الأغاني - ج4

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
522 /
511

وحده و يحدّثنا و يضحك. فما راعنا إلاّ موكب أحد الوزيرين: أبي عبيد اللّه أو يعقوب بن داود. ثم أقبلت المطرّقة[1]؛ فقلنا: مالك قاتلك اللّه!يهجم علينا هذا و أصحابه، فيرون الناطف بين أيدينا فيظنّون أنّا كنّا نأكل معك.

قال: فو اللّه ما أحد أولى بالسّتر على أصحابه و تقلّد البليّة منك يا ابن عمّ رسول اللّه!فضعه بين يديك. قال:

اعزبّ‏[2]قبحك اللّه!قال: فأنت يا ابن أبي ذرّ، فزبرته‏[3]. /قال: فقال: قد علمت أنّه لا يبتلى بهذا إلاّ دعيّ أدعياء عاضّ كذا من أمّه. ثم أخذ الطبق في يده فحمله و تلقّى به الموكب، فما مرّ به أحد له نباهة إلاّ مازحه، حتى مضى القوم جميعا.

مدح عبد اللّه بن حسن فأكرمه:

و قال هارون حدّثني أبو حذافة السّهميّ قال حدّثنا إسحاق بن نسطاس قال:

كان ابن هرمة مشتهرا بالنبيذ، فأتى عبد اللّه بن حسن و هو بالسّيالة[4]، فأنشده مديحا له. فقام عبد اللّه إلى غنم كانت له، فرمى بساجة[5]عليها فافترقت فرقتين، فقال: اختر أيّهما شئت-قال: فإمّا أن تكون زادت بواحدة أو نقصت بواحدة على الأخرى. قال: و كانت ثلاثمائة-و كتب له إلى المدينة بدنانير. فقال له: يا ابن هرمة، انقل عيالك إلينا يكونوا مع عيالنا. فقال: أفعل يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.

دعاه صديق و هو يزمع السفر إلى النبيذ فشرب حتى حمل سكران:

ثم قدم ابن هرمة المدينة و جهّز عياله لينقلهم إلى عبد اللّه بن حسن، و اكترى من رجل من مزينة.

فبينا هو قد شدّ متاعه و حمله و الكريّ‏[6]ينتظره أن يتحمّل، إذ أتاه صديق له، فقال: أي أبا إسحاق، عندي و اللّه نبيذ يسقط لحم الوجه. فقال: ويحك!أ ما ترانا على مثل هذه الحال!أ عليها يمكن الشراب!فقال: إنما هي ثلاثة لا تزد عليهنّ شيئا. فمضى معه و هم وقوف ينظرون‏[7]؛ فلم يزل يشرب حتى مضى من الليل صدر صالح؛ ثم أتي به و هو سكران، فطرح في شقّ المحمل و عادلته‏[8]امرأته و مضوا.

«لامته امرأته على ذلك فأجابها بشعر» :

فلمّا أسحروا رفع رأسه فقال: أين أنا؟فأقبلت عليه امرأته تلومه و تعذله، و قالت: قد أفسد عليك هذا النبيذ دينك و دنياك، فلو تعلّلت عنه‏[9]بهذه الألبان!فرفع رأسه إليها و قال:

[1]لعله يريد بهم الذين يتقدّمون الموكب يفسحون له الطريق.

[2]أي اذهب و ابعد.

[3]زبره هنا: نهره و أغلظ له في القول.

[4]السيالة كسحابة: موضع بقرب المدينة على مرحلة.

[5]الساجة: ضرب من الملاحف منسوجة، أو هي واحدة الساج و هو خشب يجلب من الهند.

[6]الكريّ كغنى: المكاري.

[7]في ء، ط، م: «ينتظرون» ، و هما بمعنى واحد.

[8]عادلته أي كانت معه في الشق الآخر من المحمل.

[9]كذا في ء، ط. و في سائر النسخ: «عليه» ، و هو تحريف.

512

/

لا نبتغي‏[1]لبن البعير و عندنا # ماء الزّبيب و ناطف المعصار

هو أحد من ختم بهم الشعراء في رأي الأصمعيّ:

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا زكريّا بن يحيى بن خلاّد قال:

كان الأصمعيّ يقول: ختم الشعراء بابن هرمة، و الحكم الخضريّ‏[2]، و ابن ميّادة، و طفيل الكنانيّ، و مكين‏[3]العذريّ.

رهن رداءه في النبيذ:

قال هارون بن محمد بن عبد الملك حدّثني أبو حذافة السّهميّ أحمد بن إسماعيل قال:

كان ابن هرمة مدمنا للشراب مغرما به؛ فأتى أبا عمرو بن أبي راشد مولى عدوان؛ فأكرمه و سقاه أيّاما ثلاثة.

فدعا ابن هرمة بالنبيذ؛ فقال له غلام لأبي عمرو ابن أبي راشد: قد نفد نبيذنا. فنزع ابن هرمة رداءه عن ظهره فقال للغلام: اذهب به إلى ابن حونك‏[4] (نبّاذ كان بالمدينة) ، فارهنه عنده و ائتنا بنبيذ، ففعل. و جاء ابن‏[5]أبي راشد، فجعل يشرب معه من ذلك النبيذ. فقال له: أين رداؤك يا أبا إسحاق؟فقال: نصف في القدح و نصف في بطنك.

مدح محمد بن عمران الطلحيّ فاحتجب عنه فمدح محمد بن عبد العزيز فأجازه:

قال هارون حدّثني محمد بن عمر بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزّهريّ قال حدّثني عمّي عبد العزيز بن إسماعيل قال:

/مدح ابن هرمة محمد بن عمران الطّلحيّ، و بعث إليه بالمديح مع/ابن ربيح‏[6]، فاحتجب عنه؛ فمدح محمد بن عبد العزيز؛ و كان ابن هرمة مريضا، فقال قصيدته التي يقول فيها:

إنّي دعوتك إذ جفيت و شفّني # مرض تضاعفني‏[7]شديد المشتكى

و حبست عن طلب المعيشة و ارتقت # دوني الحوائج في وعور المرتقى

فأجب أخاك فقد أناف بصوته # يا ذا الإخاء و يا كريم المرتجى‏

[1]في ط، م، ء: «لا تبتغي» بالتاء الفوقية. و يكون الخطاب، على هذه الرواية لأنثى.

[2]في ب، س: «الحضرمي» و هو تصحيف.

[3]كذا في حـ، ء، ط «و الشعر و الشعراء» (ص 473 طبع أوروبا) . و في ب، س: «دكين» بالدال المهملة. و في م: «ذكين» بالذال المعجمة.

[4]في حـ: «ابن هويك» . و قد ضبط فيها بالقلم بضم الهاء و فتح الواو و سكون الياء. و في م: «ابن حوقل» بالقاف و اللام.

[5]كذا في أكثر النسخ. و في س، م: «و جاء إلى ابن حوقل بن أبي راشد» بزيادة «إلى ابن حوقل» سهوا من الناسخ.

[6]كذا في ط، ء، م، و سيذكر غير مرة في جميع الأصول كذلك. و في حـ: «ابن زنيج» بالزاي و النون و الجيم. و في ب، س: «ابن ربيع» ، و كلاهما تحريف. و ابن ربيح هذا هو راوية ابن هرمة.

[7]كذا في أكثر الأصول. و لم نجد هذه الصيغة في كتب اللغة تدل على المعنى المراد هنا و هو أضعفني و أسقمني. و في م، حـ:

«يضاعفنى» بالياء و ضاعفه: جعله ضعفين. فلعل المراد على هذه الرواية: مرض يضاعف شكواي.

513

و لقد حفيت‏[1]صبيت عكّة[2]بيتنا # ذوبا[3]و مزت بصفوه عنك القذى

فخذ الغنيمة و اغتنمني إنّني # غنم لمثلك و المكارم تشترى

لا ترمينّ بحاجتي و قضائها # ضرح‏[4]الحجاب كما رمى بي من رمى‏

فركب إلى جعفر بن سليمان نصف النّهار؛ فقال: ما نزعك‏[5]يا أبا عبد اللّه في هذا الوقت؟قال: حاجة لم أر فيها أحدا أكفى منّي. قال: و ما هي؟قال: قد مدحني ابن هرمة بهذه الأبيات، فأردت من أرزاقي مائة دينار. قال:

و من عندي مثلها/قال: و من الأمير أيضا!قال: فجاءت المائتا الدينار إلى ابن هرمة، فما أنفق منها إلاّ دينارا واحدا حتّى مات، و ورث الباقي أهله.

امتدح أبا جعفر فلما أجازه لم يرض و طلب أن يحتال له في إباحة الشراب:

و قال أحمد بن أبي خيثمة عن أبي الحسن المدائنيّ قال:

امتدح ابن هرمة أبا جعفر فوصله بعشرة آلاف درهم. فقال: لا تقع منّي هذه. قال: ويحك!إنّها كثيرة. قال:

إن أرادت أن تهنئني فأبح لي الشراب فإنّي مغرم به. فقال: ويحك!هذا حدّ من حدود اللّه. قال: احتل لي يا أمير المؤمنين. قال نعم. فكتب إلى والي المدينة: من أتاك بابن هرمة سكران فاضربه مائة و اضرب ابن هرمة ثمانين.

قال: فجعل الجلواز[6]إذا مرّ بابن هرمة سكران، قال: من يشتري الثمانين بالمائة!

امتدح الحسن بن زيد فأجازه و عرض بعبد اللّه بن حسن و أخويه لأنهم و عدوه و أخلفوه:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثني أبو زيد عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو سلمة الغفاريّ قال أخبرنا ابن ربيح راوية ابن هرمة قال:

أصابت ابن هرمة أزمة؛ فقال لي في يوم حارّ: اذهب فتكار حمارين إلى ستّة أميال، و لم يسمّ موضعا. فركب واحدا و ركبت واحدا، ثم سرنا حتى صرنا إلى قصور الحسن بن زيد ببطحاء ابن أزهر، فدخلنا مسجده. فلمّا مالت الشمس خرج علينا مشتملا على‏[7]قميصه، فقال لمولى له: أذّن فأذّن، و لم يكلّمنا كلمة. ثم قال له: أقم فأقام، فصلّى بنا، ثم أقبل على ابن هرمة فقال: مرحبا بك يا أبا إسحاق، حاجتك؟قال: نعم، بأبي أنت و أمي، أبيات قلتها-و قد كان عبد اللّه و حسن و إبراهيم بنو حسن بن حسن و عدوه شيئا فأخلفوه-فقال: هاتها. فقال:

[1]حفيت: أعطيت. و في م: «خفيت» بالخاء المعجمة و هو تصحيف و في ب، ط، ء، س: «جفيت» بالجيم و هو تصحيف أيضا. و في حـ: «خبيت» و لعلها مصحفة عن «حبيت» و هي «كحفيت» وزنا و معنى. و الذي ظهر لنا في معنى البيت أنه يريد: لقد منحت خير ما نملك و هو ما في عكتنا من عسل مصفى، يكنى بذلك عن مديحه الحسن.

[2]العكة: زقيق صغير للسمن و العسل. و في الحديث: أن رجلا كان يهدي للنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم العكة من السمن و العسل. قال ابن الأثير في «النهاية» : «و هي وعاء من جلود مستدير، يختص بهما و هو بالسمن أخص» .

[3]الذوب: العسل.

[4]كذا في ء، ط. و الضرح: أن يؤخذ شي‏ء فيرمي به في ناحية. و في ب، س: «ضوح» بالواو. و في م: «صرح» بالصاد و كلاهما تحريف.

[5]ما نزعك يريد: ما حركك من مكانك و ما جاء بك.

[6]الجلواز: الشرطيّ؛ سمى بذلك لسرعته و خفته في ذهابه و مجيئه بين يدي الأمير.

[7]كذا في جميع النسخ. و هذا الفعل إنما يتعدى بالباء. ـ

514

/

أما بنو هاشم حولي فقد قرعوا # نبل الضّباب‏[1]التي جمعت في قرن

فما بيثرب منهم من أعاتبه # إلاّ عوائد أرجوهنّ من حسن

اللّه أعطاك فضلا من عطيّته # على هن و هن فيما مضى و هن‏[2]

قال: حاجتك!قال: لابن أبي مضرّس عليّ خمسون و مائة دينار. قال: فقال لمولى له: يا هيثم، اركب هذه البغلة فأتني بابن أبي مضرّس و ذكر[3]حقّه. قال: فما صلّينا العصر حتّى جاء به. فقال له: مرحبا بك يا ابن أبي مضرّس، أ معك ذكر حقّك على ابن هرمة قال نعم. قال: فامحه، فمحاه. ثم قال: يا هيثم، بع ابن أبي مضرّس من تمر[4]الخانقين بمائة و خمسين دينارا و زده على‏[5]كلّ دينار ربع/دينار، و كل ابن هرمة بخمسين و مائة دينار تمرا، و كل ابن ربيح بثلاثين دينارا تمرا. قال: فانصرفنا من عنده؛ فلقيه محمد بن عبد اللّه بن حسن بالسّيالة، و قد بلغه الشعر، فغضب لأبيه و عمومته فقال: أي ماصّ بظر أمّه!أنت القائل:

على هن و هن فيما مضى و هن‏

فقال: لا و اللّه!و لكنّي الذي أقول لك:

لا و الّذي أنت منه نعمة سلفت # نرجو عواقبها في آخر الزّمن

لقد أتيت بأمر ما عمدت له # و لا تعمّده قولي و لا سنني /

فكيف أمشي مع الأقوام معتدلا # و قد رميت بري‏ء العود بالأبن‏[6]

ما غيّرت وجهه أمّ مهجّنة # إذا القتام تغشّى أوجه الهجن‏[7]

قال: و أمّ الحسن أمّ ولد.

لما عرض بعبد اللّه بن حسن و إخوته قطع عنه ما كان يجريه عليه فما زال به حتى رضي:

قال هارون: فحدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب بن عباية قال:

لمّا قال ابن هرمة هذا الشعر في حسن بن زيد، قال عبد اللّه بن حسن: و اللّه ما أراد الفاسق غيري و غير أخويّ: حسن و إبراهيم. و كان عبد اللّه يجري على ابن هرمة رزقا فقطعه عنه و غضب عليه. فأتاه يعتذر، فنحّي و طرد؛ فسأل رجالا أن يكلّموه، فردّهم؛ فيئس من رضاه و اجتنبه و خافه. فمكث ما شاء اللّه، ثم مرّ عشيّة و عبد اللّه [1]الضباب هنا: الأحقاد. يقال: في قلبه ضب أي غل داخل، كالضب الممعن في حجزه. و الظاهر أنه يريد أن يقول: إنهم سلوا أحقادهم و أظهروا عداوتهم و أنا قد كتمتها و أخفيتها.

[2]هن: كلمة يكنى بها عن اسم الإنسان. و قد كررها الشاعر ثلاثا لأنه أراد ثلاثة أشخاص معينين.

[3]ذكر الحق: الصك الذي يكتب فيه الدين.

[4]في ط، ء: «ثمر» بالثاء المثلثة. و الخانقان: موضع بالمدينة و هو مجمع مياه أوديتها الثلاثة: بطحان و العقيق و قناة.

[5]في ط، ء، م: «و زده في كل دينار» .

[6]الأبن: جمع أبنة و هي العقدة تكون في العود تفسده و يعاب بها. و قولهم: ليس في حسب فلان أبنة، أي عيب، مأخوذ من هذا.

[7]الهجين: من أبوه خير من أمه أو من أبوه عربيّ و أمه غير عربية، و جمعه: هجن و هجناء و هجنان و مهاجين و مهاجنة.

515

على زربيّة[1]في ممرّ المنبر، و لم تكن تبسط لأحد غيره في ذلك المكان. فلمّا رأى عبد اللّه تضاءل و تقنفذ و تصاغر و أسرع المشي. فكأنّ عبد اللّه رقّ له، فأمر به فردّ عليه، فقال: يا فاسق، يا شارب الخمر، على هن و هن!أتفضّل الحسن عليّ و على أخويّ!فقال: بأبي أنت و أمّي!و ربّ هذا القبر ما عنيت إلاّ فرعون و هامان و قارون، أ فتغضب لهم!فضحك و قال: و اللّه ما أحسبك إلاّ كاذبا. قال: و اللّه ما كذبتك. فأمر بأن تردّ عليه جرايته.

قصيدة له خالية من الحروف المعجمة:

أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال أخبرني أبو أيّوب المدينيّ عن مصعب قال:

إنّما اعتذر ابن هرمة بهذا إلى محمد بن عبد اللّه بن حسن.

