمة # و لا أميّة بئس المجلس النّادي‏[3]

كانوا كعاد فأمسى اللّه أهلكهم # بمثل ما أهلك الغاوين من عاد

فلن يكذّبني من هاشم أحد # فيما أقول و لو أكثرت تعدادي‏

/قال: فنبذ داود نحو ابن عنبسة ضحكة كالكشرة. فلمّا قام قال عبد اللّه‏[ابن حسن‏][4]لأخيه حسن: أ ما رأيت ضحكته إلى ابن عنبسة!الحمد للّه الذي صرفها عن أخي‏[5] (يعني العثمانيّ) ، قال: فما هو إلاّ أن قدم‏[6] المدينة حتّى قتل ابن عنبسة.

استحلف عبد اللّه بن حسن داود بن علي ألا يقتل أخويه محمدا و القاسم:

قال محمد بن معن حدّثني محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان قال:

استحلف أخي عبد اللّه بن حسن داود بن عليّ، و قد حجّ معه سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، بطلاق امرأته مليكة بنت داود بن حسن ألاّ يقتل أخويه محمدا و القاسم ابني عبد اللّه. قال: فكنت أختلف إليه آمنا و هو يقتل بني أميّة، [1]كذا في ط، م، و هو الموافق لما في الطبري (قسم 3 ص 191 طبع أوروبا) . و في ء: «على بن عمرو بن علي بن حسين» . و في سائر الأصول: «علي بن محمد بن علي بن حسين» ، و هما تحريف.

[2]الرويثة: موضع على ليلة من المدينة.

[3]في ب، س، م: «البادي» بالباء الموحدة.

[4]زيادة عن حـ.

[5]هو أخوه لامّه، كما ذكر ذلك في كتب التاريخ.

[6]في ب، س: «فما هو إلا أنه ما قدم المدينة إلخ» . ـ

494

و كان يكره أن يراني أهل خراسان و لا يستطيع إليّ سبيلا ليمينه. فاستدناني يوما فدنوت منه، فقال: ما أكثر الغفلة و أقلّ الحزمة!فأخبرت بها عبد اللّه بن حسن؛ فقال: يا ابن أمّ، تغيّب عن الرجل؛ فتغيّبت عنه حتّى مات.

أنشد سديف السفاح شعرا و عنده رجال من بني أمية فأمر بقتلهم:

أخبرني الحسن بن عليّ و محمد بن يحيى قالا حدّثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدّثني إسماعيل بن إبراهيم عن الهيثم بن بشر مولى محمد بن عليّ قال:

أنشد سديف أبا العبّاس، و عنده رجال من بني أميّة، قوله:

يا بن عمّ النبيّ أنت ضياء # استبنّا بك اليقين الجليّا

فلمّا بلغ قوله:

جرّد السّيف و ارفع العفو حتّى # لا ترى فوق ظهرها أمويا

لا يغرّنك ما ترى من رجال # إنّ تحت الضّلوع داء دويا

بطن البغض في القديم فأضحى # ثاويا في قلوبهم مطويا

/و هي طويلة، قال‏[1]: يا سديف، خلق الإنسان من عجل، ثم قال:

أحيا الضغائن آباء لنا سلفوا # فلن تبيد و للآباء أبناء

/ثم أمر بمن عنده منهم فقتلوا.

حضر سليمان بن علي جماعة من بني أمية فأمر بقتلهم:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد بن سليمان النّوفليّ عن أبيه عن عمومته:

أنّهم حضروا سليمان بن عليّ بالبصرة، و قد حضره جماعة من بني أميّة عليهم الثّياب الموشيّة المرتفعة، فكأنّي أنظر إلى أحدهم و قد اسودّ شيب في عارضيه من الغالية[2]، فأمر بهم فقتلوا و جرّوا بأرجلهم، فألقوا على الطريق، و إنّ عليهم لسراويلات الوشي و الكلاب تجرّ بأرجلهم.

وفد عمرو بن معاوية على سليمان بن علي يسأله الأمان فأجابه «إليه» :

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن عمرو[3]قال أخبرني طارق بن المبارك عن أبيه قال:

جاءني رسول عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة، فقال لي: يقول لك عمرو: قد جاءت هذه الدولة و أنا حديث السنّ كثير العيال منتشر المال، فما أكون في قبيلة إلاّ شهر أمري و عرفت، و قد اعتزمت على أن أفدي حرمي بنفسي؛ و أنا صائر إلى باب الأمير سليمان بن عليّ، فصر إليّ. فوافيته فإذا عليه طيلسان مطبق أبيض و سراويل وشي [1]في الأصول: «فقال» .

[2]الغالية: ضرب من الطيب.

[3]في حـ، م: «محمد بن عبد اللّه بن عمر» .

495

مسدول، فقلت: يا سبحان اللّه!ما تصنع الحداثة بأهلها!أ بهذا اللباس تلقى هؤلاء القوم لما تريد لقاءهم فيه!فقال:

لا و اللّه، و لكنّه ليس عندي ثوب إلاّ أشهر مما[1]ترى. فأعطيته طيلساني و أخذت طيلسانه و لويت سراويله إلى /ركبتيه؛ فدخل ثم خرج مسرورا. فقلت له: حدّثني ما جرى بينك و بين الأمير. قال: دخلت عليه و لم نتراء قطّ، فقلت: أصلح اللّه الأمير!لفظتني البلاد إليك، و دلّني فضلك عليك؛ فإمّا قتلتني غانما، و إمّا رددتني سالما. فقال:

و من أنت؟ما أعرفك؛ فانتسبت له. فقال: مرحبا بك، أقعد فتكلّم آمنا غانما؛ ثم أقبل عليّ فقال: ما حاجتك يا ابن أخي؟فقلت: إنّ الحرم اللواتي أنت أقرب الناس إليهنّ معنا و أولى الناس بهنّ بعدنا، قد خفن لخوفنا، و من خاف خيف عليه. فو اللّه ما أجابني إلاّ بدموعه على خدّيه؛ ثم قال: يا ابن أخي، يحقن اللّه دمك، و يحفظك في حرمك، و يوفّر عليك مالك. و و اللّه لو أمكنني ذلك في جميع قومك لفعلت، فكن متواريا كظاهر، و آمنا كخائف، و لتأتني رقاعك. قال: فكنت و اللّه أكتب إليه كما يكتب الرجل إلى أبيه و عمّه. قال: فلمّا فرغ من الحديث رددت عليه طيلسانه؛ فقال: مهلا[2]، فإنّ ثيابنا إذا فارقتنا لن ترجع إلينا.

