الأغاني - ج18

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
503 /
309

بوجّ و ما بالي بوجّ و بالها[1] # و من يلق يوما جدّة الحبّ يخلق‏

عروضه من الطويل، الشعر لخفاف بن ندبة، و الغناء لابن محرز خفيف ثقيل أول بالسّبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، و فيه لابن سريج ثاني ثقيل بالسباب في مجرى البنصر عن إسحاق أيضا، و ذكر عمرو بن بانة أن فيه لحنا لمعبد ثاني ثقيل بالوسطى، و فيه لعلّويه خفيف رمل بالوسطى، و فيه للقاسم بن زرزور[2]خفيف رمل آخر صحيح في غنائه، و فيه لابن مسجح ثقيل أول، عن إبراهيم، و يحيى المكيّ، و الهشاميّ، و فيه لمخارق رمل بالبنصر.

[1]ف، بيروت: «ألحت بنوح ما لنوح و ما لها» .

[2]في هب: «زرور» . و في ف: «زرزر» .

310

5-أخبار خفاف و نسبه‏

هو خفاف بن عمير[1]بن الحارث بن الشّريد بن رياح بن يقظة بن عصيّة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، و ندبة أمه و هي أمة سوداء، و كان خفاف أسود أيضا، و هو شاعر من شعراء الجاهلية و فارس من فرسانهم، و جعله ابن سلاّم في الطبقة الخامسة من الفرسان مع مالك بن نويرة، و مع ابني عمّه صخر و معاوية ابني عمرو بن الشريد، و مالك بن حمار الشّمخي‏[2].

أحد فرسان العرب و أغربتهم‏

أخبرني أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلام، قال:

كان خفاف بن ندبة-و هي أمه-فارسا شجاعا شاعرا، و هو أحد أغربة العرب‏[3]، و كان هو و معاوية بن الحارث بن الشّريد أغار على بني ذبيان يوم حوزة[4]، فلما قتلوا معاوية بن عمرو قال خفاف: و اللّه لا أريم اليوم أو أقيد به سيّدهم، فحمل على مالك بن حمار و هو يومئذ فارس بني فزارة و سيّدهم فطعنه فقتله، و قال:

فإن تك خيلي قد أصيب صميمها # فعمدا على عيني تيمّمت مالكا

رفعت له ما جرّ إذ جرّ موته‏[5] # لأبني مجدا أو لأثأر هالكا

أقول له و الرّمح يأطر متنه: # تأمّل خفافا إنّني أنا ذلكا[6]

/قال ابن سلاّم: و هو الذي يقول:

/

يا هند يا أخت بني الصّارد # ما أنا بالباقي و لا الخالد

إن أمس لا أملك شيئا فقد # أملك أمر المنسر الحارد[7]

في هذين البيتين لعبيد اللّه بن أبي غسّان خفيف ثقيل أول بالبنصر عن الهشاميّ.

ينال من العباس بن مرداس، و العباس يرد عليه‏

أخبرني عمّي، عن عبد اللّه بن سعد، عن أحمد بن عمر، عن عمر[8]بن خالد بن عاصم بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، عن الحجاج السّلميّ قال:

[1]في هب، ب: «عمرو» .

[2]في «المختار» : «مالك بن حماد الجشمي» . و في ب: «مالك بن حماد الشحمي» .

[3]أغربة العرب: سودانهم، منهم جاهليون و إسلاميون. انظر «المحيط» (غرب) .

[4]في ف: «يوم الحريرة» ، و في ف: «يوم الجزيرة» .

[5]في «الخزانة» 2-470: «نصبت له علوي و قد خام صحبتي» . و في ف: «دلفت له يا حز إذ حرّ ثوبه» .

[6]يأطر: يثني. و المتن: الظهر، يريد ظهر مالك.

[7]ب: «المنسر الجارد» ، و في هب: «رأي اليسر الجارد» . و المنسر: الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين أو من الأربعين إلى الخمسين أو إلى الستين أو من المائة إلى المائتين. و الحارد: المجتمع الخلق الشديد.

[8]في ب: «عمرو بن خالد» .

311

كان بدء ما كان بين خفاف بن ندبة و العباس بن مرداس أنّ خفافا كان في ملإ من بني سليم فقال لهم: إن عباس بن مرداس يريد أن يبلغ فينا ما بلغ عباس بن أنس، و يأبى ذلك عليه خصال قعدن به، فقال له فتى من رهط العبّاس: و ما تلك الخصال يا خفاف؟قال: اتّقاؤه بخيله عند الموت، و استهانته بسبايا العرب، و قتله الأسرى، و مكالبته للصعاليك على الأسلاب، و لقد طالت حياته حتى تمنّينا موته، فانطلق الفتى إلى العبّاس فأخبره الخبر، فقال العبّاس: يا ابن أخي، إن لم يكن كالأصمّ في فضله فلست كخفاف في جهله، و قد مضى الأصمّ بما في أمس و خلّفني بما في غد، فلما أمسى تغنّى، و قال:

خفاف ما تزال تجرّ ذيلا # إلى الأمر المفارق للرّشاد

إذا ما عاينتك بنو سليم # ثنيت لهم بداهية نآد[1]

/و قد علم المعاشر من سليم # بأنّى فيهم حسن الأيادي

فأورد يا خفاف فقد بليتم # بني عوف بحيّة بطن وادي‏

قال: ثم أصبح فأتى خفافا. و هو في ملإ من بني سليم، فقال: قد بلغني مقالتك يا خفاف، و اللّه لا أشتم عرضك و لا أسبّ أباك و أمّك، و لكنّي رام سوادك بما فيك‏[2]و إنك لتعلم أنّي أحمي المصافّ‏[3]و أتكرّم على السّلب‏[4]و أطلق الأسير و أصون السبيّة. و أما زعمك أني أتّقي بخيلي الموت فهات من قومك رجلا اتّقيت به.

و أما استهانتي بسبايا العرب فإني أحذو القوم في نسائهم بفعالهم في نسائنا، و أما قتلي الأسرى فإني قتلت الزّبيديّ بخالك؛ إذ عجزت عن ثأرك. و أما مكالبتي الصعاليك على الأسلاب، فو اللّه ما أتيت على مسلوب قطّ إلا لمت سالبه. و أما تمنّيك موتي. فإن متّ قبلك فأغن غنائي، و إن سليما لتعلم أني أخفّ عليهم مئونة، و أثقل على عدوّهم وطأة منك، و إنّك لتعلم أنّي أبحت حمى بني زبيد، و كسرت قرني الحارث‏[5]و أطفأت جمرة خثعم، و قلّدت بني كنانة قلائد العار، ثم انصرف. فقال خفاف أبياتا لم يحفظ الشيخ منها إلا قوله:

و لم تقتل أسيرك من زبيد # بخالي بل غدرت بمستفاد

فزندك في سليم شرّ زند # و زادك في سليم شرّ زاد

فأجابه العباس بقوله:

ألا من مبلغ عنّي خفافا # فإنّي لا أحاشي من خفاف

نكحت وليدة و رضعت أخرى # و كان أبوك تحمله قطاف

/فلست لحاصن إن لم نزرها # تثير النّقع من ظهر النّعاف‏[6]

سراعا قد طواها الأين دهما # و كمتا لونها كالورس صاف‏[7]

[1]نآد: شديدة.

[2]السواد: الشخص. و في ب: «و لكن رمى سوادك بما فيك» .

[3]المصافّ: مواقف القتال.

[4]في ب، بيروت: «و أتكلم على السبي» .

[5]في ب، هب: «و كسرت قوى بني الحارث» .

[6]في ف: «فلست بحاضن إن لم تروها» . و الحاصن: العفيفة. و النعاف: جمع نعف؛ و هو المكان المرتفع في اعتراض.

[7]في ف، «المختار» ، هب: سواهم بدل سراعا، و دهم و كمت «بالرفع» .

312

ابن عم للعباس يحرضه على الحرب‏

قال: ثم كف العباس و خفاف حتى أتى ابن عم للعباس يكنى أبا عمرو بن بدر، و كان غائبا، فقال: يا عباس! ما نقول فيك خيرا إلاّ و هو باطل، قال: و كيف ذلك، ويحك!قال: أخبرني عنك، أ كلّ الذي أقررت‏[1]به من خفاف في نفيه أباك و تهجينه عرضك؛ ليأس من نصر قومك أو ضعف من نفسك؟قال: لا، و لا واحدة منهما، و لكني أحببت البقيا، قال: فاسمع ما قلته، قال: هات، فأنشأ يقول:

أرى العباس ينفض مذرويه‏[2] # دهين الرأس تقليه النساء

و قد أزرى بوالده خفاف # و يحسب مثله الداء العياء[3]

فلا تهد السّباب إلى خفاف # فإن السّبّ تحسنه الإماء

و لا تكذب و أهد إليه حربا # معجّلة فإن الحرب داء

أذلّ اللّه شرّكما قبيلا # و لا سقّت له رسما سماء

العباس و خفاف يلتقيان بقومهما و يقتتلان قتالا شديدا

قال العباس: قد آذنت خفافا بحرب، ثم أصبحا فالتقيا بقومهما، فاقتتلوا قتالا شديدا يوما إلى الليل، و كان الفضل للعباس على خفاف، فركب إليه مالك بن عوف و دريد بن الصّمّة الجشميّ في وجوه هوازن، فقام دريد خطيبا فقال: يا معشر بني سليم، إنه أعجلني إليكم صدر واد و رأي جامع، و قد ركب صاحباكم شرّ مطيّة، و أوضعا /إلى أصعب غاية، فالآن قبل أن يندم الغالب و يذلّ المغلوب‏[4]، ثم جلس.

دريد بن الصمة و مالك بن عوف يحذرانهما عاقبة الحرب‏

فقام مالك بن عوف‏[5]فقال: يا معشر بني سليم، إنكم نزلتم منزلا بعدت فيه هوازن، و شبعت منكم فيه بنو تميم، و صالت عليكم فيه بكر بن وائل، و نالت فيه منكم بنو كنانة، فانزعوا و فيكم بقية قبل أن تلقوا عدوّكم بقرن أعضب و كفّ جذماء، قال: فلما أمسينا تغنى دريد بن الصّمّة فقال:

سليم بن منصور أ لمّا تخبّروا # بما كان من حربي كليب و داحس

و ما كان في حرب اليحابر[6]من دم # مباح و جدع مؤلم للمعاطس

و ما كان في حربي سليم و قبلهم # بحرب بعاث من هلاك الفوارس

تسافهت الأحلام فيها جهالة # و أضرم فيها كلّ رطب و يابس

فكفّوا خفافا عن سفاهة رأيه # و صاحبه العبّاس قبل الدّهارس‏[7]

[1]في ب: «خبرني عن أصل الذي أقررت به... الخ» .

[2]المذروان: طرفا الألية. و جاء ينفض مذرويه: جاء باغيا يتهدد.

[3]في هب: «سبك مثله الداء العياء» . و في «المختار» : «و لكن نسله الداء العياء» .

[4]في ب: «و يذم المطلوب» .

[5]في ب: «مالك بن أوس» .

[6]في ب: «البحائر» ، تحريف.

[7]الدهارس: الدواهي.

313

و إلاّ فأنتم مثل من كان قبلكم # و من يعقل الأمثال غير الأكايس‏

و قال مالك بن عوف النّصريّ:

سليم بن منصور دعوا الحرب إنما # هي الهلك للأقصين أو للأقارب

أ لم تعلموا ما كان في حرب وائل # و حرب مراد أو لؤيّ بن غالب

تفرّقت الأحياء منهم لجاجة # و هم بين مغلوب ذليل و غالب

فما لسليم ناصر من هوازن # و لو نصروا لم تغن نصرة غائب‏

دريد بن الصمة يعاهدهما على الكف عن الحرب و تهادي الشعر من غير شتم‏

/قال: ثم أصبحنا، فاجتمعت بنو سليم، و جاء العبّاس و خفاف، فقال لهما دريد بن الصّمة و لمن حضر من قومهما: يا هؤلاء!إن أوّلكم كان خير أوّل، و كل حيّ سلف خير من الخلف، فكفّوا صاحبيكم عن لجاج الحرب و تهاجي الشعر، قال: فاستحيا العباس فقال: فإنا نكف عن الحرب، و نتهادى الشعر، قال: فقال دريد: فإن كنتما لا بد فاعلين فاذكرا ما شئتما و دعا الشّتم، فإن الشّتم طريق الحرب، فانصرفا على ذلك. فقال العباس بن مرداس:

فأبلغ لديك بني مالك # فأنتم بأنبائنا أخبر

فأما النّخيل فليست لنا # نخيل تسقّى‏[1]و لا تؤبر

و لكنّ جمعا كجذل‏[2]الحكا # ك فيه المقنّع و الحسّر

مغاوير تحمل أبطالنا # إلى الموت ساهمة ضمّر

و أعددت للحرب خيفانة # تديم الجراء[3]إذا تخطر

صنيعا كقارورة الزّعفرا # ن ممّا تصان و لا تؤثر

و يقال: صبيغا. قال: فأجابه خفاف فقال:

أ عبّاس إنّ استعار القصيـ # د في غير معشره‏[4]منكر

علام تناول ما لا تنال # فتقطع نفسك أو تخسر[5]

/فإنّ الرّهان إذا ما أريد # فصاحبه الشامخ المخطر[6]

تخاوص لم تستطع عدّة[7] # كأنك من بغضنا أعور

فقصرك مأثورة إن بقيـ # ت أصحو بها لك أو أسكر[8]

لساني و سيفي معا فانظرن # إلى تلك أيّهما تبدر

[1]في ف، بيروت: «تجذ» .

[2]الجذل: عود ينصب للإبل الجربي لتحتك به.

[3]في ب، بيروت: الجداء.

[4]في ف: «موضعه» .

[5]ف: تحسر.

[6]في ف، هب: «السابح المحضر» .

[7]في هب، ف، بيروت: «تخاوص لم تستطع غيره» . و تخاوص: غض من بصره شيئا.

[8]ف: «فقصرك ما بعده... أو أشكر» .

314

قال: فلما طال الأمر بينهما من الحرب و التّهاجي، قال عباس: إني و اللّه ما رأيت لخفاف مثلا إلا شبام بني زبيد[1]فإنه كان يلقى من ابن عمه ثروان بن مرّة من الشتم و الأذى ما ألقى من خفاف، فلما لجّ في شتمه تركه و ما هو فيه، فقال:

وهبت لثروان بن مرّة نفسه # و قد أمكنتني من ذؤابته يدي

و أحمل ما في اليوم من سوء رأيه # رجاء التي يأتي بها اللّه في غد[2]

فقال خفاف: إني و اللّه ما وجدت لعباس مثلا إلا ثروان بني زبيد، فإنه كان يلقي من شبام ما ألقى من العباس من الأذى، فقال ثروان:

رأيت شباما لا يزال يعيبني # فلله ما بالي و بال شبام!

فقصرك منّي ضربة مازنيّة # بكفّ فتى في القوم غير كهام

فتقصر عني يا شبام بن مالك # و ما عضّ سيفي شاتمي بحرام‏

فقال عباس: جزاك اللّه عني يا خفاف شرّا، فقد كنت أخفّ بني سليم من دمائها ظهرا، و أخمصها بطنا، فأصبحت العرب تعيّرني بما كنت أعيب عليها من/الاحتمال و أكل الأموال، و صرت ثقيل الظّهر من دمائها منفضج‏[3]البطن من أموالها، و أنشأ يقول:

/

أ لم تر أنّي تركت الحروب # و أنّي ندمت على ما مضى

ندامة زار على نفسه # لتلك التي عارها يتّقى

فلم أوقد الحرب حتى رمى # خفاف بأسهمه من رمى

فإن تعطف القوم أحلامهم # فيرجع من ودّهم ما نأى

فلست فقيرا إلى حربهم # و ما بي عن سلمهم من غنى‏

فقال خفاف:

أ عبّاس إمّا كرهت الحروب # فقد ذقت من عضّها ما كفى

أ ألقحت حربا لها شدّة # زمانا تسعّرها باللّظى

فلمّا ترقّيت في غيّها # دحضت و زلّ بك المرتقى

فلا زلت تبكي على زلّة # و ما ذا يردّ عليك البكا

فإن كنت أخطأت في حربنا # فلسنا نقيلك هذا الخطا

و إن كنت تطمع في سلمنا # فزاول ثبيرا و ركني حرا

أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني مسعود بن عيسى العبديّ، عن يحيى بن عبد اللّه بن الفضل الفزاريّ، و كان علاّمة بأمر قيس، قال:

كان خفاف بن ندبة في جماعة من قومه، فقال: إنّ عباس بن مرداس ليريد أن/يبلغ فينا مبلغ عباس بن [1]في ب: «شبام بن زبيد» .

[2]في ف: «رجاء الذي يأتي به اللّه في غد» .

[3]في هب: «منفضخ البطن» . و منفضج البطن: منتفخه.

315

أنس، و تأبى عليه خصال قعدن به عن ذلك، فقال فتى من رهط عباس: ما تلك الخصال يا خفاف؟فقال: اتّقاؤه بخيله عند الموت، و مكالبة الصعاليك على الأسلاب، و قتله الأسرى، و استهانته بسبايا العرب، و ايم اللّه، لقد طالت حياته حتى تمنّينا موته، فانطلق الفتى إلى العباس فحدّثه الحديث، فقال العباس: يا ابن أخي إلاّ أكن كالأصمّ في فضله فلست كخفاف في جهله، و قد مضى الأصمّ بما في أمس، و خلّفني لما في غد، فلما أمسى تغنّى، فقال:

خفاف أ ما تزال تجرّ ذيلا # إلى الأمر المقرّب للفساد

و قد علم المعاشر من سليم # بأنّي فيهم حسن الأيادي

و أنّي يوم جمع بني عطيف # حملت بحالك وهج المرادي‏[1]

و أني لا أعيّر في سليم # بردّ الخيل سالمة الهوادي

و أنّي في ملمّة كلّ يوم # أقي صحبي و في خيلي تعادي

و لم أسلب بحمد اللّه كبشا # سلاحا بين مختلف الصّعاد[2]

و لم أحلل لمحصنة نطاقا # و لم أر عتقها إلا مرادي

فأورد يا خفاف فقد منيتم # بني عوف بحيّة بطن وادي‏

فلما أصبح أتى خفافا و هو في ملأ من قومه، فقال: قد بلغني مقالك يا خفاف، و ايم اللّه، إنك لتعلم أني أحمي المصافّ‏[3]، و أكره السلب، و أطلق الأسير، و أصون السّبيّة.