قال يحيى: و أخبرني أبو أيّوب عن عليّ بن صالح قال:

/أنشدني عامر بن صالح قصيدة لابن هرمة نحوا من أربعين بيتا، ليس فيها حرف يعجم؛ و ذكر هذه الأبيات منها. و لم أجد هذه القصيدة في شعر ابن هرمة، و لا كنت أظنّ أن أحدا تقدّم رزينا العروضيّ إلى هذا الباب.

و أوّلها:

أرسم سودة أمسى دارس الطّلل # معطّلا ردّه الأحوال كالحلل‏

هكذا ذكر يحيى بن عليّ في خبره أنّ القصيدة نحو من أربعين بيتا؛ و وجدتها في رواية الأصمعيّ و يعقوب بن السّكّيت اثني عشر بيتا، فنسختها هاهنا للحاجة إلى ذلك. و ليس فيها حرف يعجم إلاّ ما اصطلح عليه الكتّاب من تصبيرهم مكان ألف ياء مثل «أعلى» فإنّها في اللفظ بالألف و هي تكتب بالياء، و مثل «رأى» و نحو هذا، و هو في التحقيق في اللفظ بالألف، و إنما اصطلح الكتّاب على كتابته بالياء كما ذكرناه. و القصيدة:

أرسم سودة محل دارس الطّلل # معطّل ردّه الأحوال كالحلل

لمّا رأى أهلها سدّوا مطالعها # رام الصّدود و عاد الودّ كالمهل‏[2]

و عاد ودّك داء لا دواء له # و لو دعاك طوال الدّهر للرّحل

/ما وصل سودة إلاّ وصل صارمة # أحلها[3]الدهر دارا مأكل الوعل‏[4]

و عاد أمواهها سدما[5]و طار لها # سهم دعا أهلها للصّرم و العلل‏

[1]الزربية (بفتح فسكون) : البساط و النمرقة، و قيل: هي كل ما بسط و اتكئ عليه، و الجمع زرابيّ.

[2]كذا في أكثر الأصول. و المهل: ما ذاب من صفر أو حديد؛ و به فسر قوله تعالى: (وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغََاثُوا بِمََاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي اَلْوُجُوهَ بِئْسَ اَلشَّرََابُ وَ سََاءَتْ مُرْتَفَقاً) . و حركت هاؤه للضرورة. و لعله يريد أنه لما حيل بينه و بينها عانى من ودّه لها ما يعانيه متجرّع هذا الشراب. و في حـ:

رام الصدود و عاد الودّ كالعمل‏

[3]في ء، ط، م:

أحلها الودّ دهرا معقل الوعل‏

و هذا لا يتفق و الإهمال المراد في هذه القصيدة.

[4]الوعل: تيس الجبل. يريد بذلك استعصاءها و منعتها.

[5]سدما: متغيرة من طول المكث.

516

صدّوا و صدّ و ساء المرء صدّهم # و حام للورد ردها حومة العلل‏

-حومة الماء، كثرته و غمرته‏[1]. و العلل: الشّرب الثاني. و الرّده: مستنقع الماء-:

/

و حلّئوه‏[2]رداها ماؤها عسل # ما ماء رده لعمر اللّه كالعسل

دعا الحمام حماما سدّ مسمعه # لمّا دعاه رآه‏[3]طامح الأمل

طموح سارحة[4]حوم ملمّعة # و ممرع السرّ سهل ماكد السّهل

و حاولوا ردّ أمر لا مردّ له # و الصّرم داء لأهل اللّوعة الوصل

أحلّك اللّه أعلى كلّ مكرمة # و اللّه أعطاك أعلى صالح العمل

سهل موارده سمح مواعده # مسود لكرام سادة حمل‏[5]

عاب المسوّر بن عبد الملك شعره فقال فيه شعرا:

قال يحيى بن عليّ و حدّثني أبو أيّوب المدينيّ عن أبي حذيفة قال:

كان المسوّر بن عبد الملك المخزوميّ يعيب شعر ابن هرمة، و كان المسوّر هذا عالما بالشعر و النّسب‏[6]؛ فقال ابن هرمة فيه:

إيّاك لا ألزمن لحييك من لجمي # نكلا[7]ينكّل قرّاصا[8]من اللّجم

يدقّ لحييك أو تنقاد متّبعا # مشي المقيّد ذي القردان‏[9]و الحلم

/إنّي إذا ما امرؤ خفّت نعامته‏[10] # إليّ و استحصدت منه قوى الوذم‏[11]

عقدت في ملتقى أوداج لبّته # طوق الحمامة لا يبلى على القدم‏

[1]هذا التفسير غير واضح. و لعله المرة من الحوم.

[2]حلأهم عن الماء: منعهم عنه.

[3]كذا في ء، ط و «مختار الأغاني» لابن منظور. و في سائر الأصول:

لما دعاه و دهر طامح الأمل‏

[4]السارحة: الماشية. و الحوم: القطيع الضخم. و الملمع: الذي في جسده بقع تخالف سائر لونه. و الممرع: المخصب. و السر هنا:

بطن الوادي و أكرم موضع فيه. و الماكد: الدائم الذي لا ينقطع.

[5]حمل: جمع حمول، و هو كثير الاحتمال لما ينوبه لحلمه و كرمه.

[6]كذا في ط، ء. و في باقي الأصول: «... و النسيب» .

[7]النكل: اللجام.

[8]كذا في ط، ء. و القرّاص (بالصاد المهملة) : وصف من القرص و هو معروف. و في سائر الأصول: «قراضا» بالضاد المعجمة.

و القرّاض: القطاع، و به يستقيم المعنى أيضا.

[9]القردان: جمع قرادة و هي دويبة تتعلق بالبعير و نحوه. و الحلم (بالتحريك واحده حلمة بالتحريك أيضا) قيل: هو الصغير من القراد و قيل: هو الضخم، و هو الأشهر. قال الأصمعي: القراد أوّل ما يكون صغيرا: قمقامة ثم يصير حمنانة ثم يصير قرادا ثم حلمة.

[10]النعامة هنا: القدم. و يكنى بخفة النعامة عن السرعة؛ يقال: خفّت نعامتهم، أو شالت نعامتهم، إذا أسرعوا.

[11]الوذم (بالتحريك) : سيور تقدّ مستطيلة. و استحصد قواها: إحكام فتلها. و قد يكنى بذلك عن الغضب؛ فيقال: استحصد حبل فلان إذا غضب.

517

إنّي امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله # كفّاي لكن لساني صائغ الكلم

إنّ الأديم الذي أمسيت تقرظه # جهلا لذو نغل باد و ذو حلم‏[1]

و لا يئطّ[2]بأيدي الخالقين و لا # أيدي الخوالق إلاّ جيّد الأدم‏

عاتب عبد اللّه بن مصعب في تفضيله ابن أذينة عليه:

قال يحيى و حدّثني أبو أيّوب عن مصعب بن عبد اللّه عن أبيه قال:

لقيني ابن هرمة فقال لي: يا ابن مصعب، أتفضّل عليّ ابن أذينة!أ ما شكرت قولي:

فما لك مختلاّ عليك خصاصة # كأنّك لم تنبت ببعض المنابت

كأنّك لم تصحب شعيب بن جعفر # و لا مصعبا ذا المكرمات ابن ثابت‏

-يعني مصعب بن عبد اللّه-قال: فقلت: يا أبا إسحاق، أقلني و روّني من شعرك ما شئت؛ فإنّي لم أرو لك شيئا. فروّاني عبّاسيّاته‏[3]تلك.

ثناؤه على إبراهيم بن عبد اللّه و إبراهيم بن طلحة لإكرامهما له و شعره في الأوّل:

قال يحيى: و أخبرني أبو أيّوب المدينيّ عن مصعب بن عبد اللّه عن مصعب بن عثمان قال:

/قال ابن هرمة: ما رأيت أحدا قطّ أسخى و لا أكرم من رجلين: إبراهيم بن عبد اللّه بن مطيع، و إبراهيم بن طلحة بن عمرو بن عبد اللّه بن معمر. أمّا إبراهيم بن طلحة فأتيته فقال: أحسنوا ضيافة أبي إسحاق، فأتيت بكلّ شي‏ء من الطعام، فأردت أن أنشده؛ فقال: ليس هذا وقت الشعر. ثم أخرج الغلام إليّ رقعة فقال: ائت بها الوكيل. فأتيته بها، فقال: إن شئت أخذت لك جميع ما كتب به، و إن شئت أعطيتك القيمة. قلت: و ما أمر لي به؟فقال: مائتا شاة برعائها و أربعة أجمال و غلام جمّال و مظلّة و ما تحتاج إليه، و قوتك و قوت عيالك سنة. قلت: فأعطني القيمة؛ فأعطاني مائتي دينار. و أمّا إبراهيم/بن عبد اللّه فأتيته في منزله بمشاش‏[4]على بئر ابن‏[5]الوليد بن عثمان بن عفّان؛ فدخل إلى منزله ثم خرج إليّ برزمة من ثياب و صرّة من دراهم و دنانير و حليّ، ثم قال: لا و اللّه ما بقّينا في منزلنا ثوبا إلاّ ثوبا نواري به امرأة، و لا حليا و لا دينارا و لا درهما. و قال يمدح إبراهيم:

أرّقتني تلومني أمّ بكر # بعد هدء و اللّوم قد يؤذيني

حذّرتني الزمان ثمّت قالت # ليس هذا الزمان بالمأمون‏

[1]الأديم: الجلد. و يقرظه: يدبغه بالقرظ لإصلاحه. و النغل (بالتحريك) : الفساد. و الحلم (بالتحريك) : فساد في الجلد، سببه أنه يقع فيه دود فيتثقب.

[2]يئط: يصوّت. و الخالقون: وصف من قولهم: خلق الجلد إذا قدّره قبل قطعه.

[3]لعله يريد قصائده التي مدح بها بني العباس.

[4]مشاش: (بضم أوله و شين معجمة أيضا في آخره) : موضع بين دار بني سليم و بين مكة، و بينه و بين مكة نصف مرحلة. (انظر «معجم ما استعجم» للبكري في اسم مشاش ج 2 ص 560 طبع أوروبا) .

[5]في ء، ط: «بئر الوليد» . و كان لعثمان بن عفان (رضي اللّه عنه) ابن يسمى الوليد، و لا ندري أ كانت هذه البئر له أم لابنه.

518

قلت لمّا هبّت تحذّرني الدّهـ # ر دعي اللّوم عنك و استبقيني

إنّ ذا الجود و المكارم إبرا # هيم يعنيه كلّ ما يعنيني

قد خبرناه في القديم فألفيـ # نا مواعيده كعين اليقين

قلت ما قلت للّذي هو حقّ # مستبين لا للّذي يعطيني /

نضحت أرضنا سماؤك بعد الـ # جدب منها و بعد سوء الظّنون

فرعينا آثار غيث هراقتـ # ه يدا محكم القوى ميمون‏

طلب من محمد بن عمران علفا بإغراء محمد الزهري فأعطاه كل ما ورده:

و قال هارون حدّثنا حمّاد عن عبد اللّه بن إبراهيم الحجبيّ:

أنّ إبلا لمحمد بن عمران تحمل علفا مرّت بمحمد بن عبد العزيز الزّهريّ و معه ابن هرمة، فقال: يا أبا إسحاق، أ لا تستعلف محمد بن عمران!و هو يريد أن يعرّضه لمنعه فيهجوه. فأرسل ابن هرمة في أثر الحمولة رسولا حتّى وقف على ابن عمران، فأبلغه رسالته؛ فردّ إليه الإبل بما عليها، و قال: إن احتجت إلى غيرها زدناك. فأقبل ابن هرمة على محمد بن عبد العزيز فقال له: اغسلها عنّي، فإنّه إن علم أنّي استعلفته و لا دابّة لي وقعت منه‏[1]في سوأة. قال: بما ذا؟قال: تعطيني حمارك. قال: هو لك بسرجه و لجامه. فقال ابن هرمة: من حفر حفرة سوء وقع فيها.

وفد على السري بن عبد اللّه باليمامة و مدحه فأكرمه و كان يحب أن يفد عليه:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا أبو يحيى هارون بن عبد اللّه الزّهريّ عن ابن زريق‏[2]، و كان منقطعا إلى أبي العبّاس‏[3]بن محمد و كان من أروى الناس، قال:

كنت مع السّريّ بن عبد اللّه باليمامة، و كان يتشوّق إلى إبراهيم بن عليّ بن هرمة و يحبّ أن يفد عليه؛ فأقول:

ما يمنعك أن تكتب إليه؟فيقول: أخاف أن يكلّفني من المئونة ما لا أطيق. فكنت أكتب بذلك إلى ابن هرمة، فكره‏[4]أن يقدم عليه إلاّ بكتاب منه؛ ثم غلب فشخص إليه، فنزل عليّ و معه راويته ابن ربيح. فقلت له: ما منعك‏[5]من القدوم على الأمير و هو من الحرص/على قدومك على ما كتبت به إليك؟قال: الذي منعه من الكتاب إليّ. فدخلت على السّريّ فأخبرته بقدومه؛ فسرّ بذلك و جلس للناس مجلسا عامّا، ثم أذن لابن هرمة فدخل عليه و معه راويته ابن ربيح. و كان ابن هرمة قصيرا دميما أريمص‏[6]، و كان ابن ربيح طويلا جسيما نقيّ الثياب. فسلّم [1]في ط، ء، م: «وقعت معه» .

[2]كذا في جميع الأصول فيما سيأتي (ص 386) . و في أكثر الأصول هنا: «عن أبي زريق» . و في م، س: «ابن أبي زريق» .

[3]أبو العباس بن محمد، هو عبد اللّه السفاح أوّل خلفاء بني العباس.

[4]في ط، ء: «فيكره» .

[5]كذا في ط، م. و في سائر الأصول: «ما يمنعك» .

[6]أريمص: تصغير أرمص، وصف من الرمص في العين و هو كالغمص، و قيل: الرمص: ما سال مما تلفظ به العين، و الغمص: ما جمد، و قيل العكس.

519

على السّريّ ثم قال له: أصلحك اللّه!إنّي قد قلت شعرا أثنيت فيه عليك. فقال: أنشد؛ فقال: هذا ينشد فجلس.

فأنشده ابن ربيح قصيدته التي أوّلها:

عوجا على ربع ليلى أمّ محمود # كيما نسائله من دون عبّود[1]

عن أمّ محمود إذ شطّ المزار بها # لعلّ ذلك يشفي داء معمود[2]

فعرّجا بعد تغوير[3]و قد وقفت # شمس النهار و لاذ الظّلّ بالعود

/شيئا فما رجعت أطلال منزلة # قفر جوابا لمحزون الجوى مودي‏[4]

ثم قال فيها يمدح السريّ:

ذاك السّريّ الذي لو لا تدفّقه # بالعرف‏[5]متنا حليف المجد و الجود

من يعتمدك ابن عبد اللّه مجتديا[6] # لسيب عرفك يعمد[7]خير معمود

/يا ابن الأساة الشّفاة المستغاث بهم # و المطعمين ذرى الكوم المقاحيد[8]

و السّابقين إلى الخيرات قومهم # سبق الجياد إلى غاياتها القود[9]

أنت ابن مسلنطح البطحاء منبتكم # بطحاء مكة لا روس القراديد[10]

لكم سقايتها[11]قدما و ندوتها # قد حازها والد منكم لمولود

لو لا رجاؤك لم تعسف بنا قلص # أجواز مهمهة قفر الصّوى بيد[12]

[1]عبود و صغر: جبلان ما بين المدينة و السيالة ينظر أحدهما إلى الآخر، و بينهما طريق المدينة.

[2]المعمود: من هدّه العشق.

[3]التغوير: النزول وقت القائلة. و في ء، ط: «تعويق» . و التعويق: الانصراف عن الشي‏ء و الانحباس عنه. و في «مختار الأغاني» لابن منظور: «تطويل» .

[4]المودي: الهالك.

[5]كذا في حـ. و في سائر النسخ:

بالعرف مات حليف المجد و العود

[6]في حـ: «مجتهدا» .

[7]معمود: مقصود.

[8]كذا في أكثر الأصول. و الذرى (بضم الذال) : جمع ذروة (بضم الأوّل و كسره) . و ذروة كل شي‏ء: أعلاه، و ذروة السنام و الرأس:

أشرفهما. و الكوم: الضخام الأسنمة، الواحد أكوم و كوماء. و المقاحيد: جمع مقحاد و هي الناقة العظيمة السنام. و في ء، ط، م:

«ذرى الكوم الفراقيد» و الفراقيد: جمع فرقد و هو ولد البقرة، و قيل: ولد البقرة الوحشية. و ظاهر أن الرواية الأولى هي الصحيحة.

[9]القود: جمع أقود، و هو من الخيل الطويل العنق.

