الأغاني - ج6

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
535 /
491

ذهبنا إلى هؤلاء فسمعنا غناءهم!فأتيناهم، فإذا ابن جامع و أصحاب له يغنّون و عندهم فضيخ‏[1]لهم يشربون منه؛ فقالوا: تقدّموا يا فتيان، فتقدّم ابن أبي عمرو فجلس مع القوم و كان رأسهم، فجلسنا نشرب؛ و طرب ابن أبي قباحة فغنّى. فقال ابن جامع: وا بأبي و أمي!ابن أبي قباحة و إلا فهو ابن الفاعلة. فقام ابن أبي عمرو فأخرج من وسطه هميانا[2]فيه ثلاثمائة درهم فنثرها على ابن أبي قباحة. فقال ابن جامع: امضوا بنا إلى المنزل، فمضينا فأقمنا عنده شهرا ما نبرح و نحن على إحرامنا ذلك.

غنت جاريته الحولاء صوتا له في جارية سوداء يحبها:

قال هارون بن/محمد بن عبد الملك حدّثني عليّ بن سليمان عن محمد بن أحمد النّوفليّ عن جارية ابن جامع الحولاء قال: -و كانت تتبنّاني-فتغنّت يوما و طربت و قالت: يا بنيّ، أ لا أغنّيك هزجا لسيّدي في عشيقة له سوداء؟قلت: بلى. فتغنّت هزجا ما سمعت أحسن منه، و هو:

صوت‏

أشبهك المسك و أشبهته # قائمة في لونه قاعدة

لا شكّ إذ لو نكما واحد # أنّكما من طينة واحده‏

/و قد روي هذا الشعر لأبي حفص‏[3]الشّطرنجيّ يقوله في دنانير[4]مولاة البرامكة. و نسب هذا الهزج إلى إبراهيم و ابن جامع و غيرهما.

شبهه برصوما الزامر بزق عسل:

قال عبد اللّه بن عمرو حدّثنا أحمد بن عمر بن إسماعيل الزّهريّ قال حدّثني محمد بن جعفر بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام-و كان يلقّب الأبله-قال: قال برصوما الزّامر، و ذكر إبراهيم الموصليّ و ابن جامع، فقال:

الموصليّ بستان تجد فيه الحلو و الحامض و طريّا لم ينضج، فتأكل منه من ذا و ذا. و ابن جامع زقّ عسل، إن فتحت فمه خرج عسل حلو، و إن خرقت جنبه خرج عسل حلو، و إن فتحت يده خرج عسل حلو، كلّه جيّد.

غنى عند الرشيد و هو سكران فأخطأ:

أخبرنا يحيى بن عليّ عن أبيه و حمّاد عن إبراهيم‏[5]بن المهديّ-و كان إبراهيم يفضّل ابن جامع و لا يقدّم عليه أحدا، و ابن جامع يميل إليه-قال:

كنّا في مجلس الرشيد و قد غلب على ابن جامع النبيذ، فغنّى صوتا فأخطأ في أقسامه؛ فالتفت إليّ إبراهيم [1]الفضيخ: عصير العنب، و شراب يتخذ من بسر مفضوخ (مطبوخ) .

[2]الهميان (بالكسر) : كيس تجعل فيه النفقة و يشدّ على الوسط.

[3]هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز مولى بني العباس. و كان أبوه من موالي المنصور فيما يقال، و كان اسمه اسما أعجميا، فلما نشأ أبو حفص و تأدب، غيره و سماه عبد العزيز. و كان أبو حفص لاعبا بالشطرنج مشغوفا به، فلقب به لغلبته عليه. (انظر ترجمته ج 19 ص 69 من «الأغاني» طبع بولاق) .

[4]دنانير: مولاة يحيى بن خالد البرمكي. كانت صفراء مولدة و كانت من أحسن الناس وجها و أظرفهن و أكملهن و أحسنهن أدبا و أكثرهن رواية للغناء و الشعر. و لها كتاب مجرّد في «الأغاني» مشهور. (انظر ترجمتها ج 16 ص 136 من «الأغاني» طبع بولاق) .

[5]كذا في أكثر الأصول. و في حـ: «حماد بن إبراهيم بن المهدي... إلخ» و لم نعرف أن إبراهيم بن المهدي أعقب ولدا اسمه إبراهيم أو حماد. و قد ورد هذا السند في الجزء الخامس (ص 173 من هذه الطبعة) مختلفا عما هنا و هو: «أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال حدّثنا أبي عن طياب بن إبراهيم الموصلي قال... إلخ) .

492

الموصليّ فقال: قد خري فيه؛ و فهمت صدقه قال: فقلت لابن جامع: يا أبا القاسم، أعد الصوت و تحفّظ فيه؛ فانتبه و أعاده فأصاب. فقال إبراهيم:

/

أعلّمه الرّماية كلّ يوم # فلمّا استدّ ساعده رماني‏

و تنكّر لي لميلي مع ابن جامع عليه. فقلت للرّشيد بعد أيام: إن لي حاجة إليك. قال: و ما هي؟قلت: تسأل إبراهيم الموصليّ أن يرضى عنّي و يعود إلى ما كان عليه. فقال: إنما هو عبدك، و قال له: قم إليه فقبّل رأسه.

فقلت‏[1]: لا ينفعني رضاه في الظاهر دون الباطن، فسله أن يصحّح الرّضا. فقام إليّ ليقبّل رأسي كما أمر، فقال لي و قد أكبّ عليّ ليقبّل رأسي: أ تعود؟قلت لا. قال: قد رضيت عنك رضا صحيحا. و عاد إلى ما كان عليه.

غنى بعد إبراهيم الموصلي عند الرشيد فأجاد:

و قال حمّاد عن أبي يحيى العباديّ قال: قدم‏[2]حوراء غلام حمّاد الشّعراني و كان أحد المغنّين المجيدين قال حدّثني بعض أصحابنا قال:

كنّا في دار أمير المؤمنين الرشيد فصاح بالمغنّين: من فيكم يعرف.

و كعبة نجران‏[3]حتم عليـ # ك حتى تناخي بأبوابها؟

-الشعر للأعشى-فبدرهم إبراهيم الموصليّ فقال: أنا أغنيه، و غنّاه فجاء بشي‏ء عجيب. فغضب ابن جامع و قال لزلزل: دع العود، أنا من جحاش/و جرة[4]لا أحتاج إلى بيطار؛ ثم غنّى الصوت؛ فصاح إليه مسرور[5]:

أحسنت يا أبا القاسم!ثلاث مرات.

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

/

و كعبة نجران حتم عليـ # ك حتى تناخي بأبوابها

نزور[6]يزيد و عبد المسيح # و قيسا هم‏[7]خير أربابها

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فقال» .

[2]كذا في جميع الأصول. و لعلها محرفة عن «قال» .

[3]نجران: موضع في مخاليف اليمن من ناحية مكة. قالوا: سمي بنجران بن زيد بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، لأنه كان أوّل من عمرها. و كعبة نجران هذه يقال: إنها بيعة بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي على بناء الكعبة و عظموها مضاهاة للكعبة و سموها كعبة نجران. و ذكر هشام بن الكلب أنها كانت قبة من أدم من ثلاثمائة جلد، كان إذا جاءها الخائف أمن، أو طالب حاجة قضيت، أو مسترفد أرفد. و كان لعظمها عندهم يسمونها كعبة نجران. (عن «معجم البلدان» لياقوت) . و قد أورد أبو الفرج قصة هذا الشعر في خبر أساقفة نجران مع النبي صلى اللّه عليه و سلم (ج 10 ص 143 طبع بولاق) .

[4]قال الأصمعي: و جرة-و فيها أقوال أخرى-بين مكة و البصرة بينها و بين البصرة نحو أربعين ميلا ليس فيها منزل، فهي مرب للوحش. يريد أنه يجري على الطبيعة و الفطرة لا يحتاج إلى معين من الصناعات الآلية كسائر المغنين الحضريين.

[5]هو أبو هاشم خادم الرشيد، و كان أوثق رجاله عنده و قد تولى له قتل جعفر بن يحيى البرمكي. (انظر «الطبري» قسم 3 ص 679 و 682) .

[6]كذا في «مسالك الأبصار» (ج 1 ص 359) و «الأغاني» (ج 10 ص 143 طبع بولاق) و «معجم البلدان» (ج 4 ص 756 طبع أوروبا) . و في جميع الأصول هنا: «تزور» (بالتاء المثناة الفوقية) .

[7]في «مسالك الأبصار» (ص 359) :

«... و هم... إلخ... »

.

493

و شاهدنا الجلّ‏[1]و الياسميـ # ن و المسمعات بقصّابها[2]

و بربطنا[3]دائم معمل # فأيّ الثلاثة أزرى بها

تنازعني إذ خلت بردها # معطّرة غير جلبابها

فلما التقينا على آلة # و مدّت إليّ بأسبابها

/الشّعر للأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة. و هؤلاء الذين ذكرهم أساقفة نجران، و كان يزورهم و يمدحهم، و يمدح العاقب و السيّد، و هما ملكا نجران، و يقيم عندهما ما شاء، يسقونه الخمر و يسمعونه الغناء الرّوميّ، فإذا انصرف أجزلوا صلته.

أخبرنا بذلك محمد بن العبّاس اليزيديّ عن عمه عبيد اللّه عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ، و له أخبار كثيرة معهم تذكر في مواضعها إن شاء اللّه. و الغناء لحنين الحيريّ خفيف ثقيل‏[4]بالوسطى في مجراها عن إسحاق في الأربعة الأول. و ذكر عمرو أنه لابن محرز. و ذكر يونس أن فيها لحنا لمالك و لم يجنّسه. و ذكر الهشاميّ أن في الخامس و السادس ثم الأوّل و الثاني خفيف رمل بالوسطى ليحيى المكيّ.

استحضره الفضل بن الربيع لما ولى الهادي:

و قال حمّاد عن مصعب بن عبد اللّه قال حدّثني الطّراز و كان بريد الفضل بن الرّبيع قال:

لما مات المهدي و ملّك موسى الهادي أعطاني الفضل دنانير و قال: الحق بمكة فأتني بابن جامع و احمله في قبّة و لا تعلمنّ بذا[5]أحدا؛ ففعلت فأنزلته عندي و اشتريت له جارية، و كان ابن جامع صاحب نساء. فذكره موسى ذات ليلة-و كان هو و الحرّاني‏[6]منقطعين إلى موسى أيام المهديّ فضربهما المهديّ و طردهما-فقال لجلسائه: أ ما فيكم أحد يرسل إلى ابن جامع و قد علمتم موقعه منّي!فقال له الفضل بن الربيع: هو و اللّه عندي يا أمير المؤمنين و قد فعلت الذي أردت. و بعث إليه فأتي به في الليل. فوصل الفضل تلك الليلة بعشرة آلاف دينار و ولاّه حجابته.

غنى هو و إبراهيم الموصلي الرشيد بشعر السعدي فمدحه و ذم الموصلي:

قال إسحاق عن بعض أصحابه:

[1]الجل (بالضم و يفتح) : الورد أبيضه و أحمره و أصفره، واحده جلة.

[2]ورد هذا البيت في «اللسان» و «الصحاح» (مادة قصب) . و قيل في «اللسان» : «... و القصابة: المزمار و الجمع القصاب. قال الأعشى (و ذكر هذا البيت. ثم قال) و قال الأصمعي: أراد الأعشى بالقصاب الأوتار التي سويت من الأمعاء» . و عبارة الصحاح:

«... و القصب بالضم: المعى... و الجمع أقصاب قال الأعشى:

و شاهدنا الجل و الياسميـ # ن و المسمعات بأقصابها

أي بأوتارها و هي تتخذ من الأمعاء. و يروى بقصابها و هي المزامير» .

[3]البربط (كجعفر) : العود. و الكلمة فارسية معربة قيل شبه بصدر البط، و بر: الصدر. و رواية هذا الشطر في «مسالك الأبصار» :

«و بربطنا معمل دائب» .

[4]كلمة «ثقيل» ساقطة في حـ.

[5]في حـ: «به» .

[6]هو إبراهيم الحرّاني. كان من ندماء الهادي، و قيما على خزائن الأموال في أيامه. (انظر «التاج» للجاحظ ص 36 طبع المطبعة الأميرية ببولاق) . و سيذكر بعد قليل في خبر عن مصعب أيضا أن الذي كان منقطعا إلى موسى الهادي مع ابن جامع و ناله معه ضرب المهدي و طرده هو إبراهيم الموصليّ. ـ

494

كنا عند أمير المؤمنين الرشيد يوما فقال الغلام الذي على الستارة: يا ابن جامع، تغنّ ببيت السّعديّ‏[1]:

فلو سألت سراة الحيّ سلمى # على أن قد تلوّن بي زماني

لخبّرها ذو و الأحساب عنّي # و أعدائي فكلّ قد بلاني

بذبّي الذمّ عن حسبي بمالي‏[2] # و زبّونات أشوس تيّحان‏[3]

و أني لا أزال أخا حروب # إذا لم أجن كنت مجنّ جاني‏

قال: فحرّك ابن جامع رأسه-و كان إذا اقترح عليه الخليفة شيئا قد أحسنه و أكمله طار فرحا-فغنّى به؛ فاربدّ وجه إبراهيم لمّا سمعه منه، و كذا كان ابن جامع أيضا يفعل؛ فقال له صاحب الستارة: أحسنت و اللّه يا أميري!أعد فأعاد؛ فقال: أنت في حلبة لا يلحقك أحد فيها أبدا. ثم قال صاحب الستارة لإبراهيم: تغنّ بهذا الشعر فتغنّى؛ فلما فرغ قال: «مرعى و لا كالسّعدان» [4]!أخطأت‏[5]في موضع كذا/و في موضع كذا. فقال: نفي إبراهيم من أبيه إن كان يا أمير المؤمنين/أخطأ حرفا، و قد علمت أني أغفلت في هذين الموضعين.

قال إبراهيم: فلما انصرفنا قلت لابن جامع: و اللّه ما أعلم أنّ أحدا بقي‏[6]في الأرض يعرف هذا الغناء معرفة أمير المؤمنين. قال: حقّ و اللّه، لهو إنسان يسمع الغناء منذ عشرين سنة مع هذا الذكاء الذي فيه.

صوت كان إذا غناه في مجلس لم يتغن بغيره:

قال إسحاق:

كان ابن جامع إذا تغنّى في هذا الشعر:

صوت‏

من كان يبكي لما بي # من طول سقم رسيس‏[7]

[1]هو سوّار بن المضرب السعدي.

[2]كذا ورد هذا الشطر في الأصول. و روايته في «لسان العرب» مادة (تيح) :

«بذبي اليوم... »

. و في مادة (زبن) :

«بذبي الذم عن أحساب قومي»

.

[3]كذا في س و «لسان العرب» و «الصحاح» (مادتي زبن و تيح) . و قد صححها كذلك المرحوم الشيخ الشنقيطي بقلمه على هامش نسخته. و زبونات: جمع زبونة و هي الكبر. يقال: رجل فيه زبونة أي كبر، و ذو زبونة أي مانع جانبه. و يقال: الزبونة من الرجال:

المانع لما وراء ظهره. و قال ابن بري: زبونات: دفوعات، واحدها زبونة، يعني بذلك أحسابه و مفاخره أي أنها تدفع غيرها.

و الأشوس: الذي ينظر بمؤخر عينه من الكبر. و التيحان (بكسر الياء المشددة و فتحها) : الذي يتعرض لكل مكرمة و أمر شديد. و في سائر الأصول:

«و دبوسات أشوس... »

.

[4]قال أبو حنيفة الدينوري: من الأحرار السعدان و هي غبراء اللون حلوة يأكلها كل شي‏ء و ليست بكبيرة و لها إذا يبست شوكة مفلطحة كأنها درهم. و منبته سهول الأرض، و هو من أنجع المراعي في المال، و لا تحسن على نبت حسنها عليه. قال النابغة:

الواهب المائة الأبكار زينها # سعدان توضح في أوبارها اللبد

و هذا مثل يضرب للشي‏ء يفضل على أقرانه و أشكاله. (راجع «مجمع الأمثال» ج 2 ص 191 و «اللسان» مادة سعد) .

[5]في ب، س: «لم أخطأت» .

[6]في حـ: «يغني» .

[7]الرسيس: الثابت الذي قد لزم مكانه. و يقال: رس السقم في جسمه و قلبه رسيسا إذا دخل و ثبت.

495

فالآن من قبل موتي # لا عطر بعد عروس‏[1]

/بنيتم في فؤادي # أوكار طير النّحوس

قلبي فريس المنايا # يا ويحه من فريس‏

سئل عن تفضيله برصوما فأجاب:

-الشعر لرجل من قريش، و الغناء لابن جامع في طريقة الرمل-لم يتغنّ في ذلك المجلس بغيره. و كان إذا أراد أن يتغنّى سأل أن يزمر عليه برصوما. فلما كثر ذلك سألوه فيه فقال: لا و اللّه‏[2]، و لكنه إذا ابتدأت فغنّيت في الشعر عرف الغرض الذي يصلح فما يجاوزه، و كنت معه في راحة؛ و ذلك أن المغنّي إذا تغنّى بزمر زامر فأكثر العمل على الزامر لأنه لا يقفو الأثر؛ فإذا زمر برصوما فأنا في راحة و هو في تعب، و إذا زمر عليّ غيره فهو في راحة و أنا في تعب. فإن شككتم فاسألوا برصوما و منصور زلزل. فسألوهما عما قال، فقالا: صدق.

هم المهدي بضربه لاتصاله بالهادي:

قال و حدّثني عليّ بن أحمد الباهليّ قال: سمعت مصعب بن عبد اللّه يقول:

بلغ المهديّ أنّ ابن جامع و الموصليّ يأتيان موسى‏[3]، فبعث إليهما فجي‏ء بهما، فضرب الموصليّ ضربا مبرّحا، و قال له ابن جامع: ارحم أمّي!فرقّ له و قال له: قبّحك اللّه!رجل من قريش يغنّي!و طرده. فلما قام‏[4] موسى، وجّه الفضل خلفه بريدا حتى جاء به؛ فقال له موسى: ما كان ليفعل هذا غيرك.

