الأغاني - ج6

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
535 /
341

كذب الفرزدق في شعر نسبه لنفسه فأقر:

حدّثني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني الكرانيّ محمد بن سعد عن النّضر بن عمرو عن الوليد بن هشام عن أبيه قال:

أنشدني الفرزدق و حماد الراوية حاضر:

و كنت كذئب السّوء لمّا رأى دما # بصاحبه يوما أحال‏[1]على الدم‏

فقال له حماد: آنت تقوله؟قال: نعم؛ قال: ليس الأمر كذلك، هذا لرجل من أهل اليمن؛ قال: و من يعلم هذا غيرك!أ فأردت‏[2]أن أتركه و قد نحلنيه الناس و رووه لي لأنك تعلمه وحدك و يجهله الناس جميعا غيرك!.

كان هو و أبو عمرو كل منهما يقدم الآخر على نفسه:

حدّثني‏[3]محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني الفضل قال حدّثني ابن النّطّاح قال حدّثني أبو عمرو الشّيباني قال:

ما سألت أبا عمرو بن العلاء قطّ عن حمّاد الراوية إلا قدّمه على نفسه، و لا سألت حمّادا عن أبي عمرو إلا قدّمه على نفسه.

هو أحد الحمادين الثلاثة:

حدّثنا إبراهيم بن أيّوب عن عبد اللّه بن مسلم، و ذكر عبد اللّه بن مسلم عن الثّقفيّ/عن إبراهيم بن عمر [و][4]العامري قالا:

/كان بالكوفة ثلاثة نفر يقال لهم الحمّادون: حماد عجرد، و حماد بن الزّبرقان، و حماد الراوية، يتنادمون على الشراب و يتناشدون الأشعار و يتعاشرون معاشرة جميلة، و كانوا كأنهم نفس واحدة، و كانوا يرمون بالزندقة جميعا.

كان بخيلا فداعبه مطيع و ابن زياد عن سراجه:

أخبرني الحسن‏[5]بن يحيى المرداسيّ قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:

دخل مطيع بن إياس و يحيى بن زياد على حماد الراوية، فإذا سراجه على ثلاث قصبات‏[6]قد جمع أعلاهنّ و أسفلهنّ بطين، فقال له يحيى بن زياد: يا حماد، إنك لمسرف مبتذل لحرّ المتاع؛ فقال له مطيع: أ لا تبيع هذه المنارة و تشتري أقلّ ثمنا منها و تنفق علينا و على نفسك الباقي و تتّسع به؟فقال له يحيى: ما أحسن ظنّك به!و من أين له مثل هذه؟إنما هي وديعة أو عارية؛ فقال له مطيع: أما إنه لعظيم الأمانة عند الناس!قال له يحيى: و على [1]أحال على الدم: أقبل عليه.

[2]في ب، س: «فأردت» .

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «قال حدّثني» .

[4]زيادة عن م. و لا تستقيم العبارة بغير هذه الزيادة.

[5]في جميع الأصول هنا: «الحسن» ، و قد مر في أكثر من موضع من الأجزاء السابقة باسم «الحسين» و في القليل منها باسم «الحسن» و لم نوفق إلى تصويبه.

[6]في حـ: «قضبات» (بالضاد المعجمة) : جمع قضبة و هي القضيب أو القدح من نبع يجعل منه سهم. ـ

342

عظيم أمانته فما أجهل من يخرج مثل هذه من داره و يأمن عليها غيره!قال مطيع: ما أظنها عارية و لا وديعة و لكني أظنها مرهونة عنده على مال، و إلا فمن يخرج هذه من بيته!فقال لهما حماد: قوما عني يا بني الزانيتين و اخرجا من منزلي، فشرّ منكما من يدخلكما بيته.

كان منقطعا ليزيد فجفاه هشام و لما ولي الخلافة كتب ليوسف بن عمر بإرساله ليسأله عن شعر و أكرمه:

حدّثني الحسن بن علي قال حدّثنا أحمد بن عبيد و أبو عصيدة قال حدّثني محمد بن عبد الرحمن العبدي عن حميد بن محمد الكوفي عن إبراهيم بن عبد الرحمن القرشي عن محمد بن أنس، و أخبرني الحسين‏[1]بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الرواية، و خبر حمّاد بن إسحاق أتمّ و اللفظ له.

/قال حماد الراوية: كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك، فكان هشام يجفوني لذلك دون سائر أهله من بني أمية في أيام يزيد، فلما مات يزيد و أفضت الخلافة إلى هشام خفته، فمكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به من إخواني سرّا؛ فلما لم أسمع أحدا يذكرني سنة أمنت فخرجت فصلّيت الجمعة، ثم جلست عند باب الفيل فإذا شرطيّان قد وقفا عليّ فقالا لي: يا حمّاد، أجب الأمير يوسف‏[2]بن عمر؛ فقلت في نفسي: من هذا كنت أحذر، ثم قلت للشّرطيّين: هل لكما أن تدعاني آتي أهلي فأودّعهم وداع من لا ينصرف إليهم أبدا ثم أصير معكما إليه؟فقالا:

ما إلى ذلك من سبيل. فاستسلمت في أيديهما و صرت إلى يوسف بن عمر و هو في الإيوان‏[3]الأحمر، فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام، و رمى إليّ كتابا فيه: «بسم اللّه الرحمن الرحيم. من عبد اللّه هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر، أما بعد، فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به غير مروّع و لا متعتع، و ادفع إليه خمسمائة دينار و جملا مهريا[4]يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق» . فأخذت الخمسمائة الدينار، و نظرت فإذا جمل مرحول، فوضعت/رجلي في الغرز[5]و سرت اثنتي عشرة ليلة حتى وافيت باب هشام، فاستأذنت فأذن لي، فدخلت عليه في دار قوراء[6]مفروشة بالرّخام، و هو في مجلس مفروش بالرخام، و بين كل رخامتين قضيب ذهب، و حيطانه كذلك، و هشام جالس على طنفسة حمراء و عليه ثياب خزّ حمر و قد تضمّخ بالمسك و العنبر، و بين يديه مسك مفتوت في أواني ذهب يقلّبه بيده فتفوح روائحه، /فسلّمت فردّ عليّ، و استدناني فدنوت حتى قبّلت رجله، و إذا جاريتان لم أر قبلهما مثلهما، في أذني كلّ واحدة منهما حلقتان من ذهب فيهما لؤلؤتان تتوقّدان؛ فقال لي:

[1]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «الحسن» . (راجع الحاشية الأولى من هذه الصفحة) .

[2]يستبعد أن تكون هذه القصة مع يوسف بن عمر الثقفي لأنه لم يكن واليا بالعراق في التاريخ المذكور بل كان متوليه إذ ذاك خالد بن عبد اللّه القسري. لأن هشاما تولى الخلافة لليال بقين من شعبان سنة 105 هـ. و الخبر صريح في أن هذه الحادثة وقعت بعد عام من تولي هشام الخلافة و كان الوالي على العراق حينذاك القسري لا الثقفي، لأن هشاما عزل عمر بن هبيرة عن العراق و ولى مكانه خالدا في شوّال سنة 105 هـ، و بقي خالد واليا عليه حتى سنة 120 هـ و هي السنة التي عزله فيها عنه هشام و ولى مكانه يوسف بن عمر الثقفي. (راجع ابن خلكان-في ترجمتي حماد و خالد-و الطبري ق 2 ص 1466) .

[3]الإيوان: الصفة العظيمة كالأزج و هو البيت يبنى طولا.

[4]المهرية من الإبل: نسبة إلى مهرة بن حيدان و هو حي من قضاعة من عرب اليمن، و هي نجائب تسبق الخيل، و قيل: إنها لا تعدل بها شي‏ء في سرعة جريانها، و من غريب ما ينسب إليها أنها تفهم ما يراد منها بأقل أدب تعلمه، و لها أسماء إذا دعيت بها أجابت سريعا.

[5]الغرز: ركاب الرحل من جلد، فإذا كان من خشب أو من حديد فهو ركاب.

[6]قوراء: واسعة.

343

كيف أنت يا حماد و كيف حالك؟فقلت بخير يا أمير المؤمنين؛ قال: أ تدري فيم بعثت إليك؟قلت: لا؛ قال: بعثت إليك لبيت خطر ببالي لم أدر من قاله؛ قلت: و ما هو؟فقال:

فدعوا بالصّبوح يوما فجاءت # قينة في يمينها إبريق‏

قلت: هذا يقوله عديّ بن زيد في قصيدة له؛ قال: فأنشدنيها، فأنشدته:

بكر العاذلون في وضح الصبـ # ح يقولون لي أ لا تستفيق

و يلومون فيك يا ابنة عبد اللّ # ه و القلب عندكم موهوق‏[1]

لست أدري إذ أكثروا العذل عندي # أ عدوّ يلومني أو صديق

زانها حسنها و فرع عميم # و أثيث صلت الجبين أنيق‏[2]

و ثنايا مفلّجات عذاب # لا قصار ترى و لا هنّ روق‏[3]

فدعوا بالصّبوح يوما فجاءت # قينة في يمينها إبريق

/قدّمته على عقار كعين الـ # ديك صفّى سلافها الرّاووق‏[4]

مرّة قبل مزجها فإذا ما # مزجت لذّ طعمها من يذوق

و طفت فوقها فقاقيع كالد # رّ صغار يثيرها التّصفيق

ثم كان المزاج ماء سماء # غير ما آجن و لا مطروق‏

قال: فطرب، ثم قال: أحسنت و اللّه يا حمّاد، يا جارية اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي. و قال: أعد، فأعدت، فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي.

فقلت: إن سقتني الثالثة افتضحت، فقال: سل حوائجك، فقلت: كائنة ما كانت؟قال: نعم؛ قلت: إحدى الجاريتين؛ فقال لي: هما جميعا لك بما عليهما و ما لهما، ثم قال للأولى: اسقيه، فسقتني شربة سقطت معها، فلم أعقل حتى أصبحت فإذا بالجاريتين عند رأسي، و إذا عدّة من الخدم مع كل واحد منهم بدرة، فقال لي أحدهم:

أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام و يقول لك: خذ هذه فانتفع بها، فأخذتها و الجاريتين و انصرفت. هذا لفظ حمّاد عن أبيه. و لم يقل أحمد بن عبيد في خبره أنه سقاه شيئا، و لكنّه ذكر أنه طرب لإنشاده، و وهب له الجاريتين لمّا طلب إحداهما، و أنزله في دار، ثم نقله من غد إلى منزل أعدّه له، فانتقل إليه فوجد فيه الجاريتين و ما لهما و كلّ ما يحتاج إليه، و أنه أقام عنده مدّة فوصل إليه مائة ألف درهم، و هذا هو الصحيح؛ لأن هشاما لم يكن يشرب و لا يسقي أحد بحضرته مسكرا، و كان ينكر ذلك و يعيبه و يعاقب عليه.

/في أبيات عديّ المذكورة في هذا الخبر غناء، نسبته:

[1]الموهوق: المشدود بالوهق، و هو الحبل المغار يرمى فيه أنشوطة فتؤخذ فيه الدابة و الإنسان.

[2]الفرع: الشعر. و الأثيث: الكثير، يطلق على الشعر و على البدن الممتلئ اللحم، و هو المراد هنا. و الصلت: الواضح.

[3]روق: طوال.

[4]الراووق: المصفاة و ناجود الشراب الذي يروق فيه. و الناجود: الوعاء.

344

صوت‏

بكر العاذلون في وضح الصبـ # ح يقولون ما له لا يفيق

/و يلومون فيك يا ابنة عبد اللّ # ه و القلب عندكم موهوق

ثم نادوا إلى الصّبوح فقامت # قينة في يمينها إبريق

قدّمته على عقار كعين الدّ # يك صفّى سلافها الراووق‏

في البيتين الأوّلين لحن من الثقيل الأوّل مختلف في صانعه، نسبه يحيى بن المكيّ إلى معبد، و نسبه الهشاميّ إلى حنين. و في الثالث و هو «ثم نادوا» و الرابع لعبد اللّه بن العباس الرّبيعيّ رمل، و فيهما خفيف رمل ينسب إلى مالك و خفيف ثقيل، ذكر[1]حبش أنه لحنين.

أجازه يوسف بن عمر بأمر الوليد و أرسله إليه مكرما:

أخبرني‏[2]محمد بن مزيد و الحسين بن يحيى قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الأصمعيّ قال:

قال حماد الراوية: كتب الوليد بن يزيد و هو خليفة إلى يوسف بن عمر: احمل إليّ حمادا الراوية على ما أحبّ من دواب البريد، و أعطه عشرة آلاف درهم معونة له؛ فلما أتاه الكتاب و أنا عنده نبذه إليّ، فقلت: السمع و الطاعة، فقال: يا دكين بن شجرة، أعطه عشرة آلاف درهم، فأخذتها. فلما كان اليوم الذي أردت الخروج فيه أتيت يوسف مودّعا، فقال: يا حماد، أنا بالموضع الذي قد عرفت من أمير المؤمنين، و لست مستغنيا عن ثنائك، فقلت: أصلح اللّه الأمير: / «إنّ العوان لا تعلّم الخمرة» [3]. فخرجت حتى أتيت الوليد بن يزيد و هو بالبخراء[4]، فاستأذنت فأذن لي، فإذا هو على سرير ممهّد و عليه ثوبان: إزار و رداء يقيئان الزعفران قيئا، و إذا عنده معبد و مالك و أبو كامل مولاه، فتركني حتى سكن جأشي، ثم قال: أنشدني:

أ من المنون و ريبها تتوجّع‏

فأنشدته إيّاها حتى أتيت على آخرها. فقال لساقيه: اسقه يا سبرة أكؤسا، فسقاني ثلاث أكؤس خدّرت ما بين الذؤابة و النعل. ثم قال: يا معبد غنّني:

ألا هل جاءك الأظعا # ن إذ جاوزن مطلحا[5]

فغنّاه. ثم قال: غنني:

[1]في جميع الأصول: «و ذكر» و لا تستقيم العبارة بزيادة الواو.

[2]وردت هذه القصة في أخبار ابن عائشة في الجزء الثاني من هذه الطبعة مع اختلاف يسير.

[3]العوان: النصف في سنها. و الخمرة: من الاختمار اسم هيئة. و هذا مثل يضرب للرجل المجرب الذي لا يحتاج إلى أن يعلم كيف يفعل.

[4]كذا في أكثر الأصول. و هي ماءة منتنة على ميلين من القليعة في طرف الحجاز. و في سائر الأصول: «النجراء» (بنون بعدها جيم) و هو تصحيف.

[5]قال ياقوت في «معجمه» في الكلام على مطلخ: «هو موضع في قوله:

و قد جاوزن مطلحا

و لم يتعرض له بأكثر من هذا و لم نجده في غيره من المظان.

345

أ تنسى‏[1]إذ تودّعنا سليمى # بفرع بشامة، سقي البشام‏[2]

فغنّى. ثم قال: غنني:

جلا أميّة عنّا كلّ مظلمة # سهل الحجاب و أوفى بالذي وعدا

/فغنّاه. ثم قال: اسقني يا غلام بزبّ فرعون، فأتاه بقدح معوجّ فيه طول فسقاه به عشرين قدحا. ثم أتاه الحاجب فقال: أصلح اللّه أمير المؤمنين، الرجل الذي طلبت بالباب؛ فقال: أدخله، فدخل غلام شابّ لم أر أحسن منه وجها[3]في رجله فدع‏[4]، فقال: يا سبرة اسقه كأسا، فسقاه، ثم قال له: غنني:

و هي إذ ذاك عليها مئزر # و لها بيت جوار من لعب‏

فغنّاه، فنبذ إليه أحد ثوبيه، ثم قال: غنني:

طرق الخيال فمرحبا # ألفا برؤية زينبا

فغضب معبد و قال: يا أمير المؤمنين، إنا مقبلون إليك بأقدارنا و أسناننا، و إنك تتركنا بمزجر الكلب و أقبلت على هذا الصبي؛ فقال: و اللّه يا أبا عبّاد ما جهلت قدرك و لا سنّك، /و لكن هذا الغلام طرحني على مثل الطّياجن‏[5]من حرارة غنائه. فسألت عن الغلام؟فإذا هو ابن عائشة.

كان في حانة فطلبه المنصور فجاءه و أنشده من شعر هفان بن همام:

حدّثني الحسن بن محمد المادرانيّ الكاتب قال حدّثني الرياشيّ عن العتبيّ، و أخبرني به هاشم بن محمد عن الرياشي-و ليس خبره بتمام هذا-قال:

طلب المنصور حمّادا الراوية، فطلب ببغداد فلم يوجد، و سئل عنه إخوانه فعرّفوا من سألهم عنه أنه بالبصرة، فوجّهوا إليه برسول يشخصه. قال الرسول: فوجدته في حانة و هو عريان يشرب نبيذا من إجّانة[6]و على سوأته رأس دستجة[7]، فقلت: أجب أمير المؤمنين. فما رأيت رسالة أرفع و لا حالة أوضع من/تلك. فأجاب، فأشخصته إليه. فلما مثل بين يديه، قال له: أنشدني شعر هفّان بن همّام بن نضلة يرثي أباه؛ فأنشده:

خليلّ عوجا إنها حاجة لنا # على قبر همّام سقته الرواعد

على قبر من يرجى نداه و يبتغى # جداه إذا لم يحمد الأرض رائد

[1]ورد صدر هذا البيت في «اللسان» مادة «بشم» هكذا:

أتذكر يوم تصقل عارضيها

و صدر هذا البيت في التهذيب:

أتذكر إذ تودعنا سليمى‏

[2]البشام: شجر طيب الريح و الطعم يستاك به. يعني بالبيت أنها أشارت بسواكها فكان ذلك وداعها و لم تتكلم خيفة الرقباء.

[3]في ب، س: «لم أر... وجها من رجل في رجله... إلخ» و لا يستقيم الكلام بهذه الزيادة.

[4]الفدع: عوج و ميل في المفاصل كلها خلقة أو داء.

[5]كذا في أكثر الأصول. و الطياجن: الطوابق يقلي عليها. و في ب، س: «الطناجير» و هو تحريف.

[6]الإجانة: آنية تغسل فيها الثياب.

[7]كذا في أ، ء. و الدستجة» : الإناء الكبير من الزجاج معرب: «دستة» و في حـ، م: «دسيتجة» (بالتصغير) . و في ب، س: «دستيجة» و لعلها محرفة عما في حـ، م.

346

كريم النّثا[1]حلو الشمائل بينه # و بين المزجّى نفنف متباعد[2]

إذا نازع القوم الأحاديث لم يكن # عييّا و لا ثقلا على من يقاعد

صبور على العلاّت يصبح بطنه # خميصا و آتيه على الزاد حامد

وضعنا الفتى كلّ الفتى في حفيرة # بحرّين‏[3]قد راحت عليه العوائد

صريعا كنصل السيف تضرب حوله # ترائبهنّ المعولات الفواقد[4]

قال: فبكى أبو جعفر حتى أخضل لحيته، ثم قال: هكذا كان أخي أبو العباس رضي اللّه عنه.

ذكره ابن إياس لابن الكردية فطلبه و استنشده فأنشده شعرا أغضبه فضربه:

أخبرني الحسين‏[5]بن يحيى المرداسيّ قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال:

كان جعفر بن أبي جعفر المنصور المعروف بابن الكرديّة يستخفّ مطيع بن إياس و يحبه، و كان منقطعا إليه و له معه منزلة حسنة، فذكر له حمادا الراوية، /و كان صديقه، و كان مطّرحا مجفوّا في أيامهم، فقال: ائتنا به لنراه.

فأتى مطيع حمّادا فأخبره بذلك و أمره بالمسير معه إليه؛ فقال له حماد: دعني فإن دولتي كانت مع بني أمية و مالي عند هؤلاء خير، فأبى مطيع إلاّ الذهاب إليه، فاستعار حماد سوادا و سيفا ثم أتاه، ثم مضى به مطيع إلى جعفر. فلما دخل عليه سلّم عليه سلاما حسنا و أثنى عليه و ذكر فضله؛ فردّ عليه و أمره بالجلوس فجلس. فقال جعفر: أنشدني؛ فقال: لمن أيها الأمير؟أ لشاعر بعينه أم لمن حضر؟قال: بل أنشدني لجرير. قال حمّاد: فسلخ و اللّه شعر جرير كلّه من قلبي إلا قوله:

بان الخليط برامتين‏[6]فودّعوا # أو كلّما اعتزموا[7]لبين تجزع‏

فاندفعت فأنشدته إياه، حتى انتهيت إلى قوله:

و تقول بوزع قد دببت على العصا # هلاّ هزئت بغيرنا يا بوزع‏

قال حماد: فقال لي جعفر: أعد هذا البيت، فأعدته؛ فقال: بوزع، أيّ شي‏ء هو؟فقلت: اسم امرأة؛ فقال:

امرأة اسمها بوزع!هو بري‏ء من اللّه و رسوله و نفيّ من العباس بن عبد المطلب إن كانت بوزع إلا غولا من الغيلان! تركتني و اللّه يا هذا لا أنام الليلة من فزع بوزع؛ /يا غلمان!قفاه؛ فصفعت و اللّه حتى لم أدر أين أنا؛ ثم قال: جرّوا [1]النثا (بالتحريك و القصر) : ما أخبرت به عن الرجل من حسن أو سيّئ. و في الأصول: «الثنا» .

[2]المزجى: الضعيف. و سمى مزجى لتأخره و حاجتهم إلى تزجيته و استحثاثه فيما يعن. و النفنف: المهواة بين الجبلين.

[3]كذا في ب، س. و حرين (بالضم ثم الكسر و التشديد و آخره نون) : بلد قرب آمد. و في سائر الأصول: «بجوءين» و لم نجد بلدا بهذا الاسم في المظان التي بين أيدينا.

