الأغاني - ج7

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
225 /
155

ليتك إذ لم تكن بقيت لنا # لم تبق روح يحوطها بدن‏

هجا جراحا مخنثا اسمه نصير

:

/أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أبي قال:

كان في جوار الحسين بن الضحّاك طبيب يداوي الجراحات يقال له نصير، و كان مخنّثا؛ فإذا كانت وليمة دخل مع المخنّثين، و إذا لم تكن عالج الجراحات. فقال فيه الحسين بن الضحّاك:

نصير ليس لمرد من شأنه # نصير طبّ بالنّكاريش‏[1]

يقول للنّكريش في خلوة # مقال ذي لطف و تجميش‏[2]

هل لك أن نلعب في فرشنا # تقلّب الطير المراعيش‏[3]

يعني المبادلة. فكان نصير بعد ذلك يصيح به الصبيان: «يا نصير نلعب تقلّب الطير المراعيش» فيشتمهم و يرميهم بالحجارة.

عبث ابن مناذر بشعر له فشتمه‏

:

حدّثني جعفر قال حدّثني عليّ بن يحيى عن حسين بن الضحّاك قال:

أنشدت ابن مناذر قصيدتي التي أقول فيها:

لفقدك ريحانة العسكر

و كانت من أوّل ما قلته من الشعر؛ فأخذ رداءه و رمى به إلى السقف و تلقاه برجله و جعل يردّد هذا البيت.

فقلنا لحسين: أ تراه فعل ذلك استحسانا لما قلت؟فقال لا؛ فقلنا: فإنما فعله طنزا[4]بك؛ فشتمه و شتمنا. و كنّا بعد ذلك نسأله إعادة هذا البيت فيرمي بالحجارة و يجدّد شتم ابن مناذر بأقبح ما يقدر عليه.

وقف ببابه سلولي و غنويّ ينتظران محاربيا فقيل اجتمع اللؤم‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني أحمد بن أبي كامل قال:

مررت بباب حسين بن الضحّاك، و إذا أبو يزيد السّلوليّ و أبو حزرة الغنويّ و هما ينتظران المحاربيّ و قد استؤذن لهم على ابن الضحّاك؛ فقلت لهما: لم لا تدخلان؟فقال أبو يزيد: ننتظر اللؤم أن يجتمع، فليس في الدنيا أعجب مما اجتمع منا، الغنويّ و السّلوليّ ينتظران المحاربيّ ليدخلوا على باهليّ.

[1]الطب: العالم بالشي‏ء. و النكريش: الملتحي، قال البديع:

قال قوم عشقته أمرد # الخدّ و قد قيل إنه نكريش

قلت فرخ الطاوس أحسن ما كا # ن إذا ما علا عليه الريش‏

(انظر «شفاء الغليل» ص 224) .

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و تجهيش» . بالهاء.

[3]المراعيش: نوع من الحمام و هي تطير مرتفعة حتى تغيب عن النظر فترى في الجو كالنجم.

[4]الطنز: السخرية.

156

كتب أبياتا عن الواثق يدعو الفتح بن خاقان للصبوح‏

:

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر البوشنجيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني حسين بن الضحّاك قال:

كان الواثق يميل إلى الفتح بن خاقان‏[1]و يأنس به و هو يومئذ غلام، و كان الفتح ذكيّا جيّد الطبع و الفطنة. فقال له المعتصم يوما و قد دخل على أبيه خاقان عرطوج: يا فتح أيّما أحسن: داري أو دار أبيك؟فقال له و هو غير متوقّف و هو صبيّ له سبع سنين أو نحوها: دار أبي إذا كنت فيها؛ فعجب منه و تبنّاه. و كان الواثق له بهذه المنزلة، و زاد المتوكل عليهما. فاعتلّ الفتح في أيام الواثق علّة صعبة ثم أفاق و عوفي، فعزم الواثق على الصّبوح، فقال لي:

يا حسين، اكتب بأبيات عنّي إلى الفتح تدعوه إلى الصّبوح؛ فكتبت إليه:

/

لمّا اصطبحت و عين اللهو ترمقني # قد لاح لي باكرا في ثوب بذلته

ناديت فتحا و بشّرت المدام به # لمّا تخلّص من مكروه علّته

ذبّ الفتى عن حريم الراح مكرمة # إذا رآه امرؤ ضدّا لنحلته

فاعجل إلينا و عجّل بالسرور لنا # و خالس الدهر في أوقات غفلته‏

فلما قرأها الفتح صار إليه فاصطبح معه.

شعره في غلام عبد اللّه بن العباس بن الفضل بن الربيع‏

:

أخبرني عمّي‏[2]قال حدّثني يعقوب بن نعيم و عبد اللّه بن أبي سعد قالا حدّثنا محمد بن محمد الأنباريّ قال حدّثني حسين بن الضحّاك قال:

/كنت عند عبد اللّه بن العباس بن الفضل بن الربيع و هو مصطبح و خادم له يسقيه؛ فقال لي: يا أبا عليّ، قد استحسنت سقي هذا الخادم؛ فإن حضرك شي‏ء في قصّتنا هذه فقل؛ فقلت:

أحيت صبوحي فكاهة اللاهي # و طاب يومي بقرب أشباهي

فاستثر اللهو من مكامنه # من قبل يوم منغّص ناهي

بابنة كرم من كفّ منتطق # مؤتزر بالمجون تيّاه

يسقيك من طرفه و من يده # سقي لطيف مجرّب داهي

كأسا فكأسا كأن شاربها # حيران بين الذّكور و الساهي‏

[1]هو الفتح بن خاقان بن أحمد، كان في نهاية الذكاء و الفطنة و حسن الأدب من أولاد الملوك، اتخذه المتوكل أخا و وزيرا له، و كان يقدّمه على سائر ولده و أهله. و كان له خزانة جمعها علي بن يحيى المنجم له لم ير أعظم منها كثرة و حسنا. و كان يحضر داره فصحاء الأعراب و علماء الكوفيين و البصريين. و من شغفه بالكتب أنه كان يحضر لمجالسة المتوكل، فإذا أراد القيام لحاجة أخرج كتابا من كمه أو خفه و قرأه في مجلس المتوكل إلى عوده إليه، حتى في الخلاء. و توفي الفتح في الليلة التي قتل فيها المتوكل قتلا معه بالسيف سنة 274 هـ قتله الأتراك لما فرغوا من قتل المتوكل بأمر ابنه المنتصر، و كان طلب منهم ذلك فجيعة على سيده. (عن «فهرست ابن النديم» و «تاريخ الطبري» ص 145-146 من القسم الثالث) .

[2]تقدّم هذا الخبر بنصه في هذه الترجمة ص 190.

157

قال: فاستحسنه عبد اللّه و غنّى فيه لحنا مليحا و شربنا عليه بقيّة يومنا.

وعده يسر بالسكر معه قبل رمضان و لم يف فقال فيه شعرا

:

أخبرني عليّ بن العباس قال حدّثني سوادة بن الفيض عن أبيه قال:

اتفق حسين بن الضحّاك و يسر مرّة عند بعض إخوانهما و شربا و ذلك في العشر الأواخر من شعبان. فقال حسين ليسر: يا سيّدي، قد هجم الصوم علينا، فتفضّل بمجلس نجتمع فيه قبل هجومه فوعده بذلك؛ فقال له: قد سكرت و أخشى/أن يبدو لك؛ فحلف له يسر أنّه يفي. فلما كان من الغد كتب إليه حسين و سأله الوفاء، فجحد الوعد و أنكره. فكتب إليه يقول:

تجاسرت على الغدر # كعاداتك في الهجر

فأخلفت و ما استخلفـ # ت من إخوانك الزّهر

لئن خست‏[1]لما ذلـ # ك من فعلك بالنّكر

و ما أقتعني فعلـ # ك يا مختلق العذر

بنفسي أنت إن سؤت # فلا بدّ من الصبر

و إن جرّعني الغيظ # و إن خشّن بالصدر[2]

و لو لا فرقي منك # لسمّيتك في الشعر

و عنّفتك لا آلو # و إن جزت مدى العذر[3]

أ ما تخرج من إخلا # ف ميعادك في العشر

غدا يفطمنا الصوم # عن الرّاح إلى الفطر

قال: فسألت الحسين بن الضحاك عمّا أثّر له هذا الشعر و ما كان الجواب؛ فقال: كان أحسن جواب و أجمل فعل، كان اجتماعنا قبل الصوم في بستان لمولاه، و تمّمنا سرورنا و قضينا أوطارنا إلى الليل، و قلت في ذلك:

سقى اللّه بطن الدّير من مستوى السّفح # إلى ملتقى النّهرين فالأثل‏[4]فالطّلح‏[5]

ملاعب قدن القلب قسرا إلى الهوى # و يسّرن ما أمّلت من درك النّجح

/أ تنسى فلا أنسى عتابك بينها # حبيبك حتى انقاد عفوا إلى الصلح

سمحت لمن أهوى بصفو مودّتي # و لكنّ من أهواه صيغ على الشّحّ‏

[1]كذا في أ، ء، م. و خاس فلان بوعده: أخلف. و في سائر الأصول: «خنت» .

[2]خشن بالصدر: أوغر به.

[3]كذا في. و في سائر الأصول: «الغدر» و هو تصحيف.

[4]الأثل: شجر كالطرفاء إلا أنه أعظم منها و أجود عودا، تتخذ منه الأقداح الصفر الجياد و القصاع و الجفان، ورقه هدب طوال دقاق، و لا شوك له، و ثمرته حمراء.

[5]الطلح: أعظم العضاه شوكا له عود صلب و صمغ جيد، و شوكه أحجن طويل، منبته في بطون الأودية.

158

شعره في يسر و في أيام مضت له معه بالبصرة

:

قال عليّ بن العبّاس: و أنشدني سوادة بن الفيض عن أبيه لحسين بن الضحّاك يصف أياما/مضت له بالبصرة و يومه بالقفص‏[1]و مجي‏ء يسر إليه، و كان يسر سأله أن يقول في ذلك شعرا:

تيسّري للّمام‏[2]من أمم # و لا تراعي حمامة الحرم

قد غاب-لا آب-من يراقبنا # و نام-لا قام-سامر الخدم

فاستصحبي مسعدا يفاوضنا # إذا خلونا في كلّ مكتتم

تبذّلي بدلة تقرّ بها الـ # عين و لا تحصري و تحتشمي

ليت نجوم السماء راكدة # على دجى ليلنا فلم ترم

ما لسروري بالشكّ ممتزجا[3] # حتى كأنّي أراه في حلم

فرحت حتى استخفّني فرحي # و شبت عين اليقين بالتّهم

أمسح عيني مستثبتا نظري # أخالني نائما و لم أنم

سقيا لليل أفنيت مدّته # ببارد الرّيق طيّب النّسم

أبيض مرتجّة روادفه # ما عيب من قرنه‏[4]إلى القدم

إذ قصبات العريش تجمعنا # حتى تجلّت أواخر الظّلم

/و ليلة بتّها محسّدة[5] # محفوفة بالظنون و التّهم

أبثّ عبراته على غصص # يردّ أنفاسه إلى الكظم‏[6]

سقيا لقيطونها[7]و مخدعها # كم من لمام به و من لمم

لا أكفر السّيلحين‏[8]أزمنة # مطيعة بالنّعيم و النّعم

و ليلة القفص إن سألت بها # كانت شفاء لعلّة السّقم

بات أنيسي صريع خمرته # و تلك إحدى مصارع الكرم‏

[1]القفص: قرية مشهورة بين بغداد و عكبرا قريبة من بغداد، و كانت من مواطن اللهو و معاهد النزه و مجالس الفرح تنسب إليها الخمور الجيدة و الحانات الكثيرة. و قد أكثر الشعراء من ذكرها.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «للإمام» ، و هو تحريف.

[3]في الأصول: «ممتزج» .

[4]في ب، س: «من فرقه» بالفاء و القاف.

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «محسرة» بالراء المهملة، و هو تحريف.

[6]الكظم: مخرج النفس من الحلق و منه حديث النخعيّ: «له التوبة ما لم يؤخذ بكظمه» أي عند خروج نفسه و انقطاع نفسه.

[7]القيطون: بيت. في بيت و المخدع (كمنبر و محكم) : مثله أي الخزانة الصغيرة داخل الحجرة.

[8]سيلحين: موضع قرب الحيرة ضارب في البر قرب القادسية و لذلك ذكره الشعراء أيام القادسية مع الحيرة و القادسية. و قيل: هو رستاق من رساتيق العراق. و قد ورد في جميع الأصول هكذا: «الشيجلين» و هو تحريف.

159

و بتّ عن موعد سبقت به # ألثم درّا مفلّجا بفم

وا بأبي من بدا بروعة «لا» # و عاد من بعدها إلى «نعم»

أباحني نفسه و وسّدني # يمنى يديه و بات ملتزمي

حتى إذا اهتاجت النوافس في # سحرة أحوى أحمّ كالحمم

و قلت هبّا يا صاحبيّ و # نبّهت أبانا فهبّ كالزّلم‏[1]

فاستنّها كالشّهاب ضاحكة # عن بارق في الإناء مبتسم

صفراء زيتيّة موشّحة # بأرجوان ملمّع ضرم

أخذت ريحانة أراح لها # دبّ سروري بها دبيب دمي

فراجع العذر إن بدا لك في الـ # عذر و إن عدت لائما فلم‏

حجب يسرا سيده فقال شعرا في ذلك‏

:

أخبرني عليّ بن العبّاس قال حدّثني سوادة بن الفيض المخزوميّ قال حدّثني المعتمر بن الوليد المخزوميّ قال: قال لي الحسين بن الضحّاك و هو على شراب له: ويحكم أحدّثكم عن يسر بأعجوبة؟قلنا: هات. قال: بلغ مولاه أنه جر له مع أخيه سبب، فحجبه كما تحجب النساء، و أمر بالحجر عليه، و أمره ألاّ يخرج عن داره إلا و معه حافظ له موكّل به. فقلت في ذلك:

/

ظنّ من لا كان ظنّا # بحبيبي فحماه

أرصد الباب رقيبيـ # ن له فاكتنفاه

فإذا ما اشتاق قربي # و لقائي منعاه

جعل اللّه رقيبيـ # ه من السوء فداه

و الذي أقرح في الشا # دن قلبي و لواه

كلّ مشتاق إليه # فمن السوء فداه

سيّما من حالت الأحـ # راس من دون مناه‏

سأل أبا نواس أن يصلح بينه و بين يسر ففعل‏

:

أخبرني عليّ بن العبّاس قال حدّثنا أحمد بن العباس الكاتب قال حدّثني عبد اللّه بن زكريّا الضّرير قال:

قال أبو نواس: قال لي حسين بن الضحّاك يوما: يا أبا عليّ، أما ترى غضب يسر عليّ!فقلت له: و ما كان سبب ذلك؟قال: حال أردتها منه فمنعنيها فغضبت؛ فأسألك أن تصلح بيني و بينه. فقلت: و ما تحبّ أن أبلغه عنك؟ قال: تقول له:

[1]الزلم: السهم.

160

بحرمة السّكر و ما كانا # عزمت أن تقتل إنسانا!

أخاف أن تهجرني صاحيا # بعد سروري بك سكرانا

/إنّ بقلبي روعة كلما # أضمر لي قلبك هجرانا

يا ليت ظنّي أبدا كاذب # فإنه يصدق أحيانا

قال: فقلت له: ويحك!أ تجتنبه و تريد أن تترضّاه و ترسل إليه بمثل هذه الرسالة!فقال لي: أنا أعرف به، و هو كثير التبذّل‏[1]، فأبلغه ما سألتك؛ فأبلغته فرضي عنه و أصلحت بينهما.

حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى قال:

جاءني يوما حسين بن الضحّاك، فقلت له: أيّ شي‏ء كان خبرك أمس؟فقال لي: اسمعه شعرا و لا أزيدك على ذلك و هو أحسن؛ فقلت: هات يا سيّدي؛ فقال:

زائرة زارت على غفلة # يا حبّذا الزّورة و الزائره

فلم أزل أخدعها ليلتي # خديعة السّاحر للسّاحره

حتى إذا ما أذعنت بالرّضا # و أنعمت دارت بها الدائره

بتّ إلى الصبح بها ساهرا # و باتت الجوزاء بي ساهره

أفعل ما شئت بها ليلتي # و مل‏ء عيني نعمة ظاهره

فلم ننم إلاّ على تسعة # من غلمة بي و بها ثائره

سقيا لها لا لأخي شعرة # شعرته كالشّعرة الوافرة

و بين رجليه له حربة # مشهورة في حقوه‏[2]شاهره

و في غد يتبعها لحية # تلحقه بالكرّة الخاسره‏

قال: فقلت له: زنيت يعلم اللّه إن كنت صادقا. فقال: قل أنت ما شئت.

أغرى الواثق بالصبوح‏

:

حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أبو العيناء قال:

دخل حسين بن الضحاك على الواثق في خلافة المعتصم/في يوم طيّب، فحثّه على الصّبوح فلم ينشط له.

فقال: اسمع ما قلت؛ قال: هات؛ فأنشده:

استثر اللهو من مكامنه # من قبل يوم منغّص ناهي

بابنة كرم من كفّ منتطق # مؤتزر بالمجون تيّاه‏

[1]لعله «كثير التبدّل» بالدال المهملة. أي كثير التغير لا يبقى على حال.

[2]في أ، ء، م: «حفرة» .

161

يسقيك من لحظه و من يده # سقى لطيف مجرّب داهي

كأسا فكأسا كأنّ شاربها # حيران بين الذّكور و السّاهي‏

قال: فنشط الواثق و قال: إنّ فرصة العيش لحقيقة أن تنتهز؛ و اصطبح و وصل الحسين.

شعره في جارية

:

حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم‏[1]بن مهرويه قال حدّثني أبو الشّبل عاصم بن وهب البرجمي قال:

حجّ الحسين بن الضحّاك، فمرّ في منصرفه على موضع يعرف بالقريتين‏[2]، فإذا جارية تطّلع في ثيابها و تنظر في حرها ثم تضربه بيدها و تقول: ما أضيعني و أضيعك!فأنشأ يقول:

مررت بالقريتين منصرفا # من حيث يقضي ذوو النّهى النّسكا

إذا فتاة كأنها قمر # للتّمّ لمّا توسّط الفلكا

واضعة كفّها على حرها # تقول يا ضيعتي و ضيعتكا

/قال: فلما سمعت قوله ضحكت و غطّت وجهها و قالت: وا فضيحتاه!أ و قد سمعت ما قلت!.

