الأغاني - ج7

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
225 /
205

سرية خالد بن الوليد إلى بني عامر بن عبد مناة

:

و بعث النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم على أثر ذلك خالد بن الوليد إلى بني عامر بن عبد مناة بن كنانة و أمره أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوه و إلاّ قاتلهم‏[1]. فصبحهم‏[2]خالد بن الوليد بالغميصاء[3]و قد سمعوا به فخافوه فظعنوا، و كانوا قتلوا أخاه الفاكه بن الوليد و عمّه الفاكه بن المغيرة في الجاهليّة، و كانوا من أشدّ حيّ في كنانة بأسا يسمّون «لعقة الدّم» . فلما صبحهم خالد و معه بنو سليم، و كانت بنو سليم طلبتهم بمالك بن خالد بن صخر بن الشّريد و إخوته كرز و عمرو و الحارث، و كانوا قتلوهم في موطن واحد. فلما صبحهم خالد في ذلك اليوم و رأوا معه بني سليم زادهم ذلك نفورا. فقال لهم خالد: أسلموا تسلموا. قالوا: نحن قوم مسلمون. قال: فألقوا سلاحكم و انزلوا. قالوا: لا و اللّه. فقال جذيمة[4]بن الحارث أحد بني أقرم: يا قوم، لا تضعوا سلاحكم، و اللّه ما بعد وضع السلاح إلاّ القتل.

قالوا: لا و اللّه لا نلقي سلاحنا و لا ننزل، ما نحن منك و لا لمن معك بآمنين. قال خالد: فلا أمان لكم/إن لم تنزلوا. فنزلت فرقة منهم فأسرهم، و تفرّق بقيّة القوم فرقتين، فأصعدت فرقة و سفلت فرقة أخرى.

رواية عبد اللّه بن أبي حدود لما وقع لعبد اللّه بن علقمة مع حبيشة و هو يقتل‏

:

قال ابن دأب: فأخبرني من لا أتّهم عن عبد اللّه بن أبي حدرد الأسلميّ قال: كنت يومئذ في جند خالد، فبعثنا في أثر ظعن‏[5]مصعدة يسوق بهنّ فتية، فقال: أدركوا أولئك. قال: فخرجنا في أثرهم حتى أدركناهم و قد مضوا، و وقف لنا غلام شابّ على الطريق. فلما انتهينا إليه جعل يقاتلنا و هو يقول:

/

بيّنّ‏[6]أطراف الذّيول و اربعن # مشي حييّات كأن لم يفزعن

إن يمنع اليوم نساء تمنعن‏

فقاتلنا طويلا فقتلناه، و مضينا حتى لحقنا الظّعن، فخرج إلينا غلام كأنه الأوّل، فجعل يقاتلنا و يقول:

أقسم ما إن خادر[7]ذو لبدة # يزأر بين أيكة و وهده

يفرس شبّان الرجال وحده # بأصدق الغداة منّي نجده‏

فقاتلنا حتى قتلناه، و أدركنا الظّعن فأخذناهنّ، فإذا فيهن غلام وضي‏ء به صفرة في لونه كالمنهوك، فربطناه [1]في كتاب «التنبيه و الإشراف» للمسعودي (ص 268 طبع ليدن) : «بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم داعيا و لم يأمره بالقتال» . و في «معجم البلدان» لياقوت أثناه كلامه على الغميصاء أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد و وداهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم على يدي علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه» . و هذا يخالف ما ذكره المؤلف في هذا الخبر. و سيذكر المؤلف فيما سيأتي ما يؤيد روايتهما.

[2]صبح القوم: أغار عليهم صباحا.

[3]الغميصاء: موضع في بادية العرب قرب مكة، كان يسكنه بنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة.

[4]الذي في «سيرة ابن هشام» : «فقال رجل يقال له جحدم: ويلكم يا بني جذيمة إنه خالد!و اللّه ما بعد وضع السلاح إلا الإسار و ما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق. و اللّه لا أضع سلاحي أبدا. قال: فأخذه رجال من قومه فقالوا: يا جحدم، أ تريد أن تسفك دماءنا... » ثم ذكر القصة بخلاف ما ذكره أبو الفرج. (انظر «السيرة» ص 834 طبع أوروبا) .

[5]الظعن (بسكون العين و ضمها) : جمع ظعينة و هي المرأة في الهودج.

[6]في «سيرة ابن هشام» (المطبوعة بهامش «الروض الأنف» للسهيلي ج 2 ص 286 طبع مطبعة الجمالية سنة 1332 هـ) : «رخين أطراف المروط» . و الموجود في «معاجم اللغة» : «أرخاه» و «راخاه» . فلعل الألف سقطت من الطابع.

[7]الأسد الخادر: المقيم في عرينه.

206

بحبل و قدّمناه لنقتله؛ فقال لنا: هل لكم في خير؟قلنا: و ما هو؟قال: تدركون بي الظّعن أسفل الوادي ثم تقتلونني؛ قلنا: نفعل. فخرجنا حتى نعارض الظّعن أسفل الوادي. فلما كان بحيث يسمعن الصوت، نادى بأعلى صوته: اسلمي حبيش، عند نفاد العيش. فأقبلت إليه جارية بيضاء حسناء فقالت: /و أنت فاسلم على كثرة الأعداء، و شدّة البلاء. فقال: سلام عليكم دهرا، و إن‏[1]بقيت عصرا. قالت: و أنت سلام عليك عشرا، و شفعا تترى، و ثلاثا وترا. فقال:

إن يقتلوني يا حبيش فلم يدع # هواك لهم منّي سوى غلّة الصدر

و أنت التي أخليت لحمي من دمي # و عظمي و أسبلت الدموع على نحري‏

فقالت له:

و نحن بكينا من فراقك مرّة # و أخرى و آسيناك في العسر و اليسر

و أنت-فلا تبعد فنعم فتى الهوى- # جميل العفاف في المودّة و السّتر[2]

فقال لها:

أريتك إن طالبتكم فوجدتكم # بحلية[3]أو أدركتكم بالخوانق‏[4]

أ لم يك حقّا أن ينوّل عاشق # تكلّف إدلاج السّرى و الودائق‏[5]

فقالت: بلى و اللّه. فقال:

فلا ذنب لي إذ قلت إذ نحن جيرة # أثيبي بودّ قبل إحدى البوائق

أثيبي بودّ قبل أن تشحط النّوى # و ينأى خليط بالحبيب المفارق‏

قال ابن أبي حدرد: فضربنا عنقه، فتقحّمت الجارية من خدرها حتى أتت نحوه فالتقمت فاه، فنزعنا منها رأسه و إنها لتكسع‏[6]بنفسها حتى ماتت مكانها. و أفلت/من القوم غلام من بني أقرم يقال له السّميدع حتى اقتحم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فأخبره بما صنع خالد و شكاه.

بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ما فعل خالد فأرسل عليا رضي اللّه عنه لأهل القتلى فوداهم‏

:

قال ابن دأب: فأخبرني صالح بن كيسان أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم سأله: «هل أنكر عليه أحد ما صنع» ؟فقال: نعم، رجل أصفر ربعة و رجل أحمر طويل. فقال عمر: أنا و اللّه يا رسول اللّه أعرفهما، أمّا الأوّل فهو ابني وصفته، و أما [1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و أنت» و هو تحريف.

[2]كذا بالأصول. و لعلها: «و البر» .