[4]الترائب: عظام الصدر، واحدها تريبة. و الفواقد: من فقدن أزواجهن أو أولادهن.

[5]في جميع الأصول هنا: «الحسين» و يلاحظ أن هذا الاسم ورد مضطربا فيما مر من الكتاب بين: «الحسن» و «الحسين» و لم نوفق إلى مرجع نرجح به إحدى الروايتين.

[6]رامتين: تثنية رامة، و كثير من أسماء المواضع يأتي في الشعر مفردا و مثنى و مجموعا فحسب الضرورة الشعرية. و رامة: منزل بينه و بين الرمادة ليلة في طريق البصرة إلى مكة و منه إلى إمرة. و هي آخر بلاد بني تميم، و بين رامة و بين البصرة اثنتا عشرة مرحلة، و قيل هي هضبة أو جبل لبني دارم.

[7]في «النقائض» (ص 961 طبع أوروبا) : «رفعوا» . و رفع القوم: أصعدوا في البلاد.

347

برجله: فجرّوا برجلي حتى أخرجت من بين يديه مسحوبا، فتخرّق السواد و انكسر جفن السيف و لقيت شرا عظيما مما جرى عليّ؛ و كان أغلظ من ذلك كلّه و أشدّ بلاء إغرامي ثمن السّواد و جفن السيف؛ فلما/انصرفت أتاني مطيع يتوجّع لي؛ فقلت له: أ لم أخبرك أني لا أصيب منهم خيرا و أنّ حظّي قد مضى مع بني أمية!.

حديثه مع مأبون:

حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال:

بلغني أن رجلا تحدّث في مجلس حماد الراوية فقال: بلغني أن المأبون له رحم كرحم المرأة-قال: و كان الرجل يرمى بهذا الداء-فقال حماد لغلامه: اكتب هذا الخبر عن الشيخ، فإن خير العلم ما حمل عن أهله.

كتب إلى بعض الأشراف شعرا يسأله جبة فأرسلها إليه:

قال: و كتب حماد الراوية إلى بعض الأشراف الرؤساء قال:

إن لي حاجة فرأيك فيها # لك نفسي فدّى من الأوصاب

و هي ليست مما يبلّغها[1]غيـ # ري و لا يستطيعها في كتاب

غير أنّي أقولها حين ألقا # ك رويدا أسرّها في حجاب‏

فكتب إليه الرجل: اكتب إليّ بحاجتك و لا تشهرني بشعرك؛ فكتب إليه حماد:

إنني عاشق لجبّتك الدّكـ # ناء عشقا قد حال دون الشراب

فاكسنيها فدتك نفسي و أهلي # أتباهى بها على الأصحاب

و لك اللّه و الأمانة أن أجـ # علها عمرها أمير ثيابي‏

فبعث إليه بها. و قد رويت هذه القصة لمطيع بن إياس.

هو و الخزيمي و غلام أمرد:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثني أبو يعقوب الخزيميّ‏[2]قال:

/كنت في مجلس فيه حماد عجرد و حماد الرواية و معنا غلام أمرد، فنظر إليه حماد الراوية نظرا شديدا و قال لي: يا أبا يعقوب، قد عزمت الليلة على أن أدبّ على هذا الغلام؛ فقلت: شأنك به؛ ثم نمنا، فلم أشعر بشي‏ء إلا و حماد ينيكني، و إذا أنا قد غلطت و نمت في موضع الغلام، فكرهت أن أتكلّم فينتبه الناس فأفتضح و أبطل عليه ما أراد، فأخذت بيده فوضعتها على عيني العوراء ليعرفني؛ فقال: قد عرفت الآن، فيكون ما ذا!و فديناه بذبح عظيم.

قال: و ما برح‏[3]علم اللّه و أنا أعالجه جهدي فلا ينفعني حتى أنزل.

[1]كذا في «مختار الأغاني» و «تجريد الأغاني» . و في الأصول: «يبلغه» .

[2]الخزيمي: هو إسحاق بن حسان، و يكنى أبا يعقوب. و قد ورد في «الشعر و الشعراء» باسم الخريمي (بالراء) . و الظاهر أن هذه الرواية أصح لأنه كان مولى ابن خريم الذي يقال لأبيه: خريم الناعم و هو خريم بن عمرو من بني مرة (راجع «الشعر و الشعراء» ص 542 طبع ليدن و الكامل للمبرد ص 328 طبع أوروبا) .

[3]في جميع الأصول: «قال: و ما علم اللّه برح... إلخ» و هو خطأ يحتمل أن يكون من الناسخ، إذ لا يصح الفصل بين ما النافية و الأفعال الناقصة، لأن ما لما لزمت هذه الأفعال و صارت معها بمعنى الإثبات صارت كجزئها.

348

أهدى إلى صديق له غلاما:

قال إسحاق:

و أهدى حماد إلى صديق له غلاما و كتب إليه: قد بعثت إليك غلاما تتعلم عليه كظم الغيظ.

ستهدي نبيذا من صديق له فأجابه:

قال:

و استهدى من صديق له نبيذا فأهدى إليه دسيتجة نبيذ. فكتب إليه: لو عرفت في العدد أقلّ من واحد، و في الألوان شرّا من السواد، لأهديته إليّ.

رد على مغنية أخطأت في شعر:

قال:

و سمع مغنية تغني:

عاد قلبي من الطويلة عاد

فقال: و ثمود، فإن اللّه عزّ و جلّ لم يفرق بينهما. و الشعر:

عاد قلبي من الطويلة عيد[1]

أنشده رجل شعرا فأنكره عليه و قال اهجني فهجاه:

أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثني أبو عثمان اللاحقي، و أخبرني به محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلاّم عن بشر بن المفضّل بن لاحق قال:

جاء رجل إلى حمّاد الراوية فأنشده شعرا و قال: أنا قلته؛ فقال له أنت لا تقول مثل هذا، هذا ليس لك، و إن كنت صادقا فاهجني. فذهب ثم عاد إليه فقال له: قد قلت فيك:

/

سيعلم حمّاد إذا ما هجوته # أ أنتحل الأشعار أم أنا شاعر

أ لم تر حمادا تقدّم بطنه # و أخّر عنه ما تجنّ المآزر

فليس براء خصيتيه و لو جثا # لركبته، ما دام للزيت عاصر

فيا ليته أمسى قعيدة بيته # له بعل صدق كومه‏[2]متواتر

فحماد نعم العرس للمرء يبتغي النـ # كاح و بئس المرء فيمن يفاخر

فقال حماد: حسبنا، عافاك اللّه، هذا المقدار و حسبك!قد علمنا أنك شاعر و أنك قائل الشعر الأول و أجود منه، و أحب أن تكتم هذا الشعر و لا تذيعه فتفضحني؛ فقال له: قد كنت غنيّا عن هذا. و انصرف الرجل و جعل حماد يقول: أسمعتم أعجب مما جررت على نفسي من البلاء!.

[1]هذا الشعر للمفضل. و أراد بالطويلة روضة بالصمان عرضها ميل في طول ثلاثة أميال. و العيد: ما يعتاد من نوب و شوق وهم.

[2]الكوم: النكاح.

349

عاب شعرا لأبي الغول فهجاه:

حدّثني الأسدي أبو الحسن قال حدّثنا الرّياشي قال حدّثنا أبو عبد اللّه الفهميّ قال:

عاب حمّاد الراوية شعرا لأبي‏[1]الغول فقال يهجوه:

/

نعم الفتى لو كان يعرف ربّه # و يقيم وقت صلاته حماد

هدلت مشافره الدّنان فأنفه # مثل القدوم يسنّها الحدّاد

و ابيض من شرب المدامة وجهه # فبياضه يوم الحساب سواد

لا يعجبنّك بزّه و ثيابه # إن اليهود ترى لها أجلاد[2]

حمّاد يا ضبعا تجرّ جعارها[3] # أخنى‏[4]لها بالقريتين جراد

سبعا يلاعبها ابنها و بناتها # و لها من الخرق الكبار و ساد[5]

قال معنى قوله:

أخنى لها بالقريتين جراد

هو مثل قول العرب للضّبع: خامري‏[6]أمّ عامر، أبشري بجراد عظال‏[7]و كمر رجال؛ فإن الضبع تجي‏ء إلى القتيل و قد استلقى على قفاه، و انتفخ غرموله فكان كالمنعظ، فتحتكّ به و تحيض من الشهوة، فيثب عليها الذئب حينئذ فتلد منه السّمع، و هو دابة، لا يولد له مثل البغل. و في مثل هذا المعنى يقول الشّنفري‏[8]الأزدي.

/

تضحك الضّبع لقتلى هذيل # و ترى الذئب لها يستهلّ‏[9]

تضحك‏[10]: تحيض.

[1]نسبت هذه الأبيات لحماد بن الزبرقان كما نسبت لبشار بن برد يهجو بها حماد عجرد (راجع «الحيوان» للجاحظ ج 4 ص 142 طبع الساسي. و ابن خلكان في ترجمة حماد عجرد) .

[2]أجلاد الإنسان: جماعة شخصه أو جسمه و بدنه، يقال فلان عظيم الأجلاد إذا كان ضخما قوي الأعضاء و الجسم.

[3]الجعار: جمع جعر (بفتح فسكون) ، و الجعر: نحو كل ذات مخلب من السباع. و جعار (كقطام) : اسم للضبع لكثرة جعرها.

[4]كذا في ب، س. و أخنى الجراد: كثر بيضه. و قد وردت هذه الكلمة في سائر الأصول محرفة.

[5]كذا ورد هذا البيت في جميع الأصول و هو غير ظاهر المعنى.

[6]خامري: استترى. و أم عامر: الضبع، و هي كما زعموا من أحمق الدواب لأنهم إذا أرادوا صيدها رموا في حجرها بحجر فتحسبه شيئا تصيده فتخرج لتأخذه فتصاد عند ذلك. و يقال لها: أبشري بجراد عظال و كمر رجال، فلا يزال يقال لها ذلك حتى يدخل عليها رجل فيربط يديها و رجليها ثم يجرها. يضرب هذا المثل لمن يرتاع من كل شي‏ء جبنا و قيل هو مثل لمن عرف الدنيا ثم يسكن إليها مع ما علم من عادتها كما تغتر الضبع بقول القائل: خامري أم عامر.

[7]الجراد العظال: الذي ركب بعضه بعضا كثرة.

[8]في نسبة القصيدة التي منها هذا البيت للشنفري خلاف، فقيل إنها لتأبط شرا، و قيل لابن أخته، كما رجح أن تكون لخلف الأحمر (راجع «شرح أشعار الحماسة» للتبريزي ص 382 طبع أوروبا) .

[9]يستهل: يصيح و يستغوي الذئاب. و استهل الصبي بالبكاء: رفع صوته و صاح عند الولادة و كل شي‏ء ارتفع صوته فقد استهل.

[10]قال التبريزي في «شرح الحماسة» في التعليق على هذا البيت: «قول من قال تضحك بمعنى تحيض ليس بشي‏ء» . و في «لسان العرب» مادة ضحك في الكلام على هذا البيت: «قال أبو العباس: تضحك هاهنا: تكشر و ذلك أن الذئب ينازعها على القتيل فتكشر في وجهه وعيدا فيتركها مع لحم القتيل و يمر... و قال ابن الأعرابي: أي أن الضبع إذا أكلت لحوم الناس أو شربت دماءهم طمثت؛ و كان ابن دريد يردّ هذا و يقول: من شاهد الضباع عند حيضها فيعلم أنها تحيض، و إنما أراد الشاعر أنها تكشر لأكل اللحوم، و قيل

350

كان لصا ثم تاب و طلب الأدب و الشعر:

و قال ابن النطّاح:

كان حمّاد الراوية في أوّل أمره يتشطّر و يصحب الصعاليك و اللصوص، فنقب ليلة على رجل فأخذ ماله و كان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد فاستحلاه و تحفّظه، ثم طلب الأدب و الشعر و أيام الناس و لغات العرب بعد ذلك، و ترك ما كان عليه فبلغ في العلم ما بلغ.

استنشده المهدي أحسن أبيات في السكر ثم أجازه:

حدّثنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني عمّي الفضل عن أبيه عن جدّه عن حمّاد الراوية قال:

دخلت على المهديّ فقال: أنشدني أحسن أبيات قيلت في السّكر، و لك عشرة آلاف درهم و خلعتان‏[1]من كسوة الشتاء و الصيف؛ فأنشدته قول الأخطل‏[2]:

/

ترى الزّجاج و لم يطمث‏[3]يطيف به # كأنه من دم الأجواف مختضب

حتى إذا افتضّ ماء المزن عذرتها # راح الزجاج و في ألوانه صهب

/تنزو إذا شجّها بالماء مازجها # نزو الجنادب في رمضاء تلتهب‏[4]

راحوا و هم يحسبون الأرض في فلك # إن صرّعوا وقت الراحات و الرّكب‏

فقال لي: أحسنت و أمر لي بما شرطه و وعدني به فأخذته.

مدح بلال بن أبي بردة فأنكر ذو الرمة أنه شعره:

حدّثني اليزيديّ قال حدّثني عمي عبيد اللّه قال حدّثني سليمان بن أبي شيخ قال حدّثني صالح بن سليمان قال:

قدم حمّاد الراوية على بلال بن أبي بردة البصرة، و عند بلال ذو الرّمّة، فأنشده حماد شعرا مدحه به؛ فقال بلال لذي الرّمّة: كيف ترى هذا الشعر؟قال: جيّدا و ليس له؛ قال: فمن يقوله؟قال: لا أدري إلا أنه لم يقله؛ فلما قضى بلال حوائج حماد و أجازه، قال له: إن لي إليك حاجة؛ قال: هي مقضية؛ قال: أنت قلت ذلك الشعر؟قال:

لا؛ قال: فمن يقوله؟قال: بعض شعراء الجاهلية، و هو شعر قديم و ما يرويه غيري؛ قال: فمن أين علم ذو الرمة أنه ليس من قولك؟قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام.

معناه أنها تستبشر بالقتلى إذا أكلتهم فيهر بعضها على بعض فجعل هريرها ضحكا، و قيل أراد أنها تسرّ بهم فجعل السرور ضحكا لأن الضحك إنما يكون منه» . اهـ ببعض تصرف.

[1]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «و خلعتان و كسوة... إلخ» .

[2]لم نجد هذه الأبيات بين شعر الأخطل المجموع في دواوينه الثلاثة التي نشر الأوّل منها المرحوم الدكتور أوجينوس غرّفيني الميلاني.

الإيطالي مدير مكتبة جلالة ملك مصر سابقا (و هو محفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 2023 أدب) و نشر الثاني و الثالث منها الأب أنطون صالحاني اليسوعي (و هما محفوظان بدار الكتب المصرية تحت رقمي: 3937، 1102 أدب) . و جميعها طبع بيروت.

[3]الطمث: المس. قال تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاََ جَانٌّ* . يريد أنه لم يفرّع و لم يمسسه إنسان.

[4]تنزو: تثب و ذلك إذا مزجت. و شجها: مزجها. و الجنادب: ضرب من الجراد. و الرمضاء: الأرض الحارة الحامية من شدّة حر الشمس.

351

أنشد بلالا شعرا في مدح أبي موسى نسبه للحطيئة:

قال صالح:

و أنشد حمّاد الراوية بلال بن أبي بردة ذات يوم قصيدة قالها و نحلها الحطيئة يمدح أبا موسى الأشعري يقول فيها:

/

جمعت‏[1]من عامر فيها و من جشم # و من تميم و من حاء و من حام

مستحقبات رواياها جحافلها # يسمو بها أشعريّ طرفه سامي‏

فقال له بلال: قد علمت أن هذا شي‏ء قلته أنت و نسبته إلى الحطيئة، و إلا فهل كان يجوز أن يمدح الحطيئة أبا موسى بشي‏ء لا أعرفه أنا و لا أرويه!و لكن دعها تذهب في الناس و سيّرها حتى تشتهر، و وصله.

يرى المفضل الضبي أنه أفسد شعر العرب بتخليطه و نحله شعره للقدماء:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال سمعت أحمد بن الحارث الخرّاز يقول سمعت ابن الأعرابي يقول سمعت المفضّل الضّبيّ يقول:

قد سلّط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا. فقيل له: و كيف ذلك؟أ يخطئ في روايته أم يلحن؟قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردّون من أخطأ إلى الصواب، لا و لكنه رجل عالم بلغات العرب و أشعارها، و مذاهب الشعراء و معانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل و يدخله في شعره، و يحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء و لا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، و أين ذلك!.

اجتمع مع المفضل الضبي عند المهدي فأجازه لجودة شعره و أبطل روايته:

أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال حدّثني السّعيدي الراوية و أبو إياد المؤدّب-و كان مؤدّبي ثم أدّب المعتصم بعد ذلك و قد تعالت سنّه-و حدّثني بنحو من ذلك عبد اللّه بن مالك و سعيد بن سلم‏[2]و حدّثني به ابن غزالة أيضا و اتفقوا عليه:

/أنهم كانوا في دار أمير المؤمنين المهدي‏[3]بعيساباذ ، و قد اجتمع فيها عدّة من الرواة و العلماء بأيام العرب و آدابها و أشعارها و لغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب، فدعا بالمفضّل الضّبّي الراوية فدخل، فمكث مليّا ثم خرج إلينا و معه حمّاد و المفضّل جميعا و قد بان في وجه حماد الانكسار و الغم، و في وجه المفضّل السرور و النشاط، ثم خرج حسين الخادم معهما[4]، فقال يا معشر من حضر من أهل العلم: إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره و أبطل روايته لزيادته في أشعار/الناس ما ليس منها، و وصل المفضّل بخمسين ألفا لصدقه و صحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرا جيدا محدثا فليسمع من حماد، و من [1]تقدّم شرح هذين البيتين في الجزء الثاني من هذه الطبعة (في الحواشي 4، 5، 6 ص 175 و الحواشي 1، 2، 3 ص 176) .

[2]كذا في حـ. و لعله سعيد بن سلم الباهلي أبو عمرو و قد كان معاصرا لعبد اللّه بن مالك الخزاعي. و في ب، س: «سعيد بن مسلم» .

و في سائر الأصول: «سعيد بن سليم» .

[3]عيساباذ : أي عمارة عيسى، لأن كلمة «باذ» فارسية معناها عمارة، و هذه محلة كانت شرقي بغداد و منسوبة إلى عيسى بن المهدي و كانت إقطاعا له. و بها مات موسى بن المهدي بن الهادي. و بها بنى المهدي قصره الذي سماه قصر السلام.

[4]كذا في جميع الأصول. و لعل هذه الكلمة مقحمة أو محرّفة عن «بعدهما» .

352

أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضّل؛ فسألنا عن السبب فأخبرنا أن المهديّ قال للمفضل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال:

دع ذا وعدّ القول في هرم‏

و لم يتقدّم له قبل ذلك قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟فقال له المفضّل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئا إلا أنّي توهمته كان يفكّر في قول يقوله، أو يروّي في أن يقول شعرا فعدل عنه إلى مدح هرم و قال دع ذا، أو كان مفكرا في شي‏ء من شأنه فتركه و قال دع ذا، أي دع ما أنت فيه من الفكر و عدّ القول في هرم؛ فأمسك عنه. ثم دعا بحماد فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضّل، فقال ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين؛ قال فكيف قال؟ فأنشده:

/

لمن الديار بقنّة[1]الحجر # أقوين مذ[2]حجج و مذ[2]دهر

قفر بمندفع النحائت‏[3]من # ضفوى‏[4]أولات‏[5]الضّال و السّدر[6]

دع ذا وعدّ القول في هرم # خير الكهول‏[7]و سيّد الحضر

قال: فأطرق المهديّ ساعة، ثم أقبل على حماد فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لا بدّ من استحلافك عليه، ثم استحلفه بأيمان البيعة و كل يمين محرجة ليصدقنّه عن كل ما يسأله عنه، فحلف له بما توثّق منه. قال له:

اصدقني عن حال هذه الأبيات و من أضافها إلى زهير؛ فأقرّ له حينئذ أنه قائلها؛ فأمر[8]فيه و في المفضّل بما أمر به من شهرة أمرهما و كشفه.

سأله الوليد عن مقدار روايته و استنشده شعرا في الخمر و أجازه:

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال حدّثنا أحمد بن عبيد قال حدّثنا الأصمعيّ قال:

قال حماد الراوية: أرسل إليّ أمير الكوفة فقال لي: قد أتاني كتاب أمير المؤمنين الوليد بن يزيد يأمرني بحملك. فجملت فقدمت عليه و هو في الصيد، فلما/رجع أذن لي، فدخلت عليه و هو في بيت منجّد[9] بالأرمنيّ‏[10]أرضه و حيطانه؛ فقال لي: أنت حماد الراوية؟فقلت له: إن الناس ليقولون ذلك؛ قال: فما بلغ من روايتك؟قلت: أروي سبعمائة قصيدة أوّل كلّ واحدة منها: بانت سعاد؛ فقال: إنها لرواية!ثم دعا بشراب فأتته [1]القنة: أعلى الجبل، و أراد بها هنا ما أشرف على الأرض. و الحجر: موضع بعينه و هو حجر اليمامة.

[2]كذا في ب، س. و في سائر الأصول و ديوانه: «من» و هي بمعنى مذ.

[3]كذا في «ديوانه» . و النحائت: آبار في موضع معروف. و ليس كل الآبار تسمى النحائت. و في جميع الأصول: «النجائب» و هو تصحيف.

[4]كذا في «ديوانه» . و ضفوى (بالفتح ثم السكون و فتح الواو و القصر. و رواه ابن دريد بفتحتين) : مكان دون المدينة. و قد وردت هذه الكلمة في جميع الأصول محرفة.

[5]في ب، س: «ألاف» .

[6]الضال: السدر البري فإن نبت على شطوط الأنهار فهو عبري. و كأنه أراد بالسدر ما كان غير بري فلذلك عطفه على الضال.

