الأغاني - ج7

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
225 /
55

الشعر للوليد بن يزيد بن عبد الملك. و الغناء لأبي كامل غزيّل الدّمشقيّ ماخوريّ بالبنصر. و في هذه القصيدة يقول الوليد بن يزيد:

أصبح اليوم وليد # هائما بالفتيات

/عنده راح و إبريـ # ق و كأس بالفلاة

ابعثوا خيلا لخيل # و رماة لرماة

و أخبرني بالسبب في مقتله الحسن بن عليّ قال أخبرنا أحمد بن الحارث قال حدّثني المدائنيّ عن جويرية بن أسماء، و أخبرني به ابن أبي الأزهر عن حمّاد عن أبيه عن المدائنيّ عن جويرية بن أسماء قال: قال ابن‏[1]بشر بن الوليد بن عبد الملك:

لمّا أظهر الوليد بن يزيد أمره و أدمن على اللهو و الصيد و احتجب عن الناس و والى بين الشرب و انهمك في اللذّات، سئمه‏[2]الناس و وعظه من أشفق عليه من/أهله؛ فلما لم يقلع دبّوا في خلعه. فدخل أبي بشر بن الوليد على عمّي العباس بن الوليد و أنا معه، فجعل يكلّم عمّي في أن يخلع الوليد بن يزيد و معه عمي يزيد بن الوليد، فكان العبّاس ينهاه و أبي يردّ عليه؛ فكنت أفرح و أقول في نفسي: أرى أبي يجترئ أن يكلّم عمّي و يردّ عليه؛ فقال العباس: يا بني مروان، أظن أن اللّه قد أذن في هلاككم. ثم قال العباس:

إني أعيذكم باللّه من فتن # مثل الجبال تسامى ثم تندفع

إنّ البريّة قد ملّت سياستكم # فاستمسكوا بعمود الدّين و ارتدعوا

لا تلحمنّ‏[3]ذئاب الناس أنفسكم # إنّ الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا

لا تبقرنّ بأيديكم بطونكم # فثمّ لا فدية تغني و لا جزع‏[4]

قال المدائنيّ عن رجاله: فلما استجمع ليزيد أمره و هو متبدّ أقبل إلى دمشق، و بين مكانه الذي كان متبدّيا فيه و بين دمشق أربع ليال، فأقبل إلى دمشق متنكّرا في سبعة أنفس على حمر و قد بايع له أكثر أهل دمشق و بايع له أكثر أهل المزّة. فقال مولّى لعبّاد بن زياد: إني لبجرود-و بين جرود و دمشق مرحلة-إذ طلع علينا سبعة معتمّون‏[5]على حمر فنزلوا، و فيهم رجل طويل جسيم، فرمى بنفسه فنام و ألقوا عليه ثوبا، و قالوا لي: هل عندك شي‏ء نشتريه من طعام؟فقلت: أمّا بيع فلا، و عندي من قراكم ما يشبعكم؛ فقالوا: فعجّله؛ فذبحت لهم دجاجا و فراخا و أتيتهم بما حضر من عسل و سمن و شوانيز[6]، و قلت: أيقظوا صاحبكم/للغداء؛ فقالوا: هو محموم لا يأكل؛ فسفروا للغداء [1]كذا في أ، ء، م و هو الصواب كما سيأتي. و في ب، س، حـ: «قال قال أبي بشر بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك» ، و هو خطأ.

[2]في الأصول: «شتمه» .

[3]ألحمت القوم: أطعمتهم اللحم.

[4]في الأصول: «جذع» بالذال المعجمة. و التصويب عن «الطبري» . و قد جاء فيه الشطر هكذا:

فثم لا حسرة تغني و لا جزع‏

[5]في جميع الأصول: «معتمين» ...

[6]الشوانيز: التوابل.

56

فعرفت بعضهم، و سفر النائم فإذا هو يزيد بن الوليد، فعرفته فلم يكلمني. و مضوا ليدخلوا دمشق ليلا في نفر من أصحابه مشاة إلى معاوية بن مصاد[1]و هو بالمزّة-و بينها و بين دمشق ميل-فأصابهم مطر شديد، فأتوا منزل معاوية فضربوا بابه و قالوا: يزيد بن الوليد؛ فقال له معاوية: الفراش، ادخل أصلحك اللّه؛ قال: في رجلي طين و أكره أن أفسد عليك بساطك؛ فقال: ما تريدني‏[2]عليه أفسد. فمشى على البساط و جلس على الفراش، ثم كلّم معاوية فبايعه. و خرج إلى دمشق فنزل دار ثابت بن سليمان الحسنيّ‏[3]مستخفيا، و على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجّاج بن يوسف، فخاف عبد الملك الوباء فخرج فنزل قطنا[4]، و استخلف ابنه على دمشق و على شرطته أبو العاج كثير بن عبد اللّه السّلميّ. و تمّ ليزيد أمره فأجمع على الظهور. و قيل لعامل دمشق: إنّ يزيد خارج فلم يصدّق.

و أرسل يزيد/إلى أصحابه بين المغرب و العشاء في ليلة الجمعة من جمادى الآخرة سنة سبع‏[5]و عشرين و مائة، فكمنوا في ميضأة عند باب الفراديس‏[6]؛ حتى إذا أذّنوا العتمة دخلوا المسجد مع الناس فصلّوا. و للمسجد حرس قد و كلّوا بإخراج الناس من المسجد بالليل؛ فإذا خرج الناس خرج الحرس و أغلق صاحب المسجد الأبواب، و دخل الدار من باب المقصورة فيدفع المفاتيح إلى من يحفظها/و يخرج. فلما صلّى الناس العتمة صاح الحرس بالناس فخرجوا، و تباطأ أصحاب يزيد الناقص، فجعلوا يخرجونهم من باب و يدخلون من باب، حتى لم يبق في المسجد إلا الحرس و أصحاب يزيد، فأخذوا الحرس. و مضى‏[يزيد بن‏][7]عنبسة[السّكسكيّ‏][7]إلى يزيد فأخبره و أخذه بيده و قال: قم يا أمير المؤمنين و أبشر بعون اللّه و نصره؛ فأقبل و أقبلنا و نحن اثنا عشر رجلا. فلما كنّا عند سوق القمح لقيهم فيها مائتا رجل من أصحابهم، فمضوا حتى دخلوا المسجد و أتوا باب المقصورة، و قالوا: نحن رسل الوليد، ففتح لهم خادم الباب، و دخلوا فأخذوا الخادم، و إذا أبو العاج سكران فأخذوه و أخذوا خزّان البيت‏[8]و صاحب البريد؛ و أرسل إلى كلّ من كان يحذره فأخذه. و أرسل من ليلته إلى محمد بن عبيدة مولى سعيد بن العاص و هو على بعلبكّ، و إلى عبد الملك بن محمد بن الحجّاج فأخذهما. و بعث أصحابه إلى الخشبيّة[9]فأتوه؛ و قال للبوّابين: لا تفتحوا الأبواب غدوة إلاّ لمن أخبركم بشعار كذا و كذا. قال: فتركوا الأبواب في السلاسل. و كان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة، فلم يكن الخزّان قبضوه، فأصابوا سلاحا كثيرا فأخذوه و أصبحوا، و جاء[10]أهل المزّة مع حريث بن أبي الجهم. فما انتصف النهار حتى بايع الناس يزيد و هو يتمثّل قول النابغة:

[1]كذا في «الطبري» (ق 2 ص 1789 طبع أوروبا) . و في الأصول: «معاوية بن معاذ» . و هو سيد أهل المزة و قد كان أهل المزة بايعوا يزيد إلا معاوية هذا.

[2]في الأصول: «ما تريد بي أفسد عليه» . و عبارة «الطبري» : «الذي تريدني عليه أفسد» .

[3]في «الطبري» ق 2 ص 839، 1789: «ثابت بن سليمان بن سعد الخشني» .

[4]في الأصول: «قنطا» بتقديم النون على الطاء. و التصويب عن «الطبري» .

[5]الصواب سنة ست و عشرين و مائة، كما في كتب التاريخ.

[6]باب الفراديس: باب من أبواب دمشق. قال ابن قيس الرقيات:

أقفرت منهم الفراديس و الغو # طة ذات القرى و ذات الظلال‏

[7]التكملة عن «الطبري» و عن الأصول فيما سيأتي.

[8]يريد بيت المال.

[9]الخشبية سيذكر المؤلف بعد قليل أنهم أصحاب المختار بن أبي عبيد.

[10]عبارة «الطبري» : «و جاء أهل المزة و ابن عصام... إلخ» .

57

إذا استنزلوا عنهنّ للطعن أرقلوا # إلى الموت إرقال الجمال المصاعب‏

فجعل أصحابه يتعجّبون و يقولون: انظروا إلى هذا!كان قبيل‏[الصبح‏][1]يسبّح و هو الآن ينشد الشعر.

قال‏[2]: و أمر يزيد عبد العزيز بن الحجّاج بن عبد الملك بن/مروان فوقف بباب الجابية فنادى: [من كان له عطاء فليأت إلى عطائه، و من لم يكن له عطاء فله ألف درهم معونة][3]؛ فبايع له الناس و أمر بالعطاء. قال: و ندب يزيد بن الوليد الناس إلى قتال الوليد بن يزيد مع عبد العزيز، و قال: من انتدب معه فله ألفان، فانتدب ألفا رجل؛ فأعطاهم و قال: موعدكم ذنبة[4]؛ فوافى ذنبة ألف و مائتا رجل؛ فقال: ميعادكم مصنعة بالبرّيّة و هي لبنى عبد العزيز بن الوليد؛ فوافاه ثمانمائة رجل، فسار فوافاهم ثقل‏[5]الوليد فأخذوه و مع عبد العزيز فرسان منهم منصور بن جمهور و يعقوب بن عبد الرحمن السّلميّ و الأصبغ بن ذؤالة و شبيب بن أبي مالك الغسّانيّ و حميد بن نصر اللّخميّ، فأقبلوا فنزلوا قريبا من الوليد. فقال الوليد: أخرجوا لي سريرا فأخرجوه فصعد عليه. و أتاه خبر العباس بن الوليد: إنّي أجيئك. و أتي الوليد بفرسين الذائد[6]و السّنديّ؛ و قال: أ عليّ يتواثب الرجال و أنا أثب على الأسد و أتخصّر[7]الأفاعي!. و هم ينتظرون العباس أن يأتيهم و لم يكن بينهم كبير قتال، فقتل/عثمان‏[8]الخشبيّ، و كان من أولاد الخشبيّة الذين كانوا مع المختار[9]. و بلغ عبد العزيز بن الحجّاج أن العباس بن الوليد يأتي الوليد؛ فأرسل منصور بن جمهور في جريدة[9]خيل و قال: إنكم تلقون العباس بن الوليد و معه بنوه في الشّعب فخذوه. و خرج منصور/في تلك الخيل و تقدّموا إلى الشّعب، و إذا العبّاس و معه ثلاثون‏[10]قد تقدّموا أصحابه؛ فقال له: اعدل إلى عبد العزيز، فشتمهم؛ فقال له منصور: و اللّه لئن تقدّمت لأنفذنّ حصينك‏[11]بالرّمح؛ فقال: إنا للّه!فأقبلوا به يسوقونه إلى عبد العزيز، فقال له عبد العزيز: بايع ليزيد؛ فبايع و وقف؛ و نصبوا[12]راية و قالوا: هذا العباس قد بايع. و نادى منادي عبد العزيز؛ من لحق بالعباس بن الوليد فهو آمن؛ فقال العباس: إنا للّه!خدعة من خدع الشيطان!هلك و اللّه بنو مروان!. فتفرّق الناس عن الوليد و أتوا العباس. و ظاهر الوليد في درعين و قاتلهم. و قال الوليد: من جاء برأس فله خمسمائة درهم، فجاء جماعة بعدّة رءوس، فقال: اكتبوا أسماءهم؛ فقال له رجل من [1]التكملة عن «الطبري» (ق 2 ص 1791 طبع أوروبا) .

[2]في أ، ء، م: «قالوا» .

[3]هذه العبارة التي بين قوسين عبارة «الطبري» . و في الأصول: «ألا من كان له عطاء فله أربعون دينارا في العطاء و معونة ألف درهم فبايعه... إلخ» .

[4]كذا في «الطبري» . و هي موضع بعينه من أعمال دمشق. و في الأصول: «دنية» و هو تصحيف.

[5]الثقل: المتاع.

[6]في الأصول: «الزابد» . و التصويب عن «نسب الخيل» لهشام بن محمد الكلبي (ص 44) طبع ليدن و «شرح القاموس» مادة «ذود» .

[7]كذا في «الطبري» . و تخصر: أخذ المخصرة (العصا) بيده و أمسكها. و في الأصول: «و أعض» .

[8]كذا في «الطبري» (قسم 2 ص 1798، 1804) . و كان من أصحاب الوليد بن يزيد. و في الأصول: «يزيد بن عثمان الخشبي» و هو خطأ.

[9]يريد المختار بن أبي عبيد. خرج بالكوفة سنة ست و ستين مطالبا بدم الحسين رضي اللّه عنه و أهل بيته و ذلك في سلطان ابن الزبير و أخرج عن الكوفة عبد اللّه بن مطيع عامل ابن الزبير، ثم قتله مصعب بن الزبير.

[10]كذا في أ، ء، م. و في ب، س، حـ: «و معه بنوه» . و عبارة الطبري: «في ثلاثين من بنيه» .

[11]كذا في «الطبري» : و قال: «يعني درعك» : و في الأصول: «خصيتيك» ، و هو تحريف.

[12]كذا في «الطبري» . و في الأصول: «و نصب» .

58

مواليه: ليس هذا يا أمير المؤمنين يوما يعامل فيه بالنّسيئة. و ناداهم رجال: اقتلوا اللّوطيّ قتلة قوم لوط، فرموه بالحجارة. فلما سمع ذلك دخل القصر و أغلق الباب و قال:

صوت‏

دعوا لي سليمى و الطّلاء و قينة[1] # و كأسا ألا حسبي بذلك مالا

إذا ما صفا عيش برملة عالج‏[2] # و عانقت سلمى لا أريد بدالا

خذوا ملككم لا ثبّت اللّه ملككم # ثباتا يساوي ما حييت عقالا

و خلّوا عناني قبل عير و ما جرى‏[3] # و لا تحسدوني أن أموت هزالا

/-غنّاه عمر الوادي رملا بالوسطى عن حبش-ثم قال لعمر الوادي: يا جامع لذتي، غنّني بهذا الشعر. و قد أحاط الجند بالقصر؛ فقال لهم الوليد من وراء الباب: أ ما فيكم رجل شريف له حسب و حياء أكلّمه؟!فقال له يزيد بن عنبسة السّكسكيّ: كلّمني؛ فقال له الوليد: يا أخا السّكاسك، ما تنقمون منّي؟أ لم أزد في أعطياتكم و أعطية فقرائكم و أخدمت زمناكم و دفعت عنكم المؤن!؟فقال: ما ننقم عليك في أنفسنا شيئا، و لكن ننقم عليك انتهاك ما حرّم اللّه و شرب الخمور و نكاح أمهات أولاد أبيك و استخفافك بأمر اللّه. قال: حسبك يا أخا السّكاسك!فلعمري لقد أغرقت‏[4]فأكثرت، و إنّ فيما أحلّ اللّه لسعة عمّا[5]ذكرت. و رجع إلى الدار فجلس و أخذ المصحف و قال: يوم كيوم‏[6]عثمان، و نشر المصحف يقرأ؛ فعلوا الحائط؛ فكان أوّل من علا الحائط يزيد بن عنبسة، فنزل و سيف الوليد إلى جنبه؛ فقال له يزيد: نحّ سيفك، فقال الوليد: لو أردت السيف لكانت لي و لك حالة غير هذه. فأخذ بيده و هو يريد أن يدخله بيتا[7]و يؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة فيهم منصور بن جمهور و عبد الرحمن و قيس مولى يزيد بن عبد الملك و السّريّ بن زياد بن أبي كبشة، فضربه عبد الرحمن السّلميّ‏[8]على رأسه ضربة و ضربه السّريّ بن زياد على وجهه، و جرّوه بين خمسة ليخرجوه؛ فصاحت امرأة كانت معه في الدار فكفّوا عنه فلم يخرجوه، و احتزّ رأسه [1]كذا في أ، ء. و في سائر الأصول: «و فتية» و هو تحريف.

[2]عالج: رملة بالبادية. و قال أبو عبيد اللّه السكوني: عالج رمال بين فيد و القريات ينزلها بنو بحتر من طي‏ء، و هي متصلة بالثعلبية على طريق مكة لا ماء بها.

[3]قبل عير و ما جرى، قال أبو عبيد: إذا أخبر الرجل بالخبر من غير استحقاق و لا ذكر كان لذلك قيل: فعل كذا و كذا قبل عير و ما جرى. قالوا: خص العير لأنه أحذر ما يقنص، و إذا كان كذلك كان أسرع جريا من غيره، فضرب به المثل في السرعة. و قيل العير و إنسان العين، فإذا قيل: جاء قبل عير و ما جرى فمعناه قبل لحظة العين. (راجع «مجمع الأمثال للميداني» ج 2 ص 36 طبع بولاق و «لسان العرب» مادة عير) .

[4]أي تجاوزت الحدّ في القول و بالغت فيه.

[5]في الأصول «فيما» و التصويب عن «الطبري» .

[6]يريد عثمان بن عفان رضي اللّه عنه فإنه لما قتل كان يقرأ في المصحف و جرى دمه عليه.

[7]في ب، س: «بيتنا» و هو تحريف.

[8]عبارة «الطبري» : «فنزل من الحائط عشرة منصور بن جمهور و حبال بن عمرو الكلبي و عبد الرحمن بن عجلان مولى يزيد بن عبد الملك و حميد بن نصر اللخمي و السري بن زياد بن أبي كبشة و عبد السلام اللخمي فضربه عبد السلام على رأسه و ضربه السري على وجهه و جروه... إلخ» .

59

أبو علاقة القضاعيّ/و خاط الضربة/التي في وجهه بالعقب‏[1]، و قدم بالرأس على يزيد، قدم به روح بن مقبل، و قال: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق، فاستتمّ الأمر له و أحسن صلته. ثم كان من خلع يزيد بعد ذلك ما ليس هذا موضع ذكره.