[3]كذا في نسخة المرحوم الأستاذ الشنقيطي مصححة بقلمه و «شرح الزرقاني على المواهب اللدنية» (ج 3 ص 5 طبع بولاق) . و حلية:

واد بتهامة أعلاه لهذيل، و أسفله لكنانة. و في ب، س: «بجيلة» . و في سائر الأصول: «بحقوة» و كلاهما تحريف.

[4]الخوانق: جمع خانق، و هو موضع بتهامة وقعت فيه حرب بين إياد بن نزار و إخوتها مضر و ربيعة فانهزمت إياد، و أصبح من بلاد كنانة بن خزيمة.

[5]الودائق: جمع وديقة و هي شدّة الحر في الهاجرة.

[6]تكسع: تضرب.

207

الثاني فهو سالم مولى/أبي حذيفة. و كان خالد قد أمر كلّ من أسر أسيرا أن يضرب عنقه، فأطلق عبد اللّه بن عمر و سالم مولى أبي حذيفة أسيرين كانا معهما. فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم عليّا رضي اللّه عنه بعد فراغه من حنين و بعث معه بإبل و ورق و أمره أن يديهم فوداهم، ثم رجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فسأله فقال عليّ: قدمت عليهم فقلت لهم: هل لكم أن تقبلوا هذا الجمل بما أصيب منكم من القتلى و الجرحى و تحلّلوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؟قالوا نعم. فقلت لهم: فهل لكم أن تقبلوا الثاني بما دخلكم من الرّوع و الفزع؟قالوا نعم. فقلت لهم: فهل لكم أن تقبلوا الثالث و تحلّلوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم ممّا علم و ممّا لم يعلم؟قالوا نعم. قال: فدفعته إليهم، و جعلت أديهم، حتى إني لأدي ميلغة[1] الكلب، و فضلت فضلة فدفعتها إليهم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «أ فقبلوها؟» قال نعم. قال: «فو الذي أنا عبده لهي أحبّ إليّ من حمر النّعم» .

و قالت سلمى‏[2]بنت عميس:

و كم غادروا يوم الغميصاء من فتى # أصيب فلم يجرح و قد كان جارحا

/و من سيّد كهل عليه مهابة # أصيب و لمّا يعله الشيب واضحا

أحاطت‏[3]بخطّاب الأيامى و طلّقت # غداتئذ من كان منهنّ ناكحا

و لو لا مقال القوم للقوم أسلموا # للاقت سليم يوم ذلك ناطحا

ما وقع بين قريش و بين بني عامر بن عبد مناة في الجاهلية

:

قال ابن دأب: و أمّا سبب قتلهم القرشيّين، فإنه كان نفر من قريش بضعة عشر أقبلوا من اليمن حتى نزلوا على ماء من مياه بني عامر بن عبد مناة بن كنانة، و كان يقال لهم «لعقة الدّم» و كانوا ذوي بأس شديد. فجاءت إليهم بنو عامر فقالوا للقرشيّين: إيّاكم أن يكون معكم رجل من فهم؛ لأنه كان له عندهم ذحل. قالوا: لا و اللّه ما هو معنا، و هو معهم. فلما راحوا أدركهم العامريّون ففتّشوهم فوجدوا الفهميّ معهم في رحالهم، فقتلوه و قتلوهم و أخذوا أموالهم. فقال راجزهم:

إنّ قريشا غدرت و عاده # نحن قتلنا منهم بغادة[4]

عشرين كهلا ما لهم زياده‏

و كان فيمن قتل يومئذ عفّان بن أبي العاصي أبو عثمان بن عفّان، و عوف بن عوف أبو عبد الرحمن بن عوف، و الفاكه بن المغيرة، و الفاكه بن الوليد بن المغيرة. فأرادت قريش قتالهم حتى خذلتهم بنو الحارث بن عبد مناة فلم [1]الميلغة: الإناء الذي يلغ فيه الكلب.

[2]هي أخت أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه. و قد وردت هذه الأبيات في «سيرة ابن هشام» باختلاف في كلماتها، و ذكر أن بعضهم يقول: إنها لسلمى و آخر يقول: إنها لقائل من بني جذيمة.

[3]في «الروض الأنف» للسهيلي (ج 2 ص 285 طبع مصر) و «معجم البلدان» لياقوت في الكلام على الغميصاء: «ألظت» . و ألظ بالشي‏ء و لظ به: لزمه.

[4]غادة: موضع في ديار كنانة. قال ساعدة:

فما راعهم إلا أخوهم كأنه # بغادة فتخاء الجناح كسير

(عن «معجم ما استعجم» للبكري) .

208

يفعلوا شيئا. و كان خالد بن عبيد اللّه أحد بني الحارث بن عبد مناة فيمن حضر الوقعة هو و ضرار[1]. فأشار إلى ذلك ضرار بن الخطاب بقوله:

/

دعوت إلى خطّة خالدا # من المجد ضيّعها خالد

فو اللّه أدري‏[2]أضاهى بها # بني‏[3]العمّ أم صدره بارد

و لو خالد عاد في مثلها # لتابعه عنق وارد[4]

و قال ضرار أيضا:

أرى ابني لؤيّ‏[5]أسرعا أن تسالما # و قد سلكت أبناؤها كلّ مسلك

/فإن أنتم لم تثأروا برجالكم # فدوكوا[6]الذي أنتم عليه بمدوك‏[7]

فإنّ أداة الحرب ما قد جمعتم # و من يتّق الأقوام بالشّر يترك‏

سرايا النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يوم الفتح إلى قبائل كنانة

:

فلما كان يوم فتح مكة بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بالجيوش إلى قبائل بني كنانة حوله، فبعث إلى بني ضمرة نميلة بن عبد اللّه اللّيثيّ، و إلى بني الدّئل عمرو بن أميّة الضّمريّ، و بعث إلى بني مدلج عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ، و بعث إلى بني بغيض و محارب بن فهر عبد اللّه بن نهيك أحد بني مالك بن حسل، و بعث إلى بني عامر بن عبد مناة خالدا.

فوافاهم خالد بماء يقال له الغميصاء؛ و قد كان خبره سقط إليهم، فمضى منهم سلف قتله بقوم منهم، يقال لهم بنو قيس‏[8]بن عامر و بنو قعين بن عامر و هم خير القوم و أشرفهم، فأصيب من أصيب. فلما أقبل خالد/و دخل المدينة قال له النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «يا خالد ما دعاك إلى هذا» !قال: يا رسول اللّه آيات سمعتهنّ أنزلت عليك. قال: «و ما هي» ؟ قال: قول اللّه عزّ ذكره: قََاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اَللََّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَ يُخْزِهِمْ وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ `وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ و جاءني ابن أمّ أصرم فقال لي: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يأمرك أن تقاتل. فحينئذ بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فوداهم.

[1]هو ضرار بن الخطاب بن مرداس القرشي الفهري أحد الأشراف و الشعراء المعدودين و الأبطال المذكورين، من مسلمة الفتح، و هو رئيس بني فهر، و قد شهد فتوح الشأم. (انظر «شرح القاموس» مادة ضرر) .

[2]النفي مقدر هنا، أي فو اللّه لا أدري. و حذف حرف النفي في مثل هذا الموضع قياسي. و شرطه أن يكون الحرف «لا» و بعده فعل مضارع جواب لقسم.

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «من» و هو تحريف.

[4]عنق وارد: متدل، يكنى بذلك عن موته.

[5]هو لؤي بن غالب بن فهر و اليه ينتهي عدد قريش و شرفها. و ولده كعب بن لؤي و عامر بن لؤي و سامة بن لؤي و سعد بن لؤي و خزيمة بن لؤي و الحارث بن لؤي و عوف بن لؤي. و من هؤلاء تنحدر بطون و أفخاذ. و لم ندر من المعنيّ في هذا الشعر.

