الأغاني - ج18

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
503 /
409

فما ذا تؤخّر من حاجتي # و أنت لتعجيلها ضامن!

أ لم تر أنّ احتباس النّوال # لمعروف صاحبه شائن!

فلم يتعجّل ما أراد، فكتب إليه:

رويدك إنّ عزّ الفقر أدنى # إليّ من الثّراء مع الهوان

و ما ذا تبلغ الأيّام منّي # بريب صروفها و معي لساني‏

فبلغ قوله جعفرا فقال له: ويلك يا أشجع!هذا تهدّد فلا تعد لمثله، ثم كلّم أباه فقضى حاجته، فقال:

كفاني صروف الدّهر يحيى بن خالد # فأصبحت لا أرتاع للحدثان

كفاني-كفاه اللّه كلّ ملمّة- # طلاب فلان مرّة و فلان

فأصبحت في رغد من العيش واسع # أقلّب فيه ناظري و لساني‏

جعفر بن يحيى يوليه عملا ثم يصرفه عنه‏

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ، قال: حدّثنا العنزيّ عن ابن النّطّاح، قال:

/ولّى جعفر بن يحيى أشجع عملا، فرفع إليه أهله رفائع‏[1]كثيرة، و تظلّموا منه و شكوه، فصرفه جعفر عنهم، فلما رجع إليه من عمله مثل بين يديه، ثم أنشأ يقول:

أ مفسدة سعاد عليّ ديني # و لائمتي على طول الحنين

و ما تدري سعاد إذا تخلّت # من الأشجان كيف أخو الشّجون

تنام و لا أنام لطول حزني # و أين أخو السّرور من الحزين!

لقد راعتك عند قطين سعدى # رواحل غاديات بالقطين‏[2]

كأنّ دموع عيني يوم بانوا # عيانا سحّ مطّرد معين‏[3]

لقد هزّت سنان القول منّي # رجال رفيعة لم يعرفوني

هم جازوا حجابك يا ابن يحيى # فقالوا بالذي يهوون دوني

أطافوا بي لديك و غبت عنهم # و لو أدنيتني لتجنّبوني

و قد شهدت عيونهم فمالت # عليّ و غيّبت عنهم عيوني

و لمّا أن كتبت بما أرادوا # تدرّع‏[4]كلّ ذي غمز دفين

/كففت عن المقاتل باديات # و قد هيّأت صخرة منجنون‏[5]

و لو أرسلتها دمغت رجالا # و صالت في الأخشّة و الشّئون‏[6]

[1]الرفائع: جمع رفيعة؛ و هي القصة المرفوعة إلى الحاكم.

[2]القطين: الخدم و الحاشية.

[3]في ف: «غياث سح مطرد معين» .

[4]في ب: «تردع» .

[5]المنجنون: الدولاب يستقى عليها.

[6]الأخشة جمع خشاش، و هو العود يجعل في عظم أنف البعير، و الشئون جمع شأن، و هو عرق الدمع.

410

/

و كنت إذا هززت حسام قول # قطعت بحجّتي علق‏[1]الوتين

لعلّ الدهر يطلق من لساني # لهم يوما و يبسط من يميني

فأقضي دينهم بوفاء قول # و أثقلهم لصدقي بالديون

و قد علموا جميعا أنّ قولي # قريب حين أدعوه يجيني

و كنت إذا هجوت رئيس قوم # و سمت على الذّؤابة و الجبين

بخطّ مثل حرق النّار باق # يلوح على الحواجب و العيون

أ مائلة بودّك يا ابن يحيى # رجالات ذوو ضغن كمين

يشيمون السّيوف‏[2]إذا رأوني # فإن ولّيت سلّت من جفون

و لو كشفت سرائرنا جميعا # علمت من البري‏ء من الظّنين‏[3]

علام-و أنت تعلم نصح جنبي # و أخذي منك بالسّبب المتين

و عسفي كلّ مهمهة خلاء # إليك بكل يعملة أمون‏[4]

و إحيائي الدّجى لك بالقوافي # أقيم صدورهنّ على المتون-

تقرّب منك أعدائي و أنأى # و يجلس مجلسي من لا يليني!

و لو عاتبت نفسك في مكاني‏[5] # إذا لنزلت عندك باليمين

و لكنّ الشّكوك نأين عنّي # بودّك، و المصير إلى اليقين

فإن أنصفتني أحرقت منهم # بنضج الكيّ أثباج‏[6]البطون‏

أول ما نجم به أشجع اتصاله بجعفر بن المنصور

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ و الحسن بن عليّ، قالا: حدثنا العنزيّ، قال: حدثنا عليّ بن الفضل السّلميّ، قال:

أوّل ما نجم به أشجع أنّه اتّصل بجعفر بن المنصور و هو حدث، وصله به أحمد بن يزيد السّلميّ و ابنه عوف، فقال أشجع في جعفر بن المنصور قوله:

اذكروا حرمة العواتك منّا # يا بني هاشم بن عبد مناف

قد ولدناكم ثلاث ولادا # ت خلطن الأشراف بالأشراف

مهّدت هاشما نجوم قصيّ # و بنو فالح حجور عفاف

إنّ أرماح بهثة بن سليم‏[7] # لعجاف الأطراف غير عجاف‏

[1]العلق: الحبل. و في ف: «عرق» .

[2]يشيمون السيوف: يدخلونها في أغمادها.

[3]الظنين: المتهم.

[4]اليعملة: الناقة النجيبة المطبوعة على العمل. الأمون: الموفقة الخلق المأمونة الكلال.

[5]ف: «من فؤادي» .

[6]الأثباج: جمع ثبج، و هو الوسط من كل شي‏ء.

[7]كذا في «القاموس» (بهث) . و في ف، «المختار» : «بهشة» . و في ب، ما: «بهمة من سليم» .

411

و لأسيافهم فرى غير لذّ # راجع في مراجع الأكتاف

معشر يطعمون من ذروة الشّو # ل و يسقون خمرة الأقحاف‏[1]

يضربون الجبّار في أخدعيه # و يسقونه نقيع الذّعاف‏[2]

فشاع شعره و بلغ البصرة، و لم يزل أمره يتراقى إلى أن وصلته زبيدة بعد وفاة أبيها بزوجها هارون الرشيد، فأسنى جوائزه، و ألحقه بالطّبقة العليا من الشّعراء.

الفضل بن الربيع يصله بالرشيد فيمدحه ثم يمدح الفضل‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثني أحمد بن المرزبان، قال: حدّثني شيبة بن أحمد بن هشام، قال: حدّثني أحمد/بن العباس الرّبيعيّ:

أن الذي أوصل أشجع السّلميّ إلى الرّشيد جدّه الفضل بن الربيع، و أنه أوصله له و قال له: هو أشعر شعراء اهل هذا الزّمان، و قد اقتطعته عنك البرامكة، فأمره بإحضاره و إيصاله مع الشعراء ففعل، فلمّا وصل إليه أنشده قوله:

/

قصر عليه تحيّة و سلام # نثرت عليه جمالها الأيّام

فيه اجتلى الدّنيا الخليفة و التقت # للملك فيه سلامة و سلام

قصر سقوف المزن دون سقوفه # فيه لأعلام الهدى أعلام

نشرت عليه الأرض كسوتها التي # نسج الرّبيع و زخرف الإرهام‏[3]

أنتك من ظلّ النّبيّ وصيّة # و قرابة و شجت بها الأرحام

برقت سماؤك في العدوّ و أمطرت # هاما لها ظلّ السّيوف غمام

و إذا سيوفك صافحت هام العدا # طارت لهنّ عن الرءوس الهام

أثنى على أيّامك الأيّام # و الشّاهدان: الحلّ و الإحرام

و على عدوّك يا ابن عمّ محمّد # رصدان: ضوء الصّبح و الإظلام

فإذا تنبّه رعته، و إذا غفا # سلّت عليه سيوفك الأحلام‏

قال: فاستحسنها الرّشيد، و أمر له بعشرين ألف درهم، فمدح الفضل بن الرّبيع، و شكر له إيصاله إيّاه إلى الرشيد، فقال فيه قصيدته الّتي أوّلها:

غلب الرّقاد على جفون المسهد # و غرقت في سهر و ليل سرمد

قد جدّ بي سهر فلم أرقد له # و النّوم يلعب في جفون الرّقّد

و لطالما سهرت لحبّي أعين # أهدى السّهاد لها و لمّا أسهد

أيّام أرعى في رياض بطالة # ورد الصّبا منها الذي لم يورد

لهو يساعده الشّباب و لم أجد # بعد الشّبيبة في الهوى من مسعد[4]

[1]الشول: الناقة. و الأقحاف جمع قحف و هو إناء من خشب مثل قحف الرأس كأنه نصف قدح. و في ب: «خمرة الإتحاف» .

[2]الأخدعان: عرقان في صفحتي العنق قد خفيا و بطنا. و الذعاف: السم.

[3]أرهمت السماء: أتت بالرهمة، و هي المطر الضعيف.

[4]أسعده: أعانه فهو مسعد.

412

و خفيفة الأحشاء غير خفيفة # مجدولة جدل العنان الأجرد

/غضبت على أعطافها أردافها # فالحرب بين إزارها و المجسد[1]

خالفت فيه عاذلا لي ناصحا # فرشدت حين عصيت قول المرشد

أ أقيم محتملا لضيم حوادث # مع همّة موصولة بالفرقد

و أرى مخايل ليس يخلف نوؤها # للفضل إن رعدت و إن لم ترعد

للفضل أموال أطاف بها النّدى # حتى جهدن وجوده لم يجهد

يا ابن الرّبيع حسرت شكري بالتي # أوليتني في عود أمرك و البدي‏[2]

أوصلتني و رفدتني و كلاهما # شرف فقأت به عيون الحسّد

و وصفتني عند الخليفة غائبا # و أذنت لي فشهدت أفخر مشهد[3]

و كفيتني‏[4]منن الرّجال بنائل # أغنى يدي عن أن تمدّ إلى يد

يسأل جعفر بن يحيى ابتياع غلام جميل فيجيبه‏

أخبرني محمد بن عمران الصيرفيّ، قال: حدّثنا العنزيّ، قال: حدثني صخر بن أحمد السلميّ، /عن أبيه، قال:

كنت أنا و أشجع بالرّقّة جلوسا، فمرّ بنا غلام أمرد روميّ جميل الوجه، فكلّمه أشجع و سأله هل يبيعه مالكه؟ فقال: نعم، فقال أشجع يمدح جعفر بن يحيى، و سأله ابتياعه له فقال:

و مضطرب الوشاح لمقلتيه # علائق ما لوصلتها انقطاع

تعرّض لي بنظرة ذي دلال # يريع‏[5]بمقلتيه و لا يراع

لحاظ ليس تحجب عن قلوب # و أمر في الذي يهوى مطاع

و وسعي ضيّق عنه و مالي # و ضيق الأمر يتبعه اتّساع

و تعويلي على مال ابن يحيى # إليه حنّ شوقي و النّزاع

وثقت بجعفر في كلّ خطب # فلا هلك يخاف و لا ضياع‏

/فأمر له بخمسة آلاف درهم، و قال: اشتره بها فإن لم تكفك فازدد.

يذكر جاريته ريم في قصيدة رثى بها الرشيد

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، قال:

كانت لأشجع جارية يقال لها: ريم، و كان يجد بها وجدا شديدا، فكانت تحلف له إن بقيت بعده لم تعرّض لغيره، و كان يذكرها في شعره، فمن ذلك قوله في قصيدته التي يرثي بها الرشيد:

[1]المجسد: ثوب يلي الجسد.

[2]في «المختار» :

«... شكري بالذي # ... في عود أمري... »

.

[3]ساقط من ف.

[4]في ب، س: «و كففتني» .

[5]ف، بيروت: «يروع» .

413

و ليس لأحزان النّساء تطاول # و لكنّ أحزان الرّجال تطول

فلا تبخلي بالدّمع عنّي؛ فإنّ من # يضنّ بدمع عن هوى لبخيل

فلا كنت ممن يتبع الرّيح طرفه # دبورا إذا هبّت له و قبول‏[1]

إذا دار في‏ء أتبع الفي‏ء طرفه # يميل مع الأيّام حيث تميل‏

قال: و قال فيهما أيضا:

إذا غمّضت فوقي جفون حفيرة # من الأرض فابكيني بما كنت أصنع

تعزّك عنّي عند ذلك سلوة # و أن ليس فيمن وارت الأرض مطمع

إذا لم تري شخصي و تغنك ثروتي # و لم تسمعي منّي و لا منك أسمع

فحينئذ تسلين عنّي و إن يكن # بكاء فأقصى ما تبكّين أربع

قليل و ربّ البيت يا ريم ما أرى # فتاة بمن ولّى به الموت تقنع

بمن تدفعين الحادثات إذا رمى # عليك بها عام من الجدب يطلع

فحينئذ تدرين من قد رزيته # إذا جعلت أركان بيتك تنزع‏

أحمد أخوه يجيبه بشعر ينسبه إلى جاريته ريم‏

قال: فشكته ريم إلى أخيه أحمد بن عمرو، فأجابه عنها بشعر نسبه إليها، و مدح فيه الفضل أيضا فاختير شعره على شعر أخيه و هو:

/

ذكرت فراقا و الفراق‏[2]يصدّع # و أيّ حياة بعد موتك تنفع!

إذا الزّمن الغرّار[3]فرّق بيننا # فما لي في طيب من العيش مطمع

و لا كان يوم يا ابن عمرو و ليلة # يبدّد فيها شملنا و يصدّع

و لا كان يوم فيه تثوي‏[4]رهينة # فتروى بجسمي الحادثات و تشبع

/و ألطم وجها كنت فيك أصونه # و أخشع مما لم أكن منه أخشع

و لو أنني غيّبت في اللّحد لم تبل # و لم تزل الراءون لي تتوجّع‏[5]

و هل رجل أبصرته متوجّعا # على امرأة أو عينه الدّهر تدمع!