شعر لسديف في تحريض السفاح على بني أمية:

أخبرني‏[أحمد بن عبد اللّه قال حدّثنا][3]أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال:

قال سديف لأبي العبّاس يحضّه على بني أميّة و يذكر من قتل مروان و بنو أميّة من قومه:

كيف بالعفو عنهم و قديما # قتلوكم و هتّكوا الحرمات

أين زيد و أين يحيى بن زيد # يا لها من مصيبة و ترات

و الإمام الذي أصيب بحرّا # نّ إمام الهدى و رأس الثّقات

قتلوا[4]آل أحمد لا عفا الذّنـ # ب لمروان غافر السّيّئات‏

شعر لرجل من شيعة بني العباس في التحريض على بني أمية:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال:

أنشدني محمد بن يزيد لرجل من شيعة بني العبّاس يحرّضهم على بني أميّة:

إيّاكم أن تلينوا[5]لاعتذارهم # فليس ذلك إلاّ الخوف و الطّمع

/لو أنّهم أمنوا أبدوا عداوتهم # لكنّهم قمعوا بالذلّ فانقمعوا

أ ليس في ألف شهر قد مضت لهم # سقوكم جرعا من بعدها جرع‏

[1]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «إلا أشهر من هذه» .

[2]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «مه» .

[3]زيادة عن س، م.

[4]في حـ:

قتلوا آل أحمد لا عفا اللّ # ه لمروان سافر السيئات‏

[5]في حـ. «تنيبوا» . و في م:

إياكم أن بليتوا الاعتذار لكم‏

496

حتّى إذا ما انقضت أيّام مدّتهم # متّوا إليكم بالأرحام التي قطعوا

هيهات لا بدّ أن يسقوا بكأسهم # ريّا و أن يحصدوا الزّرع الذي زرعوا

إنّا و إخواننا الأنصار شيعتكم # إذا تفرّقت الأهواء و الشّيع

إيّاكم أن يقول الناس إنّهم # قد ملّكوا ثم ما ضرّوا و لا نفعوا

رواية أخرى في تحريض سديف للسفاح:

و ذكر ابن المعتزّ: أنّ جعفر بن إبراهيم حدّثه عن إسحاق بن منصور عن أبي الخصيب في قصّة سديف بمثل ما ذكره الكرانيّ عن النضر بن عمرو عن المعيطيّ، إلاّ أنّه قال فيها:

فلمّا أنشده ذلك التفت إليه أبو الغمر سليمان بن هشام فقال: يا ماصّ بظر أمّه!أ تجبهنا بهذا و نحن سروات الناس!فغضب أبو العبّاس؛ و كان سليمان بن هشام صديقه قديما و حديثا يقضي حوائجه في أيّامهم و يبرّه؛ فلم يلتفت إلى ذلك، و صاح بالخراسانيّة: خذوهم؛ فقتلوا جميعا إلاّ سليمان بن هشام، فأقبل عليه السفّاح فقال: يا أبا الغمر، ما أرى لك في الحياة بعد هؤلاء خيرا. قال: لا و اللّه. فقال: اقتلوه، و كان إلى جنبه، فقتل؛ و صلبوا في بستانه، حتى تأذّى جلساؤه بروائحهم، فكلّموه في ذلك، فقال: و اللّه لهذا ألذّ عندي من شمّ المسك و العنبر، غيظا عليهم و حنقا.

نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء

صوت‏

أصبح الدّين‏[1]ثابت الآساس # بالبهاليل من بني العبّاس

بالصّدور المقدّمين قديما # و الرّءوس القماقم الرّؤاس‏

عروضه من الخفيف، الشعر لسديف. و الغناء لعطرّد رمل بالبنصر عن حبش. قال: و فيه لحكم الواديّ ثاني ثقيل. و فيه ثقيل أوّل مجهول.

و مما قاله أبو سعيد مولى فائد في قتلى بني أميّة و غنّى فيه:

صوت‏

بكيت و ما ذا يردّ البكاء # و قلّ البكاء لقتلى كداء[2]

أصيبوا معا فتولّوا معا # كذلك كانوا معا في رخاء

بكت لهم الأرض من بعدهم # و ناحت عليهم نجوم السماء

و كانوا الضياء فلمّا انقضى الزّمان بقومي تولّى الضياء [1]في م: «أصبح الملك» ، و هي الرواية التي وردت فيما مرّ.

[2]وردت القافية في هذا الشعر، في «معجم ياقوت» في الكلام على كذا، بالقصر.

497

عروضه من المتقارب. الشعر و الغناء لأبي سعيد مولى فائد، و لحنه من الثقيل الأوّل بالبنصر من رواية عمرو بن بانة و إسحاق و غيرهما.

و مما قاله فيهم و غنّى فيه على أنّه قد نسب إلى غيره:

صوت‏

أثّر الدهر في رجالي فقلّوا # بعد جمع فراح عظمي مهيضا /

ما تذكّرتهم فتملك عيني # فيض غرب و حقّ لي أن تفيضا

/الشعر و الغناء لأبي سعيد خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المكيّ و الهشاميّ. و روى الشّيعيّ عن عمر بن شبّة عن إسحاق أنّ الشعر لسديف و الغناء للغريض. و لعلّه و هم.

و منها:

صوت‏

أولئك قومي بعد عزّ و منعة # تفانوا فإلاّ تذرف العين أكمد

كأنّهم لا ناس للموت غيرهم # و إن كان فيهم منصفا غير معتدي‏

الشعر و الغناء لأبي سعيد. و فيه لحن لمتيّم.

ركب المأمون إلى جبل الثلج فغناه علوية بشعر ندب فيه بني أمية فسبه ثم كلم فيه فرضي:

أخبرني عبد اللّه بن الرّبيع قال حدّثنا أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال حدّثني عمّي طيّاب بن إبراهيم قال:

ركب المأمون بدمشق يتصيّد حتّى بلغ جبل الثّلج، فوقف في بعض الطريق على بركة عظيمة في جوانبها أربع سروات‏[1]لم ير أحسن منها و لا أعظم، فنزل المأمون و جعل ينظر إلى آثار بني أميّة و يعجب منها و يذكرهم، ثم دعا بطبق عليه بزماورد[2]و رطل نبيذ؛ فقام علّويه فغنّى:

أولئك قومي بعد عزّ و منعة # تفانوا فإلاّ تذرف العين أكمد

/قال: فغضب المأمون و أمر برفع الطبق، و قال: يا ابن الزانية!أ لم يكن لك وقت تبكي فيه على قومك إلاّ هذا الوقت!قال: نعم أبكي عليهم!مولاكم زرياب‏[3]يركب معهم في مائة غلام، و أنا مولاهم معكم أموت جوعا! [1]السرو: شجر حسن الهيئة قويم الساق، واحده سروة.

