الأغاني - ج18

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
503 /
359

15-أخبار سعيد بن حميد و نسبه‏

نسبه‏

[1]سعيد بن حميد بن سعيد بن حميد بن بحر، يكنى أبا عثمان‏[1]من أولاد الدّهاقين، و أصله من النّهروان الأوسط، و كان هو يقول: إنّه مولى بني سامة بن لؤيّ، من أهل بغداد، بها ولد و نشأ، ثم كان يتنقّل في السّكنى بينها و بين سرّ من رأى.

كان كاتبا شاعرا

كاتب شاعر مترسّل، حسن الكلام فصيح، و كان أبوه وجها من وجوه المعتزلة، فخالف أحمد بن أبي دواد في بعض مذهبه، فأغرى به المعتصم، و قال: إنه شعوبيّ زنديق، فحبسه مدة طويلة، ثم بانت براءته له أو للواثق بعده، فخلّى سبيله، و كان شاعرا أيضا، فكان يهجو أحمد بن أبي دواد، و أنشدنيها جماعة من أصحابنا، قال:

أبوه يهجو أحمد بن أبي دواد

لقد أصبحت تنسب في إياد # بأن يكنى أبوك أبا دواد

فلو كان اسمه عمرو بن معدي # دعيت إلى زبيد أو مراد

لئن أفسدت بالتّخويف عيشي # لما أصلحت أصلك في إياد

و إن تك قد أصبت طريف مال # فبخلك باليسير من التّلاد

قوة حافظته‏

فذكر محمّد بن موسى أن أبا يوسف بن الدّقّاق‏[2]اللّغويّ أخبره أنّ حميد بن سعيد بن حميد دفع إليه ابنه سعيدا و هو صبيّ فقال له: امض به معك إلى مجلس ابن الأعرابيّ، قال: فحضرناه ذات يوم، فأنشدنا أرجوزة لبعض العرب فاستحسنتها، و لم تكن معنا محبرة نكتبها منها، فلما انصرفنا قلت له: فاتتنا هذه الأرجوزة، فقال: لم تفتك، أ تحبّ أن أنشدكها؟/قلت: نعم، فأنشدنيها و هي نيّف و عشرون بيتا قد حفظها عنه، و إنما سمعها مرّة واحدة، فلقيت أباه من غد، فقال لي: كيف/رأيت سعيدا؟قلت له: إنك أوصيتني به، و أنا أسألك الآن أن توصيه بي، فضحك و سألني عن الخبر، فأعلمته فسرّ به.

خبره مع أبي العباس بن ثوابة

أخبرني عليّ بن العبّاس بن أبي طلحة، قال: حدّثني ابن أبي المدوّر، قال:

(1-1) ف: «سعيد بن حميد بن يحيى» ، يكنى أبا عثمان.

[2]ف: «أن أبا يوسف الدقاق» .

360

دخل سعيد بن حميد يوما على أبي العبّاس بن ثوابة، و كان أبو العبّاس يعاتبه على الشّغف بالغلمان المرد، فرأى على رأسه غلاما أمرد حسن الوجه، عليه منطقة و ثياب حسان، فقال له: يا أبا العبّاس:

أ زعمت أنّك لا تلوط فقل لنا # هذا المقرطق‏[1]قائما ما يصنع!

شهدت ملاحته عليك بريبة # و على المريب شواهد لا تدفع‏

فضحك أبو العبّاس و قال: خذه، لا بورك لك فيه حتى نستريح من عتبك.

حيلة له مع غلام من أولاد الموالي و شعره في ذلك‏

أخبرني عمّي، رحمه اللّه، قال: قال لي محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات الكاتب: كان سعيد بن حميد يهوى غلاما له من أولاد الموالي، فغاب عنه مدّة، ثم جاءه مسلّما، فقال له: غبت عنّي هذه المدة ثم تجيئني فلا تقيم عندي!فقال له: قد أمسينا، فقال: تبيت، قال: لا و اللّه لا أقدر، و لم يزل به حتى اتّفقا على أنّه إذا سمع أذان العتمة[2]انصرف، فقال له: قد رضيت. و وضع النّبيذ، فجعل سعيد يحثّ السّقي‏[3]بالأرطال، فلما قرب وقت العتمة، أخذ رقعة فكتب فيها إلى إمام المسجد و هو مؤذّنه قوله:

قل لداعي الفراق‏[4]أخّر قليلا # قد قضينا حقّ الصّلاة طويلا

أخّر الوقت في الأذان‏[5]و قدّم # بعدها الوقت بكرة و أصيلا

/ليس في ساعة تؤخّرها وز # ر فنحيا بها و تأتي جميلا[6]

فتراعى حقّ الفتوّة فينا # و تعافى من أن تكون ثقيلا[7]

فلما قرأ المؤذّن الرّقعة ضحك و كتب إليه يحلف أنه لا يؤذّن ليلته تلك العتمة، و جعل الفتى ينتظر الأذان حتى أمسى و سمع صوت الحارث، فعلم أنّها حيلة وقعت عليه و بات في موضعه، و قال سعيد في ذلك:

عرّضت بالحبّ له و عرّضا # حتى طوى قلبي على جمر الغضى

و أظهرت نفسي عن الدّهر الرّضا # ثم جفاني و تولّى معرضا

لم ينقض الحبّ بلى‏[8]صبري انقضى # فداك من ذاق‏[9]الكرى أو غمّضا

حتى طرقت فنسيت ما مضى # سألته حويجة[10]فأعرضا

و قال: لا، قول مجيب برضا # فكان ما كان و كابرنا القضا

[1]قرطقه: ألبسه القرطق؛ و هو قباء ذو طاق واحد فهو مقرطق.

[2]العتمة: وقت صلاة العشاء الآخرة.

[3]في «المختار» : السعي بالأرطال.

[4]في هب، «المختار» : الصلاة.

[5]في «التجريد» : في الصلاة.

[6]البيت من «المختار» و «التجريد» ، و لم يرد في ف، ب، هب.

[7]في «التجريد» ، ف: «حق المودة» بدل: «حق الفتوة» .

[8]في ب: على.

[9]في هب:

«فذاك من ذاق... »

و في «المختار» :

«فذاق من ذاق»

.

[10]في «المختار» : حوائجا.

361

في هذه الأبيات هزج لأحمد بن صدقة، أخبرني بذلك ذكاء وجه الرّزّة.

وجدت في بعض الكتب:

حدثني أحمد بن سليمان بن وهب أنه كان في مجلس فيه سعيد بن حميد، فلما سكروا قام سعيد قومة بعد العصر[1]، فلم نشعر إلا و قد أخذ ثيابه فلبسها، و أخذ بعضدتي الباب، و أنشأ يقول:

سلام عليكم حالت الرّاح بيننا # و ألوت بنا عن كل مرأى و مسمع

/و لم يبق إلا أن يميل بنا الكرى # و يجمع نوم‏[2]بين جنب و مضجع‏

/فقام له أهل المجلس، و قالوا: يا سيدنا، اذهب في حفظ اللّه و في ستره، فانصرف و ودّعهم.

كتب لفضل الشاعرة يعتذر إليها

حدثني محمد بن الطّلاّس أبو الطّيّب، قال: حدثني عبد اللّه بن طالب الكاتب قال:

قرأت رقعة بخطّ سعيد بن حميد إلى فضل الشاعرة يعتذر إليها من تغيّر ظنّته به، و في آخرها:

تظنّون أني قد تبدّلت بعدكم # بديلا و بعض الظّنّ إثم و منكر

إذا كان قلبي في يديك رهينة # فكيف بلا قلب أصافي و أهجر!

في هذين البيتين لابن القصّار الطّنبوريّ رمل، و فيهما لمحمد قريض خفيف رمل.

خبره مع كعب جارية أبي عكل المقين‏

أخبرني عليّ بن العباس بن أبي طلحة الكاتب قال: حدثني أبو عليّ المادرانيّ‏[3]أنه كان في مجلس فيه كعب جارية أبي عكل المقيّن، و كان بعض أهل المجلس يهواها قال: فدخل إلينا سعيد بن حميد، فقام إليه أهل المجلس جميعا سوى الجارية و الفتى، فأخذ سعيد الدواة فكتب رقعة و ألقاها في حجرها، فإذا فيها قوله:

ما على أحسن خلـ # ق اللّه أن يحسن فعله

بأبي أنت و أمّي # من مليك قلّ عدله

و بخيل بالهوى لو # كان يسلى عنه بخله

أكثر العاذل في حبّ # ك لو ينفع عذله

فهو مشغول بعذلي # و فؤادي بكل شغله

أكثر الشّكوى و أستعـ # دي على من قلّ بذله‏

/فوثبت الجارية فقبّلت رأسه و جلست إلى جنبه، فقال الرّجل الذي كان يهواها: هذا و اللّه كلام الشّياطين و رقية الزّنا، و بهذا يتمّ الأمر، أما أنا فإني أشهدكم، لا قرأت اليوم في صلاتي غير هذه الأبيات لعلّها تنفعني، فضحك سعيد و قال: بحياتي قومي فارجعي إليه حتى تكون الأبيات قد نفعته قبل أن يقرأها في صلاته، و سرّيني بذلك، فقامت فرجعت إلى موضعها.

[1]ف: «فلما سكرنا نام سعيد نومة» .

[2]ف: «سكر» .

[3]في هب: الداراني. و في ف: «أبو علي المداري أنه كان في مجلس فيه لعب جارية بن علل المقين» .

362

خبرة مع جارية كان يهواها زارته على غير وعد

قال عليّ بن العبّاس: و حدثني أبو عليّ المادرانيّ: أنّه كان عنده يوما، فدخلت إليه جارية-كان يهواها-غفلة على غير وعد، فسرّ بذلك و قال لها: قد كنت على عتابك، فأمّا الآن فلا، فقالت: أمّا العتاب فلا طاقة لي به، و و اللّه ما جئتك إلا عند غفلة البوّاب، فقال سعيد[1]في ذلك:

زارك زور على ارتقاب # مغتنما غفلة الحجّاب

مستترا بالنّقاب يبدو # ضياء خدّيه في النّقاب

كالشّمس تبدو و قد طواها # دونك ستر من السّحاب

قد كان في النفس منك عتب # يدعو إلى شدّة اجتناب

فملت بالعتب عن حبيب # يضعف عن موقف العتاب

و الذّنب منه و أنت تخشى # في هجره صولة العقاب‏

عبد اللّه بن داود يستحسن شعرا له‏

/أخبرني عمّي قال: حدّثني ابن أبي سعد، قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن داود، قال: كان أبي يستحسن قول سعيد بن حميد:

تظنّون أنّي قد تبدّلت بعدكم # بديلا، و بعض الظّنّ إثم و منكر

إذا كان قلبي في يديك رهينة # فكيف بلا قلب أصافي و أهجر!

/و يقول: لئن عاش هذا الغلام ليكوننّ له في الشّعر شأن.

في هذين البيتين غناء من خفيف الرمل، و ذكر قريض أنّه له.

زارته فضل الشاعرة فجأة أثناء ذهابها إلى القصر فقال في ذلك شعرا

أخبرني ابن أبي طلحة قال: حدّثني إسحاق بن مسافر أنه كان عند سعيد بن حميد يوما إذ دخلت عليه فضل الشاعرة على غفلة، فوثب إليها و سلّم عليها، و سألها أن تقيم عنده، فقالت: قد جاءني و حياتك رسول من القصر، فليس يمكنني الجلوس، و كرهت أن أمرّ ببابك و لا أراك، فقال سعيد من وقته على البديهة:

قربت و لا نرجو اللّقاء و لا نرى‏[2] # لنا حيلة يدنيك منّا احتيالها

فأصبحت كالشمس المنيرة ضوؤها # قريب و لكن أين منّا منالها!

كظاعنة ضنّت بها غربة النّوى # علينا و لكن قد يلمّ خيالها

تقرّبها الآمال ثم تعوقها # مماطلة الدّنيا بها و اعتلالها

و لكنها أمنيّة فلعلها # يجود بها صرف النّوى و انتقالها

[1]ف: سعيد بن حميد.

[2]في ف: «قربت و لم نرج اللقاء و لم تجد» .

363

تغاضب و فضل فكتب إليها فصارت إليه و صالحته‏

أخبرني عمّي قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن يعقوب بن داود؛ قال:

تغاضب سعيد بن حميد و فضل الشّاعرة أياما، ثم كتب إليها:

تعالي نجدّد عهد الرّضا # و نصفح في الحبّ عمّا مضى

و نجري على سنّة العاشقين # و نضمن عني و عنك الرّضا

و يبذل هذا لهذا هواه # و يصبر في حبّه للقضا

و نخضع‏[1]ذلاّ خضوع العبيد # لمولى عزيز إذا أعرضا

فإنّي مذ لجّ هذا العتاب # كأنّي أبطنت جمر الغضى‏[2]

/فصارت إليه و صالحته.

في هذه الأبيات لهاشم بن سليمان ثقيل أول بالوسطى، و فيها لابن القصّار خفيف رمل.

رسول الحسن بن مخلد يدعوه فيقول في ذلك شعرا

أخبرني ابن أبي طلحة قال: حدّثنا أبو العبّاس بن أبي المدوّر قال:

بات سعيد بن حميد عند أبي الفضل بن أحمد بن إسرائيل، [3]و اصطبحا على غناء حسن كان عندهما[3]، فجاءه رسول الحسن بن مخلّد و قد أمر ألاّ يفارقه لأمر مهمّ، فقام فلبس ثيابه، و أنشأ يقول:

يا ليلة بات النّحوس بعيدة # عنها على رغم الرّقيب الرّاصد

تدع العواذل لا يقمن لحاجة # و تقوم بهجتها بعذر الحاسد

ضنّ الزّمان بها فلمّا نلتها # ورد الفراق فكان أقبح وارد

و الدّمع ينطق للضمير مصدّقا # قول المقرّ مكذّبا للجاحد

أبو العباس بن ثوابة يعاتبه على تأخره عنه فيجيبه‏

أخبرني ابن أبي طلحة قال: حدثني أبو العبّاس بن أبي المدوّر، قال:

كان سعيد بن حميد/صديقا لأبي العباس بن ثوابة، فدعاه يوما، و جاءه رسول فضل الشّاعرة يسأله المصير إليها، فمضى معه و تأخّر عن أبي العبّاس، فكتب إليه رقعة يعاتبه فيها معاتبة فيها بعض الغلظة، فكتب إليه سعيد:

أقلل عتابك فالبقاء قليل # و الدهر يعدل تارة[4]و يميل

لم أبك من زمن ذممت صروفه # إلا بكيت عليه حين يزول‏

[1]ف: «و نجمع» .

[2]في ف جاء البيت:

فإن فرق الدهر ما بيننا # فمن ذا يقوم لصرف القضا

بدلا من البيت الأخير-و اختلاف في ترتيب الأبيات، فالبيت الثالث مكان الثاني، و الثاني مكان الثالث.

(3-3) في ف: و اصطحبا على غناء حسن كان عنده.

[4]ف: «يعدل مرة» . ـ

364

/

و لكلّ نائبة ألمّت مدّة # و لكلّ حال أقبلت تحويل

و المنتمون إلى الإخاء جماعة # إن حصّلوا أفناهم التّحصيل

و لعلّ أحداث الليالي و الرّدى‏[1] # يوما ستصدع بيننا و تحول

فلئن سبقت لتبكينّ بحسرة # و ليكثرنّ عليّ منك عويل

و لتفجعنّ بمخلص لك وامق # حبل الوفاء بحبله موصول

[2]و ليذهبنّ جمال كلّ مروءة # و ليعفونّ فناؤها المأهول

و لئن سبقت، و لا سبقت، ليمضين # من لا يشاكله لديّ عديل

و أراك تكلف بالعتاب و ودّنا # باق عليه من الوفاء دليل

ودّ بدا لذوي الإخاء جميله # و بدت عليه بهجة و قبول

و لعلّ أيام الحياة قصيرة # فعلام يكثر عتبنا و يطول‏

مظلومة جارية الدقيقي تعاتبه على هجرانه فيرد عليها

أخبرني الطّلحيّ قال: حدثني أبو عليّ بن أبي الرعد: أن سعيد بن حميد كان يهوى مظلومة جارية الدقيقيّ، فبلغه أنها تواصل بعض أعدائه، فهجرها مدة، فكتبت إليه تعاتبه و تتشوقه، فكتب إليها:

أمري و أمرك شي‏ء غير متّفق # و الهجر أفضل من وصل على ملق

لا أكذب اللّه، ما نفسي بسالية # و لا خليقة أهل الغدر من خلقي

فإن وثقت بودّ كنت أبذله # فعاودي سوء ظن بي و لا تثقي‏[2]

اعتذر إلى هبة المغنية فوثبت إليه و قبّلت رأسه‏

و ذكر اليوسفيّ الكاتب أنه حضر سعيدا في منزل بعض إخوانه و عندهم هبة[3]المغنّية، و كان سعيد يتعشّقها و يهيم بها، فغضبت عليه يوما لبعض الكلام على النبيذ، /و دخلت بعد ذلك و هو في القوم، فسلّمت عليهم سواه، فقالوا لها: أ تهجرين أبا عثمان؟فقالت: أحبّ أن تسألوه ألاّ يكلّمني، فقال سعيد:

اليوم أيقنت أنّ الهجر متلفة # و أنّ صاحبه منه على خطر

كيف‏[4]الحياة لمن أمسى على شرف # من المنيّة بين الخوف و الحذر

يلوم عينيه أحيانا بذنبهما[5] # و يحمل الذنب أحيانا على القدر

تنأون عنه و ينأى قلبه معكم # فقلبه أبدا منه على سفر

فوثبت إليه و قبّلت رأسه، و قالت: لا أهجرك و اللّه أبدا ما حييت.

[1]في «المختار» : و النوى.

(2-2) الأبيات و الخبر من نسخة ف، و هما ساقطان من نسخة ب، ش و الأبيات في «المختار» .

[3]في ب، س: «هذه المغنية» .

[4]في ب، س: كرب الحياة.

[5]ف، بيروت: لذرفها.

365

غضبت عليه فضل الشاعرة فكتب إليها فراجعت وصله‏

أخبرني جحظة قال: حدثني ميمون بن هارون، قال:

غضبت فضل الشاعرة على سعيد بن حميد فكتب إليها:

يا أيّها الظالم ما لي و لك # أ هكذا تهجر من واصلك!

لا تصرف الرّحمة عن أهلها # قد يعطف المولى على من ملك

ظلمت نفسا فيك علقتها # فدار بالظّلم عليّ الفلك‏[1]

تبارك اللّه فما أعلم اللّه # بما ألقى و ما أغفلك!

فراجعت وصله، و صارت إليه جوابا للرقعة.

في هذه الأبيات لعريب ثاني ثقيل و هزج، عن ابن المعتز، و أخبرني ذكاء وجه الرّزة أنّ الثقيل الثاني لأحمد بن أبي العلاء.