و لكن إذا ولّت يقول لها: اذهبي # فمثلك أخرى سوف أهوى و أتبع

و لو أبصرت عيناك ما بي لأبصرت # صبابة قلب‏[6]غيمها ليس يقشع

إلى الفضل فارحل بالمديح فإنه # منيع الحمى معروفه ليس يمنع

وزره تزر حلما و علما و سوددا # و بأسا به أنف الحوادث يجدع‏

[1]الدبور: ريح تهب من المغرب، و تقابل القبول، و هي ريح الصبا.

[2]ف: «و التفرق» .

[3]ف: «الغدار» .

[4]ف: «أثوي» ، تحريف.

[5]ف: «في الترب» بدل «في اللحد» ، و في ما: «في البحر» .

[6]ف: «صبابة حزن» . ـ

414

و أبدع إذا ما قلت في الفضل مدحة # كما الفضل في بذل المواهب يبدع

إذا ما حياض المجد قلّت مياهها # فحوض أبي العبّاس بالجود مترع

و إن سنة ضنّت بخصب على الورى # ففي جوده مرعى خصيب و مشرع

و ما بعدت أرض بها الفضل نازل # و لا خاب من في نائل الفضل يطمع

فنعم المنادى الفضل عند ملمّة[1] # لدفع خطوب مثلها ليس يدفع

/إليك أبا العبّاس سارت نجائب # لها همم تسمو إليك و تنزع

بذكرك نحدوها إذا ما تأخّرت # فتمضي على هول المضيّ و تسرع

و ما للسان المدح دونك مشرع # و لا للمطايا دون بابك مفزع

إليك أبا العبّاس أحمل مدحة # مطيّتها-حتى توافيك-أشجع

فزعت إلى جدواك فيها و إنما # إلى مفزع الأملاك يلجا و يفزع‏

قال: فأنشدها أشجع الفضل، و حدّثه بالقصّة، فوصل أخاه و جاريته و وصله.

و قال أحمد بن الحارث: فقيل لأحمد بن عمرو أخي أشجع: ما لك لا تمدح الملوك كما يمدحهم أخوك؟ فقال: إن أخي بلاء عليّ و إن كان فخرا، لأنّي‏[2]لا أمدح أحدا ممّن يرضيه دون شعري و يثيب عليه بالكثير من الثّواب‏[3]إلا قال: أين هذا من قول أشجع؟فقد امتنعت من مدح أحد لذلك.

أحمد أخو أشجع يهجوه‏

قال أحمد بن الحارث: و قال أحمد بن عمرو يهجو أخاه أشجع، و قد كان أحمد مدح محمد بن جميل بشعر قاله فيه، فسأل أخاه أشجع إيصاله، و دفع القصيدة إليه فتوانى عن ذلك، فقال يهجوه-أخبرني بذلك أحمد بن محمد بن جميل-:

و سائلة لي: ما أشجع؟ # فقلت: يضر و لا ينفع

قريب من الشّرّ واع له # أصمّ عن الخير ما يسمع

بطي‏ء عن الأمر أحظى به # إلى كل ما ساءني مسرع

شرود الوداد على قربه # يفرّق منه الذي أجمع

أسبّ بأنّي شقيق له # فأنفي به أبدا أجدع‏

الفضل بن يحيى يطرب لشعر أشجع و يكافئ منشده‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال:

دخلت على الفضل بن يحيى و قد بلغ الرشيد إطلاقه يحيى بن عبد اللّه/بن حسن، و قد كان أمره بقتله/فلم يظهر له أنه بلغه إطلاقه‏[4]، فسأله عن خبره: هل قتلته؟فقال: لا، فقال له: فأين هو؟قال: أطلقته، قال: و لم؟ [1]ف:

«فنعم المنادى عند كل ملمة»

.

[2]ف: «على أني لا أمدح... » .

[3]ف، بيروت: «من النوال» .

[4]كذا في ف، و في باقي الأصول: «أنه قتله» .

415

قال: لأنه سألني بحقّ اللّه و بحقّ رسوله و قرابته منه و منك، و حلف لي أنّه لا يحدث حدثا، و أنه يجيبني متى طلبته.

فأطرق ساعة، ثم قال: امض بنفسك في طلبه حتى تجيئني به و اخرج الساعة، فخرج. قال: فدخلت عليه مهنّئا بالسّلامة فقلت له: ما رأيت أثبت من جنانك و لا أصحّ من رأيك فيما جرى، . و أنت و اللّه كما قال أشجع:

بديهته و فكرته سواء # إذا ما نابه الخطب الكبير

و أحزم ما يكون الدّهر رأيا # إذا عيّ المشاور و المشير

و صدر فيه للهمّ اتّساع # إذا ضاقت بما تحوي الصّدور

فقال الفضل: انظروا كم أخذ أشجع على هذه القصيدة، فاحملوا إلى أبي محمد مثله. قال: فوجده قد أخذ ثلاثين ألف درهم، فحملت إليّ.

يرثي صديقا له من بغداد

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ إجازة، قال: حدثني محمد بن عجلان، قال: حدّثنا ابن خلاّد، عن حسين الجعفيّ، قال:

كان أشجع إذا قدم بغداد ينزل على صديق له من أهلها، فقدمها مرّة فوجده قد مات، و النوح و البكاء في داره، فجزع لذلك و بكى، و أنشأ يقول:

ويحها هل درت على من تنوح # أ سقيم فؤادها أم صحيح!

قمر أطبقوا عليه ببغدا # د ضريحا، ما ذا أجنّ الضّريح!

رحم اللّه صاحبي و نديمي # رحمة تغتدي و أخرى تروح‏

و هذه القصيدة التي فيها الأبيات المذكورة و الغناء فيها، من قصيدة يمدح بها أشجع الرّشيد و يهنّئه بفتح هرقلة، و قد مدحه بذلك و هنّأه جماعة من الشّعراء و غنّي في جميعها، فذكرت خبر فتح هرقلة لذكر ذلك.

سبب غزاة الرشيد هرقلة

أخبرني بخبره عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد، قال:

كان من خبر غزاة الرّشيد هرقلة أن الرّوم كانت قد ملّكت امرأة، لأنه لم يكن بقي في أهل زمانها من أهل بيتها[1]-بيت المملكة-غيرها، و كانت تكتب إلى المهديّ و الهادي و الرّشيد أوّل خلافته بالتّعظيم و التّبجيل، و تدرّ عليه الهدايا، حتى بلغ ابن لها فحاز الملك دونها، و عاث و أفسد، و فاسد الرّشيد، فخافت على ملك الرّوم أن يذهب، و على بلادهم أن تعطب؛ لعلمها بالرّشيد و خوفها من سطوته، فاحتالت لابنها فسملت عينيه‏[2]، فبطل منه الملك و عاد إليها، فاستنكر ذلك أهل المملكة و أبغضوها من أجله، فخرج عليها نقفور و كان كاتبها، فأعانوه و عضّدوه، و قام بأمر الملك و ضبط أمر الرّوم، فلمّا قوي على أمره و تمكّن من ملكه كتب إلى الرّشيد:

كتاب نقفور إلى الرشيد

«من نقفور ملك الرّوم إلى الرّشيد ملك العرب، أما بعد؛ فإنّ هذه المرأة كانت وضعتك و أباك و أخاك موضع [1]ف: «... بقي في زمانها من أهل بيتها... الخ» .

[2]سملت عينيه: فقأتهما بحديدة محماة.

416

الملوك، و وضعت نفسها موضع السّوقة، و إني واضعك بغير ذلك الموضع، و عامل على تطرّق‏[1]بلادك و الهجوم على أمصارك، أو تؤدّي إليّ ما كانت المرأة تؤدّي إليك، و السّلام» .

رد الرشيد عليه‏

فلمّا ورد كتابه على الرّشيد كتب إليه:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم-من عبد اللّه هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الرّوم، /أما بعد، فقد فهمت كتابك، و جوابك عندي ما تراه عيانا لا ما تسمعه» . ثم شخص من شهره ذلك يؤمّ بلاد الرّوم في جمع لم يسمع بمثله، و قوّاد لا يجارون نجدة و رأيا، فلما بلغ ذلك نقفور ضاقت عليه الأرض بما رحبت، و شاور في أمره.

أبو العتاهية يذكر هزيمة نقفور و يمدح الرشيد

و جدّ الرّشيد يتوغّل في بلاد الروم فيقتل و يغنم و يسبي، و يخرّب الحصون و يعفّي الآثار حتى صار إلى طرق متضايقة دون قسطنطينيّة، فلما بلغها وجدها و قد أمر نقفور بالشّجر فقطع و رمي به في تلك الطّرق، و ألقيت فيه النّار، فكان أوّل من لبس ثياب النفّاطين محمد بن يزيد بن مزيد، فخاضها، ثم اتّبعه الناس، فبعث إليه نقفور بالهدايا و خضع له أشدّ الخضوع، و أدّى إليه الجزية عن رأسه فضلا عن أصحابه فقال في ذلك أبو العتاهية:

إمام الهدى أصبحت بالدّين معنيّا # و أصبحت تسقي كلّ مستمطر ريّا

لك اسمان شقّا من رشاد و من هدى # فأنت الذي تدعى رشيدا و مهديّا

إذا ما سخطت الشي‏ء كان مسخطا # و إن ترض شيئا كان في النّاس مرضيّا

بسطت لنا شرقا و غربا يد العلا # فأوسعت شرقيّا و أوسعت غربيّا

و وشّيت وجه الأرض بالجود و النّدى # فأصبح وجه الأرض بالجود موشيّا

و أنت-أمير المؤمنين-فتى التقى # نشرت من الإ «حسان ما كان مطويّا

قضى اللّه أن يبقى لهارون ملكه # و كان قضاء اللّه في الخلق مقضيّا

تجلّلت الدّنيا لهارون ذي الرّضا[2] # و أصبح نقفور لهارون ذمّيّا

شاعر من أهل جدّة يعلم الرشيد بغدر نقفور

فرجع الرشيد-لمّا أعطاه نقفور ما أعطاه-إلى الرّقّة، فلما سقط الثّلج و أمن نقفور أن يغزى اغترّ بالمهلة، و نقض ما بينه و بين الرشيد، و رجع إلى حالته الأولى، فلم يجتزئ يحيى بن خالد-فضلا عن غيره-على إخبار الرّشيد بغدر نقفور، فبذل هو و بنوه الأموال للشّعراء على أن يقولوا أشعارا في إعلام الرّشيد بذلك، فكلّهم كعّ‏[3] و أشفق إلا شاعرا من أهل جدّة كان يكنى أبا محمد، /و كان مجيدا قويّ النّفس قويّ الشّعر، و كان ذو اليمينين اختصّه في أيّام المأمون و رفع قدره جدّا، فإنّه أخذ من يحيى و بنيه مائة ألف درهم، و دخل على الرّشيد فأنشده:

[1]و عامل على تطرق بلادك، أي على السير إليها.

[2]في «التجريد» :

«تحليت للدنيا و للدين بالرضا»

.

[3]كع: جبن.

417

نقض الذي أعطاكه‏[1]نقفور # فعليه دائرة البوار تدور

أبشر أمير المؤمنين فإنّه # فتح أتاك به الإله كبير

فلقد تباشرت الرّعيّة أن أتى # بالنّقض‏[2]عنه وافد و بشير

و رجت بيمنك‏[3]أن تعجّل غزوة # تشفي النّفوس نكالها مذكور

أعطاك جزيته و طأطأ خدّه # حذر الصّوارم و الرّدى محذور

فأجرته من وقعها و كأنّها # بأكفّنا شعل الضّرام تطير

و صرفت في‏[4]طول العساكر قافلا # عنه و جارك آمن مسرور

نقفور إنّك حين تغدر أن نأى # عنك الإمام لجاهل مغرور

أ ظننت حين غدرت أنك مفلت # هبلتك أمّك ما ظننت غرور

/ألقاك حينك في زواخر بحره # فطمت عليك من الإمام بحور

إنّ الإمام على اقتسارك قادر # قربت ديارك أو نأت بك دور

ليس الإمام و إن غفلنا غافلا # عما يسوس بحزمه و يدير

ملك تجرّد للجهاد بنفسه # فعدوّه أبدا به مقهور

يا من يريد رضا الإله بسعيه # و اللّه لا يخفى عليه ضمير

لا نصح ينفع من يغشّ إمامه # و النّصح من نصحائه مشكور

/نصح الإمام على الأنام فريضة # و لأهله كفّارة و طهور

فتح هرقلة

قال: فلما أنشده، قال الرّشيد: أو قد فعل!و علم أن الوزراء احتالوا في إعلامه ذلك فغزاه في بقيّة من الثلج، فاقتتح هرقلة في ذلك الوقت، فقال أبو العتاهية في فتحه إياها:

أ لا نادت هرقلة بالخراب # من الملك الموفّق للصّواب‏[5]

غدا هارون يرعد بالمنايا # و يبرق بالمذكّرة القضاب‏[6]

و رايات يحلّ النّصر فيها # تمرّ كأنّها قطع السّحاب

أمير المؤمنين ظفرت فاسلم # و أبشر بالغنيمة و الإياب‏

قال محمد[7]: و جعل الرشيد قبل وصوله إلى هرقلة يفتح المدن و الحصون و يخرّبها، حتى أناخ على هرقلة و هي أوثق حصن و أعزّه جانبا و أمنعه ركنا، فتحصّن أهلها، و كان بابها يطل على واد، و لها خندق يطيف بها، [1]ف: «أعطيته» .

[2]ب: «بالنقد» .

[3]ب، «التجريد» : «و رجت يمينك» .

[4]ف: «من طول» .