غنى عند الهادي فأعطاه ثلاثين ألف دينار:

قال و حدّثني الزبير بن بكّار قال قال لي فلفلة[5]:

تمنّى يوما موسى أمير المؤمنين ابن جامع، فدفع إليّ الفضل بن الربيع خمسمائة دينار و قال: امض حتى تحمل ابن جامع، و بعث إليه بما يصلحه، فمضيت فحملته. فلما دخلنا أدخله الفضل الحمّام و أصلح من شأنه.

و دخل على موسى فغنّاه فلم/يعجبه. فلمّا خرج قال له الفضل: تركت الخفيف و غنيت الثقيل، قال: فأدخلني عليه أخرى؛ فأدخله فغنّى الخفيف؛ فقال: حاجتك فأعطاه ثلاثين ألف دينار.

[1]هذا مثل مشهور قالته أسماء بنت عبد اللّه العذرية، و كان اسم زوجها عروس، و مات عنها، فتزوجها رجل أعسر أبخر بخيل دمم.

فلما أراد أن يظعن بها قالت: لو أذنت لي فرثيت ابن عمي؛ فقال: افعلي؛ فقالت: أبكيك يا عروس الأعراس، يا ثعلبا في أهله و أسدا عند الناس؛ مع أشياء ليس يعلمها الناس. فقال: و ما تلك الأشياء؟فقالت: كان عن الهمة غير نعاس، و يعمل السيف صبيحات الباس. ثم قالت: يا عروس الأغر الأزهر، الطيب الحيم الكريم المحضر، مع أشياء له لا تذكر. فقال: و ما تلك الأشياء؟ قالت: كان عيوفا للخنى و المنكر، طيب النكهة غير أبخر، أيسر غير أعسر. فعرف أنها تعرض به. فلما رحل بها قال: ضمي إليك عطرك، و قد نظر إلى قشوة عطرها مطروحة، فقالت: لا عطر بعد عروس. و قيل: إن رجلا تزوّج امرأة فأهديت إليه فوجدها ثفلة فقال: أين عطرك؟فقالت: خبأته؛ فقال: لا مخبأ لعطر بعد عروس. و هذا المثل يضرب لمن لا يدخر عنه نفيس. (انظر «شرح القاموس» مادة عرس و «مجمع الأمثال» للميداني ج 2 ص 137 طبع بولاق) .

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «لا و أبيه» .

[3]هو موسى الهادي بن المهدي تولى الخلافة سنة 169 هـ و توفي سنة 170 و كانت خلافته سنة و شهرين.

[4]يريد: صار خليفة.

[5]كذا في ب، س. و في سائر النسخ: «قليلة» .

496

غنى عند الرشيد بين برصوما و زلزل بعد إبراهيم الموصلي فأجاد:

قال و حدّثني عبد الرحمن بن أيوب قال حدّثنا أبو يحيى العباديّ قال حدّثني ابن أبي الرجال قال حدّثني زلزل قال:

أبطأ إبراهيم الموصليّ عن الرشيد، فأمر مسرورا الخادم يسأل عنه-و كان أمير المؤمنين قد صيّر أمر المغنّين إليه-فقيل له: لم يأت بعد. ثم جاء في آخر النهار، فقعد بيني و بين برصوما، فغنّى صوتا له فأطربه و أطرب و اللّه كلّ من كان في المجلس. قال: فقام ابن جامع من مجلسه فقعد بيني و بين برصوما ثم قال: أما و اللّه يا نبطيّ ما أحسن إبراهيم و ما أحسن غيركما. قال: ثم غنّى فنسينا أنفسنا، و اللّه لكأنّ العود كان في يده.

شهد له إبراهيم الموصلي بجودة الإيقاع:

قال و حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثني يحيى بن إبراهيم بن عثمان بن نهيك قال:

دعا أبي الرشيد يوما، فأتاه و معه جعفر بن يحيى، فأقاما عنده، و أتاهما ابن جامع فغنّاهما يومهما. فلما كان الغد انصرف الرشيد و أقام/جعفر. قال: فدخل عليهم إبراهيم الموصلي فسأل جعفرا عن يومهم؛ فأخبره و قال له:

لم يزل ابن جامع يغنّينا إلا أنه كان يخرج من الإيقاع-و هو في قوله يريد أن يطيب نفس إبراهيم الموصليّ-قال:

فقال له إبراهيم: أ تريد أن تطيّب نفسي بما لا تطيب به!لا و اللّه، ما ضرط ابن جامع منذ ثلاثين سنة إلا بإيقاع، فكيف يخرج من الإيقاع!.

احتال في عزل العثماني عن مكة أيام الرشيد:

قال و حدّثني يحيى بن الحسن بن عبد الخالق قال حدّثني أبي قال:

كان سبب عزل العثمانيّ‏[1]أن ابن جامع سأل الرشيد أن يأذن له في المهارشة/بالدّيوك و الكلاب و لا يحدّ في النبيذ، فأذن له و كتب له بذلك كتابا إلى العثمانيّ. فلما وصل الكتاب قال: كذبت!أمير المؤمنين لا يحلّ ما حرّم اللّه، و هذا كتاب مزوّر. و اللّه لئن ثقفتك‏[2]على حال من هذه الأحوال لأؤدّبنّك أدبك. قال: فحذره ابن جامع.

و وقع بين العثماني و حماد اليزيديّ، و هو على البريد، ما يقع بين‏[3]العمال. فلما حجّ هارون، قال حماد لابن جامع: أعنّي عليه حتى أعزله؛ قال: أفعل. قال: فابدأ أنت و قل: إنه ظالم فاجر و استشهدني. فقال له ابن جامع:

هذا لا يقبل في العثمانيّ، و يفهم أمير المؤمنين كذبنا، و لكني أحتال من جهة ألطف من هذه. قال: فسأله هارون ابتداء فقال له: يا ابن جامع، كيف أميركم العثماني؟قال: خير أمير و أعدله و أفضله و أقومه بحقّ لو لا ضعف في عقله. قال: و ما ضعفه؟قال: قد أفنى الكلاب. قال: و ما دعاه إلى إفنائها؟قال: زعم أن كلبا دنا من عثمان بن عفّان يوم ألقى على الكناس فأكل وجهه، فغضب على الكلاب فهو يقتلها. فقال: هذا ضعيف، اعزلوه!فكان سبب عزله.

[1]هو محمد بن عبد اللّه بن سعيد بن المغيرة بن عمرو بن عثمان بن عفان. (انظر كتاب «المنتقى في أخبار أم القرى» ج 2 ص 186 و «الطبري» ق 3 ص 74) .

[2]ثقفتك: صادفتك.

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «مع العمال» .

497

أخبره إبراهيم بن المهدي بموت أمه كذبا ليحسن غناؤه:

قال هارون بن محمد و حدّثني الحسن بن محمد الغياثيّ‏[1]قال حدّثني أبي عن القطرانيّ قال:

كان ابن جامع بارّا بوالدته، و كانت مقيمة بالمدينة و بمكة. فدعاه إبراهيم بن المهديّ و أظهر له كتابا إلى أمير المؤمنين فيه نعي والدته. قال: فجزع لذلك جزعا شديدا، و جعل أصحابه يعزّونه و يؤنسونه؛ ثم جاءوا بالطعام فلم يتركوه حتى طعم و شرب، و سألوه الغناء فامتنع. فقال له إبراهيم بن المهدي: إنك ستبذل هذا لأمير المؤمنين، فابذله لإخوانك؛ فاندفع يغنّي:

صوت‏

كم بالدّروب و أرض الروم من قدم # و من جماجم صرعى ما بها قبروا[2]

بقندهار[3]و من تقدر منيّته # بقندهار يرجّم دونه الخبر

-الشعر ليزيد[4]بن مفرّغ الحميريّ. و الغناء لابن جامع رمل. و فيه لابن سريج خفيف رمل جميعا عن الهشاميّ-قال: و جعل إبراهيم يستردّه حتى صلح‏[5]له. ثم قال: لا و اللّه ما كان ممّا خبّرناك شي‏ء إنما مزحنا بك.

قال: ثم قال له: ردّ الصوت؛ فغنّاه فلم يكن من الغناء الأوّل في شي‏ء. فقال له إبراهيم: خذه الآن على، فأدّاه إبراهيم على السماع الأوّل. فقال له ابن جامع: أحبّ أن تطرحه أنت على كذا.

هوّم في مجلس الرشيد ثم انتبه من نومه و غناه فأحجب به:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني علي بن الحسن الشّيبانيّ عن أحمد بن يحيى المكيّ قال:

كان أبي بين يدي الرشيد و ابن جامع معه يغنّي بين يدي الرشيد. فغنّاه:

خليفة لا يخيب سائله # عليه تاج الوقار معتدل‏[6]

/قال: و غنّى من يتلوه، و هوّم ابن‏[7]جامع سكرا و نعاسا. فلما دار الغناء على أصحابه و صارت النوبة إليه، حرّكه من بجنبه لنوبته فانتبه و هو يغنّي:

[1]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «العتابي» .

[2]كذا في أكثر الأصول هنا و «نهاية الأرب» (ج 4 ص 324 طبع دار الكتب المصرية) . و جميع الأصول فيما يأتي. و في ب، س هنا:

«ما هم قبروا» . و رواية هذا البيت في «معجم البلدان» في الكلام على قندهار:

كم بالجروم و أرض الهند من قدم # و من سرابيل قتلى ليتهم قبروا

و القدم: الشجاع. يستوي فيه المذكر و المؤنث و المفرد و الجمع. و جماجم القوم: ساداتهم و رؤساؤهم.

[3]قندهار: مدينة كبيرة بالقرب من كابل، عاصمة أفغانستان الآن.

[4]هو يزيد بن ربيعة ابن مفرغ (كمحدث) الحميري، و قيل: يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرغ. و كان حليفا لآل خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، و هو عم السيد الحميري. و يقال: إن جده راهن على أن يشرب سقاء لبن كله فشربه حتى فرغه، فلقب مفرغا.

(انظر ترجمته في «الأغاني» ج 17 ص 51 طبع بولاق) .

[5]كذا في الأصول. و لعله «حتى صح له» .

[6]في حـ، ء، م: «يعتدل» .

[7]هوّم الرجل: هز رأسه من النعاس، و قيل: نام قليلا.

498

اسلم و حيّيت أيّها الطّلل # و إن عفتك الرياح و السّبل‏[1]

-قال: و هو يتلو البيت الأوّل-فعجب أهل المجلس من ذكائه و فهمه، و أعجب ذلك الرشيد.

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

اسلم و حيّيت أيها الطلل # و إن عفتك الرياح و السّبل

خليفة لا يخيب سائله # عليه تاج الوقار معتدل‏

الشعر لأشجع أو لسلم الخاسر يمدح به موسى الهادي. و الغناء لابن جامع ثقيل أوّل بالوسطى، من رواية الهشاميّ و أحمد بن يحيى المكيّ.

أخبره الرشيد بموت أمه كذبا ليحسن غناؤه:

قال هارون و قد حدّثني بهذا الخبر عبد الرحمن بن أيوب قال حدّثني أحمد بن يحيى المكيّ قال:

كان ابن جامع أحسن ما يكون غناء إذا حزن صوته. فأحبّ الرشيد أن يسمع ذلك على تلك الحال، فقال للفضل بن الربيع: ابعث خريطة فيها نعي أمّ ابن جامع-و كان بارّا بأمّه-ففعل. فوردت الخريطة على أمير المؤمنين و هو في مجلس لهوه، فقال: يا ابن جامع، جاء في هذه الخريطة نعي أمّك. فاندفع ابن جامع يغنّي بتلك الحرقة و الحزن الذي في قلبه:

/

كم بالدّروب و أرض السّند من قدم # و من جماجم صرعى ما بها قبروا

بقندهار و من تكتب منيّته # بقندهار يرجّم دونه الخبر

قال: فو اللّه ما ملكنا أنفسنا، و رأيت الغلمان يضربون برءوسهم الحيطان و الأساطين. -قال هارون: لا أشك أن ابن المكيّ قد حدّث به عن رجل حضر ذلك فأغفله عبد الرحمن بن أيوب-قال: ثم غنّى بعد ذلك:

يا صاحب القبر الغريب‏

-و هو لحن قديم. و فيه لحن لابن المكيّ-فقال له الرشيد: أحسنت!و أمر له بعشرة آلاف دينار.

نسبة هذا الصوت الأخير

صوت‏

يا صاحب القبر الغريب # بالشام في طرف الكثيب

بالحجر[2]بين صفائح # صمّ ترصّف بالجبوب‏[3]

[1]السبل (بالتحريك) : المطر.

[2]الحجر (بالكسر) : قرية صغيرة كانت بين الشام و الحجاز و هي بين جبال كانت ديار ثمود التي قال اللّه جل شأنه فيها: (و تنحتون من الجبال بيوتا) . و تسمى تلك الجبال الأثالث، و هي التي ينزلها حجاج الشام.

[3]كذا في حـ. و الجبوب (بالباء الموحدة) : المدر (الطوب) المفتت. و في سائر الأصول: «الجيوب» بالياء المثناة من تحت و هو تصحيف.

499

رصفا و لحد ممكن # تحت العجاجة في القليب

فإذا ذكرت أنينه # و مغيبه تحت المغيب

هاجت لواعج عبرة # في الصدر دائمة الدّبيب

أسفا لحسن بلائه # و لمصرع الشيخ الغريب

/أقبلت أطلب طبّه # و الموت يعضل‏[1]بالطبيب‏

الشعر لمكين العذريّ يرثي أباه، و قيل: إنه لرجل خرج بابنه إلى الشأم هربا به من جارية هويها فمات هناك.

و الغناء لحكم الوادي، رمل في مجرى البنصر. و قيل: إن الشعر لسلاّمة[2]/ترثي الوليد بن يزيد.

سمعته أم جعفر مع الرشيد فأمرت له بمائة ألف درهم لكل بيت غنى فيه و عوضها الرشيد بكل درهم دينارا:

أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني الحسن بن محمد قال حدّثنا أحمد بن الخليل بن مالك قال حدّثني عبد اللّه بن علي بن عيسى بن ماهان قال سمعت يزيد[3]يحدّث:

أن أمّ جعفر بلغها أنّ الرشيد جالس وحده ليس معه أحد من الندماء و لا المسامرين؛ فأرسلت إليه:

يا أمير المؤمنين، إني لم أرك منذ ثلاث و هذا اليوم الرابع. فأرسل إليها: عندي ابن جامع. فأرسلت إليه: أنت تعلم أني لا أتهنّأ بشرب و لا سماع و لا غيرهما إلا أن تشركني فيه، فما كان عليك أن أشركك في الذي أنت فيه!فأرسل إليها: إني سائر إليك الساعة. ثم قام و أخذ بيد ابن جامع، و قال لحسين الخادم: امض إليها فأعلمها أني قد جئت.

و أقبل الرشيد، فلما نظر إلى الخدم و الوصائف قد استقبلوه علم أنها قد قامت تستقبله، فوجّه إليها: إن معي ابن جامع؛ فعدلت إلى بعض المقاصير. و جاء الرشيد و صيّر ابن جامع في بعض المواضع التي يسمع منه فيها و لا يكون حاضرا معهم. و جاءت أمّ جعفر فدخلت على الرشيد/و أهوت لتنكبّ على يده؛ فأجلسها إلى جانبه فاعتنقها و اعتنقته. ثم أمر ابن جامع أن يغنّي فاندفع فغنّى:

صوت‏

ما رعدت رعدة و لا برقت # لكنّها أنشئت لنا خلقه‏[4]

الماء يجري على‏[5]نظام له # لو يجد الماء مخرقا خرقه

بتنا و باتت على نمارقها # حتى بدا الصبح عينها أرقه

أن قيل إنّ الرحيل بعد غد # و الدار بعد الجميع مفترقه‏

[1]أعضل به: أعياه و أعجزه. و روى عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال: أعضل بي أهل الكوفة، ما يرضون بأمير و لا يرضاهم أمير. قال الأموي: في قوله: أعضل بي هو من العضال و هو الأمر الشديد الذي لا يقوم به صاحبه، أي ضاقت على الحيل في أمرهم و صعبت عليّ مداراتهم.

[2]هي سلامة القس. (راجع ترجمتها في الجزء الثامن من «الأغاني» ص 6-15 طبع بولاق) .

[3]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «بربر» .

[4]يقال: نشأت لهم سحابة خلقة و خليقة أي فيها أثر المطر.

[5]كذا في ب، س و «ديوان عبيد بن الأبرص» (ص 86 طبع أوروبا) . و في سائر الأصول: «و لا نظام له» .

500

-الشعر لعبيد بن الأبرص. و الغناء لابن جامع ثاني ثقيل من أصوات قليلات الأشباه، عن إسحاق. و فيه لابن محرز ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو بن بانة. و ذكر يونس أن فيه لحنا لمعبد و لم يجنّسه. و فيه لحكم هزج بالوسطى عن عمرو و الهشاميّ. و لمخارق في هذه الأبيات رمل بالبنصر عن الهشاميّ. و ذكر حبش أن الثقيل الأوّل للغريض.

و ذكر الهشاميّ أن لمتيّم فيها ثاني ثقيل بالوسطى-قال: فقالت أمّ جعفر للرشيد: ما أحسن ما اشتهيت و اللّه يا أمير المؤمنين!. ثم قالت لمسلم خادمها: ادفع إلى ابن جامع لكل بيت مائة ألف درهم. فقال الرشيد: غلبتنا يا بنت أبي‏[1]الفضل و سبقتنا إلى برّ ضيفنا و جليسنا. فلما خرج، حمل إليها مكان كلّ درهم دينارا.

