الأغاني - ج6

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
535 /
391

قال: جرير؛ قال: فهو أشعرهما. قال: و كان الناس قد تجاذبوا في أمر جرير و الفرزدق حتى تواثبوا و صاروا إلى المهلّب محكّمين له في ذلك؛ فقال: أردتم‏[1]أن أحكم بين هذين الكلبين المتهارشين فيمتضغاني!ما كنت لأحكم بينهما، و لكني أدلّكم على من يحكم بينهما ثم يهون عليه سبابهما، عليكم بالشّراة فسلوهم إذا تواقفتم. فلما تواقفوا سأل أبو حزابة عبيدة بن هلال عن ذلك فأجابه بهذا الجواب.

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني ميمون بن هارون قال:

حدّثت أن امرأة من الخوارج كانت مع قطريّ بن الفجاءة يقال لها أمّ حكيم، و كانت من أشجع الناس و أجملهم وجها و أحسنهم بدينهم تمسّكا، و خطبها جماعة منهم فردّتهم و لم تجب إلى ذلك؛ فأخبرني من شهدها أنها كانت تحمل على الناس و ترتجز:

/

أحمل رأسا قد سئمت حمله # و قد مللت دهنه و غسله

أ لا فتى يحمل عنّي ثقله‏

قال: و هم يفدّونها بالآباء و الأمهات، فما رأيت قبلها و لا بعدها مثلها.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال:

/كان عبيدة بن هلال إذا تكافّ الناس ناداهم: ليخرج إليّ بعضكم؛ فيخرج إليه فتيان من العسكر؛ فيقول لهم: أيّما أحبّ إليكم: أقرأ عليكم القرآن أو أنشدكم الشعر؟فيقولون له: أمّا القرآن فقد عرفناه مثل معرفتك، فأنشدنا؛ فيقول لهم: يا فسقة، و اللّه قد علمت أنكم تختارون الشعر على القرآن، ثم لا يزال ينشدهم و يستنشدهم حتى يملّوا ثم يفترقون.

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فقال إن أردتم... » و ظاهر أن كلمة «إن» مقحمة.

392

11-أخبار سياط و نسبه‏

أخبار سياط و نسبه و تلامذته و أستاذه:

سياط لقب غلب عليه، و اسمه عبد اللّه بن وهب، و يكنى أبا وهب، مكيّ مولى خزاعة. و كان مقدّما في الغناء رواية و صنعة، و مقدّما في الضرب معدودا في الضّرّاب. و هو أستاذ ابن جامع و إبراهيم الموصلي، و عنه أخذا و نقلا و نقل نظراؤهما الغناء القديم، و أخذه هو عن يونس الكاتب. و كان سياط زوج أمّ ابن جامع. و فيه يقول بعض الشعراء:

ما سمعت الغناء إلاّ شجاني # من سياط و زاد في وسواسي

غنّني يا سياط قد ذهب الليـ # ل غناء يطير منه نعاسي

ما أبالي إذا سمعت غناء # لسياط ما فاتني للرّؤاسي‏

و الرؤاسيّ الذي عناه هو عباس بن منقار، و هو من بني رؤاس. و فيه يقول محمد بن أبان الضّبّيّ:

إذا و آخيت عبّاسا # فكن منه على وجل‏[1]

فتى لا يقبل العذر # و لا يرغب في الوصل

و ما[2]إن يتغنّى من # يواخيه من النّبل‏

سبب تلقيبه بسياط:

قال حمّاد بن إسحاق: لقّب سياط هذا اللقب لأنه كان كثيرا ما يتغنّى:

كأنّ مزاحف الحيّات فيه # قبيل الصبح آثار السّياط

مدح إبراهيم الموصلي غناءه:

و أخبرني محمد بن خلف قال حدّثني هارون بن مخارق‏[3]عن أبيه، و أخبرني به عبد اللّه بن عباس بن الفضل بن الربيع الربيعي‏[4]عن وسواسة الموصليّ-و لم أسمع أنا هذا الخبر من وسواسة-عن حماد عن أبيه، قالا[5]:

[1]كذا في الأصول. و الوجل بالتحريك، و لعله سكن لضرورة الشعر، و يحتمل أن يكون صوابه: «على دخل» . و الدخل بسكون الخاء كالدخل بالتحريك و هو الريبة.

[2]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «و من» .

[3]في الأصول: «هارون بن مخالف» و هو تحريف، لأن الذي يروي عنه محمد بن خلف وكيع هو «هارون بن مخارق» .

[4]كذا في حـ، و في جميع الأصول: «الربعي» و هو تحريف. راجع الحاشية (رقم 2 ص 252 من الجزء الثالث من هذه الطبعة) .

[5]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «قال» .

393

طلبه المهدي مع حبال و عقاب فظن الحاضرون أنه يريد الإيقاع بهم:

غنّى إبراهيم الموصليّ يوما صوتا لسياط؛ فقال له ابنه إسحاق: لمن هذا الغناء يا أبت؟قال: لمن لو عاش ما وجد أبوك شيئا يأكله؛ لسياط. قال: و قال المهديّ يوما و هو يشرب لسلاّم الأبرش‏[1]: جئني بسياط و عقاب و حبال؛ فارتاع كلّ من حضر و ظنّ جميعهم أنه يريد الإيقاع بهم أو ببعضهم؛ فجاءه بسياط المغنّي و عقاب المدني -و كان الذي يوقع عليه-و حبال الزامر. فجعل الجلساء يشتمونهم و المهديّ يضحك.

مر بأبي ريحانة المدني و هو في الشمس من البرد فغنى له فشق ثوبه و بقي في البرد:

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثني أبو أيوب المدنيّ قال حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال:

مرّ سياط على أبي ريحانة المدنيّ في يوم بارد و هو جالس في الشمس و عليه ثوب رقيق رثّ؛ فوثب إليه/أبو ريحانة و قال: بأبي أنت يا أبا وهب، غنّني صوتك في شعر ابن جندب‏[2]:

/

فؤادي رهين في هواك و مهجتي # تذوب و أجفاني عليك همول‏

فغنّاه إياه، فشقّ قميصه و رجع إلى موضعه من الشمس و قد ازداد بردا و جهدا. فقال له رجل: ما أغنى عنك ما غنّاك من شقّ قميصك!فقال له يا ابن أخي، إن الشعر الحسن من المغنّي الحسن ذي الصوت المطرب أدفأ للمقرور من حمّام محمّى. فقال له رجل: أنت عندي من الذين قال اللّه جل و عزّ: فَمََا رَبِحَتْ تِجََارَتُهُمْ وَ مََا كََانُوا مُهْتَدِينَ ؛ فقال: بل أنا من الذين قال تبارك و تعالى: اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ . و قد أخبرني بهذا الخبر عليّ بن عبد العزيز[3]عن ابن خرداذبه فذكر قريبا من هذا؛ و لفظ أبي أيوب و خبره أتم.

و أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعي، المعروف بابن أبي اليسع، قال حدّثنا عمر بن شبّة:

أنّ سياطا مرّ بأبي ريحانة المدنيّ، فقال له: بحق القبر و من غنّني بلحنك في شعر ابن جندب:

لكلّ حمام أنت باك إذا بكى # و دمعك منهلّ و قلبك يخفق

مخافة بعد بعد قرب و هجرة # تكون و لمّا تأت و القلب مشفق

و لي مهجة ترفضّ من خوف عتبها # و قلب بنار الحبّ يصلى و يحرق

أظلّ خليعا بين أهلي متيّما # و قلبي لما يرجوه منها معلّق‏

فغنّاه إياه؛ فلما استوفاه ضرب بيده على قميصه فشقّه حتى خرج منه و غشي عليه. فقال له رجل لمّا أفاق:

يا أبا ريحانة، ما أغنى عنك الغناء!ثم ذكر باقي الخبر مثل ما تقدّم.

[1]كذا في حـ و «الطبري» في أكثر من موضع و فيما مر في جميع الأصول في الجزء الخامس. و هو سلام الأبرش من النقلة القدماء الذين ترجموا من اللغات إلى اللغة العربية في أيام البرامكة، و هو أحد الذين ترجموا كتاب السماع الطبيعي لأرسطو المعروف بسماع الكيان، و هو ثماني مقالات. و قد ترجم هذا الكتاب من اليوناني إلى السرياني و منها إلى العربي، و من الرومي إلى العربي، و لم ندر اللغة التي ترجمه منها إلى اللغة العربية أ هي السريانية أم الرومية. (راجع «فهرست ابن النديم» و «تاريخ الحكماء» للقفطي و «كشف الظنون» ) . و في سائر الأصول هنا: «سلام بن الأبرش» ، و هو تحريف.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «في شعر ابن جندب قال... إلخ» . و الظاهر أن كلمة «قال» مقحمة من الناسخ.

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «علي بن عبد العزيز بن خرداذبه» و هو تحريف؛ لأن ابن خرداذبه هو عبيد اللّه بن عبد اللّه. و قد سبقت رواية علي بن عبد العزيز عنه.

394

سمع أبو ريحانة جارية تغني فشق قربتها و اشترى لها عوضها:

أخبرني إسماعيل قال حدّثني عمر بن شبّة قال:

مرّت جارية بأبي ريحانة يوما على ظهرها قربة و هي تغنّي و تقول:

و أبكى فلا ليلى بكت من صبابة # إليّ و لا ليلى لذي الودّ تبذل

و أخنع بالعتبى إذا كنت مذنبا # و إن أذنبت كنت الذي أتنصّل‏

فقام إليها فقال: يا سيّدتي أعيدي؛ فقالت: مولاتي تنتظرني و القربة على ظهري؛ فقال: أنا أحملها عنك؛ فدفعتها إليه فحملها، و غنته الصوت، فطرب فرمى بالقربة فشقّها. فقالت له الجارية: أ من حقّي أن أغنّيك و تشقّ قربتي!فقال لها: لا عليك، تعالي معي إلى السّوق؛ فجاءت معه فباع ملحفته و اشترى لها بثمنها قربة جديدة. فقال له رجل: يا أبا ريحانة، أنت و اللّه كما قال اللّه عزّ و جلّ: فَمََا رَبِحَتْ تِجََارَتُهُمْ وَ مََا كََانُوا مُهْتَدِينَ ؛ فقال: بل أنا كما قال اللّه عزّ و جلّ: اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ .

مر بأبي ريحانة المدني و هو في الشمس من البرد فغنى له فشق ثوبه و بقي في البرد:

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال حدّثني أبو العيناء قال قال إسحاق الموصليّ:

بلغني أنّ أبا ريحانة المدنيّ كان جالسا في يوم شديد البرد و عليه قميص خلق رقيق؛ فمرّ به سياط المغنّي فوثب إليه و أخذ بلجامه و قال له: يا سيّدي، بحق القبر و من فيه غنّني صوت ابن جندب، فغنّاه‏[1]:

فؤادي رهين في هواك و مهجتي # تذوب و أجفاني عليك همول‏

/فشقّ قميصه حتى خرج منه و بقي عاريا و غشي عليه، و اجتمع الناس حوله و سياط واقف/متعجّب مما فعل. ثم أفاق و قام إليه؛ فرحمه سياط و قال له: مالك يا مشئوم؟أيّ شي‏ء تريد؟قال: غنّني باللّه عليك:

سودّع أمامة حان منك رحيل # إنّ الوداع لمن تحبّ قليل

مثل القضيب تمايلت أعطافه # فالريح تجذب متنه فيميل

إن كان شأنكم الدلال فإنه # حسن دلالك يا أميم جميل‏

فغنّاه إياه؛ فلطم وجهه ثم خرج الدم من أنفه و وقع صريعا. و مضى سياط، و حمل الناس أبا ريحانة إلى الشمس. فلما أفاق قيل له: ويحك!خرقت قميصك و ليس لك غيره!فقال: دعوني، فإن الغناء الحسن من المغنّي المطرب أدفأ للمقرور من حمّام المهديّ إذا أوقد سبعة أيام. قال: و وجّه له سياط بقميص و جبّة و سراويل و عمامة.

زاره إبراهيم الموصلي و ابن جامع في مرضه فأوصى بالمحافظة على غنائه:

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال حدّثني أبو أيّوب المدنيّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه الخزاعيّ و حمّاد بن إسحاق جميعا عن إسحاق قال:

كان سياط أستاذ أبي و أستاذ ابن جامع و من كان في ذلك العصر. فاعتلّ علة، فجاءه أبي و ابن جامع يعودانه.

فقال له أبي: أعزز عليّ بعلتك أبا وهب!و لو كانت مما يفتدى لفديتك منها. قال: كيف كنت لكم؟قلنا: نعم [1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فغناه و قال... إلخ» . و الظاهر أن كلمة «و قال» مقحمة من الناسخ.

395

الأستاذ و السيّد. قال: قد غنّيت لنفسي ستين صوتا فأحبّ ألاّ تغيّروها و لا تنتحلوها. فقال له أبي: أفعل ذلك يا أبا وهب، و لكن أيّ ذلك كرهت: أن يكون في غنائك فضل فأقصّر عنه فيعرف فضلك عليّ فيه، أو أن يكون فيه نقص فأحسنه فينسب إحساني إليك و يأخذه الناس عني لك؟[قال‏][1]: لقد استعفيت من غير مكروه. قال الخزاعيّ/في خبره: ثم قال لي إسحاق: كان سياط خزاعيّا، و كان له زامر يقال له حبال، و ضارب يقال له عقاب. قال حماد قال أبي: أدركت أربعة كانوا أحسن الناس غناء، سياط أحدهم. قال: و كان موته في أوّل أيام موسى الهادي.

زاره ابن جامع في مرض موته فأوصاه بالمحافظة على غنائه:

أخبرني يحيى قال حدّثنا أبو أيوب عن مصعب قال:

دخل ابن جامع على سياط و قد نزل به الموت؛ فقال له: أ لك حاجة؟فقال: نعم، لا تزد في غنائي شيئا و لا تنقص منه، دعه رأسا برأس، فإنما هو ثمانية عشر صوتا.

دعاه إخوان له فمات عندهم فجأة:

أخبرنا محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد قال حدّثني محمد بن حديد أخو النّضر بن حديد:

أن إخوانا لسياط دعوه، فأقام عندهم و بات‏[2]، فأصبحوا فوجدوه ميّتا في منزلهم، فجاءوا إلى أمّه و قالوا:

يا هذه، إنّا دعونا ابنك لنكرمه و نسرّ به و نأنس بقربه فمات فجأة، و ها نحن بين يديك فاحتكمي ما شئت؛ و نشدناك اللّه ألاّ تعرّضينا للسلطان أو تدّعي فيه علينا ما لم نفعله. فقالت: ما كنت لأفعل، و قد صدقتم، و هكذا مات أبوه فجأة. قال: فجاءت معنا فحملته إلى منزلها فأصلحت أمره و دفنته. و قد ذكرت هذه القصة بعينها في وفاة نبيه المغنّي، و خبره في ذلك يذكر مع أخباره إن شاء اللّه تعالى.

غنى أحمد بن المكي إبراهيم بن المهدي صوتا له فاستحسنه:

أخبرنا يحيى بن عليّ و عيسى بن الحسين الزيات‏[3]-و اللفظ له-قالا حدّثنا أبو أيوب قال حدّثنا أحمد بن المكّيّ قال:

/ «غنّيت إبراهيم بن المهديّ لسياط:

ضاف قلبي الهوى فأكثر سهوي‏

فاستحسنه جدّا، و قال لي: ممن أخذته؟قلت: من جارية أبيك قرشيّة الزّبّاء؛ فقال: أشعرت أنه/كان لأبي ثلاث جوار محسنات كلّهن تسمّى قرشيّة، منهن قرشيّة الزباء و قرشية السوداء و قرشية البيضاء، و كانت الزباء أحسنهن غناء-يعني التي أخذت منها هذا الصوت-قال: و كنت أسمعها كثيرا تقول: قد سمعت المغنّين و أخذت عنهم و تفقّدت أغانيهم، فما رأيت فيهم مثل سياط قطّ. هذه الحكاية من رواية عيسى بن الحسين خاصّة.

[1]زيادة عن حـ.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و مات» .

[3]كذا في أكثر الأصول. و في حـ: «عيسى بن الحسين» (بسقوط كلمة: الزيات) . و لم نجد في المراجع التي بين أيدينا و لا فيما تقدّم من «الأغاني» شيخا روى عنه أبو الفرج اسمه: «عيسى بن الحسين الزيات» . و لكن الذي سبقت رواية أبي الفرج عنه في أكثر من موضع هو: «عيسى بن الحسين الورّاق» .

396

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

ضاف قلبي الهوى فأكثر سهوي # و جوى الحبّ مفظع غير حلو

لو علا بعض ما علاني ثبيرا[1] # ظلّ ضعفا ثبير من ذاك يهوي

من يكن من هوى الغواني خليّا # يا ثقاتي فإنني غير خلو

الغناء لسياط ثاني ثقيل بالوسطى في مجراها عن إسحاق.

صوت من المائة المختارة

يا أمّ عمرو لقد طالبت ودّكم # جهدي و أعذرت فيه كلّ إعذار

حتى سقمت، و قد أصبحت سالمة، # مما أعالج من همّ و تذكار

/لم يسمّ قائل هذا الشعر. و الغناء للرّطّاب. و الرّطّاب مدنيّ قليل الصنعة ليس بمشهور. و قيل له الرطّاب لأنه كان يبيع الرّطب بالمدينة. و لحنه المختار هزج بالوسطى.

صوت من المائة المختارة

تصدّع الأنس‏[2]الجميع # أمسى فقلبي به صدوع

في إثرهم و جفون عيني # مخضلّة كلها[3]دموع‏

لم يسمّ لنا قائل هذا الشعر و لا عرفناه. و الغناء لدكين بن يزيد الكوفي. و لحنه المختار من‏[4]خفيف الثقيل بالوسطى، و هكذا ذكر إسحاق في الألحان المختارة للواثق. و ذكر هذا الصوت في مجرّد شجا فنسبه إلى دكين، و جنّسه في الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. و ذكر أيضا فيه لحنا من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالخنصر في مجرى البنصر، فزعم أنه ينسب إلى معبد و إلى الغريض. و فيه بيتان آخران و هما:

فالقلب إن سيم عنك صبرا # كلّف ما ليس يستطيع

عاص لمن لام في هواكم # و هو لكم سامع مطيع‏

[1]ثبر (بفتح أوله و كسر ثانيه بعده ياء وراء مهملة) : جبل معروف بمكة من ناحية الشرق في طريق منى، و هو جبل عظيم مرتفع أسود كثير الحجارة في عطف وادي إبراهيم عليه السّلام من يسار المارّ إلى منى، و عرف برجل من هذيل، مات فدفن به فعرف به الجبل، و يرى من منى و المزدلفة.

[2]الأنس (بالتحريك) : الحي المقيمون.

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «طلها» .

[4]في حـ: «من الثقيل... إلخ» .

397

صوت من المائة المختارة

يا أيها الرجل الذي # قد زان منطقه البيان

لا تعتبنّ على الزما # ن فليس يعتبك الزمان‏

/الشعر لعبد اللّه بن هارون العروضيّ. و الغناء لنبيه المغنّي، و لحنه المختار ثقيل أوّل بالبنصر.

فأمّا عبد اللّه بن هارون فما أعلم أنه وقع إليّ له خبر إلا ما شهر من حاله في نفسه. و هو عبد اللّه بن هارون بن السّميدع، مولى قريش، من أهل البصرة. و أخذ العروض من الخليل ابن أحمد، فكان مقدّما فيه. و انقطع إلى آل سليمان بن علي و أدّب أولادهم، و كان يمدحهم كثيرا، فأكثر شعره فيهم. و هو مقلّ جدّا. و كان يقول أوزانا من العروض غريبة في شعره، ثم أخذ ذلك عنه و نحا نحوه فيه رزين العروضيّ فأتى فيه ببدائع جمّة، و جعل أكثر شعره من هذا الجنس. فأمّا عبد اللّه بن هارون فما عرفت له خبرا و لا وقع إليّ من أمره شي‏ء غير ما ذكرته.