[5]في «التجريد» : «الموثق بالصواب» .

[6]المذكرة القضاب: الداهية الشديدة القاطعة.

[7]ف: «قال محمد بن يزيد» .

418

فحدّثني شيخ من مشايخ المطّوّعة و ملازمي الثّغور يقال له عليّ بن عبد اللّه، قال: حدّثني جماعة أنّ الرّشيد لما حصر أهل هرقلة و غمهم و ألحّ بالمجانيق و السهام و العرّادات‏[1]فتح الباب‏[2]فاستشرف المسلمون لذلك‏[2]فإذا برجل من أهلها كأكمل‏[3]الرّجال قد خرج في أكمل السلاح، فنادى: قد طالت مواقعتكم إيانا فليبرز إليّ منكم رجلان، ثم لم يزل يزيد حتى بلغ عشرين رجلا، فلم يجبه أحد، فدخل و أغلق باب الحصن و كان الرّشيد نائما فلم يعلم بخبره، إلا بعد انصرافه، فغضب و لام خدمه و غلمانه على تركهم إنباهه، و تأسف لفوته، فقيل له: إنّ امتناع الناس منه سيغويه و يطغيه، و أحر به أن يخرج في غد فيطلب مثل/ما طلب، فطالت على الرّشيد ليلته و أصبح كالمنتظر له، ثم إذا هو بالباب قد فتح و خرج طالبا للمبارزة، و ذلك في يوم شديد الحرّ، و جعل يدعو بأنه يثبت لعشرين منهم، فقال الرّشيد: من له؟فابتدره جلّة القوّاد كهرثمة، و يزيد بن مزيد، و عبد اللّه بن مالك، و خزيمة بن حازم، و أخيه عبد اللّه، و داود بن يزيد، و أخيه، فعزم على إخراج بعضهم، فضجّت المطّوّعة حتى سمع ضجيجهم، فأذن لعشرين منهم، فاستأذنوه في المشورة فأذن لهم، فقال قائلهم: يا أمير المؤمنين، قوّادك مشهورون بالبأس و النّجدة و علوّ الصوت و مداوسة[4]الحروب، و متى خرج واحد منهم فقتل هذا العلج‏[5]لم يكبر ذلك، و إن قتله العلج كانت وضيعة[6]على العسكر عجيبة و ثلمة لا تسدّ، و نحن عامّة لم يرتفع لأحد منا صوت إلا كما يصلح للعامّة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخلّينا نختار رجلا فنخرجه إليه، فإن ظفر علم أهل الحصن/أنّ أمير المؤمنين قد ظفر بأعزّهم على يد رجل من العامّة، و من أفناء الناس ليس ممن يوهن قتله و لا يؤثّر، و إن قتل الرّجل فإنما استشهد رجل و لم يؤثّر ذهابه في العسكر و لم يثلمه، و خرج إليه رجل بعده مثله حتى يقضي اللّه ما شاء[7]، قال الرّشيد: قد استصوبت رأيكم هذا. فاختاروا رجلا منهم يعرف بابن الجزريّ، و كان معروفا في الثّغر بالبأس و النجدة، فقال الرشيد: أ تخرج؟قال: نعم، و أستعين اللّه، فقال: أعطوه فرسا و رمحا و سيفا و ترسا، فقال: يا أمير المؤمنين!أنا بفرسي أوثق، و رمحي بيدي أشدّ[8]، و لكني قد قبلت السيف و التّرس، فلبس سلاحه و استدناه الرّشيد فودّعه، و استتبعه‏[9]الدّعاء، و خرج معه عشرون رجلا من المطّوّعة، فلما انقضّ في الوادي قال لهم العلج و هو يعدّهم واحدا واحدا: إنما كان الشّرط عشرين و قد زدتم رجلا، و لكن لا بأس، فنادوه: ليس يخرج إليك منا إلا رجل واحد، فلما فصل/منهم ابن الجزريّ تأمّله الرّوميّ و قد أشرف أكثر الرّوم من الحصن يتأمّلون صاحبهم و القرن حتى ظنّوا أنه لم يبق في الحصن أحد إلا أشرف، فقال الرّوميّ: أ تصدقني، عما أستخبرك‏[10]؟قال: نعم، فقال:

أنت باللّه ابن الجزري؟قال: اللهم نعم، فكفّر له‏[11]، ثم أخذ في شأنهما فاطّعنا حتى طال الأمر بينهما، و كاد [1]العرادات: جمع عرادة، و هي آلة من آلات الحرب؛ منجنيق صغير.

(2-2) زيادة من ف.

[3]ف: «كأجمل الرجال» .

[4]مداوسة الحروب: المران عليها و تذليلها. و في ف: «مدارسة» .

[5]العلج: الرجل الضخم من كفار العجم.

[6]الوضيعة: الحطيطة. و في ف: «كانت وصمة على العسكر قبيحة» .

[7]ب: «يمضي إليه ما شاء» .

[8]ف: «أسد» .

[9]ف: «و أتبعه» .

[10]في مد: «فيما أستخبرك» . و في ب: «عم استنخبوك» .

[11]كفر له: انحنى و وضع يده على صدره و طأطأ رأسه كالركوع تعظيما له.

419

الفرسان أن يقوما[1]و ليس يخدش واحد منهما صاحبه، ثم تحاجزا[2]بشي‏ء، فزجّ كلّ واحد منهما برمحه، و أصلت سيفه، فتجالدا مليّا، و اشتدّ الحرّ عليهما، و تبلّد الفرسان، و جعل ابن الجزريّ يضرب الرّوميّ الضربة التي يرى أنه قد بلغ فيها فيتقيها الروميّ، و كان ترسه حديدا؛ فيسمع لذلك صوت منكر، و يضربه الرّوميّ ضرب معذّر؛ لأن ترس ابن الجزريّ كان درقة، فكان العلج يخاف أن يعضّ بالسّيف فيعطب، فلما يئس من وصول كل واحد منهما إلى صاحبه انهزم ابن الجزريّ؛ فدخلت المسلمين كآبة لم يكتئبوا مثلها قطّ، و عطعط[3]المشركون اختيالا و تطاولا، و إنما كانت هزيمته حيلة منه؛ فأتبعه العلج، و تمكّن منه ابن الجزريّ فرماه بوهق‏[4]فوقع في عنقه و ما أخطأه، و ركض فاستلّه عن فرسه، ثم عطف عليه فما وصل إلى الأرض حيّا حتى فارقه رأسه، فكبّر المسلمون أعلى تكبير، و انخذل المشركون و بادروا الباب يغلقونه، و اتصل الخبر بالرّشيد فصاحب القوّاد: اجعلوا النار في المجانيق و ارموها فليس عند القوم دفع، ففعلوا و جعلوا الكتّان و النّفط على الحجارة و أضرموا فيها النار و رموا بها السور، فكانت النار تلصق به و تأخذ الحجارة، و قد تصدّع فتهافتت، فلما أحاطت بها النيران فتحوا الباب مستأمنين و مستقبلين، فقال الشاعر المكّيّ الذي كان ينزل جدّة:

صوت‏

هوت هرقلة لمّا أن رأت عجبا # حوائما[5]ترتمي بالنّفط و النّار

كأنّ نيراننا في جنب قلعتهم # مصبّغات على أرسان قصّار

في هذين البيتين لابن جامع لحن من الثقيل الأوّل بالبنصر.

قال محمد بن يزيد: و هذا كلام ضعيف لين، و لكنّ قدره عظيم في ذلك الموضع و الوقت، و غنّى فيه المغنّون بعد ذلك. /و أعظم الرّشيد الجائزة للجدّيّ الشاعر، و صبّت الأموال على ابن الجزريّ و قوّد، فلم يقبل التّقويد إلا بغير رزق و لا عوض، و سأل أن يعفى و ينزل بمكانه من الثّغر، فلم يزل به طول عمره.

ابن جامع يغني الرشيد بهرقلة

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثنا أحمد بن عليّ بن أبي نعيم المروزيّ قال:

خرج الرّشيد غازيا بلاد الرّوم فنزل بهرقلة، فدخل عليه ابن جامع فغنّاه:

هوت هرقلة لمّا أن رأت عجبا # حوائما ترتمي بالنّفط و النّار

فنظر الرشيد إلى ماشية قد جي‏ء بها، فظنّ أن الطاغية قد أتاه، فخرج يركض على فرس له و في يده الرّمح، و تبعه الناس، فلما تبيّن له أنها ماشية رجعوا، فغنّاه ابن جامع:

[1]ف: «و كاد الفرسان يقومان» .

[2]ف: «ثم تحاورا بشي‏ء» .

[3]العطعطة: تتابع الأصوات و اختلاطها.

[4]الوهق: الحبل في طرفيه أنشوطة يطرح في عنق الدابة و الإنسان.

[5]في «التجريد» : «جواثما» .

420
صوت‏

رأى في السّما رهجا[1]فيمم نحوه # يجرّ ردينيّا و للرّهج يستقري

تناولت أطراف البلاد بقدرة # كأنّك فيها تقتفي أثر الخضر

/الغناء لابن جامع ثاني ثقيل عن بذل و ابن المكّيّ.

أشجع يهنئ الرشيد بفتح هرقلة

أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعيّ، قال: حدثني الفضل بن محمد اليزيديّ، عن إسحاق الموصليّ، قال:

لما انصرف الرشيد من غزاة هرقلة قدم الرّقّة في آخر شهر رمضان، فلما عيّد جلس للشعراء، فدخلوا عليه و فيهم أشجع، فبدرهم و أنشأ يقول:

لا زلت تنشر أعيادا و تطويها # تمضي بها لك أيام و تثنيها

مستقبلا زينة الدّنيا و بهجتها # أيامنا لك لا تفنى و تفنيها[2]

و لا تقضّت بك الدّنيا و لا برحت # يطوي لك الدّهر أياما و تطويها

و ليهنك الفتح و الأيّام مقبلة # إليك بالنصر معقودا نواصيها[3]

أمست هرقلة تهوي‏[4]من جوانبها # و ناصر اللّه و الإسلام يرميها

ملّكتها و قتلت النّاكثين بها # بنصر من يملك الدّنيا و ما فيها

ما روعي الدّين و الدّنيا على قدم # بمثل هارون راعيه و راعيها

قال: فأمر له بألف دينار، و قال: لا ينشدني أحد بعده، فقال أشجع: و اللّه لآمره بألاّ ينشده أحد بعدي أحبّ إليّ من صلته.

حدثني أحمد بن وصيف، و محمد بن يحيى الصّوليّ، قالا: حدثنا محمد بن موسى بن حماد، قال: حدّثني عبد اللّه بن عمرو الوراق، قال: حدّثني أحمد بن محمد بن منصور بن زياد، عن أبيه، قال:

/دخل أشجع على الرّشيد ثاني يوم الفطر فأنشده:

صوت‏

استقبل العيد بعمر جديد # مدّت لك الأيّام حبل الخلود

[1]الرهج: الغبار أو ما أثير منه.

[2]جاء في ف بيتان مكان هذا البيت و هما:

مستقبلا بهجة و زينتها # أيامها لك نظم في لياليها

العيد و العيد و الأيام بينهما # موصولة لك لا تفنى و تقنيها

و البيتان أيضا في «الشعر و الشعراء» لابن قتيبة 2/884 مع خلاف في بعض الألفاظ.

[3]في «الشعر و الشعراء» 2/884:

«و ليهنك النصر... # إليك بالفتح... »

.

[4] «التجريد» :

«ترمي من جوانبها»

.

421

مصعّدا في درجات العلا # نجمك مقرون بسعد السّعود

و اطو رداء الشّمس ما أطلعت # نورا جديدا كلّ يوم جديد

تمضي لك الأيام ذا غبطة # إذا أتى عيد طوى عمر عيد

/فوصله بعشرة آلاف درهم، و أمر أن يغنّى في هذه الأبيات.

يصف فتح طبرستان و يمدح الرشيد

أخبرني محمد بن جعفر النّحويّ، قال: حدثنا محمد بن موسى بن حمّاد، قال: حدثني أبو عبد اللّه النّخعيّ، قال:

دخل أشجع على الرشيد فأنشده قوله:

أبت طبرستان غير الذي # صدعت به بين أعضائها

ضممت مناكبها ضمّة # رمتك بما بين أحشائها

سموت إليها بمثل السّماء # تدلّى الصّواعق في مائها

فلمّا نظرت إلى جرحها # وضعت الدّواء على دائها

فرشت الجهاد ظهور الجياد[1] # بأبنائه و بأبنائها

بنفسك ترميهم و الخيول # كرمي العقاب بأفلائها[2]

نظرت برأيك لمّا هممـ # ت دون الرّجال و آرائها

قال: فأمر له بألف دينار.

يمدح الرشيد بعد قدومه من الحج و قد مطر الناس‏

أخبرني محمد بن جعفر، قال: حدّثنا محمد بن موسى، قال: حدثني أبو عمرو الباهليّ البصريّ قال:

دخل أشجع بن عمرو السّلميّ على هارون الرّشيد حين قدم من الحجّ، و قد مطر الناس يوم قدومه، فأنشده يقول:

إنّ يمن الإمام لمّا أتانا # جلب الغيث من متون الغمام

فابتسام النّبات في أثر الغيـ # ث بنوّاره كسرج‏[3]الظّلام

ملك من مخافة اللّه مغض # و هو مغضى له من الإعظام

ألف الحجّ و الجهاد فما ينـ # فكّ من سفرتين في كلّ عام

سفر للجهاد نحو عدوّ # و المطايا لسفرة الإحرام

طلب اللّه فهو يسعى إليه # بالمطايا و بالجياد السّوامي

فيداه يد بمكّة تدعو # ه و أخرى في دعوة[4]الإسلام‏

[1]في الأساس: فرشته أمري: بسطته له كله.