قال: و لما قتل الوليد بن يزيد جعل أبو محجن مولى خالد القسريّ يدخل سيفه في است الوليد و هو مقتول.

فقال الأصبغ بن ذؤالة الكلبيّ في قتل الوليد و أخذهم ابنيه:

من مبلغ قيسا و خندف كلّها # و ساداتهم من عبد شمس و هاشم

قتلنا أمير المؤمنين بخالد[2] # و بعنا وليّ عهده بالدراهم‏

و قال أبو محجن مولى خالد:

لو شاهدوا حدّ سيفي حين أدخله # في است الوليد لماتوا عنده كمدا

كان عمر الوادي يغنيه حين قتل‏

:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن هشام بن الكلبيّ عن جرير قال:

قال لي عمر الوادي: كنت أغنّي الوليد أقول:

صوت‏

كذبتك نفسك أم رأيت بواسط # غلس‏[3]الظلام من الرّباب خيالا

قال: فما أتممت الصوت حتى رأيت رأسه قد فارق بدنه و رأيته يتشحّط في دمه. يقال: إن اللحن في هذا الشعر لعمر الوادي، و يقال: لابن جامع.

أخذ يزيد الحكم و عثمان ولي عهد الوليد و حبسهما و شتمهما

:

قالوا: و كان عثمان و الحكم ابنا الوليد قد بايعهما بالعهد بعده، فتغيّبا فأخذهما يزيد بعد ذلك فحبسهما في الخضراء[4]و دخل عليهما يزيد الأفقم بن هشام فجعل يشتم أباهما الوليد و كان قد ضربه و حلقه‏[5]، فبكى الحكم، فقال عثمان أخوه: اسكت يا أخي؛ و أقبل على يزيد فقال: أ تشتم أبي!قال: نعم؛ قال: لكني لا أشتم عمّي هشاما، و و اللّه لو كنت من بني مروان ما شتمت أحدا منهم، فانظر إلى وجهك فإن كنت رأيت حكميّا[6]يشبهك أوله مثل وجهك فأنت منهم، لا و اللّه ما في الأرض حكميّ يشبهك.

[1]العقب: العصب الذي تعمل منه الأوتار.

[2]هو خالد بن عبد اللّه القسري، و قد كان الوليد سلمه ليوسف بن عمر فبسط عليه العذاب حتى قتله (راجع تفصيل مقتله في «الطبري» قسم 2 ص 1812 و ما بعدها) .

[3]كذا في ب، س و «اللسان» مادة غلس. و في سائر النسخ: «وسط الظلام» . و البيت للأخطل.

[4]الخضراء: موضع باليمامة، و هي أيضا حصن باليمن كما في ياقوت، و لعلها أيضا موضع بالشام لم تذكره معاجم البلدان.

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و خلعه» و هو تحريف.

[6]يعني من ينسب إلى الحكم بن أبي العاص والد مروان رأس هذه الأسرة.

60

ندم أيوب السختياني لمقتله تخوّفا من الفتنة

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ عن مسلمة بن محارب قال:

لما قتل الوليد قال أيّوب‏[1]السّختيانيّ: ليت القوم تركوا لنا خليفتنا لم يقتلوه. قال: و إنما قال ذلك تخوّفا من الفتنة.

لعن الرشيد قاتليه‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ:

أن ابنا للغمر بن يزيد بن عبد الملك دخل على الرشيد، فقال: ممّن أنت؟قال: من قريش، قال: من أيّها؟ فأمسك قال: قل و أنت آمن، و لو أنك مروانيّ، قال: أنا ابن الغمر بن يزيد. قال: رحم اللّه عمّك و لعن يزيد الناقص و قتلة عمّك جميعا، فإنهم قتلوا خليفة مجمعا عليه، ارفع إليّ حوائجك، فقضاها.

/رمى عند المهدي بالزندقة فدافع عنه:

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا الغلابيّ قال حدّثنا العلاء[2]بن سويد المنقريّ قال:

ذكر ليلة المهديّ أمير المؤمنين الوليد بن يزيد فقال: كان ظريفا أديبا. فقال له شبيب بن شيبة:

يا أمير المؤمنين إن رأيت ألاّ تجري ذكره على سمعك و لسانك فافعل فإنه كان زنديقا؛ فقال: اسكت، فما كان اللّه ليضع خلافته عند من يكفر به. هكذا رواه الصّوليّ.

دافع عنه ابن علاثة الفقيه لدى المهدي‏

:

و قد أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز إجازة قال حدّثنا عمر بن شبّة قال أخبرنا عقيل‏[3]بن عمرو قال أخبرني شبيب بن شيبة عن أبيه قال: كنّا جلوسا عند/المهديّ فذكروا الوليد بن يزيد، فقال المهديّ: أحسبه كان زنديقا، فقام ابن علاثة الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين، اللّه عزّ و جلّ أعظم من أن يولّي خلافة النبوة و أمر الأمّة من لا يؤمن باللّه، لقد أخبرني من كان يشهده في ملاعبه و شربه عنه بمروءة في طهارته و صلاته، و حدّثني أنه كان إذا حضرت الصلاة يطرح ثيابا كانت عليه من مطيّبة و مصبّغة ثم يتوضأ فيحسن الوضوء و يؤتى بثياب بيض نظاف من ثياب الخلافة فيصلّي فيها أحسن صلاة بأحسن قراءة و أحسن سكوت و سكون و ركوع و سجود، فإذا فرغ عاد إلى تلك الثياب التي كانت عليه قبل ذلك، ثم يعود إلى شربه و لهوه؛ أ فهذه أفعال من لا يؤمن باللّه!فقال له المهديّ: صدقت بارك اللّه عليك يا ابن علاثة.

و في جملة المائة الصوت المختارة عدّة أصوات من شعر الوليد نذكرها هاهنا مع أخباره، و اللّه أعلم.

[1]هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني العنزي أبو بكر البصري الفقيه أحد الأئمة الأعلام مات سنة 131 هـ.

[2]في حـ: «العلاء بن أبي سويد» و لم نقف عليه في المراجع التي بين أيدينا.

[3]كذا فيما مر قريبا ص 69 من هذا الجزء و في جميع الأصول هنا: «عقيل عن عمرو» .

61

صوت من المائة المختارة

أمّ سلاّم ما ذكرتك إلاّ # شرقت بالدموع منّي المآقي

أمّ سلاّم ذكركم حيث كنتم # أنت دائي و في لسانك راقي

ما لقلبي يجول بين التّراقي # مستخفّا يتوق كلّ متاق

حذرا أن تبين دار سليمى # أو يصيح الداعي لها بفراق‏

غنّاه عمر الوادي، و لحنه المختار خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر. و ذكر عمرو بن بانة أنّ لسلاّمة القسّ فيه خفيف رمل بالوسطى، و لعلّه بمعنى هذا. و من الناس من يروى هذه الأبيات لعبد الرحمن بن أبي عمّار الجشميّ في سلاّمة القسّ، و ليس ذلك له، هو للوليد صحيح، و هو كثيرا ما يذكر سلمى هذه في شعره بأمّ سلاّم و بسلمى، لأنه لم يكن يتصنّع في شعره و لا يبالي بما يقوله منه. و من ذلك قوله فيها:

صوت‏

أمّ سلاّم لو لقيت من الوجـ # د عشير الذي لقيت كفاك

فأثيبي بالوصل صبّا عميدا # و شفيقا شجاه ما قد شجاك‏

غنّاه مالك خفيف رمل بالبنصر عن الهشاميّ.

62

2-ذكر أخبار عمر الواديّ و نسبه‏

نسبه و إعجاب الوليد به‏

:

هو عمر بن داود بن زاذان. و جدّه زاذان مولى عمرو بن عثمان بن عفّان. و كان عمر مهندسا. و أخذ الغناء عنه حكم و ذووه من أهل وادي القرى. و كان قدم إلى الحرم فأخذ من غناء أهله فحذق و صنع فأجاد و أتقن. و كان طيّب الصوت شجيّه مطربا. و كان أوّل من غنّى من أهل وادي القرى؛ و اتصل بالوليد بن يزيد في أيام إمارته فتقدّم عنده جدّا، و كان يسمّيه جامع لذّاتي‏[1]و محيي طربي. و قتل الوليد و هو يغنّيه، و كان آخر عهده به من الناس. و في عمر يقول الوليد بن يزيد و فيه غناء:

صوت‏

/

إنّني فكّرت في عمر # حين قال القول فاختلجا

إنّه للمستنير به # قمر قد طمّس السّرجا

و يغنّي الشعر ينظمه # سيّد القوم الذي فلجا

أكمل الواديّ صنعته # في لباب الشعر فاندمجا

الشعر للوليد بن يزيد. و الغناء لعمر الوادي هزج خفيف بالبنصر في مجراها.

كان الوليد يقدّمه على المغنين‏

:

أخبرني الحسين بن يحيى و محمد بن مزيد قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:

كان عمر الوادي يجتمع مع معبد و مالك و غيرهما من المغنّين عند الوليد بن يزيد، فلا يمنعه حضورهم من تقديمه و الإصغاء إليه و الاختصاص له. و بلغني أنه كان/لا يضرب و إنما كان مرتجلا، و كان الوليد يسمّيه جامع لذّاتي. قال: و بلغني أن حكما الواديّ و غيره من مغنّي وادي القرى أخذوا عنه الغناء و انتحلوا أكثر أغانيه.

غضب الوليد على أبى رقية فاسترضاه عنه‏

:

قال إسحاق و حدّثني عبد السلام بن الرّبيع:

أنّ الوليد بن يزيد كان يوما جالسا و عنده عمر الوادي و أبو رقيّة، و كان ضعيف العقل و كان يمسك المصحف على أمّ الوليد؛ فقال الوليد لعمر الوادي و قد غنّاه صوتا: أحسنت و اللّه، أنت جامع لذّاتي، و أبو رقيّة مضطجع و هم [1]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «لذتي» بالأفراد. و قد وردت هذه الكلمة بعد ذلك مختلفة في المواضع التي ذكرت فيها. ـ

63

يحسبونه نائما، فرفع رأسه إلى الوليد فقال له: و أنا جامع لذّات أمّك؛ فغضب الوليد و همّ به؛ فقال له عمر الوادي:

جعلني اللّه فداك!ما يعقل أبو رقيّة و هو صاح، فكيف يعقل و هو سكران!فأمسك عنه.

سمع غناء من راع أخذه عنه و مدحه‏

:

قال إسحاق: و حدّثت عن عمر الوادي قال: بينا أنا أسير ليلة بين العرج‏[1]و السّقيا سمعت إنسانا يغنّي غناء لم أسمع قطّ أحسن منه و هو:

صوت‏

و كنت إذا ما جئت سعدى بأرضها # أرى الأرض تطوى لي و يدنو بعيدها

من الخفرات البيض ودّ جليسها # إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها

فكدت أسقط عن راحلتي طربا؛ فقلت: و اللّه لألتمسنّ الوصول إلى هذا الصوت و لو بذهاب عضو من أعضائي حتى هبطت من الشّرف‏[2]، فإذا أنا برجل يرعى غنما و إذا هو صاحب الصوت، فأعلمته الذي أقصدني إليه و سألته إعادته عليّ؛ فقال: و اللّه لو كان عندي قرى ما فعلت، و لكني أجعله قراك، فربما ترنّمت به/و أنا جائع فأشبع، و كسلان فأنشط و مستوحش فآنس؛ فأعاده عليّ مرارا حتى أخذته، فو اللّه ما كان لي كلام غيره حتى دخلت المدينة، و لقد وجدته كما قال. حدّثني بهذا الخبر الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال حدّثني المؤمّل بن طالوت الواديّ قال حدّثني مكين العذريّ قال: سمعت عمر الواديّ يقول: بينا أنا أسير بين الرّوحاء[3] و العرج، ثم ذكر مثله، و قال فيه: فربما ترنّمت به و أنا غرثان فيشبعني، و مستوحش فيؤنسني، و كسلان فينشّطني.

قال: فما كان زادي حتى و لجت المدينة غيره‏[4]، و جرّبت ما وصفه الراعي فيه فوجدته كما قال.

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

لقد هجرت سعدى و طال صدودها # و عاود عيني دمعها و سهودها

و كنت إذا ما زرت سعدى بأرضها # أرى الأرض تطوى لي و يدنو بعيدها

منعّمة لم تلق بؤس معيشة # هي الخلد في الدنيا لمن يستفيدها

هي الخلد ما دامت لأهلك جارة # و هل دام في الدنيا لنفس خلودها

الشعر لكثيّر. و الغناء لابن محرز ثقيل أوّل مطلق بالبنصر عن يحيى المكيّ. و ذكر الهشاميّ أنّ فيه ليزيد [1]العرج: عقبة بين مكة و المدينة على جادة الحاج تذكر مع السقيا.

[2]الشرف: المكان العالي.

[3]الروحاء: موضع بين مكة و المدينة، أوّل من سماها بذلك تبع، قال ابن الكلبيّ: لما رجع تبع من قتال أهل المدينة يريد مكة نزل بالروحاء فأقام بها و أراح فسماها الروحاء، و قيل فيها غير ذلك. (انظر ياقوت في الكلام عليها) .

[4]في أ، ء، م: «غيرهما» .

64

حوراء ثاني ثقيل. و فيه خفيف رمل ينسب إلى عمر الوادي، و هو بعض هذا اللحن الذي حكاه عن الراعي و لا أعلم لمن هو. و هذه الأبيات من قصيدة لكثيّر سائرها في الغزل و هي من جيّد غزله و مختاره. و تمام الأبيات بعد ما مضى منها:

/

فتلك التي أصفيتها بمودّتي # وليدا و لمّا يستبن لي نهودها

و قد قتلت نفسا بغير جريرة # و ليس لها عقل‏[1]و لا من يقيدها

فكيف يودّ القلب من لا يودّه # بلى قد تريد النفس من لا يريدها

ألا ليت شعري بعدنا هل تغيّرت # عن العهد أم أمست كعهدي عهودها

إذا ذكرتها النفس جنّت بذكرها # و ريعت و حنّت و استخفّ جليدها

فلو كان ما بي بالجبال لهدّها # و إن كان في الدنيا شديدا هدودها

و لست و إن أوعدت فيها بمنته # و إن أوقدت نار فشبّ وقودها

أبيت نجيّا للهموم مسهّدا # إذا أوقدت نحوي بليل وقودها[2]

فأصبحت ذا نفسين نفس مريضة # من اليأس ما ينفكّ همّ يعودها

و نفس إذا ما كنت وحدي تقطّعت # كما انسلّ من ذات النّظام فريدها

فلم تبد[3]لي يأسا ففي اليأس راحة # و لم تبدلي جودا فينفع جودها

أخذ من الوليد خاتم ياقوت بصوت اقترحه عليه‏

:

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب بن عباية قال:

قال عمر الوادي: خرج إليّ الوليد بن يزيد يوما و في يده خاتم ياقوت أحمر قد كاد البيت يلتمع من شعاعه؛ فقال لي: يا جامع لذّتي، أ تحبّ أن أهبه لك؟قلت: نعم و اللّه يا مولاي؛ فقال: غنّ في هذه الأبيات التي أنشدك فيها و اجهد نفسك، فإن أصبت إرادتي وهبته لك؛ فقلت: أجتهد و أرجو التوفيق.

صوت‏

أ لا يسليك عن سلمى # قتير[4]الشّيب و الحلم

و أنّ الشكّ ملتبس # فلا وصل و لا صرم ضفلا و اللّه ربّ النا

س مالك عندنا ظلم‏

[1]العقل: الدية. و أقاد القاتل بالقتيل: قتله به.

[2]كذا بالأصول و لعله: «إذا أوفدت... وفودها» ، بالفاء في الكلمتين.

[3]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «تبذلي» ، بالذال المعجمة.

[4]القتير: أول ما يظهر من الشيب.

65

و كيف بظلم جارية # و منها اللّين‏[1]و الرّحم‏

فخلوت في بعض المجالس، فما زلت أديره حتى استقام، ثم خرجت إليه و على رأسه وصيفة، بيدها كأس و هو يروم‏[أن‏][2]يشربها[3]فلا يقدر خمارا؛ فقال: ما صنعت؟فقلت: فرغت ممّا أمرتني به؛ /و غنّيته، فصاح:

أحسنت و اللّه!و وثب قائما على رجليه و أخذ الكأس و استدناني فوضع يده اليسرى عليّ متّكئا و الكأس في يده اليمنى؛ ثم قال لي: أعد بأبي أنت و أمّي!فأعدته عليه فشرب و دعا بثانية[4]و ثالثة و رابعة و هو على حاله يشرب قائما حتى كاد أن يسقط تعبا؛ ثم جلس و نزع الخاتم و الحلّة التي كانت عليه، فقال: و اللّه العظيم لا تبرح هكذا حتى أسكر؛ فما زلت أعيده عليه و يشرب حتى مال على جنبه سكرا فنام.

سبق عبد المطلب بن عبد اللّه بينه و بين أشعب و أبي رقية في وجز

:

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد عن أبيه عن غرير[5]بن طلحة الأرقمي عن أبي الحكم عبد المطلب بن عبد اللّه بن يزيد بن عبد الملك قال: و اللّه إني لبالعقيق في قصر القاسم بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفّان و عندي أشعب و عمر الوادي/و أبو رقيّة، إذ دعوت بدينار فوضعته بين يديّ و سبّقتهموه في رجز فكان أوّل من خسق عمر الوادي‏[6]فقال:

أنا ابن داود أنا ابن زاذان # أنا ابن مولى عمرو بن عثمان‏[7]

ثم خسق أبو رقيّة فقال:

أنا ابن عامر القاري # أنا ابن أوّل أعجمي‏

تقدّم في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. ثم خسق أشعب فقال:

أنا ابن أمّ الخلنداج # أنا ابن المحرّشة بين أزواج‏

النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم. قال أبو الحكم: فقلت له: أي أخزاك اللّه، هل سمعت أحدا قطّ فخر بهذا!فقال: و هل فخر أحد بمثل فخري!لو لا أن أمّي كانت عندهنّ ثقة ما قبلن منها حتى يغضب بعضهنّ على بعض.

[1]كذا في حـ و «اللسان» (مادة رحم) . و قد وردت في سائر الأصول محرّفة. و الرحم: العطف و الرحمة.