398

12-ذكر نبيه و أخباره‏

نسبه و أصله و شعره و سبب تعلمه الغناء:

زعم ابن خرداذبه أنه رجل من بني تميم صليبة، و أن أصله من الكوفة، و أنه كان في أوّل أمره شاعرا لا يغنّي، و يقول شعرا صالحا. فهوي قينة ببغداد فتعلّم الغناء من أجلها و جعله سببا للدخول عليها؛ و لم يزل يتزيّد حتى جاد غناؤه و صنع فأحسن و اشتهر، و دوّن غناؤه وعدّ في المحسنين. فمما قاله في هذه الجارية و غنّى فيه قوله:

صوت‏

يا ربّ إني ما جفوت و قد جفت # فإليك أشكو ذاك يا ربّاه

مولاة سوء ما ترقّ لعبدها # نعم الغلام و بئست المولاه

يا ربّ إن كانت حياتي هكذا # ضررا عليّ فما أريد حياه‏

الغناء لنبيه ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى. و من الناس من ينسب الشعر و الغناء إلى عليّة بنت المهديّ.

سمع مخارق مدح إبراهيم الموصلي لغنائه:

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال:

قلت‏[1]لمخارق، و قد غنّى هذا 2لصوت يوما:

متى تجمع القلب الذكيّ و صارما # و أنفا حميّا تجتنبك المظالم‏[2]

فسألته لمن هو؛ فقال: هذا لنبيه التّميمي؛ و كان له أخوان يقال لهما منبّه و نبهان، /و كان ينزل شهار سوج‏[3] الهيثم في درب الرّيحان. قال أبو زيد: و سمعت مخارقا يحدّث إسحاق بن إبراهيم قال سمعت أباك إبراهيم بن ميمون يقول-و قد ذكر نبيها-: إن عاش هذا الغلام ذهب خبرنا[4]. قال: و كنت قد غنّيته صوتا أخذته‏[5]عنه، و هو:

شكوت إلى قلبي الفراق فقال لي # من الآن فايأس لا أغرّك بالصبر

[1]في جميع الأصول: «قال لي مخارق» . و هو غير مستقيم مع سياق الكلام.

[2]هذا البيت من قصيدة لعمرو بن براق الشاعر، قالها لما استرد إبله و خيله من حريم الهمداني و كان قد أغار عليها و أخذها. (راجع أخباره ج 21 ص 175-176 من «الأغاني» طبع ليدن) .

[3]شهار سوج الهيثم: كانت محلة من محال بغداد في قبلة الحربية. و الهيثم الذي أضيفت إليه هو ابن معاوية من القواد الخراسانية.

[4]في حـ: «خيرنا» (بالياء المثناة) .

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «أجدته عنه» بالجيم.

399

إذا صدّ من أهوى و أسلمني العزا # ففرقة من أهوى أحرّ من الجمر

كان مع علي بن المفضل عند عبيد اللّه بن أبي غسان فأكل لحم غزال و مات:

أخبرنا الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني ابن أبي سعد[1]عن محمد بن عبد اللّه بن مالك قال حدّثني عليّ بن المفضّل قال:

اصطبحنا يوما أنا و نبيه عند عبيد اللّه بن أبي غسّان، فغنّانا نبيه لحنه:

يا أيها الرجل الذي # قد زان منطقه البيان‏

/فما سمعت أحسن منه، و كان صوتنا عليه بقية يومنا. ثم أردنا الانصراف، فسألنا عبيد اللّه أن نبيت عنده و نصطبح من غد فأجبناه. و قال لنبيه: أيّ شي‏ء تشتهي أن يصلح لك؟قال: تشتري لي غزالا فتطعمني كبده كبابا، و تجعل سائر ما آكله من لحمه كما تحب؛ فقال: أفعل. فلما أصبحنا جاءه بغزال فأصلحه كما أحبّ. فلما استوفى أكله استلقى لينام، فحرّكناه فإذا هو ميت، فجزعنا من ذلك. و بعث عبيد اللّه إلى أمه فجاءت فأخبرها بخبره. فلما رأته استرجعت‏[2]ثم قالت: لا بأس عليكم!هو/رابع أربعة ولدتهم كانت هذه ميتتهم جميعا و ميتة أبيهم من قبلهم؛ فسكنّا إلى ذلك. و غسّل في دار عبيد اللّه و أصلح شأنه و صلّي عليه، و مضينا به إلى مقابرهم فدفن هناك.

صوت من المائة المختارة

وقفت على ربع لسعدى و عبرتي # ترقرق في العينين ثم تسيل

أسائل ربعا قد تعفّت رسومه # عليه لأصناف الرياح ذيول‏[3]

لم يسمّ لنا قائل هذا الشعر. و الغناء لسليم هزج خفيف بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق.

[1]كذا في حـ، و هو عبد اللّه بن أبي سعد و قد تقدّمت روايته عن محمد بن عبد اللّه بن مالك الخزاعي و رواية ابن مهرويه عنه فيما مر من الأجزاء السابقة كثيرا. و في سائر الأصول: «ابن أبي سعيد» و هو تحريف.

[2]استرجع في المصيبة: استعاذ و قال: إِنََّا لِلََّهِ وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ .

[3]كذا في حـ. و الذيول من الريح: ما تتركه في الرمل كأثر ذيل مجرور. و في سائر الأصول: «ذبول» (بالباء الموحدة) و هو تصحيف.

400

13-أخبار سليم‏

انقطع إلى إبراهيم الموصلي و هو أمرد فأحبه و علمه:

هو سليم بن سلاّم الكوفيّ، و يكنى أبا عبد اللّه. و كان حسن الوجه حسن الصوت. و قد انقطع و هو أمرد إلى إبراهيم الموصليّ، فمال إليه و تعشّقه، فعلّمه و ناصحه، فبرع و كثرت روايته، و صنع فأجاد. و كان إسحاق يهجوه و يطعن عليه. و اتّفق له اتفاق سيّئ: كان يخدم الرشيد فيتّفق مع ابن جامع و إبراهيم و ابنه إسحاق و فليح ابن العوراء و حكم الواديّ فيكون بالإضافة إليهم كالساقط. و كان من أبخل الناس، فلما مات خلّف جملة عظيمة وافرة من المال؛ فقبضها السلطان عنه.

سأل الرشيد برصوما عنه و عن أربعة من المغنين فأجابه:

أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى عن أبيه:

أن إسحاق قال في سليم:

سليم بن سلاّم على برد خلقه # أحرّ غناء من حسين بن محرز

و أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة عن إسحاق، و أخبرنا يحيى بن عليّ عن أبيه عن إسحاق:

أنّ الرشيد قال لبرصوما الزامر و كانت فيه لكنة ما تقول في ابن جامع؟قال: زقّ من أسل (يريد من عسل) .

قال: فإبراهيم؟قال: بستان فيه فاكهة و ريحان و شوك. قال: فيزيد حوراء؟قال: ما أبيد أسنانه! (يريد ما أبيض) .

قال: فحسين بن محرز؟قال: ما أهسن خظامه‏[1]! (يريد ما أحسن خضابه) . قال: فسليم بن سلاّم؟قال: ما أنظف ثيابه!.

نصحه برصوما في موضع غناء فضحك الرشيد:

قال إسماعيل بن يونس في خبره عن عمر بن شبّة عن إسحاق:

/و غنّى سليم يوما و برصوما يزمر عليه بين يدي الرشيد، فقصّر سليم في موضع صيحة، فأخرج برصوما الناي من فيه ثم صاح به و قال له: يا أبا عبد اللّه، صيهة[2]أشدّ من هذا، صيهة[2]أشدّ من هذا؛ فضحك الرشيد حتى استلقى. قال: و ما أذكر أني ضحكت قطّ أكثر من ذلك اليوم.

[1]في حـ: «حضابه» .

[2]كذا في ب، س.

401

كان يجيد الأهزاج فغنى الرشيد فوصله:

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال قال محمد بن الحسن بن مصعب:

إنما أخّر سليما عن أصحابه في الصنعة ولعه بالأهزاج، فإن ثلثي/صنعته هزج، و له من ذلك ما ليس لأحد منهم. قال: ثم قال محمد: غنّى سليم يوما بين يدي الرشيد ثلاثة أصوات من الهزج ولاء، أوّلها:

مت على من غبت عنه أسفا

و الثاني:

أسرفت في الإعراض و الهجر

و الثالث:

أصبح قلبي به ندوب‏

فأطر به و أمر له بثلاثين ألف درهم، و قال‏[له‏][1]: لو كنت الحكم الواديّ ما زدت على هذا الإحسان في أهزاجك. (يعني أنّ الحكم كان منفردا بالهزج) .

نسبة هذه الأصوات‏

صوت‏

مت على من غبت عنه أسفا # لست منه بمصيب خلفا

لن ترى قرة عين أبدا # أو ترى نحوهم منصرفا

/قلت لمّا شفّني وجدي بهم # حسبي اللّه لما بي و كفى

بيّن الدمع لمن أبصرني # ما تضمّنت إذا ما ذرفا

الشعر للعبّاس بن الأحنف. و الغناء لسليم، و له فيه لحنان، أحدهما في الأوّل و الثاني هزج بالوسطى، و الآخر في الثالث و الرابع خفيف رمل بالبنصر مطلق. و فيهما لإبراهيم خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو.

و منها:

صوت‏

أسرفت في الإعراض و الهجر # و جزت حدّ التّيه و الكبر

الهجر و الإعراض من ذي الهوى # سلّم ذي الغدر إلى الغدر

ما لي و للهجران حسبي الذي # مرّ على رأسي من الهجر

و دون ما جرّبت فيما مضى # ما عرّف الخير من الشر

الغناء لسليم هزج بالبنصر.

و منها:

[1]زيادة عن حـ.

402
صوت‏

أصبح قلبي به ندوب # أندبه الشادن الرّبيب

تماديا منه في التّصابي # و قد علا رأسي المشيب

أظنني ذائقا حمامي # و أنّ إلمامه قريب

إذا فؤاد شجاه حبّ # فقلّما ينفع الطبيب‏

الشعر لأبي نواس. و الغناء لسليم، و له فيه لحنان: خفيف رمل بالبنصر عن إسحاق، و هزج بالوسطى عن الهشاميّ. و زعمت بذل أنّ الهزج لها.

كان أبوه من دعاة أبي مسلم:

أخبرني عمّي قال حدّثنا أحمد بن أبي طاهر قال حدّثني هارون بن مخارق عن أبيه قال:

كان سليم بن سلاّم كوفيّا، و كان أبوه من أصحاب أبي مسلم صاحب الدولة و دعاته و ثقاته، فكان يكاتب أهل العراق على يده. و كان سليم حسن الصوت جهيره، و كان بخيلا.

دعا صديقين و لما جاعا اشتريا طعاما فأكل معهما:

قال أحمد بن أبي طاهر و حدّثني أبو الحواجب الأنصاريّ، و اسمه محمد، قال:

قال لي سليم يوما: امض إلى موسى بن إسحاق/الأزرق فادعه و وافياني مع الظهر؛ فجئناه مع الظهر، فأخرج إلينا ثلاثين جارية محسنة و نبيذا، و لم يطعمنا شيئا، و لم نكن أكلنا شيئا. فغمر موسى غلامه فذهب فاشترى لنا خبزا و بيضا، فأدخله إلى الكنيف و جلسنا نأكل؛ فدخل علينا، فلما رآنا نأكل غضب و خاصمنا و قال: أ هكذا يفعل الناس!تأكلون و لا تطعمونني!و جلس معنا في الكنيف يأكل كما يأكل واحد منا حتى فني الخبز و البيض.

طلب من محمد اليزيدي نظم شعر يغني به الخليفة ففعل:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني الفضل بن محمد اليزيديّ قال حدّثني أبي قال:

كان سليم بن سلاّم صديقي و كان كثيرا ما يغشاني. فجاءني يوما و أعلمني الغلام بمجيئه، فأمرت بإدخاله، فدخل و قال: قد جئتك في حاجة؛ فقلت: مقضيّة. فقال: إنّ المهرجان بعد غد، و قد أمرنا بحضور مجلس الخليفة، و أريد أن أغنيه لحنا أصنعه في شعر لم يعرفه هو و لا من بحضرته، فقل أبياتا أغنّي فيها ملاحا؛ فقلت:

على أن تقيم عندي و تصنع بحضرتي اللحن؛ قال: أفعل. فردّوا دابّته و أقام عندي، و قلت:

صوت‏

أتيتك عائذا بك منـ # ك لمّا ضاقت الحيل

و صيّرني هواك و بي # لحيني يضرب المثل

فإن سلمت لكم نفسي # فما لاقيته جلل

و إن قتل الهوى رجلا # فإني ذلك الرجل‏

403

فغنّى فيه و شربنا يومئذ عليه، و غنّانا عدة أصوات من غنائه، فما رأيته مذ عرفته كان أنشط منه يومئذ.

سرق محمد اليزيدي معنيين من شعر مسلم بن الوليد:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني محمد بن داود بن الجرّاح قال حدّثني عبد اللّه‏[1]بن محمد اليزيديّ قال حدّثني أخي محمد قال:

سمعت أبي يقول: ما سرقت من الشعر قطّ إلا معنيين: قال‏[2]مسلم بن الوليد:

ذاك ظبيّ تحيّر[3]الحسن في الأر # كان منه و جال كلّ مكان

عرضت دونه الحجال فما يلـ # قاك إلا في النوم أو في الأماني‏

فاستعرت‏[4]معناه فقلت:

صوت‏

يا بعيد الدار موصو # لا بقلبي و لساني‏[5]

ربّما باعدك الدهـ # ر فأدنتك الأماني‏

-الغناء في هذين البيتين لسليم هزج بالبنصر عن الهشاميّ-.

/قال: و قال مسلم أيضا:

متى ما تسمعي بقتيل أرض # فإني ذلك الرجل القتيل‏

-و يروى: «أصيب فإنني ذاك القتيل» -فقلت:

أتيتك عائذا بك منـ # ك لمّا ضاقت الحيل

و صيّرني هواك و بي # لحيني يضرب المثل

/فإن سلمت لكم نفسي # فما لاقيته جلل

و إن‏[6]قتل الهوى رجلا # فإني ذلك الرجل‏

غنى مخارقا صوتا، فلما بلغ ابن المهدي طلبه و غناه إياه:

وجدت في كتاب عليّ بن محمد بن نصر عن جدّه حمدون بن إسماعيل، و لم أسمعه من أحد:

أن إبراهيم بن المهديّ سأل جماعة من إخوانه أن يصطبحوا عنده-قال حمدون: و كنت فيهم-و كان فيمن دعا [1]الظاهر أنه: «عبيد اللّه» لا: «عبد اللّه» ، و هو أخو الفضل و العباس ولدي محمد اليزيدي.

[2]في الأصول: «قول» ، و هو لا يلتئم مع سياق الكلام الآتي.

[3]في ب، س: «تخير» (بالخاء المعجمة) و هو تصحيف.

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فاستعرضت» .

[5]نسبت هذه الأبيات في «وفيات الأعيان» لابن خلكان (ج 2 ص 344 طبع مصر) ليحيى بن المبارك اليزيدي المقرئ النحوي اللغوي صاحب أبي عمرو بن العلاء و هو والد محمد اليزيدي المنسوب إليه الشعر هنا.

[6]كذا في حـ. و في سائر الأصول هنا: «فإن» .

404

مخارق، فسار إليه و هو سكران لا فضل فيه لطعام و لا لشراب، فاغتمّ لذلك إبراهيم و عاتبه على ما صنع؛ فقال: لا و اللّه أيها الأمير، ما كان آفتي إلا سليم بن سلاّم؛ فإنه مرّ بي فدخل عليّ فغنّاني صوتا له صنعه قريبا فشربت عليه إلى السّحر حتى لم يبق فيّ فضل و أخذته. فقال له إبراهيم: فغنّناه إملالا[1]، فغنّاه:

صوت‏

إذا كنت ندماني فباكر مدامة # معتقة زفّت إلى غير خاطب

إذا عتّقت في دنّها العام أقبلت # تردّى‏[2]رداء الحسن في عين شارب‏

/-الغناء لسليم خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر-قال فبعث إبراهيم إلى سليم فأحضره، فغنّاه إياه و طرحه على جواريه و أمر له بجائزة، و شربنا عليه بقيّة يومنا حتى صرنا في حالة مخارق و صار في مثل أحوالنا.

صوت من المائة المختارة

عتق الفؤاد من الصّبا # و من السّفاهة و العلاق

و حططت رحلي عن قلو # ص الحبّ في قلص عتاق‏[3]

و رفعت فضل إزاري الـ # مجرور عن قدمي و ساقي

و كففت غرب النفس حتـ # ى ما تتوق إلى متاق‏

لم يقع إلينا قائل هذا الشعر. و الغناء لابن عبّاد الكاتب و لحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه لإبراهيم خفيف ثقيل، و قيل: إنه لغيره، بل قيل: إنه لعمرو.

[1]يريد: غننا إياه كما أخذته عنه من غير زيادة و لا نقص.

[2]تردى فلان: لبس الرداء.

[3]في ب، س: «العتاق» .

405

14-أخبار ابن عبّاد

نسبه و كنيته و صناعته:

هو محمد بن عبّاد، مولى بني مخزوم، و قيل: إنه مولى بني جمح، و يكنى أبا جعفر. مكّيّ، من كبراء المغنّين من الطبقة الثانية منهم. و قد ذكره يونس الكاتب فيمن أخذ عنه الغناء، متقن الصنعة كثيرها. و كان أبوه من كتّاب الديوان بمكة؛ فلذلك قيل ابن عبّاد الكاتب.

قابله مالك و طلب منه الغناء ففعل فذمه:

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة عن إسحاق، و أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن عثمان بن حفص الثّقفي عن أبي خالد الكنانيّ عن ابن عبّاد الكاتب قال:

و اللّه إني لأمشي بأعلى مكة في الشّعب‏[1]، إذ أنا بمالك على حمار له و معه فتيان‏[2]من أهل المدينة، فظننت أنهم قالوا له: هذا ابن عبّاد؛ فمال إليّ فملت إليه؛ فقال لي: أنت ابن عبّاد؟قلت: /نعم؛ قال: مل معي هاهنا، ففعلت؛ فأدخلني شعب ابن عامر ثم أدخلني دهليز ابن عامر و قال: غنّني؛ فقلت: أغنّيك هكذا و أنت مالك!-و قد كان يبلغني أنه يثلب أهل مكة و يتعصّب عليهم-فقال: باللّه إلا غنّيتني صوتا من صنعتك. فاندفعت فغنّيته:

صوت‏

ألا يا صاحبيّ قفا قليلا # على ربع تقادم بالمنيف‏[3]

فأمست دارهم‏[4]شحطت و بانت‏[5] # و أضحى القلب يخفق ذا و جيف‏

/و ما غنّيته إياه إلا على احتشام. فلما فرغت نظر إليّ و قال لي: قد و اللّه أحسنت!و لكنّ حلقك كأنه حلق زانية. فقلت: أمّا إذ أفلت منك بهذا فقد أفلتّ. و هذا اللحن من صدور غناء ابن عباد. و لحنه من الثقيل الثاني بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى.

[1]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «في الشعر» .

