الأغاني - ج7

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
225 /
105

لقد كحلت عيني القذى لفراقكم # و عاودها تهتانها فهي تسجم

و أنكرت طيب العيش مني و كدّرت # عليّ حياتي و الهوى متقسّم‏

الغناء لابن سريج رمل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. و فيه لابن زرزور الطائفيّ خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. و فيه خفيفا رمل أحدهما بالوسطى لمتيّم و الآخر بالبنصر لعريب.

حديث القاسم ابن المعتمر مع أبي السائب عن شعره‏

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزبير قال حدّثني عمّي قال حدّثني القاسم بن المعتمر الزّهريّ قال:

قلت لأبي السائب المخزوميّ: يا أبا السائب، أما أحسن أبو دهبل حيث يقول:

صوت‏

أ أترك ليلى ليس بيني و بينها # سوى ليلة إنّي إذا لصبور

هبوني امرأ منكم أضلّ بعيره # له ذمّة إن الذّمام كبير

و للصّاحب المتروك أفضل ذمّة # على صاحب من أن يضلّ بعير

قال: فقال لي: و بأبي أنت!كنت و اللّه لا أحبّك و تثقل عليّ، فأنا الآن أحبّك و تخفّ عليّ.

و في هذه الأبيات غناء لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. و فيه لعلّويه رمل بالوسطى من جامع أغانيه. و فيه للمازنيّ خفيف ثقيل آخر من رواية الهشاميّ و ذكاء و غيرهما. و أوّل هذا الصوت بيت لم يذكر في الخبر، و هو:

عفا اللّه عن ليلى الغداة فإنها # إذا وليت حكما عليّ تجور

توعد عبد اللّه بن صفوان عمه أبا ريحانة فقال هو شعرا

:

أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزبير قال حدّثني عمّي مصعب و محمد بن الضحّاك عن أبيه:

أن أبا ريحانة عمّ أبي دهبل كان شديد الخلاف على عبد اللّه بن الزبير، فتوعّده عبد اللّه‏[1]بن صفوان، فلحق بعبد الملك بن مروان، فاستمدّه الحجّاج فأمدّه عبد الملك بطارق مولى عثمان في أربعة آلاف؛ فأشرف أبو ريحانة على أبي قبيس فصاح أبو ريحانة: أ ليس قد أخزاكم اللّه يأهل مكة!فقال له ابن أبي عتيق: بلى و اللّه قد أخزانا اللّه.

فقال له ابن الزبير: مهلا يا بن أخي!فقال: قلنا لك ائذن لنا فيهم و هم قليل فأبيت حتى صاروا إلى ما ترى من الكثرة. قال: و قال أبو دهبل في وعيد عبد اللّه بن صفوان عمّه أبا ريحانة-و اسمه عليّ بن أسيد بن أحيحة-:

و لا توعد لتقتله عليّا # فإن وعيده كلأ وبيل

و نحن ببطن مكّة إذ تداعى # لرهطك من بني عمرو رعيل‏[2]

[1]كان من رجالات عبد اللّه بن الزبير و حضر معه مشاهده. قتله الحجاج و أرسل برأسه مع رأس ابن الزبير إلى عبد الملك بن مروان.

(انظر الطبري ق 2 ص 224، 225، 530، 849، 852) .

[2]الرعيل: كل قطعة متقدّمة من خيل و رجال.

106

/

أولو الجمع المقدّم حين ثابوا # إليك و من يودّعهم قليل

فلما أن تفانينا و أودى‏[1] # بثروتنا الترحّل و الرحيل

جعلت لحومنا غرضا كأنا # لتهلكنا عروبة أو سلول‏

رثى ابن الأزرق و أوصى أن يدفن بجانبه‏

:

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثنا أبو توبة عن أبي عمرو الشّيبانيّ قال:

مات ابن الأزرق و أبو دهبل حيّ فدفن بعليب، فلما احتضر أبو دهبل أيضا أوصى أن يدفن عنده. و فيه يقول أبو دهبل يرثيه-عن أبي عمرو الشيبانيّ-:

/

لقد غال هذا اللحد من بطن عليب # فتى كان من أهل الندى و التكرّم

فتى كان فيما ناب يوما هو الفتى # و نعم الفتى للطارق المتيمّم

أ الحقّ أنّي لا أزال على منّى # إذا صدر الحجّاج عن كلّ موسم

سقى اللّه أرضا أنت ساكن قبرها # سجال الغوادي من سحيل‏[2]و مبرم‏

خرج إلى مصر لطلب ميراث ثم عاد و قال شعرا

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزبير قال حدّثني عمّي قال حدّثني إبراهيم بن أبي عبد اللّه قال:

وقع لأبي دهبل ميراث بمصر فخرج يريده؛ ثم رجع من الطريق فقال:

اسلمي أمّ دهبل بعد هجر # و تقضّ من الزمان و عمر

و اذكري كرّي المطيّ إليكم # بعد ما قد توجّهت نحو مصر

لا تخالي أنّي نسيتك لمّا # حال بيش‏[3]و من به خلف ظهري

إن تكوني أنت المقدّم قبلي # و أطع يثو عند قبرك قبري‏

قال إبراهيم: فوقفت على قبره إلى جانب قبرها بعليب.

صوت من المائة المختارة من رواية عليّ بن يحيى‏

ألا أيها الشادن الأكحل # إلى كم تقول و لا تفعل

إلى كم تجود بما لا نريـ # د منك و تمنع ما نسأل‏

الشعر للحسين بن الضحّاك. و الغناء لأبي زكّار الأعمى، و لحنه المختار هزج بالبنصر.

[1]في ب، س: «و أورى بنزوتنا» و في‏ء و م: «و أودوا بنزوتنا» و في سائر الأصول: «و أوروا بنزوتنا» و هو تحريف.

[2]السحيل: الخيط غير المقتول. و المبرم: المفتول. و هذا كناية عن التعميم، أي سقاها اللّه سجال الغوادي قليلها و كثيرها.

[3]بيش (بكسر أوّله) : من بلاد اليمن قرب دهلك. قال ياقوت في «معجم البلدان» بعد أن ذكر شعر أبي دهبل هذا: «و هذا الشعر يدل على أن بيشا موضع بين مكة و مصر، أو تكون صاحبته المذكورة كانت باليمن... » .

107

8-أخبار حسين بن الضّحّاك و نسبه‏

منشؤه و شعره‏

:

الحسين بن الضحّاك باهليّ صليبة[1]، فيما ذكر محمد بن داود بن الجرّاح؛ و الصحيح أنه مولى لباهلة. و هو بصريّ المولد و المنشأ، من شعراء الدولة العباسيّة، و أحد ندماء الخلفاء من بني هاشم. و يقال: إنه أوّل من جالس منهم محمد الأمين. شاعر أديب ظريف مطبوع حسن التصرّف في الشعر حلو المذهب، لشعره قبول و رونق صاف.

و كان أبو نواس يأخذ معانيه في الخمر فيغير عليها. و إذا شاع له شعر نادر في هذا المعنى نسبه الناس إلى أبي نواس.

و له معان في صفتها أبدع فيها و سبق إليها، فاستعارها أبو نواس، و أخبارهما في هذا المعنى و غيره تذكر في أماكنها.

و كان يلقّب الخليع و الأشقر، و هاجى مسلم بن الوليد فانتصف منه. و له غزل كثير جيّد. و هو[2]من المطبوعين الذين تخلو أشعارهم و مذاهبهم جملة من/التكلّف. و عمّر عمرا طويلا حتى قارب المائة السنة، و مات في خلافة المستعين أو المنتصر.

و حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجّم قال:

كان حسين بن الضحّاك بن ياسر مولى لباهلة، و أصله من خراسان؛ فكان ربما اعترف بهذا الولاء و ربما جحده، و كان يلقّب بالأشقر، و هو و محمد بن حازم الباهليّ ابنا خالة.

و حدّثني الصّوليّ عن إبراهيم بن المعلّى الباهليّ: أنه سأله عن نسب حسين بن الضحّاك فقال: هو حسين بن الضحّاك بن ياسر، من موالي سليمان بن ربيعة الباهليّ. قال الصوليّ: و سألت الطيّب بن محمد الباهليّ عنه فقال لي: هو الحسين/بن الضحّاك بن فلان بن فلان بن ياسر، قديم الولاء، و داره في بني مجاشع و فيها ولد الحسين، أرانيها صاحبنا سعيد بن مسلم.

قال قصيدته الخمرية فاستحسنها أبو نواس و نسبت إليه‏

:

أخبرني عليّ بن العبّاس بن أبي طلحة الكاتب و محمد بن يحيى الصّوليّ قالا: حدّثنا المغيرة بن محمد المهلّبيّ قال حدّثنا حسين بن الضحّاك قال: أنشدت أبا نواس لمّا حججت قصيدتي التي قلتها في الخمر و هي:

بدّلت من نفحات الورد بالآء[3] # و من صبوحك درّ الإبل و الشاء

فلما انتهيت منها إلى قولي:

[1]صليبة: خالص النسب.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و هذا... » .

[3]في الأصول: «باللاء» . و التصويب عن المرحوم الشيخ الشنقيطي في نسخته. و الآء: شجر الدفلى (نبت مر زهره كالورد الأحمر) .

108

حتى إذا أسندت في البيت و احتضرت # عند الصّبوح ببسّامين أكفاء

فضّت خواتمها في نعت واصفها # عن مثل رقراقة[1]في جفن مرهاء[2]

قال: فصعق صعقة أفزعني، و قال: أحسنت و اللّه يا أشقر!فقلت: ويلك يا حسن!إنك أفزعتني و اللّه!فقال:

بلى و اللّه أفزعتني و رعتني، هذا معنى من المعاني التي كان فكري لا بدّ أن ينتهي إليها أو أغوص عليها و أقولها فسبقتني إليه و اختلسته منّي، و ستعلم لمن يروى أ لي أم لك؛ فكان و اللّه كما قال، سمعت من لا يعلم يرويها له.

أخبرني بهذا الخبر الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني محمد بن عبد اللّه مولى بني هاشم أبو جعفر قال:

سمعت الحسين بن الضحّاك يقول: لما قلت قصيدتي:

بدّلت من نفحات الورد بالآء

/أنشدتها أبا نواس؛ فقال: ستعلم لمن يرويها الناس أ لي أم لك؛ فكان الأمر كما قال، رأيتها في دفاتر الناس في أوّل أشعاره.

أخبرني جعفر بن قدامة عن أحمد بن أبي طاهر عن أحمد بن صالح عن الحسين بن الضحّاك، فذكر نحوا منه.

ذكر للمأمون فحجبه لشعره في الأمين و ذهب للبصرة

:

أخبرني الصّوليّ قال حدّثني عبد اللّه بن محمد الفارسيّ عن ثمامة بن أشرس، قال الصوليّ و حدّثنيه عون بن محمد عن عبد اللّه بن العباس بن الفضل بن الرّبيع قال:

لمّا قدم المأمون من خراسان و صار إلى بغداد، أمر بأن يسمّى له قوم من أهل الأدب ليجالسوه و يسامروه، فذكر له جماعة فيهم الحسين بن الضحّاك، و كان من جلساء محمد المخلوع؛ فقرأ أسماءهم حتى بلغ إلى اسم حسين، فقال: أ ليس هو الذي يقول في محمد:

هلاّ بقيت لسدّ فاقتنا # أبدا و كان لغيرك التّلف

فلقد خلفت خلائفا سلفوا # و لسوف يعوز بعدك الخلف‏

لا حاجة لي فيه، و اللّه لا يراني أبدا إلا في الطريق. و لم يعاقب الحسين على ما كان من هجائه/له و تعريضه به. قال: و انحدر حسين إلى البصرة فأقام بها طول أيام المأمون.

أخبرني عمّي و الكوكبيّ بهذا قالا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا عبد اللّه بن الحارث المروزيّ عن إبراهيم بن عبد اللّه ابن أخي السّنديّ بن شاهك، فذكر مثله سواء.

أنشد المأمون مدحه فيه فلم يرض عنه‏

:

قال ابن أبي طاهر فحدّثني محمد بن عبد اللّه صاحب المراكب قال أخبرني أبي عن صالح بن الرشيد قال:

[1]الرقراقة: الدمعة التي تترقرق (تتحرّك) في العين و لا تسيل.

[2]المرهاء: المرأة التي لم تكتحل.

109

/دخلت يوما على المأمون و معي بيتان للحسين بن الضحّاك، فقلت: يا أمير المؤمنين، أحبّ أن تسمع مني بيتين؛ فقال: أنشدهما فأنشدته:

حمدنا اللّه شكرا إذ حبانا # بنصرك يا أمير المؤمنينا

فأنت خليفة الرحمن حقّا # جمعت سماحة و جمعت دينا

فقال: لمن هذان البيتان يا صالح؟فقلت: لعبدك يا أمير المؤمنين حسين بن الضحّاك؛ قال: قد أحسن.

فقلت: و له يا أمير المؤمنين أجود من هذا؛ فقال: و ما هو؟فأنشدته قوله:

صوت‏

أ يبخل فرد الحسن فرد صفاته # عليّ و قد أفردته بهوى فرد

رأى اللّه عبد اللّه خير عباده # فملّكه و اللّه أعلم بالعبد

قال: فأطرق ساعة ثم قال: ما تطيب نفسي له بخير بعد ما قال في أخي محمد و قال.

قال أبو الفرج: و هذه الأبيات تروى لابن البوّاب، و ستذكر في أبوابه إن شاء اللّه تعالى، و على أن الذي رواها غلط في روايته غلطا بيّنا، لأنها مشهورة من شعر حسين بن الضحّاك. و قد روي أيضا في أخباره أنه دفعها إلى ابن البوّاب فأوصلها إلى ابن المأمون، و كان له صديقا. و لعلّ الغلط وقع من هذه الجهة.

الغناء في الأبيات المذكورة المنسوبة إلى حسين بن الضحّاك و إلى ابن البوّاب الدّاليّة لإبراهيم بن المهديّ خفيف ثقيل بالبنصر. و فيها لعبيد اللّه بن موسى الطائفيّ رمل بالبنصر.

أمر المأمون عمرو بن بانة بالغناء في شعره في الأمين‏

:

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا أحمد بن يزيد المهلّبيّ عن أبيه عن عمرو بن بانة أنّهم كانوا عند صالح بن الرشيد، فقال: لست تطرح على جواريّ و غلماني/ما أستجيده!فقال له: ويلك!ما أبغضك ابعث إلى منزلي فجي‏ء بالدفاتر و اختر منها ما شئت حتى ألقيه عليهم؛ فبعث إلى منزلي فجي‏ء إليه بدفاتر الغناء فأخذ منها دفترا ليتخيّر ممّا فيه، فمرّ به شعر الحسين بن الضحّاك يرثي الأمين و يهجو المأمون و هو:

أطل حزنا و ابك الإمام محمدا # بحزن و إن خفت الحسام المهنّدا

فلا تمّت الأشياء بعد محمد # و لا زال شمل الملك منها مبدّدا

و لا فرح المأمون بالملك بعده # و لا زال في الدنيا طريدا مشرّدا

فقال لي صالح: أنت تعلم أنّ المأمون يجي‏ء إليّ في كل ساعة، فإذا قرأ هذا ما تراه يكون فاعلا!ثم دعا بسكين فجعل يحكّه؛ و صعد المأمون من الدّرجة و رمى صالح الدفتر. فقال المأمون: يا غلام الدفتر. فأتي به، فنظر فيه و وقف على الحكّ فقال: إن قلت لكم: ما كنتم‏[1]/فيه تصدقوني؟قلنا: نعم. قال: ينبغي أن يكون أخي قال لك: ابعث فجي‏ء بدفاترك ليتخيّر ما تطرح، فوقف على هذا الشعر فكره أن أراه فأمر بحكّه؛ قلنا: كذا كان. فقال:

[1]كذا في جـ. و في سائر الأصول: «ما كان فيه» .

110

غنّه يا عمرو؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، الشعر لحسين بن الضحّاك و الغناء لسعيد بن جابر؛ فقال: و ما يكون!غنّه فغنّيته؛ فقال: اردده فرددته ثلاث مرات؛ فأمر لي بثلاثين ألف درهم، و قال: حتى تعلم أنه لم يضررك عندي.

قال: و سعيد بن جابر الذي يقول فيه حسين بن الضحّاك، و كان نديمه و صديقه:

يا سعيد و أين منّي سعيد

مراثيه في الأمين‏

:

و لحسين بن الضحّاك في محمد الأمين مراث كثيرة جياد، و كان كثير التحقّق‏[1]به و الموالاة له لكثرة أفضاله عليه و ميله إليه و تقديمه إيّاه. و بلغ من جزعه عليه أنّه/خولط؛ فكان ينكر قتله لمّا بلغه و يدفعه و يقول: إنه مستتر و إنه قد وقف على تفرّق دعاته في الأمصار يدعون إلى مراجعة أمره و الوفاء ببيعته ضنّا به و شفقة عليه. و من جيّد مراثيه إياه قوله:

صوت‏

سألونا أن كيف نحن فقلنا # من هوى نجمه فكيف يكون

نحن قوم أصابنا حدث الدهـ # ر فظلنا لريبه نستكين

نتمنّى من الأمين إيابا # لهف نفسي و أين منّي الأمين‏

في هذه الأبيات لسعيد بن جابر ثاني ثقيل بالوسطى. و فيها لعريب خفيف ثقيل.

و من جيّد قوله في مراثيه إيّاه:

أعزّى يا محمد عنك نفسي # معاذ اللّه و الأيدي الجسام

فهلاّ مات قوم لم يموتوا # و دوفع عنك لي يوم الحمام

كأن الموت صادف منك غنما # أو استشفى بقربك من سقام‏

أعجب المأمون ببيت من شعره و أجازه عليه بثلاثين ألف درهم‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا عليّ بن محمد النّوفليّ قال قال لي محمد بن عبّاد: قال لي المأمون و قد قدمت من البصرة: كيف ظريف شعرائكم و واحد مصركم؟قلت: ما أعرفه؛ قال: ذاك الحسين بن الضحّاك، أشعر شعرائكم و أظرف ظرفائكم. أ ليس هو الذي يقول:

رأى اللّه عبد اللّه خير عباده # فملّكه و اللّه أعلم بالعبد

قال: ثم قال لي المأمون: ما قال فيّ أحد من شعراء زماننا بيتا أبلغ من بيته هذا؛ فاكتب إليه فاستقدمه؛ و كان حسين عليلا و كان يخاف بوادر المأمون لما/فرط منه؛ فقلت للمأمون: إنه عليل يا أمير المؤمنين، علّته تمنعه من الحركة و السفر. قال: فخذ كتابا إلى عامل خراجكم بالبصرة حتى يعطيه ثلاثين ألف درهم؛ فأخذت الكتاب بذلك و أنفذته إليه فقبض المال.