فضل الشاعرة تشكو شدة شوقها إليه فيكتب إليها

أخبرني الطوسي الطّلحيّ‏[2]قال: حدّثنا محمد بن السّريّ: أنّ سعيد بن حميد كان في مجلس الحسن بن مخلّد، إذ جاءه الغلام برقعة فضل الشاعرة تشكو فيها شدّة/شوقها، فقرأها و ضحك، -فقال له الحسن بن مخلّد:

بحياتي عليك أقرئنيها، فدفعها إليه فقرأها و ضحك و قال له: قد و حياتي ملّحت فأجب، فكتب إليها:

يا واصف الشوق عندي من شواهده # قلب يهيم و عين دمعها يكف

/و النّفس شاهدة بالودّ عارفة # و أنفس الناس بالأهواء تأتلف

فكن على ثقة منّي و بيّنة # إنّي على ثقة من كل ما تصف‏

عدلت فضل عنه إلى بنان بن عمرو فقال فيها شعرا

أخبرني جحظة قال: حدّثني ميمون بن هارون قال:

لما عشقت فضل الشاعرة بنان بن عمرو[3]المغني، و عدلت عن سعيد بن حميد إليه أسف عليها و أظهر تجلّدا، ثم قال فيها:

قالوا: تعزّ و قد بانوا فقلت لهم: # بان العزاء على آثار من بانا

و كيف يملك سلوانا لحبّهم # من لم يطق للهوى سترا و كتمانا!

كانت عزائم صبري أستعين بها # صارت عليّ بحمد اللّه أعوانا

لا خير في الحبّ لا تبدو شواكله # و لا ترى منه في العينين عنوانا

قال أبو الحسن جحظة[4]: و غنّى فيه بعض المحدثين لحنا حسنا، و أظنه عنى نفسه.

[1]ف: عليها الفلك.

[2]أ، ب، س: «أخبرني الطلحي» .

[3]ف، بيروت: بنان بن عمرون.

[4]أ، ب، س: «قال أبو الحسن: و غنى» .

366

كتب إلى أبي هفان يتبرأ من طعن فيه نسب إليه ظلما

أخبرني الطّلحيّ قال: حدثني أبو عيسى الكاتب: أن أبا هفّان بلغه عن سعيد بن حميد كلام فيه جفاء و طعن على شعره، فتوعده بالهجاء، و كان الحاكي عن ذلك كاذبا، فبلغ سعيدا ما جرى، فكتب إلى أبي هفّان:

أمسى يخوّفني العبديّ صولته‏[1] # و كيف آمن بأس الضّيغم الهصر!

من ليس يحرزني من سيفه أجلي # و ليس يمنعني من كيده حذري

/و لا أبارزه بالأمر يكرهه # و لو أعنت بأنصار من الغير

له سهام بلا ريش و لا عقب # و قوسه أبدا عطل من الوتر

و كيف آمن من نحري له غرض # و سهمه صائب يخفى عن البصر[2]!

عاتبته فضل الشاعرة فزارها و قال فيها شعرا

أخبرني الطّلحيّ قال: حدّثني محمد بن السّريّ: أنّه سار إلى سعيد بن حميد و هو في دار الحسن بن مخلّد في حاجة له، قال: فإني عنده إذ جاءته رقعة فضل الشاعرة، و فيها هذان البيتان:

صوت‏

الصبر ينقص و السّقام يزيد # و الدّار دانية و أنت بعيد

أشكوك أم أشكو إليك فإنه # لا يستطيع سواهما المجهود

أنا يا أبا عثمان في حال التّلف و لم تعدني، و لا سألت عن خبري.

فأخذ بيدي فمضينا إليها، فسأل عن خبرها، فقالت: هو ذا أموت و تستريح مني، فأنشأ يقول:

لا متّ قبلي‏[3]بل أحيا و أنت معا # و لا أعيش إلى يوم تموتينا

لكن نعيش بما نهوى و تأمله # و يرغم اللّه فينا أنف واشينا[4]

حتى إذا قدّر الرحمن ميتتنا # و حان من أمرنا ما ليس يعدونا

متنا جميعا كغصنى بانة ذبلا # من بعد ما نضرا و استوسقا حينا

ثمّ السّلام علينا في مضاجعنا # حتى نعود إلى ميزان منشينا

/أخبرني إبراهيم بن القاسم بن زرزور[5]قال: قال لي أبي:

كانت فضل الشّاعرة تتعشق/سعيد بن حميد مدّة طويلة، ثم تعشقت بنانا، و عدلت عنه، فقال فيها قصيدته الدّالية التي يقول فيها:

[1]في ب: بصولته.

[2]لم يرد هذا البيت في ف.

[3]في ف: لا مت قبلك.

[4]ف: شانينا.

[5]ب، س، أ: «ززور» ، و في ف: «زرزر» .

367

تنامين عن ليلي و أسهره وحدي‏[1]

فلم تتعطّف عليه، و بلغها بعد ذلك أنه قد عشق جارية من جواري القيان، فكتبت إليه:

يا عالي السنّ سيّئ الأدب # شبت و أنت الغلام في الطّرب

ويحك إنّ القيان كالشّرك المـ # نصوب بين الغرور و العطب

لا تصدّين للفقير و لا # يطلبن إلا معادن الذهب

بينا تشكّى هواك إذ عدلت # عن زفرات الشّكوى إلى الطّلب

تلحظ هذا و ذاك و ذا # لحظ محبّ و فعل مكتسب‏

عادته فضل في مرضه و أهدته هدايا كثيرة

أخبرني إبراهيم قال: و حدّثني أبي قال:

اقتصد سعيد بن حميد، فسألتني فضل الشاعرة، و سألت عريب أن نمضي إليه، ففعلنا، و أهدت إليه هدايا، فكان منها ألف جدي و حمل‏[2]و ألف دجاجة فائقة، و ألف طبق ريحان و فاكهة، و مع ذلك طيب كثير و شراب و تحف حسان، فكتب إليها سعيد: إنّ سروري لا يتم إلا بحضورك، فجاءته في آخر النهار، و جلسنا نشرب، فاستأذن غلامه لبنان فأذن له، فدخل إلينا و هو يومئذ شابّ طرير، حسن الوجه، /حسن الغناء، نظيف الثياب، شكل‏[3]، فذهب بها كلّ مذهب، و أقبلت عليه بحديثها و نظرها، فتشمّز[4]سعيد و استطير غضبا، و تبيّن بنان القصّة فانصرف، و أقبل عليها سعيد يعذلها و يؤنّبها ساعة، ثم أمسك، فكتبت إليه:

يا من أطلت تفرّسي # في وجهه و تنفّسي

أفديك من متدلّل # يزهى بقتل الأنفس

هبني أسأت و ما أسأ # ت بلى أقرّ أنا المسي‏ء

أحلفتني ألاّ أسا # رق نظرة في مجلسي

فنظرت نظرة مخطئ # أتبعتها بتفرّس

و نسيت أنّي قد حلفـ # ت، فما عقوبة من نسي؟

فقام سعيد، فقبّل رأسها و قال: لا عقوبة عليه بل نحتمل هفوته، و نتجافى عن إساءته، و غنت عريب في هذا الشّعر هزجا، فشربنا عليه بقيّة يومنا، ثم افترقنا. و أثّر بنان في قلبها و علقت به، فلم تزل حتى واصلته و قطعت سعيدا.

وجدت في بعض الكتب عن عبد اللّه بن المعتز، قال: قال لي إبراهيم بن المهدي‏[5]:

كانت فضل الشّاعرة من أحسن خلق اللّه خطّا، و أفصحهم كلاما، و أبلغهم في مخاطبة، و أثبتهم في محاورة، [1]عجز البيت كما جاء في ف، بيروت: «و أنهى دموعي أن تبثك ما عندي» . و في «التجريد» : «و أنهى جفوني... » .

[2]ب، س: «و جمل.

[3]شكل: فيه دلال و غزل.

[4]تشمز: تقبض. و في «المختار» : «فغم» . و في ب، س: «فتشمر» ، تصحيف.

[5]ف، بيروت: المدبر.

368

فقلت يوما لسعيد بن حميد: أظنّك يا أبا عثمان تكتب لفضل رقاعها و تقيّدها[1]و تخرّجها، فقد أخذت نحوك في الكلام و سلكت سبيلك، فقال لي و هو يضحك: ما أخيب‏[2]ظنّك، ليتها تسلم منّي و لا آخذ كلامها و رسائلها[3]، و اللّه يا أخي لو أخذ أفاضل الكتّاب و أماثلهم عنها لما استغنوا عن ذلك.

صوت‏

كلّ حيّ لاقي الحمام فمودي # ما لحيّ مؤمّل من خلود

لا تهاب المنون شيئا و لا تبـ # قي على والد و لا مولود

الشعر لابن مناذر، و الغناء لبنان ثقيل أول بالسّبابة في مجرى الوسطى من كتابه الذي جمع فيه صنعته، و فيه لساجي‏[4]جارية عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر ثقيل أوّل أيضا على مذهب النّوح، ابتداؤه نشيد.

[1]ف: «و تفيدها» .

[2]ف: «ما أحسن ظنك» .

[3]ب، هب: «... لآخذ كلامها و رسائلها» .

[4]هب، ب، س: لشاج.

369

16-أخبار ابن مناذر و نسبه‏

نسبه و كنيته‏

هو محمّد بن مناذر مولى بني صبير بن يربوع، و يكنى أبا جعفر، و قيل: إنه كان يكنى أبا عبد اللّه.

و وجدت في بعض الكتب رواية عن ابن حبيب أنه كان يكنى أبا ذريح و قد كان له ابن يسمى ذريحا، فمات و هو صغير و إياه عنى بقوله:

كأنّك للمنايا يا # ذريح اللّه صوّركا

فناط بوجهك الشّعرى # و بالإكليل قلّدكا

و لعلّه اكتنى به قبل وفاته.

و قال الجاحظ: كان محمّد بن مناذر مولى سليمان القهرمان، و كان سليمان مولى عبيد اللّه بن أبي بكرة مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و كان أبو بكرة عبدا لثقيف، ثم ادّعى عبيد اللّه بن أبي بكرة أنه ثقفيّ، و ادّعى سليمان القهرمان أنه تميميّ، و ادّعى ابن مناذر أنه صليبة من بني صبير بن يربوع، فابن مناذر مولى مولى مولى، و هو دعيّ مولى دعيّ، و هذا ما لا يجتمع في غيره قط ممّن عرفناه و بلغنا خبره.

كان إماما في العلم باللغة

و محمد بن مناذر شاعر فصيح مقدّم في العلم باللغة و إمام فيها، و قد أخذ عنه أكابر أهلها، و كان في أوّل أمره يتألّه، ثم عدل عن ذلك فهجا الناس، و تهتّك و خلع، و قذف أعراض أهل البصرة حتى نفي عنها إلى الحجاز فمات هناك. و هذه الأبيات يرثي بها ابن مناذر عبد المجيد بن عبد الوهاب الثّقفيّ، و كان عبد الوهاب‏[1]محدّثا جليلا، و قد روى عنه وجوه المحدّثين و كبراء الرّواة، و كان ابن مناذر يهوى عبد المجيد هذا. فكان في أيّام حياته/مستورا متألّها جميل الأمر، فلمّا مات عبد المجيد حال عن جميع ما كان عليه، و أخبارهما تذكر في مواضعهما.

كان ناسكا في أول أمره، إلى أن فتن بعبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي فتهتك و فتك‏

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد النّحويّ، قال:

كان ابن مناذر مولى صبير بن يربوع، و كان إماما في علم اللّغة و كلام العرب، و كان في أوّل أمره ناسكا ملازما للمسجد، كثير النّوافل، جميل الأمر إلى أن فتن بعبد المجيد بن عبد الوهاب الثّقفيّ، فتهتّك بعد ستره، و فتك بعد نسكه، ثم ترامى به الأمر بعد موت عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفيّ إلى أن شتم الأعراض و أظهر البذاء و قذف المحصنات، و وجبت عليه حدود، فهرب إلى مكة و بقي بها حتى مات.

[1]ف: «و كان عبد المجيد... » .

370

كان سفيان بن عيينة يسأله عن معاني حديث النبي صلّى اللّه عليه و سلم فيخبره بها

و كان يجالس سفيان بن عيينة، فيسأله سفيان عن معاني حديث النبي صلّى اللّه عليه و سلم فيخبره بها، و يقول له: كذا و كذا مأخوذ من كذا، فيقول سفيان: كلام العرب بعضه يأخذ برقاب بعض. قال: و أدرك المهديّ/و مدحه، و مات في أيام المأمون.

أخبرني عليّ بن سليمان، قال: حدّثني محمد بن يزيد و غيره: أنّ محمّد بن مناذر كان إذا قيل له: ابن مناذر -بفتح الميم-يغضب، ثم يقول: أ مناذر الصّغرى أم مناذر الكبرى؟و هما كورتان من كور الأهوار، إنما هو مناذر على وزن مفاعل من ناذر فهو مناذر، مثل ضارب فهو مضارب، و قاتل فهو مقاتل.

وعظته المعتزلة فلم يتعظ، و منعوه دخول المسجد فنابذهم و هجاهم‏

قال محمد بن يزيد: و لما عدل محمد بن مناذر عما كان عليه من النّسك و التّألّه وعظته المعتزلة فلم يتّعظ، و أوعدته بالمكروه فلم يزدجر، و منعوه دخول المسجد فنابذهم/و طعن عليهم و هجاهم، و كان يأخذ المداد بالليل فيطرحه في مطاهرهم، فإذا توضّئوا به سوّد وجوههم و ثيابهم، و قال في توعد المعتزلة إيّاه:

أبلغ لديك بني تميم مألكا[1] # عنّي و عرّج في بني يربوع

أنّي أخ لكم بدار مضيعة # بوم و غربان عليه وقوع‏[2]

يا للقبائل من تميم ما لكم # روبى‏[3]و لحم أخيكم بمصيع

هبّوا له فلقد أراه بنصركم # يأوي إلى جبل أشمّ منيع

و إذا تحزّبت القبائل كنتم # ثقتي لكلّ ملمّة و فظيع‏[4]

إن أنتم لم تثأروا لأخيكم‏[5] # حتى يباء بوتره المتبوع

فخذوا المغازل بالأكفّ و أيقنوا # ما عشتم بمذلّة و خضوع

إن كنتم حدبا[6]على أحسابكم # سمعا فقد أسمعت كلّ سميع

أين الصّبيريّون‏[7]لم أر مثلهم # في النائبات و أين رهط وكيع!

قال: ثم استحيا من قوله: أين الصّبيريّون؟لقلّة عددهم فقال: أين الرّياحيّون؟.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني الحسن بن عليّ، قال:

حدّثني مسعود بن بشر، قال:

قال لي ابن مناذر: ولع بي قوم من المعتزلة ففرقت منهم، قال: و كان مولى صبير بن يربوع، فقلت: بنو صبير [1]المألك: الرسالة.

[2]في البيت إقواء.

[3]قوم روبى: خاثر و الأنفس مختلطون.

[4]ب، س، و «معجم الأدباء» 19-59: صلتم بدل كنتم. و بفتى بدل ثقتي.

[5]ب، س، و «معجم الأدباء» 19-59: «لم توتروا» . و معنى توتروا: تفزعوا و تأخذوا له و نره.

[6]في ب، س، و «معجم الأدباء» 19-59: «حربا» .

[7]في «معجم الأدباء» 19-59: «أين الرياحيون... » .

371

نفسان و نصف، فمن أدعو/منهم؟فقلت: ليس إلا إخوتهم بنو رياح، فقلت أبيات حرّضتهم فيها، و حضضت بنو رياح، فقلت:

أين الرّياحيّون لم أر مثلهم # في النّائبات و أين رهط وكيع!

قال: فجاء خمسون شيخا من بني رياح فطردوهم عنّي.

أخبرني عليّ بن سليمان قال: حدّثني محمد بن يزيد، قال: حدثني الجاحظ، عن مسعود بن بشر، عن أبي عبيدة، قال:

ما زادت بنو صبير بن يربوع قط على سبعة نفر، كلّما ولد منهم مولود مات منهم ميّت.

كان من أهل عدن‏

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدثني يعقوب بن نعيم، قال: حدثني إسحاق بن محمد النّخعيّ، قال: حدّثني أبو عثمان المازنيّ، قال:

كان ابن مناذر من أهل عدن، و إنّما صار إلى البصرة في طلب الأدب لتوافر العلماء فيها، فأقام فيها مدّة، ثم شغل بعبد المجيد بن عبد الوهاب الثّقفيّ، فتطاول أمره إلى أن خرج عنها، و كان مقيما بمكّة، فلما مات عبد المجيد نسك. و قوم يقولون: إنه كان دهريّا.

كره الناس إمامته في المسجد بعد تهتكه فهجوه و رد عليهم‏

و ذكر أبو دعامة، عن عطاء الملط[1]قال:

كان/ابن مناذر يؤمّ النّاس في المسجد الذي في قبيلته، فلما أظهر ما أظهره من الخلاعة و المجون كرهوا أن يصلّي بهم و أن يأتمّوا به‏[2]فقالوا شعرا و ذكروا ذلك فيه و هجوه، و ألقوا الرقعة في المحراب، فلما قضى صلاته قرأها، ثم قلبها و كتب فيها يقول:

نبّئت قافية قيلت تناشدها # قوم سأترك في أعراضهم ندبا

ناك الذين رووها أمّ قائلها # و ناك قائلها أمّ الذي كتبا

ثم رمى بها إليهم و لم يعد إلى الصلاة بهم.

أول لقاء له بأبي نواس‏

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال:

حدثنا أبو الفضل بن عبدان بن أبي حرب الصّفّار، قال: حدّثني الفضل بن موسى مولى بني هاشم، قال:

دخل ابن مناذر المسجد الجامع بالبصرة، فوقعت عينه على غلام مستند إلى سارية فخرج و التمس غلاما و رقعة و دواة، فكتب أبياتا مدحه بها، و سأل الغلام الذي التمسه أن يوصّل الرّقعة إلى الفتى المستند إلى السارية، فذهب بها إلى الغلام، فلما قرأها قلبها و كتب على ظهرها يقول:

[1]ب، س: عطاء الملك.

[2]ف: يأثموا به.

372

مثل امتداحك لي بلا ورق‏[1] # مثل الجدار بني على خصّ

و ألذّ عندي من مديحك لي # سود النّعال و ليّن القمص

فإذا عزمت فهي لي ورقا # فإذا فعلت فلست أستعصي‏

فلما قرأها ابن مناذر قام إليه فقال له: ويلك، أ أنت أبو نواس؟قال: نعم، فسلّم عليه و تعانقا، و كان ذلك أوّل المودّة بينهما.