[2]البزماورد: طعام يسمى لقمة القاضي، و فخذ الست، و لقمة الخليفة، و هو مصنوع من اللحم المقلي بالزبد و البيض. و في «شفاء الغليل» : «زماورد» و العامة تقول: «بزماورد» : كلمة فارسية استعملتها العرب للرقاق الملفوف باللحم.

[3]زرياب: هو علي بن نافع المغني مولى المهدي و معلم إبراهيم الموصلي، صار إلى الشأم ثم صار إلى المغرب إلى بني أمية، فقدم الأندلس على عبد الرحمن الأوسط سنة 136 هـ فركب بنفسه لتلقيه، كما حكاه ابن خلدون. و زرياب لقب غلب عليه ببلده، لسواد لونه مع فصاحة لسانه، شبه بطائر أسود غرّاد. و كان شاعرا مطبوعا و أستاذا في الموسيقى. (انظر «شرح القاموس» مادة زرب، «و تاريخ بغداد» لابن طيفور ج 6 ص 284 طبع أوروبا) .

498

فقام المأمون فركب و انصرف الناس، و غضب على علّويه عشرين يوما؛ فكلّمه فيه عبّاس أخو بحر؛ فرضي عنه، و وصله بعشرين ألف درهم.

صوت من المائة المختارة

مهاة لو أنّ الذّرّ تمشي ضعافه # على متنها بضّت مدارجه دما[1]

فقلن لها قومي فديناك فاركبي # فأومت بلالا غير أن تتكلّما[2]

عروضه من الطويل. بضّت: سالت. يقول: لو مشى الذرّ على جلدها لجرى منه الدّم من رقّته. و روى الأصمعيّ:

منعّمة لو يصبح الذّرّ ساريا # على متنها بضّت مدارجه دما

الشعر لحميد بن ثور الهلاليّ. و الغناء في اللحن المختار لفليح بن أبي العوراء، و لحنه من الثقيل الأوّل بالوسطى. و ذكر عمرو بن بانة أنّ لحن فليح من خفيف الثقيل الأوّل بالوسطى، و أنّ الثقيل الأوّل للهذليّ.

/و مما يغنّى فيه من هذه القصيدة:

صوت‏

إذا شئت غنّتني بأجزاع‏[3]بيشة # أو النّخل من تثليث‏[4]أو من يلملما[5]

[1]رواية «عيون الأخبار» (ج 4 ص 143 طبع دار الكتب المصرية) :

على جلدها نضّت مدارجه دما

و نضّت بالنون أيضا: سالت.

[2]رواية «عيون الأخبار» :

فأومت بلالا غير ما أن تكلما

[3]كذا في حـ، م. و في سائر الأصول: «بأجراع» بالراء المهملة. و قد تقدّم تفسيرهما في الحاشية رقم 2 ص 278 من هذا الجزء.

و بيشة: اسم قرية غنّاء في واد كثير الأهل من بلاد اليمن.

[4]تثليث (بكسر اللام و ياء ساكنة و ثاء أخرى مثلثة) : موضع بالحجاز قرب مكة.

[5]كذا بالأصول. و يلملم و يقال فيه: ألملم و يرمرم: ميقات أهل اليمن، و هو جبل على مرحلتين من مكة، و فيه مسجد معاذ بن جبل.

و ورد هذا البيت في «معجم البلدان» لياقوت (ج 1 ص 487) هكذا:

إن شئت غنتني بأجزاع بيشة # و بالرّزن من تثليث أو من بمببما

و قال: بمببم بفتحتين بوزن غشمشم: موضع أو جبل. و لم تجتمع الباء و الميم في كلمة اجتماعهما في هذه الكلمة. و رواه بعضهم يبمبم. و في «معجم ما استعجم» (ص 850) :

«إذا شئت... # .. يبنبما»

و يبنبم (بفتح أوّله و ثانيه بعده نون و باء أخرى) : واد شجير قبل تثليث.

و قد ورد هذا البيت في «الكامل» للمبرد (ص 503 طبع أوروبا) كما هنا، و أشير في هامشه إلى عدّة روايات في هذا الاسم تقرب في الرسم من هذه الروايات التي ذكرناها.

499

مطوّقة طوقا و ليس بحلية # و لا ضرب صوّاغ بكفّيه درهما

تبكّي‏[1]على فرح لها ثمّ تغتدي # مولّهة تبغي لها الدّهر مطعما

تؤمّل منه مؤنسا لانفرادها # و تبكي عليه إن زقا أو ترنّما

/و غنّاه محمد الرّفّ‏[2]خفيف رمل بالوسطى.

[1]رواية «الكامل» للمبرد:

مطوّقة خطباء تسجع كلما # دنا الصيف و انجال الربيع فأنجما

محلاّة طوق لم يكن من تميمة # و لا ضرب صوّاغ بكفيه درهما

و أنجم: أقلع مثل انجال.

[2]في حـ: «محمد الزف» بالزاي المعجمة. (انظر ما كتبناه عليه في الحاشية رقم 2 ص 306 من الجزء الأوّل من هذه الطبعة) .

500

52-ذكر حميد بن ثور و نسبه و أخباره‏

نسبه و طبقته في الشعراء:

هو حميد بن ثور بن عبد اللّه بن عامر بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار. و هو من شعراء الإسلام. و قرنه ابن سلاّم بنهشل بن حرّيّ و أوس‏[1]بن مغراء.

هو مخضرم أدرك عمر بن الخطاب:

و قد أدرك حميد بن ثور عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه، و قال الشعر في أيّامه. و قد أدرك الجاهليّة أيضا.

نهى عمر الشعراء عن التشبيب فقال شعرا:

أخبرنا وكيع قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد و عبد اللّه بن شبيب قالا حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحزاميّ قال حدّثني محمد بن فضالة النحويّ قال:

تقدّم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى الشعراء ألاّ يشبّب أحد بامرأة إلاّ جلده. فقال حميد[2]بن ثور:

أبى اللّه إلاّ أنّ سرحة[3]مالك # على كلّ أفنان العضاه‏[4]تروق‏[5]

فقد ذهبت عرضا و ما فوق طولها # من السّرح إلاّ عشّة و سحوق‏

-العشّة: القليلة الأغصان و الورق. و السّحوق: الطويلة المفرطة-.