[7]في «ديوانه» : «البداة» .

[8]كذا في «تجريد الأغاني» و «مختار الأغاني» . و في الأصول: «فأمر له فيه... إلخ» .

[9]المنجد: المزين.

[10]لعله يريد به نوعا من الحرير منسوبا إلى أرمن و هي إقليم جبلي من أذربيجان اشتهر بصناعة الحرير.

353

جارية بكأس و إبريق فصبّت في الكأس ثم مزجته حتى رأيت له حبابا؛ فقال: أنشدني في مثل هذه؛ فقلت:

يا أمير المؤمنين، هي كما قال عدي بن زيد:

بكر العاذلون في وضح الصبـ # ح يقولون لي أ لا تستفيق

ثم ثاروا إلى الصّبوح فقامت # قينة في يمينها إبريق

قدّمته على سلاف كريح الـ # مسك صفّى سلافها الرّاووق

فترى فوقها فقاقيع كاليا # قوت يجري خلالها التصفيق‏[1]

قال: فشربها و لم يزل يستعيدني الأبيات و يشرب عليها حتى سكر؛ ثم قام فتناول مرفقة من تلك المرافق فجعلها على رأسه و نادى: من يشتري لحوم البقر؟ثم قال لي: يا حماد، دونك ما في البيت فهو لك؛ فكان أوّل مال تأثّلته‏[2].

حمقه خلف الأحمر و طعن في روايته:

حدّثني هاشم بن محمد الخزاعي قال/حدّثنا دماذ[3]عن أبي عبيدة قال:

قال خلف: كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب و أعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني و يدخله في أشعارها. و كان فيه حمق.

أنشد زيادا شعرا للأعشى فيه اسم أمه فغضب:

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال حدّثني المسور العنزيّ-و كان من رواة العرب و كان أسنّ من سماك بن حرب-[عن حماد][4]قال:

دخلت على زياد[5]فقال لي: أنشدني؛ فقلت: من شعر من أيها الأمير؟قال: من شعر الأعشى؛ فأنشدته:

بكرت سميّة غدوة أجمالها

قال: فما أتممت القصيدة حتى تبيّنت الغضب في وجهه؛ و قال الحاجب للناس: ارتفعوا؛ فقاموا؛ ثم لم أعد و اللّه إليه. قال حماد: فكنت بعد ذلك إذا استنشدني خليفة أو أمير تنبهت قبل أن أنشده لئلا يكون في القصيدة اسم أمّ له أو ابنة أو أخت أو زوجة.

سأله الوليد عن سبب تسميته بالراوية فأجابه:

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال:

قال الوليد بن يزيد لحمّاد الراوية: لم سمّيت الراوية؟و ما بلغ من حفظك حتى استحققت هذا الاسم؟فقال [1]مر هذا البيت في ترجمة حماد هذه (ص 77) على غير هذه الرواية.

[2]تأثل المال: اكتسبه.

[3]دماذ: هو أبو غسان رفيع بن سلمة صاحب أبي عبيدة. و دماذ لقب كان ينبز به.

[4]زيادة يقتضيها السياق.

[5]هو زياد ابن أبيه، و أمه سمية.

354

له: يا أمير المؤمنين، إن كلام العرب يجري على ثمانية و عشرين حرفا، أنا أنشدك على كل حرف منها مائة قصيدة؛ فقال: إنّ هذا لحفظ!هات، فاندفع ينشد حتى ملّ الوليد، ثم استخلف على الاستماع منه خليفة حتى وفّاه ما قال؛ فأحسن الوليد صلته و صرفه.

أمر الوليد يوسف بن عمر بإرساله إليه و استنشده شعرا في الخمر:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الحسين بن‏[1]محمد بن أبي طالب الدّيناريّ قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال:

قال حماد الراوية: أرسل الوليد بن يزيد إليّ بمائتي دينار، و أمر يوسف بن عمر بحملي إليه على البريد. قال فقلت: لا يسألني إلا عن طرفيه قريش و ثقيف، فنظرت في كتابي قريش و ثقيف. فلما قدمت عليه سألني عن أشعار بليّ، فأنشدته منها ما استحسنه‏[2]؛ ثم قال: أنشدني في الشراب-و عنده وجوه من أهل الشام-فأنشدته:

اصبح القوم قهوة # في أباريق تحتذى

من كميت‏[3]مدامة # حبّذا تلك حبذا

يترك الأذن شربها # أرجوانا بها خذا

فقال: أعدها، فأعدتها؛ فقال لخدمه: خذوا آذان القوم، فأتينا بالشراب فسقينا حتى ما درينا متى نقلنا؛ قال:

ثم حملنا و طرحنا في دار الضّيفان، فما أيقظنا إلا حرّ الشمس. و جعل شيخ من أهل الشأم يشتمني و يقول: فعل اللّه بك و فعل، أنت الذي صنعت بنا هذا.

أنشده الطرماح شعرا فزاد فيه و ادّعاه لنفسه:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ قال حدّثني أبو عبيدة قال حدّثني يحيى بن صبيرة بن الطّرمّاح بن حكيم عن أبيه عن جدّه الطّرمّاح قال:

أنشدت حمّادا الراوية في مسجد الكوفة[4]-و كان أذكى الناس و أحفظهم-قولي:

/

بان الخليط بسحرة[5]فتبدّدوا

و هي ستون بيتا، فسكت ساعة و لا أدري ما يريد ثم أقبل عليّ فقال: أ هذه لك؟قلت: نعم؛ قال: ليس الأمر كما تقول، ثم ردّها عليّ كلّها و زيادة عشرين بيتا زادها فيها في وقته؛ فقلت له: ويحك!إن هذا الشعر قلته منذ أيام ما اطلع/عليه أحد؛ قال: قد و اللّه قلت أنا هذا الشعر منذ عشرين سنة و إلا فعليّ و عليّ؛ فقلت: للّه على حجّة حافيا راجلا إن جالستك بعد هذا أبدا؛ فأخذ قبضة من حصى المسجد و قال: للّه عليّ بكل حصاة من هذا الحصى [1]راجع الحاشية (رقم 2 ص 319 ج 5) من هذه الطبعة.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «ما أحسنته» .

[3]الكميت: الخمر التي تضرب حمرتها إلى السواد.

[4]هذه الكلمة زيادة عن ب، س و «مختار الأغاني» و «خزانة الأدب» .

[5]السحرة (كظلمة) : السحر الأعلى أي أوّل السحر.

355

مائة حجّة إن كنت أبالي؛ فقلت: أنت رجل ماجن و الكلام معك ضائع ثم انصرفت. قال دماذ: و كان أبو عبيدة و الأصمعي ينشدان بيتي الطّرمّاح في هذه القصيدة و هما:

مجتاب حلّة برجد لسراته # قددا و أخلف ما سواه البرجد[1]

يبدو و تضمره البلاد كأنه # سيف على شرف يسلّ و يغمد

و كانا يقولان: هذا أشعر الناس في هذين‏[البيتين‏][2].

[1]هذان البيتان في وصف ثور. يقال: اجتاب القميص: لبسه. و البرجد: كساء من صوف أحمر، و قيل: هو كساء غليظ، أو هو كساء مخطط ضخم يصلح للخباء. و سراته: ظهره.

[2]زيادة عن أ، ء.

356

7-أخبار عبادل و نسبه‏

نسبه و منزلته من الغناء:

عبادل بن عطيّة مولى قريش، مكّيّ، مغنّ محسن متقدّم من الطبقة الثانية التي منها يونس الكاتب و سياط و دحمان. و كان حسن الوجه، نظيف الثياب ظريفا، و لم يفارق الحجاز و لا وفد إلى ملوك بني أمية كما وفد غيره من طبقته و من‏[1]هو فوقها. و يقال إنه كان مقبول الشهادة.

صفته، و كان يغني مشيخة قريش و له صنعة كثيرة:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثنا حمّاد عن‏[2]ابن أبي جناح‏[3] قال:

كان عبادل بن عطية سريّا نبيلا نظيفا[4]ساكن الطّرف حسن العشرة، و كان يعاشر مشيخة قريش و جلّة أحداثها، فإذا أرادوا[5]الغناء منه غنّى فأحسن و أطرب. و كانت له صنعة كثيرة.

منها:

تقول يا عمّتا كفّي جوانبه # ويلي بليت و أبلى جيدي الشّعر

و منها:

أ من حذر البين ما ترقد # و دمعك يجري فما يجمد

/و منها:

إني استحيتك أن أفوه بحاجتي # فإذا قرأت صحيفتي فتفهّم‏

و منها:

قولا لنائل ما تقضين في رجل # يهوى هواك و ما جنّبته‏[6]اجتنبا

و منها:

علام ترين اليوم قتلي لديكم # حلالا بلا ذنب و قتلي محرّم‏

[قال‏][7]: و كانوا يقولون له: أ لا تكثر الصنعة؟فيقول: بأبي أنتم، إنما أنحته من صخر، و من أكثر أرذل.

[1]في حـ: «و من دونها و من فوقها» .

[2]كذا في حـ. و المعروف أن هارون بن محمد يروى عن حماد بن إسحاق و حماد عن أبيه و هذا عن ابن أبي جناح، و لم تعرف لحماد رواية عن ابن أبي جناح مباشرة. و في سائر الأصول: «حماد بن أبي جناح» و هو خطأ.

[3]ورد هذا الاسم فيما مر من الكتاب مضطربا بين: «ابن أبي جناح» و «ابن جناح» و لم نوفق إلى ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى.

[4]في حـ: «ظريفا» .

[5]في أ، حـ، ء: «فإذا أراد الغناء أو سئل غنى... إلخ» .

[6]جنبه (بالتضعيف) كتجانبه و اجتنبه و تجنبه و جانبه.

[7]زيادة عن حـ.

357

نسبة هذه الأصوات‏

صوت‏

أ من حذر البين ما ترقد # و دمعك يجري فما يجمد

دعاني إلى الحين فاقتادني # فؤاد إلى شقوتي يعمد

فلو أن قلبي صحا و ارعوى # لكان له عنكم مقعد

يبيد الزّمان و حبّي لكم # يزيد خبالا و ما ينفد

الغناء لعبادل ثقيل أوّل بالسبابة و الوسطى عن ابن المكّيّ. و فيه لإبراهيم خفيف ثقيل.

/و منها:

صوت‏

إني استحيتك أن أفوه بحاجتي # فإذا قرأت صحيفتي فتفهّم

و عليك عهد اللّه إن أنبأته # أهل السّيالة إن فعلت و إن لم‏

/هكذا قال ابن هرمة، و المغنّون يغنّونه:

و عليك عهد اللّه إن أخبرته # أحدا و إن أظهرته بتكلّم‏

الشعر لابن هرمة. و الغناء لعبادل.

طلب ابن هرمة بشعره من الحسن بن حسن خمرا فوشى به إلى الوالي ففرّ هو و صحبه:

أخبرني‏[1]عمّي قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل الجعفري عن أبيه:

أنّ حسن بن‏[2]حسن بن عليّ كان صاحب شراب، و فيه يقول ابن هرمة:

إني استحيتك أن أفوه بحاجتي # فإذا قرأت صحيفتي فتفهّم

و عليك عهد اللّه إن أنبأته # أحدا و لا أظهرته بتكلّم‏

قال عبد اللّه بن محمد الجعفريّ: و كان ابن هرمة-كما حدّثني أبي-يشرب هو و أصحاب له بشرف‏[3]السّيالة عند سمرة بالشّرف يقال لها سمرة جرانة[4]فنفد شرابهم؛ فكتب إلى حسن بن حسن‏[2]بن عليّ يطلب منه نبيذا، [1]يلاحظ أنه من هذا الموضع إلى آخر الترجمة أخبار لابن هرمة و للوابصي و نصيب و لم يرد بها عن عبادل شي‏ء يذكر.

[2]كذا في جميع الأصول هنا و فيما يأتي عدا (حـ) فقد أوردته فيما يأتي: «حسن بن حسن بن حسين» . و لا يمكن أن تكون هذه الحادثة مع حسن بن حسن بن علي لتقدّم عصره على عصر ابن هرمة الذي ولد سنة 90 هـ. و الصحيح أنها مع ابنه إبراهيم و قد كان ابن هرمة متصلا به و بأخويه. و قد أورد صاحب «الأغاني» هذه القصة في أخبار علويه (ج 10 طبع بولاق) منسوبة إلى ابنه إبراهيم هذا.

[3]شرف السيالة: منزل بين ملل و الروحاء. و في حديث عائشة رضي اللّه عنها: «أصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يوم الأحد بملل على ليلة من المدينة ثم راح فتعشى بشرف السيالة و صلى الصبح بعرق الظبية» .

[4]لم نستطع ضبط هذا الاسم لخلوّ المعاجم التي بين أيدينا منه.

358

و كتب إليه بهذين البيتين. فلما قرأ حسن رقعته قال: و أنا على عهد اللّه إن لم أخبر به عامل السّيالة، أ منّي يطلب الدعيّ الفاعل نبيذا!و كتب إلى عامل السيالة أن يجي‏ء إليه فجاء لوقته، فقال له: إن ابن هرمة و أصحابه السفهاء يشربون عند سمرة جرانة، فاخرج فحدهم؛ /فخرج إليه العامل بأهل السّيالة؛ و أنذر بهم ابن هرمة فسبقهم هربا، و تعلّق هو و أصحابه بالجبل ففاتوهم. و قال في حسن:

كتبت إليك أستهدي نبيذا # و أدلي بالجوار و بالحقوق

فخبّرت الأمير بذاك غدرا # و كنت أخا مفاضحة و موق‏[1]

و منها:

صوت‏

علام ترين اليوم قتلي لديكم # حلالا بلا ذنب و قتلي محرّم

لك النفس ما عاشت وقاء من الرّدى # و نحن لكم فيما تجنّبت‏[2]أظلم‏

و أما صنعته في:

قولا لنائل ما تقضين في رجل‏

فإن الشعر لمسعدة[3]بن البختريّ ابن أخي المهلّب بن أبي صفرة. و الغناء لعبادل. و قد ذكرت ذلك في موضع من هذا الكتاب مفرد، لأن نائلة التي عنّيت‏[4]بهذا الشعر هي بنت‏[5]الميلاء، و لها أخبار ذكرت في موضع منفرد صلحت له.

/و منها:

صوت‏

تقول يا عمّتا كفّي جوانبه # ويلي بليت و أبلى جيدي الشّعر

مثل الأساود قد أعيا مواشطه # تضلّ فيه مداريها و تنكسر[6]

فإن نشرت على عمد ذوائبها # أبصرت منه فتيت المسك ينتثر

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. و الغناء لعبادل ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه خفيف ثقيل/ينسب إلى دحمان و إلى الغريض و إلى عبادل أيضا.

[1]الموق: الحمق.

[2]يحتمل أن تكون الرواية فيه: «فيما تجنيت» (بالياء المثناة من تحت) .

[3]كذا في حـ. و له ترجمة في «الأغاني» (ج 12 ص 77-78 طبع بولاق) . و في سائر الأصول هنا: «لسعيد بن البحتري» و هو تحريف.

[4]في ب، س: «غنت» و هو تحريف.

[5]كذا في جميع الأصول. و المعروف أن نائلة التي شبب بها ابن البختري كما ذكر أبو الفرج هي نائلة بنت عمر بن يزيد الأسيدي أحد بني أسيد (بضم أوله و فتح ثانيه و تشديد الياء المثناة و كسرها) ابن عمرو بن تميم. و كان أبوها سيدا شريفا، و كان على شرط العراق من قبل الحجاج. و لم نجد ذكرا لنائلة بنت الميلاء في أخبار مسعدة و لا في موضع آخر من هذا الكتاب.

[6]الأساود: الحيات السود، واحدها أسود. و المداري: جمع مدرى، و هو المشط.

359

صوت من المائة المختارة

ليست نعم منك للعافين مسجلة[1] # من التخلّق لكن شيمة خلق

يكاد بابك من علم بصاحبه # من دون بوّابه للناس يندلق‏[2]

شعران متشابهان لابن هرمة و طريح بن إسماعيل الثقفي:

لإسحاق في هذين البيتين لحن من الثقيل الأوّل بالبنصر عن عمرو. و ذكر يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن إسحاق أن الشعر لطريح. و ذكر يعقوب بن السّكّيت أنه لابن هرمة. و الغناء في اللحن المختار لشهيّة مولاة العبلات خفيف رمل بالبنصر في مجراها. فمن روى هذه الأبيات لابن هرمة ذكر أنها من قصيدة له يمدح بها عبد الواحد بن سلمان بن عبد الملك؛ و من ذكر أنها لطريح ذكر أنها من قصيدة له/يمدح بها الوليد بن يزيد.

و الصحيح من القولين أن البيت الأوّل من البيتين لطريح و الثاني لابن هرمة. فبيت طريح من قصيدته التي مدح بها الوليد بن يزيد و هي طويلة، يقول في تشبيبها:

تقول و العيس قد شدّت بأرحلها[3] # الحقّ أنّك‏[4]منا اليوم منطلق؟

قلت نعم فاكظمي قالت و ما جلدي # و لا أظنّ اجتماعا حين نفترق

فقلت إن أحي لا أطول بعادكم # و كيف و القلب رهن عندكم غلق‏[5]

فارقتها لا فؤادي من تذكّرها # سالي الهموم و لا حبلي لها خلق

فاضت على إثرهم عيناك دمعهما # كما تتابع يجري اللؤلؤ النّسق‏[6]

صوت‏

فاستبق عينك‏[7]لا يودي البكاء بها # و اكفف بوادر دمع منك تستبق

ليس الشئون و إن جادت بباقية # و لا الجفون على هذا و لا الحدق‏

[1]مسجلة: مبدولة أو مرسلة.

[2]اندلاق الباب: انفتاحه سريعا و هو مطاوع دلق الباب إذا فتحه فتحا شديدا.

[3]في حـ: «بأرحلنا» .

[4]كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «الحق فإنك» .

[5]كذا في حـ. و غلق الرهن غلقا (من باب فرح) : استحقه المرتهن. و في سائر الأصول: «علق» (بالعين المهملة) و هو تصحيف.

[6]النسق: المنظم.

[7]كذا في حـ. و في ب، س: «عينيك» . ـ

360

-لإسحاق‏[1]في هذين البيتين لحن من الثقيل الأوّل بالبنصر عن عمرو-يقول فيها في مدح الوليد:

و ما نعم منك للعافين مسجلة # من التخلّق لكن شيمة خلق

ساهمت فيها و لا فاختصصت بها # و طار قوم بلا و الذمّ فانطلقوا

/قوم هم‏[2]شرف الدنيا و سوددها # صفو على الناس لم يخلط بهم رنق

إن حاربوا وضعوا أو سالموا رفعوا # أو عاقدوا ضمنوا[3]أو حدّثوا صدقوا

و أما قصيدة إبراهيم بن هرمة التي فيها هذا الشعر فنذكر خبرها، ثم نذكر موضع الغناء و ما قبله و ما بعده منها.

و من أبي أحمد[4]رحمه اللّه سمعنا ذلك أجمع. و لكنه حكى عن إسحاق في الأصوات المختارة ما قاله إسحاق.

و لعله لم يتفقّد ذلك، أو لعلّ أحد الشاعرين أغار على هذا البيت فانتحله و سرقه من قائله.

ابن هرمة و مدحه عبد الواحد بن سليمان و تعريضه بالعباس بن الوليد:

أخبرني يحيى بن عليّ قال أخبرنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن رجل من أهل البصرة، و حدّثني به وكيع قال حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك عن حماد عن أبيه عن رجل من أهل البصرة-و خبره أتم-قال:

قال العبّاس/بن الوليد بن عبد الملك-و كان بخيلا لا يحبّ أن يعطي أحدا شيئا-ما بال الشعراء تمدح أهل بيتي أجمع و لا تمدحني!. فبلغ ذلك ابن هرمة، و كان قد مدحه فلم يثبه، فقال يعرّض به و يمدح عبد الواحد بن سليمان:

و معجب بمديح الشّعر يمنعه # من المديح ثواب المدح و الشّفق

يا آبى المدح من قول يحبّره‏[5] # ذو نيقة[6]في حواشي شعره أنق‏[7]

إنك و المدح كالعذراء يعجبها # مسّ الرجال و يثني قلبها الفرق

/لكن بمدين من مفضى سويمرة[8] # من لا يذمّ و لا يشنأ له خلق

أهل المدائح تأتيه فتمدحه # و المادحون إذا قالوا له صدقوا

-يعني عبد الواحد بن سليمان-:

لا يستقرّ[9]و لا تخفى علامته # إذا القنا شال في أطرافها الحرق‏[10]

[1]في حـ: «لإسماعيل» و هو ابن جامع. و له و لإسحاق يروي عمرو بن بانة.

[2]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «قوم لهم» .

[3]كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «حكموا» .

[4]هو أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى المنجم من شيوخ أبي الفرج. (راجع ترجمته في الحاشية رقم 3 ص 17 من تصدير هذا الكتاب) .

[5]في حـ: «تخيره» .

[6]النيقة: اسم من التنوق. يقال تنوق فلان في منطقه و ملبسه و أموره إذا تجوّد و بالغ.

[7]كذا في حـ. و الأنق (بفتح النون) : الروعة و الحسن. و في سائر الأصول: «من حواش شعره أنق» .

[8]كذا في حـ و «معجم البلدان» (ج 3 ص 202) . و مدين: مدينة تجاه تبوك بين المدينة و الشام على ست مراحل. و سويمرة: موضع في نواحي المدينة. و في أ، ء، م: «مقصى سوتمرة» و في ب، س: «مقصى سويمرة» .

[9]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «لا يستفز» .

[10]شال: ارتفع. و الحرق (محركة) : لهب النار.