خبره مع أبي العتاهية

أخبرني محمّد بن الحسن بن دريد، قال: حدّثني أبو حاتم، قال:

اجتمع أبو العتاهية و محمد بن مناذر، فقال له أبو العتاهية: يا أبا عبد اللّه، كيف أنت في الشّعر؟قال: أقول في الليلة إذا سنح القول لي، و اتّسعت القوافي عشرة أبيات إلى خمسة عشر، فقال له أبو العتاهية: لكنّي لو شئت أن أقول في الليلة ألف بيت لقلت، فقال ابن مناذر: أجل و اللّه إذا أردت أن أقول مثل قولك:

ألا يا عتبة السّاعة # أموت السّاعة السّاعة

قلت: و لكني لا أعوّد نفسي مثل هذا الكلام السّاقط، و لا أسمح لها به، فخجل أبو العتاهية و قام يجرّ رجله.

/أخبرني به الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني سهل بن محمد أبو حاتم، و أحمد بن يعقوب بن المنير ابن أخت أبي بكر الأصمّ. قال ابن مهرويه: و حدثني به يحيى بن الحسن‏[2]الرّبيعيّ، عن غسّان بن المفضّل‏[3]، قال:

اجتمع أبو العتاهية، و ابن مناذر، فاجتمع الناس إليهما، و قالوا: هذان شيخا الشّعراء[4]، فقال أبو العتاهية لابن مناذر: يا أبا عبد اللّه، كم تقول في اليوم من الشّعر؟و ذكر باقي الخبر مثل المتقدم سواء.

رفض خلف الأحمر أن يقيس شعره إلى شعر الجاهليين‏

أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثنا العباس بن ميمون طائع، قال:

سمعت الأصمعيّ يقول: حضرنا مأدبة و معنا أبو محرز خلف الأحمر، و حضرها ابن مناذر، فقال لخلف الأحمر: يا أبا محرز، إن يكن النّابغة، و امرؤ القيس، و زهير، قد ماتوا فهذه أشعارهم مخلّدة فقس شعري إلى شعرهم، و احكم فيها بالحقّ، فغضب خلف، ثم أخذ صحفة/مملوءة مرقا فرمى بها عليه فملأه، فقام ابن مناذر مغضبا، و أظنه هجاه بعد ذلك.

طلب من أبي عبيدة أن يحكم بين شعره و شعر عدي بن زيد

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدّثنا خلاّد[5]الأرقط، قال:

[1]الورق: الدراهم المضروبة.

[2]ف: بن الحسين.

[3]ب، س: الفضل.

[4]ف: شيخا الشعر.

[5]ب، س: حماد الأرقط.

373

لقيني ابن مناذر بمكة، فأنشدني قصيدته:

كلّ حيّ لاقي الحمام فمودي‏

ثم قال لي: أقرى‏ء أبا عبيدة السلام و قل له: يقول لك ابن مناذر، اتّق اللّه و احكم بين شعري و شعر عديّ بن زيد، و لا تقل ذلك جاهليّ، و هذا إسلاميّ، و ذاك قديم و هذا محدث فتحكم بين العصرين، و لكن احكم بين الشعرين ودع/العصبيّة، قال: و كان ابن مناذر ينحو نحو عديّ بن زيد في شعره، و يميل إليه و يقدّمه.

ينحو نحو عدي بن زيد في شعره و يقدمه‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن عثمان الكزبريّ، قال: أخبرني محمد بن الحجاج الجرادانيّ، قال:

قلت لابن مناذر: من أشعر الناس؟قال: من كنت في شعره، فقلت له: و من‏[1]ذاك؟فقال: عديّ بن زيد، و كان ينحو نحوه في شعره و يقدّمه و يتّخذه إماما.

كان أبو عبد المجيد الثقفي على جلالته و سنه لا ينكر صحبة ابنه لابن مناذر

و الأبيات التي فيها الغناء أوّل قصيدة لمحمد بن مناذر رثى بها عبد المجيد بن عبد الوهّاب بن عبد المجيد الثّقفيّ، و كان يهواه، و كان عبد المجيد هذا فيما يقال من أحسن الناس وجها و أدبا و لباسا، و أكملهم في كلّ حال، و كان على غاية المحبّة لابن مناذر و المساعدة له و الشّغف به. و كان يبلغ خبره أباه على جلالته و سنّه و موضعه من العلم، فلا ينكر ذلك؛ لأنّه لم تكن تبلغه عنه ريبة، و كان ابن مناذر حينئذ حميد الأمر[2]حسن المروءة عفيفا.

فحدّثني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا أحمد بن حدّان‏[3]، قال: حدثني قدامة بن نوح، قال:

قيل لعبد الوهاب بن عبد المجيد الثّقفيّ: إن ابن مناذر قد أفسد ابنك، و ذكره في شعره و شبّب به، فقال عبد الوهاب: أ و لا يرضى ابني أن يصحبه مثل ابن مناذر و يذكره في شعره!.

خروجه إلى جبانة بانة أم عبد المجيد مع جواريها

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدثني عليّ بن محمد بن سليمان النّوفليّ، قال:

أمّ عبد المجيد بن عبد الوهاب الثّقفيّ الذي كان يشبّب به ابن مناذر بانة بنت أبي العاصي، و هي مولاة جنان التي يشبّب بها أبو نواس، قال: فحدّثني من رأى/محمد بن مناذر يوم ثالث بانة هذه، و قد خرج جواريها إلى قبرها، فخرج معهنّ نحو الجبّانة بالبصرة، قال: فقلت له: يا أبا عبد اللّه، أين تريد؟فقال:

اليوم يوم الثّلاثا # و يوم ثالث بانه

اليوم تكثر فيه الظّبا # ء في الجبّانة

[1]في ب، س: فقلت له: على ذاك.

[2]ف: جميل الأمر.

[3]ب: «جدان» ، تصحيف. ـ

374

قال أبو الحسن: ولدت بانة من عبد الوهّاب بن عبد المجيد أولاده: عبد المجيد و أبا العاصي، و زيادا. و زياد الذي عناه أبو نواس في قوله يشبّب بجنان:

جفن عيني قد كاد يسـ # قط من طول ما اختلج

و فؤادي من حرّ حبّ # ك قد كاد أو نضج

[1]خبّريني فدتك نفـ # سي و أهلي متى الفرج!

كان ميعادنا خرو # ج زياد فقد خرج‏

/قال ابن عمّار: قال لي النّوفليّ: في هذه الأبيات غناء حلو مليح، لو سمعته لشربت عليه أربعة أرطال.

قال النوفليّ: و كان لعبد الوهاب ابن يقال له: محمد، كان أسنّ ولده، و يقال: إنه كان يتعشّق بانة ابنة أبي العاصي هذه امرأة أبيه، و إن زياد بن عبد الوهاب منه، و كان أشبه الناس به.

حدثني ابن عمار قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني أبي قال:

خرج ابن مناذر يوما من صلاة التّراويح و هو في المسجد بالبصرة، و خرج عبد المجيد بن عبد الوهاب خلفه، فلم يزل يحدّثه إلى الصّبح، و هما قائمان، إذا انصرف عبد المجيد شيّعه ابن مناذر إلى منزله، فإذا بلغه و انصرف ابن مناذر شيّعه عبد المجيد، لا يطيب أحدهما نفسا بفراق صاحبه حتى أصبحا. فقيل/لعبد الوهاب بن عبد المجيد: ابن مناذر قد أفسد ابنك، فقال: أ و ما يرضى ابني أن يرضى بما يرضى به ابن مناذر[2].

قصيدة له في مدح عبد المجيد بن عبد الوهاب‏

و في عبد المجيد يقول ابن مناذر يمدحه، و هو من مختار ما قاله فيه، أنشدنيها عليّ بن سليمان الأخفش، عن محمد بن زيد من قصيدة أولها:

شيّب ريب الزّمان رأسي # لهفي على ريب ذا الزّمان

يقدح في الصّمّ من شرورى # و يحدر[3]الصّمّ من أبان‏

يقول فيها يمدح عبد المجيد:

منّي إلى الماجد المرجّى # عبد المجيد الفتى الهجان

خير ثقيف أبا و نفسا # إذا التقت حلقتا البطان

نفسي فداء له و أهلي # و كلّ ما تملك اليدان

كأنّ شمس الضّحى و بدر # الدّجى عليه معلّقان

نيطا معا فوق حاجبيه # و البدر و الشّمس يضحكان

مشمّر، همّه المعالي # ليس برثّ و لا بواني‏

[1]ف: حدثني.

[2]في «المختار» : «أ و ما يرضى ابني أن يرضى به ابن مناذر» .

[3]في ب، هب: و يحذر. و شرورى، و أبان: جبلان.

375

بنى له عزّة و مجدا # في أول‏[1]الدّهر بانيان

بان تلقّاه من ثقيف # و من ذرا الأزد خير باني‏[2]

فاسأله ممّا حوت يداه # يهتزّ كالصّارم اليماني‏[3]

ملازمته عبد المجيد في مرضه‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو توبة صالح بن محمد قال:

مرض عبد المجيد بن عبد الوهاب الثّقفيّ مرضا شديدا بالبصرة، و كان ابن مناذر ملازما له يمرّضه و يخدمه، و يتولى أمره بنفسه، لا يكله إلى أحد. فحدّثني بعض أهلهم قال: حضرت يوما عنده، و قد أسخن له ماء حارّ ليشربه، و اشتدّ به الأمر فجعل يقول: آه!بصوت ضعيف، فغمس ابن مناذر يده في الماء الحارّ و جعل يتأوّه مع عبد المجيد و يده تحترق حتى كادت يده تسقط، فجذبناها و أخرجناها من الماء، و قلنا له: أ مجنون أنت!أيّ شي‏ء هذا!أ ينتفع به ذاك!فقال: أساعده، و هذا جهد من مقلّ، ثم استقلّ من علّته تلك و عوفي مدّة طويلة، ثم تردّى من سطح فمات، فجزع عليه جزعا شديدا حتى كاد يفضل/أهله و إخوته في البكاء و العويل، و ظهر منه من الجزع ما عجب الناس له، و رثاه بعد ذلك بقصيدته المشهورة، فرواها أهل البصرة، و نيح بها على عبد المجيد، و كان الناس يعجبون بها و يستحسنونها.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم النّوشجانيّ‏[4]، قال: سمعت أبي يقول:

حضرت سفيان بن عيينة يقول لابن مناذر: أنشدني ما قلت في عبد المجيد، فأنشده قصيدته الطويلة الدّالية.

قال سفيان: بارك اللّه فيك، فلقد تفرّدت بمراثي أهل العراق.

سقوط عبد المجيد من السطح على رأسه و موته‏

فأخبرني عمّي، قال: حدثني أبو هفّان، قال: قال جمّاز:

تزوج عبد المجيد امرأة من أهله فأولم عليها شهرا يجتمع عنده في كلّ يوم وجوه أهل البصرة و أدباؤها و شعراؤها، فصعد ذات يوم إلى السطح فرأى طنبا من أطناب السّتارة قد انحلّ، فأكبّ عليه ليشدّه، فتردّى على رأسه و مات من سقطته، فما رأيت مصيبة قطّ كانت أعظم منها و لا أنكأ للقلوب.

طارح محمد بن عمر الخراز رثاءه في عبد المجيد و ناحا عليه به بعد أن وضعا فيه لحنا

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدثني الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدثني العبّاس بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان، قال: حدثني محمد بن عمر الخرّاز[5]، قال:

قال لي ابن مناذر: ويحك!و لست أرى نساء ثقيف ينحن على عبد المجيد نياحة على استواء، قلت: فما [1]في ب: أزل.

[2]في ب:

«بأن تلقاه... غير بان»

، تحريف.

[3]كذا في ف. و في ب، س: «جاء البيت الثامن مكان التاسع» .

[4]ف: محمد بن محمد بن القاسم النوشجاني.

[5]ف: عن جعفر بن سليمان، قال: حدثني محمد بن عمرو الجان.

376

تحبّ؟قال: تخرج معي حتى أطارحك، فطارحني القصيدة التي يقول فيها:

إنّ عبد المجيد يوم تولّى # هدّ ركنا ما كان بالمهدود

هدّ عبد المجيد ركني و قد كنـ # ت بركن أبوء منه شديد[1]

قال: فما زلت حتى حفظتها و وعيتها، و وضعنا فيها لحنا، فلما كان في الليلة التي يناح بها على عبد المجيد فيها، صلّينا العشاء الآخرة في المسجد الجامع، ثم خرجنا إلى دارهم، و قد صعد النساء على السّطح ينحن عليه، فسكتن سكتة لهنّ، فاندفعنا أنا و هو ننوح عليه، فلما سمعتنا أقبلن يلطمن و يصحن حتى كدن ينقلبن من السطح إلى أسفل من شدة تشرّفهنّ علينا و إعجابهنّ بما سمعنه منا، و أصبح أهل المسجد ليس لهم حديث غيرنا، و شاع الخبر بالبصرة و تحدّث به الناس حتى نقل من مجلس إلى مجلس.

أم عبد المجيد تبرّ قسمه و تصيح صياحا يقال إنه أول ما قيل في الإسلام‏

و أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال لي: حدثني موسى بن‏[2]حماد بن عبد اللّه القرشيّ، قال: حدثني محمد بن النعمان بن جبلة الباهليّ، قال: لما قال ابن مناذر:

لأقيمنّ مأتما كنجوم اللّيل # زهرا يلطمن حرّ الخدود

موجعات يبكين للكبد # الحرّى عليه و للفؤاد العميد

/قالت أم عبد المجيد: و اللّه لأبرّنّ قسمه، فأقامت مع أخوات عبد المجيد و جواريه مأتما عليه، و قامت تصيح عليه: واي، ويه، واي، ويه، فيقال: إنها أول من فعل ذلك و قاله في الإسلام.

رثاء له في عبد المجيد

و أخبرني بهذا الخبر ابن عمّار عن عليّ بن محمد النوفليّ عن عمه:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا محمد بن يزيد، عن محمد بن عامر النخعيّ‏[3]، قال:

أنشدني محمد بن مناذر لنفسه يرثي عبد المجيد بن عبد الوهاب يقول:

/

يا عين حقّ لك البكا # ء لحادث الرّزء الجليل

فابكي على عبد المجيـ # د و أعولي كلّ العويل

لا يبعد اللّه الفتى الـ # فيّاض ذا الباع الطّويل

عجل الحمام به فودّ عنـ # ا و آذن بالرّحيل

لهفي على الشّعر المعفّ # ر منك و الخدّ الأسيل

كسفت لفقدك شمسنا # و البدر آذن بالأفول‏

عرض قصيدته الدالية على أبي عبيدة فلم تعجبه‏

حدثني عمّي قال: حدثنا الكرانيّ قال: حدثني النّضر بن عمرو عن المازنيّ، قال: حدثنا حيّان:

[1]بيتان من قصيدة تقع في تسعة و ثلاثين بيتا. انظر «مهذب الأغاني» 7-160.

[2]ف: «حدثني يونس بن حماد» .

[3]ف: «الحنفي» .

377

أنّ ابن مناذر دفع قصيدته الدالية إليه، و قال: اعرضها على أبي عبيدة، فأتيته و هو على باب أبي عمرو بن العلاء، فقرأت عليه منها خمسة أبيات فلم تعجبه، و قال: دعني من هذا، فإني قد تشاغلت بحفظ القرآن عنه و عن مثله، قال: و كان أبو عبيدة يبغضه و يعاديه لأنه هجاه.

هبود و عبود

أخبرني محمد بن مزبد بن أبي الأزهر، قال: حدّثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، قال: قال ابن مناذر: قلت:

يقدح الدهر في شماريخ رضوى‏

/ثم مكثت حولا لا أدري بم أتمّمه، فسمعت قائلا يقول: هبّود، قلت: و ما هبّود؟فقال لي: جبيل في بلادنا، فقلت:

و يحطّ الصّخور من هبّود

قال إسحاق: و سمع أعرابيّ هذا البيت، فقال: ما أجهل قائله بهبّود!و اللّه أنها لأكيمة ما توارى الخارئ، فكيف يحطّ منها الصّخور!.

أخبرني عمّي، قال: حدثنا الكرانيّ، قال: حدّثني أبو حاتم، قال: سمعت أبا مالك عمرو بن كركرة يقول:

أنشدني ابن مناذر قصيدته الدّالية التي رثى فيها عبد المجيد، فلمّا بلغ إلى قوله:

يقدح الدّهر في شماريخ رضوى # و يحطّ الصّخور من هبّود

قلت له: هبّود، أيّ شي‏ء هو؟فقال: جبل، فقلت: سخنت عينك، هبّود و اللّه بئر باليمامة ماؤها ملح لا يشرب منه شي‏ء خلقه اللّه، و قد و اللّه خريت فيها مرّات، فلما كان بعد مدة وقفت عليه في مسجد البصرة و هو ينشدها، فلما بلغ هذا البيت أنشدها:

و يحط الصّخور من عبّود

فقلت له: عبّود، أيّ شي‏ء هو ذا[1]؟فقال: جبل بالشّام، فلعلك يا بن الزّانية خريت عليه أيضا، فضحكت ثم قلت: لا ما خريت عليه و لا رأيته، و انصرفت عنه و أنا أضحك.

أخبرني عمّي قال: حدّثني الكرانيّ، عن العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، قال:

كان يحيى بن زياد يرمى بالزّندقة، و كان من أظرف الناس و أنظفهم، فكان يقال: أظرف من الزّنديق.

شعر له في محمد بن زياد

و كان الحاركيّ و اسمه محمد بن زياد يظهر الزندقة تظارفا، فقال فيه ابن مناذر:

يا بن زياد يا أبا جعفر # أظهرت دينا غير ما تخفي

مزندق و الظاهر باللفظ[2]في # باطن إسلام فتى عف‏

[1]في ب، س: أي شي‏ء هو زيادة.

[2]ف: «مزندق الظاهر باللطف» .

378

لست بزنديق و لكنّما # أردت أن توسم بالظّرف‏[1]

و قال فيه أيضا:

يا أبا جعفر كأنك قد صر # ت على أجرد طويل الجران‏[2]

/من مطايا ضوامر ليس يصهلـ # ن إذا ما ركبن يوم رهان

لم يذلّلن بالسّروج و لا أقـ # رح أشداقهنّ جذب العنان

قائمات مسوّمات لدى الجسـ # ر لأمثالكم من الفتيان‏

انصرف الناس عن حلقته إلى حلقة عتبة النحوي فقال شعرا في ذلك‏

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدّثنا عيسى بن إسماعيل تينة عن ابن عائشة، قال:

كان عتبة النّحويّ من أصحاب سيبويه، و كان صاحب نحو فهما بما يشرحه و يفسّره على مذاهب أصحابه، و كان ابن مناذر يتعاطى ذلك، و يجلس إليه قوم يأخذونه عنه، فجلس عتبة قريبا من حلقته، فتقوّض الناس إليه، و تركوا ابن مناذر، فلمّا كان في يوم الجمعة الأخرى قام ابن مناذر من حلقته، فوقف على عتبة، ثم أنشأ يقول:

قوموا بنا جميعا # لحلقة العذاري

تجمعن للشقاء # إلى عتبة الخسار[3]

ما لي و ما لعتبـ # ة إذ يبتغي ضراري‏

/قال: فقام عتبة إليه فناشده ألاّ يزيد، و منع من كان يجلس إلى ابن مناذر من حضور حلقته، و جلس هو بعيدا من ابن مناذر بعد ذلك.