[10]اسلنطح الوادي: اتسع. (انظر ص 317 من هذا الجزء) . و روس: جمع رأس، خففت همزته. و القراديد: جمع قردود و هو ما ارتفع من الأرض و غلظ، و قيل: جمع قردد، و زادوا الياء كراهية التضعيف.

[11]السقاية: ما كانت قريش تسقيه الحجاج من النبيذ المنبوذ في الماء، و كان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية و الإسلام.

و الندوة: دار الندوة بمكة و هي التي بناها قصيّ. سميت بذلك لاجتماعهم فيها لأنهم كانوا إذا حزبهم أمر ندوا إليها للتشاور.

[12]كذا في أكثر الأصول. و العسق: السير في المفازة و قطعها بغير قصد و لا هداية. و الصوى: الأعلام من الحجارة تنصب في الفيافي و المفازات المجهولة يستدل بها على الطريق. و في حـ:

أجواب مهمهة قفر الطوى بيد

520

لكن دعاني وميض لاح معترضا # من نحو أرضك في دهم مناضيد[1]

و أنشده أيضا قصيدة مدحه فيها، أوّلها:

أ في طلل قفر تحمّل آهله # وقفت و ماء العين ينهلّ هامله

تسائل عن سلمى سفاها و قد نأت # بسلمى نوى شحط فكيف تسائله

/و ترجو و لم ينطق و ليس بناطق # جوابا محيل‏[2]قد تحمّل آهله

و نؤي كخطّ النّون ما إن تبينه # عفته ذيول‏[3]من شمال تذايله‏[4]

ثم قال فيها يمدح السّريّ:

فقل للسّريّ الواصل البرّ ذي النّدى # مديحا إذا ما بثّ صدّق قائله

جواد على العلاّت يهتزّ للنّدى # كما اهتزّ عضب أخلصته صياقله

نفى الظّلم عن أهل اليمامة عدله # فعاشوا و زاح‏[5]الظّلم عنهم و باطله

و ناموا بأمن بعد خوف و شدّة # بسيرة عدل ما تخاف غوائله

و قد علم المعروف أنّك خدنه # و يعلم هذا الجوع‏[6]أنّك قاتله

بك اللّه أحيا أرض حجر و غيرها[7] # من الأرض حتّى عاش بالبقل آكله

و أنت ترجّى للّذي أنت أهله # و تنفع ذا القربى لديك و سائله‏

و أنشده أيضا مما مدحه به قوله:

عوجا نحيّ الطّلول بالكثب‏[8]

يقول فيها يمدحه:

دع عنك سلمى و قل محبّرة[9] # لماجد الجدّ طيّب النّسب‏

() و الأجواز و الأجواب بمعنى، من جاز المكان و جابه إذا قطعه. و الطوى: ما يطوى، من طوى البلاد أي قطعها، و طوى المكان جاوزه إلى غيره.

[1]دهم: سود. و مناضيد: متراكبة بعضها فوق بعض. يريد سحبا هذا وصفها.

[2]المحيل: الذي أتت عليه أحوال فغيرته. يقال: أحالت الدار و أحولت.

[3]ذيل الريح: ما انسحب منها على الأرض. و ذيل الريح أيضا: ما تتركه في الرمال على هيئة الرسن، و ما جرّته على الأرض من التراب و القتام. و قيل: أذيال الريح و مآخيرها التي تكسح بها ما خف لها.

[4]تذايله: لعله يريد أنها تجرّ عليه ذيولها و تعفيه. و في أكثر الأصول: «تذائله» بالهمز.

[5]زاح هنا: ذهب؛ فهو لازم مثل انزاح.

[6]في «مختار الأغاني» : «الجور» بالراء المهملة.

[7]كذا في أكثر الأصول. و حجر (بالفتح) مدينة اليمامة و أم قراها. و في م:

بك اللّه أحيا الأرض حجرا و أهلها

[8]الكثب (بالتحريك) : موضع بديار بني طي‏ء.

[9]حبر الشعر و الكلام: حسنه و أجاده.

521

محض مصفّى العروق يحمده # في العسر و اليسر كلّ مرتغب /

الواهب الخيل في أعنّتها # و الوصفاء الحسان كالذّهب

مجدا و حمدا يفيده كرما # و الحمد في الناس خير مكتسب‏

قال: فلمّا فرغ ابن ربيح، قال السّريّ لابن هرمة: مرحبا بك يا أبا إسحاق!ما حاجتك؟قال: جئتك عبدا مملوكا. قال: [لا!][1]بل حرّا كريما و ابن عمّ، فما ذاك؟قال: ما تركت لي مالا إلاّ رهنته، و لا صديقا إلاّ كلّفته- قال أبو يحيى: يقول لي ابن زريق‏[2]: حتّى كأنّ لي ديّانا و عليه مالا-فقال له السّريّ: /و ما دينك؟قال: سبعمائة دينار. قال: قد قضاها اللّه عزّ و جلّ عنك. قال: فأقام أيّاما، ثم قال لي: قد اشتقت. فقلت له: قل شعرا تشوّق فيه. فقال قصيدته التي يقول فيها:

أ الحمامة[3]في نخل ابن هدّاج # هاجت صبابة عاني القلب مهتاج

أم المخبّر أنّ الغيث قد وضعت # منه العشار تماما غير إخداج‏[4]

شقّت‏[5]سوائفها بالفرش‏[6]من ملل # إلى الأعراف‏[7]من حزن و أولاج‏[8]

حتّى كأنّ وجوه الأرض ملبسة # طرائفا من سدى عصب و ديباج‏

/و هي طويلة مختارة من شعره، يقول فيها يمدح السّريّ:

أمّا السّريّ فإنّي سوف أمدحه # ما المادح الذاكر الإحسان كالهاجي

ذاك الذي هو بعد اللّه أنقذني # فلست أنساه إنقاذي و إخراجي

ليث بحجر إذا ما هاجه فزع # هاج إليه بالجام و إسراج

لأحبونّك مما أصطفي مدحا # مصاحبات لعمّار و حجّاج

أسدى الصنيعة من برّ و من لطف # إلى قروع لباب الملك ولاّج

كم من يد لك في الأقوام قد سلفت # عند امرئ ذي غنى أو عند محتاج‏

[1]الزيادة عن «مختار الأغاني» لابن منظور.

[2]كذا ورد هذا الاسم هنا في جميع الأصول. (انظر ص 382 من هذا الجزء) .

[3]في «مختار الأغاني» لابن منظور: «إن الحمامة» .

[4]أخدجت الناقة: ألقت ولدها قبل أوانه لغير تمام الأيام و إن كان تامّ الخلق.

[5]كذا في م. و شقت: انفطرت عن النبات، أو المراد: شق نباتها؛ فأسند الفعل إلى الأرض على سبيل المجاز؛ يقال: شق النبات يشق شقوقا؛ و ذلك أوّل ما تنفطر عنه الأرض. و السوائف: جمع سائفة و هي أرض بين الرمل و الجلد أو جانب من الرمل ألين ما يكون. و في سائر الأصول: «شقت شوائفها» .

[6]الفرش: واد بين غميس الحمام و ملل، كما في «معجم البلدان» لياقوت، نزله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حين مسيره إلى بدر. و ملل: موضع بين الحرمين؛ سمى بذلك لأن الماشي إليه من المدينة لا يبلغه إلا بعد ملل و جهد. و قد نزله أيضا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حين مسيره إلى بدر.

[7]الأعارف: جبال باليمامة، كما في ياقوت.

[8]كذا في م. و الحزن: ما غلظ من الأرض. و الأولاج: ما غمض من الأرض، واحده: ولجة. و في سائر الأصول: «من حزن ؟؟؟»

522

فأمر له بسبعمائة دينار في قضاء دينه، و مائة دينار يتجهّز بها، و مائة دينار يعرّض بها أهله، و مائة دينار إذا قدم على أهله.

قوله: «يعرّض بها أهله» أي يهدي لهم بها هديّة، و العراضة: الهديّة. قال الفرزدق يهجو هشام بن عبد الملك:

كانت عراضتك الّتي عرّضتنا # يوم المدينة زكمة و سعالا

أنكر شعرا له في بني فاطمة خوفا من العباسيين:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني نوفل بن ميمون قال أخبرني أبو مالك محمد بن عليّ بن هرمة قال:

قال ابن هرمة:

و مهما ألام‏[1]على حبّهم # فإنّي أحبّ بني فاطمه

بني بنت من جاء بالمحكما # ت و الدّين و السّنّة القائمه‏

/فلقيه بعد ذلك رجل فسأله: من قائلها؟فقال: من عضّ بظر أمّه. فقال له ابنه: يا أبت، أ لست قائلها؟قال بلى. قال: فلم شتمت نفسك؟قال: أ ليس أن يعضّ المرء بظر أمّه خيرا[2]من أن يأخذه ابن قحطبة[3]!

خبره مع رجل يتجر بعرض ابنتيه:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا جعفر بن مدرك الجعديّ قال:

جاء ابن هرمة إلى رجل كان بسوق النّبط، معه زوجة له و ابنتان كأنّهما ظبيتان‏[يقود عليهما][4]، بمال فدفعه إليه، فكان يشتري لهم طعاما و شرابا. فأقام ابن هرمة مع ابنتيه حتّى خفّ ذلك المال، و جاء قوم آخرون معهم مال؛ فأخبرهم بمكان ابن هرمة؛ فاستثقلوه و كرهوا أن يعلم بهم؛ فأمر ابنتيه، فقالتا له: يا أبا إسحاق، أ ما دريت ما النّاس فيه؟[قال: و ما هم فيه‏[5]؟قالتا: ]زلزل بالرّوضة، فتغافلهما. ثم جاء أبوهما متفازعا فقال: أي أبا إسحاق، ألا [1]لم يجزم الفعل هنا، و هو شاذ.

[2]في الأصول: «خير» بدون ألف.

[3]هو حميد بن قحطبة بن شبيب بن خالد بن جعدان الطائي. ولي مصر من قبل الخليفة أبي جعفر المنصور بعد عزل محمد بن الأشعث في أوائل سنة ثلاث و أربعين و مائة. و كان أميرا شجاعا و قائدا مقداما عارفا بأمور الحروب و الوقائع، و تنقل في الأعمال الجليلة، معظما عند بني العباس، و قد حضر مع أبيه قحطبة كثيرا من الوقائع في ابتداء دعوة بني العباس. و مات في خلافة المهدي سنة تسع و خمسين و مائة (راجع «النجوم الزاهرة» ج 1 ص 349 طبع دار الكتب المصرية) . و في مختصر كتاب «الأغاني» المسمى «بتجريد الأغاني» من ذكر المثالث و المثاني، لابن واصل الحموي المتوفي سنة 697 هـ ورد بعد ذكر هذا الخبر ما نصه: «قلت و إنما خاف ابن هرمة من نسبة الشعر إليه لأن المنصور كان شديد الطلب لمن يميل إلى العلويين و التتبع لمن يحبهم بخروجهم عليه. و كان خرج عليه محمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة و أخوه إبراهيم بالبصرة سنة خمس و أربعين و مائة، فهزما و قتلا و حمل رأسهما إليه» اهـ.

[4]الزيادة عن «مختصر الأغاني» لابن واصل الحموي (ص 192 من النسخة الفوتوغرافية المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 5071 أدب) .

[5]الزيادة عن «مختار الأغاني» لابن منظور (ص 85 طبع مصر) . ـ

523

تفزع لما الناس فيه!قال: و ما هم فيه؟قال: زلزل بالرّوضة. قال: قد جاءكم الآن إنسان معه مال، و قد/نفضت‏[1] ما جئتكم به و ثقلت‏[2]عليه؛ فأردت إدخاله و إخراجي. أ يزلزل بروضة من رياض الجنّة و يترك منزلك و أنت تجمع فيه/الرجال على ابنتيك!و اللّه لا عدت إليه!و خرج من عنده.

و روى هذا الخبر عن الزّبير هارون بن محمد الزيّات فزاد فيه، قال: ثم خرج من عندهم، فأتى عبد اللّه بن حسن فقال: إنّي قد مدحتك فاستمع منّي. قال: لا حاجة لي بذلك، أنا أعطيك ما تريد و لا أسمع. قال: إذا أسقط و يكسد سوقي‏[3]. فسمع منه و أمر له بمائتي‏[4]دينار؛ فأخذها و عاد إلى الرجل، و قال: قد جئتك بما تنفقه كيف شئت. و لم يزل مقيما عنده حتّى نفدت.

قصته مع محمد بن عبد العزيز و محمد بن عمران و غيرهما:

قال الزّبير: و حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز قال حدّثني عمّي عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال:

وافينا الحجّ في عام من الأعوام الخالية، فأصبحت بالسّيالة، فإذا إبراهيم بن عليّ ابن هرمة يأتينا؛ فاستأذن على أخي محمد بن عبد العزيز فأذن له؛ فدخل عليه فقال: يا أبا عبد اللّه، أ لا أخبرك ببعض ما تستظرف‏[5]؟قال:

بلى، و ربّما فعلت يا أبا إسحاق. قال: فإنّه أصبح عندنا هاهنا منذ أيام محمد بن عمران و إسماعيل بن عبد اللّه بن جبير، و أصبح ابن عمران بجملين له ظالعين‏[6]، فإذا رسوله يأتيني أن أجب؛ فخرجت/حتى أتيته؛ فأخبرني بظلع جمليه، و قال لي: أردت أن أبعث إلى ناضحين‏[7]لي بعمق‏[8]لعلي أوتي بهما إلى هاهنا لأمضي عليهما، و يصير هذان الظالعان إلى مكانهما. ففرّغ لنا دارك و اشتر لنا علفا و استلنه بجهدك؛ فإنّا مقيمون هاهنا حتى تأتينا[9]جمالنا.

فقلت: في الرّحب و القرب، و الدّار[10]فارغة، و زوجته طالق إن اشتريت عود علف، عندي حاجتك منه. فأنزلته و دخلت إلى السوق، فما أبقيت فيه شيئا من رسل‏[11]و لا جداء و لا طرفة و لا غير ذلك إلا ابتعت منه فاخره، و بعثت به إليه مع دجاج كان عندنا. قال: فبينا أنا أدور في السوق إذ وقف عليّ عبد لإسماعيل بن عبد اللّه يساومني بحمل علف لي، فلم أزل أنا و هو حتّى أخذه منّي بعشرة دراهم، و ذهب به فطرحه لظهره. و خرجت عند الرّواح أتقاضى [1]كذا في م. و الذي في «اللسان» : «و أنفض القوم: نفد طعامهم و زادهم مثل أرملوا... و أنفضوا زادهم أنفدوه... و نفض القوم نفضا: ذهب زادهم... و قوم نفض أي نفضوا زادهم» . و في سائر الأصول: «تنضب» و هو تحريف.

[2]في م: «و ثقلت عليكم» .

[3]في «مختار الأغاني» : «شعري» .

[4]في «مختار الأغاني» : «بمائة» .

[5]في م: «أ لا أخبرك ببعض ما يستطرف» .

[6]الظالع: الذي يغمز في مشيه.

[7]الناضح: البعير يستقى عليه، ثم استعمل في كل بعير و إن لم يحمل الماء.

[8]عمق: ماء ببلاد مزينة من أرض الحجاز، كما في «معجم ما استعجم» للبكري.

[9]كذا في م. و في سائر النسخ: «حتى يأتينا» .

[10]في م: «الدار» بدون واو.

[11]الرسل (بكسر الراء» : اللبن ما كان. و الجداء: جمع جدي، و هو الذكر من أولاد المعز. و الطرفة: ما يطرف به الرجل صاحبه و يتحفه به.

524

العبد ثمن حملي، فإذا هو لإسماعيل بن عبد اللّه و لم أكن دريت. فلما رآني مولاه حيّاني و رحّب بي، و قال: هل من حاجة يا أبا إسحاق؟فأعلمه العبد أنّ العلف لي. فأجلسني فتغدّيت عنده، ثم أمر لي مكان كلّ درهم منها بدينار، و كانت معه زوجته فاطمة بنت عبّاد، فبعثت إليّ بخمسة دنانير. قال: و راحوا، و خرجت بالدنانير ففرّقتها على غرمائي، و قلت: عند ابن عمران عوض منها. قال: فأقام عندي ثلاثا، و أتاه جملاه، فما فعل بي شيئا. فبينا هو يترحّل و في نفسه منّي ما لا أدري به، إذ كلّم غلاما له بشي‏ء فلم يفهم. فأقبل عليّ فقال: ما أقدر على إفهامه مع قعودك عندي، قد و اللّه آذيتني و منعتني‏[1]ما أردت. فقمت مغتمّا بالذي قال؛ حتّى إذا كنت على باب الدار لقيني إنسان/فسألني: هل فعل إليك‏[2]شيئا؟فقلت: أنا و اللّه بخير إذ تلف‏[3]مالي و ربحت بدني. قال: و طلع عليّ و أنا أقولها، فشتمني و اللّه يا أبا عبد اللّه حتّى ما أبقى لي، و زعم أنّه لو لا إحرامه لضربني؛ و راح و ما أعطاني درهما.