شعره في شفيع خادم المتوكل‏

:

حدّثني محمد الصّوليّ قال حدّثني ميمون بن هارون قال:

كان الحسين بن الضحّاك صديقا لأبي، و كنت ألقاه معه كثيرا، و كانت نفسه قد تتبّعت شفيعا بعد انصرافه من مجلس المتوكل؛ فأنشدنا لنفسه فيه:

و أبيض في حمر الثياب كأنه # إذا ما بدا نسرينة[3]في شقائق

سقاني بكفّيه رحيقا و سامني # فسوقا بعينيه و لست بفاسق

و أقسم لو لا خشية اللّه وحده # و من لا أسمّي كنت أوّل عاشق

و إنّي لمعذور على وجناته # و إن و سمتني شيبة في المفارق

و لا عشق لي أو يحدث الدهر شرّة # تعود بعادات الشباب المفارق

و لو كنت شكلا للصّبا لاتّبعته # و لكن سنّي بالصّبا غير لائق‏

[1]في حـ «قال حدّثنا محمد بن إسحاق القاسم بن مهرويه» . و في سائر الأصول: «قال حدّثنا محمد بن إسحاق عن القاسم بن مهرويه» . و الظاهر أنهما تحريف لأنه تكرر أكثر من مرة أن الحسن بن علي الخفاف يروي عن محمد بن القاسم بن مهرويه. (انظر الصحف 151، 155، 166، 215 من هذا الجزء) .

[2]القريتان: قرية قريبة من النباج في طريق مكة من البصرة.

[3]النسرين: ضرب من الرياحين.

162

توفي ابنه محمد فطلب من المتوكل أن يجري أرزاقه على زوجته و أولاده‏

:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثنا ميمون بن هارون قال:

كان للحسين بن الضحّاك ابن يسمّى محمدا، له أرزاق، فمات فقطعت أرزاقه. فقال يخاطب المتوكّل و يسأله أن يجعل أرزاق ابنه المتوفّى لزوجته و أولاده:

إنّي أتيتك شافعا # بوليّ عهد المسلمينا

و شبيهك المعتزّ أو # جه شافع في العالمينا

يا ابن الخلائق الأوّليـ # ن و يا أبا المتأخّرينا

إنّ ابن عبدك مات وا # لأيّام تخترم القرينا

و مضى و خلّف صبية # بعراصه متلدّدينا[1]

/و مهيرة عبرى خلا # ف أقارب مستعبرينا

أصبحن في ريب الحوا # دث يحسنون بك الظّنونا

قطع الولاة جراية # كانوا بها مستمسكينا

فامنن بردّ جميع ما # قطعوه غير مراقبينا

أعطاك أفضل ما تؤ # مل أفضل المتفضّلينا

قال: فأمر المتوكل له بما سأل. فقال يشكره:

يا خير مستخلف من آل عبّاس # اسلم و ليس على الأيّام من باس

أحييت من أملي نضوا تعاوره # تعاقب اليأس حتى مات بالياس‏

هجا مغنية فهربت و انقطع خبرها

:

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك قال:

كنّا في مجلس و معنا حسين بن الضحّاك و نحن على نبيذ؛ فعبث بالمغنّية و جمّشها[2]؛ فصاحت عليه و استخفّت به. فأنشأ يقول:

لها في وجهها عكن # و ثلثا وجهها ذقن

و أسنان كريش # البطّ بين أصولها عفن‏

قال: فضحكنا، و بكت المغنّية حتى قلت قد عميت؛ و ما انتفعنا بها بقيّة يومنا. و شاع هذان البيتان فكسدت من أجلهما. و كانت إذا حضرت في موضع أنشدوا البيتين فتجنّ. ثم هربت من سرّ من رأى، فما عرفنا لها بعد ذلك خبرا.

[1]المتلدد: المتحير.

[2]في ب، س: «و خمشها» بالخاء، و هو تصحيف.

163

قال جعفر و حدّثنا أبو العيناء أنه حضر هذا المجلس، و حكى مثل ما حكاه محمد.

حديثه عن سنه‏

:

حدّثني عمّي قال حدّثني يزيد بن محمد المهلّبيّ قال:

/سألت حسين بن الضحّاك و نحن في مجلس المتوكل عن سنّه؛ فقال: لست أحفظ السنة التي ولدت فيها بعينها، و لكنّي أذكر و أنا بالبصرة موت شعبة بن الحجّاج سنة ستين و مائة.

وشى به جماعة إلى المتوكل فاسترضاه بشعر فأجازه‏

:

حدّثني الصّوليّ قال حدّثني عليّ بن محمد بن نصر قال حدّثني خالي (يعني أحمد بن حمدون) قال:

أمر المتوكل أن ينادمه حسين بن الضحّاك و يلازمه؛ فلم يطق ذلك لكبر سنّه. فقال للمتوكل بعض من حضر عنده: هو يطيق الذّهاب إلى القرى و المواخير و السكر فيها و يعجز عن خدمتك!. فبلغه ذلك، فدفع إليّ أبياتا قالها و سألني إيصالها؛ فأوصلتها إلى المتوكّل، و هي:

أ ما في ثمانين وفّيتها # عذير و إن أنا لم أعتذر

فكيف و قد جزتها صاعدا # مع الصّاعدين بتسع أخر

و قد رفع اللّه أقلامه # عن ابن ثمانين دون البشر

سوى من أصرّ على فتنة # و ألحد في دينه أو كفر

و إنّي لمن أسراء الإلـ # ه في الأرض نصب صروف القدر

فإن يقض لي عملا صالحا # أثاب و إن يقض شرّا غفر

فلا تلح في كبر هدّني # فلا ذنب لي أن بلغت الكبر

هو الشيب حلّ بعقب الشباب # فأعقبني خورا من أشر

/و قد بسط اللّه لي عذره # فمن ذا يلوم إذا ما عذر

و إنّي لفي كنف مغدق # و عزّ بنصر أبي المنتصر

يباري الرياح بفضل السما # ح حتى تبلّد أو تنحسر

/له أكّد الوحي ميراثه # و من ذا يخالف وحي السّور

و ما للحسود و أشياعه # و من كذّب الحقّ إلا الحجر

قال ابن حمدون: فلما أوصلتها شيّعتها بكلامي أعذره، و قلت: لو أطاق خدمة أمير المؤمنين لكان أسعد بها.

فقال المتوكل: صدقت، خذ له عشرين ألف درهم و احملها إليه؛ فأخذتها فحملتها إليه.

ضربه الخلفاء من الرشيد إلى الواثق‏

:

حدّثني عمّي قال حدّثني عليّ بن محمد بن نصر قال حدّثني خالي عن حسين بن الضحّاك قال:

ضربني الرشيد في خلافته لصحبتي ولده، ثم ضربني الأمين لممايلة ابنه عبد اللّه، ثم ضربني المأمون لميلي إلى‏

164

محمد، ثم ضربني المعتصم لمودّة كانت بيني و بين العبّاس بن المأمون، ثم ضربني الواثق لشي‏ء بلغه من ذهابي إلى المتوكّل، و كلّ ذلك يجري مجرى الولع بي و التحذير لي. ثم أحضرني المتوكّل و أمر شفيعا بالولع بي، فتغاضب المتوكّل عليّ. فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن كنت تريد أن تضربني كما ضربني آباؤك، فاعلم أنّ آخر ضرب‏[1] ضربته بسببك. فضحك و قال: بل أحسن إليك يا حسين و أصونك و أكرمك.

وصف حاله في أواخر أيامه بشعر

:

حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن إسرائيل قال حدّثني محمد بن محمد بن مروان الأبزاريّ‏[2]قال:

دخلت على حسين بن الضحّاك، فقلت له: كيف أنت؟جعلني اللّه فداءك!فبكى ثم أنشأ يقول:

أصبحت من أسراء اللّه محتبسا # في الأرض نحو قضاء اللّه و القدر

إنّ الثمانين إذ وفّيت عدّتها # لم تبق باقية منّي و لم تذر

[1]في حـ: «سوط» .

[2]نسبة إلى أبزار، و هي قرية بينها و بين نيسابور فرسخان. و قد تقدم في صفحة 216 من هذا الجزء: «الأنباري» .

165

9-أخبار أبي زكّار الأعمى‏

مغنّ بغداديّ قديم انقطع لآل برمك‏

:

قال أبو الفرج: أبو زكّار هذا رجل من أهل بغداد من قدماء المغنّين، و كان منقطعا إلى آل برمك، و كانوا يؤثرونه و يفضلون عليه إفضالا.

قتل جعفر البرمكي و هو يغنيه‏

:

فحدّثني محمد بن جعفر بن قدامة قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك الخزاعيّ قال: سمعت مسرورا يحدّث أبي قال:

لمّا أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى، دخلت عليه و عنده أبو زكّار الأعمى و هو يغنّيه بصوت لم أسمع بمثله:

فلا تبعد[1]فكلّ فتى سيأتي # عليه الموت يطرق أو يغادي

و كلّ ذخيرة لا بدّ يوما # و إن بقيت تصير إلى نفاد

و لو يفدى من الحدثان شي‏ء ء # فديتك بالطّريف و بالتّلاد

طلب أن يقتل مع جعفر فأمر الرشيد بالإحسان إليه‏

:

فقلت له: في هذا و اللّه أتيتك!فأخذت بيده فأقمته و أمرت بضرب عنقه. فقال لي أبو زكّار: نشدتك اللّه إلاّ ألحقتني به. فقلت: و ما رغبتك في ذلك؟قال: إنه أغناني عمّن سواه بإحسانه، فما أحبّ أن أبقى بعده. فقلت:

أستأمر أمير المؤمنين في ذلك. فلما أتيت الرشيد برأس جعفر أخبرته بقصّة أبي زكّار؛ فقال لي: هذا رجل فيه مصطنع، فاضممه إليك و انظر/ما كان يجريه عليه فأتممه له.

قال إسحاق الموصلي عن صوت له: هو معرق في العمى‏

:

حدّثني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق قال:

غنّى علّويه يوما بحضرة أبي؛ فقال أبي: مه!هذا الصوت معرق‏[2]في العمى. الشّعر لبشّار الأعمى، و الغناء لأبي زكّار الأعمى، و أوّل الصوت «عميت أمري» .

[1]لا تبعد: لا تهلك.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «معروف في العمى» .

166

صوت من المائة المختارة من رواية جحظة عن أصحابه‏

ما جرت خطرة على القلب منّي # فيك إلا استترت عن أصحابي

من دموع تجري، فإن كنت وحدي # خاليا أسعدت دموعي انتحابي

إن حبّي إيّاك قد سلّ جسمي # و رماني بالشيب قبل الشباب

لو منحت اللقا شفى بك صبّا # هائم القلب قد ثوى في التراب‏

الشعر في الأبيات للسيّد الحميريّ. و الغناء لمحمد نعجة الكوفيّ، مغنّ غير مشهور و لا ممّن خدم الخلفاء و ليس له خبر. و لحنه المختار ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر. و ذكر حبش أن لمحمد نعجة فيه أيضا خفيف رمل بالبنصر.

167

10-أخبار السيّد الحميريّ‏

نسبه‏

:

السيّد لقبه. و اسمه إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرّغ الحميريّ. و يكنى أبا هاشم. و أمه امرأة من الأزد ثم من بني الحدّان. و جدّه يزيد بن ربيعة، شاعر مشهور، و هو الذي هجا زيادا[1]و بنيه و نفاهم عن آل حرب؛ و حبسه عبيد[2]اللّه بن زياد لذلك و عذّبه، ثم أطلقه معاوية. و خبره في هذا طويل يذكر في موضعه‏[3]مع سائر أخباره؛ إذ كان الغرض هاهنا ذكر أخبار السيّد.

و وجدت في بعض الكتب عن إسحاق بن محمد النّخعيّ قال: سمعت ابن عائشة و القحذميّ يقولان: هو يزيد بن مفرّغ، و من قال: إنه يزيد بن معاوية فقد/أخطأ. و مفرّغ لقب ربيعة؛ لأنه راهن أن يشرب عسّا من لبن فشربه حتى فرّغه؛ فلقّب مفرّغا. و كان شعّابا[4]بسيالة، ثم صار إلى البصرة.

شاعر متقدّم مطبوع، و ترك شعره لذمة الصحابة

:

و كان شاعرا متقدّما مطبوعا. يقال: إن أكثر الناس شعرا في الجاهلية و الإسلام ثلاثة: بشّار، و أبو العتاهية، و السيّد؛ فإنه لا يعلم أن أحدا قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع.

و إنما مات ذكره و هجر الناس شعره لما كان يفرط فيه من سبّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أزواجه في شعره و يستعمله من قذفهم و الطعن عليهم، /فتحومي شعره من هذا الجنس و غيره لذلك، و هجره الناس تخوّفا و تراقبا[5]. و له طراز من الشعر و مذهب قلّما يلحق فيه أو يقاربه. و لا يعرف له من الشعر كثير. و ليس يخلو من مدح بني هاشم أو ذمّ غيرهم ممّن هو عنده ضدّ لهم. و لو لا أنّ أخباره كلّها تجري هذا المجرى و لا تخرج عنه لوجب ألاّ نذكر منها شيئا؛ و لكنّا شرطنا أن نأتي بأخبار من نذكره من الشعراء؛ فلم نجد بدّا من ذكر أسلم ما وجدناه له و أخلاها من سيّئ اختياره‏[6]على قلّة ذلك..

كان أبواه إباضيين و لما تشيع هما بقتله‏

:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ عن إسماعيل بن الساحر راوية السيّد، قال ابن عمّار و حدّثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه:

[1]هو زياد ابن أبيه الأموي. كان واليا على العراق في أيام معاوية بن أبي سفيان.

[2]هو عبيد اللّه بن زياد ابن أبيه، ولى العراق لمعاوية ثم لابنه يزيد. و هو الذي أمر بقتال الحسين بن علي رضي اللّه عنه.

[3]ذكرت ترجمته في «الأغاني» (ج 17 ص 51-73 طبع بولاق) .

[4]الشعاب: مصلح الشعب و هو الصدع يكون في الإناء. و السيالة: أول مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة.

[5]لعله: «توقيا» .

[6]لعله: «و أخلاه من سيّئ أخباره» .

168

أن أبوى السيّد كانا إباضيّين‏[1]، و كان منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضبّة، و كان السيّد يقول: طالما سبّ أمير المؤمنين في هذه الغرفة. فإذا سئل عن التشيّع من أين وقع له، قال: غاصت عليّ الرحمة غوصا.

و روي عن السيّد أن أبويه لمّا علما بمذهبه همّا بقتله؛ فأتى عقبة[2]بن سلّم الهنائيّ فأخبره بذلك، فأجاره و بوّأه منزلا وهبه له، فكان فيه حتى ماتا فورثهما.

قال راويته: إنه على مذهب الكيسانية

:

و قد أخبرني الحسن‏[3]بن علي البرّيّ عن محمد بن عامر عن القاسم بن الرّبيع عن أبي داود سليمان بن سفيان المعروف بالحنزق‏[4]راوية السيّد الحميريّ قال: ما مضى و اللّه إلاّ على مذهب الكيسانيّة[5]. و هذه القصائد التي يقولها الناس مثل:

تجعفرت باسم اللّه و اللّه أكبر

و

تجعفرت باسم اللّه فيمن تجعفرا

و قوله:

أيا راكبا نحو المدينة جسرة[6] # عذافرة تهوي بها كلّ سبسب

إذا ما هداك اللّه لاقيت جعفرا # فقل يا أمين اللّه و ابن المهذّب‏

لغلام للسيّد يقال له قاسم الخيّاط، قالها و نحلها للسيّد، و جازت على كثير من الناس ممّن لم يعرف خبرها، بمحل قاسم منه و خدمته إيّاه.

أوصافه الجسمية و مواهبه‏

:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني أبو جعفر الأعرج ابن بنت الفضيل‏[7]بن بشّار قال:

كان السيّد أسمر، تامّ القامة، أشنب‏[8]، ذا وفرة[9]، حسن الألفاظ، جميل الخطاب، إذا تحدّث في مجلس قوم أعطى كلّ رجل في المجلس نصيبه من حديثه.

[1]الإباضية (بكسر الهمزة) : أصحاب عبد اللّه بن إباض الذي خرج في أيام مروان بن محمد، و هم قوم من الحرورية، زعموا أن مخالفهم كافر لا مشرك تجوز مناكحته. و كفروا عليا و أكثر الصحابة. (انظر «شرح القاموس» مادة أبض و «الملل و النحل» للشهرستاني) .

[2]هو عقبة بن سلّم الهنائي من بني هناءة (بطن من الأزد) . ولي البصرة لأبي جعفر المنصور. (انظر الكلام عليه في «الطبري» ق 3 ص 145، 146، ص 344، 352، 353) .

[3]في أ، م: «الحسين» .

[4]في أ، ء، م: «الحترق» .

[5]الكيسانية: فرقة من الشيعة الإمامية، و هم أصحاب كيسان مولى علي بن أبي طالب، و قيل: هو تلميذ لمحمد بن الحنفية. يجمعهم القول بأن الدين طاعة رجل. و مذهبهم مبسوط في علم الكلام.

[6]الجسرة: العظيمة من الإبل. و العذافرة: الشديدة منها.

[7]في أ، ء، م: «الفضل» .

[8]الشنب: البياض و البريق و التجديد في الأسنان.

[9]الوفرة: ما جاوز شحمة الأذنين من الشعر .

169

حديث الفرزدق عنه و عن عمران بن حطان‏

:

أخبرني أحمد قال حدّثني محمد بن عبّاد عن أبي عمرو الشّيبانيّ عن لبطة[1]بن الفرزدق قال:

/تذاكرنا الشعراء عند أبي، فقال: إن هاهنا لرجلين لو أخذا في معنى الناس لما كنّا معهما في شي‏ء. فسألناه من هما؟فقال: السيّد الحميريّ و عمران بن حطّان السّدوسيّ‏[2]، و لكنّ اللّه عزّ و جلّ قد شغل كلّ واحد منهما بالقول في مذهبه.

كان نتن الإبطين‏

:

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثني/عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني أبو جعفر ابن بنت الفضيل‏[3]بن بشار قال:

كان السيّد أسمر، تامّ الخلقة، أشنب، ذا وفرة، حسن الألفاظ، و كان مع ذلك أنتن الناس إبطين، لا يقدر أحد على الجلوس معه لنتن رائحتهما.

مدح الأصمعي شعره و ذم مذهبه‏

:

قال حدّثني التّوزيّ قال: رأى الأصمعيّ جزءا فيه من شعر السيّد، فقال: لمن هذا؟فسترته عنه لعلمي بما عنده فيه؛ فأقسم عليّ أن أخبره فأخبرته؛ فقال: أنشدني قصيدة منه؛ فأنشدته ثم أخرى و هو يستزيدني، ثم قال:

قبحه اللّه ما أسلكه لطريق الفحول!لو لا مذهبه و لو لا ما في شعره ما قدّمت عليه أحدا من طبقته.

مدح أبو عبيدة شعره‏

:

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم قال: سمعت أبا عبيدة يقول: أشعر المحدثين السيّد الحميريّ و بشار.

قال راويته: إنه على مذهب محمد بن الحنفية

:

أخبرني عمّي قال حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ عن أبي شراعة القيسيّ عن مسعود بن بشر:

/أن جماعة تذاكروا أمر السيّد، و أنه رجع عن مذهبه في ابن الحنفيّة[4]و قال بإمامة جعفر[5]بن محمد. فقال [1]في الأصول: «ليطه» بالياء المثناة من تحت. و التصويب عن «القاموس» مادة «لبط» .

[2]كذا في حـ: و ج 16 ص 152 من «الأغاني» طبع بولاق، و قد وردت فيه ترجمته. و في سائر الأصول هنا: «الدوسي» ، و هو تحريف.