[6]فدوكوا: اسحقوا.

[7]كذا في حـ و نسخة الشيخ الشنقيطي مصححة بقلمه. و المدوك: حجر يسحق به الطيب. و في سائر الأصول: «بمدرك» بالراء و هو تحريف.

[8]في حـ: «بنو قين» بالنون. ـ

209

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا سعد بن أبي نصر قال حدّثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن رجل من مزينة يقال له ابن عاصم‏[1]عن أبيه قال:

بعثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في سريّة و أمرنا ألاّ نقتل أحدا إن رأينا مسجدا أو سمعنا أذانا-قال وكيع و أخبرني أحمد بن أبي خيثمة قال حدّثنا إبراهيم بن بشّار الرّماديّ قال حدّثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن نوفل عن ابن عاصم هذا عن أبيه بهذا الحديث قال-:

فبينا نحن نسير إذا بفتى يسوق ظعائن؛ فعرضنا عليه الإسلام فإذا هو لا يعرفه؛ فقال: ما أنتم صانعون بي إن لم أسلم؟قلنا: نحن قاتلوك. قال: فدعوني ألحق هذه الظعائن، فتركناه؛ فأتى هودجا منها و أدخل رأسه فيه و قال:

اسلمي حبيش، قبل نفاد العيش. فقالت: و أنت فاسلم تسعا وترا، و ثمانيا تترى، و عشرا أخرى. فقال لها:

فلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرة # أثيبي بودّ قبل إحدى البوائق

أثيبي بودّ قبل أن تشحط النّوى # و ينأى أمير بالحبيب المفارق‏

/قال: ثم جاء فضربنا عنقه. فخرجت من ذلك الهودج جارية جميلة فجنأت‏[2]عليه، فما زالت تبكي حتى ماتت.

حديث خالد للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم عن غزوته بني جذيمة

:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و عمرو بن عبد اللّه العتكيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال:

يروى أن خالد بن الوليد كان جالسا عند النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، فسئل عن غزوته بني جذيمة فقال: إن أذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم تحدّثت. فقال: «تحدّث» . فقال: لقيناهم بالغميصاء عند وجه الصبح، فقاتلناهم حتى كاد قرن الشمس يغيب، فمنحنا اللّه أكتافهم فتبعناهم نطلبهم، فإذا بغلام له ذوائب على فرس ذنوب‏[3]في أخريات القوم، فبوّأت‏[4]له الرمح فوضعته بين كتفيه؛ فقال: لا إله، فقبضت عنه الرّمح؛ /فقال: إلاّ اللاّت أحسنت أو أساءت. فهمسته‏[5] همسة أذريته و وقيذا[6 ثم أخذته أسيرا فشددته وثاقا؛ ثم كلمته فلم يكلّمني، و استخبرته فلم يخبرني. فلما كان ببعض الطريق رأى نسوة من بني جذيمة يسوق بهنّ المسلمون، فقال: أيا خالد!قلت: ما تشاء؟قال: هل أنت واقفي على هؤلاء النّسوة؟!فأتيت على أصحابي ففعلت، و فيهن جارية تدعى حبيشة؛ فقال لها: ناوليني يدك فناولته يدها في ثوبها؛ فقال: اسلمي حبيش، قبل نفاد العيش. فقالت: حيّيت عشرا، و تسعا وترا، و ثمانيا تترى. فقال:

أريتك إن طالبتكم فوجدتكم # بحلية أو أدركتكم بالخوانق

أ لم يك حقّا أن ينوّل عاشق # تكلّف إدلاج السّرى و الودائق

/و قد قلت إذ أهلي لأهلك جيرة # أثيبي بودّ قبل إحدى الصّعائق‏

[1]في ب، س: «عصام» .

[2]جنأت عليه: أكبت عليه. و في الأصول: «فجاءت» و هو تحريف.

[3]الذنوب: الفرس الوافر الذنب.

[4]بوأ الرمح: سدّده و هيأه.

[5]همسه: أخذه أخذا شديدا و عصره.

[6]الوقيذ: الدنف المشرف على الموت.

210

أثيبي بودّ قبل أن تشحط النّوى # و ينأ أمير بالحبيب المفارق

فإنّي لا ضيّعت سرّ أمانتي # و لا راق عيني بعد عينك رائق‏[1]

سوى أنّ ما نال العشيرة شاغل # عن الودّ إلا أن يكون التّوامق‏

فلما جاء على حاله تلك قدّمته‏[2]فضربت عنقه. فأقبلت الجارية و وضعت رأسه في حجرها و جعلت ترشفه و تقول:

لا تبعدن يا عمرو حيّا و هالكا # فحقّ بحسن المدح مثلك من مثلي

لا تبعدن يا عمرو حيّا و هالكا # فقد عشت محمود الثّنا ماجد الفعل

فمن لطراد الخيل تشجر[3]بالقنا # و للفخر يوما عند قرقرة البزل‏[4]

و جعلت تبكي و تردّد هذه الأبيات حتى ماتت و إن رأسه لفي حجرها. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «لقد رفعت لي يا خالد و إن سبعين ملكا لمطيفون بك يحضّونك على قتل عمرو حتى قتلته» .

أبو السائب المخزومي و طربه بصوت شغله عن الفطور و السحور و كان صائما

:

أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عبد اللّه بن المنذر عن صفيّة بنت الزبير بن هشام قالت:

كان أبو السائب المخزوميّ رجلا صالحا زاهدا متقلّلا يصوم الدّهر، و كان أرقّ خلق اللّه و أشدّهم غزلا. فوجّه ابنه يوما يأتيه بما يفطر عليه، فأبطأ الغلام إلى العتمة. فلما جاء قال له: يا عدوّ نفسه، ما أخّرك إلى هذا الوقت؟ قال: جزت بباب/بني فلان فسمعت منه غناء فوقفت حتى أخذته. فقال: هات يا بنيّ، فو اللّه لئن كنت أحسنت لأحبونّك، و لئن كنت أسأت لأضربنّك. فاندفع يغنّي بشعر كثير:

و لما علوا شغبا[5]تبيّنت أنه # تقطّع من أهل الحجاز علائقي‏[6]

فلا زلن حسرى ظلّعا لم حملنها # إلى بلد ناء قليل الأصادق‏

فلم يزل يغنّيه إلى نصف الليل. فقالت له زوجته: يا هذا، قد انتصف الليل و ما أفطرنا. قال لها: أنت طالق إن كان [1]في هذا البيت و الذي يليه إقواء و هو اختلاف حركة الروي.

[2]في الأصول: «فقدمته» .

[3]تشجر: تطعن.

[4]كذا في نسخة الأستاذ الشنقيطي مصححة بقلمه. و البزل: جمع بازل و هو البعير في السنة التاسعة. و القرقرة: دعاء الإبل، و هي أيضا هدير الفحل. و في الأصول: «و للعجز يوما عند قرقرة البذل» و هو تحريف.

[5]كذا في «معجم ما استعجم» للبكري و نسخة المرحوم الأستاذ الشنقيطي مصححة بوضع نقطة على العين بقلمه. و شغب: منهل بين طريق مصر و الشأم. (عن «معجم ما استعجم» للبكري) . و في سائر الأصول: «شعبا» بالعين المهملة، و هو تصحيف.

[6]كذا في «معجم ما استعجم» للبكري و نسخة الشيخ الشنقيطي مصححة بقلمه. و في الأصول: «علائق» بدون ياء.