[2]في حـ: «فتيان من أهل المدينة فما ظننت إلا أنهما قالا له» .

[3]المنيف: موضع قبل عمق (بفتح أوله و إسكان ثانيه: ماء ببلاد مزينة من أرض الحجاز) و قيل: المنيف: حصن في جبل صبر (ككتف) من أعمال تعز (بالفتح ثم الكسر و الزاي مشددة) باليمن. و هناك منيف لحج أيضا و هو حصن قرب عدن.

[4]في حـ: «دورهم» .

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و ناءت» .

406

وفاته ببغداد:

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى و عيسى بن الحسين قالا حدّثنا أبو أيّوب المديني قال حدّثني جماعة من أهل العلم:

أنّ ابن عبّاد الكاتب توفّي ببغداد في الدولة العباسية و دفن بباب‏[1]حرب. و قال أبو أيوب: أظنه فيمن قدم من مغنّي الحجار على المهديّ.

صوت من المائة المختارة

يا طلا غيّره بعدي # صوب ربيع صادق الرعد

أراك بعد الأنس ذا[2]وحشة # لست كما كنت على العهد

ما لي أبكي طللا كلما # ساءلته عيّ عن الردّ

كان به ذو غنج‏[3]أهيف # أحور مطبوع على الصّدّ

لم يسمّ أبو أحمد[4]قائل هذا الشعر. و الغناء ليحيى المكيّ، و لحنه المختار من الهزج بالوسطى.

[1]باب حرب: موضع ببغداد ينسب إلى حرب بن عبد اللّه البلخي أحد قواد أبي جعفر المنصور و كان يتولى شرطة بغداد. و في مقبرة باب حرب قبر أحمد بن حنبل و بشر الحافي و أبي بكر الخطيب و من لا يخصى من العلماء و العباد و الصالحين و أعلام المسلمين.

[2]في حـ: «في وحشة» .

[3]الغنج: التكسر و التدلل.

[4]أبو أحمد هو يحيى بن علي بن يحيى المنجم.

407

15-أخبار يحيى المكي و نسبه‏

اسمه و كنيته و كتمانه ولاءه لبني أمية لخدمته الخلفاء من بني العباس:

هو يحيى بن مرزوق، مولى بني أمية، و كان يكتم ذلك لخدمته الخلفاء من بني العباس خوفا من أن يجتنبوه و يحتشموه؛ فإذا سئل عن ولائه انتمى إلى قريش و لم يذكر البطن الذي ولاؤه لهم‏[1]، و استعفى من سأله عن ذلك.

و يكنى يحيى أبا عثمان. و ذكر ابن خرداذبه أنه مولى خزاعة. و ليس قوله مما يحصّل، لأنه لا يعتمد فيه على رواية و لا دراية.

أخبرني عبد اللّه بن الرّبيع أبو بكر الرّبيعي صديقنا رحمه اللّه قال حدّثني وسواسة بن الموصليّ-و قد لقيت وسواسة هذا، و هو أحمد بن‏[2]إسماعيل بن إبراهيم و كان معلّما، و لم أسمع هذا منه فكتبته و أشياء أخر عن أبي بكر رحمه اللّه-قال حدّثني حماد بن إسحاق قال قال لي أبي:

سألت يحيى المكيّ عن ولائه، فانتمى إلى قريش؛ فاستزدته في الشّرح فسألني أن أعفيه.

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق و يحيى بن عليّ بن يحيى قالا[3]حدّثنا أبو أيوب المديني قال:

كان يحيى المكي يكنى أبا عثمان، و هو مولى بني أميّة، و كان يكتم ذلك و يقول: أنا مولى قريش.

مدحه أبان اللاحقي و عارض الأعشى في مدح دحمان:

و لما قال أعشى بني سليم يمدح دحمان:

/

كانوا فحولا فصاروا عند حلبتهم # لمّا انبرى لهم دحمان خصيانا

/فأبلغوه عن الأعشى مقالته # أعشى سليم أبي عمرو سليمانا

قولوا يقول أبو عمرو لصحبته # يا ليت دحمان قبل الموت غنّانا

قال أبان بن عبد الحميد اللاحقيّ-و يقال إن ابنه حمدان بن أبان قالها. و الأشبه عندي أنها لأبان، و ما أظنّ ابنه‏[4]أدرك يحيى-:

يا من يفضّل دحمانا و يمدحه‏[9] # على المغنّين طرّا قلت بهتانا

[1]في أ، ء، م: «له» .

[2]راجع الحاشية-رقم 1 ص 154 من الجزء الخامس من «الأغاني» من هذه الطبعة.

[3]في ب، س: «قال» . و هو تحريف.

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «أنه» ، و هو تحريف.

[5]في حـ: «يمدحنه» .

408

لو كنت جالست يحيى أو سمعت به # لم تمتدح أبدا ما عشت إنسانا

و لم تقل سفها في‏[1]منية[2]عرضت # يا ليت دحمان قبل الموت غنّانا

لقد عجبت لدحمان و مادحه # لا كان مادح دحمان و لا كانا

ما كان كابن صغير العين إذ جريا # بل قام في غاية المجرى و ما دانى

بذّ الجياد أبو بكر و صيّرها # من بعد ما قرحت جذعا و ثنيانا[3]

يعني بأبي بكر ابن صغير العين، و هو من مغنّي مكة. و له أخبار[4]تذكر في موضعها إن شاء اللّه تعالى.

منزلته في الغناء و تلاميذه:

و عمّر يحيى المكي مائة و عشرين سنة، و أصاب بالغناء ما لم يصبه أحد من نظرائه، و مات و هو صحيح السمع و البصر و العقل. و كان قدم مع الحجازيين الذين قدموا على المهديّ في أوّل خلافته، فخرج أكثرهم و بقي يحيى بالعراق هو و ولده/يخدمون الخلفاء إلى أن انقرضوا. و كان آخرهم محمد بن أحمد بن يحيى المكي، و كان يغنّي مرتجلا، و يحضر مجلس المعتمد مع المغنين فيوقع بقضيب على دواة. و لقيه جماعة من أصحابنا، و أخذ عنه جماعة ممن أدركنا[5]من عجائز المغنيّات، منهم قمرية العمريّة، و كانت أمّ ولد عمرو بن بانة. و ممن أدركه من أصحابنا جحظة، و كتبنا عنه عن ابن المكي هذا حكايات حسنة من أخبار أهله. و كان ابن جامع و إبراهيم الموصليّ و فليح يفزعون إليه في الغناء القديم و يأخذونه عنه، و يعايي‏[6]بعضهم بعضا بما يأخذه منه و يغرب به على أصحابه؛ فإذا خرجت لهم الجوائز أخذوا[7]منها و وفّروا نصيبه. و له صنعة عجيبة نادرة متقدّمة. و له كتاب في الأغاني و نسبها و أخبارها[و أجناسها][8]كبير جليل مشهور، إلا أنه كان كالمطّرح عند الرواة لكثرة تخليطه في رواياته. و العمل على كتاب ابنه أحمد، فإنه صحّح كثيرا مما أفسده أبوه، و أزال ما عرفه من تخاليط أبيه، و حقّق ما نسبه من الأغاني إلى صانعه. و هو يشتمل على نحو ثلاثة آلاف صوت.

عمل كتابا في الأغاني و أهداه لعبد اللّه بن طاهر فصححه ابنه لمحمد بن عبد اللّه:

أخبرني عبد اللّه بن الرّبيع قال حدّثني وسواسة بن الموصلي قال حدّثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي قال:

عمل جدّي كتابا في الأغاني و أهداه إلى عبد اللّه بن طاهر، و هو يومئذ شابّ حديث السن، فاستحسنه و سرّ به؛ [1]في أ، ء، م: «من» .

[2]المنية (بالضم و تكسر) : البغية و ما يتمنى.

[3]قرح الفرس: صار قارحا. و القارح من ذي الحافر: الذي شق نابه و طلع، و هو بمنزلة البازل من الإبل، و ذلك في الخامسة من سنه.

و الجذع (بضمتين و سكن لضرورة الشعر) : جمع جذع (بالتحريك) و هو ما كان في الثانية من سنه. و الثنيان (بالضم) : جمع ثنى و هو ما كان في الثالثة من سنه.

[4]لم نجد لأبي بكر هذا أخبارا في «الأغاني» المطبوع في بولاق. فلعل المؤلف أنسى أن يذكره، أو ذكره و سقط من الكتاب.

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «ممن دركناه» .

[6]كذا في أكثر الأصول. و عايا فلان فلانا معاياة: ألقى إليه كلاما أو عملا لا يهتدي لوجهه. و في ب، س: «يعاني» . و هو تصحيف.

[7]في ب: «أخذوه» و قد صححها المرحوم الشنقيطي في نسخته فجعلها: «أحذوه» (بالحاء المهملة) . و أحذاه من الغنيمة: أعطاه.

[8]زيادة عن أ، ء، م.

409

ثم عرضه على إسحاق فعرّفه عوارا[1]كثيرا/في نسبه، لأن جدّي كان لا يصحّح لأحد نسبه صوت البتّة، و ينسب صنعته إلى المتقدمين، و ينحل بعضهم صنعة بعض ضنّا بذلك على غيره، فسقط من عين عبد اللّه و بقي في خزانته؛ ثم وقع إلى محمد بن عبد اللّه، فدعا أبي، و كان إليه محسنا و عليه مفضلا، فعرضه عليه؛ فقال له: إن في هذه‏[2]النّسب تخليطا كثيرا، خلّطها/أبي لضنه بهذا الشأن على الناس، و لكني أعمل لك كتابا أصحح هذا و غيره فيه. فعمل له كتابا فيه اثنا عشر ألف صوت و أهداه إليه، فوصله محمد بثلاثين ألف درهم. و صحّح له الكتاب الأوّل أيضا فهو في أيدي الناس. قال وسواسة: و حدّثني حمّاد أن أباه إسحاق كان يقدّم يحيى المكيّ تقديما كثيرا و يفضّله‏[3] و يناضل‏[4]أباه و ابن جامع فيه، و يقول: ليس يخلو يحيى فيما يرويه من الغناء الذي لا يعرفه أحد منكم من أحد أمرين: إمّا أن يكون محقّا[فيه‏][5]كما يقول، فقد علم ما جهلتم، أو يكون من صنعته و قد نحله المتقدّمين، كما تقولون، فهو أفضل‏[له‏][5]و أوضح لتقدّمه عليكم. قال: و كان أبي يقول: لو لا ما أفسد به يحيى المكي نفسه من تخليطه في رواية الغناء على المتقدّمين و إضافته إليهم ما ليس لهم و قلّة ثباته على ما يحكيه من ذلك، لما تقدّمه أحد. و قال محمد بن الحسن الكاتب: كان يحيى يخلّط في نسب الغناء تخليطا كثيرا، و لا يزال يصنع الصوت بعد الصوت يتشبّه فيه بالغريض مرّة و بمعبد أخرى و بابن سريج و ابن محرز، و يجتهد في إحكامه و إتقانه حتى يشتبه على سامعه؛ فإذا حضر مجالس الخلفاء غنّاه على ما أحدث‏[فيه‏][6]من ذلك، فيأتي بأحسن‏[7]صنعة و أتقنها، /و ليس أحد يعرفها؛ فيسأل عن ذلك فيقول: أخذته عن فلان و أخذه فلان عن يونس أو عن نظرائه من رواة الأوائل، فلا يشكّ في قوله، و لا يثبت لمباراته أحد، و لا يقوم لمعارضته و لا يفي بها؛ حتى نشأ إسحاق فضبط الغناء و أخذه من مظانّه و دوّنه، و كشف عوار يحيى في منحولاته و بيّنها للناس.

أظهر إسحاق غلطه فأرسل له هدايا و عاتبه:

أخبرني عمّي‏[قال‏]سمعت عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر يذكر عن أحمد بن سعيد المالكيّ-و كان مغنيا منقطعا إلى طاهر و ولده و كان من القوّاد-قال:

حضرت يحيى المكيّ يوما و قد غنّى صوتا فسئل عنه فقال: هذا لمالك-و لم يحفظ أحمد بن سعيد الصوت- ثم غنّى لحنا لمالك فسئل عن صانعه فقال: هذا لي؛ فقال له إسحاق: قلت ما ذا؟فديتك، و تضاحك به. فسئل عن صانعه فأخبر به، ثم غنّى الصوت. فخجل يحيى حتى أمسك عنه؛ ثم غنّى بعد ساعة في الثقيل الأوّل، و اللحن:

صوت‏

إنّ الخليط أجدّ فاحتملا # و أراد غيظك بالذي فعلا

[1]العوار (مثلثة) : العيب.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «هذا» .

[3]في ب، س: «و يصله» .

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و يواصل» و هو تحريف.

[5]زيادة عن حـ.

[6]هذه الكلمة ساقطة في ب، س.

[7]في ب، س: «أحسن» .

410

فظللت تأمل قرب أوبتهم # و النفس مما تأمل الأملا

فسئل عنه فنسبه إلى الغريض. فقال له إسحاق: يا أبا عثمان، ليس هذا من نمط الغريض و لا طريقته في الغناء، و لو شئت لأخذت مالك و تركت للغريض ماله و لم تتعب. فاستحيا يحيى و لم ينتفع بنفسه بقيّة يومه. فلما انصرف بعث إلى إسحاق بألطاف كثيرة و برّ واسع، و كتب إليه يعاتبه و يستكفّ شرّه و يقول له: لست من أقرانك فتضادّني، و لا أنا ممن يتصدّى لمباغضتك و مباراتك فتكايدني، و لأنت إلى أن أفيدك و أعطيك ما تعلم أنك لا تجده عند غيري فتسمو به على أكفائك أحوج منك إلى أن تباغضني، فأعطي غيرك سلاحا إذا حمله عليك لم تقم له، و أنت/أولى و ما تختار. فعرف إسحاق صدق يحيى، فكتب إليه يعتذر، و ردّ/الألطاف التي حملها إليه، و حلف لا يعارضه بعدها، و شرط عليه الوفاء بما وعده به من الفوائد؛ فوفّى له بها، و أخذ منه كلّ ما أراد من غناء المتقدمين. و كان إذا حز به أمر في شي‏ء منها فزع إليه فأفاده و عاونه و نصحه؛ و ما عاود إسحاق معارضته بعد ذلك.

و حذره يحيى، فكان إذا سئل بحضرته عن شي‏ء صدق فيه، و إذا غاب إسحاق خلّط فيما يسأل عنه. قال: و كان يحيى إذا صار إليه إسحاق بطلب منه شيئا أعطاه إياه و أفاده و ناصحه، و يقول لابنه أحمد: تعال حتى تأخذ مع أبي محمد ما اللّه يعلم أني كنت أبخل به عليك فضلا عن غيرك؛ فيأخذه أحمد عن أبيه مع إسحاق. قال: و كان إسحاق بعد ذلك يتعصّب ليحيى تعصّبا شديدا؛ و يصفه و يقدّمه و يعترف برئاسته، و كذلك كان في وصف أحمد ابنه و تقريظه.

عدد أصواته التي صنعها:

قال أحمد بن سعيد: و الاختلاف الواقع في كتب الأغاني إلى الآن من بقايا تخليط يحيى. قال أحمد بن سعيد: و كانت صنعة يحيى ثلاثة آلاف صوت، منها زهاء ألف صوت لم يقاربه فيها أحد، و الباقي متوسّط. و ذكر بعض أصحاب أحمد بن يحيى المكيّ عنه أنه سئل عن صنعة أبيه فقال: الذي صحّ عندي منها ألف و ثلاثمائة صوت، منها مائة و سبعون صوتا غلب فيها على الناس جميعا من تقدّم منهم و من تأخّر، فلم يقم له فيها أحد.

كان ينسب الأصوات عمدا لغير أصحابها فافتضح أمره:

و قال حماد بن إسحاق قال لي أبي:

كان يحيى المكي يسأل عن الصوت، و هو يعلم لمن هو، فينسبه إلى غير صانعه، فيحمل ذلك عنه كذلك، ثم يسأله آخرون فينسبه غير تلك النسبة؛ حتى طال ذلك و كثر منه و قلّ تحفّظه، فظهر عواره، و لو لا ذلك لما قاومه أحد.

أظهر إسحاق كذبه فيما ينسبه من الغناء أمام الرشيد:

و قال أحمد بن سعيد المالكيّ في خبره:

قال إسحاق يوما للرشيد، قبل أن تصلح الحال بينه و بين يحيى المكي: أ تحب يا أمير المؤمنين أن أظهر لك كذب يحيى فيما ينسبه من الغناء؟قال نعم. قال: أعطني أيّ شعر شئت حتى أصنع فيه، و اسألني بحضرة يحيى عن نسبته فإني سأنسبه إلى رجل لا أصل له، و اسأل يحيى عنه إذا غنّيته، فإنه لا يمتنع من أن يدّعي معرفته. فأعطاه شعرا فصنع فيه لحنا و غنّاه الرشيد؛ ثم قال له: يسألني أمير المؤمنين عن نسبته بين يديه. فلما حضر يحيى غنّاه‏

411

إسحاق فسأله الرشيد: لمن هذا اللحن؟فقال له إسحاق: لغناديس‏[1]المديني. فأقبل الرشيد على يحيى فقال له:

أ كنت لقيت غناديس المديني؟قال: نعم، لقيته و أخذت عنه صوتين؛ ثم غنّى صوتا و قال: هذا أحدهما. فلما خرج يحيى حلف إسحاق بالطلاق ثلاثا و عتق جواريه: أن اللّه ما خلق أحدا اسمه غناديس، و لا سمع في المغنين و لا غيرهم، و أنه وضع ذلك الاسم في وقته ذلك لينكشف أمره.

علم إسحاق صوتا غناه للرشيد فأهدى إليه تخت ثياب و خاتم:

حدّثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني محمد بن أحمد بن يحيى المكّي المرتجل قال:

غنى جدّي يوما بين يدي الرشيد:

صوت‏

هل هيّجتك مغاني الحيّ و الدّور # فاشتقت إن الغريب الدار معذور[2]

و هل يحلّ بنا إذ عيشنا أنق‏[3] # بيض أوانس أمثال الدّمى حور

/-و الصنعة له خفيف ثقيل-فسار[4]إليه إسحاق و سأله أن يعيده إياه؛ فقال: نعم، حبّا و كرامة/لك يا ابن أخي، و لو غيرك يروم ذلك لبعد عليه؛ و أعاده حتى أخذه إسحاق. فلما انصرف بعث إلى جدّي بتخت‏[5]ثياب و خاتم ياقوت نفيس.

دس له إبراهيم بن المهدي من أخذ عنه صوتا بثمن غال:

حدّثني جحظة قال حدّثني القاسم بن زرزور عن أبيه عن مولاه عليّ‏[6]بن المارقيّ قال:

قال لي إبراهيم بن المهديّ: ويلك يا مارقيّ!إن يحيى المكيّ غنّى البارحة بحضرة أمير المؤمنين صوتا فيه ذكر زينب، و قد كان النبيذ أخذ مني فأنسيت شعره، و استعدته إياه فلم يعده، فاحتل لي عليه حتى تأخذه لي منه و لك عليّ سبق‏[7]. فقال لي المارقيّ-و أنا يومئذ غلامه-اذهب إليه فقل له إني أسأله أن يكون اليوم عندي؛ فمضيت إليه فجئته به. فلما تغدّرا وضع النبيذ؛ فقال له المارقي: إني كنت سمعتك تغنّي صوتا فيه زينب و أنا أحب أن آخذه منك-و كان يحيى يوفّي هذا الشأن حقّه من الاستقصاء، فلا يخرج عنه إلا بحذر، و لا يدع الطلب و المسألة، و لا يلقي صوتا إلا بعوض. قال لي جحظة في هذا الفصل: هذا-فديتك-فعل يحيى مع ما أفاده من المال، و مع كرم من عاشره و خدمه من الخلفاء مثل الرشيد و البرامكة و سائر الناس، لا يلام و لا يعاب، و نحن مع [1]في حـ: «لعتاديس المدني» .