فأمّا زعمك أنّي أتّقي بخيلي عند الموت فهات لي من قومك رجلا اتّقيت به، /و أما قتلى الأسرى فإني قتلت الزّبيديّ بخالك، و أما سلبي الأسير فو اللّه ما أتيت على مسلوب قطّ إلاّ لمت سالبه، و أما استهانتي بالسّبايا فإني أحذو القوم في سباياهم فعالهم في سبايانا، و أما تمنّيك موتي فإن متّ قبلك فأغن غنائي، ثم انصرف. فقال خفاف مجيبا للعباس عن قوله:

لعمر أبيك يا عبّاس إني # لمنقطع الرّشاء من الأعادي

و إني قد تعاتبني سليم # على جرّ الذيول إلى الفساد

أ كلّ الدهر لا تنفكّ تجري # إلى الأمر المفارق للسّداد

إذا ما عاينتك بنو سليم # تبيت لهم بداهية نآد

فزندك في سليم شر زند # و زادك في المعاشر[4]شرّ زاد

ألا للّه درّك من رئيس # إذا عاديت فانظر من تعادي

جريت مبرّزا و جريت تكبو # على تعب فهل لك من معاد

و لم تقتل أسيرك من زبيد # بخالي بل غدرت بمستقاد

و مستقاد: الزّبيديّ.

[1]المرادي: جمع مردى، و هو الحجر الذي تكسر به الصخور.

[2]الكبش: سيد القوم و قائدهم، و الصعاد: القنا المستويات.

[3]المصاف: مواقف القتال. و في ف: المصاب.

[4]في «المختار» : و زادك في سليم.

316

و إنّ رهط خفاف لاموه و قالوا: اكفف عن الرجل. فقال: كيف أكفّ عن رجل يريد أن يترنا أمرنا بغير فضل.

و قال رهط العباس له: أيها الرجل، اكفف، فقال قولا جميلا، و قال العبّاس عند ذلك:

هل تعرف الطّلل القديم كأنّه # وشم بأسفل ذي الخيام مرجّع

بقيت معارفه على مرّ الصّبا # بعد الجميع كأنه قد يمرع

دار التي صادت فؤادك بعد ما # شمل المفارق منك شيب أروع

و زعمت أنّك لا تراح إلى الصّبا # و علتك منه شبيبة لا ترجع

/يا أيها المرء السفيه أ لا ترى # أني أضرّ إذا هويت و أنفع

و أعيش ما قدر الإله على القلى # و أعفّ نفسي عن مطامع تطمع

كرما على الخطر اليسير و لا ترى # نفسي إلى الأمر الدنيّ تطلّع

و أردّ ذا الضّغن اللئيم برأيه # حتى يموت و ليس فينا مطمع

للّه درّك لا تمنّ مماتنا # فالموت ويحك قصرنا و المرجع

لو كان يهلك من تمنّى موته # حلّت عليك دهية لا ترقع

و مكثت في دار الهوان موطّأ # بالذّلّ ليس لداركم من يمنع‏

فقال خفاف مجيبا له:

عجبت أمامة إذ رأتني شاحبا # خلق القميص و أنّ رأسي أصلع

و تنفست صعدا فقلت لها: اقصري # إني امرؤ فيما أضرّ و أنفع

مهلا أبا أنس فإني للّذي # خلّى عليك دهيّة لا ترفع

و ضربت أمّ شئون رأسك ضربة # فاستكّ منها في اللّقاء المسمع

نعليّ حذو نعالها و لربّما # أحذو العدا و لكلّ عاد مصرع

لا تفخرنّ فإنّ عودي نبعة # أعيت أبا كرب و عودك خروع‏[1]

و لقد أقود إلى العدوّ مقلّصا # سلس القياد له تليل أتلع‏[2]

نهد المراكل و الدّسيع يزينه # شنج النّسا و أباجل لا تقطع‏[3]

/و عليّ سابغة كأنّ قتيرها # حدق الجنادب ليس فيها مطمع‏[4]

زغف مضاعفة تخيّر سردها # ذو فائش و بنو المرار و تبّع‏[5]

في فتية بيض الوجوه كأنهم # أسد على لحم ببيشة طلّع‏

[1]عودي نبعة: صلب شديد. و عودك خروع: ليّن متثن.

[2]تليل أتلع: عنق طويل.

[3]نهد المراكل: واسع الجوف. و الدسيع: مغرز العنق في الكاهل. و فرس شنج النسا: صفة محمودة، لأنه إذا تشنج نساه لم تسترخ رجلاه. و الأباجل: جمع أبجل، و هو عرق في الفرس و البعير.

[4]درع سابغة: تامة طويلة. و القتير: رءوس المسامير في الدرع. و الحدق جمع حدقة؛ و هي سواد العين الأعظم، و الجنادب جمع جندب، و هو الصغير من الجراد.

[5]الزغف جمع زغفة؛ و هي الدرع الواسعة. و سردها: نسجها. و فائش: واد كان يحميه ذو فائش سلامة بن يزيد اليحصبي.

317

لا ينكلون إذا لقوا أعداءهم # إنّ الحمام هو الطريق المهيع‏[1]

و كان خفاف قد كفّ عن العبّاس، حتى أتاه غلام من قومه، فقال: أبى العباس إلا جرأة عليك و عيبا لك، فغضب خفاف ثم قال: ما يدعوه إلى ذلك؟فو اللّه إن أباه لرابط السهم، و إن أمّه لخفيّة الشخص، و لئن طلب مسعاي ليعلمنّ أنه قصير الخطوة أجذم الكف، و ما ذنبنا إليه إلا أنّا استنقذنا أباه من عصيّ بني حزام، و كافحنا دونه يوم بني فراس، و نصرنا أباه على حرب بن أميّة. و قال خفاف في ذلك:

لن يترك الدهر عبّاس تقحّمه # حتى يذوق وبال البغي عبّاس

أمسكت عن رميه حولا و مقتله # باد لتعذرني في حربه الناس

عمدا أجرّ له ثوبي لأخدعه # عن رأيه و رجائي عنده ياس

فالآن إذا صرّحت منه حقيقته # ظلما فليس بشتمي شاتمي باس

أجدّ يوما بقولي كلّ مبتدئ # كما يجدّ بكفّ الجازر الفاس

تأبى سليم إذا عدّت مساعيها # أن يحرز السّبق عبّاس و مرداس

أودى أبو عامر عبّاس معترفا # أنّا إذا ما سليم حصّلت راس‏

فبلغ العباس أمر خفاف، فأتاه، فالتقيا عند أسماء بن عروة بن الصّلت بن حزام بن عبد اللّه بن حازم بن الصلت، و كان مأمونا في بني سليم، فقال العباس: قد بلغني قولك يا خفاف، و لعمري لا أشتم أباك و لا أمّك، و لكنّي رام سوادك بما فيك. /و اللّه ما كنت إلى ذمّك بالهيمان و لا إلى لحمك بالقرم، و إن سليما لتعلم أني أبحت حمى بني زبيد، و أطفأت جمرة خثعم، و كسرت قرني‏[2]بني الحارث بن كعب، و قلّدت بني كنانة قلائد العار، و إني يا خفاف لأخفّ منك‏[3]على بني سليم مئونة، و أثقل منك على عدوّهم وطأة، و قال مجيبا له:

إني رأيت خفافا ليس يهنئه # شي‏ء سوى شتم عبّاس بن مرداس

مهلا خفاف فإن الحق معضبة[4] # و الحمق ليس له في الناس من آسي

سائل سليما إذا ما غارة لحقت # منها فوارس حشد غير أنكاس

من خثعم و زبيد أو بني قطن # أو رهط فروة دهرا أو شحا الناس‏[5]

ينبوا من الفارس الحامي حقيقته # إذا أتوك بحام غير عبّاس

لا يحسب النّاس قول الحق معترفا # فانظر خفاف فما في الحق من باس

من زار خيل بني سعد مسوّمة # يهدي لأولها لأي بن شمّاس

يوم اعترضت أبا بدر بجائفة # تعوي بعرق من الأحشاء قلاّس‏[6]

أدعى الرئيس إذا ما حربكم كشفت # عن ساقها لكم و الأمر للرّاس‏

[1]الطريق المهيع: الواسع البين.

[2]في هب: «و كسرت قرني في بني الحارث» .

[3]ف: «عنك» .

[4]معضبة: مقطعة.

[5]الشحا: الواسع، و المراد جميع الناس.

[6]الطعنة الجائفة: التي تصل إلى الجوف. و عرق قلاس: يزخر بالدم.

318

حتى إذا انكشفت عنكم عمايتها # أنشأت تضرب أخماسا لأسداس‏

و سعى أهل الفساد إلى خفاف فقالوا: إنّ عبّاسا قد فضحك، فقال خفاف:

ألا أيّها المهدي لي الشّتم ظالما # و لست بأهل حين أذكر للشّتم

أبى الشّتم أنّي سيّد و ابن سادة # مطاعين في الهيجا مطاعيم للّحم‏[1]

/هم منحوا نصرا[2]أباك و طاعنوا # و ذلك إذ ترمى ذليلا و لا ترمي

كمستلحم في ظلمة اللّيل بعد ما[3] # رأى الموت صرفا و السيوف بها تهمي

أدبّ على أنماط[4]بيضاء حرّة # مقابلة الجدّين ماجدة العمّ

و أنت لحنفاء اليدين لو أنّها # تباع لما جاءت بزند و لا سهم

و إني على ما كان أول أوّل # عليه، كذاك القرم ينتج للقرم‏[5]

و أكرم نفسي عن أمور دنيئة # أصون بها عرضي و آسو بها كلمي

و أصفح عمّن لو أشاء جزيته # فيمنعني رشدي و يدركني حلمي

و أغفر للمولى و إن ذو عظيمة # على البغي منها لا يضيق بها حزمي‏[6]

فهذي فعالي ما بقيت و إنّني # لموص به عقبي إذا كنت في رجمي‏[7]

فقال له قومه: لو كان أوّل قولك كآخره يا خفاف لأطفأت النائرة[8]، و أذهبت سخائم النّمائم، فقال العباس مجيبا له:

ألا أيّها المهدي لي الشّتم ظالما # تبيّن إذا راميت هضبة من ترمي

أبى الذّمّ عرضي إنّ عرضي طاهر # و إني أبيّ من أباة ذوي غشم

و إنّي من القوم الذين دماؤهم # شفاء لطلاّب التّرات من الوغم‏[9]

/و قال أيضا:

إن تلقني تلق ليثا في عرينته # من أسد خفّان في أرساغه فدع‏[10]

/لا يبرح الدهر صيدا قد تقنّصه # من الرجال على أشداقه القمع‏[11]

و كان العباس و خفاف قد همّا بالصّلح، و كرهت بنو سليم الحرب، فجاء غويّ من رهط العبّاس فقال للعبّاس:

إنّ خفافا قد أنحى عليك و على والديك، فغضب العباس، ثم قال: قد و اللّه هجاني، فكان أعظم ما عابني به أصغر [1]في ب: «مطاعيم للجرم» .

[2]في ب، هب: الضرى.

[3]في ب: محزما بدل بعد ما، و تعمي بدل تهمي.

[4]الأنماط جمع نمط، و هو ضرب من البسط.

[5]في ب: «عليه كذاك القوم ينتج للقوم» ، تحريف. و القرم: السيد أو العظيم على التشبيه بالفحل.

[6]في ب: «جزمي» ، تصحيف.

[7]رجمي: قبري.

[8]النائرة: العداوة.

[9]الوغم: الحقد الثابت. و في ب: «شفاء لطلاب التراث من الرغم» ، تحريف. و في ف، بيروت: «شفاء لطلاب الشفاء من الرغم» .

[10]فدع: اعوجاج.

[11]القمع: الاحمرار.

319

عيب فيه، ثم هجا والديّ فما ضرّهما و لا نفعه، ثم برزت له فأخفى شخصه و اتّقاني بغيره، و لو شئت لشتمت أباه و ثلبت عرضه، و لكني و إياه كما قال شبام بني زبيد[1]لابن عم له، يقال له ثروان بن مرّة، كان أشبه الناس بخفاف:

وهبت لثروان بن مرّة نفسه # و قد أمكنتني من ذؤابته يدي

و أحمل ما في اليوم من سوء رأيه # رجاء الذي يأتي‏[2]به اللّه في غد

و لست عليه في السّفاة كنفسه # و لست إذا لم أهجه بموعّد

و قال:

أراني كلما قاربت قومي # نأوا عني و قطعهم شديد

سئمت عتابهم فصفحت عنهم # و قلت لعلّ حلمهم يعود

و علّ اللّه يمكن من خفاف # فأسقيه التي عنها يحيد

بما اكتسبت يداه و جرّ فينا # من الشّحنا التي ليست تبيد

/و أنّى لي يؤدّبني خفاف # و عوف و القلوب لها وقود

و إني لا أزال أريد خيرا # و عند اللّه من نعم مزيد

فضاقت بي صدورهم و غصّت # حلوق ما يبضّ لها وريد

متى أبعد فشرّهم قريب # و إن أقرب فودّهم بعيد

أقول لهم و قد لهجوا بشتمي: # ترقّوا يا بني عوف و زيدوا

فما شتمي بنافع حيّ عوف # أ ينقصني الهبوط أم الصّعود

أ تجعلني سراة بني سليم # ككلب لا يهرّ و لا يصيد

كأنّي لم أقد خيلا عتاقا # شوازب ما لها في الأرض عود[3]

أجشّمها مهامه طامسات # كأنّ رمال صحصحها[4]قعود

عليها من سراة بني سليم # فوارس نجدة في الحرب صيد

فأوطئ من تريد بني سليم # بكلكلها و من ليست تريد

فلما بلغ خفافا قول العباس قال: و اللّه ما عبت العباس إلا بما فيه، و إني لسليم العود، صحيح الأديم، و لقد أدنيت سوادي من سواده فلم أحجم و لا نكصت عنه، و إني و إيّاه كما قال ثروان لشبام بني زبيد[5]، و كان يلقى منه ما لقي من العباس، قال:

رأيت شباما لا يزال يعيبني # فللّه ما بالي و بال شبام

فقصرك منّي ضربة مازنيّة # بكفّ امرئ في الحرب غير كهام‏[6]

[1]ب: شبام بن زبيد.

[2]ف: «رجاء التي يأتي بها اللّه... » .

[3]ف: «خيلا سيارا» . و الشوازب: الضوامر. و في ب: «كأني لم أقل... مثلها في الأرض» تحريف.

[4]الصحصح: ما استوى من الأرض و جرد.

[5]ب: لشبام بن زبيد.

[6]ب: الحي بدل الحرب. و في ف، المختار: «بكف فتى في الحق» ، و قصرك: مصدر قصر بمعنى انتهى و كف. و سيف كهام: كليل. ـ

320

/

من اليوم أو من شيعه‏[1]بمهنّد # خصوم لهامات الرجال حسام

/فتقصر عني يا شبام بن مالك # و ما عضّ سيفي شاتمي بحرام‏

و قال خفاف:

أرى العباس ينقص كلّ يوم # و يزعم أنه جهلا يزيد

فلو نقضت عزائمه و زادت # سلامته لكان كما يريد[2]

و لكنّ المعالم أفسدته # و خلق‏[3]في عشيرته زهيد

فعبّاس بن مرداس بن عمرو # و كذب المرء أقبح ما يفيد

حلفت بربّ مكة و المصلّى # و أشياخ محلّقة تنود[4]

بأنك من مودّتنا قريب # و أنت من الذي تهوى بعيد

فأبشر أن بقيت بيوم سوء # يشيب له من الخوف الوليد

كيومك إذ خرجت تفوق‏[5]ركضا # و طار القلب و انتفخ الوريد

فدع قول السّفاهة لا تقله # فقد طال التّهدّد و الوعيد

رأينا من نحاربه شقيّا # و من ذا في بني‏[6]عوف سعيد

و قال خفاف أيضا:

أ عبّاس إنّا و ما بيننا # كصدع الزّجاجة لا يجبر

فلست بكف‏ء لأعراضنا # و أنت بشتمكنا[7]أجدر

/و لسنا بأهل لما قلتم # و نحن بشتمكم أعذر

أراك بصيرا بتلك التي # تريد و عن غيرها أعور

فقصرك مني رقيق الذّبا # ب عضب كريهته مبتر

و أزرق في رأس خطّيّة # إذا هزّ أكعبها تخطر

يلوح السّنان على متنها # كنار على مرقب تسعر

و زغف دلاص حباها العزيز[8] # توارثها قبله حمير

فتلك و جرداء خيفانة[9] # إذا زجر الخيل لا تزجر

إذا ألقت الخيل أذيالها[10] # فأنت على جريها أقدر

[1]شيعه: بعده، يريد به الغد.

[2]في ف، بيروت: «و لو نقصت عواليه و زادت» . و في هب: «فلو نقصت عرائكه و زادت» .

[3]في ب: و لكن المعايب... و خلف.

[4]تنود: تمايل من النعاس. و في ب، بيروت: تهود.