[1]كذا في جميع الأصول و لعلها «التعلق» .

111

قال محمد بن يزيد الأزدي هو أشعر المحدثين‏

:

حدّثنا عليّ بن العباس بن أبي طلحة الكاتب قال سمعت أبا العباس محمد بن يزيد الأزديّ يقول: حسين بن الضحّاك أشعر المحدّثين حيث يقول:

أيّ ديباجة حسن # هيّجت لوعة حزني

/إذ رماني القمر الزا # هر عن فترة جفن

بأبي شمس نهار # برزت في يوم دجن

قرّبتني بالمنى حـ # تى إذا ما أخلفتني

تركتني بين ميعا # د و خلف و تجنّي

ما أراني‏[1]لي من الصبـ # وة إلاّ حسن ظنّي

إنما دامت على الغد # ر لما تعرف منّي

أستعيذ اللّه من إعـ # راض من أعرض عنّي‏

استقدمه المعتصم من البصرة و مدحه فأجازه‏

:

أخبرني عليّ بن العباس قال حدّثني سوادة بن الفيض المخزوميّ قال حدّثني أبو الفيض بن سوادة عن جدّي قال:

لمّا وليّ المعتصم الخلافة سألني عن حسين بن الضحّاك، فأخبرته بإقامته بالبصرة لانحراف المأمون عنه؛ فأمر بمكاتبته بالقدوم عليه فقدم. فلما دخل و سلّم استأذن في الإنشاد فأذن له؛ فأنشده قوله:

هلاّ سألت تلذّذ[2]المشتاق # و مننت قبل فراقه بتلاق

/إنّ الرقيب ليستريب تنفّسا # صعدا إليك و ظاهر الإقلاق

و لئن أربت‏[3]لقد نظرت بمقلة # عبري عليك سخينة الآماق

نفسي الفداء لخائف مترقّب # جعل الوداع إشارة بعناق

إذ لا جواب لمفحم متحيّر # إلا الدموع تصان بالإطراق‏

حتى انتهى إلى قوله:

خير الوفود مبشّر بخلافة # خصّت ببهجتها أبا إسحاق

وافته في الشهر الحرام سليمة # من كل مشكلة و كلّ شقاق

أعطته صفقتها الضمائر طاعة # قبل الأكفّ بأوكد الميثاق‏

[1]في بعض الأصول: «ما أرى لي... » ، و هو تحريف.

[2]كذا في الأصول. و لعله «تلدد» بالدال المهملة و هو الحيرة و الدهش.

[3]أراب الرجل: كان ذا ريبة.

112

سكن الأنام إلى إمام سلامة # عفّ الضمير مهذّب الأخلاق

فحمى رعيّته و دافع دونها # و أجار مملقها من الإملاق‏

حتى أتمّها. فقال له المعتصم: أدن منّي فدنا منه؛ فملأ فمه جوهرا من جوهر كان بين يديه، ثم أمره بأن يخرجه من فيه فأخرجه، و أمر بأن ينظم و يدفع إليه و يخرج إلى الناس و هو في يده ليعلموا موقعه من رأيه و يعرفوا فعله. فكان أحسن ما مدح به يومئذ.

و ممّا قدّمه أهل العلم على سائر ما قالته الشعراء قول حسين بن الضحّاك حيث قال:

قل للألى صرفوا الوجوه عن الهدى # متعسّفين تعسّف المرّاق

إني أحذّركم بوادر ضيغم # درب بحطم موائل الأعناق

متأهب لا يستفزّ جنانه # زجل الرّعود و لامع الإبراق

/لم يبق من متعرّمين‏[1]توثّبوا # بالشأم غير جماجم أفلاق

من بين منجدل تمجّ عروقه # علق‏[2]الأخادع أو أسير وثاق

/و ثنى الخيول إلى معاقل قيصر # تختال بين أحزّة[3]و رقاق

يحملن كلّ مشمّر متغشّم # ليث هزبر أهرت الأشداق‏[4]

حتى إذا أمّ الحصون منازلا # و الموت بين ترائب و تراق‏[5]

هرّت بطارقها هرير قساور # بدهت بأكره منظر و مذاق‏[6]

ثم استكانت للحصار ملوكها # ذلاّ و ناط حلوقها بخناق‏[7]

هربت و أسلمت الصليب عشيّة # لم يبق غير حشاشة الأرماق‏

قال: فأمر له المعتصم لكل بيت بألف درهم، و قال له: أنت تعلم يا حسين أنّ هذا أكثر ما مدحني به مادح في دولتنا. فقبّل الأرض بين يديه و شكره و حمل المال معه.

[1]كذا في «تجريد الأغاني» . و المتعرّمون: ذوو العرمة و هي الشراسة و الحدّة في الخلق. و في الأصول: «متعزمين» بالزاي و هو تصحيف.

[2]العلق: الدم. و الأخادع: عروق في العنق.

[3]كذا في حـ. و الأحزة: جمع حزيز و هو الغليظ من الأرض. و الرقاق: المستوية اللينة منها و في سائر الأصول: «أجرة و دقاق» بالجيم و الراء في الأولى و الدال المهملة في الثانية.

[4]المتغشم: الغضوب. و هرت الأشداق: سعتها. و الأسود توصف بذلك.

[5]الترائب: عظام الصدور و فوقها التراقي، مفرده ترقوة.

[6]هرّت: صوّتت. و القساور: الشجعان و الأعزة و الأشداد من الرجال، واحده قسورة. و بدهت: بغتت.

[7]الخناق: ما يخنق به من حبل أو وتر و نحوه.

113

أعجب الرياشي لبيتين له في الخمر

:

حدّثني عليّ قال حدّثني عثمان بن عمر الآجرّي قال: سمعت الرّياشيّ ينشد هذين البيتين و يستحسنهما و يستظرفهما جدّا و هما:

إذا ما الماء أمكنني # و صفو سلافة العنب

صببت الفضّة البيضا # ء فوق قراضة الذهب‏

/فقلت له: من يقولهما يا أبا الفضل؟قال: أرقّ الناس طبعا و أكثرهم ملحا و أكملهم ظرفا حسين بن الضحّاك.

أخذ أبو نواس معنى له في الخمر فأجاده‏

:

أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثني أبي عن حسين بن الضحّاك قال: أنشدت يا أبا نواس قصيدتي:

و شاطريّ‏[1]اللسان مختلق التكـ # ريه شاب المجون بالنّسك‏

حتى بلغت إلى قولي‏[2]:

كأنما[3]نصب كاسه قمر # يكرع في بعض أنجم الفلك‏

قال: فأنشدني أبو نواس بعد أيام لنفسه:

إذا عبّ فيها شارب القوم خلته # يقبّل في داج من الليل كوكبا

قال: فقلت له: يا أبا عليّ هذه مصالتة[4]. فقال لي: أ تظن أنه يروي لك في الخمر معنى جيّد و أنا حيّ!.

أخبرني به جعفر بن قدامة عن عليّ بن محمد بن نصر عن أحمد بن حمدون عن حسين بن الضحّاك فذكر مثله.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال:

أنشدت إبراهيم بن المدبّر قول حسين بن الضحّاك:

كأنما نصب كأسه قمر # حاسده‏[5]بعض أنجم الفلك

/حتى إذا رنّحته سورتها # و أبدلته السكون بالحرك

كشفت عن وزّة مسنّمة # في لين صينيّة من الفلك‏[6]

فقال لي إبراهيم بن المدبّر: إن الحسين كان يزعم أن أبا نواس سرق منه هذا المعنى حين يقول:

[1]شاطريّ: نسبة إلى الشاطر و هو الذي أعيا أهله و مؤدبه خبثا. و كان هذا الاسم يطلق في الدولة العباسية على أهل البطالة و الفساد.

[2]كذا في حـ و في سائر الأصول: «إلى قوله» و هو تحريف.

[3]كذا في «تجريد الأغاني» و في الأصول: «تخالها نصب كأسه قمرا» .

[4]كذا في «تجريد الأغاني» . و المصالتة عند الشعراء هي أن يأخذ الشاعر بيتا لغيره لفظا و معنى، و هي من أقبح السرقات الشعرية، من الصلت بمعنى اللص (عن أقرب الموارد مادّة صلت) و في الأصول: «مصالبة» بالباء و هو تصحيف.

[5]كذا في الأصول هنا، و هو غير واضح. و قد تقدم هذا البيت منذ أسطر برواية أخرى واضحة.

[6]الصينية: الإناء المعروف. و الفلك: التل من الرمل. و كثيرا ما تشبه العجيزة في الضخامة و اللين بكثيب الرمل.

114

يقبّل في داج من الليل كوكبا

فإن كان سرقه منه فهو أحقّ به لأنه قد برّز عليه، و إن كان حسين سرقه منه فقد قصّر عنه.

مدح الواثق حين ولي الخلافة فأجازه‏

:

أخبرني محمد بن يحيى الخراسانيّ قال حدّثني محمد بن مخارق قال:

لمّا بويع الواثق بالخلافة و دخل‏[1]عليه الحسين بن الضحّاك فأنشده/قصيدته التي أوّلها:

صوت‏

أ لم يرع الإسلام موت نصيره # بلى حقّ أن يرتاع من مات ناصره

سيسليك عمّا فات دولة مفضل # أوائله محمودة و أواخره

ثنى اللّه عطفيه و ألّف شخصه # على البرّ مذ شدّت عليه مآزره

يصبّ‏[2]ببذل المال حتى كأنما # يرى بذله للمال نهبا يبادره

و ما قدّم الرحمن إلاّ مقدّما # موارده محمودة و مصادره‏

فقال الواثق: إن كان الحسين لينطق عن حسن طويّة و يمدح بخلوص نيّة. ثم أمر بأن يعطى لكل بيت قاله من هذه القصيدة ألف درهم. فأعجبته الأبيات، حتى أمر فصنعت فيها عدّة ألحان، منها لعريب في طريقة الثقيل الأوّل.

سوق شعرا له في الواثق من شعر أبي العتاهية في الرشيد

:

و أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني عون بن محمد قال حدّثني محمد بن عمرو الرومي قال.

لمّا ولي الواثق الخلافة أنشده حسين بن الضحّاك قصيدة منها:

سيسليك عمّا فات دولة مفضل # أوائله محمودة و أواخره

و ما قدّم الرحمن إلاّ مقدّما # موارده محمودة و مصادره‏

قال: فأنشدت إسحاق الموصليّ هذا الشعر؛ فقال لي: نقل حسين كلام أبي العتاهية في الرشيد حتى جاء بألفاظه بعينها حيث يقول:

جرى لك من هارون بالسعد طائره # إمام اعتزام لا تخاف بوادره

إمام له رأي حميد و رحمة # موارده محمودة و مصادره‏

قال: فعجبت من رواية إسحاق شعر المحدثين، و إنما كان يروى للأوائل و يتعصّب على المحدّثين و على أبي العتاهية خاصّة.

في هذين الشعرين أغاني نسبتها:

[1]كذا في الأصول و لعله «دخل» من غير الواو.

[2]كذا في ء، حـ وصب بالشي‏ء: كلف به و ولع. و في سائر الأصول: «يصيب» و هو تحريف.

115
صوت‏

جرى لك من هارون بالسعد طائره # إمام اعتزام لا تخاف بوادره

إمام له رأى حميد و رحمة # موارده محمودة و مصادره

هو الملك المجبول نفسا على التّقى # مسلّمة من كل سوء عساكره

لتغمد سيوف الحرب فاللّه وحده # وليّ أمير المؤمنين و ناصره‏

الشعر لأبي العتاهية، على ما ذكره الصّوليّ. و قد وجدت هذه القصيدة بعينها في بعض النسخ لسلم الخاسر.

و الغناء لإبراهيم، و له فيه لحنان خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو و ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشاميّ.

صوت‏

سيسليك عمّا فات دولة مفضل # أوائله محمودة و أواخره

ثنى اللّه عطفيه و ألّف شخصه # على البرّ مذ شدّت عليه مآزره‏

الشعر لحسين بن الضحّاك. و الغناء لعريب ثقيل أوّل مطلق. و فيه لقلم‏[1]الصالحيّة خفيف/رمل، و هو أغرب اللحنين و لحن عريب المشهور.

مدح الواثق و هو في الصيد فأجازه‏

:

أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني محمد[2]بن يحيى قال حدّثني عليّ بن الصبّاح قال حدّثني عليّ بن صالح كاتب الحسن بن رجاء قال حدّثني إبراهيم بن الحسن بن سهل قال:

كنّا مع الواثق بالقاطول‏[3]و هو يتصيّد؛ فصاد صيدا حسنا و هو في الزّوّ[4]من الإوزّ و الدّرّاج و طير الماء و غير ذلك؛ ثم رجع فتغدّى، و دعا بالجلساء و المغنّين و طرب، و قال: من ينشدنا؟فقام الحسين بن الضحّاك فأنشده:

سقى اللّه بالقاطول مسرح طرفكا # و خصّ بسقياه مناكب قصركا

حتى انتهى إلى قوله:

تخيّن للدّرّاج في جنباته # و للغرّ آجال قدرن بكفّكا

[1]هي قلم الصالحية جارية صالح بن عبد الوهاب إحدى المغنيات المحسنات المتقدمات و ترجمتها مذكورة في (ج 12 ص 115 من هذا الكتاب طبع بولاق) و ورد ذكرها في «تاريخ الطبري» (ص 1366 من القسم الثالث طبع أوروبا) . و ورد هذا الاسم في جميع الأصول هكذا: «لعلمز» و ظاهر تحريفه.

[2]كذا في الأصول. و يظهر أن هذا الاسم مكرر من النساخ لأن المؤلف تكررت روايته عن محمد بن يحيى الصولي. و الصولي يروي عن علي بن الصباح، و قد مر مثل هذا السند في الجزء الرابع من هذا الكتاب (ص 54) .

[3]القاطول: اسم نهر كأنه مقطوع من دجلة، حفره الرشيد و بنى على فوهته قصرا سماه أبا الجند.

[4]الزوّ: نوع من السفن كان منتشرا في العصر العباسي. و نحن نقتطف بعض عبارات من الطبري لإثبات ذلك، فقد جاء في صفحة (682 ق 3) قال السندي بن شاهك بعد كلام طويل: حدّثني العباس بن الفضل بن الربيع قال: جلس الرشيد في الزوّ في الفرات ينتظرك. ثم ساق بعد كلام كثير: فأرسل إليّ الرشيد فصرت إليه و وقفت ساعة بين يديه؛ فقال لمن كان عنده من الخدم: قوموا فقاموا فلم يبق إلا العباس. ثم قال العباس: اخرج و مر برفع التخاتج (الأخشاب) المطروحة على الزوّ ففعل ذلك.

116

/

حتوفا إذا وجّهتهنّ قواضبا # عجالا إذا أغريتهنّ بزجركا

أبحت حماما مصعدا و مصوّبا # و ما رمت‏[1]في حاليك مجلس لهوكا

تصرّف فيه بين ناي و مسمع # و مشمولة[2]من كفّ ظبي لسقيكا

قضيت لبانات و أنت مخيّم # مريح و إن شطّت مسافة عزمكا

و ما نال طيب العيش إلاّ مودّع‏[3] # و ما طاب عيش نال مجهود كدّكا

فقال الواثق: ما يعدل الراحة و لذّة الدّعة شي‏ء. فلما انتهى إلى قوله:

خلقت أمين اللّه للخلق عصمة # و أمنا فكلّ في ذراك و ظلّكا

وثقت بمن سمّاك بالغيب واثقا # و ثبّت بالتأييد أركان ملككا

فأعطاك معطيك الخلافة شكرها # و أسعد بالتقوى سريرة قلبكا

و زادك من أعمارنا، غير منّة # عليك بها، أضعاف أضعاف عمركا

و لا زالت الأقدار في كلّ حالة # عداة لمن عاداك سلما لسلمكا

إذا كنت من جدواك في كل نعمة # فلا كنت إن لم أفن عمري بشكركا

فطرب الواثق فضرب الأرض بمخصرة كانت في يده، و قال: للّه درّك يا حسين!ما أقرب قلبك من لسانك! فقال: يا أمير المؤمنين، جودك ينطق المفحم بالشعر و الجاحد بالشكر. فقال له: لن تنصرف إلاّ مسرورا؛ ثم أمر له بخمسين ألف درهم.

رغب الواثق في الشراب في يوم غيم‏

:

حدّثنا عليّ بن العبّاس بن أبي طلحة قال حدّثنا أبو العبّاس الرّياشيّ قال حدّثنا الحسين بن الضحّاك قال:

دخلت على الواثق ذات يوم و في السماء لطخ‏[4]غيم، فقال لي: ما الرأي عندك في هذا اليوم؟فقلت:

يا أمير المؤمنين، ما حكم به و أشار إليه قبلي أحمد بن يوسف؛ فإنه أشار بصواب لا يردّ و جعله في شعر لا يعارض. فقال: و ما قال؟فقلت قال:

/

أرى غيما تؤلّفه جنوب # و أحسبه سيأتينا بهطل

فعين الرأي أن تدعو برطل # فتشربه و تدعو لي برطل‏

فقال: أصبتما؛ و دعا بالطّعام و بالشراب و المغنّين و الجلساء و اصطبحنا.

[1]رام المكان: زال عنه و فارقه.

[2]المشمولة: الخمر الباردة.

[3]المودع: المرفه.

[4]لطخ غيم: قليل غيم.

117

وصف ليلة لهو قضاها الواثق‏

:

أخبرني عليّ بن العبّاس قال حدّثني الحسين بن علوان قال حدّثني العبّاس بن عبيد اللّه الكاتب قال:

/كان حسين بن الضحّاك ليلة عند الواثق و قد شربوا إلى أن مضى ثلث من الليل، فأمر بأن يبيت مكانه. فلما أصبح خرج إلى الندماء و هم مقيمون، فقال لحسين: هل وصفت ليلتنا الماضية و طيبها؟فقال: لم يمض شي‏ء و أنا أقول الساعة؛ و فكّر هينهة ثم قال:

حثّت‏[1]صبوحي فكاهة اللاّهي # و طاب يومي بقرب أشباهي

فاستثر اللهو من مكامنه # من قبل يوم منغّص ناهي‏[2]

بابنة كرم من كفّ منتطق‏[3] # مؤزّر بالمجون تيّاه

يسقيك من طرفه و من يده # سقى لطيف مجرّب داهي

كأسا فكأسا كأنّ شاربها # حيران بين الذّكور و الساهي‏

قال: فأمر الواثق بردّ مجلسه كهيئته، و اصطبح يومه ذلك معهم؛ و قال: نحقّق قولك يا حسين و نقضي لك كلّ أرب و حاجة.

