الأغاني - ج6

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
535 /
441

كنّا لعمرك ناعمين‏[1]بغبظة # مع ما نحبّ مبيته و مظلّه

فأرى الذي كنّا و كان بغرّة # نلهو بغرّته و نهوى دلّه

/كالطيف وافق ذا هوى فلها به # حتى إذا ذهب الرقاد أضلّه

قل للذي شعف‏[2]البلاء فؤاده # لا تهلكنّ أخا فربّ أخ له

و الق ابن مروان الذي قد هزّه # عرق‏[3]المكارم و النّدى فأقلّه

و اشك الذي لاقيته من دونه‏[4] # و انشر إليه داء قلبك كلّه

/فعلى ابن مروان السلام من امرئ # أمسى يذوق من الرّقاد أقلّه

شوقا إليك فما تنالك حاله # و إذا يحلّ الباب لم يؤذن له

فإليك أعملت المطايا ضمّرا # و قطعت أرواح الشتاء و ظلّه‏[5]

و لياليا لو أنّ حاضر بثّها # طرف القضيب أصابه لأشلّه‏

فلم يزل مجفوّا حتى وجد الوليد له غرّة، فبعث إليه من اختلسه ليلا فجاءه به، فقتله و دفنه في داره، فلم يوقف له على خبر.

قتل الوليد له:

و قال خالد بن كلثوم في خبره:

كان وضّاح قد شبّب بأمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان امرأة الوليد بن عبد الملك، و هي أم ابنه عبد العزيز بن الوليد، و الشرف فيهم. فبلغ الوليد تشبّبه بها، فأمر بطلبه فأتي به، فأمر بقتله. فقال له ابنه عبد العزيز: لا تفعل يا أمير المؤمنين فتحقّق قوله، و لكن افعل به كما فعل معاوية بأبي دهبل؛ فإنه لمّا شبّب بابنته شكاه يزيد و سأله أن يقتله؛ فقال: إذا تحقّق قوله، و لكن تبرّه و تحسن إليه فيستحي و يكفّ و يكذّب نفسه. فلم يقبل منه، و جعله في صندوق و دفنه حيّا. فوقع بين رجل من زنادقة الشّعوبيّة و بين رجل من ولد الوليد فخار خرجا فيه إلى أن أغلظا المسابّة، و ذلك في دولة بني العبّاس؛ فوضع الشّعوبيّ عليهم كتابا زعم فيه أن أمّ البنين عشقت وضّاحا، فكانت تدخله صندوقا عندها. فوقف على ذلك خادم الوليد فأنهاه إليه و أراه الصندوق، فأخذه فدفنه.

هكذا ذكر خالد بن كلثوم و الزّبير بن بكّار جميعا.

و أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش في كتاب المغتالين قال حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ قال حدّثنا محمد بن حبيب عن ابن الكلبيّ قال:

/عشقت أمّ البنين وضّاحا، فكانت ترسل إليه فيدخل إليها و يقيم عندها؛ فإذا خافت وارته في صندوق عندها [1]كذا في «تجريد الأغاني» . و في جميع الأصول: «يا عمير» .

[2]في حـ: «شغف» (بالغين المعجمة) ، و هما بمعنى.

[3]كذا في ب، س، حـ. و في سائر الأصول: «عرف» . و العرف (بالضم) : المعروف.

[4]في حـ و «تجريد الأغاني» : «من جفوة» .

[5]في «تجريد الأغاني» : «طله» (بالطاء المهملة) ، و الطل: أخف المطر و أضعفه. و قيل: هو الندى.

442

و أقفلت عليه. فأهدي للوليد جوهر له قيمة فأعجبه و استحسنه، فدعا خادما له فبعث به معه إلى أم البنين و قال: قل لها: إن هذا الجوهر أعجبني فآثرتك به. فدخل الخادم عليها مفاجأة و وضّاح عندها، فأدخلته الصندوق و هو يرى، فأدّى إليها رسالة الوليد و دفع إليها الجوهر، ثم قال: يا مولاتي، هبيني منه حجرا؛ فقالت: لا، بابن اللّخناء و لا كرامة. فرجع إلى الوليد فأخبره؛ فقال: كذبت يا ابن اللخناء، و أمر به فوجئت عنقه. ثم لبس نعليه و دخل على أمّ البنين و هي جالسة في ذلك البيت تمتشط، و قد وصف له الخادم الصندوق الذي أدخلته فيه، فجلس عليه ثم قال لها: يا أمّ البنين، ما أحبّ إليك هذا البيت من بين بيوتك!فلم تختارينه؟فقالت: أجلس فيه و أختاره لأنه يجمع حوائجي كلّها فأتناولها منه كما أريد من قرب. فقال لها: هبي لي صندوقا من هذه الصناديق؛ قالت: كلّها لك يا أمير المؤمنين؛ قال: ما أريدها كلّها و إنما أريد واحدا منها؛ فقالت/له: خذ أيّها شئت؛ قال: هذا الذي جلست عليه؛ قالت: خذ غيره فإن لي فيه أشياء أحتاج إليها؛ قال: ما أريد غيره؛ قالت: خذه يا أمير المؤمنين. فدعا بالخدم و أمرهم بحمله، فحمله حتى انتهى به إلى مجلسه فوضعه فيه. ثم دعا عبيدا له فأمرهم فحفروا بئرا في المجلس عميقة، فنحّى البساط و حفرت إلى الماء. ثم دعا بالصندوق فقال: [يا هذا][1]إنه بلغنا شي‏ء إن كان حقّا فقد كفّنّاك‏[2]و دفنّاك و دفنّا ذكرك و قطعنا أثرك إلى آخر الدهر، و إن كان باطلا فإنا دفنّا الخشب، و ما أهون/ذلك! ثم قذف به في البئر و هيل عليه التراب و سوّيت الأرض و ردّ البساط إلى حاله و جلس الوليد عليه. ثم ما رئي بعد ذلك اليوم لوضّاح أثر في الدنيا إلى هذا اليوم. قال: و ما رأت أمّ البنين لذلك أثرا في وجه الوليد حتى فرّق الموت بينهما.

أرضت أم البنين وضاح و هو في دمشق فقال شعرا:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثني مصعب بن عبد اللّه قال:

رضت أم البنين و وضّاح مقيم بدمشق، و كان نازلا عليها؛ فقال في علّتها:

صوت‏

حتّام نكتم حزننا حتّاما # و علام نستبقي الدموع علاما

إن الذي بي قد تفاقم و اعتلى # و نما و زاد و أورث الأسقاما

قد أصبحت أمّ البنين مريضة # نخشى و نشفق أن يكون حماما

يا ربّ أمتعني بطول بقائها # و اجبر بها الأرمال و الأيتاما

و اجبر بها الرجل الغريب بأرضها # قد فارق الأخوال و الأعماما

كم راغبين و راهبين و بؤّس # عصموا بقرب جنابها إعصاما

بجناب ظاهرة الثّنا[3]محمودة # لا يستطاع كلامها إعظاما

[1]الزيادة عن كتاب «أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية و الإسلام» لمحمد بن حبيب، المحفوظ منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية (تحت رقم 57 أدب ش) .

[2]كذا في جميع الأصول و لعلها: «كفيناك» .

[3]كذا في أكثر الأصول. و في حـ: «النثا» . الثنا، كما قال الجوهري، في الخير خاصة. النثا (بالقصر) : مثل الثنا إلا أنه في الخير و الشر. ـ

443

الغناء في الأول و الثاني و الثالث و الرابع و الخامس لحكم الواديّ خفيف رمل بالوسطى، عن الهشامي و عبد اللّه بن موسى. و ممّا وجد في روايتي هارون بن الزيّات و ابن المكيّ في الرابع‏[1]ثم الخامس ثم الأوّل و الثاني لعمر الوادي خفيف رمل، من رواية الهشامي.

شبب بفاطمة بنت عبد الملك فدفنه الوليد في بئر و هو حي:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا مصعب قال:

بلغ الوليد بن عبد الملك تشبّب وضّاح بأمّ البنين فهمّ بقتله. فسأله عبد العزيز ابنه فيه، و قال له: إن قتلته فضحتني و حقّقت قوله، و توهّم الناس أن بينه و بين أمّي ريبة. فأمسك عنه على غيظ و حنق، حتى بلغ الوليد أنه قد تعدّى أمّ البنين إلى أخته فاطمة بنت عبد الملك، و كانت زوجة عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، و قال فيها:

بنت الخليفة و الخليفة جدّها # أخت الخليفة[2]و الخليفة بعلها

فرحت قوابلها بها و تباشرت # و كذاك كانوا في المسرّة أهلها

فأحنق‏[3]و اشتدّ غيظه و قال: أ ما لهذا الكلب مزدجر عن ذكر نسائنا و أخواتنا، و لا له عنّا مذهب!ثم دعا به فأحضر، و أمر ببئر فحفرت و دفنه فيها حيّا.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال أخبرني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون/قال:

أنشدت محمد بن المنكدر قول وضّاح:

فما نوّلت حتى تضرّعت عندها # و أعلمتها ما رخّص اللّه في اللّمم‏

قال: فضحك و قال: إن كان وضّاح لا مفتيا لنفسه. و تمام هذه الأبيات:

ترجّل‏[4]وضّاح و أسبل بعد ما # تكهّل حينا في الكهول و ما احتلم

و علّق بيضاء العوارض طفلة # مخضّبة الأطراف طيّبة النّسم

/إذا قلت يوما نوّليني تبسّمت # و قالت معاذ اللّه من فعل ما حرم

فما نوّلت حتى تضرّعت عندها # و أعلمتها ما رخّص اللّه في اللّمم‏

رثى أباه و أخاه بشعر و هو عند أم البنين:

أخبرني عمي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن العتبي في خبره الأوّل المذكور من أخبار وضّاح مع أمّ البنين قال:

كان وضّاح مقيما عند أم البنين، فورد عليه نعي أخيه و أبيه‏[5]؛ فقال يرثيهما:

[1]كذا في أ، ء، م: و في سائر الأصول: «و في الرابع» .

[2]في حـ: «الخلائف» .

[3]كذا في حـ. و أحنق الرجل إذا حقد حقدا لا ينحل. و في سائر الأصول: «فاحتنق» و هو تحريف.

[4]الترجل و الترجيل: تسريح الشعر.

[5]يلاحظ أن أبا وضاح توفي و وضاح صغير كما هي في أول الترجمة.

444

أراعك طائر بعد الخفوق # بفاجعة مشنّعة الطّروق

نعم و لها على رجل عميد # أظلّ كأنني بشرق بريقي

كأني إذ علمت بها هدوّا # هوت بي عاصف من رأس نيق‏[1]

أعلّ بزفرة من بعد أخرى # لها في القلب حرّ كالحريق

و تردف عبرة تهتان أخرى # كفائض غرب نضّاح فتيق

كأني إذ أكفكف دمع عيني # و أنهاها أقول لها هريقي

ألا تلك الحوادث غبت عنها # بأرض الشام كالفرد الغريق

فما أنفكّ أنظر في كتاب # تداري النفس عنه هوى زهوق‏[2]

يخبّر عن وفاة أخ كريم # بعيد الغور نفّاع طليق

و قرم يعرض الخصمان‏[3]عنه # كما حاد البكار عن الفنيق‏[4]

/كريم يملا الشّيزى‏[5]و يقري # إذا ما قلّ إيماض البروق

و أعظم ما رميت به فجوعا[6] # كتاب جاء من فجّ عميق

يخبّر عن وفاة أخ فصبرا # تنجّز وعد منّان صدوق

سأصبر للقضاء فكل حيّ # سيلقى سكرة الموت المذوق

فما الدنيا بقائمة و فيها # من الأحياء ذو عين رموق

و للأحياء أيّام تقضّى # يلفّ ختامها سوقا بسوق

فأغناهم كأعدمهم إذا ما # تقضّت مدّة العيش الرقيق

كذلك يبعثون و هم فرادى # ليوم فيه توفية الحقوق

أبعد همام قومك ذي الأيادي # أبى الوضّاح رتّاق الفتوق

و بعد عبيدة المحمود فيهم # و بعد سماعة العود العتيق

و بعد ابن المفضّل و ابن كاف # هما أخواك في الزمن الأنيق

/تؤمّل أن تعيش قرير عين # و أين‏[7]أمام طلاّب لحوق‏[8]

[1]النيق: أعلى موضع في الجبل.

[2]الزهوق: الهالك.

[3]كذا في ب، س، حـ. و في سائر الأصول: «الخصماء» . و كلاهما جمع لخصيم.

[4]البكار: جمع بكر و هو الفتى من الإبل. و الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذي لكرامته على أهله و لا يركب.

[5]الشيزى: خشب أسود تعمل منه القصاع. و قد يطلق على ما صنع من ذلك فيقال للجفان شيزى، كما أريد هنا.

[6]الفجوع: الفاجع، فعول للمبالغة.

[7]كذا في ب، س، حـ. و في سائر الأصول: «و أنت» .

[8]كذا في حـ: و في سائر الأصول «طلاب اللحوق» .

445

و دنياك التي أمسيت فيها # مزايلة الشقيق عن الشقيق‏

و مما قاله في مرثية أهله و ذكر الموت و غنّى فيه-و إنما نذكر منها ما فيه غناء لأنها طويلة-:

صوت‏

مالك وضّاح دائم الغزل # أ لست تخشى تقارب الأجل

صلّ لذي العرش و اتّخذ قدما # تنجيك يوم العثار و الزّلل

/يا موت ما إن تزال معترضا # لا مل دون منتهى الأمل

لو كان من فرّ منك منفلتا[1] # إذا لأسرعت رحلة الجمل

لكنّ كفّيك نال طولهما # ما كلّ عنه نجائب الإبل

تنال كفّاك كلّ مسهلة # و حوت بحر و معقل الوعل

لو لا حذاري من الحتوف فقد # أصبحت من خوفها على وجل

لكنت للقلب في الهوى تبعا # إنّ هواه ربائب الحجل

حرميّة[2]تسكن الحجاز لها # شيخ غيور يعتلّ بالعلل

علّق قلبي ربيب بيت‏[3]ملو # ك ذات قرطين وعثة الكفل‏[4]

تفترّ عن منطق تضنّ به # يجري رضابا كذائب العسل‏

قال شعرا يسبّب بحبابة قبل أن يشتريها يزيد بن عبد الملك:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني سليمان بن أبي أيّوب عن مصعب قال:

قال وضّاح اليمن في حبابة جارية يزيد بن عبد الملك، و شاهدها بالحجاز قبل أن يشتريها يزيد و تصير إليه، و سمع غناءها فأعجب بها إعجابا شديدا:

صوت‏

يا من لقلب لا يطيـ # ع الزاجرين و لا يفيق

تسلو قلوب ذوي الهوى # و هو المكلّف‏[5]و المشوق

تبلت‏[6]حبابة قلبه # بالدّلّ و الشكل الأنيق‏

[1]كذا صححها المرحوم الأستاذ الشنقيطي بهامش نسخته. و في جميع الأصول «منقلبا» .

[2]حرمية: نسبة إلى الحرم (بالتحريك) على غير قياس.

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «بنت ملوك» . و هو تصحيف.

[4]يقال: امرأة و عثة: أي كثيرة اللحم كأن الأصابع تسوخ فيها من لينها و كثرة لحمها.

[5]كلف به كلفا: إذا ولع به فهو كلف و مكلف.

[6]تبله الحب: أسقمه.

446

/

و بعين أحور يرتعي # سقط الكثيب‏[1]من العقيق

مكحولة بالسحر تنـ # شي نشوة الخمر العتيق

هيفاء إن هي أقبلت # لاحت كطالعة الشروق

و الردف مثل نقا تلـ # بد فهو زحلوق زلوق

في درّة الأصداف معـ # تنقا بها ردع الخلوق‏[2]

داوي هواي و أطفئي # ما في الفؤاد من الحريق

و ترفّقي أملي فقد # كلّفتني ما لا أطيق

في القلب منك جوى المحـ # بّ و راحة الصبّ الشفيق

هذا يقود برمّتي‏[3] # قودا إليك و ذا يسوق

/يا نفس قد كلّفتني # تعب الهوى منها فذوق‏[4]

إن كنت تائقة لحـ # رّ صبابة منها فتوق‏[4]

شعر له في روضة:

و مما قاله في روضة و فيه عناء قوله:

صوت‏

يا لقومي لكثرة العذّال # و لطيف سرى مليح الدّلال

زائر في قصور[5]صنعاء يسري # كلّ أرض مخوفة و جبال‏

/-و الغناء لابن عبّاد عن الهشاميّ رمل-و هذه الأبيات من قصيدة له في روضة طويلة جيّدة يقول فيها:

يقطع الحزن و المهامة و البيـ # د و من دونه ثمان ليالي

عاتب في المنام أحبب بعتبا # ه إلينا و قوله من مقال

قلت أهلا و مرحبا عدد القط # ر و سهلا بطيف هذا الخيال

حبّذا من إذا خلونا نجيّا # قال: أهلي لك الفداء و مالي

و هي الهمّ و المنى و هوى النفـ # س إذا اعتلّ ذو هوى باعتلال

قست ما كان قبلنا من هوى النا # س فما قست حبّها بمثال‏

[1]سقط الكثيب: منقطعه.

[2]الخلوق (كرسول) : ضرب من الطيب مائع فيه صفرة لأن أعظم أجزائه من الزعفران. و الردع: أثر الطيب في الجسد.

[3]الرمة: قطعة حبل يشدّ بها.

[4]أصله: «فذوقي» و «فتوقي» . فحذفت الياء لضرورة القافية.

[5]راجع ما كتبه أبو محمد الحسن بن أحمد الهمداني المتوفي في سجن صنعاء سنة 334 هـ عن هذه القصور في الجزء الثامن من كتابه «الإكليل» المطبوع في بغداد سنة 1931 م فقد وصفها وصفا شافيا و ذكر أقوال الشعراء في مدحها.

447

لم أجد حبّها يشاكله الحبّ و لا وجدنا كوجد الرجال

كل حبّ إذا استطال سيبلى # و هو روضة المنى غير بالي

لم يزده تقادم العهد إلاّ # جدّة عندنا و حسن احتلال

أيها العاذلون كيف عتابي # بعد ما شاب مفرقي و قذالي

كيف عذلي على التي هي منّي # بمكان اليمين أخت الشّمال

و الذي أحرموا له و أحلّوا # بمنى صبح عاشرات الليالي‏[1]

ما ملكت الهوى و لا النفس منّي # منذ علّقتها فكيف احتيالي

إن نأت كان نأيها الموت صرفا # أو دنت لي فثمّ يبدو خبالي

يا ابنة المالكيّ يا بهجة النفـ # س أ في حبّكم يحلّ اقتتالي

أيّ ذنب عليّ إن قلت إني # لأحبّ الحجاز حبّ الزّلال

لأحبّ الحجاز من حبّ من فيـ # ه و أهوى حلاله من حلال‏[2]

صوت‏

و مما فيه غناء من شعر وضاح:

أيها النّاعب ما ذا تقول # فكلانا سائل و مسول

لا كساك اللّه ما عشت ريشا # و بخوف بتّ ثم تقيل‏[3]

ثم لا أنقفت‏[4]في العشّ فرخا # أبدا إلا عليك دليل

حين‏[5]تنبى أنّ هندا قريب # يبلغ الحاجات منها الرسول

و نأت هند فخبّرت عنها # أن عهد الودّ سوف يزول‏

و منها:

صوت‏

/

حيّ التي أقصى فؤادك حلّت # علمت بأنك عاشق فأدلّت

و إذا رأتك تقلقلت أحشاؤها # شوقا إليك فأكثرت و أقلّت

و إذا دخلت فأغلقت أبوابها # عزم الغيور حجابها فاعتلّت‏

[1]يريد صبح الليلة العاشرة من ذي الحجة.