361

في يوم لا مال عند المرء ينفعه # إلا السّنان و إلا الرمح‏[1]و الدّرق

يطعن بالرمح أحيانا و يضربهم # بالسيف ثم يدانيهم فيعتنق‏

و هذا البيت سرقه ابن هرمة من زهير و من مهلهل جميعا، فإنهما سبقا إليه. قال مهلهل و هو أقدمهما:

أنبضوا[2]معجس‏[3]القسيّ و أبرق[4] # نا كما توعد الفحول الفحولا

يعني أنهم لما أخذوا القسيّ ليرموهم من بعيد انتضوا سيوفهم ليخالطوهم و يكافحوهم بها[5].

و قال زهير-و هو أشرح من الأوّل-:

يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطّعنوا # ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا

فما ترك في المعنى فضلا لغيره.

رجع إلى شعر ابن هرمة:

يكاد بابك من جود و من كرم # من دون بوّابه للناس يندلق‏

/-و يروى: «إذا أطاف به الجادون» . و «العافون» أيضا. و يروى: «ينبلق» -:

مدح والي المدينة بعد عبد الواحد فجفاه ثم رضي عنه بشفاعة عبد اللّه بن الحسن:

إنّي لأطوي رجالا أن أزورهم # و فيهم عكر الأنعام و الورق‏[6]

طيّ الثياب التي لو كشّفت وجدت # فيها المعاوز[7]في التفتيش و الخرق

و أترك الثوب يوما و هو ذو سعة # و ألبس الثوب و هو الضيّق الخلق

إكرام نفسي و أني لا يوافقني # و لو ظمئت فحمت المشرب الرّنق‏[8]

قال هارون‏[9]بن الزيات في خبره: فلما قال ابن هرمة هذه القصيدة أنشدها عبد الواحد بن سليمان-و هو إذ ذاك أمير الحجاز-فأمر له بثلاثمائة دينار و خلعة موشيّة من ثيابه، و حمله على فرس و أعطاه ثلاثين لفحة و مائة شاة، و سأله عما يكفيه في كل سنة و يكفي عياله من البرّ و التمر، فأخبره به؛ فأمر له بذلك أجمع لسنة، و قال له: هذا لك عليّ ما دمت و دمت في الدنيا، و اقتطعه لنفسه‏[10]و أنس به، و قال له: لست بمحوجك إلى غيري أبدا. فلما عزل عبد الواحد بن سليمان عن المدينة، تصدّى للوالي مكانه و امتدحه. و لم يلبث أن ولي/عبد الواحد بعد ذلك و بلغه [1]في حـ: «و إلا السيف» .

[2]كذا في حـ. و أنبض الرامي القوس و عن القوس: جذب وترها لتصوت. و في سائر الأصول: «انتضوا» ، و هو تصحيف.

[3]المعجس (كمجاس) : مقبض القوس.

[4]أبرق الرجل: لمع بسيفه.

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و يكافحوهم بالسيوف» .

[6]العكر (محركة) : جمع عكرة و هي القطيع الضخم من الإبل، قيل: هي ما فوق خمسمائة من الإبل، و قيل: ما بين الخمسين إلى المائة. و الورق: المال من الإبل و الغنم.

[7]كذا في حـ. و المعاوز: خلقان الثياب المبتذلة، واحدها معوز. و في سائر الأصول: «العواوير» و هو تحريف.

[8]الرنق: الكدر.

[9]هو هارون بن محمد بن عبد الملك الذي ورد في سند هذا الخبر.

[10]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و اقتطعه إلى نفسه» .

362

الخبر، فأمر أن يحجب عنه ابن هرمة و طرده و جفاه، حتى تحمّل‏[1]عليه بعبد اللّه بن الحسن‏[بن الحسن‏][2]، فاستوهبه منه فعاد له إلى ما أحبه.

/أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ، و أخبرني به عليّ بن سليمان الأخفش عن أحمد بن يحيى ثعلب عن الرياشيّ-و خبره أتم-قال الرياشيّ حدّثني أبو سلمة الغفاريّ قال قال ابن‏[3]ربيح راوية ابن هرمة قال حدّثني ابن هرمة قال:

أوّل من رفعني في الشعر عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، فأخذ عليّ ألاّ أمدح أحدا غيره، و كان واليا على المدينة، و كان لا يدع برّي وصلتي و القيام بمئونتي. فلم ينشب أن عزل و ولّي غيره مكانه، و كان الوالي من بني الحارث بن كعب. فدعتني نفسي إلى مدحه طمعا أن يهب لي كما كان عبد الواحد يهب لي، فمدحته فلم يصنع بي ما ظننت. ثم قدم عبد الواحد المدينة، فأخبر أنّي مدحت الذي عزل به، فأمر بي فحجبت عنه، و رمت الدخول عليه فمنعت، فلم أدع بالمدينة وجها و لا رجلا له نباهة و قدر من قريش إلا سألته أن يشفع لي في أن يعيدني إلى منزلتي عنده، فيأبى ذلك فلا يفعله. فلما أعوزتني الحيل أتيت عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب -صلوات اللّه عليه و عليهم-فقلت: يا ابن رسول اللّه، إن هذا الرجل قد كان يكرمني و أخذ عليّ ألاّ أمدح غيره، فأعطيته بذلك عهدا، ثم دعاني الشّره و الكدّ إلى أن مدحت الوالي بعده. و قصصت عليه قصتي و سألته أن يشفع لي، فركب معي. فأخبرني الواقف على رأس عبد الواحد أن عبد اللّه بن حسن لما دخل إليه قام عبد الواحد فعانقه و أجلسه إلى جنبه، ثم قال: أ حاجة غدت بك أصلحك اللّه؟قال نعم؛ قال: كل حاجة لك مقضيّة إلا ابن هرمة؛ فقال له: إن رأيت ألاّ تستثني في حاجتي فافعل؛ قال: قد فعلت؛ قال: فحاجتي ابن هرمة؛ /قال: قد رضيت عنه و أعدته إلى منزلته؛ قال: فتأذن له أن ينشدك؛ قال: تعفيني من هذه؛ قال: أسألك أن تفعل؛ قال ائتوا به؛ فدخلت عليه و أنشدته قولي فيه:

وجدنا غالبا كانت جناحا # و كان أبوك قادمة الجناح‏

قال فغضب عبد اللّه بن الحسن حتى انقطع رزّه‏[4]ثم وثب مغضبا، و تجوّزت في الإنشاد ثم لحقته فقلت له:

جزاك اللّه خيرا يا ابن رسول اللّه؛ فقال: و لكن لا جزاك اللّه خيرا يا ماصّ بظر أمه، أ تقول لابن مروان:

و كان أبوك قادمة الجناح‏

بحضرتي و أنا ابن رسول اللّه-صلى اللّه عليه و سلم-و ابن عليّ بن أبي طالب-عليه السلام-!فقلت: جعلني اللّه فداك، إني قلت قولا أخدعه به طلبا لدنياه، و و اللّه ما قست بكم أحدا قطّ. أ فلم تسمعني قد قلت فيها:

و بعض القول يذهب بالرياح‏

فضحك عبد اللّه و قال: قاتلك اللّه، ما أظرفك!.

[1]تحمل بفلان على فلان: تشفع به إليه.

[2]زيادة عن حـ.

[3]في أكثر الأصول هنا: «قال ربيح» . و في حـ: «قال ربيحة» و كلاهما تحريف (راجع الحاشية رقم 1 ص 374 من الجزء الرابع من هذه الطبعة) .

[4]الرز: الصوت. و في جميع الأصول: «زره» و هو تصحيف.

363

حائية ابن هرمة في مدح عبد الواحد:

و هذه القصيدة الحائية التي مدح بها عبد الواحد من فاخر الشعر و نادر الكلام و من جيّد شعر ابن هرمة خاصة، أولها:

صرمت حبائلا من حبّ سلمى # لهند ما عمدت لمستراح‏[1]

فإنك إن تقم لا تلق هندا # و إن ترحل فقلبك غير صاحي

/يظلّ نهاره يهذي بهند # و يأرق ليله حتى الصباح

/أعبد الواحد المحمود إني # أغصّ حذار سخطك بالقراح

فشلّت راحتاي و جال مهري # فألقاني بمشتجر الرماح

و أقعدني الزمان فبتّ صفرا # من المال المعزّب و المراح

إذا فخّمت غيرك في ثنائي # و نصحي في المغيبة و امتداحي

كأن قصائدي لك فاصطنعني # كرائم قد عضلن عن النكاح

فإن أك قد هفوت إلى أمير # فعن غير التطوّع و السماح

و لكن سقطة عيبت‏[2]علينا # و بعض القول يذهب في الرياح

لعمرك إنني و بني عديّ‏[3] # و من يهوى رشادي أو صلاحي

إذا لم ترض عنّي أو تصلني # لفي حين أعالجه متاح

و إنك إن حططت إليك رحلي # بغربيّ الشّراة[4]لذو ارتياح

هششت لحاجة و وعدت أخرى # و لم تبخل بناجزة السّراح

وجدنا غالبا خلقت جناحا # و كان أبوك قادمة الجناح

إذا جعل البخيل البخل ترسا # و كان سلاحه دون السلاح

فإنّ سلاحك المعروف حتى # تفوز بعرض ذي شيم صحاح‏

سئل عن سبب مدحه لعبد الواحد فأجاب:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا يعقوب بن إسرائيل قال حدّثني إبراهيم بن إسحاق العمريّ قال حدّثني عبد اللّه بن إبراهيم الجمحيّ قال:

قلت لابن هرمة: أ تمدح عبد الواحد بن سليمان بشعر ما مدحت به غيره فتقول فيه هذا البيت:

/

وجدنا غالبا كانت جناحا # و كان أبوك قادمة الجناح‏

[1]كذا في أكثر الأصول. و في حـ: «ما عهدت بمستراح» . و في ب، س: «ما عهدت لمستراح» .

[2]كذا في حـ. و في ب، س: «عيت» . و قد ورد هذا الشطر في سائر الأصول غير مستقيم المعنى.

[3]بنو عدي: هم قوم ابن هرمة. وعدي هذا: هو عدي بن قيس بن الحارث بن فهر.

[4]الشراة: صقع بالشام بين دمشق و مدينة الرسول صلى اللّه عليه و سلم.

364

ثم تقول فيها:

أعبد الواحد الميمون‏[1]إني # أغصّ حذار سخطك بالقراح‏

فبأي شي‏ء استوجب ذلك منك؟فقال: إني أخبرك بالقصة لتعذرني: أصابتني أزمة[2]بالمدينة، فاستنهضتني بنت عمّي للخروج؛ فقلت لها: ويحك!إنه ليس عندي ما يقلّ جناحي؛ فقالت: أنا أنهضك بما أمكنني، و كانت عندي ناب لي فنهضت عليها نهجّد النوّام و نؤذي السمّار، و ليس من منزل أنزله إلا قال الناس: ابن هرمة!حتى دفعت إلى دمشق، فأويت إلى مسجد عبد الواحد في جوف الليل، فجلست فيه أنتظره إلى أن نظرت إلى بزوغ الفجر، فإذا الباب ينفلق‏[3]عن رجل كأنه البدر، فدنا فأذّن ثم صلّى ركعتين، و تأملته فإذا هو عبد الواحد، فقمت فدنوت منه و سلّمت عليه؛ فقال لي: أبو إسحاق!أهلا و مرحبا؛ فقلت لبّيك، بأبي أنت و أمي!و حيّاك اللّه بالسلام و قرّبك من رضوانه؛ فقال: أ ما آن لك أن تزورنا؟فقد طال العهد و اشتدّ الشوق، فما وراءك؟قلت: لا تسلني-بأبي أنت و أمي-فإن الدهر قد أخنى عليّ فما وجدت مستغاثا غيرك؛ فقال: لا ترع فقد وردت على ما تحب إن شاء/ اللّه. فو اللّه إني لأخاطبه فإذا بثلاثة فتية قد خرجوا كأنهم الأشطان‏[4]، فسلّموا عليه، فاستدنى الأكبر منهم فهمس إليه بشي‏ء دوني و دون أخويه؛ فمضى إلى البيت ثم رجع، فجلس إليه فكلّمه بشي‏ء دوني ثم ولّى، فلم يلبث أن خرج و معه عبد ضابط[5]يحمل عبئا من الثياب حتى ضرب به بين يديّ؛ ثم همس إليه ثانية فعاد، /و إذا به قد رجع و معه مثل ذلك، فضرب به بين يديّ. فقال لي عبد الواحد: ادن يا أبا إسحاق، فإني أعلم أنك لم تصر إلينا حتى تفاقم صدعك، فخذ هذا و ارجع إلى عيالك، فو اللّه ما سللنا لك هذا إلا من أشداق عيالنا؛ و دفع إليّ ألف دينار، و قال لي: قم فارحل فأغث من وراءك؛ فقمت إلى الباب، فلما نظرت إلى ناقتي ضقت؛ فقال لي: تعال، ما أرى هذه مبلغتك، يا غلام، قدّم له جملي فلانا. فو اللّه لقد كنت بالجمل أشدّ سرورا مني بكل ما نلته؛ فهل تلومني أن أغصّ حذار سخط هذا بالقراح!و و اللّه ما أنشدته ليلتئذ بيتا واحدا.

مدح المنصور فعاتبه لمدحه بني أمية ثم أكرمه:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدّثني محمد بن عمر الجرجانيّ قال حدّثني عثمان‏[6]بن حفص الثّقفيّ قال حدّثني محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين-صلّى اللّه عليه-قال:

دخلت مع أبي على المنصور بالمدينة و هو جالس في دار مروان، فلما اجتمع الناس قام ابن هرمة فقال:

يا أمير المؤمنين، جعلني اللّه فداءك، شاعرك و صنيعتك إن رأيت أن تأذن لي في الإنشاد؛ قال هات؛ فأنشده قوله:

سرى‏[7]ثوبه عنك الصّبا المتخايل‏

[1]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «المحمود» و قد اتفقت عليها جميع الأصول قبل هذا الموضع بقليل.

[2]في حـ: «أصابتني أزمة و قحمة بالمدينة» . و القحمة السنة الشديدة و القحط.

[3]في حـ: «ينبلق» .

[4]الأشطان: جمع شطن و هو الحبل، و قيل الحبل الطويل.

[5]ضابط: قوي شديد.

[6]كذا في حـ. و قد مر في أكثر من موضع في الأجزاء السابقة: و في سائر الأصول هنا: «عمر بن حفص الثقفي» .

[7]سرى عنه الثوب: كشفه.

365

حتى انتهى إلى قوله:

له لحظات عن حفافي‏[1]سريره # إذا كرّها فيها عقاب و نائل

فأمّ الذي آمنت آمنة الرّدى # و أمّ الذي خوّفت بالثّكل ثاكل‏

/فقال له المنصور: أما لقد رأيتك في هذه الدار قائما بين يدي عبد الواحد بن سليمان تنشده قولك فيه:

وجدنا غالبا كانت جناحا # و كان أبوك قادمة الجناح‏

قال: فقطع بابن هرمة حتى ما قدر على الاعتذار؛ فقال له المنصور: أنت رجل شاعر طالب خير، و كل ذلك يقول الشاعر، و قد أمر لك أمير المؤمنين بثلاثمائة دينار. فقام إليه الحسن بن زيد فقال: يا أمير المؤمنين، إن ابن هرمة رجل منفاق متلاف لا يليق‏[2]شيئا، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر له بها يجرى عليه منها ما يكفيه و يكفي عياله و يكتب بذلك إلى صاحب الجاري‏[3]أن يجريها عليهم فعل؛ فقال: افعلوا ذلك به. قال: و إنما فعل به الحسن بن زيد هذا لأنه كان مغضبا عليه لقوله يمدح عبد اللّه بن حسن:

ما غيّرت وجهه أمّ مهجّنة # إذا القتام تغشّى أوجه الهجن‏

حدّثني يحيى بن علي بن يحيى، و أخبرنا ابن أبي الأزهر و جحظة قالا حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، قال يحيى بن علي في خبره عن الفضل بن يحيى، و لم يقله الآخران:

دخل ابن هرمة على المنصور و قال: يا أمير المؤمنين، إني قد مدحتك مديحا لم يمدح أحد أحدا بمثله؛ /قال:

و ما عسى أن تقول فيّ بعد قول كعب الأشقريّ‏[4]في المهلّب:

/

براك اللّه حين براك بحرا # و فجّر منك أنهارا غزارا

فقال له: قد قلت أحسن من هذا؛ قال: هات، فأنشده قوله:

له لحظات عن‏[5]حفافي سريره # إذا كرّها فيها عقاب و نائل‏

قال: فأمر له بأربعة آلاف درهم. فقال له المهديّ: يا أمير المؤمنين، قد تكلّف في سفره إليك نحوها؛ فقال له المنصور: يا بنيّ، إني قد وهبت له ما هو أعظم من ذلك، وهبت له نفسه، أ ليس هو القائل لعبد الواحد بن سليمان:

إذا قيل من خير من يرتجى # لمعترّ[6]فهر و محتاجها

و من يعجل الخيل يوم الوغى # بإلجامها قبل إسراجها

أشارت نساء بني غالب # إليك به قبل أزواجها

[1]حفاف الشي‏ء: جانبه.

[2]لا يليق شيئا: أي ما يمسكه و لا يلصق به.

[3]كذا في ب، س. و الظاهر أنه يريد بالجاري الدائم المتصل من الوظائف. و في سائر الأصول: «الجار» .

[4]هو كعب بن معدان، من الأزد و أمه من عبد القيس، شاعر فارس خطيب معدود في الشجعان، من أصحاب المهلب. و هذا البيت من قصيدة له يمدح بها المهلب و يذكر قتاله الأزارقة. و له ترجمة تقع في «الأغاني» (ج 13 ص 56-64 طبع بولاق) .

[5]كذا في حـ هنا و فيما مضى في جميع الأصول. و في سائر الأصول هنا: «في» .

[6]المعتر: الفقير و المتعرض للمعروف من غير أن يسأل.

366

و هذه القصيدة من فاخر شعر ابن هرمة، و أولها:

أجارتنا روّحي نغمة # على هائم النفس مهتاجها

و لا خير في ودّ مستكره # و لا حاجة دون إنضاجها

-يقول فيها يمدح عبد الواحد بن سليمان-:

كأن قتودي على خاضب # زفوف العشيّات هدّاجها[1]

إلى ملك لا إلى سوقة # كسته الملوك ذرى تاجها

تحلّ‏[2]الوفود بأبوابه # فتلقى الغنى قبل إرتاجها

بقرّاع أبواب دور الملو # ك عند التحية ولاّجها

/إلى دار ذي حسب ماجد # حمول المغارم فرّاجها

ركود[3]الجفان غداة الصّبا # و يوم الشّمال و إرهاجها[4]

وقفت بمدحيه عند الجما[5] # ر أنشده بين حجّاجها

دس المنصور إليه من يسمع منه مدحه لعبد الواحد ففطن لذلك و أنشده من شعره في المنصور و أخذ جائزته:

أخبرني محمد بن جعفر النحويّ صهر المبرّد قال حدّثني أبو إسحاق طلحة بن عبد اللّه الطلحيّ قال حدّثني محمد بن سليمان‏[6]بن المنصور قال:

وجّه المنصور رسولا قاصدا إلى ابن هرمة و دفع إليه ألف دينار و خلعة، و وصفه له و قال: امض إليه؛ فإنك تراه جالسا في موضع كذا من المسجد، فانتسب له إلى بني أمية أو مواليهم، و سله أن ينشدك قصيدته الحائية التي يقول فيها يمدح عبد الواحد بن سليمان:

وجدنا غالبا كانت جناحا # و كان أبوك قادمة الجناح‏

فإذا أنشدكها فأخرجه من المسجد و اضرب عنقه و جئني برأسه؛ و إن أنشدك قصيدته اللامية التي يمدحني بها فادفع إليه الألف الدينار و الخلعة، و ما أراه ينشدك غيرها و لا يعترف بالحائية. قال: فأتاه الرسول فوجده كما قال المنصور، فجلس إليه و استنشده قصيدته في عبد الواحد؛ فقال: ما قلت هذه القصيدة قطّ و لا أعرفها و إنما نحلها إياي/من يعاديني، و لكن إن شئت أنشدتك أحسن منها؛ قال: قد شئت فهات؛ فأنشده:

سرى ثوبه عنك الصّبا المتخايل‏

حتى أتى على آخرها؛ ثم قال له: هات ما أمرك أمير المؤمنين بدفعه إليّ؛ فقال: أيّ شي‏ء تقول يا هذا و أيّ [1]القتود: جمع قتد و هو خشب الرحل. و الخاضب: ذكر النعام. و زفوف: حسن المشي سريعه. و الهدّاج: الذي في مشيه أو عدوه أو سعيه ارتعاش.

[2]في س: «تحلى» و هو تحريف.

[3]الركود من الجفاف: الثقيل المملوء.

[4]الإرهاج: الإمطار.

[5]الجمار: اسم موضع بمنى و هو موضع الجمرات الثلاث.

[6]في حـ: «محمد بن سليمان المنصور» .

367

شي‏ء دفع إليّ؟فقال: دع ذا عنك، فو اللّه/ما بعثك إلا أمير المؤمنين و معك مال و كسوة إليّ، و أمرك أن تسألني عن هذه القصيدة فإن أنشدتك إياها ضربت عنقي و حملت رأسي إليه، و إن أنشدتك هذه اللامية دفعت إلى ما حمّلك إياه؛ فضحك الرسول ثم قال: صدقت لعمري؛ و دفع إليه الألف الدينار و الخلعة. فما سمعنا بشي‏ء أعجب من حديثهما.