[2]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «مغرور» .

[3]أنق الشي‏ء (من باب علم) : راع حسنه.

[4]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «فصار» .

[5]التخت: وعاء تصان فيه الثياب.

[6]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «عن مولاه عن ابن المارقي قال» ، و هو تحريف، لأن المارقي هو مولى زرزور كما يشعر بذلك سياق الحديث هنا و كما مر في الجزء الرابع من هذه الطبعة (ص 93) .

[7]السبق (بالتحريك) : الخطر يوضع في السباق من سبق أخذه.

412

هؤلاء السّفل إن جئناهم نكارمهم‏[1]تغافلوا عنا، و إن أعطونا النّزر اليسير منّوا به علينا و عابونا، فمن يلومني أن أشتمهم؟فقلت: ما عليك لوم. /-قال: فقال له يحيى: و أيّ شي‏ء العوض إذا ألقيت عليك هذا الصوت؟قال:

ما تريد؛ قال: هذه الزّربيّة[2]الإرمينيّة، كم تقعد عليها!أ ما آن لك أن تملّها؟قال: بلى، و هي لك. قال: و هذه الظباء الحرميّة، و أنا مكيّ لا أنت، و أنا أولى بها؛ قال: هي لك، و أمر بحملها معه. فلما حصلت له، قال المارقيّ: يا غلام، هات العود؛ قال يحيى: و الميزان و الدراهم، و كان لا يغنّي أو يأخذ خمسين درهما، فأعطاه إيّاها؛ فألقى عليه قوله:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب # و قل إن تملّينا فما ملّك القلب‏

-و لحنه لكردم ثقيل أول-فلم يشكّ المارقيّ أنه قد أخذ الصوت الذي طلبه إبراهيم و أدرك حاجته. فبكّر إلى إبراهيم و قد أخذ الصوت، فقال له: قد جئتك بالحاجة. فدعا بالعود فغنّاه إياه؛ فقال له: لا و اللّه ما هو هذا، و قد خدعك، فعاود الاحتيال عليه. فبعثني إليه و بعث معي خمسين درهما. فلما دخل إليه و أكلا و شربا قال له يحيى:

قد واليت بين دعواتك لي، و لم تكن برّا و لا وصولا، فما هذا؟قال: لا شي‏ء و اللّه إلا محبتي للأخذ عنك و الاقتباس منك؛ فقال: سرّك اللّه، فمه. قال: تذكرت الصوت الذي سألتك إياه فإذا ليس هو الذي ألقيت عليّ. قال: فتريد ما ذا؟قال: تذكر الصوت. قال: أفعل، ثم اندفع فغنّاه:

ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا[3] # قلّ الثواء لئن كان الرحيل غدا

-و الغناء لمعبد ثقيل أول-فقال له: نعم، فديتك يا أبا عثمان، هذا هو، ألقه عليّ؛ قال: العوض؛ قال: ما شئت؟قال: هذا المطرف الأسود؛ قال: هو لك. فأخذه/و ألقى عليه هذا الصوت حتى استوى له، و بكّر إلى إبراهيم؛ فقال له: ما وراءك؟قال: قد قضيت الحاجة؛ فدعا له بعود فغنّاه؛ فقال: خدعك و اللّه، ليس هذا هو؛ فعاود الاحتيال عليه، و كلّ ما تعطيه إياه ففي ذمّتي. فلما كان/اليوم الثالث بعث بي إليه، فدعوته و فعلنا مثل فعلنا بالأمس. فقال له يحيى: فما لك أيضا؟قال له: يا أبا عثمان، ليس هذا الصوت هو الذي أردت؛ فقال له: لست أعلم ما في نفسك فأذكره، و إنما عليّ أن أذكر ما فيه زينب من الغناء كما التمست حتى لا يبقى عندي زينب البتة إلا أحضرتها؛ فقال: هات على اسم اللّه؛ قال: اذكر العوض؛ قلت: ما شئت؛ قال: هذه الدّراعة[4]الوشي التي عليك؛ قال: فخذها و الخمسين الدرهم، فأحضرها. فألقى عليه-و الغناء لمعبد ثقيل أول-:

لزينب طيف تعتريني طوارقه # هدوءا إذا النجم ارجحنّت‏[5]لواحقه‏

فأخذه منه و مضى إلى إبراهيم، فصادفه يشرب مع الحرم؛ فقال له حاجبه: هو متشاغل؛ فقال: قل له: قد جئتك بحاجتك. فدخل فأعلمه؛ فقال: يدخل فيغنّيه في الدار و هو قائم، فإن كان هو و إلا فليخرج، ففعل؛ فقال:

[1]كذا في أ، ء، م. و كارمه: أهدى إليه ليكافئه و يثيبه. و في سائر الأصول: «مكارهة» و هو تحريف.

[2]كذا في أكثر الأصول. و الزربية: واحدة الزرابيّ و هي البسط، و قيل كل ما بسط و اتكئ عليه. و في حـ: «الزلية» و الزلية (بضم الزاي و تشديد اللام المكسورة) : البساط، معرب «زيلو» بالفارسية، و جمعها زلالي.

[3]أفد: دنا.

[4]الدراعة (كرمانة) : جبة مشقوقة المقدم و لا تكون إلا من صوف، و جمعها دراريع

[5]ارجحنت: اهتزت و مالت.

413

لا و اللّه ما هو هذا، و لقد خدعك، فعاود الاحتيال عليه. ففعل مثل ذلك بيحيى؛ فقال له يحيى و هو يضحك: أ ما ظفرت بزينبك بعد؟فقال: لا و اللّه يا أبا عثمان، و ما أشكّ في أنك تعتمدني بالمنع مما أريده، و قد أخذت كل‏[1] شي‏ء عندي معابثة. فضحك يحيى و قال: قد استحييت منك الآن، و أنا ناصحك على شريطة؛ قال: نعم، لك الشريطة؛ قال: لا تلمني في أن أعابثك لأنك أخذت في معابثتي، و المطلوب إليه أقدر من الطالب، فلا تعاود/أن تحتال عليّ فإنك تظفر منّي بما تريد، إنما دسّك إبراهيم بن المهديّ عليّ لتأخذ مني صوتا غنّيته، فسألني إعادته فمنعته بخلا عليه لأنه لا يلحقني منه خير و لا بركة، و يريد أن يأخذ غنائي باطلا، و طمع بموضعك أن تأخذ الصوت بلا ثمن و لا حمد؛ لا و اللّه إلا بأوفر ثمن و بعد اعترافك، و إلا فلا تطمع في الصوت. فقال له: أمّا إذ فطنت فالأمر و اللّه على ما قلت، فتغنّيه الآن بعينه على شرط أنه إن كان هو هو و إلا فعليك إعادته، و لو غنّيتني كلّ شي‏ء تعرفه لم أحتسب لك إلا به؛ قال: اشتره. فتساوما طويلا و ماكسه‏[2]حتى بلغ الصوت ألف درهم، فدفعها إليه؛ و ألقى عليه:

صوت‏

طرقتك زينب و المزار بعيد # بمنى و نحن معرّسون هجود

فكأنما طرقت بريّا روضة # أنف تسحسح مزنها و تجود

-لحنه خفيف ثقيل. قال: و هو صوت كثير العمل، حلو النّغم، محكم الصّنعة، صحيح القسمة، حسن المقاطع-فأخذه و بكّر إلى إبراهيم بن المهديّ، فقال له: قد أفقرني هذا الصوت و أعراني، و أبلاني بوجه يحيى المكي و شحّه و طلبه و شرهه، و حدّثه بالقصّة؛ فضحك إبراهيم. و غنّاه إياه، فقال: هذا أبيك هو بعينه. فألقاه عليه حتى أخذه، و أخلف عليه كلّ شي‏ء أخذه يحيى منه و زاده خمسة آلاف درهم، و حمله على برذون أشهب فاره بسرجه و لجامه. فقال له: يا سيّدي؛ فغلامك زرزور المسكين قد تردّد عليه حتى ظلع‏[3]، هب له شيئا، فأمر له بألف درهم.

غنى للأمين لحنا أراد المغنون أخذه عنه فأبى:

حدّثني جحظة قال حدّثني هبة اللّه بن إبراهيم بن المهديّ قال حدّثتني ريّق و شارية/جميعا قالتا:

كان مولانا-تعنيان أبي-في مجلس محمد الأمين يوما و المغنّون حضور، فغنّى يحيى المكي-و اللحن له خفيف ثقيل-:

صوت‏

خليل لي أهيم به # فما كافا[4]و لا شكرا

بلى يدعى له باسمي # إذا ما ريع أو عثرا

[1]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «و قد أخذت في كل... إلخ» . و الظاهر أن «في» مقحمة.

[2]في الأصول: «و ماكسه أبي حتى بلغ... إلخ» . و راوي القصة هو زرزور غلام المارقي لا ابنه. فلعل كلمة «أبي» مقحمة من النساخ. و ماكسه في البيع: شاحه و استحطه الثمن و استنقصه إياه.

[3]ظلع: عرج و غمز في مشيه.

[4]كافا مسهل كافأ.

414

فاستردّه سيّدنا و أحبّ أن يأخذه، فجعل يحيى يفسده. و فطن الأمين بذلك، فأمر له بعشرين ألف درهم و أمره بردّه و ترك التخليط، فدعا له و قبّل الأرض بين يديه و ردّ الصوت و جوّده؛ ثم استعاده. فقال له يحيى: ليست تطيب لك نفسي به إلا بعوض من مالك، و لا أنصحك و اللّه فيه، فهذا مال مولاي أخذته، فلم تأخذ أنت غنائي!فضحك الأمين و حكم على إبراهيم بعشرة آلاف درهم فأحضرها. فقبّل يحيى يده و أعاد الصوت و جوّده، فنظر إلى مخارق و علّويه يتطلّعان لأخذه فقطع الصوت؛ ثم أقبل عليهما و قال: قطعة من خصية الشيخ تغطي أستاه عدّة صبيان، و اللّه لا أعدته بحضرتكما. ثم أقبل على مولانا-تعنيان إبراهيم بن المهدي-فقال: يا سيّدي، إني أصير إليك حتى تأخذه عنّي متمكّنا و لا يشركك فيه أحد. فصار إليه فأعاده حتى أخذه عنه، و أخذناه معه.

غنى للرشيد بتل دارا فأكرمه:

أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى قال حدّثنا أبو أيّوب المديني قال حدّثني أحمد بن يحيى المكي عن أبيه قال:

/أرسل إليّ هارون الرشيد، فدخلت إليه و هو جالس على كرسيّ بتلّ دارا[1]، فقال: يا يحيى، غنّني:

متى تلتقي الألاّف و العيس كلّما # تصعّدن من واد هبطن إلى واد

فلم أزل أغنّيه إيّاه و يتناول قدحا إلى أن أمسى. فعددت عشر مرّات استعاد فيها الصوت، و شرب عشرة أقداح، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم، و أمرني بالانصراف.

مدح إسحاق غناءه و ذكر أصواتا له:

و قال محمد بن أحمد بن يحيى المكي في خبره حدّثني أبي أحمد بن يحيى قال:

قال لي إسحاق: يا أبا جعفر، لأبيك مائة و سبعون صوتا، من أخذها عنه بمائة و سبعين ألف درهم فهو الرابح. فقلت لأبي: أيّ شي‏ء تعرف منها؟فقال: لحنه في شعر الأخطل:

صوت‏

خفّ القطين فراحوا منك و ابتكروا[2] # و أزعجتهم نوّى في صرفها غير

كأنني شارب يوم استبدّ بهم # من قهوة عتّقتها حمص أو جدر[3]

لحن يحيى المكيّ في هذين البيتين ثقيل أول-هكذا في الخبر-و لإبراهيم فيهما ثقيل أوّل آخر، و لابن سريج رمل.

[1]دارا (بالقصر) : بلدة في لحف جبل بين نصيبين و ماردين، و هي من بلاد الجزيرة، ذات بساتين و مياه جارية، و من أعمالها يجلب المحلب الذي تتطيب به الأعراب، و عندها كان معسكر دارا الملك بن قباذ الملك لما لقي الإسكندر المقدوني، فقتله الإسكندر و تزوج ابنته. و بنى في موضع معسكره هذه المدينة و سماها باسمه. و هي أيضا قلعة حصينة في جبال طبرستان، و واد في ديار بني عامر.

[2]في أ، ء، م و «ديوان الأخطل» :

«... أو بكروا»

. و هذان البيتان من قصيدة له من فاخر شعره، قالها يمدح عبد الملك بن مروان و يهجو قيسا و بني كليب.

[3]جدر: قرية بين حمص و سلمية، تنسب إليها الخمر، و هي قرب دير إسحاق. و قد ورد الشطر الأخير في «ديوانه» و «معجم البلدان» هكذا:

«من قرقف ضمنتها حمص أو جدر»

. ـ

415

/قال: و منها:

صوت‏

بان الخليط فما أؤمّله # و عفا من الرّوحاء[1]منزله

ما ظبية أدماء عاطلة # تحنو على طفل تطفّله‏

لحن يحيى في هذا الشعر ثاني ثقيل بالبنصر. قال أحمد: قال لي إسحاق: وددت أن هذا/الصوت لي أو لأبي و أني مغرّم عشرة آلاف درهم. ثم قال: هل سمعتم بأحسن من قوله: «على طفل تطفّله» .

قال: و منها:

صوت‏

و كفّ كعوّاذ[2]النقا لا يضيرها # إذا برزت ألاّ يكون خضاب

أنامل فتخ‏[3]لا ترى بأصولها # ضمورا و لم تظهر لهن كعاب‏

و لحنه من الثقيل الثاني.

قال: و منها:

صوت‏

صادتك‏[4]هند و تلك عادتها # فالقلب مما يشفّه كمد

/كم تشتكي الشوق من صبابتها # و لا تبالي هند بما تجد

و لحنه من خفيف الثقيل.

قال: و منها:

صوت‏

أعسيت من سلمى هوا # ك اليوم محتلاّ جديدا

و مرابط الخيل الجيا # د و منزلا خلقا همودا

[1]الروحاء: قرية جامعة لمزينة على ليلتين من المدينة، بينهما نحو أربعين ميلا.

[2]الظاهر أن الشاعر يريد «بعواذ النقا» الديدان التي تعوذ بالنقا (الكثيب من الرمل) و تلوذ به. و قد ورد كثيرا في الشعر العربي تشبيه أصابع النساء و أنامل العذارى بهذه الديدان. قال امرؤ القيس:

و تعطو برخص غير شثن كأنه # أساريع ظبي أو مساويك إسحل‏

(ظبي: اسم كثيب. و الأساريع: دواب تكون بالرمل صغار بيض ملس، واحدها أسروع و يسروع) . و يقال لهذه الديدان بنات النقا؛ قال ذو الرمة:

خراعيب أملود كأن بناتها # بنات النقا تخفى مرارا و تظهر

[3]فتح: رخصة لينة. و قد وردت هذه الكلمة في جميع الأصول بالحاء المهملة؛ و هو تصحيف.

[4]في ب، س: «صادتها» . و هو تحريف.

416

و لحنه خفيف ثقيل أيضا.

قال: و منها:

صوت‏

ألا مرحبا بخيال ألمّ # و إن هاج للقلب طول الألم

خيال لأسماء يعتادني # إذا الليل مدّ رواق الظّلم‏

و لحنه ثقيل أول.

قال: و منها:

صوت‏

كم ليلة ظلماء فيك سريتها # أتعبت فيها صحبتي و ركابي

لا يبصر الكلب السّروق خباءها # و مواضع الأوتاد و الأطناب‏[1]

لحنه ثاني ثقيل بالوسطى. و فيه خفيف ثقيل بالوسطى للغريض. قال ابن المكيّ: غنّى أبي الرشيد ليلة هذا الصوت فأطربه، ثم قال له: قم يا يحيى فخذ ما في ذلك البيت؛ فظنّه فرشا أو ثيابا، فإذا فيه أكياس فيها عين و ورق؛ فحملت بين يديه فكانت خمسين ألف درهم مع قيمة العين.

/قال: و منها:

صوت‏

إني امرؤ مالي يقي عرضي‏

و يبيت جاري آمنا جهلي # و أرى الذّمامة[2]للرّفيق إذا

ألقى رحالته‏[3]إلى‏[4]رحلي‏

و لحنه خفيف ثقيل. قال ابن المكي غنّى ابن جامع الرشيد يوما البيت الأول من هذين البيتين و لم يزد عليه شيئا؛ فأعجب به الرشيد و استردّه مرارا، و أسكت لابن جامع المغنّين جميعا، و جعل يسمعه و يشرب عليه، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم و عشرة خواتيم و عشر خلع، /و انصرف. فمضى إبراهيم من وجهه إلى يحيى المكيّ فأستأذن عليه، فأذن له، فأخبره بالذي كان من أمر ابن جامع و استغاث به. فقال له يحيى: أ فزاد على البيت الأول شيئا؟قال لا؛ قال أ فرأيت إن زدتك بيتا ثانيا لم يعرفه إسماعيل أو عرفه ثم أنسيه، و طرحته عليك حتى تأخذه ما تجعل لي؟ قال: النصف مما يصل إليّ بهذا السبب؛ قال: و اللّه؟!فأخذ بذلك عليه عهدا و شرطا و استحلفه عليه أيمانا مؤكّدة؛ ثم زاده البيت الثاني و ألقاه عليه حتى أخذه و انصرف. فلما حضر المغنّون من غد و دعي به كان أوّل صوت غنّاه إبراهيم هذا الصوت، و جاء بالبيت الثاني و تحفّظ فيه فأصاب و أحسن كلّ الإحسان، و شرب عليه الرشيد و استعاده [1]الأطناب: حبال طوال يشد بها سرادق البيت، واحدها طنب.

[2]الذمامة: (بالفتح و الكسر) : الحرمة و الحق.

[3]الرحالة و الرحل: مركب للبعير، و هما أيضا: منزل الرجل و مسكنه و بيته.

[4]في حـ: «على» .

417

حتى سكر، و أمر لإبراهيم بعشرة آلاف درهم و عشرة خواتيم و عشر خلع؛ فحمل ذلك كلّه، و انصرف من وجهه ذلك إلى يحيى فقاسمه و مضى إلى منزله. و انصرف ابن جامع إليه من دار الرشيد، و كان يحيى في بقايا علّة فاحتجب عنه؛ فدفع ابن جامع في صدر بوّابه و دخل إليه، فقال له: إيه يا يحيى، كيف صنعت!/ألقيت الصوت على الجرمقانيّ‏[1]لا رفع اللّه صرعتك و لا وهب لك العافية. و تشاتما ساعة، ثم خرج ابن جامع من عنده و هو مدوّخ.

مدحه إسحاق الموصلي في جمع من المغنين عند الفضل بن الربيع:

حدّثني عمّي قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي عن أبيه قال قال لي إسحاق:

كنت أنا و أبوك و ابن جامع و فليح بن أبي العوراء و زبير بن دحمان يوما عند الفضل بن الربيع؛ فانبرى زبير بن دحمان لأبيك‏[2] (يعني يحيى) ، فجعلا يغنّيان و يباري كلّ واحد منهما صاحبه، و ذلك يعجب الفضل، و كان يتعصّب لأبيك و يعجب به. فلما طال الأمر بينهما قال له الزبير: أنت تنتحل غناء الناس و تدّعيه و تنحلهم ما ليس لهم. فأقبل الفضل عليّ و قال: احكم أيها الحاكم بينهما، فلم يخف عليك ما هما فيه؛ فقلت: لئن كان ما يرويه يحيى و يغنّيه شيئا لغيره فلقد روى ما لم يرووه و ما لم نروه، و علم ما جهلناه و جهلوه، و لئن كان من صنعته إنه لأحسن الناس صنعة، و ما أعرف أحدا أروى منه و لا أصحّ أداء للغناء، كان ما يغنّيه له أو لغيره. فسرّ بذلك الفضل و أعجبه. و ما زال أبوك يشكره لي.