[2]الحلال: جمع حلة (بالكسر) و هي المحلة، أو القوم النزول فيهم كثرة.

[3]كذا في حـ و هامش نسخة المرحوم الأستاذ الشنقيطي مصححة بقلمه. و في سائر الأصول: «ثقيل» (بالثاء المثلثة) ، و هو تصحيف.

[4]أنقف الفرخ: استخرجه من البيضة. و في أ، ء، م: «ثم لا أبقيت» .

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «حيث» .

448

و إذا خرجت بكت عليك صبابة # حتى تبلّ دموعها ما بلّت

إن كنت يا وضّاح زرت فمرحبا # رحبت عليك بلادنا و أظلّت‏

الغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو. و فيها ليحيى المكيّ ثاني ثقيل بالوسطى، من كتابه. و لابنه أحمد فيها هزج. و ذكر حبش أن ليحيى فيها أيضا خفيف ثقيل.

/و منها:

صوت‏

أ تعرف أطلالا بميسرة اللّوى # إلى أرعب‏[1]قد حالفتك‏[2]به الصّبا

فأهلا و سهلا بالتي حلّ حبّها # فؤادي و حلّت دار شحط من النّوى‏

-الغناء فيه هزج يمنيّ بالبنصر عن ابن المكيّ-و هذه أبيات يقولها لأخيه سماعة، و قد عتب عليه في بعض الأمور. و فيها يقول:

أبادر درنوك‏[3]الأمير و قربه # لأذكر في أهل الكرامة و النّهى

و أتّبع القصّاص كلّ عشيّة # رجاء ثواب اللّه في عدد الخطا

و أمست بقصر يضرب الماء سوره # و أصبحت في صنعاء ألتمس النّدى

فمن مبلغ عنّي سماعة ناهيا # فإن شئت فاقطعنا كما يقطع السّلى‏[4]

و إن شئت وصل الرّحم في غير حيلة # فعلنا و قلنا للذي تشتهي بلى

و إن شئت صرما للتفرّق و النّوى # فبعدا، أدام اللّه تفرقة النّوى‏

و منها:

صوت‏

طرق الخيال فمرحبا ألفا # بالشاغفات قلوبنا شغفا

و لقد يقول لي الطبيب و ما # نبّأته من شأننا حرفا:

/إني لأحسب أنّ داءك ذا # من ذي دمالج يخضب الكفّا

إني أنا الوضّاح إن تصلي # أحسن بك التشبيب و الوصفا

شطّت فشفّ القلب ذكركها # و دنت فما بذلت لنا عرفا

و منها:

[1]كذا ذكره صاحب «معجم البلدان» (بالراء المهملة) . و قال: «أرعب (بالفتح ثم السكون و عين مهملة و الباء موحدة) : موضع في قول الشاعر» . و ساق هذين البيتين. و في جميع الأصول: «أزعب» . (بالزاي المعجمة) .

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «قد خالفتك» (بالخاء المعجمة) .

[3]الدرنوك: الطنفسة و ضرب من البسط أو الثياب له خمل قصير كخمل المناديل و به تشبه فروة البعير و الأسد.

[4]السلى: الجلدة التي يكون فيها الجنين من الناس و المواشي، فإن انقطع في البطن هلكت الأم و هلك الجنين.

449
صوت‏

-و يروى لبشّار-:

يا مرحبا ألفا و ألفا # بالكاسرات إليّ طرفا

رجح الرّوادف كالظّبا # تعرّضت حوّاء و وطفا[1]

أنكرن مركبي الحما # ر و كنّ لا ينكرن طرفا[2]

و سألنني أين الشبا # ب فقلت بان و كان حلفا

أفنى شبابي فانقضى # حلف النساء تبعن حلفا

أعطيتهنّ مودّتي # فجزينني كذبا و خلفا

/و قصائد مثل الرّقى # أرسلتهن فكنّ شغفا

أوجعن كلّ مغازل # و عصفن بالغيران عصفا

من كل لذّات الفتى # قد نلت نائلة و عرفا

صدت الأوانس كالدّمى # و سقيتهنّ الخمر صرفا

و منها: -و هذه القصيدة تجمع نسيبه بمن ذكر و فخره بأبيه و جدّه أبي جمد-.

صوت‏

أغنّى‏[3]على بيضاء تنكلّ‏[4]عن برد # و تمشي على هون كمشية ذي الحرد[5]

و تلبس من بزّ العراق مناصفا # و أبراد[6]عصب‏[7]من مهلهلة الجند[8]

إذا قلت يوما نوّليني تبسّمت # و قالت لعمر اللّه لو أنه اقتصد

سموت إليها بعد ما نام بعلها # و قد وسّدته الكفّ في ليلة الصّرد[9]

أشارت بطرف العين أهلا و مرحبا # ستعطى الذي تهوى على رغم من حسد

أ لست ترى من حولنا من عدوّنا # و كل غلام شامخ الأنف قد مرد[10]

[1]الحو: جمع حواء، و هي التي بها لون الحوة، و هي سواد إلى خضرة، و قيل: حمرة إلى سواد. و الحوّة أيضا سمرة الشفة.

و الوطف: جمع و طفاء، و هي كثيرة شعر أهداب العينين.

[2]الطرف: الكريم من الخيل.

[3]كذا في جميع الأصول. و لعلها: «أعني» (بالعين المهملة) ، أمر من الإعانة.

[4]تنكل: تفتر و تبسم.

[5]الحرد: ثقل الدرع على المدرع فلا يقدر على الانبساط في المشي، أو هوداء يأخذ الإبل في اليدين دون الرجلين فتسترخي أيديها.

[6]في حـ: «أكباش» ، و هي و الأبراد بمعنى واحد.

[7]العصب: ضرب من برود اليمن، واحده و جمعه سواء، يقال: برد عصب و برد عصب بالإضافة.

[8]الجند (بالتحريك) : مدينة باليمن بينها و بين صنعاء ثمانية و أربعون فرسخا.

[9]الصرد (بسكون الراء و فتحها) : البرد و قيل شدته.

[10]مرد: عتا و بلغ الغاية.

450

فقلت لها إني امرؤ فاعلمنّه # إذا ما أخذت السيف لم أحفل العدد

بنى لي إسماعيل مجدا مؤثّلا # و عبد كلال قبله‏[1]و أبو جمد

تطيف علينا قهوة في زجاجة # تريك جبان القوم أمضى من الأسد

و منها:

صوت‏

يا أيها القلب بعض ما تجد # قد يعشق القلب ثم يتّئد

قد يكتم المرء حبّه حقبا # و هو عميد و قلبه كمد

ما ذا تراعون من فتى غزل # قد تيّمته خمصانة رؤد

يهدّدوني كيما أخافهم # هيهات أنّى يهدّد الأسد

/و منها:

صوت‏

صدع‏[2]البين و التفرّق قلبي # و تولّت أمّ البنين بلبّي

ثوت النفس في الحمول لديها # و تولّى بالجسم منّي صحبي

و لقد قلت و المدامع تجري # بدموع كأنها فيض غرب

جزعا للفراق يوم تولّت: # حسبي اللّه ذو المعارج حسبي‏

و منها:

صوت‏

يا ابنة الواحد جودي فما # إن تصرميني فبما أولما

جودي علينا اليوم أو بيّني # فيم قتلت الرجل المسلما

إني و أيدي قلص ضمّر # و كلّ خرق‏[3]ورد الموسما

ما علّق القلب كتعليقها # واضعة كفّا علت معصما

ربّة[4]محراب إذا جئتها # لم ألقها أو ارتقى سلّما

/إخوتها أربعة كلّهم # ينفون عنها الفارس المعلما

كيف أرجّيها و من دونها # بوّاب سوء يعجل المشتما

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «بعده» .

[2]في حـ: «صرع» .

[3]الخرق: الفتى الحسن الكريم الخليقة.

[4]كذا و «اللسان» (مادة حرب) . و في الأصول: «و رب محراب» ، و هو تحريف.

451

أسود هتّاك لأعراض من # مرّ على الأبواب أو سلّما

لا منّة أعلم كانت لها # عندي و لا تطلب فينا دما

بل هي لمّا أن رأت عاشقا # صبّا رمته اليوم فيمن رمى

لمّا ارتمينا[1]و رأت أنّها # قد أثبتت في قلبه أسهما

/أعجبها ذاك فأبدت له # سنّتها[2]البيضاء و المعصما

قامت تراءى لي على قصرها # بين جوار خرّد كالدّمى

و تعقد المرط على جسرة[3] # مثل كثيب الرمل أو أعظما

و منها:

صوت‏

دعاك من شوقك الدّواعي # و أنت وضّاح ذو أتباع‏[4]

دعتك ميّالة لعوب # أسيلة الخد باللّماع

دلالك الحلو و المشهّي # و ليس سرّيك بالمضاع

لا أمنع النفس عن هواها # و كلّ شي‏ء إلى انقطاع‏

و منها:

صوت‏

ألا يا لقومي أطلقوا غلّ مرتهن # و منّوا على مستشعر الهمّ و الحزن

تذكّر سلمى و هي نازحة فحنّ # و هل تنفع الذكرى إذا اغترب الوطن

أ لم ترها صفراء رؤدا شبابها # أسيلة مجرى الدمع كالشّادن الأغنّ

و أبصرت سلمى بين بردي مراجل‏[5] # و أراد عصب من مهلهلة اليمن

فقلت لها لا ترتقي السطح إنني # أخاف عليكم كلّ ذي لمّة حسن‏

/الغناء لابن سريج، و له في هذا الشعر لحنان: ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو، و رمل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و أوّل الرمل قوله:

ألا يا لقومي أطلقوا غلّ مرتهن‏

[1]ارتمينا: توامينا.

[2]السنة: الوجه، و قيل: الجبهة و الجبينان، و قيل: غير ذلك.

[3]المرط (بالكسر) : كساء من صوف أو خز أو كتان يؤتزر به، و ربما تلقيه المرأة على رأسها و تتلفع به. و الجسر: كل عضو ضخم، و يريد بالجسرة هنا العجيزة.

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «ذو تباع» .

[5]المراجل: ضرب من برود اليمن عليه تصاوير.

452

و أوّل الثقيل الأوّل: «تذكّر سلمى» . و في هذه الأبيات هزج يمنيّ بالبنصر.

و منها:

صوت‏

أ غدوت أم في الرائحين تروح # أم أنت من ذكر الحسان صحيح

إذ قالت الحسناء ما لصديقنا # رثّ الثياب و إنه لمليح

لا تسألنّ عن الثياب فإنني # يوم اللقاء على الكماة مشيح

أرمي و أطعن ثم أتبع ضربة # تدع النساء على الرجال تنوح‏

صوت من المائة المختارة

يا صاح إني قد حججـ # ت وزرت بيت المقدس

و أتيت لدّا[1]عامدا # في عيد مريا سرجس‏[2]

/فرأيت فيه نسوة # مثل الظباء الكنّس‏

الشعر و الغناء للمعلّى بن طريف مولى المهديّ. و لحنه المختار خفيف رمل بالبنصر. و كان المعلّى بن طريف و أخوه ليث مملوكين مولّدين من مولّدي الكوفة لرجل من أهلها، فاشتراهما عليّ بن سليمان و أهداهما إلى المنصور، فوهبهما المنصور للمهديّ/فأعتقهما. و نهر المعلّى و ربض‏[3]المعلّى ببغداد منسوب إلى المعلّى-هكذا ذكر ذلك ابن خرداذبه-و كان ضاربا محسنا طيّب الصوت حسن الأداء صالح الصنعة، أخذ الغناء عن إبراهيم و ابن جامع و حكم الوادي. و ولّي أخوه ليث السّند، و ولّي هو الطّراز[4]و البريد بخراسان، و قاتل يوسف البرم فهزمه، ثم ولّي الأهواز بعد ذلك. فقال فيه بعض الشعراء يمدحه و يمدح أخاه اللّيث و يهجو عليّ بن صالح صاحب المصلّى‏[5]:

يا عليّ بن صالح ذا[6]المصلّى # أنت تفدي ليثا و تفدي المعلّى

سدّ ليث ثغرا و ولّيت فاختنـ # ت فبئس المولى و بئس المولّى‏

[1]كذا في «المسالك و الممالك» لابن خرداذبه و «معجم البلدان» . ولد (بالضم و التشديد) : قرية قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين.

و في سائر الأصول: «فذا» . و في حـ: «بدا» و هما محرفان.

[2]في «المسالك و الممالك» لابن خرداذبه: «مريا جرجس» .

[3]الربض (محركة) : الناحية، و ما حول المدينة من بيوت و مساكن. و الأرباض كثيرة جدا، و قلما تخلو مدينة من ربض. ذكر منها ياقوت في معجمه ما أضيف فصار كالعلم أو نسب إليها أحد من العلماء، و لم يذكر «ربض المعلى» من بينها.

[4]يريد ديوان الطراز و هو الذي تنسج فيه الثياب.

[5]كذا صححها المرحوم الشيخ الشنقيطي على هامش نسخته. و في جميع الأصول: «المعلى» و هو تحريف. راجع «الطبري» في اسم علي بن صالح هذا.

[6]في جميع الأصول: «ذي» و هو تحريف.

453

و عليّ بن سليمان هذا الذي أهدى المعلّى و أخاه إلى المهديّ هو الذي يقول فيه أبو دلامة زند[1]بن الجون الأسديّ؛ و كان خرج مع المهديّ إلى الصيد، فرمى المهديّ و عليّ بن سليمان ظبيا سنح لهما، و قد أرسلت عليه الكلاب، بسهمين، فأصاب المهدي الظبي و أصاب عليّ بن سليمان الكلب فقتلاهما. فقال أبو دلامة:

قد رمى المهديّ ظبيا # شكّ بالسهم فؤاده

و عليّ بن سليما # ن رمى كلبا فصاده

فهنيئا لهما كلّ # امرئ يأكل زاده‏

حدّثنا بذلك الحسن بن عليّ عن أحمد بن زهير عن مصعب، و عن أحمد بن سعيد عن الزّبير بن بكّار عن عمّه.

صوت من المائة المختارة

ألا طرد الهوى عنّي رقادي # فحسبي ما لقيت من السّهاد

لعبدة إنّ عبدة تيّمتني # و حلّت من فؤادي في السّواد

الشعر لبشّار. و الغناء المختار في هذين البيتين هزج خفيف بالبنصر، ذكر يحيى بن عليّ أنه يمنيّ، و ذكر الهشاميّ أنه لسليم.

[1]في جميع الأصول هنا: «زيد» (بالياء المثناة) ، و هو تصحيف. (راجع ترجمته في الجزء التاسع من «الأغاني» ص 120-140 طبع بولاق) .

454

18-أخبار بشّار و عبدة خاصة إذ كانت أخباره‏[1]سوى هذه تقدّمت‏

حبه لعبدة و شعره فيها:

حدّثني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا أبو أيوب المديني عمن حدّثه عن الأصمعيّ هكذا قال، و أخبرني به عمّي عن عبد اللّه‏[2]بن أبي سعد عن عليّ بن مسرور عن الأصمعيّ قال:

كان لبشّار مجلس يجلس فيه يقال له البردان. فبينا هو في مجلسه ذات يوم و كان النساء يحضرنه، إذ سمع كلام امرأة يقال لها عبدة/في المجلس، فدعا غلامه فقال: إني قد علّقت امرأة، فإذا تكلمت فانظر من هي و اعرفها، فإذا انقضى المجلس و انصرف أهله فاتبعها و كلّمها و أعلمها أنّي لها محبّ و أنشدها هذه الأبيات و عرّفها أني قلتها فيها:

صوت‏

قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم # الأذن كالعين توفي القلب ما كانا

ما كنت أوّل مشغوف بجارية # يلقى بلقيانها روحا و ريحانا

-و يروى: هل من دواء لمشغوف بجارية-:

يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة # و الأذن تعشق قبل العين أحيانا

-غنّى إبراهيم في هذه الأبيات ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، عن إسحاق. و فيها لسياط ثقيل أول بالوسطى، عن عمرو. و فيها لإسحاق هزج من جامع أغانيه-قال: فأبلغها الغلام الأبيات، فهشّت لها، و كانت تزوره مع نسوة/يصحبنها فيأكلن عنده و يشربن و ينصرفن بعد أن يحدّثها و ينشدها و لا تطمعه في نفسها. قال: و قال فيها:

قالت عقيل بن كعب‏[3]إذ تعلّقها # قلبي فأضحى به من حبّها أثر

أنّى و لم ترها تهذي!فقلت لهم # إن الفؤاد يرى ما لا يرى‏[4]البصر

[1]يلاحظ أن بعض الأخبار المذكورة هنا تقدّمت في ترجمته في الجزء الثالث من هذه الطبعة.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «عبيد اللّه» و هو تحريف.

[3]عقيل بن كعب: قبيلة كبيرة كان ولاء بشار بن برد لها. و من قوله يفتخر بهذا الولاء كما مرّ في ترجمته:

إنني من بني عقيل بن كعب # موضع السيف من طلى الأعناق‏

[4]في ب، س: «ما لم ير البصر» . ـ

455

أصبحت كالحائم الحرّان مجتنبا # لم يقض وردا و لا يرجى له صدر

قال: و قال فيها أيضا-و هو من جيّد ما قال فيها-:

يزهّدني في حبّ عبدة معشر # قلوبهم فيها مخالفة قلبي

فقلت دعوا قلبي و ما اختار و ارتضى # فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الحبّ

فما تبصر العينان في موضع الهوى # و لا تسمع الأذنان إلا من القلب

و ما الحسن إلا كلّ حسن دعا الصّبا # و ألّف بين العشق و العاشق الصبّ‏

قال: و قال فيها:

يا قلب مالي أراك لا تقر # إياك أعني و عندك الخبر

أضعت بين الألى مضوا حرقا # أم ضاع ما استودعوك إذ بكروا؟

فقال بعض الحديث يشغفني # و القلب راء ما لا يرى البصر

عابه الحسن البصري و هتف به فهجاه:

و أخبرني بهذا الخبر أبو الحسن أحمد بن محمد الأسديّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثنا خالد بن يزيد بن وهب عن جرير عن أبيه بمثل هذه القصة، و زاد فيها:

/أنّ عبدة جاءت إليه في نسوة خمس قد مات لإحداهن قريب فسألنه أن يقول شعرا ينحن عليه به، فوافينه و قد احتجم-و كان له مجلسان: مجلس يجلس فيه غدوة يسميه «البردان» و مجلس يجلس فيه عشيّة يسميه «الرّقيق» -و هو جالس في البردان و قد قال لغلامه: أمسك عليّ بابي و اطبخ لي و هيّئ طعامي و طيّبه و صفّ نبيذي.