كان جاره ابن عمير يغري به المعتزلة فهجاه‏

حدّثني عمّي، قال: حدثنا الكرانيّ، قال: حدّثنا عيسى بن إسماعيل تينة، قال:

كان لابن مناذر جار يقال له ابن عمير[4]من المعتزلة، فكان يسعى بابن مناذر إليهم، و يسبّه و يذكره بالفسق و يغريهم به، فقال يهجوه:

بنو عمير مجدهم دارهم # و كلّ قوم فلهم مجد

كأنهم فقع‏[5]بدوّيّة # و ليس لهم قبل و لا بعد

بثّ عمير لؤمه فيهم # فكلّهم من لؤمه جعد

و أخبرني بهذا الخبر الحسن بن عليّ، عن ابن مهرويه، عن النّوفليّ بمثله، و زاد فيه: و عبد اللّه بن عمير-أبو هؤلاء الذين هجاهم-أخو عبد اللّه بن عامر لأمّه، أمّهما دجاجة بنت إسماعيل بن الصّلت السّلميّ.

[1]في ف: البيت الثاني مكان الثالث.

[2]الجران: باطن العنق من البعير و غيره.

[3]في هب: جمعن. و في ب، بيروت:

«يجمعن... مع عتبة»

.

[4]ف: «أبو عمير» .

[5]الفقع: البيضاء الرخوة من الكمأة. يقال للذليل: هو أذل من فقع بقرقرة أو بقرقر. و في ب: «قفع» ، تصحيف.

379

كان من أحضر الناس جوابا

أخبرني هاشم بن محمد، قال: حدثنا الخليل بن أسد، قال:

كان ابن مناذر من أحضر الناس جوابا، قال له رجل: ما شأنك؟قال: عظم في أنفي.

قال: و سأله رجل يوما: ما الجرباء؟فأومأ بيده إلى الأرض، قال: هذه، يهزأ به، و إنّما الجرباء السّماء.

خبره مع الخليل بن أحمد

أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ المؤدّب، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدّثني جعفر بن محمّد عن دماذ[1]قال:

/دار بين الخليل بن أحمد و بين ابن مناذر كلام، فقال له الخليل: إنما أنتم معشر الشّعراء تبع لي، و أنا سكّان السّفينة، إن قرّظتكم و رضيت قولكم نفقتم و إلاّ كسدتم، فقال ابن مناذر: و اللّه لأقولنّ في الخليفة قصيدة أمتدحه بها و لا أحتاج إليك فيها عنده و لا إلى غيرك.

يمدح الرشيد فيجيزه‏

فقال في الرّشيد قصيدته الّتي أوّلها:

ما هيّج الشوق من مطوّقة # أوفت على بانة تغنّينا

يقول فيها:

و لو سألنا بحسن وجهك يا # هارون صوب الغمام أسقينا

/قال: و أراد أن يفد بها[2]إلى الرشيد، فلم يلبث أن قدم الرشيد البصرة حاجّا ليأخذ على طريق النّباج‏[3] و كان الطريق‏[4]قديما، فدخلها و عديله إبراهيم الحرّانيّ فتحمّل عليه ابن مناذر بعثمان بن الحكم الثّقفيّ، و أبي بكر السّلميّ حتى أوصلاه إلى الرّشيد، فأنشده إيّاها، فلما بلغ آخرها كان فيها بيت يفتخر فيه و هو:

قومي تميم عند السّماك لهم # مجد و عزّ فما ينالونا[5]

فلما أنشده هذا البيت تعصّب عليه قوم من الجلساء، فقال له بعضهم: يا جاهل، أ تفخر في قصيدة مدحت بها أمير المؤمنين. و قال آخر: هذه حماقة بصريّة، فكفّهم عنه الرشيد و وهب له عشرين ألف درهم.

الرشيد يستشهد بشعره و يبعث له بجائزة

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا محمد بن يزيد، قال: حدثني سهيل السّلميّ: أنّ الرّشيد استسقى في سنة قحط فسقي الناس، فسرّ بذلك، و قال: للّه درّ ابن مناذر حيث يقول:

[1]ب: ابن دماذ.

[2]ف، بيروت: «ينفذ بها» ، و في المختار: «ينفذها» .

[3]في بلاد العرب نباجان، أحدهما على طريق البصرة يقال له نباج بني عامر و هو بحذاء فيد، و الآخر نباج بني سعد بالقريتين.

[4]في ب، بيروت: «و هو كان الطريق» .

[5]ف: «فما يبالونا» .

380

/

و لو سألنا بحسن وجهك يا # هارون صوب الغمام أسقينا

و سأل عن خبره فأخبر أنّه بالحجاز، فبعث إليه بجائزة.

هجاؤه بكر بن بكار

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، عن محمد بن عمران الصّيرفيّ، قال: حدّثنا العنزيّ، قال: حدّثنا نصر بن علي الجهضميّ، قال: حدّثني محمّد بن عباد المهلبيّ‏[1]، قال:

شهد بكر بن بكّار عند عبيد اللّه بن الحسن بن الحصين بن الحرّ العنزيّ بشهادة، فتبسّم ثم قال له: يا بكر، ما لك و لابن مناذر حيث يقول:

أعوذ باللّه من النّار # و منك يا بكر بن بكّار

فقال: أصلح اللّه القاضي، ذاك رجل ماجن خليع لا يبالي ما قال، فقال له: صدقت و زاد تبسّمه، و قبل شهادته، و قام بكر و قد تشوّر[2]و خجل. قال العنزيّ: فحدثني أبو غسّان دماذ قال:

أنشدني ابن مناذر هذا الشّعر الذي قاله في بكر بن بكّار و هو:

أعوذ باللّه من النّار # و منك يا بكر بن بكّار

يا رجلا ما كان فيما مضى # لآل حمران بزوّار

ما منزل أحدثته رابعا # معتزلا[3]عن عرصة الدّار

ما تبرح الدّهر على سوأة # تطرح حبّا للخشنشار

يا معشر الأحداث يا ويحكم # تعوّذوا بالخالق الباري

من حربة نيطت على حقوه # يسعى بها كالبطل الشّاري

يوم تمنّى أنّ في كفّه # أير أبي الخضر بدينار

/قال ابن مهرويه في خبره: و الخشنشار هو معاوية الزّياديّ المحدّث، و يكنى أبا الخضر، و كان جميل الوجه.

و قال العنزيّ في حديثه: حدّثني إسحاق بن عبد اللّه الحمرانيّ، و قد سألته عن معنى هذا الشعر، فقال:

الخشنشار: غلام أمرد جميل الوجه كان في محلّتنا، و هذا لقبه، و كان بكر بن بكار يتعشّقه، فكان يجي‏ء إلى أبي فيذاكره الحديث و يجالسه و ينظر إلى الخشنشار.

قال العنزيّ: حدّثني عمر بن شبّة، قال:

بلغني أنّ عبيد اللّه بن الحسن‏[4]لقي/ابن مناذر فقال له: ويحك، ما أردت إلى بكر بن بكّار ففضحته، و قلت فيه قولا لعلّك لم تتحقّفه؟فبدأ ابن مناذر يحلف له بيمين ما سمعت قطّ أغلظ منها، أنّ الذي قاله في بكر شي‏ء يقوله معه كلّ من يعرف بكرا و يعرف الخشنشار، و يجمع عليه و لا يخالفه فيه، فانصرف عبيد اللّه مغموما بذلك قد بان [1]كذا في ف. و في ب: «أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنا الحسن بن علي، قال:

حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثني محمد بن عباد المهلبي، قال: » .

[2]تشور مطاوع شوره، أي خجل.

[3]ب، بيروت: منتزحا.

[4]في هب: عبيد اللّه بن الحسين. و في ب: عبد اللّه بن الحسن.

381

فيه، فلما بعد عنا، قلت لابن مناذر: برئ اللّه منك، ويلك ما أكذبك!أ كلّ من يعرف بكر بن بكّار[1]يقول فيه مثل قولك حتى حلفت بهذه اليمين؟فقال: سخنت عينك، فإذا كنت أعمى القلب أيّ شي‏ء أصنع!أ فتراني كنت أكذّب نفسي عند القاضي، إنما موّهت عليه و حلفت له أن كلّ من يعرفها يقول مثل قولي، و عنيت ما ابتدأت به من الشعر و هو قولي:

أعوذ باللّه من النّار

أ فتعرف أنت أحدا يعرفهما أو يجهلهما إلاّ يقول كما قلت: أعوذ باللّه من النار، إنما موّهت على القاضي و أردت تحقيق قولي عنده.

/قال مؤلف هذا الكتاب: و بكر بن بكّار رجل محدّث، قد روى عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح تفسير مجاهد، و روى حديثا صالحا.

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثنا بكر بن بكّار عن عبد اللّه بن المحرز، عن قتادة، عن أنس: أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم قال: «زيّنوا القرآن بأصواتكم» .

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني الأحوص بن الفضل البصريّ‏[2]، قال:

حدّثنا ابن معاوية الزّياديّ، و أبوه الخشنشار الذي يقول فيه ابن مناذر:

تطرح حبّا للخشنشار

قال: حدثني من لقي ابن مناذر بمكّة فقال: أ لا تشتاق إلى البصرة؟فقال له:

أخبرني عن شمس الوزّانين، أ على حالها؟قال: نعم، قال: وثيق بن يوسف الثّقفيّ حيّ؟قال: نعم، قال:

فغسّان بن الفضل‏[3]الغلاّبيّ حيّ؟قال: نعم، قال: لا، و اللّه لا دخلتها ما بقي فيها واحد من الثّلاثة. قال: و شمس الوزّانين في طرف المربد بحضرة مسجد الأنصار في موضع حيطانه قصار لا تكاد الشّمس تفارقه.

كان محمد بن عبد الوهاب أخو عبد المجيد يعاديه‏

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال:

كان محمّد بن عبد الوهاب الثّقفيّ أخو عبد المجيد يعادي محمد بن مناذر بسبب ميله إلى أخيه عبد المجيد، و كان ابن مناذر يهجوه و يسبّه و يقطعه، و كلّ واحد منهما يطلب لصاحبه المكروه و يسعى عليه، فلقي محمد بن عبد الوهاب ابن مناذر في مسجد البصرة، و معه دفتر فيه كتاب العروض بدوائره، و لم يكن محمّد بن عبد الوهاب يعرف العروض، فجعل يلحظ الكتاب و يقرؤه فلا يفهمه، و ابن مناذر/متغافل عن فعله، ثم قال له: ما في كتابك هذا؟فخبأه في كمّه و قال: و أيّ شي‏ء عليك ممّا فيه؟فتعلّق به و لبّبه، فقال له ابن مناذر: يا أبا الصّلت، اللّه اللّه في دمي، فطمع فيه و صاح يا زنديق، في كمّك الزّندقة، فاجتمع النّاس إليه، فأخرج الدّفتر من كمّه و أراهم‏[4]إيّاه، [1]في ب: بكر بن وائل.

[2]في هب: المفضل النصري. و في ب: المفضل.

[3]ف: «المفضل» .

[4]في ب: و أراه.

382

فعرفوا براءته ممّا قذفه به، و وثبوا على محمّد بن عبد الوهاب و استخفّوا به، و انصرف بخزي‏[1]، و قال ابن مناذر يهجوه:

إذا أنت تعلّقت‏[2] # بحبل من أبي الصّلت

تعلّقت بحبل وا # هن القوّة منبتّ

/إذا ما بلغ المجد # ذوو الأحساب بالمتّ

تقاصرت عن المجد # بأمر رائب شخت‏[3]

فلا تسمو إلى المجد # فما أمرك‏[4]بالثّبت

و لا فرعك في العيدا # ن عود ناضر النّبت‏[5]

و ما يبقي لكم يا قو # م من أثلتكم نحتي

فها فاسمع قريضا من # رقيق حسن النّعت

يقول الحقّ إن قال # و لا يرميك بالبهت

و في نعت لوجعاء # قد استرخت من الفتّ

فعندي لك يا مأبو # ن مثل الفالج البختي‏[6]

/عتلّ يعمل الكوم # من السّبت إلى السّبت

له فيشلة إن أد # خلت واسعة الخرت‏[7]

و إلا فاطل وجعاء # ك بالخضخاض و الزّفت‏[8]

أ لم يبلغك تسآلي # لدى العلاّمة المرت

فقال الشيخ سرجويـ # ه‏[9]: داء المرء من تحت

فخذ من ورق الدّفلى # و خذ من ورق القتّ

و خذ من جعر[10]كيسان # و من أظفار نسّخت

فغرغره به و اسعط # بذا في دائه أفتي‏

قال: و نسّخت‏[11]: لقب أبي عبيدة، و هو اسم من أسماء اليهود؛ لقب به تعريضا بأنّ جدّه كان يهوديّا، و كان أبو عبيدة و سخا طويل الأظفار أبدا و الشّعر، و كان يغضب من هذا اللّقب.

[1]في ب: فانصرفوا و وثب يجري.

[2]ف: تمسكت.

[3]الرائب من الأمور: ما فيه شبهة و ريبة. و الشخت: الضامر.

[4]ف: فما أصلك.

[5]في ب: «البكت» ، تحريف.

[6]في ف، بيروت: «مثل الجمل البختي» . و في ب: «الفالح البحت» . و لعلها الفالج البخت و هو ما أثبتناه. و الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين، و البخت: الإبل الخراسانية.

[7]الخرت: الثقب.

[8]الوجعاء: السافلة؛ و هي الدبر. و الخضخاض: نفط أسود تدهن به الإبل الجربى.

[9]في ف: و قال الشيخ ما سر جويه...

[10]في ب: و خذ من جعد... و الجعر: خرء كل ذي مخلب من السباع.

[11]في ف: سنخت. و في المختار: شبخت.

383

فأخبرني الحسن بن عليّ، عن ابن مهرويه، عن عليّ بن محمد النوفليّ، قال: لمّا قال ابن مناذر هذه الأبيات:

إذا أنت تعلّقت # بحبل من أبي الصّلت

تعلّقت بحبل وا # هن القوّة منبتّ

و قال الشيخ سرجو # يه: داء المرء من تحت‏

/فبلغ ذلك سرجويه، فجاء إلى محمد بن عبد الوهاب، فوقف عليه في مجلسه و عنده جماعة من أهله و إخوانه و جيرانه، فسلّم عليه و كان أعجميّا لا يفصح، ثم قال: «بركست كمن كفتم أن كسر مناذر كفت: داء المرء من تحت» [1]، فكاد القوم أن يفتضحوا من الضّحك، و صاح به محمد: اعزب قبّحك اللّه، فظنّ أنه لم يقبل عذره، فأقبل يحلف له مجتهدا ما قال ذاك، و محمد يصيح به: ويلك اعزب عنّي، و هو في الموت منه، و كلما زاده من الصّياح إليه زاده في العذر و اجتهد في الأيمان، و ضحك الناس حتى غلبوا، و قام محمد خجلا فدخل منزله و تفرّقوا.

قال أبو الحسن النّوفليّ: ثم مضى لذلك زمان، و هجا أبو نعامة أبا عبد اللّه عريسة الكاتب/فقال فيه:

و روى شيخ تميم # خالد أنّ هريسة

يدخل الأصلع ذا الخر # جين في جوف الكنيسة

فلقي خالد بن الصبّاح هذا هريسة، و كان يعاديه، و أراد أن يخجله، فحلف له مجتهدا أنّه لم يقل فيه ما قاله أبو نعامة، فقال هريسة: يا بارد!لم ترد أن تعتذر، إنما أردت أن تتشبّه بابن مناذر و محمّد بن عبد الوهاب، و بأبي الشّمقمق و أحمد بن المعذّل، و لست من هؤلاء في شي‏ء.

شعر له في ضرير و أخرس جالسين عنده‏

قرأت في بعض الكتب عن ابن أبي سعد، قال: حدّثني أبو الخطّاب الحسن بن محمد، عن محمد بن إسحاق البلخيّ، قال:

دخلت على ابن مناذر يوما و عنده رجل ضرير جالس عن يمينه، و رجل بصير جالس عن شماله ساكت لا ينطق، قال: فقلت له: ما خبرك؟فقال:

/بين أعمى و أخرس أخرس اللّه لسان الأعمى و أعمى البصيرا قال: فوثبا فخرجا من عنده و هما يشتمانه.

خبره مع سفيان بن عيينة

و نسخت من كتاب ابن أبي الدّنيا: حدّثني أبو محمّد التّميميّ، قال: حدّثني إبراهيم بن عبد اللّه، عن الحسن بن عليّ، قال:

كنّا عند باب سفيان بن عيينة و قد هرب منا، و عنده الحسن بن عليّ التّختاخ، و رجل من الحجبة، و رجل من أصحاب الرشيد، فدخل بهم و ليس يأذن لنا، فجاء ابن مناذر فقرب من الباب، ثم رفع صوته فقال.

[1]كذا في هب، مد: يريد سرجويه أن يقول لابن عبد الوهاب: «إن ما قاله ابن مناذر منسوبا إليه غير صحيح» . ـ

384

بعمرو و بالزّهريّ و السّلف الأولى # بهم ثبتت رجلاك عند المقاوم

جعلت طوال الدهر يوما لصالح # و يوما لصبّاح و يوما لحاتم

و للحسن التّختاخ‏[1]يوما و دونهم # خصصت حسينا دون أهل المواسم

نظرت و طال الفكر فيك فلم أجد # رحاك جرت إلاّ لأخذ الدّراهم‏

فخرج سفيان و في يده عصا و صاح: خذوا الفاسق، فهرب ابن مناذر منه، و أذن لنا فدخلنا.

رثاؤه سفيان بن عيينة

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني أبو بكر المؤدّب، قال:

حدّثني محمد بن قدامة، قال:

سمعت سفيان بن عيينة يقول لابن مناذر: يا أبا عبد اللّه، ما بقي أحد أخافه غيرك، و كأنّي بك قد متّ فرثيتني، فلما مات سفيان بن عيينة، قال ابن مناذر يرثيه:

راحوا بسفيان على نعشه # و العلم مكسوّين أكفانا[2]

/إنّ الذي غودر[3]بالمنحنى # هدّ من الإسلام أركانا

لا يبعدنك اللّه من ميّت # ورّثنا[4]علما و أحزانا

سفيان بن عيينة يتكلم بكلام لابن مناذر

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدّثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال:

حدّثني شيخ من أهل الكوفة يقال له عوّام، قال: سمعت سفيان بن عيينة و قد تكلّم بكلام استحسن، فسأله محمد بن مناذر أن يمليه عليه، فتبسّم سفيان و قال له: هذا كلام سمعتك تتكلّم به فاستحسنته فكتبته عنك، قال:

و على ذلك أحبّ أن تمليه عليّ، فإني إذا رويته عنك كان/أنفق له من أن أنسبه إلى نفسي.