[5]في ف، بيروت: تفوت.

[6]في هب، ف. و في ب، بيروت: يا بني.

[7]في هب: بشتمكها. و في ب: يشتمكما.

[8]في ب: «كماء الغدير... توارثه» بدل: «حباها العزيز... توارثها» . و الزغف: الدرع الواسعة الطويلة. و دلاص: ملساء لينة.

[9]الخيفانة: السريعة.

[10]في ب: أولادها.

321

متى يبلل الماء أعطافها # تبذّ الجياد و ما تبهر

أنهنه بالسوط من غربها[1] # و أقدمها حيث لا ينكر

و أرحضها[2]غير مذمومة # بلبّاتها العلق الأحمر

أقول و قد شكّ أقرابها[3] # غدرت و مثلي لا يغدر

و أشهدها غمرات الحروب # فسيّان تسلم أو تعقر

و قال العباس:

خفاف أ لم تر ما بيننا # يزيد استعارا إذا يسعر

أ لم تر أنا نهين التّلا # د للسائلين و ما نعذر[4]

/لأنا نكلّف فوق التي # يكلّفها الناس لو تخبر

لنا شيم غير مجهولة # توارثها الأكبر الأكبر

و خيل تكدّس بالدّار عيـ # ن تنحر في الرّوع أو تعقر

عليها فوارس مخبورة # كجنّ مساكنها عبقر

و رجراجة[5]مثل لون النجو # م لا العزل فيها و لا الحسّر

و بيض سوابغ مسرودة # مواريث ما أورثت حمير

فقد يعلم الحيّ عند الصّياح # بأن العقيلة بي تستر

و قد يعلم الحيّ عند الرها # ن أنّي أنا الشامخ المخطر[6]

و قد يعلم الحيّ عند السؤا # ل أنّي أجود و أستمطر

فأنّى تعيّرني بالفخار # فها أنا هذا هو المنكر[7]

صوت‏

ألا لا أبالي بعد ريّا أ وافقت # نوانا نوى الجيران أم لم توافق

هجان المحيّا حرّة الوجه سربلت # من الحسن سربالا عتيق البنائق‏

الشعر لجبهاء الأشجعيّ، و الغناء لإسحاق رمل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.

[1]أنهنه: أكف، و الغرب: النشاط و الحدة.

[2]ف: و أرجعها.

[3]ف: أقرانها. و الأقراب جمع قرب، و هو الخاصرة.

[4]في ب: «... نهينا البلاد... و ما نغدر» .

[5]كتيبة رجراجة: تموج من كثرتها.

[6]في ف:

و قد علم الحي عند النطاح # أني أنا السابح المطحر

و رواية هب: عند الرهان، و الباقي كرواية ف.

[7]في بيروت: «هذا ذيك» بدل «فها أنا» .

322

6-أخبار جبهاء و نسبه‏

نسبه‏

جبهاء لقب غلب عليه، يقال جبهاء و جبيهاء[1]جميعا، و اسمه يزيد بن عبيد، و يقال: يزيد بن حميمة بن عبيد بن عقيلة بن قيس بن رويبة بن سحيم بن عبيد بن هلال بن زبيد بن بكر بن أشجع، شاعر بدويّ من مخاليف الحجاز، نشأ و توفّي في أيام بني أمية، و ليس ممّن انتجع الخلفاء بشعره و مدحهم فاشتهر، و هو مقلّ، و ليس من معدودي الفحول، و من الناس من يروي هذه الأبيات لأبي ربيس الثّعلبيّ‏[2]و ليس ذلك بصحيح، و هي في شعر جبهاء موجودة.

لقاؤه بالفرزدق‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدثني عمّي، و أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا أبو الحسن الأحول، عن الطّوسيّ، عن أبي عمرو الشّيبانيّ، قال:

قدم جبيهاء الأشجعيّ البصرة بجلوبة[3]له يريد بيعها، فلقيه الفرزدق بالمربد، فقال: ممّن الرّجل؟قال: من أشجع، قال: أ تعرف شاعرا منكم يقال له جبهاء أو جبيهاء؟قال: نعم. قال: أ فتروي قوله:

أمن الجميع بذي البقاع‏[4]ربوع # هاجت فؤادك و الرّبوع تروع‏

قال: نعم، قال: فأنشدنيها، فأنشده قوله منها:

من بعد ما نكرت و غيّر آيها # قطر و مسبلة الدّموع‏[5]خريع

/يا صاحبيّ ألا ارفعا لي آية # تشفى الصّداع فيذهل المرفوع

ألواح ناجية كأنّ تليلها[6] # جذع تطيف به الرّقاة منيع‏

حتى أتى على آخرها، فقال الفرزدق: فأقسم باللّه إنك لجبهاء، أو إنّك لشيطانه.

قال الأخفش في خبره عن أصحابه: الخريع: الذاهبة العقل، شبّه السحابة بها لأنّها لا تتمالك من المطر.

/أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أحمد بن عبيد المكتب قال: حدثني عليّ بن الصّباح، عن ابن الكلبيّ، قال:

[1]في ب، هب: جبها و جبيها.

[2]ف، بيروت: لابن دبيس التغلبي. و في ب، هب: «لابن رئيس الثعلبي» ، تحريف. و قال الزبيدي في «التاج» (ربس) : أبو الربيس عباد بن طهمة، هكذا بالميم في التكملة، و ذكر الحافظ أنه طهفة الثعلبي شاعر من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، هكذا قاله الصاغاني. و في «اللسان» : أبو الربيس التغلبي من شعراء تغلب و هو تصحيف، و الصواب مع الصاغاني.

[3]الجلوبة: الإبل يحمل عليها متاع القوم.

[4]ف، بيروت: النعاع.

[5]في ف: و مسبلة الذيول.

[6]الناجية: الناقة، و التليل: العنق.

323

قدم جبيهاء الأشجعيّ المدينة بجلوبة له، فبينا هو يبيعها و الفرزدق يومئذ بالمدينة إذ مرّ به، فقال له: ممن أنت؟قال: من أشجع، قال: أ تعرف شاعرا منكم يقال له جبهاء أو جبيهاء؟قال: نعم، قال: أ تروي قصيدته:

ألا لا أبالي بعد ريّا أ وافقت # نوانا نوى الجيران أم لم توافق‏

قال: نعم. قال: أنشدنيها، فأنشده إيّاها، فقال الفرزدق: أقسم باللّه إنّك لجبيهاء، أو إنك لشيطانه.

هجرته إلى المدينة

أخبرني الحرميّ قال: حدثنا الزّبير، قال: حدثني عمّي، عن سليمان بن عيّاش، قال:

قالت زوجة جبهاء الأشجعيّ له: لو هاجرت بنا إلى المدينة و بعت إبلك و افترضت في العطاء كان خيرا لك، قال: أفعل. فأقبل بها و بإبله حتى إذا كان بحرّة واقم من شرقيّ المدينة، شرّعها بحوض واقم ليسقيها[1]، فحنّت ناقة منها ثم نزعت، /و تبعتها الإبل، و طلبها ففاتته، فقال لزوجته: هذه إبل لا تعقل، تحنّ إلى أوطانها، و نحن أحقّ بالحنين منها، أنت طالق إن لم ترجعي، و فعل اللّه بك و فعل و ردّها و قال:

قالت أنيسة دع بلادك و التمس # دارا بطيبة ربّة الآطام

تكتب عيالك في العطاء و تفترض # و كذاك يفعل حازم الأقوام

فهممت ثم ذكرت ليل لقاحنا # بلوى عنيزة[2]أو بقفّ بشام

إذ هنّ عن حسبي مذاود كلّما # نزل الظلام بعصبة أغتام‏[3]

إن المدينة لا مدينة فالزمي # حقف السّناد و قبّة الأرجام‏[4]

يحلب‏[5]لك اللّبن الغريض و ينتزع # بالعيس من يمن إليك و شام

و تجاوري النفر الذين بنبلهم‏[6] # أرمي العدوّ إذا نهضت أرامي

الباذلين إذا طلبت تلادهم‏[7] # و المانعي ظهري من الغرّام‏

مجاورته في بني تيم‏

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدّثني مصعب قال: جاور جبهاء الأشجعيّ في بني تيم، بطن من أشجع، فاستمنحه مولى لهم عنزا، فمنحه/إيّاها فأمسكها دهرا، فلما طال على جبهاء ألاّ يردّها[8]، قال جبهاء:

أ مولى بني تيم أ لست مؤدّيا # منيحتنا فيما تردّ المنائح‏[9]

[1]شرعها: أوردها الماء. واقم: أطم من آطام المدينة. ، و حرة واقم إلى جانبه.

[2]اللوى: ما التف من الرمل. و القف: ما ارتفع من الأرض. و عنيزة و بشام: موضعان. و في ب: «بذوي عنيزة» ، تحريف.

[3]الأغتام: الذين لا يفصحون.

[4]في ب: الأرحام.

[5]في ب: يجلب.

[6]في ف: «بنيلهم» ، تصحيف.

[7]في ب: «بلادهم» ، تصحيف.

[8]ب، هب: ما لا يردها.

[9]المنائح: الهبات.

324

لها شعر صاف و جيد مقلّص # و جسم زخاريّ و ضرس مجالح‏[1]

فأرسل إليه التّيميّ يقول:

بلى، سنؤدّيها إليك ذميمة # لتنكحها إن أعوزتك المناكح‏

فعمد به جبهاء فنزل، و قال:

لو كنت شيخا من سوأة نكحتها # نكاح يسار عنزه و هي سارح‏

قال: و هم يعيّرون‏[2]بنكاح العنز.

جبهاء و موسى بن زياد

أخبرني وكيع، قال: حدّثني أبو أيّوب المدينيّ، عن مصعب، قال: استطرق جبهاء الأشجعيّ موسى بن زياد الأشجعيّ كبشا[3]، فوعده ثم مطله، فقال جبهاء:

/

واعدني الكبش موسى ثم أخلفني # و ما لمثلي تعتلّ الأكاذيب

يا ليت كبشك يا موسى يصادفه # بين الكراع و بين الوجنة الذّئب

أمسى بذي الغصن أو أمسى بذي سلم # فقحّمته إلى أبياتك اللّوب‏[4]

فجاء و الحيّ أيقاظ فطاف بهم # طوفين ثم أقرّته الأحاليب

/فبات ينظره حرّان منطويا # كأنه طالب للوتر مكروب

و قام يشتدّ حتى نال غرّته # طاوي الحشا ذرب الأنياب مذبوب‏[5]

بغفلة من زريق فاستمرّ به # و دونه آكم الحقف الغرابيب‏[6]

سل عنه أرخمة بيضا و أغربة # سودا لهنّ حنى أطمى سلاهيب‏[7]

يردين ردي العذارى حول دمنته # كما يطوف على الحوض المعاقيب

فجاء يحمل قرنيه و يندبه # فكلّ حيّ إذا ما مات مندوب‏[8]

صوت‏

و لها و لا ذنب لها # حبّ كأطراف الرّماح

في القلب يجرح و الحشا # فالقلب مجروح النّواحي‏

الشعر لوالبة بن الحباب، و الغناء ليزيد، رمل بالوسطى عن الهشاميّ و عمرو، و فيه لسبك‏[9]الزامر لحن عن ابن خرداذبه.

[1]الزخارى: الكثير الشحم و اللحم، و المجالح: الذي يقشر الشجر.

[2]في ف: يعرفون.

[3]استطرق كبشا: طلبه للضراب.

[4]اللوب: العطش.

[5]مذبوب: مجنون.

[6]الحقف: ما أعوج من الرمل. و الغرابيب: السود.

[7]أطمى سلاهيب: مرتفع.

[8]انفردت «ف» بالأبيات السبعة الأخيرة.

[9]في ف: لشك الزامر.

325

7-أخبار والبة بن الحباب‏

شاعر عباسي‏

والبة بن الحباب أسديّ صليبة، كوفيّ، شاعر من شعراء الدولة العباسيّة، يكنى أبا أسامة. و هو أستاذ أبي نواس، و كان ظريفا شاعرا غزلا وصّافا للشراب‏[1]و الغلمان المرد، و شعره في غير ذلك مقارب ليس بالجيّد، و قد هاجى بشّارا و أبا العتاهية، فلم يصنع شيئا و فضحاه، فعاد إلى الكوفة كالهارب، و خمل ذكره بعد.

المهدي يعجب بشعره و لا ينادمه‏

أخبرني محمد بن مزيد[2]قال: حدثنا حمّاد بن إسحاق، قال: حدثني أبي، و أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ، و الحسن بن علي الأدميّ جميعا، عن القاسم بن محمد الأنباريّ قال: حدثنا يعقوب بن عمر، قال:

حدثني أحمد بن سلمان، قال: حدثني أبو عدنان السّلميّ الشاعر، قال:

قال المهدي لعمارة بن حمزة: من أرقّ الناس شعرا؟قال: والبة بن الحباب الأسديّ، و هو الذي يقول:

و لها و لا ذنب لها # حبّ كأطراف الرّماح

في القلب يقدح و الحشا # فالقلب مجروح النّواحي‏

قال: صدقت و اللّه، قال: فما يمنعك عن منادمته يا أمير المؤمنين؟قال: يمنعني قوله:

قلت لساقينا على خلوة # أدن كذا رأسك من راسي

و نم على صدرك لي ساعة # إنّي امرؤ أنكح جلاّسي‏[3]

/أ فتريد أن نكون من جلاّسه على هذه الشّريطة!.

قال شعرا في أبي نواس‏

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ إجازة: حدثني عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة، و وجدته في بعض الكتب عن ابن قتيبة و روايته أتمّ، فجمعتهما، قال:

حدّثني الدّعلجيّ غلام أبي نواس، قال: أنشدت يوما بين يدي أبي نواس قوله:

يا شقيق النفس من حكم # نمت عن ليلي‏[4]و لم أنم‏

[1]في «التجريد» : للخمر.

[2]في ف، بيروت: محمد بن الحسن بن دريد.

[3]في ب، هب، بيروت: حلاسيا. و قبلها: من راسيا.

[4]في ب: عن عيني.

326

و كان قد سكر، فقال: أخبرك بشي‏ء على أن تكتمه؟قلت: نعم، قال: أ تدري من المعنيّ بقوله: يا شقيق النفس من حكم؟قلت: لا، قال: أنا و اللّه المعنيّ بذلك، و الشعر لوالبة بن الحباب، قال: و ما علم بذلك غيرك و أنت أعلم، فما حدّثت بهذا حتى مات.

قال: و قال الجاحظ: كان والبة بن الحباب، و مطيع بن إياس، و منقذ بن عبد الرحمن الهلاليّ، و حفص بن أبي وردة، و ابن/المقفّع، و يونس بن أبي فروة، و حمّاد بن عجرد، و عليّ بن الخليل، و حمّاد بن أبي ليلى الراوية، و ابن الزّبرقان‏[1]، و عمارة بن حمزة، و يزيد بن الفيض، و جميل بن محفوظ، و بشّار المرعّث‏[2]، و أبان اللاّحقيّ ندماء، يجتمعون على الشراب و قول الشعر و لا يكادون يفترقون، و يهجو بعضهم بعضا هزلا و عمدا، و كلهم متّهم في دينه.

والبة و أبو العتاهية يتهاجيان‏

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ، قال: حدثنا محمد بن موسى بن حمّاد، قال: حدثني/محمد بن القاسم، قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن محمد السالميّ الكوفيّ التّيميّ، قال: حدثني محمد بن عمر الجرجانيّ، قال:

رأيت أبا العتاهية جاء إلى أبي، فقال له: إن والبة بن الحباب قد هجاني، و من أنا منه؟أنا جرّار مسكين، و جعل يرفع من والبة و يضع من نفسه، فأحبّ أن تكلمه أن يمسك عنّي. قال: فكلم أبي والبة، و عرّفه أن أبا العتاهية جاءه و سأله ذلك، فلم يقبل و جعل يشتم أبا العتاهية، فتركه، ثم جاء أبو العتاهية فسأله عما عمل في حاجته، فأخبره بما ردّ عليه والبة، فقال لأبي: لي الآن إليك حاجة، قال: و ما هي؟قال: لا تكلمني في أمره، قال: قلت له: هذا أوّل‏[3]ما يجب لك، قال: فقال: أبو العتاهية يهجوه:

أوالب أنت في العرب # كمثل الشّيص في الرّطب

هلمّ إلى الموالي الصّيـ # د في سعة و في رحب

فأنت بنا لعمر اللّ # ه أشبه منك بالعرب

غضبت عليك ثم رأيـ # ت وجهك فانجلى غضبي

لما ذكّرتني من لون أجـ # دادي و لون أبي

فقل ما شئت أقبله‏[4] # و إن أطنبت في الكذب

لقد أخبرت عنك و عن # أبيك الخالص العربي

فقال العارفون به # مصاص غير مؤتشب‏[5]

[1]ف، بيروت: «و حماد بن الزبرقان» ، تصحيف.

[2]في ب، س، هب: «المرغث» . و سمي المرعث لبيت قاله، و هو:

قال ريم مرعث # ساحر الطرف و النظر

و انظر الأغاني 3-140 ط. دار الكتب.

[3]ف، هب، بيروت: أقل ما يجب لك.

[4]في ف: «أحمله» .

[5]المصاص: الخالص من كل شي‏ء. و غير مؤتشب: غير مختلط.