فقلت:

يا من يعين على ضيف ألمّ بنا # ليس بذي‏[4]كرم يرجى و لا دين

أقام عندي ثلاثا سنّة سلفت # أغضيت منها على الأقذاء و الهون‏[5]

مسافة البيت عشر غير مشكلة # و أنت تأتيه في شهر و عشرين

/لست تبالي فوات الحجّ إن نصبت # ذات الكلال و أسمنت ابن حرقين‏[6]

تحدّث النّاس عمّا فيك من كرم # هيهات ذاك لضيفان المساكين

أصبحت تخزن ما تحوي و تجمعه # أبا سليمان من أشلاء[7]قارون

مثل ابن عمران آباء له سلفوا # يجزون فعل ذوي الإحسان بالدّون

أ لا تكون كإسماعيل إنّ له # رأيا أصيلا و فعلا غير ممنون

أو مثل زوجته فيما ألمّ بها # هيهات من أمّها ذات النّطاقين‏[8]

فلمّا أنشدها قال له محمد بن عبد العزيز: نحن نعينك يا أبا إسحاق؛ لقوله: «يا من يعين» . قال: قد رفعك اللّه عن العون الذي أريده، ما أردت إلاّ رجلا/مثل عبد اللّه بن خنزيرة و طلحة أطباء الكلبة يمسكونه لي و آخذ خوط سلم فأوجع به خواصره و جواعره. قال: و لمّا بلغ في إنشاده إلى قوله:

مثل ابن عمران آباء له سلفوا

[1]في م: «قد و اللّه آذيتني و منعني مكانك معي مما أردت» .

[2]كذا في م. و في سائر الأصول: «هل فعل إليّ شيئا» .

[3]في م: «أنا و اللّه بخير أن تلف... » و كلتا العبارتين صحيحة.

[4]في م: «فليس ذا كرم... » .

[5]في حـ: «... على الأقذاء في عيني» .

[6]كذا في أكثر الأصول. و في: حـ: «ابن حرفين» بالفاء.

[7]لعله يريد: من بقايا قارون، أو لعلها محرفة عن «أسلاب» .

[8]ذات النطاقين: أسماء بنت أبي بكر الصديق؛ سميت بذلك لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال لها: «أنت و نطاقاك في الجنة» . و قد دخل هذا الشعر السناد، و هو أن يخالف الشاعر بين الحركات التي تلي الأرداف في الرويّ.

525

أقبل عليّ فقال: عذرا إلى اللّه تعالى و إليكم!إنّي لم أعن من آبائه طلحة بن عبيد اللّه. قال: و نزل إليه إسماعيل بن جعفر بن محمد، و كان عندنا، فلم يكلّمه حتّى ضرب أنفه، و قال له: فعنيت من آبائه أبا سليمان محمد بن طلحة يا دعيّ!قال: فدخلنا بينهما. و جاء رسول محمد بن طلحة بن عبيد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه إلى ابن هرمة يدعوه، فذهب إليه. فقال له: ما الذي بلغني من هجائك أبا سليمان!و اللّه لا أرضى حتى تحلف ألاّ تقول له أبدا إلاّ خيرا، و حتى تلقاه فترضّاه إذا رجع، و تحتمل كلّ ما أزلّ إليك و تمدحه.

قال: أفعل، بالحبّ و الكرامة. قال: و إسماعيل بن جعفر لا تعرض له إلاّ بخير؛ قال نعم. قال: فأخذ عليه الأيمان فيهما و أعطاه ثلاثين دينارا، و أعطاه محمد بن عبد العزيز مثلها. قال: و اندفع ابن هرمة يمدح محمد بن عمران:

أ لم تر أنّ القول يخلص صدقه # و تأبى فما تزكو لباغ بواطله

ذممت امرأ لم يطبع‏[1]الذّمّ عرضه # قليلا لدى تحصيله من يشاكله

فما بالحجاز من فتى ذي إمارة # و لا شرف إلا ابن عمران فاضله

فتى لا يطور[2]الذّمّ ساحة بيته # و تشقى به ليل التّمام‏[3]عواذله‏

/أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا أحمد بن عمر الزّهريّ قال حدّثنا أبو بكر بن عبد اللّه بن جعفر المسوريّ قال:

مدح إبراهيم بن هرمة محمد بن عمران الطّلحيّ، فألفاه راويته‏[4]و قد جاءته عير له تحمل غلّة قد جاءته من الفرع‏[5]أو خيبر. فقال له رجل كان عنده: أعلم و اللّه أنّ أبا ثابت بن عمران بن عبد العزيز أغراه بك و أنا حاضر عنده و أخبره بعيرك هذه. فقال: إنّما أراد أبو ثابت أن يعرّضني للسانه، قودوا إليه القطار، فقيد إليه.

طلب من عمر بن القاسم تمرا على ألا يعمل منه نبيذا ثم عمل:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني يحيى بن محمد عن عبد اللّه‏[6]بن عمر بن القاسم قال:

جاء أبي تمر من صدقة عمر؛ فجاءه ابن هرمة فقال: أمتع اللّه بك!أعطني من هذا التّمر. قال: يا أبا إسحاق، لو لا أنّي أخاف أن تعمل منه نبيذا لأعطيتك. قال: فإذا علمت أنّي أعمل منه نبيذا لا تعطيني. قال: فخافه فأعطاه.

فلقيه بعد ذلك؛ /فقال له: ما في الدّنيا أجود من نبيذ يجي‏ء من صدقة عمر؛ فأخجله.

سمع جرير شعره فمدحه:

أخبرنا الحرميّ قال أخبرنا الزّبير قال حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز قال:

[1]أي لم يسمه بما يشينه. و يحتمل أن يكون من طبع الشي‏ء: دنس، و أطبعه: دنّسه.

[2]لا يطور: لا يقرب. و في حديث علي كرم اللّه وجهه: «و اللّه لا أطور به ما سمر سمير» أي لا أقربه.

[3]ليل التمام (بالكسر و قد يفتح) : أطول ما يكون من ليالي الشتاء.

[4]كذا في م. و في سائر الأصول: «روايته» ، و هو تحريف.

[5]الفرع (بالضم) : قرية من نواحي الرّبذة عن يسار السّقيا بينها و بين المدينة ثمانية برد على طريق مكة.

[6]كذا في م و هو الموافق لما في الطبري (قسم 3 ص 238 طبع أوروبا) . و في سائر الأصول: «عن عبد العزيز بن القاسم» ، و هو تحريف.

526

قدم جرير المدينة، فأتاه ابن هرمة و ابن أذينة فأنشداه؛ فقال جرير: القرشيّ أشعرهما، و العربيّ أفصحهما.

مدح المطلب بن عبد اللّه قليم لمدحه غلاما حديث السن فأجاب:

أخبرنا يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثني عبد اللّه بن محمد:

أنّ ابن هرمة قال يمدح أبا الحكم المطّلب بن عبد اللّه:

لمّا رأيت الحادثات كنفنني # و أورثنني بؤسى ذكرت أبا الحكم

سليل ملوك سبعة قد تتابعوا # هم المصطفون و المصفّون بالكرم‏

فلاموه و قالوا: أ تمدح غلاما حديث السنّ بمثل هذا!قال نعم!و كانت له ابنة يلقّبها «عيينة» -و قال الزبير: كان يلقّبها «عينة» -فقال:

كانت عيينة فينا و هي عاطلة # بين الجواريّ فحلاّها أبو الحكم

فمن لحانا على حسن المقال له # كان المليم و كنّا نحن لم نلم‏[1]

شكا حاله لعبد العزيز بن المطلب فأكرمه ثم عاوده فردّه فهجاه:

قال يحيى و حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الزّبيريّ عن نوفل بن ميمون قال:

أرسل ابن هرمة إلى عبد العزيز بن المطّلب بكتاب يشكو فيه بعض حاله؛ فبعث إليه بخمسة عشر دينارا.

فمكث شهرا ثم بعث يطلب منه شيئا آخر بعد ذلك؛ فقال: إنّا و اللّه ما نقوى على ما كان يقوى عليه الحكم بن المطّلب. و كان عبد العزيز قد خطب إلى امرأة من ولد عمر فردّته، فخطب إلى امرأة من بني عامر بن لؤيّ فزوّجوه.

فقال ابن هرمة:

خطبت إلى كعب فردّوك صاغرا # فحوّلت من كعب إلى جذم‏[2]عامر

و في عامر عزّ قديم و إنّما # أجازك فيهم هزل أهل المقابر

/و قال فيه أيضا:

أبا لبخل تطلب ما قدّمت # عرانين جادت بأموالها

هيهات!خالفت فعل الكرام # خلاف الجمال بأبوالها

خبره مع امرأة تزوّجها:

و قال هارون بن محمد حدّثني مغيرة بن محمد قال حدّثني أبو محمد السّهميّ قال حدّثني أبو كاسب‏[3]قال:

تزوّج ابن هرمة بامرأة؛ فقالت له: أعطني شيئا؛ فقال: و اللّه ما معي إلاّ نعلاي، فدفعهما إليها، و مضى معها [1]لم نلم: لم نأت ما نلام عليه؛ و منه المليم (بضم الميم) من ألام الرجل فهو مليم إذا أتى ما يلام عليه.

[2]الجذم (بالكسر) : أصل الشي‏ء.

[3]في م: «ابن كاسب» .

527

فتورّكها مرارا. فقالت له. أجفيتني‏[1]؛ فقال لها: الذي أحفى صاحبه منّا يعضّ بظر أمّه.

أغراه قوم بالحكم بن المطلب بأن يطلب منه شاة كانت عزيزة عليه فأعطاه الحكم كل ما عنده من شاء:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني المسيّبيّ محمد بن إسحاق قال حدّثني إبراهيم بن سكرة جار أبي ضمرة قال:

جلس ابن هرمة مع قوم على شراب، فذكر الحكم بن المطّلب فأطنب في مدحه. فقالوا له: إنّك لتكثر ذكر رجل لو طرقته الساعة في شاة يقال لها «غرّاء» تسأله إيّاها لردّك عنها. فقال: أ هو يفعل هذا؟قالوا: إي و اللّه. و كانوا قد عرفوا أنّ الحكم بها معجب، و كانت في داره سبعون شاة تحلب. فخرج و في رأسه ما فيه، فدقّ الباب فخرج إليه غلامه. فقال له: أعلم أبا مروان بمكاني-و كان قد أمر ألاّ يحجب إبراهيم بن هرمة عنه-فأعلمه به، فخرج إليه متّشحا فقال: أ في مثل هذه الساعة يا أبا إسحاق!فقال: نعم/جعلت فداك، ولد لأخ لي مولود فلم تدرّ عليه أمّه، فطلبوا/له شاة حلوبة فلم يجدوها، فذكروا له شاة عندك يقال لها «غرّاء» ، فسألني أن أسألكها. فقال: أ تجي‏ء في هذه الساعة ثم تنصرف بشاة واحدة!و اللّه لا تبقى في الدار شاة إلاّ انصرفت بها، سقهنّ معه يا غلام، فساقهنّ.

فخرج بهنّ إلى القوم، فقالوا: ويحك!أيّ شي‏ء صنعت!فقصّ عليهم القصة. قال: و كان فيهنّ و اللّه ما ثمنه عشرة دنانير و أكثر من عشرة.

لما سمع بقتل الوليد أنشد شعرا في مدحه:

قال هارون و حدّثني حمّاد بن إسحاق قال ذكر أبي عن أيّوب بن عباية عن عمر بن أيّوب اللّيثيّ قال:

شرب ابن هرمة عندنا يوما فسكر فنام. فلمّا حضرت الصلاة تحرّك أو حرّكته. فقال لي و هو يتوضّأ: ما كان حديثكم اليوم؟قلت يزعمون أنّ الوليد قتل؛ فرفع رأسه إليّ و قال:

و كانت أمور الناس منبتّة القوى # فشدّ الوليد حين قام نظامها

خليفة حقّ لا خليفة باطل # رمى عن قناة الدّين حتى أقامها

ثم قال لي: إيّاك أن تذكر من هذا شيئا؛ فإنّي لا أدري ما يكون.

كان ابن الأعرابي يقول: ختم الشعراء بابن هرمة:

أخبرني عليّ بن سليمان النحويّ قال حدّثنا أبو العبّاس الأحول عن ابن الأعرابيّ: أنه كان يقول: ختم الشعراء بابن هرمة.

سكر مرّة سكرا شديدا فعتب عليه جيرانه فأجابهم:

أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى قال أخبرني أحمد بن يحيى البلاذريّ:

[1]أحفيتني هنا: أجهدتني.

[2]كذا في حـ. و في م: «فذكرت لي شاة» . و في سائر الأصول: «فذكرت شاة» .

528

/أنّ ابن هرمة كان مغرما بالنبيذ، فمرّ على جيرانه و هو شديد[1]السّكر حتى دخل منزله. فلمّا كان من الغد دخلوا عليه‏[2]فعاتبوه على الحال التي رأوه عليها؛ فقال لهم: أنا في طلب مثلها منذ دهر، أ ما سمعتم قولي:

أسأل اللّه سكرة قبل موتي # و صياح الصّبيان يا سكران‏

قال: فنفضوا ثيابهم و خرجوا، و قالوا: ليس يفلح و اللّه هذا أبدا.

لم يحمل جنازته إلا أربعة نفر و كان ذلك مصداقا لشعر له:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: أنشدني عمّي لابن هرمة:

ما أظنّ الزمان يا أمّ عمر[3] # تاركا إن هلكت من يبكيني‏

قال: فكان و اللّه كذلك؛ لقد مات فأخبرني من رأى جنازته ما يحملها إلاّ أربعة نفر، حتّى دفن بالبقيع.

ولد سنة 90 هـ و مدح المنصور و عمره خمسون سنة و عاش بعد ذلك طويلا:

قال يحيى بن عليّ-أراه‏[4]عن البلاذريّ-: ولد ابن هرمة سنة تسعين، و أنشد أبا جعفر المنصور في سنة أربعين و مائة قصيدته التي يقول فيها:

إنّ الغواني قد أعرضن مقلية # لمّا رمى هدف الخمسين ميلادي‏

قال: ثم عمّر بعدها مدّة طويلة.

[1]في «مختار الأغاني» لابن منظور (ج 1 ص 92 طبع مصر) : «منبتّ سكرا» أي منقطع. و في ء، ط، م: «فمر على جيرانه و هو مثبت سكرا» بالثاء المثلثة و هو تصحيف عن «منبت» .

[2]كذا في «مختار الأغاني» لابن منظور. و في جميع الأصول: «إليه» .

[3]في حـ: «يا أم سعد» .

[4]في م: «رواه عن البلاذريّ» .

529

55-ذكر أخبار يونس الكاتب‏

نسب يونس الكاتب و منشؤه و من أخذ عنهم، و هو أوّل من دوّن الغناء:

هو يونس بن سليمان بن كرد بن شهريار، من ولد هرمز. و قيل: إنّه مولى لعمرو بن الزّبير. و منشؤه و منزله بالمدينة. و كان أبوه فقيها[1]، فأسلمه في الديوان فكان من كتّابه. و أخذ الغناء عن معبد و ابن سريج و ابن محرز و الغريض، و كان أكثر روايته عن معبد؛ و لم يكن في أصحاب معبد أحذق و لا أقوم بما أخذ عنه منه. و له غناء حسن، و صنعة كثيرة، و شعر جيّد. و كتابه في الأغاني و نسبها إلى من غنّى فيها هو الأصل الذي يعمل عليه و يرجع إليه. و هو أوّل من دوّن الغناء.

شعر مسعود بن خالد في مدحه:

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا حماد بن إسحاق قال حدّثني أبي قال/أنشدني مسعود بن خالد الموريانيّ‏[2]لنفسه في يونس:

يا يونس الكاتب يا يونس # طاب لنا اليوم بك المجلس

إنّ المغنّين إذا ما هم # جاروك أخنى بهم المقبس

تنشر ديباجا و أشباهه # و هم إذا ما نشروا كربسوا[3]

خرج مع بعض فتيان المدينة إلى دومة فتغنوا و اجتمع عليهم النساء فتغنى ابن عائشة ففرق جمعهم إليه:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال: ذكر إبراهيم بن قدامة الجمحيّ قال:

اجتمع فتيان من فتيان أهل المدينة فيهم يونس الكاتب و جماعة ممن يغنّي، فخرجوا إلى واد يقال له دومة من بطن العقيق، في أصحاب لهم فتغنّوا، و اجتمع/إليهم نساء أهل الوادي-قال بعض من كان معهم: فرأيت حولنا مثل مراح الضأن-و أقبل محمد بن عائشة و معه صاحب له؛ فلمّا رأى جماعة النساء عندهم حسدهم، فالتفت إلى صاحبه فقال: أما و اللّه لأفرّقنّ هذه الجماعة!فأتى قصرا من قصور العقيق، فعلا سطحه و ألقى رداءه و اتّكأ عليه و تغنّى:

[1]في «مختصر الأغاني» لابن واصل الحموي: «و كان أبوه مقيما بها» .