استقل المهدي على المنصور جائزته فأجابه:

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثنا عمّي عن جدّي قال:

لما أنشد ابن هرمة المنصور قصيدته اللامية التي مدحه بها أمر له بألف‏[1]درهم؛ فكلّمه فيه المهديّ و استقلّها؛ فقال يا بني، لو رأيت هذا بحيث رأيته و هو واقف بين يدي عبد الواحد بن سليمان ينشده:

وجدنا غالبا كانت جناحا # و كان أبوك قادمة الجناح‏

لا ستكثرت له ما استقللته، و لرأيت أنّ حياته بعد ذلك القول ربح كثير. و اللّه إني يا بنيّ ما هممت له منذ يومئذ بخير فذكرت قوله إلا زال ما عرض بقلبي إلى ضده حتى أهمّ بقتله ثم أعفو عنه. فأمسك المهديّ.

بعض شعره الذي يغني فيه:

و مما يغنّي فيه من مدائح ابن هرمة في عبد الواحد بن سليمان قوله من قصيدة أنا ذاكرها بعد فراغي من ذكر الأبيات، على أن المغنين قد خلطوا مع أبياته أبياتا لغيره:

صوت‏

و لما أن دنا منّا ارتحال # و قرّب ناجيات السير كوم‏[2]

تحاسر واضحات اللون زهر # على ديباج أوجهها النعيم

/أتين مودّعات و المطايا # لدى أكوارها خوص هجوم‏[3]

فكم من حرة بين المنقّى‏[4] # إلى أحد إلى ما حاز ريم‏[5]

و يروى:

فكم بين الأقارع‏[6]فالمنقّى‏

و هو أجود.

إلى الجمّاء[7]من خدّ أسيل # نقّي اللون ليس به كلوم‏

[1]في أ، ء: «بألفي» .

[2]الناجيات: النوق السريعة تنجو بمن ركبها. و الكوم: النوق الضخمة السنام.

[3]خوص: جمع أخوص و خوصاء، و الخوص: ضيق العين و صغرها و غئورها. و هجمت العين هجوما: غارت و دخلت في موضعها.

[4]المنقى: طريق بين أحد و المدينة.

[5]الريم: (بالكسر و الهمز و سهل) : واد لمزينة قرب المدينة.

[6]الذي في المعاجم: الأقرع (بالإفراد) و هو جبل بين مكة و المدينة بالقرب منه جبل يقال له الأشعر. و قد تقدّم غير مرة أنه يسوغ في الشعر أن يجي‏ء اسم المكان مفردا و مثنى و مجموعا حسب الضرورة الشعرية و الكل واحد.

[7]الجماء: جبيل من المدينة على ثلاثة أميال من ناحية العقيق إلى الجرف (بضم الجيم و سكون الراء) ، و قيل: هي إحدى هصبتين عن

368

كأنّي من تذكّر ما ألاقي # إذا ما أظلم الليل البهيم

سليم ملّ منه أقربوه # و أسلمه المداوي و الحميم‏

ذكر الزّبير بن بكّار أن هذا الشعر كله لأبي المنهال نفيلة[1]الأشجعيّ. قال‏[2]: و سمعت بعض أصحابنا يقول:

إنه لمعمر بن العنبر[3]الهذليّ. و الصحيح من القول، أن بعض هذه الأبيات لابن هرمة من قصيدة له يمدح بها عبد الواحد بن سليمان/مخفوضة الميم، و لمّا غنّي فيها و في أبيات نفيلة و خلط فيه ما أوجب خفض القافية غيّر إلى ما أوجب رفعها. فأما ما لابن هرمة فيها فهو من قصيدته التي أولها:

أجارتنا بذي نفر[4]أقيمي # فما أبكى على الدهر الذميم

/أقيمي وجه عامك ثم سيري # بلا واهي الجوار و لا مليم

فكم بين الأقارع فالمنقّى # إلى أحد إلى أكناف ريم

إلى الجمّاء من خدّ أسيل # نقيّ اللون ليس بذي كلوم

و من عين مكحّلة الأماقي # بلا كحل و من كشح هضيم

أرقت و غاب عنّي من يلوم # و لكن لم أنم أنا للهموم

أرقت و شفّني وجع بقلبي # لزينب أو أميمة أو رعوم

أقاسي ليلة كالحول حتى # تبدّى الصح منقطع البريم‏[5]

كأنّ الصبح أبلق في حجول # يشبّ و يتّقي ضرب الشّكيم

رأيت الشّيب قد نزلت علينا # روائعه بحجة مستقيم

إذا ناكرته ناكرت منه # خصومة لا ألدّ و لا ظلوم

و ودّعني الشباب فصرت منه # كراض بالصغير من العظيم

فدع ما لا يردّ عليك شيئا # من الجارات أو دمن الرسوم

و قل قولا تطبّق‏[6]مفصليه # بمدحه صاحب الرأي الصّروم‏[7]

يمين الطريق للخارج من المدينة إلى مكة. و قيل: الجماوات ثلاث بالمدينة: جماء قضارع التي تسيل على قصر أم عاصم و بئر عروة، و جماء أم خالد التي تسيل على قصر محمد بن عيسى الجعفري و ما والاه، و جماء العاقر و بينها و بين جماء أم خالد فسحة و هي تسيل على قصور جعفر بن سليمان و ما والاها.

[1]في أ، ء هنا و فيما سيأتي في جميع الأصول ما عدا ب، س: «بقيلة» (بالباء و القاف) .

[2]كلمة «قال» ساقطة في حـ.

[3]في حـ: «العنبري» و لم نوفق لترجيح إحدى الروايتين.

[4]كذا في أكثر الأصول. و ذو نفر (بالتحريك، و يروى بالسكون) : موضع على ثلاثة أيام من السليلة بينها و بين الربذة، و قيل: خلف الربذة بمرحلة في طريق مكة. و في حـ: «بذي بقر» . و ذو بقر: واد بين أخيلة الحمى حمى الربذة. و ذو نفر و ذو بقر متقاربان.

[5]البريم: ضوء الشمس مع بقية سواد الليل.

[6]تطبق مفصليه: تصيب فيه الحجة، و أصله: إصابة المفصل و هو طبق العظمين أي ملتقاهما فيفصل بينهما.

[7]الصروم: القاطع. ـ

369

/

لعبد الواحد الفلج‏[1]المعلّى # علا خلق النّفورة[2]و الخصوم

دعته المكرمات فناولته # خطام المجد في سنّ الفطيم‏

و هي طويلة. فمن الأبيات التي فيها الغناء أربعة أبيات لابن هرمة قد مضت في هذه القصيدة؛ و إنما غيّرت حتى صارت مرفوعة، فاتّفقت الأبيات و غنّي فيها. و أما أبيات نفيلة فما بقي من الصوت المذكور بعد أبيات ابن هرمة له. و يتلو ذلك من أبيات نفيلة قوله:

يضي‏ء دجى الظلام إذا تبدّى # كضوء الفجر منظره وسيم

و قائلة و مثنية علينا # تقول و ما لها فينا حميم

و أخرى لبّها معنا و لكن # تصبّر و هي واجمة كظوم

تعدّ لنا الليالي تحتصيها # متى هو حائن منه‏[3]قدوم

متى تر غفلة الواشين عنها[4] # تجد بدموعها العين السّجوم‏

و الغناء في هذه الأبيات المذكورة المختلط فيها شعر ابن هرمة و نفيلة لمعبد، و لحنه من الثقيل الأوّل بالوسطى عن عمرو و يونس. و فيها لحن من الثقيل الثاني ينسب إلى الوابصيّ. و فيها خفيف ثقيل ينسب إلى معبد و إلى ابن سريج.

الوابصي و أخباره:

و هذا الوابصيّ هو الصّلت بن العاصي بن وابصة بن خالد بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم.

حدّه عمر بن عبد العزيز في الخمر فذهب إلى بلاد الروم و تنصر و مات نصرانيا:

كان تنصّر و لحق ببلاد الروم؛ لأن عمر بن عبد العزيز-فيما ذكر-حدّه في الخمر، و هو أمير الحجاز، فغضب فلحق ببلاد الروم و تنصّر هناك، و مات هنالك نصرانيا.

/رآه رسول عمر بن عبد العزيز الذي ذهب إلى الروم لفك الأسرى:

فأخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عبد اللّه بن عبد العزيز قال أخبرني ابن العلاء[5]-أظنه أبا عمرو أو أخاه-عن جويرية بن أسماء/عن إسماعيل بن أبي حكيم، و أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا سعيد بن عامر[6]عن جويرية بن أسماء عن إسماعيل بن أبي حكيم، و قد جمعت الروايتين، قال اليزيديّ في خبره: إن إسماعيل حدّث: أن عمر بن [1]الفلج: الظفر و الغلب.

[2]نفورة الرجل: نافرته و هي أسرته و فصيلته التي تغضب لغضبه.

[3]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «منا» .

[4]في حـ: «يوما» .

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «ابن أبي العلاء» ، و هو تحريف.

[6]هو سعيد بن عامر الضبعي (بضم المعجمة و فتح الموحدة) أبو محمد البصري و هو ابن أخت جويرية بن أسماء و عنه يروى. و قد ورد في حـ: «سعيد بن عامر بن جويرية... إلخ» . و ورد في سائر الأصول: «سعيد بن عباس» ، و كلاهما تحريف.

370

عبد العزيز بعث في الفداء. و قال عمر بن شبّة: إن إسماعيل حدّث قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فأتاه البريد الذي جاء من القسطنطينية فحدّثه قال: بينا أنا أجول في القسطنطينية إذ سمعت رجلا يغنّي بلسان فصيح و صوت شج:

فكم من حرّة بين المنقّى # إلى أحد إلى جنبات ريم‏

فسمعت غناء لم أسمع قطّ أحسن منه. فلما سمعت الغناء و حسنه، لم أدر أ هو كذلك حسن، أم لغربته و غربة العربيّة في ذلك الموضع. فدنوت من الصوت، فلما قربت منه إذا هو في غرفة، فنزلت عن بغلتي فأوثقتها ثم صعدت إليه فقمت على باب الغرفة، فإذا رجل مستلق على قفاه يغنّي هذين البيتين‏[1]لا يزيد عليهما و هو واضع إحدى رجليه على الأخرى، فإذا فرغ بكى فيبكي ما شاء اللّه ثم يعيد الغناء. ففعل ذلك مرارا؛ فقلت:

السلام عليكم؛ فوثب و ردّ السلام؛ فقلت: أبشر فقد فكّ اللّه أسرك، أنا بريد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى هذا الطاغية في فداء/الأسارى. ثم سألته: من أنت؟فقال: أنا الوابصيّ، أخذت فعذّبت حتى دخلت في دينهم؛ فقلت له: أنت و اللّه أحبّ من أفتديه إلى أمير المؤمنين و إليّ إن لم تكن دخلت في الكفر؛ فقال: قد و اللّه دخلت فيه؛ فقلت: أنشدك اللّه إلاّ أسلمت؛ فقال: أ أسلم و هذان ابناي و قد تزوجت امرأة منهم و هذان ابناها، و إذا دخلت المدينة قيل لي يا نصرانيّ و قيل مثل ذلك لولديّ و أمهما!لا و اللّه لا أفعل. فقلت له: قد كنت قارئا للقرآن فما بقي معك منه؟قال: لا شي‏ء إلا هذه الآية رُبَمََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كََانُوا مُسْلِمِينَ . قال: فعاودته و قلت له: إنك لا تعيّر بهذا؛ فقال: و كيف بعبادة الصليب و شرب الخمر و أكل لحم الخنزير؟فقلت: سبحان اللّه!أ ما تقرأ: إِلاََّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمََانِ فجعل يعيد عليّ قوله: فكيف بما فعلت!و لم يجبني إلى الرجوع. قال: فرفع عمر يده و قال: اللهم لا تمتني حتى تمكنني منه. قال: فو اللّه ما زلت راجيا لإجابة دعوة عمر فيه. قال جويرية في حديثه:

و قد رأيت أخا الوابصيّ بالمدينة.

لقبه رجل بصري فأخبره أن سبب تنصره عشقه لامرأة منهم:

و قال يعقوب بن السّكّيت في هذا الخبر. أخبرني ابن الأزرق عن رجل من أهل البصرة أنسيت اسمه قال:

نزلنا في ظلّ حصن من الحصون التي للروم، فإذا أنا بقائل يقول من فوق الحصن:

فكم بين الأقارع فالمنقّى # إلى أحد إلى ميقات ريم

إلى الزّوراء[2]من ثغر نقيّ # عوارضه و من دلّ رخيم

و من عين مكحّلة الأماقي # بلا كحل و من كشح هضيم‏

/و هو ينشد بلسان فصيح و يبكي، فناديته: أيها المنشد، فأشرف فتى كأحسن الناس. فقلت: من الرجل و ما قصتك؟فقال: أنا رجل من الغزاة من العرب نزلت مكانك هذا، فأشرفت/عليّ جارية كأحسن الناس فعشقتها فكلّمتها؛ فقالت: إن دخلت في ديني لم أخالفك؛ فغلب عليّ الشيطان فدخلت في دينها، فأنا كما ترى. فقلت:

[1]يلاحظ أن الذي تقدم بيت واحد.

[2]الزوراء: اسم يطلق على أكثر من موضع. و الظاهر أنه يريد بها هنا موضعا عند سوق المدينة يطلق عليه هذا الاسم لقرب هذا الموضع من المواضع المذكورة في البيت السابق.

371

أ كنت تقرأ القرآن؟فقال: إي و اللّه لقد حفظته. قلت: فما تحفظ منه اليوم؟قال: لا شي‏ء إلا قوله عزّ و جلّ: رُبَمََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كََانُوا مُسْلِمِينَ . قلت: فهل لك أن نعطيهم‏[1]فداءك و تخرج؟قال: ففكّر ساعة ثم قال: انطلق صحبك اللّه.

بعض ما ورد في شعر ابن هرمة من الأخبار:

<و مما في الأخبار من شعر ابن هرمة>

صوت من المائة المختارة

في حاضر لجب بالليل سامره # فيه الصواهل و الرايات و العكر[2]

و خرّد كالمها حور مدامعها # كأنها بين كثبان النّقا البقر

الشعر لابن هرمة. و الغناء في اللحن المختار لحنين، و لحنه من الثقيل الأوّل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. قال إسحاق: و فيه لأبي همهمة لحن من الثقيل الأوّل أيضا. و أبو همهمة هذا مغنّ أسود من أهل المدينة، ليس بمشهور و لا ممن نادم الخلفاء و لا وجدت له خبرا فأذكره.

صوت من المائة المختارة

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب # و قل إن تملّينا فما ملّك القلب

و قل في تجنّيها لك الذنب: إنما # عتابك من عاتبت فيما له عتب‏

الشعر لنصيب. و الغناء في اللحن المختار لكردم بن معبد، و لحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه لمعبد لحن آخر من خفيف الثقيل عن يونس و الهشاميّ و دنانير. و فيه لإبراهيم لحن آخر من الثقيل الأوّل ذكره الهشاميّ.

بعض أخبار لنصيب:

و قد تقدّم من أخبار نصيب ما فيه كفاية، و إنما تأخر منها ما له موضع يصلح إفراده فيه، مثل أخبار هذا الصوت.

ذكر عن نفسه أنه قال شعرا فعلم أنه شاعر:

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدّثنا عمي الفضل عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن ابن كناسة قال:

[1]في حـ: «أن نعظم لهم فداءك» .

[2]الحاضر: الحي العظيم. و السامر: المتسامرون. و العكر: جمع عكرة (محركة) و هي القطعة من الإبل، قيل: ما فوق خمسمائة، و قيل: ما بين الخمسين إلى المائة.

372

قال نصيب: ما توهمت أني أحسن أن أقول الشعر حتى قلت:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب‏

سمع جميل و جرير من شعره فتمنيا لو أنهما سبقاه إليه:

أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكار قال حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحزاميّ عن محمد بن معن الغفاريّ قال أخبرني ابن الربيح‏[1]قال:

مرّ بنا جميل و نحن بضريّة[2]، فاجتمعنا إليه فسمعته يقول: لأن أكون سبقت الأسود إلى قوله:

/

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب‏

أحبّ إليّ من كذا و كذا-لشي‏ء قاله عظيم-.

أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزبير قال حدّثني سعيد بن عمرو عن حبيب‏[3]بن شوذب الأسديّ قال:

مرّ بنا جرير بن الخطفي و نحن بضريّة، فاجتمعنا/إليه فسمعته يقول: لأن أكون سبقت العبد إلى هذا البيت أحبّ إليّ من كذا و كذا؛ يعني قوله:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب‏

أنشده الكميت من شعره و بكى:

أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني عمّي الفضل عن إسحاق الموصلي عن ابن كناسة قال:

اجتمع الكميت بن زيد و نصيب في الحمّام، فقال له الكميت: أنشدني قولك:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب‏

فقال: و اللّه ما أحفظها؛ فقال الكميت: لكنّي أحفظها، أ فأنشدك إياها؟قال نعم، فأقبل الكميت ينشده و هو يبكي.

كان مع زوجته فمر به ابن سريج يتغنى بشعر له فيها فلامته:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبي قالا[4]حدّثنا عمر بن شبّة قال ذكر ابن أبي الحويرث عن مولاة لهم، و أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن عثمان بن حفص عن مولاة لهم قالت:

إنا لبمنى إذ نظرت/إلى أبنية مضروبة و أثاث و أمتعة، فلم أدر لمن هي، حتى أنيخ بعير، فنزل عنه أسود و سوداء فألقيا أنفسهما على بعض المتاع، و مرّ راكب يتغنّى غناء الركبان:

[1]كذا في أ، ء. و في ب، س: «الذبيح» . و في حـ، م: «الزبيح» ، و كلاهما تحريف. (راجع الحاشية رقم 1 ص 374 من الجزء الرابع من هذه الطبعة) .

[2]ضرية: قرية عامرة قديمة في طريق مكة من البصرة من بلاد نجد. و قيل: هي صقع واسع بنجد ينسب إليه حمى ضرية المعروف، يليه أمراء المدينة و ينزل به حاج البصرة بين الجديلة و طخفة.

[3]كذا في أكثر الأصول. و في حـ: «حبيب بن شوذب» . و المعروف بابن شوذب هو عبد اللّه أبو عبد الرحمن البلخي، و قد تقدّم في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب.

[4]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «قال» . و هو تحريف.

373

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب‏

فرأيت السوداء تخبط الأسود و تقول له: شهّرتني و أذعت في الناس ذكري‏[1]؛ فإذا هو نصيب و زوجته. قال إسحاق في خبره: و كان الذي اجتاز بهم و تغنّى ابن سريج.

كان ابن سريج يغني لنسوة في شعره فلم يشأ أن يتعرف بهن:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن كناسة عن أبيه قال: [قال‏][2]نصيب: و اللّه إني‏

لأسير على راحلتي إذ أدركت نسوة ذوات جمال يتناشدن‏[3]قولي:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب‏

و إذا معهنّ ابن سريج؛ فقلن له: يا أبا يحيى، غنّنا في هذا الشعر، فغناهنّ فأحسن؛ فقلن: وددنا و اللّه يا أبا يحيى أن نصيبا معنا فيتمّ سرورنا؛ فحرّكت بعيري لأتعرّف بهنّ و أنشدهنّ؛ فالتفتت إحداهنّ إليّ فقالت حين رأتني:

و اللّه لقد زعموا أن نصيبا يشبه هذا الأسود لا جرم؛ فقلت: و اللّه لا أتعرّف بهنّ سائر اليوم، و مضيت و تركتهنّ. قال:

و كان الذي تغنى به ابن سريج من شعري:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب # و قل إن تملّينا فما ملّك القلب

و قل إن تنل بالحبّ منك مودّة # فما مثل ما لقّيت من حبكم حب

و قل في تجنّيها لك الذنب إنما # عتابك من عاتبت فيما له عتب

/فمن شاء رام الوصل أو قال ظالما # لذي ودّه ذنب و ليس له ذنب‏

سأله جد جمال بنت عون أن ينشده قصيدته في زينب فأنشده:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني إبراهيم بن عبد اللّه السّعدي‏[4]عن جدّته جمال بنت عون عن جدّها قال:

قلت للنّصيب: أنشدني يا أبا محجن من شعرك شيئا؛ فقال: أيّه تريد؟قلت: ما شئت؛ قال: لا أنشدك أو تقترح ما تريد؛ فقلت: قولك:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب‏

قال: فتبسّم و قال: هذا شعر قلته و أنا غلام؛ ثم أنشدني القصيدة. قال الزبير: و هي أجود ما قال.

لامه عمر على تشهيره بالنساء فأخبر أنه تاب و استجازه فأجازه:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري و حبيب بن نصر المهلّبي قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا المدائني عن أبي بكر الهذليّ قال حدّثني أيوب بن شاس، و نسخت هذا الخبر من كتاب/أحمد بن الحارث الخرّاز عن [1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فكري» ، و هو تحريف.

[2]التكملة عن حـ.

[3]في الأصول: «يتناشدون» و هو تحريف.

[4]في ب، س: «السعيدي» .

374

المدائني عن أبي بكر الهذلي عن أيوب بن شاس-و روايته أتم من رواية عمر بن شبّة-قال أيوب: حدّثني عبد اللّه بن سعيد:

أن النصيب دخل على عمر بن عبد العزيز لمّا ولي الخلافة؛ فقال له: هيه يا أسود:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب # و قل إن تملّينا فما ملّك القلب‏

أ أنت الذي تشهر النساء و تقول فيهنّ!فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد تركت ذلك و تبت من قول الشعر، و كان قد نسك؛ فأثنى عليه القوم و قالوا فيه قولا/جميلا[1]؛ فقال له: أمّا إذ أثنى عليك القوم فسل حاجتك؛ فقال:

يا أمير المؤمنين، لي بنيّات سويداوات أرغب بهنّ عن السودان و يرغب عنهنّ البيضان، فإن رأيت أن تفرض لهنّ فافعل؛ ففعل.