قال: فإنه لكذلك إذا قرع الباب عليه قرعا عنيفا؛ فقال: ويحك يا غلام!انظر من يدقّ الباب دقّ الشّرط؛ فنظر الغلام و جاءه فقال: خمس نسوة بالباب يسألنك أن تقول شعرا ينحن فيه؛ فقال: أدخلهنّ. فلما دخلن/نظرن إلى النبيذ مصفّى في قنانيّه؛ [في جانب بيته‏][1]فقالت إحداهن: خمر؛ [و قالت الأخرى: زبيب‏][2]؛ و قالت الأخرى:

معسّل. فقال: لست بقائل لكنّ حرفا أو تطعمن من طعامي و تشربن من شرابي. فتماسكن ساعة، و قالت إحداهن:

فما عليكنّ من ذلك!هذا أعمى، كلن من طعامه و اشربن من شرابه و خذن شعره، ففعلن. و بلغ ذلك الحسن البصري فعابه و هتف به. فبلغ ذلك بشّارا، و كان الحسن يلقّب القسّ‏[3]، فقال فيه بشّار:

لمّا طلعن من الرّقيـ # ق عليّ بالبردان خمسا[4]

و كأنهنّ أهلّة # تحت الثياب زففن شمسا

باكرن طيب لطيمة[5] # و عمسن في الجاديّ عمسا

[1]زيادة عن حـ.

[2]هذه العبارة ساقطة من ب، س.

[3]لقب به لصلاحه.

[4]تقدّمت هذه الأبيات مع تفسير كلماتها الغامضة في «ترجمة بشار» (ج 3 ص 170 من هذه الطبعة) .

[5]اللطيمة: المسك و نافجته، و قيل: العير التي تحمل الطيب. و الجادي: الزعفران.

456

فسألنني من في البيو # ت فقلت ما يحوين إنسا

ليت العيون الناظرا # ت طمسن عنّا اليوم طمسا

فأصبن من طرف الحديـ # ث لذاذة و خرجن ملسا

لو لا تعرّضهن لي # يا قسّ كنت كأنت قسّا

لامه مالك بن دينار على تناوله أعراض الناس و التشبيب بالنساء فقال: لا أعاود ثم قال شعرا:

أخبرني الأسديّ و يحيى بن عليّ بن يحيى و محمد بن عمران الصّيرفي قالوا حدّثنا العنزيّ قال حدّثنا علي بن محمد عن جعفر بن محمد النّوفليّ قال:

أتيت بشارا ذات يوم، فقال لي: ما شعرت منذ أيام إلا بقارع يقرع بابي مع الصبح؛ فقلت: يا جارية، انظري من هذا؛ فقالت: مالك بن دينار؛ فقلت: مالي و لمالك بن دينار!ما هو من أشكالي!ائذني له. فدخل فقال لي:

يا أبا معاذ، أ تشتم أعراض الناس و تشبّب بنسائهم!فلم يكن عندي إلا دفعه عن نفسي بأن قلت: لا أعاود؛ فخرج من عندي. و قلت في إثره:

غدا مالك بملاماته # عليّ و ما بات من باليه‏[1]

فقلت دع اللوم في حبّها # فقبلك أعييت عذّاليه

و إنّي لأكتمهم سرّها # غداة تقول لها الجالية

أعبدة مالك مسلوبة # و كنت مقرطقة[2]حاليه

فقالت على رقبة: إنني # رهنت المرعّث خلخاليه

بمجلس يوم سأوفي به # و إن أنكر الناس أحواليه‏

أرسلت له عبدة السلام مع امرأة فرد عليها بشعر فيها:

أخبرني وكيع قال حدّثني عمرو بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني الحسن‏[3]بن جهور قال حدّثني هشام بن الأحنف، راوية بشار، قال:

إني لعند بشّار ذات يوم إذ أتته امرأة فقالت: يا أبا معاذ، عبدة تقرئك السلام و تقول لك: قد اشتدّ شوقنا إليك و لم نرك منذ أيام؛ فقال: عن غير مقلية/و اللّه كان ذاك. ثم قال لراويته: يا هشام، خذ الرقعة و اكتب فيها ما أقول لك ثم ادفعه للرسول. قال هشام: فأملى عليّ:

عبد إنّي إليك بالأشواق # لتلاق و كيف لي بالتلاقي

أنا و اللّه أشتهي سحر عينيـ # ك و أخشى مصارع العشّاق‏

[1]راجع هذه الأبيات و التعليق عليها في ترجمته في الجزء الثالث ص 170 من هذه الطبعة.

[2]مقرطقة: لابسة القرطق (بضم القاف و سكون الراء و فتح الطاء و قد تضم) و هو القباء. و قد مرت بلفظ: «معطرة» .

[3]الذي مر هو الحسن بن جمهور. و يروي عنه محمد بن عمر بن محمد بن عبد الملك، و عن محمد هذا يروي وكيع. (راجع ج 3 ص 161 س 9 من هذه الطبعة) .

457

/

و أهاب الحرسيّ‏[1]محتسب الجنـ # د يلفّ البري‏ء بالفسّاق‏

و مما يغني فيه من شعر بشار في عبدة قوله:

صوت‏

لعبدة دار ما تكلّمنا الدار # تلوح مغانيها كما لاح أسطار

أسائل أحجارا و نؤيا مهدّما # و كيف يجيب القول نؤي و أحجار

و ما كلّمتني دارها إذ سألتها # و في كبدي كالنّفط شبّت به‏[2]النار

و عند مغاني دارها لو تكلّمت # لمكتئب بادي الصّبابة أخبار

الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه لابن جامع ثقيل أوّل عن الهشامي. و من هذه القصيدة:

صوت‏

تحمّل جيراني فعيني لبينهم # تفيض بتهتان إذا لاحت الدار

بكيت على من كنت أحظى بقربه # و حقّ الذي حاذرت بالأمس إذ ساروا[3]

الغناء ليحيى المكّيّ ثقيل أوّل بالبنصر.

/و من الأغاني في شعره في عبدة:

صوت‏

مسّني من صدود عبدة ضرّ # فبنات الفؤاد ما تستقرّ

ذاك شي‏ء في القلب من حبّ عبـ # دة باد و باطن يستسرّ

الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. و فيه لإسحاق رمل بالبنصر عن عمرو. و فيه لحكم ثقيل أوّل بالوسطى من جامع غنائه في كتاب إبراهيم. و فيه لفريدة خفيف ثقيل عن إسحاق. و فيه ليحيى المكّيّ ثقيل أوّل من كتابه. و فيه لحسين بن محرز رمل عن الهشامي.

و منها:

صوت‏

يا عبد إني قد ظلمت و إنني # مبد مقالة راغب أو راهب

و أتوب مما تكرهين لتقبلي # و اللّه يقبل حسن فعل التائب‏

[1]الحرسي (بالتحريك) : واحد حرس السلطان، و سكن هنا للضرورة.

[2]في جميع الأصول: «له» .

[3]في ب، س: «صاروا» .

458

الغناء لحكم خفيف ثقيل عن إسحاق. و فيه ليحيى المكيّ ثقيل أوّل من كتابه. و فيه لحسين بن محرز رمل عن الهشامي.

و منها:

صوت‏

يا عبد حبّك شفّني شفّا # و الحبّ داء يورث الحتفا

و الحبّ يخفيه المحبّ، لكي # لا يستراب به، و ما يخفى‏

الغناء لسياط خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.

/و منها:

صوت‏

يا عبد باللّه فرّجي كربي # فقد براني و شفّني نصبي

و ضقت ذرعا بما كلفت به # من حبّكم و المحبّ في تعب

ففرّجي كربة شجيت بها # و حرّ حزن في الصدر كاللّهب

و لا تظنّي ما أشتكي لعبا # هيهات قد جلّ ذا عن اللعب‏

/غنّاه سياط ثقيلا أوّل بالبنصر عن عمرو.

و منها:

صوت‏

يا عبد زوريني تكن منّة # للّه عندي يوم ألقاك

و اللّه ثمّ اللّه فاستيقني # إني لأرجوك و أخشاك

يا عبد إني هالك مدنف # إن لم أذق برد ثناياك

فلا تردّي عاشقا مدنفا # يرضى بهذا القدر من ذاك‏

الغناء لحكم هزج خفيف بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق.

و منها:

صوت‏

يا عبد قد طال المطال فأنعمي # و اشفي فؤاد فتى يهيم متيّم‏

الغناء ليزيد حوراء غير مجنّس عن إبراهيم.

و منها:

459
صوت‏

يا عبد هل للّقاء من سبب # أو لا فأدعو بالويل و الحرب‏

الغناء ليزيد حوراء غير مجنّس.

/و منها:

صوت‏

يا عبد هل لي منكم من عائد # أم هل لديك صلاح قلب فاسد

الغناء لابن عبّاد عن إبراهيم غير مجنّس.

و منها:

صوت‏

يا عبد حيي عن قريب # و تأمّلي عين الرقيب

و ارعي ودادي غائبا # فلقد رعيتك في المغيب

أشكو إليك و إنّما # يشكو المحبّ إلى الحبيب

غرضي‏[1]إليك من الهوى # غرض المريض إلى الطبيب‏

الغناء لحكم مطلق في مجرى البنصر.

و منها:

صوت‏

يا عبد باللّه ارحمي عبدك # و علّليه بمنى وعدك

يصبح مكروبا و يمسي به # و ليس يدري ما له عندك

ما ذا تقولين لربّ العلا # إذا تخلّيت به وحدك‏

الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو. و فيه لإسحاق هزج من جامع أغانيه. و فيه ليزيد حوراء لحن ذكره إبراهيم و لم يجنّسه. و ذكر حبش أنّ الثقيل الثاني لسياط.

/و منها:

صوت‏

يا عبد جلّي كروبي # و أسعفي و أثيبي

فقد تطاول همّي # و زفرتي و نحيى‏

[1]في الأصول: «غرضا» .

460

الغناء لابن سكّرة عن إبراهيم و لم يجنّسه.

و منها:

صوت‏

يا عبد أنت ذخيرتي # نفسي فدتك و جيرتي

اللّه يعلم فيكم # يا عبد حسن سريرتي

نفسي لنفسك خلّة[1] # و كذاك أنت أميرتي‏[2]

الغناء لحكم الوادي خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو.

و منها:

صوت‏

يا عبد حبّي لك مستور # و كلّ حبّ غيره زور

إن كان هجري سرّكم فاهجروا # إنّي بما سرّك مسرور

الغناء لحكم هزج بالوسطى عن ابن المكيّ.

و منها:

صوت‏

لم يطل ليلي و لكن لم أنم # و نفى عنّي الكرى طيف ألمّ

و إذا قلت لها جودي لنا # خرجت بالصمت عن لا و نعم

/رفّهي يا عبد عنّي و اعلمي # أنّني يا عبد من لحم و دم

إن في بردي جسما ناحلا # لو توكأت عليه لا نهدم

ختم الحبّ لها في عنقي # موضع الخاتم من أهل الذمم‏

الغناء لحكم هزج بالسبّابة و الوسطى عن ابن المكيّ. و ذكره إسحاق في هذه الطريقة فلم ينسبه إلى أحد. و فيه لعثعث الأسود خفيف رمل في الأول و الخامس. و كان بشّار ينكر هذا البيت الأخير و هو:

ختم الحب لها في عنقي‏

أنشده رجل بيتا له فأنكره:

أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثني أبو حاتم السّجستانيّ قال حدّثني من أنشد بشارا قوله:

لم يطل ليلي و لكن لم أنم‏

[1]الخلة (بالضم) : الخليلة.

[2]في حـ: «أسيرتي» .

461

حتى بلغ إلى قوله:

ختم الحبّ لها في عنقي # موضع الخاتم من أهل الذمم‏

فقال بشار: عمّن أخذت هذا؟قلت: عن راويتك فلان؛ فقال: قبّحه اللّه!و اللّه ما قلت هذا البيت قطّ، أما ترى إلى أثره فيه!ما أقبحه و أشدّ تميّزه عنّي!فقال له بعض من حضر: نعم، هو ألحقه بالأبيات.

و منها:

صوت‏

عبد إنّي قد اعترفت بذنبي # فاغفري و اعركي‏[1]خطاي بجنب‏[2]

عبد لا صبر لي و لست-فمهلا- # قائلا قد عتبت في غير عتب‏

/و لقد قلت حين أنصبني الحب فأبلى جسمي و عذب قلبي

ربّ لا صبر لي على الهجر حسبي # أقلني حسبي لك الحمد حسبي‏

الغناء لسياط خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. و فيه لسليم هزج من كتاب ابن المكيّ.

و منها:

صوت‏

عبد منّى و أنعمى # قد ملكتم قياديه

شاب رأسي و لم تشب # ابلائي لداتيه‏[3]

/الغناء لسياط خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. و فيه لعريب هزج.

و منها:

صوت‏

عبد يا همّتي‏[4]عليك السلام # فيم يجفى حبيبك المستهام

نزل الحبّ منزلا في فؤادي # و له فيه مجلس و مقام‏

الغناء لأبي زكّار خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. و فيه لعريب هزج‏[5].

و منها:

[1]في جميع الأصول: «و اعدلي» ، و الظاهر أنها محرفة عما أثبتناه. يقال: عرك بجنبه ما كان من صاحبه، كأنه حكه حتى عفاه. و أصله من عرك الأديم إذا دلكه.

[2]في جميع الأصول: «بجنبي» و هو تحريف.

[3]في جميع الأصول: «لدائيه» . و الظاهر أنها محرفة عما أثبتناه.

[4]الهمة (بالكسر و يفتح) : الهوى.

[5]في حـ: «رمل» .

462
صوت‏

عبد يا قرّة عيني # أنصفي، روحي فداك

عاشق ليس له ذكـ # ر و لا همّ سواك‏

الغناء لعريب هزج. و فيه لحن ليزيد حوراء غير مجنّس.

/و منها:

صوت‏

يا عبد يا جافية قاطعه # أ ما رحمت المقلة الدامعه

يا عبد خافي اللّه في عاشق # يهواك حتى تقع الواقعة

الغناء لأبي زكّار هزج بالبنصر عن عمرو.

صوت من المائة المختارة

أرسلت أمّ جعفر لا تزور # ليت شعري بالغيب من ذا دهاها

أ أتاها محرّش بنميم # كاذب ما أراد إلا رداها

روضه من الخفيف-الشعر للأحوص. و الغناء لأمّ جعفر المدنيّة مولاة عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب. و لحنه من الثقيل الأوّل في مجرى البنصر عن إسحاق. و ذكر عمرو بن بانة أنّ فيه لحنا من‏[1]الثقيل الأوّل بالبنصر، فلا أعلم أ هذا يعني‏[2]أم غيره. و فيه لابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر في مجراها عن يحيى المكّيّ و إسحاق. و فيه لإبراهيم خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو و الهشاميّ.

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «... أن فيه لحنا لمعبد من الثقيل... » بزيادة كلمة «معبد» . و لا يستقيم المعنى بذكرها.

[2]في الأصول: «يغنى» بالغين المعجمة، و هو تصحيف.

463

19-أخبار الأحوص مع أم جعفر

أم جعفر التي كان يشبب بها الأحوص و نسبها:

و قد ذكرت أخبار الأحوص متقدّما إلا أخباره مع أمّ جعفر التي قال فيها هذا الشعر فإنها أخّرت إلى هذا الموضع. و أمّ جعفر هذه امرأة من الأنصار من بني خطمة[1]، و هي أمّ جعفر بنت عبد اللّه بن عرفطة بن قتادة بن معدّ بن غياث بن رزاح بن عامر بن عبد اللّه بن خطمة بن جشم بن مالك‏[2]بن الأوس. و له فيها أشعار كثيرة.

تشبيب الأحوص بأم جعفر و توعد أخيها أيمن له:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبي قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني يعقوب بن القاسم و محمد بن يحيى الطّلحي عن عبد العزيز بن أبي ثابت، و أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن داود بن الجرّاح قال حدّثني أحمد بن زهير عن مصعب، و أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه عن المحرز بن جعفر الدّوسيّ، /قالوا جميعا:

لمّا أكثر الأحوص التشبيب بأمّ جعفر و شاع ذكره فيها توعّده أخوها أيمن و هدّده فلم ينته، فاستعدى عليه والي المدينة-و قال الزبير في خبره: فاستعدى عليه عمر بن عبد العزيز-فربطهما في حبل و دفع إليهما سوطين و قال لهما: تجالدا؛ فتجالدا فغلب أخوها. و قال غير الزّبير في خبره: و سلح الأحوص في ثيابه و هرب و تبعه أخوها حتى فاته الأحوص هربا. و قد كان الأحوص قال فيها:

/

لقد منعت معروفها أمّ جعفر # و إنّي إلى معروفها لفقير

و قد أنكرت بعد اعتراف زيارتي # و قد و غرت فيها عليّ صدور

أدور و لو لا أن أرى أمّ جعفر # بأبياتكم ما درت حيث أدور

أزور البيوت اللاصقات ببيتها # و قلبي إلى البيت الذي لا أزور

و ما كنت زوّارا و لكن ذا الهوى # إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور

أزور على أن لست أنفكّ كلّما # أتيت عدوّا بالبنان يشير

فقال السائب بن عمرو، أحد بني عمرو بن عوف، يعارض الأحوص في هذه الأبيات و يعيّره بفراره:

لقد منع المعروف من أم جعفر # أخو ثقة عند الجلاد صبور

[1]لقب خطمة لأنه ضرب رجلا على أنفه فخطمه.

[2]كذا في «شرح القاموس» مادة خطم و كتاب «الاستبصار في أنساب الأنصار» ص 146 المخطوط و المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (349 تاريخ) . و في جميع الأصول: «... خطمة بن مالك بن جشم بن الأوس» و هو تحريف.

464

علاك بمتن السوط حتى اتّقيته # بأصفر من ماء الصّفاق‏[1]يفور

فقال الأحوص:

إذا أنا لم أغفر لأيمن ذنبه # فمن ذا الذي يعفو له ذنبه بعدي

أريد انتقام الذنب ثم تردّني # بد لأدانيه مباركة عندي‏

و قال الزبير في خبره خاصّة: و إنما أعطاهما عمر بن عبد العزيز السوطين و أمرهما أن يتضاربا بهما اقتداء بعثمان بن عفان؛ فإنه كان لما تهاجى سالم بن دارة و مرّة ابن واقع الغطفاني الفراري لزّهما عثمان بحبل و أعطاهما سوطين فتجالدا بهما.