[2]ليست بالأصول.

[3]في الأصول: «يشربه» ، و الكأس مؤنثة.

[4]في الأصول: «بثان و ثالث و رابع» .

[5]كذا في ء و «شرح القاموس» و فيما تقدم من «الأغاني» (ج 3 ص 348 من هذه الطبعة) . و في سائر الأصول: «عزيز» ، و هو تصحيف.

[6]الخسق: الرمي بالسهم. و قد وردت هذه الكلمة على وجه الاستعارة لمقام الرهان الوارد في هذه القصة.

[7]هذه الأرجاز الثلاثة ليست متزنة اتّزانا عروضيا. و لعله كلام يقصد به إلى الهزل و المزاح أكثر مما يقصد به إلى الجد. لأن أشعب لم يعرف عنه أنه كان شاعرا بل كان مزاحا صاحب نوادر، و أبو رقية رجل ضعيف العقل، و عمر مغن و ليس بشاعر.

66

3-أخبار أبي كامل‏

كان مغنيا محسنا مضحكا

:

اسمه الغزيّل، و هو مولى الوليد بن يزيد، و قيل: بل كان مولى أبيه، و قيل: بل كان أبوه مولى عبد الملك.

و كان مغنيّا محسنا و طيّبا مضحكا. و لم أسمع له بخبر بعد أيام بني أميّة؛ و لعلّه مات في أيامهم أو قتل معهم.

غنى الوليد و أطربه فخلع عليه قلنسيته‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ: أن أبا كامل غنّى الوليد بن يزيد ذات يوم فقال:

صوت‏

نام من كان خليّا من ألم # و بدائي بتّ ليلي لم أنم

أرقب الصبح كأني مسند # في أكفّ القوم تغشاني الظّلم

إنّ سلمى و لنا من حبّها # ديدن في القلب ما اخضرّ السّلم

قد سبتني بشتيت نبته # و ثنايا لم يعبهنّ قضم‏[1]

قال فطرب الوليد و خلع عليه قلنسية وشي‏[2]مذهبة كانت على رأسه. فكان أبو كامل يصونها و لا يلبسها إلا من عيد إلى عيد و يمسحها بكمّه و يرفعها و يبكي و يقول: إنما أرفعها لأنّي أجد منها ريح سيّدي (يعني الوليد) .

الغناء في هذا الصوت هزج بالوسطى، نسبه عمرو بن بانة إلى عمر الوادي، و نسبه غيره إلى أبي كامل، و زعم آخرون أنه لحكم، هكذا نسبه ابن المكيّ إلى حكم و زعم أنّه بالبنصر.

/أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة/قال حدّثني الأصمعيّ عن صفوان بن الوليد المعيطيّ قال:

غنّى أبو كامل ذات يوم الوليد بن يزيد في لحن لابن عائشة، و هو:

جنّباني أذاة كلّ لئيم # إنّه ما علمت شرّ نديم‏

[1]القضم: انصداع في السن، و قيل: تكسر و تثلّم في أطراف الأسنان.

[2]كذا في أ، م، ء. و في سائر الأصول: «و خلع عليه حتى قلنسية وشي إلخ» .

67

للوليد فيه أشعار كثيرة:

فخلع عليه ثيابه كلّها حتى قلنسيته. ثم ذكر باقي الخبر مثل الذي تقدّمه؛ و زاد فيه أنه أوصى أن تجعل في أكفانه. و للوليد في أبي كامل أشعار كثيرة. فمنها ممّا يغنّى به:

صوت‏

سقيت أبا كامل # من الأصفر البابلي

و سقّيتها معبدا # و كلّ فتى فاضل‏

و قال أيضا فيه:

و زقّ وافر الجنبين # مثل الجمل البازل

به رحت إلى صحبي # و ندماني أبي كامل

شربناه و قد بتنا # بأعلى الدّير بالساحل

و لم نقبل من الواشي # قبول الجاهل الخاطل‏

الغناء لأبي كامل خفيف رمل بالوسطى. و ذكر الهشاميّ أنه ليحيى المكي و أنّه نحله أبو كامل. و ذكر أن لعمر الواديّ أو لحكم فيه رملا بالوسطى و هو القائم.

و أخبرني أبو الحسن محمد بن إبراهيم قريش رحمه اللّه أنّ لينشو فيه خفيف رمل.

/و منها في قول الوليد:

صوت‏

سقيت أبا كامل # من الأصفر البابلي

و سقّيتها معبدا # و كلّ فتى فاضل

لي المحض من ودّهم # و يغمرهم نائلي

و ما لا مني فيهم # سوى حاسد جاهل‏

فيه هزج ينسب إلى أبي كامل و إلى حكم. و فيه لينشو ثقيل أوّل. أخبرني بذلك قريش و وجه الرّزّة جميعا.

كان المعتضد يمدح شعر الوليد و يقول: فيه شمائل الملوك:

و أخبرني قريش عن أحمد بن أبي العلاء قال:

كان للمعتضد عليّ صوتان من شعر الوليد، أحدهما:

سقيت أبا كامل # من الأصفر البابلي‏

و الآخر:

إن في الكأس لمسكا # أو بكفّي من سقاني‏

68

و كان يعجب بهما و يقول لجلسائه: أ ما ترون شمائل الملوك في شعره!ما أبينها[1]:

لي المحض من ودّهم # و يغمرهم نائلي‏

و حين يقول:

كلّلاني توّجاني # و بشعري غنّياني‏

و قد نسب إلى الوليد بن يزيد في هذه المائة الصوت المختارة شعر صوتين؛ لأن ذكر سليمى في أحدهما، و لأن الصنعة في الآخر لأبي كامل‏[2]؛ فذكرت من ذلك هاهنا صوتين، أحدهما[3]:

صوت من المائة المختارة

سليمى تلك في العير[4] # قفي نخبرك أو سيري

إذا ما أنت لم ترثي # لصبّ القلب مغمور

فلما أن دنا الصبح # بأصوات العصافير

خرجنا نتبع الشمس # عيونا كالقوارير

و فينا شادن أحو # ر من حور اليعافير[5]

الشعر ليزيد بن ضبّة. و الغناء في اللحن المختار لإسماعيل بن الهربذ، و لحنه رمل مطلق في مجرى الوسطى.

هكذا ذكر إسحاق في كتاب شجا لابن الهربذ؛ و ذكر في موضع آخر أن فيه لحنا لابن زرزور الطائفي رملا آخر بالسبّابة في مجرى البنصر. و ذكر إبراهيم أنّ فيه لحنا لأبي كامل و لم يجنّسه. و ذكر حبش أن فيه لعطرّد هزجا بالوسطى.

[1]الكلام هنا ناقص و لعله: «ما أبينها في قوله أو حين يقول... إلخ» .

[2]أبو كامل كان مغني الوليد.

[3]ذكر المؤلف الصوت الآخر في أخبار إسماعيل بن الهربذ و هو:

امدح الكأس و من أعملها # و اهج قوما قتلونا بالعطش

إنما الكأس ربيع باكر # فإذا ما غاب عنا لم نعش‏

[4]العير: القافلة.

[5]اليعافير: الظباء، واحدها يعفور.

69

4-أخبار يزيد بن ضبّة و نسبه‏

نسبه و ولاؤه و انقطاعه إلى الوليد بن يزيد

:

أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم قال حدّثني أحمد بن الهيثم عن الحسن بن إبراهيم بن سعدان عن عبد العظيم بن عبد اللّه بن يزيد بن ضبّة الثّقفيّ قال:

كان جدّي يزيد بن ضبّة مولّى لثقيف. و اسم أبيه مقسم؛ و ضبّة أمّه غلبت على نسبه؛ لأن أباه مات و خلّفه صغيرا، فكانت أمّه تحضن أولاد المغيرة بن شعبة ثم أولاد ابنه عروة بن المغيرة، فكان جدّي ينسب إليها لشهرتها.

قال: و ولاؤه لبني مالك بن حطيط ثم لبني عامر بن يسار. قال عبد العظيم: و كان جدّي يزيد بن ضبّة منقطعا إلى الوليد بن يزيد في حياة أبيه متصلا به لا يفارقه.

أراد أن يهنئ هشاما بالخلافة فردّه لانقطاعه للوليد و شعره في ذلك‏

فلما أفضت الخلافة إلى هشام أتاه جدّي مهنّئا بالخلافة. فلما استقرّ به المجلس و وصلت إليه الوفود و قامت الخطباء تثني عليه و الشعراء تمدحه، مثل جدّي بين السّماطين فاستأذنه في الإنشاد، فلم يأذن له، و قال: عليك بالوليد فامدحه و أنشده، و أمر بإخراجه. و بلغ الوليد خبره، فبعث إليه بخمسمائة دينار، و قال له: لو أمنت عليك هشاما لما فارقتني، و لكن اخرج إلى الطائف، و عليك بمالي هناك؛ فقد سوّغتك جميع غلّته، و مهما احتجت‏[1]إليّ من شي‏ء بعد ذلك فالتمسه منّي. فخرج إلى الطائف، و قال يذكر ما فعله هشام به:

أرى سلمى تصدّ و ما صددنا # و غير صدودها كنّا أردنا

لقد بخلت بنائلها علينا # و لو جادت بنائلها حمدنا

و قد ضنّت بما وعدت و أمست # تغيّر عهدها عمّا عهدنا

/و لو علمت بما لاقيت سلمى # فتخبرني و تعلم ما وجدنا

تلمّ على تنائي الدار منّا # فيسهرنا الخيال إذا رقدنا

أ لم تر أنّنا لمّا ولينا # أمورا خرّقت فوهت سددنا

رأينا الفتق حين و هي عليهم # و كم من مثله صدع رفأنا

/إذا هاب الكريهة من يليها # و أعظمها الهيوب لها عمدنا

[1]في ب، س، حـ: «إليه» .

70

و جبّار تركناه كليلا # و قائد فتنة طاغ أزلنا

فلا تنسوا مواطننا فإنّا # إذا ما عاد أهل الجرم عدنا

و ما هيضت مكاسر من جبرنا # و لا جبرت مصيبة من هددنا

ألا من مبلغ عنّي هشاما # فما منّا البلاء و لا بعدنا

و ما كنّا إلى الخلفاء نفضي # و لا كنّا نؤخّر إن شهدنا

أ لم يك بالبلاء لنا جزاء # فنجزى بالمحاسن أم حسدنا

و قد كان الملوك يرون حقّا # لوافدنا فنكرم إن وفدنا

ولينا الناس أزمانا طوالا # و سسناهم و دسناهم و قدنا

أ لم تر من ولدنا كيف أشبى‏[1] # و أشبينا و ما بهم قعدنا

نكون لمن ولدناه سماء # إذا شيمت مخائلنا رعدنا

و كان أبوك قد أسدى إلينا # جسيمة أمره و به سعدنا

كذلك أوّل الخلفاء كانوا # بنا جدّوا كما بهم جددنا

هم آباؤنا و هم بنونا # لنا جبلوا كما لهم جبلنا

و نكوي بالعداوة من بغانا # و نسعد بالمودّة من وددنا

/نرى حقّا لسائلنا علينا # فنحبوه و نجزل إن وعدنا

و نضمن جارنا و نراه منّا # فنرفده فنجزل إن رفدنا

و ما نعتدّ دون المجد مالا # إذا يغلى بمكرمة أفدنا

و أتلد مجدنا أنّا كرام # بحدّ المشرفيّة عنه ذدنا

هنأ الوليد بالخلافة فأعطاه لكل بيت ألف درهم‏

:

قال: فلم يزل مقيما بالطائف إلى أن ولي الوليد بن يزيد الخلافة، فوفد إليه. فلما دخل عليه و الناس بين يديه جلوس و وقوف على مراتبهم هنّأه بالخلافة؛ فأدناه الوليد و ضمّه إليه، و قبّل يزيد بن ضبّة رجليه و الأرض بين يديه؛ فقال الوليد لأصحابه: هذا طريد الأحول لصحبته إيّاي و انقطاعه إليّ. فاستأذنه يزيد في الإنشاد و قال له:

يا أمير المؤمنين، هذا اليوم الذي نهاني عمّك هشام عن الإنشاد فيه قد بلغته بعد يأس، و الحمد للّه على ذلك. فأذن له، فأنشده:

سليمى تلك في العير # قفي أسألك أو سيري‏

[1]أشبى الرجل: ولد له ولد ذكي. قال ذو الإصبع العدواني:

و هم إن ولدوا أشبوا # بسرّ الحسب المحض‏

.

71

إذا ما بنت لم تأوي # لصبّ القلب مغمور

و قد بانت و لم تعهد # مهاة في مها حور

و في الآل‏[1]حمول الحـ # يّ تزهى كالقراقير[2]

يواريها و تبدو منـ # ه آل‏[3]كالسّمادير[4]

/و تطفو حين تطفو فيـ # ه كالنّخل المواقير[5]

لقد لاقيت من سلمى # تباريح التّناكير[6]

/دعت عيني لها قلبي # و أسباب المقادير

و ما إن من به شيب # إذا يصبو بمعذور

لسلمى رسم أطلال # عفتها الرّيح بالمور[7]

خريق‏[8]تنخل التّرب # بأذيال الأعاصير

فأوحش إذ نأت سلمى # بتلك الدّور من دور

سأرمي قانصات البيـ # د إن عشت بعسبور[9]

من العيس شجوجاة[10] # طواها النّسع بالكور

إذا ما حقب‏[11]منها # قرنّاه بتصدير

زجرنا العيس فارقدّت‏[12] # بإعصاف و تشمير

[1]الآل هنا: السراب، و قيل: الآل هو الذي يكون ضحى كالماء بين السماء و الأرض يرفع الشخوص و يزهاها. فأما السراب فهو الذي يكون نصف النهار لاطئا بالأرض كأنه ماء جار. فالآل من الضحى إلى زوال الشمس و السراب بعد الزوال إلى العصر.

[2]كذا في أ، ء، م، و كذلك صححها المرحوم الأستاذ الشنقيطي بنسخته. و القراقير: السفن العظيمة أو الطويلة. و في ب، س، حـ:

«كالقوارير» .

[3]الآل هنا: الشخوص التي تظهر في الآل (بالمعنى السابق) .

[4]كذا في أكثر النسخ. و السمادير: الأشياء التي تتراءى للإنسان من ضعف بصره عند السكر من الشراب و غشى النعاس و الدوار. قال الكميت:

و لما رأيت المقربات مذالة # و أنكرت إلا بالسمادير آلها

و في ب، س: «كالشماذير» بالشين و الذال المعجمتين، و هو تصحيف.

[5]المواقير: جمع ميقار. و النخلة الميقار كالموقرة: التي عليها حمل ثقيل.

[6]التباريح: الشدائد. و هو من المجموع التي لا مفرد لها. و التناكير: الأمور المنكرة.

[7]المور: الغبار المتردّد. و هو أيضا تراب تثيره الريح.

[8]الخريق: الريح الشديدة الهبوب.

[9]العسبور: العاقة الشديدة.

[10]الشجوجاة: الطويلة جدّا. و قيل: الطويلة الرجلين. و قيل: الطويلة الظهر. و النسع: سير مفتول يشدّ به الرحل. و الكور: الرحل.

[11]الحقب: حبل يشدّ به الرحل في بطن البعير مما يلي ثيله ( وعاء قضيب البعير) لئلا يؤذيه التصدير أو يجتذبه التصدير فيقدّمه.

و التصدير: الحزام، و هو في صدر البعير، و الحقب عند الثيل.

[12]الارقداد: سرعة السير. و في ب، س: «فارتدت» و هو تصحيف. و الإعصاف: الإسراع في السير. و التشمير: الجدّ في الأمر و الاجتهاد فيه.

72

تقاسيها على أين # بإدلاج‏[1]و تهجير

/إذا ما اعصوصب‏[2]الآل # و مال الظّلّ بالقور

و راحت تتّقي الشمس # مطايا القوم كالعور

إلى أن يفضح‏[3]الصبح # بأصوات العصافير

لتعتام‏[4]الوليد القر # م أهل الجود و الخير

كريم يهب البزل # مع الخور[5]الجراجير

تراعي حين تزجيها # هويّا[6]كالمزامير

كما جاوبت النّيب # رباع‏[7]الخلج الخور

و يعطى الذهب الأحمـ # ر وزنا بالقناطير

بلوناه فأحمدنا # ه في عسر و ميسور

كريم العود و العنصـ # ر غمر غير منزور

له السّبق إلى الغايا # ت في ضمّ المضامير

إمام يوضح الحقّ # له نور على نور

مقال من أخي ودّ # بحفظ الصدق مأثور

بإحكام و إخلاص # و تفهيم و تحبير

قال: فأمر الوليد بأن تعدّ أبيات القصيدة و يعطى لكل بيت ألف درهم؛ فعدّت فكانت خمسين بيتا فأعطي خمسين ألفا. فكان أوّل خليفة عدّ أبيات الشعر/و أعطى على عددها لكل بيت ألف درهم؛ ثم لم يفعل ذلك إلاّ هارون الرشيد، فإنه بلغه خبر جدّي مع الوليد فأعطى مروان بن أبي حفصة و منصورا النّمريّ لمّا مدحاه و هجوا آل أبي طالب لكل بيت ألف درهم.

أمره الوليد بمدح فرسه السندي و كانا قد خرجا إلى الصيد

:

قال عبد العظيم و حدّثني أبي و جماعة من أصحاب الوليد:

أنّ الوليد خرج إلى الصيد و معه جدّي يزيد بن ضبّة، فاصطاد على فرسه السّنديّ صيدا حسنا، و لحق عليه [1]الإدلاج: السير في الليل. و التهجير: السير في الهاجرة.

[2]اعصوصب: اشتد. و الآل: السراب. و القور: جمع قارة و هي الجبيل المنقطع عن الجبال أو الصخرة العظيمة.

[3]أفضح الصبح: بدا. و في حـ: «يفصح» بالصاد المهملة.

[4]اعتام: اختار و اصطفى. يريد: تقصد إليه مختارة له.

[5]الخور: النوق الغزيرة اللبن. و الجراجير: الكرام من الإبل.

[6]الهويّ: الدويّ في الأذن.

[7]الرباع: جمع ربع (بضم ففتح) و هو ما ولد من الإبل في أول النتاج. و الخلوج: الناقة الكثيرة اللبن التي تحنّ إلى ولدها.