[2]كذا في أكثر الأصول، و هو الموافق لما في «تاريخ الطبري» (قسم ثالث ص 370 و 372 طبع أوروبا) . و المورياني (بضم الميم و كسر الراء) : نسبة إلى موريان: قرية بخوزستان. و في م: «المرزباني» و هو تحريف.

[3]كربسوا: أتوا بالكرابيس، و هي الثياب الخشنة من القطن.

530
صوت‏

هذا مقام مطرد # هدمت منازله و دوره

رقّى‏[1]عليه عداته # ظلما فعاقبه أميره‏

-الغناء لابن عائشة رمل بالوسطى، و الشعر لعبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطّاب، و قيل: إنّه لعبد اللّه بن أبي كثير مولى بني مخزوم-قال: فو اللّه ما قضى صوته حتّى ما بقيت امرأة منهنّ إلاّ جلست تحت القصر الذي هو عليه و تفرّق عامّة أصحابهم. فقال يونس و أصحابه: هذا عمل ابن عائشة و حسده.

صاحب الشعر الذي تغنى به ابن عائشة و سبب قوله:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو غسّان محمد بن يحيى عن أبيه قال:

تزوّج عبد اللّه بن أبي كثير مولى بني مخزوم بالعراق في ولاية مصعب بن الزّبير امرأة من بني عبد بن‏[2] بغيض بن عامر بن لؤيّ، ففرّق مصعب بينهما. فخرج حتّى قدم على عبد اللّه بن الزّبير بمكة فقال:

/

هذا مقام مطرد # هدمت منازله و دوره

رقّت عليه عداته # كذبا فعاقبه أميره

في أن شربت بجمّ ما # ء كان حلاّ لي غديره

فلقد قطعت الخرق‏[3]بعـ # د الخرق معتسفا[4]أسيره‏

حتّى أتيت خليفة الرّحمن ممهودا سريره

حيّيته بتحيّة # في مجلس حضرت‏[5]صقوره‏

فكتب عبد اللّه إلى مصعب: أن اردد عليه امرأته؛ فإنّي لا أحرّم ما أحلّ اللّه عزّ و جلّ؛ فردّها عليه. هذه رواية عمر بن شبّة.

و أخبرني الحسن بن عليّ عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن المدائنيّ عن سحيم بن حفص: أنّ المتزوّج بهذه المرأة عبيد بن حنين مولى آل زيد بن الخطّاب، و أنّ المفرّق. بينهما الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة الذي يقال له القباع‏[6]؛ و ذكر باقي الخبر مثل الأوّل.

[1]رقى عليه عداته: تقوّلوا عليه ما لم يقل. قال في «القاموس» : و رقّى عليه كلاما ترقية: رفع. و في «اللسان» «و نهاية ابن الأثير» :

«... و في حديث استراق السمع: و لكنهم يرقّون فيه أي يتزيدون؛ يقال: رقّى فلان عليّ الباطل؛ إذا تقوّل ما لم يكن و زاد فيه» .

[2]كذا في أكثر الأصول. و بغيض بن عامر كان شريفا، و هو الذي نقل الحطيئة إلى جواره من جوار الزبرقان. و أدرك بغيض الإسلام و وفد إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فسماه حبيبا. و في م: «من عبد بغيض» . و في حـ: «من بني عبد الغيض» .

[3]الخرق: القفر.

[4]معتسفا: خابطا الطريق على غير هداية و لا دراية. و في م: «منقطعا أسيره» .

[5]كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «حصرت» بالصاد المهملة.

[6]كان الحارث بن عبد اللّه أميرا على البصرة، و لقبه أهلها القباع؛ و ذلك أنه مر بقوم يكيلون بقفيز فقال: إن قفيزكم لقباع. أي كبير-

531

ذهب إلى الشام فبعث إليه الوليد بن يزيد ليغنيه ثم وصله:

أخبرني عمّي قال حدّثني طلحة بن عبد اللّه الطّلحيّ قال حدّثني أحمد/بن الهيثم قال:

خرج يونس الكاتب من المدينة إلى الشأم في تجارة؛ فبلغ الوليد بن يزيد مكانه؛ فلم يشعر يونس إلاّ برسله قد دخلوا عليه الخان، فقالوا له: أجب الأمير-و الوليد إذ ذاك أمير-قال: فنهضت معهم حتى أدخلوني على الأمير، لا أدري/من هو، إلاّ أنّه من أحسن الناس وجها و أنبلهم، فسلمت عليه، فأمرني بالجلوس، ثم دعا بالشراب و الجواري؛ فكنّا[1]يومنا و ليلتنا في أمر عجيب. و غنيته فأعجب بغنائي إلى أن غنّيته:

إن يعش مصعب فنحن بخير # قد أتانا من عيشنا ما نرجّي‏

ثم تنبّهت فقطعت الصوت. فقال: ما لك؟فأخذت أعتذر من غنائي بشعر في مصعب. فضحك و قال: إنّ مصعبا قد مضى و انقطع أثره و لا عداوة بيني و بينه، و إنّما أريد الغناء، فأمض الصوت؛ فعدت فيه فغنّيته. فلم يزل يستعيدنيه حتى أصبح، فشرب مصطبحا و هو يستعيدني هذا الصوت ما يتجاوزه حتى مضت ثلاثة أيّام. ثم قلت له:

جعلني اللّه فداء الأمير!أنا رجل تاجر خرجت مع تجّار و أخاف أن يرتحلوا فيضيع مالي. فقال لي: أنت تغدو غدا؛ و شرب باقي ليلته، و أمر لي بثلاثة آلاف دينار فحملت إليّ، و غدوت إلى أصحابي. فلمّا خرجت من عنده سألت عنه، فقيل لي: هذا الأمير الوليد بن يزيد وليّ عهد أمير المؤمنين هشام. فلمّا استخلف بعث إليّ فأتيته، فلم أزل معه حتى قتل.

صوت من المائة المختارة

أصواته المعروفة بالزبائب:

أقصدت زينب قلبي بعد ما # ذهب الباطل عنّي و الغزل

و علا المفرق شيب شامل # واضح في الرأس منّي و اشتعل‏

الشعر لابن رهيمة المدنيّ. و الغناء في اللحن المختار لعمر الواديّ ثاني ثقيل بالبنصر في مجراها عن إسحاق.

و فيه ليونس الكاتب لحنان: أحدهما خفيف ثقيل/أوّل بالبنصر[2]في مجرى الوسطى عن إسحاق، و الآخر رمل بالسبّابة في مجرى البنصر عنه أيضا. و فيه رملان بالوسطى و البنصر: أحدهما لابن المكّيّ، و الآخر لحكم، و قيل:

إنه لإسحاق من رواية الهشاميّ. و لحن يونس في هذا الشعر من أصواته المعروفة بالزّيانب، و الشعر فيها كلّها لابن رهيمة في زينب بنت عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ و هي سبعة: أحدها قد مضى. و الآخر:

-واسع. (راجع «النقائض» ص 607 «و عيون الأخبار» ج 2 ص 17 «و الأغاني» ج 1 ص 110 من هذه الطبعة) .

[1]في «نهاية الأرب» للنويري (ج 4 ص 310 طبع دار الكتب المصرية) : «فمكثنا» .

[2]في حـ: «أوّل بالخنصر» .

532
صوت‏

أقصدت زينب قلبي # و سبت عقلي و لبّي

تركتني مستهاما # أستغيث اللّه ربّي

ليس لي ذنب إليها # فتجازيني بذنبي

و لها عندي ذنوب # في تنائيها و قربي‏

غنّاه يونس رملا بالبنصر. و فيه لحكم هزج خفيف بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق.

و منها:

صوت‏

/

وجد الفؤاد بزينبا # وجدا شديدا متعبا

أصبحت من وجدي بها # أدعى سقيما مسهبا[1]

و جعلت زينب سترة # و أتيت أمرا معجبا

غنّاه يونس ثقيلا أوّل مطلقا في مجرى البنصر عن عمرو و إسحاق، و هو مما يشكّ فيه من غناء يونس. و لعليّة بنت المهديّ فيه ثقيل أوّل آخر لا يشكّ فيه أنّه لها، /كنت فيه عن رشأ الخادم-و ذكر أحمد بن عبيد أنّ فيه من الغناء لحنين هما جميعا من الثقيل الأوّل ليونس-و من لا يعلم يزعم أنّ الشّعر لها.

و منها:

صوت‏

إنّما زينب المنى # و هي الهمّ و الهوى

ذات دلّ تضني الصّحي[2] # ح و تبري من الجوى

لا يغرّنك أن دعو # ت فؤادي فما التوى‏[3]

و احذري هجرة الحبيـ # ب إذا ملّ و انزوى‏

غنّاه يونس رملا بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق.

و منها:

صوت‏

إنّما زينب همّي # بأبي تلك و أمّي

بأبي زينب لا أكـ # ني و لكنّي أسمّي‏

[1]أسهب الرجل (مبنيا للمجهول) : ذهب عقله، أو تغير لونه من حب أو غيره.

[2]في حـ: «... تصبي الحليم» .

[3]كذا في م. و في حـ: «إلى التوى» بالتاء المثناة من فوق. و التوى: الهلاك. و في سائر الأصول: «إلى النوى» بالنون.

533

بأبي زينب من قا # ض قضى عمدا بظلمي

بأبي من ليس لي في # قلبه قيراط رحم‏[1]

غنّاه يونس رملا بالبنصر عن عمرو، و له فيه لحن آخر.

و منها:

صوت‏

يا زينب الحسناء يا زينب # يا أكرم النّاس إذا تنسب

تقيك نفسي حادثات الرّدى # و الأم تفديك معا و الأب

/هل لك في ودّ امرئ صادق # لا يمذق الودّ و لا يكذب

لا يبتغي في ودّه محرما # هيهات منك العمل الأريب‏[2]

غنّاه يونس ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق.

و منها:

صوت‏

فليت الذي يلحى على زينب المنى # تعلّقه مما لقيت عشير[3]

فحسبي له بالعشر ممّا لقيته # و ذلك فيما قد تراه يسير

غنّاه يونس ثاني ثقيل بالوسطى في مجراها عن الهشامي.

هذه سبعة أصوات قد مضت و هي المعروفة بالزيانب. و من الناس من يجعلها ثمانية، و يزيد فيها لحن يونس في:

تصابيت أم هاجت لك الشوق زينب‏

و ليس هذا منها؛ و إن كان ليونس لحنه، فإنّ/شعره لحجيّة بن المضرّب الكنديّ، و قد كتب في موضع آخر؛ و إنّما الزيانب في شعر ابن رهيمة. و منهم من يعدّها تسعة و يضيف إليها:

قولا لزينب لو رأيـ # ت تشوّقي لك و اشترافي‏[4]

و هذا اللحن لحكم. و الشعر لمحمد بن أبي العبّاس السفّاح في زينب بنت سليمان بن عليّ، و قد كتب في موضع آخر.

انقضت أخبار يونس الكاتب.

[1]الرحم: (بالضم) : مصدر رحم كالرحمة.

[2]المحرم: الحرام. و الأريب: ذو الريب. و في م: «العمل الأعيب» .

[3]العشير: جزء من عشرة أجزاء كالعشر.

[4]الاشتراف: التطلع.

534

56-أخبار ابن رهيمة

شبب بزينب بنت عكرمة فأمر هشام بن عبد الملك بضربه فتوارى و ظهر في أيام الوليد بن يزيد و قال شعرا:

أخبرني محمد بن جعفر النحويّ قال حدّثنا أحمد بن القاسم قال حدّثني أبو هفّان عن إسحاق قال:

كان ابن رهيمة يشبّب بزينب بنت عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، و يغني يونس بشعره، فافتضحت بذلك. فاستعدى عليه أخوها هشام بن عبد الملك، فأمر بضربه خمسمائة سوط، و أن يباح دمه إن وجد قد عاد لذكرها، و أن يفعل ذلك بكلّ من غنّى في شي‏ء من شعره. فهرب هو و يونس فلم يقدر عليهما. فلمّا ولي الوليد بن يزيد ظهرا. و قال ابن رهيمة:

لئن كنت أطردتني‏[1]ظالما # لقد كشف اللّه ما أرهب

و لو نلت منّي ما تشتهي # لقلّ إذا رضيت زينب

و ما شئت فاصنعه بي بعد ذا # فحبّي لزينب لا يذهب‏

و في الأصوات المعروفة بالزيانب يقول أبان بن عبد الحميد اللاّحقيّ:

أحبّ‏[2]من الغناء خفيـ # فه إن فاتني الهزج

و أشنأ «ضوء برق» [3]مثـ # ل ما أشنا «عفا مزج»

و أبغض «يوم تنأى و # «الزّيانب» كلّها سمج

/و يعجببي لإبراهـ # يم و الأوتار تختلج‏[4]

«أدير مدامة صرفا # كأنّ صبيبها ودج» [5]

يعني أبان لحن إبراهيم. و الشعر لأبان أيضا، و هو:

[1]أطرده: صيره طريدا. و أطرد السلطان فلانا: أمر بطرده أو بإخراجه من البلد.

[2]وردت هذه الأبيات في كتاب «الأوراق» للصولي (المحفوظ منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية تحت رقم 3530 أدب) ضمن قصيدة طويلة مثبتة في ترجمة أبان هذا، و مطلعها:

أ أحزنك الألى ردّوا # جمال الحيّ و ادّلجوا

[3]يريد الشاعر بما وضعناه بين هذه العلامات أصواتا في الغناء.

[4]كذا في كتاب «الأوراق» للصولي. و في الأصول: «تعتلج» بالعين المهملة. و ما أثبتناه أنسب بالمعنى. على أن كلمة «تعتلج» قد وردت في بيت آخر من هذه القصيدة، و هو:

نعم فبنات همّ الصد # ر في الأحشاء تعتلج‏

[5]الودج: عرق الأخدع الذي يقطعه الذابح فلا يبقى معه حياة. و المراد تشبيه لون الخمرة بلون الدم الذي يسيل من الأخدع عند الذبح.

535
صوت‏

أدير[1]مدامة صرفا # كأنّ صبيبها ودج

فظلّ تخاله ملكا # يصرّفها و يمتزج‏

الشعر لأبان، و الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. و فيه لابن جامع ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق أيضا.

و ممّا في غناء يونس من المائة المختارة المذكورة في هذا الكتاب:

صوت من المائة المختارة

ألا يا لقومي للرّقاد المسهّد[2] # و للماء ممنوعا من الحائم الصّدي

و للحال بعد الحال يركبها الفتى # و للحبّ بعد السّلوة المتمرّد[3]

/الشعر لإسماعيل بن يسار النّسائي من قصيدة مدح بها عبد الملك بن مروان؛ و ذكر يحيى بن عليّ عن أبيه عن إسحاق: أنّها[4]للغول بن عبد اللّه بن صيفيّ الطّائي. و الصحيح أنّها لإسماعيل. و أنا أذكر خبره مع عبد الملك بن مروان و مدحه إيّاه بها ليعلم صحّة ذلك. و الغناء ليونس، و لحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل مطلق في مجرى البنصر. و تمام هذه الأبيات:

و للمرء لا عمّن‏[5]يحبّ بمرعو # و لا لسبيل الرّشد يوما بمهتدى

و قد قال أقوام و هم يعذلونه‏[6] # لقد طال تعذيب الفؤاد المصيّد

[1]نسب المؤلف هذين البيتين في (ج 12 ص 110 طبع بلاق) المطبع بن إياس. و هو خطأ.

[2]في «مختصر الأغاني» لابن واصل الحموي: «المشرّد» .

[3]في م: «المتردّد» .

[4]كذا في ط، حـ، ء. و في سائر الأصول: «أنه للغول» . و التذكير باعتبار أنه شعر.

[5]كذا في م، و في سائر النسخ: «عما» ، و كلاهما صحيح.