[3]انظر الحاشية رقم 5 في الصفحة السابقة.

[4]هو محمد بن علي بن أبي طالب، و أمه خولة بنت جعفر من بني حنيفة، و كنيته أبو القاسم. و كانت الكيسانية التي ذكرت آنفا و التي منها السيد الحميري تعتقد إمامته و أنه بجبل رضوى (جبل بالمدينة) في شعب منه و أنه لم يمت، دخل الجبل و معه أربعون من أصحابه و لم يوقف لهم على خبر، و هم أحياء يرزقون. و يقولون: إنه مقيم في هذا الجبل بين أسد و نمر و عنده عينان نضاختان تجريان عسلا و ماء، و أنه يرجع إلى الدنيا فيملؤها عدلا. و قد زعمت الشيعة أنه المهدي. هكذا ذكره ابن خلكان في «وفيات الأعيان» (ج 1 ص 640 طبع بولاق) و «تهذيب التهذيب» . و قد تضمنت القصيدة الدالية الواردة في هذه الترجمة جميع ما ذكر.

[5]هو جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب. ذكر في «الملل و النحل» بعد كلام كثير: «و الشيعة متفقون في سوق الإمامة إلى جعفر بن محمد الصادق مختلفون في المنصوص عليه بعده من أولاده» . و جاء في

170

ابن الساحر راويته: و اللّه ما رجع عن ذلك و لا القصائد الجعفريّات إلا منحولة له قيلت بعده. و آخر عهدي به قبل موته بثلاث و قد سمع رجلا[1]يروى عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال لعليّ عليه السّلام: «إنه سيولد لك بعدي ولد و قد نحلته اسمي و كنيتي» فقال في ذلك و هي آخر قصيدة قالها:

أشاقتك المنازل بعد هند # و تربيها و ذات الدّلّ دعد

منازل أقفرت منهنّ محّت‏[2] # معالمهن من سبل‏[3]و رعد

و ريح حرجف‏[4]تستنّ فيها # بسافي التّرب تلحم ما تسدّي

أ لم يبلغك و الأنباء تنمي # مقال محمد فيما يؤدّي

إلى ذي علمه الهادي على # و خولة خادم في البيت تردي‏[5]

/ أ لم تر أنّ خولة سوف تأتي # بواري الزّند صافي الخيم‏[6]نجد

يفوز بكنيتي و اسمي لأنّي # نحلتهماه‏[7]و المهديّ بعدي

يغيّب عنهم حتى يقولوا # تضمّنه بطيبة بطن لحد

سنين و أشهرا و يرى برضوى # بشعب بين أنمار و أسد

مقيم بين آرام و عين # و حفّان‏[8]تروح خلال ربد

تراعيها السّباع و ليس منها # ملاقيهنّ مفترسا بحدّ

أمنّ به الرّدى فرتعن طورا[9] # بلا خوف لدى مرعى و ورد

حلفت بربّ مكة و المصلّى # و بيت طاهر الأركان فرد

يطوف به الحجيج و كلّ عام # يحلّ لديه وفد بعد وفد

لقد كان ابن خولة غير شك # صفاء ولايتي و خلوص ودّي

فما أحد أحبّ إليّ فيما # أسرّ و ما أبوح به و أبدي

سوى ذي الوحي أحمد أو عليّ # و لا أزكى و أطيب منه عندي‏

«الملل و النحل» أيضا: «الباقرية و الجعفرية الواقفة أصحاب أبي جعفر محمد بن علي الباقر و ابنه جعفر الصادق قالوا بإمامتهما و إمامة والدهما زين العابدين إلا أن منهم من توقف على واحد منهما» . ( «الملل و النحل» ص 124-125) .

[1]في حـ: «راويا» .

[2]محت: عفت.

[3]السبل: المطر. و في ب، س: «سيل» بالياء المثناة.

[4]ريح حرجف: باردة. و تستن: تعدو فيها إقبالا و إدبارا.

[5]تردي: تلعب، يقال: الجواري يردين رديا إذا رفعن رجلا و مشين على أخرى يلعبن.

[6]الخيم: الطبيعة و السجية.

[7]في الأصول: «نحلتهما هو المهدي» .

[8]الحفان: صغار النعام.

[9]كذا بالأصل و لعله: «صورا» جمع صوراء و هي المائلة العنق على أن يكون المراد أنها لا ترفع رأسها خوف ما يزعجها.

171

/

و من ذا يا ابن خولة إذ رمتني # بأسهمها المنيّة حين وعدي

يذبّب عنكم و يسدّ مما # تثلّم من حصونكم كسدّي

و ما لي أن أمرّ به و لكن # أؤمّل أن يؤخّر يوم فقدي

فأدرك دولة لك لست فيها # بجبّار فتوصف بالتّعدّي

على قوم بغوا فيكم علينا # لتعدي منكم‏[1]يا خير معد

لتعل بنا عليهم حيث كانوا # بغور من تهامة أو بنجد

/إذا ما سرت من بلد حرام # إلى من بالمدينة من معدّ

و ما ذا غرّهم و الخير منهم # بأشوس‏[2]أعصل الأنياب ورد

و أنت لمن بغى وعدا و أذكى # عليك الحرب و استرداك مرد

في البيتين الأوّلين من هذه القصيدة غناء، نسبته:

صوت‏

أشاقتك المنازل بعد هند # و تربيها و ذات الدّلّ دعد

منازل أقفرت منهنّ محّت # معالمهن من سبل و رعد

عروضه من الوافر. الشعر للسيّد الحميريّ. و الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن يحيى المكيّ. و ذكر الهشاميّ أنه لكردم. و ذكر عمرو بن بانة أن اللّحن لمالك ثقيل أوّل بالوسطى.

ذكر إسماعيل بن الساحر مذهبه و كان راويته‏

:

و قال إسماعيل بن الساحر راوية السيّد: كنت عنده يوما في جناح له، فأجال بصره فيه ثم قال: يا إسماعيل، طال و اللّه ما شتم أمير المؤمنين عليّ في هذا الجناح. قلت: و من كان يفعل؟قال: أبواي. و كان يذهب مذهب الكيسانيّة و يقول بإمامة محمد بن الحنفيّة، و له في ذلك شعر كثير. و قد روى بعض من لم تصحّ روايته أنه رجع عن مذهبه و قال بمذهب الإماميّة[3]، و له في ذلك:

تجعفرت باسم اللّه و اللّه أكبر # و أيقنت أنّ اللّه يعفو و يغفر

/و ما وجدنا ذلك في رواية محصّل، و لا شعره أيضا من هذا الجنس و لا في هذا المذهب، لأن هذا شعر ضعيف يتبيّن التوليد فيه، و شعره في قصائده الكيسانيّة مباين لهذا جزالة و متانة، و له رونق و معنى ليسا لما يذكر عنه في غيره.

[1]يقال: استعداه فأعداه أي استنصره فنصره. و يحتمل أن «منكم» صفة لمحذوف أي لتنصر حزبا أو فريقا منكم.

[2]الشوس: النظر بمؤخر العين و إمالة الوجه في شق العين التي ينظر بها، و يكون ذلك من الكبر و التيه أو الغضب. و أعصل الأنياب:

معوجها.

[3]الإمامية: هم القائلون بإمامة علي عليه السّلام بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم نصا ظاهرا و تعيينا صادقا من غير تعريض بالوصف بل إشارة إليه بالعين.

(انظر الكلام على ذلك بإسهاب في «الملل و النحل» ص 122 طبع أوروبا) .

172

مدح الأصمعي شعره و ذم مذهبه‏

:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد الثّماليّ قال حدّثني التّوّزيّ قال قال لي الأصمعيّ:

أحبّ أن تأتيني بشي‏ء من شعر هذا الحميريّ فعل اللّه به و فعل؛ فأتيته بشي‏ء منه؛ فقرأه فقال: قاتله اللّه!ما أطبعه و أسلكه لسبيل الشعراء!و اللّه لو لا ما في شعره من سبّ السّلف لما تقدّمه من طبقته أحد.

مدح أبو عبيدة شعره و كان يرويه‏

:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال:

أتيت أبا عبيدة معمر بن المثنّى يوما و عنده رجل من بني هاشم يقرأ عليه كتابا؛ فلما رآني أطبقه. فقال له أبو عبيدة: إن أبا زيد ليس ممّن يحتشم منه، فأقرأ. فأخذ الكتاب و جعل يقرؤه، فإذا هو شعر السيّد. فجعل أبو عبيدة يعجب منه و يستحسنه. قال أبو زيد: و كان أبو عبيدة يرويه. قال: و سمعت محمد/بن أبي بكر المقدّميّ يقول:

سمعت جعفر[1]بن سليمان الضّبعي ينشد شعر السيّد.

أخبرني ابن دريد قال: سئل أبو عبيدة من أشعر المولّدين؟قال: السيّد و بشّار.

كثرة شعره و عدم الإحاطة به‏

:

و قال الموصليّ حدّثني عمّي قال:

جمعت للسيّد في بني هاشم ألفين و ثلاثمائة قصيدة؛ فخلت أن قد استوعبت شعره، حتى جلس إليّ يوما رجل ذو أطمار رثّة، فسمعني أنشد شيئا من شعره، /فأنشدني له ثلاث قصائد لم تكن عندي. فقلت في نفسي: لو كان هذا يعلم ما عندي كلّه ثم أنشدني بعده ما ليس عندي لكان عجيبا، فكيف و هو لا يعلم و إنما أنشد ما حضره! و عرفت حينئذ أن شعره ليس ممّا يدرك و لا يمكن جمعه كله.

رأي بشار فيه‏

:

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ عن ابن عائشة قال:

وقف السيّد على بشّار و هو ينشد الشعر؛ فأقبل عليه و قال:

أيّها المادح العباد ليعظى # إنّ اللّه ما بأيدي العباد

فاسأل اللّه ما طلبت إليهم # و ارج نفع المنزّل العوّاد

لا تقل في الجواد ما ليس فيه # و تسمّي البخيل باسم الجواد

قال بشّار: من هذا؟فعرّفه؛ فقال: لو لا أن هذا الرجل قد شغل عنّا بمدح بني هاشم لشغلنا، و لو شاركنا في مذهبنا لأتعبنا. و روي في هذا الخبر أنّ عمران بن حطّان الشّاري‏[2]خاطب الفرزدق بهذه المخاطبة و أجابه بهذا الجواب.

[1]يكني أبا سليمان النصري، كان ينزل في بني ضبيعة فنسب إليهم. و هو حسن الحديث معروف بالتشيع. (انظر «تهذيب التهذيب» ج 1 ص 96) .

[2]الشاري: أحد الشراة و هم طائفة من الخوارج يزعمون أنهم شروا أنفسهم و ابتاعوا آخرتهم بدنياهم. قال أحدهم و هو معدان الإيادي:

173

إذا قال في شعره «دع ذا» أتى بعده سب السلف‏

:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش عن سعيد بن المسيّب عن أبي سعيد السكّريّ عن الطّوسيّ قال: إذا رأيت في شعر السيّد «دع ذا» فدعه؛ فإنه لا يأتي بعده إلا سبّ السّلف أو بليّة من بلاياه.

قال له ابن سيرين في رؤيا قصها عليه: تكون شاعرا

:

و روى الحسن بن عليّ بن المعتزّ الكوفيّ عن أبيه عن السيّد قال: رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في النوم و كأنه‏[1]في حديقة سبخة[2]فيها نخل طوال و إلى جانبها أرض كأنها/الكافور ليس فيها شي‏ء؛ فقال: أ تدري لمن هذا النخل؟قلت:

لا يا رسول اللّه؛ قال: لامرئ القيس بن حجر، فاقلعها و اغرسها في هذه الأرض ففعلت. و أتيت ابن سيرين فقصصت رؤياي عليه؛ فقال: أ تقول الشعر؟قلت: لا؛ قال: أما إنك ستقول شعرا مثل شعر امرئ القيس إلا أنّك تقوله‏[3]في قوم بررة أطهار. قال: فما انصرفت إلاّ و أنا أقول الشعر.

أنشد غانم الوراق من شعره لجماعة فمدحوه‏

:

قال الحسن و حدّثني غانم الورّاق قال: خرجت إلى بادية البصرة فصرت إلى عمرو بن تميم، فأثبتني بعضهم فقال: هذا الشيخ و اللّه راوية. فجلسوا إليّ و أنسوا بي، و أنشدتهم، و بدأت بشعر ذي الرمّة فعرفوه، و بشعر جرير و الفرزدق فعرفوهما؛ ثم أنشدتهم للسيّد:

أ تعرف رسما بالسّويّين‏[4]قد دثر # عفته أهاضيب‏[5]السحائب و المطر

و جرّت به الأذيال ريحان خلفة # صبا و دبور بالعشيّات و البكر

منازل قد كانت تكون بجوّها # هضيم الحشاريّا الشّوى سحرها النظر

قطوف الخطا خمصانة بختريّة[6] # كأنّ محيّاها سنا دارة القمر

رمتني ببعد بعد قرب بها النّوى # فبانت و لمّا أقض من عبدة الوطر

و لما رأتني خشية البين موجعا # أكفكف منّي أدمعا فيضها[7]درر

/أشارت بأطراف إليّ و دمعها # كنظم جمان خانه السّلك فانتثر

و قد كنت ممّا أحدث البين حاذرا # فلم يغن عنّي منه خوفي و الحذر

سلام على من بايع اللّه شاربا # و ليس على الحرب المقيم سلام‏

[1]في أ، ء، م: «و كان» .

[2]السبخة: الأرض التي تعلوها الملوحة و لا تكاد تنبت إلا بعض الشجر.

[3]كذا في حـ. و في ب، أ، ء، م: «تقول» . و في س: «تقوم له» و هو تحريف.

[4]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «الثوبين» و لم نقف عليها.

[5]الأهاضيب: حلبات القطر.

[6]البخترية: الحسنة المشية و الجسم.

[7]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «بيضها» بالباء الموحدة، و هو تحريف.

174

/قال: فجعلوا يمرّقون‏[1]لإنشادي و يطربون، و قالوا: لمن هذا؟فأعلمتهم؛ فقالوا: هو و اللّه أحد المطبوعين، لا و اللّه ما بقي في هذا الزمان مثله.

له من الشعر ما يجوز أن يقرأ على المنابر

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن سعيد الدّمشقيّ قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال: سمعت عمّي يقول:

لو أنّ قصيدة السيّد التي يقول فيها:

إنّ يوم التطهير يوم عظيم # خصّ بالفضل فيه أهل الكساء[2]

قرئت على منبر ما كان فيها بأس، و لو أن شعره كلّه كان مثله لرويناه و ما عيّبناه.

و أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا العباس بن ميمون طائع قال حدّثنا نافع عن التّوّزيّ بهذه الحكاية بعينها فإنّه قالها في:

إن يوم التّطهير يوم عظيم‏

قال: و لم يكن التّوّزيّ متشيّعا.

سمع أعرابي شعره ففضله على جرير

:

قال عليّ بن المغيرة حدّثني الحسين بن ثابت قال:

قدم علينا رجل بدويّ و كان أروى الناس لجرير، فكان ينشدني الشي‏ء من شعره، فأنشد في معناه للسيّد حتى أكثرت. فقال لي: ويحك!من هذا؟هو و اللّه أشعر من صاحبنا.

مدح السفاح فأمر له بما أراد

:

أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ عن ابن عائشة قال:

لمّا استقام الأمر لبني العبّاس قام السيّد إلى أبي العباس السفّاح حين نزل عن المنبر فقال:

دونكموها يا بني هاشم # فجدّدوا من عهدها[3]الدّراسا

دونكموها لا علا كعب‏[4]من # كان عليكم ملكها نافسا

دونكموها فالبسوا تاجها # لا تعدموا منكم له لابسا

[1]يمرقون: يغنون. و التمريق: ضرب من الغناء و هو غناء السفلة و الإماء. و في الأصول: «يمزقون» بالزاي المعجمة، و هو تصحيف.

[2]روى واثلة بن الأسقع (صحابي مشهور) : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم جاء و معه علي و حسن و حسين آخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل فأدنى عليا و فاطمة و أجلسهما بين يديه و أجلس حسنا و حسينا كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهما كساءه ثم تلا هذه الآية: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي» . (انظر «شرح الزرقاني على المواهب اللدنية» ج 7 ص 4 طبع بولاق) . و قد جاءت هذه القصة بروايات أخر فانظرها في ( «روح المعاني» ج 7 ص 44) .

[3]في أ، ء، م: «عهدنا» .

[4]لا علا كعبه: لا شرفه اللّه و لا أسعده. ـ

175

لو خيّر المنبر فرسانه # ما اختار إلاّ منكم فارسا

قد ساسها قبلكم ساسة # لم يتركوا رطبا و لا يابسا

و لست من أن تملكوها إلى # مهبط عيسى فيكم آيسا

فسّر أبو العباس بذلك، و قال له: أحسنت يا إسماعيل!سلني حاجتك؛ قال: تولّي سليمان بن حبيب الأهواز، ففعل.

أنشد لجعفر بن محمد شعرا فبكى‏

:

و ذكر التّميميّ-و هو علي بن إسماعيل-عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمد إذ استأذن آذنه للسيّد، فأمره بإيصاله، و أقعد حرمه خلف ستر. و دخل فسلّم و جلس. فاستنشده فأنشده قوله:

امرر على جدث الحسيـ # ن فقل لأعظمه الزكيّه

آ أعظما لا زلت من # وطفاء[1]ساكبة رويّه

و إذا مررت بقبره # فأطل به وقف المطيّة

/و ابك المطهّر # للمطهّر و المطهّرة النّقيّه

كبكاء معولة أتت # يوما لواحدها المنيّة

قال: فرأيت دموع جعفر بن محمد تتحدّر على خدّيه، و ارتفع الصّراخ و البكاء من داره، /حتى أمره بالإمساك فأمسك. قال: فحدّثت أبي بذلك لمّا انصرفت؛ فقال لي: و يلي على الكيسانيّ الفاعل ابن الفاعل!يقول:

فإذا مررت بقبره # فأطل به وقف المطيّة

فقلت: يا أبت، و ما ذا يصنع؟قال: أو لا ينحر!أ و لا يقتل نفسه!فثكلته أمّه!.

يحاكم إليه رجلان من بني دارم في أفضل الناس بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم‏

:

حدّثني أبو جعفر الأعرج-و هو ابن بنت الفضيل‏[2]بن بشّار-عن إسماعيل بن الساحر راوية السيّد-و هو الذي يقول فيه السيّد في بعض قصائده:

و إسماعيل يبرز من فلان # و يزعم أنّه للنّار صالي‏[3]

قال: تلاحى رجلان من بني عبد اللّه بن دارم في المفاضلة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و آله؛ فرضيا بحكم أوّل من يطلع. فطلع السيّد، فقاما إليه و هما لا يعرفانه، فقال له مفضّل عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه منهما: إني و هذا اختلفنا في خير الناس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقلت: عليّ بن أبي طالب. فقطع السيّد كلامه ثم قال:

[1]و طفاء: بينة الوطف. و الوطف في السحاب: أن يكون في وجهه كالحمل الثقيل، أو هو استرخاء في جوانبه لكثرة مائه.

[2]انظر الحاشية رقم 5 ص 231 من هذا الجزء.

