الأغاني - ج8

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
520 /
279

الفرزدق الدّيباج و الخزّ و قعد في قبّة. و شاور جرير دهاة بني يربوع فقالوا له: ما لباس آبائنا إلاّ الحديد؛ فلبس جرير درعا و تقلّد سيفا و أخذ رمحا و ركب فرسا لعبّاد بن الحصين يقال له المنحاز[1]و أقبل في أربعين فارسا من بني يربوع، و جاء الفرزدق في هيئته؛ فقال جرير:

لبست سلاحي و الفرزدق لعبة # عليه وشاحا كرّج‏[2]و جلاجله‏[3]

/أعدّوا مع الحلي‏[4]الملاب‏[5]فإنما # جرير لكم بعل و أنتم حلائله‏

ثم رجعا، فوقف جرير في مقبرة بني حصن و وقف الفرزدق في المربد. قال: فأخبرني أبي عن محمد بن زياد قال:

كنت أختلف إلى جرير و الفرزدق، و كان جرير يومئذ كأنه أصغرهما في عيني.

هجا الفرزدق حين نوى أن ينال جائزة المهاجر فثناه عن ذلك‏

:

أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلاّم قال حدّثنا أبو اليقظان عن جويرية بن أسماء قال:

قدم الفرزدق اليمامة و عليها المهاجر بن عبد اللّه الكلابيّ فقال: لو دخلت على هذا فأصبت منه شيئا و لم يعلم بي جرير!فلم تستقرّ به الدار حتى قال جرير:

رأيتك إذ لم يغنك اللّه بالغنى # رجعت إلى قيس و خدّك ضارع

و ما ذاك إن أعطى الفرزدق باسته # بأوّل ثغر ضيّعته مجاشع‏

فلما بلغ ذلك الفرزدق قال: لا جرم و اللّه لا أدخل عليه و لا أرزؤه شيئا و لا أقيم باليمامة، ثم رحل.

انتصار الفرزدق له على التيمي ثم صلحه مع التيمي‏

:

أخبرنا أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلاّم قال قال أبو البيداء:

لقي الفرزدق عمر بن عطيّة أخا جرير، و هو حينئذ يهاجي ابن لجأ، فقال له: ويلك!قل لأخيك: ثكلتك أمّك!ائت التّيميّ من عل كما أصنع أنا بك. و كان الفرزدق قد أنف لجرير و حمي من أن يتعلّق به التيميّ. قال ابن سلاّم. فأنشدني له خلف الأحمر يقوله للتّيميّ:

و ما أنت إن قرما تميم تساميا # أخا التّيم إلا كالوشيظة[6]في العظم

/فلو كنت مولى العزّ أو في ظلاله # ظلمت و لكن لا يدي لك بالظلم‏

فقال له التّيميّ:

كذبت أنا القرم الذي دقّ مالكا # و أفناء يربوع و ما أنت بالقرم‏

قال ابن سلاّم فحدّثني أبو الغرّاف: أن رجال تميم مشت بين جرير و التّيميّ و قالوا: و اللّه ما شعراؤنا إلا بلاء علينا [1]كذا في «شرح القاموس» (مادة نحز) . و في ب، س: «المنجاز» . و في سائر الأصول: «المنحار» ، و هما تصحيف.

[2]الكرج: شي‏ء يتخذ بهيئة المهر يلعب عليه.

[3]كذا في اللسان (مادة كرج) و النقائض (ص 650) و في الأصول: «و خلاخله» .

[4]كذا في أكثر الأصول و «النقائض» . و في ب، س: «الخز» .

[5]كذا في جـ و النقائض. و الملاب. ضرب من الطيب. و في ب، س: «الملاء» . و في سائر الأصول: «الملاة» و هما تحريف.

[6]الوشيظة: قطعة عظم تكون زيادة في العظم الصميم.

280

ينشرون مساوينا و يهجون أحياءنا و موتانا؛ فلم يزالوا بهما حتى/أصلحوا بينهما بالعهود و المواثيق المغلّظة ألاّ يعودا في هجاء. فكفّ التّيميّ، و كان جرير لا يزال يسلّ‏[1]الواحدة بعد الواحدة فيه؛ فيقول التّيميّ: و اللّه ما نقضت هذه و لا سمعتها؛ فيقول جرير: هذه كانت قبل الصلح.

قال ابن سلاّم فحدّثني عثمان بن عثمان عن عبد الرحمن بن حرملة قال: لمّا ورد علينا هجاء جرير و التّيميّ، قال‏[لي‏][2]سعيد بن المسيّب تروّ[3]شيئا مما قالا؛ فأتيته و قد استقبل القبلة يريد أن يكبّر، فقال لي: أرويت؟قلت نعم. فأقبل عليّ بوجهه فأنشدته للتّيميّ و هو يقول: هيه هيه!ثم أنشدته لجرير، فقال: أكله أكله!.

لم يؤثر هجاؤه في التيم للؤمهم‏

:

قال ابن سلاّم و حدّثني الرازيّ عن حجناء بن جرير قال: قلت لأبي: يا أبت، ما هجوت قوما قطّ إلا فضحتهم إلاّ التّيم. فقال: يا بنيّ، لم أجد بناء أهدمه و لا شرفا أضعه و كانت تيم رعاء غنم يغدون في غنمهم ثم يروحون، و قد جاء كلّ رجل منهم بأبيات فينتحلها ابن لجأ. فقيل لجرير: ما صنعت في التّيم شيئا؛ فقال: إنهم شعراء لئام.

هو أشعر عند العامة و الفرزدق عند الخاصة

:

أخبرنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثني ابن النطّاح قال حدّثني أبو اليقظان قال:

قال جرير لرجل من بني طهيّة: أيّما أشعر أنا أم الفرزدق؟فقال له: أنت عند العامة و الفرزدق عند العلماء.

فصاح جرير: أنا أبو حرزة!غلبته و ربّ الكعبة!و اللّه ما في كل مائة رجل عالم واحد.

هو و عديّ بن الرقاع في حضرة الوليد بن عبد الملك‏

:

حدّثنا أحمد بن عمّار قال حدّثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني ابن النطّاح قال؛ و حدّثني أبو الأخضر لمخارق بن الأخضر القيسيّ قال‏[4]: إنّي كنت و اللّه الذي لا إله إلا هو أخصّ الناس بجرير، و كان ينزل إذا قدم على الوليد بن عبد الملك عند سعيد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد، و كان عديّ بن الرقاع خاصّا بالوليد مدّاحا له؛ فكان جرير يجي‏ء إلى باب الوليد فلا يجالس أحدا من النّزاريّة و لا يجلس إلا إلى رجل من اليمن بحيث يقرب من مجلس بن الرّقاع إلى أن يأذن الوليد للناس فيدخل. فقلت له: يا أبا حزرة، اختصصت عدوّك بمجلسك!فقال: إني و اللّه ما أجلس إليه إلا لأنشده أشعارا تخزيه و تخزي قومه. قال: و لم يكن ينشده شيئا من شعره، و إنما كان ينشده شعر غيره ليذلّه و يخوّفه نفسه. فأذن الوليد للناس ذات عشيّة فدخلوا و دخلنا، فأخذ الناس مجالسهم، و تخلّف جرير فلم يدخل حتى دخل الناس و أخذوا مجالسهم و اطمأنّوا فيها. فبينما هم كذلك إذا بجرير قد مثل بين السّماطين يقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه، إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ابن الرّقاع المتفرّقة أؤلّف [1]في الأصول «يسأل» . و التصويب عن «طبقات ابن سلام» (ص 62 نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 37 أدب ش) و يريد بذلك أنه يرسل القصيدة تلو القصيدة خفية.

[2]التكملة عن ابن سلام.

[3]في الأصول: «تروي» و التصحيح عن ابن سلام؛ يقال: تروي الحديث إذا نقله.

[4]في ب، س: «قال قال» .

281

بعضها إلى بعض!-قال: و أنا جالس أسمع-فقال الوليد: و اللّه لهممت أن أخرجه على ظهرك إلى الناس. فقال جرير و هو قائم كما هو:

/

فإن تنهني عنه فسمعا و طاعة # و إلا فإنّي عرضة للمراجم‏[1]

قال فقال له الوليد: لا كثّر اللّه في الناس أمثالك. فقال له جرير: يا أمير المؤمنين، إنما أنا واحد قد سعرت‏[2] الأمّة، فلو كثر أمثالي لأكلوا الناس أكلا. قال: فنظرت و اللّه إلى الوليد تبسّم حتى بدت ثناياه تعجّبا من جرير و جلده. قال: ثم أمره فجلس.

أخبرني ابن عمّار قال حدّثني عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثنا ابن النّطاح عن أبي عبيدة قال:

كان/جرير عند الوليد و عديّ بن الرّقاع ينشده. فقال الوليد لجرير: كيف تسمع؟قال: و من هو يا أمير المؤمنين؟قال: عديّ بن الرّقاع. قال: فإن شر الثياب الرّقاع، ثم قال جرير: عََامِلَةٌ نََاصِبَةٌ `تَصْلى‏ََ نََاراً حََامِيَةً [3]؛ فغضب الوليد و قال: يا ابن اللّخناء!ما بقى لك إلا أن‏[4]تتناول كتاب اللّه!و اللّه ليركبنّك!يا غلام أوكفه‏[5]حتى يركبه. فغمز عمر بن الوليد الغلام الذي أمره الوليد فأبطأ بالإكاف. فلما سكن غضب الوليد قام إليه عمر فكلّمه و طلب إليه و قال: هذا شاعر مضر و لسانها، فإن رأى أمير المؤمنين ألاّ يغضّ منه!و لم يزل به حتى أعفاه، و قال له:

و اللّه لئن هجوته أو عرّضت به لأفعلنّ بك و لأفعلنّ!. فقال فيه تلك القصيدة التي يقول فيها:

أقصر فإن نزارا لن يفاخرها # فرع لئيم و أصل غير مغروس‏

و ذكر وقائع نزار في اليمن؛ فعلمنا أنّه عناه. و لم يجبه الآخر بشي‏ء.

وصف شبة بن عقال و خالد بن صفوان له و للفرزدق و الأخطل‏

:

حدّثني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن العتبيّ قال:

/قال هشام بن عبد الملك لشبّة بن عقال و عنده جرير و الفرزدق و الأخطل، و هو يومئذ أمير أ لا تخبرني عن هؤلاء الذين قد مزّقوا أعراضهم و هتكوا أستارهم و أغروا بين عشائرهم في غير خير و لا برّ و لا نفع أيّهم أشعر؟فقال شبّة: أما جرير فيغرف من بحر، و أما الفرزدق فينحت من صخر، و أما الأخطل فيجيد المدح و الفخر. فقال هشام:

ما فسّرت لنا شيئا نحصّله. فقال ما عندي غير ما قلت. فقال لخالد بن صفوان: صفهم لنا يا ابن الأهتم؛ فقال: أما أعظمهم فخرا، و أبعدهم ذكرا، و أحسنهم عذرا؛ و أسيرهم‏[6]مثلا، و أقلّهم غزلا، و أحلاهم عللا؛ الطامي إذا زخر، و الحامي إذا زأر، و السامي إذا خطر؛ الذي إن هدر قال، و إن خطر صال؛ الفصيح اللسان، الطويل العنان؛ فالفرزدق. و أما أحسنهم نعتا، و أمدحهم بيتا، و أقلّهم فوتا؛ الذي إن هجا وضع، و إن مدح رفع، فالأخطل. و أما أغزرهم بحرا، و أرقّهم شعرا، و أهتكهم لعدوّه سترا؛ الأغرّ الأبلق، الذي أن طلب لم يسبق، و إن طلب لم يلحق؛ [1]يقال: فلان عرضة للكلام إذا كان كثيرا ما يعترضه كلام الناس و يقذف به. و المراجم: الكلم القبيحة.

[2]سعرت الأمة، يريد أوقدت فيها الشر.

[3]يريد التعريض بعاملة قبيلة عديّ بن الرقاع.

[4]و يحتمل أن تكون العبارة: «... إلا أن تتأوّل كتاب اللّه» .

[5]أوكف الدابة: وضع عليها الإكاف، و هو البرذعة.

[6]في الأصول: «و أشدّهم مثلا» .

282

فجرير. و كلّهم ذكيّ الفؤاد، رفيع العماد، واري الزّناد. فقال له مسلمة بن عبد الملك: ما سمعنا بمثلك يا خالد في الأوّلين و لا رأينا في الآخرين؛ و أشهد أنك أحسنهم وصفا، و ألينهم عطفا؛ و أعفّهم مقالا، و أكرمهم فعالا. فقال خالد: أتمّ اللّه عليكم نعمه، و أجزل لديكم قسمه؛ و آنس بكم الغربة، و فرّج بكم الكربة. و أنت، و اللّه ما علمت أيّها الأمير، كريم الغراس، عالم بالناس؛ جواد في المحل، بسّام عند البذل؛ حليم عند الطّيش، في ذروة قريش؛ و لباب عبد شمس، و يومك خير من أمس. فضحك هشام و قال: ما رأيت كتخلّصك يا ابن صفوان في مدح هؤلاء و وصفهم حتى أرضيتهم جميعا و سلمت منهم‏[1].

جرير و ابن لجأ و قد قرنهما عمر بن عبد العزيز حين تقاذفا

:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثني مصعب الزّبيريّ قال حدّثني إبراهيم بن عبد اللّه مولى بني زهرة قال:

حضرت عمر بن لجأ و جرير بن الخطفى موقوفين للناس بسوق المدينة لمّا تهاجيا و تقاذفا و قد أمر بهما عمر بن عبد العزيز فقرنا و أقيما. قال: و عمر بن لجأ شابّ كأنه حصان، و جرير شيخ قد أسنّ و ضعف. قال فيقول ابن لجأ:

/

رأوا قمرا بساحتهم منيرا # و كيف يقارن القمر الحمارا

قال: ثم ينزو به و هما مقرونان في حبل فيسقطان إلى الأرض، فأمّا ابن لجأ فيقع قائما، و أمّا جرير فيخرّ لركبتيه و وجهه، فإذا قام نفض الغبار عنه. ثم قال بغنّته قولا يخرج الكلام به من أنفه-و كان كلامه كأنّ فيه نونا-:

فلست مفارقا قرنيّ حتّى # يطول تصعّدي بك و انحداري‏

قال فقال رجل من جلساء عمر له حين حضر غداؤه: لو دعا الأمير بأسيريه فغدّاهما معه!ففعل ذلك عمر. و إنما فعله بهما لأنهما تقاذفا، و كان جرير قال له:

تقول و العبد مسكين يجرّرها # أرفق فديتك أنت الناكح الذّكر

قال: و هذه قصيدته التي يقول فيها:

يا تيم تيم عديّ لا أبا لكم # لا يوقعنّكم في سوأة عمر

قال ابنه: أجود شعره قصيدته الدالية

:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني على بن محمد النّوفليّ قال حدّثني أبي قال:

كنت باليمامة و أنا واليها فكان ابن لجرير يكثر عندي‏[الدخول‏[2]]و كنت أوثره فلم أقل له قطّ أنشدني أجود شعر لأبيك إلا أنشدني الداليّة:

/

أهوى أراك برامتين وقودا[3] # أم بالجنينة من مدافع أودا[4]

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «عليهم» .

[2]التكملة عن حـ.

[3]في ب، س: «وفودا» بالفاء و هو تصحيف.

[4]الجنينة: روضة نجدية بين ضربة و حزن بني يربوع. و المدافع: مجاري السيول. و أود: موضع في ديار تميم ثم لبني يربوع منهم بنجد في أرض الحزن.

283

فأقول له: ويحك!لا تزيدني على هذه!فيقول سألتني عن أجود شعر أبي و هذه أجود شعره، و قد كان يقدّمها على جميعه.

ذهب إلى الشأم و نزل على نميري فأكرمه‏

:

حدّثني ابن عمّار قال حدّثني النّوفليّ قال حدّثني علي بن عبد الملك الكعبيّ من ولد كعب مولى الحجّاج قال حدّثني فلان العلاّمة التّميميّ يرويه عن جرير قال:

ما ندمت على هجائي بني نمير قطّ إلا مرّة واحدة، فإنّي خرجت إلى الشأم فنزلت بقوم نزول في قصر لهم في ضيعة من ضياعهم، و قد نظرت إليه من بين القصور مشيّدا حسنا و سألت عن صاحبه فقيل لي: هو رجل من بني نمير. فقلت: هذا شآم و أنا بدويّ لا يعرفني، فجئت فاستضفت. فلما أذن لي و دخلت عليه عرفني فقراني أحسن القرى ليلتين، فلما أصبحت جلست، و دعا بنيّة له فضمّها إليه و ترشّفها، فإذا هي أحسن الناس وجها و لها نشر لم أشمّ أطيب منه. فنظرت إلى عينيها فقلت: تاللّه ما رأيت أحسن من عيني هذه الصبيّة و لا من حورها قطّ، و عوّذتها:

فقال لي: يا أبا حزرة، أ سوداء المحاجر[1]هي؟فذهبت أصف طيب رائحتها. فقال: أصنّ وبر هي‏[1]؟فقلت:

يرحمك اللّه!إنّ الشاعر ليقول، /و و اللّه لقد ساءني ما قلته، و لكن صاحبكم بدأني فانتصرت، و ذهبت أعتذر.

فقال: دع ذا عنك أبا حزرة، فو اللّه ما لك عندي إلا ما تحبّ. قال: و أحسن و اللّه إليّ و زوّدني و كساني، فانصرفت و أنا أندم الناس على ما سلف منّي إلى قومه.

كان المفضل من أنصار الفرزدق فحاجه محاج بقصيدته السينية

:

أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن يعقوب بن داود قال حدّثني ابن أبي علقمة الثّقفيّ قال:

كان المفضّل يقدّم الفرزدق، فأنشدته قول جرير:

حيّ الهدملة من ذات المواعيس # فالحنو أصبح قفرا غير مأنوس‏[2]

/و قلت أنشدني لغيره مثلها فسكت. قال: و كان الفرزدق إذا أنشدها يقول: مثلها فليقل ابن اللّخناء.

رثاء الفرزدق ابن أخيه و جرير ابنه‏

:

أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال حدّثنا محمد بن سلام قال حدّثني عبد الجبّار بن سعيد بن سليمان المساحقيّ عن المحرّر[3]بن أبي هريرة قال:

[1]يشير إلى قول جرير في القصيدة البائية التي هجا بها الراعي و ذكر فيها نساء بني نمير:

و خضراء المغابن من نمير # يشين سواد محجرها النقابا

و يشير بقوله «أصن وبر هي» إلى قول جرير في هذه القصيدة أيضا:

تطلى و هي سيئة المعرّى # بصنّ الوبر تحسبه ملابا

و الوبر: دويبة على قدر السنور. و صنه بوله، و هو منتن جدّا. و الملاب: الطيب.

[2]الهدملة و المواعيس و الحنو مواضع.

[3]كذا في حـ و «شرح القاموس» و الخلاصة في أسماء الرجال، و هو المحرر بن أبي هريرة الدوسي، تابعي. و في الأصول: «المحرز» بالزاي و هو تصحيف.