[2]الفلاة: الصحراء الواسعة، و جمعها فلى، و جمع الجمع أفلاء. و في ف: «بأفنائها» بدل «بأفلائها» .

[3]السرج: جمع سراج: المصباح.

[4]في ف، بيروت: «غزوة» .

422

يذكر حفر نهر و يمدح الرشيد

أخبرني محمد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن موسى بن حمّاد، قال: أخبرني أبو عبد اللّه النّخعيّ، قال:

أمر الرّشيد بحفر نهر لبعض أهل السّواد، و قد كان خرب و بطل ما عليه، فقال أشجع السّلميّ يمدحه:

أجرى الإمام الرّشيد نهرا # عاش بعمرانه الموات

جاد عليه بريق فيه # و سرّ مكنونه الفرات

ألقمه درّة لقوحا # يرضع أخلافها النّبات‏[1]

حلم الرشيد حلما مزعجا و مات بعده فرثاه أشجع‏

أخبرني جحظة، قال: حدّثني ميمون بن هارون، قال:

/رأى الرّشيد فيما يرى النّائم كأنّ امرأة وقفت عليه و أخذت كفّ تراب ثم قالت له: هذه تربتك عن قليل، فأصبح فزعا، و قصّ رؤياه، فقال له أصحابه: و ما هذا؟قد يرى النّاس أكثر ممّا رأيت و أغلظ ثم لا يضرّ. فركب و قال: و اللّه إنّي لأرى الأمر قد قرب، فبينا هو يسير إذ نظر إلى امرأة واقفة من وراء شبّاك حديد تنظر إليه، فقال:

هذه و اللّه المرأة التي رأيتها، و لو رأيتها بين ألف امرأة[2]ما خفيت عليّ، /ثم أمرها أن تأخذ كفّ تراب فتدفعه إليه، فضربت بيدها إلى الأرض التي كانت عليها فأعطته منها كفّ تراب، فبكى ثم قال: هذه و اللّه التّربة التي أريتها، و هذه المرأة بعينها. ثم مات بعد مدّة، فدفن في ذلك الموضع بعينه، اشتري له و دفن فيه، و أتى نعيه بغداد، فقال أشجع يرثيه:

غربت بالمشرق الشّمس فقل للعين تدمع

ما رأينا قطّ شمسا # غربت من حيق تطلع‏

يتغزل في جارية حرب الثقفي و يذمه‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا محمد بن موسى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدثني محمد بن عبد اللّه بن مالك، قال:

كان حرب بن عمرو الثّقفيّ نخّاسا، و كانت له جارية مغنّية، و كان الشعراء و الكتّاب و أهل الأدب ببغداد يختلفون إليها يسمعونها، و ينفقون في منزله النّفقات الواسعة، و يبرّونه و يهدون إليه، فقال أشجع:

جارية تهتزّ أرادفها # مشبعة الخلخال و القلب‏[3]

أشكو الذي لاقيت من حبّها # و بغض مولاها إلى الرّبّ

من بغض مولاها و من حبّها # سقمت بين البغض و الحبّ

/فاختلجا في الصدر حتى استوى # أمرهما فاقتسما قلبي

تعجّل اللّه شفائي بها # و عجّل السّقم إلى حرب‏

[1]في ب، مد: «أخلافه» . و الدّرّة: اللّبن أو كثرته، و الأخلاف جمع خلف: حلمة ضرع الناقة.

[2]في ب، مد، ما: «و لو رأيتها ألف مرة ما خفيت» !.

[3]القلب: سوار المرأة. ـ

423

[1]قال مؤلف هذا الكتاب: فأخذ هذا المعنى بعض المحدثين من أهل عصرنا، فقال في مغنّية تعرف بالشّاة:

بحبّ الشّاة ذبت ضنى # و طال لزوجها مقتي

فلو أنّي ملكتهما # لأسعد في الهوى بختي

فأدخل في استها أيري # و لحية زوجها في استي‏[1]

يهنئ يحيى بن خالد بسلامته من المرض‏

أخبرني أبو الحسن الأسديّ، قال: حدثنا سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثني صالح بن سليمان، قال:

اعتلّ يحيى بن خالد ثم عوفي، فدخل النّاس يهنّئونه بالسّلامة، و دخل أشجع فأنشده:

لقد قرعت شكاة أبي عليّ # قلوب معاشر كانوا صحاحا[2]

فإن يدفع لنا الرّحمن عنه # صروف الدّهر و الأجل المتاحا

فقد أمسى صلاح أبي عليّ # لأهل الدّين و الدّنيا صلاحا[3]

إذا ما الموت أخطأه فلسنا # نبالي الموت حيث غدا و راحا

قال: فما أذن يومئذ لأحد سواه في الإنشاء لاختصاص البرامكة إيّاه.

يعود علي بن شبرمة في مرضه‏

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثنا محمد بن عمران‏[4]الضّبّيّ، قال: سمعت محمد بن أبي مالك الغنويّ، يقول:

/دخل أشجع السّلميّ على عليّ بن شبرمة يعوده، فأنشأ يقول:

إذا مرض القاضي مرضنا بأسرنا # و إن صحّ لم يسمع لنا بمريض

/فأصبحت-لمّا اعتلّ يوما-كطائر # سما بجناح للنهوض مهيض‏

قال: فشكره ابن شبرمة و حمله على بغلة كانت له.

منعه حاجب أبان بن الوليد من الدخول عليه فهجاه‏

أخبرني الحسن، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني محمد بن عمران، قال: سمعت محمد بن أبي مالك يقول:

جاء أشجع ليدخل على أبان بن الوليد البجليّ، فمنعه حاجبه، و انتهره غلمانه، فقال فيه:

ألا أيّها المشلي‏[5]عليّ كلابه # و لي-غير أن لم أشلهنّ-كلاب

رويدك لا تعجل عليّ فقد جرى # بخزيك‏[6]ظبي أعضب و غراب‏

(1-1) ساقط من ف.

[2]في «الشعر و الشعراء» :

«... كانت صحاحا»

.

[3]في «الشعر و الشعراء» :

«لأهل الأرض كلهم صلاحا»

.

[4]ب: «عبدان» .

[5]المشلي: المغري.

[6]ب، مد: «بجريك» ، و ظبي أعضب: انكسر قرنه.

424

علام تسدّ الباب و السّرّ قد فشا # و قد كنت محجوبا و مالك باب

فلو كنت ممّن يشرب الخمر سادرا # إذا لم يكن دوني عليك حجاب

و لكنّه يمضي لي الحول كاملا # و ما لي إلاّ الأبيضين‏[1]شراب

من الماء أو من شخب دهماء ثرّة[2] # لها حالب لا يشتكي و حلاب‏

مر بقبري الوليد بن عقبة و أبي زبيد الطائي فقال شعرا

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة، قال: حدّثني ميمون بن هارون، قال: حدّثنا عليّ بن الجهم، قال: حدثني ابن أشجع السّلميّ، قال:

لما مرّ أبي و عمّاي أحمد و يزيد-و قد شربوا حتى انتشوا-بقبر الوليد بن عقبة و إلى جانبه قبر أبي زبيد الطّائيّ -و كان نصرانيّا-و القبران مختلفان كلّ واحد منهما متوجّه إلى قبلة ملّته، و كان أبو زبيد أوصى لمّا احتضر أن يدفن إلى جنب/الوليد بالبليخ قال: فوقفوا على القبرين، و جعلوا يتحدّثون بأخبارهما و يتذاكرون أحاديثهما، فأنشأ أبي يقول:

مررت على عظام أبي زبيد # و قد لاحت ببلقعة صلود

و كان له الوليد نديم صدق # فنادم قبره قبر الوليد

أنيسا ألفة ذهبت فأمست # عظامهما تآنس‏[3]بالصّعيد

و ما أدري بمن تبدا المنايا # بأحمد أو بأشجع أو يزيد

قال: فماتوا و اللّه كما رتّبهم في الشّعر، أولهم أحمد، ثم أشجع، ثم يزيد.

صوت‏

حيّ ذا الزّور و انهه أن يعودا # إنّ بالباب حارسين قعودا

من أساوير ما ينون‏[4]قياما # و خلاخيل تذهل المولودا

لا ذعرت السّوام في فلق الصّبح مغيرا و لا دعيت يزيدا

يوم أعطي مخافة الموت ضيما[5] # و المنايا يرصدنني أن أحيدا

الشّعر ليزيد بن ربيعة بن مفرّغ الحميريّ، و الغناء لسياط خفيف رمل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق، و ذكر أحمد بن المكيّ أنه لأبيه يحيى، و ذكر الهشاميّ أنّه لفليح. قال: و من هذا الصوت سرق لحن:

تلك عرسي تلومني في التّصابي‏

[1]الأبيضان: اللبن و الماء.

[2]الثرة: الغزيرة. و شخب اللبن: حلبه. و الدهماء: الخالصة الحمرة.

[3]في ف: «تأنس» .

[4]ب:

«ماكثات قياما»

.

[5] «التجريد» :

«يوم أعطى مخافة الموت ظلما»

. و في «الشعر و الشعراء» :

«يوم أعطى من المخافة ضيما»

.

425

18-أخبار ابن مفرغ و نسبه‏

نسبه و سبب تلقيب جده مفرغا

هو يزيد بن ربيعة بن مفرّغ‏[1]، و لقّب جدّه مفرّغا لأنه راهن على سقاء لبن أن يشربه كلّه فشربه كله/حتّى فرّغه، فلقب مفرّغا، و يكنى أبا عثمان، و هو من حمير فيما يزعم أهله، و ذكر ابن الكلبيّ و أبو عبيدة أن مفرّغا كان شعّابا بتبالة[2]، فادّعى أنّه من حمير. و قال عليّ بن محمد النّوفليّ: ليس أحد بالبصرة من حمير إلاّ آل الحجّاج بن ناب الحميريّ و بيتا آخر ذكره، و دفع بيت ابن مفرّغ.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: أخبرني أحمد بن الهيثم القرشيّ‏[3]، قال: أخبرني العمريّ، عن لقيط بن بكر المحاربيّ، قال:

هو يزيد بن ربيعة بن مفرّغ الحميريّ حليف قريش، ثم حليف آل خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة بن عبد شمس. قال العمريّ: و كان ابن المكيّ يقول: كان مفرّغ عبدا للضّحاك بن عبد عوف الهلاليّ فأنعم عليه.

قال محمد بن خلف: أخبرني محمد بن عبد الرّحمن الأسديّ، عن محمّد بن رزين، قال: قال الأخفش:

كان ربيعة بن مفرّغ شعّابا بالمدينة و كان ينسب إلى حمير، و إنما سمّي مفرّغا لتفريغه العسّ‏[4]و كان شاعرا غزلا محسنا، و السيّد[5]من ولده.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني أبو العيناء قال:

/سئل الأصمعيّ عن شعر تبّع و قصّته و من وضعهما، فقال: ابن مفرّغ؛ و ذلك أنّ يزيد بن معاوية لمّا سيّره إلى الشّام و تخلّصه من عبّاد بن زياد أنزله الجزيرة، و كان مقيما برأس عين، و زعم أنّه من حمير، و وضع سيرة تبّع و أشعاره، و كان النّمر بن قاسط يدّعي أنّه منهم.

و قال الهيثم بن عديّ: هو يزيد بن زياد بن ربيعة بن مفرّغ اليحصبيّ، من حمير، يحصب بن مالك بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عديّ بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم‏[6]بن عبد [1]في «معجم الأدباء» 20/43: «يزيد بن زياد بن ربيعة المعروف بابن مفرغ» بضم الميم و كسر الراء من غير تشديد.

و جاء في كتاب «الوفيات» 5/384: «و أكثر العلماء يقولون: يزيد بن ربيعة بن مفرغ و يسقطون زيادا» . و في «الخزانة» 2/212:

و «مفرغ بكسر الراء المشدودة لقب جده» .

[2]الشعاب: من يصلح الصدوع. و تبالة: موضع ببلاد اليمن. و في «الوفيات» أن مفرغا كان حدادا.

[3]ب: «القرظي» .

[4]ف: «و إنما سمي مفرغا لأنه خاطر على عس لبن فشربه، فسمي مفرغا لتفريغه العس» .

[5]يريد السيد الحميري الشاعر.

[6]ب: «خيثم» .

426

شمس بن وائل بن الغوث بن الهميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

أخبرني بخبره جماعة من مشايخنا، منهم أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، عن عمر بن شبّة و محمد بن خلف بن المرزبان، عن جماعة من أصحابه، و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، عن عليّ بن محمد النّوفليّ، عن أبيه، فما اتّفقت رواياتهم من خبره جمعتها في ذكره، و ما اختلفت أفردت كلّ منفرد منهم بروايته.

سفره مع عباد بن زياد و وصية سعيد بن عثمان‏

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدّثنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، عن مسلمة بن محارب، و أخبرني الجوهريّ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، و أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ، قال: قرأت على محمد بن الحسن بن دريد[1]عن ابن الأعرابيّ، و أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثنا أحمد بن الهيثم قال: حدثنا العمريّ، عن لقيظ بن بكير، قالوا جميعا:

/لمّا ولي سعيد بن عثمان بن عفان خراسان، استصحب يزيد بن ربيعة بن مفرّغ، و اجتهد به أن يصحبه، فأبى عليه و صحب عبّاد بن زياد، فقال له سعيد بن عثمان: أما إذ أبيت أن تصحبني و آثرت عبّادا فاحفظ ما أوصيك به، إن عبّادا رجل لئيم، فإيّاك و الدّالّة[2]عليه، و إن دعاك إليها من نفسه فإنها خدعة منه لك عن نفسك، و أقلل زيارته، فإنّه طرف‏[3]ملول، و لا تفاخره و إن فاخرك، فإنّه لا يحتمل لك ما كنت أحتمله. ثمّ دعا سعيد بمال فدفعه إلى ابن مفرّغ، و قال: استعن به على سفرك، فإن صلح لك مكانك من عبّاد و إلا فمكانك عندي ممهّد فائتني، ثم سار سعيد إلى خراسان، و تخلّف ابن مفرّغ عنه، و خرج مع عبّاد.