73

حمارا فصرعه؛ فقال لجدّي: صف فرسي هذا و صيدنا اليوم؛ فقال في ذلك:

/و أحوى سلس المرسن مثل الصّدع الشّعب‏[1]

سما فوق منيفات # طوال كالقنا سلب‏[2]

طويل الساق عنجوج # أشقّ أصمع الكعب‏[3]

على لأم أصمّ مضمّ # ر الأشعر كالقعب‏[4]

ترى بين حواميه # نسورا كنوى القسب‏[5]

معالى شنج الأنسا # ء سام جرشع الجنب‏[6]

/طوى بين الشّراسيف # إلى المنقب فالقنب‏[7]

يغوص الملحم القائـ # م ذو حدّ و ذو شغب

عتيد الشّدّ و التّقريـ # ب و الإحضار و العقب‏[8]

صليب الأذن و الكاهـ # ل و الموقف و العجب‏[9]

عريض الخدّ و الجبهـ # ة و البركة و الهلب‏[10]

إذا ما حثّه حاثّ # يباري الرّيح في غرب‏[11]

[1]المرسن: الأنف. و الصدع: الفتيّ الشاب القويّ من الأوعال و الظباء. و الشعب (بالتحريك) : تباعد ما بين القرنين فهو وصف بالمصدر. و سكن للضرور.

[2]الرمح السلب (ككتف) : الطويل و الجمع سلب (بضمتين) . قال الشاعر:

و من ربط الجحاش فان فينا # قنا سلبا و أفراسا حسانا

و يجوز فيه التخفيف بتسكين عينه كما هنا.

[3]العنجوج: الرائع من الخيل. و الأشق: الطويل. و الصمع في الكعوب: لطاقتها و استواؤها.

[4]اللام: الشديد من كل شي‏ء، و من الحوافر: أشدّها. يريد: على حافر شديد صلب. و الأشعر: ما استدار بالحافر من منتهى الجلد حيث تنبت الشعيرات حول الحافر. و القعب: القدح الصغير يشبه به الحافر.

[5]الحوامي: ميامن الفرس و مياسره. و النسر: لحمة صلبة في باطن الحافر كأنها حصاة أو نواة. و القسب: تمر يابس يتفتت في الفم صلب النواة.

[6]الأنساء: جمع نسا و هو عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ثم يمرّ بالعرقوب حتى يبلغ الحافر. و فرس شنج النسا: متقبضه، و هو مدح له. و جرشع الجنب: منتفخة.

[7]الشراسيف: أطراف أضلاع الصدر التي تشرف على البطن. و المنقب (كمقعد) : الموضع الذي ينقبه البيطار من بطن الدابة. و القنب:

جراب قضيب الدابة.

[8]يقال: فرس عتيد: شديد الخلق معدّ للجري. و التقريب: ضرب من العدو، و هو أن يرفع يديه معا و يضعهما معا و هو دون الإحضار. و العقب: الجري يجي‏ء بعد الجري الأوّل.

[9]الموقفان من الفرس: نقرتا الخاصرة على رأس الكلية. و العجب: أصل الذنب عند رأس العصعص.

[10]البركة: الصدر. و اللهب: شعر الذنب. و في الأصول: «اللهب» و هو تحريف.

[11]غرب الفرس: حدّته و نشاطه. ـ

74

و إن وجّهه أسر # ع كالخدروف‏[1]في الثّقب

و قفّاهنّ كالأجد # ل لما انضمّ للضّرب

و والى الطعن يختار # جواشن‏[2]بدّن قبّ

ترى كلّ مدلّ‏[3]قا # ثما يلهث كالكلب

كأن الماء في الأعطا # ف منه قطع العطب‏[4]

كأن الدّم في النّحر # قذال علّ بالخضب

يزين الدار موقوفا # و يشفي قرم‏[5]الرّكب‏

/قال: فقال له الوليد: أحسنت يا يزيد الوصف و أجدته، فاجعل لقصيدتك تشبيبا و أعطه الغزيّل و عمر الوادي حتى يغنيا فيه؛ فقال:

صوت‏

إلى هند صبا قلبي # و هند مثلها يصبي

و هند غادة غيدا # ء من جرثومة[6]غلب

و ما إن وجد الناس # من الأدواء كالحبّ

لقد لجّ بها الإعرا # ض و الهجر بلا ذنب

و لمّا أقض من هند # و من جاراتها نحبي‏[7]

أرى و جدي بهند دا # ثما يزداد عن غبّ‏[8]

و قد أطولت‏[9]إعراضا # و ما بغضهم طبّي‏[10]

و لكن رقبة[11]الأعـ # ين قد تحجز ذا اللّبّ‏

[1]الخذروف: شي‏ء يدوّره الصبيّ بخيط في يده فيسمع له دويّ.

[2]الجواشن: الصدور.

[3]المدل: الجري‏ء.

[4]العطب: القطن.

[5]القرم: الشهوة إلى اللحم. و في ب، س: «قدم» بالدال المهملة، و هو تحريف.

[6]الجرثومة: الأصل. و الغلب: جمع أغلب، و هو في الأصل الغليظ الرقبة، و هم يصفون السادة أبدا بغلظ الرقبة و طولها.

[7]النحب: الحاجة.

[8]الغب: قلة الزيارة.

[9]أطول كأطال، أنشد سيبويه:

صددت فأطولت الصدود و قلما # و صال على طول الصدود يدوم‏

[10]الطب هنا: الشأن و العادة.

[11]كذا في‏ء، أ. و في سائر الأصول: «رقية» بالياء المثناة، و هو تصحيف.

75

و رغم‏[1]الكاشح الراغـ # م فيها أيسر الخطب‏

/قال: و دفع هذه الأبيات إلى المغنّين فغنّوه فيها.

كان فصيحا يطلب الحوشيّ من الشعر

:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ عن الأصمعيّ، و حدّثني به محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم قال حدّثنا الأصمعيّ قال:

كان يزيد بن ضبّة مولى ثقيف، و لكنّه كان فصيحا، و قد أدركته بالطائف، و قد كان يطلب القوافي المعتاصة و الحوشيّ من الشعر.

قال أهل الطائف إن له ألف قصيدة انتحلتها شعراء العرب‏

:

قال أبو حاتم في خبره خاصّة و حدّثني غسّان بن عبد اللّه بن عبد الوهاب الثقفيّ عن جماعة من مشايخ الطائفيّين و علمائهم قالوا: قال يزيد بن ضبّة ألف قصيدة، فاقتسمتها شعراء العرب و انتحلتها، فدخلت في أشعارها.

[1]في أ، ء، م: «زعم» بالزاي و العين المهملة.

76

5-أخبار إسماعيل بن الهربذ

ولاؤه، و قد غنى الوليد و عمر إلى آخر أيام الرشيد

:

إسماعيل بن الهربذ مكيّ مولّى لآل الزّبير بن العوّام، و قيل: بل هو مولى بني كنانة. أدرك آخر أيام بني أميّة و غنّى للوليد بن يزيد، و عمّر إلى آخر أيام الرشيد.

قدم على الرشيد و عنده بعض كبار المغنين فأطربه دونهم‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه عن عبد اللّه بن أبي سعد عن محمد بن عبد اللّه بن مالك الخزاعيّ عن أبيه:

أن إسماعيل بن الهربذ قدم على الرشيد من مكة، فدخل إليه و عنده ابن جامع و إبراهيم و ابنه إسحاق و فليح و غيرهم و الرشيد يومئذ خاثر[1]به خمار شديد؛ فغنّى ابن جامع ثم فليح ثم إبراهيم ثم إسحاق، فما حرّكه أحد منهم و لا أطربه؛ فاندفع ابن الهربذ يغنّي، فعجبوا من إقدامه في تلك الحال على الرشيد، فغنّى:

صوت‏

يا راكب العيس التي # وفدت من البلد الحرام

قل للإمام ابن الإما # م أخي الإمام أبي الإمام

زين البريّة إذ بدا # فيهم كمصباح الظلام

جعل الإله الهربذيّ # فداك من بين الأنام‏

-الغناء لابن الهربذ رمل بالوسطى عن عمرو-قال فكاد الرشيد يرقص، و استخفّه الطرب حتى ضرب بيديه و رجليه، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن لهذا الصوت حديثا، فإن أذن مولاي حدّثته به؛ فقال: حدّث. قال: كنت مملوكا لرجل من ولد الزّبير، فدفع إليّ درهمين أبتاع/له بهما لحما، فرحت فلقيت جارية على رأسها جرّة مملوءة من ماء العقيق‏[2]و هي تغنّي هذا اللحن في شعر غير هذا الشعر على وزنه و رويّه؛ فسألتها أن تعلّمنيه؛ فقالت: لا و حقّ القبر[3]إلاّ بدرهمين؛ فدفعت إليها الدرهمين و علّمتنيه؛ فرجعت إلى مولاي [1]خثرت نفسه: غثت و اختلطت.

[2]العقيق: واد بناحية المدينة فيه عيون و نخيل.

[3]تريد قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.

77

بغير لحم فضربني ضربا مبرّحا شغلت معه بنفسي فأنسيت الصوت. ثم دفع إليّ درهمين آخرين بعد أيام أبتاع له بهما لحما؛ فلقيتني الجارية فسألتها أن تعيد الصوت عليّ؛ فقالت: لا و اللّه إلا بدرهمين؛ فدفعتهما إليها و أعادته عليّ مرارا حتى أخذته. فلما رجعت إلى مولاي أيضا و لا لحم معي قال: ما القصّة في هذين الدرهمين؟فصدقته القصّة و أعدت/عليه الصوت، فقبّل بين عينيّ و أعتقني. فرحلت‏[1]إليك بهذا الصوت، و قد جعلت ذلك اللحن في هذا الشعر؛ فقال: دع الأوّل و تناسه، و أقم على الغناء بهذا اللحن في هذا الشعر؛ فأمّا مولاك فسأدفع إليه بدل كلّ درهم ألف دينار؛ ثم أمر له بذلك فحمل إليه.

شعر نسب للوليد و ليس له:

و ممّا نسب إلى الوليد بن يزيد من الشعر و ليس له:

صوت من المائة المختارة

امدح الكأس و من أعملها # و اهج قوما قتلونا بالعطش

إنما الكأس ربيع باكر # فإذا ما غاب عنّا لم نعش‏

الشعر لنابغة بني شيبان. و الغناء لأبي كامل، و لحنه المختار من خفيف الثقيل الثاني بالوسطى، و هو الذي تسمّيه الناس اليوم الماخوريّ. و فيه لأبي كامل أيضا خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. و ذكر الهشاميّ أن فيه لمالك لحنا من الثقيل الأوّل بالوسطى، و لعمر الوادي ثاني ثقيل بالبنصر.

[1]في أ، ء، م: «فرحت» .

78

6-نسب نابغة بني شيبان‏

نسبه، و هو شاعر بدويّ أموي‏

:

النابغة اسمه عبد اللّه بن المخارق بن سليم بن حصرة[1]بن قيس بن سنان بن حمّاد بن حارثة[2]بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. شاعر بدويّ من شعراء الدولة الأمويّة. و كان يفد إلى الشأم إلى خلفاء بني أميّة فيمدحهم و يجزلون عطاءه. و كان فيما أرى‏[3]نصرانيّا لأنّي وجدته في شعره يحلف بالإنجيل و الرّهبان و بالأيمان التي يحلف بها النّصارى. و مدح عبد الملك بن مروان و من بعده من ولده؛ و له في الوليد مدائح كثيرة.

مدح عبد الملك لما هم بخلع أخيه و تولية ابنه للعهد

:

أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن سعد الكرانيّ قال حدّثني العمريّ عن العتبيّ قال:

لما همّ عبد الملك بخلع عبد العزيز أخيه و تولية الوليد ابنه العهد، كان‏[4]نابغة بني شيبان منقطعا إلى عبد الملك مدّاحا له؛ فدخل إليه في يوم حفل و الناس حواليه و ولده قدّامه، فمثل بين يديه و أنشده قوله:

/اشتقت‏[5]

و انهلّ دمع عينك أن # أضحى قفارا من أهله طلح‏[6]

حتى انتهى إلى قوله:

أزحت عنّا آل الزبير و لو # كانوا هم المالكين ما صلحوا

إن تلق بلوى فأنت مصطبر # و إن تلاق النّعمى فلا فرح‏

[1]كذا في «شرح القاموس» (مادة نبغ) في الكلام على نسب النابغة، و «تجريد الأغاني» في ترجمته، و قد ورد فيه مضبوطا بالقلم بضم الحاء. و في جميع الأصول: «حضيرة» بالحاء المهملة و الضاد المعجمة. و في ديوانه المخطوط بخط الأستاذ الشنقيطي: «خصيرة» بالخاء المعجمة و الصاد المهملة.

[2]كذا في «تجريد الأغاني» و «شرح القاموس» و ديوانه. و في الأصول: «جارية» .

[3]هذا ما رآه أبو الفرج. و قد ورد في ديوانه ما يدل على أنه كان مسلما؛ فمن ذلك قوله في قصيدته الرائية (ص 17 طبع دار الكتب المصرية) :

و تعجبني اللذات ثم يعوجني # و يسترني عنها من اللّه ساتر

و يزجرني الإسلام و الشيب و التقي # و في الشيب و الإسلام للمرء زاجر

و يتجلى الروح الإسلامي في كثير من شعره المذكور في ديوانه.

[4]في الأصول: «و كان» .

[5]قد وردت هذه القصيدة باختلاف عما هنا في ديوانه المطبوع بدار الكتب المصرية، فأثبتنا من الديوان ما رأيناه صوابا دون ما في الأصول و أغفلنا ما عدا ذلك.

[6]طلح و ذو طلح: موضع دون الطائف لبني محرز، و قيل: موضع في بلاد بني يربوع.

79

ترمي بعيني أقنى على شرف # لم يؤذه عائر و لا لحح‏[1]

آل أبي العاص آل مأثرة # غرّ عتاق بالخير قد نفحوا

خير قريش و هم أفاضلها # في الجدّ جدّ و إن هم مزحوا

أرحبها أذرعا و أصبرها # أنتم إذا القوم في الوغى كلحوا[2]

/أمّا قريش فأنت وارثها # تكفّ من صعبهم إذا طمحوا

حفظت ما ضيّعوا و زندهم # اوريت إذ أصلدوا[3]و قد قدحوا

آليت جهدا-و صادق قسمي- # بربّ عبد تجنّه الكرح‏[4]

يظلّ يتلو الإنجيل يدرسه # من خشية اللّه قلبه طفح‏[5]

/لابنك أولى بملك والده # و نجم من قد عصاك مطّرح

داود عدل فاحكم بسيرته # ثم ابن حرب فإنّهم نصحوا

و هم خيار فاعمل بسنّتهم # و احي بخير و اكدح كما كدحوا

قال: فتبسّم عبد الملك و لم يتكلم في ذلك بإنذار[6]و لا دفع؛ فعلم الناس أنّ رأيه خلع عبد العزيز. و بلغ ذلك من قول النابغة عبد العزيز، فقال‏[7]: لقد أدخل ابن النّصرانيّة نفسه مدخلا ضيّقا فأوردها موردا خطرا؛ و باللّه عليّ لئن ظفرت به لأخضبنّ قدمه بدمه.

هنأ يزيد بن عبد الملك بالفتح بعد قتل يزيد بن المهلب‏

:

و قال أبو عمرو الشّيبانيّ: لما قتل يزيد بن المهلّب دخل النابغة الشّيبانيّ على يزيد بن عبد الملك بن مروان، فأنشده قوله في تهنئته بالفتح:

ألا طال التنظّر و الثّواء # و جاء الصيف و انكشف الغطاء

و ليس يقيم ذو شجن مقيم # و لا يمضي إذا ابتغى المضاء

[1]كذا ورد هذا البيت في ديوانه. و الأفنى: الصقر، سمي بذلك لقنا أنفه أي ارتفاع أعلاه و احدداب وسطه و سبوغ طرفه. و العائر:

الرمد. و اللحح: لصوق الأجفان بالرمص و هو وسخ أبيض جامد يلصق بالجفون. و في الأصول:

ترمي بعيني أروى على شرف # لم يوده عائر و لا لمحوا

و الأروى: أنثى الوعول. و لم يظهر لنا فيه معنى واضح، فآثرنا رواية الديوان.

[2]كلحوا: كثروا في عبوس.

[3]كذا في ديوانه. و أصلد الزند: قدحه و لم يور. و في الأصول: «إن صلدوا و إن قدحوا» .

[4]كذا ورد هذا الشطر في ديوانه. و الكرح و الأكيراح: بيوت صغار بأرض الكوفة تسكنها الرهبان. و في الأصول: «لرب عبد اللّه ينتصحوا» .

[5]رواية ديوانه: «قفح» بالقاف و الفاء. و فسره الشنقيطي بقوله: «قفح: وجع» .

[6]كذا في أ، م. و في سائر الأصول: «باقدار» ، و هو تحريف.

[7]في الأصول: «و قال» .

80

طوال الدهر إلاّ في كتاب # و مقدار يوافقه القضاء

فما يعطى الحريص غنى لحرص # و قد ينمي لذي الجود الثّراء

و كلّ شديدة نزلت بحيّ # سيتبعها إذا انتهت الرّخاء

يقول فيها:

أؤمّ فتى من الأعياص ملكا # أغرّ كأن غرّته ضياء

لأسمعه غريب الشعر مدحا # و أثني حيث يتّصل الثناء

يزيد الخير فهو يزيد خيرا # و ينمي كلّما أبتغي النّماء

فضضت كتائب «الأزديّ» فضّا # بكبشك حين لفّهما اللقاء

/سمكت‏[1]الملك مقتبلا جديدا # كما سمكت على الأرض السماء

نرجّي أن تدوم لنا إماما # و في ملك الوليد لنا رجاء

«هشام» و «الوليد» [2]و كلّ نفس # تريد لك الفناء لك الفداء

و هي قصيدة طويلة، فأمر له بمائة ناقة من نعم كلب و أن توقّر له برّا و زبيبا، و كساه و أجزل صلته.