/

فلا الظّلّ‏[6]من برد الضّحى تستطيعه‏[7] # و لا الفي‏ء من برد العشيّ تذوق‏

[1]عدّه ابن سلام في الطبقة الثالثة من الشعراء الإسلاميين. أما حميد بن ثور و نهشل بن حريّ فقد عدّهما في الطبقة الرابعة من الشعراء الإسلاميين. (راجع «طبقات الشعراء» لمحمد بن سلام الجمحي ص 129، 130 طبع أوروبا) .

[2]في م: «فقال حميد بن ثور و كانت له صحبة فذكر شعرا فيه» .

[3]السرحة: الشجرة الطويلة، و يكنى الشعراء بها عن المرأة.

[4]العضاهة بالكسر: أعظم الشجر أو كل ذات شوك أو ما عظم منها و طال، كالعضه كعنب و العضهة كعنبسة، و الجمع: عضاه و عضون و عضوات.

[5]أي تزيد عليها بحسنها و بهائها؛ من قولهم: راق فلان على فلان إذا زاد عليه فضلا.

[6]الظل: ما كان أوّل النهار إلى الزوال. و الفي‏ء: ما كان بعد الزوال إلى الليل. فالظل غربيّ تنسخه الشمس، و الفي‏ء شرقيّ ينسخ الشمس. و البرد: من معانيه الظل و الفي‏ء. يقال: البردان و الأبردان للظل و الفي‏ء، و أيضا للغداة و العشيّ. و ظاهر الكلام يقتضي أن يكون المراد من «البرد» في الموضعين هنا: الظل و الفي‏ء، على أن تكون «من» بيانية.

[7]في «معجم البلدان» لياقوت في الكلام على سرحة: «تستظله» .

501

فهل أنا إن علّلت نفسي بسرحة # من السّرح موجود[1]عليّ طريق‏

و هي قصيدة طويلة أوّلها:

نأت أمّ عمر فالفؤاد مشوق # يحنّ إليها والها و يتوق‏

صوت‏

و فيها مما يغنّى فيه:

سقى السّرحة المحلال‏[2]و الأبرق‏[3]الذي # به السّرح غيث دائم و بروق

و هل أنا إن علّلت نفسي بسرحة # من السّرح موجود عليّ طريق‏

غنّاه إسحاق، و لحنه ثاني ثقيل‏[بالوسطى‏][4].

وفد على بعض خلفاء بني أمية بشعر فوصله:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير عن عمّه قال:

وفد حميد بن ثور على بعض خلفاء بني أميّة؛ فقال له: ما جاء بك؟فقال:

أتاك بي اللّه الذي فوق من ترى # و خير و معروف عليك دليل

/و مطويّة الأقراب‏[5]أمّا نهارها # فنصّ‏[6]و أمّا ليلها فذميل

و يطوي عليّ اللّيل حضنيه إنّني # لذاك إذا هاب الرجال فعول‏

فوصله و صرفه شاكرا.

[1]في «الاقتضاب» للبطليوسي (ص 459) : «مأخوذ عليّ» . و في «كنايات الجوجاني» (ص 7) : «مسدود عليّ» . و كل مستقيم المعنى.

[2]المحلال: التي يكثر الناس الحلول بها. قال ابن سيده: و عندي أنها تحل الناس كثيرا؛ لأن مفعالا إنما هي في معنى فاعل لا في معنى مفعول.

[3]الأبرق: أرض غليظة واسعة مختلطة بحجارة و رمل. و المراد به هنا موضع بعينه.

[4]زيادة عن س، م.

[5]الأقراب: جمع قرب (بالضم و بضمتين) و هو الخاصرة، و قيل: القرب من لدن الشاكلة إلى مراقّ البطن. و في «التهذيب» : فرس لاحق الأقراب، يجمعونه و إنما له قربان لسعته؛ كما يقال: شاة ضخمة الخواصر، و إنما لها خاصرتان. (انظر «اللسان» مادة قرب) .

[6]كذا في أكثر الأصول. و النص: أقصى السير. و الذميل: السير اللين. و في ء، ط: «فسبت» . و السبت: ضرب من سير للإبل.

502

53-أخبار فليح بن أبي العوراء

هو مولى بني مخزوم و أحد مغني الدولة العباسية:

فليح رجل من أهل مكة، مولى لبني مخزوم، و لم يقع إلينا اسم أبيه. و هو أحد مغنّي الدولة العبّاسيّة، له محلّ كبير من صناعته، و موضع جليل. و كان إسحاق إذا عدّ من سمع من المحسنين ذكره فيهم و بدأ به. و هو أحد الثلاثة الذين اختاروا المائة الصوت للرشيد.

مدح إسحاق الموصلي غناءه:

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني ابن المكّيّ عن أبيه عن إسحاق قال:

ما سمعت أحسن غناء من فليح بن أبي العوراء و ابن جامع: فقلت له: فأبو إسحاق؟ (يعني أباه) ؛ فقال: كان هذان لا يحسنان/غير الغناء، و كان أبو إسحاق فيه مثلهما، و يزيد عليهما فنونا من الأدب و الرواية لا يداخلانه فيها.

كان يحكي الأوائل فيصيب و يحسن:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا يزيد بن محمد[1]المهلّبيّ قال:

قال لي إسحاق: أحسن من سمعت غناء عطرّد و فليح.

و كان‏[2]فليح أحد الموصوفين بحسن الغناء المسموع في أيّامه، و هو أحد من كان يحكي الأوائل فيصيب و يحسن.

أمره الرشيد بتعليم ابن صدقة صوتا له:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثني محمد بن محمد العنبسيّ قال حدّثني محمد بن الوليد الزّبيريّ قال:

/سمعت كثير بن المحوّل يقول: كان مغنّيان بالمدينة يقال لأحدهما فليح بن أبي العوراء، و الآخر سليمان بن [1]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «محمد بن يزيد المهلبي» و هو خطأ.

[2]في س، م، حـ، زيادة قبل هذا الخبر هي: «و قال حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: كان فليح أحد الموصوفين... إلخ» .

503

سليم؛ فخرج إليهما رسول الرشيد يقول لفليح غناؤك من حلق أبي صدقة[1]أحسن منه من حلقك، فعلّمه إيّاه- قال: و كان يغنّي صوتا يجيده، و هو:

خير ما نشربها[2]بالبكر

-قال: فقال فليح للرسول: قال له: حسبك. قال: فسمعنا ضحكه من وراء السّتارة.