327

/

أتانا من بلاد الرّو # م معتجرا[1]على قتب

خفيف الحاذ[2]كالصّمصا # م أطلس غير ذي نشب

أوالب ما دهاك و أنـ # ت في الأعراب ذو نسب

أراك ولدت بالمرّيـ # خ يا ابن سبائك الذهب

فجئت أقيشر الخدّيـ # ن أزرق عارم الذّنب

لقد أخطأت في شتمي # فخبّرني أ لم أصب‏

و قال في والبة أيضا:

نطقت بنو أسد و لم تجهر # و تكلّمت خفيا[3]و لم تظهر

و أما و ربّ البيت لو نطقت # لتركتها و صباحها أغبر

أ يروم شتمي منهم رجل # في وجهه عبر لمن فكّر

و ابن الحباب صليبة زعموا # و من المحال صليبة أشقر

/ما بال من آباؤه عرب الألـ # وان يحسب من بني قيصر

أ ترون أهل البدو قد مسخوا # شقرا أما هذا من المنكر

و قال: و أول هذه القصيدة:

صرّح بما قد قلته و اجهر # لابن الحباب و قل و لا تحصر

ما لي رأيت أباك أسود غر # بيب القذال كأنه زرزر[4]

و كأنّ وجهك حمرة رئة # و كأنّ رأسك طائر أصفر

/قال: و بلغ الشعر والبة، فجاء إلى أبي فقال: قد كلمتني في أبي العتاهية، و قد رغبت في الصّلح، قال له أبي:

هيهات إنه قد أكّد عليّ إن لم تقبل‏[5]ما طلب أن أخلّي بينك و بينه، و قد فعلت، فقال له والبة: فما الرأي عندك؟فإنه فضحني‏[6]، قال: تنحدر إلى الكوفة، فركب زورقا و مضى من بغداد إلى الكوفة، و أجود ما قاله والبة في أبي العتاهية قوله:

كان فينا يكنى أبا إسحاق # و بها الرّكب سار في الآفاق

فتكنّى معتوهنا بعتاه # يا لها كنية أتت باتفاق

خلق اللّه لحية لك لا تنـ # فكّ معقودة لدى الحلاّق‏

و له فيه، و هو ضعيف سخيف من شعره:

قل لابن بائعة القصار[7] # و ابن الدّوارق و الجرار

[1]معتجرا: معتما.

[2]الحاذ: الظهر. و خفيف الحاذ: قليل المال. و في ف: خفيف الحال.

[3]في ف: تكلمت حينا.

[4]الغربيب: الأسود. و القذال: جماع مؤخر الرأس، أو: ما بين نقرة القفا إلى الأذن. و الزرزر: طائر من نوع العصفور؛ سمي بذلك لزرزرته، أي تصويته، و في هب: «زوزر» .

[5]في ب، س، بيروت: «ألاّ يقبل ما طلب و أن أخلي» .

[6]في ب: فقال له والبة: فما الرأي عندك؟فقال: «فضحني» ، تحريف.

[7]في ف، بيروت: التغار بدل القصار. و التغار: الإجانة.

328

تهوى عتيبة ظاهرا # و هواك في أير الحمار

تهجو مواليك الألى # فكّوك من ذلّ الإسار

والبة و علي بن ثابت‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال: حدّثني ابن أبي فنن، قال:

كان والبة بن الحباب خليلا لعليّ بن ثابت، و صديقا و دودا، و فيه يقول:

حيّ بها والبة المصطفى # حيّ كريما و ابن حرّ هجان

و قاسما نفسي فدت قاسما # من حدث الموت و ريب الزّمان‏

/قال: و لمّا مات والبة رثاه، فقال:

بكت البريّة قاطبة # جزعا لمصرع والبه

قامت لموت أبي أسا # مة في الرّفاق النّادبة

يقصد أبا بجير الأسدي بالأهواز و يلتقي بأبي نواس‏

قال: و كان والبة أستاذ أبي نواس، و عنه أخذ و منه اقتبس، قال: و كان والبة قد قصد أبا بجير الأسديّ و هو يتولّى للمنصور الأهواز، فمدحه و أقام عنده، فألفى أبا نواس هناك و هو أمرد، فصحبه و كان حسن الوجه، فلم يزل معه، فيقال: إنه كشف ثوبه ليلة فرأى حمرة أليتيه و بياضهما، فقبّلهما فضرط عليه أبو نواس، فقال له: لم فعلت هذا ويلك، قال: لئلاّ يضيع قول القائل: ما جزاء من يقبّل الاست إلا ضرطة.

والبة و أبو سلهب الشاعر

أخبرني محمّد بن العبّاس اليزيديّ، قال: حدّثني عمّي الفضل، قال: حدّثني أبو سلهب الشاعر، قال:

كان والبة بن الحباب صديقي، و كان ماجنا طبعا، خفيف الرّوح، خبيث الدّين، و كنا ذات يوم نشرب بغمّى، فانتبه/يوما من سكره، فقال لي: يا أبا سلهب، اسمع، ثم أنشدني، قال:

شربت وفاتك مثلي جموح # بغمّى بالكئوس و بالبواطي‏[1]

يعاطيني الزّجاجة أريحيّ # رخيم الدّلّ بورك من معاطي

أقول له على طرب: ألطني # و لو بمؤاجر علج نباطي

فما خير الشّراب بغير فسق # يتابع بالزّناء و باللّواط[2]

/جعلت الحجّ في غمّى و بنّا[3] # و في قطربّل أبدا رباطي

فقل للخمس آخر ملتقانا # إذا ما كان ذاك على الصّراط

يعني الصّلوات.

قال: و حدثني أنه كان ليلة نائما و أبو نواس غلامه إلى جانبه نائم إذ أتاه آت في منامه، فقال له: أ تدري من [1]البواطي جمع باطية: إناء من زجاج يملأ من الشراب، و يوضع بين الشرب يغترفون منه.

[2]في ب، س: «يتابعه زناء أو لواط» ، و يكون في الشعر إقواء.

[3]غمى و بنا: قريتان من نواحي بغداد ( «معجم البلدان» ) .

329

هذا النائم إلى جانبك؟قال: لا، قال: هذا أشعر منك و أشعر من الجنّ و الإنس، أما و اللّه لأفتننّ بشعره الثّقلين و لأغرينّ به أهل المشرق و المغرب، قال: فعلمت أنّه إبليس، فقلت له: فما عندك؟قال: عصيت ربّي في سجدة فأهلكني، و لو أمرني أن أسجد له ألفا لسجدت.

حكم الوادي يغني شعر والبة

أخبرني الحسين‏[1]بن يحيى قال: حدثنا حمّاد بن إسحاق، قال:

قرأت على أبي عن أبيه أنّ حكم الوادي أخبره أنّه دخل على محمّد بن العبّاس يوما بالبصرة و هو يتململ خمارا، و بيده كأس و هو يجتهد في شربها فلا يطيقه، و ندماؤه بين يديه في أيديهم أقداحهم، و كان يوم نيروز[2]، فقال لي: يا حكم غنّني فإن أطربتني فلك كلّ ما أهدي إليّ اليوم‏[3]قال: و بين يديه من الهدايا أمر عظيم، فاندفعت أغنّي في شعر والبة بن الحباب:

صوت‏

قد قابلتنا الكئوس # و دابرتنا النّحوس‏[4]

/و اليوم هرمزروز[5] # قد عظّمته المجوس

لم نخطه في حساب # و ذاك ممّا نسوس‏

فطرب و استعاده، فأعدته ثلاث مرّات، فشمّرت قدحه‏[6]و استمرّ في شربه، و أمر بحمل كل ما كان بين يديه إليّ، فكانت قيمته ثلاثين ألف درهم.

لحن حكم الوادي في هذا الشعر هزج بالبنصر عن الهشاميّ و إبراهيم و غيرهما.

صوت‏

لقد زاد الحياة إليّ حبّا # بناتي إنّهنّ من الضّعاف

مخافة أن يذقن البؤس بعدي # و أن يشربن رنقا بعد صاف

و أن يرين إن كسي الجواري # فيبدي الصّرّ عن هزل عجاف‏[7]

و لولاهنّ قد سوّمت مهري # و في الرّحمن للضّعفاء كاف‏

الشعر لعمران بن حطان فيما ذكر أبو عمرو الشّيبانيّ، و ذكر المدائنيّ أنّه لعيسى الحبطيّ، و كلاهما من الشّراة، و الغناء لمحمّد بن الأشعث الكوفيّ، خفيف رمل بالوسطى من رواية عمرو بن بانة.

[1]في ب، ما: الحسن.

[2]النيروز عند الفرس: أول يوم من أيام السنة الشمسية.

[3]في ب: «فلك كل ما يهدي إلى اليوم» .

[4]ف: و أدبرتنا.

[5]في ب، س: «و اليوم هو نيروز» .

[6]شعرت: خففت بالماء. و في ب، بيروت، هب: «فشرب» .

[7]في ب، ف: «كوم عجاف» . چ و في هب، بيروت: «كرم عجاف» .

330

8-أخبار عمران بن حطان و نسبه‏

نسبه‏

هو عمران بن حطّان، بن ظبيان بن لوذان، بن عمرو، بن الحارث، بن سدوس، بن شيبان، بن ذهل، ابن ثعلبة، بن عكابة، بن صعب، بن عليّ، بن بكر، بن وائل.

من شعراء الشراة

و قال ابن الكلبيّ: هو عمران، بن حطّان، بن ظبيان، بن معاوية، بن الحارث، بن سدوس‏[1]. و يكنى أبا شهاب‏[2]. شاعر فصيح من شعراء الشّراة[3]و دعاتهم و المقدّمين في مذهبهم، و كان من القعدة[4]؛ لأن عمره طال فضعف عن الحرب و حضورها، فاقتصر على الدّعوة و التحريض بلسانه.

من رواة الحديث‏

كان قبل أن يفتن بالشّراة مشتهرا بطلب العلم و الحديث، ثم بلي بذلك المذهب فضلّ و هلك، لعنه اللّه، و قد أدرك صدرا من الصحابة، و روى عنهم، و روى عنه أصحاب الحديث. فما روي عنه ما أخبرنا به محمد بن العباس اليزيديّ، قال: حدّثنا الرّياشيّ، قال: حدثنا أبو الوليد الطّيالسيّ، عن أبي عمرو بن العلاء، عن أبي صالح بن سرح اليشكريّ، عن عمران بن حطّان قال:

كنت عند عائشة فتذاكروا القضاة، فقالت: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «يؤتى بالقاضي العدل، فلا يزال به ما يرى من شدّة الحساب، حتى يتمنى أنّه لم يقض بين اثنين في تمرة» .

و كان أصله من البصرة، فلما اشتهر بهذا المذهب طلبه الحجّاج، فهرب إلى الشأم، فطلبه عبد الملك، فهرب إلى عمان، و كان ينتقل إلى أن مات في تواريه.

تزوج امرأة من الشراة فأضلته‏

أخبرني محمّد بن عمران الصّيرفي، قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدّثنا منيع بن أحمد السّدوسيّ، عن أبيه، عن جده، قال:

كان عمران بن حطّان من أهل السّنّة و العلم، فتزوّج امرأة من الشّراة من عشيرته، و قال: أردّها عن مذهبها إلى الحق، فأضلّته و ذهبت به.

[1]ف: «... بن ظبيان بن سعد بن معاوية بن سدوس» .

[2]في ب، بيروت، «المختار» : «و يكنى أبا سماك» .

[3]الشراة: الخوارج، سموا بذلك لقولهم: إننا شرينا أنفسنا في طاعة اللّه، أي بعناها بالجنة حين فارقنا الأئمة الجائرة.

[4]القعدة: العاجزون.

331

طلبه الحجاج فهرب منه إلى الشام‏

و أخبرني بخبره في هربه من الحجاج عمر بن عبد اللّه بن جميل العتكيّ، و محمد بن العباس اليزيديّ، قالا:

حدثنا الرّياشيّ، قال: حدثنا الحكم بن مروان، قال: حدثنا الهيثم بن عديّ قال:

طلب الحجّاج عمران بن حطّان السّدوسيّ، و كان من قعدة الخوارج، فكتب فيه إلى عمّاله و إلى عبد الملك.

و أخبرني بهذا الخبر أيضا الحسن بن عليّ الخفّاف، و محمد بن عمران الصيرفيّ، قالا: حدثنا العنزيّ، قال:

حدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن عبد الصّمد الدّارع، قال: حدّثنا أبو عبيدة معمر بن المثنّى، عن أخيه يزيد بن المثنّى: أن عمران بن حطّان خرج هاربا من الحجاج، فطلبه، و كتب فيه إلى عمّاله و إلى عبد الملك، فهرب و لم يزل يتنقّل في أحياء العرب، و قال في ذلك:

حللنا في بني كعب بن عمرو # و في رعل‏[1]و عامر عوثبان

و في جرم و في عمرو بن مرّ # و في زيد و حيّ بني الغدان‏

عمران و روح بن زنباع‏

ثم لحق بالشأم فنزل بروح بن زنباع الجذاميّ، فقال له روح: ممّن أنت؟قال: من الأزد، أزد السّراة[2]، قال: و كان روح يسمر عند عبد الملك فقال له ليلة: يا أمير المؤمنين إنّ في أضيافنا رجلا ما سمعت منك حديثا قط إلاّ حدّثني به و زاد فيما/ليس عندي قال: ممّن هو؟قال: من الأزد، قال: إني لأسمعك تصف صفة عمران بن حطّان؛ لأنني سمعتك تذكر لغة نزاريّة[3]و صلاة و زهدا و رواية و حفظا، و هذه صفته، فقال روح: و ما أنا و عمران! ثم دعا بكتاب/الحجاج فإذا فيه:

أما بعد، فإنّ رجلا من أهل الشّقاق و النّفاق، قد كان أفسد عليّ أهل العراق و حبّبهم بالشّراية[4]، ثم إني طلبته، فلما ضاق عليه عملي تحوّل إلى الشام، فهو ينتقل في مدائنها، و هو رجل ضرب‏[5]طوال أفوه أروق‏[6]، قال: قال روح: هذه و اللّه صفة الرجل الذي عندي. ثم أنشد عبد الملك يوما قول عمران يمدح عبد الرحمن بن ملجم-لعنه اللّه-بقتله عليّ بن أبي طالب، صلوات اللّه عليه:

يا ضربة من كريم ما أراد بها # إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأفكر فيه ثم أحسبه # أوفى البريّة عند اللّه ميزانا

ثم قال عبد الملك: من يعرف منك قائلها؟فسكت القوم جميعا، فقال لروح: سل ضيفك عن قائلها، قال:

نعم أنا سائله‏[7]، و ما أراه يخفى على ضيفي و لا سألته عن شي‏ء قطّ فلم أجده إلاّ عالما به. و راح روح إلى [1]في «المختار» : عك. و في ف: عتك، تحريف، و رعل: قبيلة من سليم.

[2]في ب، هب، ف: الشراة. و في «المختار» أزد شنوءة.

[3]في ف، «المختار» ، «التجريد» : فزارية.

[4]في هب، «المختار» و حببهم بالشراة.

[5]الضرب: الخفيف اللحم.

[6]الأروق: الطويل الأسنان. و في ب، هب، بيروت: «أزرق» .

[7]في ب: «أنا سائلهم» .

332

أضيافه، فقال: إنّ أمير المؤمنين سألنا عن الذي يقول:

يا ضربة من كريم ما أراد بها # ... ... ... ...

ثم ذكر الشعر، و سألهم عن قائله، فلم يكن عند أحد منهم علم، فقال له عمران: /هذا قول عمران بن حطّان في ابن ملجم قاتل عليّ بن أبي طالب، قال: فهل فيها غير هذين البيتين تفيدنيه؟قال:

نعم:

للّه درّ المراديّ الذي سفكت # كفّاه مهجة شرّ الخلق إنسانا

أمسى عشيّة غشّاه بضربته # ممّا جناه من الآثام عريانا

-صلوات اللّه على أمير المؤمنين، و لعن اللّه عمران بن حطان و ابن ملجم-فغدا روح فأخبر عبد الملك، فقال: من أخبرك بذلك، فقال: ضيفي، قال: أظنّه عمران بن حطّان، فأعلمه أنّي قد أمرتك أن تأتيني به، قال:

أفعل، فراح روح إلى أضيافه فأقبل على عمران، فقال له: إني ذكرتك لعبد الملك، فأمرني أن آتيه بك، قال: كنت أحبّ ذلك منك، و ما منعني من ذكره إلا الحياء منك، و أنا متّبعك، فانطلق. فدخل روح على عبد الملك، فقال له:

أين صاحبك؟فقال: قال لي: أنا متّبعك، قال: أظنّك و اللّه سترجع فلا تجده، فلما رجع روح إلى منزله إذا عمران قد مضى، و إذا هو قد خلّف رقعة في كوّة عند فراشه، و إذا فيها يقول:

يا روح كم من أخي مثوى نزلت به # قد ظنّ ظنّك من لخم و غسّان

حتى إذا خفته فارقت منزله # من بعد ما قيل: عمران بن حطّان

قد كنت ضيفك حولا لا تروّعني # فيه الطوارق من إنس و لا جان

حتى أردت بي العظمى فأوحشني # ما أوحش الناس من خوف ابن مروان

فاعذر أخاك ابن زنباع فإنّ له # في الحادثات هنات ذات ألوان

يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن # و إن لقيت معدّيا فعدناني

لو كنت مستغفرا يوما لطاغية # كنت المقدّم في سرّي و إعلاني

لكن أبت ذاك آيات مطهّرة # عند التّلاوة في طه و عمران‏

نزوله بزفر بن الحارث ثم خروجه من عنده‏

قال: ثم أتى عمران بن حطّان الجزيرة، فنزل بزفر بن الحارث الكلابي بقرقيسيا، فجعل شباب/بني عامر يتعجّبون من صلاته و طولها، و انتسب لزفر أوزاعيّا، فقدم على زفر رجل من أهل الشام قد كان رأى عمران بن حطّان بالشام عند روح بن زنباع، فصافحه و سلّم عليه، فقال زفر للشّامي: أتعرفه؟قال: نعم، هذا شيخ من الأزد، فقال له زفر: أزديّ مرّة و أوزاعيّ أخرى!إن كنت خائفا آمنّاك، و إن كنت عائلا أغنيناك، فقال: إن اللّه هو المغني، و خرج من عنده و هو يقول:

إن الّتي أصبحت يعيا بها زفر # أعيت عياء على روح بن زنباع‏[1]

أمسى يسائلني حولا لأخبره # و الناس من بين مخدوع و خدّاع‏

[1]في «المختار» «عيت عياء» و في ب، س: «... يعني بها زفر... أعيت عناء.. » .