[6]في م: «يعذلونني... الفؤاد المعبّد» . و في حـ:

لقد طاب تعذيب الفؤاد المفند

536

57-أخبار إسماعيل بن يسار و نسبه‏

كان منقطعا إلى آل الزبير ثم اتصل بعبد الملك بن مروان و مدحه و الخلفاء من ولده:

حدّثني عمّي قال حدّثني أحمد بن أبي خيثمة قال حدّثنا مصعب بن عبد اللّه الزّبيريّ قال:

كان إسماعيل بن يسار النّسائيّ مولى بني تيم بن مرّة: تيم قريش، و كان منقطعا إلى آل الزّبير. فلمّا أفضت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان، وفد إليه مع عروة بن الزّبير، و مدحه و مدح الخلفاء من ولده بعده. و عاش عمرا طويلا إلى أن أدرك آخر سلطان بني أميّة، و لم يدرك الدولة العبّاسيّة. و كان طيّبا مليحا مندرا[1]بطّالا، مليح الشّعر، و كان كالمنقطع إلى عروة بن الزّبير، و إنّما سمّي إسماعيل بن يسار النّسائيّ‏[2]، لأنّ أباه كان يصنع طعام العرس و يبيعه، فيشتريه منه من أراد التعريس من المتجمّلين و ممن لم تبلغ حاله اصطناع ذلك.

سبب تلقيبه بالنسائي:

و أخبرني الأسديّ قال حدّثنا أبو الحسن محمد بن صالح بن النّطّاح قال:

إنّما سمّي إسماعيل بن يسار النّسائيّ لأنه كان يبيع النّجد و الفرش التي تتّخذ للعرائس؛ فقيل له إسماعيل بن يسار النّسائيّ.

و أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد عن ابن عائشة:

أنّ إسماعيل بن يسار النّسائيّ إنّما لقّب بذلك لأنّ أباه كان يكون عنده طعام العرسات‏[3]مصلحا أبدا؛ فمن طرقه وجده عنده معدّا.

نادرة له مع عروة بن الزبير أثناء سفرهما للشام:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال قال مصعب بن عثمان:

لمّا خرج عروة بن الزّبير إلى الشأم يريد الوليد بن عبد الملك، أخرج معه إسماعيل بن يسار النّسائيّ، و كان منقطعا إلى آل الزّبير، فعادله‏[4]. فقال عروة ليلة من اللّيالي لبعض غلمانه: انظر كيف ترى المحمل؟قال: أراه [1]مندرا: يأتي بالنوادر من قول أو فعل. و بطال: كثير الهزل و المزاح؛ يقال: بطل الرجل يبطل بطالة (من باب فرح) إذا هزل.

[2]النسائيّ: نسبة إلى النساء الذي هو من أسماء جموع المرأة. و في «اللسان» : أن سيبويه يقول في النسبة إلى نساء: نسوي ردّا له إلى واحده.

[3]العرسات: جمع عرس و هو طعام الوليمة. و في حـ، م: «العرسان» بالنون في آخره. و في سائر الأصول: «العرسيات» .

[4]عادله: ركب معه في المحمل مقابلا له.

537

معتدلا. قال إسماعيل: اللّه أكبر، ما اعتدل الحقّ و الباطل قبل الليلة قطّ؛ فضحك عروة، و كان يستخفّ إسماعيل و يستطيبه.

تساب هو و آخر يكنى أبا قيس في اسميهما فغلبه:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن سعيد قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي عن أيّوب بن عباية المخزوميّ:

أنّ إسماعيل بن يسار كان ينزل في موضع يقال له حديلة[1]و كان له جلساء يتحدّثون عنده، ففقدهم أيّاما، و سأل عنهم فقيل: هم عند رجل يتحدّثون إليه طيّب الحديث حلو ظريف قدم عليهم يسمّى محمدا و يكنى أبا قيس.

فجاء إسماعيل فوقف عليهم، فسمع الرجل القوم يقولون: قد جاء صديقنا إسماعيل بن يسار؛ فأقبل عليه فقال له:

أنت إسماعيل؟قال نعم. قال: رحم اللّه أبويك فإنّهما سمّياك باسم صادق الوعد و أنت أكذب الناس. فقال له:

إسماعيل: ما اسمك؟قال: محمد. قال: أبو من؟قال: أبو قيس. قال: لا[2]!و لكن لا رحم اللّه أبويك؛ فإنّهما سمّياك باسم نبيّ و كنّياك بكنية قرد. /فأفحم الرجل و ضحك القوم، و لم يعد إلى مجالستهم، فعادوا إلى مجالسة إسماعيل.

استأذن على الغمر بن يزيد فحجبه ساعة فدخل يبكي لحجبه و ادّعى نيته نفاقا:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز[3]قال حدّثنا المدائنيّ عن نمير العذريّ قال:

استأذن إسماعيل بن يسار النّسائيّ على الغمر بن يزيد بن عبد الملك يوما، فحجبه ساعة ثم أذن له، فدخل يبكي. فقال له الغمر: مالك يا أبا فائد تبكي؟قال: و كيف لا أبكي و أنا على مروانيّتي و مروانيّة أبي أحجب عنك! فجعل الغمر يعتذر إليه و هو يبكي؛ فما سكت حتّى وصله الغمر بجملة لها قدر. و خرج من عنده، فلحقه رجل فقال له: أخبرني ويلك يا إسماعيل، أيّ مروانيّة كانت لك أو لأبيك؟قال: بغضنا إيّاهم، امرأته‏[4]طالق إن لم يكن يلعن‏[5]مروان و آله كلّ يوم مكان التسبيح، و إن لم يكن أبوه حضره الموت، فقيل له: قل لا إله إلاّ اللّه، فقال: لعن اللّه مروان، تقرّبا بذلك إلى اللّه تعالى و إبدالا له من التوحيد و إقامة له مقامه.

شعره الذي يفخر فيه بالعجم على العرب:

أخبرني عمّي قال حدّثني أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثني مصعب قال:

قال إسماعيل بن يسار النّسائيّ قصيدته التي أوّلها:

[1]كذا في ب، حـ. ء، ط. و حديلة محلة بالمدينة بها دار عبد الملك بن مروان. و في سائر الأصول: «جديلة» بالجيم. و جديلة: مكان في طريق خارج البصرة؛ و هذا لا يتفق مع سياق الخبر.

[2]في حـ: «قال: و لكن لا رحم... إلخ» بدون «لا» .

[3]كذا في حـ، و هو الصواب. (راجع الحاشية 2 ص 277 ج 3 من هذه الطبعة) . و في سائر الأصول: «أحمد بن إسماعيل الخزاز» بزايين.

[4]في ط، ء: «مرته الطلاق» . مرة (على وزن ستة) : لغة في امرأة.

[5]كذا في ط، م. ء. و في سائر الأصول: «إن لم تكن أمه تلعن... إلخ» .

538

ما على رسم منزل بالجناب‏[1] # لو أبان الغداة رجع الجواب

غيّرته الصّبا و كلّ ملثّ‏[2] # دائم الودق مكفهرّ السّحاب

/دار هند و هل زماني بهند # عائد بالهوى و صفو الجناب

كالذي كان و الصفاء مصون # لم تشبه بهجرة و اجتناب

ذاك منها إذ أنت كالغصن غضّ # و هي رؤد[3]كدمية المحراب

غادة تستبي العقول بعذب # طيّب الطعم بارد الأنياب

و أثيث‏[4]من فوق لون نقيّ # كبياض اللّجين في الزّرياب

فأقلّ الملام فيها و أقصر # لجّ قلبي من لوعة و اكتئاب‏[5]

صاح أبصرت أو سمعت براع # ردّ في الضّرع ما قرى في العلاب‏[6]

[انقضت شرّتي و أقصر جهلي # و استراحت عواذلي من عتابي‏][7]

و قال فيها يفخر على العرب بالعجم:

ربّ خال متوّج لي و عمّ # ماجد مجتدى كريم النّصاب

إنّما سمّي الفوارس بالفر # س مضاهاة رفعة الأنساب

فاتركي الفخر يا أمام علينا # و اتركي الجور و انطقي بالصّواب

و اسألي إن جهلت عنّا و عنكم # كيف كنّا في سالف الأحقاب

إذ نربّي بناتنا و تدسّو # ن سفاها بناتكم في التّراب‏

/فقال رجل من آل كثير بن الصّلت: إنّ حاجتنا إلى بناتنا غير حاجتكم؛ فأفحمه. يريد: أنّ العجم يربّون بناتهم لينكحوهنّ، و العرب لا تفعل ذلك. و في هذه الأبيات غناء، نسبته:

[1]الجناب (بالفتح) : الفناء و ما قرب من محلة القوم، و قيل: هو موضع في أرض كلب في السّماوة بين العراق و الشام. و الجناب (بالكسر) : موضع بعراض خيبر و سلاح و وادي القرى، و قيل: هو من منازل بني مازن. و قال نصر: الجناب: من ديار بني فزارة بين المدينة و فيد. (انظر «معجم البلدان» لياقوت) .

[2]يقال: ألثّ المطر و لث إذا أقام أياما و لم يقلع. و الودق: المطر.

[3]الرؤد: الشابة الحسنة. و الدّمية: الصورة.

[4]شعر أثيث: كثير عظيم. و الزرياب: الذهب، و قيل: ماؤه، معرب زر أي ذهب، و آب أي ماء (خففت الهمزة فأبدلت ياء) . و في حـ: «و الزرباب» بواو العطف.

[5]في ء، ط: «من عولتي و اكتئابي» . و العولة و العول: البكاء و الصياح.

[6]كذا في أكثر الأصول. و قرى الماء في الحوض: جمعه. و العلاب: جمع علبة، و هي إناء كالقدح الضخم، تتخذ من جلود الإبل أو الخشب يحلب فيها. و في ء، ط و «تجريد الأغاني» لابن واصل الحموي: «الحلاب» بالحاء المهملة. و الحلاب (بالكسر) : الإناء الذي يحلب فيه اللبن.

[7]الزيادة عن «تجريد الأغاني» لابن واصل الحموي، و قد ذكره المؤلف بعد قليل.

539
صوت‏

صاح أبصرت أو سمعت براع # ردّ في الضّرع ما قرى في العلاب

انقضت شرّتي و أقصر جهلي # و استراحت عواذلي من عتابي‏

/الشعر لإسماعيل بن يسار النّسائيّ. و الغناء لمالك خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. و ذكر عمرو بن بانة في نسخته الأولى أنّ فيه للغريض خفيف ثقيل بالبنصر، و ذكر في نسخته الثانية أنه لابن سريج. و ذكر الهشاميّ أنّ لحن ابن سريج رمل بالوسطى، و أنّ لحن الغريض ثقيل أوّل.

كان شعوبيا شديد التعصب للعجم:

و حدّثني بهذا الخبر عمّي قال حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب قال:

إسماعيل بن يسار يكنى أبا فائد، و كان أخواه محمد و إبراهيم شاعرين أيضا، و هم من سبى فارس. و كان إسماعيل شعوبيّا[1]شديد التعصّب للعجم، و له شعر كثير يفخر فيه بالأعاجم. قال: فأنشد يوما في مجلس فيه أشعب قوله:

إذ نربّي بناتنا و تدسّو # ن سفاها بناتكم في التّراب‏

فقال له أشعب: صدقت و اللّه يا أبا فائد، أراد القوم بناتهم لغير ما أردتموهنّ له. قال: و ما ذاك؟قال: دفن القوم بناتهم خوفا من العار، و ربّيتموهنّ لتنكحوهنّ. قال: فضحك القوم حتى استعربوا[2]، و خجل إسماعيل حتّى لو قدر أن يسيخ في الأرض لفعل.

رماه عبد الصمد في البركة بثيابه بإيعاز من الوليد بن يزيد ثم مدح الوليد فأكرمه:

أخبرني الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال أخبرني أبو سلمة الغفاريّ قال أخبرنا أبو عاصم الأسلميّ قال:

بينا ابن يسار النّسائيّ مع الوليد بن يزيد جالس على بركة، إذ أشار الوليد إلى مولى له يقال له عبد الصمد، فدفع ابن يسار النسائيّ في البركة بثيابه؛ فأمر به الوليد فأخرج. فقال ابن يسار:

قل لوالي العهد[3]إن لاقيته # و وليّ العهد أولى بالرّشد

إنّه و اللّه لو لا أنت لم # ينج منّي سالما عبد الصّمد

[1]الشعوبية: فرقة لا تفضل العرب على العجم و لا ترى لهم فضلا على غيرهم، و يرون التسوية بين الشعوب.

[2]أي بالغوا في الضحك.

[3]كذا في أكثر النسخ. و في ط، ء: «قل لولي العهد... إلخ» بدون ألف بعد الواو. و على هذه الرواية يكون قد دخله الخزم، و هو زيادة حرف في أوّل الجزء أو حرفين أو حروف من حروف المعاني نحن الواو و بل و إذا. و أكثر ما جاء من الخزم بحروف العطف.

فالخزم بالواو كقول امرئ القيس:

و كأن ثبيرا في أفانين ودقه # كبير أناس في بجاد مزمّل‏

و قد يأتي الخزم في أوّل المصراع الثاني، كما أنشد ابن الأعرابي:

بل بريقا بتّ أرقبه # «بل» لا يرى إلا إذا اعتلما

و ربما اعترض في حشو النصف الثاني بين سبب و وتد، كقول مطر بن أشيم:

الفخر أوّله جهل و آخره # حقد «إذا» تذكرت الأقوال و الكلم‏

540

إنّه قد رام منّي خطّة # لم يرمها قبله منّي أحد

فهو مما رام منّي كالذي # يقنص الدّرّاج‏[1]من خيس‏[2]الأسد

فبعث إليه الوليد بخلعة سنية وصلة و ترضّاه. و قد روي هذا الخبر لسعيد بن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت في قصة أخرى، و ذكر هذا الشعر له فيه.

استنشد أحد ولد جعفر بن أبي طالب الأحوص قصيدة فلما سمعها أنشد هو قصيدة من شعره فأعجب بها الطالبي:

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد قرأت على أبي‏[3]: حدّثني مصعب بن عبد اللّه قال سمعت إبراهيم بن أبي عبد اللّه يقول:

ركب فلان من ولد جعفر بن أبي طالب رحمه اللّه بإسماعيل بن يسار النّسائيّ حتّى أتى به قباء؛ فاستخرج الأحوص فقال له: أنشدني قولك:

ما ضرّ جيراننا إذ انتجعوا # لو أنّهم قبل بينهم ربعوا

فأنشده القصيدة. فأعجب بها، ثم انصرف. فقال له إسماعيل بن يسار: أ ما جئت إلاّ لما أرى؟قال لا[4].

قال: فاسمع، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

ما ضر أهلك لو تطوّف عاشق # بفناء بيتك أو ألمّ فسلّما

فقال: و اللّه لو كنت سمعت هذه القصيدة أو علمت أنك قلتها لما أتيته. و في أبيات من هذا الشعر غناء نسبته:

صوت‏

يا هند ردّي الوصل أن يتصرّما # وصلي امرأ كلفا بحبّك مغرما

لو تبذلين لنا دلالك مرّة # لم نبغ منك سوى دلالك محرما

/منع الزيارة أنّ أهلك كلّهم # أبدوا لزورك غلظة و تجهّما

ما ضرّ أهلك لو تطوّف عاشق # بفناء بيتك أو ألمّ فسلّما

الشعر لإسماعيل بن يسار النّسائيّ. و الغناء لابن مسجح خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. و فيه لإبراهيم الموصليّ رمل بالبنصر عن حبش.

[1]الدرّاج (بضم الدال و تشديد الراء) : طائر أسود باطن الجناحين و ظاهرهما أغبر على خلقة القطا إلا أنه ألطف. و جعله الجاحظ من أقسام الحمام؛ لأنه يجمع فراخه تحت جناحيه كما يجمع الحمام. و هو من طير العراق كثير النتاج. و في المثل: فلان «يطلب الدرّاج من خيس الأسد» . يضرب لمن يطلب ما يتعذر وجوده. (انظر كتاب «حياة الحيوان» للدميري ج 1 ص 417 طبع بلاق) .

[2]خيس الأسد: غابته و مكانه.

[3]في م: «... قرأت على أبي قال حدّثني... » .

[4]كذا في جميع الأصول. و ظاهر أن المقام مقام «بلى» . فلعل هذا خطأ من النساخ.

541

سمع زبان السوّاق شعره فبكى:

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: أنشد رجل زبّان‏[1]السوّاق قول إسماعيل بن يسار:

ما ضرّ أهلك لو تطوّف عاشق # بفناء بيتك أو ألمّ فسلّما

فبكى زبّان‏[1]، ثم قال: لا شي‏ء و اللّه إلاّ الضّجر و سوء الخلق و ضيق الصدر، و جعل يبكي و يمسح عينيه.