284

إنّي لفي عسكر سليمان بن عبد الملك و فيه جرير و الفرزدق في غزاة، إذ أتانا الفرزدق في غداة، ثم قال، اشهدوا أنّ محمد ابن أخي‏[1]، ثم أنشأ يقول:

فبتّ‏[2]بديري أريحاء[3]بليلة # خداريّة يزداد طولا تمامها

/أكابد فيها نفس أقرب من مشى # أبوه بأمّ غاب عنها نيامها[4]

و كنّا نرى من غالب في محمد # شمائل تعلو الفاعلين كرامها

و كان ذا ما حلّ أرضا تزيّنت # بزينتها صحراؤها و إكامها

سقى أريحاء الغيث و هي بغيضة # إلينا و لكن بي لتسقاه هامها[5]

قال: ثم انصرف. و جاء جرير فقال: قد رأيت هذا و سمعت ما قال في ابن أخيه؛ و ما ابن أخيه فعل اللّه به و فعل! قال: و مضى جرير، فو اللّه ما لبثنا إلا جمعا حتى جاءنا جرير فقام مقامه و نعى ابنه سوادة فقال:

أودى سوادة يجلو مقلتي لحم # باز يصرصر فوق المربأ العالي

فارقتني حين كفّ الدهر من بصري # و حين صرت كعظم الرّمّة البالي

إلاّ تكن لك بالدّيرين باكية # فربّ باكية بالرّمل معوال

قالوا نصيبك من أجر فقلت لهم # كيف العزاء و قد فارقت أشبالي‏

هجا الفرزدق لزواجه حدراء بنت زيق و جواب الفرزدق له‏

:

أخبرنا أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلاّم قال حدّثني حاجب بن زيد و أبو الغرّاف قالا:

تزوّج الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس على حكم أبيها، فاحتكم مائة من الإبل. فدخل على الحجّاج يسأله ذلك؛ فعذله و قال له: أ تتزوّج امرأة على حكمها!. فقال عنبسة بن سعيد و أراد نفعه: إنما هي من حواشي إبل الصّدقة، فأمر له الحجّاج بها. فوثب جرير فقال:

يا زيق قد كنت من شيبان في حسب # يا زيق ويحك من أنكحت يا زيق

/أنكحت ويحك قينا باسته حمم # يا زيق ويحك هل بارت بك السّوق‏

[1]هكذا في الأصول. و هنا يشعر القارئ بنقص في الكلام لم نوفق لتكملته.

[2]كذا في ديوان الفرزدق «طبع أوربا» . و في الأصول: «بتنا» . و هذه الأبيات من قصيدة يرثي بها الفرزدق محمدا ابن أخيه الذي مات بالشام. و مطلع القصيدة في الديوان: البيت الآتي.

سقى أريحاء الغيث و هي بغيضة

[3]أريحا: (بفتح أوله و كسر ثانيه و سكون الياء مقصورا، و قد تحرك ياؤه و يمدّ في الشعر) : مدينة في الغور من أرض الأردن بالشام (راجع «معجم البلدان» لياقوت و «معجم ما استعجم» للبكري) . و خدارية: شديدة الظلمة.

[4]يريد أكابد فيها نفس عزيز عليّ أبوه أقرب الناس إليّ. و ورد هذا الشطر في الديوان:

أبوه لنفسي مات عني نيامها

[5]كذا في حـ و «الديوان» . و في سائر الأصول: «بي لتسقاه هامها» و هو تحريف.

285

غاب المثنّى‏[1]فلم يشهد نجيّكما[2] # و الحوفزان‏[3]و لم يشهدك مفروق‏[4]

يا رب قائلة بعد البناء بها # لا الصّهر راض و لا ابن القين معشوق

أين الألى استنزلوا النّعمان ضاحية # أم أين أبناء شيبان الغرانيق‏[5]

قال: فلم يجبه الفرزدق عنها. فقال جرير أيضا:

فلا أنا معطي الحكم عن شفّ‏[6]منصب # و لا عن بنات الحنظليّين راغب

و هنّ‏[7]كماء المزن يشفى به الصّدى # و كانت ملاحا[8]غيرهنّ‏[9]المشارب

فلو كنت حرّا كان عشرا سياقكم‏[9] # إلى آل زيق و الوصيف المقارب‏[10]

/فقال الفرزدق:

فنل مثلها[11]من مثلهم ثم لمهم # على دارميّ بين ليلى و غالب

/هم زوّجوا قبلي لقيطا و أنكحوا # ضرارا و هم أكفاؤنا في المناسب

و لو قبلوا منّي عطيّة سقته # إلى آل زيق من وصيف مقارب

و لو تنكح الشمس النجوم بناتها # إذا لنكحناهنّ قبل الكواكب‏

قال ابن سلاّم فحدّثني الرّازيّ عن أبيه قال: ما كانت امرأة من بني حنظلة إلاّ ترفع لجرير اللّويّة في عظمها لتطرفه بها لقوله:

و هنّ كماء يشفى به الصّدى # و كانت ملاحا غيرهنّ المشارب‏

فقلت للرّازيّ: ما اللّويّة؟قال: الشّريحة من اللحم، أو الفدرة[12]من التمر، أو الكبّة من الشحم، أو الحفنة من الأقط؛ فإذا ذهب الألبان و ضاقت المعيشة كانت طرفة عندهم.

[1]يريد المثنى بن حارثة الشيباني أحد قواد الإسلام و هو الذي فتح سواد العراق و قتل يوم الجسر في وقعة بين المسلمين و العجم في أيام عمر رضي اللّه عنه.

[2]كذا في حـ و «النقائض» . و في ب، س: «بحبكما» و في م، أ، ء: «محبكما» و كلاهما تحريف.

[3]الحوفزان: اسم الحارث بن شريك الشيباني، لقب بذلك لأن بسطام بن قيس طعنه بأعجله. و قال ابن سيدة: سمي بذلك لأن قيسا التميميّ حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته فعرج من تلك الحفزة فسمي لحوفزان.

[4]مفروق: هو النعمان بن عمرو الشيباني.

[5]الغرانيق: جمع غرنوق-و فيه لغات أخرى-و هو الشاب الناعم الجميل.

[6]الشف هاهنا: النقصان، و قد يكون الشف الفضل و الزيادة.

[7]في «النقائض» : «أراهنّ ماء المزن» .

[8]ملاح: جمع ملح و هو ضد العذب. و في ب، س: «بينهن المشارب» و هو تحريف.

[9]السياق: المهر. سمي المهر بذلك لأن العرب كانوا إذا تزوّجوا ساقوا الإبل و الغنم مهرا لأنها كانت الغالبة على أموالهم.

[10]المقارب: الدون، و قيل: هو الوسط بين الجيد و الردي‏ء.

[11]الشطر الأوّل من بيت و الشطر الثاني عجز بيت آخر. و البيتان كما في النقائض هما:

فلو كنت من أكفاء حدراء لم تلم # على دارميّ بين ليلى و غالب

فنل مثلها من مثلهم ثم لمهم # بمالك من مال مراح و عازب‏

[12]الفدرة: القطعة.

286

قال: و قال جرير أيضا في شأن حدراء:

أ ثائرة حدراء من جرّ بالنّقا # و هل لأبي حدراء في الوتر طالب

أ تثأر بسطاما إذا ابتلّت استها # و قد بوّلت في مسمعيه الثعالب‏[1]

قال ابن سلاّم: و النّقا الذي عناه جرير هو الموضع الذي قتلت فيه بنو ضبّة بسطاما، و هو بسطام بن قيس. قال:

فكرهت بنو شيبان أن يهتك جرير أعراضهم. فلما أراد الفرزدق نقل حدراء اعتلّوا عليه و قالوا له إنها ماتت. فقال جرير:

فأقسم ما ماتت و لكنّما التوى # بحدراء قوم لم يروك لها أهلا

رأوا أنّ صهر القين عار عليهم # و أنّ لبسطام على غالب فضلا

مدح قوما عادوه في مرضه‏

:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا ابن أبي سعد قال حدّثنا محمد ابن إدريس اليماميّ قال حدّثنا عليّ بن عبد اللّه بن محمد بن مهاجر عن أبيه عن جدّه قال:

دخلنا على جرير في نفر من قريش نعوده في علّته التي مات فيها، فالتفت إلينا فقال:

أهلا و سهلا بقوم زيّنوا حسبي # و إن مرضت فهم أهلي و عوّادي

إن تجر طير بأمر فيه عافية # أو بالفراق فقد أحسنتم زادي

لو أن ليثا أبا شبلين أو عدني # لم يسلموني لليث الغابة العادي‏

نعي الفرزدق إليه فشمت به ثم رثاه‏

:

أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا محمد بن صالح بن النطّاح قال حدّثني أبو جناح أحد بني كعب بن عمرو بن تميم قال:

نعي الفرزدق إلى المهاجر بن عبد اللّه و جرير عنده فقال:

مات الفرزدق بعد ما جدّعته # ليت الفرزدق كان عاش قليلا

فقال له المهاجر: بئس لعمر اللّه ما قلت في ابن عمك!أ تهجو ميّتا!أما و اللّه لو رثيته لكنت أكرم العرب و أشعرها.

فقال: إن رأى الأمير أن يكتمها عليّ فإنها سوأة؛ ثم قال من وقته:

فلا وضعت بعد الفرزدق حامل # و لا ذات بعل من نفاس تعلت‏[2]

/هو الوافد الميمون و الرائق الثأي‏[3] # إذا النعل يوما بالعشيرة زلّت‏

/قال: ثم بكى ثم قال: أما و اللّه إنّي لأعلم أنّي قليل البقاء بعده، و لقد كان نجمنا واحدا و كل واحد منا مشغول [1]كناية عن أنه قتل و رمى به فالثعالب تبول عليه.

[2]تعلت المرأة من نفاسها: برئت منه و خرجت.

[3]الثأي: الفتق و الفساد. ـ

287

بصاحبه، و قلّما مات ضدّ أو صديق إلاّ تبعه صاحبه. فكان كذلك، مات بعد سنة. و قد زاد الناس في بيتي جرير هذين أبياتا أخر، و لم يقل غيرهما و إنما أضيف إلى ما قاله.

صوت من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى‏

رحل الخليط جمالهم بسواد # و حدا على إثر البخيلة حادي

ما إن شعرت و لا علمت بينهم # حتى سمعت به الغراب ينادي‏

الشعر لجميل. و الغناء لإبراهيم، و لحّنه المختار من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى.

288

2-نسب جميل و أخباره‏

هو جميل بن عبد اللّه‏[1]بن معمر بن الحارث‏[2]بن ظبيان و قيل ابن معمر بن حنّ‏[3]بن ظبيان بن قيس بن جزء بن ربيعة بن حرام بن ضنّة[4]بن عبد بن كثير بن عذرة بن سعد-و هو هذيم، و سمّي بذلك إضافة لاسمه إلى عبد لأبيه يقال له هذيم كان يحضنه فغلب عليه-ابن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. و النسّابون مختلفون في قضاعة، فمنهم من يزعم أن قضاعة ابن معدّ و هو أخو نزار بن معدّ لأبيه و أمّه، و هي معانة بنت جوسم‏[5]بن جلهمة بن عامر بن عوف بن عديّ بن دبّ بن جرهم؛ و منهم من يزعم أنهم من حمير. و قد ذكر جميل ذلك في شعره فانتسب معدّيّا فقال:

أنا جميل في السّنام من معدّ # في الأسرة الحصداء[6]و العيص الأشدّ

و قال راجز من قضاعة ينسبهم إلى حمير:

قضاعة الأثرون خير معشر # قضاعة بن مالك بن حمير

و لهم في هذا أراجيز كثيرة. إلاّ أنّ قضاعة اليوم تنسب كلّها في حمير، فتزعم أن قضاعة ابن مالك بن مرّة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب/بن قحطان. و قال القحذميّ: اسم سبأ عامر؛ و إنما قيل له سبأ لأنه أوّل من سبى النساء. و كان يقال له عب الشمس‏[7]، أي عديل الشمس؛ سمّي بذلك لحسنه. و من زعم من هؤلاء أنّ قضاعة ليس ابن معدّ ذكر أن أمّه عكبرة[8] (امرأة من سبأ) كانت تحت مالك بن عمر فمات عنها و هي حامل، فخلفه عليها معدّ بن عدنان، فولدت قضاعة على فراشه. و قال: مؤرّج بن عمرو: هذا قول أحدثوه بعد و صنعوا شعرا ألصقوه به ليصحّحوا هذا القول، و هو:

يا أيّها الدّاعي ادعنا و أبشر # و كن قضاعيّا و لا تنزّر

[1]في «الشعر و الشعراء» : «و قد يقال فيه جميل بن معمر بن عبد اللّه» .

[2]في «تهذيب تاريخ ابن عساكر» و «ابن خلكان» و «شرح القاموس» (مادة صبح) : «صباح» بدل الحارث.

[3]كذا في ابن خلكان: و فيه «... ابن ظبيان بن حن بضم الحاء المهملة و تشديد النون ابن ربيعة بن حرام... إلخ» . و في حـ:

«خيبرى» و يؤيده ما في «شرح القاموس» (مادة خبر) حيث قال: «و جميل بن معمر بن خيبري العذري الشاعر المشهور» . و هو محرف في سائر الأصول.

[4]كذا في «شرح القاموس» (مادة ضن) . و في الأصول «ضبة» بالباء الموحدة، و هو تصحيف.

[5]في «الطبري» ق 1 ص 675 طبع أوروبا: «جرشم» و في نسخة أشير إليها بهامشه: «جوشم» .

[6]الحصداء: القوية.

[7]عب الشمس (بالتخفيف و التشديد) : ضوأها.

[8]ورد في صبح الأعشى للقلقشندي (حـ 1 ص 315) بعد ما ذكر خلاف بعض النسابة في قضاعة ما نصه: «قال السهيلي: إن أم قضاعة (و هي جكرة) مات عنها مالك بن حمير و هي حامل فتزوجها بعده بعد معد بن عدنان فولدت قضاعة على فراشه فتبناه فنسب إليه» .

289

قضاعة الأثرون خير معشر # قضاعة بن مالك بن حمير

/النسب المعروف غير المنكر

قال مؤرّج: و هذا شي‏ء قيل في آخر أيام بني أميّة. و شعراء قضاعة في الجاهليّة و الإسلام كلها تنتمي إلى معدّ. قال جميل:

و أيّ معدّ كان في‏ء[1]رماحهم # كما قد أفأنا و المفاخر منصف‏

و قال زيادة بن زيد يهجو بني عمّه بني عامر رهط هدبة بن خشرم:

و إذا معدّ أوقدت نيرانها # للمجد أغضت عامر و تضعضعوا

كان راوية هدبة بن خشرم و كان كثير راويته‏

:

و جميل شاعر فصيح مقدّم جامع للشعر و الرواية، كان راوية هدبة بن خشرم، و كان هدبة شاعرا راوية للحطيئة، و كان الحطيئة شاعرا راوية لزهير و ابنه. و قال أبو محلّم: آخر من اجتمع له الشعر و الرواية كثيّر، و كان راوية جميل، و جميل راوية هدبة، و هدبة راوية الحطيئة، و الحطيئة راوية زهير.

نسب بثينة عشيقته‏

:

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذميّ قال: كان جميل يهوى بثينة بنت حبإ بن ثعلبة بن الهوذ بن عمرو بن الأحبّ بن حنّ بن ربيعة[تلتقي هي و جميل في حنّ من ربيعة[2]]في النسب.

كان كثير راويته يقدمه على نفسه‏

:

حدّثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأسديّ و هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعيّ قالا حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثنا الأصمعيّ عن ابن أبي الزّناد قال:

كان كثيّر راوية جميل، و كان يقدّمه على نفسه و يتّخذه إماما، و إذا سئل عنه قال: و هل علّم اللّه عزّ و جلّ ما تسمعون إلاّ منه!.

أخبرني محمد بن مزيد عن حمّاد عن أبيه عن صباح بن خاقان عن عبد اللّه بن معاوية الزّبيريّ قال:

كان كثيّر إذا ذكر له جميل قال: و هل علّم اللّه ما تسمعون إلا منه!.

مر على جماعة بشعب سلع فاستنشدوه من شعره فأنشدهم فمدحوه‏

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن المسور بن عبد الملك عن نصيب مولى عبد العزيز بن مروان قال:

قدمت المدينة فسألت عن أعلم أهلها بالشعر، فقيل لي: الوليد بن سعيد بن أبي سنان الأسلميّ، فوجدته بشعب سلع‏[3]مع عبد الرحمن بن حسّان و عبد الرحمن بن أزهر. فإنّا لجلوس إذ طلع علينا رجل طويل بين المنكبين [1]الفي ء: الغنيمة.

[2]التكملة عن تجريد الأغاني.

[3]سلع: موضع بقرب المدينة.

290

طوال‏[1]يقود راحلة عليها بزّة حسنة. فقال عبد الرحمن بن حسّان لعبد الرحمن بن أزهر: يا أبا جبير[2]، هذا جميل، فادعه لعلّه أن ينشدنا. فصاح به عبد الرحمن: هيا جميل هيا جميل! /فالتفت فقال: من هذا؟فقال: أنا عبد الرحمن بن أزهر. فقال: قد علمت أنه لا يجترئ عليّ إلا مثلك.

فأتاه فقال له أنشدنا، فأنشدهم:

نحن منعنا يوم أول‏[3]نساءنا # و يوم أفيّ‏[4]و الأسنّة ترعف

و يوم ركايا ذي الجذاة[5]و وقعة # ببنيان‏[6]كانت بعض ما قد تسلّفوا

يحبّ الغواني البيض ظلّ لوائنا # إذا ما أتانا الصارخ المتلهّف

نسير أمام الناس و الناس خلفنا # فإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا

فأيّ معدّ كان في‏ء رماحه # كما قد أفأنا و المفاخر ينصف

و كنّا إذا ما معشر نصبوا لنا[7] # و مرّت جواري طيرهم و تعيّفوا

وضعنا لهم صاع القصاص رهينة # بما سوف نوفيها إذ الناس طفّفوا

/إذا استبق‏[8]الأقوام مجدا وجدتنا # لنا مغرفا مجد و للناس مغرف‏

قال: ثم قال له: أنشدنا هزجا. قال: و ما الهزج؟لعله هذا القصير؟قال نعم، فأنشده-قال الزّبير: لم يذكر في هذا الخبر من هذه القصيدة الهزج سوى بيتين، و أنشدنا باقيها بهلول بن سليمان بن قرضاب البلويّ-.

صوت‏

رسم‏[9]دار وقفت في طلله # كدت أقضي الغداة[10]من جلّله

موحشا ما ترى به أحدا تنـ # تسج الريح ترب معتدله

و صريعا من الثّمام ترى # عارمات المدبّ في أسله‏[11]

[1]هذه الكلمة «طوال» ساقطة في ب، س.

[2]كذا في حـ و الخلاصة في أسماء الرجال. و في سائر الأصول: «يا أبا جبتر» و هو تصحيف.

[3]أول: واد بين الفيل و أكمة على طريق اليمامة إلى مكة (كما في «معجم البلدان» لياقوت) . و في ب، س: «يوم أرل» بالراء و هو تحريف.

[4]قال ياقوت: أفيّ: موضع في شعر نصيب، و استشهد بهذا البيت.

[5]كذا في «معجم ما استعجم» للبكري و نسخة الشنقيطي مصححة بقلمه. و ذو الجذاة: موضع. و في ب، س: «ذي الحداة» بالحاء و الدال المهملتين. و في سائر الأصول: «ذي الجداة» بالجيم، و كلاهما تصحيف. و ركايا: جمع ركية، و هي البئر ذات الماء.

[6]كذا في «معجم ما استعجم» للبكري في الكلام على بيان و نسخة الشنقيطي مصححة بقلمه. و بنيان: موضع. و قد ورد محرفا في الأصول.

[7]في «منتهى الطلب في أشعار العرب» لمحمد بن المبارك (نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية رقم 53 أدب ش) : «جحفوا بنا» .

[8]في الكتاب السابق: «إذا انتهب الاقوام... إلخ» .

[9]رسم دار أي رب رسم دار إلخ.

[10]في ب، س: «أقضى الحياة» . و هي رواية في البيت. و من جلّله: من أجله، أو من عظمه في عيني.

[11]ورد هذا البيت في جميع الأصول بصور مختلفة و كلها محرفة، و قد صححناه عن شرح شواهد مغنى اللبيب للسيوطي طبع فارس.