211

فطورنا غيره. فلم يزل يغنّيه إلى السّحر. فلما كان السّحر قالت له زوجته: هذا السّحر و ما أفطرنا!فقال: أنت طالق إن كان سحورنا غيره. فلما أصبح قال لابنه: /خذ جبّتي هذه و أعطني خلقك ليكون الحباء فضل ما بينهما. فقال له: يا أبت، أنت شيخ و أنا شابّ و أنا أقوى على البرد منك. قال: يا بنيّ، ما ترك صوتك هذا للبرد عليّ سبيلا ما حييت‏[1].

شعر لسليمان بن أبي دباكل:

أخبرني وكيع قال أنشدنا أحمد بن يزيد الشّيبانيّ عن مصعب الزّبيريّ لسليمان ابن أبي دباكل‏[2]قال:

فهلا نظرت الصبح يا بعل زينب # فتقضى لبانات الحبيب المفارق

يروح إذا يمسي حنينا و يغتدي # و تهجيره عند احتدام الودائق

/فطر جاهدا أو كن حليفا لصخرة # ممنّعة في رأس أرعن شاهق

فما زال هذا الدهر من شؤم صرفه # يفرّق بين العاشقين الأوامق

فيبعدنا ممّن نريد اقترابه # و يدني إلينا من نحبّ نفارق‏[3]

و لما علوا شغبا تبيّنت أنه # تقطّع من أهل الحجاز علائقي

فلا زلن حسرى ظلّعا لم حملنها # إلى بلد ناء قليل الأصادق‏

[1]كذا وردت هذه العبارة في «نهاية الأرب» للنويري (ج 4 ص 217 طبعة أولى. و في الأصول: «... ما إلى ترك صوتك هذا للمبرد عندي سبيل ما حييت» .

[2]سليمان بن أبي دباكل: شاعر خزاعيّ من شعراء الحماسة.

[3]في هذا البيت إقواء و هو اختلاف حركة الرويّ.

212

12-ذكر متيّم الهشاميّة[1]و بعض أخبارها

مغنية شاعرة اشتراها علي بن هشام و هي أم ولده‏

:

كانت متيّم صفراء مولّدة من مولّدات البصرة، و بها نشأت و تأدّبت و غنّت. و أخذت عن إسحاق و عن أبيه من قبله و عن طبقتهما من المغنّين. و كانت من تخريج بذل و تعليمها. و على ما أخذت عنها كانت تعتمد. فاشتراها عليّ بن هشام‏[2]بعد ذلك، فازدادت‏[3]أخذا ممّن كان يغشاه من أكابر المغنّين. و كانت من أحسن الناس وجها و غناء و أدبا. و كانت تقول الشعر ليس ممّا يستجاد، و لكنّه يستحسن من مثلها. و حظيت عند عليّ بن هشام حظوة شديدة، و تقدّمت على جواريه جمع‏[4]عنده، و هي أمّ ولده كلّهم.

كانت مولاة للبانة و اشتراها منها علي بن هشام و أولدها

:

و قال عبد اللّه بن العنز فيما أخبرني عنه محمد بن إبراهيم قريش قال أخبرني الحسن بن أحمد المعروف بأبي عبد اللّه الهشاميّ قال:

كانت متيّم للبانة بنت عبد اللّه بن إسماعيل المراكبي‏[5]مولي‏[6]عريب، فاشتراها عليّ بن هشام منها بعشرين ألف درهم و هي إذ ذاك جويرية، فولدت له صفيّة/و تكنى أمّ العباس، ثم ولدت محمدا و يعرف بأبي عبد اللّه، ثم ولدت بعده ابنا يقال له هارون و يعرف بأبي جعفر، سمّاه المأمون و كنّاه لمّا ولد بهذا الاسم و الكنية. قال: و لما توفّي عليّ بن هشام عتقت.

كانت تغني المأمون و المعتصم‏

:

و كان المأمون يبعث إليها فتجيئه فتغنّيه. فلما خرج المعتصم إلى سرّ من رأى أرسل إليها فأشخصها و أنزلها داخل الجوسق في دار كانت تسمّى الدّمشقيّ و أقطعها غيرها. و كانت تستأذن المعتصم في الدخول إلى بغداد إلى ولدها فتزورهم و ترجع، ثم ضمّها لما خرجت قلم. و قلم جارية كانت لعليّ بن هشام. و كانت متيّم صفراء حلوة الوجه.

[1]كذا في حـ و هو الصواب، نسبة إلى علي بن هشام و كان قد اشتراها و حظيت عنده، كما سيأتي بعد قليل. و في سائر الأصول:

«الهاشمية» و هو تحريف.

[2]كان من أمراء المأمون و قوّاده تولى له حرب بابك الخرّمي. ثم غضب عليه لأنه كان استعمله على أذربيجان و غيرها، فبلغه ظلمه و أخذه الأموال و قتله الرجال فأمر بقتله. (راجع «الطبري» و «ابن الأثير» في حوادث سنة 217 هـ) .

[3]كذا في «نهاية الأرب» للنويريّ (ج 5 ص 62 طبع دار الكتب المصرية) نقلا عن أبي الفرج. و في ب، س: «فما ازدرت أحدا» و في سائر النسخ: «فإن زارت أحدا» و كلاهما تحريف.

[4]في الأصول: «على جواريه أجمع» . و تأكيد جمع الإناث إنما هو «جمع» .

[5]سترد له أخبار في «الأغاني» (ج 10 ص 126 و ج 18 ص 185-186 طبع بولاق) .

[6]في ب، س: «مولاة» و هو تحريف.

213

فضلها عبد اللّه بن العباس على نفسه‏

:

فذكر محمد بن الحسن الكاتب أنّ الحسين بن يحيى بن أكثم حدّثه عن الحسن بن إبراهيم بن رياح‏[1]قال:

سألت عبد اللّه بن العباس الرّبيعيّ: من أحسن من أدركت صنعة؟قال: إسحاق. قلت: ثم من؟قال: علويه.

قلت: ثم من؟قال: متيّم. قلت: ثم من؟قال: ثم أنا. فعجبت من تقديمه متيّم على نفسه؛ فقال: الحقّ أحقّ أن يتّبع.

أخبرني محمد بن الحسن قال حدّثنا عمر بن شبّة قال:

/سئل عبد اللّه بن العباس الرّبيعيّ عن أحسن الناس غناء. فذكر مثل هذه الحكاية، و زاد فيها أن قال له: ما أحسن أن أصنع كما صنعت متيّم في قوله:

فلا زلن حسرى ظلعا لم حملنها

و لا كما صنع علّويه في قول الصّمّة:

فوا حسرتي لم أقض منك‏[2]لبانة # و لم أتمتّع بالجوار و بالقرب‏

/قال: فأين عمرو بن بانة؟قال: عمرو لا يضع نفسه في الصنعة هذا الموضع، و لكنّه صنع لحنا في هذا الغناء.

نسبة صوت علّويه‏

صوت‏

فوا حسرتي لم أقض منك لبانة # و لم أتمتّع بالجوار و بالقرب

يقولون هذا آخر العهد منهم‏[3] # فقلت و هذا آخر العهد من قلبي

ألا يا حمام الشّعب شعب مراهق # سقتك الغوادي من حمام و من شعب‏

الشعر للصّمّة بن عبد اللّه القشيريّ. و الغناء فيه لعلّويه، ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى. و فيه لمخارق خفيف رمل بالوسطى، أوّله: «ألا يا حمام الشعب» ثم الثاني ثم الأوّل. و ذكر حبش أن فيه لإسحاق ثاني ثقيل بالبنصر.