333

حتى إذا انجذمت منّي حبائله # كفّ السّؤال و لم يولع بإهلاعي‏[1]

فاكفف كما كفّ روح إنّني رجل # إمّا صريح و إمّا فقعة القاع‏[2]

أمّا الصّلاة فإني غير تاركها # كلّ امرئ للّذي يعنى به ساعي

فاكفف لسانك عن هزّي و مسألتي # ما ذا تريد إلى شيخ لأوزاع!

أكرم بروح بن زنباع و أسرته # قوما دعا أوّليهم للعلى داعي

جاورتهم سنة فيما دعوت به # عرضي صحيح و نومي غير تهجاع

فاعمل فإنك منعيّ بحادثة # حسب اللّبيب بهذا الشيب من ناعي‏

هروبه من الحجاج إلى روذ ميسان و وفاته بها

ثم خرج فنزل بعمان بقوم يكثرون ذكر أبي بلال مرداس بن أديّة، و يثنون عليه و يذكرون فضله، فأظهر فضله و يسّر أمره عندهم، و بلغ الحجاج مكانه، فطلبه، فهرب فنزل في روذ ميسان-طسّوج من طساسيج السّواد إلى جانب الكوفة-فلم يزل به حتى مات، و قد كان نازلا هناك على رجل من الأزد، فقال في ذلك:

نزلت بحمد اللّه في خير أسرة # أسرّ بما فيهم من الإنس و الخفر

نزلت بقوم يجمع اللّه شملهم # و ما لهم عود سوى المجد يعتصر

من الأزد إنّ الأزد أكرم أسرة # يمانية قربوا[3]إذا نسب البشر

قال اليزيديّ: الإنس بالكسر: الاستئناس. و قال الرّياشي: أراد قربوا فخفّف، قال:

و أصبحت فيهم آمنا لا كمعشر # بدوني‏[4]فقالوا من ربيعة أو مضر

أو الحيّ قحطان و تلك سفاهة # كما قال لي روح و صاحبه زفر

و ما منهم إلا يسرّ بنسبة # تقرّبني‏[5]منهم و إن كان ذا نفر

فنحن بنو الإسلام و اللّه واحد[6] # و أولي عباد اللّه باللّه من شكر

أخبرنا اليزيديّ قال: حدثنا الرّياشيّ قال: حدّثنا الأصمعيّ عن المعتمر بن سليمان قال:

كان عمران بن حطّان رجلا من أهل السنة، فقدم عليه غلام من عمان كأنه نصل، فقلبه عن مذهبه في مجلس واحد.

/أخبرني اليزيديّ، قال: حدثنا الرّياشيّ، قال: حدّثنا مسدّد بن مسرهد، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، عن سلمة[7]بن علقمة، عن محمد بن سيرين، و أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا الحسن‏[8]بن عليل العنزيّ، [1]الإهلاع: الإفزاع و الترويع.

[2]يقال لمن لا أصل له: هو فقعة القاع.

[3]في «المختار» : «تعلو» .

[4]في بيروت: «أتوني» . و في «المختار» : «بدوا بي» .

[5]في ب: «تصيرني» .

[6]في «المختار» : «و اللّه ربنا» .

[7]في ب، س: «مسلم» .

[8]في ب: «الحسين» ، تحريف.

334

قال: حدثنا عمرو بن عليّ القلاّس، /و عباس العنبريّ، و محمد بن عبد اللّه المخزوميّ، قالوا: حدّثنا عبد الرحمن ابن مهديّ، عن بشر بن المفضّل، عن سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال:

تزوّج عمران بن حطّان امرأة من الخوارج فقيل له فيها، فقال: أردّها عن مذهبها فذهبت هي به.

خارجي يتخلف عن الخروج و يتمثل بشعر لعمران‏

نسخت عن بعض الكتب: حدّثنا المدائنيّ، عن جويرية قال:

كتب عيسى الحبطيّ إلى رجل منهم يقال له أبو خالد، كان تخلّف عن الخروج مع قطريّ أو غيره منهم:

أبا خالد أنفر فلست بخالد # و ما ترك الفرقان عذرا لقاعد

أ تزعم أنّا الخارجون على الهدى‏[1] # و أنت مقيم بين لصّ و جاحد!

فكتب إليه: ما منعني عن الخروج إلاّ بناتي و الحدب‏[2]عليهن حين سمعت عمران بن حطّان يقول:

لقد زاد الحياة إليّ حبّا # بناتي إنّهن من الضّعاف

و لو لا ذاك قد سوّمت مهري # و في الرّحمن للضّعفاء كاف‏

/قال: فجلس عيسى يقرأ الأبيات و يبكي، و يقول: صدق أخي، إنّ في ذلك لعذرا له، و إنّ في الرحمن للضعفاء كافيا.

الأخطل يرى أن عمران أشعر الشعراء

و قال هارون: أخذت من خط أبي عدنان: أخبرني أبو ثروان الخارجيّ، قال: سمعت أشياخ الحيّ يقولون:

اجتمعت الشعراء عند عبد الملك بن مروان فقال لهم: أبقي أحد أشعر منكم؟قالوا: لا. فقال الأخطل:

كذبوا يا أمير المؤمنين، قد بقي من هو أشعر منهم، قال: و من هو؟قال عمران بن حطّان، قال: و كيف صار أشعر منهم؟قال: لأنه قال و هو صادق ففاتهم، فكيف لو كذب كما كذبوا!.

الحجاج يتحصن من غزالة الحرورية و عمران يتهكم عليه‏

أخبرنا الحسن بن عليّ قال: حدثنا ابن مهرويه عن ابن أبي سعد، عن أحمد بن محمد بن عليّ بن حمزة الخراسانيّ، عن محمد بن يعقوب بن عبد الوهاب، عن يحيى بن عباد بن عبد اللّه بن الزبير، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن القارئ، عن الزّهريّ، عن أبيه:

أنّ غزالة الحروريّة[3]، لما دخلت على الحجاج هي و شبيب الكوفة، تحصّن منها و أغلق عليه قصره، فكتب إليه عمران بن حطّان، و قد كان الحجاج لجّ في طلبه، قال:

أسد عليّ و في الحروب نعامة # ربداء تجفل من صفير الصافر[4]

هلاّ برزت إلى غزالة في الوغى # بل كان قلبك في جناحي طائر

[1]في هب، ب، «التجريد» : «أ تزعم أن الخارجين على الهدى» .

[2]في ب، هب: «و الحرب» .

[3]الحرورية: فرقة من الخوارج ينسبون إلى حروراء: قرية بقرب الكوفة، كان أول اجتماعهم بها و تعمقوا في أمر الدين حتى مرقوا منه.

[4]ربداء: مقيمة. تجفل: تهرب.

335

صدعت غزالة قلبه بفوارس # تركت مدابره كأمس الدّابر

ثم لحق بالشام فنزل على روح بن زنباع.

عمران يصير حروريّا

أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ، قال: حدّثنا محمد بن خالد أبو حرب، قال: حدثنا محمد بن عبّاد المهلبيّ، قال: حدثنا جرير بن حازم، قال:

كان عمران بن حطّان أشدّ الناس خصومة للحروريّة حتى لقيه أعرابيّ حروريّ فخاصمه فخصمه فصار عمران حروريّا، و رجع عن رأيه.

قال جرير بن حازم: كان الفرزدق يقول: لقد أحسن بنا ابن حطّان حيث لم يأخذ فيما أخذنا فيه، و لو أخذ فيما أخذنا فيه لأسقطنا؛ يعني لجودة شعره.

لا يقول أحد من الشعراء شعرا إلا نسب إليه لشهرته‏

نسخت من كتاب ابن سعد قال: أخبرني الحسن بن عليل العنزيّ، قال: أخبرني أحمد/بن عبد اللّه بن سويد بن منجوف السّدوسيّ، قال: أخبرني أحمد بن مؤرّج، عن أبيه قال: حدثني به تميم بن سوادة، و هو ابن أخت مؤرّج، قال: حدثني أبو العوّام السّدوسيّ، قال:

كان مالك المذموم‏[1]رجلا من بني عامر بن ذهل، و كان من الخوارج، و كان الحجّاج يطلبه. قال أبو العوّام: فدخلت عليه يوما و هو في تواريه، فأنشدني يقول:

أ لم يأن لي يا قلب أن أترك الصّبا # و أن أزجر النفس اللّجوج عن الهوى

و ما عذر من يعمى و قد شاب رأسه # و يبصر أبواب الضّلالة و الهدى

و لو قسم الذّنب الذي قد أصبته # على النّاس خاف النّاس كلّهم الرّدى

فإن جنّ ليل كنت باللّيل نائما[2] # و أصبح بطّال العشيّات و الضّحى‏

قال: فلما فرغ من إنشادها قال: سيغلبني عليها صاحبكم، يعني عمران بن حطّان، فكان كذلك، لمّا شاعت رواها الناس لعمران، و كان لا يقول أحد من الشّعراء شعرا إلاّ نسب إليه لشهرته إلاّ من كان مثله في الشّهرة مثل قطريّ/و عمرو القنا[3]و ذويهما، قال: ثم هرب إلى اليمامة من الحجّاج، فنزل بحجر، فأتاه آل حكّام الحنفيّون‏[4]، فقال:

طيّروني من البلاد و قالوا # مالك النّصف‏[5]من بني حكّام

ناق سيري قد جدّ حقّا[6]بنا السّ # ير و كوني جوّالة في الزّمام‏

[1]في بيروت: المزموم. و في ب: المرموم.

[2]في هب: «... كنت بالليل قائما» . و في ب، بيروت: «و إن جن ليل كان بالليل نائما» .

[3]في ب: «عمرو الغناء» .

[4]في ب: «فأداه إلى بني حكام الحنفيون» ، تحريف.

[5]النصف «بكسر النون و تفتح و تضم» : اسم بمعنى الإنصاف.

[6]في ب: قد جد خفيّا.

336

فمتى تعلقي‏[1]يد الملك الأسـ # ود تستيقني بألاّ تضامي

قد أراني و لي من الحاكم النّصـ # ف بحدّ السّنان أو بالحسام‏

قال: و الملك الأسود إبراهيم بن عربيّ والي اليمامة لعبد الملك، و كان ابن حكّام على شرطته قال:

و منينا بطمطم‏[2]حبشيّ # حالك الوجنتين من آل حام

لا يبالي إذا تضلّع خمرا # أ بحلّ رماك أم بحرام‏[3]

قال العنزيّ: فأخبرني محمد بن إدريس بن سليمان بن أبي حفصة، عن أبيه، قال: كان مالك المذموم من أحسن الناس قراءة للقرآن، فقرأ ذات ليلة فسمعت قراءته امرأة من آل حكّام‏[4]فرمت بنفسها من فوق سطح كانت عليه، فسمع الصوت أهلها، فأتوه فضربوه ضربات، فاستعدى عليهم إبراهيم بن عربيّ، و كان عبد اللّه/بن حكّام على شرطته فلم يعده‏[5]عليهم، فهجاه بالأبيات الماضية، و هجاه بقصيدته التي أوّلها:

دار سلمى بالجزع ذي الآطام # خبّرينا سقيت صوب الغمام‏

و هي طويلة ينسبونها أيضا إلى عمران بن حطّان.

الفرزدق يعترف بتفوقه و نبوغه‏

أخبرني أحمد بن الحسين الأصبهانيّ ابن عمّي قال: حدّثني أبو جعفر بن رستم الطبريّ النّحويّ، قال: حدثنا أبو عثمان المازنيّ، قال: حدّثنا عمرو بن مرّة[6]، قال:

مرّ عمران بن حطّان على الفرزدق و هو ينشد و الناس حوله، فوقف عليه، ثم قال:

أيّها المادح العباد ليعطى # إنّ للّه ما بأيدي العباد

فاسأل اللّه ما طلبت إليهم # و ارج فضل المقسّم العوّاد

/لا تقل في الجواد ما ليس فيه # و تسمّي البخيل باسم الجواد

فقال الفرزدق: لو لا أنّ اللّه عز و جل شغل عنا هذا برأيه للقينا منه شرّا.

مسلمة بن عبد الملك يبكيه شعر لعمران‏

و قال هارون بن الزّيّات: أخبرني عبد الرحمن بن موسى الرّقيّ، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن حميد بن سليمان بن حفص بن عبد اللّه بن أبي جهم بن حذيفة بن غانم العدويّ‏[7]، قال: حدثنا يزيد بن مرة، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى عن عيسى بن يزيد بن بكر المدنيّ، قال:

اجتمع عند مسلمة بن عبد الملك ناس من سمّاه، فيهم عبد اللّه بن عبد الأعلى الشّاعر، فقال مسلمة: أيّ بيت [1]في ب: «تلقني» . و في هب: «نلتقي» ، و سقط البيت الثاني منها.

[2]رجل طمطم كزبرج: في لسانه عجمة.

[3]تضلع: امتلأ. و في ف، بيروت: «بحلال رماك... » .

[4]في ب: «من آل حام» .

[5]لم يعده: لم ينصره.

[6]في ب، هب: «عمرو بن ترمذة» .

[7]في ب: «... بن سديفة بن هاشم العدوي» بدلا من «حذيفة بن غانم العدوي» .

337

قالته العرب أوعظ و أحكم؟فقال له عبد اللّه قوله:

صبا ما صبا حتى علا الشّيب رأسه # فلما علاه قال للباطل ابعد

/فقال مسلمة: إنّه و اللّه ما وعظني شعر قطّ كما وعظني شعر ابن حطّان حيث يقول:

فيوشك يوم أن يقارن ليلة # يسوقان حتفا راح نحوك أو غدا

فقال بعض من حضر: و اللّه لقد سمعته أجّل الموت ثم أفناه، و ما صنع هذا غيره، فقال مسلمة: و كيف ذاك؟ قال: قال:

لا يعجز الموت شي‏ء دون خالقه # و الموت فان إذا ما ناله الأجل

و كلّ كرب أمام الموت متّضع # للموت، و الموت فيما بعده جلل‏

فبكى مسلمة حتى اخضلّت لحيته، ثم قال: ردّدهما عليّ، فردّدهما عليه حتى حفظهما.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدثنا منيع بن أحمد بن مؤرّج السّدوسيّ، عن أبيه، عن جدّه، قال:

تزوج عمران بن حطّان حمزة بنت عمه ليردّها عن مذهب الشّراية، فذهبت به إلى رأيهم، فجعل يقول فيها الشعر، فممّا قال فيها:

يا حمز إنّي على ما كان من خلقي # مثن بخلاّت صدق كلّها فيك

اللّه يعلم أنّي لم أقل كذبا # فيما علمت و أنّي لا أزكّيك‏

امرأته تتهمه بالكذب في شعره فيرد اتهامها

أخبرني الحسن، قال: حدثنا محمد بن موسى، و حدثني بعض أصحابنا، عن العمريّ، عن الهيثم بن عديّ:

أنّ امرأة عمران بن حطّان قالت له: أ لم تزعم أنّك لا تكذب في شعرك؟قال: بلى، قالت: أ فرأيت قولك:

و كذاك مجزأة بن ثو # ر كان أشجع من أسامة

أ يكون رجل أشجع من الأسد؟قال: نعم، إنّ مجزأة بن ثور فتح مدينة كذا، و الأسد لا يقدر على فتح مدينة.

صوت‏

نديميّ قد خفّ الشّراب و لم أجد # له سورة في عظم رأسي و لا جلدي

نديميّ هذي غبّهم فاشربا بها # و لا خير في شرب يكون على صرد[1]

الشعر لعمار بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، و الغناء لابن سريج خفيف ثقيل.

[1]سقاه الخمر صردا، أي صرفا. و في ف، بيروت: «على حرد» .

338

9-أخبار عمارة بن الوليد و نسبه‏

نسبه‏

عمارة بن الوليد، بن المغيرة، بن عبد اللّه، بن مخزوم، بن يقظة، بن مرّة، بن كعب، بن لؤيّ، بن غالب، و هو أحد أزواد الرّكب‏[1]، و يقال له الوحيد، و كان أزواد الرّكب لا يمرّ عليهم أحد إلا قروه و أحسنوا ضيافته، و زوّدوه ما يحتاج إليه لسفره، و كان عمارة بن الوليد فخورا معنّا[2]متعرّضا لكل ذي عارضة من قريش، فأخبرني عمّي قال: حدّثنا عبد اللّه بن شبيب، قال: حدثنا الزّبير بن بكّار، عن الحزاميّ، قال:

مرّ عمارة بن الوليد بمسافر بن عمرو، فوقف عليه و هو منتش، فقال:

خلق البيض الحسان لنا # و جياد الرّيط و الأزر

كابرا كنّا أحقّ به # حين صيغ الشّمس و القمر

فأجابه مسافر بن عمرو بن أميّة، فقال:

أعمار بن الوليد لقد # يذكر الشّاعر من ذكره‏[3]

هل أخو كأس مخفّفها # و موقّ صحبه سكره

و محيّيهم إذا شربوا # و مقلّ فيهم هذره

خلق البيض الحسان لنا # و جياد الرّيط و الحبره

كابرا كنّا أحقّ به # كلّ حيّ تابع أثره‏

يعود إلى الشراب بعد أن عاهد امرأته على تركه‏

أخبرني عمّي قال: حدثنا الكرانيّ، قال: حدّثنا العمريّ، عن الهيثم بن عديّ/عن حمّاد الراوية: أنّ عمارة بن الوليد خطب امرأة من قومه فقالت: لا أتزوّجك أو تترك الشّراب و الزّنا، قال: أما الزّنا فأتركه، و أما الشّراب فلا أتركه و لا أستطيع. ثم اشتدّ وجده بها فحلف ألاّ يشرب، فتزوجها و مكث حينا لا يشرب، ثم إنه لبس ذات يوم حلّته و ركب ناقته و خرج يسير، فمر بخمّار و عنده شرب يشربون، فدعوه فدخل عليهم و قد أنفدوا ما عندهم، فقال للخمّار: أطعمهم ويلك، فقال: ليس عندي شي‏ء، فنحر لهم ناقته، فأكلوا منها، فقال: اسقهم، و لم يكن معهم شي‏ء يشربون به، فسقاهم ببردته، و مكثوا أياما ذوات عدد، ثم خرج فأتى أهله، فلما رأته امرأته، [1]في «القاموس» (زود) : أزواد الركب: مسافر بن أبي عمرو، و زمعة بن الأسود، و أبو أمية بن المغيرة؛ لأنه لم يكن يتزود معهم أحد في سفر، يطعمونه و يكفونه الزاد» .