291

بين علياء وابش فبليّ # فالغميم الذي إلى جبله‏[1]

واقفا في ديار أمّ جسير[2] # من ضحى يومه إلى أصله

يا خليليّ إن أمّ جسير[3] # حين يدنو الضجيع من علله

روضة ذات حنوة و خزامى # جاد فيها الربيع من سبله‏[4]

بينما هنّ بالأراك معا # إذ بدا راكب على جمله

فتأطّرن ثم قلن لها # أكرميه حيّيت في نزله‏[5]

فظللنا بنعمة و اتّكأنا[6] # و شربنا الحلال من قلله

/قد أصون الحديث دون خليل‏[7] # لا أخاف الأذاة من قبله

غير ما بغضة و لا لاجتناب # غير أنّي ألحت من وجله‏[8]

و خليل صاقبت‏[9]مرتضيا[10] # و خليل فارقت من ملله‏

قال: فأنشده إياها حتى فرغ منها ثم اقتاد راحلته مولّيا. فقال ابن الأزهر: هذا أشعر أهل الإسلام. فقال ابن حسّان:

نعم و اللّه و أشعر أهل الجاهليّة، و اللّه ما لأحد منهم مثل هجائه و لا نسيبه. فقال عبد الرحمن بن الأزهر: صدقت.

قال نصيب: و أنشدت الوليد فقال لي: أنت أشعر أهل جلدتك، و اللّه ما زاد عليها. فقلت: يا أبا محجن، أ فرضيت منه بأن تكون أشعر السّودان؟قال: وددت و اللّه يا ابن أخي أنه أعطاني أكثر من هذا، و لكنه لم يفعل، و لست بكاذبك.

كان صادق الصبابة و كان كثير يتقول‏

:

أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلاّم قال:

كان لكثيّر في النّسيب حظّ وافر و جميل مقدّم عليه و على أصحاب النسيب في النسيب؛ و كان كثيّر راوية و الثمام: نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص. و العارمات: القوية الشديدة. و المدب: مجرى السيل. و الأسل: نبات له أغصان كثيرة، واحده أسلة.

[1]كذا في حـ و «معجم ما استعجم» و «شرح شواهد المغني» . و وابش: واد أو جبل بين وادي القرى و الشام. و في سائر الأصول: «رائس» .

و بلى: تل قصير أسفل حاذة بينها و بين ذات عرق. و الغميم: موضع بالحجاز.

[2]كذا في حـ. و أم جسير: أخت بثينة صاحبة جميل. و في سائر الأصول: «أم حسين» و هو تحريف.

[3]قال في «خزانة الأدب» . و الغلل داء. و قال العيني: هو الماء بين الأشجار. و في «اللسان» أن من معاني الغلل العطش و حرارته.

[4]الحنوة: نبات سهلي طيب الريح. و السبل: المطر.

[5]التأطر: التثني. و النزل (بضمتين) : ما يهيأ للضيف أن ينزل عليه.

[6]اتكأنا: قال ابن قتيبة: معناه طعمنا و أكلنا، من قوله تعالى: وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً أي طعاما أو مجلس طعام؛ فإنهم كانوا يتكئون للطعام و الشراب تترفا، و لذلك نهى عنه.

[7]في «خزانة الأدب» للبغدادي و «شرح شواهد المغني» : «دون أخ» .

[8]في «شرح شواهد المغني» و «خزانة الأدب» :

غير بغض له و لا ملق # غير أني أشحت من وجله‏

[9]كذا في حـ. و صاقبته: قاربته. و في سائر الأصول: «صافيت» .

[10]كذا في «شرح شواهد المغني» . و في الأصول: «مرتقبا» .

292

جميل، و كان جميل صادق الصّبابة و العشق، و لم يكن كثيّر بعاشق و لكنه كان يتقوّل. و كان الناس يستحسنون بيت كثيّر في النسيب:

أريد لأنسى ذكرها فكأنّما # تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل‏

قال: و رأيت من يفضّل عليه بيت جميل:

خليليّ فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي‏

/قال ابن سلاّم: و هذا البيت الذي لكثيّر أخذه من جميل حيث يقول:

/

أريد لأنسى ذكرها فكأنّما # تمثّل لي ليلى على كلّ مرقب‏

عرض الفرزدق لكثير بأنه سرق منه فردّ عليه بمثله‏

:

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن أبي شهاب عن طلحة بن عبد اللّه بن عوف قال:

لقي الفرزدق كثيّرا بقارعة البلاط[1]و أنا و هو نمشي نريد المسجد؛ فقال له الفرزدق: يا أبا صخر، أنت أنسب العرب حين تقول:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما # تمثّل لي ليلى بكلّ سبيل‏

يعرّض له بسرقته من جميل. فقال له كثيّر: و أنت يا أبا فراس أفخر الناس حين تقول:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا # و إن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا

-قال عبد العزيز: و هذا البيت أيضا لجميل سرقه الفرزدق-فقال الفرزدق لكثيّر: هل كانت أمّك مرّت بالبصرة؟ قال: لا!و لكن أبي، فكان نزيلا لأمّك‏[2]. قال طلحة بن عبد اللّه: فو الذي نفسي بيده لعجبت من كثيّر و جوابه، و ما رأيت أحدا قطّ أحمق منه، رأيتني دخلت عليه يوما في نفر من قريش و كنّا كثيرا ما نتهزّأ به، فقلنا: كيف تجدك يا أبا صخر؟قال: بخير، أ ما سمعتم الناس يقولون شيئا؟قلنا: نعم، يتحدّثون أنك الدجّال. فقال: و اللّه لئن قلتم ذاك إني لأجد في عيني هذه ضعفا منذ أيام.

كان كثيّر يفضله على نفسه و يبدأ بإنشاد شعره‏

:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال كتب إليّ أبو محمد إسحاق بن إبراهيم يقول حدّثني أبو عبيدة عن جويرية بن أسماء قال:

كان أبو صخر كثيّر صديقا لي، و كان يأتيني كثيرا، فقلّما استنشدته إلاّ بدأ بجميل و أنشد له ثم أنشد لنفسه، و كان يفضّله و يتّخذه إماما.

قال الزبير و كتب إليّ إسحاق يقول حدّثني صباح بن خاقان عن عبد اللّه بن معاوية بن عاصم بن المنذر بن الزّبير قال:

[1]البلاط: موضع معروف بالمدينة.

[2]في حـ: «هل كانت أمك ترد البصرة؟قال لا، و لكن أبي كان كثيرا ما يردها» .

293

ذكر جميل لكثيّر، فقالوا: ما تقول فيه؟فقال: منه علّم اللّه عزّ و جلّ.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو يحيى الزّهريّ عن إسحاق بن قبيصة الكوفيّ عن رجل سمّاه قال:

سألت نصيبا: أ جميل أنسب أم كثيّر؟فقال: أنا سألت كثيّرا عن ذاك فقال: و هل وطّأ لنا النّسيب إلاّ جميل!.

قال عمر بن شبّة و قال إسحاق حدّثني السّعيدي عن أبي مالك النّهديّ قال:

جلس إلينا نصيب فذكرنا جميلا، فقال: ذاك إمام المحبّين، و هل هدى اللّه عزّ و جلّ لما ترى إلاّ بجميل.

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا دماذ عن أبي عبيدة عن جويرية بن أسماء قال: ما استنشدت كثيّرا قطّ إلا بدأ بجميل و أنشدني له ثم أنشدني بعده لنفسه، و كان يفضّله و يتخذه إماما.

أول عشقه بثينة

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني بهلول بن سليمان بن قرضاب البلويّ قال:

/كان جميل ينسب بأمّ الجسير، و كان أوّل ما علق بثينة أنه أقبل يوما بإبله حتى أوردها واديا يقال له بغيض‏[1]، فاضطجع و أرسل إبله مصعدة، و أهل بثينة بذنب الوادي؛ فأقبلت بثينة و جارة لها واردتين الماء، فمرّتا على فصال له بروك فعرمتهنّ‏[2]بثينة-يقول: نفّرتهنّ-و هي إذ ذاك جويرية صغيرة؛ فسبّها جميل، فافترت عليه، فملح إليه سبابها/فقال:

و أوّل‏[3]ما قاد المودّة بيننا # بوادي بغيض يا بثين سباب

و قلنا لها قولا فجاءت بمثله # لكلّ كلام يا بثين جواب‏

قال الزّبير و حدّثني محمد بن إسماعيل بن جعفر عن سعيد بن نبيه بن الأسود العذريّ-و كانت بثينة عند أبيه نبيه بن الأسود، و إياه يعني جميل بقوله:

لقد أنكحوا جهلا نبيها ظعينة # لطيفة طيّ الكشح ذات شوى خدل‏[4]

-قال الزّبير و حدّثني أيضا الأسباط بن عيسى بن عبد الجبّار العذريّ أن جميل بن معمر خرج في يوم عيد و النساء إذ ذاك يتزيّنّ و يبدو بعضهن لبعض و يبدون للرجال، و أن جميلا وقف على بثينة و أختها أمّ الجسير في نساء من بني الأحبّ و هنّ بنات عمّ عبيد اللّه بن قطبة أخي أبيه لحّا[5]، فرأى منهنّ منظرا و أعجبنه و عشق بثينة و قعد/معهنّ، ثم راح و قد كان معه فتيان من بني الأحبّ، فعلم انّ القوم قد عرفوا في نظره حبّ بثينة و وجدوا عليه، فراح و هو يقول:

[1]في حـ: «بعيض» بالعين المهملة.

[2]كذا في حـ. و عرمتهن: أصابتهن بشر و أذى. و في أ، ء، م: «فعرفتهن» . و في ب، س: «فعزفتهن» و كلاهما تحريف.

[3]في حـ: «لأوّل» و في ب هكذا: «الأول» و هو تحريف.

[4]كذا في أ، ء، م و الخدل: الممتلئ. و في سائر الأصول: «جذل» و هو تصحيف.

[5]لحا: لازقا. يقال: هو ابن عم لح بالكسر في النكرة على الاتباع، و هو ابن عمي لحا، بالنصب في المعرفة على الحال. و الواحد و الاثنان و الجمع و المذكر و المؤنث في ذلك سواء. و شرطه الاتحاد في الذكورة أو الأنوثة. فلا يقال: هما ابنا خال لح، و لا ابنا عمة لح لأنهما مفترقان إذ هما رجل و امرأة. و إذا لم يكن العم لحا و كان رجلا من العشيرة قلت: هو ابن عم الكلالة و ابن عم كلالة. (راجع «لسان العرب» مادّة لحح) .

294

عجل الفراق و ليته لم يعجل # و جرت بوادر دمعك المتهلّل

طربا و شاقك ما لقيت و لم تخف # بين الحبيب غداة برقة مجول‏[1]

و عرفت أنك حين رحت و لم يكن # بعد اليقين و ليس ذاك بمشكل

لن تستطيع إلى بثينة رجعة # بعد التفرّق دون عام مقبل‏

قال: و إنّ بثينة لمّا أخبرت أن جميلا قد نسب بها حلفت باللّه لا يأتيها على خلاء إلاّ خرجت إليه و لا تتوارى منه، فكان يأتيها عند غفلات الرجال فيتحدّث إليها و مع أخواتها، حتى نمي إلى رجالها أنه يتحدّث إليها إذا خلا منهم، و كانوا أصلافا غيرا-أو قال غيارى-فرصدوه بجماعة نحو من بضعة عشر رجلا و جاء على الصّهباء[2]ناقته حتى وقف على بثينة و أمّ الجسير و هما يحدّثانه و هو ينشدهما يومئذ:

حلفت بربّ الراقصات إلى منّى # هويّ القطا يجتزن بطن دفين‏[3]

لقد ظنّ هذا القلب أن ليس لاقيا # سليمى و لا أمّ الجسير لحين

فليت رجالا فيك قد نذروا دمي # و همّوا بقتلي يا بثين لقوني‏

فبينا هو على تلك الحال إذ وثب عليه القوم فرماهم بها فسبقت به و هو يقول:

إذا جمع الاثنان‏[4]جمعا رميتهم # بأركانها حتى تخلّى سبيلها

فكان هذا أوّل سبب المهاجاة بينه و بين عبيد اللّه بن قطبة.

واعدته بثينة فمنعها أهلها فقرّعه نساء الحي، و شعره في ذلك‏

:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثنا بهلول بن سليمان عن مشيخة من عذرة:

أنّ بثينة[5]واعدت جميلا أن يلتقيا في بعض المواضع فأتى لوعدها. و جاء أعرابيّ يستضيف القوم فأنزلوه و قروه؛ فقال لهم: قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرّقين متوارين في الشجر، و أنا خائف عليكم أن يسلبوا بعض إبلكم؛ فعرفوا أنه جميل و صاحباه، فحرسوا بثينة و منعوها من الوفاء بوعده. فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيئ الظنّ بها و رجع إلى/أهله؛ فجعل نساء الحيّ يقرّعنه بذلك و يقلن له: إنما حصلت منها على الباطل و الكذب و الغدر، و غيرها أولى بوصلك منها، كما أنّ غيرك يحظى بها. فقال في ذلك:

[1]كذا في «معجم البلدان» لياقوت و «شرح القاموس» ، و ذكر شارح القاموس أنه موضع. و في الأصول: «برقة محول» بالحاء المهملة.

[2]في جـ: «الشهباء» .

[3]دفين: اسم موضع كما في «شرح القاموس» (مادة دفن) .

[4]وردت هذه الكلمة في الأصول، و لعلها محرفة عن الشنان و هو البغض و العداوة.

[5]ورد هذا الخبر في أ، ء، م، حـ هكذا: «... عن مشيخة من عذرة و بلى أن رهط بثينة نذروا دم جميل و سمعوا أنه قد أمسى بوادي القرى و هو يريد طريق مكة فخرج منهم ركبان فتقدموا فوجدوه على مضيق من الطريق بسند الوادي فأخذوا جانبي القرى بأخذه السيل و هو جهد ما يخرج منه الراحلة و الشق بعض إبلكم... إلخ» و هو غير واضح.

295
صوت‏

أ بثين إنّك قد ملكت فأسجحي # و خذي بحظك من كريم واصل

فأجبتها في القول بعد تستّر # حبّي بثينة عن وصالك شاغلي‏[1]

فلربّ عارضة علينا وصلها # بالجدّ تخلطه بقول الهازل

لو كان في صدري كقدر قلامة # فضلا وصلتك أو أتتك رسائلي‏

-الغناء ليحيى المكّي ثقيل أوّل بالوسطى من رواية ابنه أحمد عنه-:

صوت‏

و يقلن إنك قد رضيت بباطل # منها فهل لك في اجتناب الباطل

و لباطل ممّا أحبّ حديثه # أشهى إليّ من البغيض الباذل

ليزلن عنك هواي ثم يصلنني # و إذا هويت فما هواي بزائل‏

-الغناء لسليم رمل بالوسطى عن عمرو، و ذكر في نسخته الثانية أنه ليزيد حوراء. و روى حمّاد عن أبيه في أخبار ابن سريج أنّ لابن سريج فيه لحنا و لم يجنّسه-:

صادت فؤادي يا بثين حبالكم # يوم الحجون و أخطأتك حبائلي

منّيتني فلويت ما منّيتني # و جعلت عاجل ما وعدت كآجل

و تثاقلت لمّا رأت كلفي بها # أحبب إليّ بذاك من متثاقل

و أطعت فيّ عواذلا فهجرتني # و عصيت فيك و قد جهدن عواذلي

حاولنني لأبتّ حبل وصالكم # منّي، و لست و إن جهدن بفاعل

فرددتهن و قد سبعين بهجركم # لمّا سعين له بأفوق ناصل‏[2]

يعضضن من غيظ عليّ أناملا # و وددت لو يعضضن صمّ جنادل

و يقلن إنك يا بثين بخيلة # نفسي فداؤك من ضنين باخل‏

قالوا: و قال جميل في وعد بثينة بالتّلاقي و تأخّرها قصيدة أوّلها:

يا صاح عن بعض الملامة أقصر # /إنّ المنى للقاء أمّ المسور

فمما يغنّى فيه منها قوله:

[1]كذا ورد ترتيب هذه الأبيات في أكثر الأصول. و ورد في ب، س تقديم البيت الثاني على الأول. على أن سياق الشعر يقتضي أن يكون البيت الثالث في الوضع مكان الثاني و البيت الثاني مكان الثالث.

[2]السهم الأفوق: الذي به ميل في فوقه أو انكسار في إحدى زنمتيه. و الفوق (بالضم) : مشق رأس السهم حيث يقع الوتر. و حرفاه زنمتاه. و ناصل: لا نصل له. و في الأصول: «ناضل» بالضاد المعجمة. و التصويب عن «تجريد الأغاني» .

296
صوت‏

و كأنّ طارقها على علل الكرى # و النجم وهنا قد دنا لتغوّر

يستاف‏[1]ريح مدامة معجونة # بذكيّ مسك أو سحيق العنبر

/الغناء لابن جامع ثقيل أوّل بالبنصر من رواية الهشاميّ. و ذكر عمرو بن بانة أنه لابن المكيّ.

و مما يغني فيه منها قوله:

صوت‏

/

إنّي لأحفظ غيبكم و يسرّني # إذ تذكرين بصالح أن تذكري

و يكون يوم لا أرى لك مرسلا # أو نلتقي فيه عليّ كأشهر

يا ليتني ألقى المنيّة بغتة # إن كان يوم لقائكم لم يقدر

أو أستطيع تجلّدا عن ذكركم # فيفيق‏[2]بعض صبابتي و تفكّري‏

الغناء لابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن الهشاميّ. و فيه يقول:

لو قد تجنّ كما أجنّ من الهوى # لعذرت أو لظلمت إن لم تعذر

و اللّه ما للقلب من علم بها # غير الظنون و غير قول المخبر

لا تحسبي أنّي هجرتك طائعا # حدث لعمرك رائع أن تهجري

فلتبكينّ الباكيات و إن أبح # يوما بسرّك معلنا لم أعذر

يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت # يتبع صداي صداك بين الأقبر

صوت‏

إنّي إليك بما وعدت لناظر # نظر الفقير إلى الغنيّ المكثر

يعد الديون و ليس ينجز موعدا # هذا الغريم لنا و ليس بمعسر

ما أنت و الوعد الذي تعدينني # إلاّ كبرق سحابة لم تمطر

قلبي نصحت له فردّ نصيحتي # فمتى هجرتيه فمنه تكثّري‏[3]

/الغناء في هذه الأبيات لسليم رمل عن الهشاميّ. و فيه قدح طنبوريّ أظنّه لجحظة أو لعليّ بن مودّة[4].

قالوا: و قال في إخلافها إياه هذا الموعد:

[1]يستاف: يشم.

[2]في تزيين الأسواق (ص 46) : «فأفيق بعد صبابتي» .

[3]أي تكثري من الهجر و استزيدي.

[4]في أ، د، م: «سودة» .

297
صوت‏

ألا ليت ريعان الشباب جديد # و دهرا تولّى يا بثين يعود

فنغنى‏[1]كما كنّا نكون و أنتم # قريب و إذ ما تبذلين زهيد

و يروى.

و ممّا لا يزيد[2]بعيد

و هكذا يغنّى فيه:

الغناء لسليم خفيف ثقيل أوّل بالوسطى. و مما يغنّى فيه من هذه القصيدة:

صوت‏

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة # بوادي القرى إنّي إذا لسعيد

و هل ألقين فردا بثينة مرّة # تجود لنا من ودّها و نجود

علقت الهوى منها وليدا فلم يزل # إلى اليوم ينمي حبّها و يزيد

و أفنيت عمري بانتظاري وعدها # و أبليت فيها الدهر و هو جديد

فلا أنا مردود بما جئت طالبا # و لا حبّها فيما يبيد يبيد

الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالوسطى. و مما يغنّى فيه منها:

صوت‏

و ما أنس م الأشياء لا أنس قولها # و قد قربت بصرى‏[3]أ مصر تريد

/و لا قولها لو لا العيون التي ترى # لزرتك فاعذرني فدتك جدود

خليليّ ما ألقى من الوجد قاتلي # و دمعي بما قلت الغداة شهيد

يقولون جاهد يا جميل بغزوة # و أيّ جهاد غيرهنّ أريد

لكلّ حديث بينهنّ بشاشة # و كلّ قتيل عندهنّ شهيد

الغناء للغريض خفيف ثقيل من رواية حمّاد عن أبيه. و في هذه القصيدة يقول:

إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي # من الحبّ قالت ثابت و يزيد

يا جميل بغزوة # و أيّ جهاد غيرهنّ أريد

و إن قلت ردّي بعض عقلي أعش به # مع الناس قالت ذاك منك بعيد

[1]في تزيين الأسواق: «فنبقى» .