شعره الذي تشاجر بسببه أبو المعافي مع زبان السوّاق:

أخبرني محمد بن جعفر الصّيدلانيّ النحويّ صهر المبرّد[2]قال حدّثني طلحة بن عبد اللّه بن‏[3]إسحاق الطّلحيّ قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال حدّثني جعفر بن الحسين المهلّبي قال:

أنشدت زبّان‏[3]السّواق قول إسماعيل بن يسار النّسائيّ:

صوت‏

إن جملا[4]و إن تبيّنت منها # نكبا عن مودّتي و ازورارا

شرّدت‏[5]بادّكارها النّوم عنّي # و أطير العزاء منّي فطارا

ما على أهلها و لم تأت‏[6]سوءا # أن تحيّا تحيّة أو تزارا

يوم أبدوا لي التّجهّم فيها # و حموها لجاجة و ضرارا

/فقال زبّان: لا شي‏ء و أبيهم إلاّ اللّحز[7]و قلّة المعرفة و ضيق العطن‏[8]. فصاح عليه أبو المعافى و قال:

فعلى من ذاك ويلك!أ عليك أو على أبيك أو أمّك؟فقال له زبّان: إنّما أتيت يا أبا المعافى من نفسك، لو كنت تفعل هذا ما اختلفت أنت و ابنك. فوثب إليه أبو المعافى يرميه بالتّراب و يقول له: ويحك يا سفيه!تحسن الدّياثة!و زبّان يسعى هربا منه.

الغناء في هذه الأبيات لابن مسجح خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المكيّ و حمّاد، و ذكر الهشاميّ و حبش أنه لابن محرز، و أنّ لحن ابن مسجح ثاني ثقيل.

[1]في حـ: «ريان السوّاق» بالراء و الياء المثناة من تحت.

[2]في «إنباه الرواة» للقفطي (ص 56 ج 2 قسم أوّل، عن النسخة الفوتوغرافية المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 2579 تاريخ) : «محمد بن جعفر الصيدلاني صهر أبي العباس المبرد على ابنته» .

[3]في ط، م، ء: «أبو إسحاق» . و لم نوفق لتحقيق هذا الاسم في المظانّ: أ هو كنية لطلحة أم أن إسحاق اسم جدّه.

[4]في حـ: «إن جملا خلى تبينت... » .

[5]في ط، م، ء: «شرقت بادّكارها اليوم عيني» . و شرقت العين: احمرّت، أو امتلأت بالدمع.

[6]كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «و لم نأت» بالنون.

[7]كذا في ط، ء. و اللحز (بالتحريك) : الشح و البخل. و في سائر الأصول: «اللحن» النون بدل الزاي، و هو تحريف.

[8]ضيق العطن: كناية عن الجمق و ضيق الصدر.

542

طلبه الوليد بن يزيد من الحجاز فحضر و أنشده فأكرمه:

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال:

غنّي الوليد بن يزيد في شعر لإسماعيل بن يسار، و هو:

حتّى إذا الصبح بدا ضوأه # و غارت الجوزاء و المرزم‏[1]

خرجت و الوطء خفيّ كما # ينساب من مكمنه الأرقم‏[2]

فقال: من يقول هذا؟قالوا: رجل من أهل الحجاز يقال له إسماعيل بن يسار النّسائي؛ فكتب في إشخاصه إليه. فلمّا دخل عليه استنشده القصيدة التي هذان البيتان منها؛ فأنشده:

كلثم أنت الهمّ يا كلثم # و أنتم دائي الذي أكتم

أكاتم الناس هوى شفّني # و بعض كتمان الهوى أحزم

/قد لمتني ظلما بلا ظنّة # و أنت فيما بيننا ألوم

أبدي الذي تخفينه ظاهرا # ارتدّ عنه فيك أو أقدم

/إمّا بيأس منك أو مطمع # يسدى بحسن الودّ أو يلحم

لا تتركيني هكذا ميّتا # لا أمنح الودّ و لا أصرم

أوفي بما قلت و لا تندمي # إنّ الوفيّ القول لا يندم

آية[3]ما جئت على رقبة # بعد الكرى و الحيّ قد نوّموا

أخافت المشي حذار العدا[4] # و الليل داج حالك مظلم

و دون ما حاولت‏[5]إذ زرتكم # أخوك و الخال معا و العم

و ليس إلاّ اللّه لي صاحب # إليكم و الصارم اللّهذم‏[6]

حتّى دخلت البيت فاستذرفت # من شفق عيناك لي تسجم

ثم انجلى الحزن و روعاته # و غيّب الكاشح و المبرم‏[7]

فبتّ فيما شئت من نعمة[8] # يمنحنيها[9]نحرها و الفم‏

[1]المرزم: من نجوم المطر، و أكثر ما يذكر هذا اللفظ بصيغة المثنى، فيقال: المرزمان.

[2]الأرقم: أخبث الحيات، و الأنثى «رقشاء» ، بالشين، و لا يقال: «رقماء» بالميم؛ لأنه قد جعل اسما منسلخا عن الوصفة.

[3]في ب، حـ: «إيه بما جئت... إلخ» .

[4]في ء، ط، م: «حذار الردى» .

[5]في حـ: «و دون ما جاوزت» .

[6]اللهذم: القاطع من السيوف و الأسنة.

[7]المبرم: الجليس الثقيل.

[8]النعمة بفتح النون: المسرة و الفرح و الترفه.

[9]في ء، ط، م: «جاد بها لي ثغرها و الفم» . ـ

543

حتّى إذا الصبح بدا ضوأه # و غارت‏[1]الجوزاء و المرزم

خرجت و الوطء خفيّ كما # ينساب من مكمنه الأرقم‏

قال: فطرب الوليد حتّى نزل عن فرشه و سريره، و أمر المغنّين فغنّوه الصوت و شرب عليه أقداحا، و أمر لإسماعيل بكسوة و جائزة سنيّة، و سرّحه إلى المدينة.

نسبة هذا الصوت‏

سمع شيخ قينة تغني بشعره فألقى بنفسه في الفرات إعجابا به:

الشعر لإسماعيل بن يسار النّسائيّ. و الغناء لابن سريج رمل.

حدّثنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا إسحاق الموصليّ قال حدّثنا محمد بن كناسة قال:

اصطحب شيخ و شباب في سفينة من الكوفة؛ فقال بعض الشباب للشيخ: إنّ معنا قينة لنا، و نحن نجلّك و نحبّ أن نسمع‏[2]غناءها. قال: اللّه المستعان؛ فأنا أرقى على الأطلال‏[3]و شأنكم. فغنّت:

حتّى إذا الصبح بدا ضوأه # و غارت الجوزاء و المرزم

أقبلت و الوطء خفيّ كما # ينساب من مكمنه الأرقم‏

قال: فألقى الشيخ بنفسه في الفرات، و جعل يخبط بيديه و يقول: أنا الأرقم!أنا الأرقم!فأدركوه و قد كاد يغرق؛ فقالوا: ما صنعت بنفسك؟فقال: إنّي و اللّه أعلم من معاني الشعر ما لا تعلمون.

مدح عبد اللّه بن أنس فلم يكرمه فهجاه:

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أبو مسلم المستملي عن المدائنيّ قال:

مدح إسماعيل بن يسار النّسائيّ رجلا من أهل المدينة يقال له عبد اللّه بن أنس، و كان قد اتّصل ببني مروان و أصاب منهم خيرا، و كان إسماعيل صديقا/له؛ فرحل إلى دمشق إليه، فأنشده مديحا له و متّ إليه بالجوار و الصداقة؛ فلم يعطه شيئا. فقال يهجوه:

لعمرك ما إلى حسن رحلنا # و لا زرنا حسينا يا ابن أنس‏

(يعني الحسن و الحسين رضي اللّه تعالى عنهما) .

[1]في ء، ط: «و غابت» و كلتاهما بمعنى.

[2]في ء، ط: «تسمع» بتاء الخطاب.

[3]كذا في م. و الأطلال: جمع طلل. و طلل السفينة: شراعها. و في س: «الظلال» . و في سائر الأصول: «الأظلال» و كلاهما تحريف.

544

و لا[1]عبدا لعبدهما[2]فنحظى # بحسن الحظّ منهم غير بخس

/و لكن ضبّ جندلة[3]أتينا # مضبّا[4]في مكامنه يفسّي

فلمّا أن أتيناه و قلنا # بحاجتنا تلوّن لون ورس‏[5]

و أعرض غير منبلج لعرف # و ظلّ مقرطبا[6]ضرسا بضرس‏[7]

فقلت لأهله أبه كزاز[8] # و قلت لصاحبي أ تراه يمسي

فكان الغنم أن قمنا جميعا # مخافة أن نزنّ‏[9]بقتل نفس‏

رثاؤه لمحمد بن عروة:

حدّثني عمّي‏[10]قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا مصعب بن عبد اللّه قال:

وفد عروة بن الزّبير إلى الوليد بن عبد الملك و أخرج معه إسماعيل بن يسار النّسائيّ، فمات في تلك الوفادة محمد بن عروة بن الزّبير، و كان مطّلعا على دوابّ الوليد بن عبد الملك، فسقط من فوق السطح بينها، فجعلت ترمحه‏[11]حتى قطّعته، كان جميل الوجه جوادا. فقال إسماعيل بن يسار يرثيه:

صلّى الإله على فتى فارقته # بالشأم في جدث الطّويّ‏[12]الملحد[13]

بوّأته بيديّ دار إقامة # نائي المحلة عن مزار العوّد

و غبرت أعوله‏[14]و قد أسلمته # لصفا[15]الأماعز و الصّفيح‏[16]المسند

[1]ورد بعض هذه الأبيات في كتاب «عيون الأخبار» (ج 3 ص 154 طبع دار الكتب المصرية) منسوبا إلى الحارث الكنديّ هكذا:

فلما أن أتيناه و قلنا # بحاجتنا تلوّن لون ورس

و آض بكفه يحتك ضرسا # يرينا أنه وجع بضرس

فقلت لصاحبي أبه كزاز # و قلت أسرّه أ تراه يمسي

و قمنا هاربين معا جميعا # نحاذر أن نزنّ بقتل نفس‏

[2]كذا في ط، م، ء. و في سائر الأصول: «لعبدهم» .

[3]الجندلة: واحدة الجندل و هي الحجارة.

[4]أضب في المكان: لزمه فلم يفارقه.

[5]الورس: نبات أصفر يكون باليمن يتخذ منه طلاء للوجه، و نباته مثل نبات السمسم.

[6]المقرطب (بكسر الطاء) : الغضبان.

[7]كذا في ء، ط. و في سائر النسخ: «ضرسا لضرس» .

[8]الكزاز (كغراب و رمّان) : داء يأخذ من شدّة البرد و تعتري منه رعدة.

[9]نزن: نتهم.

[10]في م: «حدّثني الحسن» . و هو الحسن بن محمد عمّ صاحب «الأغاني» .

[11]ترمحه: تضربه بأرجلها.

[12]الطويّ: المراد به هنا القبر المعرّش بالحجارة و الآجرّ.

[13]ألحد القبر: عمل له لحدا.

[14]أعول الرجل: رفع صوته بالبكاء.

[15]الصفا: جمع صفاة و هي الحجر الصلد الضخم لا ينبت. و الأماعز: جمع أمعز، و هو المكان الصلب الكثير الحصى.

[16]الصفيح و الصفيحة: واحد الصفائح و هي الحجارة العريضة. و المسند: المتراكب بعضه فوق بعض.

545

متخشّعا للدهر ألبس حلّة # في النائبات بحسرة و تجلّد

أعني ابن عروة إنّه قد هدّني # فقد ابن عروة هدّة لم تقصد

فإذا ذهبت إلى العزاء أرومه # ليرى المكاشح بالعزاء تجلّدي

منع التّعزّي أنّني لفراقه # لبس العدوّ عليّ جلد الأربد[1]

و نأى الصديق فلا صديق أعدّه # لدفاع نائبة الزّمان المفسد

فلئن تركتك يا محمد ثاويا # لبما تروح‏[2]مع الكرام و تغتدي

/كان الذي يزع العدوّ بدفعه # و يردّ نخوة ذي المراح‏[3]الأصيد

فمضى لوجهته و كلّ معمّر # يوما سيدركه حمام الموعد

دخل على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير و مدحه فأكرمه:

حدّثني عمّي قال حدّثني أحمد بن أبي خيثمة قال حدّثنا مصعب بن عبد اللّه عن أبيه:

أن إسماعيل بن يسار دخل على عبد الملك بن مروان لمّا أفضى إليه الأمر بعد مقتل عبد اللّه بن الزّبير، فسلّم و وقف موقف المنشد و استأذن في الإنشاد. فقال له عبد الملك: الآن يا ابن يسار!إنّما أنت امرؤ زبيريّ، فبأيّ لسان تنشد؟فقال له: يا أمير المؤمنين، أنا أصغر شأنا من ذلك، و قد صفحت عن أعظم جرما و أكثر غناء لأعدائك منّي، و إنما أنا شاعر مضحك. فتبسّم عبد الملك؛ و أومأ إليه الوليد بأن ينشد. فابتدأ فأنشد قوله:

ألا يا لقومي للرّقاد المسهّد # و للماء ممنوعا من الحائم الصّدي

و للحال بعد الحال يركبها الفتى # و للحبّ بعد السّلوة المتمرّد

و للمرء يلحى في التصابي و قبله # صبا بالغواني كلّ قرم ممجّد

و كيف تناسي القلب سلمى و حبّها # كجمر غضى بين الشّراسيف‏[4]موقد

حتى انتهى إلى قوله:

/

إليك إمام النّاس من بطن يثرب # و نعم أخو ذي الحاجة المتعمّد

رحلنا لأنّ الجود منك خليقة # و أنّك لم يذمم جنابك مجتدي

ملكت فزدت النّاس ما لم يزدهم # إمام من المعروف غير المصرّد[5] /

و قمت‏[6]فلم تنقض قضاء خليفة # و لكن بما ساروا من الفعل تقتدي‏

[1]الأربد هنا: الأسد.

[2]كذا في ء، ط، م. و في سائر النسخ: «على الكرام» .

[3]المراح: الأشر و النشاط. و الأصيد: الذي يرفع رأسه كبرا. و منه قيل لملك: أصيد؛ لأنه لا يلتفت يمينا و لا شمالا.

[4]الشراسيف: أطراف أضلاع الصدر التي تشرف على البطن.

[5]صرّد عطاءه: قلّله، و قيل: أعطاه قليلا قليلا.

[6]في ء، ط. «و قلت» .

546

و لمّا وليت الملك ضاربت دونه # و أسندته لا تأتلي خير مسند

جعلت هشاما و الوليد ذخيرة # وليّين للعهد الوثيق المؤكّد

قال: فنظر إليهما عبد الملك متبسّما، و التفت إلى سليمان فقال: أخرجك إسماعيل من هذا الأمر. فقطب سليمان و نظر إلى إسماعيل نظر مغضب. فقال إسماعيل: يا أمير المؤمنين، إنما وزن الشعر أخرجه من البيت الأوّل، و قد قلت بعده:

و أمضيت عزما في سليمان راشدا # و من يعتصم باللّه مثلك يرشد

فأمر له بألفي درهم صلة، و زاد في عطائه، و فرض له، و قال لولده: أعطوه؛ فأعطوه ثلاثة آلاف درهم.

استنشده هشام بن عبد الملك فافتخر و رمى به في بركة ماء و نفاه إلى الحجاز:

أخبرني عمّي قال حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة قال ذكر ابن النّطّاح عن أبي اليقظان:

أنّ إسماعيل بن يسار دخل على هشام بن عبد الملك في خلافته و هو بالرّصافة جالس على بركة له في قصره، فاستنشده و هو يرى أنه ينشده مديحا له؛ فأنشده قصيدته التي يفتخر فيها بالعجم:

يا ربع رامة[1]بالعلياء من ريم‏[2] # هل ترجعنّ إذا حيّيت تسليمي

/ما بال حيّ غدت بزل المطيّ بهم # تخدي لغربتهم سيرا بتقحيم‏[3]

كأنّني يوم ساروا شارب سلبت # فؤاده قهوة من خمر داروم‏[4]

حتّى انتهى إلى قوله:

إنّي و جدّك ما عودي بذي خور # عند الحفاظ و لا حوضي بمهدوم

أصلي كريم و مجدي لا يقاس به # و لي لسان كحدّ السّيف مسموم‏[5]

أحمي به مجد أقوام ذوي حسب # من كلّ قرم بتاج الملك معموم

جحاجح‏[6]سادة بلج مرازبة # جرد عتاق مساميح مطاعيم‏

[1]رامة: منزل بينه و بين الرمادة ليلة في طريق البصرة إلى مكة. و بين رامة و بين البصرة اثنتا عشرة مرحلة. و قيل: رامة: هضبة أو جبل ببني دارم.