قال عوّام: و أنشدني ابن عائشة لابن مناذر يرثي سفيان بن عيينة بقوله:

يجني من الحكمة نوّارها # ما تشتهي الأنفس ألوانا[5]

يا واحد الأمّة في علمه # لقيت من ذي العرش غفرانا

راحوا بسفيان على نعشه # و العلم مكسوّين أكفانا

رجع إلى المجون بعد موت عبد المجيد بن عبد الوهاب‏

أخبرني عليّ بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن يزيد، عن محمد بن عامر الحنفيّ، قال:

لمّا مات عبد المجيد بن عبد الوهاب، خرج ابن مناذر إلى مكّة، و ترك النّسك و عاد للمجون و الخلع، و قال [1]في ف: المحتاج. و التختاخ: الألكن.

[2]في «معجم الأدباء» 19/60: «راحوا بسفيان على عرشه» .

[3]في ب: غور.

[4]ف، بيروت: ورثتنا.

[5]في «معجم الأدباء» 19-60:

«يجني من الحكمة سفياننا»

.

385

في هذا المعنى شعرا كثيرا، حتى كان إذا مدح أو فخر، لم يجعل افتتاح شعره و مباديه إلا المجون، و حتى قال في مدحه للرّشيد:

هل عندكم رخصة عن الحسن البـ # صريّ في العشق و ابن سيرينا!

/إنّ سفاها بذي الجلالة و الشّيـ # بة ألاّ يزال مفتونا

و قال أيضا في هذا المعنى:

ألا يا قمر المسجـ # د هل عندك تنويل!

شفائي منك-إن # نوّلتني-شمّ و تقبيل

سلا كلّ فؤاد[1]و # فؤادي بك مشغول

لقد حمّلت من حبّيـ # ك ما لا يحمل الفيل‏[2]

خبره مع يونس النحوي‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثني ابن مهرويه، قال: حدثنا العبّاس بن الفضل الربعيّ، قال: حدثني التّوزيّ، قال:

قال ابن مناذر ليونس النحويّ يعرّض به: أخبرني عن جبّل أ تنصرف أم لا؟و كان يونس من أهلها، فقال له:

قد عرفت ما أردت يا ابن الزّانية. فانصرف ابن مناذر: فأعدّ شهودا يشهدون عليه بذلك، و صار إليه و سأله، هل تنصرف جبّل؟و علم يونس ما أراد، فقال له: الجواب ما سمعته أمس.

خبر زيارة حجاج الصواف له بمكة

أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا يعقوب بن إسرائيل، قال: حدّثني إسحاق بن محمد النخعيّ، قال:

حدثني إسحاق بن عمرو السّعديّ، قال: حدّثني الحجاج الصّوّاف. و أخبرني الحسن بن عليّ أيضا، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: حدّثني إسحاق بن محمد، قال: حدثني أميّة بن أبي مروان، قال: حدثني حجّاج الصّوّاف الأعور، قال:

خرجت إلى مكّة فكان هجّيراي‏[3]في الطريق ابن مناذر، و كان لي إلفا و خدنا و صديقا، فدخلت مكة فسألت عنه، فقالوا: لا يبرح المسجد، فدخلت/المسجد فالتمسته فوجدته بفناء زمزم، و عنده أصحاب الأخبار و الشّعراء يكتبون عنه، فسلّمت و أنا أقدّر أن يكون عنده من الشّوق إليّ مثل ما عندي، فرفع رأسه فردّ السّلام ردّا ضعيفا، ثم رجع إلى القوم يحدّثهم و لم يحفل بي، فقلت في نفسي: أ تراه ذهبت عنه معرفتي!فبينا أنا أفكّر إذ طلع أبو الصّلت بن عبد الوهاب الثقفيّ من باب بني شيبة داخلا المسجد، فرفع رأسه فنظر إليه، ثم أقبل عليّ فقال:

أ تعرف هذا؟فقلت: نعم، هذا الذي يقول فيه من قطع اللّه لسانه:

/

إذا أنت تعلّقت # بحبل من أبي الصّلت‏

[1]في ب: «كل فؤادي» .

[2]الأبيات في «الشعر و الشعراء» 2-870.

[3]الهجيرى: الشأن و القصد.

386

تعلّقت بحبل وا # هن القوّة منبتّ‏

قال: فتغافل عنّي، و أقبل عليهم ساعة، ثم أقبل عليّ فقال: من أيّ البلاد أنت؟قلت: من أهل البصرة، قال:

و أين تنزل منها؟قلت: بحضرة بني عائش الصّوّافين، قال: أ تعرف هناك ابن زانية يقال له: حجّاج الصّواف؟قلت:

نعم تركته ينيك أمّ ابن زانية يقال له: ابن مناذر، فضحك و قام إليّ فعانقني.

هجاؤه حجاج الصواف‏

قال مؤلّف هذا الكتاب: و لابن مناذر هجاء في حجّاج الصّوّاف على سبيل العبث، و هو قوله.

إنّ ادّعاء الحجّاج في العرب # عند ثقيف من أعجب العجب

و هو ابن زان لألف زانية # و ألف علج معلهج النّسب‏[1]

و لو دعاه داع فقال له: # يا ألأم النّاس كلّهم أجب

إذا لقال الحجّاج: لبّيك من # داع دعاني بالحقّ لا الكذب

و لو دعاه داع فقال له: # من المعلّى في اللؤم؟قال: أبي

/أبوه زان و الأمّ زانية # بنت زناة مهتوكة الحجب

تقول: عجّل أدخل، لنائكها # اتركه في استي إن شئت أو ركبي‏[2]

من ناكني فيهما فأوسعني # رهزا دراكا أعطيته سلبي

همّ حري النّيك فابتغوا لحري # أير حمار أقضي به أربي

أحبّ أير الحمار وا بأبي # فيشة أير الحمار وا بأبي

إذا رأته قالت: فديتك يا # قرّة عيني و منتهى طلبي

إذا سمعت النّهيق هاج حري # شوقا إليه و هاج لي طربي

يأخذني في أسافلي و حري # مثل اضطرام الحريق في الحطب

شكت إليّ نسوة فقلن لها # و هي تنادي بالويل و الحرب:

كفّي قليلا، قالت: و كيف و بي # في جوف صدعي‏[3]كحكّة الجرب

أرى أيور الرّجال من عصب # ليت أيور الرّجال من خشب‏

هجاه إسكاف بالبصرة فهرب منها

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني أحمد بن محمد الرّازيّ أبو عبد اللّه، قال: حدثني أبو بجير[4]، قال:

كان ابن مناذر يجلس إلى إسكاف بالبصرة، فلا يزال يهجوه بالأبيات فيصيح من ذلك و يقول له: أنا صديقك فاتّق اللّه و أبق على الصّداقة و ابن مناذر يلحّ، فقال الإسكاف: فإني أستعين اللّه عليك و أتعاطى الشعر، فلما أصبح غدا عليه ابن مناذر كما كان يفعل، فأخذ يعبث به و يهجوه، فقال الإسكاف:

[1]في ب:

«... معلهج الحسب»

. و في ف:

«و ابن ثفل معلهج النسب»

. و المعلهج: الهجين.

[2]الركب: من أسماء الفرج، و في ف: أيرك بدل: اتركه.

[3]الصدع: الشق.

[4]في ف، بيروت: أبو يحيى.

387

كثرت أبوّته و قلّ عديده # و رمى القضاء به فراش مناذر

عبد الصّبيريّين لم تك شاعرا # كيف ادّعيت اليوم نسبة شاعر!

/فشاع هذان البيتان بالبصرة و رواهما أعداؤه، و جعلوا يتناشدونهما إذا رأوه، فخرج/من البصرة إلى مكّة و جاور بها، فكان هذا سبب هربه من البصرة.

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا الكرانيّ، عن أبي حاتم، قال:

قال ابن مناذر: ما مرّ بي شي‏ء قطّ أشدّ عليّ ممّا مرّ بي من قول أبي العسعاس فيّ:

كثرت أبوّته و قلّ عديده # و رمى القضاء به فراش مناذر

انظر بكم صنف قد هجاني في هذا البيت قبّحه اللّه، ثم منعني من مكافأته أنّي لم أجد له نباهة فأغضّها، و لا شرفا فأهدمه، و لا قدرا فأضعه.

يستطيع أن يجعل كلامه كله شعرا

أخبرني عمّي، قال: حدّثني الكرانيّ، قال: حدّثني بشر بن دحية الزّياديّ أبو معاوية قال:

سمعت ابن مناذر يقول: إن الشّعر ليسهل عليّ حتى لو شئت ألاّ أتكلّم إلا بشعر لفعلت.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثنا العبّاس بن ميمون طايع، قال: حدّثني بعض أصحابنا، قال:

رأيت ابن مناذر بمكّة و هو يتوكّأ على رجل يمشي معه و ينشد:

إذا ما كدت أشكوها # إلى قلبي، لها شفعا

ففرّق بيننا دهر # يفرّق بين ما اجتمعا

فقلت: إنّ هذا لا يشبه شعرك، فقال: إن شعري برد بعدك‏[1].

ذم امرأة محمد بن عبد الوهاب الثقفي‏

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق، قال: حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ‏[2]، قال:

حدّثنا بعض أصحابنا أنّ محمد بن عبد الوهاب الثّقفيّ تزوّج امرأة من ثقيف يقال لها عمّارة، و كان ابن مناذر يعاديه، فقال في ذلك:

/

لمّا رأيت القصف و الشّاره # و البزّ ضاقت به الحاره

و الآس و الرّيحان يرمى به # من فوق ذي الدّارة و الدّاره

قلت: لمن ذا؟قيل: أعجوبة # محمّد زوّج عمّاره

لا عمّر اللّه بها ربعه # فإنّ عمّارة بدكاره‏[3]

ويحك فرّي و اعصبي فاك لي‏[4] # فهذه أختك فرّاره‏

[1]في ف، بيروت: «إن شعري بدل بعدك» .

[2]ب: المدني.

[3]في هب: مذكاره. و بدكاره: كلمة فارسية معناها بنت زنا.

[4]ف: «و اعصبي ذاك بي» .

388

قال: فو اللّه ما لبثت عنده إلا مديدة حتى هربت، و كانت لها أخت قبلها متزوّجة إلى بعض أهل البصرة ففركته‏[1]و هربت منه، فكانوا يعجبون من موافقة فعلها قول ابن مناذر.

شعر له في أبي أمية خالد

قال أبو أيّوب: و حدّثت أن أبا أميّة[2]و اسمه خالد-و هو الذي يقول فيه أبو نواس:

أيها المقبلان من حكمان # كيف خلّفتما أبا عثمان؟

و أبا أميّة المهذّب و الما # جد و المرتجى لريب الزّمان‏

-كان خطب امرأة من ثقيف، ثم ولد عثمان بن أبي العاصي، فردّ عنها، و تصدّى للقاضي أن يضمّنه مالا من أموال اليتامى، فلم يجبه إلى ذلك، و لم يثق به، فقال فيه ابن مناذر:

أبا أميّة لا تغضب عليّ فما # جزاء ما كان فيما بيننا الغضب

إن كان ردّك قوم عن فتاتهم # ففي كثير من الخطّاب قد رغبوا

قالوا: عليك ديور ما تقوم بها # في كلّ عام تستحدث الكتب

و قد تقحّم من خمسين غايتها # مع أنه ذو عيال بعد ما انشعبوا

/و في الّتي فعل القاضي فلا تجدن # فليس في تلك لي ذنب و لا ذنب

أردت أموال أيتام تضمّنها # و ما يضمّن إلاّ من له نشب‏

بلغه عن ابن دأب قول قبيح فهجاه‏

أخبرني محمّد بن خلف وكيع، قال: حدّثني أحمد بن زهير، قال: سمعت إبراهيم بن المنذر الخزاميّ يقول:

بلغ ابن مناذر عن ابن دأب قول قبيح، قال: فدعاني، و قال: اكتب:

فمن يبغ الوصاة فإنّ عندي # وصاة للكهول و للشّباب

خذوا عن‏[3]مالك و عن ابن عون # و لا ترووا أحاديث ابن داب

ترى الغاوين يتّبعون منها # ملاهي من أحاديث كذاب

إذا التمست منافعها اضمحلّت # كما يرفضّ رقراق السّحاب‏

قال: فرويت، و افتضح بها ابن دأب. قال الحزاميّ: فلما قدمت العراق وجدتهم قد جعلوها:

خذوا عن يونس و عن ابن عون‏

رثاؤه الرشيد

أخبرني عمّي، قال: حدثنا الكرانيّ، قال: حدّثنا أبو حاتم، قال:

كان الرّشيد قد وصل ابن مناذر مرّات صلات سنيّة، فلما مات الرّشيد رثاه ابن مناذر فقال:

[1]فركته: كرهته.

[2]في ب، س: و حدثت أن أمية.

[3]في ب: خذوا من مالك.

389

من كان يبكي للعلى # ملكا و للهمم الشّريفة

فليبك هارون الخليـ # فة للخليفة و الخليفه‏[1]

هجاؤه خالد بن طليق‏

أخبرني محمّد بن خلف وكيع، قال: حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة، عن محمد بن سلاّم قال:

/كان محمّد بن طليق و سائر بني طليق أصدقاء لابن مناذر، فلما ولي المهديّ الخلافة استقضى خالد بن طليق، و عزل عبيد اللّه بن الحسن بن الحرّ[2]، فقال ابن مناذر يهجو خالدا مجونا و خبثا منه:

أصبح الحاكم بالنّ # اس من آل طليق

جالسا يحكم في النّا # س بحكم الجاثليق‏[3]

يدع القصد و يهوي # في بنيّات الطّريق‏[4]

يا أبا الهيثم ما كنـ # ت لهذا بخليق

لا و لا كنت لما حمّلـ # ت منه بمطيق

حبله حبل غرور # عنده‏[5]غير وثيق‏

قال ابن سلاّم: فقلت لابن مناذر: ويحك إذا بلغ إخوانك و أصدقاءك من آل طليق أنّك هجوتهم ما يقولون لك؟و بأيّ شي‏ء تعتذر إليهم؟فقال: لا يصدّقون إذا بلغهم أنّي هجوتهم بذلك؛ لأنهم يثقون بي.

مدح بني مخزوم لأنهم زاروه في مرضه‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني الحسن بن عليل‏[6]، عن مسعود بن بشر، قال: حدّثنا محمّد بن مناذر، قال:

كنت بمكّة فاشتكيت، فلم يعدني من قريش إلا بنو مخزوم وحدهم، فقلت أمدحهم:

جاءت قريش تعودني زمرا # فقد وعى أحرها لها الحفظه

/و لم تعدني تيم و إخوتها # و زارني الغرّ[7]من بني يقظه

لن يبرح العزّ منهم أبدا # حتى تزول الجبال من قرظه‏[8]

ابن عائشة يطلب سماع مرثيته في عبد المجيد

/أخبرني الحسن، عن ابن مهرويه، عن إسحاق بن محمد النخعيّ، قال:

[1]في ب، مد: للخليفة للخليفة.

[2]في ف: «عبد اللّه بن الحسن بن الحسن» . و في بيروت: «عبيد اللّه بن الحسن بن الحسن» .

[3]الجاثليق: رئيس الأساقفة (معربة) . و في «الشعر و الشعراء» :

«ضحكة يحكم... برأي الجاثليق»

.

[4]بنيات الطريق: طرق صغيرة تتشعب من الجادة، و هي الترهات. و منه المثل:

«دع بنيات الطريق»

.

[5]في ف: عقده.

[6]في ف، هب: الحسن بن علي.

[7]في هب: و عادني الغر، و في ب: و زارني العز.

[8]قرظة: قرية بوادي عرادات و هو بين اليمن و بين نجد «عن «معجم البلدان» 3-638.

390

كنّا عند ابن عائشة فقال لعبد الرحمن ابنه: أنشدني مرثية ابن مناذر عبد المجيد فجعل ينشدها فكلّما أتى على بيت استحسنه، حتى أتى على هذا البيت:

لأقيمنّ مأتما كنجوم اللّيل # زهرا يخمشن‏[1]حرّ الخدود

فقال ابن عائشة: هذا كلام ليّن كأنه من كلام المخنّثين، فلما أتى على هذا البيت:

كنت لي عصمة و كنت سماء # بك تحيا أرضي و يخضرّ عودي‏

فقال: هذا بيتها، ثم أنشد:

إنّ عبد المجيد يوم تولّى # هدّ ركنا ما كان بالمهدود

ما درى نعشه و لا حاملوه # ما على النّعش من عفاف وجود

و أرانا كالزّرع يحصدنا الدّهـ # ر فمن بين قائم و حصيد

فقال ابن عائشة: أجعله زرعا يحصدنا اللّه؟فليس هذا من كلام المسلمين، أ لا ترى إلى قوله: إنّه يقول:

يحكم اللّه ما يشاء فيمضي # ليس حكم الإله بالمردود

عاقبه الرشيد على رثائه البرامكة

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ، قال: حدثني محمد بن موسى، و لم يتجاوزه بالإسناد.

/و نسخت هذا الخبر من كتاب ابن أبي مريم الحاسب: حدّثني ابن القدّاح، و عبد اللّه بن إبراهيم بن قدامة الجمحيّ، قالا: حدّثنا ابن مناذر، قال:

حج الرّشيد بعد إيقاعه بالبرامكة و حج معه الفضل بن الرّبيع، و كنت‏[2]مضيّقا مملقا، فهيّأت فيه قولا أجدت تنميقه و تنوّقت فيه، فدخلت إليه في يوم التّروية و إذا هو يسأل عنّي و يطلبني، فبدرني الفضل بن الرّبيع قبل أن أتكلّم، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا شاعر البرامكة و مادحهم، و قد كان البشر ظهر لي في وجهه لمّا دخلت، فتنكّر و عبس في وجهي، فقال الفضل: مره يا أمير المؤمنين أن ينشدك قوله فيهم:

أتانا بنو الأملاك من آل برمك‏

فقال لي: أنشد، فأبيت، فتوعّدني و أكرهني، فأنشدته:

أتانا بنو الأملاك من آل برمك # فيا طيب أخبار و يا حسن منظر

إذا وردوا بطحاء مكة أشرقت # بيحيى و بالفضل بن يحيى و جعفر

فتظلم بغداد و يجلو لنا الدّجى # بمكّة ما حجّوا[3]ثلاثة أقمر

فما صلحت إلا لجود أكفّهم # و أرجلهم‏[4]إلا لأعواد منبر

إذا راض يحيى الأمر ذلّت صعابه # و حسبك من راع له و مدبّر

[1]في ف: يلطمن.