صوت من المائة المختارة

أهاجتك الظعائن يوم بانوا # بذي الزّيّ الجميل من الأثاث

ظعائن أسلكت نقب المنقّى‏[3] # تحثّ إذا ونت أيّ احتثاث‏

الشعر للنّميري. و الغناء للغريض، و لحنه المختار ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.

[1]الجرمقاني: واحد الجرامقة، و هم قوم من العجم صاروا بالموصل في أوائل الإسلام.

[2]في أ، ء، م: «لأبيك يحيى» .

[3]في «معجم البلدان» لياقوت (مادة نقب) : «... و نقب المنقى بين مكة و الطائف في شعر محمد بن عبد اللّه النميري... » و ذكر الأبيات. و في كلامه على المنقى: «و المنقى بين أحد و المدينة» . و في «معجم ما استعجم» : «المنقى بضم أوله و فتح ثانيه و تشديد القاف موضع على سيف البحر مما يلي المدينة» . و ذكر المبرد أبيات النميري في «الكامل» (جـ 1 ص 376) ثم قال: «المنقى:

موضع بعينه. و النقب: الطريق في الجبل... إلخ» .

418

16-أخبار النّميريّ و نسبه‏

نسبه و منشؤه:

هو محمد بن عبد اللّه بن نمير بن خرشة[1]بن ربيعة بن حبيّب‏[2]بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسيّ؛ و قسيّ هو ثقيف. شاعر غزل، مولّد؛ و منشؤه بالطائف، من شعراء الدولة الأموية، و كان يهوى زينب بنت يوسف بن الحكم أخت الحجاج بن يوسف، و له فيها/أشعار كثيرة يتشبّب بها.

كان يهوى زينب أخت الحجاج بن يوسف، و سياق أحاديثه مع الحجاج بشأنها:

حدّثني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم قال حدّثنا العمريّ عن لقيط بن بكر[3] المحاربيّ، و أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالوا حدّثنا عمر بن شبّة:

أن النميريّ كان يهوى زينب بنت يوسف أخت الحجّاج بن يوسف بن الحكم لأبيه و أمه. و أمهما الفارعة بنت همّام بن عروة بن مسعود الثّقفيّ؛ و كانت عند/المغيرة بن شعبة؛ فرآها يوما بكرة و هي تتخلّل، فقال لها: و اللّه لئن كان من غداء لقد جشعت‏[4]، و لئن كان من عشاء لقد أنتنت، و طلقها[5]. فقالت: أبعدك اللّه!فبئس بعل المرأة الحرة أنت!و اللّه ما هو إلا من شظيّة من سواكي استمسكت بين سنّين من أسناني. قال حبيب بن نصر خاصّة في خبره: قال عمر بن شبّة حدّثنا بذلك أبو عاصم النّبيل.

أخبرني حبيب بن نصر قال حدّثنا عمر بن شبة عن يعقوب بن داود الثقفيّ، و حدّثنا به ابن عمّار و الجوهريّ [1]كذا في أ، ء، م، و «الاستيعاب» (حـ 1 ص 312) و «الطبري» (ق 1 ص 1689) ، و «الاشتقاق» لابن دريد (ص 184) . و في سائر الأصول: «حرشة» بالحاء المهملة، و هو تصحيف.

[2]في جميع الأصول: «... ابن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن مالك... إلخ» . و الظاهر أنه محرف عما أثبتناه. فقد ذكر ابن قتيبة في كتابه «المعارف» عند الكلام على ثقيف (ص 44) أن ثقيفا ولد جشم و ولد جشم حطيطا و ولد حطيط مالكا و غاضرة، و من بني مالك السائب بن الأقرع و بنو الحارث بن مالك. و ذكر الذهبي في «المشتبه» عند كلام على حبيب (ص 146-147) قال: «... و حبيب (بضم الحاء و فتح الموحدة و تشديد المثناة و كسرها) ابن الحارث بن مالك الثقفي... إلخ» . و قال صاحب «شرح القاموس» (مادة حبب) : «... و حبيب بن الحارث الثقفي» . و لم نجد مرجعا اتفق مع الأصول فيما ذهبت إليه من سوق النسب على نحو ما أوردته و جعل الحارث ابنا لحبيب.

[3]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «بكير» و هو تحريف. (راجع الهامشة رقم 1 ص 99 من الجزء الأوّل من هذه الطبعة) .

[4]في أكثر الأصول: «أجشعت» . و في حـ: «أبشعت» . و المعروف في هذين الفعلين أنهما من باب فرح. و قد وردت هذه القصة في «العقد الفريد» (حـ 3 ص 6) و في «وفيات الأعيان» في ترجمة الحجاج باختلاف في ألفاظها.

[5]في حـ: «و لفظها و طلقها» .

419

عن عمر بن شبّة-و لم يذكرا[1]فيه يعقوب بن داود-قالوا جميعا:

قال مسلم بن جندب الهذليّ-و كان قاضي الجماعة بالمدينة-: إني لمع محمد بن عبد اللّه بن نمير بنعمان‏[2] و غلام يسير خلفه يشتمه أقبح الشتيمة؛ فقلت: من هذا؟فقال: هذا الحجاج بن يوسف، دعه‏[3]فإني ذكرت أخته في شعري، فأحفظه ذلك.

قال عمر بن شبة في خبره: و ولدت الفارعة أمّ الحجّاج من المغيرة بن شعبة بنتا فماتت؛ فنازع الحجاج عروة بن المغيرة إلى ابن زياد في ميراثها؛ فأغلظ الحجاج لعروة، فأمر به ابن زياد فضرب أسواطا على رأسه و قال:

لأبي عبد اللّه تقول هذه المقالة!/و كان الحجاج حاقدا على آل زياد ينفيهم من آل أبي سفيان و يقول: آل أبي سفيان ستة حمش‏[4]، و آل زياد رسح حدل‏[5].

و كان يوسف بن الحكم اعتلّ علّة فطالت عليه؛ فنذرت زينب إن عوفي أن تمشي إلى البيت‏[6]، فعوفي فخرجت في نسوة فقطعن بطن وجّ‏[7]، و هو ثلاثمائة ذراع، في يوم جعلته مرحلة لثقل بدنها، و لم تقطع ما بين مكة و الطائف إلا في شهر. فبينا هي تسير[إذ][8]لقيها إبراهيم بن عبد اللّه النّميريّ أخو محمد بن عبد اللّه منصرفا من العمرة. فلما قدم الطائف أتى محمدا[9]يسلّم عليه؛ فقال له: أ لك علم بزينب؟قال: نعم، لقيتها بالهماء[10]في بطن نعمان؛ فقال: ما أحسبك إلا و قد قلت شيئا؛ قال: نعم، قلت بيتا واحدا و تناسيته كراهة أن ينشب بيننا و بين إخوتنا شرّ. فقال محمد هذه القصيدة و هي أول ما قاله:

صوت‏

تضوّع‏[11]مسكا بطن نعمان إذ[12]مشت # به زينب في نسوة عطرات

فأصبح ما بين الهماء فحزوة[13] # إلى الماء ماء الجزع ذي العشرات‏[14]

[1]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «... يذكروا... إلخ» و هو تحريف.

[2]نعمان (بفتح أوله و سكون ثانيه) : هو نعمان الأراك؛ واد بينه و بين مكة نصف ليلة.

[3]في ب، س، حـ: «قلت دعه» و لا تستقيم العبارة بهذه الزيادة.

[4]سته: عظام الأستاه. و حمش: دقاق السوق.

[5]رسح: جمع أرسح، و هو قليل لحم العجز و الفخذين. و الحدل: جمع أحدل، و هو الذي أشرف أحد عاتقيه على الآخر.

[6]المراد به الكعبة.

[7]وج: اسم واد بالطائف و هو ما بين جبلي المحترق و الأحيحين (بالتصغير) .

[8]زيادة عن حـ.

[9]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «محمد» بالرفع.

[10]الهماء: موضع بنعمان بين الطائف و مكة.

[11]وردت هذه القصيدة كاملة و باختلاف كثير ضمن قصائد مخطوطة محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (1845 أدب) .

[12]كذا في ب، س. و في سائر الأصول و «تجريد الأغاني» و «الكامل» (ص 289) : «أن» .

[13]كذا في جميع الأصول. و في «تجريد الأغاني» : «و جذوة» و لم نعثر في المراجع التي بين أيدينا على مكان تسمى بأحد هذين الاسمين. و قد أورد ياقوت في كلامه على الهماء هذا البيت برواية أخرى و هي:

فأصبح ما بين الهماء فصاعدا # إلى الجزع جزع الماء ذي العشرات‏

(في «المعجم» : «فأصبحن» ) . و رواية هذا البيت في المجموعة المخطوطة:

فأصبح بطنان الهواء فجوزه # إلى الجزع جزع الماء ذي العشرات‏

[14]العشرات: جمع عشر (بضم ففتح) . و هو من كبار الشجر و له صمغ حلو، و هو عريض الورق ينبت صعدا في السماء، و له سكر

420

/

له أرج من مجمر الهند ساطع‏[1] # تطلّع ريّاه من الكفرات‏[2]

تهادين ما بين المحصّب‏[3]من منى # و أقبلن لا شعثا و لا غبرات‏[4]

أعان الذي فوق السموات عرشه # مواشي بالبطحاء مؤتجرات‏[5]

مررن بفخّ‏[6]ثم رحن عشية # يلبّين للرحمن معتمرات

/يخبّئن‏[7]أطراف البنان من التقى # و يقتلن بالألحاظ مقتدرات

تقسّمن لبّي يوم نعمان إنني # رأيت فؤادي عارم‏[8]النظرات

جلون وجوها لم تلحها سمائم # حرور و لم يسفعن بالسّبرات‏[9]

فقلت يعافير الظباء تناولت # نياع‏[10]غصون المرد[11]مهتصرات

و لما رأت ركب النّميري راعها # و كنّ من ان يلقينه حذرات

/فأدنين، حتى جاوز الركب، دونها # حجابا من القسّيّ‏[12]و الحبرات

فكدت اشتياقا نحوها و صبابة # تقطّع نفسي إثرها حسرات

فراجعت نفسي و الحفيظة بعد ما # بللت رداء العصب‏[13]بالعبرات‏

يخرج من شعبه و مواضع زهره يقال له سكر العشر، و في سكره شي‏ء من مرارة.

[1]في المجموعة المخطوطة:

له أرج بالعنبر الورد فاغم‏

[2]الكفرات: جمع كفر (بفتح الكاف و كسر الفاء) و هو العظيم من الجبال.

[3]المحصب: موضع بين مكة و منى، و هو إلى منى أقرب.

[4]في المجموعة المخطوطة:

«تهادين ما بين المحصب من منى # و نعمان... إلخ»

[5]مؤتجرات: طالبات للأجر. و في «تجريد الأغاني» : «معتجرات» أي لابسات المعاجر و هي أثواب تلفها النساء على استدارة رءوسهن ثم تجلببن فوقها بجلابيبهن. و رواية هذا البيت في المجموعة المخطوطة:

خرجن إلى البيت العتيق بعمرة # نواحب في نذر و مؤتجرات‏

[6]فخ: موضع بينه و بين مكة ثلاثة أميال و به كانت وقعة الحسين و عقبة.

[7]في المجموعة المخطوطة: «يخمرن» . و يقال: ليست امرأة من الطائف تخرج إلا و على يديها قفازان للتقى.

[8]أي شارد النظرات حائرها.

[9]لاحته الشمس و لوحته: لفحته و غيرت وجهه. و السمائم: جمع سموم و هي ريح حارة أو حر النهار. و سفعته: غيرته. و السبرات:

جمع سبرة (بسكون الباء) و هي شدة برد الشتاء.

[10]في جميع الأصول: «يناع» . و الظاهر أنها مصحفة عما أثبتناه. و النياع من الغصون: التي تحركها الرياح فتتحرك و تتمايل. يريد أن أعناقهن في امتدادها كأعناق الظباء.

[11]كذا في أ، ء، م و «تجريد الأغاني» و المجموعة المخطوطة. و المرد (بالفتح) : العص من ثمر الأراك و قيل ناضجه. و في جميع الأصول: «الورد» .

[12]القسي: ضرب من الثياب، و هو منسوب إلى قس، موضع بين العريش و الفرما من أرض مصر كانت تصنع فيه ثياب من كتان مخلوط بحرير. و الحبرات: جمع حبرة (كعنبة) ، و هي ضرب من برود اليمن موشى. و روى هذا البيت في المجموعة المخطوطة:

و قام جوار دونها فسترتها # بأكسية الديباج و الحبرات‏

[13]العصب: ضرب من البرود، و قيل: هي برود يصبغ غزلها ثم تنسج، لانثنى و لا تجمع و إنما يثنى و يجمع ما يضاف إليها، فيقال برد عصب و برود عصب.

421

-غنّى ابن سريج في الأوّل و بعده «مررن بفخ» و بعده «يخمرن أطراف البنان» ، و لحنه ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق-قال أبو زيد: فبلغت هذه القصيدة عبد الملك بن مروان، فكتب إلى الحجّاج: قد بلغني قول الخبيث في زينب، فاله عنه و أعرض عن ذكره، فإنك إن أدنيته أو عاتبته أطمعته، و إن عاقبته صدّقته.

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو سلمة الغفاريّ قال:

هرب النّميريّ من الحجّاج إلى عبد الملك و استجار به؛ فقال له عبد الملك: أنشدني ما قلت في زينب فأنشده. فلما انتهى إلى قوله:

و لما رأت ركب النميريّ أعرضت # و كنّ من ان يلقينه حذرات‏

قال له عبد الملك: و ما كان ركبك يا نميريّ؟قال: أربعة أحمرة لي كنت أجلب قال له عبد الملك: و ما كان ركبك يا نميريّ؟قال: أربعة أحمرة لي كنت أجلب عليها القطران، و ثلاثة أحمرة صحبتي تحمل البعر. فضحك عبد الملك حتى استغرب ضحكا، ثم قال: لقد عظّمت أمرك و أمر ركبك؛ و كتب له إلى الحجاج أن لا سبيل/له عليه. فلما أتاه بالكتاب وضعه و لم يقرأه، ثم أقبل على يزيد بن أبي مسلم فقال له: أنا بري‏ء من بيعة أمير المؤمنين، لئن لم ينشدني ما قال في زينب لآتينّ على نفسه، و لئن أنشدني لأعفونّ عنه، و هو إذا أنشدني آمن.

فقال له يزيد: ويلك!أنشده؛ فأنشده قوله:

تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشت # به زينب في نسوة خفرات‏

فقال: كذبت و اللّه، ما كانت تتعطّر إذا خرجت من منزلها. ثم أنشده حتى بلغ إلى قوله:

و لما رأت ركب النّميريّ راعها # و كنّ من أن يلقينه حذرات‏

قال له: حقّ لها أن ترتاع لأنها من نسوة خفرات صالحات. ثم أنشده حتى بلغ إلى قوله:

مررن بفخّ رائحات عشية # يلبّين للرحمن معتمرات‏

فقال: صدقت، لقد كانت حجّاجة صوّامة ما علمتها. ثم أنشده حتى بلغ إلى قوله:

يفرّن أطراف البنان من التقى # و يخرجن جنح الليل معتجرات‏[1]

فقال له: صدفت، هكذا كانت تفعل، و هكذا المرأة الحرة المسلمة. ثم قال له: ويحك!إني أرى ارتباعك ارتياع مريب، و قولك قول بري‏ء، و قد أمّنتك، و لم يعرض له. قال أبو زيد[2]: و قيل: /إنه طالب عريفه به و أقسم لئن لم يجئه به ليضربنّ عنقه، فجاءه به بعد هرب طويل منه؛ فخاطبه بهذه المخاطبة:

من شعره في زينب:

قال أبو زيد: و قال النّميريّ في زينب أيضا:

[1]تقدم هذا الشطر بغير هذه الرواية.

[2]هو أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري، كان شاعرا إخباريا فقيها صادق اللهجة غير مدخول الرواية واسع الاطلاع. روى عن أبي عاصم النبيل و محمد بن سلام الجمحي و هارون بن عبد اللّه و إبراهيم بن المنذر و غيرهم. و له عدّة تصانيف ذكرها ابن النديم في «الفهرست» ، و منها كتاب «أخبار بني نمير» . ولد سنة 173 هـ و توفي بسر من رأى سنة 263 هـ.

422
صوت‏

طربت و شاقتك المنازل من جفن‏[1] # ألا ربما يعتادك الشوق بالحزن

نظرت إلى أظعان زينب باللّوى # فأعولتها[2]لو كان إعوالها يغني

فو اللّه لا أنساك زينب ما دعت # مطوّقة و رقاء شجوا على غصن

فإنّ احتمال الحيّ يوم تحمّلوا # عناك و هل يعنيك إلا الذي يعني

و مرسلة في السرّ أن قد فضحتني # و صرّحت باسمي في النّسيب فما تكنى

و أشمتّ بي أهلي و جلّ عشيرتي # ليهنئك ما تهواه إن كان ذا يهنى

و قد لا مني فيها ابن عمّي ناصحا # فقلت له خذلي فؤادي أو دعني‏

-غنّى ابن سريج في الأوّل و الثاني و الخامس و السادس من هذه الأبيات لحنا من الرمل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق-قال أبو زيد: فيقال: إنه بلغ زينب بنت يوسف قوله هذا فبكت؛ فقالت لها خادمتها؛ ما يبكيك؟فقالت: أخشى أن يسمع بقوله هذا جاهل بي لا يعرفني و لا يعلم مذهبي فيراه حقّا.

قال: و قال النميريّ فيها أيضا:

أهاجتك الظعائن يوم بانوا # بذي الزّيّ الجميل من الأثاث

ظعائن أسلكت نقب المنقّى # تحثّ إذا ونت أيّ احتثاث

تؤمّل أن تلاقي أهل بصرى # فيا لك من لقاء مستراث‏[3]

/كأنّ على الحدائج يوم بانوا # نعاجا[4]ترتعي بقل البراث‏[5]

يهيّجني الحمام إذا تداعى‏[6] # كما سجع النوائح بالمرائي

كأن عيونهنّ من التبكّي # فصوص الجزع أو ينع الكباث‏[7]

ألاق أنت في الحجج البواقي # كما لاقيت في الحجج الثلاث‏

طلب أبو الحجاج إلى عبد الملك ألا يجعل للحجاج عليه سبيلا فلقيه الحجاج و لم يعرض له:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق قال قرأت على أبي حدّثنا عثمان بن حفص و غيره:

أنّ يوسف بن الحكم قام إلى عبد الملك بن مروان لمّا بعث بالحجّاج لحرب بن الزبير، و قال له:

[1]جفن: اسم واد بالطائف لثقيف، و هو بين الطائف و بين معدن البرام.

[2]أعول الرجل: رفع صوته بالبكاء.

[3]كذا ورد هذا الشطر الأخير في أ، ء، م و «تجريد الأغاني» . و مستراث: مستبطأ. و في سائر الأصول:

فيا لك مستزار مستراث‏

[4]الحدائج: جمع حديجة. و الحديجة (و مثلها الحدج بالكسر) : من مراكب النساء نحو الهودج و المحفة. و النعاج: البقر الوحشي.