[2]كذا في الأصول. و لعله «و مما لا نريد» ليستقيم المعنى.

[3]كذا في «الأمالي» لأبي علي القالي (جـ 1 ص 272 طبع مطبعة دار الكتب المصرية) . و في الأصول: «و قد قربت نضوى» . و قد وردت هذه القصيدة في «الأمالي» باختلاف في تقديم الأبيات و تأخيرها و في بعض الكلمات.

298

ألا قد أرى و اللّه أن ربّ عبرة # إذا الدّار شطّت بيننا سترود[1]

إذا فكّرت قالت قد أدركت ودّه # و ما ضرّني بخلي فكيف أجود

فلو تكشف الأحشاء صودف تحتها # لبثنة حبّ طارف و تليد

تذكّرنيها كلّ ريح مريضة # لها بالتّلاع القاويات وئيد[2]

و قد تلتقي الأشتات بعد تفرّق # و قد تدرك الحاجات و هي بعيد

عاتبته بثينة لشعر قاله فيها

:

أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثني عمر بن شبّة عن إسحاق قال:

لقي جميل بثينة بعد تهاجر كان بينهما طالت مدّته، فتعاتبا طويلا فقالت له: ويحك يا جميل!أ تزعم أنك تهواني و أنت الذي تقول:

رمى اللّه في عيني بثينة بالقذى # و في الغرّ من أنيابها بالقوادح!

فأطرق طويلا يبكي ثم قال: بل أنا القائل:

ألا ليتني أعمى أصمّ تقودني # بثينة لا يخفى عليّ كلامها

/فقالت له: ويحك!ما حملك على هذه المنى!أ و ليس في سعة العافية ما كفانا جميعا!.

تجسس أبوهما و أخوها كلامه مع بثينة فلم يريا ريبة

:

قال إسحاق و حدّثني أيّوب بن عباية قال:

سعت أمة لبثينة بها إلى أبيها و أخيها و قالت لهما: إن جميلا عندها الليلة؛ فأتياها مشتملين على سيفين، فرأياه جالسا حجرة منها يحدّثها و يشكو إليها بثّة، ثم قال لها: يا بثينة، أ رأيت ودّي إياك و شغفي بك أ لا تجزينيه؟قالت:

بما ذا؟قال: بما يكون بين المتحابّين. فقالت له: يا جميل، أ هذا تبغي!و اللّه لقد كنت عندي بعيدا منه، و لئن عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي أبدا. فضحك و قال: و اللّه ما قلت لك هذا إلا لأعلم ما عندك فيه، و لو علمت أنك تجيبينني إليه لعلمت أنك تجيبين‏[3]غيري، و لو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي، و لو أطاعتني نفسي لهجرتك هجرة الأبد؛ أ و ما سمعت قولي:

و إنّي لأرضى من بثينة بالذي # لو أبصره الواشي لقرّت بلابله

بلا و بأن لا أستطيع و بالمنى # و بالأمل المرجوّ قد خاب آمله

و بالنّظرة العجلى و بالحول تنقضي # أواخره لا نلتقي و أوائله‏

قال فقال أبوها لأخيها: قم بنا، فما ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها، /فانصرفا و تركاهما.

[1]ترود أي تذهب و تجي‏ء، يريد تحير ماء العين فيها.

[2]القاويات: الخاليات. و الوئيد: الصوت العالي الشديد.

[3]كانت هذه الكلمة في الأصول: «تحبين غيري» .

299

قابلها مرة بسعي صديق له‏

:

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب بن عباية عن رجل من عذرة قال:

كنت تربا لجميل و كان يألفني، فقال لي ذات يوم: هل تساعدني على لقاء بثينة؟فمضيت معه، فكمن لي في الوادي و بعث بي إلى راعي بثينة بخاتمه، فدفعته/إليه، فمضى به إليها ثم عاد بموعد منها إليه. فلما كان الليل جاءته فتحدّثا طويلا حتى أصبحا ثم ودّعها و ركب ناقته. فلما استوى في غرزها[1]و هي باركة قالت له: ادن منّي يا جميل‏[2].

صوت‏

إنّ المنازل هيّجت أطرابي # و استعجمت آياتها بجوابي

قفرا تلوح بذي اللّجين كأنها # أنضاء رسم أو سطور كتاب

لما وقفت بها القلوص تبادرت # منّي الدموع لفرقة الأحباب

و ذكرت عصرا يا بثينة شاقني # و ذكرت أيّامي و شرخ شبابي‏

الغناء في هذه الأبيات للهذليّ ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.

أرسل كثيرا إلى بثينة ليستجدّ منها موعدا

:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا إسحاق الموصليّ عن السّعيديّ، و أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد عن أبيه قال حدّثنا أبو مالك النّهديّ قال:

جلس إلينا كثيّر ذات يوم فتذاكرنا جميلا؛ فقال: لقيني مرّة فقال لي: من أين أقبلت؟قلت: من عند أبي الحبيبة (أعني بثينة) . فقال: و إلى أين تمضي؟قلت: إلى الحبيبة (أعني عزّة) . فقال: لا بدّ من أن ترجع عودك على بدئك فتستجدّ لي موعدا من بثينة. فقلت: عهدي بها الساعة و أنا أستحيي أن أرجع. فقال: لا بدّ من ذلك. فقلت له: فمتى عهدك ببثينة؟فقال: في أوّل الصيد و قد وقعت سحابة بأسفل وادي‏[3]الدّوم فخرجت و معها جارية لها تغسل ثيابها[4]؛ فلما أبصرتني/أنكرتني، فضربت بيديها إلى ثوب في الماء فالتحفت به، و عرفتني الجارية، فأعادت الثوب في الماء، و تحدّثنا حتى غابت الشمس. و سألتها الموعد فقالت: أهلي سائرون؛ و ما وجدت أحدا آمنه فأرسله إليها. فقال له كثيّر: فهل لك في أن آتي الحيّ فأنزع‏[5]بأبيات من شعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها؟. قال: ذلك الصواب، فأرسله إليها؛ فقال له: انتظرني ثم خرج كثيّر حتى أناخ بهم. فقال له أبوها: ما ردّك؟قال: ثلاثة أبيات عرضت لي فأحببت أن أعرضها عليك. قال: هاتها. قال كثيّر: فأنشدته و بثينة تسمع:

[1]الغرز: ركاب الرحل من جلد، فإذا كان من خشب أو حديد فهو ركاب.

[2]الكلام هنا ناقص.

[3]وادي الدوم: واد معترض من شمالي خيبر إلى قبلها، و هو يفصل بين خيبر و العوارض.

[4]في جـ: «ثيابا» .

[5]نزع الشعر: تمثل به.

300

فقلت لها يا عزّ أرسل صاحبي # إليك‏[1]رسولا و الموكّل مرسل

بأن تجعلي بيني و بينك موعدا # و أن تأمريني ما الذي فيه أفعل

و آخر عهدي منك يوم لقيتني # بأسفل وادي الدّوم و الثوب يغسل‏

قال: فضربت بثينة جانب خدرها و قالت: إخسأ إخسأ!فقال أبوها: مهيم‏[2]يا بثينة؟قالت: كلب يأتينا إذا نوّم الناس من وراء الرّابية. ثم قالت للجارية: ابغينا من الدّومات حطبا/لنذبح لكثيّر شاة و نشويها له. فقال كثيّر: أنا أعجل من ذلك. و راح إلى جميل فأخبره. فقال له جميل: الموعد الدّومات. و قالت لأم الحسين و ليلى و نجيّا بنات خالتها و كانت قد أنست إليهنّ و اطمأنّت بهنّ: إني قد رأيت في نحو نشيد كثيّر أن جميلا معه. و خرج كثيّر و جميل حتى أتيا الدّومات، و جاءت بثينة و من معها، فما برحوا حتى برق الصبح. فكان كثيّر يقول: ما رأيت مجلسا قطّ أحسن من ذلك و لا مثل علم أحدهما بضمير الآخر!ما أدري أيّهما كان أفهم!

وصف صالح بن حسان بيتا من شعره‏

:

أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ، و أخبرني عمّي عن الكرانيّ عن العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال قال لي صالح بن حسّان:

هل تعرف بيتا نصفه أعرابيّ‏[3]في شملة و آخره مخنّث من أهل العقيق يتقصف تقصّفا؟قلت: لا. قال: قد أجّلتك حولا. قلت: لا أدري ما هو!فقال قول جميل:

ألا أيّها النّوّام ويحكم هبّوا

كأنه أعرابيّ في شملة. ثم أدركه ما يدرك العاشق فقال:

أسائلكم هل يقتل الرجل الحبّ‏

كأنه من كلام مخنّثي العقيق.

أهدر السلطان لأهل بثينة دمه إن لقيها و ما كان منه بعد ذلك‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير بن حرب قال أخبرنا عبد اللّه بن أبي كريم عن أبي عمرو و إسحاق بن مروان قال‏[4]:

عشق جميل بثينة و هو غلام، فلما بلغ خطبها فمنع منها، فكان يقول فيها الأشعار، حتى اشتهر و طرد، فكان يأتيها سرّا ثم تزوّجت فكان يزورها في بيت زوجها[في الحين‏]خفية إلى أن استعمل دجاجة بن ربعيّ على وادي القرى فشكوه إليه فتقدّم إليه ألاّ يلمّ بأبياتها و أهدر دمه لهم إن عادوا زيارتها، فاحتبس حينئذ.

[1]رواية «الأمالي» لأبي علي القالي (ج 3 ص 231 طبع دار الكتب المصرية) :

على نأي دار و الرسول موكل‏

[2]مهيم: كلمة يمانية و معناها: ما أمرك، و ما شأنك، و ما الذي أرى بك؟و نحو هذا من الكلام.

[3]كذا وردت هذه العبارة في «الأغاني» فيما يأتي في هذه الترجمة (ص 118) . و وردت في ب، س هنا: «هل تعرف نصف بيت أعرابي في شملة و نصف مخنث... إلخ» و في سائر الأصول: «... بيت أعرابي في شملة و نصفه مخنث... إلخ» .

[4]لعله «قالا» .

301

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدّثنا أحمد بن أبي العلاء قال حدّثني إبراهيم الرّمّاح قال حدّثنا جابر أبو العلاء التّنوخيّ قال:

/لما نذر أهل بثينة دم جميل و أهدره لهم السلطان ضاقت الدنيا بجميل، فكان يصعد بالليل على قور[1]رمل يتنسّم الريح من نحو حيّ بثينة و يقول:

أيا ريح الشّمال أ ما تريني # أهيم و أنّني بادي النّحول

هبي لي نسمة من ريح بثن # و منّي بالهبوب إلى جميل

و قولي يا بثينة حسب نفسي # قليلك أو أقلّ من القليل‏

فإذا بدا وضح الصبح انصرف. و كانت بثينة تقول لجوار من الحيّ عندها: ويحكنّ!إني لأسمع أنين جميل من بعض القيران!فيقلن لها: اتّقي اللّه!فهذا شي‏ء يخيّله لك الشيطان لا حقيقة له.

تذاكر هو و كثير شعريهما في العشق و بكيا

:

حدّثني أحمد بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن نعيم قال حدّثني أحمد بن يعلى قال حدّثني سويد بن عصام قال حدّثني روح أبو نعيم‏[2]قال:

التقى جميل و كثيّر فتذاكرا النّسيب؛ فقال كثيّر: يا جميل، أ ترى بثينة لم تسمع بقولك:

يقيك جميل كلّ سوء، أ ما له # لديك حديث أو إليك رسول

و قد قلت في حبّي لكم و صبابتي # محاسن شعر ذكرهنّ يطول

/فإن لم يكن قولي رضاك فعلّمي # هبوب الصّبايا بثن كيف أقول

فما غاب عن عيني خيالك لحظة # و لا زال عنها، و الخيال يزول‏

فقال جميل: أ ترى عزّة قد حال يا كثيّر لم تسمع بقولك:

يقول العدا يا عزّ قد حال دونكم # شجاع على ظهر الطريق مصمّم

فقلت لها و اللّه لو كان دونكم # جهنّم ما راعت فؤادي جهنّم

/و كيف يروع القلب يا عزّ رائع # و وجهك في الظّلماء للسّفر معلم

و ما ظلمتك النفس يا عزّ في الهوى # فلا تنقمي حبّي فما فيه منقم‏

قال: فبكيا قطعة من الليل ثم انصرفا.

واعد بثينة و عرف ذلك أهلها فلم تذهب‏

:

و قال الهيثم بن عديّ و من ذكر روايته معه من أصحابه:

زار جميل بثينة ذات يوم، فنزل قريبا من الماء يترصّد أمة لها أو راعية؛ فلم يكن نزوله بعيدا من ورود أمة حبشيّة معها قربة، و كانت به عارفة و بما[3]بينها و بينه. فسلّمت عليه و جلست معه، و جعل يحدّثها و يسألها عن [1]القور: الآكام العظيمة، واحدها قارة.

[2]في حـ: «روح بن نعيم» .

[3]في الأصول: «لما» بالام.

302

أخبار بثينة و يحدّثها بخبره بعدها و يحمّلها رسائله. ثم أعطاها خاتمه و سألها دفعه إلى بثينة و أخذ موعد عليها، ففعلت و انصرفت إلى أهلها و قد أبطأت عليهم. فلقيها أبو بثينة و زوجها و أخوها فسألوها عما أبطأ بها، فالتوت عليهم و لم تخبرهم و تعلّلت؛ فضربوها ضربا مبرّحا؛ فأعلمتهم حالها مع جميل و دفعت إليهم خاتمه. و مرّ بها في تلك الحال فتيان من بني عذرة فسمعا القصّة كلّها و عرفا الموضع الذي فيه جميل، فأحبّا أن يثبّطا عنه فقالا للقوم:

إنكم إن لقيتم جميلا و ليست بثينة معه ثم قتلتموه لزمكم في ذلك كلّ مكروه؛ و أهل بثينة[1]أعزّ عذرة، فدعوا الأمة توصّل خاتمه إلى بثينة، فإذا زارها بيّتموهما جميعا؛ قالوا: صدقتما لعمري إنّ هذا الرأي. فدفعوا الخاتم إلى الأمة و أمروها بإيصاله و حذّروها أن‏[2]تخبر بثينة بأنهم علموا القصّة، ففعلت. و لم تعلم بثينة بما جرى. و مضى الفتيان فأنذرا جميلا؛ فقال: و اللّه ما أرهبهم، و إن في كنانتي ثلاثين سهما و اللّه لا أخطأ كلّ واحد منها رجلا منهم، و هذا سيفي و اللّه ما أنا به رعش اليد و لا جبان الجنان. فناشداه اللّه و قالا: البقية[3]أصلح، فتقيم عندنا في بيوتنا حتى /يهدأ الطلب، ثم نبعث إليها فتزورك و تقضي من لقائها و طرا و تنصرف سليما غير مؤبّن‏[4]. فقال أمّا الآن فابعثا إليها من ينذرها؛ فأتياه براعية لهما و قالا له: قل بحاجتك؛ فقال: ادخلي إليها و قولي لها: إني أردت اقتناص ظبي فحذره ذلك جماعة اعتوروه من القنّاص ففاتني الليلة. فمضت فأعلمتها ما قال لها؛ فعرفت قصّته و بحثت عنها فعرفتها؛ فلم تخرج لزيارته تلك الليلة و رصدوها فلم تبرح مكانها و مضوا يقتصّون أثره فرأوا بعر ناقته فعرفوا أنه قد فاتهم، فقال جميل في ذلك:

خليليّ عوجا اليوم حتى تسلّما # على عذبة الأنياب طيّبة النّشر

ألمّا بها ثم اشفعا لي و سلّما # عليها سقاها اللّه من سبل‏[5]القطر[6]

***

إذا ما دنت زدت اشتياقا و إن نأت # جرعت لنأي الدار منها و للبعد

/أبى القلب إلا حبّ بثنة لم يرد # سواها و حبّ القلب بثنة لا يجدي‏

قال: و قال أيضا: و من الناس من يضيف هذه الأبيات إلى هذه القصيدة؛ و فيها أبيات معادة القوافي تدلّ على أنها مفردة عنها، و هي:

[1]كذا في جمع الأصول. و الأحرى بهذه الجملة أن تكون: «و أهل جميل إلخ» .

[2]في الأصول: «بأن» .

[3]البقية كالبقيا و هي أن تبقى على عدوّك و لا تستأصله.

[4]غير مؤبن: غير معيب. يريد لم تصب بمكروه. و في «مختصر الأغاني» : «غير موتور» .

[5]في ب، س «من سائغ القطر» .

[6]كذا في الأصول التي بين أيدينا. و يلاحظ أن الكلام هاهنا مقتضب، إذ لا اتصال بين الشعر الذي قافيته راء و الشعر الذي قافيته دال.

و ورد في مختصر الأغاني بعد هذين البيتين اللذين قافيتهما راء ثلاثة الأبيات الآتية، و هي من أبيات سيوردها المؤلف قريبا في ص 150.

و بوحا بذكري عند بثنة و انظرا # أترتاح يوما أم تهش إلى ذكرى

هي البدر حسنا و النساء كواكب # و شتان ما بين الكواكب و البدر

لقد فضلت ليلى على الناس مثل ما # على ألف شهر فضلت ليلة القدر

303

أ لم تسأل الدار القديمة هل لها # بأمّ جسير بعد عهدك من عهد

و فيها يقول:

صوت‏

سلي الرّكب هل عجنا لمغناك مرّة # صدور المطايا و هي موقرة تخدي

و هل فاضت العين الشّروق بمائها # من أجلك حتى اخضلّ من دمعها بردي‏

الغناء لأحمد بن المكيّ ثاني ثقيل بالوسطى: -

و إنّي لأستجري لك الطير جاهدا # لتجري بيمن من لقائك من‏[1]سعد

و إنّي لأستبكي إذا الركب غرّدوا # بذكراك أن يحيا بك الركب إذ يخدي‏[2]

فهل تجزينّي أمّ عمرو بودّها # فإنّ الذي أخفي بها فوق ما أبدي

و كلّ محبّ لم يزد فوق جهده # و قد زدتها في الحبّ منّي على الجهد

قصته مع أم منظور و قد أبت عليه أن تريه إياها

:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمر بن إبراهيم و غيره و بهلول بن سليمان البلويّ:

أنّ رهط بثينة ائتمنوا عليها عجوزا منهم يثقون بها يقال لها أمّ منظور. فجاءها جميل فقال لها: يا أمّ منظور، أريني بثينة. فقالت: لا!و اللّه لا أفعل، قد ائتمنوني عليها. فقال: أما و اللّه لأضرّنّك؛ فقالت: المضرّة و اللّه في أن أريكها. فخرج من عندها و هو يقول:

ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت # بالحجر[3]يوم جلتها أمّ منظور

و لا انسلابتها[4]خرسا جبائرها # إليّ من ساقط الأوراق‏[5]مستور

/قال: فما كان إلاّ قليل حتى انتهى إليهم هذان البيتان. قال: فتعلّقوا بأمّ منظور فحلفت لهم بكلّ يمين فلم يقبلوا منها. هكذا ذكر الزّبير بن بكّار في خبر أمّ منظور، و قد ذكر فيه غير ذلك.