شعره في جارية للواثق غضبت عليه‏

:

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني محمد بن مغيرة المهلّبي قال حدّثنا حسين بن الضحّاك قال:

/كانت لي نوبة في دار الواثق أحضرها جلس أو لم يجلس. فبينا أنا نائم ذات ليلة في حجرتي، إذ جاء خادم من خدم الحرم فقال: قم فإن أمير المؤمنين يدعوك. فقلت له: و ما الخبر؟قال: كان نائما و إلى جنبه حظيّة له فقام و هو يظنّها نائمة، فألمّ بجارية له أخرى و لم تكن ليلة نوبتها و عاد إلى فراشه؛ فغضبت حظيّته و تركته حتى نام، ثم قامت و دخلت حجرتها؛ فانتبه و هو يرى أنها عنده فلم يجدها، فقال: اختلست عزيزتي، ويحكم أين هي!فأخبر أنها قامت غضبى و مضت إلى حجرتها، فدعا بك. فقلت في طريقي:

غضبت أن زرت أخرى خلسة # فلها العتبى لدينا و الرّضا

يا فدتك النفس كانت هفوة # فاغفريها و اصفحي عمّا مضى

و اتركي العذل على من قاله # و انسبي جوري إلى حكم القضا

فلقد نبّهتني من رقدتي # و على قلبي كنيران الغضا

قال: فلما جئته خبّرني القصّة و قال لي: قل في هذا شيئا؛ ففكّرت هنيهة كأني أقول شعرا ثم أنشدته الأبيات.

فقال: أحسنت و حياتي!أعدها يا حسين؛ فأعدتها عليه حتى حفظها، و أمر لي بخمسمائة دينار، و قام فمضى إلى الجارية و خرجت أنا إلى حجرتي.

[1]كذا في «تجريد الأغاني» . و في الأصول: «حيت» و هو تصحيف.

[2]كذا في «تجريد الأغاني» . و في الأصول: «لاهي» و هو تحريف.

[3]المنتطق: اللابس المنطقة و هي كل ما شددت به وسطك.

118

رأى الواثق جارية له في النوم و أمره بأن يقول شعرا في ذلك‏

:

أخبرني عليّ بن العبّاس بن أبي طلحة قال حدّثني الغلابيّ قال حدّثني مهديّ بن سابق قال قال لي حسين بن الضحّاك:

كان الواثق يتحظّى جارية له فماتت فجزع عليها و ترك الشرب أياما ثم سلاها و عاد إلى حاله؛ فدعاني ليلة فقال لي: يا حسين، رأيت فلانة في النوم؛ فليت نومي كان طال قليلا لأتمتّع بلقائها؛ فقل في هذا شيئا. فقلت:

/

ليت عين الدهر عنّا غفلت # و رقيب الليل عنّا رقدا

و أقام النوم فمي مدّته # كالذي كان و كنّا أبدا

بأبي زور[1]تلفّتّ له # فتنفّست إليه الصّعدا

/بينما أضحك مسرورا به # إذ تقطّعت عليه كمدا

قال: فقال لي الواثق: أحسنت!و لكنّك وصفت رقيب الليل فشكوته و لا ذنب للّيل و إنما رأيت الرؤيا نهارا.

ثم عاد إلى منامه فرقد.

سرق منه أبو نواس معنى في الخمر

:

أخبرني جحظة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجّم قال حدّثني حسين بن الضحّاك، و أخبرني به جعفر بن قدامة عن عليّ بن يحيى عن حسين بن الضحّاك قال:

لقيني أبو نواس ذات يوم عند باب أم جعفر من الجانب الغربيّ، فأنشدته:

أخويّ حيّ‏[2]على الصّبوح صباحا # هبّا و لا تعدا الصباح رواحا

هذا الشّميط[3]كأنه متحيّر # في الأفق سدّ طريقه فألاحا

ما تأمران بسكرة قروية # قرنت إلى درك النجاح نجاحا

هكذا قال جحظة. و الذي أحفظه:

ما تأمران بقهوة قرويّة

قال: فلما كان بعد أيام لقيني في ذلك الموضع فأنشدني يقول:

ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحا # و أملّه ديك الصّباح صياحا

فقلت له: حسن يا بن الزانية!أ فعلتها!فقال: دع هذا عنك، فو اللّه لا قلت في الخمر شيئا أبدا و أنا حيّ إلاّ نسب لي.

[1]الزور: الخيال يرى في النوم.

[2]حيّ: مثقلة يندب بها و يدعى بها يقال: حي على الصلاة، أي هلموا.

[3]الشميط: الضبح. و في جميع الأصول: «الشحيط» بالحاء المهملة، و هو تحريف.

119

شرب عند إبراهيم بن المهدي فعربد عليه فقال شعرا

:

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني محمد بن سعيد قال حدّثني أبو أمامة الباهليّ عن الحسين بن الضحّاك، قال محمد بن يحيى و حدّثني المغيرة بن محمد المهلّبيّ:

أنّ الحسين بن الضحّاك شرب يوما عند إبراهيم بن المهديّ، فجرت بينهما ملاحاة في أمر الدّين و المذهب؛ فدعا له إبراهيم بنطع و سيف و قد أخذ منه الشّراب؛ فانصرف و هو غضبان. فكتب إليه إبراهيم يعتذر إليه و يسأله أن يجيئه. فكتب إليه:

نديمي غير منسوب # إلى شي‏ء من الحيف

سقاني مثل ما يشر # ب فعل الضّيف بالضيف

فلما دارت الكأس # دعا بالنّطع و السيف

كذا من يشرب الخمر # مع التّنّين في الصيف‏

قال: و لم يعد إلى منادمته مدّة. ثم إن إبراهيم تحمّل‏[1]عليه و وصله فعاد إلى منادمته.

نشأ هو و أبو نواس بالبصرة ثم رحل إلى بغداد و اتصل بالأمين‏

:

حدّثني عمّي قال حدّثني ميمون بن هارون قال حدّثني حسين بن الضحّاك قال:

كنت أنا و أبو نواس تربين، نشأنا في مكان واحد و تأدّبنا بالبصرة، و كنّا نحضر مجالس الأدباء متصاحبين، ثم خرج قبلي عن البصرة و أقام مدّة، و اتّصل بي ما آل إليه أمره، و بلغني إيثار السلطان و خاصّته له؛ فخرجت عن البصرة إلى بغداد و لقيت الناس و مدحتهم و أخذت جوائزهم و عددت في الشعراء، و هذا كلّه في أيام الرشيد، إلاّ أنّي لم أصل إليه و اتّصلت بابنه صالح فكنت في خدمته. فغنّي يوما بهذا الصوت:

أ أن زمّ‏[2]أجمال و فارق جيرة # و صاح غراب البين أنت حزين‏

/فقال لي صالح: قل أنت في هذا المعنى شيئا؛ فقلت:

أ أن دبّ حسّاد و ملّ حبيب # و أورق عود الهجر أنت حبيب‏[3]

/ليبلغ بنا هجر الحبيب مرامه # هل الحبّ إلاّ عبرة و نحيب

كأنك لم تسمع بفرقة ألفة # و غيبة وصل لا تراه يئوب‏

فأمر بأن يغنّى فيه. و اتّصلت بمحمد[4]ابن زبيدة في أيام أبيه و خدمته، ثم اتّصلت خدمتي له في أيّام خلافته.

[1]كذا في «تجريد الأغاني» أي استشفع إليه و ترضاه. و في الأصول: «تحامل عليه» و هو تحريف.

[2]زمّ البعير: خطمه و علق عليه الزمام.

[3]كذا في الأصول. و لعله: «أنت كئيب» .

[4]هو محمد الأمين الخليفة العباسي. و زبيدة أمه و هي بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور.

120

جفاه صالح بن الرشيد فترضاه بشعر فرضي عنه‏

:

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني أبو العيناء عن الحسين بن الضحّاك قال: كنت يوما عند صالح بن الرشيد، فجرى بيننا كلام على النّبيذ و قد أخذ منّي الشّراب مأخذا[1]قويّا، فرددت عليه ردّا أنكره و تأوّله على غير ما أردت، فهاجرني؛ فكتبت إليه:

صوت‏

يا بن الإمام تركتني هملا # أبكي الحياة و أندب الأملا

ما بال عينك حين تلحظني # ما إن تقلّ جفونها ثقلا

لو كان لي ذنب لبحت به # كي لا يقال هجرتني مللا

إن كنت أعرف زلّة سلفت # فرأيت ميتة و إحدى عجلا[2]

-فيه خفيف ثقيل ينسب إلى عبد اللّه بن العلاء و إلى عبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ-قال: فكتب إليّ: قد تلافى لسانك بشعرك، ما جناه في وقت/سكرك. و قد رضيت عنك رضا صحيحا، فصر إليّ على أتمّ نشاطك، و أكمل بساطك. فعدت إلى خدمته فما سكرت عنده بعدها. قال: و كانت في حسين عربدة.

أنشد ابن البوّاب شعره للمأمون و شفع له فجفاه المأمون أوّلا ثم وصله‏

:

و أخبرني ببعضه محمد بن مزيد بن أبي الأزهر و محمد بن خلف بن المرزبان، و ألفاظهما تزيد و تنقص.

و أخبرني ببعضه محمد بن خلف وكيع عن آخره و قصّة وصوله إلى المأمون و لم يذكر ما قبل ذلك. قال: و حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه-و لم يقل وكيع: عن أبيه-و اللفظ في الخبر لابن أبي الأزهر و حديثه أتمّ، قال:

كنت بين يدي المأمون واقفا، فأدخل إليه ابن البوّاب رقعة فيها أبيات و قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشادها؛ فظنّها له فقال: هات؛ فأنشده:

أجرني فإنّي قد ظمئت إلى الوعد # متى تنجز الوعد المؤكّد بالعهد

أعيذك من خلف الملوك و قد بدا[3] # تقطّع أنفاسي عليك من الوجد

أ يبخل فرد الحسن عنّي بنائل # قليل و قد أفردته بهوى فرد

إلى أن بلغ إلى قوله:

رأى اللّه عبد اللّه خير عباده # فملّكه و اللّه أعلم بالعبد

ألا إنّما المأمون للناس عصمة # مميّزة بين الضّلالة و الرّشد

فقال المأمون: أحسنت يا عبد اللّه!فقال: يا أمير المؤمنين، أحسن قائلها؛ قال: و من هو؟فقال: عبدك [1]في ب، س: «أخذا» .

[2]المعنى أنه يدعو على ولده الواحد بالموت عاجلا إذا كان يعرف له زلة سلفت.

[3]في حـ: «ترى» .

121

حسين بن الضحّاك؛ فغضب‏[1]ثم قال: لا حيّا اللّه من ذكرت و لا بيّاه و لا قرّبه و لا أنعم به عينا!أ ليس القائل:

أ عينيّ جودا و ابكيا لي محمدا # و لا تذخرا دمعا عليه و أسعدا

/فلا تمّت الأشياء بعد محمد # و لا زال شمل الملك فيه مبدّدا

/و لا فرح المأمون بالملك بعده # و لا زال في الدّنيا طريدا مشرّدا

هذا بذاك؛ و لا شي‏ء له عندنا. فقال له ابن البوّاب: فأين فضل إحسان أمير المؤمنين و سعة حلمه و عادته في العفو!فأمره بإحضاره. فلما حضر سلّم، فردّ عليه السّلام ردّا جافيا؛ ثم أقبل عليه فقال: أخبرني عنك: هل عرفت يوم قتل أخي محمد هاشميّة قتلت أو هتكت؟قال لا. قال: فما معنى قولك:

و سرب ظباء من ذؤابة هاشم # هتفن بدعوى خير حيّ و ميّت

أردّ يدا منّي إذا ما ذكرته # على كبد حرّيّ و قلب مفتّت

فلا بات ليل الشامتين بغبطة # و لا بلغت آمالهم ما تمنّت‏

فقال: يا أمير المؤمنين، لوعة غلبتني، و روعة فاجأتني، و نعمة فقدتها بعد أن غمرتني؛ و إحسان شكرته فأنطقني، و سيّد فقدته فأقلقني. فإن عاقبت فبحقّك، و إن عفوت فبفضلك. فدمعت عينا المأمون و قال: قد عفوت عنك و أمرت بإدرار أرزاقك و إعطائك ما فات منها، و جعلت عقوبة ذنبك امتناعي من استخدامك.

شعره في عمرو بن مسعدة ليشفع له لدى المأمون‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أبي قال:

لمّا أعيت حسين بن الضحّاك الحيلة في رضا المأمون عنه، رمى بأمره إلى عمرو بن مسعدة و كتب إليه:

أنت طودي من بين هذي الهضاب # و شهابي من دون كلّ شهاب

أنت يا عمرو قوّتي و حياتي # و لساني و أنت ظفري و نابي

أ تراني أنسى أياديك البيـ # ض إذ اسودّ نائل الأصحاب

/أين عطف الكرام في مأقط[2]الحا # جة يحمون حوزة الآداب

أين أخلاقك الرضيّة حالت # فيّ أم أين رقّة الكتّاب

أنا في ذمّة السّحاب و أظما! # إنّ هذا لوصمة في السّحاب

قم إلى سيّد البريّة عنّي # قومة تستجرّ حسن خطاب

فلعلّ الإله يطفئ عنّي # بك نارا عليّ ذات التهاب‏

قال: فلم يزل عمرو يلطف للمأمون حتى أوصله إليه و أدرّ أرزاقه.

[1]في حـ: «فقطب» .

[2]المأقط: المضيق في الحرب. و قد وردت هنا على وجه الاستعارة.

122

غضب عليه المعتصم فترضاه بشعر فرضي‏

:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني عون بن محمد قال حدّثني الحسين بن الضحّاك قال:

غضب المعتصم عليّ في شي‏ء جرى على النبيذ، فقال: و اللّه لأؤدّبنّه!و حجبني أياما. فكتبت إليه:

غضب الإمام أشدّ من أدبه # و قد استجرت و عذت من غضبه

أصبحت معتصما بمعتصم # أثنى الإله عليه في كتبه

لا و الذي لم يبق لي سببا # أرجو النجاة به سوى سببه

ما لي شفيع غير حرمته # و لكلّ من أشفى على عطبه‏

قال: فلمّا قرئ عليه التفت إلى الواثق ثم قال: بمثل هذا الكلام، يستعطف الكرام؛ ما هو إلاّ أن سمعت أبيات حسين هذه حتى أزالت ما في نفسي عليه. فقال له الواثق: هو حقيق بأن يوهب له ذنبه و يتجاوز عنه. فرضي عنّي و أمر بإحضاري.

هجا العباس ابن المأمون‏

:

قال الصوليّ فحدّثني/الحسين بن يحيى أنّ هذه الأبيات إنما كتب بها إلى المعتصم؛ لأنّه بلغه عنه أنه مدح العبّاس بن المأمون و تمنّى له الخلافة، فطلبه فاستتر و كتب بها إلى المعتصم على يدي الواثق فأوصلها و شفع له فرضي عنه و أمّنه فظهر إليه، و هجا العباس بن المأمون فقال:

/

خلّ اللّعين و ما اكتسب # لا زال منقطع السّبب

يا عرّة الثّقلين لا # دينا رعيت و لا حسب

حسد الإمام مكانه # جهلا حذاك‏[1]على العطب

و أبوك قدّمه لها # لما تخيّر و انتخب‏

ما تستطيع سوى التنفّس و التجرّع للكرب

ما زلت عند أبيك منـ # تقص المروءة و الأدب‏

أمره صالح بن الرشيد أن يقول شعرا يغني فيه ابن بانة

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات و ابن مهرويه قالا[2]:

كنّا عند صالح بن الرشيد ليلة و معنا حسين بن الضحّاك و ذلك في خلافة المأمون، و كان صالح يهوى خادما له؛ فغاضبه في تلك الليلة فتنحّى عنه، و كان جالسا في صحن حوله نرجس في قمر طالع حسن؛ فقال للحسين: قل في مجلسنا هذا و ما نحن فيه أبياتا يغنّي فيها عمرو بن بانة. فقال الحسين:

[1]حذاك على العطب: جعلك محاذيا له يريد أنه قادك إليه و أوقعك فيه.

[2]في الأصول: «قال» . ـ

123
صوت‏

وصف البدر حسن وجهك حتى # خلت أنّي و ما أراك أراكا

و إذا ما تنفّس النرجس الغـ # ضّ توهّمته نسيم شذاكا

خدع للمنى تعلّلني فيـ # ك بإشراق ذا و نفحة ذاكا

لأدومنّ يا حبيبي على العـ # هد لهذا و ذاك إذ حكياكا

قال عمرو: فقال لي صالح: تغنّ فيها، فتغنّيت فيها من ساعتي.

لحن عمرو في هذه الأبيات ثقيل بالبنصر من روايته.

شعره في محبوبه يسر خادم أبي عيسى بن الرشيد

:

و قد حدّثني بهذا الخبر عليّ بن العباس بن أبي طلحة قال حدّثني عبيد اللّه بن زكريا الضّرير قال حدّثنا الجمّاز عن أبي نواس قال:

كنت أتعشّق ابنا للعلاء يقال له محمد، و كان حسين يتعشّق خادما لأبي عيسى بن الرشيد يقال له يسر؛ فزارني يوما فسألته عنه فقال: قد كاد قلبي أن يسلو عنه و عن حبّه. قال: و جاءني ابن العلاء صاحبي فدخل عليّ و في يده نرجس، فجلسنا نشرب و طلع القمر؛ فقلت له: يا حسين أيّما أحسن القمر[1]أم محمد؟فأطرق ساعة ثم قال:

اسمع جواب الذي سألت عنه:

وصف البدر حسن وجهك حتى # خلت أنّي و ما أراك أراكا

و إذا ما تنفّس النّرجس الغـ # ضّ توهّمته نسيم شذاكا

و أخال الذي لثمت أنيسي # و جليسي ما باشرته يداكا

فإذا ما لثمت لثمك فيه # فكأني بذاك قبّلت فاكا

خدع للمنى تعلّلني فيـ # ك بإشراق ذا و نفحة ذاكا

لأقيمنّ ما حييت على الشكـ # ر لهذا و ذاك إذ حكياكا

/قال: فقلت له: أحسنت و اللّه ما شئت!و لكنّك يا كشخان‏[2]هو ذا تقدر أن تقطع الطريق في عملي!فقال:

يا كشخان أو شعري الذي سمعته في حاضر أم بذكر غائب!و اللّه للنّعل التي‏[3]يطأ عليها يسر أحسن عندي من صاحبك و من القمر و من كلّ ما أنتم فيه.