[5]البراث: الأماكن السهلة من الرمل، واحدها برث (بالفتح) .

[6]في «الكامل» (ص 377) : «تغنى» .

[7]الجزع (بالفتح) : الخرز اليماني الذي فيه سواد و بياض، تشبه به الأعين. و ينع: جمع يانع. و الكباث (بالفتح) : النضيج من ثمر الأراك أو غير النضيج منه، و قيل: حمله إذا كان متفرقا، و هو فويق حب الكسبرة في المقدار.

423

يا أمير المؤمنين، إنّ غلاما منّا قال في ابنتي زينب ما لا يزال الرجل يقول مثله في بنت عمّه، و إن هذا (يعني ابنه الحجّاج) لم يزل يتتوّق إليه و يهمّ به، و أنت الآن تبعثه إلى ما هناك، و ما آمنه عليه. فدعا بالحجّاج فقال له: إن محمدا النّميريّ جاري و لا سلطان لك عليه، فلا تعرض له.

قال إسحاق فحدّثني يعقوب بن داود الثّقفي قال: قال لي مسلم بن جندب الهذليّ:

كنت مع النّميريّ و قد قتل الحجاج عبد اللّه بن الزبير و جلس يدعو الناس للبيعة، فتأخّر النميريّ حتى كان في آخرهم، فدعا به ثم قال له: إنّ مكانك لم يخف عليّ، ادن فبايع. ثم قال له: أنشدني ما قلت في زينب؛ قال: ما قلت إلا خيرا؛ قال: لتنشدنّي. فأنشده قوله:

/

تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشت # به زينب في نسوة عطرات

/أعان الذي فوق السموات عرشه # مواشي بالبطحاء مؤتجرات

يخمّرن أطراف الأكفّ من التّقى # و يخرجن جنح الليل معتجرات‏

فما ذكرت أيها الأمير إلا كرما و خيرا و طيبا. قال: فأنشد كلمتك كلّها فأنت آمن؛ فأنشده حتى بلغ إلى قوله:

و لمّا رأت ركب النّميريّ راعها # و كنّ من أن يلقينه حذرات‏

فقال له: و ما كان ركبك؟قال: و اللّه ما كان إلا أربعة أحمرة تحمل القطران. فضحك الحجّاج و أمره بالانصراف و لم يعرض له.

تهدده الحجاج فهرب و قال شعرا:

أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ عن الخليل بن أسد عن العمريّ عن عطاء عن عاصم بن الحدثان قال:

كان ابن نمير الثّقفيّ يشبّب بزينب بنت يوسف بن الحكم؛ فكان الحجّاج يتهدّده و يقول: لو لا أن يقول قائل صدق لقطعت لسانه. فهرب إلى اليمن ثم ركب بحر[1]عدن، و قال في هربه:

أتتني عن الحجّاج و البحر بيننا # عقارب تسري و العيون هواجع

فضقت بها ذرعا و أجهشت خيفة # و لم آمن الحجّاج و الأمر فاظع

و حلّ بي الخطب الذي جاءني به # سميع فليست تستقرّ الأضالع

فبتّ أدير الأمر و الرأي ليلتي # و قد أخضلت خدّي الدموع التوابع‏[2]

و لم أر خيرا لي من الصبر إنه # أعفّ و خير إذ عرتني الفواجع

/و ما أمنت نفسي الذي خفت شرّه # و لا طاب لي مما خشيت المضاجع

إلى أن بدا لي رأس إسبيل‏[3]طالعا # و إسبيل حصن لم تنله الأصابع‏

[1]هو بحر القلزم، و يسمى في كل موضع يمرّ به باسم ذلك الموضع، فإذا قابله بطن اليمن يسمى بحر عدن إلى أن يجاوز عدن ثم يسمى بحر الزنج، و هو بحر مظلم أسود لا يرى مما فيه شي‏ء. و بقرب عدن معدن اللؤلؤ يرفع ما يخرج منه إلى عدن.

[2]في «معجم البلدان» (ج 1 ص 240 طبع أوروبا) : «الدوافع» .

[3]كذا في أ، ء، م و «تجريد الأغاني» و «معجم البلدان» . و إسبيل: جبل في مخلاف ذمار، و هو منقسم بنصفين نصف إلى مخلاف رداع ـ

424

فلي عن ثقيف إن هممت بنجوة # مهامه تهوي‏[1]بينهنّ الهجارع‏[2]

و في الأرض ذات العرض عنك ابن يوسف # إذا شئت منأى لا أبا لك واسع

فإن نلتني حجّاج فاشتف جاهدا # فإنّ الذي لا يحفظ اللّه ضائع‏

فطلبه الحجّاج فلم يقدر عليه. و طال على النّميريّ مقامه هاربا و اشتاق إلى وطنه، فجاء حتى وقف على رأس الحجّاج؛ فقال له: إيه يا نميريّ!أنت القائل:

فإن نلتني حجّاج فاشتف جاهدا

فقال: بل أنا الذي أقول:

أخاف من الحجّاج ما لست خائفا # من الأسد العرباض‏[3]لم يثنه ذعر

أخاف يديه أن تنالا مقاتلي # بأبيض عضب ليس من دونه ستر

و أنما الذي أقول:

فها أنا ذا طوّفت شرقا و مغربا # و أبت و قد دوّخت‏[4]كلّ مكان

/فلو كانت العنقاء منك تطير بي # لخلتك إلا أن تصدّ تراني‏[5]

قال: فتبسّم الحجاج و أمّنه، و قال له: لا تعاود ما تعلم؛ و خلّى سبيله.

زواج زينب أخت الحجاج و تولية كريّها شرطة البصرة:

رجع الخبر إلى رواية حماد بن إسحاق.

قال حمّاد فحدّثني أبي قال ذكر المدائنيّ و غيره:

أنّ الحجّاج عرض على زينب أن يزوّجها/محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل-و هو ابن سبع عشرة سنة، و هو يومئذ أشرف ثقفيّ في زمانه-أو الحكم ابن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، و هو شيخ كبير، فاختارت الحكم، فزوّجها إياه، فأخرجها إلى الشام. و كان محمد بن رياط كريّها، و هو يومئذ يكري. فلما ولي و نصف إلى مخلاف عنس. و بين إسبيل و ذمار أكمة سوداء، بها جمة (بئر) تسمى «حمام سليمان» و الناس يستشفون به من الأوصاب و الجرب و غير ذلك. و في سائر الأصول: «إسبيك» بالكاف، و هو تحريف.

[1]في أ، ء، م و «معجم البلدان» : «تعمى» . و العمى هنا كناية عن الضلال.

[2]الهجارع: جمع هجرع (كدرهم و جعفر) و هو الخفيف من الكلاب السلوقية.

[3]العرباض: الأسد الثقيل العظيم.

[4]دوّخ فلان البلاد: سار فيها حتى عرفها و لم تخف عليه طرقها.

[5]هذان البيتان رواهما المبرد في «الكامل» ببعض تغيير و هما:

هاك يدي ضاقت بي الأرض رحبها # و إن كنت قد طوّفت كل مكان

و لو كنت بالعنقاء أو بيسومها # لخلتك إلا أن تصدّ تراني‏

و قد نسبهما المؤلف أيضا للعديل بن الفرخ في ترجمته (ج 20 ص 18 طبع بولاق) . و ذكر أن الحجاج جدّ في طلبه حتى ضاقت به الأرض، فأتى واسطا و تنكر و أخذ بيده رقعة و دخل إليه مع أصحاب المظالم، فلما وقف بين يديه أنشأ يقول:

ها أنا ذا ضاقت بي الأرض كلها # إليك و قد جولت كل مكان

فلو كنت في ثهلان أو شعبتي أجا # لخلتك إلا أن تصدّ تراني‏

425

الحجاج العراق استعمل الحكم بن أيوب على البصرة، فكلمته زينب في محمد بن رياط فولاّه شرطته بالبصرة.

فكتب إليه الحجاج: إنك ولّيت أعرابيّا جافيا شرطتك، و قد أجزنا ذلك لكلام من سألك فيه. قال: ثم أنكر الحكم بعض تعجرفه فعزله. ثم استعمل الحجّاج الحكم بن سعد العذريّ على البصرة و عزل الحكم بن أيّوب عنها و استقدمه لبعض الأمر، ثم ردّه بعد ذلك إلى البصرة، و جهّزه من ماله. فلمّا قدم البصرة هيّأت له زينب طعاما و خرجت متنزّهة إلى بعض البساتين و معها نسوة. /فقيل لها: إنّ فيهن امرأة لم ير أحسن ساقا منها. فقالت لها زينب: أريني ساقك؛ فقالت: لا، إلا بخلوة؛ فقالت: ذاك لك، فكشفته لها، فأعطتها ثلاثين دينارا و قالت: اتّخذي منها خلخالا. قال: و كان الحجاج وجّه بزينب مع حرمه إلى الشام لمّا خرج ابن الأشعث خوفا عليهنّ. فلما قتل ابن الأشعث كتب إلى عبد الملك بن مروان بالفتح، و كتب مع الرسول كتابا إلى زينب يخبرها الخبر، فأعطاها الكتاب، و هي راكبة على بغلة في هودج، فنشرته تقرؤه، و سمعت البغلة قعقعة الكتاب فنفرت، و سقطت زينب عنها فاندقّ عضداها و تهرّأ[1]جوفها فماتت. و عاد إليه الرسول، الذي نفذ بالفتح، بوفاة زينب. فقال النميريّ يرثيها:

ماتت زينب فرثاها:

صوت‏

لزينب طيف تعتريني طوارقه # هدوءا إذا[2]النجم ارجحنّت‏[3]لواحقه

سيبكيك مرنان‏[4]العشيّ يجيبه‏[5] # لطيف بنان الكفّ درم‏[6]مرافقه

إذا ما بساط اللهو مدّ و ألقيت‏[7] # للذّاته أنماطه و نمارقه‏[8]

غنّاه معبد، و لحنه ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. و ما بقي من شعره‏[9]من الأغاني في نسيب النميريّ لم نذكر طريقته و صانعه لنذكر أخباره معه.

صوت‏
غنى ابن سريج من شعره لعبد اللّه بن جعفر فنحر راحلته و شق جلته:

تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت # به زينب في نسوة خفرات

مررن بفخّ رائحات عشية # يلبّين للرحمن معتمرات‏

[1]كذا في أكثر الأصول. و تهرأ اللحم (بالهمز) : طبخ حتى يتفسخ و يسقط عن العظم. و في ب، س: «تهرى» . و لم يحكها من أهل اللغة غير ابن دريد عن أبي مالك.

[2]في ب، س: «إذ» .

[3]ارجحن النجم: مال نحو المغرب.

[4]مرنان العشيّ: كنى به عن الصنج ذي الأوتار و هو من آلات الطرب. و الرنين: الصوت الشجى.

[5]كذا في «تجريد الأغاني» . و في جميع الأصول: «نجيبه» .

[6]درم: جمع أدرم و هو من لا حجم لعظامه.

[7]في «الكامل» : «و قربت» .

[8]نسب المبرد في «الكامل» (ص 708 طبع أوروبا) هذا البيت لنصيب.

[9]ظاهر أن السياق يكون واضحا لو حذفت كلمة «من شعره» أو كلمة «في نسيب النميري» . فلعل إحداهما من زيادات النساخ.

426

الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق.

أخبرني الحسين بن يحيى و محمد بن مزيد قالا حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن المدائني‏[1]عن عبد اللّه بن مسلم الفهريّ‏[2]قال:

خرج عبد اللّه بن جعفر متنزّها، فصادف ابن سريج و عزّة الميلاء متنزّهين، فأناخ ابن جعفر راحلته و قال لعزّة:

غنّيني فغنّته، ثم قال لابن سريج: غنّني يا أبا يحيى، فغنّاه لحنه في شعر النميريّ:

تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت‏

فأمر براحلته فنحرت، /و شقّ حلّته فألقى نصفها على عزّة و النصف الآخر على ابن سريج. فباع ابن سريج النصف الذي صار إليه بمائة و خمسين دينارا. و كانت عزّة إذا جلست في يوم زينة أو مباهاة ألقت النصف الآخر عليها تتجمّل به.

سمع سعيد بن المسيب شعرا له فأعجبه و زاد عليه:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني الحسن بن عليّ بن منصور قال أخبرني أبو عتّاب عن إبراهيم بن محمد بن العباس المطّلبي:

/أن سعيد بن المسيّب‏[3]مرّ في بعض أزقّة مكة، فسمع الأخضر الحربيّ‏[4]يتغنّي في دار العاص بن وائل:

تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشت # به زينب في نسوة خفرات‏

فضرب برجله و قال: هذا و اللّه مما يلذّ استماعه، ثم قال:

و ليست كأخرى أوسعت جيب درعها # و أبدت بنان الكفّ للجمرات‏[5]

و علّت‏[6]بنان‏[7]المسك و حفا[8]مرجّلا # على مثل بدر لاح في الظلمات

و قامت تراءى يوم جمع‏[9]فأفتنت # برؤيتها من راح من عرفات‏

[1]هو أبو الحسن علي بن محمد بن عبد اللّه بن أبي سيف المدائني مولى شمس بن عبد مناف. كان من رواة الأخبار المشهورين. ولد سنة 135 هـ و توفي سنة 225 هـ في منزل إسحاق بن إبراهيم الموصلي، و كان منقطعا إليه. و له من الكتب عدّة تصانيف ذكرها ابن النديم في «الفهرست» .

[2]هو أبو محمد عبد اللّه بن وهب بن مسلم القرشي الفهري، أحد الأعلام المعروفين، ولد سنة 125 هـ و توفي سنة 197 هـ. و كان ممن جمع و صنف، و له تصانيف كثيرة، و هو الذي حفظ علم أهل الحجاز و مصر. و روى عنه كثيرون، و المدائني المذكور أحد من رووا عنه.

[3]المسيب: هو ابن حزن بن أبي وهب المخزومي، و أهل العراق يفتحون و أهل المدينة يكسرون. و يحكي عن سعيد ابنه أنه كان يقول:

سيب اللّه من سيب أبي. و حكى (الكسر) عياض و ابن المديني.

[4]كذا في جميع الأصول هنا. و قد ذكر فيما مر من الأجزاء السابقة باسم «الجدي» .

[5]في حـ: «بالجمرات» .

[6]كذا في جميع الأصول. و لعله يريد: كررت وضع الطيب في رأسها. و يحتمل أن تكون مصحفة عن: «غلت» (بالغين المعجمة) :

و غل شعره بالطيب: أدخله فيه، و غل الدهن في رأسه: أدخله في أصول الشعر.

[7]كذا في جميع الأصول. و لعلها محرفة عن «فتات» .

[8]الوحف: الشعر الغزير الأسود.

[9]جمع: علم للمزدلفة، سميت به لاجتماع الناس بها.

427

قال: فكانوا يرون أن هذا الشعر لسعيد بن المسيّب.

مر على عائشة بنت طلحة فاستنشدته شعره في زينب:

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه أخي الأصمعيّ عن عبد اللّه بن عمران الهرويّ، و أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني المغيرة بن محمد المهلّبيّ قال حدّثني محمد بن عبد الوهاب عن عبد الرحمن بن عبد اللّه عن عبد اللّه بن عمران الهرويّ قال:

لمّا تأيّمت عائشة[1]بنت طلحة كانت تقيم بمكة سنة و بالمدينة سنة، و تخرج إلى مال لها عظيم بالطائف و قصر كان لها هناك فتتنزّه فيه، و تجلس بالعشيّات، فيتناضل/بين يديها الرّماة. فمرّ بها النّميريّ الشاعر؛ فسألت عنه فنسب لها، فقالت: ائتوني به، فأتوها به. فقالت له: أنشدني مما قلت في زينب؛ فامتنع عليها و قل: تلك ابنة عمّي و قد صارت عظاما بالية. قالت: أقسمت عليك باللّه إلا فعلت؛ فأنشدها قوله:

تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت‏

الأبيات. فقالت: و اللّه ما قلت إلا جميلا، و لا ذكرت إلا كرما و طيبا، و لا وصفت إلا دينا و تقى، أعطوه ألف درهم. فلما كانت الجمعة الأخرى تعرّض لها؛ فقالت: عليّ به، فأحضر. فقالت له: أنشدني من شعرك في زينب؛ فقال لها: أو أنشدك من شعر الحارث بن خالد[2]فيك؟فوثب مواليها إليه؛ فقالت: دعوه فإنه أراد أن يستقيد[3] لبنت عمّه، هات مما قال الحارث فيّ؛ فأنشدها:

ظعن الأمير بأحسن الخلق # و غدوا بلبّك مطلع الشّرق‏

فقالت: و اللّه ما ذكر إلا جميلا، ذكر أني إذا صبّحت زوجا بوجهي غدا بكواكب الطّلق‏[4]، و أني غدوت مع أمير تزوّجني إلى الشرق، و أني أحسن الخلق في البيت ذي الحسب الرفيع؛ أعطوه ألف درهم و اكسوه حلّتين، و لا تعد لإتياننا بعد هذا يا نميريّ.

غنى إبراهيم الموصلي للرشيد من شعره و كان غاضبا عليه فرضي عنه:

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعي‏[5]قال حدّثنا عمر بن شبّة عن إسحاق، و أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه:

/أنّ الرشيد غضب على إبراهيم أبيه بالرقّة فحبسه مدّة، ثم اصطبح يوما، فبينا هو على حاله إذ تذكّره، [1]تأيمت المرأة: مات عنها زوجها و لم تتزوّج. و قد كانت عائشة عند عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر، و كان أبا عذرتها (أول من تزوجها) ثم هلك فتزوجها بعده مصعب بن الزبير فقتل عنها، ثم تزوجها عمر بن عبد اللّه بن معمر فمات عنها. و لم تتزوج بعده.

[2]هو الحارث بن خالد بن العاص المخزومي، و قد مرت ترجمته في الجزء الثالث من هذه الطبعة (ص 311-343) .

[3]أي يأخذ بثأرها.

[4]تشير إلى بيت قاله فيها الحارث من هذه القصيدة و هو:

ما صبحت أحدا برؤيتها # إلا غدا بكواكب الطلق‏

أي أن من تصبحه برؤيتها يرى الزمان صافيا طيبا سعيدا تفاؤلا بطلعتها و استبشارا. يقال يوم طلق أي مشرق لا برد فيه و لا حر و لا شي‏ء يؤذي.

[5]في جميع الأصول هنا: «الشعبي» و هو تحريف.

428

فقال: لو كان الموصليّ حاضرا لانتظم أمرنا و تمّ سرورنا. قالوا: يا أمير المؤمنين، /فجي‏ء[1]به، فما له كبير ذنب. فبعث فجي‏ء به. فلمّا دخل أطرق الرشيد فلم ينظر إليه، و أومأ إليه من حضر بأن يغنّي؛ فاندفع فغنّى:

تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت # به زينب في نسوة خفرات‏

فما تمالك الرشيد أن حرّك رأسه مرارا و اهتزّ طربا، ثم نظر إليه و قال: أحسنت و اللّه يا إبراهيم!حلّوا قيوده و غطّوه بالخلع، ففعل ذلك. فقال: يا سيّدي، رضاك أوّلا؛ قال: لو لم أرض ما فعلت هذا، و أمر له بثلاثين ألف درهم.