رأى عثمان بن الضحاك امرأة فتمثل بشعره في زينب فكانت هي و أخبرته أنه آت لزيارتها:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا عبد اللّه بن شبيب عن محمد بن المؤمّل بن طالوت عن أبيه عن عثمان بن الضحّاك الحزامي قال:

خرجت على بعير لي أريد الحج، فنزلت في فناء خيمة بالأبواء[2]، فإذا جارية قد خرجت من الخيمة ففتحت الباب بيديها؛ فاستلهاني حسنها، فتمثّلت قول نصيب:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب # و قل إن تملّينا فما ملّك القلب‏

فقالت الجارية: أ تعرف قائل هذا الشعر؟قلت: نعم، ذاك نصيب؛ قالت: أ فتعرف زينب هذه؟قلت: لا؛ قالت: فأنا و اللّه زينبه، و هو اليوم الذي وعدني فيه الزيارة، و لعلك لا ترحل حتى تراه. فوقفت ساعة فإذا أنا براكب قد طلع فجاء حتى أناخ قريبا منها، ثم نزل فسلّم عليها و سلّمت عليه؛ فقلت: عاشقان التقيا و لا بدّ أن يكون لهما حاجة، فقمت إلى راحلتي فشددت عليها؛ فقال: على رسلك، أنا معك؛ فلبث ساعة ثم رحل و رحلت معه؛ فقال لي: كأنك قلت في نفسك كذا و كذا؛ قلت: قد كان ذاك؛ فقال لا، و ربّ الكعبة البنيّة المستورة ما جلست معها مجلسا قطّ هو أقرب من هذا.

شبه حماد بن إسحاق قصيدة له بشعر امرئ القيس:

حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني حماد بن إسحاق قال قال لي أبو ربيعة:

لو لم تكن هذه القصيدة:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب‏

لنصيب، شعر من كانت تشبه؟فقلت: شعر امرئ القيس، لأنها جزلة الكلام جيدة. قال: سبحان اللّه!قلت:

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فأثنى عليه القوم خيرا و قالوه فيه فقال... إلخ» .

[2]الأبواء: قرية من أعمال الفرع (بضم الفاء و سكون الراء) من المدينة بينها و بين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة و عشرون ميلا. و قيل:

هي جبل على يمين آرة و يمين الطريق للمصعد إلى مكة من المدينة، و هناك بلد ينسب إلى هذا الجبل. و بالأبواء قبر آمنة بنت وهب أم النبي صلى اللّه عليه و سلم.

375

ما شأنك؟فقال: سألت أباك عن هذا فقال لي مثل ما قلت، فعجبت من اتّفاقكما.

منقذ الهلالي و طربه بشعر نصيب:

قال هارون و حدّثني حماد عن أبيه عن عثمان بن حفص الثّقفي عن رجل سمّاه قال:

أتاني منقذ الهلالي ليلة و ضرب عليّ الباب، فقلت: من هذا؟فقال: منقذ الهلاليّ؛ فخرجت فزعا، فقلت:

فيم السّرى‏[1]-أي ما جاء بك تسري إليّ ليلا-في هذه الساعة؟قال: خير، أتاني أهلي بدجاجة مشوية بين رغيفين، فتغذّيت‏[2]بها معهم، ثم أتيت بقنينة نبيذ قد التقى طرفاها، فشربت و ذكرت قول نصيب:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الرّكب‏

فأنشدتها فأطربتني، و فكّرت في إنسان يفهم حسن ذلك و يعرف فضله فلم أجد غيرك فأتيتك. فقلت: ما جاء بك إلا هذا؟!قال: لا، و انصرف.

قال حماد: معنى قوله: «التقى طرفاها» أي قد صفت و راقت فأسفلها و أعلاها/سواء في الصفاء.

و ممّا يغنّى فيه من قصيدة نصيب البائيّة المذكورة قوله:

صوت‏

خليليّ من كعب أ لمّا هديتما # بزينب لا يفقدكما أبدا كعب

من اليوم زوراها فإن ركابنا # غداة غد عنها و عن أهلها نكب‏

الغناء لمالك خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو بن بانة.

صوت من المائة المختارة على رواية جحظة عن أصحابه‏

النّشر مسك و الوجوه دنا # نير و أطراف الأكفّ عنم

و الدار وحش و الرسوم كما # رقّش في ظهر الأديم قلم

لست كأقوام خلائقهم # نثّ أحاديث و هتك حرم‏

-نثّ الحديث: إشاعته. و العنم: شجر أحمر، و قيل: بل هو دود أحمر كالأساريع‏[3]يكون في البقل في أيام الربيع. و الأديم: الجلد. و جلد كل شي‏ء أديمه. و رقّش: زين-الشعر[4]لمرقّش الأكبر، و الغناء لابن عائشة هزج بالبنصر في مجراها.

[1]كذا في حـ. و في أ، ء، م: «فما السرى أي ما جاء بك... إلخ» و في ب، س: فما السر الذي جاء بك... إلخ» .

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فتغديت» (بالدال المهملة) .

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «كالتساريع» . و لعلها مصحفة عن «اليساريع» و هي بمعنى الأساريع.

[4]هذا الشعر من قصيدة للمرقش يرثى بها ابن عمه ثعلبة بن عوف بن مالك بن ضبيعة، قتله مهلهل في ناحية التغلمين، و كان معه مرقش فأفلت، ثم إنه طلب بدم ثعلبة فقتل رجلا من تغلب يقال له عمرو بن عوف. و قد وردت هذه الأبيات في المفضليات (ص 484-492 طبع أوروبا) على غير هذا الترتيب باختلاف يسير.

376

8-أخبار المرقش الأكبر و نسبه‏

نسبه و سبب تسميته بالمرقش و قرابته للمرقش الأصغر:

المرقّش لقب غلب عليه بقوله:

الدار وحش و الرسوم كما # رقّش في ظهر الأديم قلم‏

عوف بن مالك المعروف بالبرك:

و هو أحد من قال شعرا فلقّب به. و اسمه-فيما ذكر أبو عمرو الشّيباني-عمرو. و قال غيره: عوف‏[1]بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة الحصن‏[2]بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. و هو أحد المتيّمين. كان يهوى ابنة عمه أسماء بنت عوف بن مالك بن ضبيعة، و كان المرقّش الأصغر ابن أخي المرقش الأكبر. و اسمه-فيما ذكر أبو عمرو-ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك. و قال غيره: هو عمرو بن حرملة بن سعد بن مالك. و هو أيضا أحد المتيّمين، كان يهوى فاطمة بنت المنذر الملك و يتشبّب بها. و كان للمرقّشين جميعا موقع في بكر بن وائل و حروبها مع بني تغلب، و بأس و شجاعة و نجدة و تقدّم في المشاهد و نكاية في العدوّ و حسن أثر. كان عوف بن مالك بن ضبيعة عمّ المرقّش الأكبر من فرسان بكر بن وائل. و هو القائل يوم قضة: يا لبكر بن وائل، أ في كل يوم فرارا!و محلوفي‏[3]لا يمرّ بي رجل من بكر بن وائل منهزما إلاّ ضربته بسيفي. و برك يقاتل؛ فسمّي البرك يومئذ.

عمرو بن مالك و أسره لمهلهل:

و كان أخوه عمرو بن مالك أيضا من فرسان بكر، و هو الذي أسر مهلهلا، التقيا في خيلين من غير مزاحفة في بعض الغارات بين بكر و تغلب، في موضع يقال له نقا/الرّمل، فانهزمت خيل مهلهل و أدركه عمرو بن مالك فأسره فانطلق به إلى قومه، و هم في نواحي هجر[4]، فأحسن إساره. و مرّ عليه تاجر يبيع الخمر قدم بها من هجر، و كان صديقا لمهلهل يشتري منه الخمر، فأهدى/إليه و هو أسير زقّ خمر؛ فاجتمع إليه بنو مالك فنحروا عنده بكرا و شربوا عند مهلهل في بيته-و قد أفرد له عمرو بيتا يكون فيه-فلما أخذ فيهم الشّراب تغنّى مهلهل فيما كان يقوله [1]قيل سمى عوفا باسم عمه والد أسماء التي كان يهواها و يتشبب بها. (راجع «المفضليات» ) .

[2]كذا في حـ و قد صححها الأستاذ الشنقيطي كذلك في نسخته المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (144 أدب ش) . و في سائر الأصول: «الحصين» و هو تحريف. (راجع «المعارف» لابن قتيبة ص 47، 48) .

[3]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «أما و محلوفي» .

[4]هجر: اسم يطلق على أكثر من موضع. و الظاهر أنه يريد به هنا هجر التي قصبتها الصفا و بينها و بين اليمامة عشرة أيام و بينها و بين البصرة خمسة عشر يوما على الإبل لقربها من ديار بكر و تغلب.

377

من الشعر و ينوح به على كليب؛ فسمع ذلك عمرو بن مالك فقال: إنه لريّان، و اللّه لا يشرب ماء حتى يرد ربيب- يعني جملا كان لعمرو بن مالك، و كان يتناول الدّهاس‏[1]من أجواف هجر فيرعى فيها غبّا بعد عشر في حمارّة القيظ-فطلبت ركبان بني مالك ربيبا و هم حراص على ألاّ يقتل مهلهل، فلم يقدروا على البعير حتى مات مهلهل عطشا. و نحر عمرو بن مالك يومئذ نابا فأسرج جلدها على مهلهل و أخرج رأسه. و كانت بنت خال مهلهل امرأته بنت المحلّل‏[2]أحد بني تغلب قد أرادت أن تأتيه و هو أسير؛ فقال يذكرها:

ظبية ما ابنة المحلّل شنبا[3] # ء لعوب لذيذة في العناق‏[4]

فلما بلغها ما هو فيه لم تأته حتى مات. فكان هبنّقة القيسيّ أحد بني قيس بن ثعلبة و اسمه يزيد بن ثروان يقول-و كان محمّقا و هو الذي تضرب به العرب المثل/في الحمق-: لا يكون لي جمل أبدا إلا سميته ربيبا (يعني أن ربيبا كان مباركا لقتله مهلهلا) . ذكر ذلك أجمع ابن الكلبي و غيره من الرواة. و القصيدة الميميّة التي فيها الغناء المذكورة بذكر أخبار المرقّش يقولها في مرثية ابن عم له. و فيها يقول:

بل هل شجتك الظّعن‏[5]باكرة # كأنها النخيل‏[6]من ملهم‏[7]

عشق المرقش أسماء بنت عوف و خطبها فزوّجها أبوها في بني مراد في غيبته:

قال أبو عمرو-و وافقه المفضّل الضبي-: و كان من خبر المرقّش الأكبر أنه عشق ابنة عمه أسماء بنت عوف بن مالك، و هو البرك، عشقها و هو غلام فخطبها إلى أبيها؛ فقال: لا أزوّجك حتى تعرف‏[8]بالبأس-و هذا قبل أن تخرج ربيعة من أرض اليمن-و كان يعده فيها المواعيد. ثم انطلق مرقّش إلى ملك من الملوك فكان عنده زمانا و مدحه فأجازه. و أصاب عوفا زمان شديد؛ فأتاه رجل من مراد أحد بني غطيف‏[9]، فأرغبه في المال فزوّجه أسماء على مائة من الإبل، ثم تنحى عن بني سعد بن مالك.

أخبره أهله بموت أسماء و لما علم بزواجها من المرادي رحل إليها و مات عندها:

و رجع مرقش، فقال إخوته: لا تخبروه إلاّ أنها ماتت؛ فذبحوا كبشا و أكلوا لحمه و دفنوا عظامه و لفّوها في ملحفة ثم قبروها. فلما قدم مرقّش عليهم أخبروه أنها ماتت، و أتوا به موضع القبر؛ فنظر إليه و صار بعد ذلك يعتاده و يزوره. فبينا هو ذات يوم مضطجع و قد تغطّى بثوبه و ابنا أخيه يلعبان بكعبين لهما إذ اختصما في كعب، فقال [1]الدهاس: المكان السهل ليس برمل و لا تراب.

[2]كذا في الطبري و فيما مر في أكثر الأصول من الجزء الخامس من هذه الطبعة (ص 51) . و في ب، س هنا و فيما مر من الجزء الخامس و هامش الطبري: «المجلل» (بالجيم) : و في سائر الأصول هنا غير ب، س: «المجالد» .

[3]الشنباء: التي في أسنانها ماء ورقة و برد و عذوبة.

[4]رواية هذا البيت في الجزء الخامس من هذه الطبعة (ص 51) :

طفلة ما ابنة المحلل بيضا # ء لعوب لذيذة في العناق‏

[5]الظعن: النساء بهوادجهن.

[6]في «المفضليات» :

«كأنهن النخل... »

.

[7]ملهم: أرض من أرض اليمامة موصوفة بكثرة النخيل.

[8]في «المفضليات» : «حتى ترأس» أي تكون رئيسا.

[9]كذا في حـ و «المفضليات» . و غطيف: بطن من مراد، و هم بنو غطيف بن ناجية بن مراد. و في سائر الأصول: «عطيف» (بالعين المهملة) و هو تصحيف. ـ

378

أحدهما: هذا كعبي أعطانيه أبي من الكبش الذي دفنوه و قالوا إذا جاء مرقّش أخبرناه أنه قبر أسماء. فكشف مرقّش عن رأسه و دعا الغلام-و كان قد ضني ضنا شديدا-فسأله عن الحديث فأخبره به و بتزويج المراديّ أسماء؛ /فدعا مرقّش وليدة له و لها زوج من غفيلة[1]كان عسيفا[2]لمرقّش، فأمرها بأن تدعو له زوجها فدعته، و كانت له رواحل فأمره بإحضارها ليطلب المراديّ‏[عليها][3]فأحضره إياها، فركبها و مضى في طلبه، فمرض في الطريق حتى ما يحمل إلا معروضا. و إنهما نزلا كهفا بأسفل نجران، و هي أرض مراد، و مع الغفليّ‏[4]امرأته وليدة مرقّش؛ فسمع مرقّش زوج الوليدة يقول لها: اتركيه/فقد هلك سقما و هلكنا معه ضرّا و جوعا. فجعلت الوليدة تبكي من ذلك؛ فقال لها زوجها: أطيعيني، و إلا فإني تاركك و ذاهب. قال: و كان مرقّش يكتب، و كان أبوه دفعه و أخاه حرملة -و كانا[5]أحبّ ولده إليه-إلى نصرانيّ من أهل الحيرة فعلّمهما الخطّ. فلما سمع مرقّش قول الغفليّ‏[4]للوليدة كتب مرقّش على مؤخّرة الرحل هذه الأبيات:

يا صاحبيّ تلبّثا لا تعجلا # إنّ الرواح رهين ألاّ تفعلا[6]

فلعلّ لبثكما يفرّط سيّئا[7] # أو يسبق الإسراع سيبا مقبلا[8]

/يا راكبا إمّا عرضت فبلّغن # أنس‏[9]بن سعد إن لقيت و حرملا

للّه درّكما و درّ أبيكما # إن أفلت العبدان‏[10]حتى يقتلا

من مبلغ الأقوام أنّ مرقّشا # أضحى على الأصحاب عبئا مثقلا[11]

و كأنما ترد السباع بشلوه # إذ غاب جمع بني ضبيعة منهلا

قال: فانطلق الغفليّ و امرأته حتى رجعا إلى أهلهما، فقالا: مات المرقّش. و نظر حرملة إلى الرّحل و جعل يقلّبه فقرأ الأبيات، فدعاهما و خوّفهما و أمرهما بأن يصدقاه ففعلا، فقتلهما. و قد كانا وصفا له الموضع، فركب في [1]في أكثر الأصول: «عقيلة» . و في حـ: «عقيل» (بالعين المهملة و القاف) . و في «تجريد الأغاني» : «عفيل» (بالفاء) . و التصويب عن «المفضليات» و «كتاب المعارف» و «القاموس» . و غفيلة: حي من ولد عمرو بن قاصد و لهم عدد بالجزيرة في بني تغلب.

[2]كذا في حـ و «تجريد الأغاني» و «المفضليات» . و العسيف: الأجير و العبد المستعان به. و في سائر الأصول: «عشيقا» و هو تصحيف.

[3]زيادة عن حـ.

[4]في الأصول هنا و فيما يأتي: «العقيلي» و التصويب عن «المفضليات» .

[5]كذا في ب، س. و في سائر الأصول و «المفضليات» و «تجريد الأغاني» : «و كان... إلخ» .

[6]في هذا البيت عدة روايات ذكرها ابن الأنباري شارح «المفضليات» . (ص 458 طبع مطبعة الآباء اليسوعيين ببيروت) .

[7]كذا في «المفضليات» و «لسان العرب» مادة «فرط» . و قد وردت هذه الكلمة في سائر الأصول محرّفة.

[8]قال صاحب «المفضليات» في التعليق على هذا البيت: «قال أبو عكرمة: يفرط: يقدّم، مأخوذ من الفارط و هو المتقدّم قبل الماشية يصلح الدلاء و الأرشية و الحياض. يقول: لعل انتظاركما يقدّم عنكما مكروها. و لعل سيبا مقبلا يكون بعد عجلتكما، فانتظاركما أوفق. قال: و قال أبو عمرو: الإفراط: التقدّم و العجلة، يقول إن أبطأتما فعرض لكما شر فلعله أن يخطئكما و إن تقدّمتما فعرض خير بعدكما فلعله لا يصادفكما» .

[9]أنس بن سعد و حرملة: هما أخوا مرقش.

[10]في «المفضليات» :

«إن أفلت الغفلى... إلخ»

.

[11]زاد صاحب «المفضليات» بعد هذا البيت و قبل الأخير بيتا و هو:

ذهب السباء بأنفه فتركته # أعثى عليه بالجبال و جيئلا

و يعني بالأعثى: الضبعان و هو ذكر الضباع. و الجيأل: الأنثى.

379

طلب المرقّش حتى أتى المكان، فسأل عن خبره فعرف أنّ مرقّشا كان في الكهف و لم يزل فيه حتى إذا هو[1]بغنم تنزو على الغار الذي هو فيه و أقبل راعيها إليها. فلما بصر به قال له: من أنت و ما شأنك؟فقال له مرقّش: أنا رجل من مراد، و قال للراعي‏[2]: من أنت؟قال: راعى فلان، و إذا هو راعى زوج أسماء. فقال له مرقّش: أ تستطيع أن تكلّم أسماء امرأة صاحبك؟قال: لا، و لا أدنو منها؛ و لكن تأتيني جاريتها كلّ ليلة فأحلب لها عنزا فتأتيها بلبنها.

فقال له: خذ خاتمي هذا، فإذا حلبت فألقه في اللبن، فإنها ستعرفه، و إنك مصيب به خيرا لم يصبه راع قطّ إن أنت فعلت ذلك. فأخذ الراعي الخاتم. و لما راحت الجارية بالقدح و حلب لها العنز طرح الخاتم فيه؛ فانطلقت الجارية به و تركته بين يديها. فلما سكنت الرّغوة أخذته فشربته، و كذلك كانت تصنع، فقرع الخاتم ثنيّتها، فأخذته و استضاءت بالنار فعرفته؛ فقالت للجارية: /ما هذا الخاتم؟قالت: ما لي به علم؛ فأرسلتها إلى مولاها و هو في شرف‏[3]بنجران؛ فأقبل فزعا؛ فقال لها: لم دعوتني؟قالت له: ادّع عبدك راعي غنمك فدعاه؛ فقالت: سله أين وجد هذا الخاتم!قال: وجدته مع رجل في كهف خبّان‏[4]. -قال: و يقال كهف جبار-فقال: اطرحه في اللبن الذي تشربه أسماء فإنك مصيب به خيرا، و ما أخبرني من هو، و لقد تركته بآخر رمق. فقال لها زوجها: و ما هذا الخاتم؟ قالت: خاتم مرقّش، فأعجل السّاعة في طلبه. فركب فرسه و حملها على فرس آخر و سارا حتى طرقاه من ليلتهما فاحتملاه إلى أهلهما، فمات عند أسماء. و قال قبل أن يموت:

سرى ليلا خيال من سليمى # فأرّقني و أصحابي هجود

فبتّ أدير أمري كلّ حال # و أذكر أهلها و هم بعيد

على أن قد سما طرفي لنار # يشبّ لها بذي الأرطى‏[5]وقود

/حواليها مها بيض التّراقي‏[6] # و آرام و غزلان رقود

نواعم لا تعالج بؤس عيش # أوانس لا تروح‏[7]و لا ترود

يرحن معا بطاء المشي‏ء بدّا[8] # عليهنّ المجاسد و البرود

سكن ببلدة و سكنت أخرى # و قطّعت المواثق و العهود

فما بالي أفي و يخان عهدي # و ما بالي أصاد و لا أصيد

/و ربّ أسيلة الخدّين بكر # منعّمة لها فرع و جيد[9]

[1]كذا في حـ و «تجريد الأغاني» . و في سائر الأصول: «هم» و هو تحريف.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «قال فراعي من أنت» .

[3]في «المفضليات» : «شرب» جمع شارب.

[4]في الأصول: «جبان» (بالجيم) و هو تصحيف. و التصويب عن كتاب «معجم ما استعجم» و «معجم البلدان» و «شرح المفضليات» .

[5]الأرطى: شجر ينبت بالرمل و هو شبيه الغصى، ينبت عصيا من أصل واحد و يطول قدر قامة، و له نور مثل نور الخلاف و رائحته طيبة.

[6]في «المفضليات» : «جم التراقي» . يريد أن عظامها قد غمرها اللحم فلا حجم لها.

[7]في «المفضليات» : «لا تراح» .

[8]بد: جمع أبد و الأنثى بداء. و هو كثرة لحم الفخذين حتى تصطكا.

[9]استشهد بهذا البيت في النحو على حذف الصفة و إبقاء الموصوف، أي لها فرع فاحم و جيد طويل. إذ هذا البيت للمدح، و هو لا يحصل بإثبات الفرع و الجيد مطلقين بل بإثباتهما موصوفين بصفتين محبوبتين.