[3]لعله يريد أن إسماعيل هذا ينحدر من أب حقير مجهول و يزعم أنه كريم يوقد النيران للقرى كعادة العرب المعروفة.

176

و أيّ شي‏ء قال هذا الآخر ابن الزانية!فضحك من حضر و وجم الرجل و لم يحر جوابا.

جعفر بن محمد و شعر السيد

:

و قال التّميميّ و حدّثني أبي قال قال لي فضيل الرسان‏[1]:

/أنشد جعفر بن محمد قصيدة السيّد:

لأمّ عمرو باللّوى مربع # دارسة أعلامه بلقع‏

فسمعت النّجيب من داره. فسألني لمن هي، فأخبرته أنها للسيّد، و سألني عنه فعرّفته وفاته؛ فقال: رحمه اللّه. قلت: إنّي رأيته يشرب النبيذ في الرّستاق‏[2]؛ قال: أ تعني الخمر؟قلت نعم. قال: و ما خطر ذنب عند اللّه أن يغفره لمحبّ عليّ!.

كان يقول بالرجعة

:

و أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن موسى قال: جاء رجل إلى السيّد فقال: بلغني أنك تقول بالرّجعة[3]؛ فقال: صدق الذي أخبرك، و هذا ديني. قال: أ فتعطيني دينارا[4]بمائة دينار إلى الرّجعة؟قال السيّد:

نعم و أكثر من ذلك إن وثّقت لي بأنك ترجع إنسانا. قال: و أيّ شي‏ء أرجع!قال: أخشى أن ترجع كلبا أو خنزيرا فيذهب مالي؛ فأفحمه.

جعفر بن عفان الطائي و عمر بن حفص‏

:

أخبرني‏[5]الحسن بن عليّ قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال قال جعفر بن عفّان الطائي الشاعر: أهدى إليّ سليمان‏[6]بن علي مهرا أعجبني و عزمت‏[7]تربيته. فلما مضت عليّ أشهر عزمت على الحجّ، ففكّرت في صديق لي أودعه المهر ليقوم عليه، فأجمع رأيي على رجل من أهلي يقال له عمر بن حفص، فصرت إليه فسألته أن/يأمر سائسه بالقيام عليه و خبّرته بمكانه من قلبي؛ و دعا بسائسه فتقدّم إليه في ذلك؛ و وهبت للسائس دراهم و أوصيته به، و مضيت إلى الحجّ. ثم انصرفت و قلبي متعلّق، فبدأت بمنزل عمر بن حفص قبل منزلي لأعرف حال المهر، فإذا هو قد ركب حتى دبر ظهره و عجف من قلّة القيام عليه. فقلت له: يا أبا حفص، أ هكذا أوصيتك من هذا المهر!فقال:

و ما ذنبي!لم ينجع فيه العلف. فانصرفت به و قلت:

[1]هو فضيل الرسان بن الزبير من أصحاب محمد بن عليّ و أبي خالد الواسطي و منصور بن أبي الأسود، و كان من متكلمي الزيدية (عن «فهرست ابن النديم» ص 178 طبع أوروبا) .

[2]الرستاق: السواد و القرى (فارسيّ معرب) . قال ياقوت: الذي شاهدناه في زماننا في بلاد الفرس أنهم يعنون بالرستاق كل موضع فيه مزدرع و قرى. (انظر «شرح القاموس» مادة رزدق) .

[3]الرجعة: أن يؤمن بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت، و هو مذهب قوم من العرب في الجاهلية، و مذهب طائفة من المسلمين من أولى البدع و الأهواء يقولون: إن الميت يرجع إلى الدنيا و يكون فيها حيا كما كان.

[4]كذا في «تجريد الأغاني» . و في أ، م، ء: «مهيارا» . و في ب، س، حـ: «مهنيارا» . و هو تحريف.

[5]هذه القصة ليست لها مناسبة واضحة في ترجمة السيد الحميري.

[6]هو سليمان بن علي بن عبد اللّه بن عباس، مات و هو على البصرة سنة 142 هو عمره تسع و خمسون سنة.

[7]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و زعمت» و هو تحريف.

177

من عاذري من أبي حفص وثقت به # و كان عندي له في نفسه خطر

فلم يكن عند ظنّي في أمانته # و الظنّ يخلف و الإنسان يختبر

/أضاع مهري و لم يحسن ولايته # حتى تبيّن فيه الجهد و الضّرر

عاتبته فيه في رفق فقلت له # يا صاح هل لك من عذر فتعتذر

فقال داء به قدما أضرّ به # و داؤه الجوع و الإتعاب و السفر

قد كان لي في اسمه عنه و كنيته # لو كنت معتبرا ناه و معتبر

فكيف ينصحني أو كيف يحفظني # يوما إذا غبت عنه و اسمه عمر

لو كان لي ولد شتّى لهم عدد # فيهم سميّوه إن قلّوا و إن كثروا

لم ينصحوا لي و لم يبقوا عليّ و لو # ساوى عديدهم الحصباء و الشجر

أرسل إلى المهدي يهجو بني عدي و بني تيم و يطلب إليه أن يقطع عطاءهم‏

:

قال و حدّثني أبو سليمان النّاجي قال: جلس المهديّ يوما يعطي قريشا صلات لهم و هو وليّ عهد، فبدأ ببني هاشم ثم بسائر قريش. فجاء السيّد فرفع إلى الرّبيع‏[1]رقعة مختومة و قال: إن فيها نصيحة للأمير فأوصلها إليه، فأوصلها، فإذا فيها:

/

قل لابن عبّاس سميّ محمد # لا تعطينّ بني عديّ‏[2]درهما

احرم بني‏[3]تيم بن مرّة إنهم # شرّ البريّة آخرا و مقدّما

إن تعطهم لا يشكروا لك نعمة # و يكافئوك بأن تذمّ و تشتما

و إن ائتمنتهم أو استعملتهم # خانوك و اتّخذوا خراجك مغنما

و لئن منعتهم لقد بدءوكم # بالمنع إذ ملكوا و كانوا أظلما

منعوا تراث محمد أعمامه # و ابنيه و ابنته عديلة مريما[4]

و تأمّروا من غير أن يستخلفوا # و كفى بما فعلوا هنالك مأثما

لم يشكروا[5]لمحمد إنعامه # أ فبشكرون لغيره إن أنعما

[1]هو الربيع بن يونس بن محمد بن عبد اللّه مولى عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، حاجب المنصور الخليفة العباسي و أوثق رجاله عنده.

وزر له بعد أبي أيوب المورياني، توفي سنة سبعين و مائة. و قال الطبري: توفي سنة تسع و ستين و مائة، قيل: إن الهادي سمه، و قيل: إنه مرض ثمانية أيام و مات. (انظر «وفيات الأعيان» ج 1 ص 260 طبع بولاق) .

[2]هم بنو عدي بن كعب رهط عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه.

[3]هم رهط أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه.

[4]الذي بقي من أعمامه هو العباس بن عبد المطلب و قد مات بعده صلّى اللّه عليه و سلّم. و يعني بابنيه: الحسن و الحسين. و بابنته فاطمة عليها السلام.

و بمريم بنت عمران أم عيسى عليه السّلام.

[5]في الأصول: «لا يشكروا... » .

178

و اللّه منّ عليهم بمحمد # و هداهم و كسا الجنوب و أطعما

ثم انبروا لوصيّه و وليّه # بالمنكرات فجرّعوه العلقما

و هي قصيدة طويلة حذف باقيها لقبح ما فيه. قال: فرمى بها إلى أبي عبيد اللّه‏[1]ثم قال: اقطع العطاء فقطعه؛ و انصرف الناس؛ و دخل السيّد إليه، فلما رآه ضحك و قال: قد قبلنا نصيحتك يا إسماعيل، و لم يعطهم شيئا.

أخبرني به عمّي عن محمد بن داود بن الجرّاح عن إسحاق النّخعيّ عن أبي سليمان الريّاحيّ‏[2]مثله.

ناظره شيطان الطاق في الإمامة فقال شعرا

:

أخبرني الحسن بن محمد بن الجمهور القمّيّ‏[3]قال حدّثني أبي قال حدّثني أبو داود المسترق راوية السيّد:

أنه حضر يوما و قد ناظره محمد بن عليّ بن النعمان المعروف بشيطان الطّاق‏[4]في الإمامة، فغلبه محمد في دفع ابن الحنفيّة عن الإمامة؛ فقال السيّد:

ألا يا أيّها الجدل‏[5]المعنّي # لنا، ما نحن ويحك و العناء!

أتبصر ما تقول و أنت كهل # تراك عليك من ورع رداء[6]

ألا إن الأئمة من قريش # ولاة الحقّ أربعة سواء

عليّ و الثلاثة[7]من بنيه # هم أسباطه و الأوصياء

فأنّى في وصيّته إليهم # يكون الشك منّا و المراء

/بهم‏[8]أوصاهم و دعا إليه # جميع الخلق لو سمع الدّعاء

فسبط سبط إيمان و حلم # و سبط غيّبته كربلاء

سقى جدثا تضمّنه ملثّ # هتوف الرّعد مرتجز رواء[9]

تظلّ مظلّة منها عزال‏[10] # عليه و تغتدي أخرى ملاء

[1]هو أبو عبيد اللّه معاوية بن عبيد اللّه بن يسار الأشعري الكاتب الوزير كان كاتب المهدي و تولى له «ديوان الرسائل» . (انظر «الطبري» قسم 3 ص 351 و 461-464 و 489-490) .

[2]كذا في جميع الأصول. و لعله محرف عن الناجي، و قد تقدّم قريبا في الصفحة السابقة و سيرد في ص 246 يروى عنه إسحاق بن محمد هذا.

[3]كذا في «كتاب الديارات» للشابشتي و «معجم البلدان» لياقوت أثناء كلامهما على «دير قنى» و هو منسوب إلى قم. و قم (بضم القاف و تشديد الميم) : مدينة بين أصبهان و ساوة. و في الأصول: «العمى» بالعين المهملة، و هو تحريف. بل هو الصواب

[4]الطاق: حصن بطبرستان. و به سكن محمد هذا، و إليه تنسب الطائفة الشيطانية من غلاة الشيعة.

[5]الجدل: الشديد الخصومة.

[6]في أ، ء، م: «رواء» بالواو.

[7]الثلاثة: يعني بهم محمد بن الحنفية و الحسن و الحسين.

[8]كذا في الأصول.

[9]ألث المطر إلثاثا: دام أياما لا يقلع. و ارتجز الرعد: تتابع صوته. و الرواء: الكثير المروي.

[10]العزالي: جمع عزلاء و هي مصب الماء من الرواية و القربة في أسفلها حيث يستفرغ ما فيها من الماء. يقال: أرسلت السماء عزاليها أي كثر مطرها، يشبه اتساع المطر و اندفاقه بما يخرج منها.

179

/

و سبط[1]لا يذوق الموت حتى # يقود الخيل يقدمها اللواء

من البيت المحجّب في سراة # شراة لفّ بينهم الإخاء

عصائب ليس دون أغرّ أجلى # بمكة قائم لهم انتهاء

رآه العبدي في النوم ينشد النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم شعرا

:

-و هذه الأبيات بعينها تروى لكثيّر-ذكر ذلك ابن أبي سعد فقال و أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عليّ بن محمد النّوفليّ قال حدّثني إبراهيم بن هاشم العبديّ البصريّ قال:

رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في المنام و بين يديه السيّد الشاعر و هو ينشد:

أجدّ بآل فاطمة البكور # فدمع العين منهمر غزير

حتى أنشده إيّاها على آخرها و هو يسمع. قال: فحدّثت هذا الحديث رجلا جمعتني و إياه طوس‏[2]عند قبر عليّ بن موسى الرّضا، فقال لي: و اللّه لقد كنت على خلاف فرأيت النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في المنام و بين يديه رجل ينشد:

أجدّ بآل فاطمة البكور

إلى آخرها؛ فاستيقظت من نومي و قد رسخ في قلبي من حبّ عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه ما كنت أعتقده.

أخبرني وكيع قال حدّثني إسحاق بن محمد قال حدّثنا أبو سليمان النّاجي و محمد بن حليم‏[3]الأعرج قالا:

كان السيّد إذا استنشد شيئا من شعره لم يبدأ بشي‏ء إلا بقوله:

أجدّ بآل فاطمة البكور # فدمع العين منهمر غزير

مدح العتبيّ شعره و ألفاظه في قصيدته اللامية

:

قال إسحاق: و سمعت العتبيّ يقول: ليس في عصرنا هذا أحسن مذهبا في شعره و لا أنقى ألفاظا من السيّد، ثم قال لبعض من حضر: أنشدنا قصيدته اللاّميّة التي أنشدتناها اليوم؛ فأنشده قوله:

هل عند من أحببت تنويل # أم لا فإن اللّوم تضليل

أم في الحشى منك جوى باطن‏[4] # ليس تداويه الأباطيل

علّقت يا مغرور خدّاعة # بالوعد منها لك تخييل‏

[1]يعني بسبط الإيمان الحسن بن علي، و السبط الذي غيبته كربلاء الحسين بن علي و قد قتل في كربلاء بالعراق، و السبط الذي لا يذوق الموت هو محمد بن الحنفية.

[2]طوس: مدينة بخراسان بينها و بين نيسابور نحو عشرة فراسخ، بها قبر هارون الرشيد.

[3]في أ، ء، م: «حكيم» بالكاف.

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «باطل» باللام و هو تحريف.

180

ريّا رداح‏[1]النوم خمصانة # كأنها أدماء عطبول‏[2]

يشفيك منها حين تخلو بها # ضمّ إلى النحر و تقبيل

و ذوق ريق طيّب طعمه # كأنه بالمسك معلول

في نسوة مثل المها خرّد # تضيق عنهنّ الخلاخيل‏

يقول فيها:

أقسم باللّه و آلائه # و المرء عمّا قال مسئول

إنّ عليّ بن أبي طالب # على التّقى و البرّ مجبول‏

/فقال العتبيّ: أحسن و اللّه ما شاء، هذا و اللّه الشعر الذي يهجم على القلب بلا حجاب.

في البيتين الأوّلين من هذه القصيدة لمخارق رمل بالبنصر عن الهشاميّ، و ذكر حبش أنه للغريض. و فيه لحن لسليمان من كتب بذل غير مجنّس.

كان لا يأتي في شعره بالغريب‏

:

أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن داود بن الجرّاح قال حدّثني إسحاق بن محمد النّخعيّ عن عبد الحميد بن عقبة عن إسحاق بن ثابت العطّار قال:

/كنّا كثيرا ما نقول للسيّد: مالك لا تستعمل في شعرك من الغريب ما تسأل عنه كما يفعل الشعراء؟قال: لأن أقول شعرا قريبا من القلوب يلذّه من سمعه خير من أن أقول شيئا متعقّدا تضلّ فيه الأوهام.

سب محارب بن دثار و ترحم على أبي الأسود

:

أخبرني أحمد بن عمّار قال أخبرنا يعقوب بن نعيم قال حدّثني إبراهيم بن عبد اللّه الطّلحيّ راوية الشعراء بالكوفة قال حدّثنا أبو مسعود عمرو بن عيسى الرّباح و محمد بن سلمة، يزيد بعضهم على بعض:

أن السيّد لمّا قدم الكوفة أتاه محمد بن سهل راوية الكميت؛ فأقبل عليه السيّد فقال: من الذي يقول:

يعيب عليّ أقوام سفاها # بأن أرجي‏[3]أبا حسن عليّا

[1]الرداح: الثقيلة العجيزة. و الرداح: الجمل المثقل حملا الذي لا انبعاث له. و لعل المعنى الأخير هو الأنسب و قد استعاره هنا للنوم، أي أنها نؤوم قليلة الانبعاث من النوم. و كان هذا مستحسنا عند العرب، يقال: هي نؤوم الضحى.

[2]الأدماء: الظبية. و العطبول: الطويلة العنق.

[3]في ب، س: «أرجو» و هو تحريف. و الإرجاء (و عدم الهمز في الفعل لغة) : التأخير. و قد تكرر هذا اللفظ في ترجمة السيد الحميري و له معان: منها الإرجاء بمعنى تأخير الإمام علي (رضي اللّه عنه) إلى الدرجة الرابعة. و المرجئة بهذا المعنى يقابلون الشيعة و على هذا المعنى جاء شعر محارب بن دثار هذا. و من معاني الإرجاء أيضا إرجاء أمر من دخلوا الفتنة بين علي و معاوية و تفويض أمرهم إلى اللّه تعالى. و على هذا المعنى يحمل قول السيد الآتي:

أ يرجى علي إمام الهدى # و عثمان ما أعند المرجيان.

أما المرجئة التي تقول: إنه لا يضر مع الإيمان معصية، و لا ينفع مع الكفر طاعة فجماعات أخر جاءت بعد ذلك. و هم أصناف أربعة: مرجئة الخوارج و مرجئة القدرية و مرجئة الجبرية و المرجئة الخالصة.

181

و إرجائي أبا حسن صواب # عن العمرين‏[1]برّا أو شقيّا

فإن قدّمت قوما قال قوم # أسأت و كنت كذّابا رديّا

إذا أيقنت أنّ اللّه ربّي # و أرسل أحمدا حقّا نبيا

و أنّ الرّسل قد بعثوا بحق # و أنّ اللّه كان لهم وليّا

فليس عليّ في الإرجاء بأس # و لا لبس و لست أخاف شيّا؟

فقال محمد بن سهل: هذا يقوله محارب‏[2]بن دثار الذّهليّ: فقال السيّد: لا كان اللّه وليّا للعاضّ بظر أمّه! من ينشدنا قصيدة أبي الأسود:

/

أحبّ محمدا حبّا شديدا # و عبّاسا و حمزة و الوصيّا

فأنشده القصيدة بعض من كان حاضرا؛ فطفق يسبّ محارب بن دثار و يترحّم على أبي الأسود. فبلغ الخبر منصورا النّمريّ فقال: ما كان على أبي هاشم لو هجاه بقصيدة يعارض بها أبياته، ثم قال:

يودّ محارب لو قد رآها # و أبصرهم حواليها جثيّا

و أنّ لسانه من ناب أفعى # و ما أرجى أبا حسن عليّا

و أنّ عجوزه مصعت‏[3]بكلب # و كان دماء ساقيها جريّا

متى ترجئ أبا حسن عليّا # فقد أرجيت يا لكع نبيّا

كان جعفر بن سليمان كثيرا ما ينشد شعره‏

:

أخبرني محمد بن جعفر النحويّ قال حدّثنا أحمد بن القاسم البزّيّ‏[4]قال حدّثني إسحاق بن محمد النّخعيّ قال حدّثني إبراهيم بن الحسن الباهليّ قال:

دخلت على جعفر بن سليمان الضّبعيّ و معي أحاديث لأسأله عنها و عنده قوم لم أعرفهم، و كان كثيرا ما ينشد شعر السيّد، فمن أنكره عليه لم يحدّثه؛ فسمعته ينشدهم:

/

ما تعدل الدّنيا جميعا كلّها # من حوض أحمد شربة من ماء

ثم جاءه خبر فقام. فقلت للذين كانوا عنده: من يقول هذا الشعر؟قالوا: السيد الحميريّ.