أخذ صوتا من جارية بثلاثة دراهم فأخذ به من الرشيد ثلاثة آلاف دينار:

أخبرنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال أخبرني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدّثني محمد بن ضوين الصّلصال التّيميّ قال حدّثني إسماعيل بن جامع السّهميّ قال:

ضمّني الدهر[2]ضمّا شديدا بمكة، فانتقلت منها بعيالي إلى المدينة، فأصبحت يوما و ما أملك إلا ثلاثة دراهم. فهي في كمّي إذا أنا بجارية حميراء على رقبتها جرّة تريد الرّكيّ‏[3]تسعى بين يديّ و ترنّم بصوت شجيّ تقول:

شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا # فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا

و ذاك لأنّ النوم يغشى عيونهم # سراعا و ما يغشى لنا النوم أعينا

/إذا ما دنا الليل المضرّ[4]لذي الهوى # جزعنا و هم يستبشرون إذا دنا

فلو أنهم كانوا يلاقون مثل ما # نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا

قال: فأخذ الغناء بقلبي و لم يدر لي منه حرف. فقلت: يا جارية، ما أدري أوجهك أحسن أم غناؤك!فلو شئت أعدت؛ قالت: حبّا و كرامة. ثم أسندت ظهرها إلى جدار قرب منها و رفعت إحدى رجليها فوضعتها على الأخرى، و وضعت الجرّة على ساقيها ثم انبعثت تغنّيه؛ فو اللّه ما دار لي منه حرف؛ فقلت: أحسنت!فلو شئت أعدتيه مرّة أخرى!ففطنت و كلحت و قالت: ما أعجب أمركم!أحدكم لا يزال يجي‏ء إلى الجارية عليها الضّريبة فيشغلها!فضربت بيدي إلى الثلاثة الدراهم فدفعتها إليها، و قلت: أقيمي بها وجهك اليوم إلى أن نلتقي. قال:

فأخذتها كالكارهة و قالت: أنت الآن تريد أن تأخذ منّي صوتا أحسبك ستأخذ به ألف/دينار و ألف دينار و ألف دينار. قال: و انبعثت تغنّي؛ فأعملت فكري في غنائها حتى دار لي الصوت و فهمته، و انصرفت مسرورا إلى منزلي أردّده حتى خفّ على لساني. ثم إني خرجت أريد بغداد فدخلتها، فنزل بي المكاري على باب‏[5]محوّل؛ فبقيت لا أدري أين أتوجّه و لا من أقصد. فذهبت أمشي مع الناس، حتى أتيت الجسر فعبرت معهم، ثم انتهيت إلى شارع المدينة، فرأيت مسجدا بالقرب من دار الفضل بن الربيع مرتفعا؛ فقلت: مسجد قوم سراة؛ فدخلته، و حضرت صلاة [1]كذا في الأصول. و المعروف أن أم جعفر هي زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي، و أن جعفرا أباها ولد إبراهيم و زبيدة و جعفرا و عيسى و عبيد اللّه و صالحا و لبانة. (انظر «المعارف» لابن قتيبة ص 192) .

[2]يريد ضغطني و اشتد عليّ، من شدّة الفقر و الحاجة.

[3]الركي: جنس للركية و هي البئر.

[4]كذا في ب، س هنا و فيما سيأتي في جميع الأصول. و في أ، م هنا: «المبير» و في ء: «المبيد» .

[5]باب محول: محلة كبيرة من محال بغداد كانت متصلة بالكرخ.

501

المغرب و أقمت بمكاني حتى صلّيت العشاء الآخرة على جوع و تعب. و انصرف أهل المسجد و بقي رجل يصلّي، خلفه جماعة خدم و خول‏[1]ينتظرون فراغه؛ فصلّى مليّا ثم انصرف؛ فرآني فقال: أحسبك غريبا؟قلت: أجل.

قال: فمتى كنت في هذه المدينة؟قلت: دخلتها آنفا، و ليس لي بها منزل و لا معرفة، و ليست صناعتي من الصنائع التي يمتّ بها إلى أهل الخير. قال: و ما صناعتك؟قلت: أتغنّى. قال: فوثب مبادرا و وكّل بي بعض من معه.

فسألت الموكّل بي عنه فقال: هذا سلاّم‏[2]الأبرش. قال: و إذا رسول قد جاء في طلبي فانتهى بي إلى قصر من قصور الخلافة، و جاوز بي‏[3]مقصورة إلى مقصورة، ثم أدخلت مقصورة في آخر الدهليز؛ و دعا بطعام فأتيت بمائدة عليها من طعام الملوك، فأكلت حتى امتلأت. فإني لكذلك إذ سمعت ركضا في الدهليز و قائلا يقول: أين الرجل؟ قيل: هو هذا. قال: ادعوا له بغسول‏[4]/و خلعة و طيب، ففعل ذلك بي. فحملت على دابّة إلى دار الخلافة- و عرفتها بالحرس و التكبير و النيران-فجاوزت مقاصير عدّة، حتى صرت إلى دار قوراء[5]فيها أسرّة في وسطها قد أضيف بعضها إلى بعض. فأمرني الرجل بالصعود فصعدت، و إذا رجل جالس عن يمينه ثلاث جوار في حجورهنّ العيدان، و في حجر الرجل عود. فرحّب الرجل بي، و إذا مجالس حياله كان فيها قوم قد قاموا عنها. فلم ألبث أن خرج خادم من وراء الستر فقال للرجل: تغنّ، فانبعث يغنّي بصوت لي و هو:

لم تمش ميلا و لم تركب على قتب # و لم تر الشمس إلا دونها الكلل‏[6]

تمشي الهوينى كأن‏[7]الريح ترجعها # مشي اليعافير[8]في جيآتها الوهل‏

/فغنّى بغير إصابة و أوتار مختلفة و دساتين‏[9]مختلفة. ثم عاد الخادم إلى الجارية التي تلي الرجل فقال لها:

تغنّي، فغنّت أيضا بصوت لي كانت فيه أحسن حالا من الرجل، و هو قوله:

/

يا دار أضحت خلاء لا أنيس بها # إلا الظباء و إلا النّاشط[10]الفرد

[1]في حـ: «و مجول» . و في سائر الأصول: «و فحول» و الظاهر أن كليهما محرّف عما أثبتناه.

[2]خدم المنصور و تولى المظالم للمهدي و عاصر الهادي و الرشيد. (انظر «الطبري» ق 3 ص 393، 529، 603، 684، 749، 1075، 1383) .

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و جاوزني» و هو تصحيف.

[4]الغسول: الماء يغتسل به، أو هو ما تغسل به الأيدي كالأشنان و غيره.

[5]الدار القوراء: الواسعة الجوف.

[6]الكلل: جمع كلة و هي ستر يخاط كالبيت (ناموسية) .

[7]في حـ: «كأن المشي‏ء يوحشها» .

[8]اليعافير: الظباء. و الوهل: الفزع.

[9]الدساتين: هي الرباطات التي توضع الأصابع عليها، واحدها دستان. و أسامي دساتين العود تنسب إلى الأصابع التي توضع عليها، فأوّلها «دستان السبابة» و يشدّ عند تسع الوتر، و قد يشدّ فوقه دستان أيضا يسمى «الزائد» . ثم يلي دستان السبابة «دستان الوسطى» و قد توضع أوضاعا مختلفة فأولها يسمى «دستان الوسطى القديمة» و الثاني يسمى «دستان وسطى الفرس» و الثالث يسمى «دستان وسطى زلزل» لأنه أوّل من شدّه. فأما الوسطى القديمة فشدّ دستانها على قريب من الربع مما بين دستان السبابة و دستان البنصر.

و دستان وسطى الفرس على النصف فيما بينهما على التقريب. و دستان وسطى زلزل على ثلاثة أرباع ما بينهما إلى ما يلي البنصر بالتقريب. و قد يقتصر من دساتين هذه الوسطيات على واحد و ربما يجمع بين اثنين منها. ثم يلي دستان الوسطى «دستان البنصر» و يشدّ على تسع ما بين دستان السبابة و بين المشط. ثم يلي دستان البنصر «دستان الخنصر» و يشدّ على ربع الوتر. (عن «مفاتيح العلوم» للخوارزمي. و راجع ما كتب في هذا المعنى في تصدير هذا الكتاب ص 40) .

[10]الناشط: الثور الوحشي و كذلك الحمار الوحشيّ. و الفرد: المنفرد. ـ

502

أين الذين إذا ما زرتهم جذلوا # و طار عن قلبي التّشواق و الكمد

[ثم عاد إلى الثانية و أحسبه أغفلها و ما تغنّت‏[1]به‏]ثم عاد الخادم إلى الجارية التي تليها فانبعثت تغنّي بصوت لحكم الواديّ و هو:

فو اللّه ما أدري أ يغلبني الهوى # إذا جدّ و شك البين أم أنا غالبه

فإن أستطع أغلب و إن يغلب الهوى # فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه‏

قال: ثم عاد الخادم إلى الجارية الثالثة فغنّت بصوت لحنين و هو قوله:

مررنا على قيسيّة عامريّة # لها بشر صافي الأديم هجان‏[2]

فقالت و ألقت جانب السّتر دونها # من ايّة أرض أو من الرجلان

فقلت لها أمّا تميم فأسرتي # هديت و أما صاحبي فيمان

رفيقان ضمّ السّفر بيني و بينه # و قد يلتقي الشتّى فيأتلفان‏

ثم عاد إلى الرجل فغنّى صوتا فشبّه‏[3]فيه. و الشعر لعمر بن أبي ربيعة و هو قوله:

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا # إذا أقول صحا يعتاده عيدا

كأنّ أحور من غزلان ذي‏[4]بقر # أعارها شبه العينين و الجيدا

بمشرق‏[5]كشعاع الشمس بهجته # و مسبكرّ على لبّاتها سودا

/ثم عاد إلى الجارية فتغنّت بصوت لحكم الواديّ:

تعيّرنا أنّا قليل عديدنا # فقلت لها إن الكرام قليل

و ما ضرّنا أنّا قليل و جارنا # عزيز و جار الأكثرين ذليل

و إنّا لقوم ما نرى القتل سبّة # إذا ما رأته عامر و سلول

يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا # و تكرهه آجالهم فتطول‏

و تغنّت الثانية:

وددتك لما كان ودّك خالصا # و أعرضت لما صرت نهبا مقسّما

[1]كذا وردت هذه العبارة في جميع الأصول. و الظاهر أنها مقحمة.

[2]الهجان: الأبيض الخالص من كل شي‏ء.

[3]يريد: خلط فيه و لم يحسن أداءه.

[4]كذا في جميع الأصول هنا و فيما سيأتي في حـ و ديوانه. و فيما سيأتي في سائر الأصول: «ذي نفر» (بالفاء) و كلاهما اسم لموضع.

فذو بقر: واد بين أخيلة الحمى حمى الربذة، و قرية في ديار بني أسد. و ذو نفر: موضع على ثمانية أميال من السليلة بينها و بين الربذة. (انظر «معجم ما استعجم» للبكري و «معجم ياقوت» ) .

[5]كذا في ديوانه. و هذا البيت يتعلق ببيت قبله أغفله صاحب الأغاني و هو:

قامت تراءى و قد جدّ الرحيل بنا # لتنكأ القرح من قلب قد اصطيدا

و في جميع الأصول:

«و مشرقا... # و مسبطرا... إلخ»

. و شعر مسبكر: مسترسل.

503

و لا يلبث الحوض الجديد بناؤه # إذا[1]كثر الورّاد أن يتهدّما

و تغنّت الثالثة بشعر الخنساء:

و ما كرّ إلا كان أوّل طاعن # و لا أبصرته الخيل إلا اقشعرّت

فيدرك ثأرا و هو لم يخطه الغنى # فمثل أخي يوما به العين قرّت

فلست أرزّا بعده برزيّة # فأذكره إلا سلت و تجلّت‏

و غنّى الرجل في الدور الثالث:

لحى اللّه صعلوكا مناه و همّه # من الدهر أن يلقى لبوسا و مطعما

/ينام الضحى حتى إذا ليله انتهى‏[2] # تنبه مثلوج‏[3]الفؤاد مورّما[4]

و لكنّ صعلوكا يساور همّه # و يمضي على الهيجاء ليثا مقدّما[5]

فذلك إن يلق الكريهة يلقها # كريما و إن يستغن يوما فربّما

/قال: و تغنّت الجارية:

إذا كنت ربّا للقلوص فلا يكن‏[6] # رفيقك يمشي خلفها غير راكب

أنخها فأردفه فإن حملتكما # فذاك و إن كان العقاب‏[7]فعاقب‏

قال: و تغنّت الجارية بشعر عمرو بن معديكرب:

أ لم تر لمّا ضمّني البلد القفر # سمعت نداء يصدع القلب يا عمرو

أغثنا فإنا عصبة مذحجيّة # نزار على وفر و ليس لنا وفر

قال: و تغنّت الثالثة بشعر عمر بن أبي ربيعة:

فلما تواقفنا و سلّمت أسفرت‏[8] # وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا

تبالهن بالعرفان لمّا عرفنني # و قلن امرؤ باغ أكلّ‏[9]و أوضعا

و لما تنازعن‏[10]الأحاديث قلن لي # أخفت علينا أن نغرّ و نخدعا

[1]في أ، ء، م هنا و فيما سيأتي في جميع الأصول: «على كثرة الوراد» .

[2]في «ديوان حاتم» (طبع لندن سنة 1872) : «استوى» .

[3]كذا في ديوانه. و في جميع الأصول: «مسلوب» .

[4]مورما: منتفخا بادئا لعدم ما يشغله من شئون الحياة.

[5]في أ، ء، م هنا و فيما سيأتي في جميع الأصول: «مصمما» . و رواية هذا البيت في ديوانه:

و للّه صعلوك يساور همه # و يمضي على الأحداث و الدهر مقدما

[6]في «شعراء النصرانية» (ج 1 ص 129 طبع بيروت) : «فلا تدع» .

[7]العقاب: هو أن تركب الدابة مرة و يركبها صاحبك مرة.

[8]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «أقبلت» . و في ديوانه طبع أوروبا: «أشرقت» .

[9]أكل: أعيا. و أوضع: أسرع. يريد أنه أوضع فأكل إلا أنه قدّم و أخر.

[10]كدا في ديوانه. و في جميع الأصول هنا: «تواضعن» و في ب، س فيما سيأتي: «تراجعن» .

504

قال: و توقّعت مجي‏ء الخادم إليّ، فقلت للرجل: بأبي أنت!خذ العود فشدّ وتر كذا و ارفع الطبقة و حطّ دستان كذا؛ ففعل ما أمرته. و خرج الخادم فقال لي: تغنّ عافاك اللّه؛ فتغنّيت بصوت الرجل الأوّل على غير ما غنّاه، فإذا جماعة من الخدم يحضرون حتى استندوا إلى الأسرّة و قالوا: ويحك!لمن هذا الغناء؟قلت: لي؛ فانصرفوا عنّي بتلك السرعة، و خرج إليّ الخادم و قال: كذبت!هذا الغناء لابن جامع. و دار الدور؛ فلما انتهى الغناء إليّ قلت للجارية التي تلي الرجل: خذي العود، /فعلمت ما أريد فسوّت العود على غنائها للصوت الثاني فتغنّيت به. فخرجت إليّ الجماعة الأولى من الخدم فقالوا: ويحك!لمن هذا؟قلت: لي؛ فرجعوا و خرج الخادم‏[1].

فتغنيت بصوت لي فلا يعرف إلا بي، و سقوني فتزيّدت، و هو:

عوجي عليّ فسلّمي جبر # فيم الصدود و أنتم سفر

ما نلتقي إلا ثلاث منى # حتى يفرّق بيننا الدهر[2]

قال: فتزلزلت و اللّه الدار عليهم. و خرج الخادم فقال: ويحك!لمن هذا الغناء؟قلت: لي. فرجع ثم خرج فقال: كذبت!هذا غناء ابن جامع. فقلت: فأنا إسماعيل بن جامع. فما شعرت إلا و أمير المؤمنين و جعفر بن يحيى قد أقبلا من وراء الستر الذي كان يخرج منه الخادم. فقال لي الفضل بن الربيع: هذا أمير المؤمنين قد أقبل إليك.

فلما صعد السرير و ثبت قائما. فقال لي: ابن جامع؟قلت: ابن جامع، جعلني اللّه فداك يا أمير المؤمنين. قال:

ويحك!متى كنت في هذه البلدة؟قلت: آنفا، دخلتها في الوقت الذي علم بي أمير المؤمنين. قال: اجلس ويحك يا ابن جامع!و مضى هو و جعفر فجلسا في بعض تلك المجالس، و قال لي: أبشر و ابسط أملك؛ فدعوت له. ثم قال:

غنّني يا ابن جامع. فخطر بقلبي صوت الجارية الحميراء فأمرت الرجل/بإصلاح العود على ما أردت من الطبقة، فعرف ما أردت، فوزن العود وزنا و تعاهده حتى استقامت الأوتار و أخذت الدساتين مواضعها، و انبعثت أغنّي بصوت الجارية الحميراء. فنظر الرشيد إلى جعفر و قال: أسمعت كذا قطّ؟فقال: لا و اللّه/ما خرق مسامعي قطّ مثله.

فرفع الرشيد رأسه إلى خادم بالقرب منه فدعا بكيس فيه ألف دينار فجاء به فرمى به إليّ، فصيّرته تحت فخذي و دعوت لأمير المؤمنين. فقال: يا ابن جامع، ردّ على أمير المؤمنين هذا الصوت، فرددته و تزيّدت فيه. فقال له جعفر: يا سيّدي، أ ما تراه كيف يتزيّد في الغناء!هذا خلاف ما سمعناه أوّلا و إن كان الأمر في اللحن واحدا. قال:

فرفع الرشيد رأسه إلى ذلك خادم فدعا بكيس آخر فيه ألف دينار، فجاءني به فصيّرته تحت فخذي. و قال: تغنّ يا إسماعيل ما حضرك. فجعلت أقصد الصوت بعد الصوت مما كان يبلغني أنه يشتري عليه الجواري فأغنّيه؛ فلم أزل أفعل ذلك إلى أن عسعس الليل. فقال: أتعبناك يا إسماعيل هذه الليلة بغنائك، فأعد على أمير المؤمنين الصوت (يعني صوت الجارية) فتغنّيت. فدعا الخادم و أمره فأحضر كيسا ثالثا فيه ألف دينار. قال: فذكرت ما كانت الجارية قالت لي فتبسّمت، و لحظني فقال: يا ابن الفاعلة، ممّ تبسمت؟فجثوت على ركبتيّ و قلت: يا أمير المؤمنين، الصدق منجاة. فقال لي بانتهار: قل. فقصصت عليه خبر الجارية. فلما استوعبه قال: صدقت، قد يكون هذا و قام. و نزلت من السرير و لا أدري أين أقصد. فابتدرني فرّاشان فصارا بي إلى دار قد أمر بها أمير المؤمنين؛ ففرشت و أعدّ فيها جميع ما يكون في مثلها من آلة جلساء الملوك و ندمائهم من الخدم، و من كل آلة و خول إلى جوار [1]الذي يتتبع سياق الخبر يشعر بأن هاهنا نقصا. و لعل أصل الجملة: «و خرج الخادم فقال كذبت فتغنيت... إلخ» .