و قال عمر بن شبّة في خبره: و قال الأحوص فيها[2]أيضا-و قد أنشدني علي بن سليمان الأخفش هذه الأبيات و زاد فيها على رواية عمر بن شبّة بيتين فأضفتهما إليها-:

/

و إني ليدعوني هوى أمّ جعفر # و جاراتها من ساعة فأجيب

و إني لآتي البيت ما إن أحبّه # و أكثر هجر البيت و هو حبيب

و أغضي على أشياء منكم تسوءني # و أدعى إلى ما سرّكم فأجيب

هبيني امرأ إمّا بريئا ظلمته # و إمّا مسيئا مذنبا فيتوب

فلا تتركي نفسي شعاعا فإنها # من الحزن قد كادت عليك تذوب

لك اللّه إني واصل ما وصلتني # و مثن بما أوليتني و مثيب

و آخذ ما أعطيت عفوا و إنني # لأزور عما تكرهين هيوب‏

هكذا ذكره الأخفش في هذه الأبيات الأخيرة، و هي مروية للمجنون في عدة روايات؛ /و هي بشعره أشبه.

و في هذه الأشعار التي مضت أغان نسبتها:

صوت‏

أدور و لو لا أن أرى أمّ جعفر # بأبياتكم ما درت حيث أدور

أدور على أن لست أنفكّ كلما # أتيت عدوّا بالبنان يشير

الغناء لمعبد، و له فيه لحنان‏[3]: ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن عمرو. و لإسحاق فيهما و في قوله:

أزور البيوت اللاّصقات ببيتها

و بعده:

«أدور و لو لا أن أرى أمّ جعفر

[1]الصفاق: جمع صفق (بالتحريك) و هو الأديم الجديد يصب عليه الماء فيخرج منه ماء أصفر، و اسم ذلك الماء: الصفق (بسكون الفاء و فتحها) .

[2]في جميع الأصول: «فيه» و هو تحريف.

[3]لم يذكر في الأصول اللحن الثاني.

465

لحن من الرمل. و في البيتين اللذين فيهما غناء معبد للغريض ثقيل أوّل عن الهشامي، و لإبراهيم خفيف ثقيل.

و فيه لحن لشارية عن ابن المعتز و لم يذكر طريقته.

/

إذا أنا لم أغفر لأيمن ذنبه # فمن ذا الذي يعفو له ذنبه بعدي

أريد مكافأة له و تصدّني # يد لأدانيه مباركة عندي‏

الغناء لمعبد ثاني ثقيل بالوسطى عن يحيى المكيّ، و ذكر غيره أنه منحول يحيى إلى معبد. و فيه ثقيل أوّل ينسب إلى عريب و رونق.

و منها و هو:

صوت من المائة المختارة

و إني لآتي البيت ما إن أحبّه # و أكثر هجر البيت و هو حبيب

و أغضي على أشياء منكم تسوءني # و أدعى إلى ما سرّكم فأجيب

و ما زلت من ذكراك حتى كأنني # أميم‏[1]بأفياء[2]الديار سليب‏[3]

أبثّك ما ألقى و في النفس حاجة # لها بين جلدي و العظام دبيب

لك اللّه إنّي واصل ما وصلتني # و مثن بما أوليتني و مثيب

و آخذ ما أعطيت عفوا و إنني # لأزور عما تكرهين هيوب

فلا تتركي نفسي شعاعا فإنها # من الحزن قد كادت عليك تذوب‏

الشعر للأحوص. و من الناس من ينسب البيت الخامس و ما بعده إلى المجنون. و الغناء في اللحن المختار لدحمان، و هو ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر. و ذكر الهشاميّ أن في الأبيات الأربعة لابن سريج لحنا من الثقيل الأوّل، فلا أعلم ألحن دحمان عنى‏[4]أم ثقيلا آخر. و في:

/

لك اللّه إني واصل ما وصلتني # و مثن بما أوليتني و مثيب‏

لإسحاق ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. و فيها لإبراهيم خفيف رمل بالوسطى.

لما أكثر من ذكر أم جعفر عرضت له في أمر فحلف أمام الناس أنه لا يعرفها:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن حسن؛ قال الزّبير و حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الزّهريّ عن محرز:

[1]الأميم: المشجوج الرأس و قد يستعار لغير الرأس قال:

قلبي من الزفرات صدّعه الهوى # و حشاي من حرّ الفراق أميم‏

[2]في حـ: «بأقياء» . و في سائر الأصول: «بأفناء» . و ظاهر أن كليهما مصحف عما أثبتناه.

[3]السليب: المستلب العقل.

[4]في جميع الأصول: «غنى» بالغين المعجمة، و هو تصحيف.

466

أنّ أمّ جعفر لمّا أكثر الأحوص في ذكرها جاءت منتقبة[1]، فوقفت عليه في مجلس قومه و لا يعرفها، و كانت امرأة عفيفة؛ فقالت له: اقض ثمن الغنم التي ابتعتها منّي؛ فقال: ما ابتعت منك شيئا. فأظهرت كتابا قد وضعته عليه/و بكت و شكت حاجة و ضرّا و فاقة و قالت: يا قوم، كلّموه. فلامه قومه و قالوا: اقض المرأة حقّها؛ فجعل يحلف أنه ما رآها قطّ و لا يعرفها. فكشفت وجهها و قالت: ويحك!أ ما تعرفني!فجعل يحلف مجتهدا أنه ما يعرفها و لا رآها قطّ. حتى إذا استفاض قولها و قوله و اجتمع الناس و كثروا و سمعوا ما دار و كثر لغطهم و أقوالهم، قامت ثم قالت: أيها الناس، اسكتوا. ثم أقبلت عليه و قالت: يا عدوّ اللّه!صدقت، و اللّه ما لي عليك حقّ و لا تعرفني، و قد حلفت على ذلك و أنت صادق، و أنا أمّ جعفر و أنت تقول: قلت لأمّ جعفر و قالت لي أم جعفر في شعرك!فخجل الأحوص و انكسر عن ذلك و برئت عندهم.

سمع أبو السائب المخزومي شعرا له فطرب:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير، و أخبرني به محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا ثعلب قال حدّثنا الزّبير عن عبد الملك بن عبد العزيز قال:

أنشدت أبا السائب المخزوميّ قول الأحوص:

لقد منعت معروفها أمّ جعفر # و إنّي إلى معروفها لفقير

/فلما انتهيت إلى قوله:

أزور على أن لست أنفكّ كلّما # أتيت عدوّا بالبنان يشير

أعجبه ذلك و طرب و قال: أ تدري يا ابن أخي كيف كانوا يقولون!الساعة دخل، الساعة خرج، الساعة مرّ، الساعة رجع، و جعل يومئ بإبهاميه إلى وراء منكبيه و بسبّابته‏[2]إلى حيال وجهه و يقلبها، يحكي ذهابه و رجوعه.

صوت من المائة المختارة

صاح قد لمت ظالما # فانظر ان كنت لائما

هل ترى مثل ظبية # قلّدوها التمائما

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. و الغناء في اللحن المختار لمالك خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. و أخبرني ذكاء وجه الرزّة أن فيه لعريب رملا بالبنصر، و هو الذي فيه سجحة. و فيه لابن المكّيّ خفيف ثقيل آخر بالوسطى. و زعم الهشاميّ أن فيه خفيف رمل بالوسطى لابن سريج، و قد سمعها[3]ممن يغنّيه. و ذكر حبش أنّ فيه رملا آخر للغريض. و لعاتكة بنت شهدة فيه خفيف ثقيل، و هو من جيّد صنعتها، و ذكر جحظة عن أصحابه أن لحنها الرمل هو اللحن المختار، و أن إسحاق كان يقدّمها و يستجيدها[4]، و يزعم أنه أخذه عنها. و قال [1]انتقبت المرأة و تنقبت: وضعت النقاب على وجهها.

[2]لعله: «و بسبابتيه... و يقلبهما إلخ» .

[3]لعله: «و قد سمعه» أي اللحن.

[4]في حـ: «و يستجيده» .

467

ابن المعتزّ: حدّثني أبو عبد اللّه الهشاميّ: أنّ عريب صنعت فيه لحنها الرمل بعد أن أفضت الخلافة إلى المعتصم، فأعجبه و أمرها أن تطرحه على جواريه، و لم أسمع بشرا قطّ غنّاه أحسن من خشف الواضحيّة.

/و كل أخبار هؤلاء المغنّين قد ذكرت، أو لها[1]موضع تذكر فيه، إلا عاتكة بنت شهدة فإن أخبارها تذكر هاهنا؛ لأنه ليس لها شي‏ء أعرفه من الصنعة فأذكره غير هذا. و قد ذكر جحظة عن أصحابه أن لحنها هو المختار فوجب أن نذكر أخبارها معه أسوة غيرها.

عاتكة بنت شهدة و شي‏ء من أخبارها:

/كانت عاتكة بنت شهدة مدنيّة. و أمّها شهدة جارية الوليد بن يزيد، و هو الصحيح. و كانت شهدة مغنيّة أيضا.

غنى ابن داود الرشيد صوتا لأمها فطرب:

حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا العلاء قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ عن بعض المغنّين قال:

كنّا ليلة عند الرشيد و معنا ابن جامع و الموصليّ و غيرهما، و عنده في تلك الليلة محمد بن داود بن إسماعيل بن عليّ؛ فتغنّى المغنّون، ثم اندفع محمد بن داود فغنّاه بين أضعافهم:

صوت‏

أمّ الوليد سلبتني حلمي # و قتلتني فتخوّفي إثمي

باللّه يا أمّ الوليد أ ما # تخشين فيّ عواقب الظلم

و تركتني أبغي‏[2]الطبيب و ما # لطبيبنا بالداء من علم

خافي إلهك في ابن عمّك قد # زوّدته سقما على سقم‏

قال: فاستحسن الرشيد الصوت و استحسنه جميع من حضره و طربوا له. فقال له الرشيد: يا حبيبي، لمن هذا الصوت؟فقال: يا أمير المؤمنين، سل هؤلاء المغنّين/لمن هو. فقالوا: و اللّه ما ندري، و إنه لغريب. فقال:

بحياتي لمن هو؟فقال: و حياتك ما أدري إلا أنّي أخذته من شهدة جارية الوليد أمّ عاتكة بنت شهدة. هذا الشعر المذكور لابن قيس الرّقيّات، و الغناء لابن محرز، و له فيه لحنان، أحدهما ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق، و الآخر خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو. و فيه لسليم خفيف رمل بالبنصر. و لحسين بن محرز ثقيل أوّل عن الهشاميّ و حبش.

كانت ضاربة مجيدة و عنها أخذ إسحاق الموصليّ:

أخبرني محمد بن مزيد عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه: أنه ذكر عاتكة بنت شهدة يوما فقال:

كانت أضرب من رأيت بالعود؛ و لقد مكثت سبع سنين أختلف إليها في كل يوم فتضاربني ضربا أو ضربين، و وصل إليها منّي و من أبي أكثر من ثلاثين ألف درهم بسببي: دراهم و هدايا.

[1]في جميع الأصول: «أولها في موضع... إلخ» . و الظاهر أن كلمة «في» مقحمة.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «أنعى» ، و هو تصحيف.

468

ماتت بالبصرة، و قصتها مع ابن جامع عند الرشيد:

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى عن أبيه عن إسحاق قال:

كانت عاتكة بنت شهدة أحسن خلق اللّه غناء و أرواهم، و ماتت بالبصرة. و أمّها شهدة نائحة من أهل مكة.

و كان ابن جامع يلوذ منها بكثرة الترجيع. فكان إذا أخذ يتزايد في غنائه قالت له: إلى أين يا أبا القاسم!ما هذا الترجيع الذي لا معنى له!عد بنا إلى معظم الغناء ودع من جنونك. فأضجرته يوما بين يدي الرشيد فقال لها: إني أشتهي، علم اللّه، أن تحتكّ شعرتي بشعرتك. فقالت: اخسأ، قطع اللّه ظهرك!و لم تعد لأذاه بعدها.

غنت جارية بشعر فعارضتها هي و ذمت بندارا الزيات:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: قال لي عليّ بن جعفر بن محمد:

/دخلت على جواري المروانيّ المغنيات بمكة، و عاتكة بنت شهدة تطارحهنّ لحنها:

يا صاحبيّ دعا الملامة و اعلما # أنّ الهوى يدع الكرام عبيدا

فجعلت واحدة منهنّ تقول: «يدع الرجال عبيدا» . فصاحت بها عاتكة بنت شهدة: ويلك!بندار الزيات العاضّ بظر أمه رجل!أ فمن الكرام هو!. قال: فكنت إذا مرّ بي بندار أو رأيته غلبني الضحك فأستحيى منه و آخذ بيده و أجعل ذلك بشاشة؛ حتى أورث هذا/بيني و بينه مقاربة؛ فكان يقول: أبو الحسن عليّ بن جعفر صديق لي.

علمت مخارقا الغناء و هو مولى لها:

و كان مخارق مملوكا لعاتكة، و هي علّمته الغناء و وضعت يده على العود، ثم باعته؛ فانتقل من ملك رجل إلى ملك آخر حتى صار إلى الرشيد. و قد ذكر ذلك في أخباره.

صوت من المائة المختارة

و لو أنّ ما عند ابن بجرة عندها # من الخمر لم تبلل لهاتي‏[1]بناطل

لعمري لأنت‏[2]البيت أكرم أهله # و أقعد في أفيائه‏[3]بالأصائل‏[4]

/عروضه من الطويل. الشعر لأبي ذؤيب الهذليّ. و الغناء لحكم الواديّ، و لحنه المختار من الثقيل الأوّل بالبنصر في مجراها. ابن بجرة هذا، فيما ذكره الأصمعيّ، رجل كان يبيع الخمر بالطائف، و زعم أن الناطل كوز تكال به الخمر. و قال ابن الأعرابي: ليس هذا بشي‏ء، و زعم أن الناطل: الشي‏ء؛ يقال: ما في الإناء ناطل، أي شي‏ء. و قال أبو عمرو الشّيباني: سمعت الأعراب يقولون: الناطل: الجرعة من الماء و اللبن و النبيذ. انتهى.

[1]اللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم.

[2]كذا في س. و في سائر الأصول: «لآتي البيت» .

[3]كذا في شرح ديوانه رواية أبي سعيد الحسن بن الحسين السكري المخطوط و المحفوظ بدار الكتب المصرية (تحت رقم 19 أدب ش) و «ديوان الهذليين» المخطوط و المحفوظ بدار الكتب المصرية (تحت رقم 6 أدب ش) و «لسان العرب» (مادتي «فيأ» و «أصل» ) .

و الأفياء: جمع في‏ء و هو الظل، و لا يكون الفي‏ء إلا بالعشيّ. و في جميع الأصول: «أفنائه» (بالنون) و هو تصحيف.

[4]الأصائل: العشيات.

469

20-ذكر أبي ذؤيب و خبره و نسبه‏

نسبه و إسلامه و موته:

هو خويلد بن خالد بن محرّث‏[1]بن زبيد بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم‏[2]بن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار. و هو أحد المخضرمين ممن أدرك الجاهليّة و الإسلام، و أسلم فحسن إسلامه. و مات في غزاة إفريقيّة.

رأى ابن سلام فيه و شهادة حسان له:

أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلاّم قال:

كان أبو ذؤيب شاعرا فحلا لا غميزة[3]فيه و لا وهن.

و قال ابن سلاّم‏[4]: قال أبو عمرو بن العلاء:

سئل حسّان بن ثابت: من أشعر الناس؟قال: أ حيّا أم رجلا[5]؟قالوا: حيّا؛ قال: أشعر الناس حيّا هذيل، و أشعر هذيل غير مدافع أبو ذؤيب. قال ابن سلاّم: ليس‏[6]هذا من قول أبي عمرو و نحن نقوله.

اسمه بالسريانية مؤلف زورا:

أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلاّم قال أخبرني محمد بن معاذ العمريّ قال:

/في التّوراة: أبو ذؤيب مؤلف زورا، و كان اسم الشاعر بالسريانية «مؤلف زورا» . فأخبرت بذلك بعض أصحاب العربيّة[7]، و هو كثير بن إسحاق، فعجب منه و قال: قد بلغني ذاك. و كان فصيحا كثير الغريب متمكّنا في الشعر.

[1]كذا في «تجريد الأغاني» و «الاستيعاب» (ج 2 ص 665) . و كذلك صححه المرحوم الأستاذ الشنقيطي بخطه على هامش نسخته.

و في جميع الأصول: «محرز» .

[2]كذا في «طبقات الشعراء» لابن سلام (ص 29 طبع أوروبا) و «الاستيعاب» و نسخة الشنقيطي مصححة بخطه. و في جميع الأصول:

«غنم» .

[3]الغميزة: المطعن.

[4]في الأصول: «و قال أبو عمرو بن العلاء قال ابن سلام... إلخ» و هو تحريف. فإن ابن سلام هو المتأخر و هو الذي ذكر قول أبي عمرو بن العلاء في كتابه «طبقات الشعراء» .

[5]عبارة ابن سلام في «الطبقات» : «قال: حيا أو رجلا... » . و في ب، س: «أم قال رجلا... إلخ» . بزيادة «قال» . و هو تحريف.

[6]هذه العبارة غير واضحة هنا، و هي واضحة في كتاب «الطبقات» لابن سلام، إذ فيه بعد ذكر الخبر: «ابن سلام يقوله» . يريد أن ابن سلام يؤيد ما رواه أبو عمرو بن العلاء.

[7]في حـ: «أصحاب المدينة» .

470

تقدّم شعراء هذيل بقصيدته العينية:

قال أبو زيد عمر بن شبّة:

تقدّم أبو ذؤيب جميع شعراء هذيل بقصيدته العينيّة التي يرثي فيها بنيه. يعني قوله:

أ من المنون و ريبه تتوجّع # و الدهر ليس بمعتب من يجزع‏

و هذه يقولها في بنين له خمسة أصيبوا في عام واحد بالطاعون و رثاهم فيها. و سنذكر جميع ما يغنّى فيه منها على أثر أخباره هذه.

خرج مع عبد اللّه بن سعد لغزو إفريقية و عاد مع ابن الزبير فمات في مصر:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن مصعب الزّبيريّ، و أخبرني حرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي قال:

كان أبو ذؤيب الهذلي خرج في جند[1]عبد اللّه بن سعد[2]بن أبي سرح أحد بني عامر بن لؤيّ إلى إفريقية سنة ستّ و عشرين غازيا إفرنجة في زمن عثمان. فلما/فتح عبد اللّه بن سعد إفريقية و ما والاها بعث عبد اللّه بن الزبير -و كان في جنده-بشيرا إلى عثمان/بن عفّان، و بعث معه نفرا فيهم أبو ذؤيب. ففي عبد اللّه يقول أبو ذؤيب:

فصاحب صدق كسيد الضّرا # ء ينهض في الغزو نهضا نجيحا[3]

في قصيدة له.