وفد على هشام مادحا فطرده لغلوّه في مدح يزيد

:

قال: و وفد إلى هشام لمّا ولي الخلافة؛ فلمّا رآه قال له: يا ماصّ ما أبقت المواسي من بظر أمّه!أ لست القائل:

هشام و الوليد و كلّ نفس # تريد لك الفناء لك الفداء

أخرجوه عنّي!و اللّه لا يرزؤني‏[3]شيئا أبدا و حرمه. و لم يزل طول أيامه طريدا؛ حتى ولي الوليد بن يزيد؛ فوفد إليه و مدحه مدائح كثيرة، فأجزل صلته.

شعره في صفة الخمر و مدحها

:

حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عبيد اللّه بن محمد الكوفيّ عن العمريّ/الخصّاف عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الراوية أنه أنشده لنابغة بني شيبان:

أيها[4]الساقي سقتك مزنة # من ربيع‏[5]ذي أهاضيب و طشّ

امدح الكأس و من أعملها # و اهج قوما قتلونا بالعطش‏

[1]سمك الشي ء: رفعه.

[2]كذا في الأصول و ديوانه. و لم تتبين من المقصود بالوليد!الوليد بن عبد الملك و قد مات قبل يزيد هذا أم الوليد بن يزيد و هو ابن الممدوح و قد أسلف مدحه في البيت السابق!.

[3]لا يرزؤني شيئا: لا يصيب مني شيئا.

[4]قد وردت هذه القصيدة في ديوانه ببعض اختلاف عما هنا.

[5]الربيع: المطر في أوّل فصل الربيع. و الأهاضيب: حلبات القطر بعد القطر. و الطش: المطر الضعيف.

81

إنما الكأس ربيع باكر # فإذا ما غاب عنّا لم نعش

/و كأنّ الشّرب قوم موّتوا # من يقم منهم لأمر يرتعش

خرس الألسن ممّا نالهم # بين مصروع و صاح منتعش

من حميّا[1]قرقف حصّيّة # قهوة حوليّة لم تمتحش

ينفع المزكوم منها ريحها # ثم تنفى داءه إن لم تنشّ‏[2]

كلّ من يشربها يألفها # ينفق الأموال فيها كلّ هشّ‏

استنشده الوليد شعرا فأنشده في الفخر بقومه فعاتبه و وصله‏

:

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الجمحيّ-قال ابن أبي الأزهر:

و هو محمد بن سلاّم-:

غنّى أبو كامل مولى الوليد بن يزيد يوما بحضرة الوليد بن يزيد:

امدح الكأس و من أعملها # و اهج قوما قتلونا بالعطش‏

فسأل عن قائل هذا الشعر فقيل: نابغة بني شيبان؛ فأمر بإحضاره فأحضر؛ فاستنشده القصيدة فأنشده إياها؛ و ظنّ أن فيها مدحا له فإذا هو يفتخر بقومه و يمدحهم؛ فقال له الوليد: لو سعد جدّك لكانت مديحا فينا لا في بني شيبان، و لسنا نخليك على ذلك من حظّ؛ و وصله و انصرف. و أوّل هذه القصيدة قوله:

خلّ‏[3]قلبي من سليمى نبلها # إذ رمتني بسهام لم تطش

طفلة[4]الأعطاف رؤد دمية # و شواها بختريّ لم يحش

/و كأنّ الدّرّ في أخراصها[5] # بيض كحلاء أقرّته بعشّ

و لها عينا مهاة[6]في مها # ترتعي نبت خزامى و نتش

حرّة الوجه رخيم صوتها # رطب تجنيه كفّ المنتقش‏[7]

[1]الحميا: دبيب الشراب. و القرقف: الخمر، سميت بذلك لأنها تصيب شاربها بقرقفة أي رعدة. و الحصية: نسبة إلى الحص و هو الزعفران. قال عمرو بن كلثوم:

مشعشعة كأن الحص فيها # إذا ما الماء خالطها سخينا

و الحولية: التي مضى عليها حول. و لم تمتحش: لم تحرق. يريد: لم تصبها النار.

[2]لم تنش: من النشوة أي لم تسكر.

[3]خل: نفذ و ثقب.

[4]الطفلة: الناعمة. و الرؤد: الشابة الحسنة. و الدمية: التمثال من رخام. و الشوي: الأطراف. و لم يحش: لم يعق بالإحاطة عليه كما يحوش الصائد الصيد بحبالته.

[5]الأخراص: جمع خرص و هو القرط. و الكحلاء: طائر.

[6]المهاة: البقرة الوحشية. و الخزامى: نبات طيب الريح. و النتش (بالتحريك) : أوّل ما يبدو من النبات على وجه الأرض و في ب و س و حـ: «و تقش» بالقاف و في باقي الأصول: «و تعش» بالعين المهملة، و التصويب عن الديوان.

[7]انتقش: تخير.

82

و هي في الليل إذا ما عونقت # منية البعل و همّ المفترش‏

و فيها يقول مفتخرا:

و بنو شيبان حولي عصب # منهم غلب‏[1]و ليست بالقمش

و ردوا المجد و كانوا أهله # فرووا و الجود عاف‏[2]لم ينشّ

و ترى الجرد لدى أبياتهم # أرنات‏[3]بين صلصال و جشّ

ليس في الألوان منها هجنة[4] # وضح البلق و لا عيب البرش

فبها يحوون أموال العدا # و يصيدون عليها كلّ وحش

/دميت أكفالها[5]من طعنهم # بالرّدينيّات‏[6]و الخيل النّجش

ننهل الخطّيّ‏[7]من أعدائنا # ثم نفري الهام إن لم نفترش

فإذا العيس من المحل غدت # و هي في أعينها[8]مثل العمش

/حسّر الأوبار مما لقيت # من سحاب حاد عنها لم يرشّ‏[9]

خسّف‏[10]الأعين ترعى جوفة[11] # همدت أوبارها لم تنتفش

ننعش العافي و من لا ذبنا[12] # بسجال الخير من أيد[13]نعش

ذاك قولي و ثنائي و هم # أهل ودّي خالصا في غير غشّ

فسلوا شيبان إن فارقتهم # يوم يمشون إلى قبري بنعش‏

[1]الغلب: جمع أغلب و هو الغليظ الرقبة. و القمش (بالسكون و نقلت حركة الأخير هاهنا إلى الساكن قبله للوقف) : زعانف الناس و أرذالهم.

[2]العافي: الوافي. و لم ينش: لم ينضب.

[3]كذا في «ديوانه» ، و الأرنات: النشيطات. و في الأصول: «كرباب» . و الصلصال: الحمار المصوّت. و جش: جمع أجش و هو الغليظ الصوت. و رواية هذا البيت و الذي بعده في «ديوانه» :

و ترى الخيل لدى أبياتهم # كل جرداء و ساجيّ همش

ليس في الألوان منها هجنة # بلق الغثر و لا عيب برش

يتجاذبن صهيلا في الدجى # أرنات بين صلصال و جش‏

[4]الهجنة: العيب. و البرش: البرص.

[5]في ب، س: «أكفانهم» . و في سائر الأصول: «أكفالهم» . و التصويب عن «ديوانه» .

[6]الردينيات: الرماح نسبة إلى «ردينة» و هي امرأة كانت تقوّمها. و النجش: المستثارة المسرعة.

[7]الخطيّ: الرمح نسبة إلى الخط و هي مرفأ للسفن بالبحرين. و نفري: نشق. و الهام: جمع هامة و هي الرأس. و نفترش: نصرع.

[8]كذا في «ديوانه» . و في الأصول: «و أعيننا» و هو تحريف.

[9]أرشت السماء: جاءت بالمطر.

[10]خسف الأعين: غائرتها.

[11]كذا في «الديوان» . و الجوفة: النبتة الفارغة الجوف. و في الأصول: «جدبة» .

[12]في ب، س: «و من لازمنا» .

[13]أيد نعش: تنتعش لفعل الكرم و الخير.

83

هل غشينا محرما في قومنا # أو جزينا جازيا فحشا بفحش‏

بعض شعره الذي غنى به‏

:

و مما يغنّي فيه من شعر نابغة بني شيبان:

صوت‏

ذرفت عيني دموعا # من رسوم بحفير[1]

موحشات طامسات # مثل آيات الزّبور

/و زقاق مترعات # من سلافات العصير[2]

مجلخدّات‏[3]ملاء # بطّنوهنّ‏[4]بقير

فإذا صارت إليهم # صيّرت خير مصير[5]

من شباب و كهول # حكموا كأس المدير

كم ترى فيهم نديما # من رئيس و أمير

ذكر يونس أنّ فيه لمالك لحنا و لابن عائشة آخر، و لم يذكر طريقتهما؛ و فيه خفيف رمل معروف لا أدري لحن أيّهما هو.

صوت من المائة المختارة

يا عمر حمّ فراقكم عمرا # و عزمت منّا النأي و الهجرا

إحدى بني أود[6]كلفت بها # حملت بلا ترة لنا وترا

[1]حفير: موضع بين مكة و المدينة، و عن ابن دريد: بين مكة و البصرة. و موضع بنجد، و اسم لكثير من المواضع.

[2]رواية هذا البيت في «ديوانه» :

في زقاق كل حجليـ # ن أضرّا ببعير

و الحجل: السقاء العظيم.

[3]مجلخدات: مستلقيات. و في الأصول: «ملحدات و ملاء» و هو تحريف.

[4]كذا في «الديوان» . و في ب، س، حـ: «طينوهن» بالنون. و في سائر النسخ: «طيبوهن» بالباء الموحدة. و القير: الزفت.

[5]رواية هذا البيت و الذي بعده في «ديوانه» :

فإذا صرت إليهم # صرت في خير مصير

عند شبان و شيب # أعملوا كأس المدير

[6]بنو أود: قبيلة.

84

و ترى لها دلاّ إذا نطقت # تركت بنات فؤاده صعرا[1]

كتساقط الرّطب الجنيّ # من الأفنان لا بثرا[2]و لا نزرا

الشعر لأبي دهبل الجمحيّ. و الغناء لفزار المكّي، و لحنه المختار ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى عن الهشاميّ.

[1]صعرا: مائلة.

[2]كذا في حـ. و البثر: الكثير. و في سائر الأصول: «بترا» بالتاء المثناة من فوق، و هو تصحيف.

85

7-أخبار أبي دهبل و نسبه‏

نسبه‏

:

نسبه-فيما ذكر الزّبير بن بكّار و غيره-وهب بن زمعة بن أسيد بن أحيحة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب. و لخلف بن وهب يقول عبد اللّه بن الزّبعري أو غيره:

خلف بن وهب كلّ آخر ليلة # أبدا يكثّر أهله بعيال

سقيا لوهب كهلها و وليدها # ما دام في أبياتها الذيّال‏[1]

/نعم الشباب شبابهم و كهولهم # صيّابة[2]ليسوا من الجهّال‏

أمه امرأة من هذيل‏

:

و أمّ أبي دهبل امرأة من هذيل. و إياها يعني بقوله:

أنا ابن الفروع الكرام التي # هذيل لأبياتها سائلة[3]

هم ولدوني و أشبهتهم # كما تشبه الليلة القابلة

و اسمها، فيما ذكر ابن الأعرابيّ، هذيلة[4]بنت سلمة.

كان شاعرا جميلا عفيفا

:

قال المدائنيّ: كان أبو دهبل رجلا جميلا شاعرا، و كانت له جمّة يرسلها فتضرب منكبيه، و كان عفيفا، و قال الشعر في آخر خلافة عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه، و مدح‏[5]معاوية، و عبد اللّه بن الزّبير، و قد كان ابن الزبير ولاّه بعض أعمال اليمن.

سأل قوم راهبا عن أشعر الناس فأشار إليه‏

:

حدّثنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثنا العمريّ عن الكلبيّ عن أبي مسكين، [1]كذا ورد هذا البيت في الأصول.

[2]الصيابة: الخيار من كل شي‏ء.

[3]في ب، س، حـ «سابله» بالباء الموحدة.

[4]في «تجريد الأغاني» : «هزيلة» بالزاي، و العرب سموا «هزيلة» بالزاي دون «هذيلة» بالذال.

[5]في «تجريد الأغاني» : «... و مدح معاوية بن أبي سفيان و عبد الملك (صوابه عبد اللّه) بن جعفر بن أبي طالب. و ولاه ابن الزبير إلخ... » . ـ

86

و أخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثني العباس بن هشام عن أبيه عن أبي مسكين:

أنّ قوما مرّوا براهب، فقالوا له: يا راهب، من أشعر الناس؟قال: مكانكم حتى أنظر في كتاب عندي، فنظر في رقّ له عتيق ثم قال: وهب من وهبين، من جمح أو جمحين.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا عليّ بن صالح عن عبد اللّه بن عروة قال:

قال أبو دهبل يفخر بقومه:

قومي بنو جمح قوم إذا انحدرت # شهباء تبصر في حافاتها الزّغفا[1]

أهل الخلافة و الموفون إن وعدوا # و الشاهدو الروع لا عزلا و لا كشفا[2]

قال الزبير و أنشدني عمّي قال أنشدني مصعب لأبي دهبل يفخر بقومه بقوله:

أنا أبو دهبل وهب لوهب # من جمح في العز منها و الحسب

و الأسرة الخضراء و العيص‏[3]الأشب # و من هذيل والدي عالي النّسب

أورثني المجد أب من بعد أب # رمحي ردينيّ و سيفي المستلب

و بيضتي قونسها من الذّهب # درعي دلاص سردها سرد عجب‏[4]

/و القوس فجّاء لها نبل ذرب # محشورة أحكم منهن القطب‏[5]

ليوم هيجاء أعدّت للرّهب‏

كان يهوى امرأة من قومه فكادوا له عندها فهجرته‏

:

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثنا محمد بن زهير قال حدّثنا المدائنيّ:

أنّ أبا دهبل كان يهوى امرأة من قومه يقال لها عمرة، و كانت امرأة جزلة[6]يجتمع إليها الرجال للمحادثة[7] و إنشاد الشعر و الأخبار، و كان أبو دهبل لا يفارق مجلسها مع كل من يجتمع إليها، و كانت هي أيضا محبّة له. و كان أبو دهبل رجلا سيّدا من أشراف بني جمح، و كان يحمل الحملات‏[8]و يعطي الفقراء و يقري الضيف. و زعمت بنو جمح أنه تزوّج عمرة هذه بعد ذلك، و زعم غيرهم أنه لم يصل إليها. و كانت عمرة توصيه بحفظ ما بينهما و كتمانه، فضمن لها ذلك و اتصل ما بينهما. فوقفت عليه زوجته فدسّت إلى عمرة امرأة داهية من عجائز أهلها؛ فجاءتها فحادثتها [1]الشهباء: الكتيبة العظيمة الكثيرة السلاح. و الزعف: الدروع.

[2]الروع: الحرب. و العزل: جمع أعزل و هو من لا سلاح معه. و الأكشف: من لا ترس معه في الحرب، و قيل: من ينهزم فيها.

[3]العيص: الأصل. و الأشب: الملتف.

[4]البيضة: ضرب من الدروع يتقى بها. و قونسها: أعلاها، و قيل: مقدّمها. و درع دلاص: لينة ملساء براقة.

[5]قوس فجاء: ارتفعت سيتها فبان وترها عن معجسها (المعجس: مقبض القوس) . و القطب: النصال.

[6]الجزلة: الأصيلة الرأي.

[7]كذا في «تجريد الأغاني» . و في الأصول: «من الحادثة» ، و هو تحريف.

[8]الحمالة (بفتح الحاء) : الدية و الغرامة التي يحملها قوم عن قوم.

87

طويلا ثم قالت لها في عرض حديثها: إني لأعجب لك كيف لا تتزوّجين/أبا دهبل مع ما بينكما!قالت: و أيّ شي‏ء يكون بيني و بين أبي دهبل!قال: فتضاحكت و قالت: أ تسترين عنّي شيئا قد تحدّثت به أشراف قريش في مجالسها و سوقة أهل الحجاز في أسواقها و السّقاة في مواردها!فما يتدافع اثنان أنه يهواك و تهوينه؛ فوثبت عن مجلسها فاحتجبت و منعت كلّ من كان يجالسها من المصير إليها. و جاء أبو دهبل على عادته فحجبته و أرسلت إليه بما كره.

ففي ذلك يقول:

صوت‏

تطاول هذا الليل ما يتبلّج # و أعيت غواشي عبرتي ما تفرّج

و بتّ كئيبا ما أنام كأنما # خلال ضلوعي جمرة تتوهّج

فطورا أمنّي النفس من عمرة المنى # و طورا إذا ما لجّ بي الحزن أنشج‏[1]

لقد قطع الواشون ما كان بيننا # و نحن إلى أن يوصل الحبل أحوج‏

-الغناء في البيت الأوّل و بعده بيت في آخر القصيدة:

أخطّط في ظهر الحصير كأنّني # أسير يخاف القتل و لهان ملفج‏[2]

لمعبد ثقيل أوّل بالوسطى. و ذكر حمّاد عن أبيه في أخبار مالك أنه لحائد بن جرهد و أنّ مالكا أخذه عنه فنسبه الناس إليه، فكان إذا غنّاه و سئل عنه يقول: هذا و اللّه لحائد بن جرهد لا لي. و فيه لأبي عيسى بن الرشيد ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش. و في «لقد قطع الواشون» و قبله «فطورا أمنّي النفس» لمالك ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. و فيه لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى عن حبش-.

رأوا غرّة فاستقبلوها بألبهم‏[3] # فراحوا على ما لا نحبّ‏[4]و أدلجوا

و كانوا أناسا كنت آمن غيبهم # فلم ينههم حلمي و لم يتحرّجوا

/فليت كوانينا[5]من أهلي و أهلها # بأجمعهم في قعر دجلة لجّجوا[6]

هم منعونا ما نحبّ و أوقدوا # علينا و شبّوا نار صرم تأجّج

و لو تركونا لا هدى اللّه سعيهم # و لم يلحموا قولا من الشرّ ينسج‏

[1]النشيج: صوت معه توجع و بكاء.

[2]كذا صححها المرحوم الأستاذ الشنقيطي في نسخته و هو المتفق مع تفسير المؤلف للكلمة فيما يأتي. و في الأصول: «مفلج» بتقديم الفاء على اللام و هو تحريف.