قال ابن دريد في خبره، /عن مسلمة[4]بن محارب:

فلما بلغ عبيد اللّه بن زياد صحبة ابن مفرّغ أخاه عبّادا شق عليه، فلما سار أخوه عبّاد شيّعه و شيّع الناس معه، و جعلوا يودّعونه و يودّع الخارجون مع عبّاد عبيد اللّه بن زياد، فلما أراد عبيد اللّه أن يودع أخاه دعا ابن مفرّغ، فقال له:

إنك سألت عبّادا أن تصحبه و أجابك إلى ذلك، و قد شقّ عليّ، فقال له ابن مفرّغ: و لم أصلحك اللّه؟قال:

لأن الشاعر لا يقنعه من الناس ما يقنع بعضهم من بعض؛ لأنه يظن فيجعل الظنّ يقينا، و لا يعذر في موضع العذر، و إن عبّادا يقدم على أرض حرب فيشتغل بحروبه و خراجه عنك، فلا تعذره أنت، و تكسبنا شرّا و عارا، فقال له:

/لست كما ظنّ الأمير، و إنّ لمعروفه عندي لشكرا كثيرا، و إنّ عندي-إن أغفل أمري-عذرا ممهّدا، قال:

لا، و لكن تضمن لي إن أبطأ عنك ما تحبّه إلاّ تعجل عليه حتى تكتب إليّ، قال: نعم، قال: امض إذا على الطائر الميمون. قال: فقدم عبّاد خراسان، و اشتغل بحربه و خراجه، فاستبطأه ابن مفرّغ و لم يكتب إلى عبيد اللّه بن زياد يشكوه كما ضمن له، و لكنه بسط لسانه فذمّه و هجاه.

يهجو عبادا ببيت من الشعر

و كان عبّاد عظيم اللّحية كأنها جوالق، فسار يزيد بن مفرّغ يوما مع عبّاد، فدخلت الريح فنفشتها، فضحك [1]ف: «محمد بن الحسن الأحون» .

[2]ب: «الدلالة» .

[3]الطرف: من لا يثبت على صاحب.

[4]ف: «عن مسلم بن محارب» .

427

ابن مفرّغ، و قال لرجل من لخم كان إلى جنبه قوله:

ألا ليت اللّحى كانت حشيشا # فنعلفها خيول المسلمينا[1]

فسعى به اللّخميّ إلى عبّاد، فغضب من ذلك غضبا شديدا، و قال: لا يجمل بي عقوبته في هذه الساعة[2]مع الصحبة لي، و ما أؤخّرها إلا لأشفي نفسي منه لأنه كان يقوم فيشتم أبي في عدّة مواطن، و بلغ الخبر ابن مفرّغ فقال:

إني لأجد ريح الموت من عبّاد.

يطلب من عباد الإذن في الرجوع‏

ثم دخل عليه فقال له: أيّها الأمير، إني كنت مع سعيد بن عثمان، و قد بلغك رأيه فيّ، و رأيت جميل أثره عليّ، و إنّي اخترتك عليه، فلم أحظ منك بطائل‏[3]، و أريد أن تأذن لي في الرّجوع، فلا حاجة لي في صحبتك، فقال له: أمّا اختيارك إيّاي فإني اخترتك كما اخترتني، و استصحبتك حين سألتني، و قد أعجلتني عن/بلوغ محبّتي فيك، و قد طلبت الإذن‏[4]لترجع إلى قومك، فتفضحني فيهم‏[5]، و أنت على الإذن قادر بعد أن أقضي حقّك، فأقام. و بلغ عبّادا أنه يسبّه و يذكره و ينال من عرضه، و أجرى عبّاد الخيل فجاء سابقا، فقال ابن مفرّغ:

سبق عبّاد و صلّت‏[6]لحيته‏

عباد يحبسه بدين عليه و يبيعه الأراكة و بردا

و طلب عليه العلل، و دسّ إلى قوم كان لهم عليه دين، فأمرهم أن يقدموه إليه، ففعلوا، فحبسه و أضرّ به، فبعث إليه أن بعني الأراكة و بردا، و كانت الأراكة قينة لابن مفرّغ. و برد غلامه، ربّاهما و كان شديد الضّنّ بهما، فبعث إليه ابن مفرّغ مع الرّسول: أ يبيع المرء نفسه أو ولده؟فأضرّ به عبّاد حتى أخذهما منه. هذه رواية مسلمة.

و أمّا لقيط و عمر بن شبّة فإنهما ذكرا أنه باعهما عليه، فاشتراهما رجل من أهل خراسان. قال لقيط: فلمّا دخلا منزله قال له برد، و كان داهية أريبا: أ تدري ما اشتريت؟قال: نعم، اشتريتك و هذه الجارية. قال: لا و اللّه ما اشتريت إلاّ العار و الدّمار و الفضيحة أبدا ما حييت، فجزع الرجل و قال له: كيف ذلك؟ويلك!قال: نحن ليزيد بن ربيعة بن مفرّغ، و اللّه ما أصاره إلى هذه الحال إلا لسانه و شرّه، أ فتراه يهجو/ابن زياد-و هو أمير خراسان، و أخوه أمير العراقين، و عمّه الخليفة-في أن استبطأه و يمسك عنك، و قد ابتعتني و ابتعت هذه الجارية و هي نفسه التي بين جنبيه؟و اللّه ما أرى أحدا أدخل بيته أشأم على نفسه و أهله مما أدخلته منزلك، فقال: فاشهد أنّك و إيّاها له، فإن شئتما أن تمضيا إليه فامضيا، على أنّي أخاف على نفسي إن بلغ ذلك ابن زياد، و إن شئتما أن تكونا له عندي فافعلا، قال: فاكتب إليه بذلك. فكتب الرجل إلى ابن مفرّغ في الحبس بما فعله، فكتب إليه يشكر فعله، و سأله أن يكونا عنده حتى يفرّج اللّه عنه.

[1]في «الشعر و الشعراء» لابن قتيبة 1/319، ف:

«فنعلفها دواب المسلمينا»

.

[2]ب، مد: «في هذه السرعة» .

[3]ب: «فلم أحل منك بطائل» .

[4]ب، س: «الآن» .

[5]ف: «ففضحني قبلهم» .

[6]صلت: جاءت تالية.

428

/قال: و قال عبّاد لحاجبه: ما أرى هذا-يعني ابن مفرّغ-يبالي بالمقام في الحبس، فبع فرسه و سلاحه و أثاثه، و اقسم ثمنها بين غرمائه، ففعل ذلك و قسم الثّمن بينهم، و بقيت عليه بقيّة حبسه بها. فقال ابن مفرّغ يذكر غلامه بردا و جاريته الأراكة و بيعهما:

شريت بردا و لو ملّكت صفقته # لما تطلّبت في بيع له رشدا

لو لا الدّعيّ و لو لا ما تعرّض لي # من الحوادث ما فارقته أبدا

يا برد ما مسّنا برد[1]أضرّ بنا # من قبل هذا و لا بعنا له ولدا[2]

أمّا الأراك فكانت من محارمنا # عيشا لذيذا و كانت جنّة رغدا

كانت لنا جنّة كنّا نعيش بها # نغنى بها إن خشينا الأزل و النّكدا[3]

يا ليتني قبل ما ناب الزّمان به # أهلي لقيت على عدوانه الأسدا[4]

قد خاننا زمن لم نخش عثرته‏[5] # من يأمن اليوم أم من ذا يعيش غدا!

لامتني النّفس في برد فقلت لها # لا تهلكي إثر برد هكذا كمدا

كم من نعيم أصبنا من لذاذته # قلنا له إذ تولّى ليته خلدا

خروجه من السجن و هروبه إلى البصرة

قالوا: و علم ابن مفرّغ أنه إن أقام على ذمّ عبّاد و هجائه و هو في محبسه زاد نفسه شرّا؛ فكان يقول للنّاس إذا سألوه عن حبسه ما سببه: رجل أدّبه أميره ليقوّم من أوده، أو يكفّ من غربه‏[6]، و هذا لعمري خير من جرّ الأمير ذيله على مداهنة لصاحبه، فلما بلغ عبّادا قوله‏[7]رقّ له و أخرجه من السّجن، /فهرب حتى أتى البصرة، ثم خرج منها إلى الشّام و جعل ينتقل في مدنها هاربا و يهجو زيادا و ولده.

و قال المدائنيّ في خبره:

لمّا بلغ عبّاد بن زياد أنّ ابن المفرّغ قال:

سبق عبّاد و صلّت لحيته‏

هجاء في ابن مفرغ ينشده ابنه في مجلس عباد

دعا ابنه و المجلس حافل فقال له: أنشدني هجاء أبيك الذي هجي به، فقال: أيّها الأمير، ما كلّف أحد قطّ ما كلّفتني، فأمر غلاما له أعجميّا و قال له: قم على رأسه، فإن أنشد ما أمرته به و إلا فصبّ السّوط على رأسه أبدا أو ينشده، فأنشده أبياتا هجي بها أبوه أولها:

[1]ف، و «رغبة الآمل» 2/70: «دهر» .

[2]ف: «و لا بعنا لنا ولدا» .

[3]الأزل: الضيق و الشدة.

[4]ف:

«لقيت أهل على عدوانه الأسدا»

.

[5]ف: «عبرته» .

[6]ف: «و يكف من غربه» .

[7]ب: «فلما بلغ ذلك عبادا من قوله» .

429

قبح الإله و لا يقبّح غيره # وجه الحمار ربيعة بن مفرّغ‏

و جعل عبّاد يتضاحك به، فخرج ابن ابن مفرّغ من عنده و هو يقول: و اللّه لا يذهب شتم شيخي باطلا، و قال يهجوه بقوله:

أصرمت حبلك من أمامه # من بعد أيّام برامه

/فالرّيح تبكي شجوها # و البرق يضحك في الغمامة

لهفي على الأمر الذي # كانت عواقبه ندامه

تركي سعيدا ذا النّدى # و البيت ترفعه الدّعامه

فتحت سمرقند له # و بنى بعرصتها خيامه

و تبعت عبد بني علا # ج‏[1]، تلك أشراط القيامه!

جاءت به حبشيّة # سكّاء[2]تحسبها نعامه

/و شريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه

أو بومة[3]تدعو صدى # بين المشقّر و اليمامه

فالهول يركبه الفتى # حذر المخازي و السّآمه

و العبد يقرع بالعصا # و الحرّ تكفيه الملامة

قال‏[4]: ثم لجّ في هجاء بني زياد حتى تغنّى أهل البصرة في أشعاره، فطلبه عبيد اللّه طلبا شديدا حتى كاد يؤخذ، فلحق بالشام.

و اختلفت الرّواة فيمن ردّه إلى ابن زياد، فقال بعضهم: معاوية، و قال بعضهم: يزيد، و الصّحيح أنه يزيد؛ لأن عبّاد بن زياد إنما ولي سجستان في أيام يزيد. و قال بعضهم: بل الذي ولاّه معاوية، و هو الذي ولّى سعيد بن عثمان خراسان.

سعيد بن عثمان يعاتب معاوية لأنه جعل البيعة لابنه يزيد

أخبرني محمّد بن العبّاس اليزيديّ، و عبيد اللّه بن محمد الرازيّ‏[5]، قالا: حدثنا أحمد بن الحارث، عن المدائنيّ قال:

دخل سعيد بن عثمان على معاوية بن أبي سفيان فقال: علام جعلت يزيد وليّ عهدك دوني؟فو اللّه لأبي خير من أبيه، و أمّي خير من أمه، و أنا خير منه، و قد ولّيناك فما عزلناك، و بنا نلت ما نلت، فقال له معاوية: أمّا قولك:

إنّ أباك خير من أبيه فقد صدقت لعمر اللّه؛ إن عثمان لخير منّي، و أما قولك: إن أمك خير من أمّه، فحسب المرأة أن تكون في بيت قومها و أن يرضاها بعلها و أن ينجب ولدها. و أما قولك: إنّك خير من يزيد، فو اللّه يا بنيّ ما يسرّني [1]بنو علاج: بطن من ثقيف.

[2]سكاء: صغيرة الأذنين.

[3]ب: «فهامة» . و في «المختار» : «هتافة» بدل «أو بومة» . و في مد، ف: «هي هامة» .

[4]ف: «قالوا» .

[5]ف: «عبد اللّه بن أحمد الرازي» .

430

أنّ لي بيزيد مل‏ء الغوطة مثلك. و أما قولك: إنكم ولّيتموني فما عزلتموني، فما ولّيتموني، و إنما ولاّني من هو خير منكم عمر، فأقررتموني، و ما كنت بئس الوالي لكم، لقد قمت بثأركم، و قتلت/قتلة أبيكم، و جعلت الأمر فيكم، و أغنيت فقيركم، و رفعت الوضيع منكم، فكلّمه يزيد في أمره فولاّه خراسان.

رجع الحديث إلى سياقة أخبار ابن مفرغ‏

ينتقل في قرى الشام هاجيا بني زياد

قالوا: فلم يزل ينتقل في قرى الشام و نواحيها، و يهجو بني زياد[1]، و أشعاره فيهم ترد البصرة و تنتشر و تبلغهم، فكتب عبيد اللّه بن زياد إلى معاوية، و قال الآخرون: إنه كتب إلى يزيد و هو الصحيح، يقول له: إن ابن مفرّغ هجا زيادا و بنى زياد بما هتكه في قبره، و فضح بنيه طول الدهر، و تعدّى ذلك إلى أبي سفيان، فقذفه بالزنا و سبّ ولده، فهرب من خراسان إلى البصرة، و طلبته حتى لفظته الأرض، فلجأ إلى الشام يتمضّغ لحومنا بها، و يهتك أعراضنا، و قد بعثت إليك بما هجانا به لتنتصف لنا منه. ثم بعث بجميع ما قاله ابن مفرّغ/فيهم.