[2]في ب: «و كان» ، تحريف.

[3]في هب:

«ما كانوا ثلاثة أبدر»

، و في ف:

«ما عشنا»

. و في «معجم الأدباء» 19-57:

«ما عشنا ثلاثة أبحر»

.

[4]في ف: أقدامهم. و في «معجم الأدباء» 19-57:

«فما خلقت إلا لجود... # و أرجلهم... »

.

391

ترى الناس إجلالا له و كأنّهم # غرانيق ماء تحت باز مصرصر[1]

ثم أتبعت ذلك بأن قلت: كانوا أولياءك يا أمير المؤمنين أيام مدحتهم، و في/طاعتك لم يلحقهم سخطك و لم تحلل بهم نقمتك، و لم أكن في ذلك مبتدعا، و لا خلا أحد من نظرائي من مدحهم، و كانوا قوما قد أظلّني فضلهم، و أغناني رفدهم فأثنيت بما أولوا، فقال: يا غلام، الطم وجهه، فلطمت و اللّه حتى سدرت‏[2]و أظلم ما كان بيني و بين أهل المجلس، ثم قال: اسحبوه على/وجهه، ثم قال: و اللّه لأحرمنّك و لا تركت أحدا يعطيك شيئا في هذا العام، فسحبت حتى أخرجت، و انصرفت و أنا أسوأ الناس حالا في نفسي و حالي و ما جرى عليّ، و لا و اللّه ما عندي ما يقيم يومئذ قوت عيالي لعيدهم، فإذا بشابّ قد وقف عليّ، ثم قال: أعزز عليّ و اللّه يا كبيرنا بما جرى عليك، و دفع إليّ صرّة و قال: تبلّغ بما في هذه، فظننتها دراهم فإذا هي مائة دينار-قال الصوليّ في خبره: فإذا هي ثلاثمائة دينار-فقلت له: من أنت جعلني اللّه فداءك!قال: أنا أخوك أبو نواس، فاستعن بهذه الدنانير و اعذرني، فقبلتها، و قلت: وصلك اللّه يا أخي و أحسن جزاءك.

كافأه جعفر بن يحيى على القراءة بعد تركه الشعر

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدثنا يحيى بن الحسن الرّبيعيّ، قال: حدثنا أبو معاوية الغلابيّ، قال: قال سفيان بن عيينة:

كلّمني ابن مناذر في أن أكلّم له جعفر بن يحيى، فكلّمته له، و قد كان ابن مناذر ترك الشّعر، فقال: إن أحبّ أن يعود إلى الشّعر أعطيته خمسين ألفا، و إن أحبّ أن أعطيه على القراءة أعطيته عشرة آلاف، فذكرت ذلك له، فقال لي: خذ لي على القراءة، فإني لا آخذ على الشعر و قد تركته.

أخبرني عمّي عن الكرانيّ، عن الرياشيّ، قال: قال العتبيّ:

جاءت قصيدة لا يدرى من قائلها، فقال ابن مناذر:

هذه الدّهماء تجري فيكم # أرسلت عمدا تجرّ الرّسنا

قال شعرا يصف فيه الألفة بين الرشيد و جعفر بن يحيى‏

قال الكرّانيّ: و حدثني الرّياشيّ قال: سمعت خلف بن خليفة يقول:

قال لي ابن مناذر: قال لي جعفر بن يحيى: قل فيّ و في الرّشيد شعرا تصف فيه الألفة بيننا فقلت:

قد تقطع الرّحم القريب و تكفر الـ # نّعمى و لا كتقارب القلبين

يدني الهوى هذا و يدني ذا الهوى # فإذا هما نفس ترى نفسين‏

قال مؤلف هذا الكتاب: هذا أخذه من كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم نقلا؛ فإن ابن عيينة روى عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عبّاس: أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال: «إنّ الرّحم تقطع، و إن النّعم تكفر، و لن ترى‏[3]مثل تقارب القلوب» .

[1]الغرانيق جمع غرنوق، و هو طائر مائي، أو هو الكركي، و المصرصر: المصوت بشدة.

[2]سدرت: تحيرت.

[3]في ب، س: و لم تر.

392

أخبرني هاشم بن محمد، قال: حدّثنا العباس بن ميمون، قال: حدثنا سليمان الشّاذكونيّ قال:

كنا عند سفيان بن عيينة، فحدّث عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله عز و جل: قََالُوا سَلاََماً* [1]قالوا سدادا، قال: فقال ابن مناذر و هو إلى جنبي: التنزيل أبين من التفسير[2].

خبره مع أبي حية النميري‏

أخبرني عمّي، قال: حدثنا الكرانيّ، عن أبي حاتم، و عن العتبيّ، عن أبي معبد قال‏[3]:

مرّ بنا أبو حيّة النّميريّ و نحن عند ابن مناذر، فقال لنا: علام اجتمعتم؟فقلنا: هذا شاعر المصر، فقال له:

أنشدني، فأنشده ابن مناذر، فلما فرغ، قال له أبو حيّة: /أ لم أقل لك: أنشدني؟فقالوا له: أنشدنا أنت يا أبا حيّة، فأنشدهم قوله:

ألا حيّ من أجل الحبيب المغانيا[4] # لبسن البلى ممّا لبسن اللّياليا

إذا ما تقاضى المرء[5]يوم و ليلة # تقاضاه شي‏ء لا يملّ التّقاضيا

فلما فرغ، قال له ابن مناذر: ما أرى في شعرك شيئا يستحسن، فقال له: ما في شعري شي‏ء يعاب إلا استماعك إياه، فكادا أن يتواثبا، ثم افترقا.

هجا خالد بن طليق و عيسى بن سليمان‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثني الكرانيّ، عن ابن/عائشة قال:

ولي خالد بن طليق القضاء بالبصرة، و عيسى بن سليمان الإمارة بها، فقال محمد بن مناذر يهجوهما بقوله:

الحمد للّه على ما أرى # خالد القاضي و عيسى أمير

لكنّ عيسى نوكه ساعة # و نوك هذا منجنون يدور[6]

و قال في شيرويه الزّياديّ، و شيرويه لقب، و اسمه أحمد، و سأله حاجة، فأبى أن يقضيها إلاّ على أن يمدحه:

يا سميّ النّبيّ بالعربيّه # و سميّ اللّيوث بالفارسيّه

إن غضبنا فأنت عبد ثقيف # أو رضينا فأنت عبد أميّه‏

فغضب شيرويه و جعل يشتمه، و شاع الشّعر بالبصرة، فكان بعد ذلك إذا قيل لشيرويه: ابن مناذر عليك غضبان أو عنك راض، يشتم من يقول له ذلك.

أخبرني الحسن بن القاسم الكوكبيّ قال: حدثنا ابن أبي الدّنيا قال: سمعت محمد بن قدامة الجوهريّ يقول:

سمعت سفيان بن عيينة يقول لمحمد بن مناذر: كأنك بي قد متّ فرثيتني، فلما مات، قال ابن مناذر يرثيه:

[1]الذاريات 25، هود 69.

[2]في «لسان الميزان» لابن حجر 5-393 ط. الهند: فقال ابن مناذر: معنى التنزيل أبين من التأويل.

[3]ف: «عن أبي معاوية» .

[4]في ب: «المعانيا» ، تصحيف، و التصويب من هب، ف.

[5]في ب: الأمر.

[6]النوك: الحمق. و المنجنون: ما يستقى عليها.

393

/

إنّ الذي غودر بالمنحنى # هدّ من الإسلام أركانا

راحوا بسفيان على نعشه‏[1] # و العلم مكسوّين أكفانا

لا يبعدنك اللّه من هالك # ورّثتنا علما و أحزانا

يفسر كلمات لعبد اللّه بن مروان‏

أخبرنا عمّي، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثنا عبد اللّه بن مروان بن معاوية الفزاريّ، قال:

حدّثنا سفيان قال:

سمعت أعرابية تقول: من يشتري مني الحزاة؟فقلت لها: و ما الحزاة؟قالت: تشتريها النّساء للطّشّة و الخافية و الإقلات. قال عبد اللّه بن مروان: فسألت ابن مناذر عن تفسير ذلك، فقال: الطّشّة: وجع يصيب الصّبيان في رءوسهم كالزّكام. و الخافية: ما خفي من العلل المنسوبة إلى أذى الجن‏[2]. و الإقلات: قلّة الولد. و أنشدني ابن مناذر بعقب ذلك:

بغاث الطّير أكثرها فراخا # و أمّ الصّقر مقلات نزور[3]

أي قليلة الفراخ.

أخبرني محمّد بن الحسن بن دريد، قال: حدّثني أبو حاتم، قال:

سمعت محمّد بن مناذر يقول: العذراء: البتول، و البتور و البتيل واحد، و هي المنقطعة إلى ربّها.

قال: و سأله-يعني ابن مناذر-أبو هريرة الصّيرفيّ بحضرتي فقال: كيف تقول: أمّا لا أو إمّا لا؟فقال له مستهزئا به: أمّا لا[4]، ثم التفت إليّ فقال أسمعت أعجب من هذه المسألة!.

يجيب على سؤال لم يجب عنه أبو عبيدة

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: حدّثني العبّاس بن الفضل الرّبعيّ، قال: حدّثنا التّوّزيّ، قال:

سألت أبا عبيدة عن اليوم الثاني من النّحر: ما كانت العرب تسمّيه؟قال: ليس عندي من ذلك علم. فلقيت ابن مناذر بمكّة، فأخبرته بذلك، فعجب و قال: أ يسقط هذا عن مثل أبي عبيدة!هي أربعة أيّام متواليات كلّها على الرّاء: أولها يوم النّحر، و الثّاني يوم القرّ، و الثّالث يوم النّفر، و الرّابع يوم الصدر. فحدّثته-يعني أبا عبيدة-فكتبه عن ابن/مناذر، و قد روى ابن مناذر الحديث المسند، و نقله عنه المحدّثون.

بعض روايات له‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا الكرانيّ، قال: حدّثنا الخليل بن أسد، عن محمد بن مسعدة الدّارع أبي الجهجاه، قال:

[1]في «معجم الأدباء» 19-60: «... على عرشه» .

[2]في ب: «الحق» ، تحريف.

[3]البيت للعباس بن مرداس في «شرح الحماسة» 3-153 ط. حجازي ضمن قصيدة من تسعة أبيات، مطلعها:

ترى الرجل النحيف فتزدريه # و في أثوابه أسد مزير

[4]الصواب: «إمّا لا» بكسر الهمزة، أي إن كنت لا تفعل غيره. ـ

394

حدّثني محمّد بن مناذر الشّاعر، قال: حدثني سفيان الثّوري، عن الأغرّ، عن وهب بن منبّه، قال: كان يقال:

الحياء من الإيمان، و المذى-مكسور الميم مقصور-من النّفاق، فقلت: إنّ الناس يقولون: المذاء، فقال: هو كما أخبرتك، فقلت له: و ما المذاء؟قال: اللّين في أمر النساء، و منه درع ماذيّ، و عسل ماذيّ.

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني إبراهيم بن عبد اللّه بن الجنيد، قال: حدثني حامد بن يحيى البلخيّ، قال:

حدثني محمد بن مناذر الشاعر، قال: حدّثني يحيى بن عبد اللّه بن مجالد، عن الشّعبيّ، عن مسروق، عن عبد اللّه، قال: لمّا نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يوم بدر إلى القتلى و هم مصرعون، قال لأبي بكر: «لو أنّ أبا طالب حيّ لعلم أنّ أسيافنا قد أخذت بالأماثل» ، يعني قول أبي طالب:

كذبتم و بيت اللّه إن جدّ ما أرى # لتلتبسن أسيافنا بالأماثل‏[1]

/أخبرني محمد بن خلف قال: حدّثني إسحاق بن محمد النخعيّ، قال:

حدثنا ابن مناذر، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: قال عليّ عليه السلام: «ما قام بي‏[2]من النّساء إلا الحارقة أسماء» . قال ابن مناذر: الحارقة: التي تجامع على جنب.

أخبرني محمّد بن عمران الصّيرفي قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ، عن العباس بن عبد الواحد، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن مناذر، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن أبي هريرة، قال:

جاء الشيطان إلى عيسى، قال: أ لست تزعم أنك صادق؟قال: بلى، قال: فأوف على هذه الشّاهقة، فألق نفسك منها، فقال: ويلك، أ لم يقل اللّه: يا ابن آدم، لا تبلني بهلاكك، فإنّي أفعل ما أشاء.

كتب رقعة فيها شعر لغلام في مسجد البصرة

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق، عن حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال:

نظر محمد بن مناذر إلى غلام حسن الوجه في مسجد البصرة، فكتب إليه بهذه الأبيات:

وجدت في الآثار في بعض ما # حدّثنا الأشياخ في المسند

ممّا روى الأعمش عن جابر # و عامر الشّعبيّ و الأسود

و ما روى شعبة عن عاصم # و قاله حمّاد عن فرقد

وصيّة جاءت إلى كل ذي # خدّ خلا من شعر أسود

أن يقبلوا الرّاغب في وصلهم # فاقبل فإني فيك لم أزهد

نوّل فكم من جمرة ضمّها # قلبي من حبّيك لم تبرد

فلمّا قرأها الفتى ضحك، و قلب الرّقعة، و كتب في ظهرها: لست شاعرا/فأجيبك، و لا فاتكا فأساعدك، و أنا أعوذ باللّه ربّك من شرّك.

[1]ف: «... بالأنامل» .

[2]ف: «لي» .

395

رواية أخرى في خبره مع أبي العتاهية

أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ، قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدّثنا محمد بن عبد اللّه العبديّ، قال: حدّثنا عليّ بن المبارك/الأحمر، قال:

لقي أبو العتاهية ابن مناذر بمكّة، فجعل يمازحه و يضاحكه، ثم دخل على الرّشيد، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا ابن مناذر شاعر البصرة يقول قصيدة في سنة، و أنا أقول في سنة مائتي قصيدة[1]، فقال الرشيد: أدخله إليّ، فأدخله إليه و قدّر أنّه يضعه عنده، فدخل فسلّم و دعا، فقال: ما هذا الذي يحكيه عنك أبو العتاهية؟فقال ابن مناذر:

و ما ذاك يا أمير المؤمنين؟قال: زعم أنك تقول قصيدة في سنة، و أنّه يقول كذا و كذا قصيدة في السّنة، فقال:

يا أمير المؤمنين، لو كنت أقول كما يقول:

ألا يا عتبة السّاعة # أموت السّاعة السّاعه‏

لقلت منه كثيرا، و لكنّي الذي أقول:

إنّ عبد المجيد يوم تولّى # هدّ ركنا ما كان بالمهدود

ما درى نعشه و لا حاملوه # ما على النّعش من عفاف وجود

فقال له الرشيد: هاتها فأنشدنيها، فأنشده، فقال الرشيد: ما كان ينبغي أن تكون هذه القصيدة إلاّ في خليفة أو وليّ عهد، ما لها عيب إلاّ أنّك قلتها في سوقة، و أمر له بعشرة آلاف درهم، فكاد أبو العتاهية يموت غمّا و أسفا.

سئل عنه يحيى بن معين فذمّه‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدثنا إبراهيم بن الجنيد، قال:

سألت يحيى بن معين، عن محمّد بن مناذر الشاعر، فقال: لم يكن بثقة و لا مأمون، رجل سوء نفي من البصرة، و وصفه بالمجون و الخلاعة، فقلت: إنما/تكتب شعره‏[2]و حكايات عن الخليل بن أحمد، فقال: هذا نعم. و أما الحديث فلست أراه موضعا له.

وفاته بعد أن كف بصره‏

أخبرني الحسن، قال: حدّثني ابن مهرويه، قال: حدثني عليّ بن محمد النّوفليّ قال:

رأيت ابن مناذر في الحجّ سنة ثمان و تسعين و مائة، قد كفّ بصره، تقوده جويرية حرّة، و هو واقف يشتري ماء قربة، فرأيته وسخ الثّوب و البدن، فلما صرنا إلى البصرة أتتنا وفاته في تلك الأيّام.

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال: حدّثنا خلاّد الأرقط قال:

تذاكرنا ابن مناذر في حلقة يونس، فقدح فيه أكثر أهل الحلقة، حتى نسبوه إلى الزّندقة، فلما صرت في السّقيفة التي في مقدّم المسجد سمعت قراءة قريبة من حائط القبلة، فدنوت فإذا ابن مناذر قائم يصلّي، فرجعت إلى الحلقة، فقلت لأهلها: قلتم في الرجل ما قلتم، و ها هو ذا قائم يصلّي حيث لا يراه إلا اللّه عزّ و جلّ.

[1]في هب: «في سنة واحدة مائتي قصيدة» ، و في ب: «ما بين قصائد» ، تحريف.

[2]ف: «إنما يكتب عنه شعرا أو حكايات عن الخليل» .

396

خبره مع أبي خيرة

أخبرني محمّد بن جعفر الصّيدلانيّ النّحويّ قال: حدثنا أحمد بن القاسم البرقيّ، قال: حدّثنا أحمد بن يعقوب، قال: حدّثني أحمد بن يحيى الهذليّ التّمّار، عن عبد اللّه بن عبد الصّمد الضّبّيّ قال:

كنّا يوما جلوسا في حلقة هبيرة بن جرير الضّبّيّ‏[1]إذ أقبل محمّد بن مناذر في برد قد كسته إيّاه بانة بنت أبي العاصي، فسلّم عليّ وحدي، و لم يعرف منهم أحدا، ثم قام فجلس إلى أبي خيرة، فخاطبه مخاطبة خفيفة[2]، و قام مغضبا، فقال لي هبيرة: من هذا؟فقلت: محمّد بن مناذر، فقال: إنا للّه قوموا بنا، فقام إلى أبي خيرة، فقال له: ما ذا قال لك ابن مناذر؟قال: سألني عن شي‏ء و كنت مشغولا عنه فقال‏[3]: /يا أبا خيرة إن العشائر تغبطنا لعلمك، و ما جعل/اللّه عندك، فنشدناك اللّه أن تكون لنا، كما كان عرادة لبني نمير، فإنه تعرّض لجرير فهجاه فعمّهم فقال:

عرادة من بقيّة قوم لوط # ألا تبّا لما فعلوا تبابا

أ تدري من كان عندك آنفا؟قال: لا، قال: ابن مناذر، و ما تعرّض لأعراض قوم قطّ إلاّ هتكها و هتكهم، فإذا جاءك يسألك عن شي‏ء فأجبه، و لا تعتلّ عليه بالبول، و لا تطلب منه شيئا، و كلّ ما أردت من جهته ففي مالي، قال: أفعل. قال: و كان أبو خيرة إذا سأله إنسان عن شي‏ء و لم يعطه شيئا يعتلّ عليه بالبول. فما شعرنا من غد إلا بابن مناذر و قد أقبل، فعلمنا أنه قصد أبا خيرة، فأتيناه، فلما رأى جمعنا استحيا منّا، و سلّم علينا و تبسّم، ثم قال:

يا أبا خيرة، قد قلت شعرا، و قبيح بمثلي أن يسأل عنه فلا يدري ما فيه، و إنّي ذكرت فيه إنسانا فشبّهته بالأفّار، فأيّ شي‏ء هو؟فاحمرّ وجه أبي خيرة و اضطرب، و قال: هو التّيس الوثّاب الذي ينزو و قضيبه رخو فلا يصل، فقال:

جزيت خيرا، و وثب و هو يضحك، فقمنا إليه و قلنا: قد علمنا أنّك عنيت هذا الشيخ، فإن رأيت أن تهبه لنا فافعل؛ فإنّه شيخنا، قال: و اللّه ما عنيت غيره، و قد وهبته لكم و كرامة، و اللّه لا يسمع مني أجد ما قلت فيه، و لا أذكره إلا بخير أبدا، و إن كان قد أساء العشرة أمس.