و مما قاله النّميريّ في زينب و غنّى فيه:

صوت‏

تشتو بمكة نعمة # و مصيفها بالطائف

أحبب بتلك مواقفا # و بزينب من واقف

و عزيزة[2]لم يغدها[3] # بؤس و جفوة حائف

غرّاء يحكيها الغزا # ل بمقلة و سوالف‏

الغناء ليحيى المكّي خفيف رمل عن الهشاميّ، و ذكر عمر بن بانة أنه لابن سريج و أنه بالبنصر. و زعم الهشاميّ أنّ فيه لابن المكيّ أيضا لحنا من الثقيل الأوّل.

و من الغناء في أشعاره في زينب:

صوت‏

ألا من لقلب معنى غزل # يحبّ المحلّة أخت المحلّ

/تراءت لنا يوم فرع الأرا # ك بين العشاء و بين الأصل

كأنّ القرنفل و الزّنجبيل # و ريح الخزامى و ذوب العسل

يعلّ به برد أنيابها # إذا ما صفا الكوكب المعتدل‏

الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و ذكر يونس أن لمالك فيه لحنا فيه:

كأن القرنفل و الزّنجبيل‏

و البيت الذي بعده و بيتين آخرين و هما:

و قالت لجارتها هل رأيـ # ت إذ أعرض الركب فعل الرجل

و أنّ تبسّمه ضاحكا # أجدّ اشتياقا لقلب غزل‏

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فنجي‏ء به» و انظر هذه القصة في (ج 5 ص 166 طبع دار الكتب المصرية) .

[2]في حـ: «و غريرة» . و الغريرة: الشابة الحديثة التي لم تجرب الأمور.

[3]في جميع الأصول: «لم يغدها» (بالدال المهملة) . و الظاهر أنه مصحف عما أثبتناه.

429

و ذكر حمّاد عن أبيه أن فيها للهذليّ لحنا، و لم يذكر طريقته.

المحلّ الذي عناه النميريّ هاهنا: الحجّاج بن يوسف؛ سمّي بذلك لإحلاله الكعبة، و كان أهل الحجاز يسمّونه بذلك. و يسمّى أهل الشأم عبد اللّه بن الزبير المحلّ لأنه أحلّ الكعبة، زعموا أنه بمقامه فيها، و كان أصحابه أحرقوها بنار استضاءوا بها[1].

فأخبرني الحسين بن يحيى المرداسيّ قال قال حمّاد بن إسحاق: قرأت على أبي:

و بلغني‏[2]أنّ إسماعيل بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس تزوّج أسماء بنت يعقوب (امرأة من ولد عبد اللّه بن الزبير) فزفّت إليه من المدينة و هو بفارس، فمرّت بالأهواز على السيد الحميري‏[3]؛ فسأل عنها فنسبت له؛ فقال فيها قوله:

مرّت تزفّ على بغلة # و فوق رحالتها[4]قبّة

/زبيريّة من بنات الذي # أحلّ الحرام من الكعبة

تزفّ إلى ملك ماجد # فلا اجتمعا[5]و بها الوجبه‏[6]

و قد قيل بأن الأبيات اللامية التي أولها:

ألا من لقلب معنى غزل‏

لخالد بن يزيد بن معاوية في زوجته رملة بنت الزّبير، و قيل: إنها لأبي شجرة السّلميّ‏[7].

[1]تقدمت في الجزء الثالث من هذه الطبعة (ص 277) كلمة وافية عن احتراق الكعبة في عهد ابن الزبير و بنائه لها.

[2]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «و بلغك» .

[3]ستأتي ترجمته في الجزء السابع من هذه الطبعة.

[4]الرحالة: مركب من مراكب النساء.

[5]في الأصول هنا: «فلا اجتمعوا» . و التصويب عن «الأغاني» نفسه في ترجمة السيد الحميري.

[6]لعل الوجبة: مصدر للمرة من وجب القلب يجب وجيبا أي خفق و اضطرب.

[7]في «الكامل» للمبرد: «أبو شجرة هو عمرو بن عبد العزي... و قال الطبري: اسمه سليم بن عبد العزي» من بني سليم بن منصور بن عكرمة. و في كتاب «الشعر و الشعراء» : أنه عبد اللّه بن رواحة بن عبد العزي. و في كتاب «الإصابة في تمييز الصحابة» :

عمرو بن عبد العزي و قال نقلا عن المرزباني: يقال اسمه عمرو، و يقال عبد اللّه بن عبد العزي و ذكره الواقدي في كتاب «الردة» باسم: عمرو بن عبد العزي. و أمه الخنساء بنت عمرو بن الشريد الشاعرة المشهورة. و كان من فتاك العرب، و يسكن البادية. و هو الذي يقول في قتال خالد بن الوليد أهل الردة:

و لو سألت سلمى غداة مرامر # كما كنت عنها سائلا لو نأيتها

و كان الطعان في لؤى بن غالب # غداة الجواء حاجة فقضيتها

و كان أبو شجرة السلمي هذا ارتدّ فيمن ارتد من بني سليم ثم أسلم. و أتى عمر بن الخطاب (رضي اللّه عنه) يطلب إليه صدقة؛ فقال له عمر: و من أنت؟قال: أنا أبو شجرة السلمي. فقال له عمر: أي عدي (تصغير عدوّ) نفسه!أ لست القائل حين ارتددت:

و رويت رمحي من كتيبة خالد # و إني لأرجو بعدها أن أعمرا

و عارضتها شهباء تخطر بالقنا # ترى البيض في حافاتها و الستورا

ثم انحنى عليه عمر بالدرة و هو يعدو أمامه حتى فاته هربا و هو يقول:

قد ضنّ عنا أبو حفص بنائله # و كل مختبط يوما له ورق‏

(راجع «الكامل» ص 220-221 طبع أوروبا و «تاريخ الطبري» ص 1905-1908 من القسم الأول و «الشعر و الشعراء» ص 197 و «الإصابة في تمييز الصحابة» لابن حجر ج 7 ص 97 طبع مصر) .

430

استنشد رجل ابن سيرين فأنشده للنميري و قام إلى الصلاة:

حدّثني الحسين بن الطيّب البلخي الشاعر قال حدّثنا قتيبة بن سعيد قال حدّثنا أبو بكر بن شعيب بن الحبحاب المعوليّ‏[1]قال:

كنت عند ابن سيرين، فجاءه إنسان يسأله عن شي‏ء من الشعر قبل صلاة العصر، فأنشده ابن سيرين‏[2]:

كأنّ المدامة و الزنجبيل # و ريح الخزامى و ذوب العسل

يعلّ به برد أنيابها # إذا النجم وسط السماء اعتدل‏

و قال: اللّه أكبر، و دخل في الصلاة.

صوت من المائة المختارة

يا قلب ويحك لا يذهب بك الخرق‏[3] # إنّ الألى كنت تهواهم قد انطلقوا

-و يروى: يذهب بك الحرق-:

ما بالهم لم يبالوا إذ هجرتهم # و أنت من هجرهم قد كدت تحترق‏

الشعر لوضّاح اليمن. و الغناء لصبّاح الخيّاط، و لحنه المختار ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها. و في أبيات من هذه القصيدة ألحان عدّة، فجماعة من المغنّين قد خلطوا معها غيرها من شعر الحارث بن خالد و من شعر ابن هرمة؛ فأخّرت ذكرها إلى أن تنقضي أخبار وضّاح، ثم أذكرها[4]بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى.

[1] (بفتح الميم و بكسرها) : نسبة إلى المعاول و المعاولة (قبائل من الأزد) . و هم بنو معولة بن شمس بن عمرو.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فأنشده ابن سيرين يقول» .

[3]الخرق (بضمتين و بضم فسكون) : نقيض الرفق.

[4]لم نجد ذكرا لهذه الأبيات بعقب أخبار وضاح في النسخ التي بين أيدينا، كما يقول أبو الفرج هنا.

431

17-أخبار وضّاح اليمن و نسبه‏

نسبه و أصله و سبب لقبه:

وضّاح لقب غلب عليه لجماله و بهائه، و اسمه عبد الرحمن‏[1]بن إسماعيل بن عبد كلال بن داذ بن أبي جمد.

ثم يختلف في تحقيق نسبه، فيقول قوم: إنه من أولاد الفرس الذين قدموا اليمن مع و هرز لنصرة سيف بن ذي يزن على الحبشة. و يزعم آخرون أنه من آل خولان بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنجج‏[2]و هو حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب و هو المرعف‏[3]بن قحطان. فممن‏[4]ذكر أنه من حمير خالد بن كلثوم، قال كان وضّاح اليمن من أجمل العرب و كان أبوه إسماعيل بن داذ ابن أبي جمد من آل خولان بن عمرو بن معاوية الحميريّ. فمات أبوه و هو طفل، فانتقلت أمه إلى أهلها، و انقضت عدّتها فتزوجت رجلا من أهلها من أولاد الفرس. و شبّ وضّاح في حجر زوج أمّه. فجاء عمّه و جدّته أمّ أبيه، و معهم جماعة من أهل بيته من حمير ثم من آل ذي قيفان‏[5]ثم من آل ذي جدن‏[6]يطلبونه، فادّعى زوج أمه أنه/ولده. /فحاكموه فيه و أقاموا البيّنة أنه ولد على فراش إسماعيل بن عبد كلال أبيه، فحكم به الحاكم لهم، و قد كان اجتمع الحميريّون و الأبناء[7]في أمره و حضر معهم. فلما حكم به الحاكم للحميريين، مسح يده على [1]و قيل: إن اسمه عبد اللّه. (راجع «النجوم الزاهرة» ج 1 ص 226 طبع دار الكتب المصرية) .

[2]كان يقال لحمير العرنجج. و العرنجج في الأصل: العتيق. (راجع الجزء الثامن من كتاب «الإكليل للهمداني» طبع بغداد ص 208) .

[3]كذا في جميع الأصول هنا و فيما سيأتي في ب في الجزء الخامس عشر (ص 73 طبع بولاق) . و فيما سيأتي في حـ في هذا الموضع:

«المرعب» . و في كتاب «أنساب العرب» المخطوط و المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 2461 تاريخ «المرعث» . و لم نوفق إلى وجه الصواب فيه.

[4]في ب، س: «فمن» .

[5]كان الأذواء في اليمن طبقتين طبقة تعرف بالمثامنة و هم ثمانية ملوك كان لا يصح لملك من ملوك حمير الملك حتى يقيمه هؤلاء الثمانية و إن هم اجتمعوا على عزله عزلوه. و الطبقة الثانية أذواء آخرون، منهم ذو قيفان هذا، و هو ابن شرحبيل بن أساس بن يغوث بن علقمة بن ذي جدن الأكبر، و هو الذي وهب سيفه الصمصامة لعمرو بن معديكرب الزبيدي، فقال فيه عمرو:

و سيف لابن ذي قيفان عندي # تخيره الفتى من عصر عاد

يقدّ البيض و الأبدان قدّا # و في الهام الململم ذو احتداد

ثم وهبه عمرو لسعد بن أبي وقاص ثم صار إلى آل سعيد بن العاص فاشتراه الخليفة المهديّ منهم بمال جسم و أحضر الشعراء فقالوا فيه أشعارا كثيرة. ثم أمر المهدي بالسيف فسقى فتغير لذلك و قل قطعه بسبب سقيه. (راجع «شرح القصيدة الحميرية» و «منتخبات في أخبار اليمن» كلاهما لنشوان بن سعيد الحميري) .

[6]ذكر المؤلف ترجمته في الجزء الرابع (ص 217) من هذه الطبعة.

[7]الأبناء: هم الفرس الذين قدموا مع سيف بن ذي يزن، و كانوا يسمون بصنعاء بني الأحرار، و باليمن الأبناء، و بالكوفة الأحامرة، و بالبصرة الأساورة، و بالجزيرة الخضارمة، و بالشام الجراجمة. (عن «الأغاني» ج 16 ص 76 طبع بولاق) .

432

رأسه و أعجبه جماله و قال له: اذهب فأنت وضّاح اليمن، لا من أتباع ذي يزن‏[1] (يعني الفرس الذين قدم بهم ابن ذي يزن لنصرته) فعلقت به هذه الكلمة منذ يومئذ، فلقّب وضّاح اليمن. قال خالد: و كانت أمّ داذ ابن أبي جمد جدّة وضاح كنديّة؛ فذلك حيث يقول في بنات عمه:

إن قلبي معلّق بنساء # واضحات الخدود لسن بهجن

من بنات الكريم داذ و في كنـ # دة ينسبن من أباة اللّعن‏

/و قال أيضا يفتخر بجدّه أبي جمد:

بنى لي إسماعيل مجدا مؤثّلا # و عبد كلال بعده و أبو جمد

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثني عمّي عن العبّاس بن هشام عن أبيه قال:

كان وضّاح اليمن و المقنّع الكنديّ و أبو زبيد الطائي يردون مواسم العرب مقنّعين يسترون وجوههم خوفا من العين و حذرا على أنفسهم من النساء لجمالهم. قال خالد بن كلثوم: فحدّثت بهذا الحديث مرّة و أبو عبيدة معمر بن المثنّى حاضر ذلك، و كان يزعم أن وضّاحا من الأبناء؛ فقال أبو عبيدة: داذ اسم فارسي. فقلت له: عبد كلال اسم يمان، و أبو جمد كنية يمانية، و العجم لا تكتنى، و في اليمن جماعة قد تسمّوا بأبرهة، و هو اسم حبشيّ، فينبغي أن تنسبهم إلى الحبشة. و أيّ شي‏ء يكون إذا سمّي عربيّ باسم فارسيّ!و ليس كلّ من كنى أبا بكر هو الصدّيق، و لا من سمّي عمرا هو الفاروق، و إنما الأسماء علامات و دلالات لا توجب نسبا و لا تدفعه. قال: فوجم أبو عبيدة و أفحم فما أجاب.

و ممن زعم أنه من أبناء الفرس ابن الكلبيّ و محمد بن زياد الكلابيّ.

و قال خالد بن كلثوم: إنّ أمّ إسماعيل أبي الوضّاح بنت ذي جدن، و أم أبيه بنت فرعان ذي‏[2]الدّروع الكنديّ من بني الحارث بن عمرو.

[1]هو سيف بن ذي يزن الذي بقتله دخلت اليمن في ملك الأحباش. و كان سيف هذا جميل المنظر عالي الهمة قوي السلطان شديد البأس كريم الخلق جوادا حسن التدبير و السياسة. و كان قد ترك بلاد اليمن بعد موت أبيه و توجه لقيصر الروم و استنجده في ردّ ملك والده فلم يجبه قيصر لطلبه، فقصد كسرى أنو شروان ملك العجم لهذا الغرض فأجابه إلى طلبه و أرسل معه جيشا تحت قيادة «و هرز» فأخرجهم من المين و ردّ إليه ملكه. فتربع سيف على ملك أجداده تحت رعاية الأعجام، و اتخذ مقر أعماله قصر غمدان بمدينة صنعاء التي كانت في ذلك العهد عاصمة ملكه. و قد هنأته وفود العرب و الشعراء لاسترداد ملك أبيه و تغلبه على الأحباش.

و كان من جملة وفود المهنئين وفد الحجازيين الذي كان يرأسه عبد المطلب جدّ النبيّ صلى اللّه عليه و سلم فاستأذنوا عليه و دخلوا و هو في قصره (غمدان) فأذن لهم فدخلوا عليه و هو متضمخ بالمسك و عليه بردان و التاج على رأسه و السيف بين يديه و ملوك اليمن و أقيال حمير حواليه، و أمامه أمية بن الصلت الثقفي ينشده قصيدته يمدحه فيها و يهنئه؛ و مطلعها:

لا يطلب الثأر إلا كابن ذي يزن # في البحر خيم للأعداء أحوالا

ثم استأذنه عبد المطلب في الكلام و ألقى بين يديه خطبة نالت منه استحسانا. ثم أمر بهم إلى دار الضيافة و أجرى عليهم ما يحتاجون شهرا لا يؤذن لهم في مقابلته و لا في الانصراف. و القصيدة و الخطبة ذكرهما المؤلف في الجزء السادس عشر من هذا الكتاب (ص 75-77 طبع بولاق) .

[2]كذا في أ، ء، م هنا و «شرح القاموس» (مادة فرع) و ما يعول عليه في المضاف و المضاف إليه. و في سائر الأصول و فيما سيأتي في أ، ء، م: «فرعان بن ذي الدروع» و هو تحريف.

433

أحب روضة و لم يتزوجها و قال فيها شعرا:

و كان وضّاح يهوى امرأة من أهل اليمن يقال لها روضة.

/أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال:

ذكر هشام بن الكلبيّ أنها روضة بنت عمرو، من ولد فرعان ذي الدروع الكنديّ.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني محمد بن سعيد الكراني قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ عن عبد اللّه بن عيّاش‏[1]:

أنّ وضّاحا هوي امرأة من بنات الفرس يقال لها روضة؛ فذهبت به كل مذهب. و خطبها فامتنع قومها من تزويجه إياها؛ و عاتبه أهله و عشيرته. فقال في ذلك:

صوت‏

يا أيها القلب بعض ما تجد # قد يعشق المرء ثم يتئّد

قد يكتم المرء حبّه حقبا # و هو عميد و قلبه كمد

ما ذا تريدين من فتى غزل # قد شفّه السّقم فيك و السّهد

/يهدّدوني كيما أخافهم # هيهات أنّى يهدّد الأسد

الغناء لابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. و فيها لحن لابن عبّاد، من كتاب إبراهيم، غير مجنّس:

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني سالم بن زيد قال أخبرني التّوّزيّ قال حدّثنا الأصمعي عن الخليل بن أحمد قال:

كان وضّاح يهوى امرأة من كندة يقال لها روضة. فلما اشتهر أمره معها خطبها فلم يزوّجها، و زوّجت غيره، فمكثت مدة طويلة. ثم أتاه رجل من بلدها/فأسرّ إليه شيئا فبكى. فقال له أصحابه: مالك تبكي؟و ما خبرك؟ فقال: أخبرني هذا أنّ روضة قد جذمت، و أنه رآها قد ألقيت مع المجذومين. و لم نجد لهما[2]خبرا يرويه أهل العلم إلا لمعا يسيرة و أشياء تدلّ على ذلك من شعره، فأمّا خبر متصل فلم أجده إلا في كتاب مصنوع غثّ الحديث و الشعر لا يذكر مثله. و أصابها الجذام بعد ذلك، فانقطع ما بينهما. ثم شبّب بأم البنين بنت عبد العزيز بن مروان زوجة الوليد بن عبد الملك، فقتله الوليد لذلك. و أخبارهما تذكر في موضعها بعقب هذه الحكاية.

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدّثنا مصعب بن عبد اللّه قال:

كان وضّاح اليمن يهوى امرأة يقال لها روضة و يشبّب بها في شعره، و هي امرأة من أهل اليمن. و فيها يقول:

صوت‏

يا روضة الوضّاح قد # عنّيت وضّاح اليمن

فاسقي خليلك من شرا # ب لم يكدّره الدّرن‏

[1]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «عباس» و هو تصحيف.

[2]في أ، ء، م: «لها» .

434

الريح ريح سفرجل # و الطعم طعم سلاف دنّ

إني تهيّجني إليـ # ك حمامتان على فنن‏

قال مصعب: فحدّثني بعض أهل العلم ممن كان يعرف خبر وضاح مع روضة من أهل اليمن: أنّ وضّاحا كان في سفر مع أصحابه. فبينا هو يسير إذ استوقفهم و عدل عنهم ساعة، ثم عاد إليهم و هو يبكي. فسألوه عن حاله؛ فقال: عدلت إلى/روضة، و كانت قد جذمت فجعلت مع المجدومين، و أخرجت من بلدها، فأصلحت من شأنها و أعطيتها صدرا[1]من نفقتي. و جعل يبكي غمّا بها.