مرت به امرأة من آل الزبير فقال شعرا

:

حدّثني عمّي و الكرانيّ قالا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد عن عبد اللّه بن الحسين عن أبي عمرو الشّيبانيّ عن [1]العمران هما أبو بكر الصدّيق و عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما.

[2]هو محارب بن دثار بن كردوس تابعي من بني سدوس بن ذهل بن ثعلبة. ولي قضاء الكوفة و توفي في ولاية خالد بن عبد اللّه القسري في خلافة هشام بن عبد الملك. و له أحاديث و لا يحتجون به. و كان من المرجئة الأولى الذين كانوا يرجئون عليا و عثمان و لا يشهدون بإيمان و لا كفر. (عن «طبقات ابن سعد» ) .

[3]مصعت المرأة بولدها: رمت به.

[4]كذا في ب، س، و فيما يأتي في جميع الأصول. و في سائر الأصول هنا: «البري» بالراء المهملة.

182

الحارث بن صفوان، و أخبرني به الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه:

/أن السيّد كان بالأهواز؛ فمرّت به امرأة من آل الزبير تزفّ إلى إسماعيل بن عبد اللّه بن العباس، و سمع الجلبة فسأل عنها فأخبر بها؛ فقال:

أتتنا تزفّ على بغلة # و فوق رحالتها قبّة

زبيريّة من بنات الذي‏[1] # أحلّ الحرام من الكعبة

تزفّ إلى ملك ماجد # فلا اجتمعا و بها الوجبه‏[2]

روى هذا الخبر إسماعيل بن الساحر فقال فيه: فدخلت في طريقها إلى خربة للخلاء، فنهشتها أفعى فماتت؛ فكان السيّد يقول: لحقتها دعوتي.

خرج الناس للاستسقاء فجعل يدعو عليهم‏

:

حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن إسرائيل عن أبي طالب الجعفريّ-و هو محمد بن عبد اللّه بن الحسين بن عبد اللّه بن إسماعيل بن جعفر-قال أخبرني أبي قال:

خرج أهل البصرة يستسقون و خرج فيهم السيّد و عليه ثياب خزّ و جبّة و مطرف و عمامة؛ فجعل يجرّ مطرفه و يقول:

اهبط إلى الأرض فخذ جلمدا # ثم ارمهم يا مزن بالجلمد

لا تسقهم من سبل قطرة # فإنهم حرب بني أحمد

رأى لوحا في يد رجل فكتب فيه شعرا يعرض برواة الحديث من أهل السنة

:

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا محمد بن إسحاق البغويّ قال حدّثنا الحرمازيّ قال حدّثني رجل قال:

/كنت أختلف إلى ابني قيس، و كانا يرويان عن الحسن؛ فلقيني السيّد يوما و أنا منصرف من عندهما، فقال:

أرني ألواحك أكتب فيها شيئا و إلا أخذتها فمحوت ما فيها. فأعطيته ألواحي فكتب فيها:

لشربة من سويق عند مسغبة # و أكلة من ثريد لحمه واري

أشدّ ممّا روى حبّا إليّ بنو # قيس و ممّا روى صلت‏[3]بن دينار

ممّا رواه فلان عن فلانهم # ذاك الذي كان يدعوهم إلى النار

[1]يعني به عبد اللّه بن الزبير بن العوّام و قد تحصن بالبيت الحرام و قاتل به. و قد شرح ذلك أبو الفرج في ج 6 ص 206 من هذه الطبعة.

[2]الوجبة: لعلها المرة من وجب القلب يجب أي خفق.

[3]هو الصلت بن دينار الأزدي البصري، كان ضعيف الحديث متهم الرواية، و كان ينال من الإمام عليّ كرّم اللّه وجهه و ينتقصه.

183

رآه زيد بن موسى في النوم ينشد النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم شعرا

:

أخبرني أحمد بن عليّ الخفّاف قال حدّثني أبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل‏[1]بن إبراهيم بن حسن بن طباطبا قال: سمعت زيد بن موسى بن جعفر يقول:

رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في النوم و قدّامه رجل جالس عليه ثياب بيض؛ فنظرت إليه فلم أعرفه، إذ التفت إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: يا سيّد، أنشدني قولك:

لأمّ عمرو في اللّوى مربع‏

فأنشده إيّاها كلّها ما غادر منها بيتا واحدا، فحفظتها عنه كلّها في النوم. قال أبو إسماعيل: و كان زيد بن موسى لحّانة ردي‏ء الإنشاد، فكان إذا أنشد[2]هذه القصيدة لم يتتعتع‏[3]فيها و لم يلحن.

أنشد فضيل الرسان جعفر بن علي شعر فترحم عليه و ترحم عليه أهله‏

:

و قال‏[4]محمد بن داود بن الجرّاح في روايته عن/إسحاق النّخعيّ حدّثني عبد الرحمن بن محمد الكوفيّ عن عليّ بن إسماعيل الهيثميّ عن فضيل الرسان قال:

/دخلت على جعفر بن محمد أعزّيه عن عمّه زيد، ثم قلت له: أ لا أنشدك شعر السيّد؟فقال: أنشد؛ فأنشدته قصيدة يقول فيها:

فالناس يوم البعث راياتهم # خمس فمنها هالك أربع

قائدها العجل و فرعونهم # و سامريّ الأمّة المفظع

و مارق من دينه مخرج # أسود عبد لكع أوكع‏[5]

و راية قائدها وجهه # كأنه الشمس إذا تطلع‏

فسمعت مجيبا من وراء الستور فقال: من قائل هذا الشعر؟فقلت: السيّد!فقال: رحمه اللّه. فقلت: جعلت فداك!إني رأيته يشرب الخمر. فقال: رحمه اللّه!فما ذنب على اللّه أن يغفره لآل عليّ!إن محبّ عليّ لا تزلّ له قدم إلا تثبت له أخرى.

حدّثني الأخفش عن أبي العيناء عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جعفر بن محمد أنه ذكر السيّد فترحّم عليه و قال:

إن زلّت له قدم فقد ثبتت الأخرى.

[1]في أ، ء، م: «قال حدّثنا أبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم... إلخ» .

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «أنشده» و هو تحريف.

[3]التعتعة في الكلام: أن يعيا بكلامه و يتردّد من حصر أو عيّ.

[4]في الأصول: «و كان» و هو تحريف.

[5]الأوكع: اللئيم. و الظاهر أن السيد يعني رجلا بالذات أو رجالا من أعداء أهل البيت، يعرض بهم.

184

ما راه رجل في تفضيل علي فغرّقه‏

:

نسخت من كتاب الشّاهيني حدّثني محمد بن سهل الحميريّ عن أبيه قال:

انحدر السيّد الحميريّ في سفينة إلى الأهواز، فماراه رجل في تفضيل عليّ و باهله‏[1]على ذلك. فلما كان‏[2] الليل قام الرجل ليبول على حرف السفينة، فدفعه السيّد فغرّقه؛ فصاح الملاحون: غرق و اللّه الرجل!فقال السيّد:

دعوه فإنّه باهليّ‏[3].

هجا قوما لم ينصتوا لشعره‏

:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد المبرّد قال حدّثني التّوّزيّ قال:

جلس السيّد يوما إلى قوم، فجعل ينشدهم و هم يلغطون؛ فقال:

قد ضيّع اللّه ما جمّعت من أدب # بين الحمير و بين الشّاء و البقر

لا يسمعون إلى قول أجي‏ء به # و كيف تستمع الأنعام للبشر

أقول ما سكتوا إنس فإن نطقوا # قلت الضفادع بين الماء و الشجر

اغتابه رجل عند قوم فهجاه‏

:

أخبرني محمد بن جعفر النّحويّ قال حدّثنا أحمد بن القاسم البزّيّ قال حدّثنا إسحاق بن محمد النّخعيّ عن محمد بن الرّبيع عن‏[4]سويد بن حمدان بن الحصين قال:

كان السيّد يختلف إلينا و يغشانا، فقام من عندنا ذات يوم، فخلفه‏[5]رجل و قال: لكم شرف و قدر عند السلطان، فلا تجالسوا هذا فإنّه مشهور بشرب الخمر و شتم السلف. فبلغ ذلك السيّد فكتب إليه:

وصفت لك الحوض يا ابن الحصين # على صفة الحارث الأعور[6]

فإن تسق منه غدا شربة # تفز من نصيبك بالأوفر

فما لي ذنب سوى أنّني # ذكرت الذي‏[7]فرّ عن خيبر

[1]المباهلة: الملاعنة.

[2]في ب، س: «قام» و هو تحريف.

[3]يحتمل أن يكون «باهلني» .

[4]في أ، م: «بن سويد» .

[5]في الأصول: «فتخلفه» .

[6]هو الحارث الأعور بن عبد اللّه بن كعب من مقدّمي أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مات بالكوفة سنة 65 هـ (انظر «الطبري» ق 3 ص 2524 طبع أوروبا) .

[7]يعني عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و ذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حين نزل بحصن أهل خيبر أعطى اللواء عمر بن الخطاب و نهض معه من نهض من الناس، فلقوا أهل خيبر فانكشف عمر و أصحابه فرجعوا إلى رسول اللّه يجبنه أصحابه و يجبنهم. فأعطى رسول اللّه اللواء إلى علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه فقاتل حتى فتح اللّه له. (انظر «الطبري» ق 1 ص 1579) . و خيبر: اسم ولاية على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام، كانت تشتمل على سبعة حصون ذكرها كلها ياقوت و قد افتتحها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. (انظر «معجم البلدان» لياقوت) .

185

/

ذكرت امرأ فرّ عن مرحب‏[1] # فرار الحمار من القسور[2]

فأنكر ذاك جليس لكم # زنيم أخو خلق أعور

لحاني بحبّ إمام الهدى # و فاروق‏[3]أمّتنا الأكبر

/سأحلق لحيته إنها # شهود على الزّور و المنكر

قال: فهجر و اللّه مشايخنا جميعا ذلك الرجل و لزموا محبّة السيّد و مجالسته.

ردّ سوّار بن عبد اللّه شهادته فهجاه‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن زكريا الغلابيّ قال حدّثنا مهديّ بن سابق.

أن السيّد تقدّم إلى سوّار[4]القاضي ليشهد عنده، و قد كان دافع‏[5]المشهود له بذلك و قال: أعفني من الشهادة عند سوّار، و بذل له مالا فلم يعفه. فلما تقدّم إلى سوّار فشهد قال‏[6]: أ لست المعروف بالسيّد!قال: بلى؛ قال:

استغفر اللّه من ذنب تجرّأت به على الشهادة عندي، قم لا أرضى بك. فقام مغضبا من مجلسه و كتب إلى سوّار رقعة فيها يقول:

إن سوّار بن عبد اللـ # ه من شرّ القضاة

فلما قرأها سوّار وثب عن مجلسه و قصد أبا جعفر المنصور و هو يومئذ نازل بالجسر، فسبقه السيّد إليه فأنشده:

/

قل للإمام الذي ينجى بطاعته # يوم القيامة من بحبوحة[7]النار

لا تستعينن جزاك اللّه صالحة # يا خير من دبّ في حكم بسوّار

لا تستعن بخبيث الرأي ذي صلف # جمّ العيوب عظيم الكبر جبّار

تضحي الخصوم لديه من تجبّره # لا يرفعون إليه لحظ أبصار

تيها و كبرا و لو لا ما رفعت له # من ضبعه‏[8]كان عين الجائع العاري‏

[1]هو مرحب (كمنبر كما في «شرح القاموس» ) اليهودي صاحب حصن خيبر. ذكر الطبري أنه خرج يطلب البراز و قد حاصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الحصون، فبرز له محمد بن مسلمة فقتله. و قال في رواية أخرى وافقه فيها شارح «القاموس» (مادة رحب) : إن الذي قتله هو علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

[2]القسور: الأسد.

[3]الفاروق: الذي يفرق بين الأمور و يفصلها.

[4]هو سوار بن عبد اللّه التميمي العنبري قاضي البصرة و أميرها، جمع له ذلك أبو جعفر المنصور بعد عزله الهيثم بن معاوية عن إمرة البصرة، و كان سوّار يتولى قضاءها. مات سنة 157 هـ و كان عادلا. حدث أن اشتكاه قوم إلى المنصور فكشف عن ذلك فوجده باطلا فأقرّه في عمله. (انظر «النجوم الزاهرة» ج 2 ص 28 و 30 طبع دار الكتب المصرية) .

[5]كذا في م. و في سائر الأصول: «رافع» بالراء المهملة و هو تحريف.

[6]في الأصول: «فقال» .

[7]بحبوحة المكان: وسطه.

[8]الضبع في الأصل: وسط العضد بلحمه، و قيل: الإبط. و قد جاء في أساس البلاغة مادة «ضبع» : و أخذت بضبعيه و مددت بضبعيه إذا نعشته و نوّهت باسمه.

186

و دخل سوّار؛ فلما رآه المنصور تبسّم و قال: أ ما بلغك خبر إياس‏[1]بن معاوية حيث قبل شهادة الفرزدق و استزاد في الشهود!فما أحوجك للتعريض للسيد و لسانه!ثم أمر السيّد بمصالحته.

مدح المنصور لما ولى ابنيه العهد

:

و قال إسحاق بن محمد النّخعيّ حدّثني عبد اللّه بن محمد الجعفريّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه الحميريّ قال:

دخل السيّد علي المهديّ لمّا بايع لابنيه موسى و هارون، فأنشأ يقول:

ما بال مجرى دمعك الساجم # أ من قذى بات بها لازم

أم من هوّى أنت له ساهر # صبابة من قلبك الهائم

/آليت لا أمدح ذا نائل # من معشر غير بني هاشم

أولتهم عندي يد المصطفى # ذي الفضل و المنّ أبي القاسم

فإنها بيضاء محمودة # جزاؤها الشّكر على العالم

جزاؤها حفظ أبي جعفر # خليفة الرحمن و القائم

و طاعة المهديّ ثم ابنه # موسى علي ذي الإربة الحازم

و للرشيد الرّابع المرتضى # مفترض من حقّه اللاّزم

ملكهم خمسون معدودة # برغم أنف الحاسد الرّاغم

ليس علينا ما بقوا غيرهم # في هذه الأمّة من حاكم

حتى يردّوها إلى هابط # عليه عيسى منهم ناجم‏

كان يأتي الأعمش فيكتب عنه فضائل عليّ بن أبي طالب‏

:

/و قال عليّ بن المغيرة حدّثني عليّ بن عبد اللّه بن السّدوسيّ عن المدائنيّ قال:

كان السيّد يأتي الأعمش‏[2]فيكتب عنه فضائل عليّ رضي اللّه عنه و يخرج من عنده و يقول في تلك المعاني [1]هو إياس بن معاوية بن قرة بن إياس المزني البصري. كان مشهورا بالذكاء النادر، و الفراسة الصادقة، معدودا من العقلاء الفضلاء الدهاة. ولاه عمر بن عبد العزيز قضاء البصرة، و كان فقيها عفيفا فطنا. توفي سنة 122 هأما سماعه شهادة الفرزدق و قبولها فقد كان خوفا من هجوه. و خبر هذه الشهادة ساقه المؤلف في «الأغاني» (ج 19 ص 50 طبع بولاق) عن بعض شيوخ الأصمعيّ قال:

شهد الفرزدق عند إياس بن معاوية فقال: أجزنا شهادة الفرزدق أبي فراس و زيدونا شهودا، فقام الفرزدق فرحا. فقيل له: إنه و اللّه ما أجاز شهادتك؛ قال: بلى، قد سمعته يقول: قد قبلنا شهادة أبي فراس. قالوا: أ فما سمعته يستزيد شاهدا آخر!فقال: و ما يمنعه ألا يقبل شهادتي و قد قذفت ألف محصنة.

[2]هو سليمان بن مهران مولى بني كاهل الكوفي الإمام، كان ثقة عالما فاضلا. قال أبو معاوية الضرير: بعث هشام بن عبد الملك إلى الأعمش: اكتب لي مناقب عثمان و مساوئ عليّ. فأخذ الأعمش القرطاس و أدخلها في فم شاة فلا كتبها و قال لرسوله: قل له: هذا جوابك. فقال له الرسول: إنه قد آلى أن يقتلي إن لم آته بجوابك، و يحمل عليه بإخوانه. فكتب: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. أما بعد، يا أمير المؤمنين فلو كانت لعثمان رضي اللّه عنه مناقب أهل الأرض ما نفعتك. و لو كانت لعلي رضي اللّه عنه مساوئ أهل الأرض ما ضرتك. فعليك بخويصة نفسك» . توفي سنة 148 هـ (انظر «وفيات الأعيان» ج 1 ص 301 طبع بولاق) .

187

شعرا. فخرج ذات يوم من عند بعض أمراء الكوفة و قد حمله على فرس و خلع عليه؛ فوقف بالكناسة[1]ثم قال:

يا معشر الكوفيّين، من جاءني منكم بفضيلة لعليّ بن أبي طالب لم أقل فيها شعرا أعطيته فرسي هذا و ما عليّ.

فجعلوا يحدّثونه و ينشدهم؛ حتى أتاه رجل منهم و قال:

سمع عن عليّ قصة فنظمها

:

إن أمير المؤمنين/عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه عزم على الركوب؛ فلبس ثيابه و أراد لبس الخفّ فلبس أحد خفّيه، ثم أهوى إلى الآخر ليأخذه فانقضّ عقاب من السماء فحلّق به ثم ألقاه فسقط منه أسود[2]و انساب فدخل جحرا؛ فلبس عليّ رضي اللّه عنه الخفّ. قال: و لم يكن قال في ذلك شيئا؛ ففكّر هنيهة ثم قال:

ألا يا قوم للعجب العجاب # لخفّ أبي الحسين و للحباب‏[3]

أتى خفّا له و انساب فيه # لينهش رجله منه بناب

فخرّ من السماء له عقاب # من العقبان أو شبه العقاب

فطار به فحلّق ثم أهوى # به للأرض من دون السّحاب

إلى جحر له فانساب فيه # بعيد القعر لم يرتج بباب

كريه الوجه أسود ذو بصيص # حديد النّاب أزرق ذو لعاب

و دوفع عن أبي حسن عليّ # نقيع سمامه بعد انسياب‏

ثم حرّك فرسه و مضى و جعل تشبيبها بعد ذلك:

صبوت إلى سليمى و الرّباب # و ما لأخي المشيب و للتّصابي‏

أخبرني أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد قال حدّثني عبد اللّه بن أحمد بن مستورد قال:

وقف السيّد يوما بالكوفة، فقال: من أتاني بفضيلة لعليّ بن أبي طالب ما قلت فيها شعرا فله دينار، و ذكر باقي الحديث. فأما العقاب الذي‏[4]انقضّ على خفّ عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه فحدّثني بخبره أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد الهمدانيّ قال/حدّثني جعفر بن علي بن نجيح قال حدّثنا أبو عبد الرحمن المسعوديّ عن أبي داود الطّهويّ عن أبي الزّعل المراديّ‏[5]قال:

قام عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه فتطهّر للصلاة، ثم نزع خفّه فانساب فيه أفعى، فلما عاد ليلبسه انقضّت عقاب فأخذته فحلّقت به ثم ألقته فخرج الأفعى منه. و قد روي مثل هذا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.