فأمر يزيد بطلبه، فجعل ينتقل من بلد إلى بلد، فإذا شاع خبره انتقل حتى لفظته الشام، فأتى البصرة و نزل على الأحنف بن قيس، فالتجأ به و استجار، فقال له الأحنف: إني لا أجير على ابن سميّة[2]فأعزل، و إنما يجير الرجل على عشيرته، فأما على سلطانه فلا، فإن شئت أجرتك من بني سعد و شعرائهم، فلا يريبك أحد منهم، فقال له ابن مفرّغ: بأستاه بني سعد[3]و ما عساهم أن يقولوا فيّ؟هذا ما لا حاجة لي فيه.

ثم أتى خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد فاستجار به، فأبى أن يجيره، فأتى عمر بن عبيد اللّه بن معمر فوعده، و أتى طلحة الطّلحات فوعده، و أتى المنذر بن الجارود العبديّ فأجاره؛ و كانت بحريّة بنت المنذر تحت عبيد اللّه.

المنذر بن الجارود العبدي يجيره‏

و كان المنذر من أكرم النّاس عليه، فاغترّ بذلك و أدلّ بموضعه منه، و طلبه عبيد اللّه و قد بلغه وروده البصرة فقيل له: أجاره المنذر بن الجارود، فبعث عبيد اللّه إلى المنذر فأتاه، فلما دخل عليه بعث عبيد اللّه بالشرط، فكبسوا داره‏[4]و أتوه بابن مفرّغ، فلم يشعر المنذر إلا بابن مفرّغ قد أقيم على رأسه، فقام المنذر إلى عبيد اللّه بالشرط، فكبسوا داره‏[4]و أتوه بابن مفرّغ، فلم يشعر المنذر إلا بابن مفرّغ قد أقيم على رأسه، فقام المنذر إلى عبيد اللّه فكلّمه فيه فقال: أذكّرك اللّه-أيّها الأمير-أن تخفر[5]جواري فإني قد أجرته، فقال عبيد اللّه: يا منذر ليمدحنّ أباك و ليمدحنّك، و لقد هجاني و هجا أبي ثم تجيره عليّ، لا ها اللّه‏[6]لا يكون ذلك أبدا، و لا أغفرها له، فغضب المنذر، فقال له: لعلك تدلّ بكريمتك عندي، إن شئت و اللّه لأبيننّها بتطليق البتّة، فخرج المنذر من عنده، و أقبل عبيد اللّه على ابن مفرّغ فقال له: بئسما صحبت به عبّادا. قال: بئسما صحبني به عبّاد، اخترته على سعيد و أنفقت [1]ف: «و يهجو ابني زياد» .

[2]ف: «بني سمية» .

[3]ب، مد، ما: «يا أستاذ بنو سعد» .

[4]كبسوا داره: هجموا عليه فجأة و احتاطوها.

[5]ب: «ألاّ تخفر» . يقال: خفره: أجاره و حماه، و حفره أيضا: نقض عهده و غدر به.

[6]لاها اللّه، أي لا و اللّه.

431

على صحبته كلّ ما أفدته و كلّ ما أملكه، [1]و ظننت أنه لا يخلو من عقل زياد و حلم معاوية و سماحة قريش، فعدل عن ظنّي كله‏[1]. ثم عاملني بكل قبيح، و تناولني بكلّ مكروه، من حبس و غرم و شتم و ضرب، فكنت كمن شام برقا خلّبا في سحاب جهام، فأراق ماءه طمعا فيه فمات عطشا، و ما هربت من أخيك إلا لمّا خفت من أن يجري فيّ إلى ما يندم عليه، و قد صرت الآن في يدك، فشأنك فاصنع بي ما أحببت، فأمر بحبسه.

عبيد اللّه يستأذن يزيد بن معاوية في قتله‏

و كتب إلى يزيد بن معاوية يسأله أن يأذن له في قتله، فكتب إليه: إيّاك و قتله، و لكن عاقبه بما ينكّله و يشدّ سلطانك، و لا تبلغ نفسه، فإنّ له عشيرة هي جندي و بطانتي، و لا ترضى بقتله منّي، و لا تقنع إلا بالقود /منك، فاحذر ذلك، و اعلم أنّه الجدّ منهم و مني، و أنك مرتهن بنفسه، و لك في دون تلفها مندوحة تشفي من الغيظ. فورد الكتاب على عبيد اللّه بن زياد، فأمر بابن مفرّغ فسقي نبيذا حلوا قد خلط معه الشّبرم‏[2]فأسهل بطنه، و طيف به و هو في تلك الحال، و قرن بهرّة و خنزيرة، فجعل يسلح و الصبيان يتبعونه و يقولون له بالفارسية:

اين چيست؟فيقول:

آبست نبيذ است # عصارات زبيبست

سميّة روسبيد است‏[3]

:

و جعل كلما جرّ الخنزيرة ضجت، فجعل يقول:

ضجّت سميّة لما لزّها[4]قرني # لا تجزعي إنّ شرّ الشّيمة الجزع‏

فجعل يطاف به في أسواق البصرة و الصّبيان خلفه يصيحون به، و ألح عليه ما يخرج منه حتى أضعفه فسقط، فعرف ابن زياد ذلك، فقيل: إنه لما به لا نأمن أن يموت، فأمر به أن يغسل، ففعلوا ذلك به، فلما اغتسل قال:

/

يغسل الماء ما فعلت و قولي # راسخ منك في العظام البوالي‏

عبد اللّه يرده إلى الحبس‏

فردّه عبيد اللّه إلى الحبس، و أمر بأن يسلم محجما و قدّموا له علوجا، و أمر بأن يحجمهم، فكان يأخذ المشارط فيقطع بها رقابهم فيتوارون‏[5]منه، فتركه و ردّه إلى محبسه، و قامت الشّرط على رأسه تصبّ عليه السياط و يقولون له: احجمهم، فقال:

/

و ما كنت حجّاما و لكني أحلّني # بمنزلة الحجّام نأيي عن الأهل‏[6]

(1-1) التكملة من «المختار» ، ف.

[2]الشبرم: نبات له حب كالعدس مسهل.

[3]هذه أبيات بالفارسية وردت في «الطبري» 6/177 و قد كثر فيها التحريف. و المعنى: الأولاد يسألون: ما هذا؟و يجيبهم ابن مفرغ:

هذا ماء نبيذ، هذه عصارة نبيذ، هذه سمية البغي.

[4]لزها قرني: شدها و ألزمها إياه.

[5]ف: «فيهربون» .

[6] «المختار» : «عن الأصل» .

432
عباد بن زياد يجمع ما هجاه به و يرسله إلى معاوية

و قال عمر بن شبّة في خبره: جمع عبّاد بن زياد كلّ شي‏ء هجاه به ابن مفرّغ، و كتب به إلى أخيه عبيد اللّه و هو يومئذ وافد على معاوية، فكان فيما كتب إليه قوله:

إذا أودى معاوية بن حرب # فبشّر شعب قعبك‏[1]بانصداع

فأشهد أن أمّك لم تباشر # أبا سفيان واضعة القناع

و لكن كان أمر فيه لبس # على وجل شديد و امتناع‏[2]

و قوله:

ألا أبلغ معاوية بن حرب # مغلغلة من الرّجل اليماني

أ تغضب أن يقال أبوك عفّ # و ترضى أن يقال أبوك زاني

فأشهد أنّ رحمك‏[3]من زياد # كرحم الفيل من ولد الأتان

و أشهد أنها ولدت زيادا[4] # و صخر من سميّة غير داني‏

فدخل عبيد اللّه بن زياد على معاوية، فأنشده هذه الأشعار، و استأذنه في قتله فلم يأذن له و قال: أدّبه أدبا وجيعا منكّلا، و لا تتجاوز ذلك إلى القتل، و ذكر باقي الحديث كما ذكره من تقدم.

قالوا جميعا: و قال ابن مفرّغ يذكر جوار المنذر بن الجارود إيّاه و أمانه:

تركت قريشا أن أجاور فيهم # و جاورت عبد القيس أهل المشقّر

/أناس أجارونا فكان جوارهم # أعاصير من قسو العراق المبذّر[5]

فأصبح جاري من خزيمة[6]قائما # و لا يمنع الجيران غير المشمّر[7]

يذكر ما فعله ابن زياد و يستشير قومه‏

و قال أيضا في ذلك:

أصبحت لا من بني قيس فتنصرني # قيس العراق و لم تغضب لنا مضر

و لم تكلّم قريش في حليفهم # إذ غاب ناصره بالشّام و احتضروا[8]

و اللّه يعلم ما تخفي النّفوس و ما # سرّى أميّة أو ما قال لي عمر

و قال لي خالد قولا قنعت به # لو كنت أعلم أنّى يطلع القمر

[1]ب، «المختار» : «قلبك» . و الشعب: الإصلاح و الالتئام. و القعب: القدح الضخم الغليظ.

[2] «المختار» :

«و ارتياع»

. و في «معجم الأدباء» 20/46:

«على عجل شديد و ارتياع»

.

[3]الرحم: القرابة. و روى في «الشعر و الشعراء» :

و أشهد أنّ إلّك من زياد # كإلّ الفيل من ولد الأتان‏

[4]في «الشعر و الشعراء» :

«و أشهد أنها حملت زيادا»

.

[5]ف: «المشذر» ، و القسو: الغلظ و الصلابة.

[6]ب: «جزيمة» .

[7]المشمر: الجاد المصمم.

[8]احتضروا: جاءوا.

433

لو أنّني شهدتني حمير غضبت # دوني فكان لهم فيما رأوا عبر

أو كنت جار بني هند[1]تداركني # عوف بن نعمان أو عمران أو مطر

و قال أيضا يذكر ذلك و ما فعل به ابن زياد:

دار سلمى بالخبث ذي الأطلال # كيف نوم الأسير في الأغلال

أين منّي السّلام من بعد نأي # فارجعي لي تحيّتي و سؤالي

أين منّي نجائبي و جيادي # و غزالي، سقى الإله غزالي

/أين لا أين جنّتي و سلاحي # و مطايا سيّرتها[2]لارتحالي

هدم الدّهر عرشنا فتداعى # فبلينا إذ كلّ عيش‏[3]بالي

إذ دعانا زواله فأجبنا # كلّ دنيا و نعمة لزوال

/أم قضينا حاجاتنا فإلى المو # ت مصير الملوك و الأقيال

لا و صومي لربّنا و زكاتي # و صلاتي أدعو بها و ابتهالي

ما أتيت الغداة أمرا دنيّا # و لدى اللّه كابر الأعمال‏[4]

أيّها المالك المرهّب بالقتل بلغت النّكال كلّ النّكال

فاخش نارا تشوي الوجوه و يوما # يقذف الناس بالدّواهي الثّقال

قد تعدّيت في القصاص و أدر # كت ذحولا لمعشر أقتال‏[5]

و كسرت السّنّ الصّحيحة منّي # لا تذلّن فمنكر إذلالي

و قرنتم مع الخنازير هرّا # و يميني مغلولة و شمالي

و كلابا ينهشنني من ورائي # عجب النّاس ما لهنّ و ما لي!

و أطلتم مع العقوبة سجنا # فكم السّجن أو متى إرسالي!

يغسل الماء ما صنعت و قولي # راسخ منك في العظام البوالي

لو قبلت الفداء أو رمت مالي # قلت: خذه فداء نفسي مالي‏[6]

لو بغيري من معشري لعب الدّهر لما ذمّ نصرتي و احتيالي

كم بكاني من صاحب و خليل # حافظ الغيب حامد للخصال‏[7]

ليت أنّي كنت الحليف للخم # و جذام أو طيّى‏ء الأجمال‏[8]

بدلا من عصابة من قريش # أسلموني للخصم عند النّضال‏

[1]ب، ما، مد: «نهد» .

[2]ف: «يسرتها» .

[3]ف: «كل شي‏ء» .

[4]ف: «كانت الأعمال» .

[5]الذحل: الثأر أو العداوة و الحقد، و الجمع ذحول. و الأقتال جمع قتل «بكسر القاف» و هو الشجاع أو المقاتل.

[6]ف: «فدى لنفسي مالي» .

[7]ف: «حامد لخصالي» .

[8]ف: «و طيئ الأجيال» .