كانت ترفع الستارة بينه و بين المهدي دون سائر المغنين:

أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ قال حدّثنا الفضل بن الربيع:

أنّ المهديّ كان يسمع المغنّين جميعا، و يحضرون مجلسه، فيغنّونه من وراء السّتارة لا يرون له وجها إلاّ فليح بن أبي العوراء؛ فإنّ عبد اللّه بن مصعب الزّبيريّ كان يروّيه شعره و يغنّي فيه في مدائحه للمهديّ؛ فدسّ في أضعافها بيتين يسأله فيهما أن ينادمه، و سأل فليحا أن يغنّيهما في أضعاف أغانيه، و هما:

صوت‏[3]

يا أمين الإله في الشّرق و الغر # ب على الخلق و ابن عمّ الرّسول

مجلسا بالعشيّ عندك في الميـ # دان أبغي و الإذن لي في الوصول‏

/فغنّاه فليح إيّاهما. فقال المهديّ: يا فضل، أجب عبد اللّه إلى ما سأل، و أحضره مجلسي إذا حضره أهلي و مواليّ و جلست لهم، و زده على ذلك أن ترفع بيني و بين راويته فليح السّتارة؛ فكان فليح أوّل مغنّ عاين وجهه في مجلسهم.

دعاه محمد بن سليمان بن علي أوّل دخوله بغداد و وصله:

أخبرني رضوان قال حدّثني يوسف بن إبراهيم قال حدّثني بعد قدومي فسطاط مصر زياد بن أبي الخطّاب كاتب مسرور خادم الرشيد، قال: سمعت محبوب بن الهفتيّ يحدّث أبي، قال:

دعاني محمد بن سليمان بن عليّ، فقال لي: قد قدم فليح من الحجاز و نزل عند مسجد ابن رغبان‏[4]، فصر إليه، فأعلمه أنّه إن جاءني قبل أن يدخل إلى الرشيد، خلعت عليه خلعة سريّة من ثيابي و وهبت له خمسة آلاف درهم. فمضيت إليه فخبّرته بذلك؛ فأجابني إليه إجابة مسرور به نشيط له. و خرج معي، فعدل إلى حمّام كان بقربه، فدعا القيّم فأعطاه درهمين و سأله أن يجيئه بشي‏ء يأكله و نبيذ يشربه؛ فجاءه برأس كأنه رأس عجل و نبيذ [1]هو أبو صدقة مسكين بن صدقة أحد مغني عصر الرشيد. ذكر له أبو الفرج ترجمة في (ج 21 طبع أوروبا) .

[2]في ء، ط، م: «ما تشربها» .

[3]هذه الكلمة ساقطة في ء، ط، م. و مما يرجح سقوطها أن أبا الفرج لم يذكر طريقة الغناء في هذا الشعر.

[4]في حـ: «ابن زغبان» بالزاي قبل الغين. و في سائر الأصول: «ابن عتاب» و كلاهما محرّف عن «ابن رغبان» . و يقع مسجد ابن رغبان هذا في غربي بغداد و كان مزبلة. قال بعض الدهاقين: مر بي رجل و أنا واقف عند المزبلة التي صارت مسجد ابن رغبان قبل أن تبنى بغداد، فوقف عليها و قال: ليأتين على الناس زمان من طرح في هذا الموضع شيئا فأحسن أحواله أن يحمل ذلك في ثوبه؛ فضحكت تعجبا. فما مرت إلا أيام حتى رأيت مصداق ما قال. (انظر «معجم البلدان» لياقوت ج 4 ص 524 طبع أوروبا) .

504

دوشابيّ‏[1]غليظ مسحوريّ‏[2]ردي‏ء. فقلت/له: لا تفعل، و جهدت به ألاّ يأكل و لا يشرب إلاّ عند محمد بن سليمان؛ فلم يلتفت إليّ، و أكل ذلك الرأس و شرب من ذلك النبيذ الغليظ حتّى طابت نفسه، و غنّى و غنّى القيّم معه مليّا؛ ثم خاطب القيّم بما أغضبه، و تلاحيا و تواثبا؛ فأخذ القيّم شيئا فضربه به على رأسه فشجّه حتّى جرى دمه.

فلمّا رأى الدم/على وجهه اضطرب و جزع و قام يغسل جرحه، و دعا بصوفة محرقة و زيت، و عصبه و تعمّم و قام معي. فلمّا دخلنا دار محمد بن سليمان. و رأى الفرش و الآلة و حضر الطعام فرأى سروه‏[3]و طيبه، و حضر النبيذ و آلته، و مدّت الستائر و غنّى الجواري، أقبل عليّ و قال: يا مجنون!سألتك باللّه أيّما أحقّ بالعربدة و أولى: مجلس القيّم أم مجلس الأمير؟فقلت: و كأنه لا بدّ من عربدة!قال: لا!و اللّه ما لي منها بدّ، فأخرجتها من رأسي هناك.

فقلت: أمّا على هذا الشرط فالذي فعلت أجود. فسألني محمد عما كنّا فيه فأخبرته؛ فضحك ضحكا كثيرا، و قال:

هذا الحديث و اللّه أظرف و أطيب من كلّ غناء؛ و خلع عليه و أعطاه خمسة آلاف درهم.

اتفق مع حكم الوادي على إسقاط ابن جامع عند يحيى بن خالد:

قال هارون بن محمد و حدّثني حمّاد بن إسحاق قال حدّثني أبو إسحاق القرمطيّ قال حدّثنا مدركة بن يزيد قال:

قال لي فليح بن أبي العوراء: بعث يحيى بن خالد إليّ و إلى حكم الواديّ و إلى ابن جامع، فأتيناه. فقلت لحكم: إن قعد ابن جامع معنا فعاونّي عليه لنكسره. فلمّا صرنا إلى الغناء غنّى حكم؛ فصحت و قلت: هكذا و اللّه يكون الغناء!ثم غنيت، ففعل لي حكم مثل ذلك. و غنّى ابن جامع فما كنّا معه في شي‏ء. فلمّا كان/العشيّ أرسل إلى جاريته دنانير: إنّ أصحابك عندنا، فهل لك أن تخرجي إلينا؟فخرجت و خرج معها و صائف؛ فأقبل عليها يقول لها من حيث يظنّ أنّا لا نسمع: ليس في القوم أنزه نفسا من فليح. ثم أشار إلى غلام له: أن ائت كلّ إنسان بألفي درهم، فجاء بها؛ فدفع إلى ابن جامع ألفي درهم فأخذها فطرحها في كمّه، و فعل بحكم الواديّ مثل ذلك فطرحها في كمّه، و دفع إليّ ألفين. فقلت لدنانير: قد بلغ منّي النبيذ، فاحبسيها لي عندك حتى تبعثي بها إليّ؛ فأخذت الدراهم منّي و بعثت بها إليّ من الغد، و قد زادت عليها؛ و أرسلت إليّ: قد بعثت إليك بوديعتك و بشي‏ء أحببت أن تفرّقه على أخواتي (تعني جواريّ) .