[2]المعن: من يدخل فيما لا يعنيه و يعرض في كل شي‏ء. و في «المختار» : «متعرضا لكل من عارضه من قريش» . و في ف: معيا. و في بيروت: معييا.

[3]ف، «المختار» ، بيروت: «يذكر الإنسان من ذكره» .

339

قالت له: أ لم تحلف ألاّ تشرب؟و لامته، فقال:

و لسنا بشرب أمّ عمرو[1]إذا انتشوا # ثياب النّدامى عندهم كالغنائم

و لكنّنا يا أمّ عمرو نديمنا # بمنزلة الرّيّان ليس بعائم

أسرّك لما صرّع القوم نشوة # أن أخرج منها سالما غير غارم

خليّا كأنّي لم أكن كنت فيهم # و ليس الخداع مرتضى في التّنادم‏

ملاحاة بينه و بين عمرو بن العاص‏

[أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن محمد بن قادم مولى بني هاشم، قال: حدثني عمي: أحمد بن جعفر، عن ابن دأب، قال:

قدم رجل من تجار الروم بحلّة من لباس قيصر على أهل مكة، فأتى بها عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، فعرضها عليه بمائة حقّ من الإبل، فاستغلاها، فأتى بها عمرو بن العاص، فقال له: هل أتيت بها أحدا؟ قال: نعم، عمارة بن الوليد فاستغلاها و قال: لن تعدم لها غويّا من بني سهم، قال: قد أخذتها، فاشتراها بمائة حقّ، يعني مائة بعير، ثم أقبل يخطر فيها حتى أتى بني مخزوم، فناداه عمارة: أ تبيع الحلّة يا عمرو؟فغضب و التفت إلى عمارة، فقال:

/

عليك بجزّ رأس أبيك إنّا # كفيناك المسهّمة[2]الرّقاقا

زووها[3]عنكم و غلت عليكم # و أعطينا بها مائة حقاقا

و قلتم: لا نطيق ثياب سهم # و كلّ سوف يلبس ما أطاقا

قال: فغضب عمارة و قال: يا عمرو، ما هذا التّهوّر؟إنك لست بعتبة بن ربيعة، و لا بأبي سفيان بن حرب، و لا الوليد بن المغيرة، و لا سهيل بن عمر، و لا أبيّ بن خلف، فقال عمرو: إلاّ أكن بعضهم فإن كلّ واحد منهم خير ما فيه فيّ: من عتبة حلمه، و من أبي سفيان رأيه، و من سهيل جوده، و من أبيّ بن خلف نجدته، و أما الوليد فو اللّه ما أحب أنّ فيّ كلّ ما فيه من خير و شر، و لكنك و اللّه مالك عقل الوليد، و لا بأس الحارث بن هشام و خالد بن الوليد، و لا لسان أبي الحكم، يعني أبا جهل. و انصرف، فأمر عمارة بجزور فنحرت على طريق عمرو، و أقبل عمرو فقال: لمن هذه الجزور؟قيل: لعمارة، فقال له: أطعمنا منها يا عمارة، فضحك منه، ثم قال:

عليك بجزر أير أبيك إنا # كفيناك المشاشة و العراقا[4]

و منسبة الأطايب من قريش # و لم تر كأسنا إلاّ دهاقا

و نلبس في الحوادث كلّ زغف‏[5] # و عند الأمن أبرادا رقاقا

فوقع الشرّ بينهم، فقال عمرو:

[1]في ب، ما: «أم عوف» .

[2]سهّم الثوب و غيره: صور فيه سهاما، فهو مسهم.

[3]زووها عنكم: صرفوها و نحّتوها.

[4]المشاشة: رأس العظم اللين الذي يمكن مضغه. و العراق: العظم أكل لحمه.

[5]الزغف: الدرع الواسعة الطويلة.

340

لعمر أبيك و الأخبار تنمي # لقد هيّجتني يا ابن الوليد

فلا تعجل عمارة إنّ سهما # لمخزوم بن يقظة في العديد

و أورد يا عمارة إنّ عودي # من أعواد الأباطح خير عود

/فأجابه عمارة، فقال:

ألا يا عمرو هل لك في قريش # أب مثل المغيرة و الوليد

و جدّ مثل عبد اللّه ينمي # إلى عمرو بن مخزوم بعود

إذا ما عدّت الأعواد نبعا # فمالي في الأباطح من نديد

و قد علمت سراة بني لؤيّ # بأنّي غير مؤتشب زهيد

و إني للمنابذ من قريش # شجا في الحلق من دون الوريد

أحوط ذمارهم‏[1]و أكفّ عنهم # و أصبر في وغا اليوم الشّديد

و أبذل ما يضنّ به رجال # و تطعمني المروءة في المزيد

و إنك من بني سهم بن عمرو # مكان الرّدف من عجز القعود

و كان أبوك جزّارا... و كانت # له فأس و قدر من حديد[2]]

أخبرني عمّي قال: حدّثنا الكرانيّ، عن العمريّ، عن أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، أنّ عمر بن الخطاب قسم برودا في المهاجرين.

عمر بن الخطاب يتمثل بشعره‏

قال العمريّ: هكذا ذكر أبو عوانة، و قد حدثني الهيثم، عن أبي يعقوب الثّقفيّ، عن عبد الملك بن عمير، قال: أخبرني من شهد ذلك:

أن عبد اللّه بن أبي ربيعة المخزوميّ بعث إلى عمر بن الخطاب بحلل من اليمن، فقال عمر: عليّ بالمحمّدين، فأتي بمحمد بن أبي بكر، و محمد بن جعفر بن أبي طالب، و محمد بن طلحة بن عبيد اللّه، و محمد بن/عمرو بن حزم، و محمد بن حاطب بن أبي بلتعة، و محمد بن حطّاب‏[3]أخي حاطب، و كلهم سمّاه النبي صلّى اللّه عليه و سلم محمدا، فأقبلوا، فاطّلع محمد بن حطّاب‏[4]/فيها، فقال له عمر: يا شيبة معمر-يعني عمّا له قتل يوم بدر-اكفف، و كان زيد بن ثابت الأنصاريّ عنده، فقال له عمر: أعطهم حلّة حلّة، فنظر إلى أفضلها، و كانت أمّ أحدهم عنده، فقال عمر: ما هذا؟فقال: هذه لفلان، الذي هو ربيبه، فقال عمر: أردده، و تمثل بقول عمار بن الوليد:

أسرّك لمّا صرّع القوم نشوة # أن اخرج منها سالما غير غارم

خليّا كأني لم أكن كنت فيهم # و ليس الخداع مرتضى في التّنادم‏[5]

[1]أحوط ذمارهم: أحفظ ما يلزمني حفظه و الدفاع عنه.

(2-2) انفردت نسخة بهذا الخبر من ص 123-125 طبعة دار الكتب.

[3]في ب: «محمد بن حاطب» .

[4]في ب: «فاطلع على محمد بن حطاب» ، تصحيف.

[5]في ما: «و ليس الخداع مرتضى في التراتم» .

341

و قال أبو عوانة: ..... من تصافي التنادم.

ثم أمر بالبرود فغطّيت بثوب، ثم خلطها[1]، ثم قال: ليدخل كلّ امرئ يده فليأخذ حلّته و ما قسم له.

صوت‏

قد يجمع المال غير آكله # و يأكل المال غير من جمعه

فاقبل من الدّهر ما أتاك به # من قرّ عينا بعيشه نفعة

لكلّ همّ من الهموم سعه # و الصّبح و المسي لا فلاح معه‏[2]

الشعر للأضبط بن قريع، و الغناء لأحمد بن يحيى المكّي، ثقيل أول بالسّبابة في مجرى البنصر من روايته، و سمعناه يغني في طريقة خفيف رمل، فسألت عنه ذكاء وجه الرّزّة، فذكر أنه سمعه من محمد بن يحيى المكيّ في هذه الطريقة، و لم يعرف صانعه و لا سأل عنه.

[1]في ب، س، بيروت: خللها.

[2]في ف، «المختار» : «لا بقاء معه» .

342

10-أخبار الأضبط و نسبه‏

كان الأضبط مفركا

أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني عبد اللّه بن طاهر، قال: قال أبو محلّم: أخبرني ضرار[1]بن عيينة، أحد بني عبد شمس، قال:

كان الأضبط بن قريع مفرّكا[2]، و كان إذا لقي في الحرب تقدم أمام الصف، ثم قال:

أنا الذي تفركه حلائله # أ لا فتى معشّق أنازله!

قال: فاجتمع نساؤه ذات ليلة يسمرن، فتعاقدن على أن يصدقن الخبر عن فرك الأضبط، فأجمعن أن ذلك لأنه بارد الكمرة، فقالت لإحداهنّ خالتها: أ تعجز إحداكنّ إذا كانت ليلته منها أن تسخن كمرته بشي‏ء من دهن؟فلما سمع قولها صاح: يا آل عوف، يا آل عوف، فثار الناس و ظنوا أنه قد أتي، فقال: أوصيكم بأن تسخنوا الكمرة فإنه لا حظوة لبارد الكمرة، فانصرفوا يضحكون، و قالوا: تبّا لك، أ لهذا دعوتنا!.

شعره فيمن خالفوه‏

قال أبو محلّم: كانت أمّ الأضبط عجيبة[3]بنت دارم بن مالك بن حنظلة، و خالته الطّموح‏[4]بنت دارم أم جشم و عبشمس‏[5]ابني كعب بن سعد، فحارب بنو الطّموح قوما من بني سعد، فجعل الأضبط يدسّ إليهم الخيل و السلاح و لا يصرّح بنصرتهم خوفا من أن يتحزّب قومه حزبين معه و عليه، و كان يشير عليهم/بالرأي فإذا أبرمه نقضوه و خالفوا عليه، و أروه مع ذلك أنهم على رأيه، فقال في ذلك:

/

لكل همّ من الهموم سعه # و المسي و الصّبح لا فلاح معه‏[6]

لا تحقرنّ الفقير علّك أن # تركع يوما و الدهر قد رفعه‏[7]

وصل حبال البعيد إن وصل الحبـ # ل و أقص القريب إن قطعه

قد يجمع المال غير آكله # و يأكل المال غير من جمعه‏

[1]في ف، بيروت: صبار.

[2]المفرك: المتروك المبغض.

[3]في ب، هب، «المختار» : عجبة.

[4]في ب، هب: الطم بنت دارم.

[5]في ف، بيروت: «... بن جشم و عبد شمس» .

[6]صدر البيت في «الشعر و الشعراء» 226، ط ليدن:

«يا قوم من عاذري من الخدعة»

. و في «الخزانة» 4-591:

«لكل ضيق من الأمور سعه»

، و في «المختار» : «لا بقاء معه» بدل: «لا فلاح معه» .

[7]في «الشعر و الشعراء» 226:

«لا تهين الفقير... أن تخشع»

.

343

ما بال من غيّه مصيبك لا # يملك شيئا من أمره وزعه‏[1]

حتى إذا ما انجلت غوايته # أقبل يلحى و غيّه فجعه

أذود عن نفسه و يخدعني # يا قوم من عاذري من الخدعه

فاقبل من الدّهر ما أتاك به‏[2] # من قرّ عينا بعيشه نفعه‏

نشوز امرأته عليه و شعره في ذلك‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا الخراز عن المدائنيّ، قال:

كان الأضبط بن قريع قد تزوج امرأة على مال و وصيفة، فنشزت عليه، ففارقها و لم يعطها ما كان ضمن لها، فلما احتملت أنشأ يقول:

أ لم ترها بانت بغير وصيفة # إذا ما الغواني صاحبتها الوصائف

و لكنها بانت شموس بزيّة # منعّمة الأخلاق حدباء شارف

لو أنّ رسول اللّهو سلّم واقفا # عليها لرامت وصله و هو واقف‏

أبو عبيدة و خلف لا يعرفان إلا بيتا و عجز بيت من قصيدة له‏

أخبرنا وكيع قال: حدثنا ابن أبي سعيد[3]، قال:

حدثنا الجمّاز، قال: أنشدت أبا عبيدة و خلفا الأحمر شعر الأضبط:

وصل حبال البعيد إن وصل الحبـ # ل و أقص القريب إن قطعه‏

فما عرفا منه إلا بيتا و عجز بيت، فالبيت الذي عرفاه:

فاقبل من الدّهر ما أتاك به # .......

و العجز:

يا قوم من عاذري من الخدعة

و الخدعة: قوم من بني سعد[4]بن زيد مناة بن تميم.

صوت‏

و ما أنا في أمري و لا في خصومتي # بمهتضم حقّي و لا قارع سنّي‏[5]

و لا مسلم مولاي عند جناية # و لا خائف مولاي من شرّ ما أجني‏

الشعر لأعشى بني ربيعة، و الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى، عن عمرو.

[1]وزعه: كفه.

[2]في «سمط اللآلي» 1/326: «و اقنع من الدهر... » .

[3]في ب: سعيد. و في هب: ابن سعد.

[4]في «سمط اللآلي» 1-327: قوم من سعد....

[5]ف: «قرني» . و في «سمط اللآلي» 906: «و لا سالم قرني» .

344

11-أخبار الأعشى و نسبه‏

نسبه‏

الأعشى اسمه عبد اللّه بن خارجة بن حبيب بن قيس بن عمرو بن حارثة بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة الحصين بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بين جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار: شاعر إسلامي من ساكني الكوفة، و كان مروانيّ المذهب، شديد التعصب لبني أمية.

قدومه على عبد الملك‏

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدثنا عمّي محمد بن عبيد اللّه عن محمد بن حبيب‏[1]، و أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، عن عمه العباس بن هشام، عن أبيه، قالا:

قدم أعشى بني ربيعة على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك: ما الذي بقي منك؟قال: أنا الذي أقول:

/

و ما أنا في أمري و لا في خصومتي # بمهتضم حقّي و لا قارع سنّي

و لا مسلم مولاي عند جناية # و لا خائف مولاي من شر ما أجني

و إن فؤادي بين جنبيّ عالم # بما أبصرت عيني و ما سمعت أذني

و فضّلني في الشّعر و اللّبّ أنّني # أقول على علم و أعرف من أعني

فأصبحت إذ فضّلت مروان و ابنه # على الناس قد فضّلت خير أب و ابن‏

فقال عبد الملك: من يلومني على هذا؟و أمر له بعشرة آلاف درهم، و عشرة تخوت/ثياب، و عشر فرائض من الإبل، و أقطعه ألف جريب‏[2]، و قال له: امض إلى زيد الكاتب يكتب لك بها، و أجرى له على ثلاثين عيّلا[3] فأتى زيدا فقال له: ائتني غدا، فأتاه فجعل يردّده، فقال له:

يا زيد يا فداك كلّ كاتب # في الناس بين حاضر و غائب

هل لك في حقّ عليك واجب # في مثله يرغب كلّ راغب

و أنت عفّ طيّب المكاسب # مبرّأ من عيب كلّ عائب

و لست-إن كفيتني‏[4]و صاحبي # طول غدوّ و رواح دائب‏

[1]و حبيب أمه، و انظر «تحفة الأبيه فيمن نسب إلى غير أبيه» .

[2]الجريب من الأرض: ثلاثة آلاف و ستمائة ذراع، و قيل: عشرة آلاف ذراع.

[3]عيل الرجل: أهل بيته الذين يتكفل بهم من أزواج و أولاد و أتباع.

[4]في ف: كلفتني.

345

و سدّة الباب‏[1]و عنف الحاجب # -من نعمة أسديتها بخائب‏

فأبطأ عليه زيد، فأتى سفيان بن الأبرد الكلبيّ، فكلّمه سفيان فأبطأ عليه، فعاد إلى سفيان، فقال له:

عد إذ بدأت أبا يحيى فأنت لها # و لا تكن حين هاب النّاس هيّابا[2]

و اشفع شفاعة أنف لم يكن ذنبا # فإنّ من شفعاء النّاس أذنابا

فأتى سفيان زيدا الكاتب فلم يفارقه حتى قضى حاجته.