وصف ابن الزبير لحرب إفريقية:

فلما قدموا مصر مات أبو ذؤيب‏[4]بها. و قدم ابن الزبير على عثمان، و هو يومئذ، في قول ابن الزبير، ابن ستّ و عشرين سنة؛ و في قول الواقديّ ابن أربع و عشرين سنة. و بشّر عبد اللّه عند مقدمه بخبيب بن عبد اللّه بن الزبير و بأخيه عروة بن الزبير، و كانا ولدا في ذلك العام، و خبيب أكبرهما. قال مصعب: فسمعت أبي و الزبير بن خبيب بن [1]و كان ضمن جند عبد اللّه أيضا معبد بن العباس بن عبد المطلب و مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية و الحارث بن الحكم أخوه و المسور بن مخرمة بن نوفل و عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب و عبد اللّه بن عمر بن الخطاب و عاصم بن عمر و عبيد اللّه بن عمر و عبد الرحمن بن أبي بكر و عبد اللّه بن عمرو بن العاص و بسر بن أبي أرطاة بن عويمر العامري. (راجع «فتوح البلدان» للبلاذري) .

[2]هو عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح العامري، و كان يكتب الوحي لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فارتدّ عن الإسلام و لحق بالمشركين بمكة. و كان معاوية بن أبي سفيان بمكة قد أسلم و حسن إسلامه فاتخذه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم كاتبا للوحي بعد ابن أبي سرح. فلما فتح النبي صلى اللّه عليه و سلم مكة استجار عبد اللّه بن سعد بدار عثمان رضي اللّه عنه فأخذ له عثمان الأمان من النبي صلى اللّه عليه و سلم. و كان ابن أبي سرح أخا لعثمان من الرضاعة، فحسن إسلامه من ذلك الوقت. فلما أفضت الخلافة إلى عثمان رضي اللّه عنه ولاه على ملك مصر و جندها سنة 25 هـ فكان يبعث المسلمين في جرائد الخيل فيغيرون على أطراف إفريقية. فكتب إلى عثمان يخبره بما نال المسلمون من عدوهم، فكان ذلك السبب في توجيه الجيش إليه و تقديمه عليه و دخوله به للغزو إلى إفريقية.

[3]كذا ورد هذا البيت في «شرح ديوان أبي ذؤيب» و قبله شعر يدل على هجر محبوبته له و إعراضها عنه إلى غيره. يقول: فإن استبدلت بي إنسانا فاستبدلي بي مثل هذا الصاحب. و الضراء: ما واراك من شجر. و السيد: الذئب. و أخبث ما يكون من الذئاب سيد الضراء الذي تعوده. و قد صححه الأستاذ الشنقيطي بهذه الرواية في هامش نسخته. و في الأصول: «و صاحب صدق كسيد الغضي...

إلخ» .

[4]في «فتوح البلدان» للبلاذري (ص 226 طبع أوروبا) : أن أبا ذؤيب توفي بإفريقية فقام بأمره ابن الزبير حتى واراه في لحده. و رواية البلاذري تنفق مع ما ذكره ابن قتيبة في «طبقات الشعراء» (ص 413 طبع أوروبا) و ابن الأثير في «الكامل» (ج 3 ص 70 طبع أوروبا) و ابن حجر في «الإصابة» (ج 7 ص 63 طبع مطبعة السعادة) . و سيذكر المؤلف في هذه الترجمة أنه مات بأرض الروم و دفن بها.

471

ثابت بن عبد اللّه بن الزبير يقولان: قال عبد اللّه بن الزبير: أحاط بنا جرجير صاحب إفريقية و هو ملك إفرنجة في عشرين ألفا و مائة ألف و نحن في عشرين ألفا؛ فضاق بالمسلمين أمرهم و اختلفوا في الرأي، فدخل عبد اللّه بن سعد فسطاطه يخلو يفكّر. قال عبد اللّه بن الزبير: فرأيت عورة من جرجير و الناس على مصافّهم، رأيته على برذون أشهب خلف أصحابه منقطعا منهم، معه جاريتان له تظلاّنه من الشمس بريش الطّواويس. /فجئت فسطاط عبد اللّه فطلبت الإذن عليه من حاجبه؛ فقال: إنه في شأنكم و إنه قد أمرني أن أمسك الناس عنه. قال: فدرت فأتيت مؤخّر فسطاطه فرفعته و دخلت عليه، فإذا هو مستلق على فراشه؛ ففزع و قال: ما الذي أدخلك عليّ يا ابن الزبير؟فقلت: إيه و إيه! كلّ أزبّ نفور[1]!إني رأيت عورة من عدوّنا فرجوت الفرصة فيه و خشيت فواتها، فاخرج فاندب الناس إليّ. قال:

و ما هي؟فأخبرته؛ فقال: عورة لعمري!ثم خرج فرأى ما رأيت؛ فقال: أيها الناس، انتدبوا مع ابن الزبير إلى عدّوكم. فاخترت ثلاثين فارسا، و قلت: إني حامل فاضربوا عن ظهري فإني سأكفيكم من ألقى إن شاء اللّه تعالى.

فحملت في الوجه الذي هو فيه و حملوا فذبّوا عنّي حتى خرقتهم‏[2]إلى أرض خالية، و تبيّنته فصمدت‏[3]صمده؛ فو اللّه ما حسب إلا أني رسول و لا ظنّ أكثر أصحابه إلا ذاك، حتى رأى ما بي من أثر السلاح، فثنى برذونه هاربا، فأدركته فطعنته فسقط، و رميت بنفسي عليه، و اتّقت جاريتاه عنه السيف فقطعت يد إحداهما. و أجهزت عليه ثم رفعت رأسه في رمحي، و جال أصحابه و حمل المسلمون في ناحيتي و كبّروا فقتّلوهم كيف شاءوا، و كانت الهزيمة.

فقال لي عبد اللّه بن سعد: ما أحد أحقّ بالبشارة منك، فبعثني إلى عثمان. و قدم مروان‏[4]بعدي على عثمان/حين اطمأنّوا و باعوا المغنم و قسّموه.

اشترى مروان خمس في‏ء إفريقية بمال فوضعه عنه عثمان:

و كان مروان قد صفق‏[5]على الخمس بخمسمائة ألف، فوضعها عنه عثمان، فكان ذلك مما تكلّم فيه بسببه.

فقال عبد الرحمن بن حنبل‏[6]بن مليل-و كان هو و أخوه كلدة أخوي صفوان بن أميّة بن خلف لأمه، و هي صفيّة بنت معمر بن حبيب‏[7]بن وهب بن حذافة بن جمح، و كان أبوهما ممن سقط من اليمن إلى مكة-:

أحلف‏[8]باللّه جهد اليميـ # ن ما ترك اللّه أمرا سدى‏

[1]الأزب من الإبل: الذي يكثر شعر حاجبيه، و لا يكون الأزب إلا نفورا لأن الريح تضربه فينفر. و هذا مثل يضرب في عيب الجبان.

قاله زهير بن جذيمة لأخيه أسيد و كان أزب جبانا، و كان خالد بن جعفر بن كلاب يطلبه بذحل، و كان زهير يوما في إبله يهنؤها و معه أخوه أسيد، فرأى أسيد خالد بن جعفر قد أقبل في أصحابه فأخبر زهيرا بمكانهم فقال له زهير: كل أزب نفور. و إنما قال له هذا لأن أسيدا كان أشعر (عن «مجمع الأمثال» للميداني) .

[2]كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «حتى حزقتهم» و هو تصحيف. و «عبارة البيان المغرب في أخبار المغرب» لابن عذارى المراكشي: «خرقت صفوفهم... إلخ» .

[3]صمد صمد الأمر: قصد قصده.

[4]هو الخليفة مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس أبو عبد الملك الخليفة، و هو ابن عم عثمان بن عفان رضي اللّه عنه و كاتبه؛ و من أجله كان ابتداء فتنة عثمان رضي اللّه عنه و قتله. ثم انضم إلى ابن عمه معاوية ابن أبي سفيان و تولى عدة أعمال إلى أن وثب على الأمر بعد أولاد يزيد بن معاوية و بويع بالخلافة؛ فلم تطل مدته و مات في أول شهر رمضان سنة 65 هـ.

[5]الصفق: التبايع، و هو من صفق اليد على اليد عند وجوب البيع.

[6]كذا في حـ و الاستيعاب في ترجمة عبد الرحمن بن حنبل و أخيه كلدة بن حنبل. و في سائر الأصول: «حسان» و هو تحريف.

[7]كذا في «الاستيعاب» و «الطبقات الكبرى» لابن سعد (ج 5 ص 332 في ترجمة صفوان بن أمية) . و في جميع الأصول: «خبيب» بالخاء المعجمة، و هو تصحيف.

[8]في «الاستيعاب» في ترجمة عبد الرحمن: «و أحلف» و في «البيان المغرب» : «سأحلف» .

472

و لكن خلقت‏[1]لنا فتنة # لكي نبتلى فيك‏[2]أو تبتلى

دعوت الطّريد[3]فأدنيته # خلافا[4]لسنّة من قد مضى

/و أعطيت‏[5]مروان خمس العبا # د ظلما لهم و حميت الحمى

/و مالا أتاك به الأشعريّ # من الفي‏ء أعطيته من دنا

و إن الأمينين قد بيّنا # منار الطريق عليه الهدى

فما أخذا درهما غيلة # و لا قسّما درهما في هوى‏

قال: و المال الذي ذكر أن الأشعريّ جاء به مال كان أبو موسى قدم به على عثمان من العراق، فأعطى عبد اللّه بن أسيد بن أبي العيص منه مائة ألف درهم، و قيل: ثلاثمائة ألف درهم؛ فأنكر الناس ذلك.

ذكر ابن بجرة و خمره في قصيدة غنى في أبيات منها:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه قال حدّثنا عمر بن شبّة عن محمد بن يحيى عن عبد العزيز-أظنه ابن‏[6] الدّراوردي-قال: ابن بجرة الذي ذكره أبو ذؤيب رجل من بني عبيد بن عويج بن عديّ بن كعب من قريش، و لم يسكنوا مكة و لا المدينة قطّ، و بالمدينة منهم امرأة، و لهم موال أشهر منهم، يقال لهم بنو سجفان‏[7]. و كان ابن بجرة هذا خمّارا. و هذا الصوت الذي ذكرناه‏[8]من لحن حكم الواديّ المختار من قصيدة لأبي ذؤيب طويلة. فمما يغنّى فيه منها:

صوت‏

أ ساءلت رسم الدار أم لم تسائل # عن الحيّ أم عن عهده بالأوائل‏

[1]في «الاستيعاب» : «جعلت» .

[2]في حـ: «بك» .

[3]الطريد: هو الحكم بن العاص بن أمية أبو مروان بن الحكم و عم عثمان بن عفان، أسلم يوم الفتح. أخرجه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من المدينة و طرده عنها فنزل الطائف. و لم يزل بها مدّة خلافة أبي بكر و عمر إلى أن ولى عثمان فرده إلى المدينة و أعطاه مائة ألف درهم، و بقي فيها إلى أن توفي في آخر خلافة عثمان قبل القيام على عثمان بأشهر و كان ذلك مما نقموا على عثمان. و اختلف في السبب الموجب لنفي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إياه فقيل: كان يتحيل و يستخفي و يسمع ما يسره رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى كبار أصحابه في مشركي قريس و سائر الكفار و المنافقين فكان يفشي ذلك عليه، و كان يحكيه في مشيئته و بعض حركاته إلى أمور غيرها. (انظر «الاستيعاب» ج 1 ص 120، 121 و «المعارف» لابن قتيبة ص 97 و «طبقات ابن سعد» ج 5 ص 330-331) .

[4]في «الاستيعاب» :

خلافا لما سنه المصطفى‏

[5]ورد هذا البيت و الذي بعده في «الاستيعاب» هكذا:

و وليت قرباك أمر العباد # خلافا لسنة من قد مضى

و أعطيت مروان خمس الغنيـ # مة آثرته و حميت الحمى‏

[6]كذا في ب، س، حـ. و في سائر الأصول: «أظنه ابن عمران» . و كلاهما روى عنه محمد بن يحيى الكناني أبو غسان.

و الدراوردي: نسبة إلى دراورد، قرية من قرى فارس. و قيل: إنها قرية بخراسان، و قيل غير ذلك. (راجع «تهذيب التهذيب» و «الطبقات الكبرى» لابن سعد) .

[7]كذا في ب، س. و في حـ: «بنو أسجفا» . و في سائر الأصول: «بنو أسجفان» .

[8]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «ذكره» .

473

عفا غير رسم الدار ما إن تبينه‏[1] # و عفر[2]ظباء قد ثوت في المنازل

فلو أنّ ما عند ابن بجرة عندها # من الخمر لم تبلل لهاتي بناطل

/فتلك‏[3]التي لا يذهب الدهر حبّها # و لا ذكرها ما أرزمت أمّ حائل‏

غنّاه الغريض ثقيلا أوّل بالوسطى. و يقال: إن لمعبد فيه أيضا لحنا.

قوله: «أ ساءلت» يخاطب نفسه. و يروى: «عن السّكن أو عن أهله» [4]. و السّكن. الذي‏[5]كانوا فيه. و قال الأصمعي: السكن: سكن الدار. و السكن: المنزل أيضا. و يروى: «عفا غير نؤي الدار» . و النّؤى: حاجز يجعل حول بيوت الأعراب لئلا يصل المطر إليها. و يروى-و هو الصحيح-:

و أقطاع‏[6]طفي قد عفت في المعاقل‏

و الطّفي: خوص المقل. و المعاقل: حيث نزلوا فامتنعوا، واحدها معقل. و واحد الطّفي: طفية. و أرزمت:

حنّت. و الحائل: الأنثى. و السّقب: الذكر.

و منها:

صوت‏

و إنّ حديثا منك لو تبذلينه # جنى النحل في ألبان عوذ مطافل

مطافل أبكار حديث نتاجها # تشاب بماء مثل ماء المفاصل‏

غنّاه ابن سريج رملا بالوسطى. جنى النحل: العسل. و العوذ: جمع عائذ، الناقة حين تضع فهي عائذ، فإذا تبعها ولدها قيل لها مطفل. و المفاصل: منفصل‏[7]السهل/من الجبل حيث يكون الرّضراض‏[8]، و الماء الذي يستنقع‏[9]فيها أطيب المياه. و تشاب: تخلط.

و أخبرني محمّد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثنا الأصمعيّ:

أن أبا ذؤيب إنما عنى بقوله: «مطافل أبكار» أنّ لبن الأبكار أطيب الألبان، و هو لبنها لأوّل بطن وضعت.

قال: و كذلك العسل فإنّ أطيبه ما كان من بكر النحل. قال: و حدّثني كردين قال: كتب الحجاج إلى عامله على [1]في حـ: «أبينه» .

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و غير ظبا» .

[3]رواية هذا الشطر في ديوانه المخطوط و «أمالي القالي» (ج 1 ص 233 طبع دار الكتب المصرية) : «فتلك التي لا يبرح القلب حبها» .

[4]قال الأصمعي في التعليق على هذا البيت في شرح ديوانه: «السكن: أهل الدار سكانها، و السكن: المنزل... » . و ترك كلمة السكن بدون شكل. و الذي في كتب اللغة أن السكن (بالفتح) : السكان، و هو جمع لساكن كصحب و صاحب. (و بالضم و بالتحريك) :

المسكن.

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «الذين» و هو تحريف.

[6]أقطاع: جمع قطع (بالكسر) و هو-كالقطيع-: الغصن تقطعه من الشجرة.

[7]كذا صححها المرحوم الأستاذ الشنقيطي بخطه على هامش نسخته. و في الأصول: «منفتل» .

[8]الرضراض: ما دق من الحصى.

[9]كذا في حـ. و يستنقع: يجتمع. و في سائر الأصول: «ينبع» .

474

/فارس: ابعث إليّ بعسل من عسل خلاّر[1]، من النحل الأبكار، من الدستفشار[2]، الذي لم تمسّه النار.

صوت من قصيدته العينية:

فأما قصيدته العينية التي فضّل بها، فممّا يغنّى به منها:

صوت‏

أ من المنون و ريبها[3]تتوجّع # و الدهر ليس بمعتب من يجزع

قالت أمامة[4]ما لجسمك شاحبا # منذ ابتذلت و مثل مالك ينفع

أم ما لجنبك لا يلائم مضجعا # إلا أقضّ عليك ذاك المضجع

فأجبتها أن ما[5]لجسمي أنّه # أودى بنيّ من البلاد فودّعوا

/عروضه من الكامل. غنّاه ابن محرز و لحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالبنصر في مجراها. قال الأصمعيّ: سمّيت المنون منونا لأنها تذهب بمنّة كل شي‏ء و هي قوّته. و روى الأصمعي: «و ريبه» فذكّر المنون.

و الشاحب: المغيّر المهزول. يقال: شحب يشحب. ابتذلت: امتهنت نفسك و كرهت الدعة و الزينة و لزمت العمل و السفر و مثل مالك يغنيك عن هذا، فاشتر لنفسك من يكفيك ذلك و يقوم لك به. و يلائم: يوافق. أقضّ عليك أي خشن فلم تستطع أن تضطجع عليه. و القضض: الرمل و الحصى. قال الراجز:

إنّ‏[6]أحيحا مات من غير مرض # و وجد في مرمضه حيث ارتمض‏[7]

عساقل‏[8]و جبأ فيها قضض‏

و ودّعوا: ذهبوا. استعمل ذلك في الذهاب لأن من عادة المفارق أن يودّع.

[1]خلار (كرمان) : موضع بفارس ينسب إليه العسل الجيد.

[2]الدستفشار: لفظة فارسية، معناها: ما عصرته الأيدي و عالجته.

[3]كذا في ديوانه و فيما سيأتي في جميع الأصول هنا و فيما مر: «و ريبه» . و المنون يذكر و يؤنث، فمن أنث حمله على المنية، و من ذكر حمله على الموت. و يحتمل أن يكون التأنيث راجعا إلى معنى الجنسية و الكثرة، و ذلك لأن الداهية توصف بالعموم و الكثرة و الانتشار. و قيل: إن من ذكر المنون أراد به الدهر. و قد روى في «اللسان» (مادة منن) بالتذكير و ذكر فيه التأنيث رواية عن ابن سيدة و قد شرح أبو الفرج ذلك في الصفحة التالية.

[4]في شرح ديوانه: «أميمة» .