[2]رئم (بكسر أوّله و همز ثانيه و سكونه و قيل بالياء غير مهموز) : واد لمزينة قرب المدينة، و قيل: على ثلاثين ميلا من المدينة، و قيل:

على أربعة برد من المدينة أو ثلاثة. (و البريد فرسخان أو أربعة فراسخ، و الفرسخ: ثلاثة أميال) .

[3]بزل (ككتب و يسكن) : جمع بزول، و البزول: الناقة في تاسع سنيها و ليس بعده سن تسمى. و خدي الفرس و البعير: أسرع و زجّ بقوائمه. و التقحيم: طيّ المنازل و عدم النزول بها؛ يقال: قحم المنازل إذا طواها، و قحّمت الإبل راكبيها: جعلتهم يطوون المنازل منزلا منزلا من غير أن ينزلوا بها.

[4]داروم: قلعة بعد غزّة للقاصد إلى مصر، و الواقف فيها يرى البحر إلا أن بينها و بين البحر مقدار فرسخ، خربها صلاح الدين لما ملك الساحل في سنة 584 هـ تنسب إليها الخمر.

[5]الظاهر أن هذه الكلمة مرفوعة، و بذلك يكون في الشعر إقواء. على أنه يمكن أن يكون أصل الكلام: «إلى لسان... » بدل «و لي لسان... » .

[6]جحاجح: جمع جحجح، و الجحجح و الجحجاح: السيد الكريم. و المرازبة: جمع مرزبان، و هو رئيس الفرس.

547

من مثل كسرى و سابور الجنود معا # و الهرمزان‏[1]لفخر أو لتعظيم

أسد الكتائب يوم الرّوع إن زحفوا # و هم أذلّوا ملوك التّرك و الرّوم

يمشون في حلق الماذيّ سابغة # مشى الضّراغمة الأسد اللّهاميم‏[2]

هناك إن تسألي تنبي بأنّ لنا # جرثومة[3]قهرت عزّ الجراثيم‏

قال: فغضب هشام و قال له: يا عاضّ بظر أمّه!أ عليّ تفخر و إيّاي تنشد قصيدة تمدح بها نفسك و أعلاج قومك!!غطّوه في الماء، فغطّوه في البركة/حتى كادت نفسه تخرج، ثم أمر بإخراجه و هو بشرّ و نفاه من وقته، فأخرج عن الرّصافة منفيّا إلى الحجاز. قال: كان مبتلى بالعصبيّة للعجم و الفخر بهم، فكان لا يزال مضروبا محروما مطرودا.

مدح الوليد و الغمر ابني يزد فأكرماه:

أخبرني عمّي قال/حدّثني أحمد بن أبي خيثمة قال قال ابن النطّاح و حدّثني أبو اليقظان:

أنّ إسماعيل بن يسار وفد إلى الوليد بن يزيد، و قد أسنّ و ضعف، فتوسّل إليه بأخيه الغمر و مدحه بقوله:

نأتك سليمى فالهوى متشاجر # و في نأيها للقلب داء مخامر

نأتك و هام القلب، نأيا بذكرها[4] # و لجّ كما لجّ الخليع المقامر

بواضحة الأقراب‏[5]خفّاقة الحشى # برهرهة[6]لا يجتويها[7]المعاشر

يقول فيها يمدح الغمر بن يزيد:

إذا عدّد الناس المكارم و العلا # فلا يفخرن يوما على الغمر فاخر

فما مرّ من يوم على الدهر واحد # على الغمر إلاّ و هو في الناس غامر[8]

تراهم خشوعا حين يبدو[9]مهابة # كما خشعت يوما لكسرى الأساور

أغرّ بطاحيّ‏[10]كأنّ جبينه # إذا ما بدا بدر إذا لاح باهر

[1]الهرمزان: الكبير من ملوك العجم.

[2]حلق: جمع حلقة و هي هنا الدرع. و الماذي: الدروع السهلة اللينة أو البيضاء. و اللهاميم: جمع لهميم و هو السابق الجواد من الخيل و الناس.

[3]جرثومة الشي‏ء: أصله.

[4]أي نأتك نأيا و هام القلب بذكرها.

[5]الأقراب: جمع قرب و هي الخاصرة.

[6]البرهرهة: المرأة البيضاء الشابة الناعمة.

[7]في أكثر الأصول: «لا يستويها» . و في م: «لا يحتويها» و كلاهما تحريف. و ما أثبتناه هو تصحيح الشنقيطي في نسخته، و هو الذي يستقيم به المعنى. و اجتواه: كرهه.

[8]في م:

فما مر من يوم من الدهر واحد # من الغمر إلا و هو للناس غامر

[9]كذا في حـ، و به صحح الشنقيطي نسخته. و في سائر الأصول: «تبدو» .

[10]البطاحيّ: نسبة إلى البطاح، و هي التي كان ينزلها قريش البطاح، و هم أشرف قريش و أكرمهم. (انظر الحاشية رقم 3 ص 254 من الجزء الأوّل من هذه الطبعة) .

548

/

وقى عرضه بالمال فالمال جنّة # له و أهان المال و العرض وافر

و في سيبه للمجتدين عمارة # و في سيفه للدّين عزّ و ناصر

نماه إلى فرعي لؤيّ بن غالب # أبوه أبو العاصي و حرب و عامر

و خمسة آباء له قد تتابعوا # خلائف عدل ملكهم متواتر

بهاليل سبّاقون في كلّ غاية # إذا استبقت في المكرمات المعاشر

هم خير من بين الحجون إلى الصّفا # إلى حيث أفضت بالبطاح الحزاور[1]

و هم جمعوا هذا الأنام على الهدى # و قد فرّقت بين الأنام البصائر

قال: فأعطاه الغمر ثلاثة آلاف درهم و أخذ له من أخيه الوليد ثلاثة آلاف درهم.

أخبرني عمي قال حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب قال:

لمّا مات محمد بن يسار، و كانت وفاته قبل أخيه، دخل إسماعيل على هشام بن عروة، فجلس عنده و حدّثه بمصيبته و وفاة أخيه، ثم أنشده يرثيه:

عيل العزاء و خانني صبري # لمّا نعى الناعي أبا بكر

و رأيت ريب الدّهر أفردني # منه و أسلم للعدا ظهري

من طيّب الأثواب مقتبل # حلو الشمائل ماجد غمر[2]

فمضى لوجهته و أدركه # قدر أنيح له من القدر

و غبرت‏[3]مالي من تذكّره # إلاّ الأسى و حرارة الصدر

و جوى يعاودني‏[4]و قلّ له # منّي الجوى و محاسن الذّكر

/لمّا هوت أيدي الرّجال به # في قعر ذات جوانب غبر

و علمت أنّي لن ألاقيه # في الناس حتّى ملتقى الحشر

كادت لفرقته و ما ظلمت # نفسي تموت على شفا القبر

و لعمر من حبس الهديّ له # بالأخشبين‏[5]صبيحة النّحر

/لو كان نيل الخلد يدركه # بشر بطيب الخيم و النّجر[6]

[1]الحزاور: جمع حزورة، و هي الرابية الصغيرة، و منها الحزورة: سوق مكة و قد دخلت في المسجد لما زيد فيه. و في الحديث:

وقف النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بالحزورة فقال: «يا بطحاء مكة ما أطيبك من بلدة و أحبك إليّ، و لو لا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» .

[2]الغمر: الكريم الواسع الخلق.

[3]غبر هنا: مكث و بقي.

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «يعاورني» بالراء.

[5]الأخشبان: جبلان يضافان تارة إلى مكة و تارة إلى منى، أحدهما أبو قبيس و الآخر قعيقعان. و يقال: بل هما أبو قبيس و الجبل الأحمر المشرف هنالك.

[6]الخيم: الطبيعة و السجية، و قيل: الأصل. و النجر: الأصل.

549

لغبرت لا تخشى المنون و لا # أودى بنفسك حادث الدّهر

و لنعم مأوى المرملين إذا # قحطوا و أخلف صائب القطر

كم قلت آونة و قد ذرفت # عيني فماء شئونها يجري

أنّي و أيّ فتى يكون لنا # شرواك‏[1]عند تفاقم الأمر

لدفاع خصم ذي مشاغبة # و لعائل ترب أخي فقر

و لقد علمت و إن ضمنت جوى # مما أجنّ كواهج الجمر

ما لامرئ دون المنيّة من # نفق فيحرزه و لا ستر

قال: و كان بحضرة هشام رجل من آل الزّبير، فقال له: أحسنت و أسرفت في القول، فلو قلت هذا في رجل من سادات قريش لكان كثيرا. فزجره هشام و قال: بئس و اللّه ما واجهت به جليسك؛ فشكره إسماعيل، و جزاه خيرا. فلمّا انصرف تناول هشام الرجل الزّبيريّ و قال: ما أردت إلى رجل شاعر ملك قوله فصرف أحسنه إلى أخيه! ما زدت على أن أغريته بعرضك و أعراضنا لو لا أنّي/تلافيته. و كان محمد بن يسار أخو إسماعيل هذا الذي رثاه‏[2] شاعرا من طبقة أخيه؛ و له أشعار كثيرة. و لم أجد له خبرا فأذكره، و لكن له أشعار كثيرة يغنّى فيها. منها قوله في قصيدة طويلة:

صوت‏

غشيت الدار بالسّند # دوين الشّعب من أحد

عفت بعدي و غيّرها # تقادم سالف الأبد

الغناء لحكم الواديّ خفيف ثقيل عن الهشاميّ.

و لإسماعيل بن يسار ابن يقال له إبراهيم، شاعر أيضا، و هو القائل:

مضى الجهل عنك إلى طيّته # و آبك حلمك من غيبته‏[3]

و أصبحت تعجب مما رأيـ # ت من نقض دهر و من مرّته‏

و هي طويلة يفتخر فيها بالعجم كرهت الإطالة بذكرها.

انقضت أخباره.

[1]شرواك: مثلك.

[2]كذا في م: و في سائر الأصول: «أخو إسماعيل هذا رثاء شاعرا... » .

[3]في حـ: «من غيته» و الغية: الضلال و الفساد.

550

صوت‏
[1]

كليب لعمري كان أكثر ناصرا # و أيسر جرما منك ضرّج بالدّم

رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة # كحاشية البرد اليماني المنمنم‏[2]

عروضه من الطويل. الشعر للنابغة الجعديّ. و الغناء للهذليّ في اللحن المختار، و طريقته من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. و نذكر هاهنا/سائر ما يغنّى به في هذه الأبيات و غيرها من هذه القصيدة و ننسبه إلى صانعه‏[3]، ثم نأتي بعده بما يتبعه من أخباره. فمنها على الولاء سوى لحن الهذليّ:

كليب لعمري كان أكثر ناصرا # و أيسر جرما منك ضرّج بالدّم

/رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة # كحاشية البرد اليماني المسهّم‏[4]

أيا دار سلمى بالحروريّة[5]اسلمي # إلى جانب الصّمّان‏[6]فالمتثلّم‏[7]

أقامت به البردين ثم تذكّرت # منازلها بين الدّخول فجرثم‏[8]

و مسكنها بين الغروب‏[9]إلى اللّوى # إلى شعب ترعى بهنّ فعيهم‏[10]

ليالي تصطاد الرجال بفاحم‏[11] # و أبيض كالإغريض لم يتثلّم‏

في البيت الأوّل و الثاني لابن سريج ثقيل أوّل آخر بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق‏[12]و يونس.

و فيهما لمالك خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. و للغريض في الثالث و الرابع و الأوّل و الثاني ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى. و لإسحاق في الثالث و الأوّل ثقيل أوّل بالوسطى‏[13]، ذكر ذلك أبو العبيس [1]في م: «صوت من المائة المختارة» .

[2]برد منمنم: مرقوم موشي. و في م في هذا الموضع: «المسهم» كما في سائر الأصول فيما يأتي.

[3]في م: «إلى صاحبه» .

[4]البرد المسهم: المخطط.

[5]قال ياقوت: الحرورية منسوب في قول النابغة الجعدي حيث قال، ثم ذكر البيتين: أيا دار سلمى، و الذي بعده. و ربما كان منسوبا إلى حروراء، و هي رملة و عثة بالدهناء، أو موضع بظاهر الكوفة نزل به الخوارج الذين خالفوا عليّ بن أبي طالب، فنسبوا إليه.

[6]الصمان: بلد لبني تميم أرضه صلبة صعبة الموطئ.

[7]المتثلم (رواه أهل المدينة بفتح اللام و هو الذي ضبطه به ياقوت، و رواه غيرهم من أهل الحجاز بالكسر) : موضع بأوّل أرض الصمان.

[8]جرثم: ماء من مياه بني أسد تجاه الجواء، كما قال البكري في «معجم ما استعجم» ، و استشهد بقول النابغة الجعدي و ذكر البيت هكذا:

أقامت به البردين ثم تذكرت # منازلهم بين الجواء و جرثم‏

[9]الغروب: موضع لم يعينه ياقوت و قال: ذكره صاحب «اللسان» .

[10]عيهم: موضع على طريق اليمامة إلى نجد.

[11]الفاحم: الشعر الأسود الحسن. و الإغريض: الطلع حين ينشق عنه كافوره. يريد ذلك وجهها.

[12]هذه الكلمة ساقطة في ب.

[13]في م: «بالبنصر، و لإبراهيم في الأوّل و الثاني ثقيل أوّل بالوسطى ذكر ذلك أبو العنبس... إلخ» .

551

و الهشاميّ. و للغريض في الرابع ثم الأوّل خفيف ثقيل بالوسطى في رواية/عمرو بن بانة. و لمعبد فيهما[1]و فيّ الخامس و السادس خفيف ثقيل من رواية أحمد بن المكيّ. و لابن سريج في الخامس و السادس ثقيل أوّل بالبنصر من رواية عليّ‏[2]بن يحيى المنجّم، و ذكر غيره أنّه للغريض. و لإبراهيم فيه ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ، و ذكر حبش أنه لمعبد. و لابن محرز في الأوّل و الثاني و الثالث و الرابع هزج، ذكر ذلك أبو العبيس‏[3]، و ذكر قمريّ أنّه لأبي عيسى بن المتوكل لا يشكّ فيه. و للدّلال في الخامس و السادس ثاني ثقيل عن الهشاميّ، و ذكر أبو العبيس أنّه للهذليّ. و لعبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر في الرابع خفيف رمل. و لإسحاق في الثالث و الرابع أيضا ما خوريّ، و لمعبد خفيف ثقيل أوّل بالوسطى فيهما، و قيل: إنّه لحنه الذي ذكرنا متقدّما، و إنه ليس في هذا الشعر غيره. و ذكر حبش أنّ في هذه الأبيات التي أوّلها: «كليب لعمري» خفيف رمل بالوسطى، و للهذليّ خفيف ثقيل بالبنصر، و للدّلال رمل؛ فذلك ثمانية عشر صوتا. و أخبرني محمد بن إبراهيم قريص أنّ له فيهما (أعني الأوّل و الثاني) خفيفا[4]بالوسطى.

انتهى الجزء الرابع من كتاب الأغاني و يليه الجزء الخامس و أوّله ذكر النابغة الجعديّ و نسبه و أخباره [1]كذا في م. و في سائر النسخ: «فيها» .

[2]كذا في م. و في سائر النسخ: «علي بن أبي يحيى المنجم» . و هو تحريف.

[3]في م: «أبو العنبس» انظر الحاشية رقم 4 ص 96 من الجزء الأوّل من هذه الطبعة.

[4]في م: «خفيف ثقيل بالوسطى» .

552

فهرس موضوعات الجزء الرابع‏

الموضوع الصفحة

ذكر نسب أبي العتاهية و أخباره 261

أخبار فريدة 337

ذكر أمية بن أبي الصلت و نسبه و خبره 342

أخبار حسان بن ثابت و نسبه 352

ذكر الخبر عن غزاة بدر 376

نسب علس ذي جدن و أخباره 405

أخبار طويس و نسبه 407

ذكر الأحوص و أخباره و نسبه 411

ذكر الدلال و قصته 441

ذكر طريح و أخباره و نسبه 463

ذكر أخبار أبي سعيد مولى فائد و نسبه 481

ذكر من قتل أبو العباس السفاح من بني أمية 490

ذكر حميد بن ثور و نسبه و أخباره 500

أخبار فليح بن أبي العوراء 502

ذكر ابن هرمة و أخباره و نسبه 508

ذكر أخبار يونس الكاتب 529

أخبار ابن رهيمة 534

أخبار إسماعيل بن يسار و نسبه 536

فهرس موضوعات الجزء الرابع 553