استدعى مصعب أم منظور و سألها عن قصتها مع جميل و بثينة

:

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ، و أخبرني به ابن أبي الأزهر عن حمّاد عن أبيه عن الهيثم بن عديّ:

[1]لعله «أو سعد» .

[2]في حـ: «إذ تخدّى» . و في م، ء: «أو تحدى» ، و في ب، س: «إذ تحدى» .

[3]الحجر: اسم موضع.

[4]كذا في حـ و «مختصر الأغاني» : و انسلب في الأصل: أسرع، كأنه لسرعته يخرج من جلده، و هو في الأصل أكثر ما يستعمل في الناقة.

و الجبائر: الأساور، يريد تسللها إليه خفية في سرعة. و في سائر الأصول: «استلابتها» .

[5]كذا في حـ. و الأرواق: الفساطيط. يقال: ضرب فلان روقه بموضع كذا إذا نزل له كما يقال: ضرب خيمته. و في سائر الأصول:

«الأوراق» و هو تحريف.

304

أن رجلا أنشد مصعب بن الزّبير قول جميل:

ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت # بالحجر يوم جلتها أمّ منظور

فقال: لوددت أنّي عرفت كيف جلتها. فقيل له: إن أم منظور هذه حيّة. فكتب في حملها إليه مكرّمة فحملت إليه.

فقال لها: أخبريني عن قول جميل:

ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت # بالحجر يوم جلتها أمّ منظور

كيف كانت هذه الجلوة؟قالت‏[1]: ألبستها قلادة بلح و مخنقة بلح واسطتها تفّاحة، و ضفرت شعرها و جعلت في فرقها شيئا من الخلوق. و مرّ بنا جميل راكبا ناقته فجعل ينظر إليها بمؤخّر عينه و يلتفت إليها حتى غاب عنا. فقال لها مصعب: فإنّي أقسم عليك/إلاّ جلوت عائشة بنت طلحة مثل ما جلوت بثينة، ففعلت: و ركب مصعب ناقته و أقبل عليهما و جعل ينظر إلى عائشة بمؤخّر عينه و يسير حتى غاب عنهما ثم رجع.

زارها مرة متنكرا في زي سائل‏

:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني بهلول عن بعض مشايخه:

أنّ جميلا جاء إلى بثينة ليلة و قد أخذ ثياب راع لبعض الحيّ، فوجد عندها ضيفانا لها، فانتبذ ناحية، فسألته:

من أنت؛ فقال: مسكين مكاتب‏[2]، فجلس/وحده، فعشّت ضيفانها و عشّته وحده. ثم جلست هي و جارية لها على صلائهما و اضطجع القوم منتحين. فقال جميل:

واعدته مرة و أحس أهلها فمنعوها فقال في ذلك شعرا

:

هل البائس المقرور دان فمصطل # من النار أو معطى لحافا فلابس‏

فقالت لجاريتها: صوت جميل و اللّه!اذهبي فانظري!. فرجعت إليها فقالت: هو و اللّه جميل!فشهقت شهقة سمعها القوم فأقبلوا يجرون و قالوا مالك؟فطرحت بردا لها من حبرة في النار و قالت: احترق بردي، فرجع القوم. و أرسلت جاريتها إلى جميل، فجاءتها به، فحبسته عندها ثلاث ليال، ثم سلّم عليها و خرج.

و قال الهيثم و أصحابه في أخبارهم:

كانت بثينة قد واعدت جميلا للالتقاء في بعض المواضع، فأتى لوعدها. و جاء أعرابيّ يستضيف القوم فأنزلوه و قروه، فقال لهم: إني قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرّقين متوارين في الشجر و أنا خائف عليكم أن يسلّوا[3]بعض إبلكم. فعرفوا أنه جميل و صاحباه، فحرسوا بثينة و منعوها من الوفاء بوعده. فلما أسفر له الصبح انصرف كئيبا سيّئ الظنّ بها و رجع إلى أهله، فجعل نساء الحيّ يقرّعنه بذلك و يقلن له: إنما حصلت منها على الباطل و الكذب و الغدر، و غيرها أولى بوصلك منها، كما أن غيرك يحظى بها. فقال في ذلك:

أ بثين إنك قد ملكت فأسجحي # و خذي بحظّك من كريم واصل‏

[1]في الأصول: «قال» و هو تحريف.

[2]المكاتبة: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه إليه منجما، فإذا أداه صار حرا.

[3]السل: انتزاع الشي‏ء و اغتصابه. ـ

305
صوت‏

فلربّ عارضة علينا وصلها # بالجدّ تخلطه بقول الهازل

فأجبتها بالقول بعد تستّر # حبّي بثينة عن وصالك شاغلي

/لو كان في قلبي كقدر قلامة # فضلا وصلتك أو أتتك رسائلي‏

-الغناء ليحيى المكّيّ ثقيل أوّل بالوسطى من رواية أحمد-

و يقلن أنك قد رضيت بباطل # منها فهل لك في اجتناب الباطل

و لباطل ممّن أحبّ حديثه # أشهى إليّ من البغيض الباذل‏

الغناء لسليم رمل بالوسطى عن عمرو. و ذكر عمر أنه ليزيد حوراء.

قصته مع بثينة و قد علم زوجها بمقامه معها و ما قيل في ذلك من الشعر

:

و ذكر الهيثم بن عديّ و أصحابه أن جماعة من بني عذرة حدّثوا أن جميلا رصد بثينة ذات ليلة في نجعة لهم، حتى إذا صادف منها خلوة سكر و دنا منها و ذلك في ليلة ظلماء ذات غيم و ريح و رعد، فحذفها بحصاة فأصابت بعض أترابها، ففزعت و قالت: و اللّه ما حذفني في هذا الوقت بحصاة إلا الجنّ!فقالت لها بثينة و قد فطنت: إن جميلا فعل ذلك فانصرفي ناحية إلى منزلك حتى ننام، فانصرفت و بقيت مع بثينة أمّ الجسير و أمّ منظور، فقامت إلى جميل/فأدخلته الخباء معها و تحدّثا طويلا، ثم اضطجع و اضطجعت إلى جنبه فذهب النوم بهما حتى أصبحا و جاءها غلام زوجها بصبوح من اللبن بعث به إليها، فرآها نائمة مع جميل، فمضى لوجهه حتى خبّر سيّده. و رأته ليلى و الصّبوح معه و قد عرفت خبر جميل و بثينة فاستوقفته كأنها تسأله عن حاله و بعثت بجارية لها و قالت حذّري بثينة و جميلا، فجاءت الجارية فنبّهتهما. فلما تبيّنت بثينة الصبح قد أضاء و الناس منتشرين ارتاعت و قالت: يا جميل!نفسك نفسك!فقد جاءني غلام نبيه بصبوحي من اللبن فرآنا نائمين!فقال لها جميل و هو غير مكترث لما خوّفته منه:

لعمرك ما خوّفتني من مخافة # بثين و لا حذّرتني موضع الحذر

فأقسم لا يلقى لي اليوم غرّة # و في الكفّ منّي صارم قاطع ذكر

/فأقسمت عليه أن يلقي نفسه تحت النّضد[1]و قالت: إنما أسألك ذلك خوفا على نفسي من الفضيحة لا خوفا عليك، ففعل ذلك و نامت كما كانت، و اضطجعت أمّ الجسير إلى جانبها و ذهبت خادم ليلى إليها فأخبرتها الخبر فتركت العبد يمضي إلى سيّده فمضى و الصّبوح معه و قال له: إني رأيت بثينة مضطجعة و جميل إلى جنبها. فجاء نبيه إلى أخيها و أبيها فأخذ بأيديهما و عرّفهما الخبر و جاءوا بأجمعهم إلى بثينة و هي نائمة فكشفوا عنها الثوب فإذا أمّ الجسير إلى جانبها نائمة. فخجل زوجها و سبّ عبده و قالت ليلى لأخيها و أبيها: قبحكما اللّه!أ في كلّ يوم تفضحان فتاتكما و يلقاكما هذا الأعور فيها بكلّ قبيح!قبحه اللّه و إياكما!و جعلا يسبّان زوجها و يقولان له كلّ قول قبيح. و أقام جميل عند بثينة حتى أجنّه الليل ثم ودّعها و انصرف. و حذرتهم بثينة لما جرى من لقائه إيّاها فتحامته مدّة، فقال في ذلك:

[1]النضد: متاع البيت المنضود بعضه فوق بعض.

306
صوت‏

أ أن هتفت ورقاء ظلت سفاهة # تبكّي على جمل لورقاء تهتف

فلو كان لي بالصرم يا صاح طاقة # صرمت و لكنّي عن الصرم أضعف‏

للهذليّ في هذين البيتين لحنان أحدهما ثقيل أوّل بالسّبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، و الآخر خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو، و ذكر غيره لابن جامع. و فيه لبذل الكبرى خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن أحمد بن المكّي. و مما يغنّى فيه من هذه القصيدة قوله:

صوت‏

لها في سواد القلب بالحبّ ميعة[1] # هي الموت أو كادت على الموت تشرف

و ما ذكرتك النفس يا بثن مرّة # من الدهر إلا كادت النفس تتلف

و إلاّ اعترتني زفرة و استكانة # و جاد لها سجل من الدمع يذرف

و ما استطرفت نفسي حديثا لخلّة # أسرّ به إلا حديثك أطرف‏

الغناء لإبراهيم ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ. و أوّل هذه القصيدة:

/

أ من منزل قفر تعفّت رسومه # شمال تغاديه و نكباء[2]حرجف

فأصبح قفرا بعد ما كان آهلا # و جمل المنى تشتو به و تصيّف

ظللت و مستنّ‏[3]من الدمع هامل # من العين لما عجت بالدّار ينزف

أ منصفتي جمل فتعدل بيننا # إذا حكمت و الحاكم العدل ينصف

تعلّقتها و الجسم منّي مصحّح # فما زال ينمي حبّ جمل و أضعف

إلى اليوم حتى سلّ جسمي و شفني # و أنكرت من نفسي الذي كنت أعرف

قناة من المرّان‏[4]ما فوق حقوها # و ما تحته منها نقا يتقصّف

لها مقلتا ريم و جيد جداية[5] # و كشح كطيّ السابريّة[6]أهيف

و لست بناس أهلها حين أقبلوا # و جالوا علينا بالسيوف و طوّفوا

/و قالوا جميل بات في الحيّ عندها # و قد جرّدوا أسيافهم ثم وقّفوا

[1]كذا في «منتهى الطلب في أشعار العرب» نسخة مخطوطة محفوظة بالدار (تحت رقم 53 أدب ش) و في الأصول: «منعة» بالنون.

[2]النكباء: الريح التي انحرفت عن مهب الرياح القوم و وقعت بين مهب ريحين أو بين الصبا و الشمال. و الحرجف: الباردة الشديدة الهبوب.

[3]مستن: منصب.

[4]رواية «منتهى الطلب» : «صيود كغصن البان ما فوق حقوها» و المران. الرماح.

[5]الجداية: الذكر و الأنثى من أولاد الظباء إذا بلغت ستة أشهر.

[6]السابري: الرفيق من الثياب، و هو أيضا الدرع الدقيقة النسج.

307

و في البيت ليث الغاب لو لا مخافة # على نفس جمل و الإله لأرعفوا[1]

هممت و قد كادت مرارا تطلّعت # إلى حربهم نفسي و في الكفّ مرهف

و ما سرّني غير الذي كان منهم # و منّي و قد جاءوا إليّ و أوجفوا

فكم مرتج أمرا أتيح له الرّدى # و من خائف لم ينتقصه التخوّف‏

له بيت كان نصفه أعرابي و نصفه مخنث‏

:

حدّثني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ، و أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال، قال لي صالح بن حسان:

هل تعرف بيتا نصفه أعرابيّ في شملة و آخره مخنّث يتفكّك من مخنّثي العقيق؟فقلت: لا أدري. قال: قد أجّلتك فيه حولا. فقلت: لو أجّلتني حولين ما علمت. قال: قول جميل:

ألا أيّها النّوّام ويحكم هبّوا

هذا أعرابيّ في شملة. ثم قال:

نسائلكم هل يقتل الرجل الحبّ‏

كأنه و اللّه من مخنّثي العقيق. في هذا الشعر غناء، نسبته و شرحه:

صوت‏

ألا أيّها النّوّام ويحكم هبّوا # نسائلكم هل يقتل الرجل الحبّ

ألا ربّ ركب قد دفعت وجيفهم‏[2] # إليك و لو لا أنت لم يوجف الرّكب‏

/الغناء لابن محرز خفيف رمل بالسبّابة و الوسطى عن يحيى المكي، و ذكره إسحاق في هذه الطريقة و لم ينسبه إلى أحد. و فيه لسليم ما خوريّ عن الهشاميّ. و فيه لمالك ثاني ثقيل بالسّبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، و قيل:

إنه لمعبد. و فيه لعريب هزج من رواية ابن المعتزّ. و ذكر عبد اللّه بن موسى أن لحن مالك من الثقيل الأوّل و أن خفيف الرّمل لابن سريج و أن الهزج لحمدونة بنت الرّشيد.

جفا بثينة لما علقت حجنة الهلالي‏

:

أخبرنا الحسين بن يحيى المرداسيّ قال أخبرنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب ابن عباية المحرزيّ عن شيخ من رهط جميل من عذرة:

أن بثينة لما علقت حجنة الهلاليّ جفاها جميل. قال: و أنشدني لجميل في ذلك:

[1]أرعفه: أعجله.

[2]الوجيف: سرعة السير.

308
صوت‏

بينا حبال ذات عقد لبثنة # أتيح لها بعض الغواة فحلّها

فعدنا كأنّا لم يكن بيننا هوى # و صار الذي حلّ الحبال هوى لها

و قالوا نراها يا جميل تبدّلت # و غيّرها الواشي فقلت لعلّها

الغناء للهذليّ خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى. و ذكره إسحاق في هذه الطريقة و الإصبع و لم ينسبه إلى أحد.

تمثل إفريقي بشعر له يعرّض فيه بفتى من آل عثمان‏

:

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثنا أبو عوف عن عبد الرحمن بن مقرّن قال:

بعثني المنصور لأبتاع له جارية من المدينة و قال لي: اعمل برأي ابن نفيس؛ فكنت أفعل ذلك، و أغشى ابنه، و كانت له جارية مغنية قد كلف بها فتى من/آل عثمان بن عفّان، فكان يبيع عقدة[1]عقدة من ماله و ينفق ثمنها عليها. و ابتلي برجل من أهل إفريقيّة و معه ابن له، فغشي ابن الإفريقيّ بيت ابن نفيس فجعل يكسو الجارية و أهلها و يبرّهم حتى حظي عندهم و غلب عليهم و تثاقلوا العثمانيّ. فقضي أن اجتمعنا عشيّة عندها و حضر ابن الإفريقيّ و العثمانيّ؛ فنزع ابن الإفريقيّ خفّه فتناثر المسك منه، و أراد العثمانيّ أن يكيده بفعله. فجلسنا ساعة؛ فقال لها ابن الإفريقيّ: غنّي:

بينا حبال ذات عقد لبثنة # أتيح لها بعض الغواة فحلّها

يعرّض بالعثمانيّ. فقال لها العثمانيّ: لا حاجة لنا في هذا، و لكن غنّي:

و من يرع نجدا يلفني قد رعيته # بجنيته‏[2]الأولى و يورد على وردي‏

قال: فنكس ابن الإفريقيّ رأسه و خرج العثمانيّ فذهب، و خمد أهل البيت فما انتفعوا بقيّة يومهم.

شعره حين زوّجت بثينة نبيها

:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي و بهلول بن سليمان البلويّ:

أن جميلا قال لما زوّجت بثينة نبيها:

صوت‏

أ لا ناد عيرا[3]من بثينة ترتعي # نودّع على شحط النّوى و نودّع

و حثّوا على جمع الرّكاب و قرّبوا # جمالا و نوقا جلّة لم تضعضع‏

في هذين البيتين رمل لابن سريج عن الهشاميّ. و مما يغنّى فيه من هذه القصيدة:

[1]العقدة: الضيعة.

[2]كذا في ب، س و في سائر الأصول: «بحبته» .

[3]العير: القافلة.

309
صوت‏

أعيذك بالرحمن من عيش شقوة # و أن تطمعي يوما إلى غير مطمع

إذا ما ابن ملعون تحدّر رشحه # عليك فموتي بعد ذلك أودعي

مللن و لم أملل و ما كنت سائما # لأجمال سعدى ما أ نحن بجعجع‏[1]

و حثّوا على جمع الرّكاب و قرّبوا # جمالا و نوقا جلّة لم تضعضع

ألا قد أرى إلاّ بثينة هاهنا # لنا بعد ذا المصطاف و المتربّع‏

لمعبد في الثالث و الرابع من هذه الأبيات ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى الوسطى عن/إسحاق. و لابن سريج في الأوّل و الثاني و الخامس خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. و للأبجر في الأوّل و الخامس و الثالث و الرابع رمل بالبنصر.

و في الأول و الثاني خفيف ثقيل ينسب إلى معبد و غيره، و لم تعرف صحته من جهة يوثق بها.

شعره لما أبعده السلطان عن بثينة

:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال أنشدنا بهلول بن سليمان لجميل لما بعد عن بثينة و خاف السلطان، و كان بهلول يعجب به، :

ألا قد أرى إلا بثينة للقلب # بوادي بدا لا بحسمى و لا الشّغب‏[2]

و لا ببصاق‏[3]قد تيمّمت فاعترف # لما أنت لاق أو تنكّب عن الرّكب

أ في كلّ يوم أنت محدث صبوة # تموت لها بدّلت غيرك من قلب‏

حديث عبد الملك معها عن عشق جميل لها

:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا أبي عن يعقوب بن محمد الزّهريّ عن سليمان بن صخر الحرشيّ قال حدّثنا سليمان بن زياد الثّقفي:

أن بثينة دخلت على عبد الملك بن مروان. فرأى امرأة خلفاء[4]مولّية؛ فقال لها: ما الذي رأى فيك جميل؟ قالت: الذي رأى فيك الناس حين استخلفوك: فضحك عبد الملك حتى بدت له سنّ سوداء كان يسترها.

شعره في جمله «جديل»

:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمر بن إبراهيم العويثيّ:

أن جمل جميل الذي كان يزور عليه بثينة يقال له «جديل» و فيه يقول:

[1]جعجع: موضع بثينة، و هو في الأصل المتطامن من الأرض، و هو أيضا المكان الخشن الغليظ.

[2]بدا: موضع بوادي عذرة قرب الشام. و حسمي (بكسر أصله) : موضع وراء وادي القرى بما يلي بلاد فلسطين من أرض الشام.

و شغب: ضيعة خلف وادي القرى.

[3]كذا في نسخة الشنقيطي مصححة بقلمه و تقويم البلدان. و بصاق: موضع قريب من مكة، كما قال ابن دريد. و قال ابن حبيب: هو جبل بين أيلة و التيه. و في جميع النسخ: «براق» .

[4]الخلفاء: الحمقاء.