مدح المتوكل شعره‏

:

أخبرني عليّ بن العبّاس قال حدّثني أحمد بن سعيد بن عنبسة القرشيّ الأمويّ قال حدّثني عليّ بن الجهم قال:

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «أو» .

[2]الكشخان (بالفتح و يكسر) : الديوث، و هو دخيل في كلام العرب.

[3]في الأصول: «الذي» .

124

/دخلت يوما على المتوكّل و هو جالس في صحن خلده‏[1]و في يده غصن آس و هو يتمثّل بهذا الشعر:

بالشّطّ لي سكن أفديه من سكن # أهدى من الآس لي غصنين في غصن

فقلت إذ نظما إلفين و التبسا # سقيا و رعيا لفأل فيكما حسن

فالآس لا شكّ آس من تشوّقنا # شاف و آس لنا يبقى على الزمن

أ بشرتماني بأسباب ستجمعنا # إن شاء ربي و مهما يقضه يكن‏

قال: فلما فرغ من إنشادها قال لي وكدت أنشقّ حسدا: لمن هذا الشعر يا عليّ؟فقلت: للحسين بن الضحّاك يا سيّدي. فقال لي: هو عندي أشعر أهل زماننا و أملحهم مذهبا و أظرفهم نمطا[2]. فقلت و قد زاد غيظي: في الغزل يا مولاي. قال: و في غيره و إن رغم أنفك و متّ حسدا. و كنت قد مدحته بقصيدة و أردت إنشادها يومئذ فلم أفعل، و علمت أنّي لا أنتفع مع ما جرى بيننا بشي‏ء لا به و لا بالقصيدة، فأخّرتها إلى وقت آخر.

قصته مع شفيع خادم المتوكل و شعره فيه‏

:

أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني أحمد بن يزيد المهلّبيّ قال حدّثني أبي قال:

أحبّ المتوكّل على اللّه أن ينادمه حسين بن الضحّاك و أن يرى ما بقي من شهوته لما كان عليه؛ فأحضره و قد كبر و ضعف، فسقاه حتى سكر، و قال لخادمه شفيع: اسقه، فسقاه و حيّاه بوردة، و كانت على شفيع ثياب مورّدة؛ فمدّ الحسين يده إلى ذراع شفيع. فقال له المتوكل: يا حسين، أتجمّش‏[3]أخصّ خدمي عندي بحضرتي!فكيف لو خلوت!ما أحوجك إلى أدب!و قد كان المتوكّل غمز شفيعا/على العبث به. فقال الحسين: يا سيّدي، أريد دواة و قرطاسا، فأمر له بذلك، فكتب بخطّه:

و كالوردة الحمراء حيّا بأحمر # من الورد يمشي في قراطق‏[4]كالورد

له عبثات عند كلّ تحيّة # بعينيه تستدعي الحليم إلى الوجد

تمنّيت أن أسقى بكفّيه شربة # تذكّرني ما قد نسيت من العهد

سقى اللّه دهرا لم أبت فيه ليلة # خليّا و لكن من حبيب على وعد

ثم دفع الرقعة إلى شفيع و قال له: ادفعها إلى مولاك. فلما قرأها استملحها و قال: أحسنت و اللّه يا حسين!لو كان شفيع ممن تجوز هبته لوهبته لك، و لكن بحياتي إلاّ كنت ساقيه باقي يومه هذا و اخدمه كما تخدمني؛ و أمر له بمال كثير حمل معه لمّا انصرف. قال أحمد بن يزيد فحدّثني أبي قال: صرت إلى الحسين بعد انصرافه من عند المتوكّل بأيام، فقلت له: ويلك!أ تدري ما صنعت؟!قال: نعم أدري، و ما كنت لأدع عادتي بشي‏ء؛ و قد قلت بعدك:

[1]الخلد: قصر للمنصور العباسي على شاطئ دجلة توارثه أبناؤه من بعده.

[2]في حـ: «أعظما» .

[3]كذا في حـ. و الجمش و التجميش: ضرب من المغازلة و الملاعبة. و في سائر الأصول: «أتجس» .

[4]القرطق كجندب: قباء ذو طاق واحد.

125
صوت‏

لا رأى عطفة الأحـ # بّة من لا يصرّح

أصغر الساقيين # أشكل عندي و أملح

لو تراه كالظّبي يسـ # نح حينا و يبرح

خلت غصنا على كثيـ # ب بنور يرشّح‏

غنى عمرو بن بانة في هذه الأبيات ثاني ثقيل بالبنصر.

شعره في شفيع و قد حياه بتفاحة عنبر

:

و قد أخبرني بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيديّ و قال حدّثني محمد بن أبي عون قال:

/حضرت المتوكّل و عنده محمد بن عبد اللّه بن طاهر و قد أحضر حسين بن الضحّاك للمنادمة، فأمر خادما كان واقفا على رأسه، فسقاه و حيّاه بتفّاحة عنبر. و قال لحسين: قل في هذا شيئا؛ فقال:

و كالدّرّة البيضاء حيّا بعنبر # و كالورد يسعى في قراطق كالورد

له عبثات عند كلّ تحيّة # بعينيه تستدعي الحليم إلى الوجد

تمنّيت أن أسقى بكفّيه‏[1]شربة # تذكّرني ما قد نسيت من العهد

سقى اللّه عيشا لم أبت فيه ليلة # من الدّهر إلا من حبيب على وعد

فقال المتوكل: يحمل إلى حسين لكل بيت مائة دينار. فالتفت إليه محمد بن عبد اللّه بن طاهر كالمتعجّب و قال: لم ذاك يا أمير المؤمنين!فو اللّه لقد أجاب فأسرع، و ذكّر فأوجع، و أطرب فأمتع؛ و لو لا أنّ يد أمير المؤمنين لا تطاولها يد لأجزلت له العطاء و لو أحاط بالطارف و التالد. فخجل المتوكّل و قال: يعطى حسين بكلّ بيت ألف دينار.

و قد أخبرني بهذا الخبر ابن قاسم الكوكبيّ قال حدّثنا بشر بن محمد قال و حدّثني علي بن الجهم: أنه حضر المتوكّل و قد أمر شفيعا أن يسقى حسين بن الضحّاك؛ و ذكر باقي الخبر نحو ما مضى من رواية غيره.

شعره في مقحم خادم ابن شغوف‏

:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد المبرّد، و حدّثني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال أخبرني محمد بن مروان عن محمد بن عمرو الرّوميّ قال:

اجتمع حسين بن الضحّاك و عمرو بن بانة يوما عند ابن شغوف الهاشميّ فاحتبسهما عنده. و كان لابن شغوف خادم حسن يقال له مقحم، و كان عمرو بن/بانة يتعشّقه و يسرّ ذلك من ابن شغوف. فلمّا أكلوا و وضع النبيذ قال عمرو بن بانة للحسين: قل في مقحم أبياتا أغنّ فيها الساعة. فقال الحسين:

[1]كذا في ب، س. و في سائر الأصول في هذا الموضع: «بعينيه» .

126
صوت‏

وا بأبي مقحم لعزّته # قلت له إذ خلوت مكتتما

تحبّ باللّه من يخصّك بالو # دّ فما قال لا و لا نعما

شعر إسحاق الموصلي في عمرو بن بانة

:

و غنّى فيه عمرو. قال: فبيناهم كذلك إذ جاء الحاجب فقال: إسحاق الموصليّ بالباب؛ فقال له عمرو: أعفنا من دخوله و لا تنغّص علينا ببغضه و صلفه و ثقله ففعل؛ و خرج الحاجب فاعتلّ على إسحاق حتى انصرف، و أقاموا يومهم و باتوا ليلتهم عند ابن شغوف. فلما أصبحوا مضى الحسين بن الضحّاك إلى إسحاق فحدّثه الحديث بنصّه.

فقال إسحاق:

/

يا ابن شغوف أ ما علمت بما # قد صار في الناس كلّهم علما

دعوت عمرا فبات ليلته # في كلّ ما يشتهي كما زعما

حتى إذا ما الظلام ألبسه # سرى دبيبا فضاجع الخدما

ثمت لم يرض أن يضاجعهم # سرّا و لكن أبدى الذي كتما

ثم تغنّى لفرط صبوته # صوتا شفى من غليله السّقما:

« وا بأبي مقحم لعزّته # قلت له إذ خلوت مكتتما»

«تحبّ باللّه من يخصّك بالو # دّ فما قال لا و لا نعما»

قال: و شاعت الأبيات في الناس و غنّى فيها إسحاق أيضا فيما أظن؛ فبلغت ابن شغوف فحلف ألاّ يدخل عمرا داره أبدا و لا يكلّمه، و قال: فضحني و شهرني و عرّضني للسان إسحاق؛ فمات مهاجرا له. و قال ابن أبي سعد في خبره: إن إسحاق/غنّى فيها للمعتصم، فسأله عن خبرها فحدّثه بالحديث، فضحك و طرب و صفّق؛ و لم يزل يستعيد الصوت و الحديث و ابن شغوف يكاد أن يموت إلى أن سكر و نام.

لحن عمرو بن بانة في البيتين اللذين قالهما حسين في مقحم من الثقيل الثاني بالوسطى.

قال له أبو نواس أنت أشعر الناس في الغزل‏

:

أخبرني عليّ بن العباس بن أبي طلحة قال حدّثني محمد بن موسى بن حمّاد قال سمعت مهديّ بن سابق يقول:

التقى أبو نواس و حسين بن الضحّاك، فقال أبو نواس: أنت أشعر[أهل‏][1]زمانك في الغزل؛ قال: و في أيّ ذلك؟قال: أ لا تعلم يا حسين؟قال لا؛ قال: في قولك:

وا بأبي مقحم لعزّته # قلت له إذ خلوت مكتتما

نحبّ باللّه من يخصّك بالو # دّ فما قال لا و لا نعما

[1]زيادة عن حـ.

127

ثم تولّى بمقلتي خجل # أراد رجع الجواب فاحتشما

فكنت كالمبتغي بحيلته # برءا من السّقم فابتدا سقما

فقال الحسين: ويحك يا أبا نواس‏[1]!فأنت لا تفارق مذهبك في الخمر البتّة؛ قال: لا و اللّه، و بذلك فضلتك و فضلت الناس جميعا.

مدح أبو العباس ثعلب شعره‏

:

أخبرني عليّ بن العباس قال أنشدنا أبو العباس ثعلب قال أنشدني حمّاد بن المبارك صاحب حسين بن الضحّاك قال أنشدني حسين لنفسه:

لا و حبّيك لا أصا # فح بالدّمع مدمعا

من بكى شجوه استرا # ح و إن كان موجعا

/كبدي من هواك أسـ # قم من أن تقطّعا

لم تدع سورة الضّنى # فيّ للسّقم موضعا

قال: ثم قال لنا ثعلب: ما بقي من يحسن أن يقول مثل هذا.

قال ابن الرومي عنه إنه أغزل الناس‏

:

أخبرني عليّ قال حدّثني محمد بن الفضل الأهوازيّ قال سمعت عليّ بن العباس الروميّ يقول:

حسين بن الضحّاك أغزل الناس و أظرفهم. فقلت: حين يقول ما ذا؟فقال: حين يقول:

يا مستعير سوالف الحشف # اسمع لحلفة صادق الحلف

إن لم أصح ليلي: و يا حربي # و من وجنتيك و فترة الطّرف

/فجحدت ربّي فضل نعمته # و عبدته أبدا على حرف‏[2]

شعره في فتن محبوبته‏

:

أخبرني عليّ بن العباس الروميّ قال حدّثني قتيبة عن عمرو السّكونيّ‏[3]بالكوفة قال حدّثني أبي قال حدّثني حسين بن الضحّاك قال:

كانت تألفني مغنّية، و تجيئني دائما، و كنت أميل إليها و أستملحها، و كان يقال لها فتن. فكان يجي‏ء معها [1]في حـ: «يا نواسي» و كان أبو نواس يدعى بهذا اللقب.

[2]على حرف: على طرف من الدين لا في في وسطه و قلبه. و هذا مثل لمن يكون على قلق و اضطراب في دينه لا على سكون و طمأنينة: كالذي يكون على طرف من العسكر فإن أحس بظفر و غنيمة قرّ و اطمأن و إلا فرّ و طار على وجهه. و في القرآن الكريم:

وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اَللََّهَ عَلى‏ََ حَرْفٍ فَإِنْ أَصََابَهُ خَيْرٌ اِطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصََابَتْهُ فِتْنَةٌ اِنْقَلَبَ عَلى‏ََ وَجْهِهِ خَسِرَ اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةَ ذََلِكَ هُوَ اَلْخُسْرََانُ اَلْمُبِينُ . (راجع «الكشاف» للزمخشري) .

[3]هذه النسبة إلى السكون و هو بطن من كندة. و هو عمرو بن مجمع بن سليمان أبو المنذر السكوني الكندي من أهل الكوفة. و في الأصول: «السكوتي» بالتاء؛ و هو تصحيف.

128

خادم لمولاتها يحفظها يسمّى نجحا، و كان بغيضا شرس الخلق، فإذا جاء معها توقّيته؛ فمرض، فجاءتني و معها غيره، فبلغت منها مرادي و تفرّجت يومي و ليلتي؛ فقلت:

/

لا تلمني على فتن # إنها كاسمها فتن

فإذا لم أهم بها # فبمن!لا بمن إذن

أين-لا أين-مثلها # في جميع الورى سكن!

طيب نشر إذا لثمـ # ت و غنج و محتضن

وال عشرا من الصّبو # ح على وجهها الحسن

و على لفظها # المنوّن للاّم بالغنن

لست أنسى من الغريـ # رة إذ بحت بالشّجن

قولها إذ سلبتها # عن كثيب و عن عكن:

ليس يرضيك يا فتى # من هوى دون أن تهن

فامتزجنا معا مما # زجة الرّوح للبدن

و كفينا من أن نرا[1] # قب نجحا إذا فطن

و أمنّاه أن ينمّ # و ما كان مؤتمن

كلّ ما كان من حبيـ # بك مستظرف حسن‏

ناظر مخارقا في أبي نواس و أبي العتاهية فحكم له‏

:

حدّثني جحظة قال حدّثني أبو عبد اللّه الهشاميّ:

أنّ مخارقا و حسين بن الضحّاك تلاحيا في أبي العتاهية و أبي نواس أيّهما أشعر؛ فاتّفقا على اختيار شعر من شعريهما يتخايران فيه، فاختار الحسين بن الضحّاك شيئا من شعر أبي نواس جيّدا قويّا لمعرفته بذلك، و اختار مخارق شيئا من شعر أبي العتاهية ضعيفا سخيفا غزلا كان يغنّى فيه لا لشي‏ء عرفه منه إلا لأنه استملحه و غنّى فيه، فخاير به لقلّة علمه و لما كان بينه و بين أبي العتاهية من المودّة؛ و تخاطرا[2]على مال، و تحاكما إلى/من يرتضيه الواثق باللّه و يختاره لهما؛ فاختار الواثق لذلك أبا محلّم؛ و بعث فأحضره و تحاكما إليه بالشعرين فحكم لحسين بن الضحّاك. فتلكّأ مخارق و قال: لم أحسن الاختيار للشعر و لحسين أعلم منّي بذلك، و لأبي العتاهية خير مما اخترت، و قد اختار حسين أجود ما قدر عليه لأبي نواس لأنه أعلم منّي بالشعر، و لكنّا نتخاير بالشاعرين ففيهما وقع الجدال؛ فتحاكما فحكم لأبي نواس، و قال: هو أشعر و أذهب في فنون الشعر و أكثر إحسانا في جميع تصرّفه. فأمر الواثق بدفع الخطر إلى حسين، و انكسر مخارق فما انتفع به بقيّة يومه.

[1]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «يراقب» بالياء و هو تصحيف.

[2]تخاطرا: تراهنا.

129

مدح الحسن بن سهل و طلب أن يصلح المأمون له‏

:

أخبرني ابن أبي طلحة قال حدّثني سوادة بن/الفيض قال حدّثني أبي قال:

لمّا اطّرح المأمون حسين بن الضحّاك لهواه-كان-في أخيه محمد و جفاه، لاذ الحسين بن الضحّاك بالحسن بن سهل و طمع أن يصلحه له؛ فقال يمدحه:

أرى الآمال غير معرّجات # على أحد سوى الحسن بن سهل

يباري يومه غده سماحا # كلا اليومين بان بكلّ فضل

أرى حسنا تقدّم مستبدّا # ببعد من رئاسته و قبل

فإن حضرتك‏[1]مشكلة بشكّ # شفاك بحكمة و خطاب فصل

سليل مرازب برعوا[2]حلوما # و راع صغيرهم بسداد كهل

ملوك إن جريت بهم أبرّوا # و عزّوا أن توازنهم‏[3]بعدل

ليهنك أنّ ما أرجأت رشد # و ما أمضيت من قول و فعل

/و أنك مؤثر للحقّ فينا # أراك اللّه من قطع و وصل

و أنّك للجميع حيا ربيع # يصوب على قرارة كلّ محل‏

قال: فاستحسنها الحسن بن سهل، و دعا بالحسين فقرّبه و آنسه و وصله و خلع عليه و وعده إصلاح المأمون له، فلم يمكنه ذلك لسوء رأي المأمون فيه و لما عاجل الحسن من العلّة.

سأله الحسن بن سهل عن شعر له فأجابه‏

:

قال عليّ بن العباس بن أبي طلحة و حدّثني أبو العباس أحمد بن الفضل المروزيّ قال: سمعت الحسن بن سهل يقول لحسين بن الضحّاك: ما عنيت بقولك:

يا خليّ الذّرع من شجني # إنما أشكو لترحمني‏

قال: قد بيّنته؛ قال: بأيّ شي‏ء؟قال: قلت:

منعك الميسور يؤيسني # و قليل اليأس يقتلني‏

فقال له أبو محمد: إنك لتضيع بالخلاعة، ما أعطيته من البراعة.