حدّثني به أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد قال حدّثني محمد بن عبيد بن عقبة قال حدّثنا محمد بن الصّلت [1]الكناسة: محلة بالكوفة.

[2]الأسود: العظيم من الحيات.

[3]الحباب: الحية.

[4]العقاب: يذكر و يؤنث.

[5]كذا في «شرح القاموس» مادة «زعل» و في الأصول: «عن أبي الزغل» بالغين المعجمة و هو تصحيف.

188

قال حدّثنا حيّان بن علي عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال:

كان النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم إذا أراد حاجة تباعد حتى لا يراه أحد، فنزع خفّه فإذا عقاب قد تدلّى فرفعه فسقط منه أسود سالخ. فكان النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من شرّ ما يمشي على بطنه و من شرّ ما يمشي على رجليه و من شرّ ما يمشي على أربع و من شرّ الجن و الإنس» .

قال أبو سعيد و حدّثنا/محمد بن إسماعيل الرّاشديّ قال حدّثنا عثمان بن سعيد قال حدّثنا حيّان بن علي عن سعد بن طريف عن عكرمة عن ابن عباس مثله.

بلغه أن الحسن و الحسين ركبا ظهر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فقال شعرا

:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا حاتم بن قبيصة قال:

سمع السيّد محدّثا يحدّث أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كان ساجدا، فركب الحسن و الحسين على ظهره؛ فقال عمر رضي اللّه عنه: نعم المطيّ مطيّكما!فقال/النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «و نعم الراكبان هما» . فانصرف السيّد من فوره فقال في ذلك:

أتى حسنا و الحسين النبيّ # و قد جلسا حجرة[1]يلعبان

ففدّاهما ثم حيّاهما # و كانا لديه بذاك المكان

فراحا و تحتهما عاتقاه # فنعم المطيّة و الراكبان

وليدان أمّهما برّة # حصان مطهّرة للحصان

و شيخهما[2]ابن أبي طالب # فنعم الوليدان و الوالدان

خليليّ لا ترجيا و اعلما # بأن الهدى غير ما تزعمان

و أنّ عمى الشكّ بعد اليقين # و ضعف البصيرة بعد العيان

ضلال فلا تلججا فيهما # فبئست لعمركما الخصلتان

أ يرجى عليّ إمام الهدى # و عثمان ما أعند المرجيان‏[3]

و يرجى ابن حرب‏[4]و أشياعه # و هوج الخوارج‏[5]بالنّهروان‏

[1]الحجرة: الناحية.

[2]كذا في «تجريد الأغاني» و في الأصول: «و شخصهما» بالصاد المهملة، و هو تحريف.

[3]كذا في الأصول.

[4]يعني به معاوية بن أبي سفيان بن حرب.

[5]الخوارج: جماعة كانوا مع علي رضي اللّه تعالى عنه في صفين و خرجوا عليه منهم الأشعث بن قيس و غيره. أرادوه على أن يقبل التحكيم الذي دعاه إليه معاوية و عمرو بن العاص، فأراد أن يبعث عبد اللّه بن العباس فرفض الخوارج ذلك و قالوا: هو منك، فحملوه على بعث أبي موسى الأشعري على أن يحكما بكتاب اللّه تعالى فجرى الأمر على خلاف ما رضي به. فلما لم يرض بذلك خرجت الخوارج عليه و قالوا: لم حكمت الرجال!لا حكم إلا اللّه، و هم المارقة الذين اجتمعوا بالنهروان. و كبار فرق الخوارج ستة: الأزارقة و النجدات و الصفرية و العجاردة و الإباضية و الثعالبة و الباقون فروعهم و يجمعهم القول بالتبري عن عثمان و علي

189

يكون إمامهم في المعاد # خبيث الهوى مؤمن الشّيصبان‏[1]

مدح المنصور و عنده سوار فعارضه فهجاه‏

:

و ذكر[2]إسماعيل بن السّاحر قال أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني محمد عن أبيه قال حدّثني أبي و عمّي عن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن يعقوب بن سعيد بن عمرو قال حدّثنا الحارث بن عبد المطّلب قال:

كنت جالسا في مجلس أبي جعفر المنصور و هو بالجسر و هو قاعد مع جماعة على دجلة بالبصرة و سوّار بن عبد اللّه العنبريّ‏[3]قاضي البصرة جالس عنده و السيّد بن محمد بين يديه ينشد قوله:

إن الإله الذي لا شي‏ء يشبهه # أعطاكم الملك للدّنيا و للدّين

أعطاكم اللّه ملكا لا زوال له # حتى يقاد إليكم صاحب الصّين

و صاحب الهند مأخوذا برمّته # و صاحب التّرك محبوسا على هون‏

و المنصور يضحك سرورا بما ينشده؛ فحانت منه التفاتة فرأى وجه سوّار يتربّد غيظا و يسودّ حنقا و يدلك إحدى يديه بالأخرى و يتحرّق؛ فقال له المنصور: مالك!أرابك شي‏ء؟قال: نعم، هذا الرجل يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه، و اللّه يا أمير المؤمنين ما صدقك ما في نفسه، و إن الذين يواليهم لغيركم. فقال المنصور: مهلا!هذا شاعرنا و وليّنا، و ما عرفت منه إلا صدق محبّة و إخلاص نيّة. فقال له السيّد: يا أمير المؤمنين، و اللّه ما تحمّلت غضّكم لأحد، و ما وجدت أبويّ عليه فافتتنت بهما، و ما زلت مشهورا بموالاتكم في أيام عدوّكم. فقال له:

صدقت. قال: و لكن/هذا و أهلوه أعداء اللّه و رسوله قديما و الذين نادوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من وراء الحجرات‏[4]، فنزلت فيهم آية من القرآن‏ أَكْثَرُهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ* . و جرى بينهما خطاب طويل. فقال السيّد قصيدته التي أوّلها:

قف‏[5]بنا يا صاح و اربع # بالمغاني الموحشات‏

أنشدها أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار[عن‏][6]النّوفليّ، و أخبرنا محمد بخبره مع سوّار بالقصّة من هاهنا إلى آخرها؛ و قال فيها:

و يقدّمون ذلك على كل طاعة و لا يصححون المناكحات إلا على ذلك و يكفرون أصحاب الكبائر و يرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقا واجبا. و النهروان: كورة واسعة بين بغداد و واسط من الجانب الشرقيّ.

[1]الشيصبان: من أسماء الشيطان.

[2]كذا ورد في ب، س. و في سائر الأصول: «و ذكر إسماعيل بن الساحر أن السيد مر بزمعة بن صالح قال أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري... إلخ» . و السند على كلتا العبارتين مضطرب، لأن المعروف أن إسماعيل بن الساحر راوية السيد يروي عنه مباشرة.

[3]كذا في نسخة الشيخ الشنقيطي بخطه و الخلاصة في أسماء الرجال و فيما سيأتي في شعر السيد. و في الأصول هنا: «العنزي» و هو تحريف.

[4]يعني وفد بني تميم يوم قدموا المدينة لمفاخرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فدخلوا المسجد فوقفوا عند الحجرات (بيوت نسائه عليه الصلاة و السلام) فنادوا بصوت عال جاف: اخرج إلينا يا محمد فقد جئنا لنفاخرك. فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يُنََادُونَكَ مِنْ وَرََاءِ اَلْحُجُرََاتِ أَكْثَرُهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ (انظر الكلام على هذه القصة بإسهاب في «الأغاني» ج 4 ص 146 من هذه الطبعة) .

[5]في ب، س: «قم» .

[6]أثبتنا هذه الزيادة ليصح السند لأن أحمد بن عبيد اللّه بن عمار ليس نوفليا و إنما النوفلي هو علي بن محمد بن سليمان و قد تكررت رواية أحمد بن عبيد اللّه عنه في الأجزاء السابقة.

190

يا أمين اللّه يا منـ # صور يا خير الولاة

إنّ سوّار بن عبد # اللّه من شرّ القضاة

نعثليّ‏[1]جمليّ‏[2] # لكم غير موات

جدّه سارق عنز[3] # فجرة من فجرات

لرسول اللّه و القا # ذفة بالمنكرات

و ابن من كان ينادي # من وراء الحجرات

/يا هناة[4]اخرج إلينا # إننا أهل هنات

مدحنا المدح و من نر # م يصب بالزّفرات

فاكفينه لا كفاه اللّه # شرّ الطارقات‏

اعتذر إلى سوار فلم يعذره‏

:

فشكاه سوّار إلى أبي جعفر، فأمره بأن يصير إليه معتذرا؛ ففعل فلم يعذره؛ فقال:

أتيت دعيّ بني العنبر # أروم اعتذارا فلم أعذر

فقلت لنفسي و عاتبتها # على اللؤم في فعلها أقصري

أ يعتذر الحرّ مما أتى # إلى رجل من بني العنبر

أبوك ابن سارق عنز النبي # و أمّك بنت أبي جحدر

و نحن على رغمك الرّافضو # ن لأهل الضّلالة و المنكر

بلغه أن سوّارا يريد قطعه في سرقة فشكاه إلى المنصور

:

قال: و بلغ السيّد أن سوّارا قد أعدّ جماعة يشهدون عليه بسرقة ليقطعه؛ فشكاه إلى أبي جعفر؛ فدعا بسوّار و قال له: قد عزلتك عن الحكم للسيّد أو عليه. فما تعرّض له بسوء حتى مات.

رماه أبو الخلال عند عقبة بن سلّم بسب الصحابة فقال شعرا

:

و روى عبد اللّه بن أبي بكر العتكيّ أن أبا الخلاّل العتكيّ دخل على عقبة[5]بن سلّم و السيّد عنده و قد أمر له [1]نعثل في الأصل: اسم رجل يهودي من أهل المدينة، و قيل: نعثل رجل لحياتي (طويل اللحية) من أهل مصر كان يشبه به عثمان رضي اللّه عنه إذا نيل منه. (انظر «شرح القاموس» مادة نعثل) .

[2]نسبة إلى وقعة الجمل التي كانت بالبصرة بين علي بن أبي طالب و طلحة و الزبير و عائشة و التي خرجت فيها عائشة راكبة جملا فسميت الوقعة به.

[3]يعني جدّه «عنزة بن نقب» و كان يقال له «سارق العنز» كانت لآل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و كان قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في وفد بني العنبر.

[4]يا هناة: يا فلان و انظر الكلام على تصريف هذه الكلمة في «اللسان» «مادة هنا» .

[5]في الأصول: «عقبة بن سالم» و هو تحريف. و هو عقبة بن سلّم بن نافع الهنائي ولى إمرة البصرة لأبي جعفر المنصور. و قد ذكر في «الأغاني» ج 3 ص 174 من هذه الطبعة في قصة طويلة مع بشار بن برد فانظرها. (و راجع «الطبري» ق 3 ص 350، 353) طبع أوروبا.

191

بجائزة، و كان أبو الخلاّل شيخ العشيرة و كبيرها، فقال له: أيها الأمير، أ تعطي هذه العطايا رجلا ما يفتر عن سبّ أبي بكر و عمر!. فقال له عقبة: ما علمت ذاك و لا أعطيته إلاّ على العشرة و المودّة القديمة و ما يوجبه حقّه و جواره مع ما هو عليه من موالاة قوم يلزمنا حقّهم و رعايتهم. فقال له أبو الخلاّل: فمره إن/كان صادقا أن يمدح أبا بكر و عمر حتى نعرف براءته مما ينسب إليه من الرّفض‏[1]. فقال: قد سمعك، فإن شاء فعل. فقال السيّد:

إذا أنا لم أحفظ وصاة محمد # و لا عهده يوم الغدير[2]المؤكدا

/فإنّي كمن يشري الضّلالة بالهدى # تنصّر من بعد التّقى و تهوّدا

و ما لي و تيم أو عديّ و إنما # أو لو نعمتي في اللّه من آل أحمدا

تتمّ صلاتي بالصلاة عليهم # و ليست صلاتي بعد أن أتشهّدا

بكاملة إن لم أصلّ عليهم # و أدع لهم ربّا كريما ممجّدا

بذلت لهم ودّي و نصحي و نصرتي # مدى الدهر ما سمّيت يا صاح سيّدا

و إنّ امرأ يلحى على صدق ودّهم # أحقّ و أولى فيهم أن يفنّدا

فإن شئت فاختر عاجل الغمّ صلّة[3] # و إلاّ فأمسك كي تصان و تحمدا

ثم نهض مغضبا. فقام أبو الخلاّل إلى عقبة فقال: أعذني من شرّه أعاذك اللّه من السوء أيها الأمير؛ قال: قد فعلت على ألاّ تعرض له بعدها.

قصته مع امرأة تميمية إباضية تزوّجها

:

و ممّا يحكى عنه أنه اجتمع في طريقه بامرأة تميميّة إباضيّة، فأعجبها و قالت: أريد أن أتزوّج بك و نحن على ظهر الطريق. قال: يكون كنكاح أمّ خارجة[4]قبل حضور وليّ و شهود. فاستضحكت و قالت: ننظر في هذا؛ و على ذلك فمن أنت؟فقال:

[1]الرافضة: فرقة من الشيعة بايعوا زيد بن علي ثم قالوا له: تبرأ من الشيخين (أبي بكر و عمر) فأبي و قال: كانا وزيري جدي. فتركوه و رفضوه و ارفضوا عنه. و النسبة رافضيّ، و المصدر الرفض. (انظر «القاموس» و «شرحه» مادة رفض) .

[2]يريد غدير خم (بالضم) و هو موضع بين مكة و المدينة بالجحفة، و قيل: هو على ثلاثة أميال منها. و قد روى عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: نزلت هذه الآية-يعني‏ يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ -في علي كرّم اللّه تعالى وجهه حيث أمر سبحانه و تعالى رسوله أن يخبر الناس بولايته فتخوف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم أن يقولوا: حابى ابن عمه و أن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى اللّه تعالى إليه هذه الآية فقال بولايته يوم غدير خم و أخذ بيده فقال عليه الصلاة و السلام: «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه» . و لأهل السنة في أخبار الغدير و استدلال أهل الشيعة بها كلام طويل يراجع في روح المعاني (ج 2 ص 349 طبع بولاق) .

[3]كذا في أ، ء، م. و الضلة (بالكسر) : الضلال. و في سائر الأصول: «ظلة» بالظاء المعجمة، و هو تحريف.

[4]نكاح أم خارجة يضرب به المثل في السرعة، فيقال: «أسرع من نكاح أم خارجة» . و هي عمرة بنت سعد بن عبد اللّه بن قدار بن ثعلبة. كان يأتيها الخاطب فيقول: خطب، فتقول: نكح. فيقول: انزلي، فتقول: أنخ. قال المبرد: ولدت أم خارجة للعرب في نيف و عشرين حيا من آباء متفرقة، و كانت هي إحدى النساء اللاتي إذا تزوّجت واحدة منهن الرجل فأصبحت عنده كان أمرها إليها إن شاءت أقامت و إن شاءت ذهبت. و علامة ارتضائها للزوج أن تعالج له طعاما إذا أصبح. (انظر «مجمع الأمثال» للميداني و «ما يعوّل عليه في المضاف و المضاف إليه» و «القاموس» و «شرحه» مادتي خطب و خرج) . ـ

192

إن تسأليني بقومي تسألي رجلا # في ذروة العزّ من أحياء ذي يمن

حولي بها ذو كلاع‏[1]في منازلها # و ذو رعين‏[2]و همدان‏[3]و ذو يزن‏[4]

/و الأزد أزد[عمان‏][5]الأكرمون إذا # عدّت مآثرهم في سالف الزمن

بانت كريمتهم‏[6]عنّي فدارهم # داري و في الرّحب من أوطانهم وطني

لي منزلان بلحج‏[7]منزل وسط[8] # منها و لي منزل للعزّ في عدن

ثمّ الولاء الذي أرجو النجاة[9]به # من كبّة النار للهادي أبي حسن‏

فقالت: قد عرفناك، و لا شي‏ء أعجب من هذا: يمان و تميميّة، و رافضيّ و إباضيّة، فكيف يجتمعان!. فقال:

بحسن رأيك فيّ تسخو نفسك، و لا يذكر أحدنا سلفا و لا مذهبا. قالت: أ فليس التزويج إذا علم انكشف معه المستور، و ظهرت خفيّات الأمور!. قال: فأنا أعرض عليك أخرى. قالت: ما هي؟قال: المتعة[10]التي لا يعلم بها [1]ذو الكلاع (كسحاب) : رجلان من أذواء اليمن، أحدهما الأكبر و هو يزيد بن النعمان الحميري. و الآخر الأصغر و ينتسب إلى ذي الكلاع الأكبر. و كان ذو الكلاع الأصغر مطاعا في قومه فأسلم فكتب إليه النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في التعاون على قتل الأسود العنسي مع جرير بن عبد اللّه البجلي ففعل و هاجر، فمات النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قبل أن يصل إليه فقدم على أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه.

[2]ذو رعين هو أحد ملوك اليمن الأول و اسمه «يريم» و هو من ولد الحارث بن عمرو بن حمير بن سبأ. و رعين: اسم حصن كان له.

و ذكره عمرو بن معد يكرب في شعر قاله لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و قد خفقه عمر بالدرة لكلام دار بينهما، فقال:

أ تضربني كأنك ذو رعين # بأنعم عيشة أو ذو نواس

فكم ملك قديم قد رأينا # و عز طاهر الجبروت قاسي

فأصبح أهله بادوا و أضحى # ينقل من أناس إلى أناس‏

فقال: صدقت يا أبا ثور، قد هدم ذلك كله الإسلام.

[3]هو همدان بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان. و من ولده قبيلة باليمن تنسب إليه؛ و هم الذين كانوا شيعة لأمير المؤمنين علي كرّم اللّه وجهه عند وقوع الفتن بين الصحابة. و قال فيهم أسعد تبع:

و معي قضاعتها و كندتها العلا # و الشمّ مذحج و الذرى همدان‏

[4]ذو يزن: ملك من ملوك حمير، تنسب إليه الرماح اليزنية، و اسمه عامر بن أسلم بن غوث و قيل: هو النعمان بن قيس الحميري. و قد ذكره قس بن ساعدة في قوله:

و القيل ذا يزن شهدت مكانه # قد كان حرّم عنه شرب الراح‏

و ابنه سيف بن ذي يزن الذي قتل الحبشة و طردهم من اليمن و هو الذي بشر بالنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم قبل مبعثه. (راجع ج 16 ص 75 من هذا الكتاب طبع بولاق و «ما يعول عليه في المضاف و المضاف إليه» ) .

[5]التكملة عن حـ و «تجريد الأغاني» . و ساكن عمان من الأزد هم يحمد و حدّان و مالك و الحارث و عتيك و جديد.

[6]كذا في الأصول.

[7]لحج: مخلاف باليمن ينسب إلى لحج بن وائل بن الغوث بن قطن.

[8]الوسط (بالتحريك) : اسم لما بين طرفي الشي‏ء، و قد يأتي صفة، على معنى أفضل الشي‏ء و خياره و أعد له، كما في البيت هنا، و كما في قوله تعالى: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً .

[9]كذا في «تجريد الأغاني» . و في الأصول: «أرجو الحياة» و هو تحريف.

[10]المتعة: أن تتزوج امرأة تتمتع بها أياما ثم تخلي سبيلها. و ذلك أن الرجل كان يشارط المرأة شرطا على شي‏ء بأجل معلوم و يعطيها شيئا فيستحلها بذلك ثم يخلي سبيلها من غير تزويج و لا طلاق. و قد كانت المتعة مباحة في أول الإسلام ثم حرمت، و هي جائزة عند الشيعة. و للجلودي و كان من أكابر الشيعة الإمامية كتاب يسمى «كتاب المتعة و ما جاء في تحليلها» . و للصفواني و هو من رجال الشيعة أيضا «كتاب المتعة و تحليلها و الرد على من حرمها» .

193

أحد. قالت: تلك أخت الزّنا. قال: أعيذك باللّه أن تكفري بالقرآن بعد الإيمان!. قالت: فكيف؟قال: قال اللّه تعالى: فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لاََ جُنََاحَ عَلَيْكُمْ فِيمََا تَرََاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ .

فقالت: أستخير[1]اللّه و أقلّدك أن‏[2]كنت صاحب قياس. ففعلت‏[3]. فانصرفت معه و بات معرسا بها. و بلغ أهلها من الخوارج أمرها، فتوعّدوها بالقتل و قالوا: /تزوّجت بكافر!فجحدت ذلك و لم يعلموا بالمتعة. فكانت مدّة تختلف إليه على هذه السبيل من المتعة و تواصله حتى افترقا.

عارضه ابن لسليمان بن علي في مذهبه بباب عقبة بن سلّم فأجابه‏

:

و قال الحسن بن علي بن المغيرة حدّثني أبي قال:

كنت مع السيّد على باب عقبة بن سلّم و معنا ابن لسليمان‏[4]بن عليّ ننتظره و قد أسرج له ليركب، إذ قال ابن سليمان بن عليّ يعرّض بالسيّد: أشعر الناس و اللّه الذي يقول:

محمد خير من يمشي على قدم # و صاحباه و عثمان بن عفّانا

فوثب السيّد و قال: أشعر و اللّه منه الذي يقول:

/

سائل قريشا إذا ما كنت ذا عمه # من كان أثبتها في الدّين أوتادا

من كان أعلمها علما و أحلمها # حلما و أصدقها قولا و ميعادا

إن يصدقوك فلن يعدوا أبا حسن # إن أنت لم تلق للأبرار حسّادا

ثم أقبل على الهاشميّ فقال: يا فتى، نعم الخلف أنت لشرف سلفك!أراك تهدم شرفك، و تثلب‏[5]سلفك، و تسعى بالعداوة على أهلك، و تفضّل من ليس أصلك من أصله على من فضلك من فضله؛ و سأخبر أمير المؤمنين عنك بذا حتى يضعك. فوثب الفتى خجلا و لم ينتظر عقبة بن سلّم. و كتب إليه صاحب خبره بما جرى عند الرّكوبة حتى خرجت الجائزة للسيّد.

جلس مع قوم يخوضون في ذكر الزرع و النخل فقام و قال شعرا

:

أخبرني محمد بن جعفر النّحويّ قال حدّثنا ابن القاسم البزّيّ عن إسحاق بن محمد النّخعيّ عن عقبة بن مالك الدّيلي عن الحسن بن عليّ بن أبي حرب بن أبي الأسود الدّؤليّ قال:

/كنّا جلوسا عند أبي عمرو بن العلاء، فتذاكرنا السيّد، فجاء فجلس، و خضنا في ذكر الزرع و النخل ساعة فنهض. فقلنا: يا أبا هاشم، ممّ القيام؟فقال:

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «أ لا تستخير اللّه» .

[2]في حـ: «إذ» .

[3]في ب، س: «قال قد فعلت» .

[4]هو سليمان بن علي بن عبد اللّه بن العباس عم أبي جعفر المنصور. ولي له البصرة و عمان و البحرين، و توفي بالبصرة سنة اثنتين و أربعين و مائة. (انظر كتاب «المعارف» لابن قتيبة ص 190) .

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و تثلب من سلفك» .

194

إني لأكره أن أطيل بمجلس # لا ذكر فيه لفضل آل محمد

لا ذكر فيه لأحمد و وصيّه # و بنيه ذلك مجلس نطف‏[1]ردي

إن الذي ينساهم في مجلس # حتّى يفارقه لغير مسدّد

سكر بالأهوازن فحبسه العسس و كتب شعرا لواليها فأطلقه و أجازه‏

:

و روى أبو سليمان النّاجي: أن السيّد قدم الأهواز و أبو بجير بن سماك الأسديّ يتولاّها، و كان له صديقا.

و كان لأبي بجير مولى يقال له يزيد بن مذعور يحفظ شعر السيد ينشده أبا بجير، و كان أبو بجير يتشيّع. فذهب السيّد إلى قوم من إخوانه بالأهواز فنزل بهم و شرب عندهم؛ فلما أمسى انصرف، فأخذه العسس فحبس. فكتب من غده بهذه الأبيات و بعث بها إلى يزيد بن مذعور. فدخل على أبي بجير و قال: قد جنى عليك صاحب عسسك ما لا قوام لك به. قال: و ما ذلك؟قال: اسمع هذه الأبيات، كتبها السيّد من الحبس؛ فأنشده يقول:

قف بالدّيار و حيّها يا مربع # و اسأل و كيف يجيب من لا يسمع

إنّ الدّيار خلت و ليس بجوّها # إلاّ الضّوابح‏[2]و الحمام الوقّع

و لقد تكون بها أوانس كالدّمى # جمل و عزّة و الرّباب و بوزع

حور نواعم لا ترى في مثلها # أمثالهن من الصيانة أربع

فعرين‏[3]بعد تألّف و تجمّع # و الدّهر-صاح-مشتّت ما تجمع

/فاسلم فإنّك قد نزلت بمنزل # عند الأمير تضرّ فيه و تنفع

تؤتى هواك إذا نطقت بحاجة # فيه و تشفع عنده فيشفّع

قل للأمير إذا ظفرت بخلوة # منه و لم يك عنده من يسمع

هب لي الذي أحببته في أحمد # و بنيه إنك حاصد ما تزرع

يختصّ آل محمد بمحبّة # في الصدر قد طويت عليها الأضلع‏[4]

/في هذا الغناء لسعيد.

ضمن رثاءه لعباد بن حبيب هجوا لسوّار القاضي بعد موته‏

:

و حكى ابن الساحر: أنّ السيّد دعي لشهادة عند سوّار القاضي؛ فقال لصاحب الدّعوى: أعفني من الشهادة عند سوّار؛ فلم يعفه صاحبها منها و طالبه بإقامتها عند سوّار. فلما حضر عنده و شهد قال له: أ لم أعرفك و تعرفني! [1]النطف: السيئ الفاسد، و المتهم بريبة. و في ب، س: «قصف» و هو تحريف.

[2]الضوابح: يعني بها الثعالب و غيرها، يقال: ضبح الثعلب و الأرنب و الأسود من الحيات و البوم و الصدى إذا صوّت. و يقال: طائر واقع إذا كان على شجر أو موكنا، و وقع الطائر إذا نزل عن طيرانه.

[3]كذا في الأصول. و الضمير يعود على الديار. و يحتمل أن تكون: «فعز بن» أي بعدن.

[4]يلاحظ أن هذه القصيدة لم تتم، و أن الأبيات العينية الآتية في (ص 271) تتمة لهذه القصيدة، لأن ابن مذعور المخاطب بهذه القصيدة مذكور فيها، و لأن ما بعدها من كلام متصل بالخبر الذي سيقت فيه هذه القصيدة و متمم له. و ما وقع بين أجزاء القصيدة من أخبار موضوع في غير موضعه.

195

و كيف مع معرفتك بي تقدم على الشهادة عندي!فقال له: إني تخوّفت إكراهه، و لقد افتديت شهادتي عندك بمال فلم يقبل منّي فأقمتها[1]؛ فلا يقبل اللّه لك صرفا و لا عدلا إن قبلتها، و قام من عنده؛ و لم يقدر سوّار له على شي‏ء لما تقدّم به المنصور إليه في أمره، و اغتاظ غيظا شديدا و انصرف من مجلسه فلم يقض يومئذ بين اثنين. ثم إن سوّارا اعتلّ علّته التي مات فيها فلم يقدر السيّد على هجائه في حياته لنهي المنصور إيّاه عن ذلك. و مات سوّار فأخرج عشيّا و حفر له، فوقع الحفر في موضع كنيف. و كان بين الأزد و بين تميم عداوة، فمات عقب‏[2]موته عبّاد بن حبيب بن المهلّب؛ فهجا السيّد سوّارا في قصيدة رثى بها عبّادا و دفعها إلى نواتح الأزد لما بينهم و بين تميم من العداوة و لقربهم من دار سوّار ينحن‏[3]بها، و أوّلها:

/

يا من غدا حاملا جثمان سوّار # من داره طاعنا منها إلى النار

لا قدّس اللّه روحا كان هيكلها # فقد مضت بعظيم الخزي و العار

حتى هوت قعر برهوت‏[4]معذّبة # و جسمه في كنيف بين أقذار

لقد رأيت من الرحمن معجبة # فيه و أحكامه تجري بمقدار

فاذهب عليك من الرحمن بهلته‏[5] # يا شرّ حيّ براه الخالق الباري‏

مازح صديقا له زنجيا بشعر

:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عليّ بن محمد البقّال قال حدّثنا شيبان بن محمد الحرّاني -و كان يلقّب بعوضة و صار من سادات الأزد-قال:

كان السيّد جاري، و كان أدلم‏[6]، و كان ينادم فتيانا من فتيان الحيّ فيهم فتى مثله أدلم غليظ الأنف و الشّفتين مزنّج الخلقة. و كان السيّد من أنتن الناس إبطين. و كانا يتمازحان، فيقول له السيّد: أنت زنجيّ الأنف و الشّفتين، و يقول الفتى للسيّد: أنت زنجيّ اللون و الإبطين. فقال السيّد:

أعارك يوم بعناه رباح‏[7] # مشافره و أنفك ذا القبيحا

و كانت حصّتي إبطيّ منه # و لونا حالكا أمسى فضوحا

فهل لك في مبادلتيك إبطي # بأنفك تحمد البيع الرّبيحا

فإنّك أقبح الفتيان أنفا # و إبطي أنتن الآباط ريحا

[1]كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «فإن أقمتها» .

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «موت عباد» .

[3]في حـ: «فنحن» .

[4]برهوت: بئر عميقة بحضرموت لا يستطاع النزول إلى قعرها. و يشير بقوله: «حتى هوت قعر برهوت» إلى ما ورد في هذه البئر من أنها مأوى أرواح الكفار و المنافقين.

[5]البهلة: اللعنة.

[6]الأدلم: الشديد السواد.

[7]رباح: من أسماء العبيد.

196

كان له صديق ينفق عليه من ماله فلامته امرأته لذلك فهجاها

:

أخبرني أحمد قال حدّثني شيبان قال:

مات‏[1]منّا رجل موسر و خلّف ابنا له فورث ماله و أتلفه بالإسراف، و أقبل على الفساد و اللهو، و قد تزوّج امرأة تسمّى ليلى، و اجتمع على السيّد و كان من أظرف/الناس، و كان الفتى لا يصبر عنه، و أنفق عليه مالا كثيرا؛ و كانت ليلى تعذله على إسرافه و تقول له: كأني بك قد افتقرت فلم يغن عنك شيئا. فهجاها السيّد. و كان/ممّا قال فيها:

أقول يا ليت ليلي في يدي حنق # من العداوة من أعدى أعاديها

يعلو بها فوق رعن ثم يحدرها # في هوّة فتدهدى يومها فيها

أوليتها في عمار البحر قد عصفت # فيه الرّياح فهاجت من أواذيها[2]

أوليتها قرنت‏[3]يوما إلى فرسي‏[4] # قد شدّ منها إلى هاديه‏[5]هاديها

حتى يرى لحمها من حضره زيما[6] # و قد أتى القوم بعد الموت‏[7]ناعيها

فمن بكاها فلا جفّت مدامعه # لا أسخن اللّه إلاّ عين باكيها

أهدى له بعض ولاة الكوفة رداء فقال شعرا يمدحه و يستزيده‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني إسحاق بن محمد النّخعيّ و عبد الحميد بن عقبة قالا حدّثنا الحسن بن عليّ بن المغيرة الكسلان عن محمد بن كناسة قال:

أهدى بعض ولاة الكوفة إلى السيّد رداء عدنيّا؛ فكتب إليه السيّد فقال:

و قد أتانا رداء من هديّتكم # فلا عدمتك طول الدهر من وال

هو الجمال جزاك اللّه صالحة # لو أنّه كان موصولا بسربال‏

فبعث إليه بخلعة تامّة و فرس جواد و قال: يقطع عتاب أبي هاشم و استزادته إيانا.

سمع قاصا بباب أبي سفيان يمدح الشيخين فسبهما

:

حدّثني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ عن بعض البصريّين عن سليمان بن أرقم قال:

كنت مع السيّد، فمرّ بقاصّ على باب أبي سفيان بن العلاء و هو يقول: يوزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يوم القيامة في كفّة [1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «ملك منا رجل موسر مالا و خلف... إلخ» .

[2]الأواذي: الأمواج واحدها آذى بالتشديد و خفف لضرورة الشعر. و في الأصول: «أواديها» بالدال المهملة، و هو تصحيف.

[3]في ب، س: «قد دنت» .

[4]كذا في الأصول. و لعله «إلى فرس» بالتنكير.

[5]الهادي: العنق.

[6]زيما: قطعا متفرقة.

[7]في حـ: «اليوم» .

197

بأمّته أجمع فيرجح بهم، ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح ثم يؤتى بفلان فيوزن بهم فيرجح. فأقبل على أبي سفيان فقال: لعمري إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ليرجح على أمته في الفضل، و الحديث حقّ؛ و إنما رجح الآخران الناس في سيئاتهم؛ لأنّ من سنّ سنّة سيئة فعمل بها بعده كان عليه وزرها و وزر من عمل بها. قال: فما أجابه أحد. فمضى فلم يبق أحد من القوم إلاّ سبّه.

صادف بنت الفجاءة و أنشدها شعرا له متغزلا فيها

:

و قال أبو جعفر الأعرج حدّثني إسماعيل بن السّاحر قال:

خرجت من منزل نصر بن مسعود أنا و كاتب‏[1]عقبة بن سلّم و السيّد و نحن سكارى. فلما كنّا بزهران لقيتنا بنت الفجاءة بن عمرو بن قطريّ بن الفجاءة، و كانت امرأة برزة حسناء فصيحة، فواقفها السيّد و تخاطب عليها و أنشدها من شعره‏[2]بتجميش، فأعجب كلّ واحد منهما صاحبه. فقال السيّد[3]:

من ناكثين و قاسطين الأروع‏[4] # حول الأمين و قال هات ليسمعوا

قم يا ابن مذعور فأنشد نكّسوا # خضع الرّقاب بأعين لا ترفع

لو لا حذار أبي بجير أظهروا # شنآنهم و تفرّقوا و تصدّعوا

لا تجزعوا فلقد صبرنا فاصبروا # سبعين عاما و الأنوف تجدّع

/إذ لا يزال يقوم كلّ عروبة[5] # منكم بصاحبنا خطيب مصقع

مسحنفر[6]في غيّه متتايع‏[7] # في الشّتم مثّله بخيل‏[8]يسجع

/ليسرّ مخلوقا و يسخط خالقا # إن الشقيّ بكلّ شرّ مولع‏

فلما سمعها أبو بجير دعا صاحب عسسه فشتمه و قال: جنيت عليّ ما لا يد لي به؛ اذهب صاغرا إلى الحبس و قل: أيّكم أبو هاشم؛ فإذا أجابك فأخرجه و احمله على دابّتك و امش معه صاغرا حتى تأتيني به ففعل. فأبى السيّد و لم يجبه إلى الخروج إلا بعد أن يطلق له كلّ من أخذ معه. فرجع إلى أبي بجير فأخبره، فقال: الحمد للّه الذي لم يقل أخرجهم و أعط كلّ واحد منهم مالا، فما كنّا نقدر على خلافه؛ افعل ما أحبّ برغم أنفك الآن. فمضى فخلّى سبيله و سبيل كلّ من كان معه ممّن أخذ في تلك الليلة، و أتي به إلى أبي بجير. فتناوله بلسانه و قال: قدمت علينا [1]كذا في أ، ء، م. و في حـ: «من منزل منصور بن مسعود كاتب عقبة بن سلّم... » . و في ب، س: «من منزل نصر بن مسعود أنا و عقبة بن سلّم... إلخ» .

[2]في حـ: «شعرا» .

[3]تلاحظ الحاشية رقم 1 في ص 268، إذ لا ارتباط بين هذا الخبر و الشعر الذي بعده.

[4]هكذا ورد هذا الشعر ناقصا في الأصول. و لم نوفق إلى إكماله من مصدر آخر.

[5]عروبة: يوم الجمعة.

[6]المسحنفر: الماضي السريع. و في ب س: «مستحفز» و هو تحريف.

[7]التتايع: التهافت.

[8]كذا في الأصول.

198

فلم تأتنا و أتيت بعض أصحابك‏[1]الفسّاق و شربت ما حرّم عليك حتى جرى ما جرى؛ فاعتذر من ذلك إليه؛ فأمر له أبو بجير بجائزة سنيّة و حمله و أقام عنده مدّة.

عاتب قوم أبا بجير على التشيع فاستنشد مولاه شعر السيد و طردهم‏

:

قال النّوفليّ و حدّثني أبي: أنّ جماعة من أهل الثغور قدموا على أبي بجير بتسبيب بهم‏[2]فأطلقهم، ثم جاءوه فعاتبوه على التشيّع و سألوه الرجوع؛ فغضب من ذلك و دعا بمولاه يزيد بن مذعور فقال: أنشدني ويلك لأبي هاشم.

فأنشده قوله:

يا صاحبيّ لدمنتين عفاهما # مرّ الرّياح عليهما فمحاهما

حتى فرغ. ثم قال: هات النّونيّة؛ فأنشده:

يا صاحبيّ تروّحا و ذراني # ليس الخليّ كمسعر الأحزان‏

/فلما فرغ قال: أنشدني الدمّاغة الرائيّة، فأنشده إيّاها. فلما فرغ أقبل عليه الثّغريّون فقالوا له: ما أعتبتنا فيما عاتبناك عليه. فقال: يا حمير!هل في الجواب أكثر مما سمعتم!و اللّه لو لا أنّي لا أعلم كيف يقع فعلي من أمير المؤمنين لضربت أعناقكم!قوموا إلى غير حفظ اللّه فقاموا. و بلغ السيّد الخبر فقال:

إذا قال الأمير أبو بجير # أخو أسد لمنشده يزيدا

طربت إلى الكرام فهات فيهم # مديحا من مديحك أو نشيدا

رأيت لمن بحضرته وجوها # من الشّكّاك و المرجين سودا

كأنّ يزيد ينشد بامتداح # أبا حسن نصارى أو يهودا

نقد العبدي شعر له فصدقه و قال إنه أشعر منه‏

:

و روى أبو داود المسترق: أنّ السيّد و العبديّ اجتمعا؛ فأنشد السيّد:

إني أدين بما دان الوصيّ به # يوم الخريبة[3]من قتل المحلّينا

و بالذي دان يوم النهروان به # و شاركت كفّه كفّي بصفّينا

فقال له العبديّ: أخطأت، لو شاركت كفّك كفّه كنت مثله؛ و لكن قل: تابعت كفّي كفّه لتكون تابعا لا شريكا. فكان السيّد بعد ذلك يقول: أنا أشعر الناس إلاّ العبديّ.