[2]كذا في جميع الأصول هنا. و في «ترجمة العرجي» (ج 1 ص 408 من «الأغاني» طبع دار الكتب المصرية) و فيما سيأتي في ب، س:

«النفر» . و النفر: هو نفر الحاج من منى و يكون في اليوم الثاني و يسمى النفر الأول. و الثاني يكون في اليوم الثالث من أيام التشريق.

505

و وصفاء. فدخلتها[1]فقيرا و أصبحت من جلّة أهلها و مياسيرهم.

و ذكر لي هذا الخبر عبد اللّه بن الرّبيع عن أبي حفص الشّيبانيّ عن محمد بن القاسم عن إسماعيل بن جامع قال:

/ضمّني الدهر بمكة ضمّا شديدا فانتقلت إلى المدينة. فبينا أنا يوما جالس مع بعض أهلها نتحدّث، إذ قال لي رجل حضرنا: و اللّه لقد بلغنا يا ابن جامع أن الخليفة قد ذكرك، و أنت في هذا البلد ضائع!فقلت: و اللّه ما بي نهوض. قال بعضهم: فنحن ننهضك. فاحتلت في شي‏ء و شخصت إلى العراق، فقدمت بغداد، و نزلت عن بغل كنت اكتريته. ثم ذكر باقي الحديث نحو الذي قبله في المعاني، و لم يذكر خبر السوداء[2]التي أخذ الصوت عنها.

و أحسبه غلط في‏[3]إدخاله هذه الحكاية هاهنا، و لتلك خبر آخر نذكره هاهنا[4]. قال في هذا الخبر: إن الدّور دار مرّة أخرى حتى صار إليّ؛ فخرج الخادم فقال: غنّ أيها الرجل!فقلت: ما أنتظر الآن!!ثم اندفعت أغنّي بصوت لي و هو:

فلو كان لي قلبان عشت بواحد # و خلّفت قلبا في هواك يعذّب

و لكنما أحيا بقلب مروّع # فلا العيش يصفو لي و لا الموت يقرب

تعلّمت أسباب الرضا خوف سخطها # و علّمها حبّي لها كيف تغضب

و لي ألف وجه قد عرفت مكانه # و لكن بلا قلب إلى أين أذهب‏[5]

فخرج الرشيد حينئذ.

نسبة ما في هذه الأصوات من الأغاني‏

صوت‏

شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا # فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا

و ذاك لأنّ النوم يغشى عيونهم # سراعا و ما يغشى لنا النوم أعينا

/إذا ما دنا الليل المضرّ بذي الهوى # جزعنا و هم يستبشرون إذا دنا

فلو أنهم كانوا يلاقون مثل ما # نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا

عروضه من الطويل. و ذكر الهشاميّ أن الغناء لابن جامع هزج بالوسطى، و في الخبر أنه أخذه عن سوداء[6] لقيها بمكة.

و منها:

[1]يريد مدينة بغداد التي تقدّمت في أوّل الخبر.

[2]كذا في جميع الأصول هنا و فيما سيأتي. و قد تقدم أن الجارية التي أخذ عنها كانت حميراء و قد ذكر ذلك في موضعين.

[3]يريد به محمد بن ضوين الصلصال التيمي و هو الذي ذكر هذا الخبر فيما تقدّم و ذكر فيه خبر السوداء التي أخذ عنها ابن جامع الصوت.

[4]ذكرت هذه القصة في آخر ترجمة ابن جامع.

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «يذهب» .

[6]انظر حاشية رقم 1 ص 319 من هذه الترجمة.

506
صوت‏

يا دار أضحت خلاء لا أنيس بها # إلا الظباء و إلا النّاشط الفرد

أين الذين إذا ما زرتهم جذلوا # و طار عن قلبي التشواق و الكمد

في هذا الصوت لحن لابن سريج خفيف ثقيل أوّل بالوسطى من رواية حبش. و لحن ابن جامع رمل.

و منها:

صوت‏

لم تمش ميلا و لم تركب على جمل # و لم تر الشمس إلا دونها الكلل

أقول‏[1]للركب في درنا و قد ثملوا # شيموا و كيف يشيم الشارب الثّمل‏

/الشعر للأعشى. و الغناء لابن سريج رمل بالبنصر، و قد كتب فيما يغنّي فيه من قصيدة الأعشى التي أوّلها:

ودّع هريرة إن الركب مرتحل‏

و منها:

صوت‏

مررنا على قيسيّة عامريّة # لها بشر صافي الأديم هجان

فقالت و ألقت جانب الستر دونها # من أيّة أرض أو من الرجلان

فقلت لها أمّا تميم فأسرتي # هديت و أمّا صاحبي فيماني

رفيقان ضمّ السّفر بيني و بينه # و قد يلتقي الشتّى فيأتلفان‏

غنّاه ابن سريج خفيف رمل بالبنصر.

و منها:

صوت‏

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا # إذا أقول صحا يعتاده عيدا

أجري على موعد منها فتخلفني # فما أملّ و لا توفي المواعيدا

[1]درنا: ناحية باليمامة و كانت تسمى هكذا في الجاهلية. و هي المعروفة بأثافت أو أثافة بالهاء و التاء. قال الهمداني: و كان الأعشى كثيرا ما يتخرّف فيها و كان له بها معصر للخمر يعصر فيه ما أجزل له أهل أثافت من أعنابهم. و يروون في قصيدته البائية:

أحب أثافت وقت القطاف # و وقت عصارة أعنابها

و يسكنها أهل ذي كبار و وداعة. و الرواية المشهورة في هذا الشطر كما في «شرح المعلقات العشر» للتبريزي و «معجم البلدان» و «صفة جزيرة العرب» و «لسان العرب» و «شرح القاموس» (مادة درن) : «فقلت للشرب في درنا... إلخ» .

507

كأنني حين أمسي لا تكلّمني # ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. و الغناء للغريض خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، و له فيه ثقيل أوّل‏[بالبنصر[1]. و ذكر عمرو بن بانة أنّ لمعبد فيه ثقيلا أول‏]بالوسطى على مذهب إسحاق.

/و منها:

صوت‏

فو اللّه ما أدري أ يغلبني الهوى # إذا جدّ وشك البين أم أنا غالبه

فإن أستطع أغلب و إن يغلب الهوى # فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه‏

/عروضه من الطويل. الشعر لابن ميّادة، و الغناء للحجبيّ خفيف ثقيل بالبنصر من رواية حبش.

و منها:

صوت‏

تعيّرنا أنا قليل عديدنا # فقلت لها إنّ الكرام قليل

و ما ضرّنا أنّا قليل و جارنا # عزيز و جار الأكثرين ذليل

و إنّا لقوم ما نرى القتل سبّة # إذا ما رأته عامر و سلول

يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا # و تكرهه آجالهم فتطول‏

عروضه من مقبوض‏[2]الطويل. و الشعر للسموأل بن عادياء اليهوديّ. و الغناء لحكم الوادي.

و منها:

صوت‏

وددتك لمّا كان ودّك خالصا # و أعرضت لما صار نهبا مقسّما

و لن يلبث الحوض الجديد بناؤه # على كثرة الورّاد أن يتهدّما

عروضه من الطويل. و فيه خفيف ثقيل قديم لأهل مكة. و فيه لعريب ثقيل أوّل.

/و منها:

صوت‏

و ما كرّ إلا كان أوّل طاعن # و لا أبصرته الخيل إلا اقشعرّت

فيدرك ثأرا ثم لم يخطه الغنى # فمثل أخي يوما به العين قرّت‏

[1]هذه العبارة ساقطة في الأصول ما عدا ب، س.

[2]القبض: هو حذف الخامس الساكن فيصير «فعولن» «فعول» .

508

فإن طلبوا وترا بدا بتراتهم # و يصبر يحميهم إذا الخيل ولّت‏

عروضه من الطويل. الشعر للخنساء، و الغناء لابن سريج ثقيل أوّل بالبنصر و ذكر علي بن يحيى أنه لمعبد في هذه الطريقة.

و منها:

صوت‏

لحا اللّه صعلوكا مناه و همّه # من الدهر أن يلقى لبوسا و مطعما[1]

ينام الضحى حتى إذا ليلة انتهى # تنبّه مثلوج الفؤاد مورّما

و لكن صعلوكا يساور همّه # و يمضي على الهيجاء ليثا مصمّما

فذلك إن يلق الكريهة يلقها # كريما و إن يستغن يوما فربّما

عروضه من الطويل. الشعر يقال إنه لعروة بن الورد، و يقال: إنه لحاتم الطائي و هو الصحيح. و الغناء لطويس خفيف رمل بالبنصر.

و منها:

صوت‏

إذا كنت ربّا للقلوص فلا يكن # رفيقك يمشي خلفها غير راكب

أنخها فأردفه فإن حملتكما # فذاك و إن كان العقاب فعاقب‏

عروضه من الطويل. و الشعر لحاتم طيّ‏ء.

/و منها:

صوت‏

أ لم تر لمّا ضمّني البلد القفر # سمعت نداء يصدع القلب يا عمرو

أغثنا فإنا عصبة مذحجيّة # نزار على وفر و ليس لنا وفر

/عروضه من الطويل. الشعر لعمرو بن معديكرب. و الغناء لحنين رمل بالوسطى عن حبش.

و منها:

صوت‏

فلما تواقفنا و سلّمت أقبلت # وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا

تبالهن بالعرفان لما رأينني # و قلن امرؤ باغ أكلّ و أوضعا

[1]راجع هذا الشعر في صفحة 315، فقد ورد فيها مختلفا عما هنا اختلافا يسيرا.

509

و لما تنازعن‏[1]الأحاديث قلن لي # أخفت علينا أن نغرّ و نخدعا

و قرّبن أسباب الهوى لمتيّم # يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا

عروضه من الطويل. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. و الغناء لابن سريج و الغريض و مالك و معبد و ابن جامع في عدّة ألحان، قد كتبت مع الخبر في موضع غير هذا.

و منها:

صوت‏

عوجي عليّ فسلّمي جبر # فيم الصدود و أنتم سفر

ما نلتقي إلا ثلاث منى # حتى يفرّق بيننا النّفر[2]

الحول ثم الحول يتبعه # ما الدهر إلا الحول و الشهر

/الشعر للعرجيّ. و الغناء للأبجر ثقيل أوّل عن الهشاميّ، و يقال إنه لابن محرز، و يقال بل لحنه فيه غير لحن الأبجر. و فيه رمل يقال إنه لابن جامع، و هو القول الصحيح، و ذكر حبش أنه لابن سريج، و أن لحن ابن جامع خفيف رمل.

و منها:

صوت‏

فلو كان لي قلبان عشت بواحد # و خلّفت قلبا في هواك يعذّب

و لكنما أحيا بقلب مروّع‏[3] # فلا العيش يصفو لي و لا الموت يقرب

تعلّمت أسباب الرّضا خوف هجرها # و علّمها حبّي لها كيف تغضب

و لي ألف وجه قد عرفت مكانه # و لكن بلا قلب إلى أين أذهب‏

عروضه من الطويل. الشعر لعمرو الورّاق. و الغناء لابن جامع خفيف رمل، و يقال إنه لعبد اللّه بن العبّاس.

و فيه لعريب ثقيل أوّل. و فيه لرذاذ خفيف ثقيل. و فيه هزج يقال إنه لعريب، و يقال إنه لنمرة، و يقال إنه لأبي فارة، و يقال إنه لابن جامع.

سمعه مصعب الزبيري يغني في بساتين المدينة فمدحه:

حدّثني مصعب الزبيريّ قال:

قدم علينا ابن جامع المدينة قدمة في أيام الرشيد؛ فسمعته يوما يغنّي في بعض بساتين المدينة:

و ما لي لا أبكي و أندب ناقتي # إذا صدر الرّعيان ورد المناهل‏

[1]راجع الحاشية رقم 5 ص 316 من هذا الجزء.

[2]راجع الحاشية رقم 2 ص 317 من هذا الجزء.

[3]في حـ: «معذب» .

510

/

و كنت إذا ما اشتدّ شوقي رحلتها # فسارت بمحزون كثير[1]البلابل‏[2]

/و كان رجلا صيّتا[3]، فكاد صوته يذهب بي كلّ مذهب، و ما سمعت قبله و لا بعده مثله.

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

و ما لي لا أبكي و أندب ناقتي # إذا صدر الرّعيان ورد المناهل

و كنت إذا ما اشتدّ شوقي ركبتها # فسارت بمحزون كثير البلابل‏

الغناء لابن جامع خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن الهشاميّ و ابن المكّيّ.

أهدى الربيع للمنصور فكان يستخفه و أعتقه:

أخبرني وكيع قال حدّثني هارون بن محمد الزّيات قال حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن الفضل بن الربيع عن أبيه قال:

كنت في خمسين و صيفا أهدوا للمنصور، ففرّقنا في خدمته، فصرت إلى ياسر صاحب وضوئه. فكنت أراه يفعل شيئا أعلم أنه خطأ: يعطيه الإبريق في آخر المستراح و يقف مكانه لا يبرح. و قال لي يوما: كن مكاني في آخر المستراح. فكنت أعطيه الإبريق و أخرج مبادرا، فإذا سمعت حركته بادرت إليه. فقال لي: ما أخفّك على قلبي يا غلام!ويحك!ثم دخل قصرا من تلك القصور فرأى حيطانه مملوءة من الشعر المكتوب عليها. فبينا هو يقرأ ما فيه إذا هو بكتاب مفرد، فقرأه فإذا هو:

و ما لي لا أبكي و أندب ناقتي # إذا صدر الرّعيان نحو المناهل

و كنت إذا ما اشتدّ شوقي رحلتها # فسارت بمحزون طويل البلابل‏

/و تحته مكتوب: آه آه، فلم يدر ما هو. و فطنت له فقلت: يا أمير المؤمنين، قد عرفت ما هو. فقال: قل؛ فقلت: قال الشعر ثم تأوّه فقال: آه آه، فكتب تأوّهه و تنفّسه و تأسّفه. فقال: مالك قاتلك اللّه!قد أعتقتك و ولّيتك مكان ياسر.

[1]في حـ: «طويل» .

[2]البلابل: شدّة الهم و الوسواس في الصدر و حديث النفس.

[3]الصيت: الجهير الصوت.

511

ذكر أخبار هذه الأصوات المتفرّقة[في‏][1]الأخبار و إنما أفردتها عنها لئلا تنقطع خبر

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا

خرج الغريض مع نسوة فتبعه الحارث بن خالد مع ابن أبي ربيعة:

أخبرني الحسين بن يحيى قال حماد: قرأت على أبي، و ذكر جعفر بن سعيد عن عبد الرحمن بن سليمان المكيّ قال حدّثني المخزوميّ (يعني الحارث بن خالد) قال:

بلغني أن الغريض خرج مع نسوة من أهل مكة من أهل الشّرف ليلا إلى بعض المتحدّثات من نواحي مكة، و كانت ليلة مقمرة؛ فاشتقت إليهنّ و إلى مجالستهنّ و إلى حديثهنّ، و خفت على نفسي لجناية كنت أطالب بها، و كان عمر مهيبا معظّما لا يقدم عليه سلطان و لا غيره، و كان منّي قريبا؛ فأتيته فقلت له: إنّ فلانة و فلانة و فلانة-حتى سميتهنّ كلّهنّ-قد بعثنني، و هنّ يقرأن عليك السلام، و قلن: تشوّقن إليك في ليلتنا هذه لصوت أنشدناه فويسقك الغريض-و كان الغريض يغنّي هذا الصوت فيجيده، و كان ابن أبي ربيعة به معجبا، و كان كثيرا ما يسأل الغريض أن يغنّيه، و هو قوله:

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا # إذا أقول صحا يعتاده عيدا

/كأنّ أحور من غزلان ذي نفر[2] # أهدى لها شبه العينين و الجيدا

قامت تراءى و قد جدّ الرحيل بنا # لتنكأ القرح من قلب قد اصطيدا

كأنني يوم أمسي لا تكلّمني # ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا

/أجرى على موعد منها فتخلفني # فما أملّ و ما توفي المواعيدا

قد طال مطلي، لو انّ اليأس ينفعني # أو أن أصادف من تلقائها جودا

فليس تبذل لي عفوا و أكرمها # من أن ترى عندنا في الحرص تشديدا[3]

-فلما أخبرته الخبر قال: لقد أزعجتني في وقت كانت الدّعة أحبّ فيه إليّ؛ و لكنّ صوت الغريض و حديث [1]هذه الكلمة ساقطة في ب، س.

[2]راجع الحاشية رقم 5 ص 314 من هذا الجزء.

[3]هذه رواية الديوان. و في الأصول:

... فأكرمها # ما إن ترى عندنا في الحرص تشديدا

512

النّسوة ليس له متّرك و لا عنه محيص. فدعا بثيابه فلبسها، و قال: امض؛ فمضينا نمشي العجل حتى قربنا منهنّ.

فقال لي عمر: خفّض عليك مشيك ففعلت، حتى وقفنا عليهنّ و هنّ في أطيب حديث و أحسن مجلس؛ فسلّمنا، فتهيّبننا و تخفّرن منّا. فقال الغريض: لا عليكنّ!هذا ابن أبي ربيعة و الحارث بن خالد جاءا متشوّقين إلى حديثكنّ و غنائي. فقالت فلانة: و عليك السلام يا ابن أبي ربيعة، و اللّه ما تمّ مجلسنا إلا بك، اجلسا. فجلسنا غير بعيد، و أخذن عليهنّ جلابيبهنّ و تقنّعن بأخمرتهنّ و أقبلن علينا بوجوههنّ و قلن لعمر: كيف أحسست بنا و قد أخفينا أمرنا؟ فقال: هذا الفاسق جاءني برسالتكنّ و كنت وقيذا[1]من علّة وجدتها، فأسرعت الإجابة، و رجوت منكنّ على ذلك حسن الإثابة. فرددن عليه: قد وجب أجرك، و لم يخب سعيك، و وافق منّا الحارث إرادة. فحدّثهنّ بما قلت له /من قصّة غناء الغريض؛ فقال النّسوة: و اللّه ما كان ذلك كذلك، و لقد نبّهتنا على صوت حسن، يا غريض هاته.

فاندفع الغريض يغنّي و يقول:

أمسى بأسماء هذا القلب معمودا # إذا أقول صحا يعتاده عيدا

حتى أتى على الشعر كلّه إلى آخره، فكلّ استحسنه. و أقبل عليّ ابن أبي ربيعة فجزاني الخير، و كذلك النّسوة.