434

البهاليل من بني عبد شمس # فضلوا النّاس بالعلا و الفعال

/و بنو التّيم تيم مرّة لمّا # لمع الموت في ظلال العوالي‏

منعوا البيت بيت مكّة ذا الحجر إذ الطّير عكّف في الظّلال‏[1]

و البهاليل خالد و سعيد # شمس دجن و وضّح كالهلال‏[2]

في الأرومات و الذّرى من بني العيص قروم إذا تعدّ المعالي

كنت منهم، ما حرّموا فحرام # لم يراموا، و حلّهم من حلال‏[3]

و ذوو المجد من خزاعة كانوا # أهل ودّي في الخصب و الإمحال

خذلوني و هم لذاك دعوني # ليس حامي الذّمار بالخذّال

لا تدعني فداك أهلي و مالي # إنّ حبليك من متين الحبال‏[4]

حسرتا إذ أطعت أمر غواتي‏[5] # و عصيت النّصيح ضلّ ضلالي‏

يهجو عبادا و يذكر سعيد بن عثمان‏

و قال يهجو عبّاد بن زياد و يذكر سعيد بن عثمان:

أيها الشاتم جهلا سعيدا # و سعيد في الحوادث ناب

/ما أبوكم مشبها لأبيه # فاسألوا الناس بذاكم تجابوا

ساد عبّاد و ملّك‏[6]جيشا # سبّحت من ذاك صمّ صلاب

إنّ عاما صرت فيه أميرا # تملك النّاس لعام عجاب‏

يمحو ما كتبه من هجاء على الحيطان بأظافره‏

قال: و اتصل هجاؤه زيادا و ولده و هو في الحبس، فردّه عبيد اللّه إلى أخيه عبّاد بسجستان، و وكّل به رجالا و وجههم معه، و كان لما هرب من عبّاد يهجوه/و يكتب كلّ ما هجاه به على حيطان الخانات، و أمر عبيد اللّه الموكّلين به أن يأخذوه بمحو ما كتبه على الحيطان بأظافيره، و أمرهم ألاّ يتركوه يصلّي إلا إلى قبلة النصارى إلى المشرق، فكانوا إذا دخلوا بعض الخانات التي نزلها فرأوا فيها شيئا مما كتبه من الهجاء، أخذوه بأن يمحوه بأظافره، فكان يفعل ذلك و يحكّه حتى ذهبت أظافره، فكان يمحوه بعظام أصابعه و دمه، حتى سلّموه إلى عبّاد فحبسه و ضيّق عليه. قال عمر بن شبّة في خبره: فقال ابن مفرّغ:

سرت تحت أقطاع من اللّيل زينب # سلام عليكم هل لما فات مطلب!

و يروى:

[1]ف: «كالظلال» .

[2]ف:

«و الكريمان خالد و سعيد»

...

«و واضح كالهلال»

.

[3]ف:

«و حلهم بحلالي»

.

[4]ف: «متان الحبال» .

[5]ف:

«إذ أطعت فيك غواتي»

.

[6]ب: «و مالأ جيشا» .

435

ألا طرقتنا آخر اللّيل زينب # أصاب عذابي‏[1]اللون فاللّون شاحب

كما الرأس من هول المنيّة أشيب # قرنت بخنزير و هرّ و كلبة

زمانا و شان الجلد ضرب مشذّب # و جرّعتها صهباء من غير لذّة

تصعّد في الجثمان ثم تصوّب # و أطعمت ما إن لا يحلّ لآكل‏[2]

و صلّيت شرقا بيت مكّة مغرب # من الطّفّ مجنوبا[3]إلى أرض كابل

فملّوا و ما ملّ الأسير المعذّب # فلو أنّ لحمي إذ هوى لعبت به

كرام الملوك أو أسود و أذؤب # لهوّن وجدي أو لزادت بصيرتي

و لكنما أودت بلحمي أكلب # أ عبّاد ما للّؤم عنك محوّل

و لا لك أمّ في قريش و لا أب # سينصرني من ليس تنفع عنده

رقاك و قرم من أميّة مصعب‏[4] # /و قل لعبيد اللّه: ما لك والد

بحقّ و لا يدري امرؤ كيف تنسب!

في أول هذا الشعر غناء نسبته.

صوت‏

ألا طرقتنا آخر اللّيل زينب # سلام عليكم هل لما فات مطلب!

و قالت: تجنّبنا و لا تقربنّنا # فكيف و أنتم حاجتي أتجنّب!

الغناء لسياط ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ.

استثارته قومه ببيتين يقرءان على المصلين بجامع دمشق‏

و قالوا جميعا: فلما طال مقام ابن مفرّغ في السجن استأجر رسولا إلى دمشق، و قال له: إذا كان يوم الجمعة فقف على درج جامع‏[5]دمشق، ثم اقرأ هذين البيتين بأرفع ما يمكنك من صوتك، و كتبهما في رقعة، و هما:

أبلغ لديك بني قحطان قاطبة # عضّت بأير أبيها سادة اليمن

أضحى دعيّ زياد فقع قرقرة[6] # -يا للعجائب-يلهو بابن ذي يزن!

ففعل الرسول ما أمره به، فحميت اليمانية و غضبوا له، و دخلوا على معاوية فسألوه فيه/فدفعهم‏[7]عنه، فقاموا غضابا، و عرف معاوية ذلك في وجوههم، فردّهم و وهبه لهم، و وجّه رجلا من بني أسد يقال له خمخام [1]ما، مد: «عداتي» .

[2]ما، مد، ب:

«و أطعمت مالا إن يحل لآكل»

.

[3]ب: «مجلوبا» ، و مجنوبا أي مقودا إلى جنب فرس.

[4]القرم: السيد. و المصعب: الفحل.

[5]ف: «مسجد» .

[6]يقال للذليل: هو أذل من فقع بقرقرة أو بقرقر، أي أذل من كمأة في أرض منخفضة؛ لأنه لا يمتنع على من جناه، أو لأنه يداس بالأرجل. و في مد، ما: «فوق قرقرة» . و في ب: «نقع قرقرة» ، تحريف.

[7]ف: «فدافعهم عنه» .

436

-و يقال: جهثام-بريدا إلى عبّاد، و كتب له عهدا، و أمره بأن يبدأ بالحبس فيخرج ابن مفرّغ منه و يطلقه، قبل أن يعلم عبّاد فيم قدم فيغتاله، ففعل ذلك به، فلما خرج من الحبس قرّبت إليه بغلة من بغال البريد فركبها، فلما استوى على ظهرها قال:

عدس‏[1]ما لعبّاد عليك إمارة # نجوت و هذا تحملين طليق

/فإن الّذي نجّى من الكرب بعد ما # تلاحم في درب عليك مضيق

أتاك بخمخام فأنجاك فالحقي # بأهلك‏[2]لا تحبس عليك طريق

لعمري لقد أنجاك من هوّة الرّدى # إمام و حبل للأنام وثيق

سأشكر ما أوليت من حسن نعمة # و مثلي بشكر المنعمين حقيق‏[3]

معاوية يعفو عنه‏

قال عمر بن شبّة في خبره، و وافقه لقيط بن بكير: فلما أدخل على معاوية بكى و قال: ركب مني ما لم يركب من مسلم قطّ، على غير حدث في الإسلام و لا خلع يد من طاعة و لا جرم، فقال: أ لست القائل:

ألا أبلغ معاوية بن حرب # مغلغلة من الرّجل اليماني

أ تغضب أن يقال أبوك عفّ # و ترضى أن يقال أبوك زان!

فأشهد أنّ رحمك من زياد # كرحم الفيل من ولد الأتان‏[4]

و أشهد أنّها ولدت زيادا[5] # و صخر من سميّة غير دان‏

فقال: لا و الذي عظّم حقّك يا أمير المؤمنين ما قلته، و لقد بلغني أنّ عبد الرحمن بن الحكم قاله و نسبه إليّ.

قال: أ فلم تقل:

شهدت بأنّ أمّك لم تباشر # أبا سفيان واضعة القناع

و لكن كان أمر فيه لبس # على وجل شديد و ارتياع‏

أ و لست القائل:

إنّ زيادا و نافعا و أبا # بكرة عندي من أعجب العجب

/إنّ رجالا ثلاثة خلقوا # في رحم أنثى ما كلهم لأب

ذا قرشيّ كما يقول، و ذا # مولى، و هذا بزعمه عربي‏

في أشعار كثيرة قلتها في هجاء زياد و بنيه، اذهب فقد عفوت عن جرمك، و لو إيّانا تعامل لم يكن شي‏ء مما كان، فاسكن أيّ أرض شئت‏[6]. فاختار الموصل فنزلها، ثمّ ارتاح إلى البصرة فقدمها، فدخل على عبيد اللّه بن [1]عدس: اسم البغلة، أو كلمة زجر للبغال.

[2]ب: «بأرضك» . و في ف: «فنجاك فالحقن» .

[3] «التجريد» ، ف: «خليق» .

[4]انظر الحاشية رقم 4 ص 265.

[5]انظر الحاشية رقم 5 ص 265.

[6]ف: «أحببت» .

437

زياد، و اعتذر إليه و سأله الصّفح و الأمان، فأمّنه و أقام بها مدّة، ثمّ دخل عليه بعد أن أمّنه فقال: أصلح اللّه الأمير، إني قد ظننت أنّ نفسك لا تطيب لي بخير أبدا، و لي أعداء لا آمن سعيهم عليّ بالباطل، و قد رأيت أن أتباعد، فقال له: إلى أين شئت؟فقال: كرمان، فكتب له إلى شريك بن الأعور و هو عليها بجائزة و قطيعة/و كسوة، فشخص فأقام بها حتى هرب عبيد اللّه من البصرة، فعاد إليها. هذه رواية عمر بن شبّة.

رواية أخرى في سبب إنقاذه من ابني زياد

و قال محمد بن خلف في روايته، عن أحمد بن الهيثم، عن المدائنيّ، و عن العمريّ، عن لقيط:

أنّ ابن مفرّغ لمّا طال حبسه و بلاؤه، ركب طلحة الطّلحات إلى الحجاز، و لقي قريشا-و كان ابن مفرّغ حليفا لبني أميّة-فقال لهم طلحة: يا معشر قريش، إنّ أخاكم و حليفكم ابن مفرّغ قد ابتلي بهذه الأعبد من بني زياد، و هو عديدكم و حليفكم و رجل منكم، و و اللّه ما أحب أن يجري اللّه عافيته على يدي دونكم، و لا أفوز بالمكرمة في أمره و تخلوا منها، فانهضوا معي بجماعتكم إلى يزيد بن معاوية، فإنّ أهل اليمن قد تحرّكوا بالشّام، فركب خالد بن عبد اللّه بن خالد[1]بن أسيد، و أمية بن عبد اللّه أخوه، و عمر بن عبيد اللّه بن معمر، و وجوه خزاعة[2]و كنانة /و خرجوا إلى يزيد، فبينا هم يسيرون ذات ليلة إذ سمعوا راكبا يتغنّى في سواد الليل بقول ابن مفرّغ و يقول:

إنّ تركي ندى سعيد بن عثما # ن بن عفّان‏[3]ناصري و عديدي

و اتّباعي أخا الضّراعة و اللّؤ # م لنقص و فوت شأو بعيد

قلت و اللّيل مطبق بعراه: # ليتني متّ قبل ترك سعيد

ليتني متّ قبل تركي أخا النّجـ # دة و الحزم و الفعال السّديد

عبشميّ أبوه عبد مناف # فاز منها بتاجها المعقود

ثمّ جود لو قيل: هل من مزيد[4] # قلت للسائلين: ما من مزيد

قل لقومي لدى الأباطح من آ # ل لؤيّ بن غالب ذي الجود:

سامني بعدكم دعيّ زياد # خطّة الغادر[5]اللئيم الزّهيد

كان ما كان في الأراكة و اجتـ # بّ ببرد سنام عيسى و جيدي

أوغل العبد في العقوبة و الشّتـ # م و أودى بطارفي و تليدي

فارحلوا في حليفكم و أخيكم # نحو غوث المستصرخين يزيد

فاطلبوا النّصف‏[6]من دعيّ زياد # و سلوني بما ادّعيت شهودي‏

قال: فدعا القوم بالراكب فقالوا له: ما هذا الذي سمعناه منك تغنّي به؟فقال: هذا قول رجل و اللّه إنّ أمره لعجب، رجل ضائع بين قريش و اليمن، و هو رجل الناس، قالوا: و من هو؟قال: ابن مفرّغ، قالوا: /و اللّه ما رحلنا [1]ب: «إلى خالد بن أسيد» .

[2]ب: «في وجوه خزاعة» .

[3]في «الشعر و الشعراء» :

«... سعيد بن عثمان # فتى الجود... »

.

[4]ب: «لو قيل فيه مزيد» .

[5]ف:

«خطة العار و اللئيم الزهيد»

.

[6]النصف: الإنصاف.

438

إلا فيه، و انتسبوا له، فضحك و قال: أ فلا أسمعكم من قوله أيضا؟قالوا: بلى، فأنشدهم قوله:

لعمري لو كان الأسير ابن معمر # و صاحبه أو شكله ابن أسيد

و لو أنّهم نالوا أميّة أرقلت‏[1] # براكبها الوجناء نحو يزيد

فأبلغت عذرا في لؤيّ بن غالب # و أتلفت فيهم طارفي و تليدي

فإن لم يغيّرها الإمام بحقّها # عدلت إلى شمّ شوامخ صيد

فناديت فيهم دعوة يمنيّة # كما كان آبائي دعوا و جدودي

/و دافعت حتّى أبلغ الجهد عنهم # دفاع امرئ في الخير غير زهيد

فإن لم تكونوا عند ظنّي بنصركم # فليس لها غير الأغرّ سعيد

بنفسي و أهلي ذاك حيّا و ميّتا # نضار و عود المرء أكرم عود

فكم من مقام في قريش كفيته # و يوم يشيب الكاعبات شديد

و خصم تحاماه لؤيّ بن غالب # شببت له ناري فهاب وقودي

و خير كثير قد أفأت عليكم # و أنتم رقود أو شبيه رقود

قال: فاسترجع القوم لقوله و قالوا: و اللّه لا نغسل رءوسنا في العرب إن لم نغسلها[2]بفكّه. فأغذّ القوم السّير حتى قدموا الشّأم.

وفد اليمانية يذهب إلى يزيد بن معاوية

و بعث ابن مفرّغ‏[3]رجلا من بني الحارث بن كعب، فقام على سور حمص، فنادى بأعلى صوته الحصين‏[4] ابن نمير-و كان والي حمص-بهذه الأبيات و كان عظيم الجبهة:

/

أبلغ لديك بني قحطان قاطبة # عضّت بأير أبيها سادة اليمن

أمسى دعيّ زياد فقع قرقرة # يا للعجائب يلهو بابن ذي يزن!