صوت‏

لا زلت تنشر أعيادا و تطويها # تمضي بها لك أيّام و تمضيها[4]

و لا تقضّت بك الدنيا و لا برحت # تطوي لك الدهر أياما و تفنيها

الشعر لأشجع السّلميّ، و الغناء لإبراهيم الموصليّ ثاني مطلق في مجرى البنصر، و فيه لمحمد قريض‏[5]لحن من الثقيل الأول، و هو من مشهور غنائه و مختاره.

[1]ف: «حديد» .

[2]في ف، بيروت: خفية.

[3]و في ب، س: «فقلت: آه يا أبا خيرة» .

[4]في ب: «تقضي بها لذ أيام.. » .

[5]ف: «قريص» .

397

17-نسب أشجع و أخباره‏

نسبه‏

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ و الحسن بن عليّ قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدثني عليّ بن الفضل‏[1]السّلميّ، قال:

كان أشجع بن عمرو السلميّ يكنى أبا الوليد من ولد الشّريد بن مطرود السلميّ، تزوج أبوه امرأة من أهل اليمامة، فشخص معها إلى بلدها فولدت له هناك أشجع، و نشأ باليمامة، ثم مات أبوه.

كان يعد من فحول الشعراء

فقدمت به أمّه البصرة تطلب ميراث أبيه، و كان له هناك مال فماتت بها، و ربّي أشجع و نشأ بالبصرة، فكان من لا يعرفه يدفع نسبه، ثم كبر و قال الشّعر و أجاد وعدّ في الفحول، و كان الشّعر يومئذ في ربيعة و اليمن، و لم يكن لقيس شاعر معدود، فلما نجم أشجع و قال الشّعر، افتخرت به قيس و أثبتت نسبه، و كان له أخوان: أحمد و حريث ابنا عمرو، و كان أحمد شاعرا و لم يكن يقارب أشجع، و لم يكن لحريث شعر، ثم خرج أشجع إلى الرّقّة و الرّشيد بها، فنزل على بني سليم فتقبّلوه و أكرموه، و مدح البرامكة، و انقطع إلى جعفر خاصّة و أصفاه مدحه، فأعجب به و وصله إلى الرشيد، و مدحه فأعجب به أيضا، فأثرى و حسنت حاله في أيّامه و تقدّم عنده.

شخص من البصرة إلى الرقة لينشد الرشيد قصيدته‏

أخبرني محمد بن عمران، قال: حدّثني العنزيّ، قال: حدّثني صخر بن أسد السّلميّ، قال: حدّثني أبي أسد/بن جديلة، قال: حدّثني أشجع السّلميّ قال:

شخصت من البصرة إلى الرّقّة، فوجدت الرّشيد غازيا، و نالتني خلّة، فخرجت حتى لقيته منصرفا من الغزو، و كنت قد اتّصلت ببعض أهل داره، فصاح صائح ببابه: من كان هاهنا من الشعراء فليحضر يوم الخميس، فحضرنا سبعة و أنا ثامنهم، و أمرنا بالبكور[2]في يوم الجمعة، فبكّرنا و أدخلنا، و قدّم واحد منا ينشد على الأسنان، و كنت /أحدث القوم سنّا، و أرثّهم‏[3]حالا، فما بلغ إليّ حتى كادت الصلاة أن تجب، فقدّمت و الرّشيد على كرسيّ، و أصحاب الأعمدة بين يديه سماطان‏[4].

خاف وجوب الصلاة فبدأ إنشاد الرشيد بما جاء في قصيدته من مدح‏

فقال لي: أنشدني، فخفت أن أبتدئ من أوّل قصيدتي بالتّشبيب فتجب الصلاة و يفوتني ما أردت، فتركت [1]في ف: المفضل.

[2]في ب: للبكور.

[3]في «المختار» : و أرقهم.

[4]سماط القوم: صفهم.

398

التّشبيب و أنشدته من موضع المديح في قصيدتي التي أوّلها:

تذكّر عهد البيض و هو لها ترب # و أيّام يصبي الغانيات و لا يصبو

فابتدأت قولي في المديح:

إلى ملك يستغرق المال جوده # مكارمه نثر[1]و معروفه سكب

و ما زال هارون الرّضا بن محمّد # له من مياه النّصر مشربها العذب

متى تبلغ العيس المراسيل بابه # بنا فهناك الرّحب و المنزل الرّحب

لقد جمعت فيك الظّنون و لم يكن # بغيرك ظنّ يستريح له القلب‏[2]

جمعت ذوي الأهواء حتى كأنّهم # على منهج بعد افتراقهم ركب

بثثت‏[3]على الأعداء أبناء دربة # فلم يقهم منهم حصون و لا درب

و ما زلت ترميهم بهم متفرّدا # أنيساك حزم الرّأي و الصّارم العضب

جهدت فلم أبلغ علاك بمدحة # و ليس على من كان مجتهدا عتب‏

فضحك الرّشيد و قال لي: خفت أن يفوت وقت الصلاة فينقطع المديح عليك، فبدأت به و تركت التّشبيب، و أمرني بأن أنشده التّشبيب فأنشدته إيّاه، فأمر لكلّ واحد من الشّعراء بعشرة آلاف درهم و أمر لي بضعفها.

أنشد الرشيد قصيدته الميمية فاستحسنها و قال: هكذا تمدح الملوك‏

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني أحمد بن سيّار الجرجانيّ و كان راوية شاعرا مدّاحا ليزيد بن مزيد، قال:

/دخلت أنا و أشجع و التّيميّ، و ابن رزين الخراسانيّ‏[4]على الرشيد في قصر له بالرقّة، و كان قد ضرب أعناق قوم في تلك الساعة، فجعلنا نتخلّل الدّماء حتى وصلنا إليه، فأنشده أبو محمد التّيميّ قصيدة له يذكر فيها نقفور[5]و وقعته ببلاد الرّوم، فنثر عليه مثل الدّرّ من جودة شعره، و أنشده أشجع قوله:

قصر عليه تحيّة و سلام # ألقت عليه جمالها الأيّام

قصرت‏[6]سقوف المزن دون سقوفه # فيه لأعلام الهدى أعلام

تثني على أيّامك الأيّام # و الشاهدان الحلّ و الإحرام

[7]أدنتك من ظل النبي وصيّة # قرابة و شجت بها الأرحام

برقت سماؤك في العدو و أمطرت # هاما لها ظلّ السيوف غمام

و إذا سيوفك صافحت هام العدى # طارت لهن عن الرءوس الهام‏[7]

[1]في «المختار» : فينا.

[2]أ، ب، س:

«بغيرك ما ظن يستريح له قلب»

، و هو غير مستقيم الوزن.

[3]في ب، ما: بنيت.

[4]ف: «الخزاعي» .

[5]في ب: تغفور.

[6]في ف، بيروت: قصر.

(7-7) الأبيات الثلاثة من «مختار الأغاني» .

399

و على عدوّك يا ابن عمّ محمّد # رصدان ضوء الصّبح و الإظلام

فإذا تنبّه رعته و إذا غفا # سلّت عليه سيوفك الأحلام‏

/و أنشدته أنا قولي:

زمن بأعلى الرّقمتين قصير

حتى انتهيت إلى قولي:

لا تبعد الأيّام إذ ورق الصّبا # خضل و إذ غضّ الشباب‏[1]نضير

فاستحسن هذا البيت، و مضيت في القصيدة حتى أتممتها، فوجّه إليّ الفضل بن الربيع: أنفذ إليّ قصيدتك، فإني أريد أن أنشدها الجواري من استحسانه إيّاها.

/قال: و ركب الرشيد يوما قبّة و سعيد بن سالم‏[2]معه في القبّة، فقال: أين محمد البيذق؟و كان رجلا حسن الصّوت ينشد الشعر فيطرب بحسن صوته أشدّ من إطراب الغناء، فحضر، فقال: أنشدني قصيدة الجرجانيّ، فأنشده، فقال: الشّعر في ربيعة سائر اليوم، فقال له سعيد بن سالم: يا أمير المؤمنين، استنشده قصيدة أشجع بن عمرو، فأبى، فلم يزل به حتى أجاب إلى استماعها، فلما أنشده هذين البيتين:

و على عدوّك يا ابن عمّ محمّد

و الذي بعده، قال له سعيد بن سالم‏[2]: و اللّه يا أمير المؤمنين، لو خرس بعد هذين لكان أشعر الناس.

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني أبي، قال:

بلغني أنّ أشجع لمّا أنشد الرّشيد هذين البيتين:

و على عدوّك يا ابن عمّ محمّد

و الذي بعده، طرب الرشيد، و كان متّكئا فاستوى جالسا، و قال: أحسن و اللّه، هكذا تمدح الملوك.

أخبرني أحمد بن إسحاق العسكريّ، و الحسن بن عليّ، قالا: حدثنا أحمد بن سعيد بن سالم الباهليّ، عن أبيه، قال:

كنت عند الرّشيد، فدخل إليه أشجع، و منصور النّمريّ، فأنشده أشجع قوله:

و على عدوّك يا ابن عمّ محمّد # رصدان ضوء الصّبح و الإظلام

فإذا تنبّه رعنه و إذا غفا[3] # سلّت عليه سيوفك الأحلام‏

فاستحسن ذلك الرّشيد، و أومأت إلى أشجع أن يقطع الشعر، و علمت أنّه لا يأتي/بمثلهما، فلم يفعل، و لمّا أنشده ما بعدهما فتر الرّشيد و ضرب بمحضرة كانت بيده الأرض، و استنشد منصورا النّمريّ، فأنشده قوله:

ما تنقضي حسرة منّي و لا جزع # إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع‏

[1]في ف: غصن.

[2]ف: «سلم» .

[3]في «الشعر و الشعراء» لابن قتيبة 2-882 ط. المعارف: ... و إذا هدى.

400

فمرّ و اللّه في قصيدة قلّ ما تقول العرب مثلها، فجعل الرشيد يضرب بمخصرته الأرض و يقول: الشّعر في ربيعة سائر اليوم، فلما خرجنا قلت لأشجع: غمزتك أن تقطع فلم تفعل، ويلك!و لم تأت بشي‏ء، فهلاّ متّ بعد البيتين أو خرست، فكنت تكون أشعر الناس.

اشترى جعفر بن يحيى ضيعة وردها على أصحابها فمدحه‏

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزّيّات قال: حدّثني موسى بن عيسى، قال:

اشترى جعفر بن يحيى المرغاب‏[1]من آل الرشيد[2]بعشرين ألف ألف درهم، و ردّه على أصحابه، فقال أشجع السّلميّ يمدحه بذلك و يقول:

ردّ السّباخ ندى يديه و أهلها # منها بمنزلة السّماك الأعزل

قد أيقنوا بذهابها و هلاكهم # و الدّهر يوعدهم بيوم أعضل‏[3]

فافتكّها لهم و هم من دهرهم # بين الجران و بين حدّ الكلكل

ما كان يرجى غيره لفكاكها # يرجى الكريم لكل خطب معضل‏

أنشد جعفر بن يحيى مديحا له لوقته على وزن قصيدة لحميد بن ثور و قافيتها

/أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال: حدثني أحمد بن محمد حرّان‏[4]، عن قدامة بن نوح، قال:

جلس جعفر بن يحيى بالصالحيّة يشرب على مستشرف له، فجاءه/أعرابيّ من بني هلال، فاشتكى و استماح بكلام فصيح و لفظ مثله يعطف المسئول‏[5]، فقال له جعفر بن يحيى: أ تقول الشعر يا هلاليّ؟فقال:

قد كنت أقوله و أنا حدث أتملّح به، ثم تركته لمّا صرت شيخا، قال: فأنشدنا لشاعركم حميد بن ثور، فأنشده قوله:

لمن الدّيار بجانب الحمس # كمحطّ ذي الحاجات بالنّفس‏

حتى أتى على آخرها، فاندفع أشجع، فأنشده مديحا له فيه قاله لوقته على وزنها و قافيتها، فقال:

ذهبت مكارم جعفر و فعاله # في النّاس مثل مذاهب الشمس

ملك تسوس له المعالي نفسه # و العقل خير سياسة النّفس

فإذا تراءته الملوك تراجعوا # جهر الكلام بمنطق همس

ساد البرامك جعفر و هم الألى # بعد الخلائف سادة الإنس

ما ضرّ من قصد ابن يحيى راغبا # بالسّعد حلّ به أم النّحس‏

[1]المرغاب: ضيعة.

[2]ف: «من الرشيد» .

[3]في ف، بيروت: أعصل.

[4]ف: «أحمد بن محمد بن حدان» .

[5]ف: «فشكى و استماح بلفظ لطيف فصيح، و كلام مثله يعطف المسئول» .

401

طلب منه جعفر وصف مكانه شعرا فقال و أجاد

فقال له جعفر: صف موضعنا هذا، فقال:

قصور الصالحيّة كالعذارى # لبسن ثيابهنّ ليوم عرس

مطلاّت على بطن كسته # أيادي الماء وشيا نسج غرس

إذا ما الطّلّ أثّر في ثراء # تنفّس نوره من غير نفس

فتغبقه السّماء بصبغ ورس # و تصبحه بأكؤس عين شمس‏[1]

/فقال جعفر للأعرابي: كيف ترى صاحبنا يا هلاليّ؟فقال: أرى خاطره طوع لسانه، و بيان الناس تحت بيانه، و قد جعلت له ما تصلني به، قال: بل نقرّك‏[2]يا أعرابيّ و نرضيه، و أمر للأعرابيّ بمائة دينار و لأشجع بمائتين.

أنس بن أبي شيخ يعجب بشعره و يقدمه إلى جعفر بن يحيى‏

أخبرني عمّي قال؛ حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أبو عامة، قال: حدّثني أشجع السّلميّ، قال:

كنت ذات يوم في مجلس بعض إخواني أتحدّث و أنشد، إذ دخل عليهم أنس بن أبي شيخ النّصريّ صاحب جعفر بن يحيى، فقام له جميع القوم غيري، و لم أعرفه فأقوم له، فنظر إليّ و قال: من هذا الرّجل؟قالوا: أشجع السّلميّ الشّاعر، قال: أنشدني بعض قولك، فأنشدته. فقال: إنّك لشاعر، فما يمنعك من جعفر بن يحيى؟فقلت:

و من لي بجعفر بن يحيى؟فقال: أنا، فقل أبياتا و لا تطل فإنه يملّ الإطالة، فقلت: لست بصاحب إطالة، فقلت أبياتا على نحو ما رسم لي، و صرت إلى أنس فقال: تقدّمني إلى الباب، فتقدّمت، فلم يلبث أن جاء فدخل، و خرج أبو رمح الهمذانيّ حاجب‏[3]جعفر بن يحيى، فقال أشجع: فقمت، فقال: ادخل، فدخلت، فاستنشدني فأنشدته أقول:

و ترى الملوك إذا رأيتهم # كلّ بعيد الصّوت و الجرس

فإذا بدا لهم ابن يحيى جعفر # رجعوا الكلام بمنطق همس

ذهبت مكارم جعفر و فعاله # في النّاس مثل مذاهب الشّمس‏

/قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، قال: و كان أشجع يحبّ الثّياب، و كان يكتري الخلعة كل يوم بدرهمين، فيلبسها أياما، ثم يكتري غيرها، فيفعل بها مثل ذلك، /قال: فابتعت أثوابا كثيرة بباب الكرخ، فكسوت عيالي و عيال إخوتي حتى أنفقتها.

الفضل بن يحيى يهب له ضعف ما وهبه إياه جعفر

ثم لقيت المبارك مؤدّب الفضل بن يحيى بعد أيام، فقال لي: أنشدني ما قلته في جعفر، فأنشدته، فقال:

[1]في ما:

«فتغبقه بصبغ لون ورس»

. و في ف، بيروت: «و تصبحه بكأس عين شمس» . و في «اللسان» : غبقه يغبقه غبقا: سقاء غبوقا؛ و هو الشرب بالعشي. و صبحه يصبحه: سقاه صبوحا. و الصبوح: ما أصبح عندهم من شرابهم.

[2]في مد، ما: نصلك. و في «المختار» : نبرك. و في ب: نقدك.

[3]في ب، س: أبو زنج الهمذاني صاحب جعفر.

402

ما يمنعك من الفضل؟فقلت: و من لي بالفضل؟فقال: أنا لك به، فأدخلني عليه، فأنشدته:

و ما قدّم الفضل بن يحيى مكانه # على غيره بل قدّمته المكارم

لقد أرهب الأعداء حتى كأنما # على كل ثغر بالمنيّة قائم‏

فقال لي: كم أعطاك جعفر؟فقلت: عشرة آلاف درهم، فقال: أعطوه عشرين ألفا.

جعفر بن يحيى يجري عليه في كل جمعة مائة دينار

أخبرني علي بن صالح، قال: حدّثني أحمد بن أبي فنن، قال: حدثني داود بن مهلهل، قال:

لما خرج جعفر بن يحيى ليصلح أمر الشام، نزل في مضربه، و أمر بإطعام الناس، فقام أشجع فأنشده قوله:

فئتان باغية و طاغية # جلّت أمورهما عن الخطب

قد جاءكم بالخيل شازبة[1] # ينقلن نحوكم رحى الحرب

لم يبق إلا أن تدور بكم # قد قام هاديها على القطب‏

قال: فأمر له بصلة ليست بالسّنيّة، و قال له: دائم القليل خير من منقطع الكثير، فقال له: و نزره‏[2]أكثر من جزيل غيره، فأمر له بمثلها، قال: و كان يجري عليه في كلّ جمعة مائة دينار مدة مقامه ببابه.