فلم نزل بأنعم ليلة و أطيبها حتى بدأ القمر يغيب، فقمنا جميعا، و أخذ النّسوة طريقا و نحن طريقا و أخذ الغريض معنا.

و قال عمر في ذلك:

صوت‏

هل عند رسم برامة[2]خبر # أم لا فأيّ الأشياء تنتظر[3].

قد ذكّرتني الديار إذ درست # و الشوق ممّا يهيجه الذّكر

ممشى رسول إليّ يخبرني‏[4] # عنهم عشاء ببعض ما ائتمروا

و مجلس النّسوة الثلاث لدى الـ # خيمات حتى تبلّج السّحر

فيهنّ هند و الهمّ ذكرتها # تلك التي لا يرى لها خطر

ثم انطلقنا و عندنا و لنا # فيهنّ لو طال ليلنا وطر

و قولها للفتاة إذ أزف الـ # بين أ غاد أم رائح عمر

عجلان لم يقض‏[5]بعض حاجته # هلا تأنّى‏[6]يوما فينتظر

[1]الوقيذ: المريض.

[2]رامة: منزل بينه و بين الرمادة ليلة في طريق البصرة إلى مكة. و بين رامة و بين البصرة اثنتا عشرة مرحلة. و قيل: هي هضبة، و قيل:

جبل لبني دارم، و قيل فيها غير ذلك.

[3]وردت هذه الأبيات ضمن قصيدة ثمانية عشر بيتا في ديوان عمر بن أبي ربيعة (طبع ليبسك) باختلاف يسير في بعض الكلمات و في ترتيب الأبيات.

[4]كذا في ديوانه. و في الأصول: «ممشى فتاة إلى تخبرني» .

[5]في الديوان: «لم يقض بعد حاجته» .

[6]في ب، س: «أتانا» و هو تحريف. ـ

513

اللّه جار له و إن نزحت # دار به أو بدا له سفر

/غنّاه الغريض ثقيلا أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. و فيه لابن سريج رمل بالوسطى. و فيه لعبد الرحيم الدّفّاف ثقيل أوّل بالبنصر في البيتين الأوّلين. و بعدهما:

/

هل من‏[1]رسول إليّ يخبرني # بعد عشاء ببعض ما ائتمروا

يوم ظللنا و عندنا و لنا # فيهنّ لو طال يومنا وطر

فلما كانت الليلة القابلة بعث إليّ عمر فأتيته و إذا الغريض عنده. فقال له عمر: هات؛ فاندفع يغنّي:

هل عند رسم برامة خبر # أم لا فأيّ الأشياء تنتظر

و مجلس النّسوة الثلاث لدى الـ # خيمات حتى تبلّج السحر

فقلت في نفسي: هذا و اللّه صفة ما كنّا فيه، فسكتّ حتى فرغ الغريض من الشعر كلّه؛ فقلت: يا أبا الخطّاب، جعلت فداك!هذا و اللّه صفة ما كنّا فيه البارحة مع النّسوة. فقال: إن ذلك ليقال.

أغلظ موسى بن مصعب أمير الموصل الكلام لبعض عماله فأجابه بالمثل و فرّ:

و ذكر أحمد بن الحارث عن المدائنيّ عن عليّ بن مجاهد قال:

إنّ موسى بن مصعب كان على الموصل، فاستعمل رجلا من أهل حرّان على كورة باهذرا[2]و هي أجلّ كور الموصل، فأبطأ عليه الخراج؛ فكتب إليه:

هل عند رسم برامة خبر # أم لا فأيّ الأشياء تنتظر

/احمل ما عندك يا ماصّ بظر أمه، و إلا فقد أمرت رسولي بشدّك وثاقا و يأتي بك. فخرج الرجل و أخذ ما كان معه من الخراج فلحق بحرّان، و كتب إليه: يا عاضّ بظر أمّه!إليّ تكتب بمثل هذا!

و إذا أهل بلدة أنكروني # عرفتني الدّوّيّة[3]الملساء

فلما قرأ موسى كتابه ضحك و قال: أحسن-يعلم اللّه-الجواب، و لا و اللّه لا أطلبه أبدا. و في غير هذه الرواية أنه كتب إليه في آخر رقعة:

إنّ الخليط الألى تهوى قد ائتمروا # للبين ثم أجدّوا السير فانشمروا

يا ابن الزّانية!و السلام. ثم هرب، فلم يطلبه.

اسحاق الموصلي و لحن للغريض:

أخبرنا الحسين بن يحيى عن حمّاد قال قال أبي:

غنّاني رجل من أهل المدينة لحن الغريض:

[1]انظر الحاشية رقم 3 ص 329 من هذا الجزء.

[2]كذا في أ، م. و «معجم ياقوت» في الكلام على الموصل. و في حـ: «يا هذرا» بالياء المثناة من تحت. و في سائر الأصول: «باهدرا» بالباء الموحدة و الدال المهملة، و كلاهما تصحيف.

[3]الدوّية: الفلاة البعيدة الأطراف المستوية الواسعة.

514

هل عند رسم برامة خبر # أم لا فأيّ الأشياء تنتظر

فسألته أن يلقيه عليّ، فقال: لا إلا بألف درهم؛ فلم أسمح له بذلك. و مضى فلم ألقه. فو اللّه يا بنيّ ما ندمت على شي‏ء قطّ ندمي على ذلك، و لوددت أنّي وجدته الآن فأخذته منه كما سمعته و أخذ منّي ألف دينار مكان الألف الدرهم.

خبر

تعيّرنا أنّا قليل عديدنا

الشعر لشريح بن السّموءل بن عادياء. و يقال: إنه للسموأل. و كان من يهود يثرب؛ و هو الذي يضرب به المثل في الوفاء فيقال: «أو فى من السّموءل» .

/و كان السبب في ذلك فيما ذكر ابن الكلبيّ و أبو عبيدة و حدّثني به محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدّثنا يحيى بن سعيد الأمويّ عن محمد بن السائب الكلبيّ قال:

كان امرؤ القيس بن حجر أودع السموأل بن عادياء أدراعا[1]؛ فأتاه الحارث بن ظالم-و يقال/: الحارث بن أبي شمر الغسّاني-ليأخذها منه؛ فتحصّن منه السموأل؛ فأخذ ابنا له غلاما و ناداه: إمّا أن تسلّم الأدراع و إما أن قتلت ابنك؛ فأبى السموأل أن يسلّم الأدراع إليه؛ فضرب الحارث وسط الغلام بالسيف فقطعه اثنين‏[2]. فقال السموأل:

وفيت بأدرع الكنديّ إنّي # إذا ما خان أقوام وفيت

و أوصى عاديا يوما[3]بألاّ # تهدّم يا سموأل ما بنيت

بنى لي عاديا حصنا حصينا # و ماء[4]كلّما شئت استقيت‏

و في هذه القصيدة يقول:

صوت‏

أ عاذلتي ألا لا تعذليني # فكم من أمر عاذلة عصيت

دعيني و ارشدي إن كنت أغوى # و لا تغوى-زعمت-كما غويت

أعاذل قد طلبت‏[5]اللّوم حتى # لو اني منته لقد انتهيت

و صفراء المعاصم قد دعتني # إلى وصل فقلت لها أبيت‏

[1]في حـ: «أدراعا مائة» .

[2]كذا في حـ، ء. و في سائر الأصول: «باثنين» .

[3]رواية هذا الشطر في ديوانه:

و أوصى عاديا جدي بألا

[4]في «مجمع الأمثال» للميداني: «بئرا» . في ديوانه: «عينا» .

[5]كذا في جميع الأصول. و لعلها: «أطلت» .

515

/

و زقّ قد جررت إلى النّدامى # و زقّ قد شربت و قد سقيت

و حتى لو يكون فتى أناس # بكى من عذل عاذلة بكيت‏

عروضه من الوافر. و الشعر للسّموأل بن عادياء. و الغناء لابن محرز في الأوّل و الثاني و الرابع و الخامس خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى. و غنّى فيها مالك خفيف ثقيل بالبنصر في الأوّل و الثاني. و غنّى دحمان أيضا في الأوّل و الثاني و الرابع و الخامس رملا بالوسطى. و غنّى عبد الرحيم الدّفّاف في الأوّل و الثاني رملا بالبنصر.

و في هذه الأبيات لابن سريج لحن في الرابع و ما بعده. ثم في سائر الأبيات لحن ذكره يونس و لم ينسبه‏[1].

و لإبراهيم الموصليّ فيها لحن غير منسوب أيضا.

أسر الأعشى رجل من كلب و هو لا يعرفه ثم أطلقه بشفاعة شريح بن السموأل فلما عرف ذلك ندم:

حدّثني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثني سليمان بن أبي شيخ قال حدّثنا يحيى بن سعيد الأمويّ قال حدّثني محمد بن السائب الكلبيّ قال:

هجا الأعشى رجلا من كلب فقال:

بنو الشهر الحرام فلست منهم # و لست من الكرام بني عبيد

و لا من رهط جبّار بن قرط # و لا من رهط حارثة بن زيد

-قال: و هؤلاء كلهم من كلب-فقال الكلبيّ: أنا، لا أبا لك، أشرف من هؤلاء. قال: فسبّه الناس بعد بهجاء الأعشى، و كان متغيّظا عليه. فأغار الكلبيّ على قوم قد بات بهم الأعشى فأسر منهم نفرا و أسر الأعشى و هو لا يعرفه؛ فجاء حتى نزل بشريح بن السموأل بن عادياء الغسّاني صاحب تيماء[2]بحصنه الذي يقال له الأبلق‏[3]. فمرّ شريح بالأعشى، فنادى به الأعشى بقوله:

/

شريح لا تتركنّي بعد ما علقت # حبالك اليوم بعد القدّ[4]أظفاري

قد جلت ما بين بانقيا[5]إلى عدن # فطال في العجم تردادي‏[6]و تسياري

فكان أكرمهم عهدا و أوثقهم # عقدا أبوك بعرف غير إنكار

كالغيث ما استمطروه جاد و ابله # و في الشدائد كالمستأسد الضّاري

/كن كالسموأل إذ طاف الهمام به # في جحفل كسواد الليل جرّار

إذ سامه خطّتي خسف فقال له # قل ما تشاء فإنّي سامع حار

فقال غدر و ثكل أنت بينهما # فاختر و ما فيهما حظّ لمختار

[1]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «و لم يجنسه» .

[2]تيماء: بليدة في أطراف الشام، بين الشام و وادي القرى على طريق حاج الشام و دمشق.

[3]قيل له الأبلق لأنه كان في بنائه بياض و حمرة، و قيل: لأنه بني من حجارة مختلفة الألوان.

[4]القد: القيد.

[5]بانقيا: ناحية من نواحي الكوفة.

[6]كذا في ديوانه المطبوع بمطبعة التقدّم بمصر. و في الأصول: «تكراري» .

516

فشكّ غير طويل ثم قال له # اقتل أسيرك إني مانع جاري

و سوف يعقبنيه إن ظفرت به # ربّ كريم و بيض ذات أطهار

لا سرّهنّ لدينا ذاهب هدرا # و حافظات إذا استودعن أسراري

فاختار أدراعه كي لا يسبّ بها # و لم يكن وعده فيها بختّار[1]

قال: فجاء شريح إلى الكلبيّ فقال له: هب لي هذا الأسير المضرور[2]؛ فقال: هو لك، فأطلقه. و قال له:

أقم عندي حتى أكرمك و أحبوك؛ فقال له الأعشى: إن من تمام صنيعك إليّ أن تعطيني ناقة ناجية[3]و تخليني الساعة. قال: فأعطاه ناقة، فركبها و مضى من ساعته. و بلغ الكلبيّ أن الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: ابعث إليّ بالأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه و أعطيه؛ فقال: قد مضى. فأرسل الكلبيّ في أثره فلم يلحقه.

/و أما خبر:

و ما كرّ إلا كان أوّل طاعن‏

-و الشعر للخنساء-فإنه خبر يطول لذكر ما فيه من الوقائع؛ و هو يأتي فيما بعد هذا مفراد عن المائة الصوت المختارة في أخبار الخنساء.

رجع الخبر إلى قصّة ابن جامع‏

دفع في صوت أخذه عن سوداء أربعة دراهم و غناه الخليفة فأعطاه أربعة آلاف دينار:

و أمّا خبر الجارية التي أخذ عنها ابن جامع الصوت و ما حكيناه من أنّه وقع في حكاية محمد بن ضوين الصّلصال فيها[4]خطأ، فأخبرنا بخبرها الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن عبد اللّه بن أبي محمد العامريّ قال حدّثني عكّاشة اليزيديّ بجرجان قال حدّثني إسماعيل بن جامع قال:

بينا أنا في غرفة لي باليمن و أنا مشرف على مشرعة[5]، إذ أقبلت أمة سوداء على ظهرها قربة، فملأتها و وضعتها على المشرعة لتستريح، و جلست فغنّت:

صوت‏

فردّي مصاب القلب أنت قتلته # و لا تبعدي فيما تجشّمت كلثما

-و يروى «و لا تتركيه هائم القلب مغرما» -:

إلى اللّه أشكو بخلها و سماحتي # لها عسل منّي و تبذل علقما

[1]الختار: الغادر.

[2]كذا في حـ و نسخة الشيخ الشنقيطي مصححة بقلمه و «معجم ياقوت» في الكلام على الأبلق الفرد. و في سائر الأصول: «المضروب» بالباء الموحدة، و هو تحريف.

[3]ناقة ناجية: سريعة السير.

[4]هذه الكلمة مستغنى عنها في الكلام و لكنها ثابتة في جميع الأصول.

[5]المشرعة: مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها و يستقون. و لا تسميها العرب مشرعة حتى يكون الماء عدّا لا انقطاع له كماء الأنهار و يكون ظاهرا مبينا لا يستقى منه برشاء. فإن كان من ماء الأمطار فهو الكرع (بالتحريك) .

517

أبي اللّه أن أمسي و لا تذكرينني # و عيناي من ذكراك قد ذرفت دما

أبيت فما تنفكّ لي منك حاجة # رمى اللّه بالحبّ الذي كان أظلما

/-غنّاه سياط خفيف ثقيل أوّل بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة-قال: ثم أخذت قربتها لتمضي. فاستفزّني من شهوة الصوت ما لا قوام لي به، فنزلت إليها فقلت لها: أعيديه. فقالت: أنا عنك في شغل بخراجي. قلت: و كم هو؟قالت: درهمان في كل يوم. قلت: فهذان درهمان، و ردّيه عليّ حتى آخذه منك، و أعطيتها درهمين؛ فقالت: أمّا الآن فنعم. فجلست، فلم تبرح حتى أخذته منها و انصرفت؛ فلهوت يومي به، و أصبحت من غد لا أذكر/منه حرفا، فإذا أنا بالسوداء قد طلعت ففعلت كفعلها بالأمس. فلما وضعت القربة تغنّت غيره، فعدوت في أثرها و قلت: يا جارية، بحقّي عليك ردّي عليّ الصوت فقد ذهبت عنّي منه نغمة. فقالت: لا و اللّه، ما مثلك تذهب عنه نغمة، أنت تقيس أوّله على آخره، و لكنك قد أنسيته، و لست أفعل إلا بدرهمين آخرين.

فدفعتهما إليها و أعادته عليّ حتى أخذته ثانية. ثم قالت: إنّك تستكثر فيه أربعة دراهم، و كأني بك قد أصبت به أربعة آلاف دينار. فكنت عند هارون يوما و هو على سريره؛ فقال: من غنّاني فأطربني فله ألف دينار، و قدّامه أكياس في كل كيس ألف دينار. فغنّى القوم و غنّيت فلم يطرب، حتى دار الغناء إليّ ثانية فغنّيت صوت السوداء؛ فرمى إليّ بكيس فيه ألف دينار، ثم قال: أعده فغنّيته؛ فرمى إليّ بثان ثم قال: أعده فرمى إليّ بثالث و أمسك. فضحكت؛ فقال: ما يضحكك؟فقلت: لهذا الصوت حديث عجيب يا أمير المؤمنين. فقال: و ما هو؟فحدّثته به و قصصت عليه القصّة؛ فرمى إليّ برابع و قال: لا نكذّب قولها.

خبر

عوجي عليّ فسلّمي جبر

الشعر للعرجيّ و قد ذكرنا نسبة الصوت.

قصة عمر بن عبد العزيز مع مخنث بلغه عنه أنه أفسد نساء المدينة:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن الواقديّ عن ابن أبي الزّناد قال حدّثني محمد بن إسحاق قال:

قيل لعمر بن عبد العزيز: إن بالمدينة مخنّثا قد أفسد نساءها فكتب إلى عامله بالمدينة أن يحمله. فأدخل عليه، فإذا شيخ خضيب اللّحية و الأطراف معتجر بسبنيّة[1]قد حمل دفّا في خريطته. فلما وقف بين يدي عمر صعّد بصره فيه و صوّبه و قال: سوأة لهذه الشّيبة و هذه القامة!أتحفظ القرآن؟قال: لا و اللّه يا أبانا؛ قال: قبّحك اللّه! و أشار إليه من حضره فقالوا: اسكت فسكت. فقال له عمر: أ تقرأ من المفصّل شيئا؟قال: و ما المفصّل؟قال:

ويلك!أ تقرأ من القرآن شيئا؟قال: نعم، أقرأ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ و أخطئ فيها في موضعين أو ثلاثة، و أقرأ [1]كذا في حـ. و السبنية: منسوبة إلى سبن (بالتحريك) : بلدة ببغداد؛ و هي إزار أسود متخذ من الحرير يلبسه النساء. و في ب، س:

«بسبتية» (بالتاء المثناة) . و في سائر الأصول «بسنية» و كلاهما تحريف.

518

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنََّاسِ و أخطئ فيها، و أقرأ قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ مثل الماء الجاري. قال: ضعوه في الحبس و وكّلوا به معلّما يعلّمه القرآن و ما يجب عليه من حدود الطّهارة و الصلاة و أجروا عليه في كل يوم ثلاثة دراهم و على معلّمه ثلاثة دراهم أخّر، و لا يخرج من الحبس حتى يحفظ القرآن أجمع. فكان كلّما علّم سورة نسي التي قبلها. فبعث رسولا إلى عمر: يا أمير المؤمنين، وجّه إليّ من يحمل إليك ما أتعلّمه أوّلا فأوّلا، فإني لا أقدر على حمله جملة واحدة.