[5]كذا في ديوانه. و يريد أن الذي بجسمي هو غمي لذهاب ولدي و نفادهم، فهذا الذي ترين بجسمي لذلك. (يراجع شرح ديوانه) . و في ب، س: «أما لجسمك» . و في سائر الأصول: «أم ما لجسمك» .

[6]كذا في «لسان العرب» مادتي «جبأ و رمض» . و في ب، س: «إن احتجا ما يك عن... إلخ» . و في سائر الأصول: «إن احتجاما تك» . و كلاهما تحريف.

[7]ارتمض الرجل من كذا، أي اشتدّ عليه و أقلقه.

[8]العساقل: ضرب من الكمأة، و هي الكمأة الكبار البيض يقال لها شحمة الأرض. و الجب‏ء (بالفتح) : الكمأة السود. و السود خيار الكمأة. فجبأ (بكسر ففتح) يجوز أن يكون جمع جب‏ء كجبأة (بكسر ففتح أيضا) و هو نادر، و يجوز أن يكون المراد جبأة، فحذفت الهاء للضرورة، و يجوز أن يكون اسما للجمع. (عن «اللسان» مادة جبأ) .

475

طلب المنصور قصيدته العينية فلم يعرفها أحد من أهله و عرفها مؤدب فأجازه:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني أحمد بن عمر النحويّ قال حدّثني أبي عن الهيثم بن عديّ عن ابن عياش قال:

لما مات جعفر بن المنصور الأكبر مشى المنصور في جنازته من المدينة[1]إلى/مقابر قريش‏[2]، و مشى الناس أجمعون معه حتى دفنه، ثم انصرف إلى قصره. ثم أقبل على الربيع‏[3]فقال: يا ربيع، انظر من في أهلي ينشدني:

أ من المنون و ريبها تتوجّع‏

حتى أتسلّى بها عن مصيبتي. قال الربيع: فخرجت إلى بني هاشم و هم بأجمعهم حضور، فسألتهم عنها، فلم يكن فيهم أحد يحفظها، فرجعت فأخبرته؛ فقال: و اللّه لمصيبتي بأهل بيتي ألاّ يكون فيهم أحد يحفظ هذا لقلّة رغبتهم في الأدب أعظم و أشدّ عليّ من مصيبتي بابني. ثم قال: انظر هل في القوّاد و العوامّ من الجند من يعرفها، فإني أحبّ أن أسمعها من إنسان ينشدها. فخرجت فاعترضت الناس فلم أجد أحدا ينشدها إلا شيخا كبيرا مؤدّبا قد انصرف من موضع تأديبه، فسألته: هل تحفظ شيئا من الشعر؟فقال: نعم، شعر أبي ذؤيب. فقلت: أنشدني. فابتدأ هذه القصيدة العينيّة. فقلت له: أنت بغيتي. ثم أوصلته إلى المنصور فاستنشده إياها. فلما قال:

و الدهر ليس بمعتب‏[4]من يجزع‏

قال: صدق و اللّه، فأنشدني هذا البيت مائة مرّة ليتردّد هذا المصراع عليّ؛ فأنشده، ثم مرّ فيها. فلما انتهى إلى قوله:

و الدهر لا يبقى على حدثانه # جون السّراة له جدائد[5]أربع‏

/قال: سلا[6]أبو ذؤيب عند هذا القول. ثم أمر الشيخ بالانصراف. فاتّبعته فقلت له: أ أمر لك أمير المؤمنين بشي‏ء؟فأراني صرّة في يده فيها مائة درهم.

خانه خالد بن زهير في امرأة يهواها كان خان هو فيها عويم بن مالك:

حدّثنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثنا الأصمعيّ قال:

كان أبو ذؤيب الهذليّ يهوى امرأة يقال لها أم عمرو، و كان يرسل إليها خالد[7]بن زهير فخانه فيها، و كذلك [1]يريد بغداد.

[2]مقابر قريش ببغداد: مقبرة مشهورة و محلة فيها خلق كثير و عليها سور بين الحربية و مقبرة أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه و الحريم الطاهري، و بينها و بين دجلة شوط فرس جيد، و هي التي فيها قبر موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين ابن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، و كان جعفر الأكبر هو أول من دفن بها، و المنصور أول من جعلها مقبرة لما ابتنى بها مدينته سنة 146 هـ.

[3]هو الربيع بن يونس مولى المنصور.

[4]أعتبه: رجع إلى ما يرضيه و ترك ما يسخطه.

[5]جون السراة: أسود الظهر أو أبيضه، فإن الجون يطلق على الأسود و الأبيض. و يريد بجون السراة حمارا. و الجدائد: الأتن، واحدها جدود (بفتح أوله) و هي التي لا لبن لها.

[6]كذا في أ، ء، م. و في ب، حـ: «سلا أبو ذؤيب عن هذا القول» . و في س: «سل أبا ذؤيب عن هذا القول» .

[7]هو خالد بن زهير الهذلي، و كان ابن أخت أبي ذؤيب، و قيل: ابن أخيه. ـ

476

كان أبو ذؤيب فعل برجل يقال له عويم‏[1]بن مالك بن عويمر و كان رسوله إليها. فلما علم أبو ذؤيب بما فعل خالد ضرمها. فأرسلت تترضّاه، فلم يفعل، و قال فيها:

تريدين كيما تجمعيني و خالدا # و هل يجمع السيفان ويحك في غمد

أ خالد ما راعيت منّي‏[2]قرابة # فتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي‏[3]

دعاك إليها مقلتاها و جيدها # فملت كما مال المحبّ على عمد

و كنت كرقراق السّراب إذا بدا # لقوم و قد بات المطيّ بهم يخدي‏[4]

فآليت لا أنفكّ أحدو قصيدة # تكون و إياها بها مثلا بعدي‏

/غنّاه ابن سريج خفيف رمل بالبنصر. الغيب: السرّ. و الرقراق: الجاري. و يروى: «أحذو قصيدة» . فمن قال: «أحذو» بالذال المعجمة أراد أصنع، و من قال: «أحدو» أراد أغنّي.

و قال أبو ذؤيب في ذلك:

و ما حمّل البختيّ عام غياره‏[5] # عليه الوسوق‏[6]برّها و شعيرها

أتى قرية كانت كثيرا طعامها # كرفغ‏[7]التراب كلّ شي‏ء يميرها

-الرفغ من التراب: الكثير اللين-.

فقيل تحمّل فوق طوقك إنّها # مطبّعة[8]من يأتها لا يضيرها

بأعظم‏[9]مما كنت حمّلت خالدا # و بعض أمانات الرجال غرورها

و لو أنني حمّلته البزل ما مشت # به البزل حتى تتلئبّ صدورها

-تتلئب: تستقيم و تنتصب و تمتدّ و تتتابع‏[10]-:

خليلي الذي دلّى‏[11]لغيّ خليلتي # جهارا فكلّ قد أصاب عرورها[12]

[1]كذا في أكثر الأصول. و في حـ: «عويمر» . و قد أورد ابن قتيبة هذه القصة في كتابه «طبقات الشعراء» (ص 413-414) و ذكر أن الرجل الذي خانه أبو ذؤيب في هذه المرأة هو ابن عم له يقال له مالك بن عويمر. و أوردها البغدادي في كتابه «خزانة الأدب» (ج 2 ص 316، ج 3 ص 597، 648) في تفصيل كثير، فذكر في موضع أنه يقال له مالك بن عويمر، كما ذكره ابن قتيبة، و في موضع آخر أنه يقال له وهب بن جابر، و ذكر سبب تعلقه بها و جفائها له بعد. و استطرد في القصة حتى أتى على خبر مقتل خالد بن زهير.

[2]كذا في «شرح ديوانه» و «الشعر و الشعراء» . و في الأصول: «من ذي قرابة» .

[3]أراد: فتحفظني بالغيب أو في بعض ما تظهر من المودة و الإخاء.

[4]كذا في حـ و ديوانه. و خدي البعير و الفرس خديا و خديانا: أسرع و زج بقوائمه. و في سائر الأصول: «يحدى» (بالحاء المهملة) و هو تصحيف.

[5]الغيار (بالكسر) : مصدر غارهم يغيرهم إذا ما رهم أي أتاهم بالميرة.

[6]الوسوق: جمع وسق (بالفتح) ، و هو حمل البعير، و قيل: الحمل عامة.

[7]في جميع الأصول: «كرقع» (بالقاف و العين المهملة) . و التصويب عن شرح ديوانه.

[8]يريد أن هذه القرية مملوءة بالطعام، فكنى عن ذلك بأنها مطبعة أي مختومة لأن الختم إنما يكون غالبا بعد المل‏ء.

[9]في ديوانه: «بأثقل» .

[10]لعلها «و تتتايع» بالياء المثناة التحتية. يقال: تتتايع الجمل في مشيه إذا حرك ألواحه حتى يكاد ينفك.

[11]دلى فلان فلانا في الشرّ: أوقعه و صيره فيه.

[12]العرور: المعرة و العيب.

477

-يقال: عرّه بكذا أي أصابه‏[به‏][1]-:

فشأنكها[2]، إني أمين و إنّني # إذا ما تحالى مثلها لا أطورها

-تحالى: من الحلاوة. أطورها: أقربها-:

/

أحاذر يوما أن تبين قرينتي # و يسلمها أحرازها[3]و نصيرها

-الأحراز: الحصون. قرينتي: نفسي-:

و ما أنفس الفتيان إلا قرائن # تبين و يبقى هامها و قبورها

فنفسك فاحفظها و لا تفش للعدا # من السرّ ما يطوى عليه ضميرها

و ما يحفظ المكتوم من سرّ أهله # إذا عقد الأسرار ضاع كبيرها

من القوم إلا ذو عفاف يعينه # على ذاك منه صدق نفس و خيرها

/رعى خالد سرّي ليالي نفسه # توالى‏[4]على قصد السبيل أمورها

فلما تراماه‏[5]الشباب و غيّه # و في النفس منه فتنة و فجورها

لوى رأسه عنّي و مال بودّه # أغانيج خود[6]كان فينا يزورها

تعلّقه منها دلال و مقلة # تظلّ لأصحاب الشّقاء تديرها

فإنّ حراما أن أخون أمانة # و آمن نفسا ليس عندي ضميرها[7]

فأجابه خالد بن زهير:

لا يبعدنّ اللّه لبّك إذ غزا # و سافر و الأحلام جمّ عثورها

-غزا و سافر لبك: ذهب عنك. و العثور: من العثار و هو الخطأ-:

و كنت إماما للعشيرة تنتهي # إليك إذا ضاقت بأمر صدورها

/لعلّك‏[8]إمّا أمّ عمرو تبدّلت # سواك خليلا شاتمي تستخيرها

-الاستخارة: الاستعطاف-:

فإنّ التي فينا زعمت و مثلها # لفيك و لكنّي أراك تجورها[9]

[1]زيادة عن حـ.

[2]في شرح ديوانه في التعليق على هذا البيت: و رواه خالد و الأصمعيّ:

«فشأنكما...

إلخ» .

[3]في شرح ديوانه: «إخوانها» .

[4]توالى: تتابع. و قصد السبيل: مستقيمه.

[5]تراماه الشباب: أي تم شبابه فقذف به إلى الغي كما تترامى الفلاة براكبها.

[6]الأغانيج: جمع أغنوجة. و الأغنوجة من التغنج و هو التكسر و التدلل. و الخود: الفتاة الحسنة الخلق الشابة ما لم تصر نصفا.

[7]يريد: لا آمن من ليس عندي ضمير قلبه و الذي يزعم أنه أخي و ليس ضميره عندي. و في نسبة هذا البيت لأبي ذؤيب خلاف ذكر في شرح ديوانه.

[8]كذا في حـ و شرح ديوانه. و في سائر الأصول: «لعمرك» .

[9]كذا في أ، ء، م، و شرح ديوانه. و في سائر الأصول: «و لكن لا أراك تخورها» (بالخاء المعجمة) و هو تحريف.

478

-تجورها: تعرض عنها-:

أ لم تنتقذها[1]من عويم بن مالك # و أنت صفيّ نفسه و سجيرها[2]

فلا تجزعن من سنّة أنت سرتها # فأوّل راض سنّة من يسيرها

-و يروى‏[قد][3]أسرتها، أي جعلتها سائرة. و من رواه هكذا روى «يسيرها» لأن مستقبل‏[4]أفعل أسارها يسيرها. و «يسيرها» مستقبل سار السيرة يسيرها-.

فإن كنت تشكو من خليل مخانة[5] # فتلك الجوازي‏[6]عقبها و نصورها

-عقبها: يريد عاقبتها. و نصورها أي تنصر عليك، الواحد نصر[7]-.

و إن كنت تبغي للظّلامة مركبا # ذلولا فإني ليس عندي بعيرها

نشأت عسيرا لا تلين‏[8]عريكتي # و لم يعل‏[9]يوما فوق ظهري كورها[10]

/متى ما تشأ أحملك و الرأس مائل # على صعبة حرف و شيك طمورها[11]

فلا تك كالثور الذي دفنت له # حديدة حتف ثم أمسى‏[12]يثيرها

يطيل ثواء عندها ليردّها # و هيهات منه دارها[13]و قصورها

و قاسمها باللّه جهدا لأنتم # ألذّ من السّلوى إذا ما نشورها[14]

-نشورها: نجتنيها. السلوى هاهنا: العسل-.

فلم يغن عنه خدعه يوم أزمعت # صريمتها و النفس مرّ ضميرها[15]

و لم يلف جلدا حازما ذا عزيمة # و ذا قوّة ينفي بها من يزورها

[1]الموجود في معاجم اللغة من هذه المادة: أنقذه و استنقذه و تنقذه. و رواية هذا الشطر في شرح ديوانه و «طبقات الشعراء» :

«أ لم تتنقذها من ابن عويمر # .. إلخ»

و تنقذها: تنجزها و أخذها.

[2]السجير: الخليل الصفيّ.

[3]زيادة عن شرح ديوانه.

[4]كذا وردت هذه العبارة في الأصول، و هي غير مستقيمة. و الظاهر أن كلمة «أفعل» مقحمة.

[5]كذا في شرح ديوانه. و في جميع الأصول: «مخافة» (بالفاء) و هو تحريف.

[6]كذا في حـ و شرح ديوانه. و في سائر الأصول: «الجواري» (بالراء المهملة) و هو تصحيف.

[7]قال في «اللسان» (مادة نصر) بعد أن أورد هذا البيت: «يجوز أن يكون نصور جمع ناصر كشاهد و شهود و أن يكون مصدرا كالدخول و الخروج» .

[8]في شرح ديوانه:

«لم تديث»

. و تديث: تذلل و تلين.

[9]في شرح ديوانه:

«و لم يستقر فوق...

إلخ» .

[10]الكور: الرحل.

[11]الرأس مائل من المرح و النشاط. و الحرف: الضامرة. و وشيك طمورها: سريع وثوبها.

[12]في شرح ديوانه: «ثم ظل» .

[13]في شرح ديوانه: «دورها» .

[14]كذا في شرح ديوانه و «لسان العرب» (مادة سلا) . و في الأصول: «يشورها» .

[15]مرّ ضميرها أي نفسها خبيثة كارهة.

479

فأقصر[1]و لم تأخذك منّي سحابة # ينفّر شاء المقلعين خريرها

-المقلعين: الذين أصابهم القلع و هو السحاب-.

و لا تسبقنّ الناس منّي بخمطة[2] # من السمّ مذرور عليها ذرورها

/أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا السّكن بن سعيد قال حدّثنا العبّاس بن هشام قال حدّثني أبو عمرو عبد اللّه بن الحارث الهذليّ من أهل المدينة قال:

خرج أبو ذؤيب مع ابنه و ابن أخ له يقال له أبو عبيد[3]، حتى قدموا على عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه.

فقال‏[4]له: أيّ العمل أفضل يا أمير المؤمنين؟قال: الإيمان/باللّه و رسوله. قال: قد فعلت، فأيّه أفضل بعده؟ قال: الجهاد في سبيل اللّه. قال: ذلك كان عليّ و إني لا أرجو جنة و لا أخاف نارا. ثم خرج فغزا أرض الروم مع المسلمين. فلما قفلوا أخذه‏[5]الموت؛ فأراد ابنه و ابن أخيه أن يتخلّفا عليه جميعا؛ فمنعهما صاحب الساقة[6] و قال: ليتخلّف عليه أحدكما و ليعلم أنه مقتول. فقال لهما أبو ذؤيب. اقترعا، فطارت القرعة لأبي عبيد، فتخلّف عليه و مضى ابنه مع الناس. فكان أبو عبيد يحدّث قال قال لي أبو ذؤيب: يا أبا عبيد، احفر ذلك الجرف برمحك ثم اعضد[7]من الشجر بسيفك ثم اجررني إلى هذا النهر فإنك لا تفرغ حتى أفرغ، فاغسلني و كفنّي ثم اجعلني في حفيري و انثل‏[8]عليّ الجرف برمحك، و ألق عليّ الغصون و الشجر، ثم اتبع الناس فإن لهم رهجة[9]تراها في الأفق إذا مشيت كأنها جهامة[10]. قال: فما أخطأ مما قال شيئا، و لو لا نعته لم أهتد لأثر الجيش. و قال و هو يجود بنفسه:

أبا عبيد رفع الكتاب # و اقترب الموعد و الحساب

و عند رحلي جمل نجاب # أحمر في حاركه‏[11]انصباب‏

ثم مضيت حتى لحقت الناس. فكان يقال: إنّ أهل الإسلام أبعدوا الأثر في بلد الروم، فما كان وراء قبر أبي ذؤيب قبر يعرف لأحد من المسلمين.

[1]أي كف و لم تأخذك مني سحابة منطق و هجاء كأنه مطر ينفر شاء الناس. و رواه الأصمعيّ: «فإياك لا تأخذك... » . (راجع شرح ديوانه) .

[2]كذا في شرح ديوانه و «لسان العرب» (مادة خمط) . و الخمطة: الطرية التي أخذت طعما و لم تستحكم، أو هي التي أخذت ريح الإدراك كريح التفاح و لم تدرك بعد. و المراد هنا اللوم و الكلام القبيح. و معنى البيت أنه ينهاه عن التعرض لشتمه و هجائه. و في الأصول: «منك بحكمة» و هو تحريف.

[3]في جميع الأصول هنا: «أبو عقيل» و هو تحريف.

[4]في جميع الأصول: «فقالوا» . و التصحيح عن الأستاذ الشنقيطي في هامش نسخته؛ فإن ما في الأصول لا يلائم سياق الخبر.

[5]مر في أوّل ترجمة أبي ذؤيب ما يخالف ما هنا. (راجع ما كتبه في صفحة 266 في الحاشية رقم 2) .

[6]ساقة الجيش: مؤخرته.

[7]كذا في «تجريد الأغاني» . و عضد الشجر يعضده (بالكسر) : قطعه. و في جميع الأصول: «اعمد» و هو تحريف.