تطاول إبراهيم بن المهدي إلى منظرة كانت تغني بها و أخذ منها صوتا

:

و قال ابن المعتزّ أخبرني الهشاميّ قال:

[1]كذا في حـ، م: و سيأتي كذلك في ج 12، 17 من «الأغاني» طبع بولاق. و في سائر الأصول هنا: «رباح» بالباء الموحدة.

[2]في حـ: «منكم» .

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «منكم» .

214

كانت متيّم ذات يوم جالسة بين يدي المعتصم ببغداد و إبراهيم بن المهديّ حاضر؛ فغنّت متيّم في الثقيل الأوّل:

لزينب طيف تعتريني طوارقه # هدوّا إذا ما النّجم لاحت لواحقه‏

فأشار إليها إبراهيم أن تعيده؛ فقالت متيّم للمعتصم: يا سيّدي، إبراهيم يستعيدني الصوت و كأنه يريد أن يأخذه؛ فقال لها: لا تعيديه. فلما كان بعد أيام كان إبراهيم حاضرا مجلس المعتصم و متيّم غائبة، فانصرف إبراهيم بعد حين إلى منزله و متيّم في منزلها بالميدان‏[1]و طريقه عليها و هي في منظرة لها مشرفة على الطريق و هي تغنّي هذا الصوت/و تطرحه على جواري عليّ بن هشام؛ فتقدّم إلى المنظرة و هو على دابّته فتطاول حتى أخذ الصوت، ثم ضرب باب المنظرة بمقرعته و قال: قد أخذناه بلا حمدك.

طلبها المأمون من علي بن هشام فلم يرض‏

:

و قال ابن المعتزّ: و حدّثت أنّ المأمون سأل عليّ بن هشام أن يهبها له و كان بغنائها معجبا[2]؛ فدفعه بذلك و لم يكن له منها ولد. فلما ألحّ المأمون في طلبها حرص عليّ على أن تعلق منه حتى حبلت و يئس المأمون منها. فيقال إن ذلك كان سببا لغضبه عليه حتى قتله.

كان المعتصم يمازحها

:

و حدّثني سليمان‏[3]الطّبّال أنه رأى متيّم في بعض مجالس المعتصم يمازحها و يجبذ بردائها.

غنت علي بن هشام صوتا أراد إسحاق انتحاله فعوّضه عنه ببرذون‏

:

و حكى عليّ بن محمد الهشاميّ قال:

أهدي إلى عليّ بن هشام برذون أشهب قرطاسيّ‏[4]و كان في النّهاية من الحسن و الفراهة، و كان عليّ به معجبا، و كان إسحاق يشتهيه شهوة شديدة، و عرّض لعليّ بطلبه مرارا فلم يرض أن يعطيه له. فسار إسحاق إلى عليّ يوما بعقب/صنعة متيّم «فلا زلن حسرى» فاحتبسه عليّ و بعث إلى متيّم أن تجعل صوتها هذا في صدر غنائها ففعلت، فأطرب إسحاق إطرابا شديدا، و جعل يستردّه، فتردّه و تستوفيه ليزيد في إطرابه إسحاق و هو يصغي إليها و يتفهّمه حتى صحّ له. ثم قال لعليّ: ما فعل البرذون الأشهب؟قال: على ما عهدت من حسنه و فراهته. قال:

فاختر الآن منّي خلّة من اثنتين: إما أن طبت لي نفسا به و حملتني عليه، و إما أن أبيت فأدّعي و اللّه هذا الصوت لي و قد أخذته، أ فتراك تقول: إنه لمتيّم و أقول: إنه لي و يؤخذ قولك/و يترك قولي؟!قال: لا و اللّه ما أظنّ هذا و لا أراه؛ يا غلام قد[5]البرذون إلى منزل أبي محمد بسرجه و لجامه، لا بارك اللّه له فيه!.

[1]شارع الميدان: محلة ببغداد و هي بشرقي بغداد بباب الأزل.

[2]في الأصول: «محسنا» .

[3]في أ، م: «سلمان» .

[4]القرطاسي: الأبيض الذي لا يخالط بياضه شية.

[5]كذا في «نهاية الأرب» (ج 5 ص 63 طبعة أولى) و في الأصول: «قدم البرذون» .

215

كان إسحاق يرى أنها ساوته‏

:

قال عليّ بن محمد و حدّثني أحمد بن حمدون:

أن إسحاق قال لمتيّم لمّا سمع هذا الصوت منها: أنت أنا فأنا من!يريد أنها قد حلّت محلّه و ساوته.

قال عليّ بن محمد و قال جدّي أبو جعفر:

كانت متيّم تقول:

صوت‏

فلا زلن حسرى ظلّعا لم حملنها

الرّمل كلّه.

علي بن هشام و عتابه بذل جاريته‏

:

و حدّثني الهشاميّ قال مدّ عليّ بن هشام يده إلى بذل‏[1]جاريته في عتاب يعاتبها، ثم ندم على فعله ذلك، ثم أنشأ يقول:

فليت يدي بانت غداة مددتها # إليك و لم ترجع بكفّ و ساعد

و غنّت متيّم جاريته فيه في الثقيل الأوّل؛ فكان يقال لبذل جارية عليّ بذل الصغيرة.

ضرب موسوس بذل بالعود فكان سبب موتها

:

و حدّثني الهشاميّ قال:

كان‏[2]سبب موت بذل هذه أنها كانت ذات يوم جالسة عند المأمون فغنّته، و كان حاضرا في ذلك المجلس موسوس يكنى بأبي الكركدن من أهل طبرستان/يضحك منه المأمون، فعبثوا به فوثب عليهم و هرب الناس من بين يديه فلم يبق أحد حتى هرب المأمون، و بقيت بذل جالسة و العود في حجرها، فأخذ العود من يدها و ضرب به رأسها فشجّها في شابورتها[3]اليمنى؛ فانصرفت و حمّت، و كان سبب موتها.

تزوّج المعتصم بذل الصغيرة و بقيت في قصره بعد موته‏

:

و حدّثني الهشاميّ قال:

لما مات عليّ بن هشام و مات المأمون، أخذ المعتصم جواري عليّ بن هشام كلّهن فأدخلهنّ القصر، فتزوّج [1]في الأصول: «يد جاريته» و هو تحريف.

[2]وردت هذه الجملة في حـ هكذا: «كان سبب موت بذل هذه و ذلك أنها كانت ذات يوم جالسة إلخ» . و في سائر الأصول: «كنت سبب موت بذل هذه و ذلك أنها كانت ذات يوم دالة... إلخ» فاعتمدنا نسخة حـ مع حذف كلمة «و ذلك» لنبوها في ذلك الموضع و عدم ملاءمتها السياق.

[3]كذا وردت هذه الكلمة في الأصول. و ظاهر أنها من أعضاء الرأس و لم نقف عليها في «معاجم اللغة العربية و الفارسية» .

216

ببذل المغنّية و بقيت عنده إلى أن مات؛ فخرجت بذل الكبيرة و الباقون إلا بذل الصغيرة لأنها كانت حرمته فلم يخرجوها[1].

و يقال: إنه لم يكن في المغنّين أحسن صنعة من علّويه و عبد اللّه بن العباس و متيّم.