فيئس عمر من فلاحه و قال: ما أرى هذه الدراهم إلا ضائعة، و لو أطعمناها جائعا أو أعطيناها محتاجا أو كسوناها عريانا لكان أصلح. ثم دعا به، فلما وقف بين يديه قال له: اقرأ قُلْ يََا أَيُّهَا اَلْكََافِرُونَ . /قال: أسأل اللّه العافية! أدخلت يدك في الجراب فأخرجت‏[1]شرّ ما فيه و أصعبه. فأمر به فوجئت‏[2]عنقه و نفاه. فاندفع يغنّي و قد توجّهوا به:

عوجي عليّ فسلّمي جبر # فيم الوقوف و أنتم سفر

/ما نلتقي إلا ثلاث منى # حتى يفرّق بيننا النّفر

فلما سمع الموكّلون به حسن ترنّمه خلّوه و قالوا له: اذهب حيث شئت مصاحبا بعد استماعهم منه طرائف‏[3] غنائه سائر يومهم و ليلتهم.

حج محمد بن خالد ابن عبد اللّه و سمع جارية محمد بن عمران فطرب و أراد شراءها فرده:

أخبرني الحسين قال قال حماد قرأت على أبي عن المدائنيّ قال:

أحجّ خالد بن عبد اللّه ابنه محمدا و أصحبه رزاما[4]مولاه و أعطاه مالا، و قال: إذا دخلت المدينة فاصرفه فيما أحببت. فلما صرنا[5]بالمدينة سأل محمد عن جارية حاذقة؛ فقيل: عند محمد بن عمران التّيمي القاضي. فصلينا الظهر في المسجد ثم ملنا إليه فاستأذنّا عليه فأذن لنا و قد انصرف من المسجد و هو قاعد على لبد[6]و نعلاه في آخر اللّبد؛ فسلّمنا عليه فردّ؛ و نسب‏[7]محمدا فانتسب له، فقال: خيرا. ثم قال: هل من حاجة؟فلجلج. فقال: كأنك ذكرت فلانة!يا جارية اخرجي؛ فخرجت فإذا أحسن الناس، ثم تغنّت فإذا أحذق الناس؛ فجعل الشيخ يذهب مع حركاتها و يجي‏ء، إلى أن غنّت قوله:

عوجي عليّ فسلّمي جبر

/فلما بلغت:

حتى يفرق بيننا النّفر

[1]كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «أشد ما فيه» .

[2]الوج‏ء: اللكز و الضرب، يقال: وجأت عنقه و في عنقه أي ضربته.

[3]كذا في م. و في سائر الأصول: «ظرائف» بالظاء المعجمة، و هو تصحيف.

[4]هو رزام بن مسلم، أدرك أبا جعفر المنصور و له بعض حوادث وردت في «الطبري» (ق 3 ص 132، 164، 196، 215، 216، 637) .

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فلما صار» .

[6]اللبد: بساط من صوف.

[7]نسبه: سأله عن نسبه.

519

وثب الشيخ إلى نعله فعلّقها في أذنه و جثا على ركبتيه و أخذ بطرف أذنه و النّعل فيها و جعل يقول: أهدوني‏[1] أنا بدنة، أهدوني أنا بدنة. ثم أقبل عليهم فقال: كم قيل لكم إنها تساوي؟قالوا: ستمائة دينار. قال: هي و حقّ القبر خير من ستة آلاف دينار، و و اللّه لا يملكها عليّ أحد أبدا، فانصرفوا إذا شئتم.

كان ابن جريج في حلقة يحدث فمرّ به ابن تيزن فسأله أن يغنيه بغناء ابن سريج:

أخبرنا وسواسة بن الموصليّ-و هو أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصليّ-قال حدّثني حماد بن إسحاق قال:

وجدت في كتب أبي عن عثمان بن حفص الثّقفيّ عن ابن عمّ لعمارة بن حمزة قال حدّثني سليم‏[2]الحساب عن داود المكيّ قال:

كنّا في حلقة ابن جريج و هو يحدّثنا و عنده ابن المبارك و جماعة من العراقيّين، إذ مرّ به ابن تيزن-قال حمّاد:

و يقال ابن بيرن-و قد ائتزر بمئزرة على صدره، و هي إزرة الشّطّار[3]عندنا. فدعاه ابن جريج؛ فقال له: إني مستعجل، و قد وعدت أصحابا لي فلا أقدر أن أحتبس عنهم. فأقسم عليه حتى أتاه، فجلس و قال له: ما تريد؟ قال: أحبّ أن تسمعني. قال: أنا أجيئك إلى المنزل، فلم تجلسني مع هؤلاء الثقلاء!. قال: أسألك أن تفعل؛ قال: امرأته طالق إن غنّاك فوق ثلاثة أصوات. قال: ويحك!ما أعجلك باليمين؟!قال: أكره أن أحتبس عن أصحابي. فالتفت ابن جريج إلى أصحابه فقال: اعقلوا رحمكم اللّه. ثم قال له: غنّني الصوت/الذي أخبرتني أنّ ابن سريج غنّاه في اليوم الثالث‏[4]من أيام منى على جمرة العقبة فقطع الطريق على الذاهب و الجائي حتى تكسّرت المحامل. فغنّاه:

عوجي عليّ فسلّمي جبر

فقال ابن جريج: أحسنت و اللّه!-ثلاث مرّات-ويحك أعده. قال: أ من الثلاثة؟فإني قد حلفت. قال: أعده فأعاده؛ فقال: أحسنت!أعده من الثلاثة؛ فأعاده و قام فمضى. فقال ابن جريج لأصحابه: لعلكم أنكرتم ما فعلت! قالوا: إنا لننكره بالعراق. قال: فما تقولون في الرّجز؟ (يعني الحداء) قالوا: لا بأس به. قال: فما الفرق بينهما!.

أحسن الناس حلوقا في الغناء:

و ذكر هارون بن محمد بن عبد الملك عن أبي أيوب المدينيّ قال:

ثلاثة من المغنّين كانوا أحسن الناس حلوقا: ابن تيزن، و ابن عائشة، و ابن أبي الكنّات.

[1]الإهداء: سوق الحيوان إبلا أو بقرا أو شاء إلى البيت الحرام هديا.

[2]في ب، س: «سليمان» .

[3]كان هذا الاسم يطلق في الدولة العباسية على أهل البطالة و الفساد.

[4]في أ، حـ، ء، م: «الثاني» .

520
صوت من المائة المختارة

سقاني فروّاني كميتا مدامة # على ظمأ مني سلام بن مشكم‏[1]

تخيّرته أهل المدينة واحدا # سواهم فلم أغبن و لم أتندّم‏[2]

عروضه من الطويل. و الشعر لأبي سفيان بن حرب. و الغناء لسليمان أخي بابويه الكوفي مولى الأشاعثة[3]، خفيف رمل بالسبّابة في مجرى الوسطى.

[1]سيتكلم عنه المؤلف في ترجمة أبي سفيان التي تبتدئ بعد هذه الصفحة.

[2]ورد هذا البيت في «سيرة ابن هشام» (ج 2 ص 543 طبع أوروبا) هكذا:

إني تخيرت المدينة واحدا # لحلف فلم أندم و لم أتلوّم‏

[3]الأشاعثة: منسوبون إلى الأشعث بن قيس الكندي الصحابي، نزل الكوفة. و وفد على النبي صلى اللّه عليه و سلم بسبعين رجلا من كندة فروى عنه و عن عمر رضي اللّه عنه. و مات بالكوفة في آخر سنة أربعين حين صالح الحسن معاوية رضي اللّه عنهما فصلى عليه.

521

23-ذكر أبي سفيان و أخباره و نسبه‏

نسبه و نسب أمه:

هو صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف. و أمّ حرب بن أميّة بنت أبي همهمة بن عبد العزّي بن عامر بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة. و أمّ أبي سفيان صفيّة بنت حزن بن بجير بن الهزم‏[1]بن رويبة[2]بن عبد اللّه بن هلال بن عامر بن صعصعة، و هي عمّة ميمونة أم المؤمنين و أمّ الفضل بنت الحارث بن حزن أمّ بني العباس بن عبد المطلب. و قد مضى ذكر أكثر أخبار ولد أميّة و الفرق بين الأعياص و العنابس منهم و جمل من أخبارهم في أوّل هذا الكتاب‏[3] و كان حرب بن أميّة قائد بني أميّة و من مالأهم في يوم عكاظ. و يقال: إن سبب وفاته أن الجنّ قتلته و قتلت مرداس بن أبي عامر السّلميّ لإحراقهما شجر القريّة[4]و ازدراعهما إيّاها. و هذا شي‏ء قد ذكرته العرب في أشعارها و تواترت الرّوايات بذكره فذكرته، و اللّه أعلم.

أراد حرب بن أمية و مرداس بن أبي عامر ازدراع القرية فخرجت عليهما منها حيات فماتا:

أخبرني الطّوسيّ و الحرميّ بن أبي العلاء قالا حدّثنا الزبير بن بكار قال حدّثني عمّي مصعب، و أخبرنا محمد بن الحسين بن دريد عن عمّه عن العبّاس بن هشام عن أبيه، و ذكره أبو عبيدة و أبو عمرو الشيبانيّ:

/أنّ حرب بن أميّة لما انصرف من حرب عكاظ هو و إخوته مرّ بالقريّة، و هي إذ ذاك غيضة شجر ملتفّ لا يرام. فقال له مرداس بن أبي عامر: أما ترى هذا الموضع؟قال بلى. قال: نعم المزدرع هو فهل لك أن نكون شريكين فيه و نحرّق هذه الغيضة ثم نزدرعه بعد ذلك؟قال نعم. فأضرما النّار في الغيضة. فلما استطارت و علا لهبها سمع من الغيضة أنين و ضجيج كثير، ثم ظهرت منها حيّات بيض تطير حتى قطعتها و خرجت منها. و قال مرداس بن أبي عامر في ذلك:

إني انتخبت لها حربا و إخوته # إنّي بحبل وثيق العقد دسّاس

إني أقوّم قبل الأمر حجّته # كيما يقال وليّ الأمر مرداس‏

[1]كذا في «تجريد الأغاني» و «القاموس» و «شرحه» (مادة هزم) و «الاشتقاق» لابن دريد (ص 178 طبع أوروبا) . و في الأصول:

«الهرم» بالراء المهملة و هو تصحيف.

[2]كذا في حـ و «تجريد الأغاني» و «القاموس» و «شرحه» (مادة هزم) و «طبقات ابن سعد» (ج 8 ص 94) . و «الاشتقاق» لابن دريد (ص 179 طبع أوروبا) . و في سائر الأصول: «رويتة» و هو تصحيف.

[3]راجع الجزء الأوّل من هذه الطبعة (ص 14) .

[4]القرية: موضع في ديار بني سليم، ذكره البكري في «معجم ما استعجم» (ج 2 ص 735) و ساق القصة كما ساقها أبو الفرج هنا.

522

قال: فسمعوا هاتفا يقول لما احترقت الغيضة:

ويل لحرب فارسا # مطاعنا مخالسا

ويل لعمرو فارسا # إذ لبسوا القوانسا[1]

لنقتلن بقتله # جحا جحا عنابسا

و لم يلبث حرب بن أميّة و مرداس بن أبي عامر أن ماتا. فأمّا مرداس فدفن بالقريّة. ثم ادّعاها بعد ذلك كليب بن أبي عهمة[2]السّلميّ ثم الظّفريّ. فقال في ذلك عبّاس بن مرداس:

/

أ كليب مالك كلّ يوم ظالما # و الظلم أنكد وجهه ملعون

قد كان قومك يحسبونك سيّدا # و إخال أنك سيّد معيون‏

/-المعيون: الذي أصابته العين، و قيل: المعيون: الحسن المنظر فيما تراه العين و لا عقل له-:

فإذا رجعت إلى نسائك فادّهن # إن المسالم رأسه مدهون

و افعل بقومك ما أراد بوائل # يوم الغدير[3]سميّك المطعون

و إخال أنك سوف تلقى مثلها # في صفحتيك سنانها المسنون

إن القريّة قد تبيّن أمرها # إن كان ينفع عندك التّبيين

حيث انطلقت تخطّها لي ظالما # و أبو يزيد بجوّها مدفون‏

أبو يزيد: مرداس بن أبي عامر.

منزلته في قريش و فق‏ء عينيه:

و كان أبو سفيان سيّدا من سادات قريش في الجاهليّة و رأسا من رءوس الأحزاب على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في حياته و كهفا للمنافقين في أيامه، و أسلم يوم الفتح. و له في إسلامه أخبار نذكرها هنا. و كان تاجرا يجهّز التجار بماله و أموال قريش إلى أرض العجم. و شهد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مشاهدة الفتح، و فقئت عينه يوم الطائف‏[4]، فلم يزل أعور إلى يوم اليرموك‏[5]، ففقئت عينه الأخرى يومئذ فعمي.

مازح رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في بيت بنته أم حبيبة:

أخبرنا الطّوسيّ و الحرميّ قالا حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عليّ بن صالح عن جدّي عبد اللّه بن مصعب عن إسحاق بن يحيى المكيّ عن أبي الهيثم عمّن أخبره:

[1]القوانس: جمع قونس، و هو أعلى البيضة. و في «معجم ما استعجم» : «القلانسا» .

[2]في «معجم ما استعجم» للبكري: «كليب بن عيهة» . و فيما مر في جميع الأصول (ج 5 ص 38 من هذه الطبعة) و «النقائص» (ص 907 طبع أوروبا) : «كليب بن عهمة» .

[3]يشير إلى تحكم كليب في موارد الماء و نفيه بكر بن وائل عنها حتى كاد يقتلهم عطشا. (راجع الكلام على ذلك مفصلا في الجزء الخامس من هذه الطبعة ص 36-37) .

[4]يعني غزوة الطائف و فيها رماه سعيد بن عبيد الثقفي فأصاب عينه. (انظر «المواهب اللدنية» ج 3 ص 39-40 طبع بولاق) .

[5]اليرموك: واد بناحية الشام في طرف الغور يصب في نهر الأردن ثم يمضي إلى البحيرة المنتنة. كانت به حرب بين المسلمين و الروم في أيام أبي بكر الصديق و عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما. ـ

523

/أنّه سمع أبا سفيان يمازح رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في بيت بنته أمّ حبيبة و يقول: و اللّه إن هو إلا أن تركتك فتركتك العرب فما انتطحت جمّاء[1]و لا ذات قرن، و رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يضحك و يقول: «أنت تقول ذاك يا أبا حنظلة!» [2].

سئل و هو مشرك عن تزوّج بنته برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فمدحه:

قال الزبير و حدّثني عمّي مصعب:

أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم تزوّج أمّ حبيبة بنت أبي سفيان و أبو سفيان يومئذ مشرك يحارب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و قيل له: إن محمدا قد نكح ابنتك؛ فقال: ذلك الفحل لا يقدع‏[3]أنفه. و اسم أمّ حبيبة رملة، و قيل: هند[4]، و الصحيح رملة.

أيضا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أذنه فعاتبه فأرضاه:

أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخزّاز قال حدّثنا المدائنيّ عن مسلمة بن محارب عن عثمان بن عبد الرحمن بن جوشن قال:

أذن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يوما للناس، فأبطأ بإذن أبي سفيان. فلما دخل قال: يا رسول اللّه، ما أذنت لي حتى كدت تأذن للحجارة. فقال له: يا أبا سفيان «كلّ الصيد[5]في جوف الفرا» .

/حدّثنا محمد بن العباس قال حدّثنا الخليل بن أسد النّوشجاني قال حدّثنا عطاء بن مصعب قال حدّثني سفيان بن عيينة عن جعفر بن يحيى البرمكيّ قال:

أذن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم للناس، فكان آخر من دخل عليه أبا سفيان بن حرب. فقال: يا رسول اللّه، لقد أذنت للناس قبلي حتى ظننت أن حجارة الخندمة[6]ليؤذن لها قبلي. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أما و اللّه إنّك و الناس لكما قال الأوّل: «كلّ الصيد في بطن الفرا» » . أيّ كل شي‏ء لهؤلاء من المنزلة فإن لك وحدك مثل ما لهم كلّهم.

خرج إلى الشأم في تجارة، فسأله هرقل عن أحوال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم فأجابه و صدقه:

حدّثني عمر بن إسماعيل بن أبي غيلان الثّقفيّ قال حدّثنا داود بن عمرو الضّبيّ قال/حدّثنا المثنىّ بن زرعة أبو راشد عن محمد بن إسحاق قال حدّثني الزّهريّ عن عبد اللّه بن عبد اللّه عن عتبة عن ابن عبّاس قال حدّثني أبو سفيان بن حرب قال‏[7]:

[1]الجماء: الشاة التي لا قرن لها.

[2]حنظلة: ابن كان لأبي سفيان قتله علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه يوم بدر.

[3]فحل لا يقدع أنفه، أي لا يضرب أنفه، لكرمه. و ذلك أن الفحل إذا أراد ركوب الناقة قدع و ضرب أنفه بالرمح أو غيره إذا كان غير كريم و حمل عليها فحل كريم غيره. و في ب، س: «يقرع» بالراء المهملة، و هو بمعنى «يقدع» .

[4]في الأصول: «و قيل صفية» . و التصويب عن كتاب «الإصابة في أخبار الصحابة» و «أسد الغابة» و «المواهب اللدنية» . و صفية هي أم أم حبيبة و هي صفية بنت أبي العاص.

[5]هذا مثل يضرب لمن يفضل أقرانه. و أصله أن ثلاثة نفر خرجوا متصيدين فاصطاد أحدهم أرنبا و الآخر ظبيا و الثالث حمارا (و هو الفرا) فاستبشر صاحب الأرنب و صاحب الظبي بما نالا و تطاولا على الثالث، فقال: «كل الصيد في جوف الفرا» أي هذا الذي رزقت و ظفرت به يشتمل على ما عندكما. و ذلك أنه ليس مما يصيده الناس أعظم من الحمار الوحشي. (انظر «مجمع الأمثال» للميداني ج 2 ص 69) طبع بولاق.

[6]الخندمة: جبل بمكة.

[7]قد وردت هذه القصة في البخاري (ج 1 ص 4) باختلاف قليل عما هنا.