الغناء في الأبيات المذكورة في هذا الخبر ينسب مع تمام الأبيات؛ فإن في جميعها غناء.

و مما قاله وضّاح في روضة المذكورة و فيه غناء، و أنشدنا حرميّ عن الزّبير عن عمه:

صوت‏

أيا روضة الوضّاح يا خير روضة # لأهلك لو جادوا علينا بمنزل

رهينك وضّاح ذهبت بعقله # فإن شئت فاحييه و إن شئت فاقتلي

و توقد حينا باليلنجوج‏[2]نارها # و توقد أحيانا بمسك و مندل‏

و الأبيات الأول النونية فيها زيادة على ما رواه مصعب، و في سائرها غناء: و تمامها بعد قوله:

«إني تهيّجني إليـ # ك حمامتان على فنن»

/الزوج يدعو إلفه # فتطاعما حبّ السكن

لا خير في نث‏[3]الحديـ # ث و لا الجليس إذا فطن

فاعصي الوشاة فإنما # قول الوشاة هو الغبن

إنّ الوشاة إذا أتو # ك تنصّحوا و نهوك عنّ‏[4]

دسّت حبيبة موهنا # إني و عيشك يا سكن

/أبلغت عنك تبدّلا # و أتى بذلك مؤتمن

و ظننت أنك قد فعلـ # ت فكدت من حزن أجنّ

ذرفت دموعي ثم قلـ # ت بمن يبادلني بمن

اسكت فلست مصدّقا # ما كان يفعل ذا أظن

إني و جدّك لو رأيـ # ت خليلنا ذاك الحسن‏

[1]الصدر: الطائفة من الشي‏ء.

[2]اليلنجوج: عود البخور.

[3]نث الحديث: إفشاؤه و إذاعته. و قد وردت هذه الكلمة في جميع الأصول: «بث» (بالباء الموحدة) و الظاهر أنها مصحفة عما أثبتناه.

[4]يريد: عنى.

435

يجفوه ثم يحبنا[1] # و اللّه متّ من الحزن

أخبره إمّا جئته # أنّ الفؤاد به يجنّ

أبغضت فيه أحبّتي # و قليت‏[2]أهلي و الوطن

أ تركتني حتى إذا # علّقت أبيض كالشّطن

أنشأت تطلب وصلنا # في الصيف ضيّعت اللبن‏[3]

-هكذا قال، و غيره يرويه: «في الصيف ضيحت‏[4]اللبن» أي مذقته‏[5]. قال‏[6]-:

/

لو قيل يا وضّاح قم # فاختر لنفسك أو تمنّ

لم أعد روضة و الذي # ساق الحجيج له البدن‏

الغناء في الأوّل من القصيدة و هو «يا روضة الوضّاح» ينسب إن شاء اللّه. و له في روضة هذه أشعار كثيرة في أكثرها صنعة، و بعضها لم يقع إليّ أنه صنع فيه. فمن قوله‏[7]فيها:

صوت‏

يا روض جيرانكم‏[8]الباكر # فالقلب لا لاه و لا صابر[9]

قالت ألا لا تلجن دارنا # إنّ أبانا رجل غائر

قلت فإني طالب غرّة # منه و سيفي صارم باتر

قالت فإن القصر من دوننا # قلت فإني فوقه ظاهر

[1]في حـ: «يجيئنا» . و في أ، ء، م: «يجبنا» . و لعل هذا الشطر مصحف عن:

نحفوه ثم يجبنا

و حفاه يحفوه: أكرمه و أعطاه. وجبه: قطعه.

[2]قلى: هجر.

[3]المثل مشهور يضرب لمن يطلب شيئا قد فوته على نفسه و هو: «في الصيف ضيعت اللبن» و يروى: «الصيف ضيعت اللبن» (بكسر التاء) و لو خوطب به المذكر أو الجمع، لأنه خوطبت به امرأة كانت تحت شيخ كبير موسى فكرهته فطلقها فتزوجها فتى جميل الوجه مملق، فبعثت إلى الأول تستميحه فقال ذلك لها. و قيل: إنه صدر عن امرأة الأسود بن هرمز و كانت عنودا، فرغب عنها إلى جميلة من قو ثم جرى بينهما ما أدى إلى الفارقة؛ فتتبعت نفسه العنود فراسلها فأجابته بقولها:

أ تركتني حتى إذا # علقت أبيض كالشطن

أنشأت تطلب وصلنا # في الصيف ضيعت اللبن‏

و على هذا فالتاء مفتوحة.

[4]وردت هذه الكلمة في أكثر الأصول: «صبحت» (بالصاد المهملة و الباء الموحدة) . و في حـ: «صيحت» . (بالياء المثناة) . و كلاهما مصحف عما أثبتناه.

[5]مذق اللبن بالماء يمذقه (من باب نصر) : مزجه.

[6]الظاهر أن كلمة «قال» هاهنا مقحمة من النساخ.

[7]في الأصول: «فمن قوله فيها هزج قديم يمني» . و لعل ذلك من زيادات النساخ، فإن المؤلف قد ذكر اللحن عقب الشعر.

[8]كذا في الأصل.

[9]أورد أبو هلال العسكري في كتابه «ديوان المعاني» المخطوط و المحفوظ بدار الكتب المصرية (تحت رقم 1874 أدب ج 1 ص 193) هذه الأبيات و لم يذكر معها هذا البيت، و روايتها فيه تخالف ما هنا في بعض الأبيات و الألفاظ.

436

قالت فإن البحر من دوننا # قلت فإني سابح ماهر

قالت فحولي إخوة سبعة # قلت فإني غالب قاهر

قالت فليث رابض بيننا # قلت فإني أسد عاقر

قالت فإن اللّه من فوقنا # قلت فربّي راحم غافر

قالت لقد أعييتنا حجّة # فأت إذا ما هجع السامر[1]

فاسقط علينا كسقوط النّدى # ليلة لا ناه و لا زاجر

/الغناء في هذه الأبيات هزج يمنيّ، و ذكر يحيى المكي أنه له.

/و قال في روضة و هو بالشام:

أبت بالشام نفسي أن تطيبا # تذكّرت المنازل و الحبيبا

تذكّرت المنازل من شعوب‏[2] # و حيّا أصبحوا قطعوا[3]شعوبا

سبوا قلبي فحلّ بحيث حلّوا # و يعظم إن دعوا ألاّ يجيبا

ألا ليت الرياح لنا رسول # إليكم إن شمالا أو جنوبا

فتأتيكم بما قلنا سريعا # و يبلغنا الذي قلتم قريبا

ألا يا روض قد عذّبت قلبي # فأصبح من تذكّركم كئيبا

و رقّقني هواك و كنت جلدا # و أبدى في مفارقي المشيبا

أما ينسيك روضة شحط دار # و لا قرب إذا كانت قريبا

و مما قال فيها أيضا:

طرب الفؤاد لطيف روضة غاشي # و القوم بين أباطح و عشاش‏[4]

أنّى اهتديت و دون أرضك سبسب # قفر و حزن في دجى و رشاش

قالت تكاليف المحبّ كلفتها # إنّ المحبّ إذا أخيف‏[5]لماشي

أدعوك روضة رحب و اسمك غيره # شفقا و أخشى أن يشي بك واشي

قالت فزرنا قلت كيف أزوركم # و أنا امرؤ لخروج سرّك خاشي

قالت فكن لعمومتي سلما معا # و الطف لإخوتي الذين تماشي

فتزورنا معهم زيارة آمن # و السريا وضّاح ليس بفاشي‏

[1]السامر: اسم جمع بمعنى المتسامرين.

[2]شعوب: موضع قريب من صنعاء، و كان به قصر معروف بالارتفاع و حواليه بساتين بظاهر صنعاء.

[3]في «مهذب الأغاني» (ج 3 ص 27 طبع مصر) : «قطعا» .

[4]العشاش: جمع عشة (بالفتح) ، و هي الأرض القليلة الشجر، و قيل: هي الأرض الغليظة.

[5]كذا في الأصول.

437

/

و لقيتها تمشي بأبطح مرّة # بخلاخل و بحلّة أكباش‏[1]

فظللت معمودا و بتّ مسهّدا # و دموع عيني في الرداء غواشي

يا روض حبّك سلّ جسمي و انتحى # في العظم حتى قد بلغت مشاشي‏[2]

و مما قال فيها أيضا:

طرق‏[3]الخيال فمرحبا سهلا # بخيال من أهدى لنا الوصلا

و سرى إليّ و دون منزله # خمس دوائم تعمل الإبلا[4]

يا حبّذا من زار معتسفا[5] # حزن البلاد إليّ و السّهلا

حتى ألمّ بنا فبتّ به # أغنى الخلائق كلّهم شملا

يا حبذا هي حسبك قدك في‏[6] # و اللّه ما أبقيت لي عقلا

و اللّه ما لي عنك منصرف # إلا إليك فأجملي الفعلا

حجت أم البنين و رأته فهويته:

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا القاسم بن الحسن المروزيّ قال حدّثنا العمريّ عن لقيط و الهيثم بن عديّ:

أنّ أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان استأذنت الوليد بن عبد الملك في الحج فأذن لها، و هو يومئذ خليفة و هي زوجته. فقدمت مكة و معها من الجواري ما لم ير مثله حسنا. و كتب الوليد يتوعّد الشعراء جميعا إن/ذكرها أحد منهم أو ذكر/أحدا ممن تبعها. و قدمت، فتراءت للناس، و تصدّى لها أهل الغزل و الشعر، و وقعت عينها على وضّاح اليمن فهويته.

فحدّثنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزّهري‏[7] عن محمد[8]بن جعفر مولى أبي هريرة عن أبيه عن بديح قال:

قدمت أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان و هي عند الوليد بن عبد الملك حاجّة، و الوليد يومئذ خليفة. فبعثت [1]الأكباش (بالموحدة) : من برود اليمن. و قد وردت هذه الكلمة في جميع الأصول (بالمثناة التحتية) ، و هو تصحيف. (راجع «شرح القاموس» مادة كبش) .

[2]المشاش: النفس. و المشاش أيضا: رءوس العظام مثل الركبتين و المرفقين و المنكبين، واحده مشاشة.

[3]في حـ: «طاف» .

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «الأسلا» .

[5]في حـ: «... من زائر متعسف» .

[6]كذا ورد هذا الشطر في ب، س، حـ. و في سائر الأصول:

يا حب روضة حبك قد

و كلاهما غير مستقيم.

[7]كذا في أ، ء، م. و قد ورد في الجزء الأوّل (ص 342) من هذه الطبعة: «محمد بن عبد العزيز الزهري. و في ب، حـ: «الجوهري» .

و في س: «الجوهري الزهري» . و كلاهما «تحريف» .

[8]في حـ: «محرز بن جعفر» .

438

إلى كثيّر و إلى وضّاح اليمن أن انسبا بي. فأمّا وضّاح اليمن فإنه ذكرها و صرّح بالنّسيب بها؛ فوجد الوليد عليه السبيل فقتله. و أمّا كثيّر فعدل عن ذكرها و نسب بجاريتها غاضرة فقال‏[1]:

صوت‏

شجا أظعان غاضرة الغوادي # بغير مشورة[2]عرضا[3]فؤادي

أ غاضر لو شهدت غداة بنتم # حنوّ العائدات على وسادي

أويت‏[4]لعاشق لم تشكميه # بواقدة تلذّع كالزناد

/الغناء في هذه الأبيات لابن محرز ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ و حبش. قال بديح: فكنت لمّا حجّت أم البنين لا تشاء أن ترى وجها حسنا إلا رايته معها. فقلت لعبيد اللّه‏[5]بن قيس الرّقيات: بمن تشبّب من هذا القطين؟فقال لي:

و ما تصنع بالسرّ # إذا لم تك مجنونا[6]

إذا عالجت ثقل الحـ # بّ عالجت الأمرّينا[7]

و قد بحت بأمر كا # ن في قلبي مكنونا

و قد هجت بما حاولـ # ت أمرا كان مدفونا

قال: ثم خلا بي‏[8]فقال لي: اكتم عليّ، فإنك موضع للأمانة؛ و أنشدني:

صوت‏

أصحوت عن أمّ البنيـ # ن و ذكرها و عنائها

و هجرتها هجر امرئ # لم يقل صفو صفائها

قرشيّة كالشمس أشـ # رق نورها ببهائها

زادت على البيض الحسا # ن بحسنها و نقائها

لمّا اسبكرّت للشبا # ب و قنّعت بردائها

[1]فيما سيأتي في «الأغاني» في خبر كثير و خندق الأسدي في الجزء الحادي عشر (طبع بولاق) : أن هذا الشعر من قصيدة قالها كثير في رثاء خندق الأسدي لما قتل. و ذكرت هناك القصيدة كاملة.

[2]كذا فيما سيأتي في ب في الجزء الحادي عشر من الأغاني (ص 47، 49 طبع بولاق) و حـ. و في جميع الأصول هنا: «بغير مثيبة» .

[3]كذا فيما سيأتي بعد قليل في حـ و فيما سيأتي في الجزء الحادي عشر. و قد حـ هنا: «عوضا. و في سائر الأصول هنا و فيما يأتي:

«غرضا» . و الظاهر أن كليهما مصحف عما أثبتناه.

[4]أويت العاشق: رثيت له و أشفقت عليه. و في حـ: «رضيت» .

[5]في ب، س: «لعبد اللّه» و هو تحريف.

[6]وردت هذه القصيدة و القصيدتان اللتان بعدها في الجزء الحادي عشر من هذا الكتاب (ص 49 طبع بولاق) في خبر كثير و خندق الأسدي باختلاف يسير عما هنا.

[7]الأمرّون: الدواهي.

[8]في ب، س: «ثم خلاني» . و هو تصحيف.

439

لم تلتفت للداتها # و مضت على غلوائها

لو لا هوى أمّ البنيـ # ن و حاجتي للقائها

قد قرّبت لي بغلة # محبوسة لنجائها

/قال بديح: فلمّا قتل الوليد وضّاح اليمن، حجّت بعد ذلك أم البنين محتجبة لا تكلّم أحدا؛ و شخصت كذلك، فلقيني ابن قيس الرقيّات، فقال: يا بديح‏

صوت‏

/

بان الحبيب‏[1]الذي به تثق‏[2] # و اشتدّ دون الحبيبة القلق

يا من لصفراء[3]في مفاصلها # لين و في بعض بطشها خرق‏

و هي قصيدة قد ذكرت‏[4]مع أخبار ابن قيس الرقيّات.

الغناء في الأبيات الأول التي أولها:

أصحوت عن أمّ البنين‏

ينسب في موضع آخر إن شاء اللّه.

أخبرني الحرميّ قال حدثنا الزّبير قال حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي‏[5]عن عبد اللّه بن أبي عبيدة قال حدثني كثيّر قال:

حججت مع أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان، و هي زوجة الوليد بن عبد الملك، فأرسلت إليّ و إلى وضّاح اليمن أن انسبا بي؛ فهبت ذلك و نسبت بجاريتها غاضرة، فقلت:

شجا أظعان غاضرة الغوادي # بغير مشورة عرضا فؤادي‏[6]

/أ غاضر لو شهدت غداة بنتم # حنوّ العائدات على وسادي

أويت لعاشق لم تشكميه # بواقدة تلذّع كالزناد

و أمّا وضّاح فنسب بها، فبلغ ذلك الوليد فطلبه فقتله.

أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن سعد[7]الكرانيّ قال حدثني أبو عمر العمريّ عن العتبيّ قال:

[1]في أ، ء، م: «الخليط» .

[2]في حـ: «نثق» بالنون.

[3]في ب، س: «لصغرى» و هو تحريف.

[4]لم نجد هذه القصيدة في أخبار ابن قيس الرقيات المذكورة في الجزء الخامس من هذه الطبعة (ص 73-100) . و قد ذكر المؤلف بعض أبيات منها في الجزء الحادي عشر (ص 49-50 طبع بولاق) .

[5]في حـ: «قال حدّثني عمر بن أبي بكر الموصلي» . و في سائر الأصول: «قال حدّثني عمر ابن عمي عن أبي بكر الموصلي» . (راجع الحاشية رقم 1 ص 123 من الجزء الرابع من هذه الطبعة و «المشتبه» للذهبي 300 طبع ليدن سنة 1863 م) .

[6]راجع الحاشيتين (رقم 4 و 5 ص 219) من هذا الجزء.

[7]كذا في جميع الأصول و قد مر هذا الاسم فيما سبق من الأجزاء مضطربا بين سعد مرة و سعيد أخرى، و لم نوفق إلى ترجيح إحدى الروايتين.

440

مدح وضّاح اليمن الوليد بن عبد الملك، و هو يومئذ خليفة، و وعدته أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان أن ترفده‏[1]عنده و تقوّي أمره. فقدم عليه وضّاح و أنشده قوله فيه:

صوت‏

صبا قلبي و مال إليك ميلا # و أرّقني خيالك يا أثيلا[2]

يمانية تلمّ بنا فتبدي # دقيق محاسن و تكنّ‏[3]غيلا[4]

دعينا ما أممت‏[5]بنات‏[6]نعش # من الطّيف الذي ينتاب ليلا

و لكن إن أردت فصبّحينا # إذا أمّت ركائبنا سهيلا[7]

فإنك لو رأيت الخيل تعدو # سراعا[8]يتخذن النّقع ذيلا

/إذا لرأيت فوق الخيل أسدا[9] # تفيد مغانما و تفيت‏[10]نيلا

إذا سار الوليد بنا و سرنا # إلى خيل نلفّ بهنّ خيلا

و ندخل بالسرور ديار قوم # و نعقب آخرين أذى و ويلا

فأحسن الوليد رفده و أجزل صلته. و مدحه بعدّة قصائد. ثم نمي إليه أنه شبّب بأم البنين، فجفاه و أمر بأن يحجب عنه، و دبر في قتله.

و مدحه وضّاح بقوله أيضا:

ما بال عينك لا تنام كأنما # طلب الطبيب بها قذى فأضلّه

بل ما لقلبك لا يزال كأنه # نشوان أنهله النديم و علّه

ما كنت أحسب أن أبيت ببلدة # و أخي بأخرى لا أحلّ محلّه‏

[1]رفده و أرفده: أعانه.

[2]أثيل: ترخيم أثيلة، و هو اسم امرأة.

[3]كذا في ب، س و «شرح الحماسة» (ص 316 طبع مدينة بن سنة 1828 م) . و في سائر الأصول و «تجريد الأغاني» : «و تجن» .

[4]الغيل: الساعد الريان الممتلئ. و في «شرح الحماسة» في التعليق على هذا البيت: «دقيق محاسنها كالعين و الأنف و الأسنان و الفم.

و تكن غيلا: أي تستر ما جل منها كالمعصم و الساعد و الساق و الفخذ» .

[5]في «تجريد الأغاني» : «ما أممنا» .

[6]بنات نعش: من الكواكب الشامية، و كان غزوه نحو الروم. يقول: دعيني من طيفك حين أؤم بنات نعش، أي حين أقصد قصد الشام للغزو.

[7]يريد إذا اتجهت ركائبنا نحو اليمن. و رواية هذا البيت في «شرح الحماسة» و «تجريد الأغاني» :

و لكن إن أردت فهيجينا # إذا رمقت بأعينها سهيلا

[8]في حـ و «شرح الحماسة» و «تجريد الأغاني» : «عوابس» .

[9]رواية هذا الشطر في «شرح الحماسة» :

رأيت على متون الخيل جنا

[10]كذا في «شرح الحماسة» و «تجريد الأغاني» . يريد: تفيد المغانم من أعدائها و تفيتهم نيل شي‏ء منها. و في جميع الأصول: «تقيد مغانما و تفيد نيلا» .