شعر ابن الجهم في متيم الهشامية و أولادها

:

و في أولادها يقول عليّ بن الجهم:

بني متيّم هل تدرون ما الخبر # و كيف يستر أمر ليس يستتر

حاجيتكم من أبوكم يا بني عصب # شتّى و لكنّكما للعاهر الحجر[2]

غضبت من علي بن هشام و صالحها بشعر

:

قال: و حدّثني جدّي قال: كلّم عليّ بن هشام متيّم فأجابته جوابا لم‏[3]يرضه، فدفع يده في صدرها، فغضبت و نهضت، فتثاقلت عن الخروج إليه. فكتب إليها:

صوت‏

فليت يدي بانت غداة مددتها # إليك و لم ترجع بكفّ و ساعد

فإن يرجع الرحمن ما كان بيننا # فلست إلى يوم التّنادي بعائد

/غنّته متيّم خفيف رمل بالبنصر.

/عتبت على عليّ بن هشام و ترضاها ثم كتب إليها فرضيت:

قال: و عتبت عليه مرّة فتمادى عتبها، و ترضّاها فلم ترض؛ فكتب إليها[4]: الإدلال يدعو إلى الإملال، و ربّ هجر دعا إلى صبر، و إنما سمّي القلب قلبا لتقلّبه. و لقد صدق العباس بن الأحنف حيث يقول:

ما أراني إلاّ سأهجر من ليـ # س يراني أقوى على الهجران

قد حدا بي إلى الجفاء وفائي‏[5] # ما أضرّ الوفاء بالإنسان‏

قال: فخرجت إليه من وقتها[و رضيت‏][6].

كانت تهدي للهشامي نبقا لأنه يحبه‏

:

و حدّثني الهشاميّ قال:

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فلم يخرجها» و هو تحريف.

[2]العاهر: الزاني، أي أن الولد لصاحب الفراش أي لصاحب أم الولد و هو زوجها أو مولاها.

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و لم» و هو تحريف.

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و قال» .

[5]رواية هذا الشطر في «ديوان العباس بن الأحنف» طبع مطبعة الجوائب بالآستانة و «نهاية الأرب» :

ملني واثقا بحسن وفائي‏

.

[6]التكلمة عن «نهاية الأرب» .

217

كانت متيّم تحبّني حبّا شديدا يتجاوز محبّة الأخت لأخيها، و كانت تعلم أني أحبّ النّبق، فكانت لا تزال تبعث إليّ منه. فإنّي لأذكر في ليلة من الليالي في وقت السّحر إذا أنا ببابي يدقّ. فقيل: من هذا؟فقالوا: خادم متيّم يريد أن يدخل إلى أبي عبد اللّه. فقلت: يدخل. فدخل و معه إليّ صينيّة فيها نبق؛ فقال لي: تقرئك السلام و تقول لك:

كنت عند أمير المؤمنين المعتصم باللّه فجاءوه بنبق من أحسن ما يكون؛ فقلت له: يا سيّدي، أطلب من أمير المؤمنين شيئا؟فقال لي: تطلبين ما شئت. قالت: يطعمني أمير المؤمنين من هذا النّبق. فقال لسمانة[1]:

اجعل من هذا النّبق في صينية و اجعلوها قدّام متيّم؛ فأخذته و ذلّلته‏[لك‏][2]و قد بعثت به إليك معي، /ثم دفعت إليّ دراهم و قالت: هب للحرّاس هذه الدراهم لكي يفتحوا الدّروب لك حتى تصير به إليه.

أراد إسحاق انتحال غناء متيم فعوضه علي بن هشام عن ذلك ببرذون‏

:

ثم حدّثنا الهشاميّ قال:

بعث عليّ بن هشام إلى إسحاق فجاء، فأخرج متيّم جاريته إليه؛ فغنّت بين يديه:

فلا زلن حسرى ظلّعا لم حملنها # إلى بلد ناء قليل الأصادق‏

فاستعاده إسحاق و استحسنه، ثم قال له: بكم تشتري منّي هذا الصوت؟فقال له عليّ بن هشام: جاريتي تصنع هذا الصوت و أشتريه منك!قال: قد أخذته الساعة و أدّعيه، فقول من يصدّق، قولي أو قولك!فافتداه منه ببرذون اختاره له.

سمع علي بن هشام من قلم جارية زبيدة صوتا فأخرجه لجواريه بمائة ألف دينار

:

و حدّثني الهشاميّ قال:

سمع عليّ بن هشام قدّام المأمون من قلم جارية زبيدة صوتا عجيبا، فرشا لمن‏[3]أخرجه من دار زبيدة بمائة ألف دينار حتى صار إلى داره و طرح الصوت على جواريه. و لو علمت بذلك زبيدة لاشتدّ عليها، و لو سألها أن توجّه به ما فعلت.

ذكر إسحاق متيم في كتابه و كان يتعالى من ذكر غيرها

:

و حدّثني يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم عن أبيه قال:

لمّا صنعت متيّم اللّحن في قوله:

فلا زلن حسرى ظلّعا لم حملنها

أعجب به عليّ بن هشام، و أسمعه إسحاق فاستحسنه و قال: من أين لك هذا؟فقال: من بعض الجواري.

[1]هو سمانة الخادم و يدعى مسرور سمانة (انظر الكلام عليه في «تاريخ الطبري» (ق 3 ص 1367، 1374، 1377، 1378) و في أكثر الأصول: «لسمانة اجعلي» خطابا لمؤنثة. و في س: «لشمانة اجعلي» . و الظاهر أنهما تحريف من النساخ.

[2]هذه الكلمة ساقطة في ب، س.

[3]الذي في «معاجم اللغة» أن «رشا» يتعدى إلى مفعوله بنفسه. ـ

218

فقال‏[1]: إنه لعريب؛ و لم يزل يستعيده حتى قال: إنه لمتيّم؛ فأطرق. و كان متحاملا على المغنّين شديد النّفاسة عليهم كثير الظلم لهم مسرفا/في حطّ درجاتهم، و ما رأيته في غنائه ذكر لعلّويه و لا مخارق و لا عمرو بن بانة و لا عبد اللّه بن عبّاس و لا محمد بن الحارث صوتا واحدا ترفّعا عن ذكرهم منتصبا[2]لهم، و ذكر في آخر الكتاب قوله:

فلا زلن حسرى ظلّعا لم حملنها # إلى بلد ناء قليل الأصادق‏

و وقّع تحته «لمتيّم» . و ذكر آخر كل صوت في الكتاب و نسب إلى كلّ مغنّ صوته غير مخارق و علّويه و عمرو بن بانة و عبد اللّه بن عباس فما ذكرهم بشي‏ء.

سمعت شاهك جدة علي بن هشام صوتها فأعجبت بها و أمرت لها بجائزة

:

أخبرنا أحمد بن جعفر جحظة/قال حدّثني ابن المكيّ عن أبيه قال قال لي عليّ بن هشام:

لمّا قدمت عليّ شاهك جدّتي من خراسان، قالت: اعرض جواريك عليّ، فعرضتهنّ عليها. ثم جلسنا على الشّراب، و غنّتنا متيّم. و أطالت جدّتي الجلوس فلم أنبسط إلى جواريّ كما كنت أفعل؛ فقلت هذين البيتين:

صوت‏

أ نبقى على هذا و أنت قريبة # و قد منع الزّوّار بعض التّكلّم

سلام عليكم لا سلام مودّع # و لكن سلام من حبيب متيّم‏

و كتبتهما في رقعة و رميت بها إلى متيّم؛ فأخذتها و نهضت إلى الصلاة[3]، ثم عادت و قد صنعت فيه اللحن الذي يغنّي فيه اليوم، فغنّت. فقالت شاهك: ما أرانا إلاّ قد/ثقّلنا عليكم اليوم؛ و أمرت الجواري فحملن محفّتها، و أمرت بجوائز للجواري و ساوت‏[4]بينهنّ، و أمرت لمتيّم بمائة ألف درهم.