إسحاق الموصلي ينشد له قصيدة في الخمر أمام الرشيد و جعفر بن يحيى‏

أخبرني محمد بن جعفر النحويّ صهر المبرّد، قال: حدثني الفضل بن محمد اليزيديّ، قال: حدثنا إسحاق الموصليّ، قال:

دخلت إلى الرّشيد يوما، و هو يخاطب جعفر بن يحيى بشي‏ء لم أسمع ابتداءه، و قد علا صوته، فلما رآني مقبلا قال لجعفر بن يحيى: أ ترضى بإسحاق؟قال جعفر: و اللّه ما في علمه مطعن إن أنصف، فقال لي: أيّ شي‏ء تروي للشعراء المحدثين‏[3]في الخمر؟أنشدني من أفضل ما عندك و أشدّه تقدّما، فعلمت أنهما كانا يتماريان في تقديم أبي نواس، فعدلت عنه إلى غيره؛ لئلا أخالف أحدهما، فقلت: لقد أحسن أشجع في قوله:

و قد طعنت الليل في أعجازه # بالكأس بين غطارف كالأنجم‏[4]

يتمايلون على النعيم كأنّهم # قضب من الهنديّ لم تتثلّم

و سعى بها الظّبي العزير يزيدها # طيبا و يغشمها إذا لم تغشم‏[5]

و الليل منتقب بفضل ردائه # قد كاد يحسر عن أغرّ أرثم‏[6]

فإذا أدارتها الأكفّ رأيتها # تثني الفصيح إلى لسان الأعجم

و على بنان مديرها عقيانة # من سكبها و على فضول المعصم‏

[1]في ب، س: شارية. و في «المختار» : شازية. و في ما: شاربة. و ما أثبتناه من ف. و المعنى: ضامرة يابسة.

[2]في س: و نزر الوزير.

[3]في ب، س: «أي شي‏ء تروي الشعراء المحدثون في الخمر» .

[4]الغطارف: السادة الأشراف.

[5]تغشم: تظلم.

[6]الأرثم من الخيل: ما كان في طرف أنفه بياض أو كان أبيض الشفة العليا.

403

تغلي إذا ما الشّعريان تلظّيا # صيفا و تسكن في طلوع المرزم‏[1]

و لقد فضضناها بخاتم ربّها # بكرا و ليس البكر مثل الأيّم

و لها سكون في الإناء و خلفها # شغب يطوّح بالكميّ المعلم

/تعطى على الظّلم الفتى بقيادها # قسرا و تظلمه إذا لم يظلم‏

الرشيد يفضل أبا نواس عليه في وصف الخمر

فقال لي الرّشيد: قد عرفت تعصّبك على أبي نواس، و إنك عدلت عنه متعمدا، و لقد أحسن أشجع، و لكنه لا يقول أبدا مثل قول أبي نواس:

يا شقيق النّفس من حكم # نمت عن ليلي و لم أنم‏

فقلت له: ما علمت ما كنت فيه يا أمير المؤمنين، و إنما أنشدت ما حضرني، فقال: حسبك قد سمعت الجواب.

قال الفضل: و كان في إسحاق تعصّب على أبي نواس لشي‏ء جرى بينهما.

الواثق يطرب لشعر أشجع و يستعيده‏

أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال:

اصطبح‏[2]الواثق في يوم مطير، و اتصل شربه و شربنا معه حتى سقطنا لجنوبنا صرعى، و هو معنا على حالنا، فما حرّك أحد منا عن مضجعه، و خدم الخاصة يطوفون علينا و يتفقدوننا، و بذلك أمرهم، و قال:

لا تحرّكوا أحدا عن موضعه، فكان هو أول من أفاق منا، فقام و أمر بإنباهنا فأنبهنا فقمنا فتوضأنا و أصلحنا من شأننا، و جئت إليه و هو جالس و في يده كأس، و هو يروم شربها، و الخمار يمنعه، فقال لي: يا إسحاق، أنشدني في هذا المعنى شيئا، فأنشدته قول أشجع السّلميّ:

و لقد طعنت الليل في أعجازه # بالكأس بين غطارف كالأنجم

يتمايلون عن النّعيم كأنّهم # قضب من الهنديّ لم تتثلّم

و سعى بها الظّبي الغرير يزيدها # طيبا و يغشمها إذا لم تغشم

و الليل منتقب بفضل ردائه # قد كاد يحسر عن أغرّ أرثم

و إذا أدارتها الأكفّ رأيتها # تثني الفصيح إلى لسان الأعجم

/و على بنان مديرها عقيانة # من لونها[3]و على فضول المعصم

تغلي إذا ما الشّعريان تلظّيا # صيفا و تسكن في طلوع المرزم

و لقد فضضناها بخاتم ربّها # بكرا و ليس البكر مثل الأيّم

و لها سكون في الإناء و خلفها # شغب يطوّح بالكميّ المعلم‏

[1]الشعريان و المرزم: نجوم.

[2]في ب، س: أصبح.

[3]في «المختار» : من سكبها. ـ

404

تعطي على الظّلم الفتى بقيادها # قسرا و تظلمه إذا لم يظلم‏

فطرب و قال: أحسن و اللّه أشجع، و أحسنت يا أبا محمد، أعد بحياتي، فأعدتها و شرب كأسه، و أمر لي بألف دينار.

عزّى الفضل بن الربيع في ابنه العباس فأحسن العزاء و قال شعرا يرثيه‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثنا أبو هفّان، قال:

ذكر أبو دعامة أنّ أشجع دخل على الفضل بن الرّبيع، و قد توفّي ابنه العباس و الناس يعزّونه، فعزّاه فأحسن، ثم استأذنه في إنشاد مرثية قالها فيه، فأذن له فأنشده:

لا تبكينّ بعين غير جائدة # و كلّ ذي حزن يبكي كما يجد

أيّ امرئ كان عباس لنائبة # إذا تقنّع دون الوالد الولد

لم يدنه طمع من دار مخزية # و لم يعزّ له من نعمة بلد

قد كنت ذا جلد في كلّ نائبة # فبان منّي عليك الصبر و الجلد

لمّا تسامت بك الآمال و ابتهجت # بك المروءة و اعتدّت بك العدد

/و لم يكن لفتى في نفسه أمل # إلا إليك به من أرضه يفد

و حين جئت أمام السّابقين و لم # يبلل عذارك ميدان و لا أمد

وافاك يوم على نكراء مشتمل # لم ينج من مثله عاد و لا لبد

فما تكشّف إلا عن مولولة # حرّى و مكتئب أحشاؤه تقد

/قال: فبكى الفضل و بكى الناس معه، و ما انصرفوا يومئذ يتذاكرون غير أبيات أشجع.

عزّى الرشيد في ابن له فأحسن و أمر بصلته‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن طالب الدّيناري، قال: حدّثني عليّ بن الجهم، قال:

دخل أشجع على الرّشيد و قد مات ابن له، و الناس يعزّونه فأنشده قوله:

نقص من الدّين و من أهله # نقص المنايا من بني هاشم

قدّمته-فاصبر على فقده- # إلى أبيه و أبي القاسم‏

فقال الرّشيد: ما عزّاني اليوم أحد أحسن من تعزية أشجع، و أمر له بصلة.

أذن له جعفر بن يحيى بالوصول إليه وحده دون سائر الناس‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا العنزيّ، قال: حدثني عبد الرّحمن بن النّعمان السّلميّ قال:

كنّا بباب جعفر بن يحيى و هو عليل، فقال لنا الحاجب: إنه إذن عليه، فكتب إليه أشجع:

لمّا اشتكى جعفر بن يحيى # فارقني النّوم و القرار

و مرّ عيشي عليّ حتّى # كأنّما طعمه المرار

405

خوفا على جعفر بن يحيى # لا حقّق الخوف و الحذار

إن يعفه اللّه لا نحاذر # ما أحدث الليل و النهار

قال: فأوصل الحاجب رقعته، ثم خرج فأمره بالوصول وحده، و انصرف سائر النّاس.

الرشيد يأمر بتعجيل صلته له‏

أخبرني الحسن قال: حدثنا العنزيّ، قال: حدّثني محمد بن الحسين، عن عمرو بن عليّ: أنّ أشجع السّلميّ كتب إلى الرشيد و قد أبطأ عنه شي‏ء أمر له به:

/

أبلغ أمير المؤمنين رسالة # لها عنق‏[1]بين الرّواة فسيح

بأنّ لسان الشعر ينطقه النّدى # و يخرسه الإبطاء و هو فصيح‏

فضحك الرشيد و قال له: لن يخرس لسان شعرك، و أمر بتعجيل صلته.

مدح محمد بن منصور بشعر كان أحب مدائحه إليه‏

أخبرني الحسن، و محمد بن يحيى الصّوليّ، قالا: حدثنا العنزيّ، قال: حدثني أحمد بن محمد بن منصور بن زياد، و كان يقال لأبيه فتى العسكر، قال:

أقبل أشجع إلى باب أبي، فرأى ازدحام الناس عليه، فقال:

على باب ابن منصور # علامات من البذل

جماعات و حسب البا # ب‏[2]نبلا كثرة الأهل‏

فبلغ أبي بيتاه هذان، فقال: هما و اللّه أحبّ مدائحه إليّ.

هنأ جعفر بن يحيى بولاية خراسان‏

أخبرني عمّي، و الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا الفضل بن محمد اليزيديّ، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، قال:

لما ولّى الرشيد جعفر بن يحيى خراسان جلس للناس فدخلوا عليه يهنّئونه ثم دخل الشعراء فأنشدوه؛ فقام أشجع آخرهم، فاستأذن في الإنشاد فأذن له، فأنشده قوله:

أتصبر للبين أم تجزع # فإنّ الدّيار غدا بلقع‏[3]

/غدا يتفرّق أهل الهوى # و يكثر باك و مسترجع‏

حتى انتهى إلى قوله:

و دويّة[4]بين أقطارها # مقاطيع أرضين لا تقطع‏

[1]العنق: السير السريع.

[2]في ف: و حسب الدار.

[3]البلقع: الأرض القفر التي لا شي‏ء بها.

[4]الدوية: الصحراء الواسعة.

406

/

تجاوزتها فوق عيرانة[1] # من الريح في سيرها أسرع

إلى جعفر نزعت رغبة # و أيّ فتى نحوه تنزع

فما دونه لامرئ مطمع # و لا لامرئ غيره مقنع‏[2]

و لا يرفع الناس من حطّه # و لا يضعون الذي يرفع

يريد الملوك مدى جعفر # و لا يصنعون كما يصنع

و ليس بأوسعهم في الغنى # و لكنّ معروفه أوسع

تلوذ الملوك بآرائه‏[3] # إذا نالها الحدث الأفظع

بديهته مثل تدبيره # متى رمته‏[4]فهو مستجمع

و كم قائل إذ رأى ثروتي‏[5] # و ما في فضول الغنى أصنع:

غدا في ظلال ندى جعفر # يجرّ ثياب الغنى أشجع

فقل لخراسان تحيا فقد # أتاها ابن يحيى الفتى الأروع‏

فأقبل عليه جعفر بن يحيى ضاحكا، و استحسن شعره، و جعل يخاطبه مخاطبة الأخ أخاه، ثم أمر له بألف دينار.

يهوّن على جعفر بن يحيى عزله عن خراسان‏

قال: ثم بدا للرّشيد في ذلك التّدبير، فعزل جعفرا عن خراسان بعد أن أعطاه العهد و الكتب، و عقد له العقد و أمر و نهى، فوجم لذلك جعفر، فدخل عليه أشجع فأنشده يقول:

أمست خراسان تعزّى بما # أخطأها من جعفر المرتجى

/كان الرّشيد المعتلى أمره # ولّى عليها المشرق الأبلجا[6]

ثم أراه رأيه أنّه # أمسى إليه منهم أحوجا

فكم به الرّحمن‏[7]من كربة # في مدّة تقصر قد فرّجا

فضحك جعفر ثم قال: لقد هوّنت عليّ العزل، و قمت لأمير المؤمنين بالعذر، فسلني ما شئت، فقال: قد كفاني جودك ذلّة السؤال، فأمر له بألف دينار آخر.

يمدح محمد الأمين و هو ابن أربع سنين‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، عن أبي دعامة، عن أشجع، قال:

[1]العيرانة: الناقة النشيطة. و في ب، ما: «ريحانة» .

[2]في «الشعر و الشعراء» لابن قتيبة 2-883:

و ما خلفه لامرئ مطمع # و لا دونه لامرئ مقنع‏

[3]في ب، ما: «بأبوابه» .

[4]في «الشعر و الشعراء» لابن قتيبة 2/883:

«متى هجته»

.

[5]في «الشعر و الشعراء» لابن قتيبة 2/883:

«و كم قائل إذ رأى بهجتي»

.

[6]في ب، ما:

«ولى عليه»

. و في ف:

«ولى على مشرقها»

. و في «التجريد» :

«ولى على مشرقه»

.

[7]في «المختار» :

«فكم فك به الرحمن من كربة»

و لا يستقيم الوزن.

407

دخلت على محمد الأمين حين أجلس مجلس الأدب للتّعليم، و هو ابن أربع سنين، و كان يجلس فيه ساعة ثم يقوم فأنشدته:

ملك أبوه و أمّه من نبعة # منها سراج الأمّة الوهّاج

شربت بمكة في ربا بطحائها # ماء النّبوّة ليس فيه مزاج‏

يعني النّبعة. قال: فأمرت له زبيدة بمائة ألف درهم، قال: و لم يملك الخلافة أحد أبوه و أمّه من بني هاشم إلا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه، و محمد بن زبيدة[1].

يمدح إبراهيم بن عثمان بن نهيك‏

أخبرني الحسن بن عليّ، و محمد بن يحيى الصوليّ، قالا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ، /قال: حدثنا المهزميّ، قال:

لما ولي إبراهيم بن عثمان بن نهيك الشرطة، دخل عليه أشجع، فأنشده قوله فيه:

/

لمن المنازل مثل ظهر الأرقم # قدمت و عهد أنيسها لم يقدم

فتكت بها سنتان تعتورانها # بالمعصفات‏[2]و كلّ أسحم مرزم‏[3]

دمن إذا استثبتّ عينك عهدها # كرّت إليك بنظرة المتوهّم

و لقد طعنت الليل في أعجازه # بالكأس بين غطارف كالأنجم

يتمايلون على النّعيم كأنّهم # قضب من الهنديّ لم تتثلّم

و اللّيل مشتمل بفضل ردائه # قد كاد يحسر عن أغرّ أرثم‏[4]

لبني نهيك طاعة لو أنها # زحمت بهضب متالع لم تكلم

قوم إذا غمزوا قناة عدوّهم # حطموا جوانبها ببأس محطم

في سيف إبراهيم خوف واقع # لذوي النّفاق و فيه أمن المسلم

و يبيت يكلأ-و العيون هواجع- # مال المضيع و مهجة المستسلم‏[5]

ليل يواصله بضوء نهاره # يقظان ليس يذوق نوم النّوّم

شدّ الخطام بأنف كلّ مخالف # حتى استقام له الذي لم يخطم

لا يصلح السّلطان إلا شدّة # تغشى البري‏ء بفضل ذنب المجرم

منعت مهابتك النفوس حديثها # بالشي‏ء[6]تكرهه و إن لم تعلم

و نهجت في سبل السّياسة مسلكا # ففهمت مذهبها الذي لم يفهم‏

[1] «التجريد» : محمد بن الرشيد.

[2]ف: «بالمعضلات» .

[3]المرزم: المصوت.

[4]الأغر: الأبيض، و الأرثم: الفرس في طرف أنفه بياض.

[5]لم يرد هذا البيت في ف. و المضيع: من كثرت ضياعه، و هو موجود في باقي النسخ، و في «الشعر و الشعراء» لابن قتيبة 2/884.

[6]في «الشعر و الشعراء» : «بالأمر تكرهه» .

408

فوصله و حمله و خلع عليه.

يراجع جعفر بن يحيى في تقليل عطائه فيزيده‏

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ، قال: حدثنا الغلابيّ قال: حدثنا مهديّ بن سابق، قال:

أعطى جعفر بن يحيى مروان بن أبي حفصة-و قد مدحه-ثلاثين ألف درهم، و أعطى أبا البصير عشرين ألفا، و أعطى أشجع-و قد أنشده معهما-ثلاثة آلاف درهم، و كان ذلك في أول اتصاله به، فكتب إليه أشجع يقول:

أعطيت مروان الثّلا # ثين التي دلّت رعاثه‏[1]

و أبا البصير و إنما # أعطيتني منهم ثلاثة

ما خانني حوك القري[2] # ض و لا اتّهمت سوى الحداثه‏

فأمر له بعشرين ألف درهم أخرى.

العباس بن محمد ينشد الرشيد شعرا لأشجع و يدعيه لنفسه‏

حدثني عليّ بن صالح بن الهيثم الأنباريّ، قال: حدثني أبو هفان، قال: حدثني سعيد بن هريم و أبو دعامة، قالا:

كان انقطاع أشجع إلى العباس بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن العباس، فقال الرّشيد للعباس يوما: يا عمّ، إن الشّعراء قد أكثروا في مدح محمد بسببي و بسبب أمّ جعفر، و لم يقل أحد منهم في المأمون شيئا، و أنا أحبّ أن أقع على شاعر فطن ذكيّ يقول فيه، فذكر العبّاس ذلك لأشجع، و أمره أن يقول فيه، فقال:

بيعة المأمون آخذة # بعنان الحقّ في أفقه

/أحكمت مرّاتها[3]عقدا # تمنع المختال في نفقه

لن يفكّ المرء ربقتها # أو يفكّ الدّين من عنقه

/و له من وجه والده # صورة تمّت و من خلقه‏

قال: فأتى بها العبّاس الرّشيد، و أنشده إيّاها فاستحسنها و سأله: لمن هي؟فقال: هي لي، فقال: قد سررتني مرّتين: بإصابتك ما في نفسي، و بأنها لك، و ما كان لك فهو لي، و أمر له بثلاثين ألف دينار، فدفع إلى أشجع منها خمسة آلاف درهم، و أخذ باقيها لنفسه.

يستعجل عطاء يحيى بن خالد ثم يمدحه‏

أخبرني عمّي، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه بن مالك الخزاعيّ، قال:

وعد يحيى بن خالد أشجع السّلميّ وعدا، فأخّره عنه، فقال له قوله:

رأيتك لا تستلذّ المطال # و توفي إذا غدر الخائن‏

[1]الرعاث جمع رعثة، و هي عثنون الديك، و يريد بتدلي رعاثه أنه تكبّر و زها.

[2]ف: «حوز القريض» .

[3]المرات جمع مرة، و هي طاقة الحبل. و في ما: «مرانها» .