[3]بألبهم (بالفتح) : بجمعهم. و الألب أيضا (بالفتح و الكسر) : القوم يجتمعون على عداوة إنسان، يقال: هم ألب عليه، و منه:

الناس ألب علينا فيك ليس لنا # إلا السيوف و أطراف القناوزر

[4]كذا في الشعر و الشعراء و نسخة الشنقيطي مصححة بخطه. و في ب، حـ، س: «على ما لا يحب» . و في سائر الأصول: «على ما لم يحب» .

[5]الكوانين: الثقلاء، و قيل: الكانون: الذي يجلس حتى يتحصى الأخبار و الأحاديث لينقلها. و في ب، س: «كوائنا» و هو تحريف.

[6]لججوا: وقعوا في اللجة.

88

لأوشك صرف الدهر يفرق بيننا # و لا يستقيم الدّهر و الدهر أعوج

عسى كربة أمسيت فيها مقيمة # يكون لنا منها نجاة و مخرج

فيكبت أعداء و يجذل آلف # له كبد من لوعة الحبّ تلعج

و قلت لعبّاد و جاء كتابها # لهذا و ربّي كانت العين تخلج

و إنّي لمحزون عشيّة زرتها # و كنت إذا ما جئتها لا أعرّج

أخطّط في ظهر الحصير كأنني # أسير يخاف القتل و لهان ملفج‏

الملفج: الفقير[1]المحتاج.

و أشفق قلبي من فراق خليلة # لها نسب في فرع فهر متوّج

و كفّ كهدّاب الدّمقس لطيفة # بها دوس‏[2]حنّاء حديث مضرّج‏[3]

/يجول وشاحاها و يغتصّ‏[4]حجلها # و يشبع منها وقف‏[5]عاج و دملج

فلما التقينا لجلجت في حديثها # و من آية الصّرم الحديث الملجلج‏

شعره في عمرة

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال أنشدني عمّي و محمد بن الضحّاك عن أبيه محمد بن خشرم و من شئت من قريش لأبي دهبل في عمرة:

يا عمر حمّ فراقكم عمرا # و عزمت منّا النأي و الهجرا

يا عمر شيخك و هو ذو كرم # يحمي الذّمار و يكرم الصّهرا

إن كان هذا السحر منك فلا # ترعي‏[6]عليّ و جدّدي السّحرا

إحدى بني أود كلفت بها # حملت بلا وتر لنا وترا

و ترى لها دلاّ إذا نطقت # تركت بنات فؤاده صعرا

كتساقط الرّطب الجنيّ # من الأفنان لا بثرا و لا نزرا

أقسمت ما أحببت حبّكم # لا ثيّبا خلقت و لا بكرا

[1]من ألفج فهو ملفج (بفتح الفاء و هو نادر كأحصن و أسهب فهو محصن و مسهب بالفتح فيهما) : إذا أفلس. و الملفج أيضا: اللاصق بالأرض من كرب أو حاجة، و الذاهب الفؤاد فرقا. و قد يكون هذا المعنى الأخير أنسب بالسياق.

[2]الدوس: المراد به هنا التزيين و الترتيب.

[3]مضرج: مصبوغ. و في س: «مدرج» بالدال المهملة، و هو تحريف.

[4]كذا في حـ و نسخة الشنقيطي مصححة بقلمه. و يغتص: يمتلئ. و في سائر الأصول: «يفتض» بالفاء و الضاد المعجمة، و هو تصحيف.

[5]الوقف: سوار من عاج. و في ب، س: «وفق» بتقديم الفاء على القاف، و هو تصحيف.

[6]الإرعاء: الإبقاء على أخيك؛ هكذا ذكره «اللسان» و استشهد بهذا البيت.

89

و مقالة فيكم عركت بها # جنبي‏[1]أريد بها لك العذرا

و مريد سرّكم عدلت به # فيما يحاول معدلا وعرا

قالت يقيم بنا لنجزيه # يوما فخيّم عندها شهرا

ما إن أقيم لحاجة عرضت # إلاّ لأبلي فيكم العذرا

قالوا: و فيها يقول:

صوت‏

يلومونني في غير ذنب جنيته # و غيري في الذنب الذي كان ألوم

أمنّا أناسا كنت تأتمنينهم # فزادوا علينا في الحديث و أوهموا[2]

و قالوا لنا ما لم يقل ثم كثّروا # علينا و باحوا بالذي كنت أكتم‏

/-غنّى في هذه الأبيات أبو كامل مولى الوليد رملا بالبنصر-.

و قد منحت عيني القذى لفراقهم # و عاد لها تهتانها فهي تسجم

و صافيت نسوانا فلم أر فيهم # هواي و لا الودّ الذي كنت أعلم

أ ليس عظيما أن نكون ببلدة # كلانا بها ثاو و لا نتكلّم‏

سمع أبو السائب المخزومي شعره فطرب‏

:

أخبرني حبيب بن نصر قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو غسّان قال:

سمع أبو السائب المخزوميّ رجلا ينشد قول أبي دهبل:

أ ليس عجيبا أن نكون ببلدة # كلانا بها ثاو و لا نتكلم‏

فقال‏[له‏][3]أبو السائب: قف يا حبيبي فوقف؛ فصاح بجارية: يا سلامة اخرجي فخرجت؛ فقال له: أعد بأبي أنت البيت فأعاده؛ فقال: بلى و اللّه إنه لعجيب عظيم و إلا فسلامة حرّة لوجه اللّه!اذهب فديتك مصاحبا. ثم دخل و دخلت الجارية تقول له: ما لقيت منك!لا تزال تقطعني عن شغلي فيما لا ينفعك و لا ينفعني!.

قصة لشاب خاطبته عشيقته بشعر أبي دهبل‏

:

و حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: كنّا نختلف إلى أبي العباس المبرّد و نحن أحداث نكتب عن الرّواة ما يروونه من الآداب/و الأخبار، و كان يصحبنا فتى من أحسن الناس وجها و أنظفهم ثوبا و أجملهم زيّا و لا نعرف باطن أمره؛ فانصرفنا يوما من مجلس أبي العباس المبرّد و جلسنا في مجلس نتقابل بما كتبناه و نصحّح المجلس الذي [1]يقال: عركت ذنبه بجنبي إذا احتملته. قال:

إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما # يسوء من الأدنى جفاك الأباعد

[2]أوهموا: نقصوا.

[3]زيادة عن حـ.

90

شهدناه؛ فإذا بجارية قد اطّلعت فطرحت في حجر الفتى رقعة ما رأيت أحسن من شكلها مختومة بعنبر؛ فقرأها منفردا بها ثم أجاب عنها و رمى بها إلى الجارية. فلم نلبث أن خرج خادم من الدار في يده كرش‏[1]، فدخل إلينا فصفع/الفتى به حتى رحمناه و خلّصناه من يده و قمنا أسوأ الناس حالا. فلما تباعدنا سألناه عن الرقعة، فإذا فيها مكتوب:

كفى حزنا أنّا جميعا ببلدة # كلانا بها ثاو و لا نتكلّم‏

فقلنا له: هذا ابتداء ظريف، فبأيّ شي‏ء أجبت أنت؟قال: هذا صوت سمعته يغنّى فيه، فلمّا قرأته في الرقعة أجبت عنه بصوت مثله. فسألناه ما هو؟فقال: كتبت في الجواب:

أراعك بالخابور[2]نوق و أجمال‏

فقلنا له: ما وفّاك القوم حقك قط، و قد كان ينبغي أن يدخلونا معك في القصّة لدخولك في جملتنا، و لكنّا نحن نوفّيك حقّك؛ ثم تناولناه فصفعناه حتى لم يدر أيّ طريق يأخذ؛ و كان آخر عهده بالاجتماع معنا.

رجع الخبر إلى سياقة أخبار أبي دهبل‏

أبو دهبل و عاتكة بنت معاوية
:

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال حدّثنا صالح بن حسّان قال، و أخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني محمد بن عمر قال حدّثني محمد بن السّريّ قال حدّثنا هشام بن الكلبيّ عن أبيه، يزيد أحدهما على الآخر في خبره، و اللفظ لصالح بن حسان و خبره أتمّ، قال:

حجّت عاتكة بنت معاوية بن أبي سفيان، فنزلت من مكة بذي طوي. فبينا هي ذات يوم جالسة و قد اشتد الحرّ و انقطع الطريق، و ذلك في وقت الهاجرة، إذ/أمرت جواريها فرفعن السّتر و هي جالسة في مجلسها عليها شفوف لها تنظر إلى الطريق، إذ مرّ بها أبو دهبل الجمحيّ، و كان من أجمل الناس و أحسنهم منظرا؛ فوقف طويلا ينظر إليها و إلى جمالها و هي غافلة عنه؛ فلمّا فطنت له سترت وجهها و أمرت بطرح السّتر و شتمته. فقال أبو دهبل:

إني دعاني الحين فاقتادني # حتى رأيت الظبي بالباب

يا حسنه إذ سبّني مدبرا # مستترا عنّي بجلباب

سبحان من وقّفها حسرة # صبّت على القلب بأوصاب

يذود عنها إن تطلّبتها # أب لها ليس بوهّاب

أحلّها قصرا منيع الذّرى # يحمى بأبواب و حجّاب‏

قال: و أنشد أبو دهبل هذه الأبيات بعض إخوانه، فشاعت بمكّة و شهرت و غنّى فيها المغنّون، حتى سمعتها [1]الكرش: لعله هنا وعاء الطيب.

[2]الخابور: اسم لنهر كبير بين رأس عين و الفرات من أرض الجزيرة، ولاية واسعة و بلدان جمة غلب عليها اسمه، فنسبت إليه. كذا ذكره ياقوت و استشهد بهذا الشطر و نسب الشعر للأخطل.

91

عاتكة إنشادا و غناء؛ فضحكت و أعجبتها و بعثت إليه بكسوة، و جرت الرسل بينهما. فلما صدرت عن مكة خرج معها إلى الشأم و نزل قريبا منها، فكانت تعاهده بالبرّ/و اللّطف‏[1]حتى وردت دمشق و ورد معها، فانقطعت عن لقائه و بعد من أن يراها، و مرض بدمشق مرضا طويلا. فقال في ذلك:

طال ليلي و بتّ كالمحزون # و مللت الثّواء في جيرون‏[2]

و أطلت المقام بالشأم حتى # ظنّ أهلي مرجّمات الظّنون

فبكت خشية التفرّق جمل # كبكاء القرين إثر القرين

/و هي زهراء مثل لؤلؤة # الغوّاص ميزت من جوهر مكنون

و إذا ما نسبتها لم تجدها # في سناء من المكارم دون

ثم خاصرتها إلى القبّة الخضـ # راء تمشي في مرمر مسنون‏[3]

قبّة من مراجل‏[4]ضربوها # عند برد الشتاء في قيطون

عن يساري إذا دخلت من البا # ب و إن كنت خارجا عن يميني

و لقد قلت إذ تطاول سقمي # و تقلّبت ليلتي في فنون

ليت شعري أ من هوى طار نومي # أم براني الباري قصير الجفون‏

قال: و شاع هذا الشعر حتى بلغ معاوية فأمسك عنه؛ حتى إذا كان في يوم الجمعة دخل عليه الناس و فيهم أبو دهبل؛ فقال معاوية لحاجبه: إذا أراد أبو دهبل الخروج فامنعه و اردده إليّ؛ و جعل الناس يسلّمون و ينصرفون، فقام أبو دهبل لينصرف؛ فناداه معاوية: يا أبا دهبل إليّ؛ فلما دنا إليه أجلسه حتى خلا به، ثم قال له: ما كنت ظننت أنّ في قريش أشعر منك حيث تقول:

و لقد قلت إذ تطاول سقمي # و تقلّبت ليلتي في فنون

ليت شعري أ من هوى طار نومي # أم براني الباري قصير الجفون‏

غير أنّك قلت:

و هي زهراء مثل لؤلؤة الغوّاص ميزت من جوهر مكنون

و إذا ما نسبتها لم تجدها # في سناء من المكارم دون‏

و و اللّه إنّ فتاة أبوها معاوية و جدّها أبو سفيان و جدّتها هند بنت عتبة لكما ذكرت؛ و أيّ شي‏ء زدت في قدرها! و لقد أسأت في قولك:

[1]اللطف: الهدايا.

[2]جاء في «الأغاني» (ج 13 ص 149 طبع بولاق) أن قائل هذا الشعر هو عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في أخت معاوية. و جاء هذا الشعر في «الكامل» للمبرد منسوبا لأبي دهبل. ثم قال بعد ذلك: و أكثر الناس يرويه لعبد الرحمن بن حسان. ثم ساق خبر هذا الشعر في قصة تخالف قصة «الأغاني» ، فانظره (ص 168 طبع أوروبا) . و جيرون: حصن بدمشق، و قيل: هي دمشق نفسها.

[3]المسنون: المصبوب على استواء.

[4]المراجل: ثياب من ثياب اليمن. و القيطون: البيت في جوف البيت.

92

/

ثم خاصرتها إلى القبّة الخضـ # راء تمشي في مرمر مسنون‏

فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما قلت هذا، و إنما قيل على لساني. فقال له: أمّا من جهتي فلا خوف عليك، لأنّي أعلم صيانة ابنتي نفسها، و أعرف أنّ فتيان الشعر لم يتركوا أن يقولوا النسيب في كلّ من جاز أن يقولوه فيه و كلّ من لم يجز، و إنما أكره لك جوار يزيد، و أخاف عليك و ثباته، فإن له سورة الشباب و أنفة الملوك. و إنما أراد معاوية أن يهرب أبو دهبل فتنقضي المقالة عن ابنته؛ فحذر أبو دهبل فخرج إلى مكة هاربا على وجهه، فكان يكاتب عاتكة. فبينا معاوية ذات يوم في مجلسه إذ جاءه خصيّ له فقال: يا أمير المؤمنين، و اللّه لقد سقط إلى عاتكة اليوم كتاب، فلمّا قرأته بكت ثم أخذته فوضعته تحت مصلاّها، و ما زالت خاثرة/النفس منذ اليوم. فقال له: اذهب فالطف لهذا الكتاب حتى تأتيني به. فانطلق الخصيّ، فلم يزل يلطف حتى أصاب منها غرّة فأخذ الكتاب و أقبل به إلى معاوية، فإذا فيه:

أ عاتك هلاّ إذ بخلت فلا ترى # لذي صبوة زلفى لديك و لا حقّا[1]

رددت فؤادا قد تولّى به الهوى # و سكّنت عينا لا تملّ و لا ترقا[2]

و لكن خلعت القلب بالوعد و المنى # و لم أر يوما منك جودا و لا صدقا

أ تنسين أيّامي بربعك مدنفا # صريعا[3]بأرض الشأم ذا سقم ملقى

و ليس صديق يرتضى لوصيّة # و أدعو لدائي بالشّراب فما أسقى

و أكبر همّي أن أرى لك مرسلا # فطول نهاري جالس أرقب الطّرقا

فوا كبدي إذ ليس لي منك مجلس # فأشكو الذي بي من هواك و ما ألقى

رأيتك تزدادين للصّبّ غلظة # و يزداد قلبي كلّ يوم لكم عشقا

/قال: فلما قرأ معاوية هذا الشعر بعث إلى يزيد بن معاوية، فأتاه فدخل عليه فوجد معاوية مطرقا، فقال:

يا أمير المؤمنين، ما هذا الأمر الذي شجاك؟قال: أمر أمرضني و أقلقني منذ اليوم، و ما أدري ما أعمل في شأنه.

قال: و ما هو يا أمير المؤمنين؟قال: هذا الفاسق أبو دهبل كتب بهذه الأبيات إلى أختك عاتكة، فلم تزل باكية منذ اليوم، و قد أفسدها، فما ترى فيه؟فقال: اللّه إن الرأي لهيّن. قال: و ما هو؟قال: عبد من عبيدك يكمن له في أزقّة مكة فيريحنا منه. قال معاوية: أفّ لك!و اللّه إنّ امرأ يريد بك ما يريد و يسمو بك إلى ما يسمو لغير ذي رأي، و أنت قد ضاق ذرعك بكلمة و قصر فيها باعك حتى أردت أن تقتل رجلا من قريش!أ و ما تعلم أنك إذا فعلت ذلك صدّقت قوله و جعلتنا أحدوثة أبدا!قال: يا أمير المؤمنين، إنه قال قصيدة أخرى تناشدها أهل مكة و سارت حتى بلغتني و أوجعتني و حملتني على ما أشرت به فيه. قال: و ما هي؟قال قال‏[4]:

ألا لا تقل مهلا فقد ذهب المهل # و ما كلّ من يلحى محبّا له عقل‏

[1]كذا في «تجريد الأغاني» . و في الأصول: «و لا رقا» .

[2]لا ترقا: لا يجف دمعها.

[3]في أ، ء، م: «مريضا» .

[4]هذه الكلمة ساقطة في ب، س.

93

لقد كان في حولين حالا و لم أزر # هواي و إن خوّفت عن حبها شغل

حمى الملك الجبّار عنّي لقاءها # فمن دونها تخشى المتالف و القتل

فلا خير في حبّ يخاف و باله # و لا في حبيب لا يكون له وصل

فوا كبدي إنّي شهرت بحبّها # و لم يك فيما بيننا ساعة بذل

و يا عجبا إني أكاتم حبّها # و قد شاع حتى قطّعت دونها السّبل‏

قال: فقال معاوية: قد و اللّه رفّهت عنّي، فما كنت آمن أنه قد وصل إليها؛ فأمّا الآن و هو يشكو أنّه لم يكن بينهما وصل و لا بذل فالخطب فيه يسير، قم عنّي؛ /فقام يزيد فانصرف. و حجّ معاوية في تلك السنة؛ فلما انقضت أيام الحجّ كتب أسماء وجوه قريش و أشرافهم و شعرائهم و كتب فيهم اسم أبي دهبل، ثم دعا بهم ففرّق في جميعهم صلات سنيّة و أجازهم جوائز كثيرة. فلما قبض أبو دهبل جائزته و قام لينصرف دعا به معاوية فرجع إليه؛ فقال له:

/يا أبا دهبل، ما لي رأيت أبا خالد يزيد ابن أمير المؤمنين عليك ساخطا في قوارص‏[1]تأتيه عنك و شعر لا تزال قد نطقت به و أنفذته إلى خصمائنا و موالينا، لا تعرض لأبي خالد. فجعل يعتذر إليه و يحلف له أنّه مكذوب عليه. فقال له معاوية: لا بأس عليك، و ما يضرّك ذلك عندنا؛ هل تأهّلت؟قال: لا. قال: فأيّ بنات عمّك أحبّ إليك؟قال:

فلانة؛ قال: قد زوّجتكها و أصدقتها ألفي دينار و أمرت لك بألف دينار. فلما قبضها قال: إن رأي أمير المؤمنين أن يعفو لي عمّا مضى!فإن نطقت ببيت في معنى ما سبق منّي فقد أبحت به دمي و فلانة التي زوّجتنيها طالق البتّة. فسرّ بذلك معاوية و ضمن له رضا يزيد عنه و وعده بإدرار ما وصله به في كل سنة؛ و انصرف إلى دمشق. و لم يحجج معاوية في تلك السنة إلا من أجل أبي دهبل.