524

كنّا قوما تجارا، و كانت الحرب بيننا و بين رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قد حصرتنا[1]حتى نهكت‏[2]أموالنا. فلما كانت الهدنة[هدنة الحديبية][3]بيننا و بين رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، خرجت في نفر من قريش إلى الشأم، و كان وجه متجرنا منه غزّة، فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان بأرضه من الفرس‏[4]، فأخرجهم منها و انتزع منهم صليبه الأعظم و كانوا قد استلبوه إيّاه. فلما بلغه ذلك منهم و بلغه أن صليبه قد استنقذ منهم، و كانت حمص منزله، خرج‏[5]منها يمشي على قدميه شكرا للّه حين ردّ عليه ما ردّ ليصلّي في بيت المقدس تبسط له البسط و تلقى عليها الريّاحين. فلما انتهى إلى/إيلياء فقضى فيها صلاته و كان معه بطارقته و أشراف الروم، أصبح ذات غدوة مهموما يقلّب طرفه إلى السماء.

فقال له بطارقته: و اللّه لكأنّك أصبحت الغداة مهموما. فقال: أجل!رأيت البارحة أن ملك الختان ظاهر. فقالوا:

أيّها الملك، ما نعلم أمّة تختتن إلا اليهود، و هم في سلطانك و تحت يدك، فابعث إلى كلّ من لك عليه سلطان في بلادك فمره فليضرب أعناق من تحت يدك منهم من يهود و استرح من هذا الهمّ. فو اللّه إنهم لفي ذلك من رأيهم يدبّرونه‏[6]إذ أتاه رسول صاحب بصرى‏[7]برجل من العرب يقوده-و كانت الملوك تتهادى الأخبار بينهم-فقال:

أيها الملك، إن هذا رجل من العرب من أهل الشّاء و الإبل يحدّث عن أمر حدث فاسأله. فلما انتهى به إلى هرقل رسول صاحب بصرى، قال هرقل لمن جاء به: سله عن هذا الحديث الذي كان ببلده؛ فسأله، فقال: خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبيّ، و قد اتّبعه ناس فصدّقوه و خالفه آخرون، و قد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة، و تركتهم على ذلك. فلما أخبره الخبر قال: جرّدوه فإذا هو مختون؛ فقال: هذا و اللّه النبيّ الذي رأيت لا ما تقولون، أعطوه ثيابه و ينطلق. ثم دعا صاحب شرطته فقال له: اقلب الشأم ظهرا لبطن حتى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل.

فإنّا لبغزّة إذ هجم علينا صاحب شرطته فقال: أنتم من قوم الحجاز؟قلنا نعم. قال: انطلقوا إلى الملك، فانطلقوا بنا. فلما انتهينا إليه قال: أنتم من رهط هذا الرجل الذي بالحجاز؟قلنا نعم. قال: فأيّكم أمسّ به رحما؛ قال: قلت أنا-قال أبو سفيان: و أيم اللّه ما رأيت رجلا أرى أنه أنكر من ذلك الأغلف‏[8] (يعني هرقل) -ثم قال: أدنه، فأقعدني بين يديه و أقعد أصحابي خلفي، و قال: إني سأسأله، فإن كذب فردّوا عليه.

/-قال: فو اللّه لقد علمت أن لو كذبت ما ردّوا عليّ، و لكنّي كنت امرأ سيّدا أتبرّم عن الكذب؛ و عرفت أنّ أيسر ما في ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوه عليّ ثم يحدّثوا به عني، فلم أكذبه-قال: أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج بين أظهركم يدّعي ما يدّعي. فجعلت أزهّد له شأنه و أصغّر له أموره، و أقول له: أيها الملك، ما يهمّك من شأنه!إنّ أمره دون ما بلغك؛ فجعل لا يلتفت إلى ذلك منّي. ثم قال: أنبئني فيما أسألك عنه من شأنه. قال: قلت:

سل عمّا بدا لك. قال: كيف نسبه فيكم؟قلت: محض، هو أوسطنا[9]نسبا. قال: أخبرني هل/كان أحد في أهل [1]كذا في حـ و «تجريد الأغاني» . و في سائر الأصول: «حضرتنا» بالضاد المعجمة و هو تصحيف.

[2]كذا في «تجريد الأغاني» . و في الأصول: «تهتكت» . و هو تحريف.

[3]زيادة عن «تجريد الأغاني» .

[4]كذا في «تجريد الأغاني» . و في الأصول: «من فارس» .

[5]في الأصول: «فخرج» .

[6]في حـ و «تجريد الأغاني» : «يديرونه» .

[7]بصرى: بلد من أعمال دمشق و هي قصبة كورة حوران.

[8]الأغلف: الذي لم يختتن.

[9]أي خيرنا و أفضلنا نسبا.

525

بيته يقول ما يقول فهو يتشبّه به؟قال: قلت لا. قال: هل كان له فيكم ملك فسلبتموه إيّاه فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه؟قال: قلت لا. قال: أخبرني عن أتباعه منكم من هم؟قال: قلت: الضعفاء و المساكين و الأحداث من الغلمان و النساء، فأمّا ذوو الأسنان من الأشراف من قومه فلم يتبعه منهم أحد. قال: فأخبرني عمّن يتبعه أ يحبّه و يلزمه أم يقليه و يفارقه؟قال: قلت: قلّما يتبعه أحد فيفارقه. قال: فأخبرني كيف الحرب بينكم و بينه؟قال: قلت:

سجال يدال علينا و ندال عليه. قال: فأخبرني هل يغدر؟فلم أجد شيئا سألني عنه أغتمز فيه غيرها. قال: قلت: لا، و نحن منه في مدّة[1]و لا نأمن غدره. قال: فو اللّه ما التفت إليها منّي. ثم كرّر عليّ الحديث فقال: سألتك عن نسبه فيكم، فزعمت أنه محض من أوسطكم نسبا؛ فكذلك يأخذ اللّه النبيّ لا يأخذه إلا من أوسط قومه نسبا. و سألتك هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل قوله فهو/يتشبّه به، فزعمت أن لا. و سألتك هل كان له ملك فيكم فسلبتموه إيّاه فجاء بهذا الحديث يطلب ملكه، فزعمت أن لا. و سألتك عن أتباعه، فزعمت أنهم الضعفاء و الأحداث و المساكين و النّساء، و كذلك أتباع الأنبياء في كل زمان. و سألتك عمّن يتبعه أ يحبّه و يلزمه أم يقليه و يفارقه، فزعمت أنه لا يتبعه أحد فيفارقه، فكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلب رجل فتخرج منه، و سألتك عن الحرب بينكم و بينه فزعمت أنها سجال تدالون عليه و يدل عليكم، و كذلك حرب الأنبياء، و لهم تكون العاقبة. و سألتك هل يغدر، فزعمت أن لا. فلئن كنت صدقتني عنه فليغلبنّ عليّ ما تحت قدميّ هاتين، و لوددت أنّي عنده فأغسل قدميه!انطلق لشأنك. فقمت من عنده و أنا أضرب بإحدى يديّ على الأخرى و أقول: يا لعباد اللّه!لقد أمر[2]أمر ابن أبي كبشة[3]! أصبحت ملوك بني الأصفر[4]يهابونه في ملكهم و سلطانهم.

كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى هرقل و ما كان بين هرقل و بطارقته:

قال ابن إسحاق: فقدم عليه كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مع دحية[6]بن خليفة الكلبيّ، فيه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم. من محمد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى هرقل عظيم الروم. السلام على من اتّبع الهدى.

أمّا بعد، فأسلم تسلم يؤتك اللّه أجرك مرّتين، و إن تتول‏[6]فإن إثم الأكابر عليك» [7].

/قال ابن شهاب: فأخبرني أسقفّ النصارى في زمن عبد الملك زعم أنه أدرك ذلك من أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أمر هرقل و عقله‏[8]، قال: فلمّا قدم عليه كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من قبل دحية بن خليفة، أخذه هرقل فجعله بين [1]في مدة: يعني بها مدّة صلح الحديبية. و ذلك أن النبي صلى اللّه عليه و سلم ذهب إلى مكة حاجا فتعرضت له قريش فأوقع بينه و بينهم صلحا على أن توضع الحرب بينهم عشر سنين و أن يرجع عنهم عامهم هذا. و قيل: يعني بالمدة انقطاعه صلى اللّه عليه و سلم و غيبته عن أبي سفيان. (راجع «شرح القسطلاني» على البخاري ج 1 ص 100) طبع بولاق.

[2]أمر: عظم.

[3]أبو كبشة: رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان و عبد الشعري العبور؛ فسمى المشركون النبي صلى اللّه عليه و سلم ابن أبي كبشة لخلافه إياهم إلى عبادة اللّه تعالى تشبيها له بأبي كبشة الذي خالفهم إلى عبادة الشعري. و قال آخرون: أبو كبشة كنية وهب بن عبد مناف جد سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من قبل أمه فنسب إليه لأنه كان نزع إليه في الشبه. و قيل فيه غير ذلك (راجع «اللسان» مادة كبش) .

[4]بنو الأصفر: لقب ملوك الروم.

[5]هو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد الكلبي الصحابي المشهور، و هو الذي كان جبريل عليه السلام يأتي في صورته، و كان من أجمل الناس و أحسنهم صورة.

[6]في «صحيح مسلم» و «البخاري» : «فإن توليت فإن عليك إثم اليريسيين» (هم الفلاحون و الزراعون) .

[7]قد ورد هذا الكتاب بإسهاب في البخاري و مسلم فانظره فيهما.

[8]في الأصول: «... و عقله. فلما قدم عليه... قال أخذه هرقل» . فوضعت كلمة «قال» في الأصول في غير موضعها.

526

فخذيه و خاصرته، ثم كتب إلى رجل برومية[1]كان يقرأ العبرانيّة ما تقرءونه، فذكر له أمره و وصف له شأنه و أخبره بما جاء منه. فكتب إليه صاحب رومية: إنه النبيّ الذي كنّا ننتظره لا شكّ فيه، فاتّبعه و صدّقه. قال: فأمر هرقل ببطارقة الرّوم فجمعوا له في دسكرة[2]ملكه، و أمر بها فأغلقت عليهم أبوابها، ثم اطّلع عليهم من علّيّة و خافهم على نفسه فقال: يا معشر الرّوم، قد جمعتكم لخبر، أتاني كتاب هذا الرجل يدعو إلى دينه، فو اللّه إنّه النبيّ الذي كنّا ننتظره و نجده في كتابنا؛ فهلمّ فلنبايعه و لنصدّقه فتسلم لنا دنيانا و آخرتنا. قال: فنخرت‏[3]الروم نخرة رجل واحد و ابتدروا أبواب الدّسكرة/ليخرجوا فوجدوها قد أغلقت دونهم. فقال: كرّوهم عليّ و خافهم على نفسه؛ فكرّوهم عليه. فقال: يا معشر الرّوم، إنما قلت لكم المقالة التي قلت لأنظر كيف صلابتكم في دينكم في هذا الأمر الذي قد حدث؛ فقد رأيت منكم الذي أسرّ به؛ فخرّوا سجّدا. و أمر بأبواب الدّسكرة ففتحت لهم فانطلقوا.

حديثه مع العباس حين بلغتهما بعثة النبيّ صلى اللّه عليه و سلم و هما باليمن و حديث الحبر اليهودي معهما:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن زكريا الغلابيّ قال حدّثني أبو بكر الهذليّ عن عكرمة عن ابن عباس قال قال لي العبّاس:

خرجت في تجارة إلى رجل في ركب منهم أبو سفيان بن حرب، فقدمت اليمن. فكنت أصنع يوما طعاما و أنصرف بأبي سفيان و بالنّفر، و يصنع أبو سفيان يوما/فيفعل مثل ذلك. فقال لي في يومي الذي كنت أصنع فيه:

هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتي و ترسل إلى غدائك؟فقلت: نعم. فانصرفت أنا و النّفر إلى بيته و أرسلت إلى الغداء. فلما تغدّى القوم قاموا و احتبسني فقال لي: هل علمت يا أبا الفضل أن ابن أخيك يزعم أنه رسول اللّه؟ قلت: و أيّ بني أخي؟قال أبو سفيان: إياي تكتم!و أيّ بني أخيك ينبغي له أن يقول هذا إلا رجل واحد!قلت:

و أيّهم هو على ذلك؟قال: محمد بن عبد اللّه. قلت: ما فعل!قال: بلى قد فعل. ثم أخرج إليّ كتابا من ابنه حنظلة بن أبي سفيان: إني أخبرك أن محمدا قام بالأبطح‏[4]غدوة فقال: أنا رسول اللّه أدعوكم إلى اللّه. قال: قلت:

يا أبا حنظلة، لعلّه صادق. قال: مهلا يا أبا الفضل، فو اللّه ما أحبّ أن تقول مثل هذا، و إني لأخشى أن تكون على بصر من هذا الأمر-و قال الحسن بن عليّ في روايته: على بصيرة من هذا الحديث-ثم قال: يا بني عبد المطّلب، إنه و اللّه ما برحت قريش تزعم أن لكم يمنة و شؤمة كلّ واحدة منهما عامّة، فنشدتك اللّه يا أبا الفضل هل سمعت ذلك؟قلت نعم. قال: فهذه و اللّه إذا شؤمتكم. قلت: فلعلّها يمنتنا. فما كان بعد ذلك إلا ليال حتى قدم عبد اللّه بن حذافة السّهميّ بالخبر و هو مؤمن، ففشا ذلك في مجالس أهل اليمن يتحدّث به فيها. و كان أبو سفيان يجلس إلى حبر من أحبار اليمن؛ فقال له اليهوديّ: ما هذا الخبر الذي بلغني؟قال: هو ما سمعت. قال: أين فيكم عمّ هذا الرجل الذي قال ما قال؟قال أبو سفيان: صدقوا و أنا عمّه. قال اليهوديّ: أ أخو أبيه؟قال نعم. قال: حدّثني عنه.

قال: لا تسألني، فما كنت أحسب أن يدّعي هذا الأمر أبدا، و ما أحبّ أن أعيبه، و غيره خير منه. قال اليهوديّ:

فليس به أذى، و لا بأس على يهود و توراة موسى منه. قال العباس: فتأدّى إليّ الخبر فحميت، و خرجت حتى أجلس [1]رومية: هي عاصمة ايطاليا الآن.

[2]الدسكرة: بناء على هيئة القصر فيه منازل و بيوت للخدم و الحشم.

[3]نخر: مدّ الصوت من خياشيمه.

[4]أبطح مكة: مسيل واديها. ـ

527

/إلى ذلك المجلس من غد و فيه أبو سفيان و الحبر. فقلت للحبر: بلغني أنك سألت ابن عمّي هذا عن رجل منّا يزعم أنه رسول اللّه، فأخبرك أنه عمّه، و ليس بعمّه و لكنّه ابن عمّه، و أنا عمّه أخو أبيه. فقال: أ أخو أبيه؟قلت: أخو أبيه. فأقبل على أبي سفيان فقال: أصدق؟قال: نعم صدق. قال فقلت: سلني عنه، فإن كذبت فليردد عليّ. فأقبل عليّ فقال: أنشدك اللّه، هل فشت لابن أخيك صبوة أو سفهة؟قال قلت: لا و إله عبد المطّلب و لا كذب و لا خان، و إن كان اسمه عند قريش الأمين. قال: فهل كتب بيده؟قال عبّاس: فظننت أنه خير له أن يكتب بيده، فأردت أن أقولها، ثم ذكرت مكان أبي سفيان و أنّه مكذّبي و رادّ عليّ، /فقلت: لا يكتب. فذهب الحبر و ترك رداءه و جعل يصيح: ذبحت يهود!قتلت يهود! قال العباس: فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان: يا أبا الفضل، إنّ اليهوديّ لفزع من ابن أخيك. قال قلت: قد رأيت ما رأيت، فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به، فإن كان حقّا كنت قد سبقت، و إن كان باطلا فمعك غيرك من أكفائك؟قال: لا و اللّه ما أو من به حتى أرى الخيل تطلع من كداء (و هو جبل بمكة) . قال قلت: ما تقول؟!قال: كلمة و اللّه جاءت على فمي ما ألقيت لها بالا، إلا أني أعلم أن اللّه لا يترك خيلا تطلع من كداء. قال العباس: فلما فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مكة و نظرنا إلى الخيل قد طلعت من كداء، قلت: يا أبا سفيان، أتذكر الكلمة؟قال لي: و اللّه إني لذاكرها، فالحمد للّه الذي هداني للإسلام.

حديث استئمان العباس له و إسلامه في غزاة الفتح:

حدّثنا[1]محمد بن جرير الطّبريّ قال حدّثنا البغويّ‏[2]قال حدّثنا الغلابيّ أبو كريب/محمد بن العلاء قال حدّثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال حدّثني الحسين بن عبيد اللّه بن العبّاس عن عكرمة عن ابن عبّاس قال:

لمّا نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مرّ[3]الظّهران (يعني في غزاة الفتح) قال العبّاس بن عبد المطلب و قد خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من المدينة: يا صباح‏[4]قريش!و اللّه لئن بغتها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إنها لهلاك قريش آخر الدهر. فجلس على بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم البيضاء و قال: أخرج إلى الأراك‏[5]، لعلّي أرى حطّابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيستأمنونه. فو اللّه إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان و حكيم‏[6]بن حزام و بديل‏[7]بن ورقاء يتجسّسون الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ فسمعت أبا سفيان و هو يقول:

[1]ورد هذا الخبر بسنده في «تاريخ الطبري» (ق 1 ص 630 طبع أوروبا) . و قد رواه ابن جرير الطبري عن أبي كريب مباشرة. و هو كثيرا ما يقول في تاريخه: «حدّثنا أبو كريب» . فلعل ذكر اسمي البغوي و الغلابي هنا من زيادات النساخ.

[2]هو أحمد بن منيع بن عبد الرحمن الحافظ الكبير أبو جعفر الأصم البغوي من شيوخ ابن جرير الطبري توفي ببغداد سنة 244 هـ.

[3]مر الظهران: واد قرب مكة.

[4]يا صباح كذا و يا صباحاه: مما يستعمل عند الانذار بالغارة.

[5]الأراك: واد قرب مكة.

[6]هو حكيم بن خويلد بن عبد العزي الأسدي أبو خالد ابن أخي خديجة زوج النبي صلى اللّه عليه و سلم. قال ابن إسحاق: أعطاه النبي صلى اللّه عليه و سلم من غنائم حنين مائة من الإبل، و ولد في جوف الكعبة قبل قدوم الفيل بثلاث عشرة سنة.