بحث عبد الملك على الخروج لمحاربة ابن الزبير

قال محمد بن حبيب: دخل أعشى بني أبي ربيعة[3]على عبد الملك و هو يتردد في الخروج لمحاربة ابن الزبير و لا يجدّ، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما لي أراك متلوّما ينهضك الحزم و يقعدك العزم، و تهم بالإقدام و تجنح إلى الإحجام، انقد لبصيرتك/و أمض رأيك، و توجّه إلى عدوّك، فجدّك مقبل، و جدّه مدبر، و أصحابه له ماقتون، و نحن لك محبّون، و كلمتهم مفترقة، و كلمتنا عليك مجتمعة، و اللّه ما تؤتى من ضعف جنان، و لا قلّة أعوان، و لا يثبّطك عنه ناصح، و لا يحرّضك عليه غاشّ، و قد قلت في ذلك أبياتا فقال: هاتها، فإنك تنطق بلسان ودود و قلب ناصح، فقال:

آل الزّبير من الخلافة كالّتي # عجل النّتاج بحملها فأحالها

أو كالضّعاف من الحمولة حمّلت # ما لا تطيق فضيّعت أحمالها

قوموا إليهم لا تناموا عنهم # كم للغواة أطنتموا إمهالها[4]

إنّ الخلافة فيكم لا فيهم # ما زلتم أركانها و ثمالها[5]

أمسوا على الخيرات قفلا مغلقا[6] # فانهض بيمنك فافتتح أقفالها

فضحك عبد الملك، و قال: صدقت يا أبا عبد اللّه، إنّ أبا خبيب لقفل دون كل خير، و لا نتأخّر عن مناجزته إن شاء اللّه، و نستعين اللّه عليه، و هو حسبنا و نعم الوكيل، و أمر له بصلة سنية.

جفاء الحجاج ثم سر بكلامه‏

/قال ابن حبيب: كان الحجّاج قد جفا الأعشى و اطّرحه لحالة كانت عند بشر بن مروان، فلما فرغ الحجّاج من حرب الجماجم ذكر فتنة ابن الأشعث، و جعل يوبّخ أهل العراق، و يؤنّبهم، فقال من حضر من أهل البصرة: إنّ الرّيب و الفتنة بدئا من أهل الكوفة، و هم أول من خلع الطاعة و جاهر بالمعصية، فقال أهل الكوفة: لا، بل أهل البصرة أوّل من أظهر المعصية مع جرير بن هميان السّدوسيّ، إذ جاء مخالفا من السّند[7]. و أكثروا من ذلك، فقام [1]في ف: و شدة الباب.

[2]في ب: «... و لا تكن من كلام الناس هيابا» .

[3]في أ، ف: «أعشى بني ربيعة» ، و يقال له أعشى بني ربيعة نسبة إلى ربيعة بن نزار، و أعشى بني أبي ربيعة نسبة إلى أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان» .

[4]في ف: إهمالها.

[5]ثمالها: غياثها.

[6]في ف: موثقا.

[7]في ب: «إذ جاء من الهند» .

346

أعشى بني أبي ربيعة، فقال: أصلح اللّه الأمير/لا براءة من ذنب، و لا ادّعاء على اللّه في عصمة لأحد من المصرين، قد و اللّه اجتهدوا جميعا في قتالك، فأبى اللّه إلاّ نصرك؛ ذلك أنهم جزعوا و صبرت، و كفروا و شكرت، و غفرت إذ قدرت، فوسعهم عفو اللّه و عفوك فنجوا، فلولا ذلك لبادوا و هلكوا، فسرّ الحجّاج بكلامه و قال له جميلا، و قال: تهيّأ للوفادة إلى أمير المؤمنين حتى يسمع هذا منك شفاها، انتهى.

اعتذاره للحجاج من رثائه عبد اللّه بن الجارود

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثني حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال: بلغ الحجّاج أنّ أعشى بني أبي ربيعة رثى عبد اللّه بن الجارود، فغضب عليه، فقال يعتذر إليه:

أبيت كأنّي من حذار ابن يوسف # طريد دم ضاقت عليه المسالك

و لو غير حجّاج أراد ظلامتي # حمتني من الضّيم السّيوف الفواتك

و فتيان صدق من ربيعة قصرة # إذا اختلفت يوم اللّقاء النّيازك‏[1]

يحامون عن أحسابهم بسيوفهم # و أرماحهم و اليوم أسود حالك‏

مدحه عبد الملك بن مروان‏

أخبرني أبو الحسن الأسديّ، قال: حدّثني أحمد بن عبد اللّه بن عليّ‏[2]بن سويد بن منجوف، عن ابن مؤرّج، عن أبيه، قال:

دخل أعشى بني أبي ربيعة على عبد الملك بن مروان، فأنشده قوله:

رأيتك أمس خير بني معدّ # و أنت اليوم خير منك أمس

و أنت غدا تزيد الضّعف ضعفا # كذاك تزيد سادة عبد شمس‏[3]

/فقال له: من أيّ بني أبي ربيعة أنت؟قال: فقلت له: من بني أمامة، قال: فإن أمامة ولد[4]رجلين: قيسا و حارثة، فأحدهما نجم، و الآخر خمل. فمن أيهما أنت؟قال: قلت: أنا من ولد حارثة، و هو الذي كانت بكر بن وائل توّجته، قال: فقام بمخصرة[5]في يده، فغمز بها في بطني، ثم قال: يا أخا بني أبي ربيعة همّوا و لم يفعلوا، فإذا حدّثتني فلا تكذبني، فجعلت له عهدا ألا أحدّث قرشيّا بكذب أبدا.

مدحه أسماء بن خارجة

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا ابن أبي سعد، قال: حدّثني أحمد بن الهيثم السّلميّ‏[6]، قال: حدثني أبو فراس محمد بن فراس، عن الكلبيّ، قال:

[1]يقال: فلان ابن عمه قصرة، أي قريب. و النيازك: الرماح القصيرة.

[2]في ب: «حدثني عبد اللّه بن علي» .

[3]في «المؤتلف و المختلف» 10: «و أنت غدا تزيد الضعف خيرا» . و بعده:

و تاج الملك ليس يزال فيهم # يحوّل فوق رأس كل رأس‏

[4]ف: ولدت رجلين.

[5]المخصرة: ما يأخذه الملك بيده يشير به إذا خاطب و الخطيب إذا خطب.

[6]في هب، ب: الشامي.

347

أتى أعشى بني أبي ربيعة أسماء بن خارجة فامتدحه فأعطاه و كساه، فقال:

لأسماء بن خارجة بن حصن # على عب‏ء النّوائب و الغرامه

أقلّ تعلّلا يوما و بخلا # على السّؤال من كعب بن مامة

و مصقلة الذي يبتاع بيعا # ربيحا فوق ناجية بن سامه‏

قال الكلبيّ: جعل ناجية رجلا و هي امرأة؛ لضرورة الشعر.

مدحه سليمان بن عبد الملك‏

قال أبو فراس: فحدّثني/الكلبيّ، عن خداش، قال:

دخل أعشى بني أبي ربيعة على سليمان بن عبد الملك و هو وليّ عهد فقال:

أتينا سليمان الأمير نزوره # و كان امرأ يحبى‏[1]و يكرم زائره

/إذا كنت في النّجوى به متفرّدا # فلا الجود مخليه و لا البخل حاضره‏[2]

كلا شافعي‏[3]سؤّاله من ضميره # على البخل ناهيه و بالجود آمره‏[4]

فأعطاه و أكرمه و أمر كلّ من كان بحضرته من قومه و مواليه بصلته، فوصلوه فخرج و قد ملأ يديه.

صوت‏

نأتك أمامة إلاّ سؤالا # و إلاّ خيالا يوافي خيالا

يوافي مع الليل ميعادها # و يأبى مع الصّبح إلا زيالا

فذلك يبذل من ودّها # و لو شهدت لم توات النّوالا

فقد ريع قلبي إذ أعلنوا # و قيل أجدّ الخليط احتمالا[5]

الشعر لعمرو بن قميئة، و الغناء لحنين خفيف رمل بالوسطى من رواية أحمد بن يحيى المكيّ، و ذكر الهشاميّ و غيره أنه من منحول يحيى إلى حنين.

[1]ف: يحيا.

[2]في هب: ناصره.

[3]في ب، س: فلا شافعي.

[4]في شرح «ديوان الحماسة» 4-287: «عن الجهل ناهيه و بالحلم آمره» .

[5]في ب، س: الزيالا.

348

12-أخبار عمرو بن قميئة و نسبه‏

نسبه‏

هو فيما ذكر أبو عمرو الشّيبانيّ، عن أبي برزة: عمرو بن قميئة بن ذريح بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.

قال ابن الكلبيّ: ليس من العرب من له ولد، كلّ واحد منهم قبيلة مفردة قائمة بنفسها غير ثعلبة بن عكابة، فإنه ولد أربعة كلّ واحد منهم قبيلة: شيبان بن ثعلبة، و هو أبو قبيلة، و قيس بن ثعلبة، و هو أبو قبيلة، و ذهل بن ثعلبة و هو أبو قبيلة، [1]و تيم اللّه بن ثعلبة و هو أبو قبيلة[1].

و كان عمرو بن قميئة من قدماء الشعراء في الجاهلية، و يقال: إنه أوّل من قال الشعر من نزار، و هو أقدم من امرئ القيس، و لقيه امرؤ القيس في آخر عمره فأخرجه معه إلى قيصر لمّا توجه إليه فمات معه في طريقه، و سمّته العرب عمرا الضائع لموته في غربة و في غير أرب و لا مطلب.

بعض صفاته‏

نسخت خبره من روايتي أبي عمرو الشّيبانيّ، و مؤرّج، و أخبرني ببعضه الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي سعد، عن ابن الكلبيّ، فذكرت ذلك في مواضعه، و نسبته إلى رواته، قالوا جميعا:

كان عمرو بن قميئة شاعرا فحلا متقدّما، و كان شابّا جميلا حسن الوجه مديد القامة حسن الشّعر[2]، و مات أبوه و خلّفه صغيرا، فكفله عمّه مرثد بن سعد، /و كانت سبّابتا قدميه و وسطياهما ملتصقتين، و كان عمّه‏[3]محبّا له معجبا به، رقيقا عليه.

مراودة امرأة عمه له و امتناعه عليها

و أخبرني عمّي قال: حدّثنا الكرانيّ، قال: حدّثنا أبو عمر العمريّ، عن لقيط، و ذكر مثل ذلك سائر الرّواة:

أنّ مرثد بن سعد بن مالك عمّ عمرو بن قميئة كانت عنده امرأة ذات جمال، فهويت عمرا و شغفت به، و لم تظهر له ذلك، فغاب مرثد/لبعض أمره-و قال لقيط في خبره: مضى يضرب بالقداح-فبعثت امرأته إلى عمرو تدعوه على لسان عمّه، و قالت للرّسول: ائتني به من وراء البيوت، ففعل، فلما دخل أنكر شأنها، فوقف ساعة، ثم راودته عن نفسه، فقال: لقد جئت بأمر عظيم، و ما كان مثلي ليدعى لمثل هذا، و اللّه لو لم أمتنع من ذلك وفاء (1-1) تكملة من ف، هب، «مختار الأغاني» .

[2]في هب، ب: الشعرة.

[3]في ب: حيه.

349

لأمتنعنّ منه خوف الدّناءة و الذّكر القبيح الشّائع عنّي في العرب، قالت: و اللّه لتفعلنّ أو لأسوأنّك، قال: إلى المساءة تدعينني. ثم قام فخرج من عندها، و خافت أن يخبر عمّه بما جرى، فأمرت بجفنة فكفئت على أثر عمرو، فلما رجع عمّه وجدها متغضّبة، فقال لها: ما لك؟قالت: إنّ رجلا من قومك قريب القرابة، جاء يستامني نفسي و يريد فراشك منذ خرجت، قال: من هو؟قالت: أما أنا فلا أسمّيه، و لكن قم فافتقد أثره تحت الجفنة، فلما رأى الأثر عرفه.

هروبه من عمه إلى الحيرة

قال مؤرّج في خبره: فحدّثني أبو برزة و علقمة بن سعد و غيرهما من بني قيس بن ثعلبة، قالوا:

و كان لمرثد سيف يسمّى ذا الفقار، فأتى ليضربه به، فهرب فأتى الحيرة، فكان عند اللّخميّين و لم يكن يقوى على بني مرثد لكثرتهم، و قال لعمرو بن هند: إنّ القوم اطّردوني، فقال له: ما فعلوا إلا و قد أجرمت، و أنا أفحص /عن أمرك، فإن كنت مجرما ما رددتك إلى قومك، فغضب و همّ بهجائه و هجاء مرثد، ثم أعرض عن ذلك، و مدح عمّه و اعتذر إليه، انتهى.

و أما أبو عمرو فإنّه قال:

لما سمع مرثد بذلك، هجر عمرا و أعرض عنه، و لم يعاقبه‏[1]لموضعه من قلبه، فقال عمرو يعتذر إلى عمّه:

خليليّ لا تستعجلا أن تزوّدا # و أن تجمعا شملي و تنتظرا غدا

فما لبثي يوما بسائق مغنم # و لا سرعتي يوما بسائقة الرّدى‏[2]

و إن تنظراني‏[3]اليوم أقض لبانة # و تستوجبا منّا عليّ و تحمدا

لعمرك ما نفس بجدّ رشيدة # تؤامرني سوءا[4]لأصرم مرثدا

و إن ظهرت مني قوارص جمّة # و أفرع من لومي مرارا و أصعدا[5]

على غير جرم أن أكون جنيته # سوى قول باغ كادني فتجهّدا

لعمري لنعم المرء تدعو بخيله‏[6] # إذا ما المنادي في المقامة ندّدا

عظيم رماد القدر لا متعبّس # و لا مؤيس منها إذا هو أوقدا

و إن صرّحت كحل‏[7]و هبّت عريّة # من الرّيح لم تترك من المال مرفدا

صبرت على وطء الموالي و خطبهم‏[8] # إذا ضنّ ذو القربى عليهم و أخمدا

يعني أخمد ناره بخلا، و روى: أجمدا. المجمد: البخيل.

[1]في ب: يعاتبه.

[2]في ف:

«فما كنت يوما... # و لا سرعتي يوما بسابقة»

. و في «الديوان» :

«فما لبث يوما بسابق مغنم # ... بسابقة الردى»

.

[3]في ب: «و إن تنظرا في اليوم» .

[4]في ف، و «الديوان» 11: سرا.

[5]في ب: «و أفرغ من لؤمي» ، تحريف.

[6]في ب: بخلة، و في «الديوان» 11: تدعو بحبله.

[7]كحل: السنة الشديدة المجدبة. و في ف: عجل. و العرية: الباردة. و المرفد: ما يعطى للضيف.

[8]في هب: «و حطهم» . و في ف، بيروت، و «الديوان» 12: «و حطمهم» .

350

/

و لم يحم فرج الحيّ إلا محافظ # كريم المحيّا ماجد غير أجردا[1]

الأجرد: الجعد اليد البخيل.

حماد الراوية يرى أنه أشعر الناس‏

أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ، قال: حدّثني عمّي الفضل بن إسحاق، عن الهيثم بن عديّ، قال:

سأل رجل حمّادا الرّاوية بالبصرة و هو عند بلال بن أبي بردة: من أشعر النّاس؟قال الذي يقول:

رمتني بنات الدّهر من حيث لا أرى # فما بال من يرمى و ليس برام‏[2]

/قال: و الشعر لعمرو بن قميئة.

بلوغه التسعين و قوله في ذلك‏

قال عليّ بن الصباح في خبره، عن ابن الكلبيّ:

و عمّر ابن قميئة تسعين سنة، فقال لمّا بلغها:

كأنّي و قد جاوزت تسعين حجّة # خلعت بها عنّي عنان لجامي‏[3]

على الرّاحتين مرّة و على العصا # أنوء ثلاثا بعدهنّ قيامي

رمتني بنات الدّهر من حيث لا أرى # فما بال من يرمى و ليس برام!

فلو أنّ ما أرمى بنبل رميتها # و لكنّما أرمى بغير سهام

إذا ما رآني النّاس قالوا: أ لم يكن # حديثا جديد البري‏[4]غير كهام!

و أفنى و ما أفني من الدهر ليلة # و لم يفن ما أفنيت سلك نظام

و أهلكني تأميل يوم و ليلة # و تأميل عام بعد ذاك و عام‏

عبد الملك بن مروان يتمثل بشعر له‏

أخبرني الحسين بن يحيى، قال: قال حمّاد بن إسحاق: قرأت على أبي: حدّثنا الهيثم بن عديّ، عن مجالد[5]، عن الشّعبيّ قال:

دخلت على عبد الملك بن مروان في علّته التي مات فيها، فقلت: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟فقال:

أصبحت كما قال عمرو بن قميئة:

كأنّي و قد جاوزت تسعين حجّة # خلعت بها عنّي عنان لجام

رمتني بنات الدّهر من حيث لا أرى # فكيف بمن يرمى و ليس برام!

فلو أنّها نبل إذا لاتّقيتها # و لكنّما أرمى بغير سهام‏

[1]في «الديوان» -12: «غير أحردا» .

[2]في «الديوان» -23، و «الشعر و الشعراء» : «فكيف بمن يرمي و ليس برام» .

[3]في «الديوان» -23: «خلعت بها يوما عذار لجامي» .

[4]في ف، بيروت: «حديد البز» . و في «الديوان» -23: «جديد البز» . و البز: السلاح.

[5]في ب: مخلد.

351

و أهلكني تأميل يوم و ليلة # و تأميل عام بعد ذاك و عام‏

فقلت: لست كذلك يا أمير المؤمنين، و لكنّك‏[1]كما قال لبيد:

قامت تشكّى إليّ الموت مجهشة # و قد حملتك سبعا بعد سبعينا

فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا # و في الثّلاث وفاء للثّمانينا

([2]فعاش حتى بلغ التّسعين، فقال:

كأني و قد جاوزت تسعين حجّة # خلعت بها عن منكبيّ ردائيا

فعاش حتى بلغ عشرا و مائة سنة، فقال:

أ ليس في مائة قد عاشها رجل # و في تكامل عشر بعدها عبر[2])

.