[8]نثل الركية ينثلها (من باب ضرب) : أخرج ترابها. و هذا المعنى غير مستقيم في هذا المقام. فلعل صوابه «و أهلى على الجرف...

إلخ» . و أهال عليه التراب: دفعه فانهال.

[9]الرهجة: ما أثير من الغبار.

[10]الجهامة: السحابة لا ماء فيها.

[11]الحارك: أعلى الكاهل.

480

21-ذكر حكم الواديّ و خبره و نسبه‏

نسبه و أصله و صناعته:

هو الحكم بن ميمون مولى الوليد بن عبد الملك. و كان أبوه حلاّقا يحلق رأس الوليد، فاشتراه فأعتقه. و كان حكم طويلا أحول، يكري الجمال ينقل عليها الزيت من الشام إلى المدينة. و يكنى أبا يحيى. و قال مصعب بن عبد اللّه بن الزّبير: هو حكم بن يحيى بن ميمون، و كان أصله من الفرس، و كان جمّالا ينقل الزيت من وادي‏[1] القرى إلى المدينة.

غنى الوليد بن عبد الملك و عاش إلى زمن الرشيد:

و ذكر حمّاد بن إسحاق عن أبيه أنه كان شيخا طويلا أحول أجنأ[2]يخضب بالحنّاء، و كان جمّالا يحمل الزيت من جدّة إلى المدينة، و كان واحد دهره في الحذق، و كان ينقر بالدفّ و يغنّي مرتجلا، و عمّر عمرا طويلا، غنّى الوليد بن عبد الملك، و غنّى الرشيد و مات في الشّطر من خلافته، و ذكر أنه أخذ الغناء من عمر الوادي. قال: و كان بوادي القرى جماعة من المغنّين فيهم عمر بن زاذان-و قيل: ابن داود بن زاذان، و هو الذي كان يسميه الوليد جامع لذّتي-و حكم بن يحيى، و سليمان، و خليد بن عتيك-و قيل: ابن عبيد-و يعقوب الوادي. و كل هؤلاء كان يصنع فيحسن.

مدح إسحاق الموصلي غناءه:

أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني حمّاد قال قال لي أبي:

أحذق من رأيت من المغنين أربعة: جدّك و حكم و فليح بن العوراء و سياط. قلت: و ما بلغ من حذقهم؟قال:

كانوا يصنعون فيحسنون، و يؤدّون‏[3]غناء غيرهم/فيحسنون. قال إسحاق: و قال لي أبي: /ما في هؤلاء الذين تراهم من المغنّين أطبع من حكم و ابن جامع، و فليح أدرى منهما بما يخرج من رأسه.

غنى الوليد بن يزيد بشعر مطيع بن إياس فأجازه:

و ذكر هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات أن أحمد بن المكيّ حدّثه عن أبيه قال حدّثني حكم الواديّ، [1]وادي القرى: واد بين الشام و المدينة و هو بين تيماء و خيبر. سمي بذلك لأنه من أوله إلى آخره قرى منظومة كانت منازل قضاعة ثم جهينة و عذرة و بلى، و قديما كانت منازل ثمود و عاد و بها أهلكهم اللّه تعالى.

[2]الأجنأ: الأحدب.

[3]في حـ: «و يروون» .

481

و أخبرني به محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا الغلابيّ‏[1]عن حمّاد بن إسحاق عن أحمد بن المكيّ عن أبيه عن حكم الوادي قال:

أدخلني عمر الوادي على الوليد بن يزيد، و هو على حمار، و عليه جبّة وشي و رداء وشي و خفّ وشي، و في يده عقد جوهر، و في كمّه شي‏ء لا أدري ما هو. فقال: من غنّاني ما أشتهي فله ما في كمّي و ما عليّ و ما تحتي؛ فغنّوه كلّهم فلم يطرب؛ فقال لي: غنّ يا غلام، فغنّيت:

صوت‏

إكليلها ألوان # و وجهها فتّان

و خالها فريد # ليس له جيران

إذا مشت تثنّت # كأنها ثعبان‏

-الشعر لمطيع بن إياس. و الغناء لحكم الوادي هزج بالوسطى. و فيه لإبراهيم رمل خفيف بالوسطى-فطرب و أخرج ما كان في كمّه، و إذا كيس فيه ألف دينار، فرمى به إليّ مع عقد الجوهر؛ فلما دخل بعث إليّ بالحمار و جميع ما كان عليه. و هذا الخبر يذكر من عدّة وجوه في أخبار مطيع بن إياس.

مدحه رجل من قريش بشعر صنع هو فيه صوتا:

و في حكم الواديّ يقول رجل من قريش:

صوت‏

أبو يحيى أخو الغزل المغنّي # بصير بالثّقال و بالخفاف

على العيدان يحسن ما يغنّي # و يحسن ما يقول على الدّفاف‏

غنّاه حكم الواديّ هزجا بالبنصر.

قال هارون بن عبد الملك قال أبو يحيى العباديّ قال حدّثني أحمد البارد قال: دخلت على حكم يوما فقال لي: يا قصافيّ‏[2]، إن رجلا من قريش قال فيّ هذا الشعر:

أبو يحيى أخو الغزل المغنّي‏

و قد غنّيت فيه، فخذ العود حتى تسمعه منّي؛ فأخذت العود فضربت عليه و غنّانيه، فكنت أوّل من أخذ من حكم الواديّ هذا الصوت.

سئل عن صوت فقال ما يكون إلا لي:

قال أبو يحيى و قال إسحاق:

[1]كذا في أ، ء، م. و هو محمد بن زكريا بن دينار الغلابي. و قد مرت رواية محمد بن يحيى الصولي عنه في الأجزاء السابقة. و في سائر الأصول: «العلائي» و هو تحريف.

[2]بنو قصاف: بطن من العرب.

482

سمعت حكما الواديّ يغني صوتا فأعجبني، فسألته لمن هو؟فقال: و لمن يكون هذا إلاّ لي.

فغضب من شيخ قال له أحسنت:

و قال مصعب:

حدّثني شيخ أنه سمع حكما الواديّ يغنّي، فقال له: أحسنت!فألقى الدّفّ و قال للرجل: قبّحك اللّه!تراني مع المغنّين منذ ستين سنة و تقول لي أحسنت!.

قصته هو و فليح مع ابن جامع عند يحيى بن خالد:

و قال لي هارون حدّثني مدرك بن يزيد قال قال لي فليح:

بعث إليّ يحيى بن خالد و إلى حكم الواديّ، و ابن جامع معنا، فأتيناه. فقلت لحكم الواديّ-أو قال لي-إنّ ابن جامع معنا، فعاونّي عليه لنكسره. /فلما صرنا إلى الغناء غنّى حكم، فصحت و قلت: هكذا و اللّه يكون الغناء! ثم غنّيت ففعل بي حكم مثل ذلك، و غنّى ابن جامع فما كنا معه في شي‏ء. فلما كان العشيّ أرسل إلى جاريته دنانير:

إن أصحابك عندنا، فهل لك أن تخرجي إلينا؟!فخرجت و خرج معها و صائف لها، فأقبل عليها يقول لها من حيث يظن أنّا لا نسمع: ليس في القوم أنزه/نفسا من فليح، ثم أشار إلى غلام له: أن ائت كلّ إنسان بألفي درهم، فجاء بها. فدفع إلى ابن جامع ألفين فأخذها فطرحها في كمّه، و لحكم مثل ذلك فطرحها في كمّه، و دفع إليّ ألفين.

فقلت: لدنانير: قد بلغ منّي النبيذ فاحتبسيها لي عندك، فأخذت الدراهم منّي و بعثت بها إليّ من الغد، و قد زادت عليها مثلها، و أرسلت إليّ: قد بعثت إليك بوديعتك و بشي‏ء أحببت أن تفرّقه على أخواتي (تعني جواريّ) .

بلغ في الهزج مبلغا قصر عنه غيره:

قال هارون بن محمد قال حمّاد بن إسحاق قال أبي:

أربعة بلغوا في أربعة أجناس من الغناء مبلغا قصّر عنه غيرهم: معبد في الثقيل، و ابن سريج في الرّمل، و حكم في الهزج، و إبراهيم في الماخوري.

كتب له الرشيد بصلة إلى إبراهيم ابن المهدي فوصله هو أيضا و أخذ عنه ثلاثمائة صوت:

قال هارون و حدّثني أبي قال حدّثني هبة اللّه بن إبراهيم بن المهديّ عن أبيه قال:

زار حكم الواديّ الرشيد، فبرّه و وصله بثلاثمائة ألف درهم، و سأله عمن يختار أن يكتب له بها إليه؛ فقال:

اكتب لي بها إلى إبراهيم بن المهديّ-و كان عاملا له بالشام-قال إبراهيم: فقدم عليّ حكم بكتاب الرشيد، فدفعت إليه ما كتب به و وصلته بمثل ما وصله، إلا أني نقصته ألفا من الثلاثمائة و قلت له: لا أصلك بمثل صلة أمير المؤمنين. فأقام عندي ثلاثين يوما أخذت منه فيها ثلاثمائة صوت، كلّ صوت منها أحبّ إليّ من الثلاثمائة الألف التي وهبتها له.

أهانه ابن شقران و لما عرفه اعتذر:

و أخبرني عليّ بن عبد العزيز عن عبيد اللّه بن خرداذبه قال قال مصعب بن عبد اللّه:

/بينا حكم الواديّ بالمدينة إذ سمع قوما يقولون: لو ذهبنا إلى جارية ابن شقران!فإنها حسنة الغناء!فمضوا

483

إليها، و تبعهم حكم و عليه فروة[1]، فدخلوا و دخل معهم، و صاحب المنزل يظن أنه معهم و هم يظنون أنه من قبل صاحب المنزل و لا يعرفونه. فغنّت الجارية أصواتا ثم غنّت صوتا ثم صوتا. فقال حكم الواديّ: أحسنت و اللّه! و صاح. فقال له ربّ البيت: يا ماصّ كذا و كذا من أمه!و ما يدريك ما الغناء!فوثب عليه يتعتعه‏[2]و أراد ضربه.

فقال له حكم: يا عبد اللّه، دخلت بسلام و أخرج كما دخلت، و قام ليخرج. فقال له ربّ البيت: لا أو أضربك. فقال حكم: على رسلك، أنا أعلم بالغناء منك و منها، و قال: شدّي موضع كذا و أصلحي موضع كذا، و اندفع يغنّي.

فقالت الجارية: إنه و اللّه أبو يحيى!فقال ربّ المنزل: جعلت فداك!المعذرة إلى اللّه و إليك!لم أعرفك!فقام حكم ليخرج فأبى الرجل؛ فقال: و اللّه لأخرجنّ، فسأعود إليها لكرامتها لا لكرامتك.

لامه ابنه على غنائه الأهزاج فأجابه:

و ذكر أحمد بن المكيّ عن أبيه: أنّ حكما لم يشهر بالغناء و يذهب له الصّوت‏[3]به حتى صار الأمر إلى بني العباس؛ فانقطع إلى محمّد بن أبي العباس أمير المؤمنين و ذلك في خلافة المنصور؛ فأعجب به و اختاره على المغنّين و أعجبته أهزاجه. و كان يقال: إنه من أهزج الناس. و يقال: إنه غنّى الأهزاج في آخر عمره، و إن ابنه لامه على ذلك، و قال له: أبعد الكبر تغنّي غناء المخنّثين!فقال له: اسكت فإنك جاهل، غنّيت الثقيل ستين سنة فلم أنل إلا القوت، و غنّيت الأهزاج منذ سنيّات فأكسبتك ما لم تر مثله قطّ.

شهد له يحيى بن خالد بجودة الأداء:

قال هارون بن محمد و قال يحيى بن خالد:

ما رأينا فيمن يأتينا من المغنّين أحدا أجود أداء من حكم. و ليس أحد يسمع‏[4]غناء ثم يغنّيه بعد ذلك إلا و هو يغيّره و يزيد فيه و ينقص إلا حكما. فقيل لحكم ذلك/فقال: إني لست أشرب، و غيري يشرب، فإذا شرب تغيّر غناؤه.

استكثر المنصور ما كان يعطاه من هدايا ثم عدل عن رأيه:

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال:

كان خبر حكم الواديّ يتناهى إلى المنصور و يبلغه ما يصله به بنو سليمان بن عليّ، فيعجب لذلك و يستسرفه و يقول: هل هو إلا أن حسّن شعرا بصوته و طرّب مستمعيه، فما ذا يكون!و علام يعطونه هذه العطايا المسرفة!إلى أن جلس يوما في مستشرف له، و قد كان حكم دخل إلى رجل من قوّاده-أراه قال: عليّ‏[5]بن يقطين أو أبوه-و هو [1]الفروة و الفرو: شي‏ء نحو الجبة يبطن من جلود بعض الحيوان كالأرانب و الثعالب و السمور.

[2]كذا في حـ. و تعتعه: تلتله و حركه بعنف. و في سائر الأصول: «يتعنفه» و هو تحريف.

[3]في ب، س: «الصيت» . و الصوت و الصيت الذكر الحسن الذي ينتشر بين الناس.

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و ليس أحد يسمع منه غناء... إلخ» . و الظاهر أن كلمة «منه» مقحمة.

[5]كان يقطين بن موسى البغدادي من وجوه الدعاة، و طلبه مروان فهرب. و ابنه علي بن يقطين ولد بالكوفة سنة أربع و عشرين و مائة.

و هربت أم علي به و بأخيه عبيد بن يقطين إلى المدينة. فلما ظهرت الدولة الهاشمية ظهر يقطين و عادت أم علي بعلي و عبيد. فلم يزل يقطين في خدمة أبي العباس و أبي جعفر المنصور، و كان مع ذلك يرى رأي آل أبي طالب و يقول بإمامتهم، و كذلك ولده، و كان يحمل الأموال إلى جعفر بن محمد بن علي و الألطاف. و نم خبره إلى المنصور و المهدي فصرف اللّه عنه كيدهما. و توفي علي بن يقطين بمدينة السلام سنة 182 هـ و سنه 57 سنة و صلى عليه ولي العهد محمد بن الرشيد و توفي أبوه بعده في سنة 185 هـ (عن «فهرست ابن النديم» ) .

484

يراه؛ ثم خرج عشيّا و قد حمله على بغلة له يعرفها المنصور، و خلع عليه ثيابا يعرفها له. فلما رآه المنصور قال: من هذا؟فقيل: حكم الواديّ. فحرّك رأسه مليّا ثم قال: الآن علمت أن هذا يستحقّ ما يعطاه. قيل: و كيف ذلك يا أمير المؤمنين و أنت تنكر ما يبلغك منه؟قال: لأنّ فلانا لا يعطي شيئا من ماله باطلا و لا يضعه إلا في حقه.

اعترض المهدي في الطريق و غناه فأجازه:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن أبي سعد[1]قال حدّثنا قعنب بن المحرز الباهليّ عن الأصمعيّ قال:

رأيت حكما الواديّ حين مضى المهديّ إلى بيت المقدس‏[2]، و قد عارضه في الطريق و أخرج دفّه و نقر فيه و له شعيرات على رأسه و قال: أنا و اللّه يا أمير المؤمنين القائل:

و متى تخرج العرو # س فقد طال حبسها

فتسرّع إليه الحرس؛ فقال: دعوه‏[3]، و سأل عنه فأخبر أنه حكم الواديّ؛ فوصله و أحسن إليه.

لحن حكم في هذا الشعر المذكور هزج بالبنصر. و فيه ألحان لغيره، و قد ذكرت في أخبار الوليد بن يزيد.

أطرب الهادي دون غيره من المغنين فأعطاه ثلاث بدر:

أخبرني الحسن قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا عليّ بن محمد النّوفلي عن صالح‏[4]الأضجم عن حكم الواديّ قال:

كان الهادي يشتهي من الغناء ما توسّط و قلّ ترجيعه و لم يبلغ أن يستخفّ جدّا؛ فأخرج ليلة ثلاث بدر و قال:

من أطربني فهي له. فغنّاه ابن جامع و إبراهيم الموصليّ و الزّبير بن دحمان فلم يصنعوا شيئا، و عرفت ما أراد فغنّيته لابن سريج:

صوت‏

غرّاء كالليلة المباركة الـ # قمراء تهدى أوائل الظّلم

أكني بغير اسمها و قد علم الـ # لّه خفيّات كلّ مكتتم

/كأن فاها إذا تنسّم‏[5]عن # طيب مشمّ و حسن مبتسم

يسنّ‏[6]بالضّرو[7]من براقش أو # هيلان‏[8]أو يانع من العتم‏[9]

[1]في جميع الأصول هنا: «سعيد» و هو تحريف.

[2]سيأتي هذا الخبر في ترجمة الوليد بن يزيد (ج 7 ص 31 من هذه الطبعة) . و قد ورد فيه أن المهدي كان يريد الحج.

[3]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «دعوه دعوه» .

[4]هو صالح بن علي بن عطية الأضجم الراوي.

[5]كذا في أ، ء و نسخة الشنقيطي مصححة بقلمه. و في سائر الأصول: «تبسم» .

[6]كذا في الجزء الخامس من «الأغاني» (ص 27 من هذه الطبعة) . و يسن (بالبناء للمجهول) : يسوّك. و في الأصول هنا: «يستن» .

[7]الضرو: شجرة الكمكام، و هو شجر طيب الريح يستاك به و يجعل ورقه في العطر، و هو المحلب. قال أبو حنيفة الدينوري: أكثر منابت الضرو باليمن و هو من شجر الجبال كالبلوط العظيم له عناقيد كعناقيد البطم غير أنه أكبر حبا، و يطبخ ورقه فإذا نضج صفى ورد ماؤه إلى النار فيعقد، يتداوى به من خشونة الصدر و وجع الحلق. (راجع «شرح القاموس» مادة ضرى) .

[8]براقش: واد باليمن شجير و كذلك هيلان. و أكثر نبات الضر و باليمن. و قيل: براقش و هيلان مدينتان عاديتان خربتا. و يسكن براقش بنو الأوبر من بلحارث بن كعب و مراد. و سميت براقش باسم كلبة و هي التي قيل فيها: «على أهلها تجني براقش» . (راجع «معجم ما استعجم» و «معجم البلدان» في اسم براقش، و «شرح القاموس» و «اللسان» مادة برقش) .

[9]العتم: شجر الزيتون. و في ب، س: «العنم» (بالنون) و هو تصحيف. ـ

485

-الشعر في هذا الغناء للنابغة الجعديّ؛ و الصنعة لابن سريج رمل بالبنصر-فوثب عن فراشه طربا و قال:

أحسنت أحسنت و اللّه!اسقوني فسقي. و وثقت بأن البدر لي، فقمت فجلست عليها. فأحسن ابن جامع المحضر و قال: أحسن و اللّه كما قال أمير المؤمنين، و إنه لمحسن مجمل. فلما سكن‏[1]أمر الفرّاشين بحملها معي. فقلت لابن جامع: مثلك يفعل ما فعلت في شرفك و نسبك!فإن رأيت أن تشرّفني بقبول إحداها فعلت. فقال: لا و اللّه لا فعلت، و اللّه لوددت أنّ اللّه زادك، و أسأل اللّه أن يهنّيك ما رزقك. و لحقني الموصليّ فقال: آخذ يا حكم من هذا؟ فقلت: لا و اللّه و لا درهما واحدا لأنك لم تحسن المحضر.