380

و ذو أشر[1]شتيت النبت عذب # نقيّ اللون برّاق برود

لهوت بها زمانا في‏[2]شبابي # وزارتها النجائب و القصيد

أناس كلّما أخلقت وصلا # عناني منهم وصل جديد

ثم مات عند أسماء، فدفن في أرض مراد.

خرج لقتل زوج أسماء فرده أخواه و عذلاه فمرض و قال شعرا:

و قال غير أبي عمرو و المفضّل:

أتى رجل من مراد يقال له قرن الغزال، و كان موسرا، فخطب أسماء و خطبها المرقش و كان مملقا؛ فزوّجها أبوها من المراديّ سرّا؛ فظهر على ذلك مرقّش فقال: لئن ظفرت به لأقتلنّه. فلما أراد أن يهتديها[3]خاف أهلها عليها و على بعلها من مرقّش، فتربّصوا بها حتى عزب مرقّش في إبله، و بنى المراديّ بأسماء و احتملها إلى بلده.

فلما رجع مرقّش إلى الحيّ رأى غلاما يتعرّق عظما؛ فقال له: يا غلام، ما حدث بعدي في الحيّ؟و أوجس في صدره خيفة لما كان؛ فقال الغلام: اهتدى المراديّ امرأته أسماء بنت عوف. فرجع المرقّش إلى حيّه فلبس لأمته و ركب فرسه الأغرّ، و اتّبع آثار القوم يريد قتل المراديّ. فلما طلع لهم قالوا للمراديّ: هذا مرقّش، و إن لقيك فنفسك دون نفسه. و قالوا لأسماء: إنه سيمرّ عليك، فأطلعي رأسك إليه و اسفري؛ فإنه لا يرميك و لا يضرّك، و يلهو بحديثك عن طلب بعلك، حتى يلحقه إخوته فيردّوه. و قالوا للمراديّ: تقدّم فتقدّم. /و جاءهم مرقّش. فلما حاذاهم أطلعت أسماء من خدرها و نادته، فغضّ‏[4]من فرسه و سار بقربها، حتى أدركه أخواه أنس و حرملة فعذلاه و ردّاه عن القوم. و مضى بها المراديّ فألحقها بحيّه. و ضني‏[5]مرقّش لفراق أسماء. فقال في ذلك:

أ من آل أسماء الرسوم الدّوارس # تخطّط فيها الطير قفر بسابس‏[6]

و هي قصيدة طويلة. و قال في أسماء أيضا:

أ غالبك القلب اللّجوج صبابة # و شوقا إلى أسماء أم أنت غالبه

يهيم و لا يعيا بأسماء قلبه # كذاك الهوى إمراره و عواقبه

أ يلحى امرؤ في حبّ أسماء قد نأى # بغمز[7]من الواشين و ازورّ جانبه

و أسماء همّ النفس إن كنت عالما # و بادى أحاديث الفؤاد و غائبه

إذا ذكرتها النفس ظلت كأنني # يزعزعني قفقاف ورد و صالبه‏[8]

[1]الأشر: تحزز في الأسنان يكون في الأحداث.

[2]في «المفضليات» : «من شبابي» .

[3]يقال: اهتدى الرجل امرأته إذا جمعها إليه و ضمها.

[4]يقال: غض من فرسه إذا نقص من غربه وحدته.

[5]كذا في أكثر الأصول. و ضنى: مرض مرضا مخامرا كلما ظن برؤه نكس. و في ب، س: «و غنى» و هو تحريف.

[6]قال شارح المفضليات في التعليق على هذا البيت: «قال أبو عمرو: تخطط فيها الطير أي ترعى» .

[7]كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «بغم» .

[8]الورد: من أسماء الحمى. و قفقافه: اضطراب الحنكين و اصطكاك الأسنان منه. و صالبه: شدّة حرارته مع رعدة.

381

كان مع المجالد بن ريان في غارته على بني تغلب و قال شعرا:

و قال أبو عمرو: وقع المجالد بن ريّان ببني تغلب بجمران‏[1]فنكى فيهم و أصاب مالا و أسرى، /و كان معه المرقّش الأكبر، فقال المرقش في ذلك:

أتتني لسان‏[2]بني عامر # فجلّى أحاديثها عن بصر

/بأنّ بني الوخم‏[3]ساروا معا # بجيش كضوء نجوم السّحر[4]

بكلّ خبوب‏[5]السّرى نهدة # و كل كميت طوال أغرّ

فما شعر الحيّ حتى رأوا # بريق القوانس فوق الغرر[6]

فأقبلنهم‏[7]ثم أدبرنهم # و أصدرنهم قبل حين الصّدر

فيا ربّ شلو تخطرفنه‏[8] # كريم لدى مزحف أو مكرّ[9]

و كائن بجمران‏[10]من مزعف‏[11] # و من رجل وجهه قد عفر

9-و أمّا المرقّش الأصغر

نسبه و عشقه لفاطمة بنت المنذر و أخباره في ذلك و شعره:

فهو-على ما ذكر أبو عمرو-ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة. و المرقّش الأكبر عم الأصغر، و الأصغر عم طرفة بن العبد. قال أبو عمرو: و المرقّش الأصغر أشعر المرقّشين و أطولهما عمرا. و هو الذي عشق [1]جمران (بضم أوّله و إسكان ثانيه) : موضع ببلاد الرباب، أو هو ماء. و قد ورد هذا الاسم في أكثر الأصول: «حمران» (بالحاء المهملة) . و في حـ: «نجران» ، و كلاهما تحريف. راجع «المفضليات» ص 483 طبع أوروبا) . و «معجم ما استعجم» (ص 245) .

[2]اللسان هنا: الرسالة. و جلى أحاديثها عن بصر: أي كشفت أحاديثها العمى.

[3]في حـ: «الرخم» و في باقي الأصول: «الرحم» . و التصويب عن «المفضليات» . و بنو الوخم: بنو عامر بن ذهل بن ثعلبة.

[4]في شرح «المفضليات» : «قال الأصمعي: خص نجوم السحر لأن النجوم التي تطلع في آخر الليل كبار النجوم و دراريها و هي المضيئة منها» .

[5]في أكثر الأصول: «جنوب السرى» . و التصويب عن حـ. و يروى‏

«بكل نسول السرى»

-و النسول: السريعة السير-و

«بكل خنوف السرى»

أي خفيفة لينة رجع اليدين بالسير. (راجع «المفضليات» و شرحها ص 483) . و نهدة: ضخمة.

[6]القوانس: جمع قونس و هو أعلى بيضة الحديد. و الغرر: السادة من الرجال، و يقال الغرر: الوجوه. و يروى:

«فوق العذر»

.

و العذر: شعر العرف و الناصية. (راجع «شرح المفضليات» ) .

[7]في الأصول:

«فأقبلتهم ثم أدبرتهم...

إلخ» (بالتاء المثناة) . و التصويب عن «المفضليات» .

[8]كذا في «المفضليات» و الشلو: بقية الجسد. و تخطرفته: استلبته، و قيل: جاوزنه و خلفنه. و في جميع الأصول: «تخطرفته» (بالتاء) .

[9]زاد صاحب «المفضليات» بعد هذا البيت بيتا و هو:

و آخر شاص ترى جلده # كشر القتادة غب المط

و الشاصي: الرافع رجليه و يديه. و إذا أصاب المطر القتاد انتفخت قشوره و ارتفعت عن الصميم. يريد قتيلا قد انتفخ فكأن جلده لحاء قتادة.

[10]في جميع الأصول هنا: «بنجران» و هو تحريف. (راجع الحاشية رقم 6 من الصفحة السابقة) .

[11]كذا في حـ و «المفضليات» و «معجم ما استعجم» . و زعفه و أزعفه: رماه أو ضربه فمات مكانه سريعا. و في سائر الأصول:

«مرعف» (بالراء المهملة) .

382

فاطمة بنت المنذر، و كانت لها وليدة يقال لها بنت عجلان، و كان لها قصر[بكاظمة][1]و عليه حرس. و كان الحرس يجرّون كل ليلة حوله الثياب فلا يطؤه أحد إلا بنت عجلان. و كان لبنت عجلان في كلّ ليلة رجل من أهل الماء يبيت عندها. فقال عمرو بن جناب‏[2]بن مالك لمرقّش: إنّ بنت عجلان تأخذ كلّ عشيّة رجلا ممن يعجبها فيبيت معها.

و كان مرقّش ترعية[3]لا يفارق إبله، فأقام بالماء و ترك إبله ظمأى، و كان من أجمل الناس وجها و أحسنهم شعرا.

و كانت فاطمة بنت المنذر تقعد فوق القصر فتنظر إلى الناس. فجاء مرقّش فبات عند ابنة عجلان؛ حتى إذا كان من الغد تجرّدت عند مولاتها. فقالت لها: ما هذا بفخذيك؟-و إذا نكت كأنها التين‏[4]و كآثار السّياط من شدّة حفزه إياها عند الجماع-قالت: آثار رجل بات معي الليلة. و قد كانت فاطمة قالت لها: لقد رأيت رجلا جميلا راح نحونا بالعشيّة لم أره قبل ذلك؛ قالت: فإنه فتى قعد عن إبله و كان يرعاها، و هو الفتى الجميل الذي رأيته، و هو الذي بات معي فأثر فيّ هذه/الآثار. قالت لها فاطمة: فإذا كان غد و أتاك فقدّمي له مجمرا و مريه أن يجلس عليه و أعطيه سواكا، فإن استاك به أو ردّه فلا خير فيه، و إن قعد على المجمر أو ردّه فلا خير فيه. فأتته بالمجمر فقالت له: اقعد عليه؛ فأبى و قال: أدنيه مني، فدخّن لحيته و جمّته و أبى أن يقعد عليه، و أخذ السواك فقطع رأسه و استاك به. فأتت ابنة عجلان فاطمة فأخبرتها بما صنع؛ فازدادت به عجبا و قالت: ائتيني به. فتعلقت به كما كانت تتعلق، فمضى معها و انصرف أصحابه. فقال القوم حين انصرفوا: لشدّ ما علقت بنت عجلان المرقّش!و كان الحرس ينثرون التراب حول قبّة فاطمة بنت المنذر و يجرّون عليه ثوبا حين تمسي و يحرسونها فلا يدخل عليها إلا ابنة عجلان؛ فإذا كان الغد بعث الملك بالقافة فينظرون أثر من دخل إليها و يعودون فيقولون له: لم نر إلا أثر بنت عجلان. فلما كانت تلك الليلة حملت بنت عجلان مرقّشا على ظهرها و حزمته/إلى بطنها بثوب، و أدخلته إليها فبات معها. فلما أصبح بعث الملك بالقافة فنظروا و عادوا إليه فقالوا: نظرنا أثر بنت عجلان و هي مثقلة. فلبث بذلك حينا يدخل إليها. فكان عمرو بن جناب بن عوف بن مالك يرى ما يفعل و لا يعرف مذهبه. فقال له: أ لم تكن عاهدتني عهدا لا تكتمني شيئا و لا أكتمك و لا نتكاذب؟!فأخبره مرقّش الخبر؛ فقال له: لا أرضى عنك و لا أكلّمك أبدا أو تدخلني عليها، و حلف على ذلك. فانطلق المرقّش إلى المكان الذي كان يواعد فيه بنت عجلان فأجلسه فيه و انصرف و أخبره كيف يصنع، و كانا متشابهين غير أن عمرو بن جناب كان أشعر، فأتته بنت عجلان فاحتملته و أدخلته إليها و صنع ما أمره به مرقش. فلما أراد مباشرتها وجدت شعر فخذيه فاستنكرته، و إذا هو يرعد؛ فدفعته بقدمها في صدره و قالت: قبّح اللّه سرّا عند المعيدي. و دعت بنت عجلان فذهبت به، و انطلق إلى موضع صاحبه. فلما رآه قد أسرع الكرّة و لم يلبث إلا قليلا، علم أنه قد/افتضح، فعضّ على إصبعه فقطعها. ثم انطلق إلى أهله و ترك المال الذي كان فيه-يعني الإبل التي كان مقيما فيها-حياء مما صنع. و قال مرقش في ذلك:

[1]زيادة عن حـ و «المفضليات» و «تجريد الأغاني» . و كاظمة: على سيف البحر في طريق البحرين من البصرة بينها و بين البصرة مرحلتان و فيها آبار كثيرة و ماؤها شروب و استسقاؤها ظاهر.

[2]كذا في «تجريد الأغاني» و «المفضليات» و فيما سيأتي في جميع الأصول. و في حـ: «عمرو بن حباب» . و في سائر الأصول:

«حسان» . و كلاهما تحريف.

[3]رجل ترعية (مثلثة الأول مع تشديد الياء و قد تخفف) و ترعاية (بالكسر) و تراعية (بالضم) و ترعى (بالكسر) : يجيد رعية الإبل، أو صناعته و صناعة آبائه رعاية الإبل.

[4]كذا في أكثر الأصول. و في حـ: «البثر» . و في ب و «المفضليات» : «التبن» . و قد أشير في هامش «المفضليات» إلى أن هذه الرواية (التين) لا معنى لها، و أنه يحتمل أن يكون محرفة عن «النبر» و هو الورم في الجسد.

383

ألا يا اسلمى لا صرم لي اليوم فاطما # و لا أبدا ما دام وصلك دائما

رمتك ابنة البكريّ عن فرع ضالة # و هنّ بنا خوص يخلن نعائما[1]

تراءت لنا يوم الرحيل بوارد # و عذب الثنايا لم يكن متراكما[2]

سقاه حباب‏[3]المزن في متكلل # من الشمس روّاه ربابا سواجما[4]

أرتك بذات الضّال منها معاصما # و خدّا أسيلا كالوذيلة[5]ناعما

صحا قلبه عنها على أنّ ذكرة # إذا خطرت دارت به الأرض قائما

تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن # خرجن سراعا و اقتعدن المفائما[6]

تحمّلن من جوّ الوريعة[7]بعد ما # تعالى النهار و انتجعن الصّرائما[8]

تحلّين ياقوتا و شذرا و صيغة # و جزعا ظفاريّا و درّا توائما[9]

/سلكن القرى و الجزع تحدى جمالها # و ورّكن قوّا و اجتزعن المخارما[10]

ألا حبّذا وجه تريك بياضه # و منسدلات كالمثاني فواحما[11]

و إني لأستحيي فطيمة جائعا # خميصا و أستحيي فطيمة طاعما

و إني لأستحييك و الخرق‏[12]بيننا # مخافة أن تلقى أخا لي صارما

و إني و إن كلّت قلوصي لراجم # بها و بنفسي يا فطيم المراجما

[1]الضال من السدر: ما لم يشرب الماء. و الخوص: الإبل الغائرة العيون من جهد السفر. و النعائم: جمع نعامة.

[2]الوارد من الشعر: الطويل. و الفم المتراكم: المتقارب النبات قد ركب بعض أسنانه بعضا.

[3]في «المفضليات» : «حبيّ المزن» و حبي المزن: ما اقترب منه.

[4]كذا في حـ و «المفضليات» . و في سائر الأصول: «سراكما» و هو تحريف.

[5]الوذيلة: سبيكة الفضة.

[6]كذا في «المفضليات» و «معجم البلدان» (ج 4 ص 929) . و المفائم: العظام من الإبل، و قيل: هي المراكب الوافية الواسعة، واحدها مفأم. و في جميع الأصول: «المقائم» (بالقاف) . و اقتعدن: ركبن.

[7]كذا في «المفضليات» و «معجم البلدان» . و الوريعة: حزم لبني فقيم بن جرير بن دارم. و الحزم: ما غلظ من الأرض و كثرت حجارته و أشرف حتى صار له إقبال لا يعلوه الناس و الإبل إلا بالجهد. و في جميع الأصول: «الوديعة» بالدال المهملة، و هو تحريف.

[8]الصرائم: جمع صريمة و هي القطعة من الرمل تنقطع من معظم الرمل.

[9]الشذر: اللؤلؤ الصغير، و قيل: هو خرز يفصل به بين الجواهر في النظم. و الجزع (بالفتح) : الخرز. و ظفاري: نسبة إلى ظفار، بلد باليمن ينسب إليها الجزع. و فيها يقال: «من دخل ظفار حمر» (بتشديد الميم) أي تكلم بلغة حمير. و ذلك أن رجلا من العرب دخل على ملك حمير و هو على سطح، فقال له: ثب، فوثب فتكسر. و وثب بلغة حمير قعد. و توائم: اثنتين اثنتين.

[10]رواية «المفضليات» : «جمالهم» . و الجزع (بالكسر) : منعطف الوادي. و وركن: عدلن و قوّ: منزل للقاصد إلى المدينة من البصرة، يرحل من النباج فينزل قوا، و هو واد يقطع الطريق تدخله المياه و لا تخرج و عليه قنطرة يعبر القفول عليها يقال لها بطن قوّ. و قيل:

قو بين فيد و النباج. و هو أيضا واد بين اليمامة و هجر نزل به الحطيئة على الزبرقان بن بدر فلم يجهزه فقال فيه شعرا. و اجتزعن:

قطعن و في ب، س: «و اخترعن» و هو تصحيف. و المخارم: جمع مخرم و هو رمل مستطيل فيه طريق. و قيل: هو أطراف الطرق في الجبال.

[11]في أكثر الأصول: «يريك» . و التصويب عن حـ. و رواية «المفضليات» : «ترينا» . و منسدلات: يريد ذوائب من الشعر مسترخية.

و المثاني: الحبال. شبه ذوائب الشعر بالحبال في الطول. و فواحم: سود.

[12]الخرق: ما اتسع من الأرض.

384

ألا يا اسلمى بالكوكب الطّلق‏[1]فاطما # و إن لم يكن صرف النوى متلائما

ألا يا اسلمى ثم اعلمي أنّ حاجتي # إليك فردّي من نوالك فاطما

أ فاطم لو أنّ النساء ببلدة # و أنت بأخرى لابتغيتك‏[2]هائما

متى ما يشأ ذو الودّ يصرم خليله # و يغضب عليه لا محالة ظالما

و آلى جناب حلفة فأطعته # فنفسك ولّ اللّوم إن كنت نادما

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # و من يغو لا يعدم على الغيّ لائما

أ لم تر أنّ المرء يجذم كفّه # و يجشم من لوم الصديق المجاشما[3]

أ من حلم أصبحت تنكت واجما[4] # و قد تعترى الأحلام من كان نائما

صوت من المائة المختارة

إذا قلت تسلو النفس أو تنتهي المنى # أبى القلب إلاّ حبّ أمّ حكيم

منعّمة صفراء حلو دلالها # أبيت بها بعد الهدوء[5]أهيم‏[6]

قطوف‏[7]الخطا مخطوطة[8]المتن زانها # مع الحسن خلق في الجمال عميم‏

الشعر مختلف في قائله، فمن الرواة من يرويه لصالح بن عبد اللّه العبشميّ، و منهم من يرويه لقطريّ بن الفجاءة المازنيّ، و منهم من يرويه لعبيدة[9]بن هلال اليشكريّ. و الغناء لسياط، و له فيه لحنان: أحدهما، و هو المختار، ثقيل أوّل بالوسطى، و الآخر خفيف ثقيل بالسّبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و لبعض الشّراة قصيدة في هذا الوزن و على هذه القافية، و فيها ذكر لأمّ حكيم هذه أيضا، تنسب إلى هؤلاء الشعراء الثلاثة، و يختلف في قائلها كالاختلاف في قائل هذه. و فيها[10]أيضا غناء و هو في هذه الأبيات منها:

[1]كذا في «المفضليات» . و الطلق: الذي لا حر فيه و لا قر و لا شي‏ء يؤذي. و في جميع الأصول:

«بالكوكب الفرد»

.

[2]في «المفضليات» :

«لا تبعتك»

.

[3]يجذم: يقطع. و يجشم: يركب المكروه.

[4]نكت في الأرض: خطط فيها بعود، و كذلك يفعل المغتم. و واجما: حزينا.

[5]الهدوء: الهزيع من الليل.

[6]في هذا الشعر إقواء، و هو اختلاف حركة الروي.

[7]قطوف الخطا: ضيقتها.

[8]كذا في حـ. و يقال: جارية محطوطة المتنين أي ممدودتهما أو هي ممدودة حسنة مستوية. و في ب، س: «مخطوطة» (بالخاء المعجمة) . و في سائر الأصول: «محظوظة» (بظاءين معجمتين) . و كلاهما تصحيف.

[10]ضبط هذا الاسم في حـ بفتح العين، و كذلك ضبط في «الطبري» بفتح العين و كسر الباء. و ورد في «الكامل» للمبرد طبع أوروبا مضبوطا بفتح العين و كسر الباء في مواضع و بضم العين و فتح الباء (مصغرا) في مواضع أخرى. و ضبط في «الاشتقاق» لابن دريد بضم العين.

[11]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و فيه» . ـ

385

/

لعمرك إنّي في الحياة لزاهد # و في العيش ما لم ألق أمّ حكيم

و لو شهدتني‏[1]يوم دولاب‏[2]أبصرت # طعان فتى في الحرب غير ذميم‏

ذكر المبرّد أن الشعر لقطريّ بن الفجاءة، و ذكر الهيثم بن عديّ أنه لعمرو القنا، و ذكر وهب بن جرير أنه لحبيب بن سهم التّميميّ، و ذكر أبو مخنف‏[3]أنه لعبيدة بن هلال اليشكريّ، و ذكر خالد بن خداش‏[4]أنه لعمرو القنا أيضا. و الغناء لمعبد ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى/الوسطى عن إسحاق و يونس.

[1]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «شهدتنا» .

[2]دولاب (بفتح أوّله و أكثر المحدثين يروونه بالضم) : قرية تعرض لها أبو الفرج بالشرح بعد قليل.