سب الشيخين في شعر له و سكر فرفع أمره إلى أبي بجير فأهانه‏

:

و قال إسحاق النّخعي عن عبد الحميد بن عقبة عن أبي جعفر الأعرج عن إسماعيل بن السّاحر قال:

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «أصحابنا» و هو تحريف.

[2]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «لهم» . و كلاهما غير واضح.

[3]كذا في «معجم البلدان» و «كتاب مناقب آل أبي طالب» (نسخة طبع الهند محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 503 تاريخ ص 425) . و الخريبة: موضع بالبصرة كانت به وقعة الجمل. و في الأصول: «الحديبة» . و هو تحريف.

199

كنت مع السيّد و قد اكترينا سفينة إلى الأهواز؛ فجلس فيها معنا قوم شراة، فجعلوا ينالون من عثمان. فأخرج السيّد رأسه إليهم و قال:

/

شفيت من نعثل في نحت أثلته‏[1] # فاعمد هديت إلى نحت الغويّين

اعمد[2]هديت إلى نحت اللّذين هما # كانا عن الشرّ لو شاء اغنيّين‏

قال إسماعيل: فلما قدمنا الأهواز قدم السيّد و قد سكر، فأتي به أبا بجير بن سماك الأسديّ؛ و كان ابن النّجاشيّ عند ابن سماك بعد العشاء الآخرة، و كان‏[3]يعرفه باسمه و لم يعرفه. فقال له: يا شيخ السّوء، تخرج سكران في هذا الوقت!لأحسننّ أدبك. فقال له: و اللّه لا فعلت، و لتكرمنّي و لتخلعنّ عليّ و تحملنّي و تجيزنّي.

قال: أو تهزأ أيضا!قال: لا و اللّه!ثم اندفع ينشده فقال:

من كان معتذرا من شتمه عمرا # فابن النّجاشيّ منه غير معتذر

و ابن النجاشي براء-غير محتشم- # في دينه من أبي بكر و من عمر

ثم أنشده قوله:

إحداهما[4]نمّت عليه حديثه # و بغت‏[5]عليه نفسه إحداهما

فهما اللتان سمعت ربّ محمد # في الذكر قصّ على العباد نباهما[6]

فقال: أبو هاشم؟فقال نعم. قال: ارتفع. فحمله و أجازه، و قال: و اللّه لأصدّقنّ قولك في جميع ما حلفت عليه.

أباح له أبو بجير شرب النبيذ

:

قال إسماعيل: رأى أبو بجير السيّد متغيّر اللّون، فسأله عن حاله؛ فقال: فقدت الشراب الذي ألفته لكراهة الأمير إيّاه؛ قال: فاشربه، فإنّنا نحتمله لك. قال: ليس عندي. قال لكاتبه: اكتب له بمائتي دورق ميبختج‏[7]. فقال له السيّد: ليس هذا من البلاغة. قال: و ما هي؟قال: البلاغة أن تأتي من الكلام بما يحتاج إليه و تدع ما يستغنى عنه. قال: و كيف ذلك؟قال: اكتب بمائتي دورق «مي» و لا تكتب «بختج» ، فإنك تستغني عنه. فضحك، ثم أمر فكتب له بذلك. قال: و المي: النبيذ.

[1]يقال: فلان ينحت أثلة فلان إذا ذمه و تنقصه.

[2]في الأصول: «اعمل» باللام و هو تحريف.

[3]كذا في حـ. و في ب، س: «و كان يعرف باسمه إلخ» . و في سائر النسخ: «و كان يعرض باسمه إلخ» و كلاهما تحريف.

[4]لعله يعني بهذا الشعر حفصة و عائشة، و ذلك أن حفصة وجدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم مع أم إبراهيم (جاريته مارية) في يوم عائشة الذي خصصه لها، فأمرها أن تكتم الأمر على أن يحرّم مارية، فأفشت حفصة ذلك إلى عائشة، فعلم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فعرّف حفصة فقالت له: من أخبرك به؟فقال: نبأني به العليم الخبير. فآلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من نسائه شهرا. فأنزل اللّه تبارك و تعالى: إِنْ تَتُوبََا إِلَى اَللََّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمََا وَ إِنْ تَظََاهَرََا عَلَيْهِ فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ مَوْلاََهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صََالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ . و قد وردت هذه القصة بروايات أخر فانظرها (في «أسباب النزول» للواحدي ص 327 و غيره من «كتب التفسير» ) .

[5]كذا في الأصل.

[6]يريد سورة التحريم و قد قص اللّه فيها سبحانه و تعالى هذه القصة.

[7]ميبختج: كلمة فارسية مركبة من لفظين: «مي» و معناها النبيذ، كما سيذكره المؤلف، و «بختج» أي مطبوخ. ـ

200

أظهرت المرجئة الشماتة بأبي بجير لما مرض فقال هو شعرا:

قال إسماعيل: و بلغ السيّد و هو بالأهواز[1]أن أبا بجير قد أشرف على الموت، فأظهرت المرجئة الشّماتة به.

فخرج السيّد متحرّقا حتى اكترى سفينة و خرج إليها، و أنشأ يقول:

تباشر أهل تدمر[2]إذ أتاهم # بأمر أميرنا لهم بشير

و لا لأميرنا ذنب إليهم # صغير في الحياة و لا كبير

سوى حبّ النبيّ و أقربيه # و مولاهم بحبّهم جدير

و قالوا لي لكيما يحزنوني # و لكن قولهم إفك و زور

لقد أمسى أخوك أبو بجير # بمنزله يزار و لا يزور

و ظلّت شيعة الهادي عليّ # كأنّ الأرض تحتهم تمور

فبتّ كأنّني مما رموني # به في قد[3]ذي حلق أسير

/كأنّ مدامعي و جفون عيني # توخّز[4]بالقتاد فهنّ عور

أقول عليّ للرحمن نذر # صحيح حيث تحتبس النّذور

بمكة، إن لقيت أبا بجير # صحيحا و اللّواء له يسير

/و هي قصيدة طويلة.

رأى النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في النوم و أنشده قصيدته العينية

:

و روى محمد بن عاصم عن أبي داود المسترق عن السيّد:

أنه رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في النوم، فاستنشده فأنشده قوله:

لأمّ عمرو باللّوى مربع # طامسة أعلامه بلقع‏

حتى انتهى إلى قوله:

قالوا له لو شئت أعلمتنا # إلى من الغاية و المفزع‏

فقال: حسبك!ثم نقض يده و قال: قد و اللّه أعلمتهم.

مرضه و وفاته‏

:

و روى أبو داود و إسماعيل بن السّاحر: أنهما حضرا السيّد عند وفاته بواسط و قد أصابه شرّى‏[5]و كرب‏[6]، [1]هذه العبارة هكذا بالأصول. و ظاهر أنها مضطربة. و لعلها: «و بلغ السيد أن أبا بجير و هو بالأهواز إلخ» لتلتئم مع الكلام الآتي بعد.

[2]تدمر: مدينة قديمة مشهورة في برية الشام بينها و بين حلب خمسة أيام. زعم قوم أنها مما بنته الجن لسليمان.

[3]في الأصول: «قر» بالراء المهملة. و لعلها محرفة عما أثبتناه. و القد (بالكسر) : سير يقد من جلد. و يقال لكل محبوس في قد:

أسير.

[4]كذا في حـ، ء، أ. و في سائر الأصول: «توخر» بالراء المهملة و هو تصحيف. و القتاد: الشوك.

[5]الشرى: داء يأخذ في الجلد أحمر كهيئة الدراهم.

[6]كذا في «تجريد الأغاني» . و في الأصول: «فطرب» .

201

فجلس ثم قال: اللهمّ أ هكذا جزائي في حبّ آل محمد!قال: فكأنها كانت نارا فطفئت عنه.

قال شعرا و هو يحتضر في التبرؤ من عثمان و الشيخين‏

:

و أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ بإسناد له لم يحضرني و أنا أخرجه إن شاء اللّه تعالى قال:

حدّثني من حضر السيّد و قد احتضر فقال:

برئت إلى الإله من ابن‏[1]أروى # و من دين الخوارج أجمعينا

/و من فعل برئت‏[2]و من فعيل # غداة دعي أمير المؤمنينا

ثم كأنّ نفسه كانت حصاة فسقطت.

بلغ المنصور أن أهل واسط لم يدفنوه فقال لئن صح لأحرقنها

:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة عن أبي الهذيل العلاّف عن أبي جعفر المنصور قال:

بلغني أن السيّد مات بواسط فلم يدفنوه. و اللّه لئن تحقّق عندي لأحرقنّها!.

ترحم عليه جعفر بن محمد

:

و وجدت في بعض الكتب: حدّثني محمد بن يحيى اللّؤلؤيّ قال حدّثني محمد بن عباد بن صهيب عن أبيه قال:

كنت عند جعفر بن محمد، فأتاه نعي السيّد، فدعا له و ترحّم عليه. فقال رجل: يا بن رسول اللّه، تدعو له و هو يشرب الخمر و يؤمن بالرّجعة!فقال: حدّثني أبي عن جدّي أن محبّي آل محمد لا يموتون إلاّ تائبين و قد تاب، و رفع مصلّى كانت تحته، فأخرج كتابا من السيّد يعرّفه فيه أنه قد تاب و يسأله الدعاء له.

عاش إلى خلافة الرشيد و مدحه‏

:

و ذكر محمد بن إدريس العتبيّ‏[3]أنّ معاذ بن يزيد[4]الحميريّ حدّثه أن السيّد عاش إلى خلافة[5]هارون الرشيد و في أيامه مات، و أنّه مدحه بقصيدتين فأمر له ببدرتين ففرّقهما. فبلغ ذلك الرشيد فقال: أحسب أبا هاشم تورّع عن قبول جوائزنا.

لما مات أحضر له سبعون كفنا

:

أخبرني ابن عمّار قال حدّثنا يعقوب بن نعيم قال حدّثنا إبراهيم بن عبد اللّه الطّلحيّ قال حدّثني إسحاق بن محمد بن بشير بن عمّار الصّيرفيّ عن جدّه بشير بن عمّار قال:

[1]يعني بابن أروى عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه. و أروى: أمه. و هي أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس.

[2]في ب، س: «يريب» و هو تصحيف. و يعني بفعل و فعيل أبا بكر و عمر رضوان اللّه عليهما.

[3]في حـ: «العيسى» .

[4]في حـ: «معاذ بن سعيد» .

[5]جاء في فوات الوفيات ص 24 أنه مات في أول خلافة الرشيد سنة ثلاث و سبعين و مائة و ولد سنة خمس و مائة.

202

/حضرت وفاة السيّد في الرّميلة[1]ببغداد، فوجّه رسولا إلى صفّ الجزّارين‏[2]الكوفيّين يعلمهم بحاله و وفاته؛ فغلط الرسول فذهب إلى صفّ السموسين‏[3]، فشتموه و لعنوه؛ فعلم أنه قد غلط، فعاد إلى الكوفيّين يعلمهم بحاله و وفاته؛ فوافاه سبعون كفنا. قال: و حضرناه جميعا و إنه ليتحسّر تحسّرا[4]شديدا و إن وجهه لأسود كالقار و ما يتكلّم، إلى أنا أفاق إفاقة و فتح عينيه فنظر إلى ناحية القبلة ثم قال: يا أمير المؤمنين، أ تفعل هذا بوليّك! قالها ثلاث مرّات مرّة بعد أخرى. قال: فتجلّى و اللّه في جبهته عرق بياض، فما زال يتّسع و يلبس وجهه حتى صار كلّه كالبدر[5]، و توفّي فأخذنا في جهازه و دفنّاه في الجنينة ببغداد، و ذلك في خلافة الرشيد.

[1]كذا في جميع الأصول (بتقديم الميم على الياء مصغرا) . و ليس في بغداد مكان يعرف بهذا الاسم إلا «الرملة» -كما في «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» للمقدسي (ص 27 طبع ليدن) و «معجم البلدان» لياقوت-و «الرملية» كما في «الأعلاق النفيسة» لابن رستة (ص 248 طبع ليدن) . و لعل هذا الاسم محرف عن إحداهما.

[2]في «تجريد الأغاني» : «الخرازين» .

[3]كذا في الأصول. و في «تجريد الأغاني» : «السنوسين» .

[4]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «ليتحير تحيرا» .

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «كالبرد» .

203

صوت من المائة المختارة

فلا زلن حسرى ظلّعا لم حملنها # إلى بلد ناء قليل الأصادق

و لا ذنب لي إذ قلت إذ نحن جيرة # أثيبي بودّ قبل إحدى البوائق‏

عروضه من الطويل.

قوله: «فلا زلن حسرى» : دعاء على الإبل التي ظعنت بها و أبعدتها عنه. و حسرى: قد حسرن أي بلغ منهن الجهد فلم يبق فيهنّ بقيّة، يقال حسر ناقته فهو يحسرها، و هي حسرى، و الذّكر حسير[1]؛ قال اللّه عزّ و جلّ: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ خََاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ . و في الحديث: «فإن أتعبتها حسرتها» . و الظّلع في كل شي‏ء : أن تألم رجله فلا يقدر أن يمشي عليها فيغمز في مشيه كالأعرج إذا مشى، و يقال: ظلع فهو ظالع. و النائي: البعيد، و النّية: الناحية التي تنوي إليها، و النّوى: البعد، و التنائي: التباعد. و البوائق: الحوادث التي تأتي بما يحذر بغتة، و هي مثل المصائب و النوائب.

البيت الأوّل من الشعر لكثيّر، و يقال: إنه لأبي جندب الهذليّ. و البيت الثاني لرجل من كنانة ثم من بني جذيمة، و زعم ابن دأب أنه عبد اللّه بن علقمة أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة، و قيل أيضا: إنه يقال له عمرو الذي قتله خالد بن الوليد في بعض مغازيه التي وجّهه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فيها. /الغناء في اللحن المختار لمتيّم مولاة عليّ بن هشام و أمّ أولاده. و لحنها رمل بالبنصر، من رواية إسحاق و عمرو؛ و هو من الأرمال النادرة المختارة. و فيه خفيف ثقيل، يقال: إنه لحسين بن محرز، و يقال: إنه قديم من غناء أهل مكة.

11-أخبار عبد اللّه بن علقمة و تعشقه حبيشة

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن زكريا الغلابيّ قال حدّثنا العباس بن بكّار قال حدّثنا ابن دأب قال:

كان من حديث عبد اللّه بن علقمة أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة أنه خرج مع أمّه و هو مع ذلك غلام يفعة[2]دون المحتلم لتزور جارة لها، و كان لها بنت يقال لها حبيشة بنت حبيش أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة. فلما رآها عبد اللّه بن علقمة أعجبته و وقعت في نفسه، و انصرف و ترك أمّه عند جارتها، فلبثت عندها يومين.

[1]الذي في «معاجم اللغة» يخالف ما ذكره المؤلف في تصريف هذه الكلمة. ففي «اللسان» (مادة حسر) : «... و دابة حاسر و حاسرة و حسير الذكر و الأنثى سواء، و الجمع حسري مثل قتيل و قتلى» . يريد أن «حسيرا» مما يستوي فيه المذكر و المؤنث.

[2]غلام يافع و يفعة: شاب.

204

ثم أتاها عبد اللّه بن علقمة ليرجعها إلى منزلها، فوجد حبيشة قد زيّنت لأمر كان في الحيّ، فازداد بها عجبا، و انصرف بأمّه في غداة تمطر، فمشى معها شيئا ثم أنشأ يقول:

و ما أدري بلى إنّي لأدري # أصوب القطر أحسن أم حبيش

حبيشة و الذي خلق الهدايا # و ما عن بعدها للصّبّ عيش‏

فسمعت ذلك أمّه فتغافلت عنه و كرهت قوله. ثم مشيا مليّا، فإذا هو بظبي على ربوة من الأرض، فقال:

يا أمّتا أخبريني غير كاذبة # و ما يريد مسول الحقّ بالكذب

أ تلك أحسن أم ظبي برابية # لا بل حبيشة في عيني و في أربي‏

/فزجرته أمّه و قالت له: ما أنت و هذا!نزوّجك بنت عمك فهي أجمل من تلك. و أتت امرأة/عمّه فأخبرتها خبره، و قالت: زيّني ابنتك له، ففعلت و أدخلتها عليه. فلما رآها أطرق. فقالت له أمّه: أيّهما الآن أحسن؟فقال:

إذا غيّبت عنّي حبيشة مرّة # من الدّهر لم أملك عزاء و لا صبرا

كأنّ الحشى حرّ السّعير يحشّه‏[1] # وقود الغضى و القلب مستعرا[2]

و جعل يراسل الجارية و تراسله حتى علقته كما علقها، و كثر قوله للشعر فيها. فمن ذلك قال:

حبيشة هل جدّي و جدّك جامع # بشملكم شملي و أهلكم أهلي

و هل أنا ملتفّ بثوبك مرّة # بصحراء بين الأليتين‏[3]إلى النخل

و هل أشتفي من ريق ثغرك مرّة # كراح و مسك خالطا[4]ضرب النّحل‏

فلما بلغ أهلها خبرهما حجبوها عنه مدّة، و هو يزيد غراما بها و يكثر قول الشعر فيها. فأتوها فقالوا لها: عديه السّرحة، فإذا أتاك فقولي له: نشدتك اللّه إن كنت أحببتني فو اللّه ما على الأرض شي‏ء أبغض إليّ منك، و نحن قريب نستمع ما تقولين. فوعدته و جلسوا قريبا يستمعون، و جلست عند السّرحة، و أقبل عبد اللّه لوعدها. فلما دنا منها دمعت عينها و التفتت إلى حيث أهلها جلوس، فعرف أنهم قريب فرجع. و بلغه ما قالوا لها أن تقوله فأنشأ يقول:

لو قلت ما قالوا لزدت جوى بكم # على أنه لم يبق ستر و لا صبر

/و لم يك حبّي عن نوال بذلته # فيسليني عنه التجهّم و الهجر

و ما أنس م الأشياء لا أنس دمعها # و نظرتها حتى يغيّبني القبر

[1]يقال: حش النار يحشها حشا إذا أوقدها.

[2]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «و القلب مصفرا» . و كلاهما غير متزن.

[3]كذا في أ، ء، م. و ألية: ماءة من مياه بني سليم، و فيها أقوال أخرى. (راجع «معجم البلدان» لياقوت) . و في سائر الأصول: «الألتين» بتقديم التاء على الياء. و النخل: اسم لمواضع كثيرة.

[4]الضرب (بالتحريك) . العسل الأبيض الغليظ.