عشق غلام الحسن بن سهل و تغزل فيه فوهبه له‏

:

أخبرني عليّ بن العباس قال حدّثني أحمد بن القاسم المرّيّ قال حدّثنا أبو هفّان قال:

سألت حسين بن الضحّاك عن خبره المشهور مع الحسن بن سهل في اليوم الذي شرب معه فيه و بات عنده [1]كذا في م. و في ب، س، حـ: «خفرتك» . و في أ، ء: «حفرتك» و كلاهما تحريف.

[2]في الأصول: «يرعوا» بالياء، و هو تصحيف.

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «توازيهم» بالياء المثناة من تحت. و العدل: النظير.

130

و كيف كان ابتداؤه، فقلت له: إني أشتهي أن أسمعه منك. فقال لي: دخلت على الحسن بن سهل في فصل الخريف و قد جاء و سميّ من المطر فرشّ رشّا حسنا، و اليوم في أحسن منظر و أطيبه، و هو جالس على سرير آبنوس و عليه قبّة فوقها طارمة[1]ديباج أصفر و هو يشرف على بستان في داره، و بين/يديه و صائف يتردّدن في خدمته و على رأسه غلام كالدّينار؛ فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام، و نظر إليّ كالمستنطق؛ فأنشأت أقول:

أ لست ترى ديمة تهطل # و هذا صباحك مستقبل‏

فقال: بلى. فقلت:

و تلك المدام‏[2]و قد شاقنا # برؤيته الشادن الأكحل‏

فقال: صدقت فمه؛ فقلت:

فعاد به و بنا سكرة[3] # تهوّن مكروه ما نسأل‏[4]

فسكت. فقلت:

فإني رأيت له نظرة # تخبّرني أنه يفعل‏

/ثم قال: مه؛ فقلت:

و قد أشكل العيش في يومنا # فيا حبّذا عيشنا المشكل‏

فقال: العيش مشكل، فما ترى؟فقلت: مبادرة القصف و تقريب الإلف. قال: على أن تقيم معنا و تبيت عندنا. فقلت له: لك الوفاء و عليك مثله لي من الشرط. قال: و ما هو؟قلت: يكون هذا الواقف على رأسك يسقيني. فضحك ثم قال: ذلك لك على ما فيه. و دعا بالطعام فأكلنا و بالشراب فشربنا أقداحا. و لم أر الغلام، فسألت عنه فقال لي: الساعة يجي‏ء، فلم نلبث أن وافاني؛ فسألته أين كان؟فقال: كنت في الحمّام و هو الذي حبسني عنك. فقلت لوقتي:

/

وا بأبي أبيض في صفرة # كأنه تبر على فضّة

جرّده الحمّام عن درّة # تلوح فيها عكن بضّه

غصن تبدّى يتثنّى على # مأكمة[5]مثقلة النّهضه

كأنما الرّشّ على خدّه # طلّ على تفّاحة غضّه

صفاته فاتنة كلّها # فبعضه يذكرني بعضه

يا ليتني زوّدني قبلة # أو لا فمن وجنته عضّه‏

[1]الطارمة في الأصل: بيت من خشب كالقبة، و هو دخيل أعجميّ معرّب. و المراد به هنا ستر رقيق من الديباج مظلل به الكرسي.

[2]رواية هذا البيت في «تجريد الأغاني» :

و هذي العقار و قد راعنا # بطلعته الشادن الأكحل‏

[3]كذا في حـ و «تجريد الأغاني» . و في سائر الأصول: «سكره» بالهاء المهملة.

[4]في «تجريد الأغاني» : «مكروه ما يبزل» . و لعل صوابه: «ما يبذل» بالذال.

[5]المأكمة: العجيزة.

131

فقال لي الحسن: قد عمل فيك النبيذ؛ فقلت: لا و حياتك!فقال: هذا شرّ من ذلك. فقلت:

اسقياني و صرّفا # بنت حولين قرقفا

و اسقيا المرهف الغريـ # ر سقى اللّه مرهفا

لا تقولا نراه أكـ # لف‏[1]نضوا مخفّفا

نعم ريحانة النديـ # م و إن كان مخطفا[2]

إن يكن أكلفا فإ # ني أرى البدر أكلفا

بأبي ما جن السريـ # رة يبدي تعفّفا

حفّ‏[3]أصداغه و عقـ # ر[4]بها ثم صفّفا

وحشا مدرج القصا # ص‏[5]بمسك و رصّفا

فإذا رمت منه ذا # ك تأبّى و عنّفا

ليس إلاّ بأن ير # نّحه السّكر مسعفا

/باكرا لا تسوّفا # ني عدمت المسوّفا

أعجلاه و بالفضا[6] # ضة في السّقي فاعنفا

و احملا شغبه و إن # هو زنّى‏[7]و أفّفا

فإذا همّ للمنا # م فقوما و خفّفا

فتغاضب الغلام و قام فذهب، ثم عاد فقال لي: أقبل على شرابك ودع الهذيان. و ناولني قدحا. و قام أبو محمد ليبول، فشربت و أعطاني نقلا فقلت: اجعل بدله قبلة؛ فضحك و قال: /أفعل، هذا وقته فبدا له و قال: لا أفعل؛ فعاودته فانتهرني. فقال له خادم للحسن‏[8]يقال له فرج: بحياتي يا بنيّ أسعفه بما طلب؛ فضحك ثم دنا منّي كأنّه يناولني نقلا و تغافل فاختلست منه قبلة؛ فقال لي: هي حرام عليك فقلت:

و بديع الدّلّ قصريّ الغنج # مره‏[9]العين كحيل بالدّعج‏

[1]الكلف: شي‏ء يعلو الوجه كالسمسم.

[2]مخطفا: منطوي الحشى، قليل لحم الجنب.

[3]في الأصول: «عف» بالعين المهملة.

[4]في ب، س: «و غفرها» و هو تصحيف.

[5]قصاص الشعر: نهاية منبته و منقطعه على الرأس.

[6]الفضاضة: آخر الشي‏ء.

[7]كذا في حـ. و زني: قذف و سب. و في سائر الأصول: «رنا» بالراء و النون و هو تحريف.

[8]كذا في حـ و هو الصواب. و في باقي الأصول: «للحسين» و هو تحريف.

[9]مره بالعين: خلت عينه من الكحل.

132

سمته شيئا و أصغيت له # بعد ما صرّف كأسا و مزج

و استخفّته على نشوته # نبرات من خفيف و هزج

فتأبّى و تثنّى خجلا # و ذرا الدمع فنونا و نشج

لجّ في «لو لا» و في «سوف ترى» # و كذا كفكف‏[1]عنّي و خلج

ذهب الليل و ما نوّلني # دون أن أسفر صبح و انبلج

/هوّن الأمر عليه فرج # بتأتّيه‏[2]فسقيا لفرج

خمر النكهة لا من قهوة # أرّج الأصداغ بالمسك أرج

و بنفسي نفس من قال، و قد # كان ما كان، حرام و حرج‏

قال: ثم أسفر الصبح. فانصرفت و عدت من غد إلى الحسن؛ فقال لي: كيف كنت في ليلتك و كيف كنت عند[3]نومك؟فقلت له: أ أصف ذلك نثرا أم نظما؟فقال: بل نظما فهو أحسن عندي، فقلت:

تألّفت طيف غزال الحرم # فواصلني بعد ما قد صرم

و ما زلت أقنع من نيله # بما تجتنيه بنان الحلم

بنفسي خيال على رقبة # ألمّ به الشوق فيما زعم

أتاني يجاذب أردافه # من البهر تحت كسوف الظّلم

تمجّ سوالفه مسكة # و عنبرة ريقه و النّسم

تضمّخ من بعد تجميره‏[4] # فطاب من القرن حتى القدم

يقول و نازعته توبه # على أن يقول لشي‏ء نعم

فغضّ الجفون على خجلة # و أعرض إعراضة المحتشم

فشبّكت كفّي على كفّه # و أصغيت ألثم درّا بفم

فنهنهني دفع لا مؤيس # بجدّ و لا مطمع معتزم

إذا ما هممت فأدنيته # تثنّى و قال لي الويل لم

فما زلت أبسطه مازحا # و أفرط في اللهو حتى ابتسم

/و حكّمني الرّيم في نفسه # بشي‏ء و لكنّه مكتتم

فواها لذلك من طارق # على أن ما كان أبقى سقم‏

[1]كذا في حـ. و كفكف: كف و أعرض. و في سائر الأصول: «كفك عني» . و خلج: جذب و انتزع يريد أنه دفعه و انتزع نفسه منه.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «بتأنيه» . بالنون.

[3]في حـ: «في» .

[4]جمرته إذا بخرته بالطيب. و في الأصول: «تخميره» بالخاء المعجمة و هو تصحيف.

133

قال: فقال لي الحسن: يا حسين يا فاسق!أظنّ ما ادّعيته على الطّيف في النوم كان في اليقظة مع الشخص نفسه، و أصلح الأشياء لنا بعد ما جرى أن نرحض‏[1]العار عن أنفسنا/بهبة الغلام لك، فخذه لا بورك لك فيه! فأخذته و انصرفت.

شعره في غلام للحسن بن سهل‏

:

حدّثني عليّ بن العباس قال حدّثني أبو العيناء قال: أنشدني الحسين بن الضحّاك لنفسه في غلام للحسن بن سهل كان اجتمع معه في دار الحسن، ثم لقيه بعد ذلك فسلّم عليه فلم يكلّمه الغلام؛ فقال:

فديتك ما لوجهك صدّ عنّي # و أبديت التّندّم بالسلام

أ حين خليتني‏[2]و قرنت قلبي # بطرفك و الصّبابة في نظام

تنكّر ما عهدت لغبّ يوم # فيا قرب الرّضاع من الفطام

لأسرع ما نهيت إلى همومي # سروري بالزيارة و اللّمام‏

أخذ جبة من موسى بن عمران كجبة أبي نواس‏

:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني حسين بن الضحّاك الخليع قال:

كنت في المسجد الجامع بالبصرة، فدخل علينا أبو نواس و عليه جبّة خزّ جديدة. فقلت له: من أين هذه يا أبا نواس؟فلم يخبرني، فتوهّمت أنه أخذها من موسى بن عمران لأنه دخل‏[3]من باب بني تميم؛ فقمت فوجدت موسى قد لبس جبّة خزّ أخرى؛ فقلت له:

كيف أصبحت يا أبا عمران‏

/فقال: بخير صبّحك اللّه به. فقلت:

يا كريم الإخاء و الإخوان‏

فقال: أسمعك اللّه خيرا. فقلت:

إن لي حاجة فرأيك فيها # إننا في قضائها سيّان‏

فقال: هاتها على اسم اللّه و بركته. فقلت:

جبّة من جبابك الخزّ حتى # لا يراني الشتاء حيث يراني‏

قال: خذها على بركة اللّه، و مدّ كمّه فنزعتها و جئت و أبو نواس جالس؛ فقال: من أين لك هذه؟فقلت: من حيث جاءتك تلك.

[1]نرحض: نغسل.

[2]في الأصول: «خليتني» بالياء المثناة من تحت. و ظاهر أنها مصحفة عما أثبتناه.

[3]كذا في ب، س: و في سائر الأصول: «دخلها» .

134

وفد هو و محمد بن عمرو على المعتصم و أنشده شعرا فأجازهما

:

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثني محمد بن موسى بن حمّاد قال أخبرني عبد اللّه بن الحارث عن إبراهيم بن عبد السلام عن الحسين بن الضحّاك قال:

دخلت أنا و محمد بن عمرو الرومي دار المعتصم، فخرج علينا كالحا. قال: فتوهّمنا أنه أراد النّكاح فعجز عنه. قال: و جاء إيتاخ‏[1]فقال: مخارق و علويه و فلان و فلان من أشباههما بالباب؛ فقال: اعزب عنّي، عليك و عليهم لعنة اللّه!. قال: فتبسّمت إلى محمد بن عمرو؛ و فهم المعتصم تبسّمي فقال لي: ممّ تبسمت؟فقلت: من شي‏ء حضرني؛ فقال: هاته؛ فأنشدته:

صوت‏

انف عن قلبك الحزن # باقتراب من السّكن

/و تمتّع بكرّ طر # فك في وجهه الحسن

إنّ فيه شفاء صد # رك من لاعج الحزن‏

قال: فدعا بألفي دينار: ألف لي و ألف لمحمد، فقلت: الشعر لي، فما معنى الألف لمحمد بن عمرو؟قال:

لأنه جاءنا معك. ثم أذن لمخارق و علّويه فدخلا، فأمرهما بأن يغنّيا فيه ففعلا، فما زال يعيد هذا الشعر، و لقد قام ليبول فسمعته يردّده.

الغناء في هذا الشعر اشترك فيه مخارق و علّويه و هو من الثقيل الأوّل بالبنصر.

أحب غلام أبي كامل المهندس و قال فيه شعرا

:

أخبرني عمّي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد/قال حدّثني محمد بن محمد بن مروان قال:

كان الحسين بن الضحّاك عند أبي كامل المهندس و أنا معهم حاضر، فرأى خادما فاستحسنه و أعجبه. فقال له بعض أصحابه: أ تحبّه؟قال: نعم و اللّه؛ قال: فأعلمه؛ قال: هو أعلم بحبّي له منّي به. ثم قال:

عالم بحبّيه # مطرق من التّيه

يوسف الجمال وفر # عون في تعدّيه

لا و حقّ ما أنا من # عطفه أرجّيه‏[2]

[1]هو ايتاخ التركي المعتصمي القائد كان غلاما خزريا لسلام الأبرش طباخا فاشتراه منه المعتصم ثم رفعه و من بعده الواثق و ضما إليه من أعمال السلطان أعمالا كثيرة، و كان من أراد المعتصم أو الواثق قتله فعنده كان يقتل و بيده يحبس فقتل عجيفا و العباس بن المأمون و ابن الزيات الوزير و غيرهم. تولى الحكم بالديار المصرية من سنة 230 هـ-235 هثم كتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب بالقبض عليه في الباطن إن أمكنه؛ فتحايل عليه إسحاق حتى قبض عليه و قيده بالحديد و قتله عطشا سنة 235 هجرية (انظر الطبري ق 3 ص 1383-1386 طبع أوروبا و «النجوم الزاهرة» ج 2 ص 275، 276، 278 طبع دار الكتب المصرية) .

[2]كذا في «تجريد الأغاني» . و روايته في الأصول:

135

ما الحياة نافعة # لي على تأبّيه

النعيم يشغله # و الجمال يطغيه

فهو غير مكترث # للذي ألاقبه

تائه تزهّده # فيّ رغبتي فيه‏

/قال محمد بن محمد: و غنّى في هذا الشعر عمرو بن بانة و عريب و سليم و جماعة من المغنّين.

أحب صديق له جارية و عارضه فيها غلام أمرد فمالت إليه فقال شعرا في ذلك‏

:

حدّثني عمّي قال حدّثني ميمون بن هارون قال:

كان للحسين بن الضحّاك صديق و كان يتعشّق جارية مغنّية، فزاحمه فيها غلام كان في مرودته حسن الوجه؛ فلما خرجت لحيته جعل ينتف ما يخرج منها؛ و مالت القينة إليه لشبابه؛ فشكا ذلك إلى الحسين بن الضحّاك و سأله أن يقول فيها شعرا فقال:

خلّ الذي عنك لا تسطيع تدفعه # يا من يصارع من لا شكّ يصرعه

جاءت طرائق شعر أنت ناتفها # فكيف تصنع لو قد جاء أجمعه

اللّه أكبر لا أنفكّ من عجب # أ أنت تحصد ما ذو العرش يزرعه

تبّا لسعيك بل تبّا لأمّك إذ # ترعى حمى خالق الأحماء يمنعه‏

و قال فيه أيضا:

ثكلتك أمّك يا ابن يوسف # حتّام ويحك أنت تنتف

لو قد أتى الصيف الذي # فيه رءوس الناس تكشف

فكشفت عن خدّيك لي # لكشفت عن مثل المفوّف‏[1]

أو مثل زرع ناله الـ # يرقان أو نكباء حرجف‏[2]

فغدا عليه الزارعو # ن ليحصدوه و قد تقصّف

فظللت تأسف كالألى # أسفوا و لم يغن التأسّف‏

أحب غلاما فاشتراه صالح بن الرشيد

:

حدّثني عليّ بن العباس قال حدّثني عمير بن أحمد بن نصر الكوفيّ قال حدّثني زيد بن محمد شيخنا قال:

قلت لحسين بن الضحّاك و قد قدم إلينا الكوفة: يا أبا عليّ شهرت نفسك و فضحتها في خادم، فألا اشتريته!.

لا و حق ما أنا فيـ # ه من عطف أرجيه‏

و هو غير متزن.

[1]برد مفوّف: فيه خطوط بيض على الطول.

[2]النكباء الحرجف. الريح الباردة.

136

فقال: فديتك!إن الحبّ لجاج كلّه، و كنت أحببت هذا الخادم و واقفني على أن يستبيع لأشتريه، فعارضني فيه صالح بن الرشيد فاختلسه منّي و لم أقدر على الانتصاف منه، و آثره الخادم و اختاره، و كلانا يحبّه إلا أن صالحا يناك و لا أناك و الخادم في الوسط بلا شغل. فضحكت من قوله، ثم سألته أن ينشدني شيئا من شعره، فأنشدني:

إنّ من لا أرى و ليس يراني # نصب عيني ممثّل بالأماني

بأبي من ضميره و ضميري # أبدا بالمغيب ينتجيان

نحن شخصان إن نظرت و روحا # ن إذا ما اختبرت يمتزجان

فإذا ما هممت بالأمر أو # همّ بشي‏ء بدأته و بداني

كان وفقا ما كان منه و منّي # فكأني حكيته و حكاني

خطرات الجفون منّا سواء # و سواء تحرّك الأبدان‏

فسألته أن يحدّثني بأسرّ يوم مرّ له معه، فقال: نعم اجتمعنا يوما فغنّى مغنّ لنا بشعر قلته فيه فاستحسنه كلّ من حضر، ثم تغنّى بغيره؛ فقال لي: عارضه؛ فقلت: بقبلة فقال: هي لك، فقبّلته قبلة و قلت:

فدّيت من قال لي على خفره # و غضّ من جفنه على حوره:

سمّع بي‏[1]شعرك المليح فما # ينفكّ شاد به على وتره

حسبك بعض الذي أذعت و لا # حسب لصبّ لم يقض من وطره

/و قلت يا مستعير سالفة الخشـ # ف و حسن الفتور من نظره

لا تنكرنّ الحنين من طرب # عاود فيك الصّبا على كبره‏

لاطفه غلام أبي عيسى فقال فيه شعرا

:

حدّثني الصّوليّ و عليّ بن العباس قالا حدّثنا المغيرة بن محمد المهلّبيّ قال: كان حسين بن الضحّاك يتعشّق خادما لأبي عيسى أو لصالح بن الرشيد أخيه؛ فاجتمعا يوما عند أخي مولى الخادم، فجعل حسين يشكو إليه ما به فلا يسمع به‏[2]و يكذّبه؛ ثم سكن نفاره و ضحك إليه و تحدّثا ساعة. فأنشدنا حسين قوله فيه:

سائل بطيفك عن ليلى و عن سهري # و عن تتابع أنفاسي و عن فكري

لم يخل قلبي من ذكراك إذ نظرت # عيني إليك على صحوى و لا سكرى

سقيا ليوم سروري إذ تنازعني # صفو المدامة بين الأنس و الخفر

و فضل كأسك يأتيني فأشربه # جهرا و تشرب كأسي غير مستتر

و كيف أشمله لثمي و ألزمه # نحري و ترفعه كفّي إلى بصري‏

[1]في ب، س: «سمع بشعرك المليح إلخ... » .