[3]كذا في أكثر الأصول، و هو لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم، كان صاحب أخبار و أنساب، و الأخبار عليه أغلب. و جدّه مخنف بن سليم روى عن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم. و في ب، س: «أبو محنف» (بالحاء المهملة) . (راجع «المعارف» لابن قتيبة ص 267 و «فوات الوفيات» ج 2 ص 175 طبع بولاق) .

[4]كذا فيما سيأتي في جميع الأصول. و «تهذيب التهذيب» . و هو خالد بن خداش بن عجلان الأزدي المهلبي (نسبة إلى المهلب بن أبي صفرة) . روى عن حماد بن زيد و صالح المري و غيرهما، و روى له البخاري في الأدب، و قد مات سنة 223 هـ.

386

10-خبر الوقعة التي قيل فيها هذان الشعران و هي وقعة دولاب و شي‏ء من أخبار هؤلاء الشراة و أنسابهم و خبر أم حكيم هذه‏

وقعة دولاب و شي‏ء من أخبار الشراة:

هذان الشعران قيلا في وقعة دولاب، و هي قرية من عمل الأهواز، بينها و بين الأهواز نحو من أربعة فراسخ، كانت بها حرب بين الأزارقة و بين مسلم بن عبيس بن كريز خليفة عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، و ذلك في أيام ابن الزبير. أخبرني بخبر هذه الحرب أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ عن عمر بن شبّة عن المدائني، و أخبرني بها عبيد اللّه بن محمد الرازي عن الخرّاز عن المدائنيّ، و أخبرني الحسن بن عليّ عن أحمد بن زهير بن حرب عن خالد بن خداش:

أن نافع بن الأزرق، لمّا تفرقت آراء الخوارج و مذاهبهم في أصول مقالتهم أقام بسوق الأهواز و أعمالها لا يعترض الناس، و قد كان متشكّكا في ذلك. فقالت له امرأته: إن كنت قد كفرت بعد إيمانك و شككت فيه، فدع نحلتك و دعوتك، و إن كنت قد خرجت من الكفر إلى الإيمان فاقتل الكفّار حيث لقيتهم و أثخن في النساء و الصبيان كما قال نوح: لاََ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكََافِرِينَ دَيََّاراً . فقبل قولها و استعرض‏[1]الناس و بسط سيفه، فقتل الرجال و النساء و الولدان، و جعل يقول: إن هؤلاء إذا كبروا كانوا مثل آبائهم. و إذا وطئ بلدا فعل مثل هذا به إلى أن يجيبه أهله جميعا و يدخلوا ملّته، فيرفع السيف و يضع الجباية فيجبي الخراج. فعظم أمره و اشتدّت شوكته و فشا عمّاله في السواد. فارتاع لذلك أهل البصرة و مشوا إلى الأحنف بن قيس فشكوا إليه أمرهم و قالوا له: ليس بيننا و بين القوم إلا ليلتان، /و سيرتهم كما ترى؛ فقال لهم الأحنف: إنّ سيرتهم في مصر كم إن ظفروا به مثل سيرتهم في سوادكم، فخذوا في جهاد عدوّكم. و حرّضهم الأحنف، فاجتمع إليه عشرة آلاف رجل في السلاح. فأتاه عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، و سأله أن يؤمّر عليهم أميرا، فاختار لهم مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة، و كان فارسا شجاعا ديّنا، فأمّره عليهم و شيّعه. فلما نفذ من جسر البصرة أقبل على الناس و قال: إني ما خرجت لامتيار ذهب و لا و فضة، و إني لأحارب قوما إن ظفرت بهم فما وراءهم إلا سيوفهم و رماحهم. فمن كان من شأنه الجهاد فلينهض، و من أحبّ الحياة فليرجع. فرجع نفر يسير و مضى الباقون معه؛ فلما صاروا بدولاب خرج إليهم نافع بن الأزرق، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى تكسّرت الرماح و عقرت الخيل و كثرت الجراح و القتلى، و تضاربوا بالسيوف و العمد؛ فقتل في المعركة ابن عبيس و هو على أهل البصرة، و ذلك في جمادى الآخرة سنة خمس و ستين، و قتل نافع بن الأزرق يومئذ أيضا؛ فعجب الناس من ذلك، و أنّ الفريقين تصابروا حتى قتل منهم خلق كثير، و قتل رئيسا العسكرين، [1]استعرض الناس: قتلهم و لم يبال من قتل مسلما أو كافرا من أي وجه أمكنه.

387

و الشّراة يومئذ ستّمائة رجل، فكانت الحدّة يومئذ و بأس الشراة واقعا ببني‏[1]تميم و بني سدوس. و أتى ابن عبيس و هو يجود بنفسه فاستخلف على الناس الرّبيع بن عمرو/الغدانيّ، و كان يقال له الأجذم، كانت يده أصيبت بكابل مع عبد الرحمن بن سمرة. و استخلف نافع بن الأزرق عبيد اللّه بن بشير بن الماحوز[2]أحد بني سليط بن يربوع. فكان رئيسا المسلمين و الخوارج جميعا من بني يربوع، رئيس المسلمين من بني غدانة بن يربوع، و رئيس الشّراة من بني سليط بن يربوع، /فاتّصلت الحرب بينهم عشرين يوما. قال المدائني في خبره: و ادّعى قتل نافع بن الأزرق رجل من باهلة يقال له سلامة. و تحدّث بعد ذلك قال: كنت لما قتلته على برذون‏[3]ورد فإذا أنا برجل ينادي، و أنا واقف في خمس‏[4]بني تميم‏[5]، فإذا به يعرض عليّ المبارزة فتغافلت عنه، و جعل يطلبني و أنا أنتقل من خمس إلى خمس و ليس يزايلني، فصرت إلى رحلي ثم رجعت فدعاني إلى المبارزة، فلما أكثر خرجت إليه، فاختلفنا ضربتين فضربته فصرعته، و نزلت فأخذت رأسه و سلبته، فإذا امرأة[6]قد رأتني حين قتلت نافعا، فخرجت لتثأر به. قالوا: فلما قتل نافع و ابن عبيس و ولّي الجيش إلى ربيع بن عمرو لم يزل‏[7]يقاتل الشّراة نيّفا و عشرين يوما، ثم أصبح ذات يوم فقال لأصحابه: إني مقتول لا محالة؛ قالوا: و كيف ذلك؟قال: إني رأيت البارحة كأنّ يدي التي أصيبت بكابل انحطّت من السماء فاستشلتني. فلما كان الغد قاتل إلى الليل ثم غاداهم‏[8]فقتل يومئذ-قال: استشلاه: أخذه إليه. يقال:

استشلاه و اشتلاه-قال: فلما قتل الربيع تدافع أهل البصرة الراية حتى خافوا العطب إذ لم يكن لهم رئيس؛ ثم أجمعوا على الحجّاج بن باب الحميريّ. و قد اقتتل الناس يومئذ و قبله بيومين قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله، تطاعنوا بالرماح حتى تقصّفت، /ثم تضاربوا بالسيوف و العمد حتى لم يبق لأحد منهم قوة، و حتى كان الرجل منهم يضرب الرجل فلا يغني شيئا من الإعياء، و حتى كانوا يترامون بالحجارة و يتكادمون‏[9]بالأفواه. فلما تدافع القوم الراية و أبوها و اتّفقوا على الحجّاج بن باب امتنع من أخذها. فقال له كريب بن عبد الرحمن: خذها فإنها مكرمة؛ فقال:

إنها لراية مشئومة، ما أخذها أحد إلا قتل. فقال له كريب: يا أعور!تقارعت العرب على أمرها ثم صيّروها إليك فتأبى خوف القتل!خذ اللواء ويحك!فإن حضر أجلك قتلت إن كانت معك أو لم تكن. فأخذ اللواء و ناهضهم، فاقتتلوا حتى انتقضت الصفوف و صاروا كراديس‏[10]، و الخوارج أقوى عدّة بالدروع و الجواشن‏[11]. و جعل الحجّاج يغمض عينيه و يحمل حتى يغيب في الشّراة و يطعن فيهم و يقتل حتى يظنّ أنه قد قتل، ثم يرفع رأسه و سيفه يقطر [1]كذا في أ، . و في سائر الأصول: «بين تميم... » .

[2]كذا في «الكامل» للمبرد في أكثر من موضع و «الطبري» . و في جميع الأصول: «الماخور» . (بالخاء المعجمة و الراء المهملة) .

[3]البرذون: واحد البراذين، و هي من الخيل ما كانت من غير نتاج العرب.

[4]كذا في حـ هنا و فيما يأتي و «الكامل» للمبرد. و أخماس البصرة خمسة: الخمس الأول العالية، و الثاني بكر بن وائل، و الثالث تميم، و الرابع عبد القيس، و الخامس الأزد. و في سائر الأصول هنا و فيما يأتي: «خميس» .

[5]في «الكامل» (ج 2 ص 617 طبع أوروبا) : «و أنا واقف في خمس قيس (صوابه عبد القيس) ينادي: يا صاحب الورد، هلم إلى المبارزة، فوقفت في خمس بني تميم فإذا به يعرضها عليّ... إلخ» .

[6]كذا في حـ و «الكامل» للمبرد. و في سائر الأصول: «فإذا هي امرأته... إلخ» .

[7]في ب، س: «و لم يزل» .

[8]كذا في «الكامل» للمبرد. و غاداهم: باكرهم. و في جميع الأصول: «ثم عاد... إلخ» .

[9]تكادموا بالأفواه: تعاضوا.

[10]الكراديس: كتائب الخيل، واحدها كردوس.

[11]الجواشن: جمع جوشن و هو زرد يلبسه الصدر.

388

دما، و يفتح عينيه فيرى الناس كراديس يقاتل كلّ قوم في ناحية. ثم التقى الحجّاج بن باب و عمران بن الحارث الراسبيّ‏[1]، فاختلفا ضربتين كلّ واحد منهما قتل صاحبه، و جال الناس بينهما جولة ثم تحاجزوا؛ و. أصبح أهل البصرة-و قد هرب عامّتهم، و ولّوا حارثة بن بدر الغدانيّ أمرهم-ليس بهم طرق‏[2]و لا بالخوارج. فقالت امرأة من الشّراة-و هي أم عمران قاتل الحجّاج بن باب و قتيله-ترثي ابنها عمران:

اللّه أيّد عمرانا و طهّره # و كان عمران يدعو اللّه في السّحر

/يدعوه سرّا و إعلانا ليرزقه # شهادة بيدي ملحادة[3]غدر

ولّى صحابته عن حرّ ملحمة # و شدّ عمران كالضرّغامة[4]الذكر[5]

قال: فلما عقدوا لحارثة بن بدر الرئاسة و سلّموا إليه الراية نادى فيهم بأن يثبتوا، فإذا فتح اللّه عليهم فللعرب زيادة فريضتين و للموالي زيادة فريضة؛ فندب الناس فالتقوا و ليس بأحد منهم طرق، و قد فشت فيهم الجراحات فلهم أنين، و ما تطأ الخيل إلا على القتلى. فبينما هم كذلك إذ أقبل من اليمامة جمع من الشّراة-يقول المكثّر إنهم مائتان و المقلّل إنهم أربعون-فاجتمعوا و هم يريحون مع أصحابهم‏[6]و اجتمعوا كبكبة[7]واحدة، فحملوا على المسلمين.

فلما رآهم حارثة بن بدر نكص برايته فانهزم و قال:

كرنبوا[8]و دولبوا # و حيث شئتم فاذهبوا[9]

و قال:

أير الحمار فريضة لعبيدكم # و الخصيتان فريضة الأعراب‏

/و تتابع الناس على أثره منهزمين، و تبعتهم الخوارج، فألقوا أنفسهم في دجيل‏[10]فغرق منهم خلق كثير [1]كذا في أ، ء و «الكامل» . و في سائر الأصول: «الراسي» .

[2]كذا في أكثر الأصول. و الطرق (بالكسر) : القوة. و في ب، س: «لهم طرف» بالفاء و هو تصحيف.

[3]الملحادة: مفعال من الإلحاد (و هو الجور و العدول عن الدين) كما يقال رجل معطاء و مكرام. و أدخلت الهاء للمبالغة كما تدخل في راوية و علامة و نسابة. و غدر (بضم ففتح) : كثير الغدر.

[4]الضرغامة: من أسماء الأسد.

[5]في «الكامل» : «الهصر» و الهصر: الذي يهصر كل شي‏ء أي يثنيه.

[6]في ب، س: «مع أصحائهم» و لا معنى لها.

[7]الكبكبة: الجماعة.

[8]كذا في حـ و «الطبري» (ق 2 ص 580) و «معجم البلدان» . و كرنبوا: أنزلوا كرنبي و هي موضع بالأهواز. و دولبوا: أنزلوا دولاب.

و في سائر الأصول: «أكرنبوا» و هو تحريف.

[9]يقال: إن سبب قول الحارثة هذا الشعر هو أنه لما خلف الحجاج بن باب على إمرة الجيش و جاء الخوارج هذا المدد الكثير المريح حملوا على المسلمين فانهزموا، و بقي حارثة يناوش الخوارج بمنزل نزله بمن بقي معه بالأهواز. فلما ولي ابن الزبير عمر بن عبد اللّه بن معمر على البصرة أرسل عمر أخاه عثمان لقتال الأزارقة و انضم إليه حارثة. ثم كان بين عثمان و حارثة خلاف اعتزل بسببه حارثة. ثم لما أفضى الأمر في محاربة الخوارج إلى المهلب و بلغ حارثة بن بدر أن المهلب قد أمر على الجيش لقتال الخوارج قال لمن معه:

كرنبوا و دولبوا # و حيث شئتم فاذهبوا

قد أمر المهلب‏

فذهب من كان معه إلى البصرة، فردهم الحارث بن عبد اللّه إلى المهلب. (راجع «الطبري» في حوادث سنة 65) .

[10]دجيل: نهر بالأهواز حفره أردش بن بابك أحد ملوك الفرس، و اسمه بالفارسية: «ديلدا كودك» و معناه: دجلة الصغير فعرب على

389

و سلمت بقيّتهم. و كان ممن غرق دغفل بن حنظلة أحد بني عمرو بن شيبان. و لحقت قطعة من الشّراة خيل عبد القيس فأكبّوا عليهم، فعطفت عليهم خيل من بني تميم فعاونوهم و قاتلوا الشّراة حتى كشفوهم و انصرفوا إلى أصحابهم. و عبرت بقيّة الناس، فصار حارثة و من معه بنهر تيري‏[1]و الشّراة بالأهواز، فأقاموا ثلاثة أيام. و كان على الأزد يومئذ قبيصة بن أبي صفرة أخو المهلّب، و هو جدّ هزارمرد[2]. قال: و غرق يومئذ من الأزد عدد كثير. فقال شاعر الأزارقة:

يرى من جاء ينظر من دجيل # شيوخ الأزد طافية لحاها

و قال شاعر آخر منهم:

شمت ابن بدر، و الحوادث جمة، # و الظالمون بنافع بن الأزرق

و الموت حتم لا محالة واقع # من لا يصبّحه نهارا يطرق‏[3]

فلئن أمير المؤمنين أصابه # ريب المنون فمن تصبه يغلق‏[4]

قال قطريّ بن الفجاءة، فيما ذكر المبرّد، و قال المدائني في خبره: إن صالح بن عبد اللّه العبشميّ قائل ذلك؛ و قال خالد بن خداش: بل قائلها عمرو القنا؛ قال/وهب بن جرير عن أبيه فيما حدّثني به أحمد بن الجعد الوشّاء عن أحمد بن أبي خيثمة عن أبيه عن وهب بن جرير عن أبيه: إن حبيب بن سهم قائلها:

لعمرك إنّي في الحياة لزاهد # و في العيش ما لم ألق أمّ حكيم‏[5]

من الخفرات البيض لم أر مثلها # شفاء لذي بثّ و لا لسقيم

لعمرك إني يوم ألطم وجهها # على نائبات الدهر غير حليم

و لو شهدتني يوم دولاب أبصرت # طعان فتى في الحرب غير لئيم

غداة طفت علماء[6]بكر بن وائل # و ألاّفها من حمير و سليم‏[7]

/و مال الحجازيّون نحو بلادهم # و عجنا صدور الخيل نحو تميم‏

دجيل. و مخرجه من أرض أصبهان و مصبه في بحر فارس. و كانت عند دجيل هذا وقائع للخوارج. و هو أيضا نهر مخرجه من أعلى بغداد، و ليس مرادا هنا.

[1]تيري (بكسر التاء المثناة الفوقية و ياء ساكنة وراء مفتوحة، مقصورا) : بلد من نواحي الأهواز: و نهر تيري حفره أردشير الأصغر بن بابك.

[2]كذا في حـ هنا و فيما سيأتي في جميع الأصول و «الطبري» و «اللباب في معرفة الأنساب» لابن الأثير الجزري مضبوطا بالقلم بنسخة مخطوطة بخط قديم جدا، و معناه ألف رجل. و في سائر الأصول هنا: «هزامرد» و هو تحريف.

[3]طرقه يطرقه (من باب مصر) : أتاه ليلا.

[4]أمير المؤمنين: يريد به نافع بن الأزرق. و يغلق، أي لا ينفلت و لا ينجو. مأخوذ من غلق الرهن في يد المرتهن، إذا لم يقدر على فكاكه و استخلاصه.

[5]وردت هذه القصيدة في «الكامل» (ص 618-619 طبع أوروبا) و «معجم البلدان» (ج 2 ص 623) باختلاف في بعض الألفاظ و الأبيات.

[6]يريد: على الماء.

[7]يريد سليم بالتصغير فكبره للوزن. و سليم أبو قبيلة، و هو سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان بن مضر.

390

و كان لعبد القيس أوّل جدّها # و ولّت شيوخ الأزد فهي تعوم‏[1]

فلم أر يوما كان أكثر مقعصا # يمجّ دما من فائظ و كليم‏[2]

و ضاربة خدّا كريما على فتى # أغرّ نجيب الأمهات كريم

أصيب بدولاب و لم تك موطنا # له أرض دولاب و دير حميم‏[3]

فلو شهدتنا يوم ذاك و خيلنا # تبيح من الكفّار كلّ حريم

رأت فتية باعوا الإله نفوسهم # بجنّات عدن عنده و نعيم‏

حدّثني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا خلاّد[4]الأرقط قال:

/كان الشّراة و المسلمون يتواقفون و يتساءلون بينهم عن أمر الدّين و غير ذلك على أمان و سكون فلا يهيج بعضهم بعضا. فتواقف يوما عبيدة بن هلال اليشكريّ و أبو حزابة[5]التّميمي و هما في الحرب؛ فقال عبيدة: يا أبا حزابة، إني سائلك عن أشياء، أ فتصدقني في الجواب عنها؟قال: نعم إن تضمّنت لي مثل ذلك؛ قال: قد فعلت.

قال: سل عما بدا لك. قال: ما تقول في أئمتكم؟قال: يبيحون الدم الحرام و المال الحرام و الفرج الحرام. قال:

ويحك!فكيف فعلهم في المال؟قال: يجبونه من غير حلّه، و ينفقونه في غير حقه. قال: فكيف فعلهم في اليتيم؟ قال: يظلمونه ماله، و يمنعونه حقه، و ينيكون أمّه. قال: ويلك يا أبا حزابة!أ فمثل هؤلاء تتّبع؟!قال: قد أجبت، فاسمع سؤالي ودع عنك عتابي على رأيي؛ قال: قل. قال: أيّ الخمر أطيب: أخمر السهل أم خمر الجبل؟قال:

ويلك!أ تسأل مثلي عن هذا؟قال: قد أوجبت على نفسك أن تجيب؛ قال: أمّا إذ أبيت فإنّ خمر الجبل أقوى و أسكر، و خمر السهل أحسن و أسلس. قال أبو حزابة: فأيّ الزّواني أفره: أ زواني رامهرمز[6]أم زواني أرّجان‏[7]؟ قال: ويلك!إن مثلي لا يسأل عن مثل هذا؛ قال: لا بدّ من الجواب أو تغدر؛ فقال: أمّا إذ أبيت فزواني رامهرمز أرقّ أبشارا، و زواني أرّجان أحسن أبدانا. قال: فأيّ الرجلين أشعر: أ جرير أم الفرزدق؟قال: عليك و عليهما لعنة اللّه!أيهما الذي يقول:

/

و طوى الطّراد مع القياد[8]بطونها # طيّ التّجار بحضر موت برودا

[1]في هذا البيت إقواء.

[2]المقعص: يقال: أقعصه بالرمح إذا طعنه به فمات مكانه. و الفائظ: الميت، فعله فاظ يفيظ و يفوظ فيظا و فوظا. و الكليم: الجريح.

[3]دير حميم: موضع بالأهواز، ذكره ياقوت و استشهد بهذا البيت.

[4]هو خلاد بن يزيد الباهلي البصري المعروف بالأرقط صهر يونس بن حبيب النحوي.

[5]كذا في حـ. و هو الوليد بن حنيفة أحد بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، شاعر من شعراء الدولة الأموية. (راجع «شرح القاموس» مادة حزب. و ترجمته في «الأغاني» ج 19 ص 152-156 طبع بولاق) . و في سائر الأصول: «أبو خرابة» (بالخاء المعجمة و الراء المهملة) و هو تصحيف.

[6]رامهرمز: مدينة مشهورة بنواحي خوزستان و العامة يسمونها «رامز» اختصارا.

[7]أرجان (بفتح الألف و بتشديد الراء مفتوحة-و قيل بسكونها-و جيم و ألف و نون، و عامة العجم يسمونها «أرغان» ) : مدينة كبيرة كثيرة الخير بها نخيل و زيتون و فواكه، و هي برية بحرية سهلية جبلية، و بينها و بين سوق الأهواز ستون فرسخا.

[8]كذا في أ، ء و «ديوان جرير» . و هو من قصيدة طويلة مطلعها:

أهوى أراك برامتين وقودا # أم بالجنينة من مدافع أودا

و في سائر الأصول: «الغياد» (بالغين المعجمة) و هو تحريف.