فعاش و اللّه حتى بلغ مائة و عشرين سنة، فقال:

و غنيت سبتا قبل مجرى داحس‏[3] # لو كان للنّفس اللجوج خلود

/و يروى: «دهرا قبل مجرى داحس» ، فعاش حتى بلغ مائة و أربعين سنة، فقال:

و لقد سئمت من الحياة و طولها # و سؤال هذا النّاس كيف لبيد؟

فتبسّم عبد الملك و قال: لقد قوّيت من نفسي بقولك يا عامر، و إنّي لأجد خفّا[4]و ما بي من بأس و أمر لي بصلة، و قال لي: اجلس يا شعبيّ فحدّثني ما بينك و بين الليل، فجلست فحدثته حتى أمسيت، و خرجت من عنده، فما أصبحت حتى سمعت الواعية[5]في داره.

خروجه مع امرئ القيس إلى قيصر

أخبرني عمّي قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن طهمان السّلمي، عن إسحاق بن مرار الشّيبانيّ، قال:

نزل امرؤ القيس بن حجر ببكر بن وائل، و ضرب قبّته، و جلس إليه وجوه بكر بن وائل، فقال لهم: هل فيكم أحد يقول الشّعر؟فقالوا: ما فينا/شاعر إلا شيخ قد خلا من عمره و كبر، قال: فأتوني به، فأتوه بعمرو بن قميئة و هو شيخ، فأنشده فأعجب به، فخرج به معه إلى قيصر، و إيّاه عنى امرؤ القيس بقوله:

بكى صاحبي لمّا رأى الدّرب دونه # و أيقن أنّا لاحقان بقيصرا

فقلت له: لا تبك عينك إنّما # نحاول ملكا أو نموت فنعذرا

و قال مؤرّج في هذا الخبر: إنّ امرأ القيس قال لعمرو بن قميئة في سفره: أ لا تركب إلى الصّيد؟فقال عمرو:

[1]في ب: و هذا.

(2-2) التكملة من ف، هب، و هي ساقطة من ب.

[3]في ف: «وصلت سنينا بعد مجرى داحس» .

[4]في ب: «لا أجد خفا» .

[5]الواعية: الصراخ. ـ

352

شكوت إليه أنّني ذو جلالة # و أنّي كبير ذو عيال مجنّب‏[1]

فقال لنا: أهلا و سهلا و مرحبا # إذا سرّكم لحم من الوحش فاركبوا

صوت‏

يا آح من حرّ الهوى إنّما # يعرف حرّ الحبّ من جرّبا

أصبحت للحبّ أسيرا فقد # صعّدني الحبّ و قد صوّبا

لا شكّ أني ميّت حسرة # إن لم أزر قبل غد زينبا

تلك الّتي إن نلتها لم أبل # من شرّق الدّهر أو غرّبا[2]

الشعر للمؤمّل بن جميل‏[3]بن يحيى بن أبي حفصة بن عمرو بن مروان بن أبي حفصة، و الغناء لابن جامع رمل بالوسطى، عن إبراهيم و الهشاميّ.

[1]في «الديوان» -65: ذو خلالة. و الجلالة: عظم القدر. و الخلالة: الصداقة المختصة التي ليس فيها خلل. و جنب القوم: انقطعت ألبانهم و قلت فهم مجنبون. و هو مجنب: فقير.

[2]في ف: و من غرّبا.

[3]في ف: المؤمل بن حميد بن يحيى...

353

13-أخبار المؤمل بن جميل‏

كان أبوه جميل يلقب قتيل الهوى‏

قد مضى نسب أبي حفصة في أخبار مروان، و كان يحيى بن أبي حفصة يكنى أبا جميل. و المؤمّل بن جميل يكنى أبا جميل. و أم جميل أميرة بنت زياد بن هوذة بن شماس بن لؤيّ من بني أنف الناقة الذين يمدحهم الحطيئة.

و أم المؤمّل شريفة بنت المذلق بن الوليد بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقريّ، و كان جميل يلقّب قتيل الهوى، و لقّب بذلك لقوله:

قلن: من ذا؟فقلت: هذا اليـ # مانيّ قتيل الهوى أبو الخطاب

قلن: باللّه أنت ذاك يقينا # لا تقل قول مازح لعاب

إن تكن أنت هو فأنت منانا # خاليا كنت أو مع الأصحاب‏

أخبار له مع غلامه المطرز

أخبرني بذلك يحيى بن عليّ، إجازة عن محمد بن إدريس بن سليمان، عن أبيه، و حكى أبو أحمد -رحمه اللّه-عن محمد بهذا الإسناد:

أن أبا جميل اشترى غلاما مدنيّا مغنيّا مجلوبا من مولّدي‏[1]السّند على البراءة من كل عيب، يقال له المطرّز، فدعا أصحابا له ذات يوم، و دعا شيخين من أهل اليمامة مغنّيين، يقال لأحدهما السائب و للآخر شعبة، فلما أخذ القوم مجلسهم و معهم المطرّز اندفع الشيخان فغنّيا، فقال المطرّز لأبي جميل مولاه: ويلك يا أبا جميل يا ابن الزّانية، أ تدري ما فعلت و من عندك؟فقال له: ويلك!أ جننت!ما لك!قال: أما أنا فأشهد أنك تأمن مكر اللّه حين أدخلت منزلك هذين.

قال: و بعثه يوما يدعو أصدقاء له، فوجدهم عند رجل من أهل اليمامة/يقال له بهلول، و هو في بستان له، فقال لهم: مولاي/أبو جميل قد أرسلني أدعوكم، و قد بلّغتكم رسالته، و إن شاورتموني أشرت عليكم، فقالوا:

أشر علينا، قال: أرى ألا تذهبوا إليه، فمجلسكم و اللّه أنزه من مجلسه و أحسن، فقالوا له: قد أطعناك، قال:

و أخرى، قالوا: و ما هي؟قال: تحلفون عليّ ألاّ أبرح، ففعلوا، فأقام عندهم.

و غضب عليه أبو جميل يوما فبطحه يضربه و هو يقول: ويلك أبا جميل!اتق اللّه فيّ، اللّه اللّه في أمري، أ ما علمت ويلك خبري قبل أن تشتريني!قال: و كان يبعثه إلى بئر لهم عذبة في بستان له يسقي منها لهم ماء، فكان يستقيه ثم يصبّه لجيران لهم في حيّهم، ثم يستقي مكانه من بئر لهم غليظة، فإذا أنكر مولاه قال له: سل الغلمان إذا أتيت البستان: هل استقيت منه؟فيسألهم فيجده صادقا.

[1]في ب: موالي. و مجلوبا من جلبه جلبا: ساقه من موضع إلى آخر، فهو مجلوب.

354

انقطاعه إلى جعفر بن سليمان ثم عبد اللّه بن مالك‏

حدّثنا يحيى بن محمد بن إدريس، عن أبيه:

أنّ يحيى بن أبي حفصة زوّج ابنه جميلا شريفة بنت المذلّق بن الوليد بن طلبة بن قيس بن عاصم، فولدت له المؤمّل بن جميل، و كان شاعرا ظريفا غزلا، و كان منقطعا إلى جعفر بن سليمان بالمدينة، ثم قدم العراق فكان مع عبد اللّه بن مالك، و ذكره للمهديّ فحظي عنده، و هو الذي يقول في شكاة اشتكاها عبد اللّه بن مالك:

ظلّت عليّ الأرض مظلمة # إذ قيل عبد اللّه قد وعكا

يا ليت ما بك بي و إن تلفت # نفسي لذاك و قلّ ذاك لكا

و هو الذي يقول:

يا آح من حرّ الهوى إنما # يعرف حرّ الحبّ من جرّبا

و ذكر الأبيات التي تقدم ذكرها و الغناء فيها.

صوت‏

إني وهبت لظالمي ظلمي # و غفرت ذاك له على علم

ما زال يظلمني و أرحمه # حتّى رثيت له من الظّلم‏

الشعر لمساور الورّاق، و الغناء لإبراهيم بن أبي العبيس، ثاني ثقيل بالوسطى، أخبرني بذلك ذكاء و غيره.

355

14-أخبار مساور و نسبه‏

نسبه‏

هو مساور بن سوّار بن عبد الحميد، من آل قيس بن عيلان بن مضر، و يقال: إنه مولى خويلد من عدوان‏[1] كوفيّ قليل الشّعر من أصحاب الحديث و رواته، و قد روى عن صدر من التابعين، و روى عنه وجوه أصحاب الحديث.

أخبرني عليّ بن طيفور بن غالب النّسائيّ قال: حدّثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: حدّثنا حمّاد بن أسامة، عن مساور الورّاق، قال: حدّثني جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، قال:

كأنّي أنظر إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم و هو على ناقته يخطب، و عليه عمامة سوداء، قد أرخاها بين كتفيه.

خبره مع ابن أبي ليلى‏

أخبرني محمّد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا الأشناندانيّ، عن الأصمعي، قال:

كان قوم يجلسون إلى ابن أبي ليلى، فكتب قوما منهم لعيسى بن موسى، و أشار[2]عليه أن يشغلهم و يصلهم، /فأتى مساور الورّاق، فكلّمه أن يجعله فيهم فلم يفعل، فأنشأ يقول:

أراك تشير بأهل الصلاح # فهل لك في الشاعر المسلم

كثير العيال قليل السؤا # ل عفّ مطاعمه معدم‏[3]

يقيم الصّلاة و يؤتى الزّكاة # و قد حلّق العام بالموسم

و أصبح و اللّه في قومه # و أمسى و ليس بذي درهم‏

قال: فقال ابن أبي ليلى: لا حاجة لنا فيه، فقال فيه مساور أبياتا، قال أبو بكر بن دريد: كرهنا ذكرها صيانة لابن أبي ليلى.

هجا حفص بن أبي بردة لأنه عاب شعرا للمرقش الأكبر

أخبرني محمد قال: حدثني التّوّزيّ‏[4]قال:

كان مساور الورّاق، و حمّاد عجرد، و حفص بن أبي بردة مجتمعين، فجعل حفص يعيب شعر المرقّش الأكبر، فأقبل عليه مساور فقال:

[1]في ب، بيروت: عدنان.

[2]في ب: و أشاروا.

[3]سقط هذا البيت من ف.

[4]ف: «حدثنا الأشنانداني قال حدثنا ابن أبي ليلى» .

356

لقد كان في عينيك يا حفص شاغل # و أنف كثيل‏[1]العود عما تتبّع

تتبّعت لحنا في كلام مرقّش # و وجهك مبنيّ على اللحن أجمع‏

فقام حفص من المجلس خجلا، و هاجره مدة.

وصيته لابنه‏

نسخت من كتاب عبيد اللّه اليزيديّ بخطّه: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: كان مساور الورّاق من جديلة قيس، ثم من عدوان، مولى لهم، فقال لابنه يوصيه:

شمّر ثيابك و استعدّ لقائل # و احكك جبينك للعهود بثوم

إنّ العهود صفت لكل مشمّر # دبر الجبين مصفّر موسوم

أحسن و صاحب كلّ قار ناسك # حسن التّعهّد للصلاة صئوم

من ضرب حمّاد هناك و مسعر # و سماك العتكيّ و ابن حكيم

و عليك بالغنويّ فاجلس عنده # حتى تصيب وديعة ليتيم‏[2]

تغنيك عن طلب البيوع نسيئة # و تكفّ عنك لسان كلّ غريم

و إذا دخلت على الرّبيع مسلّما # فاخصص شبابة منك بالتّسليم‏

ولاه عيسى بن موسى عملا فانكسر عليه الخراج‏

قال: ففعل ما أوصاه به أبوه، فلم يلبث مساور أن ولاّه عيسى بن موسى عملا، و دفع إليه عهده، فانكسر عليه الخراج، فدفع إلى بطين صاحب عذاب عيسى يستأديه، فقال مساور:

/

وجدت دواهر[3]البقّال أهنى # من الفرنيّ‏[4]و الجدي السّمين

و خيرا في العواقب حين تبلي # إذا كان المردّ إلى بطين

فكن يا ذا المطيف بقاضيينا # غدا من علم ذاك على يقين

و قل لهما إذا عرضا[5]بعهد: # برئت إلى عرينة من عرين

فإنك طالما بهرجت فيها # بمثل الخنفساء على الجنين‏

مرّ بمقبرة صديقه حميد الطوسيّ و قال في ذلك شعرا

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن موسى بن حماد، قال:

مرّ مساور الورّاق بمقبرة حميد الطوسيّ و كان له صديقا، فوقف عليها مستعبرا، و أنشأ يقول:

أبا غانم أمّا ذراك فواسع # و قبرك معمور الجوانب محكم‏

[1]الثيل: وعاء قضيب البعير، و العود: المسن من الإبل. و في ف: «كمثل العود» .

[2]في ب: لتميم.

[3]في هب: نواهض. و في ف: نواقض. و الدواهر: الشدائد. و الفرني: نوع من الخبز يعجن بالسمن و السكر.

[4]الفرني جمع فرنية، و هي خبزة تروى لبنا و سمنا و سكرا.

[5]في ف: اعترضا.

357

/

و ما ينفع المقبور عمران قبره # إذا كان فيه جسمه يتهدّم‏

شعر له في أصحاب أبي حنيفة

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال: حدّثنا الرّياشيّ قال: حدّثنا محمد بن الصبّاح، عن سفيان بن عيينة، و نسخت هذا الخبر أيضا من بعض الكتب: أنّ حامد بن يحيى البلخيّ‏[1]، حدّث عن سفيان بن عيينة، و هذه الرواية أتمّ، قال:

لمّا سمع مساور الورّاق لغط أصحاب أبي حنيفة و صياحهم أنشأ يقول:

كنّا من الدّين قبل اليوم في سعة # حتى بلينا بأصحاب المقاييس

قوم إذا اجتمعوا ضجّوا كأنّهم # ثعالب ضبحت بين النّواويس‏[2]

/فبلغ ذلك أبا حنيفة و أصحابه، فشقّ عليهم و توعّدوه، فقال أبياتا ترضيهم و هي:

إذا ما النّاس يوما قايسونا # بآبدة من الفتيا ظريفه

أتيناهم بمقياس ظريف‏[3] # مصيب من قياس أبي حنيفة

إذا سمع الفقيه بها وعاها # و أثبتها بحبر في صحيفه‏

فبلغ أبا حنيفة فرضي. قال مساور: ثم دعينا إلى وليمة بالكوفة في يوم شديد الحرّ، فدخلت فلم أجد لرجلي موضعا من الزّحام، و إذا أبو حنيفة في صدر البيت، فلما رآني قال: إليّ يا مساور، فجئت فإذا مكان واسع، و قال لي: اجلس، فجلست، فقلت في نفسي: نفعتني أبياتي اليوم. قال: و كان إذا رآني بعد ذلك يقول لي: هاهنا، هاهنا، و يوسّع لي إلى جنبه، و يقول: إنّ هذا من أهل الأدب و الفهم، انتهى.

حفظ حقوق جيرانه و لكنهم ضيعوا حقه فهجاهم‏

أخبرني محمّد بن الحسين بن دريد، قال: حدّثنا أبو المعمّر عبد الأول بن مزيد، أحد بني أنف الناقة، قال:

كان مساور الورّاق لا يضيع حقّا لجار له، فماتت بنته، فلم يشهدها من جيرانه إلاّ نفر يسير، فقال مساور في ذلك:

تغيّب عنّي كلّ جاف ضرورة # و كلّ طفيليّ من القوم عاجز

سريع إذا يدعى ليوم وليمة # بطي‏ء إذا ما كان حمل الجنائز

أخبرني محمد بن الحسن، قال: حدّثنا عبد الأول، قال:

قدم جار لمساور الورّاق من سفر، فجاءه يسلّم عليه، فقال: يا جارية، هاتي لأبي القاسم غداء، فجاءت برغيف فوضعته على الخوان، فمدّ يده يأكل مع مساور، /و قال له: يا أبا القاسم، كل من هذا الخبز، فما أكلت خبزا أطيب منه، فقال مساور في ذلك:

[1]أ، ب، س: «بن أبي يحيى» ، و المثبت من ف.

[2]ضبحت الثعالب: صوتت. و النواويس: القبور. و في «المختار» : «ثعالب ضجت» .

[3]في ف: صليب.

358

ما كنت أحسب أنّ الخبز فاكهة # حتّى رأيتك يا وجه الطّبرزين‏[1]

كأنّ لحيته في وجهه ذنب # أو شعرة فوق بظر غير مختون‏

يعود أبا العيص الجرمي و يسمع منه شعرا في مرض موته‏

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث، عن المدائنيّ قال: دخل مساور الورّاق على أبي العيص الجرميّ يعوده و كان صديقه، فكلّمه فلم يجبه، فبكى مساور جزعا عليه، و أدنى رأسه منه يكلّمه، فقال أبو العيص:

أ في كلّ عام مرضة بعد نقهة[2] # و تنعى و لا تنعى متى ذا إلى متى

سيوشك يوم أن يجي‏ء[3]و ليلة # يسوقان حتفا راح نحوك أو غدا

/فتمسي صريعا لا تجيب لدعوة # و لا تسمع الدّاعي و إن جدّ في الدّعا[4]

ثم لم يلبث أن مات، رحمه اللّه.

صوت‏

تنامين عن ليلي و أسهره وحدي # و أنهى جفوني أن تبثّك ما عندي

فإن كنت ما تدرين ما قد فعلته # بنا فانظري ما ذا على قاتل العمد

الشعر لسعيد بن حميد الكاتب، و الغناء لعريب خفيف ثقيل مطلق بالسّبابة في مجرى الوسطى.

[1]الطبرزين: آلة من السلاح تشبه الفأس.

[2]ف: ثم نقهة.

[3]ف: يحين.

[4]لم يرد هذا البيت في ف.