[2]كذا في الأصول. و لعله: «فلا يسمع له» .

137

فليت مدّة يومي إذ مضى سلفا # كانت و مدّة أيامي على قدر

حتى إذا ما انطوت عنّا بشاشته # صرنا جميعا كذا جارين في الحفر

شعره في حادثة لصالح بن الرشيد مع غلام أخيه‏

:

حدّثني عمّي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن محمد بن مروان قال حدّثني حسين بن الضحّاك قال:

كان صالح بن الرشيد يتعشّق غلاما يسمّى يسرا خادم أخيه أبي عيسى، فكان يراوده عن نفسه فيعده و لا يفي له. فأرسله أبو عيسى ذات يوم إلى صالح أخيه/في السّحر يقول له: يا أخي إني قد اشتهيت أن أصطبح اليوم، فبحياتي لما ساعدتني و صرت إليّ لنصطبح اليوم جميعا. فسار يسر إلى صالح أخيه في السّحر/و هو منتش قد شرب في السّحر، فأبلغه الرسالة؛ فقال: نعم و كرامة، اجلس أوّلا فجلس؛ فقال: يا غلام أحضرني عشرة آلاف درهم فأحضرها؛ فقال له: يا يسر دعني من مواعيدك و مطلك، هذه عشرة آلاف درهم فخذها و اقض حاجتي، و إلاّ فليس هاهنا إلا الغصب؛ فقال له: يا سيّدي؛ إني أقضي الحاجة و لا آخذ المال. ثم فعل ما أراد و طاوعه، فقضى حاجته، و أمر صالح بحمل العشرة الآلاف الدرهم معه. قال الحسين: ثم خرج إليّ صالح من خلوته فقال:

يا حسين، قد رأيت ما كنّا فيه، فإن حضرك شي‏ء فقل: فقلت:

صوت‏

أيا من طرفه سحر # و من ريقته خمر

تجاسرت فكاشفتـ # ك لمّا غلب الصبر

و ما أحسن في مثلـ # ك أن ينهتك السّتر

و إن لا مني الناس # ففي وجهك لي عذر

فدعني من مواعيد # ك إذ حيّنك الدهر

فلا و اللّه لا تبر # ح أو ينقضي الأمر

فإمّا الغصب و الذمّ # و إما البذل و الشكر

و لو شئت تيسّرت # كما سمّيت يا يسر

و كن كاسمك لا تمنـ # عك النّخوة و الكبر

فلا فزت بحظّي منـ # ك إن داع له ذكر

قال الحسين: فضحك ثم قال: قد لعمري تيسّر يسر كما ذكرت. فقلت: نعم و من لا يتيسّر بعد أخذه الدّية! لو أردتني أيضا بهذا لتيسّرت. فضحك ثم قال: نعطيك/يا حسين الدّية لحضورك و مساعدتك، و لا نريدك لما أردنا له يسرا، فبئست المطيّة أنت؛ و أمر لي بها. ثم أمر عريب بعد ذلك فغنّت في بعض هذا الشعر.

138

شعره في غلام عبد اللّه بن العباس‏

:

حدّثني عمّي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن محمد بن مروان قال حدّثني حسين بن الضحّاك قال:

كنت عند عبد اللّه بن العباس بن الفضل بن الرّبيع و هو مصطبح و خادم له يسقيه؛ فقال لي: يا أبا عليّ، قد استحسنت سقي هذا الغلام، فإن حضرك شي‏ء في قصّتنا هذه فقل؛ فقلت:

أحيت صبوحي فكاهة اللاّهي # و طاب يومي لقرب أشباهي

فاستثر اللهو من مكامنه # من قبل يوم منغّص ناهي

بابنة كرم من كفّ منتطق # مؤتزر بالمجون تيّاه

يسقيك من طرفه و من يده # سقي لطيف مجرّب داهي

كأسا فكأسا كأن شاربها # حيران بين الذّكور و الساهي‏

قال: فاستحسنه عبد اللّه، و غنّى فيه لحنا مليحا، و شربنا عليه بقيّة يومنا.

سكر فجمش يسرا فهدّده بخنجره فقال شعرا

:

أخبرني عليّ بن العباس قال حدّثني سوادة بن الفيض المخزوميّ قال حدّثني أبي قال:

خرج حسين بن/الضحّاك إلى القفص‏[1]متنزّها و معه جماعة من إخوانه ظرفاء. و بلغ يسرا الخادم خروجه، فشدّ في وسطه خنجرا و خرج إليه فجاءه و هو على/غفلة؛ فسرّ به حسين و تلقّاه و أقام معه إلى آخر النهار يشربان.

فلما سكرا جمّشه حسين؛ فأخرج خنجره عليه و عربد؛ فأمسك حسين و عاد إلى شرابه، و قال في ذلك:

جمشت يسرا على تسكّره # و قد دهاني بحسن منظره

فهمّ بالفتك بي فناشده # فيّ‏[2]كريم من خير معشره

يا من رأى مثل شادن خنث # يصول في خدره بزوّره

يسحب ذيل القميص صعتره‏[3] # و واردات‏[4]من هدب مئزره

و لا يعاطي نديمه قدحا # إلاّ بإبهامه و خنصره

أخاف من كبره بوادره # أدالني‏[5]اللّه من تكبّره‏

[1]القفص: قرية مشهورة بين بغداد و عكبرا قريبة من بغداد، و كانت من مواطن اللهو و معاهد النزه و مجالس الفرح، تنسب إليها الخمور الجيدة.

[2]كذا في جـ. و في سائر الأصول: «فتى» .

[3]صعتر الشي ء: زينه.

[4]واردات: مسترسلات.

[5]أدال اللّه فلانا من فلان: جعل الكرة له عليه.

139

قد قلت للشّرب إذ بدا فضلا[1] # في ريطتيه‏[2]و في ممصّرة

ويلي على شادن توعّدني # بسلّ سكّينه و خنجره

أ ما كفاه ما حزّ في كبدي # بسحر أجفانه و محجره‏[3]

إذا نسيم الرياح قابلنا # بالطّيب من مسكه و عنبره

هزّ قواما كأنه غصن # و ارتجّ ما انحطّ من مخصّره‏

شعر له في يسر

:

أخبرني عليّ بن العباس قال حدّثني سوادة بن الفيض قال حدّثني أبي قال:

حضرت حسين بن الضحّاك يوما و قد جاءه يسر فجلس عنده و أخذنا نتحدّث مليّا ثم غازله حسين، فقال له يسر: إيّاك و التعرّض لي، و اربح نفسك؛ فقال حسين:

صوت‏

أيّها النّفّاث في العقد # أنا مطويّ على الكمد

إنما زخرفت لي خدعا # قدحت في الرّوح و الجسد

هات يا خدّاع واحدة # من كثير قلته وقدى‏[4]

ليت شعري بعد حلفك لي # بوفاء العهد بعد غد

ما الذي باللّه صيّره # بعد قرب في مدى الأبد

ما لأنس كان مبتذلا # منك لي بالأمس لم يعد

إيه قل لي غير محتشم # هل دهاني فيك من أحد

حبّذا و الكأس دائرة # لهونا و الصّيد بالطّرد

و حديث في القلوب له # أخذ[5]يصدعن في الكبد

يوم تعطيني و تأخذها # دون ندماني يدا بيد

فإذا ألويت‏[6]هيّجني # تلع من ظبية البلد

و إذا أصغيت ذكّرني # نشر كافور على برد

[1]رجل فضل: يخالف بين طرفي ثوبه على عاتقه و يتوشحه.

[2]الريطة: الملاءة ليست ذات لفقين. و ثوب ممصر: مصبوغ بحمرة خفيفة.

[3]محجر العين: ما دار بها و بدا من البرقع من جميع العين.

[4]قدى: حسبي.

[5]الأخذة: الرقية.

[6]ألوى برأسه: أماله. و التلع: طول العنق.

140

/

ذاك يوم كان حاسدنا # فيه معذورا على الحسد[1]

قال شعرا للمعتصم بدير مران سكر عليه و غنى به المغنون:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا يزيد بن محمد المهلّبيّ قال حدّثنا عمرو بن بانة قال:

خرجنا مع المعتصم إلى الشأم لمّا غزا؛ فنزلنا في طريقنا بدير مرّان‏[2]-و هو دير على/تلعة[3]مشرفة عالية تحتها مروج‏[4]و مياه حسنة-فنزل فيه المعتصم فأكل و نشط للشرب و دعا بنا؛ فلما شربنا[5]أقداحا قال لحسين بن الضحّاك: أين هذا المكان من ظهر بغداد!فقال: لا أين يا أمير المؤمنين!و اللّه لبعض الغياض و الآجام هناك أحسن من هنا؛ قال: صدقت و اللّه، و على ذلك فقل أبياتا يغنّ فيها عمرو؛ فقال: أمّا أن أقول شيئا في وصف هذه الناحية بخير فلا أحسب لساني ينطق به، و لكني أقول متشوّقا إلى بغداد: -فضحك و قال قل ما شئت-.

صوت‏

يا دير مديان‏[6]لا عرّيت من سكن‏[7] # هيّجت لي سقما يا دير مديانا

هل عند قسّك من علم فيخبرنا # أم كيف يسعف وجه الصبر من بانا

حثّ المدام فإن الكأس مترعة # ممّا يهيج دواعي الشوق أحيانا

سقيا و رعيا لكرخايا[8]و ساكنها # و للجنينة بالرّوحاء[9]من كانا

/فاستحسنها المعتصم، و أمرني و مخارقا فغنّينا فيها و شرب على ذلك حتى سكر، و أمر للجماعة بجوائز.

لحن عمرو بن بانة في هذه الأبيات رمل، و لحن مخارق هزج، و يقال: إنه لغيره.

[1]كذا في جـ. و في سائر الأصول: «مغرورا على الجسد» و هو تحريف.

[2]دير مران: بالقرب من دمشق، على تل في سفح قاسيون، و بناؤه بالجص الأبيض، و أكثر فرشه بالبلاط الملون. ( «مسالك الأبصار» ج 1 ص 353 طبع بولاق) .

[3]كذا في «معجم ما استعجم» للبكري و «مسالك الأبصار» لابن فضل اللّه العمري. و التلعة: الرابية المرتفعة من الأرض. و في الأصول: «قلعة» بالقاف في أوله و هو تحريف.

[4]كذا في جـ. و في سائر الأصول: «بروج» بالباء الموحدة.

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «شرب» .

[6]كذا في كتاب «الديارات» للشابشتي و «معجم البلدان» لياقوت. و قال ياقوت لتأييد هذه الرواية: «و روى غير الشابشتي هذا الشعر في دير مران و أنشده كذا (يا دير مران) . و الصواب ما كتب لتقارب هذه الأمكنة المذكورة بعضها من بعض... » . و سياق الخبر يعزز ما قاله ياقوت، لأن الخليفة المعتصم طلب من ابن الضحاك أن يقول شيئا في الجهة التي نزلوا بها و هي دير مران فأجابه بقوله: «أما أن أقول شيئا في وصف هذه الناحية فلا أحسب لساني ينطق به و لكني أقول متشوقا إلى بغداد... » و دير مديان: على نهر كرخايا قرب بغداد، و كان ديرا حسنا حوله بساتين و عمارة و يقصد للتنزه و الشرب. و في جميع الأصول: «دير مران» .

[7]كذا في «معجم ما استعجم» للبكري و «معجم ياقوت» و «مسالك الأبصار» . و في جميع الأصول: «سقم» .

[8]كذا في ياقوت و «كتاب الديارات» للشابشتي و «مسالك الأبصار» . و كرخايا: نهر يشق من المحوّل الكبير و يمرّ على العباسية، و يشق الكرخ و يصب في دجلة، و كان قديما عامرا و كان الماء فيه جاريا، ثم انقطعت جريته بالبثوق التي انفتحت في الفرات. و في الأصول: «كرخانا» بالنون و هو تصحيف.

[9]الروحاء: قرية من قرى بغداد على نهر عيسى قرب السندية.

141

عبث بخادم أبي عيسى فضربه فجفاه فقال شعرا:

أخبرني الصّوليّ قال حدّثنا يزيد بن محمد قال:

كان حسين بن الضحّاك يميل إلى خادم لأبي عيسى بن الرشيد؛ فعبث به يوما على سكر؛ فأخذ قنّينة فضرب بها رأسه فشجّه شجّة منكرة؛ و شاع خبره و توجّع له إخوانه و عولج منها مدّة، فجفا[1]الخادم و اطّرحه و أبغضه و لم يعرض له بعدها. فرآه بعد ذلك في مجلس مولاه فعبث‏[2]به الخادم و غازله. فلما أكثر ذلك قال له الحسين:

صوت‏

تعزّ بيأس عن هواي فإنّني # إذا انصرفت نفسي فهيهات عن ردّي

إذا خنتم بالغيب ودي فما لكم # تدلّون إدلال المقم على العهد

و لي منك بدّ فاجتنبني مذمّما # و إن خلت أنّي ليس لي منك من بدّ

الغناء في هذه الأبيات لعمرو بن بانة، و له فيه لحنان رمل و خفيف رمل.

هنأ الواثق بالخلافة فأجازه‏

:

حدّثني أحمد بن العباس العسكريّ قال حدّثني عبد اللّه بن المؤمّل العسكريّ قال:

لمّا ولي الواثق الخلافة جلس للناس و دخل إليه المهنّئون و الشعراء فمدحوه و هنّئوه؛ ثم استأذن حسين بن الضحّاك بعدهم في الإنشاد، و كان‏[3]من الجلساء فترفّع عن الإنشاد مع الشعراء، فأذن له؛ فأنشده قوله:

/

أكاتم وجدي فما ينكتم # بمن لو شكوت إليه رحم

و إنّي على حسن ظنّي به # لأحذر إن بحت أن يحتشم

و لي عند لحظته روعة # تحقّق ما ظنّه المتّهم

و قد علم الناس أنّي له # محبّ و أحسبه قد علم‏

/-و في هذا رمل لعبد اللّه بن العباس بن الرّبيع-:

و إنّي لمغض على لوعة # من الشوق في كبدي تضطرم

عشيّة ودّعت عن مقلة # سفوح و زفرة قلب سدم‏[4]

فما كان عند النّوى مسعد # سوى العين تمزج دمعا بدم

سيذكر من بان أوطانه # و يبكي المقيمين من لم يقم‏

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فجفاه الخادم» ، و هو تحريف.

[2]كذا في حـ. و في ب، س: «فبعث له» و في أ، ء، م: «فبعث به» ، و كلاهما تحريف.

[3]كذا في «تجريد الأغاني» . و في الأصول: «و كأنه» .

[4]السدم: الندم و الحزن.

142

إلى خازن اللّه في خلقه # سراج النّهار و بدر الظّلم

رحلنا غرابيب‏[1]زفّافة # بدجلة في موجها الملتطم

إذا ما قصدنا لقاطولها # و دهم قراقيرها[2]تصطدم

سكنا إلى خير مسكونة # تيمّمها راغب من أمم‏[3]

مباركة شاد بنيانها # بخير المواطن خير الأمم

كأنّ بها نشر كافورة # لبرد نداها و طيب النّسم

كظهر الأديم إذا ما السحا # ب صاب على متنها و انسجم

مبرّأة من وحول الشتاء # إذا ما طمى و حله و ارتكم

/فما إن يزال بها راجل # يمرّ الهوينى و لا يلتطم

و يمشي على رسله آمنا # سليم الشّرك نقّي القدم

و للنّون‏[4]و الضّب في بطنها # مراتع مسكونة و النّعم

غدوت على الوحش مغترّة # رواتع في نورها المنتظم

و رحت عليها و أسرابها # تحوم بأكنافها تبتسم‏

ثم قال يمدح الواثق:

يضيق الفضاء به إن غدا # بطودي أعاريبه و العجم

ترى النصر يقدم راياته # إذا ما خفقن أمام العلم

و في اللّه دوّخ أعداءه # و جرّد فيهم سيوف النّقم

و في اللّه يكظم من غيظه # و في اللّه يصفح عمّن جرم

رأى شيم الجود محمودة # و ما شيم الجود إلاّ قسم

فراح على «نعم» و اغتدى # كأن ليس يحسن إلاّ نعم‏

قال: فأمر له الواثق بثلاثين ألف درهم، و اتّصلت أيامه بعد ذلك، و لم يزل من ندمائه.

أمره الواثق بأن يقول شعرا فأرتج عليه حينا ثم قال‏

:

حدّثني أحمد بن العباس قال حدّثنا محمد بن زكريّا الغلابيّ قال حدّثني مهديّ بن سابق قال:

[1]غرابيب: سود، الواحد غربيب، و المراد بها السفن لأنها تطلى بالقار. و الزفافة: السريعة.

[2]القراقير: السفن الطويلة.

[3]من أمم: من قريب.

[4]النون: الحوت.