موته و شعر الدارمي فيه:

و مات حكم الواديّ/من قرحة أصابته في صدره. فقال الدارميّ فيه قبل وفاته:

صوت‏

إنّ أبا يحيى اشتكى علّة # أصبح منها بين عوّاد

فقلت و القلب به موجع # يا ربّ عاف الحكم الوادي

/فربّ بيض قادة سادة # كأنصل سلّت من اغماد

نادمهم في مجلس لاهيا # فأصمت المنشد و الشادي‏

غنّى فيه حكم الواديّ هزجا بالبنصر.

صوت من المائة المختارة

أ معارف الدّمن القفار توهّم # و لقد مضى حول لهنّ مجرّم‏[2]

و لقد وقفت على الديار لعلّها[3] # بجواب رجع تحيّة تتكلّم

عن علم ما فعل الخليط، فما درت # أنّى توجّه بالخليط الموسم

و لقد عهدت بها سعاد و إنها # باللّه جاهدة اليمين لتقسم

إني لأوجه من تكلّم عندها # بأليّة و مخالف من يزعم

فلها لدينا بالذي بذلت لنا # ودّ يطول له العناء و يعظم‏

عروضه من الكامل. الشعر لنصيب من قصيدة يمدح بها عبد الملك بن مروان. و الغناء لابن جامع. له فيه لحنان ذكرهما إسحاق، أحدهما ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. و لإبراهيم في البيتين الأوّلين ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى. و لإسحاق و سياط فيهما ثقيل بالبنصر عن عمرو.

[1]في حـ: «سكر» .

[2]مجرم: منقطع و منصرم.

[3]في حـ: «كأنها» .

486

22-ذكر ابن جامع و خبره و نسبه‏

نسبه:

هو إسماعيل بن جامع بن إسماعيل بن عبد اللّه بن المطّلب بن أبي‏[1]وداعة بن ضبيرة[2][بن سعيد][3]بن سعد بن سهم‏[بن عمرو][3]بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب.

ضبيرة السهمي جدّ ابن جامع و شي‏ء من أخباره:

أخبرني الطّوسيّ عن الزّبير بن بكّار عن عمّه مصعب، و أخبرنا محمد بن جرير الطّبريّ قال حدّثنا محمد بن حميد عن سلمة عن ابن‏[4]إسحاق قالا جميعا:

مات ضبيرة السّهميّ و له مائة سنة و لم يظهر في رأسه و لا لحيته شيب. فقال بعض شعراء قريش يرثيه:

حجّاج بيت اللّه إنّ # ضبيرة السّهميّ ماتا

سبقت منيّته المشيـ # ب و كان ميتته افتلاتا

فتزوّدوا لا تهلكوا # من دون أهلكم خفاتا[5]

/قال: و أسر أبو وداعة كافرا يوم بدر ففداه ابنه المطّلب، و كان المطّلب رجل صدق. و قد روى عن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم الحديث.

كنية ابن جامع و شي‏ء من أخبار أمه:

و يكنى ابن جامع أبا القاسم. و أمه امرأة من بني سهم، و تزوّجت بعد أبيه رجلا من أهل اليمن. فذكر [1]اسم أبي وداعة: الحارث. و يحكي عن أسره يوم بدر كما سيذكره المؤلف أن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: تمسكوا به فإن له ابنا كيسا بمكة» فخرج المطلب بن أبي وداعة سرا حتى فدى أباه بأربعة آلاف درهم. و هو أول أسير فدى من بدر، و لامته قريش في بداره و دفعه الفداء، فقال: ما كنت لأدع أبي أسيرا. فسار الناس بعده إلى النبيّ صلى اللّه عليه و سلم ففدوا أسراهم.

[2]كذا في «الطبقات الكبرى» لابن سعد (ج 5 ص 334) و «السيرة لابن هشام» (ج 1 ص 514) و «شرح القاموس» مادة ضبر بالضاد المعجمة. و في جميع الأصول: «صبيرة» بالصاد المهملة و هو تصحيف.

[3]زيادة عن «الطبقات» و «المشتبه» (ص 265) و «أسد الغابة» (ج 4 ص 374) و «الاستيعاب» (ج 1 ص 268) و «السيرة» لابن هشام.

[4]في أكثر الأصول: «عن سلمة بن أبي إسحاق» . و في حـ: «عن سلمة عن أبي إسحاق» . و كلاهما محرف عما أثبتناه. إذ المعروف أن سلمة بن الفضل الأبرش يروي عن محمد بن إسحاق بن يسار. و عن سلمة هذا يروي محمد بن حميد الرازي. و قد تقدّم هذا السند في أكثر من موضع في الأجزاء السابقة.

[5]خفت الرجل خفاتا: مات فجأة.

487

هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات عن/حماد عن أبيه عن بعض أصحابه عن عون حاجب‏[1]معن بن زائدة قال: رأيت أمّ ابن جامع و ابن جامع معها عند معن بن زائدة و هو ضعيف يتبعها و يطأ ذيلها و كانت من قريش، و معن يومئذ على اليمن. فقالت: أصلح اللّه الأمير، إنّ عمّي زوّجني زوجا ليس بكف‏ء ففرّق بيني و بينه. قال: من هو؟ قالت: ابن ذي مناجب. قال: عليّ به. قال: فدخل أقبح من خلق اللّه و أشوهه خلقا. قال: من هذه منك؟قال:

امرأتي. قال: خلّ سبيلها، ففعل. فأطرق معن ساعة ثم رفع رأسه فقال:

لعمري لقد أصبحت غير محبّب # و لا حسن في عينها ذا مناجب

فما لمتها لمّا تبيّنت وجهه # و عينا له حوصاء من تحت حاجب

و أنفا كأنف البكر يقطر دائبا # على لحيّة عصلاء[2]شابت و شارب

أتيت بها مثل المهاة تسوقها[3] # فيا حسن مجلوب و يا قبح جالب‏

و أمر لها بمائتي دينار و قال لها: تجهزي بها إلى بلادك.

سأله الرشيد عن نسبه فأحاله على إسحاق الموصلي:

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال أخبرني حمّاد عن أبيه:

أن الرشيد سأل ابن جامع يوما عن نسبه و قال له: أيّ بني الإنس ولدك يا إسماعيل؟قال: لا أدري، و لكن سل ابن أخي (يعني إسحاق) -و كان يماظّ[4]/إبراهيم الموصليّ و يميل إلى ابنه إسحاق-قال إسحاق: ثم التفت إليّ ابن جامع فقال: أخبره يا ابن أخي بنسب عمك. فقال له الرشيد: قبّحك اللّه شيخا من قريش!تجهل نسبك حتى يخبرك به غيرك و هو رجل من العجم!.

شي‏ء من ورعه و تقواه:

قال هارون حدّثني عبد اللّه بن عمرو قال حدّثني أبو هشام‏[5]محمد بن عبد الملك المخزوميّ قال أخبرني محمد بن عبد اللّه بن أبي فروة بن أبي قراد المخزوميّ قال:

كان ابن جامع من أحفظ خلق اللّه لكتاب اللّه و أعلمه بما يحتاج إليه، كان يخرج من منزله مع الفجر يوم الجمعة فيصلّي الصبح ثم يصفّ قدميه حتى تطلع الشمس، و لا يصلي الناس الجمعة حتى يختم القرآن ثم ينصرف إلى منزله.

وقف معه أبو يوسف القاضي بباب الرشيد و لم يعرفه:

قال هارون و حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني صالح بن عليّ بن عطيّة و غيره من رجال أهل العسكر قالوا:

[1]كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «صاحب» .

[2]عصلاء: معوجة.

[3]في تجريد الأغاني: «تسومها» .

[4]ماظظت فلانا: شاورته و نازعته.

[5]في أ، ء، م: «أبو هاشم محمد بن عبد اللّه المخزومي» .

488

قدم ابن جامع قدمة له من مكة على الرشيد، و كان ابن جامع حسن السّمت كثير الصلاة قد أخذ السجود جبهته، و كان يعتمّ بعمامة سوداء على قلنسوة طويلة، و يلبس لباس الفقهاء، و يركب حمارا مرّيسيّا[1]في زيّ أهل الحجاز. فبينا هو واقف على باب يحيى بن خالد يلتمس الإذن عليه، فوقف على ما كان يقف الناس عليه في القديم حتى يأذن لهم أو يصرفهم، أقبل‏[2]أبو يوسف القاضي بأصحابه أهل القلانس؛ فلما هجم على الباب نظر إلى رجل يقف إلى جانبه و يحادثه، فوقعت عينه على ابن جامع فرأى سمته و حلاوة هيئته، فجاء فوقف إلى جانبه ثم قال له: أمتع اللّه بك، توسّمت/فيك الحجازيّة و القرشيّة؛ قال: أصبت. قال: فمن أيّ قريش أنت؟قال: من بني سهم. قال: فأيّ الحرمين منزلك؟قال: مكة. قال: و من لقيت من فقهائهم؟قال: سل عمن شئت. ففاتحه الفقه و الحديث فوجد عنده ما أحبّ فأعجب به. و نظر الناس إليهما فقالوا: هذا القاضي قد أقبل على المغنّي، و أبو يوسف لا يعلم أنه ابن جامع. فقال أصحابه: لو أخبرناه عنه!ثم قالوا: /لا، لعلّه لا يعود إلى مواقفته‏[3]بعد اليوم، فلم نغمّه. فلما كان الإذن الثاني ليحيى غدا عليه الناس و غدا عليه أبو يوسف، فنظر يطلب ابن جامع فرآه، فذهب فوقف إلى جانبه فحادثه طويلا كما فعل في المرّة الأولى. فلما انصرف قال له بعض أصحابه: أيها القاضي، أ تعرف هذا الذي تواقف و تحادث؟قال: نعم، رجل من قريش من أهل مكة من الفقهاء. قالوا: هذا ابن جامع المغنيّ؛ قال: إنا للّه!. قالوا: إن الناس قد شهروك بمواقفته و أنكروا ذلك من فعلك. فلما كان الإذن الثالث جاء أبو يوسف و نظر إليه فتنكّبه، و عرف ابن جامع أنه قد أنذر به، فجاء فوقف فسلّم عليه، فردّ السلام عليه أبو يوسف بغير ذلك الوجه الذي كان يلقاه به ثم انحرف عنه. فدنا منه ابن جامع، و عرف الناس القصة، و كان ابن جامع جهيرا فرفع صوته ثم قال: يا أبا يوسف، ما لك تنحرف عني؟أيّ شي‏ء أنكرت؟قالوا لك: إني ابن جامع المغنيّ فكرهت مواقفتي لك!أسألك عن مسألة ثم اصنع ما شئت؛ و مال الناس فأقبلوا نحوهما يستمعون. فقال: يا أبا يوسف، لو أن أعرابيّا جلفا وقف بين يديك فأنشدك بجفاء و غلظة من لسانه و قال:

يا دارمية بالعلياء فالسّند # أقوت و طال عليها سالف الأبد

/أ كنت ترى بذلك بأسا؟قال: لا، قد روي عن النبيّ صلى اللّه عليه و سلم في الشعر قول، و روى في الحديث. قال ابن جامع: فإن قلت أنا هكذا، ثم اندفع يتغنّى فيه حتى أتى عليه؛ ثم قال: يا أبا يوسف، رأيتني زدت فيه أو نقصت منه؟قال: عافاك اللّه، أعفنا من ذلك. قال: يا أبا يوسف، أنت صاحب فتيا، ما زدته على أن حسّنته بألفاظي فحسن في السماع و وصل إلى القلب. ثم تنحّى عنه ابن جامع.

سأل سفيان بن عيينة عن السبب الذي أصاب به مالا فأجيب:

قال: و حدّثني عبد اللّه بن شبيب قال حدّثني إبراهيم بن المنذر عن سفيان بن عيينة، و مرّ به ابن جامع يسحب الخزّ، فقال لبعض أصحابه:

بلغني أنّ هذا القرشيّ أصاب مالا من بعض الخلفاء، فبأيّ شي‏ء أصابه؟قالوا: بالغناء. قال: فمن منكم يذكر بعض ذلك؟فأنشد بعض أصحابه ما يغنّي فيه:

[1]مريسي: نسبة إلى مريسة (كسكينة، كما في «القاموس» و شرحه مادة مرس و ضبطها صاحب «معجم البلدان» بفتح الميم) : قرية بمصر من ناحية الصعيد إليها تنسب الحمر المريسية و هي من أجود الحمر و أمشاها.

[2]في جميع الأصول: «فأقبل» .

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «مرافقته» .

489

و أصحب بالليل أهل الطّواف # و أرفع من مئزري المسبل‏

قال: أحسن، هيه!قال:

و أسجد بالليل حتى الصباح # و أتلو من المحكم المنزل‏

قال: أحسن، هيه!قال:

عسى فارج الكرب عن يوسف # يسخّر لي ربّة المحمل‏

قال: أمّا هذا فدعه.

كان يعد صيحة الصوت قبل أن يصنع عمود اللحن:

و حدّثني محمد بن الحسن العتّابيّ قال حدّثني جعفر بن محمد الكاتب قال حدّثني طيّب بن عبد الرحمن قال:

كان ابن جامع يعدّ صيحة الصوت قبل أن يصنع عمود اللحن.

اشتغاله بالقمار و حب الكلاب:

و حدّث محمد[1]بن الحسن قال حدّثني أبو حارثة بن عبد الرحمن بن سعيد[2]بن سلم عن أخيه أبي‏[3] معاوية بن عبد الرحمن قال:

قال لي ابن جامع: لو لا أن القمار و حبّ الكلاب قد شغلاني لتركت المغنّين لا يأكلون الخبز.

دعا كلبا أهدى إليه باسم من دفتر فيه أسماء الكلاب:

أخبرني عليّ بن عبد العزيز/عن ابن خرداذبه قال:

أهدى رجل إلى ابن جامع كلبا فقال: ما اسمه؟فقال: لا أدري، فدعا بدفتر فيه أسماء الكلاب فجعل يدعوه بكل اسم فيه حتى أجابه الكلب.

ألقى على ابنه هشام صوتا سمعه من الجن:

قال هارون بن محمد حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني محمد بن أحمد المكّيّ قال حدّثتني حولاء مولاة ابن جامع قالت:

انتبه مولاي يوما من قائلته فقال: عليّ بهشام (يعني ابنه) ادعوه لي عجّلوه، فجاء مسرعا. فقال: أي بنيّ، خذ العود، فإنّ رجلا من الجن ألقى عليّ في قائلتي صوتا فأخاف أن أنساه. فأخذ هشام العود و تغنّى ابن جامع عليه رملا لم أسمع له رملا أحسن منه، و هو:

[1]كذا في جميع الأصول. و قد تقدم في الجزء الخامس (ص 385) من هذه الطبعة أن الذي يروي عن أبي حارثة هذا هو «محمد بن الحسين الكاتب» .

[2]في جميع الأصول: «سعد» و هو تحريف.

[3]في أكثر الأصول: «عن أخيه عن أبي معاوية» . و في حـ: «عن أخيه عن ابن معاوية» و كلاهما تحريف. و قد مرت رواية أبي حارثة هذا عن أخيه أبي معاوية في الجزء الخامس من هذه الطبعة (ص 385) .

490
صوت‏

أمست رسوم الديار غيّرها # هوج الرّياح الزّعازع العصف

و كلّ حنّانة لها زجل # مثل حنين الرّوائم الشّغف‏

/فأخذه عنه هشام، فكان بعد ذلك يتغنّاه و ينسبه إلى الجن. و في هذا الصوت للهذليّ لحن من الثقيل الثاني بالخنصر في مجرى الوسطى. و فيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو، و قيل: إن هذا اللحن لعبادل. و فيه لابن جامع الرمل المذكور.

أخذ ببيتين غنى بهما الرشيد عشرة آلاف دينار:

قال هارون و حدّثني أحمد بن بشر بن عبد الوهاب قال حدّثني محمد[1]بن موسى بن فليح الخزاعيّ قال حدّثنا أبو محمد عبد اللّه بن محمد المكّيّ قال: قال لي ابن جامع:

أخذت من هارون ببيتين غنّيته بهما عشرة آلاف دينار:

صوت‏

لا بدّ للعاشق من وقفة # تكون‏[2]بين الوصل و الصّرم

يعتب أحيانا و في عتبه # إظهار[3]ما يخفي من السّقم

إشفاقه داع إلى ظنّه # و ظنّه داع إلى الظلم

حتى إذا ما مضّه هجره‏[4] # راجع من يهوى على رغم‏

-هكذا روّيته‏[5]. الشعر للعبّاس بن الأحنف. و الغناء لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى. و ذكر ابن بانة أن هذا اللحن لسليم. و فيه لإبراهيم ثقيل أوّل بالوسطى-قال: ثم قال لي ابن جامع: فمتى تصيب أنت بالمروءة شيئا!

صادفه جماعة من القرشين بفخ و هو يغني:

و قال هارون حدّثني أحمد بن زهير قال حدّثني مصعب بن عبد اللّه قال:

خرج ابن أبي عمرو الغفاريّ و عبد الرحمن بن أبي قباحة و غيرهما من القرشيّين عمّارا[6]يريدون مكة؛ فلما كانوا بفخّ‏[7]نزلوا على البئر التي هناك ليغتسلوا فيها. قال‏[8]: فبينا نحن نغتسل إذ سمعنا صوت غناء، فقلنا: لو [1]كذا في أكثر الأصول. و الظاهر أن محمد بن موسى هذا ابن أخ لمحمد بن فليح الراوي المعروف الذي مر ذكره في الأجزاء السابقة.

فقد ذكر في «التهذيب» في ترجمة محمد بن فليح أن له أخا يسمى موسى إلا أنه لم يذكر هناك من أولاده غير عمران. و في ب، س: «محمد بن عيسى بن فليح... إلخ» .

[2]في ديوان العباس بن الأحنف: «يكون» .

[3]في ديوانه:

«يهيج ما يخفى...

إلخ» .

[4]في ديوانه: «شوقه» .

[5]هذه العبارة ساقطة في حـ.

[6]عمارا: زوّارا، من العمرة و هي الطواف بالبيت و السعي بين الصفا و المروة. و العمرة تكون في السنة كلها. و الحج في وقت معين من السنة.

[7]فخ (بفتح أوله و تشديد ثانيه) : واد مكة.

[8]ظاهر السياق أن القائل هو أحد هؤلاء الذين خرجوا عمارا، غير أنه لم يعين في الأصول.