[1]كذا بالأصول. و الأحرى بهذه الجملة أن تكون هكذا: «فقال: من بعض الجواري، فاستعاده فقال: إنه لعريب... إلخ» .

[2]الانتصاب: إظهار العداوة.

[3]في «نهاية الأرب» : «و نهضت لصلاة الظهر» .

[4]قد ورد بين هذه الكلمة و بين «أخبرني قال: أول من عقد من النساء... إلخ» خبر مبتور في حـ، أ، ء، م و هو:

هذا الصوت لعليّ بن هشام و الغناء لمتيم خفيف رمل... و أنا صغير إلى عليّ بن هشام منصرفا... هي نفسا بابنة لها و عليه سيفه...... لمتيم بين يديه تحبو بين السبع و بذل...... يمين بذل......... دنانير تزمر بالسرير على الغناء و هو يشرب فبعث إلى متيم: باللّه و بحياتي تعالى إلينا و لم تزل الرسل إليها إلى أن جاءت و عليها جبة خز سفرجلية مزوقة و أمرك مرة رأيت جيبها مزررا تلك الجبة فحين دخلت قعدت وحدها عن يمين الباب في الناحية التي كان عليّ فيها جالسا إلا أن بينهما فرجة فتغنت:

فلا زلن حسرى ظلعا لم حملنها

فلم تزل كذلك حتى جاءته خداع جاريته فقالت له: يا سيدي قد و اللّه طلع الفجر فقال أباتكم اللّه بعافية و انصرف إلى بيته» .

219

هي أول من عقد على الإزار زنارا

:

و أخبرني قال: أوّل من عقد من النساء في طرف الإزار زنّارا[1]و خيط إبريسم‏[2]ثم تجعله في رأسها فيثبت الإزار و لا يتحرّك و لا يزول متيّم.

مرت بقصر مولاها بعد قتله فرثته‏

:

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني ميمون بن هارون قال:

مرّت متيّم في نسوة و هي مستخفية بقصر عليّ بن هشام بعد أن قتل، فلما رأت بابه مغلقا لا أنيس عليه و قد علاه التراب و الغبرة و طرحت في أفنيته المزابل، وقفت عليه و تمثّلت:

صوت‏[3]

يا منزلا لم تبل أطلاله # حاشا لأطلالك أن تبلى

لم أبك أطلالك لكنّني # بكيت عيشي فيك إذ ولّى

/قد كان لي فيك هوّى مرّة # غيّبه الترب و ما ملاّ[4]

فصرت أبكي جاهدا فقده # عند اذكاري حيثما حلاّ

فالعيش أولى ما بكاه الفتى # لا بدّ للمحزون أن يسلى‏

-فيه رمل بالوسطى لابن جامع-قال: ثم بكت حتى سقطت من قامتها، و جعل النّسوة يناشدنها و يقلن: اللّه اللّه في نفسك!فإنك تؤخذين الآن، فبعد لأيّ‏[5]ما حملت تتهادى بين امرأتين حتى تجاوزت الموضع.

أمرها المعتصم بالغناء فعرّضت بمولاها

:

نسخت من كتاب أبي سعيد السّكّريّ حدّثني الحارث بن أبي أسامة قال حدّثني محمد بن الحسن عن [عبد اللّه بن‏][6]العباس الرّبيعي قال: قالت لي متيّم:

بعث إليّ المعتصم بعد قدومه بغداد، فذهبت إليه، فأمرني بالغناء فغنّيت:

هل مسعد لبكاء # بعبرة أو دماء

فقال: اعدلي عن هذا البيت إلى غيره؛ فغنّيته غيره من معناه؛ فدمعت عيناه و قال: غنّي غير هذا. فغنّيت في لحني:

[1]الزنار في الأصل: ما يلبسه و يشدّه الذمي على وسطه.

[2]الإبريسم: الحرير.

[3]هذه الكلمة ساقطة في ب، س.

[4]في ب، س: «و ما هلا» و هو تحريف.

[5]اللاي: الجهد و المشقة.

[6]زيادة ضرورية فإن محمد بن الحسن يروي عن عبد اللّه لا عن أبيه. و يحتمل أن يكون: «عن أبي العباس الربيعي» و هي كنية عبد اللّه بن العباس، كما سيذكر في ترجمته في هذا الكتاب (ج 17 ص 117 طبع بولاق) .

220

أولئك قومي بعد عزّ و منعة # تفانوا و إلاّ تذرف العين أكمد

فبكى و قال: ويحك!لا تغنّيني في هذا المعنى شيئا البتة[1]. فغنّيت في لحني:

لا تأمن الموت في حلّ و في حرم # إنّ المنايا تغشّى كلّ إنسان

/و اسلك طريقك هونا غير مكترث # فسوف يأتيك ما يمني‏[2]لك الماني‏

فقال: و اللّه لو لا أني أعلم أنك إنما غنّيت بما في قلبك لصاحبك و أنّك لم تريدني لمثّلت بك؛ /و لكن خذوا بيدها فأخرجوها، فأخذوا بيدي فأخرجت.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت‏

هل مسعد لبكاء # بعبرة أو دماء

و ذا لفقد خليل # لسادة نجباء

الشعر لمراد شاعرة عليّ بن هشام ترثيه لمّا قتله المأمون. و الغناء لمتيّم. و لحنه من الثقيل الأوّل بالوسطى.

منها:

ذهبت‏[3]

من الدّنيا و قد ذهبت منّي # ..........................

و قد أخرج في أخبار إبراهيم بن المهديّ لأنه من غنائه و شعره، و شرحت أخباره فيه. و لحنه رمل بالوسطى.

و منها:

صوت‏

أولئك قومي بعد عزّ و منعة # تفانوا و إلاّ تذرف العين أكمد

/و قد أخرج في أخبار أبي سعيد مولى فائد و العبليّ و غنّيا فيه من مراثيهما في بني أميّة. و لحن متيّم هذا الذي غنّت فيه المعتصم ثاني ثقيل بالوسطى.

و منها:

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «ألفته» .

[2]مناة اللّه: قدّره. فما يمني لك الماني، أي ما يقدر لك المقدر و هو اللّه تعالى. و قد جاء هذان البيتان في «اللسان» هكذا و هما لسويد بن عامر المصطلقي:

لا تأمن الموت في حل و لا حرم # إن المنايا توافي كل إنسان

و اسلك طريقك فيها غير محتشم # حتى تلاقي ما يمني لك الماني‏

.

[3]لم يتقدّم لهذا الصوت ذكر في أوّل الخبر.

221
صوت‏

لا تأمن الموت في حلّ و في حرم # ..............................

ذكر الهشاميّ أنه ممّا وجده من غناء متيّم، غير أن لها لحنا فيه يذكر في موضع غير هذا على شرح‏[1]إن شاء اللّه تعالى، و إنما ألفت صوتا تولّعت به و غنّته فنسبه إليها[2].

كانت تغني لنفسها خفيف رمل‏

:

و أخبرني قال: كنّا في مجلسنا نياما. فلما كان مع الفجر إذا متيّم قد دخلت علينا و قالت: أطعموني شيئا؛ فأخرجوا إليها شيئا تأكله، فأكلت، و دعت بنبيذ و ابتدأت الشرب، و دعت بعود فاندفعت تغنّي لنفسها و تشرب. و كان ممّا غنّت:

كيف الثّواء بأرض لا أراك بها # يا أكثر الناس عندي منّة و يدا

-خفيف رمل-و قال: ما رأيت أحدا من المغنّين و المغنّيات إذا غنّوا لأنفسهم يكادون يغنّون إلاّ خفيف رمل.