143

قال الواثق لحسين بن الضحّاك: قل الساعة أبياتا ملاحا حتى أهب لك شيئا مليحا؛ فقال: في أيّ معنى يا أمير المؤمنين؟فقال: امدد طرفك و قل فيما شئت ممّا ترى بين يديك وصفه. فالتفتّ فإذا ببساط زهره قد تفتّحت أنواره و أشرق في نور الصبح؛ فأرتج عليّ ساعة حتى/خجلت و ضقت ذرعا. فقال لي الواثق: مالك ويحك! أ لست ترى نور صباح، و نور أقاح!فانفتح القول فقلت:

/

أ لست ترى الصبح قد أسفرا # و مبتكر الغيث قد أمطرا

و أسفرت الأرض عن حلّة # تضاحك بالأحمر الأصفرا

و وافاك نيسان‏[1]في ورده # و حثّك في الشّرب كي تسكرا

و تعمل كأسين في فتية # تطارد بالأصغر الأكبرا

يحثّ كئوسهم مخطف # تجاذب أردافه المئزرا

ترجّل بالبان حتى إذا # أدار غدائره وفّرا

و فضّض في الجلّنار[2]البها # ر و الآبنوسة[3]و العبهرا[4]

فلمّا تمازج ما شذّرت # مقاريض أطرافه شذّرا

فكلّ ينافس في برّه # ليفعل في ذاته المنكرا

قال: فضحك الواثق و قال: سنستعمل كل ما قلت يا حسين إلا الفسق الذي ذكرته فلا و لا كرامة. ثم أمر بإحضار الطعام فأكل و أكلوا معه. ثم قال: قوموا بنا إلى حانة الشّطّ فقاموا إليها، فشرب و طرب، و ما ترك يومئذ أحدا من الجلساء و المغنّين و الحشم إلا أمر له بصلة. و كانت من الأيام التي سارت أخبارها و ذكرت في الآفاق. قال حسين: فلما كان من الغد غدوت إليه؛ فقال: أنشدني يا حسين شيئا إن كنت قلته في يومنا الماضي، فقد كان حسنا؛ فأنشدته:

شعره في حانة الشط و قد شرب فيها مع الواثق‏

:

صوت‏

يا حانة الشّطّ قد أكرمت مثوانا # عودي بيوم سرور كالذي كانا

لا تفقدينا دعابات الإمام و لا # طيب البطالة إسرارا و إعلانا

و لا تخالعنا في غير فاحشة # إذا يطرّبنا الطّنبور أحيانا

/و هاج زمر زنام‏[5]بين ذاك لنا # شجوا فأهدى لنا روحا و ريحانا

[1]نيسان: الشهر السابع من شهور السنة المسيحية.

[2]الجلنار: زهر الرمان. و البهار: نبت جعد له فقاحة صفراء تنبت أيام الربيع.

[3]الآبنوسة: شرب من الخشب إذا وضع على جمر بخر بخارا طيب الرائحة.

[4]العبهر: الياسمين و النرجس. و في أ، ء، م: «و العنبرا» .

[5]زنام (وزان غراب) : زمار حاذق، خدم كلا من الرشيد و المعتصم و الواثق. و هو الذي أحدث الناي في زمن المعتصم، فيقال ناي

144

و سلسل الرّطل عمرو ثم عمّ به # السّقيا فألحق أولانا بأخرانا

سقيا لشكلك من شكل خصصت به # دون الدّساكر من لذّات دنيانا

حفّت رياضك جنّات مجاورة # في كلّ مخترق نهرا و بستانا

لا زلت آهلة الأوطان عامرة # بأكرم الناس أعراقا و أغصانا

قال: فأمر له الواثق بصلة سنيّة مجدّدة، و استحسن الصوت، و أمر فغنّى في عدّة أبيات منها. غنّت فريدة في البيتين الأوّلين من هذه الأبيات، و لحنها هزج مطلق.

خاصم أبا شهاب و لاحاه‏

:

حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى قال: اجتمعت أنا و حسين بن الضحّاك و أبو شهاب الشاعر و هو الذي يقول:

لقد كنت ريحانة في النّديّ # و تفّاحة في يد الكاعب‏

و عمرو بن بانة يغنّيها-فتذاكرنا الدّوابّ، و اتّصل الحديث إلى أن تلاحى حسين و أبو شهاب/في دابّتيهما و تراهنا على المسابقة بهما، فتسابقا فسبقه أبو شهاب. فقال حسين في ذلك:

كلوا و اشربوا هنّئتم و تمتعوا # و عيشوا و ذمّوا الكودنين‏[1]جميعا

فأقسم ما كان الذي نال منهما # مدى السبق إذ جدّ الجراء سريعا

/و هي قصيدة معروفة في شعره. فقال أبو شهاب يجيبه:

أيا شاعر الخصيان حاولت خطّة # سبقت إليها و انكفأت سريعا

تحاول سبقي بالقريض سفاهة # لقد رمت-جهلا-من حماي منيعا

و هي أيضا قصيدة. فكان ذلك سبب التباعد بينهما. و كنّا إذا أردنا العبث بحسين نقول له: أيا شاعر الخصيان، فيجنّ و يشتمنا.

قصته مع أحد جند الشام و إيقاعه بينه و بين عشيقته‏

:

حدّثني جعفر قال حدّثني عليّ بن يحيى قال حدّثني حسين بن الضحّاك قال: كان يألفني إنسان من جند الشأم عجيب الخلقة و الزّيّ و الشكل غليظ جلف جاف، فكنت أحتمل ذلك كلّه له و يكون حظّي التعجّب به، و كان يأتيني بكتب من عشيقة له ما رأيت كتبا أحلى منها و لا أظرف و لا أبلغ و لا أشكل من معانيها، و يسألني أن أجيب عنها؛ زناميّ، و قول العامة: «ناي زلامي» باللام تحريف. و زنام في الناي و بنان في العود كلاهما منقطع النظير في طبقته، فإذا اجتمعا على الضرب و الزمر أحسنا و أعجبا رقة. قال البحتري:

هل العيش إلا ماء كرم مصفق # يرقرقه في الكأس ماء غمام

و عود بنان حين ساعد شدوه # على نغم الألحان ناي زنام‏

(مختصر عن «القاموس» و «شرحه» مادة زنم) .

[1]الكودن: الفرس الهجين و البغل، و هو أيضا الثقيل و البليد. و في ب، س: «الكودتين» بالتاء المثناة من فوق، و هو تصحيف. ـ

145

فأجهد نفسي في الجوابات و أصرف عنايتي إليها على علمي‏[1]بأن الشاميّ بجهله لا يميّز بين الخطأ و الصواب، و لا يفرّق بين الابتداء و الجواب. فلما طال ذلك عليّ حسدته و تنبّهت إلى إفساد حاله عندها. فسألته عن اسمها فقال:

«بصبص» . فكتبت إليها عنه في جواب كتاب منها جاءني به:

أرقصني حبّك يا بصبص # و الحبّ يا سيّدتي يرقص

أرمضت أجفاني‏[2]بطول البكا # فما لأجفانك لا ترمص

وا بأبي وجهك ذاك الذي # كأنه من حسنه عصعص‏

فجاءني بعد ذلك فقال لي: يا أبا عليّ، جعلني اللّه فداءك، ما كان ذنبي إليك و ما أردت بما صنعت بي؟فقلت له: و ما ذاك عافاك اللّه؟فقال: ما هو و اللّه إلاّ أن وصل ذلك الكتاب إليها حتى بعثت إليّ: إنّي مشتاقة إليك، و الكتاب لا ينوب عن الرؤية، فتعال إلى الرّوشن‏[3]الذي بالقرب من بابنا فقف بحياله حتى أراك؛ فتزيّنت بأحسن /ما قدرت عليه و صرت إلى الموضع. فبينا أنا واقف أنتظر مكلّما أو مشيرا إليّ إذا شي‏ء قد صبّ عليّ فملأني من قرني إلى قدمي و أفسد ثيابي و سرجي و صيّرني و جميع ما عليّ و دابّتي في نهاية السّواد و النتن و القذر، و إذا به ماء قد خلط ببول و سواد سرجين‏[4]، فانصرفت بخزي. و كان ما مرّ بي من الصبيان و سائر من مررت به من الضحك و الطّنز[5]و الصّياح بي أغلظ ممّا مرّ بي؛ و لحقني من أهلي و من في منزلي شرّ من ذلك و أوجع. و أعظم من ذلك أن رسلها انقطعت عنّي جملة. قال: فجعلت أعتذر إليه و أقول له: إنّ الآفة أنها لم تفهم معنى الشعر لجودته و فصاحته، و أنا أحمد اللّه على ما ناله و أسرّ الشّماتة به.

دعاه الحسن بن رجاء و دعاه ابن بُسخُنَّر فذهب له و اعتذر للحسن‏

:

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني ميمون بن هارون عن حسين بن الضحّاك قال:

كتب إليّ الحسن بن رجاء في يوم شكّ و قد أمر الواثق بالإفطار، فقال:

/

هززتك للصّبوح و قد نهاني # أمير المؤمنين عن الصّيام

و عندي من قيان المصر عشر # تطيب بهنّ عاتقة المدام

و من أمثالهن إذا انتشينا # ترانا نجتني ثمر الغرام

فكن أنت الجواب فليس شي‏ء # أحبّ إليّ من حذف الكلام‏

قال: فوردت عليّ رقعته و قد سبقه إليّ محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر و وجّه إليّ بغلام نظيف الوجه كان يتحظّاه، و معه ثلاثة غلمة أقران‏[6]حسان الوجوه و معهم رقعة قد كتبها إليّ كما تكتب المناشير، و ختمها في أسفلها و كتب فيها يقول:

[1]في الأصول: «على أنّ علمي... إلخ» .

[2]الرمص بالتحريك: وسخ يجتمع في الموق.

[3]الروشن: النافذة.

[4]السرجين: الزبل الذي تدمل به الأرض.

[5]الطنز: السخرية.

[6]أقران: نظراء، واحده قرن (بالكسر) .

146

سر على اسم اللّه يا أشـ # كل من غصن لجين

في ثلاث من بني الرو # م إلى دار حسين

/فاشخص‏[1]الكهل إلى مو # لاك يا قرّة عيني

أره العنف إذ استعـ # صى و طالبه بدين

ودع اللفظ و خاطبـ # ه بغمز الحاجبين

و احذر الرّجعة من وجـ # هك في خفّي حنين‏

قال: فمضيت معهم، و كتبت إلى الحسن بن رجاء جواب رقعته:

دعوت إلى مماحكة الصّيام # و إعمال الملاهي و المدام

و لو سبق الرسول لكان سعيي # إليك ينوب عن طول الكلام

و ما شوقي إليك بدون شوقي # إلى ثمر[2]التّصابي و الغرام

و لكن حلّ في نفر عسوف # بمنشور محلّ المستهام

حسين، فاستباح له حريما # بطرف باعث سبب الحمام

و أظهر نخوة وسطا و أبدى # فظاظته بترك للسلام

و أزعجني بألفاظ غلاظ # و قد أعطيته طرفي زمامي

و لو خالفته لم يخش قتلي # و قنّعني سريعا بالحسام‏

لاعب الواثق بالنرد و غازل خافان خادمه فقال شعرا

:

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال حدّثني جعفر بن هارون بن زياد قال حدّثني أبي قال:

كان الواثق يلاعب حسين بن الضحّاك بالنّرد و خاقان غلام الواثق واقف على رأسه، و كان الواثق يتحظّاه، فجعل يلعب و ينظر إليه. ثم قال للحسين بن الضحّاك: إن قلت الساعة شعرا يشبه ما في نفسي وهبت لك ما تفرح به. فقال الحسين:

صوت‏

أحبّك حبّا شابه بنصيحة # أب لك مأمون عليك شفيق

و أقسم ما بيني و بينك قربة # و لكنّ قلبي بالحسان‏[3]علوق‏

فضحك الواثق و قال: أصبت ما في نفسي و أحسنت. و صنع الواثق فيه لحنا، و أمر لحسين بألفي دينار. لحن الواثق في هذين البيتين من الثقيل الأوّل بالوسطى.

[1]وصلت همزة القطع هنا لضرورة الشعر.

[2]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «زمن التصابي» .

[3]في حـ: بالجمال.

147

فضل نفسه على أبي نواس فردّه أحمد بن خلاد

:

أخبرني الحسن/بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أحمد بن خلاّد قال:

أنشدني حسين بن الضحّاك لنفسه:

بدّلت من نفحات الورد بالآء # و من صبوحك درّ الإبل و الشاء

حتى أتى على آخرها، و قال لي: ما قال أحد من المحدثين مثلها. فقلت: أنت تحوم حول أبي نواس في قوله:

دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء # و دواني بالتي كانت هي الداء

و هي أشعر من قصيدتك. فغضب و قال: أ لي تقول هذا!عليّ و عليّ إن لم أكن نكت أبا نواس!. فقلت له:

دع ذا عنك، فإنه كلام في الشعر لا قدح في نسب، لو نكت أبا نواس و أمّه و أباه لم تكن أشعر منه. و أحبّ أن تقول لي: هل لك في قصيدتك بيت نادر غير قولك:

فضّت خواتمها في نعت واصفها # عن مثل رقراقة في عين مرهاء

و هذه قصيدة أبي نواس يقول فيها:

دارت على فتية ذلّ الزمان لهم # فما أصابهم إلاّ بما شاءوا

/صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها # لو مسّها حجر مسّته سرّاء

فأرسلت من فم الإبريق صافية # كأنما أخذها بالعقل إغفاء

و اللّه ما قدرت على هذا و لا تقدر عليه؛ فقام و هو مغضب كالمقرّ بقولي.

تحاكم هو و أبو نواس إلى ابن مناذر فحكم له‏

:

حدّثني الحسن قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني إبراهيم بن المدبّر قال حدّثني أحمد بن المعتصم قال:

حجّ أبو نواس و حسين بن الضحّاك فجمعهما الموسم، فتناشدا قصيدتيهما: قول أبي نواس:

دع عنك لومي فإنّ اللّوم إغراء # و داوني بالتي كانت هي الداء

و قصيدة حسين:

بدّلت من نفحات الورد بالآء

فتنازعا أيّهما أشعر في قصيدته؛ فقال أبو نواس: هذا ابن مناذر[1]حاضر الموسم و هو بيني و بينك. فأنشده قصيدته حتى فرغ منها؛ فقال ابن مناذر: ما أحسب أن أحدا يجي‏ء بمثل هذه و همّ بتفضيله؛ فقال له الحسين: لا تعجل حتى تسمع؛ فقال: هات؛ فأنشده قوله:

بدّلت من نفحات الورد بالآء # و من صبوحك درّ الإبل و الشاء

[1]انظر الحاشية، رقم 1 ص 90 من الجزء الرابع من هذه الطبعة.

148

حتى انتهى إلى قوله:

فضّت خواتمها في نعت واصفها # عن مثل رقراقة في عين مرهاء

فقال له ابن مناذر: حسبك، قد استغنيت عن أن تزيد شيئا، و اللّه لو لم تقل في دهرك كلّه غير هذا البيت لفضّلتك به على سائر من وصف الخمر؛ قم فأنت أشعر و قصيدتك أفضل. فحكم له و قام أبو نواس منكسرا.

قال شعرا لكثير بن إسماعيل استرضى به المعتصم‏

:

أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن محمد قال حدّثني كثير بن إسماعيل التحتكار قال:

لمّا قدم المعتصم بغداد، سأل عن ندماء صالح بن الرشيد و هم أبو الواسع و قنّينة و حسين بن الضحّاك و حاتم الرّيش و أنا، فأدخلنا عليه. فلشؤمي و شقائي كتبت بين عينيّ: «سيّدي هب لي شيئا» . فلما رآني/قال: ما هذا على جبينك؟!فقال حمدون‏[1]بن إسماعيل: يا سيّدي تطايب بأن كتب على جبينه: «سيّدي هب لي شيئا» !. فلم يستطب لي ذلك و لا استملحه، و دعا بأصحابي من غد و لم يدع بي. ففزعت إلى حسين بن الضحّاك؛ فقال لي: إنّي لم أحلل من أنسه بعد بالمحلّ الموجب أن أشفع إليه فيك، و لكني أقول لك بيتين من شعر و ادفعهما إلى حمدون بن إسماعيل يوصلهما، فإن ذلك أبلغ. فقلت: أفعل. فقال حسين:

قل لدنيا أصبحت تلعب بي # سلّط اللّه عليك الآخرة

إن أكن أبرد من قنّينة # و من الرّيش فأمّي فاجره‏

قال: فأخذتهما و عرّفت حمدون أنهما لي و سألته إيصالهما ففعل؛ فضحك المعتصم و أمر لي بألفي دينار و استحضرني و ألحقني بأصحابي.

كان ابن بُسخُنَّر يكره الصبوح فقال فيه شعرا

:

أخبرني عمّي قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال قال لي أحمد[2]بن حمدون:

كان محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر لا يرى الصّبوح و لا يؤثر على الغبوق شيئا، و يحتجّ بأن من خدم الخلفاء كان اصطباحه استخفافا بالخدمة، لأنه لا يأمن أن/يدعى على غفلة و الغبوق يؤمّنه من ذلك، و كان المعتصم يحبّ الصبوح؛ فكان يلقّب ابن بُسخُنَّر الغبوقيّ. فإذا حضر مجلس المعتصم مع المغنّين منعه الصّبوح و جمع له مثل ما يشرب نظراؤه، فإذا كان الغبوق سقاه إيّاه جملة غيظا عليه؛ فيضجّ‏[3]من ذلك و يسأل أن يترك حتى يشرب مع النّدماء إذا حضروا[4]فيمنعه ذلك. فقال فيه حسين بن الضحّاك و في حاتم الرّيش الضّرّاط و كان من المضحكين:

حبّ أبي جعفر للغبوق # كقبحك يا حاتم مقبلا

[1]هو حمدون بن إسماعيل بن داود الكاتب. و هو أول من نادم‏[الخلفاء]من أهله. (عن «فهرست ابن النديم» ) .

[2]هو أحمد بن حمدون بن إسماعيل راوية إخباري روى عن العدوي، له من الكتب «كتاب الندماء و الجلساء» . (عن «فهرست ابن النديم» ) .

[3]في ب، س، حـ: «فيصيح» .

[4]في الأصول: «حضر» .