قصته مع شامية تزوّجها و شعره فيها

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب قال حدّثني إبراهيم بن عبد اللّه قال:

خرج أبو دهبل يريد الغزو، و كان رجلا صالحا و كان جميلا. فلما كان بجيرون جاءته امرأة فأعطته كتابا فقالت: اقرأ لي هذا الكتاب فقرأه لها، ثم ذهبت فدخلت قصرا ثم خرجت إليه فقالت: لو بلغت‏[2]القصر فقرأت الكتاب على امرأة كان لك/فيه أجر إن شاء اللّه، فإنه من غائب لها يعنيها أمره؛ فبلغ معها القصر؛ فلما دخلا إذا فيه جوار كثيرة، فأغلقن القصر عليه، و إذا فيه امرأة وضيئة، فدعته إلى نفسها فأبى، فأمرت به فحبس في بيت في القصر و أطعم و سقي قليلا قليلا حتى ضعف و كاد يموت، ثم دعته إلى نفسها فقال: لا يكون ذلك أبدا، و لكنّي أتزوّجك؛ قالت: نعم، فتزوّجها؛ فأمرت به فأحسن إليه حتى رجعت إليه نفسه، فأقام معها زمانا طويلا لا تدعه يخرج، حتى يئس منه أهله و ولده، و تزوّج بنوه و بناته و اقتسموا ماله، و أقامت زوجته تبكي عليه حتى عمشت و لم تقاسمهم ماله. ثم إنه قال لامرأته: إنك قد أثمت فيّ و في ولدي و أهلي؛ فأذني لي أطالعهم و أعود إليك؛ فأخذت [1]كذا في س و «تجريد الأغاني» . و القوارص: الكلم التي تؤلم و تنغص. و في سائر الأصول «قواريض» بالضاد المعجمة.

[2]في الأصول: «تبلغت» .

94

عليه أيمانا ألاّ يقيم إلا سنة حتى يعود إليها. فخرج من عندها يجرّ الدنيا[1]حتى قدم على أهله، فرأى حال زوجته و ما صار إليه ولده. و جاء إليه ولده؛ فقال لهم: لا و اللّه ما بيني و بينكم عمل، أنتم قد ورثتموني و أنا حيّ فهو حظّكم؛ و اللّه لا يشرك زوجتي فيما قدمت به أحد؛ ثم قال لها: شأنك به فهو لك كلّه. و قال في الشاميّة:

صاح حيّا الإله حيّا و دورا # عند أصل القناة من جيرون

عن يساري إذا دخلت من البا # ب و إن كنت خارجا عن يميني

فبذاك اغتربت في الشأم حتى # ظنّ أهلي مرجّمات الظنون

و هي زهراء مثل لؤلؤة الغوّاص # ميزت من جوهر مكنون

و إذا ما نسبتها لم تجدها # في سناء من المكارم دون

تجعل المسك و اليلنجوج‏[2] # و النّدّ صلاء لها على الكانون

/ثم ماشيتها إلى القبّة الخضـ # راء تمشي في مرمر مسنون

و قباب قد أسرجت و بيوت # نظّمت بالرّيحان و الزّرجون‏[3]

/قبّة من مراجل ضربوها # عند حدّ الشتاء في قيطون

ثم فارقتها على خير ما كا # ن قرين مفارق لقرين

فبكت خشية التفرّق للبيـ # ن بكاء الحزين إثر الحزين

و اسألي عن تذكّري و اطمئني # لأناسي إذا هم عذلوني‏

فلما حلّ الأجل أراد الخروج إليها، فجاءه موتها فأقام.

وفد على ابن الأزرق فجفاه فذمه ثم مدحه لما أكرمه‏

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب قال:

و قد أبو دهبل الجمحيّ على ابن الأزرق عبد اللّه بن عبد الرحمن بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم، و كان يقال له ابن الأزرق و الهبرزيّ‏[4]، و كان عاملا لعبد اللّه بن الزبير على اليمن؛ فأنكره و رأى منه جفوة، فمضى إلى عمارة بن عمرو بن حزم، و هو عامل لعبد اللّه بن الزبير على حضرموت، فقال يمدحه و يعرّض بابن الأزرق:

يا ربّ حيّ بخير ما # حيّيت إنسانا عماره

أعطي فأسنانا و لم # يك من عطيّته الصّغاره‏[5]

[1]يريد: خرج بخير كثير.

[2]اليلنجوج: عود البخور. و الند كذلك: عود يتبخر به، و قيل: هو العنبر.

[3]الزرجون: قضبان الكرم.

[4]الهبرزي: الأسوار من أساورة الفرس. و هو أيضا الدينار الجديد، و الأسد، و الجميل الوسيم من كل شي‏ء.

[5]الصغارة و الصغر: خلاف العظم. ـ

95

و من العطيّة ما ترى # جذماء ليس لها نزاره‏[1]

/حجرا تقلّبه و هل # تعطي على المدح الحجاره

كالبغل يحمد قائما # و تذمّ مشيته المصارة[2]

ثم رجع من عند عمارة بن عمرو بن حزم فقدم؛ فقال له حنين مولى ابن الأزرق في السرّ: أرى أنّك عجلت على ابن عمك و هو أجود الناس و أكرمهم، فعد إليه فإنه غير تاركك، و اعلم أنّا نخاف أن يكون قد عزل فلازمه و لا يفقدك؛ فإني أخاف أن ينساك؛ ففعل و أعطاه و أرضاه. فقال في ذلك:

يا حنّ إنّي لما حدّثتني أصلا # مرنّح من صميم الوجد معمود

نخاف عزل امرئ كنّا نعيش به # معروفه إن طلبنا الجود موجود

اعلم بأنّي لمن عاديت مضطغن # ضبّا[3]و أنّي عليك اليوم محسود

و أنّ شكرك عندي لا انقضاء له # ما دام بالهضب من لبنان جلمود

أنت الممدّح و المغلي به ثمنا # إذ لا تمدّح صمّ الجندل السّود

إن تغد من منقلي‏[4]نجران مرتحلا # يرحل من اليمن المعروف و الجود

ما زلت في دفعات الخير تفعلها # لمّا اعترى الناس لأواء[5]و مجهود

حتى الذي بين عسفان إلى عدن # لحب لمن يطلب المعروف أخدود[6]

قال: و أنشدنيها محمد بن الضحّاك بن عثمان قال سمعتها من أبي.

حديثه عن نظم بيت من شعره‏

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال أخبرني الزبير بن بكّار، و حدّثني حمزة بن عتبة قال:

قال أبو دهبل الجمحيّ: لما قلت أبياتي التي قلت فيها:

اعلم بأنّي لمن عاديت مضطغن # ضبّا و أنّي عليك اليوم محسود

/قلت فيها نصف بيت‏

و أنّ شكرك عندي لا انقضاء له‏

ثم أرتج عليّ، فأقمت حولين لا أقع على تمامه، حتى سمعت رجلا من الحاجّ في الموسم يذكر لبنان، فقلت: ما لبنان؟فقال: جبل بالشأم؛ فأتممت نصف البيت:

ما دام بالهضب من لبنان جلمود

[1]الجذماء: المقطوعة. و النزارة: القلة أي ليس فيها قليل و لا كثير.

[2]مصر الفرس كعنى: استخرج جريه. و المصارة (بالضم) : الموضع تمصر فيه الخيل. يريد أن ابن الأزرق يحسن في العين و يذم إذا جرب في الكرم، كالبغل يروق شكله و تنكره حلبات الخيل.

[3]الضب: الحقد و الغيظ.

[4]المنقل: الطريق في الجبل.

[5]اللأواء: الشدة و الضيق.

[6]اللحب: الواضح. و الأخدود: الشق في الأرض.

96

فضل إبراهيم بن هشام شعره على شعر نصيب‏

:

قال الزبير و حدّثني محمد بن حبش المخزوميّ قال:

دخل نصيب على إبراهيم بن هشام و هو وال على المدينة فأنشده قصيدة مدحه فيها؛ فقال إبراهيم بن هشام:

ما هذا بشي‏ء، أين هذا من قول أبي دهبل لصاحبنا ابن الأزرق حيث قال:

إن تغد من منقلي نجران مرتحلا # يبن من اليمن المعروف و الجود

فغضب نصيب فحمي فنزع عمامته و طرحها و برك عليها؛ ثم قال: إن تأتونا برجال مثل ابن الأزرق نأتكم بمديح أجود من مديح أبي دهبل.

قال الزبير و حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز الزّهريّ قال حدّثني إسماعيل بن يعقوب بن مجمّع التّيميّ قال:

كان إبراهيم بن هشام جبّارا و كان يقيم بلا إذن إذ كان على المدينة الأشهر. فإذا أذن للناس أذن معهم لشاعر، فينشد قصيدة مديح لهشام بن عبد الملك و قصيدة مديح لإبراهيم بن هشام. فأذن لهم يوما، و كان الشاعر الذي أذن له معهم/نصيبا و عليه جبّة وشي؛ فاستأذنه في الإنشاد فأذن له؛ فأنشده قصيدة لهشام بن عبد الملك ثم قطعها و أنشد قصيدة مديح لإبراهيم بن هشام، و قصيدة هشام أشعر، فأراد الناس ممالحة نصيب فقالوا: ما أحسن هذا يا أبا محجن!أعد هذا البيت. فقال إبراهيم: أكثرتم، إنه لشاعر، و أشعر منه الذي يقول في ابن الأزرق:

إن تمس من منقلي نجران مرتحلا # يبن من اليمن المعروف و الجود

ما زلت في دفعات الخير تفعلها # لما اعترى الناس لأواء و مجهود

و حمي نصيب فقال: إنّا و اللّه ما نصنع المديح إلا على قدر الرجال، كما يكون الرجل يمدح. فعمّ الناس الضّحك و حلم عنه، و قال الحاجب: ارتفعوا، فلما صاروا في السّقيفة ضحكوا و قالوا: أ رأيتم مثل شجاعة هذا الأسود على هذا الجبّار!و حلم من غير حلم.

مدح ابن الأزرق بعد عزله و ذم إبراهيم بن سعد

:

قال الزبير و حدّثني عمّي مصعب قال:

خرج أبو دهبل يريد ابن الأزرق فلقيه معزولا، فشقّ ذلك عليه و استرجع، فقال له ابن الأزرق: هوّن عليك! لم يفتك شي‏ء، فأعطاه مائتي دينار[1]. فقال في ذلك أبو دهبل:

أعطى أميرا و منزوعا و ما نزعت # عنه المكارم تغشاه و ما نزعا

و حدّثني محمد بن الضحّاك مثل ذلك و أنشدني البيت.

و أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أبو توبة صالح بن محمد بن درّاج قال حدّثنا أبو عمرو الشّيبانيّ قال:

[1]كذا في أ، ء، و في باقي الأصول: «مائتي ألف دينار» .

97

/ولّى عبد اللّه بن الزبير ابنا لسعد بن أبي وقّاص يقال له إبراهيم مكان الثّبت بن عبد الرحمن بن الوليد الذي يقال له ابن الأزرق، فخرج حتى نزل بزبيد[1]، فقال لابن الأزرق: هلمّ حسابك؛ فقال: مالك عندي حساب و لا بيني و بينك عمل، و خرج متوجّها/إلى مكة. فاستأذنه أبو دهبل في صحبة الوقّاصيّ فأذن له فرجع معه، حتى إذا دخلوا صنعاء لقيهم بحير[2]بن ريسان في نفر كثير من الفرس و غيرهم، و مضى ابن الأزرق و معه ما احتمله من أموال اليمن؛ فسار يوما ثم نزل فضرب رواقه و دعا الناس فأعطاهم ذلك المال حتى لم يبق منه درهم. فقال أبو دهبل:

أعطى أميرا و منزوعا و ما نزعت # عنه المكارم تغشاه و ما نزعا

و أقام أبو دهبل مع الوقّاصيّ، فلم يصنع به خيرا. فقال أبو دهبل:

ما ذا رزئنا غداة الخلّ‏[3]من رمع‏[4] # عند التفرّق من خيم و من كرم

ظلّ لنا واقفا يعطي فأكثر ما # سمّى و قال لنا في قوله نعم‏

-نعم حرف موقوف فإذا حرّك أجريت حركته إلى الخفض لأنه أولى بالساكن-:

ثم انتحى غير مذموم و أعيننا # لما تولّى بدمع واكف سجم‏[5]

تحمله الناقة الأدماء معتجرا # بالبرد كالبدر جلّى ليلة الظّلم

و كيف أنساك لا أيديك واحدة # عندي و لا بالذي أوليت من قدم

/حتى لقينا بحيرا عند مقدمنا # في موكب كضباع الجزع‏[6]مرتكم

لما رأيت مقامي عند بابهم # وددت أنّي بذاك الباب لم أقم‏

بحير بن ريسان و شعره فيه‏

:

و بحير بن ريسان الذي يقول فيه أبو دهبل:

[1]زبيد (بفتح أوله و كسر ثانيه) : اسم واد به مدينة يقال لها الحصيب، ثم غلب عليها اسم الوادي فلا تعرف إلا به. و هي مدينة مشهورة باليمن. (عن «معجم البلدان» لياقوت) .

[2]كذا في «شرح القاموس» (مادة بحر) و هو بحير بن ريسان الحميري كان عاملا ليزيد بن معاوية على اليمن (انظر «الطبري» ق 2 ص 277، 601، 2147) . و ياقوت في الكلام على الجند، و في ب، س، حـ: «بجير بن ريسان» بالجيم. و في أ و ء م: «بحير بن يسار» بالحاء. و كلاهما تحريف.

[3]الخل: موضع باليمن في وادي رمع.

[4]كذا في نسخة الأستاذ الشنقيطي مصححة بخطه و «اللسان» (مادة رمع) و «معجم البلدان» ، و قد ذكر البيت في كليهما. و رمع:

موضع باليمن، و قيل: هو جبل باليمن. و في الأصول: «زمع» بالزاي، و هو تصحيف. و الخيم: الأصل.

[5]السجم: السائل.

[6]الجزع: منعطف الوادي، و قيل: هو رمل لا نبات فيه. و ارتكم الشي ء: اجتمع.

98
صوت‏

بحير بن ريسان الذي سكن الجند[1] # يقول له الناس الجواد و من ولد

له نفحات حين يذكر فضله # كسيل ربيع في ضحاضحة السّند[2]

في هذين البيتين هزج بالبنصر ذكر عمرو بن بانة أنه ليمان، و ذكر الهشاميّ أنّه لابن جامع.

مدائحه في ابن الأزرق‏

:

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أبو توبة عن أبي عمرو الشّيبانيّ قال:

كان ابن الزبير بعث عبد اللّه بن عبد الرحمن على بعض أعمال اليمن، فمدّ يده إلى أموالها و أعطى أعطية سنيّة و بثّ في قريش منها أشياء جزيلة فأثنت عليه قريش و وفدوا إليه فأسنى لهم العطايا. و بلغ ذلك عبد اللّه بن الزبير فحسده و عزله بإبراهيم بن سعد بن أبي وقّاص. فلما قدم عليه أراد أن يحاسبه، فقال له: مالك عندي حساب و لا بيني و بينك عمل، و قدم مكة؛ فخافت قريش ابن الزّبير عليه أن يفتّشه أو يكشفه فلبست السلاح و خرجت إليه لتمنعه؛ فلما لقيهم نزلت إليه قريش فسلّمت عليه و بسطت له أرديتها و تلقّته إماؤهم و ولائدهم بمجامر الألوّة[3] و العود المندليّ يبخّرون بين يديه حتى انتهى إلى المسجد و طاف بالبيت، ثم جاء إلى ابن الزبير فسلّم عليه/و هم معه مطيفون به. فعلم ابن الزبير أنّه لا سبيل له إليه فما عرّض و لا صرّح له بشي‏ء. و مضى إلى منزله. فقال أبو دهبل:

فمن يك شان العزل أو هدّ ركنه # لأعدائه يوما فما شانك العزل

و ما أصبحت من نعمة مستفادة # و لا رحم إلا عليها لك الفضل‏

/و قال أبو دهبل أيضا فيه-أخبرني بذلك ابن المرزبان عن أبي توبة عن أبي عمرو الشّيبانيّ؛ و أخبرني به الحرميّ عن الزبير عن عمّه-:

عقم النساء فلم يلدن شبيهه # إن النساء بمثله عقم

متهلّل بنعم بلا متباعد # سيّان منه الوفر و العدم

نزر الكلام من الحياء تخاله # ضمنا[4]و ليس بجسمه سقم‏

وفد على سليمان بن عبد الملك فلم يحسن وفادته ثم رضي عنه‏

:

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثنا أبو توبة عن أبي عمرو قال:

قال أبو دهبل يمدح ابن الأزرق:

بأبي و أمّي غير قول الباطل # الكامل ابن الكامل ابن الكامل‏

[1]الجند: موضع باليمن، و هو أجود كورها.

[2]الضحضاح: الماء القليل يكون في الغدير و غيره. و السند: ما قابلك من الجبل و علا عن السفح.

[3]الألوّة: العود يتبخر به.

[4]الضمن: المريض.