310

أنخت جديلا عند بثنة ليلة # و يوما أطال اللّه رغم جديل

أ ليس مناخ النّضو يوما و ليلة # لبثنة فيما بيننا بقليل؟

مهاجاته قومها بنى الأحب و إهدار السلطان لهم دمه‏

:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو غسّان محمد بن يحيى المكّي:

أنّ جميلا لما اشتهرت بثينة بحبّه إياها اعترضه عبيد اللّه بن قطبة أحد بني الأحبّ و هو من رهطها الأدنين فهجاه؛ و بلغ ذلك جميلا فأجابه، و تطاولا فغلبه جميل و كفّ عنه ابن قطبة، و اعترضه عمير بن رمل (رجل من بني الأحبّ) فهجاه. و إياه عنى جميل بقوله:

إذا الناس هابوا خزية ذهبت‏[1]بها # أحبّ المخازي كهلها و وليدها

لعمر عجوز طرّقت‏[2]بك إنني # عمير بن رمل لابن حرب أقودها

بنفسي فلا تقطع فؤادك ظلّة # كذلك حزني وعثها و صعودها

/قال: فاستعدوا عليه عامر بن ربعيّ بن دجاجة، و كانت إليه بلاد عذرة، و قالوا: يهجونا و يغشى بيوتنا و ينسب بنسائنا!فأباحهم دمه، و طلب فهرب منه. و غضبت بثينة لهجائه أهلها جميعا. فقال جميل:

و ما صائب من نابل‏[3]قذفت به # يد و ممرّ[4]العقدتين وثيق

له من خوافي النّسر حمّ نظائر[5] # و نصل كنصل الزّاعبيّ‏[6]فتيق

على نبعة[7]زوراء أمّا خطامها # فمتن و أمّا عودها فعتيق

بأوشك قتلا منك يوم رميتني # نوافذ لم تظهر لهنّ خروق

تفرّق أهلانا بثين فمنهم # فريق أقاموا و استمرّ فريق

/فلو كنت خوّارا لقد باح مضمري‏[8] # و لكنّني صلب القناة عريق

كأن لم نحارب يا بثين لو انه # تكشّف غمّاها و أنت صديق‏

قال و يدلّ على طلب عامر بن ربعيّ إيّاه قوله:

[1]يريد: أخذتها و استمسكت بها.

[2]يريد: حملت بك. يقال: طرقت الناقة و المرأة و كل حامل بولدها إذا نشب في بطنها و لم يسهل خروجه.

[3]كذا في «الكامل» للمبرد ص 42 طبع أوروبا. و في الأصول: «نائل» .

[4]ممر العقدتين يعني وترا. و الممر: الشديد القتل.

[5]لعله يريد ريشات سودا متشابهة. و في حـ: «جم نظائر» . و في سائر الأصول: «جم تطاير» .

[6]الزاعبيّ من الرماح: الذي إذا هزّ تدافع كله كأن آخره يجري في مقدمه. أو إلى زاعب رجل أو بلد. و الفتيق: الحاد الرقيق.

[7]النبع: شجر من أشجار الجبال تتخذ منه القسيّ؛ و أكرم القسيّ ما كان من النبع. و زوراء: معوجة، و كلما كانت القوس أشد انعطافا كان سهمها أمضى. و خطام القوس: وترها. و متن: قوي. و عتيق: قديم.

[8]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «ميسمي» بالياء المثناة. و لعله «مبسمي» بالباء الموحدة.

311

أضرّ بأخفاف البغلية أنّها # حذار ابن ربعيّ بهنّ رجوم‏[1]

لما أهدر دمه هرب إلى اليمن ثم رجع بعد عزل عامر إلى الشأم‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه الحزنبل الأصبهانيّ قال حدّثني عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ عن أبيه قال حدّثني بعض رواة عذرة:

/أن السلطان أهدر دم جميل لرهط بثينة إن وجدوه قد غشي دورهم. فحذرهم مدّة، ثم وجدوه عندها، فأعذروا إليه و توعّدوه و كرهوا أن ينشب بينهم و بين قومه حرب في دمه، و كان قومه أعز من قومها، فأعادوا شكواه إلى السلطان، فطلبه طلبا شديدا، فهرب إلى اليمن فأقام بها مدّة. و أنشدني له في ذلك:

ألمّ خيال من بثينة طارق # على النّأي مشتاق إليّ و شائق

سرت من تلاع الحجر حتى تخلّصت # إليّ و دوني الأشعرون و غافق‏[2]

كأنّ فتيت المسك خالط نشرها # تغلّ‏[3]به أردانها و المرافق

تقوم إذا قامت به عن فراشها # و يغدو به من حضنها من تعانق‏

قال أبو عمرو و حدّثني هذا العذريّ:

أنّ جميلا لم يزل باليمن حتى عزل ذلك الوالي عنهم، و انتجعوا ناحية الشام فرحل إليهم. قال: فلقيته فسألته عما أحدث بعدي؛ فأنشدني:

سقى منزلينا يا بثين بحاجر # على الهجر منّا صيّف و ربيع

و دورك يا ليلى و إن كنّ بعدنا # بلين بلى لم تبلهنّ ربوع

و خيماتك اللاّتي بمنعرج اللّوى # لقمريّها بالمشرقين سجيع‏[4]

تزعزع‏[5]منها الريح كلّ عشيّة # هزيم بسلاّف الرياح رجيع

/و إنّي أن يعلى بك اللّوم أو تري # بدار أذى من شامت لجزوع

و إنّي على الشي‏ء الذي يلتوى به # و إن زجرتني زجرة لو ريع‏[6]

فقدتك من نفس شعاع فإنّني # نهيتك عن هذا و أنت جميع‏

[1]الرجوم: اضطرام العدو أي شدّة السير.

[2]الأشعرون: جمع أشعري، نسبة إلى الأشعر بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، تخفف ياء النسب فتحذف في الجمع. (راجع «القاموس و شرحه» مادة شعر) . و غافق: قبيلة.

[3]غل الدهن في رأسه و في ثوبه: أدخله فيه.

[4]لم يرد هذا المصدر في معجمات اللغة التي بين أيدينا، مع أن «فعيلا» كثير وروده في الأصوات. و الموجود في كتب اللغة «سجوع» جمع «سجع» بالفتح، كما قال ابن جنى. (راجع «اللسان» مادة سجع) .

[5]زعزعت الريح الشجر و نحوه: حركته. و الهزيم: صوت الرعد، و المراد الصوت الشديد. و سلاف الرياح (كما وردت في ب، س) :

متقدماتها، و الواحد سالف و سالفة. و قد وردت هذه الكلمة في بعض الأصول الخطية: «بسدوف الرياح» و في بعضها: «بسدف الرياح» . و رجيع: مردّد، و هو نعت لهزيم.

[6]و ريع: كاف.

312

فقرّبت لي غير القريب و أشرفت # هناك ثنايا ما لهنّ طلوع

يقولون صبّ بالغواني موكّل # و هل ذاك من فعل الرجال بديع!

و قالوا رعيت اللّهو و المال ضائع # فكالناس فيهم صالح و مضيع‏

الغناء لصالح بن الرشيد رمل بالوسطى عن الهشاميّ و ابن خرداذبه و إبراهيم. و ذكر حبش أنّ في هذه الأبيات لإسحاق لحنا من الثقيل بالوسطى؛ و لم يذكر هذا أحد غيره و لا سمعناه و لا قرأناه إلا في كتابه. و من الناس من يدخل هذه الأبيات في قصيدة المجنون التي على رويّ و قافية هذه القصيدة، و ليست له.

أنشد كثير من شعره و قال هو أشعر الناس‏

:

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّليّ‏[1]عن أبي عبيدة عن أبيه قال:

دخل علينا كثيّر/يوما و قد أخذ بطرف ريطته و ألقى طرفها الآخر و هو يقول: هو و اللّه أشعر الناس حيث يقول:

و خبّرتماني أنّ تيماء منزل # لليلى إذا ما الصّيف ألقى المراسيا

فهذي شهور الصيف عنّي قد انقضت # فما للنّوى ترمي بليلى المراميا

و يجرّ ربطته حتى يبلغ إلينا، ثم يولّي عنّا و يجرّها و يقول: هو و اللّه أشعر الناس حيث يقول:

/

و أنت التي إن شئت كدّرت عيشتي # و إن شئت بعد اللّه أنعمت باليا

و أنت التي ما من صديق و لا عدا # يرى نضو ما أبقيت إلاّ رثى ليا

ثم يرجع إلينا و يقول: هو و اللّه أشعر الناس. فقلنا: من تعني يا أبا صخر؟فقال: و من أعني سوى جميل!هو و اللّه أشعر الناس حيث يقول هذا!. و تيماء خاصّة: منزل لبنى عذرة، و ليس من منازل عامر؛ و إنما يرويه عن المجنون من لا يعلمه.

و في هذه القصيدة يقول جميل:

و ما زلتم يا بثن حتّى لو أنّني # من الشوق أستبكي الحمام بكى ليا

إذا خدرت رجلي و قيل شفاؤها # دعاء حبيب كنت أنت دعائيا

و ما زادني النّأي المفرّق بعدكم # سلوّا و لا طول التلاقي تقاليا[2]

و لا زادني الواشون إلاّ صبابة # و لا كثرة الناهين إلا تماديا

أ لم تعلمي يا عذبة الرّيق أنّني # أظلّ إذا لم ألق وجهك صاديا

[1]كذا فيما تقدم في جميع الأصول في الجزء الرابع ص 123 (راجع الحاشية رقم 1 في هذه الصفحة) . و في جميع الأصول هنا:

«الموصلي» .

[2]في «منتهى الطلب» : «و لا طول اجتماع تقاليا» .

313

لقد خفت أن ألقى المنيّة بغتة # و في النفس حاجات إليك كما هيا

أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني بعض أصحابنا عن محمد بن معن الغفاريّ عن الأصبغ بن عبد العزيز قال:

كنت عند طلحة بن عبد اللّه بن عوف؛ فدخل عليه كثيّر؛ فلما دخل من الباب أخذ برجله فثناها ثم حجل حتى بلغ الفراش و هو يقول: جميل و اللّه أشعر العرب حيث يقول:

و خبّرتماني أنّ تيماء منزل‏

ثم ذكر باقي الخبر الذي رواه محمد بن مزيد.

يوم ذي ضال‏

:

أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزّبير قال حدّثني عمر بن إبراهيم السّعديّ.

أنّ رهط بثينة قالوا إنما يتبع جميل أمة لنا. فواعد جميل بثينة حين لقيها ببرقاء ذي ضال، فتحادثا ليلا طويلا حتى أسحرا[1]. ثم قال لها: هل لك أن ترقدي؟قالت: ما شئت، و أنا خائفة أن نكون قد أصبحنا. فوسّدها جانبه ثم اضطجعا و نامت؛ فانسلّ و استوى على راحلته فذهب، و أصبحت في مضجعها، فلم يرع الحيّ إلاّ بها راقدة عند مناخ راحلة جميل. فقال جميل في ذلك:

فمن يك في حبّي بثينة يمتري # فبرقاء ذي عليّ شهيد

أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن شبيب عن الحزامي عن فليح بن إسماعيل بمثل هذه القصة، و زاد فيها: فلما انتبهت بثينة علمت ما أراده جميل بها، فهجرته و آلت ألاّ تظهر له، فقال:

/

ألا هل إلى إلمامة أن ألمّها # بثينة يوما في الحياة سبيل؟

فإن هي قالت لا سبيل فقل لها # عناء على العذريّ منك طويل

على حين يسلو الناس عن طلب الصّبا # و ينسى اتّباع الوصل منه خليل‏

شكاه أهلها إلى قومه فلاموه، و شعره في ذلك‏

:

و قال الهيثم و أصحابه في أخبارهم:

تشكّى زوج بثينة إلى أبيها و أخيها إلمام جميل بها. فوجّهوا إلى جميل و أعذروا إليه و شكوه إلى عشيرته و أعذروا إليهم فيه و توعّدوه، و أتاهم فلامه أهله و عنّفوه و قالوا: إنّا نستحلف إليهم و نتبرّأ منك و من جريرتك. فأقام مدة لا يلمّ بها، ثم لقي ابني عمّه روقا و مسعودا، فشكا إليهما ما به و أنشدهما قوله:

و إنّي على الشي‏ء الذي يلتوى به # و إن زجرتني زجرة لوريع

/فقدتك من نفس شعاع فإنني # نهيتك عن هذا و أنت جميع

فقرّبت لي غير القريب و أشرفت # هناك ثنايا ما لهنّ طلوع‏

[1]في الأصول: «أسحر» بدون ألف التثنية. و الإسحار: الدخول في وقت السحر. ـ

314

يقولون صبّ بالغواني موكّل # و هل ذاك من فعل الرجال بديع

و قالوا رعيت اللّهو و المال ضائع # فكالنّاس فيهم صالح و مضيع‏

تمثل محمد بن عبد اللّه بن حسن بشعره لزوجته‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثني مصعب بن عبد اللّه قال:

كانت تحت محمد بن عبد اللّه بن حسن امرأة من ولد الزّبير يقال لها فليحة، و كانت لها صبيّة يقال لها رخيّة، قد ربّتها لغير رشدة، و كانت من أجمل النساء وجها. فرأت محمدا و قد نظر إليها ذات يوم نظرا شديدا، ثم تمثّل قول جميل:

بثينة من صنف يقلّبن أيدي الرّمـ # اة و ما يحملن قوسا و لا نبلا

و لكنّما يظفرن بالصيد كلّما # جلون الثّنايا الغرّ و الأعين النّجلا

يخالسن ميعادا يرعن لقولها[1] # إذا نطقت كانت مقالتها فصلا

يرين قريبا بيتها و هي لا ترى # سوى بيتها بيتا قريبا و لا سهلا

فقالت له فليحة: كأنك تريد رخيّة!قال: إي و اللّه!قالت: إنّي أخشى أن تجي‏ء منك بولد و هي لغير رشدة. فقال لها: إنّ الدّنس لا يلحق الأعقاب و لا يضرّ الأحساب. فقالت له: فما يضرّ إذا!و اللّه ما يضرّ إلا الأعقاب و الأحساب، و قد وهبتها لك. فسرّ بذلك و قال: أما و اللّه لقد أعطيتك خيرا منها. قالت: و ما هو؟قال: أبيات جميل التي أنشدتك إيّاها؛ لقد مكثت أسعى في طلبها حولين. فضحكت و قالت: مالي و لأبيات جميل!و اللّه ما ابتغيت إلا مسرّتك. /قال: فولدت منه غلاما. و كانت فليحة تدعو اللّه ألاّ يبقيه. فبينا محمد في بعض هربه من المنصور و الجارية و ابنها معه إذ رهقهما الطلب، فسقط الصبيّ من الجبل فتقطّع. فكان محمد بعد ذلك يقول: أجيب في هذا الصبي دعاء فليحة.

نصح أبوه له فردّ عليه ردا أبكاه و أبكى الحاضرين، و شعره في ذلك‏

:

و قال الهيثم بن عديّ و أصحابه في أخبارهم:

لمّا نذر أهل بثينة دم جميل و أباحهم السلطان قتله، أعذروا إلى أهله. و كانت منازلهم متجاورة، إنما هم بيوتات يفترقون كما يفترق البطون و الأفخاذ و القبائل غير متباعدين؛ أ لم تر إلى/قول جميل:

أبيت مع الهلاّك‏[2]ضيفا لأهلها # و أهلي قريب موسعون أولو فضل‏

فمشت مشيخة الحيّ إلى أبيه-و كان يلقّب صباحا و كان ذا مال و فضل و قدر في أهله-فشكوه إليه و ناشدوه اللّه و الرّحم و سألوه كفّ ابنه عمّا يتعرّض له و يفضحهم به في فتاتهم؛ فوعدهم كفّه و منعه ما استطاع، ثم انصرفوا. فدعا به فقال له: يا بنيّ!حتى متى أنت عمه في ضلالك، لا تأنف من أن تتعلق بذات بعل يخلو بها و ينكحها و أنت عنها بمعزل ثم تقوم من تحته إليك فتغرّك بخداعها و تريك الصفاء و المودّة و هي مضمرة لبعلها ما تضمره الحرّة لمن [1]هذا الشطر هكذا في الأصول.

الهلاك: الصعاليك.

315

ملكها، فيكون قولها لك تعليلا و غرورا، فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة؛ إن هذا لذلّ و ضيم!ما أعرف أخيب سهما و لا أضيع عمرا منك. فأنشدك اللّه إلاّ كففت و تأملت أمرك؛ فإنك تعلم أنّ ما قلته حقّ، و لو كان إليها سبيل لبذلت ما أملكه فيها، و لكنّ هذا أمر قد فات و استبدّ به من قدّر له، و في النساء عوض.

فقال له جميل: الرأي ما رأيت، و القول كما قلت؛ فهل رأيت قبلي أحدا قدر أن يدفع عن/قلبه هواه، أو ملك أن يسلي نفسه، أو استطاع أن يدفع ما قضي عليه!و اللّه لو قدرت أن أمحو ذكرها من قلبي أو أزيل شخصها عن عيني لفعلت، و لكن لا سبيل إلى ذلك، و إنما هو بلاء بليت به لحين قد أتيح لي، و أنا أمتنع من طروق هذا الحيّ و الإلمام بهم و لو متّ كمدا؛ و هذا جهدي و مبلغ ما أقدر عليه. و قام و هو يبكي؛ فبكى أبوه و من حضر جزعا لما رأوا منه.

فذلك حين يقول جميل:

صوت‏

ألا من لقلب لا يملّ فيذهل # أفق فالتّعزي عن بثينة أجمل

سلا كلّ ذي ودّ علمت مكانه # و أنت بها حتى الممات موكّل

فما هكذا أحببت من كان قبلها # و لا هكذا فيما مضى كنت تفعل‏

*-الغناء لمالك ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق-*

فيا قلب دع ذكرى بثينة إنّها # و إن كنت تهواها تضنّ و تبخل

و قد أيأست من نيلها و تجهّمت # و لليأس إن لم يقدر النّيل أمثل

و إلاّ فسلها نائلا قبل بينها # و أبخل بها مسئولة حين تسأل

و كيف ترجّي وصلها بعد بعدها # و قد جدّ حبل الوصل ممن تؤمّل

و إنّ التي أحببت قد حيل دونها # فكن حازما، و الحازم المتحوّل

ففي اليأس ما يسلي و في الناس خلّة # و في الأرض عمّن لا يواتيك معزل

بدا كلف منّي بها فتثاقلت # و ما لا يرى من غائب الوجد أفضل

هبيني بريئا نلته بظلامة # عفاها لكم أو مذنبا يتنصّل

قناة[1]من المرّان ما فوق حقوها # و ما تحته منها نقّا يتهيّل‏

/قال و قال أيضا في هذه الحال:

صوت‏

أ عن ظعن الحيّ الألى كنت تسأل # بليل فردّوا عيرهم و تحمّلوا

فأمسوا و هم أهل الديار و أصبحوا # و من أهلها الغربان بالدار تحجل‏

-في هذين البيتين لسياط خفيف رمل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو- [1]في أكثر الأصول: «فتاة» . و في حـ «قذاة» و هما تحريف.

316

على

حين ولّى الأمر عنّا و أسمحت‏[1] # عصا البين و انبتّ الرجاء المؤمّل

فما هو إلاّ أن أهيم بذكرها # و يحظى بجدواها سواي و يجذل

و قد أبقت الأيّام منّي على العدا # حساما إذا مسّ الصريبة يفصل

و لست كمن إن سيم ضيما أطاعه # و لا كامرئ إن عضّه الدهر ينكل

لعمري لقد أبدى لي البين صفحه‏[2] # و بيّن لي ما شئت لو كنت أعقل

و آخر عهدي من بثينة نظرة # على موقف كادت من البين تقتل

فللّه عينا من رأى مثل حاجة # كتمتكها و النفس منها تململ

و إني لأستبكي إذا ذكر الهوى # إليك و إنّي من هواك لأوجل

نظرت ببشر نظرة ظلت أمتري # بها عبرة و العين بالدمع تكحل

إذا ما كررت الطّرف نحوك ردّه # من البعد فيّاض من الدمع يهمل‏[3]

ودع بثينة حين خروجه إلى الشأم‏

:

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب بن عباية قال:

/لمّا أراد جميل الخروج إلى الشأم، هجم ليلا على بثينة و قد وجد غفلة. فقالت له: أهلكتني و اللّه و أهلكت نفسك!ويحك!أ ما تخاف!. فقال لها: هذا وجهي إلى الشأم، إنما جئتك مودّعا. فحادثها طويلا ثم ودّعها، و قال: يا بثينة، ما أرانا نلتقي بعد هذا، و بكيا طويلا. ثم قال لها و هو يبكي:

ألا لا أبالي جفوة الناس ما بدا # لنا منك رأي يا بثين جميل

و ما لم تطيعي كاشحا أو تبدّلي # بنا بدلا أو كان منك ذهول

و إنّي و تكراري الزيارة نحوكم # بثين بذي هجر بثين يطول‏[4]

و إن صباباتي بكم لكثيرة # بثين و نسيانيكم لقليل‏

أمره مروان و أمر جواس بن قطبة بالحداء لمدحه فقالا شعرا في الفخر

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكار قال حدّثني شيوخ من عذرة:

أنّ مروان بن الحكم خرج مسافرا في نفر من قريش و معه جميل بن معمر و جوّاس بن قطبة أخو عبيد اللّه بن قطبة. فقال مروان لجوّاس: انزل فارجز بنا، و هو يريد أن يمدحه. فنزل جوّاس و قال:

يقول أميري هل تسوق ركابنا # فقلت له حاد لهنّ سوائيا

[1]أسمحت: سهلت و ذلت.