طلبه الفضل بن الربيع فجي‏ء به مريضا فغنى و رجع ثم مات في علته:

قال هارون بن محمد و حدّثني حمّاد قال حدّثني أبي قال:

كنّا عند الفضل بن الربيع، فقال: هل لك في فليح بن أبي العوراء؟قلت نعم. فأرسل إليه، فجاء الرسول [1]الدوشابي: نسبة إلى الدوشاب و هو نبيذ التمر معرّب؛ قال ابن المعتز:

لا تخلط الدوشاب في قدح # بصفاء ماء طيب البرد

و قال ابن الرومي:

علّني أحمد من الدوشاب # شربة بغّضت قناع الشباب‏

[2]مسحوري: فاسد.

[3]كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «و رأى سروره به و طيبه» : و هو تحريف. و السرو: الشرف و السخاء. و لعل المراد بسرو الطعام جودته و كثرته. ـ

505

فقال: هو عليل؛ فعاد إليه فقال الرسول: لا بدّ من أن تجي‏ء؛ فجاء به محمولا في محفّة؛ فحدّثنا ساعة ثم غنّى.

فكان فيما غنّى:

تقول عرسي إذ نبا المضجع # ما بالك الليلة لا تهجع‏

فاستحسنّاه منه و استعدناه منه مرارا؛ ثم انصرف و مات في علّته تلك؛ و كان آخر العهد به ذلك المجلس.

روى قصة فتى عاشق غناه هو و عشيقته فبعثت إليه مهرها ليخطبها إلى أبيها:

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني محمد بن أحمد بن يحيى المكّيّ قال حدّثني أبي عن فليح بن أبي العوراء قال:

كان بالمدينة فتى يعشق ابنة عمّ له، فوعدته أن تزوره. و شكا إليّ أنّها تأتيه و لا شي‏ء عنده، فأعطيته دينارا للنفقة. فلمّا زارته قالت له: من يلهّينا؟قال: صديق لي، و وصفني لها، و دعاني فأتيته؛ فكان أوّل ما غنّيته:

/

من الخفرات لم تفضح أخاها # و لم ترفع لوالدها شنارا[1]

فقامت إلى ثوبها فلبسته لتنصرف؛ فعلق بها و جهد بها كلّ الجهد في أن تقيم، فلم تقم و انصرفت. فأقبل عليّ يلومني في أن غنّيتها ذلك الصوت. فقلت: و اللّه ما هو شي‏ء اعتمدت به مساءتك، و لكنه شي‏ء اتّفق. قال: فلم نبرح حتى عاد رسولها بعدها و معه صرّة فيها ألف/دينار و دفعها إلى الفتى و قال له: تقول لك ابنة عمّك: هذا مهري ادفعه إلى أبي، و اخطبني؛ ففعل فتزوّجها.

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

من الخفرات لم تفضح أخاها # و لم ترفع لوالدها شنارا

كأنّ مجامع الأرداف منها # نقا[2]درجت عليه الريح هارا

يعاف وصال ذات البذل قلبي # و أتّبع الممنّعة النّوارا[3]

و الشعر لسليك بن السّلكة السّعديّ. و الغناء لابن سريج رمل بالسبّابة في مجرى الوسطى. و فيه لابن الهربذ لحن من رواية بذل، أوّله:

يعاف وصال ذات البذل قلبي‏

و بعده:

غذاها قارص‏[4]يغدو عليها # و محض حين تنتظر العشارا

[1]الخفرة: الشديدة الحياء. و الشنار: العيب و العار.

[2]النقا (مقصور) : الكثيب من الرمل. و هار: سقط و تهدّم.

[3]النوار: المرأة النفور من الريبة و الجمع نور.

[4]القارص: لبن يحذي اللسان أو حامض يحلب عليه حليب كثير حتى تذهب الحموضة. و المحض: اللبن الخالص. و العشار: جمع-

506

ورد دمشق على إبراهيم بن المهدي فأخذ عنه جواريه غناء و انتشرت أغانيه بها:

أخبرني رضوان بن أحمد قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ قال:

كتب إليّ جعفر بن يحيى و أنا عامل للرشيد على جند دمشق: قد قدم علينا فليح بن أبي العوراء، فأفسد علينا بأهزاجه و خفيفه كلّ غناء سمعناه قبله. و أنا محتال لك في تخليصه إليك، لتستمتع به كما استمتعنا. فلم ألبث أن ورد عليّ فليح بكتاب الرشيد يأمر له بثلاثة آلاف دينار. فورد عليّ رجل أذكرني لقاؤه الناس، و أخبرني أنه قد ناهز المائة، فأقام عندي ثلاث سنين، فأخذ عنه جواريّ كلّ ما كان معه‏[من الغناء][1]، و انتشرت أغانيه بدمشق.

غنى موفق ألحان فليح بفسطاط مصر عند مقدم عنبسة بن إسحاق:

قال يوسف: ثم قدم علينا شابّ من المغنّين مع عليّ بن زيد بن الفرج الحرّانيّ، عند مقدم عنبسة بن إسحاق فسطاط مصر، يقال له مونق؛ فغنّاني من غناء فليح:

[صوت‏[2]]

يا قرّة العين اقبلي عذري # ضاق بهجرانكم صدري

لو هلك الهجر استراح الهوى # ما لقي الوصل من الهجر

-و لحنه خفيف رمل-فلم أر بين ما غنّاه و بين ما سمعته في دار أبي إسحاق فرقا؛ فسألته من أين أخذه؟ فقال: أخذته بدمشق؛ فعلمت أنّه مما أخذه أهل دمشق عن فليح.

صوت من المائة المختارة

أ فاطم إنّ النأي يسلي ذوي الهوى # و نأيك عنّي زاد قلبي بكم وجدا

أرى حرجا ما نلت من ودّ غيركم # و نافلة ما نلت من ودّكم رشدا

و ما نلتقي من بعد نأي و فرقة # و شحط نوى إلاّ وجدت له بردا

() عشراء و هي الناقة مضى لحملها عشرة أشهر قال الأزهري: و العرب يسمونها عشارا بعد ما تضع ما في بطونها، للزوم الاسم بعد الوضع، كما يسمونها لقاحا.