نوحها على سيدها

:

و أخبرني قال حدّثني بعض أهلها قال: لما أصبنا بعليّ بن هشام، جاء النوائح، فطرح بعض من حضر من مغنّياته عليهنّ نوحا من نوح متيّم، و كان حسنا جيّدا، فأبطأ نوح النوائح اللاّتي جئن لحسنه و جودته. و كانت زين حاضرة فاستحسنه جدّا، و قالت: رضي اللّه عنك يا متيّم!كنت علما في السرور، و أنت علم في المصائب.

و أخبرني قال: إني لأذكر من بعض نوحها:

لعليّ و أحمد و حسين # ثم نصر و قبله للخليل‏

هزج.

أرسلت لها مؤنسة هدية يوم حجامتها

:

قال ابن المعتزّ: و أخبرني الهشاميّ قال: وجّهت مؤنسة جارية المأمون إلى متيّم جارية عليّ بن هشام في يوم [1]لعله: «مع شرح» .

[2]في أ، ء، حـ، م زيادة غير واضحة بين قوله: «و غنته فنسبه إليها» و بين «و أخبرني قال كنا في مجلسنا نياما... إلخ» نثبتها كما وردت و هي:

«أحمد بن هشام يقال لها عواذل اشتراها من إنسان مدني. فيه صوتين فأشتهيهما منهما فأخذتهما بحضرتي ثم سمعت بيتين هما لها أحدهما:

يا منزلا لم تبل أطلاله # حاشا لأطلالك أن تبلى

لم أبك أطلالك لكنني # بكيت عيشي فيك إذ ولى‏

و الآخر:

أمسح الربع بخدّي # إذ مشى فيه الخليل

و على مثلك يبكي # أيها الربع المحيل

عرفت عيني الطلول # فلها دمعي يسيل

و بكت لي إذ رأتني # خاليا فيها أجول»

222

احتجمت فيه مخنقة[1]في وسطها حبّة لها قيمة جليلة كبيرة[2]و عن يمين الحبّة و يسارها أربع يواقيت و أربع زمرّدات و ما بينها من شذور الذهب، و باقي المخنقة قد طيّب بغالية.

كانت تحب البنفسج و تؤثره على غيره‏

:

و أخبرني قال: كانت متيّم يعجبها البنفسج جدّا، و كان عندها آثر من كلّ ريحان و طيب، حتى إنها من شدّة إعجابها[به‏][3]لا يكاد يخلو من/كمّها الرّيحان و لا نراه إلا كما قطف من البستان‏[4].

لما ماتت هي و إبراهيم بن المهدي و بذل قالت جارية للمعتصم أظن أن في الجنة عرسا

:

و قد أخبرني رحمه اللّه قال حدّثنا أبو جعفر بن الدّهقانة:

أنّ جارية للمعتصم قالت له لمّا ماتت متيّم و إبراهيم بن المهديّ و بذل: /يا سيّدي، أظن أنّ في الجنّة عرسا، فطلبوا هؤلاء إليه. فنهاها المعتصم عن هذا القول و أنكره. فلما كان بعد أيام، وقع حريق في حجرة هذه القائلة فاحترق كلّ ما تملكه. و سمع المعتصم الجلبة فقال: ما هذا؟فأخبر عنه؛ فدعا بها فقال: ما قصّتك؟فبكت و قالت:

يا سيّدي، احترق كلّ ما أملكه. فقال: لا تجزعي، فإن هذا لم يحترق و إنما استعاره أصحاب ذلك العرس.

أمرها المأمون بأن تجيز شعرا

:

و قد ذكرت في متقدّم أخبار متيّم أنّها كانت تقول الشعر و لم أذكر شيئا. فمن ذلك ما أخبرنا به الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الحسن بن أحمد بن أبي طالب الدّيناريّ قال حدّثني الفضل بن العبّاس بن يعقوب قال حدّثني أبي قال:

قال المأمون لمتيّم جارية عليّ بن هشام: أجيزي لي هذين البيتين:

تعالي تكون الكتب بيني و بينكم # ملاحظة نومي بها و نشير

و رسلي بحاجاتي و هنّ كثيرة # إليك إشارات بها و زفير[5]

صوت من المائة المختارة

إنّ العيون التي في طرفها مرض # قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك له # و هنّ أضعف خلق اللّه أركانا

[1]المخنقة: القلادة.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «كثيرة» .

[3]تكملة عن حـ.

[4]قد ورد بين هذه الكلمة و بين «و قد أخبرني رحمه اللّه قال حدّثنا إلخ» خبر مبتور في حـ، ء، م و هو: «قال ابن المعتز و حدّثني ابن المهدي و متيم و بذل في أيام يسيرة قليلة العدد... الجنة عرس قد ذهبوا بهؤلاء المغنين المحسنين إليه... قال أبو العبيس توفوا في ستة أشهر فقال الناس» .

[5]يلاحظ أن الكلام هنا لم يتم.

223

عروضه من البسيط. و الشعر لجرير. و الغناء لابن محرز. و لحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل. و في هذه القصيدة أبيات أخر تغنّى فيها ألحان سوى هذا اللحن، منها قوله:

صوت من المائة المختارة

أتبعتهم مقلة إنسانها غرق # هل ما ترى تارك للعين إنسانا

إن العيون التي في طرفها مرض # قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

[الغناء في هذين البيتين ثقيل‏][1]أوّل مطلق بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.

و منها أيضا:

صوت‏

بان الأخلاّ و ما ودّعت من بانا # و قطّعوا من حبال الوصل أركانا

أصبحت لا أبتغي من بعدهم بدلا # بالدار دارا و لا الجيران‏[2]جيرانا

و صرت مذ ودّع الأظعان ذا طرب‏[3] # مروّعا من حذار البين محزانا

في الأوّل و الثاني و الثالث من الأبيات خفيف رمل بالبنصر. و فيها للغريض ثاني ثقيل بالبنصر، من رواية عمرو بن بانة و الهشاميّ. و ذكر حبش أن فيه لمالك خفيف رمل بالوسطى، و لابن سرجس في الأوّل و الثاني و بعدهما:

أتبعتهم مقلة إنسانها غرق‏

رمل بالوسطى. و ذكر الهشاميّ أن لابن محرز في الأوّل و الثاني بعدهما «أتبعتهم مقلة» /لحنا من الثقيل الأوّل بالبنصر، و ذكر المكيّ أنه لمعبد.

انتهى الجزء السابع من كتاب الأغاني و يليه الجزء الثامن و أوّله نسب جرير و أخباره [1]التكملة عن ء و قد سقطت في سائر النسخ.

[2]كذا في «ديوانه» و أكثر الأصول. و في ب، س: «بالدار دارا و بالجيران جيرانا» .

[3]الطرب هنا: الخزن.

224

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

225

فهرس موضوعات الجزء السابع‏

الموضوع الصفحة

1-أخبار الوليد بن يزيد و نسبه 5

2-ذكر أخبار عمر الواديّ و نسبه 62

3-أخبار أبي كامل 66

4-أخبار يزيد بن ضبّه و نسبه 69

5-أخبار إسماعيل بن الهربذ 76

6-أخبار أبي دهبل و نسبه 85

7-أخبار حسين بن الضحاك و نسبه 107

8-أخبار أبي زكّار الأعمى 165

9-أخبار السيّد الحميريّ 167

10-أخبار عبد اللّه بن علقمة و حبيشة 205

11-ذكر متيّم الهشامية و بعض أخبارها 212

فهرس الموضوعات 225