[2]الصفح: الجانب.

[3]في الأصول «مهمل» . و الذي في «كتب اللغة» : همل الدمع إذا سال.

[4]كذا ورد هذا البيت في الأصول.

317

تكرّمت عن سوق المطيّ و لم يكن # سياق‏[1]المطيّ همّتي و رجائيا

/جعلت أبي رهنا و عرضي سادرا # إلى أهل بيت لم يكونوا كفائيا

إلى شرّ بيت من قضاعة منصبا # و في شرّ قوم منهم قد بدا ليا[2]

/فقال مروان: اركب لا ركبت!. ثم قال لجميل: انزل فارجز بنا، و هو يريد أن يمدحه. فنزل جميل فقال:

أنا جميل في السّنام الأعظم # الفارع الناس الأعزّ الأكرم

أحمي ذماري و وجدت أقرمي # كانوا على غارب طود خضرم

أعيا على النّاس فلم يهدّم‏

فقال: عدّ عن هذا. فقال جميل:

لهفا على البيت المعدّي لهفا # من بعد ما كان قد استكفّا

و لو دعا اللّه و مدّ الكفّا # لرجفت منه الجبال رجفا

فقال له اركب لا ركبت!.

أمره الوليد بالحداء ليمدحه فقال شعرا في الفخر، و لم يمدح أحدا قط

:

قال الزّبير و حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّليّ قال:

كان جميل مع الوليد بن عبد الملك في سفر و الوليد على نجيب؛ فرجز به مكين العذريّ فقال:

يا بكر هل تعلم من علاكا # خليفة اللّه على ذراكا

فقال الوليد لجميل: انزل فارجز، و ظنّ الوليد أنه يمدحه. فنزل فقال:

أنا جميل في السّنام من معدّ # في الذّروة العلياء و الرّكن الأشدّ

و البيت من سعد بن زيد و العدد # ما يبتغي الأعداء منّي و لقد

أضري‏[3]بالشّتم لساني و مرد # أقود من شئت و صعب لم أقد

فقال له الوليد: اركب لا حملك اللّه!. قال: و ما مدح جميل أحدا قطّ.

هدّده الحزين الديلي فهجاه‏

:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا يونس بن عبد اللّه‏[4]بن سالم قال:

/وقف جميل على الحزين الدّيليّ و الحزين ينشد الناس. فقال له الحزين و هو لا يعرفه: كيف تسمع شعري؟ [1]في حـ: «سياقي» .

[2]كذا في ترجمة جواس (في الجزء التاسع عشر من «الأغاني» طبع بلاق ص 113) . و في الأصول هنا: «إلى خير بيت فيهم قد بدا ليا» .

[3]في كتاب «منتهى الطلب من أشعار العرب» : «أغرم» . و في الأصول: «أضر» . و ضرى بالشي‏ء (من باب فرح) لهج به، و أضراه بالشي‏ء ألهجه به.

[4]في جـ: «عبيد اللّه» .

318

قال: صالح وسط. فغضب الحزين و قال له: ممّن أنت؟فو اللّه لأهجونّك و عشيرتك!. فقال جميل: إذا تندم. فأقبل الحزين يهمهم يريد هجاءه. فقال جميل:

الدّيل أذناب بكر حين تنسبهم # و كلّ قوم لهم من قومهم ذنب‏

فقامت له بنو الدّيل و ناشدوه اللّه إلاّ كفّ عنهم، و لم يزالوا به حتى أمسك و انصرف.

راجز جوّاس بن قطبة حين ذكر أخته فغلبه‏

:

أخبرني الحرميّ و محمد بن مزيد-و اللفظ له-قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن الضحّاك عن أبيه قال:

لمّا هاجى عبيد اللّه بن قطبة جميلا و استعلى عليه جميل، أعرض عنه، و اعترضه أخوه جوّاس بن قطبة فهجاه و ذكر أختا لجميل. و كان جميل قبل ذلك يحتقره و لا ينصب‏[1]له، حتى هجا أخته فقال فيهما ذكرها به من شعره:

إلى فخذيها العبلتين و كانتا # بعهدي لفّاوين‏[2]أردفتا ثقلا

فغضب جميل حينئذ فواعده للمراجزة. قال الزّبير فحدّثني بعض آل العبّاس بن سهل بن سعد عن عبّاس قال:

قدمت من عند عبد الملك بن مروان و قد أجازني و كساني بردا، كان ذلك البرد أفضل جائزتي، فنزلت وادي القرى فوافقت الجمعة بها فاستخرجت بردي/الذي من عند عبد الملك و قلت أصلّي مع الناس؛ فلقيني جميل، و كان صديقا لي، فسلّم بعضنا على بعض و تساءلنا ثم افترقنا. فلما أمسيت إذا هو قد أتاني في رحلي/فقال: البرد الذي رأيته عليك تعيرنيه حتى أتجمّل به؛ فإنّ بيني و بين جوّاس مراجزة، و تحضر فتسمع. قال قلت: لا!بل هو لك كسوة، فكسوته إيّاه، و قلت لأصحابي: ما من شي‏ء أحبّ إليّ من أن أسمع مراجزتهما. فلمّا أصبحنا جعل الأعاريب يأتون أرسالا حتى اجتمع منهم بشر كثير، و حضرت و أصحابي، فإذا بجميل قد جاء و عليه حلّتان ما رأيت مثلهما على أحد قطّ، و إذا بردي الذي كسوته إيّاه قد جعله جلاّ لجمله؛ فتراجزا فرجز جميل، و كانت بثينة تكنى أمّ عبد الملك، فقال:

يا أمّ عبد الملك اصرميني # فبيني صرمى أو صليني

أبكي و ما يدريك ما يبكيني # أبكي حذار أن تفارقيني

و تجعلي أبعد منّي دوني # إنّ بني عمّك أوعدوني

أن يقطعوا رأسي إذا لقوني # و يقتلوني ثم لا يدوني‏[3]

كلاّ و ربّ البيت لو لقوني # شفعا و وترا لتواكلوني‏[4]

قد علم الأعداء أنّ دوني # ضربا كإيزاغ‏[5]المخاض الجون‏

[1]كذا في‏ء، أ، م. و نصب له: عاداه و تجرّد له. و في سائر الأصول: «و لا ينصت له» .

[2]لفاوان: ضخمتان مكتنزتا اللحم.

[3]وداه بديه: دفع ديته.

[4]أي وكلني بعضهم إلى بعض خوفا مني وجبنا.

[5]الإيزاغ: إخراج البول دفعة واحدة. و الحوامل توزغ بأبوالها، و الطعنة توزغ بالدم.

319

ألا أسبّ القوم إذ سبّوني # بلى و ما مرّ على دفين‏[1]

و سابحات بلوي الحجون‏[2] # قد جرّبوني ثم جرّبوني

حتى إذا شابوا و شيّبوني # أخزاهم اللّه و لا يخزيني

أشباه أعيار على معين‏[3] # أحسن حسّ أسد حرون

فهنّ يضرطن من اليقين # أنا جميل فتعرّفوني

/و ما تقنّعت فتنكروني # و ما أعيّنكم لتسألوني

أنمى إلى عاديّة طحون # ينشقّ عنها السّيل ذو الشئون

غمر يدقّ رجح‏[4]السّفين # ذو حدب‏[5]إذا يرى حجون

تنحلّ أحقاد الرجال دوني‏

قال: و رجز جميل أيضا:

أنا جميل في السّنام من معدّ

و قد تقدّمت هذه الأرجوزة. ثم رجز بعده جوّاس فلم يصنع شيئا. قال: فما رأيت غلبة مثلها قطّ.

هجا خوّاتا العذريّ و بني الأحب‏

:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا بهلول بن سليمان عن العلاء بن سعيد البلويّ و جماعة غيره من قومه:

أنّ رجلا من بني عذرة كان يقال له خوّات، أمّه بلويّة، و كان شاعرا، و كان جميل ابن جذاميّة. فخرج جميل إلى أخواله بجذام و هو يقول:

جذام سيوف اللّه في كلّ موطن # إذا أزمت يوم اللّقاء أزام‏[6]

هم منعوا ما بين مصر فذي القرى # إلى الشأم من حلّ به و حرام

بضرب يزيل الهام عن سكناته‏[7] # و طعن كإيزاغ المخاض تؤام

/إذا قصرت يوما أكفّ قبيلة # عن المجد نالته أكفّ جذام‏

فأعطوه مائة بكرة. قال: و خرج خوّات إلى أخواله من بليّ و هو يقول:

إنّ بليّا غرّة يهتدى بها # كما يهتدي الساري بمطلع النجم

هم ولدوا أمّي و كنت ابن أختهم # و لم أتخوّل‏[8]جذم قوم بلا علم‏

[1]دفين: موضع.

[2]الحجون: جبل بأعلى مكة.

[3]الأعيار: الحمر. و المعين: الماء العذب الغزير.

[4]الرجح من السفن: الثقيلة الموقرة.

[5]حدب السيل: ارتفاعه. و حجون: بعيد.

[6]أزام: شدّة، و هو مبني على الكسر.

[7]السكنة (بفتح فكسر) : مقر الرأس من العنق.

[8]تخوّل: اتخذ خالا. و في الأصول: «أتحوّل» بالحاء المهملة، و هو تصحيف. و الجذم: الأصل.

320

/قال: فأعطوه مائة غرّة ما بين فرس إلى وليدة؛ ففخر على صاحبه، و ذكر أن الغرّة الواحدة ممّا أتى به ممّا معه تعدل كلّ شي‏ء أتى به جميل. فقال عبيد اللّه بن قطبة:

ستقضي بيننا حكماء سعد # أ قطبة كان خيرا أم صباح‏

قال: و كان عبد اللّه بن معمر أبو جميل يلقّب صباحا. و كان عبيد اللّه بن قطبة يلقّب حماظا[1]. فقال النّخار العذريّ أحد بني الحارث بن سعد: قطبة[2]كان خيرا من صباح. فقال جميل يهجو بني الأحبّ رهط قطبة و يهجو النّخّار:

إنّ أحبّ سفّل‏[3]أشرار # حثالة عودهم خوّار

أذلّ قوم حين يدعى الجار # كما أذلّ الحارث النّخّار

و قال الأبيرق العتبي‏[4]: قطبة كان خيرا من صباح. فقال جميل:

يا بن الأبيرق و طب بتّ‏[5]مسنده # إلى وسادك من حمّ الذّرى جون

و أكلتان إذا ما شئت مرتفقا # بالسير من نغل الدفين مدهون‏[6]

أذكر[7]و أمّك منّي حين تنكبني‏[8] # جنّي فيغلب جنّي كلّ مجنون‏

/و قال جماعة من شعراء سعد في تفضيل قطبة على صباح أقوالا أجابهم عنها جميل فأفحمهم؛ حتى قال له جعفر بن سراقة أحد بني قرّة:

نحن منعنا ذا القرى من عدوّنا # و عذرة إذ نلقى يهودا و يعشرا[9]

منعناه من عليا معدّ و أنتم # سفاسيف روح بين قرح‏[10]و خيبرا

فريقان رهبان بأسفل ذي القرى # و بالشأم عرّافون فيمن تنصّرا

فلمّا بلغت جميلا اتّقاه و علم أنه سيعلو عليه؛ فقال جميل:

بنى عامر أنّى انتجعتم و كنتم # إذا حصّل الأقوام كالخصية الفرد

فأنتم و لأيّ موضع الذّلّ حجرة # و قرّة أولى بالعلاء و بالمجد

[1]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «حلماطا» . و ليس لدينا ما يرجح إحدى الروايتين.

[2]في الأصول «... الحارث بن سعد بن قطبة... إلخ» و هو تحريف.

[3]كذا في أكثر الأصول، و السفل: جمع سافل و هو الدني‏ء، و يقال لأسافل الناس و غوغائهم: سفلة (بفتح فكسر) و سفلة (بكسر فسكون) و العامة تقول رجل سفلة (بفتح فكسر) من قوم سفل (بفتح فكسر) قال ابن الأثير و ليس بعربيّ. و في حـ: «قزم أشرار» و القزم (بفتحين أو بضمتين) : اللئام.

[4]في ب، س: «القيني» .

[5]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «أنت مسنده» .

[6]لم نهتد إلى وجه الصواب في هذا البيت و قد أثبتنا صورته كما وردت في الأصول، فهو هكذا في ب، س. و في حـ هكذا: «من نعل الدي فين» . و في م، أ، ء هكذا: «من بغل الذي فين» .

[7]في ب، س، حـ: «أزكى و أمك... » . و هو تحريف.

[8]في م، أ، ء: «تنكثني» .

[9]كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «و بعثرا» . و لم نهتد إلى وجه الصواب فيه.

[10]السفساف: التراب الدقيق. و الروح: الريح. و قرح: سوق وادي القرى و قصبتها.

321

فأعرض عنه جعفر-قال الزبير: بنو عامر بن ثعلبة بن عبد اللّه بن ذبيان بن الحارث بن سعد رهط هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حيّة بن الكاهن و هو سلمة بن أسحم بن عامر بن ثعلبة بن عبد اللّه بن ذبيان بن سعد هذيم بن زيد. و زيادة ابن زيد بن مالك بن عامر بن قرّة بن خنبس بن عمرو بن ثعلبة بن عبد اللّه‏[1]بن ذبيان بن الحارث بن سعد هذيم.

و لأي بن عبد مناة بن الحارث بن سعد هذيم-قال: فدخل جميل على هدبة بن خشرم السجن و هو محبوس بدم زيادة بن زيد، و أهدى له بردين من ثياب كساه إيّاهما سعيد بن العاصي، و جاءه بنفقة؛ فلما دخل عليه عرض ذلك عليه؛ فقال هدبة: أنت يا بن قميئة[2]الذي تقول:

بني عامر أنّى انتجعتم و كنتم # إذا عدّد الأقوام كالخصية الفرد

/أما و اللّه لئن خلّص اللّه لي ساقيّ لأمدّنّ لك مضامرك؛ خذ برديك و نفقتك. فخرج جميل؛ فلما بلغ باب السجن خارجا قال: اللهمّ أغن عنّي أجدع بني عامر!. و كانت بنو عامر قد قلّوا فحالفوا لأيا.

لقي عمر بن أبي ربيعة و تناشدا الشعر و فضله على نفسه‏

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء و محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المخزوميّ قال حدّثني شيخ من أهلي عن أبيه عن الحارث مولى هشام بن المغيرة الذي يقول له عمر بن أبي ربيعة:

يا أبا الحارث قلبي طائر

قال: شهدت عمر بن أبي ربيعة و جميل بن عبد اللّه بن معمر و قد اجتمعا بالأبطح؛ فأنشد جميل قصيدته:

لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي # بثينة أو أبدت لنا جانب البخل

يقولون مهلا يا جميل و إنني # لأقسم ما بي من بثينة من مهل

أ حلما فقبل اليوم كان أوانه # أم أخشى فقبل اليوم أوعدت بالقتل

لقد أنكحوا حربي نبيها ظعينة # لطيفة طيّ البطن ذات شوى خذل

و كم قد رأينا ساعيا بنميمة # لآخر لم يعمد بكفّ و لا رجل

ا إذ ما تراجعنا الذي كان بيننا # جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل‏

صوت‏

كلانا بكى أو كاد يبكي صبابة # إلى إلفه و استعجلت عبرة قبلي

فلو تركت عقلي معي ما طلبتها # و لكن طلابيها لما فات من عقلي

فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بها # و يا ويح أهلي ما أصيب به أهلي‏

[1]في الأصول: «ابن عمرو بن عبد اللّه بن ثعلبة بن ذبيان إلخ» .

[2]القميئة: الذليلة.

322

/

و قالت لأتراب لها لا زعانف # قصار و لا كسّ الثّنايا و لا ثعل‏[1]

إذا حميت شمس النّهار اتقينها # بأكسية الدّيباج و الخزّ ذي الخمل

تداعين فاستعجمن مشيا بذي الغضا # دبيب القطا الكدريّ في الدّمث السّهل

إذا ارتعن أو فزّعن قمن حوالها # قيام بنات الماء في جانب الضّحل‏[2]

أجدّي لا ألقى بثينة مرّة # من الدهر إلا خائفا أو على رجل‏[3]

خليليّ فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي‏

قال: و أنشده عمر قوله:

جرى ناصح بالودّ بيني و بينها # فقرّبني يوم الحصاب إلى قتلي

فما أنس م الأشياء أنس موقفي # و موقفها وهنا[4]بقارعة النخل

فلمّا تواقفنا عرفت الذي بها # كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل

فقلن لها هذا عشاء و أهلنا # قريب أ لمّا تسأمي مركب البغل

فقالت فما شئتنّ قلن لها انزلي # فللأرض خير من وقوف على رحل

فأقبلن أمثال الدّمى فاكتنفنها # و كلّ يفدّي بالمودّة و الأهل

نجوم دراريّ تكنّفن صورة # من البدر وافت غير هوج و لا ثجل‏[5]

/فسلّمت و استأنست خيفة أن يرى # عدوّ مكاني أو يرى كاشح فعلي

فقالت و ألقت جانب السّتر إنما # معي فتحدّث غير ذي رقبة أهلي

/فقلت لها ما بي لهم من ترقّب # و لكنّ سرّي ليس يحمله مثلي

فلما اقتصرنا دونهن حديثنا # و هنّ طيبات بحاجة ذي التّبل‏[6]

عرفن الذي نهوى‏[7]فقلن ائذني لنا # نطف ساعة في برد ليل و في سهل

فقالت فلا تلبثن قلن تحدّثي # أتيناك و انسبن انسياب مها الرمل

و قمن و قد أفهمن ذا اللّبّ أنما # أتين الذي يأتين من ذاك من أجلي‏

[1]الزعانف: جمع زعنفة و هي القصيرة. و الكس: جمع كساء. و الكسس: قصر الأسنان و صغرها. و الثعل: جمع ثعلاء. و الثعل:

زيادة سن أو دخول سن تحت أخرى.

[2]بنات الماء: الطيور التي تلازم الماء. و الضحل: الماء القليل.

[3]الرجل: الخوف أو الفزع من فوت الشي‏ء، يقال أنا من أمرى على رجل أي على خوف من قوته. و في ب، س: «على رحل» بالحاء المهملة.

[4]كذا في أكثر الأصول و «ديوان عمر بن أبي ربيعة» (طبع أوروبا) . و في ب، س: «يوما بفارغة النخل» .

[5]ثجل: جمع ثجلاء، وصف من الثجل و هو عظم البطن و استرخاؤه، و يروى: «و لا عجل» .

[6]كذا في «ديوانه» . و التبل: أن يسقم الهوى الإنسان. و في الأصول: «ذي الشكل» .

[7]في «ديوانه» : «تهوى» بالتاء.