99

و الحازم الأمر الكريم برأيه # و الواصل الأرحام و ابن الواصل

جمع الرئاسة و السماح كليهما # جمع الجفير[1]قداح نبل النابل‏

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثني محمد بن عمر قال حدّثني سليمان بن عبّاد قال حدّثني أبو جعفر الشّويفعي (رجل من أهل مكة) قال:

قدم سليمان بن عبد الملك مكة في حرّ شديد، فكان ينقّل سريره بفناء الكعبة و أعطى الناس العطاء. فلما بلغ بني جمح نودي بأبي دهبل، فقال سليمان: أين/أبو دهبل الشاعر؟عليّ به؛ فأتي به؛ فقال سليمان: أنت أبو دهبل الشاعر؟قال: نعم؛ قال: فأنت القائل:

فتنة يشعلها ورّادها # حطب النار فدعها تشتعل

فإذا ما كان أمن فأتهم # و إذا ما كان خوف فاعتزل‏

قال: نعم. قال: و أنت القائل:

يدعون مروان كيما يستجيب لهم # و عند مروان خار[2]القوم أو رقدوا

قد كان في قوم موسى قبلهم جسد[3] # عجل إذا خار فيهم خورة سجدوا

قال: نعم. قال: أنت القائل هذا ثم تطلب ما عندنا، لا و اللّه و لا كرامة!فقال: يا أمير المؤمنين، إن قوما فتنوا فكافحوكم بأسيافهم و أجلبوا عليكم بخيلهم و رجلهم ثم أدالكم اللّه منهم فعفوهم عنهم، و إنما فتنت فقلت بلساني، فلم لا يعفى عنّي!فقال سليمان: قد عفونا عنك و أقطعه قطيعة بحاذان‏[4]باليمن. فقيل لسليمان: كيف أقطعته هذه القطيعة!قال: أردت أن أميته و أميت ذكره بها.

أبو دهبل و عمرة محبوبته‏

:

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا المدائنيّ عن جماعة من الرّواة:

أن أبا دهبل كان يهوى امرأة من قومه يقال لها عمرة و كانت امرأة جزلة يجتمع الرجال عندها لإنشاد الشعر و المحادثة، و كان أبو دهبل لا يفارق مجلسها مع كل من يجتمع إليها، و كانت هي أيضا محبّة له. و كان أبو دهبل من أشراف بني جمح، /و كان يحمل الحمالة و كان مسوّدا؛ و زعمت بنو جمح أنه تزوّجها بعد، و زعم غيرهم من الرّواة أنه لم يصل إليها و لم يجر بينهما حلال و لا حرام. قال: و كانت عمرة تتقدّم/إلى‏[5]أبي دهبل في حفظ ما بينهما و كتمانه، فضمن ذلك لها. فجاء نسوة كنّ يتحدّثن إليها فذكرن لها شيئا من أبي دهبل و قلن: قد علق امرأة؛ قالت: و ما ذاك؟قلن: ذكر أنه عاشق لك و أنّك عاشقة له. فرفعت مجلسها و مجالسة الرجال ظاهرة و ضربت حجابا [1]الجفير: جعبة السهام.

[2]كذا في جـ. و في سائر الأصول: «حار» بالحاء المهملة.

[3]الجسد: الذي لا يعقل. و لا يميز قال اللّه تعالى: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوََارٌ .

[4]كذا في جميع الأصول و لم نعثر عليها في «كتب البلدان» فلعلها محرّفة عن «جازان» بالجيم و الزاي و هي موضع في طريق حاج صنعاء.

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «على» و هو تحريف.

100

بينهم و بينها، و كتبت إلى أبي دهبل تعذله و تخبره بما بلغها من سوء صنيعه. فعند ذلك يقول:

تطاول هذا الليل ما يتبلّج # و أعيت غواشي عبرتي ما تفرّج

و بتّ كئيبا ما أنام كأنما # خلال ضلوعي جمرة تتوهّج

فطورا أمنّي النفس من عمرة المنى # و طورا إذا ما لجّ بي الحزن أنشج

لقد قطع الواشون ما كان بيننا # و نحن إلى أن يوصل الحبل أحوج

رأوا غرّة فاستقبلوها بألبهم # فراحوا على ما لا نحبّ و أدلجوا

و كانوا أناسا كنت آمن غيهم # فلم ينههم حلم و لم يتحرّجوا

هم منعونا ما نحبّ و أوقدوا # علينا و شبّوا نار صرم تأجّج

و لو تركونا لا هدى اللّه سعيهم # و لم يلحموا قولا من الشر ينسج

لأوشك صرف الدهر يفرق بيننا # و هل يستقيم الدّهر و الدهر أعوج

عسى كربة أمسيت فيها مقيمة # يكون لنا منها نجاة و مخرج

فيكبت أعداء و يجذل آلف # له كبد من لوعة الحب تنضج

و قلت لعبّاد و جاء كتابها # لهذا و ربّي كانت العين تخلج

و خطّطت في ظهر الحصير كأنّني # أسير يخاف القتل ولهان ملفج

/فلما التقينا لجلجت في حديثها # و من آية الصّرم الحديث الملجلج

و إنّي لمحجوب عشيّة زرتها # و كنت إذا ما جئتها لا أعرّج

و أعيا عليّ القول و القول واسع # و في القول مستنّ‏[1]كثير و مخرج‏

أبو السائب المخزوميّ و أبو جندب الهذلي تغنيهما جارية بشعر أبي دهبل‏

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزبير بن بكّار قال حدّثني خالد بن بكر الصوّاف قال:

أتيت ابن أبي العراقيب فسألته أن يدخلني على جارية مغنّية لم ير أحد مثلها قط؛ فقال لي: إنّ في البيت و اللّه شيخين كريمين عليّ، لا أدري ما يوافقهما من دخول أحد عليهما، فلو أقمت حتى أطّلع رأيهما في ذلك، فدخل ثم خرج إليّ فقال: ادخل فدخلت، فإذا أبو السائب المخزوميّ و أبو جندب الهذليّ؛ و خرجت علينا الجارية قاطبة عابسة؛ فلما وضع العود في حجرها اندفعت تغنّي و تقول:

عسى كربة أمسيت فيها مقيمة # يكون لنا منها نجاة و مخرج

و إنّي لمحجوب غداة أزورها # و كنت إذا ما زرتها لا أعرّج‏

[1]المستن: الطريق المسلوك.

101

قال: ثم بكت؛ فوثبا عليه جميعا فقالا له: لعلك أربتها[1]بشي‏ء، عليك و علينا إن لم تقم إليها حتى تقبّل رأسها و تترضّاها، ففعل.

نسبة ما في هذه القصيدة من الغناء

صوت‏

تطاول هذا الليل ما يتبلّج # و أعيت غواشي عبرتي ما تفرّج

أخطّط في ظهر الحصير كأنّني # أسير يخاف القتل ولهان ملفج‏

/الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. و فيه لحن لمالك ذكره حماد عن أبيه في أخبار مالك و لم يجنّسه. و حكي أن مالكا كان إذا سئل عنه يذكر أنه أخذه من حائد بن جرهد فقوّمه و أصلحه. و فيه لأبي عيسى بن الرشيد ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش و الهشاميّ.

صوت‏

لقد قطع الواشون ما كان بيننا # و نحن إلى أن يوصل الحبل أحوج

فطورا أمنّي النفس من عمرة المنى # و طورا إذا ما لجّ بي الهمّ أنشج‏

الغناء لمالك ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و ذكر حبش أن فيه لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى.

شعره في رثاء الحسين بن علي‏

:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب قال:

قال أبو دهبل في قتل الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليه و زكواته:

تبيت سكارى من أميّة نوّما # و بالطّفّ قتلي ما ينام حميمها

و ما أفسد الإسلام إلا عصابة # تأمّر نوكاها و دام نعيمها

فصارت قناة الدّين في كفّ ظالم # إذا اعوجّ منها جانب لا يقيمها

قصيدته الدالية

:

قال الزبير و حدّثني يحيى بن مقداد بن عمران بن يعقوب الزّمعي قال حدّثني عمّي موسى بن يعقوب قال أنشدني أبو دهبل قصيدته التي يقول فيها:

سقى اللّه جازانا فمن حلّ وليه # فكلّ فسيل من سهام و سردد[2]

[1]أريتها: أقلقتها و أزعجتها.

[2]كذا في «شرح القاموس» مادة سرد. و جازان: موضع في طريق حاج صنعاء. و الولي: القرب، يقال: داره ولي داري أي قربها.

و سهام: اسم موضع باليمامة كانت به وقعة أيام أبي بكر بين ثمامة بن أثال و مسيلمة الكذاب. و سردد: واد مشهور متسع بتهامة

102

/

و محصوله الدار التي خيّمت بها # سقاها فأروى كلّ ربع و فدفد[1]

فأنت التي كلّفتني البرك‏[2]شاتيا # و أوردتنيه فانظري أيّ‏[3]مورد

صوت‏

فوا ندمي أن‏[4]لم أعج إذ تقول لي # تقدّم فشيّعنا إلى ضحوة الغد

تكن سكنا أو تقدر العين أنها # ستبكي مرارا فاسل من بعد و احمد[5]

فأصبحت ممّا كان بيني و بينها # سوى ذكرها كالقابض الماء باليد

-الغناء لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. و فيه لبذل الكبير رمل عن الهشاميّ:

لعلّك أن تلقى محبّا فتشتفي # برؤية ريم بضّة المتجرّد

بلاد العدا لم تأتها غير أنها # بها همّ نفسي من تهام و منجد[6]

و ما جعلت ما بين مكة ناقتي # إلى البرك إلاّ نومة المتهجّد

و كانت قبيل الصبح تنبذ رحلها # بدومة[7]من لغط القطا المتبدّد

/قال فقلت: يا عمّي‏[8]فما يمنعك أن تكتري دابّة بدرهمين فتشيّعها و تصبح معك؛ فضحك/و قال: نفع اللّه بك يا بن أخي، أ ما علمت أن النّدم توبة، و عمّك كان أشغل مما تحسب.

أنشد أبو السائب شعرا له فتهكم به‏

:

قال الزبير و حدّثني عمّي مصعب بن عبد اللّه قال:

أنشد رجل أبا السائب المخزوميّ قصيدة أبي دهبل:

سقى اللّه جازانا فمن حلّ وليه # فكلّ فسيل من سهام و سردد

فلما بلغ قوله:

() اليمن مشتمل على قرى و مدن و ضياع. و قد جاء هذا البيت محرّفا في الأصول هكذا:

سقى اللّه جارا بائنا حل وليه # بكل سبيل من سنام و سردد

[1]الفدفد: الفلاة، و قيل: الأرض الغليظة ذات الحصى، أو المكان المرتفع.

[2]البرك: ناحية باليمن و هو نصف الطريق بين حلى و مكة. و قد أورد صاحب «اللسان» هذا البيت مستشهدا به على البرك الذي هو مستنقع الماء و قد آثرنا ما فسرناه به لورود اسم هذا الموضع أكثر من مرة فيما سيأتي، و قد ذكر جليا في قوله:

و ما جعلت ما بين مكة ناقتي # إلى البرك إلا نومة المتهجد

[3]كذا في «اللسان» . و في الأصول: «أين» .

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «إذ» .

[5]كذا في حـ. و في ب، س: «و اجهد» و في سائر النسخ: «و اجمد» بالجيم و الميم.

[6]التهام: المنسوب إلى تهامة، قال الجوهري: النسبة إلى تهامة تهاميّ و تهام، إذا فتحت التاء لم تشدّد كما قالوا: يمان و شآم إلا أن الألف في تهام من لفظها و الألف في يمان و شآم عوض عن ياء النسب. و المنجد: المنسوب إلى نجد.

[7]كذا في «معجم ما استعجم» و دومة (بضم الدال) هي دومة الجندل و هي ما بين برك الغماد و مكة، و قد نسب صاحبه هذين البيتين الأخيرين للأحوص. و قد ورد في الأصول محرفا.

[8]في الأصول: «يا عمرو» . و هو ينافي سياق الكلام.

103

فوا ندمي أن‏[1]لم أعج إذ تقول لي # تقدّم فشيّعنا إلى ضحوة الغد

قال أبو السائب: ما صنع شيئا!أ لا اكتري حمارا بدرهمين فشيّعهم و لم يقل «فوا ندمي» أو اعتذر!و إني أظنّ أنه قد كان له عذر. قال: و ما هو؟قال: أظنه كان مثلي لا يجد شيئا.

قصيدته الميمية

:

فقال الزبير و حدّثني ابن مقداد قال حدّثني عمّي موسى بن يعقوب قال أنشدني أبو دهبل قوله:

صوت‏

ألا علق القلب المتيّم كلثما # لجاجا و لم يلزم من الحبّ ملزما

خرجت بها من بطن مكة بعد ما # أصات المنادي بالصلاة فأعتما[2]

فما نام من راع و لا ارتدّ سامر # من الحيّ حتى جاوزت بي يلملما[3]

/و مرّت ببطن اللّيث‏[4]تهوي كأنما # تبادر بالإدلاج نهبا مقسّما

-غنّى في هذه الأبيات ابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن الهشاميّ. قال: و فيه هزج يمان بالوسطى، و ذكر عمرو بن بانة أن خفيف الثقيل هو اليمانيّ. و فيه لفيل مولى العبلات رمل صحيح عن حمّاد عن أبيه عن الهشاميّ.

و قال الهشامي: فيه لحكم ثقيل أوّل. و ذكر أبو أيّوب المدينيّ في أغاني ابن جامع أنّ فيه لحنا و لم يجنّسه-:

و جازت‏[5]على البزوء و الليل كاسر # جناحين بالبزواء وردا و أدهما

فما ذرّ قرن الشمس حتى تبيّنت # بعليب‏[6]نخلا مشرفا أو مخيّما

و مرّت على أشطان رونق‏[7]بالضّحى # فما خزّرت‏[8]للماء عينا و لا فما

و ما شربت حتى ثنيت زمامها # و خفت عليها أن تخرّ و تكلما

فقلت لها قد بنت غير ذميمة # و أصبح وادي البرك غيثا مديّما[9]

[1]انظر الحاشية الرابعة ص 139 من هذا الجزء.

[2]أعتم: دخل في العتمة.

[3]يلملم: موضع على ليلتين من مكة و هو ميقات أهل اليمن.

[4]كذا في نسخة الأستاذ الشنقيطي مصححة بقلمه و ياقوت في الكلام على «برك و الليث» . و الليث (بالكسر) : موضع بالحجاز بين السرّين (بكسر السين و الراء المشدّدة مكسورة) و مكة. و في الأصول: «بطن البيت» و هو تحريف.

[5]كذا في ياقوت و هو معطوف على ما قبله. و في الأصول: «أجازت» و البزواء: موضع في طريق مكة قرب الجحفة.

[6]عليب: واد بتهامة كذا ذكره ياقوت، و قال: قول أبي دهبل يدل على أنه واد فيه نخل و النخل لا ينبت في رءوس الجبال ثم ساق الأبيات.

[7]في حـ: «أشطان زرقة» و في ياقوت: «أشطان روقة» . و لم نقف عليها.

[8]الخزر بالتحريك: ضيق العين و صغرها أو هو النظر الذي كأنه في أحد الشقين. يقال: خزرت عينه (من باب فرح) و خزرها هو. و في حـ: «جرزت» و في باقي الأصول: «جزرت» . و ظاهر أن كليهما تصحيف.

[9]كذا في ياقوت: و في الأصول: «عينا مرنما» . ـ

104

قال: فقلت له: ما كنت إلاّ على الريح؛ فقال: يا بن أخي، إن عمّك كان إذا همّ فعل، و هي الحاجة[1]. أ ما سمعت قول أخي‏[2]بني مرّة:

/

إذا أقبلت قلت مشحونة # أطاعت‏[3]لها الرّيح قلعا جفولا

و إن أدبرت قلت مذعورة # من الرّبد[4]تتبع هيقا ذمولا[5]

و إن أعرضت خال فيها البصيـ # ر مالا تكلّفه أن يميلا

يدا سرح مائل ضبعها # تسوم و تقدم رجلا زحولا[6]

فمرّت على خشب غدوة # و مرّت فويق أريك‏[7]أصيلا

تخبّط بالليل حزّانه‏[8] # كخبط القويّ العزيز الذليلا

استحسن ريان السوّاق شعره و قال ليس بعده شي‏ء

:

و أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثني جعفر بن الحسن اللّهبيّ قال: أنشدت/ريّان‏[9]السوّاق قول أبي دهبل:

أ ليس عجيبا أن نكون ببلدة # كلانا بها ثاو و لا نتكلّم

و لا تصرميني أن تريني أحبّكم # أبوء بذنب إنّني أنا أظلم‏

فقال: أحسن، أحسن اللّه إليه؛ ما بعد هذا شي‏ء.

و في هذه القصيدة يقول:

صوت‏

أ منّا أناسا كنت قد تأمنينهم # فزادوا علينا في الحديث و أوهموا[10]

/و قالوا لنا ما لم يقل ثم كثّروا # علينا و باحوا بالذي كنت أكتم‏

[1]في الأصول: «الحجاجة» ، و قد صحح الأستاذ الشنقيطي هذه الكلمة هكذا: «العجاجة» و لم نتبين المقصود منها فآثرنا ما وضعناه لتلاؤمه و السياق.

[2]هو بشامة بن الغدير و قد عدّه ابن سلام في كتابه «طبقات الشعراء» في الطبقة الثامنة من الشعراء الإسلاميين و ذكر له شعرا (انظر «نهاية الأرب» ص 115 «السفر العاشر» طبع دار الكتب المصرية) .

[3]كذا في ياقوت في الكلام على أريك و «نهاية الأرب» . و في الأصول: «أقلت» .

[4]كذا في «نهاية الأرب» . و الربد: النعام، من الربدة و هي لون بين السواد و الغبرة. و في حـ: «الربع» . و في سائر الأصول: «الريح» ، و هو خطأ.

[5]الهيق: الظليم. و الذمول: السريع.

[6]السرح من الإبل: السريعة المشي. و الضبع: وسط العضد بلحمه و قيل: العضد كلها و قيل: الإبط. و تسوم: تمرّ مسرعة.

[7]أريك: واد في بلاد بني مرّة.

[8]حزان (بضم الحاء و كسرها) : جمع خريز، و هو ما غلظ و صلب من الأرض مع إشراف قليل.

[9]كذا في جميع الأصول و قد ورد في «ج 4 ص 415» من «الأغاني» طبع دار الكتب المصرية اختلاف فيه فانظره.

[10]أوهموا: أسقطوا و حذفوا.