[1]زيادة عن ء، ط، م.

[2]زيادة عن ء، ط.

507

على كبد قد كاد يبدي بها الهوى # ندوبا و بعض القوم يحسبني جلدا

عروضه من الطويل. النأي: البعد، و مثله الشّحط. و الحرج: الضّيق؛ قال اللّه تعالى: (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً) . و النّدوب: آثار الجراح، واحدها ندب.

الشعر لإبراهيم بن هرمة. و الغناء في اللحن المختار، على ما ذكره إسحاق، ليونس الكاتب، و هو من الثقيل الأوّل/بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. و ذكر يحيى بن عليّ بن يحيى عن أبيه مثل ذلك. و ذكر حبش بن موسى أنّ الغناء لمرزوق الصرّاف أو ليحيى بن واصل. و في هذه الأبيات للهذليّ لحن من خفيف الثقيل الأوّل بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة، و من الناس من ينسب اللحنين جميعا إليه.

508

54-ذكر ابن هرمة و أخباره و نسبه‏

نسبه:

هو إبراهيم بن عليّ بن سلمة بن هرمة بن هذيل، هكذا ذكر يعقوب بن السّكّيت. و أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير بن بكّار عن عمّه مصعب، و ذكر ذلك العبّاس بن هشام الكلبيّ عن أبيه هشام بن محمد بن السائب، قالوا جميعا: هو إبراهيم بن عليّ بن سلمة بن عامر بن هرمة بن الهديل بن ربيع بن عامر بن صبيح بن كنانة بن عديّ بن قيس بن الحارث بن فهر-و فهر أصل قريش، فمن لم يكن من ولده لم يعدّ من قريش، و قد قيل ذلك في النّضر بن كنانة-و فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. قال من ذكرنا من النسّابين: قيس بن الحارث هو الخلج، و كانوا في عدوان ثم انتقلوا إلى بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن. فلما استخلف عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه أتوه ليفرض لهم، فأنكر نسبهم. فلما استخلف عثمان أتوه فأثبتهم في بني الحارث بن فهر و جعل لهم معهم ديوانا. و سمّوا الخلج لأنّهم اختلجوا ممن كانوا معه من عدوان و من بني نصر بن معاوية. و أهل المدينة يقولون: إنّما سمّوا الخلج لأنهم نزلوا بالمدينة على خلج (و واحدها خليج) فسمّوا بذلك.

و لهم بالمدينة عدد. قال مصعب: كان لإبراهيم بن هرمة عمّ يقال له هرمة الأعور، فأرادت الخلج نفيه منهم؛ فقال: أمسيت ألأم العرب دعيّ أدعياء. ثم قال يهجوهم:

رأيت بني فهر سباطا[1]أكفّهم # فمال بال-أنبوني-أكفّكم قفدا[2]

/و لم تدركوا ما أدرك القوم قبلكم # من المجد إلا دعوة[3]ألحقت كدّا

على ذي أيادي الدّهر أفلح جدّهم # و خبتم فلم يصرع لكم جدّكم جدّا

نفاه بنو الحارث بن فهر عنهم فعاتبهم فصار منهم لساعته:

و قال يحيى بن عليّ حدّثني أبو أيّوب المدينيّ عن المدائنيّ عن أبي سلمة الغفاريّ قال:

نفى بنو الحارث بن فهر ابن هرمة، فقال:

أ حار بن فهر كيف تطّرحونني # و جاء العدا من غيركم تبتغي نصري‏

[1]سباط: جمع سبط: وصف من السبوطة و هي الاعتدال و السهولة و الطول. و يكنى بسبوطة اليدين عن الكرم؛ يقال: رجل سبط اليدين إذا كان سخيا سمحا كريما، كما يقال: رجل جعد اليدين إذا كان بخيلا.

[2]كذا في ط، و هو الذي يقتضيه سياق الكلام. و في ب، س: «أكفهم» . و جملة أنبوني-و هو أمر من أنبأ خففت همزته فحذفت- معترضة بين المضاف و المضاف إليه. و القفد: ميل في الكف. يريد أنهم بخلاء.

[3]الدعوة (بالفتح و تكسر) : الاسم من ادعى بمعنى زعم.

509

قال: فصار من ولد فهر في ساعته.

كان يقول: أنا ألأم العرب:

قال يحيى بن عليّ و حدّثني أحمد بن يحيى الكاتب قال حدّثني العبّاس بن هشام الكلبيّ عن أبيه قال:

كان ابن هرمة يقول: أنا ألأم العرب، دعيّ أدعياء: هرمة دعيّ في الخلج، و الخلج أدعياء في قريش.

قصته مع أسلميّ ضافه:

حدّثني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر قال:

زرت عبد اللّه بن حسن بباديته و زاره ابن هرمة، فجاء رجل من أسلم؛ فقال ابن هرمة لعبد اللّه بن حسن:

أصلحك اللّه!سل الأسلميّ أن يأذن لي أن أخبرك خبري و خبره. فقال له عبد اللّه بن حسن: ائذن له، فأذن له الأسلميّ. فقال له إبراهيم بن هرمة: /إنّي خرجت-أصلحك اللّه-أبغي ذودا[1]لي، /فأوحشت‏[2]و ضفت هذا الأسلميّ، فذبح لي شاة و خبز لي خبزا و أكرمني، ثم غدوت من عنده، فأقمت ما شاء اللّه. ثم خرجت أيضا في بغاء ذود لي، فأوحشت فضفته فقراني بلبن و تمر، ثم غدوت من عنده فأقمت ما شاء اللّه. ثم خرجت في بغاء ذود لي، فأوحشت، فقلت: لو ضفت الأسلميّ!فاللّبن و التمر خير من الطّوى؛ فضفته فجاءني بلبن حامض. فقال: قد أجبته -أصلحك اللّه-إلى ما سأل، فسله أن يأذن لي أن أخبرك لم فعلت. فقال له: ائذن له؛ فأذن له. فقال الأسلميّ:

ضافني، فسألته من هو؟فقال: رجل من قريش، فذبحت له الشاة التي ذكر، و و اللّه لو كان غيرها عندي لذبحته له حين ذكر أنّه من قريش. ثم غدا من عندي و غدا عليّ الحيّ فقالوا: من كان ضيفك البارحة؟قلت: رجل من قريش؛ فقالوا: لا و اللّه ما هو من قريش، و لكنه دعيّ فيها. ثم ضافني الثانية على أنه دعيّ في قريش، فجئته بلبن و تمر و قلت: دعيّ قريش خير من غيره. ثم غدا من عندي و غدا عليّ الحيّ فقالوا: من كان ضيفك البارحة؟قلت الرجل الذي زعمتم أنّه دعيّ في قريش؛ فقالوا: لا و اللّه ما هو بدعيّ في قريش، و لكنّه دعيّ أدعياء قريش. ثم جاءني الثالثة، فقريته لبنا حامضا، و و اللّه لو كان عندي شرّ منه لقريته إيّاه. قال: فانخذل ابن هرمة، و ضحك عبد اللّه و ضحكنا معه.