323

فقال جميل: هيهات يا أبا الخطّاب: لا أقول و اللّه مثل هذا سجيس‏[1]الليالي!و ما خاطب النساء مخاطبتك أحد؛ و قام مشمّرا.

نسبة ما في هذا الخبر من «الأغاني»

صوت‏

خليليّ فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي

أبيت مع الهلاّك ضيفا لأهلها # و أهلي قريب موسعون ذوو فضل

فلو تركت عقلي معي ما طلبتها # و لكن طلابيها لما فات من عقلي‏

الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. و ذكر حمّاد و الهشاميّ أن فيه لنافع الخير مولى عبد اللّه بن جعفر لحنا من الثقيل الأوّل.

و منها:

صوت‏

ألا أيّها البيت الذي حيل دونه # بنا أنت من بيت‏[2]و أهلك من أهل

/ثلاثة أبيات فبيت أحبّه # و بيتان ليسا من هواي و لا شكلي

كلانا بكى أو كاد يبكي صبابة # إلى إلفه و استعجلت عبرة قبلي‏

الغناء لإسحاق خفيف ثقيل الثاني بالبنصر.

و منها:

صوت‏

لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي # بثينة أو أبدت لنا جانب البخل

يقولون مهلا يا جميل و إنني # لأقسم ما بي عن بثينة من مهل‏

الغناء لابن محرز من كتاب يونس و لم يجنّسه، و ذكر إسحاق أنه مما ينسب إلى ابن محرز و ابن مسجح، و لم يصحّ عنده لأيّهما هو و لا ذكر طريقته.

غنى نافع الخير يزيد بن معاوية من شعره‏

:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني غير واحد من الرواة عن صالح بن حسّان قال أخبرني نافع مولى عبد اللّه بن جعفر-و ما رأيت أحدا قطّ كان أشكل ظرفا و لا أزين في مجلس و لا أحسن غناء منه-قال:

قدمنا مع عبد اللّه بن جعفر مرّة على معاوية؛ فأرسل إليّ يزيد يدعوني ليلا؛ فقلت: أكره أن يعلم أمير المؤمنين مكاني عندك فيشكوني إلى ابن جعفر. قال فامهل حتى إذا سمر أمير المؤمنين فإن ابن جعفر يكون معه فلا يفتقدك [1]سجيس الليالي: طول الليالي.

[2]في ب، س:

بنا أنت من بيتى و أهلك من أهلى‏

ـ

324

و نخلو نحن بما نريد قبل قيامهما. /فأتيته فغنّيته؛ فو اللّه ما رأيت فتى أشرف أريحيّة منه؛ و اللّه لألقى عليّ من الكسا الخزّ و الوشي و غيره ما لم أستطع حمله، ثم أمر لي بخمسمائة دينار. قال: و ذهب بنا الحديث و ما كنّا فيه، حتى قام معاوية و نهض ابن جعفر معه، و كان باب يزيد في سقيفة معاوية؛ فسمع صوتي، فقال لابن جعفر: ما هذا يا بن جعفر؟قال: هذا و اللّه صوت نافع. فدخل علينا؛ فلما أحسّ به يزيد تناوم. /فقال له معاوية: مالك يا بنيّ؟قال:

صدعت فرجوت أن يسكن عنّي بصوت هذا. قال: فتبسّم معاوية و قال: يا نافع، ما كان أغنانا عن قدومك!. فقال له ابن جعفر: يا أمير المؤمنين، إن هذا في بعض الأحايين يذكي‏[1]القلب. قال: فضحك معاوية و انصرف. فقال لي ابن جعفر: ويلك!هل شرب شيئا؟قلت: لا و اللّه. قال: و اللّه إنّي لأرجو أن يكون من فتيان بني عبد مناف الذين ينتفع بهم. قال نافع: ثم قدمنا على يزيد مع عبد اللّه بن جعفر بعد ما استخلف، فأجلسه معه على سريره و دخلت حاشيته تسلّم عليه و دخلت معهم. فلما نظر إليّ تبسّم. ثم نهض ابن جعفر و تبعناه. فقيل له: نظر إلى نافع و تبسم.

فقال ابن جعفر: هذا تأويل تلك الليلة. فقضى حوائج ابن جعفر و أضعف ما كان يصله به معاوية. فلما أراد الانصراف أتاه يودعه و نحن معه؛ فأرسل إليّ يزيد فدخلت عليه. قال: ويحك يا نافع!ما أخّرتك إلا لأتفرّغ لك.

هات لحنك:

خليليّ فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي‏

فأسمعته؛ فقال: أعد ويلك!فأعدته، ثم قال: أعد فأعدته ثلاثا. فقال: أحسنت؛ فسل حاجتك. فما سألته في ذلك اليوم شيئا إلا أعطانيه. ثم قال: إن يصلح لنا هذا الأمر من قبل ابن الزّبير فلعلّنا أن نحجّ فتلقانا بالمدينة!فإنّ هذا الأمر لا يصلح إلاّ هناك. قال نافع: فمنعنا و اللّه من ذلك شؤم ابن الزّبير.

سأله عمر بن أبي ربيعة عن بثينة فذهب إليها و حدثها

:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفريّ قال حدّثنا القاسم بن أبي الزّناد قال:

/خرج عمر بن أبي ربيعة يريد الشأم، فلما كان بالجناب‏[2]لقيه جميل؛ فقال له عمر: أنشدني، فأنشده:

خليليّ فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي‏

ثم قال جميل: أنشدني يا أبا الخطّاب، فأنشده:

أ لم تسأل الأطلال و المتربّعا # ببطن حليّات دوارس بلقعا

فلما بلغ إلى قوله:

فلما توافقنا و سلّمت أشرقت # وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا

تبالهن بالعرفان لمّا عرفنني‏[3] # و قلن امرؤ باغ أكلّ و أوضعا

[1]في ب، س: «يذكر» .

[2]الجناب: موضع في أرض كلب في السماوة بين العراق و الشام.

[3]في ب، س: «رأينني» .

325

و قرّبن أسباب الهوى لمتيّم # بقيس ذراعا كلّما قسن إصبعا

قال: فصاح جميل و استخذى و قال: ألا إن النّسيب أخذ من هذا، و ما أنشده حرفا، فقال له عمر: اذهب بنا إلى بثينة حتى نسلّم عليها. فقال له جميل: قد أهدر لهم السلطان دمي إن وجدوني عندها، و هاتيك أبياتها. فأتاها عمر حتى وقف على أبياتها و تأنّس حتى كلّم؛ فقال: /يا جارية، أنا عمر بن أبي ربيعة، فأعلمي بثينة مكاني. فخرجت إليه بثينة في مباذلها و قالت: و اللّه يا عمر لا أكون من نسائك اللاّتي يزعمن أن قد قتلهنّ الوجد بك؛ فانكسر عمر؛ قال و إذا امرأة أدماء طوالة.

و أخبرني بهذا الخبر عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن المسيّبيّ و الزّبير فذكر مثل ما ذكره الزبير و زاد فيه قال: فقال لها قول جميل:

/

و هما قالتا لو أنّ جميلا # عرض اليوم نظرة فرآنا

بينما ذاك منهما و إذا بي‏[1] # أعمل النّصّ‏[2]سيرة زفيانا

نظرت نحو تربها ثم قالت # قد أتانا-و ما علمنا-منانا

فقالت: إنه استملى منك فما أفلح؛ و قد قيل: اربط الحمار مع الفرس، فإن لم يتعلّم من جريه تعلّم من خلقه.

لقي بثينة و رصده أهلها فهددهم ثم هجرته بثينة و شعره في ذلك‏

:

و ذكر الهيثم بن عديّ و أصحابه في أخبارهم: أن جميلا طال مقامه بالشأم ثم قدم، و بلغ بثينة خبره فراسلته مع بعض نساء الحيّ تذكر شوقها إليه و وجدها به و طلبها للحيلة في لقائه، و واعدته لموضع يلتقيان فيه؛ فسار إليها و حدّثها طويلا و أخبرها خبره بعدها. و قد كان أهلها رصدوها، فلما فقدوها تبعها أبوها و أخوها حتى هجما عليهما، فوثب جميل فانتضى سيفه و شدّ عليهما فاتّقياه بالهرب؛ و ناشدته بثينة اللّه إلاّ انصرف، و قالت له: إن أقمت فضحتني، و لعل الحيّ أن يلحقوك. فأبى و قال: أنا مقيم و امضي أنت و ليصنعوا ما أحبّوا. فلم تزل تناشده حتى انصرف. و قال في ذلك و قد هجرته و انقطع التلاقي بينهما مدّة:

أ لم تسأل الربع الخلاء فينطق # و هل تخبرنك اليوم بيداء سملق‏[3]

وقفت بها حتى تجلّت عمايتي # و ملّ الوقوف الأرحبيّ‏[4]المنوّق

تعزّ و إن كانت عليك كريمة # لعلّك من رقّ لبثنة تعتق

لعمركم إن البعاد لشائقي # و بعض بعاد البين و النأي أشوق

/لعلّك محزون و مبد صبابة # و مظهر شكوى من أناس تفرّقوا

و بيض غريرات تثنّي خصورها # إذا قمن أعجاز ثقال و أسؤق‏

[1]كذا في حـ و في سائر الأصول: «و أتاني» و هو تحريف.

[2]النص: السير الشديد. و زفيانا: سريعا.

[3]سملق: مقفرة لا نبات بها. و قد وردت هذه القصيدة. في «منتهى الطلب من أشعار العرب» مختلفة الألفاظ عما هنا.

[4]الأرحبيّ: النجيب من الإبل، ينسب إلى قبيلة بني أرحب. و المنوّق: الذلول.

326

غرائز لم يلقين بؤس معيشة # يجنّ بهنّ الناظر[1]المتنوّق

و غلغلت‏[2]من وجد إليهنّ بعد ما # سريت و أحشائي من الخوف تخفق

معي صارم قد أخلص القين صقله # له حين أغشيه الضّريبة رونق

فلو لا احتيالي ضقن ذرعا بزائر # به من صبابات إليهنّ أولق‏[3]

تسوك بقضبان الأراك مفلّجا # يشعشع فيه الفارسيّ‏[4]المروّق

أ بثنة للوصل الذي كان بيننا # نضا مثل ما ينضوا الخضاب فيخلق

أ بثنة ما تنأين إلا كأنّني # بنجم الثّريّا ما نأيت معلّق‏

أنشد إسحاق الرشيد أحسن شعره في العتاب‏

:

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:

دخلت على الرشيد يوما فقال لي: يا إسحاق، أنشدني أحسن ما تعرف في عتاب محبّ و هو ظالم متعتّب‏[5].

/فقلت: يا أمير المؤمنين قول جميل:

رد الماء ما جاءت بصفو ذنائبه‏[6] # ودعه إذا خيضت بطرق‏[7]مشاربه

أعاتب من يحلو لديّ عتابه # و أترك من لا أشتهي و أجانبه

و من لذّة الدنيا و إن كنت ظالما # عناقك مظلوما و أنت تعاتبه‏

/فقال: أحسن و اللّه!أعدها عليّ؛ فأعدتها حتى حفظها، و أمر لي بثلاثين ألف درهم و تركني و قام فدخل إلى دار الحرم.

ذهب معه صديق له إلى بثينة فطارده أهلها فرجع‏

:

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن السّعيديّ‏[8]قال: حدّثني رجل كان يصحب جميلا من أهل تيماء قال:

كنت يوما جالسا مع جميل و هو يحدّثني و أحدّثه، إذ ثار و تربّد وجهه، فأنكرته و رأيت منه غير ما كنت أرى، و وثب نافرا مقشعرّ الشعر متغيّر اللون، حتى أتي بناقة له قريبة من الأرض مجتمعة موثّقة الخلق فشدّ عليها رحله، ثم أتي بمحلب فيه لبن فشربه، ثم ثنّى فشربت حتى رويت؛ ثم قال لي: اشدد أداة رحلك و اشرب و اسق جملك [1]تنوّق في أموره: جوّد و بالغ.

[2]غلغل الرجل: دخل في تعب و شدّة. و في «ديوان منتهى الطلب من أشعار العرب» : «تنضيت» و معناها: هزلت.

[3]الأولق: الجنون.

[4]الفارسيّ: من أسماء الخمر.

[5]متعتب: متجنّ.

[6]الذنائب: جمع ذنوب و هي الدلو العظيمة.

[7]الطرق: أن تبول الإبل في الماء و تبعر فتكدره. و يقال للماء الذي خوّضته الإبل فبالت فيه و بعرت: مطروق و طرق.

[8]في ب، س: «السعدي» .

327

فإني ذاهب بك إلى بعض مذاهبي، ففعلت. فجال في ظهر ناقته و ركبت ناقتي، فسرنا بياض يومنا و سواد ليلتنا، ثم أصبحنا فسرنا يومنا كلّه، لا و اللّه ما نزلنا إلا للصّلاة، فلما كان اليوم الثالث دفعنا إلى نسوة فمال إليهنّ، و وجدنا الرجال خلوفا[1]، و إذا قدر لبن ثمّ و قد جهدت جوعا و عطشا. فلما رأيت القدر اقتحمت عن بعيري و تركته جانبا، ثم أدخلت رأسي في القدر ما يثنيني حرّها حتى رويت؛ فذهبت أخرج رأسي من القدر فضاقت عليّ و إذا هي على رأسي قلنسية، فضحكن منّي و غسلن ما أصابني. و أتي جميل بقرى فو اللّه ما التفت إليه. فبينا هو يحدّثهنّ إذا رواعي‏[2]الإبل، و قد كان السلطان أحلّ لهم دمه إن وجدوه في بلادهم؛ و جاء الناس فقالوا له: ويحك!انج و تقدّم! فو اللّه ما أكبرهم كلّ الإكبار. و غشيه الرجال فجعلوا يرمونه و يطردونه، فإذا قربوا منه قاتلهم و رمى فيهم. و هام بي جملي، فقال لي يسّر: /لنفسك مركبا خلفي، فأردفني خلفه. و لا و اللّه ما انكسر و لا انحلّ عن فرصته‏[3]حتى رجع إلى أهله، و قد سار ستّ ليال و ستة أيّام و ما التفت إلى طعام.

لامه فيها روق ابن عمه و لما رأى ما به احتال في زيارته لها و شعره في ذلك‏

:

و شكا زوج بثينة إلى أبيها و أخيها إلمام جميل بها؛ فوجّهوا إلى جميل فأعذروا إليه و شكوه إلى عشيرته و أعذروا إليهم و توعّدوه و إيّاهم. فلامه أهله و عنّفوه و قالوا: استخلص إليهم و نبرأ منك و من جريرتك. فأقام مدّة لا يلمّ بها. ثم لقي ابني عمّه روقا و مسعدة، فشكا إليهما ما به و أنشدهما قوله:

صوت‏

زورا بثينة فالحبيب مزور # إن الزيارة للمحبّ يسير

إنّ الترحّل، إن تلبّس أمرنا # و اعتاقنا قدر أحمّ، بكور

-الغناء لعريب رمل بالوسطى-

صوت‏

إنّي عشيّة رحت و هي حزينة # تشكو إليّ صبابة لصبور

/و تقول بت عندي فديتك ليلة # أشكو إليك فإنّ ذاك يسير

-الغناء لسليم خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. و فيه ثقيل أوّل بالبنصر ذكر الهشاميّ أنه لمخارق، و ذكر حبش أنه لإبراهيم. و ذكر حبش أن لحن مخارق خفيف رمل-

غرّاء مبسام كأنّ حديثها # درّ تحدّر نظمه منثور

محطوطة[4]المتنين مضمرة الحشى # ريّا الرّوادف خلقها ممكور

/لا حسنها حسن و لا كدلالها # دلّ و لا كوقارها توقير

[1]خلوفا: غيبا.

[2]المراد هنا الإبل الراعية لا الرعاة الذين يرعونها فإن جمع الراعي رعاة و رعاء و رعيان.

[3]الفرصة: القطعة من الصوف و القطن. و لعله يريد ما وضعه على رحل بعيره و جعله تحته.

[4]محطوطة المتنين: ممدوتهما. و في الأصول: «مخطوطة المتنين» بالخاء المعجمة، و هو تصحيف.

328

إنّ اللسان بذكرها لموكّل # و القلب صاد و الخواطر صور[1]

و لئن جزيت الودّ منّي مثله # إني بذلك يا بثين جدير

فقال له روق: إنك لعاجز ضعيف في استكانتك لهذه المرأة و تركك الاستبدال بها مع كثرة النساء و وجود من هو أجمل منها، و إنّك منها بين فجور أرفعك عنه، أو ذلّ لا أحبّه لك، أو كمد يؤدّيك إلى التّلف، أو مخاطرة بنفسك لقومها إن تعرّضت‏[2]لها بعد أعذارهم إليك. و إن صرفت نفسك عنها و غلبت هواك فيها و تجرّعت مرارة الحزم حتى تألفها و تصبر نفسك عليها طائعة أو كارهة ألفت ذلك و سلوت. فبكى جميل و قال: يا أخي، لو ملكت اختياري لكان ما قلت صوابا، و لكني لا أملك الاختيار و لا أنا إلاّ كالأسير لا يملك لنفسه نفعا، و قد جئتك لأمر أسألك ألاّ تكدر ما رجوته عندك فيه بلوم، و أن تحمل على نفسك في مساعدتي. فقال له: فإن كنت لا بدّ مهلكا نفسك فاعمل على زيارتها ليلا؛ فإنها تخرج مع بنات عمّ لها إلى ملعب لهنّ، فأجي‏ء معك حينئذ سرّا، و لي أخ من رهط بثينة من بني الأحبّ، نأوي عنده نهارا، و أسأله مساعدتك على هذا، فتقيم عنده أيّاما نهارك و تجتمع معها بالليل إلى أن تقضي أربك؛ فشكره. و مضى روق إلى الرجل الذي من رهط بثينة، فأخبره الخبر و استعهده كتمانه و سأله مساعدته فيه.

فقال له: لقد جئتني بإحدى العظائم؛ ويحك!إن في هذا معاداتي الحيّ جميعا إن فطن به. فقال: أنا أتحرّز في أمره من أن يظهر، فواعده في ذلك؛ و مضى إلى جميل فأخبره بالقصة، فأتيا الرجل ليلا فأقاما عنده. و أرسل إلى بثينة بوليدة له بخاتم جميل فدفعته إليها؛ فلما رأته عرفت، فتبعتها و جاءته فتحدّثا ليلتهما. و أقام بموضعه ثلاثة أيام ثم ودّعها، /و قال لها: عن غير قلى و اللّه و لا ملل يا بثينة كان وداعي لك، و لكنّي قد تذممت من هذا الرجل الكريم و تعريضه نفسه لقومه، و أقمت عنده ثلاثا و لا مزيد على ذلك، ثم انصرف. و قال في عذل روق ابن عمه إيّاه:

لقد لامني فيها أخ ذو قرابة # حبيب إليه في ملامته رشدي

و قال أفق حتى متى أنت هائم # ببثنة فيها قد تعيد و قد تبدي

فقلت له فيها قضى اللّه ما ترى # عليّ و هل فيما قضى اللّه من ردّ

فإن بك رشدا حبّها أو غواية # فقد جئته ما كان منّي على عمد

صوت‏

لقد لجّ ميثاق من اللّه بيننا # و ليس لمن لم يوف اللّه من عهد

فلا و أبيها الخير ما خنت عهدها # و لا لي علم بالذي فعلت بعدي

و ما زادها الواشون إلا كرامة # عليّ و ما زالت مودّتها عندي‏

-الغناء لمتيّم ثقيل أوّل عن الهشاميّ، و ذكر ابن المعتزّ أنه لشارية، و ذكر ابن خرداذبه أنه لقلم الصالحيّة-

أ في الناس أمثالي أحبّ فحالهم # كحالي أم أحببت من بينهم و حدي‏

[1]صور: مائلات.

[2]في الأصول: «تعذرت» و ليس لها معنى مناسب.