[7]هو بديل بن ورقاء بن عبد العزيز بن ربيعة بن جزي بن عامر بن مازن بن عدي من خزاعة، و هو الذي كتب إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يدعوه إلى الإسلام، و هو من كبار مسلمة الفتح.

528

و اللّه ما رأيت كالليلة قطّ نيرانا. فقال بديل بن ورقاء: هذه و اللّه نيران خزاعة حمشتها[1]الحرب. فقال أبو سفيان:

خزاعة ألأم من ذلك و أذلّ. فعرفت صوته فقلت: أبا حنظلة!فقال: أبا الفضل!قلت نعم؛ فقال: لبّيك، فداؤك أبي و أمي!فما وراءك؟فقلت: هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قد دلف‏[2]إليكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. قال:

فما تأمرني؟فقلت: تركب عجز هذه البغلة فأستأمن لك رسول اللّه/صلى اللّه عليه و سلم، فو اللّه لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك.

فردفني فخرجت به أركض بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم نحو رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. فكلما مررت بنار من نيران المسلمين فنظروا إليّ قالوا: عمّ رسول اللّه على بغلة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم؛ حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب-رضي اللّه تعالى عنه-فقال: أبو سفيان!الحمد للّه الذي أمكن منك بغير عقد و لا عهد؛ ثم اشتدّ نحو النبيّ صلى اللّه عليه و سلم، و ركضت البغلة و قد أردفت أبا سفيان-قال العباس: -حتى اقتحمت على باب القبّة و سبقت عمر بما تسبق به الدّابة البطيئة الرجل البطي‏ء. فدخل عمر على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: يا رسول اللّه، هذا أبو سفيان قد أمكن اللّه منه بغير عهد و لا عقد، فدعني أضرب عنقه. قلت: يا رسول اللّه، إني قد أجرته. ثم جلست إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أخذت برأسه و قلت: و اللّه لا يناجيه اليوم/أحد دوني. فلما أكثر فيه عمر قلت: مهلا يا عمر!فو اللّه ما تصنع هذا إلاّ لأنّه رجل من عبد مناف، و لو كان من بني عديّ بن كعب ما قلت هذا!قال: مهلا يا عبّاس!فو اللّه لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم؛ و ذلك لأني أعلم أن إسلامك أحبّ إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «اذهب فقد أمّنّاه حتى تغدو به عليّ الغداة» فرجع به إلى منزله. فلما أصبح غدا به على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. فلما رآه قال: «ويحك يا أبا سفيان أ لم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا اللّه» !فقال: بأبي أنت و أمي!ما أوصلك و أحلمك و أكرمك!و اللّه لقد ظننت أن لو كان مع اللّه غيره لقد أغنى عنّي شيئا. فقال: «ويحك تشهّد بشهادة الحقّ قبل و اللّه‏[أن‏][3]تضرب عنقك» . /قال: فتشهّد. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم للعبّاس من حين تشهّد أبو سفيان:

«انصرف يا عبّاس فاحتبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتى يمرّ عليه جنود اللّه» . فقلت: يا رسول اللّه، إنّ أبا سفيان رجل يحبّ الفخر، فاجعل له شيئا يكون في قومه. فقال: «نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن و من دخل المسجد فهو آمن و من أغلق عليه بابه فهو آمن» . فخرجت به حتى أجلسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي، فمرّت عليه القبائل، فجعل يقول: من هؤلاء يا عباس؟فأقول: سليم، فيقول: ما لي و لسليم!ثم تمرّ به قبيلة فيقول: من هؤلاء؟فأقول: أسلم، فيقول: مالي و لأسلم!و تمرّ به جهينة فيقول: من هؤلاء؟فأقول: جهينة، فيقول: ما لي و لجهينة!حتى مرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في الخضراء، كتيبة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من المهاجرين و الأنصار في الحديد لا يرى منهم إلا الحدق، فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل؟فقلت: هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في المهاجرين و الأنصار؛ فقال: يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. فقلت: ويحك!إنها النبوّة؛ قال: نعم إذا. فقلت الحق الآن بقومك فحذّرهم. فخرج سريعا حتى أتى مكة فصرخ في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به.

قالوا: فمه!قال: من دخل داري فهو آمن. فقالوا: ويحك ما تغني عنّا دارك!قال: و من دخل المسجد فهو آمن و من أغلق عليه بابه فهو آمن.

[1]حمش الشي‏ء: جمعه و فلانا هيجه.

[2]يقال: دلفت الكتيبة إلى الكتيبة في الحرب أي تقدمت.

[3]زيادة عن الطبري.

529

بعض ما أسند إليه من أخبار تدل على عدم إخلاصه:

حدّثنا محمد بن جرير و أحمد بن الجعد قالا حدّثنا محمد بن حميد قال حدّثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبّاد عن عبد اللّه بن الزبير قال:

لمّا كان يوم اليرموك خلّفني أبي، فأخذت فرسا له و خرجت، فرأيت جماعة من الخلفاء فيهم أبو سفيان بن حرب فوقفت معهم، فكانت الرّوم إذا هزمت المسلمين قال أبو سفيان: إيه بني الأصفر، فإذا كشفهم المسلمون قال أبو سفيان:

/و بنو الأصفر الكرام ملوك الرّوم لم يبق منهم مذكور فلما فتح اللّه على المسلمين حدّثت أبي فقال: قاتله اللّه!يأبى إلاّ نفاقا؛ أ و لسنا خيرا له من بني الأصفر!ثم كان يأخذ بيدي فيطوف على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: حدّثهم، فأحدّثهم فيعجبون من نفاقه.

حدّثني أحمد بن الجعد قال حدّثني ابن حميد قال حدّثنا جرير عن عمرو بن ثابت عن الحسن قال:

دخل أبو سفيان على عثمان بعد/أن كفّ بصره، فقال: هل علينا من عين؟فقال له عثمان: لا. فقال:

حدّثني محمد بن حيّان الباهليّ قال حدّثنا عمر بن عليّ الفلاّس قال حدّثنا سهل بن يوسف عن مالك بن مغول‏[1]عن أشعث بن أبي الشّعثاء عن ميسرة الهمدانيّ عن أبي الأبجر الأكبر قال:

جاء أبو سفيان إلى عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقال: يا أبا الحسن، ما بال هذا الأمر في أضعف قريش و أقلّها!فو اللّه لئن شئت لأملأنّها عليهم خيلا و رجلا. فقال له عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه: يا أبا سفيان، طالما عاديت اللّه و رسوله صلى اللّه عليه و سلم و المسلمين فما ضرّهم ذلك شيئا، إنّا وجدنا أبا بكر لها أهلا.

أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال أنشدني ابن عائشة لأبي سفيان بن حرب لمّا ولي أبو بكر قال:

/

و أضحت قريش بعد عزّ و منعة # خضوعا لتيم‏[2]لا بضرب القواضب

فيا لهف نفسي للذي ظفرت به # و ما زال منها فائزا بالرّغائب‏

و حدّثني أحمد بن الجعد قال حدّثني محمد بن حميد قال حدّثنا جرير عن عمرو بن ثابت عن الحسن قال:

لمّا ولي عثمان الخلافة، دخل عليه أبو سفيان فقال: يا معشر بني أميّة، إن الخلافة صارت في تيم و عديّ‏[3] حتى طمعت فيها، و قد صارت إليكم فتلقّفوها بينكم تلقّف الكرة، فو اللّه ما من جنّة و لا نار-هذا أو نحوه-فصاح به [1]كذا في «التهذيب» و «الخلاصة في أسماء الرجال» . و هو مالك بن مغول البجلي أبو عبد اللّه أحد علماء الكوفة و عبادها توفي سنة تسع و خمسين و مائة. و في ب، س، حـ: «معول» بالعين المهملة. و في سائر الأصول: «معاوية» و كلاهما تحريف.

[2]هو تيم بن مرة بن كعب، و به سميت القبيلة التي ينسب إليها أبو بكر الصدّيق رضي اللّه عنه.

[3]هو عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، و به سميت القبيلة التي ينسب إليها عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.

530

عثمان: قم عنّي فعل اللّه بك و فعل. و لأبي سفيان أخبار من هذا الجنس و نحوه كثيرة يطول ذكرها، و فيما ذكرت منها مقنع‏[1].

شعره في ابن مشكم حين نزل عليه في غزوة السويق:

و الأبيات التي فيها الغناء يقولها في سلام بن مشكم اليهوديّ و يكنى أبا غنم، و كان نزل عليه في غزوة السّويق، فقراه و أحسن ضيافته. فقال أبو سفيان فيه:

سقاني فروّاني كميتا مدامة # على ظمأ منّي سلام بن مشكم

تخيّرته أهل المدينة واحدا # سواهم فلم أغبن و لم أتندّم

فلمّا تقضّي الليل قلت و لم أكن # لأفرحه أبشر بعرف و مغنم

و إنّ أبا غنم يجود و داره # بيثرب مأوى كلّ أبيض خضرم‏[2]

[1]الثابت في التاريخ الصحيح أن أبا سفيان أسلم و حسن إسلامه. فلعل هذه الأخبار و نحوها مما كان يفتريه الشيعة على معاوية و آل معاوية للنيل منهم و الكيد لهم.

[2]الخضرم: الجواد الكثير العطية، مشبه بالبحر الخضرم و هو الكثير الماء.

531

ذكر الخبر عن غزوة السّويق و نزول أبي سفيان على سلام بن مشكم‏

خبره غزوة السويق و نزوله على ابن مشكم:

كانت هذه الغزاة بعد وقعة بدر. و ذلك أن أبا سفيان نذر ألاّ يمسّ رأسه ماء من جنابة و لا يشرب خمرا حتى يغزو رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم. فخرج في عدّة من قومه و لم يصنع شيئا؛ فعيّرته قريش بذلك و قالوا: إنما خرجتم تشربون السّويق‏[1]؛ فسمّيت غزوة السّويق‏[2].

حدّثنا محمد بن جرير، قرأته عليه، قال حدّثنا محمد بن حميد قال حدّثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير و يزيد بن رومان عن عبيد اللّه بن كعب بن مالك-و كان من أعلم الأنصار- قال:

كان أبو سفيان حين رجع إلى مكة و رجع قبل قريش من بدر، نذر ألاّ يمسّ ماء من جنابة حتى يغزو محمدا صلى اللّه عليه و سلم. فخرج في مائتي راكب من قريش ليبرّ يمينه، فسلك النّجديّة حتى نزل بصدر قناة إلى/جبل يقال له تيت‏[3] (من المدينة على بريد أو نحوه) ثم خرج من الليل حتى أتى بني النّضير تحت الليل، فأتى حييّ بن أخطب بيثرب فدقّ عليه بابه فأبى أن يفتح له و خافه؛ و انصرف/إلى سلام بن مشكم-و كان سيّد بني النّضير في زمانه ذلك و صاحب كنزهم-فاستأذن عليه فأذن له، فقراه و سقاه و نظر له خبر الناس. ثم خرج في عقب ليلته حتى جاء أصحابه؛ فبعث رجالا من قريش إلى المدينة، فأتوا ناحية منها يقال لها العريض، فحرّقوا في أصوار[4]من نخل لها، أتوا رجلا من الأنصار و حليفا له في حرث لهما فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين. فنذر[5]بهم الناس؛ فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في طلبهم حتى بلغ قرقرة[6]الكدر، ثم انصرف راجعا و قد فاته أبو سفيان و أصحابه، و قد رأوا من [1]السويق: شراب يتخذ من الحنطة و الشعير.

[2]الذي في «السيرة» لابن هشام (ج 2 ص 544) : «و إنما سميت غزوة السويق-فيما حدّثني أبو عبيدة-لأن أكثر ما طرح القوم من أزوادهم السويق، فسميت غزوة السويق» .

[3]تيت: ضبط في «القاموس» و «شرحه» كميت (أي بسكون الياء و بتشديدها مكسورة) . و ضبط في ياقوت بالقلم بتشديد الياء مفتوحة.

و منهم من قال: «تيب» بالتحريك و آخره باء موحدة، جبل قريب من المدينة على سمت الشام، و قد يشدّد وسطه للضرورة. (راجع «معجم البلدان» لياقوت و «القاموس» و «شرحه» مادة تيت) .

[4]كذا في حـ و «السيرة لابن هشام» و الطبري (ق 1 ص 1365) . و قد ورد هذا الخبر في «شرح القاموس» و «اللسان» (مادة صور) و «معجم ياقوت» في الكلام على عريض هكذا: «أن أبا سفيان بعث رجلين من أصحابه فأحرقا صورا من صيران العريض» . و الصور:

الجماعة من النخل. و قيل: النخل الصغار. و في سائر الأصول: «فحرقوا أسوارا من نخل» بالسين المهملة و هو تحريف.

[5]نذر: علم.

[6]قرقرة الكدر: موضع على ستة أميال من خيبر.

532

مزاود القوم ما قد طرحوه في الحرث يتخفّفون منه للنّجاء. فقال المسلمون حين رجع بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أ نطمع أن تكون غزوة، قال «نعم» . و قد كان أبو سفيان قال و هو يتجهّز خارجا من مكة إلى المدينة أبياتا من شعر يحرّض فيها قريشا فقال:

كرّوا على يثرب و جمعهم # فإنّ ما جمّعوا لكم نفل

إن يك يوم القليب‏[1]كان لهم # فإن ما بعده لكم دول

آليت لا أقرب النساء و لا # يمسّ رأسي و جلدي الغسل

حتى تبيدوا قبائل الأوس و الـ # خزرج إن الفؤاد مشتعل‏

فأجابه كعب بن مالك:

يا لهف أمّ المسبّحين‏[2]على # جيش ابن حرب بالحرّة الفشل‏[3]

/أ تطرحون الرجال من سنم الظّهر ترقّى في قنّة الجبل

جاءوا بجمع لو قيس منزله # ما كان إلا كمعرس الدّئل‏[4]

عار من النصر و الثراء و من # نجدة أهل البطحاء و الأسل‏

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال حدّثنا سليمان بن سعد عن الواقديّ:

أن غزوة السّويق كانت في ذي القعدة من سنة ثنتين من الهجرة.

اشتد قيس بن الخطيم على حسان و هم يشربون عند ابن مشكم فانتصر ابن مشكم لحسان:

حدّثني عمّي قال حدّثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدّثنا ابن سعد عن الواقديّ عن أبي الزّناد عن عبد اللّه بن الحارث قال:

شرب حسّان بن ثابت يوما مع سلام بن مشكم، و كان له نديما، معهم كعب بن أسد و عبد اللّه بن أبيّ و قيس بن الخطيم؛ فأسرع الشراب فيهم و كانوا في موادعة و قد وضعت الحرب أوزارها بينهم. فقال قيس بن الخطيم لحسّان:

تعال أشاربك؛ فتشاربا في إناء عظيم فأبقى حسّان من الإناء شيئا؛ فقال له قيس: اشرب. فقال حسّان و عرف الشرّ في وجهه: أو خيرا من ذلك أجعل لك الغلبة. قال: لا!إلاّ أن تشربه؛ فأبى حسّان. و قال له سلام بن مشكم: يا أبا يزيد، لا تكرهه على ما لا يشتهي، إنما دعوته لإكرامه و لم تدعه لتستخفّ به و تسي‏ء مجالسته. فقال له قيس:

أ فتدعوني أنت على أن تسي‏ء مجالستي!فقال له سلام: ما في هذا سوء مجالسة، و ما حملت عليك إلاّ لأنك منّي و أني حليفك، و ليست/عليك غضاضة في هذا، و هذا رجل من الخزرج قد أكرمته و أدخلته منزلي؛ فيجب أن تكرم [1]هو قليب بدر (انظر الكلام عليه في غزوة بدر في هذا الكتاب ج 4 ص 170 من هذه الطبعة) .

[2]كذا في الطبري و ابن الأثير. و في الأصول: «المسجيين» .

[3]الفشل: الضعيف الجبان.

[4]المعرس: الموضع الذي يعرس فيه (ينزل) . و الدئل: دويبة كالثعلب، و قيل: هي شبيهة بابن عرس. و في الطبري (ق 1 ص 1366) : «كمفحص الدئل» .

533

لي من أكرمته. و لعمري/إن في الصحو لما تكتفون به من حروبكم؛ فافترقوا. و آلى سلام بن مشكم على نفسه ألاّ يشرب سنة؛ و قد بلغ هذا من نديمه و كان كريما.

صوت من المائة المختارة

من مبلغ عنّي أبا كامل # أنّي إذا ما غاب كالهامل

قد زادني شوقا إلى قربه # مع ما بدا من رأيه الفاضل‏

الشعر للوليد بن يزيد. و الغناء لأبي كامل. و لحنه المختار من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. و ذكر حبش أن لأبي كامل فيه أيضا لحنا من خفيف الثقيل الثاني بالوسطى.

انتهى الجزء السادس من كتاب الأغاني و يليه الجزء السابع و أوّله أخبار الوليد بن يزيد و نسبه‏

534

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

535

فهرس موضوعات الجزء السادس‏

غالموضوع الصفحة

1-أخبار الصمّة القشيري و نسبه 291

2-أخبار داود بن سلم و نسبه 297

3-أخبار دحمان و نسبه 305

4-أخبار أعشى همدان و نسبه 313

5-أخبار أحمد النصبيّ و نسبه 334

6-أخبار حماد الراوية و نسبه 339

7-أخبار عبادل و نسبه 356

8-أخبار المرقش الأكبر و نسبه 376

9-المرقش الأصغر 381

10-وقعة دولاب و أخبار الشراة 386

11-أخبار سياط و نسبه 392

12-ذكر نبيه و أخباره 398

13-أخبار سليم 400

14-أخبار ابن عبّاد 405

15-أخبار يحيى المكي و نسبه 407

16-أخبار النّميري و نسبه 418

17-أخبار وضّاح اليمن و نسبه 431

18-أخبار بشّار و عبدة خاصة 454

19-أخبار الأحوص مع أم جعفر 463

20-ذكر أبي ذؤيب و خبره و نسبه 469

21-ذكر حكم الوادي و خبره و نسبه 480

22-ذكر ابن جامع و خبره و نسبه 486

23-ذكر أبي سفيان و أخباره و نسبه 521

فهرس الموضوعات 535