لقيه ابن ميادة و طلب مهاجاته ثم تبين أنه يمزح:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزّبير قال حدّثني نوفل بن ميمون قال:

لقي ابن ميّادة ابن هرمة، فقال ابن ميادة: و اللّه لقد كنت أحبّ أن ألقاك، لا بدّ من أن نتهاجى، و قد فعل الناس ذلك قبلنا، فقال ابن هرمة: بئس و اللّه ما دعوت إليه و أحببته، و هو يظنّه جادّا. ثم قال له ابن هرمة: أما و اللّه إنّني للّذي أقول:

[1]الذود: القطيع من الإبل من الثلاث إلى التسع، و قيل: ما بين الثلاث إلى الثلاثين، و لا يكون إلا من الإناث دون الذكور. قال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» .

[2]يقال: أوحش الرجل إذا جاع و نفد زاده.

510

/

إنّي لميمون جوارا و إنّني # إذا زجر الطّير العدا لمشوم

و إنّي لملآن‏[1]العنان مناقل‏[2] # إذا ما ونى يوما ألفّ‏[3]سئوم

فودّ رجال أنّ أمّي تقنّعت # بشيب يغشّي الرأس و هي عقيم‏

فقال ابن ميّادة: و هل عندك جراء[4]؟ثكلتك أمّك!أنت ألأم من ذلك!ما قلت إلاّ مازحا.

أخبرنا[به‏][5]وكيع قال حدّثنا محمد بن إسماعيل قال قال عبد العزيز بن عمران:

اجتمع ابن هرمة و ابن ميّادة عند جميع بن عمر بن الوليد، فقال ابن ميّادة لابن هرمة: قد كنت أحبّ أن ألقاك.

ثم ذكر نحوه.

أنكر عليه أن تمضغ الناطف مع قدوم وزير فحمله و تلقى به الموكب:

و قال هارون بن محمد بن عبد الملك حدّثنا عليّ بن محمد بن سليمان النّوفليّ قال حدّثني أبو سلمة الغفاريّ عن أبيه قال:

وفدت على المهديّ في جماعة من أهل المدينة، و كان فيمن وفد يوسف بن موهب‏[6]و كان في رجال بني هاشم من بني نوفل، و كان معنا ابن هرمة؛ فجلسنا يوما على دكّان قد هيّئ لمسجد و لم يسقّف، في عسكر المهديّ؛ و قد كنّا نلقى الوزراء و كبراء/السلطان، و كانوا قد عرفونا؛ و إذا حيال الدّكّان رجل بين يديه ناطف‏[7] يبيعه في يوم شات شديد البرد، فأقبل إذ ضربه بفأسه فتطاير جفوفا؛ فأقبل ابن هرمة علينا، فقال ليوسف: يا ابن عمّ رسول اللّه-صلى اللّه عليه و سلّم-أ ما معك درهم نأكل به من هذا الناطف؟فقال له: متى عهدتني أحمل الدّراهم!قال: فقلت له:

لكنّي أنا معي، فأعطيته/درهما خفيفا[8]، فاشترى به ناطفا على طبق للنّاطفيّ فجاء بشي‏ء كثير، فأقبل يتمضّغه [1]يقال: ملأ فلان عنان جواده إذا أعداه و حمله على الحضر الشديد.

[2]كذا في ء. ط. و المناقل: السريع نقل القوائم. و في سائر الأصول: «مثاقل» بالثاء المثلثة و هو تصحيف.

[3]الألف: الثقيل البطي‏ء.

[4]كذا في أكثر النسخ. و في ء، ط: «جرّي» و الجراء (بالفتح و الكسر) و الجراية و الجري (بالفتح فيهما) : الفتوة.

[5]زيادة عن ط، ء.

[6]في «اللسان» و «القاموس» و «شرحه» مادّة وهب: «و موهب كمقعد اسم. قال سيبويه: جاءوا به على مفعل (بالفتح) لأنه اسم ليس على الفعل؛ إذ لو كان على الفعل لكان مفعلا (بكسر العين) . فقد يكون ذلك لمكان العلمية؛ لأن الأعلام مما تغير القياس» اهـ.

[7]الناطف: نوع من الحلواء. و قال الجوهري: هو القبّيط لأنه يتنطف قبل استضرابه أي يقطر قبل خثورته. و جعل النابغة الجعدي الحمر ناطفا فقال:

و بات فريق ينضحون كأنما # سقوا ناطفا من أذرعات مفلفلا

و كذلك جعلها ابن هرمة، كما سيأتي قريبا في ص 373.

[8]يريد بذلك الدراهم الصغار ذات الوزن الخفيف. قال المقريزي في كتابه «شذور العقود في ذكر النقود» (ص 16 طبع أوروبا) : «و كان الناس قبل عبد الملك يؤدّون زكاة أموالهم شطرين من الكبار و الصغار. فلما اجتمعوا مع عبد الملك على ما عزم عليه عمد إلى درهم واف، فوزنه فإذا هو ثمانية دوانيق، و إلى درهم من الصغار فإذا هو أربعة دوانيق، فجمعها و حمل زيادة الأكبر على نقص الأصغر و جعلهما درهمين متساويين زنة كل منهما ستة دوانيق سواء» اهـ. ثم قال: «صنع عبد الملك في الدراهم ثلاث فضائل:

الأولى أن كل سبعة مثاقيل زنة عشرة دراهم و الثانية أنه عدل بين كبارها و صغارها حتى اعتدلت و صار الدرهم ستة دوانيق. و الثالثة أنه موافق لما سنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في فريضة الزكاة بغير وكس و لا إشطاط؛ فمضت بذلك السنة و اجتمعت عليه الأمة...

إلخ» .