149

فلا ذاك يعذر في فعله # و حقّك في الناس أن تقتلا

و أشبه شي‏ء بما اختاره # ضراطك دون الخلا في الملا

استعطف أبا أحمد بن الرشيد و كان قد غضب عليه‏

:

حدّثني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا محمد بن عليّ بن حمزة قال:

مزح أبو أحمد بن الرشيد مع حسين بن الضحّاك مزاحا أغضبه، فجاوبه حسين جوابا غضب منه أبو أحمد أيضا. فمضى إليه حسين من غد فاعتذر إليه و تنصّل و حلف؛ فأظهر له قبولا لعذره. و رأى ثقلا في طرفه و انقباضا عما كان يعهده منه؛ فقال في ذلك:

لا تعجبنّ لملّة صرفت # وجه الأمير فإنه بشر

و إذا نبا بك في سريرته # عقد الضمير نبا بك البصر

حكى للنشار صحبته للأمين و إكرامه له‏

:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني أبو محمد بن النشار قال:

كان أبي صديقا للحسين بن الضحّاك و كان يعاشره؛ فحملني معه يوما إليه، و جعل أبي يحادثه إلى أن قال له:

يا أبا عليّ، قد تأخّرت أرزاقك و انقطعت موادّك و نفقتك كثيرة، فكيف يمشي أمرك؟فقال له: بلى و اللّه يا أخي، ما قوام أمري إلا ببقايا هبات الأمين محمد بن زبيدة و ذخائره و هبات جارية له-لم يسمّها-/أغنتني للأبد لشي‏ء ظريف جرى على غير تعمّد؛ و ذلك أنّ الأمين دعاني يوما فقال لي: يا حسين، إن جليس الرجل عشيره و ثقته و موضع سرّه و أمنه، و إن جاريتي فلانة أحسن الناس/وجها و غناء، و هي منّي بحمل نفسي، و قد كدّرت عليّ صفوها و نغّصت عليّ النعمة فيها بعجبها بنفسها و تجنّيها[1]عليّ و إدلالها بما تعلم من حبّي إياها. و إني محضرها و محضر صاحبة لها ليست منها في شي‏ء لتغنّي معها. فإذا غنّت و أومأت لك إليها-على أن أمرها أبين من أن يخفى عليك-فلا تستحسن الغناء و لا تشرب عليه؛ و إذا غنّت الأخرى فاشرب و اطرب و استحسن و اشقق ثيابك، و عليّ مكان كل ثوب مائة ثوب. فقلت: السمع و الطاعة. فجلس في حجرة الخلوة و أحضرني و سقاني و خلع عليّ، و غنّت المحسنة و قد أخذ الشراب منّي، فما تمالكت أن استحسنت و طربت و شربت، فأومأ إليّ و قطّب في وجهي. ثم غنّت الأخرى فجعلت أتكلّف ما أقوله و أفعله. ثم غنّت المحسنة ثانية فأتت بما لم أسمع مثله قطّ حسنا، فما ملكت نفسي أن صحت و شربت و طربت، و هو ينظر إليّ و يعضّ شفتيه غيظا، و قد زال عقلي فما أفكّر فيه، حتى فعلت ذلك مرارا؛ و كلما ازداد شربي ذهب عقلي و زدت ممّا يكره؛ فغضب فأمضّني و أمر بجرّ رجلي من بين يديه و صرفي فجررت و صرفت، فأمر بأن أحجب. و جاءني الناس يتوجّعون لي و يسألوني عن قصّتي فأقول لهم: حمل عليّ النبيذ فأسأت أدبي، فقوّمني أمير المؤمنين بصرفي و عاقبني بمنعي من الوصول إليه. و مضى لما أنا فيه شهر، ثم جاءتني البشارة أنّه قد رضي عنّي، و أمر بإحضاري فحضرت و أنا خائف. فلما وصلت أعطاني الأمين يده فقبّلتها، و ضحك إليّ و قام و قال: اتبعني، و دخل إلى تلك الحجرة بعينها و لم يحضر غيري. و غنّت المحسنة التي نالني من أجلها ما [1]في حـ: «و تسحبها» و التسحب: التدلل.

150

نالني فسكتّ‏[1]/فقال لي: قل ما شئت و لا تخف؛ فشربت و استحسنت. ثم قال لي: يا حسين، لقد خار اللّه لك بخلافي و جرى القدر بما تحبّ فيه. إن هذه الجارية عادت إلى الحال التي أريد منها و رضيت كلّ أفعالها؛ فأذكرتني بك و سألتني الرّضا عنك و الاختصاص لك؛ و قد فعلت و وصلتك بعشرة آلاف دينار، و وصلتك هي بدون ذلك. و اللّه لو كنت فعلت ما قلت لك حتى تعود إلى مثل هذه الحال ثم تحقد ذلك عليك فتسألني ألاّ تصل إليّ لأجبتها.

فدعوت له و شكرته و حمدت اللّه على توفيقه، و زدت في الاستحسان و السرور إلى أن سكرت و انصرفت و قد حمل معي المال. فما كان يمضي أسبوع إلاّ و صلاتها و ألطافها تصل إليّ من الجوهر و الثياب و المال بغير علم الأمين؛ و ما جالسته مجلسا بعد ذلك إلا سألته أن يصلني. فكلّ شي‏ء أنفقته بعده إلى هذه الغاية فمن فضل مالها و ما ذخرت من صلاتها. قال ابن النشّار: فقال له أبي: ما سمعت بأحسن من هذا الحديث و لا أعجب ممّا وفّقه اللّه لك فيه.

هنأ الأمين بظفر جيشه بطاهر بن الحسين‏

:

حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أبي قال:

دخل حسين بن الضحّاك على محمد الأمين بعقب وقعة أوقعها أهل بغداد بأصحاب طاهر[2]فهزموهم و فضحوهم؛ فهنّأه بالظّفر ثم استأذنه في الإنشاد، فأذن له فأنشده:

أمين اللّه ثق باللّ # ه تعط العزّ و النّصره

كل الأمر إلى اللّه # كلاك‏[3]اللّه ذو القدره

/لنا النصر بإذن اللّ # ه و الكرّة لا[4]الفرّه

/و للمرّاق أعدائـ # ك يوم السّوء و الدّبره‏[5]

و كأس تورد الموت # كريه طعمها مرّه

سقونا و سقيناهم # فكانت بهم الحرّه

كذاك الحرب أحيانا # علينا و لنا مرّه‏

فأمر له بعشرة آلاف درهم، و لم يزل يتبسم و هو ينشده.

عابثه الأمين و ركب ظهره‏

:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني الحسين بن يحيى أبو الحمار قال:

قال لي الحسين بن الضحّاك: شربنا يوما مع الأمين في بستان، فسقانا على الرّيق، و جدّ بنا في الشرب، و تحرّز من أن نذوق شيئا. فاشتدّ الأمر عليّ، و قمت لأبول، فأعطيت خادما من الخدم ألف درهم على أن يجعل لي [1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فسكنت» بالنون.

[2]هو طاهر بن الحسين أحد دعاة المأمون و أكبر قوّاده، و هو الذي حاصر محمدا الأمين و ظفر به و قتله.

[3]كلأك اللّه: حفظك، سهلت همزته.

[4]كذا في حـ و هو المناسب للمقام. و في سائر الأصول: «و الكرة و الفره» .

[5]الدبرة: الهزيمة في القتال.

151

تحت شجرة أومأت إليها رقاقة فيها لحم، فأخذ الألف و فعل ذلك. و وثب محمد فقال: من يكون منكم حماري؟ فكلّ واحد منهم قال له: أنا، لأنه كان يركب الواحد منا عبثا ثم يصله؛ ثم قال: يا حسين، أنت أضلع‏[1]القوم.

فركبني و جعل يطوف و أنا أعدل به عن الشجرة و هو يمرّ بي إليها حتى صار تحتها، فرأى الرّقاقة فتطأطأ فأخذها فأكلها على ظهري، و قال: هذه جعلت لبعضكم؛ ثم رجع إلى مجلسه و ما وصلني بشي‏ء. فقلت لأصحابي: أنا أشقى الناس، ركب ظهري و ذهب ألف درهم منّي و فاتني ما يمسك رمقي و لم يصلني كعادتي، ما أنا إلا كما قال الشاعر:

و مطعم الصيد يوم الصيد مطعمه # أنّى توجّه و المحروم محروم‏

أحب جارية لأم جعفر و وسط عاصما الغساني في استيهابها فأبت فقال شعرا

:

حدّثني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد النّحويّ المبرّد قال: كان حسين بن الضحّاك الأشقر، و هو الخليع، يهوى جارية لأمّ جعفر، و كانت/من أجمل الجواري، و كان لها صدغان معقربان، و كانت تخرج إليه إذا جاء فتقول له: ما قلت فينا؟أنشدنا منه شيئا؛ فيخرج إليها الصحيفة، فتقول له: اقرأ معي، فيقرأ معها حتى تحفظه ثم تدخل و تأخذ الصحيفة. فشكا ذلك إلى عاصم الغسّانيّ الذي كان يمدحه سلّم الخاسر و كان مكينا عند أم جعفر، و سأله أن يستوهبها له فاستوهبها، فأبت عليه أمّ جعفر؛ فوجّه إلى الخليع بألف دينار و قال: خذ هذا الألف؛ فقد جهدت الجهد كلّه فيها فلم تمكني حيلة. فقال الحسين في ذلك:

رمتك غداة السبت شمس من الخلد[2] # بسهم الهوى عمدا و موتك في العمد

مؤزّرة السّربال مهضومة الحشا # غلاميّة التقطيع شاطرة[3]القدّ

محنّأة الأطراف رؤد شبابها # معقربة الصّدغين كاذبة الوعد

أقول و نفسي بين شوق و زفرة # و قد شخصت عيني و دمعي على الخدّ

أجيزي على من قد تركت فؤاده # بلحظته بين التأسّف و الجهد

فقالت عذاب بالهوى مع قربكم # و موت إذا أقرحت‏[4]قلبك بالبعد

لقد فطنت للجور فطنة عاصم # لصنع الأيادي الغرّ في طلب الحمد

سأشكوك في الأشعار غير مقصّر # إلى عاصم ذي المكرمات و ذي المجد

/لعلّ فتى غسّان يجمع بيننا # فيأمن قلبي منكم روعة الصّدّ

أقطع المعتصم الناس دورا دونه فقال شعرا

:

حدّثني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني هارون بن مخارق قال:

[1]كذا في حـ و الأضلع: الشديد القويّ الأضلاع. و في سائر الأصول: «أظلع القوم» بالظاء المعجمة، و هو تحريف.

[2]انظر الحاشية رقم 1 ص 170 من هذا الجزء.

[3]انظر الحاشية رقم 1 ص 155 من هذا الجزء.

[4]في الأصول: «أقدحت» بالدال المهملة، و الذي في كتب اللغة قدح الثلاثي. فلعلها محرفة عما أثبتناه.

152

أقطع المعتصم الناس الدّور بسرّ من رأى و أعطاهم النفقات لبنائها، و لم يقطع الحسين بن الضحّاك شيئا.

فدخل عليه فأنشده قوله‏

:

/

يا أمين اللّه لا خطّة[1]لي # و لقد أفردت صحبي بخطط

أنا في دهياء من مظلمة # تحمل الشيخ على كلّ غلط

صعبة المسلك يرتاع لها # كلّ من أصعد فيها و هبط

بوّني‏[2]منك كما بوّأتهم # عرصة تبسط طرفي ما انبسط

أبتني فيها لنفسي موطنا # و لعقبي فرطا بعد فرط

لم يزل منك قريبا مسكني # فأعد لي عادة القرب فقط

كلّ من قرّبته مغتبط[3] # و لمن أبعدت خزي و سخط

قال: فأقطعه دارا و أعطاه ألف دينار لنفقته عليها.

حاز شعرا لأبي العتاهية

:

أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال أخبرني عمّي الفضل عن الحسين بن الضحّاك قال:

كنت أمشي مع أبي العتاهية، فمررت بمقبرة و فيها باكية تبكي بصوت شج على ابن لها. فقال أبو العتاهية:

أ ما تنفكّ باكية بعين # غزير دمعها كمد حشاها

أجز يا حسين؛ فقلت:

تنادي حفرة أعيت جوابا # فقد ولهت‏[4]و صمّ بها صداها[5]

نصحه أبو العتاهية بألا يرثي الأمين فأطاعه‏

:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني الحسين بن يحيى قال حدّثني الحسين بن الضحّاك قال:

كنت عازما على أن أرثي الأمين‏[6]بلساني كلّه و أشفي لوعتي. فلقيني أبو العتاهية فقال لي: يا حسين، أنا إليك مائل و لك محبّ، و قد علمت مكانك من الأمين، و إنه لحقيق بأن ترثيه، إلاّ أنك قد أطلقت لسانك من التلهّف عليه و التوجّع له بما صار هجاء لغيره و ثلبا له و تحريضا عليه، و هذا المأمون منصب إلى العراق قد أقبل عليك؛ فأبق على نفسك؛ يا ويحك!أ تجسر على أن تقول:

[1]الخطة: المكان المختط لعمارة و غيرها، و هي أيضا أرض يختطها الرجل لم تكن لأحد قبله.

[2]بوّني: أصلها «بوّئني» ، سهلت الهمزة فصارت ياء ثم حذفت لصيغة الأمر.

[3]يقال: فلان مغتبط (بكسر الباء) إذا كان في نعمة، و مغتبط (بفتح الباء) إذا اغتبطه الغير على نعمة و تمنى أن يكون مثله.

[4]الوله: الحزن أو ذهاب العقل لفقدان الحبيب.

[5]الصدى: الصوت الذي يرده الجبل إذا رفع فيه الإنسان صوته. و صمم الصدى كناية عن الهلاك، يقال: أصم اللّه صداه إذا أهلكه، و صمّ صداه. قال امرؤ القيس:

صم صداها و عفا رسمها # و استعجمت عن منطق السائل‏

[6]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «الأمير» و هو تحريف.

153

تركوا

حريم أبيهم نفلا[1] # و المحصنات صوارخ هتف

هيهات بعدك أن يدوم لهم # عزّ و أن يبقى لهم شرف‏

اكفف غرب لسانك و اطو ما انتشر عنك و تلاف ما فرط منك. فعلمت أنه قد نصحني فجزيته الخير، و قطعت القول فنجوت برأيه و ما كدت أن أنجو.

أعرض عنه فتى جميل فقال فيه شعرا

:

حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني أبو العيناء قال:

وقف علينا حسين بن الضحّاك و معنا فتى جالس من أولاد الموالي جميل الوجه، فحادثنا طويلا و جعل يقبل على الفتى بحديثه و الفتى معرض عنه حتى طال ذلك؛ ثم أقبل عليه الحسين فقال:

تتيه علينا أن رزقت ملاحة # فمهلا علينا بعض تيهك يا بدر

/لقد طالما كنّا ملاحا و ربما # صددنا و تهنا ثم غيّرنا الدهر

و قام فانصرف.

عربد في مجلس الأمين فغضب عليه ثم استرضاه بشعر فرضي عنه‏

:

أخبرني الحسن بن‏[2]القاسم الكوفيّ قال حدّثني ابن عجلان قال:

غنّى بعض المغنّين في مجلس محمد المخلوع بشعر حسين بن الضحّاك، و هو:

صوت‏

أ لست ترى ديمة تهطل # و هذا صباحك مستقبل

و هذي العقار و قد راعنا # بطلعته الشادن الأكحل فعاد به و بنا سكرة

تهوّن مكروه ما نسأل # فإني رأيت له نظرة[3]

تخبّرنا أنه يفعل‏

قال: فأمر بإحضار حسين فأحضر، و قد كان محمد شرب أرطالا. فلما مثل بين يديه أمر فسقي ثلاثة أرطال، فلم يستوفها الحسين حتى غلبه السكر و قذف، فأمر بحمله إلى منزله فحمل. فلما أفاق كتب إليه:

إذا كنت في عصبة # من المعشر الأخيب

و لم يك لي مسعد # نديم سوى جعدب‏

[1]النفل: الغنيمة.

[2]ورد هذا الاسم هكذا في جميع الأصول. و قد بحثنا عنه فيمن روى عنهم صاحب «الأغاني» فلم نجده. و لعل صوابه الحسين بن القاسم الكوكبي الكاتب. و كان صاحب «أخبار و آداب» ، توفي سنة 327 هو قد تكررت رواية المؤلف عنه كثيرا.

[3]كذا في أ، ء، م. و فيما سبق في جميع الأصول في هذه الترجمة. و في سائر الأصول هنا: «طرة» و هو تحريف. ـ

154

فأشرب من رملة[1] # و أسهر من قطرب‏[2]

و لمّا حباني الزما # ن من حيث لم أحسب

و نادمت بدر السما # ء في فلك الكوكب

/أبت لي غضوضيّتي‏[3] # و لؤم من المنصب

فأسكرني مسرعا # قويّ من المشرب

كذا النذل ينبو به # منادمة المنجب‏

قال: فردّه إلى منادمته و أحسن جائزته و صلته.

شعره في غلام أبي أحمد بن الرشيد

:

أخبرني الكوكبيّ قال حدّثني عليّ بن محمد بن نصر عن خالد بن حمدون: أن الحسين بن الضحاك أنشده- و قد عاتبه خادم‏[4]من خدّام أبي أحمد بن الرشيد كان حسين يتعشّقه و لامه في أن قال فيه شعرا و غنّى فيه عمرو بن بانة؛ فقال حسين فيه-:

صوت‏

فدّيت من قال لي على خفره # و غضّ جفنا له على حوره

سمّع بي شعرك المليح فما # ينفكّ شاد به على وتره

فقلت يا مستعير سالفة الـ # خشف و حسن الفتور من نظره

لا تنكرنّ الحنين من طرب # عاود فيك الصّبا على كبره‏

و غنّى فيه عمرو بن بانة هزجا مطلقا.

كتب شعرا على قبر أبي نواس‏

:

أخبرني الكوكبيّ قال حدّثني أبو سهل بن نوبخت‏[5]عن عمرو بن بانة قال:

لما مات أبو نواس كتب حسين بن الضحّاك على قبره:

كابر نيك الزمان يا حسن # فخاب سهمي و أفلح الزمن‏

[1]نص المثل في الميداني: «أشرب من رمل» .

[2]القطرب: طائر يجول الليل كله لا ينام، قالوا: «أجول من قطرب «و» أسهر من قطرب» . (انظر «حياة الحيوان» للدميري و «أمثال الميداني» في الكلام عليه) .

[3]الغضوضية: غضاضة الشباب و نضارته، و المراد بها الطيش و النزق و هما من حظ الشباب و لوازمه. و الغضوضية من المصادر الصناعية مثل الرجولية و الفروسية.

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و قد عاتبه بخادم» و هو تحريف.

[5]ضبطه ابن خلكان بالعبارة هكذا: «و نوبخت بضم النون و سكون الواو و فتح الباء الموحدة و سكون الخاء المعجمة و بعدها تاء مثناة من فوقها» .