و الحميريّ طريح وسط مزبلة # هذا لعمركم غبن من الغبن

و الأجبه ابن نمير فوق مفرشه # يدنو إلى أحور العينين ذي غنن‏[5]

قوموا فقولوا: أمير المؤمنين لنا # حقّ عليك و منّ ليس كالمنن

فاكفف دعيّ زياد عن أكارمنا # ما ذا يريد على الأحقاد و الإحن‏[6]

فاجتمعت اليمانية إلى حصين، فعيّروه بما قاله ابن مفرّغ، فقال الحصين: ليس لي رأي دون يزيد بن أسد، و مخرمة بن شرحبيل، فأرسل إليهما، فاجتمعوا في منزل الحصين، فقال لهما الحصين: اسمعا ما أهدى إليّ شاعركم و قاله لكم في أخيكم-يعني نفسه-و أنشدهم، فقال يزيد بن أسد: قد جئتكم بأعظم من هذا، و هو قوله:

[1]أرقلت: أسرعت، من الإرقال و هو ضرب من الخبب.

[2]مد: «إن لم يغتسلها» . و في ما: «إن لم نغتسلها» . و في ف: «إن لم نستقلها» .

[3]ب: «و بعث إلى ابن مفرغ رجلا... » تحريف.

[4]ف: «الحصن بن نمير» .

[5]الأجبه: العظيم الجبهة. و الغنن جمع غنة، و هو صوت من اللهاة و الأنف.

[6]ب، ما، مد:

«ما ذا تريد إلى الأحقاد و الإحن»

.

439

و ما كنت حجّاما و لكن أحلّني # بمنزلة الحجّام نأيي عن الأصل‏[1]

فقال الحصين: و اللّه لقد أساء إلينا أمير المؤمنين في صاحبنا مرّتين، إحداهما أنه هرب إليه فلم يجره، و أخرى أنّه أمر بعذابه غير مراقب لنا فيه، و قال يزيد بن أسد: إنّي لأظن أنّ طاعتنا ستفسد و يمحوها ما فعل‏[2] بابن مفرّغ، و لقد تطلّع من نفسي شي‏ء، للموت أحبّ إليّ منه. و قال مخرمة بن شرحبيل: أيها الرّجلان، اعقلا فإنه لا معاوية لكما[3]، و اعرفا أنّ صاحبكما لا تقدح فيه الغلظة، فاقصدا التّضرّع، فركب القوم إلى دمشق/و قدموا على يزيد بن معاوية، و قد سبقهم الرّجل، فنادى بذلك الشّعر يوم الجمعة على درج مسجد دمشق، فثارت اليمانية و تكلّموا، و مشى بعضهم إلى بعض، و قدم وفد القرشيّين في أمره مع طلحة الطّلحات، فسبقوا القرشيّين، و دخلوا على يزيد بن معاوية، فتكلم الحصين بن نمير، فذكر بلاءه و بلاء قومه و طاعتهم، و قال: يا أمير المؤمنين، إنّ الذي أتاه ابن زياد إلى صاحبنا، لا قرار عليه، و قد سامنا عبيد اللّه و عبّاد خطّة خسف، و قلّدانا قلادة عار، فأنصف /كريمنا من صاحبه، فو اللّه لئن قدرنا لنعفونّ، و لئن ظلمنا لننتصرنّ. و قال يزيد بن أسد: يا أمير المؤمنين، إنّا لو رضينا بمثلة ابن زياد بصاحبنا و عظيم ما انتهك منه، لم يرض اللّه عزّ ذكره بذلك‏[4]و لئن تقرّبنا إليك بما يسخط اللّه ليباعدنّنا اللّه منك، و إن يمانيّتك قد نفرت لصاحبها نفرة طار غرابها، و ما أدري متى يقع، و كلّ نائرة[5]تقدح في الملك و إن صغرت لم يؤمن أن تكبر، و إطفاؤها خير من إضرامها لا سيما إذا كانت في أنف لا يجدع، و يد لا تقطع، فأنصفنا من ابني زياد[6].

و قال مخرمة بن شرحبيل، و كان متألّها عظيم الطاعة في أهل اليمن: إنه لا يد تحجزك‏[7]عن هواك، و لو مثّلت بأخينا و تولّيت ذلك منه بنفسك لم يقم فيه قائم و لم يعاتبك فيه معاتب، و لكنّ ابني زياد استخفّانا[8]بما يثقل عليك من حقّنا، /و تهاونا بما تكرمه منّا، و أنت بيننا و بين اللّه، [9]و نحن بينك و بين الناس‏[9]، فأنصفنا من صاحبيك، و لينفعنا بلاؤنا عندك.

فقال يزيد: إنّ صاحبكم أتى عظيما؛ نفى زيادا من أبي سفيان، و نفى عبّادا و عبيد اللّه من زياد، و قلّدهم طوق الحمامة، و ما شجّعه على ذلك إلا نسبه فيكم، و حلفه في قريش، فأمّا إذ بلغ الأمر ما أرى، و أشفى بكم على ما أشفى، فهو لكم، و عليّ رضاكم.

وفد القرشيين يقابل يزيد بن معاوية

قال: و انتهى القرشيّون إلى الحاجب فاستأذن لهم، و قال لليمانيّين: قد أتتكم برى الذهب من أهل العراق، [1]ف: «الأهل» .

[2]ف: «ما صنع» .

[3]يشير إلى حلم معاوية الذي مات، و غضب يزيد.

[4]ف: «لم يرض اللّه عمّن رضي بذلك» .

[5]النائرة: العداوة و الشحناء.

[6]ف: «ابن زياد» .

[7]في ب، مد: «إنه لا يدع تحجزك عن هواك دون اللّه و لو مثلت... الخ» .

[8]ف: «استخفا بما يثقل عليك من حقنا» .

(9-9) التكملة من ف.

440

فدخلوا و سلّموا و الغضب يتبيّن‏[1]في وجوههم، فظنّ يزيد الظنون، و قال لهم: ما لكم؟انفتق فتق أو حدث حدث فيكم؟قالوا: لا، فسكن.

فقال طلحة الطّلحات:

يا أمير المؤمنين، أ ما كفى العرب ما لقيت من زياد، حتى استعملت عليها ولده يستكثرون لك أحقادها، و يبغّضونك إليها، إنّ عبيد اللّه و أخاه أتيا إلى ابن مفرّغ ما قد بلغك، فأنصفنا منهما إنصافا تعلم العرب أنّ لنا منك خلفا من أبيك، فو اللّه، لقد خبأ لك فعلهما خبئا عند أهل اليمن لا تحمده لك، و لا تحمده لنفسك.

و تكلّم خالد بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد فقال:

يا أمير المؤمنين، إنّ زيادا ربّي في شرّ حجر، و نشأ في أخبث نش‏ء، فأثبتّم نصابه في قريش، و حملتموه‏[2] على رقاب الناس، فوثب ابناه على أخينا و حليفنا/و حليفك، ففعلا به الأفاعيل التي بلغتك، و قد غضبت له قريش الحجاز و يمن الشّأم ممّن لا أحبّ و اللّه لك غضبه، فأنصفنا من ابني زياد.

و تكلم أخوه أميّة بنحو ممّا تكلم أخوه و قال:

و اللّه يا أمير المؤمنين لا أحطّ رحلي، و لا أخلع ثياب سفري، أو تنصفنا من ابني زياد، أو تعلم العرب أنك قد قطعت أرحامنا، و وصلت ابني زياد بقطعنا، و حكمت بغير الحقّ لهما علينا.

و قال ابن معمر: يا أمير المؤمنين، إنّ ابن مفرّغ طالما ناضل عن عرضك و عرض أبيك و أعراض قومك، و رمى عن جمرة أهلك، و قد أتى بنو زياد فيه ما لو كان معاوية حيّا لم يرض به، و هذا رجل له شرف في قومه، و قد نفروا له نفرة لها ما بعدها، فأعتبهم و أنصف الرجل‏[3]و لا تؤثر مرضاة ابني زياد على مرضاة اللّه عزّ و جلّ.

يزيد يرحب بالوفدين و يرسل من يطلق ابن مفرغ‏

فقال يزيد: مرحبا بكم و أهلا، و اللّه لو أصابه خالد ابني بما ذكرتم لأنصفته منه، و لو رحلتم في جميع ما تحيط به العراق لوهبته لكم، و ما عندي إلا إنصاف المظلوم، و لكنّ صاحبكم/أسرف على القوم. و كتب يزيد ببناء داره، و ردّ ماله و تخلية سبيله، و ألاّ إمرة لأحد من بني زياد عليه، و قال: لو لا أنّ في القود بعد ما جرى منه فسادا في الملك لأقدته من عبّاد.

و سرّح يزيد رجلا من حمير يقال له خمخام، و كتب معه إلى عبّاد بن زياد: نفسك نفسك و أن تسقط من ابن مفرّغ شعرة فأقيدك و اللّه به، و لا سلطان لك و لا لأخيك و لا لأحد غيري عليه، فجاء خمخام حتى انتزعه جهارا من الحبس‏[4]بمحضر الناس و أخرجه.

دخوله على يزيد و ما دار بينهما

قالوا: فلما دخل على يزيد قال له: يا أمير المؤمنين، اختر منّي خصلة من ثلاث خصال، في كلّها لي فرج، [1]ف: «بيّن» .

[2]ب، مد، ما: «فأثبتهم نصابه في قريش و حملت... الخ» .

[3]ف: «فأعنهم و أنصفهم من الرجل» .

[4]ب، ما، مد: «من المجلس» . ـ

441

إما أن تقيدني من ابن زياد، و إما أن تخلّي بيني و بينه، و إما أن تقدّمني فتضرب عنقي.

فقال له يزيد: قبّح اللّه ما اخترته و خيّرتنيه‏[1]؛ أما القود من ابن زياد فما كنت لأقيدك من عامل كان عليك، ظلمته و شتمت عرضه و عرضي معه، و أما التّخلية بينك و بينه فلا، و لا كرامة، ما كنت لأخلّي بينك و بين أهلي تقطع أعراضهم، و أما ضرب عنقك، فما كنت لأضرب عنق مسلم من غير أن يستحقّ ذلك، و لكني أفعل ما هو خير لك مما اخترته لنفسك؛ أعطيك ديتك، فإنهم قد عرّضوك للقتل، و اكفف عن ولد زياد، فلا يبلغني أنك ذكرتهم، و انزل أيّ البلاد شئت، و أمر له بعشرة آلاف درهم.

اعتذاره لعبيد اللّه بن زياد

فخرج حتى أتى الموصل و أقام بها ما شاء اللّه، ثم خرج ذات يوم يتصيّد، فلقي دهقانا على حمار له، فقال: من أين أقبلت؟قال: من العراق، قال: من أيّها؟قال: من البصرة، ثم من الأهواز[2]، قال: فما فعل المسرقان‏[3]؟قال: على حاله، قال: أ فتعرف أناهيد بنت أعنق؟قال: نعم، قال: ما فعلت؟قال: على أحسن ما عهدت.

قال: فضرب برذونه و سار حتى أتى الأهواز، و لم يعلم أهله و لا غيرهم بمسيره.

ثم أتى عبيد اللّه بن زياد، فدخل عليه و اعتذر إليه، و سأله الأمان فأمّنه، ثم سأله أن يكتب له إلى شريك بن الأعور، فكتب له و وصله.

عودته إلى البصرة و هجاؤه بني زياد

و خرج فأقام بكرمان حتى غلب ابن الزّبير على العراق، و هرب ابن زياد/و كان أهل البصرة قد أجمعوا على قتله، فخرج عن البصرة هاربا، فعاد ابن مفرّغ إلى البصرة، و عاود هجاء بني زياد، فقال يذكر هرب عبيد اللّه و تركه‏[4]أمّه بقوله:

أ عبيد هلاّ كنت أوّل فارس # يوم الهياج دعا بحتفك داع

أسلمت أمّك و الرّماح تنوشها # يا ليتني لك ليلة الإفزاع

إذ تستغيث و ما لنفسك مانع # عبد تردّده بدار ضياع

هلاّ عجوزك إذ تمدّ بثديها # و تصيح ألاّ تنزعنّ قناعي

أنقذت من أيدي العلوج كأنها # ربداء مجفلة ببطن القاع‏[5]

فركبت رأسك ثم قلت: أرى العدا # كثروا و أخلف موعدي أشياعي‏[6]

فانجي بنفسك و ابتغى نفقا فما # لي طاقة[7]بك و السلام و داعي‏

[1]ف: «و خيرته» .

[2]ب، ما، مد: «من الإيوان» .

[3]المشرقان: نهر بخوزستان عليه عدة قرى ( «معجم البلدان» ) .

[4]ف: «و يذكر أمه» .

[5] «المختار» ، ف: «من أيدي العبيد» . و الربداء: السوداء الضاربة إلى الغبرة. يشبهها بالنعامة. و في ف: «ربداء مخلفة» .

[6]ب: «و أخلف موعد الأشياع» .

[7]ف، «المختار» : «لي حيلة» .

442

ليس الكريم بمن يخلّف أمّه # و فتاته في المنزل الجعجاع‏[1]

حذر المنيّة و الرّماح تنوشه # لم يرم دون نسائه بكراع‏[2]

متأبّطا سيفا عليه يلمق‏[3] # مثل الحمار أثرته بيفاع

/لا خير في هذر يهزّ[4]لسانه # بكلامه و القلب غير شجاع

لابن الزّبير غداة يذمر[5]منذرا # أولى بغاية كلّ يوم وقاع

و أحقّ بالصبر الجميل من امرئ # كزّ أنامله قصير الباع

جعد اليدين عن السّماحة[6]و النّدى # و عن الضّريبة فاحش منّاع

/كم يا عبيد اللّه‏[7]عندك من دم # يسعى ليدركه بقتلك ساع

و معاشر أنف أبحت حريمهم # فرّقتهم من بعد طول جماع

اذكر حسينا و ابن عروة هانئا # و ابني عقيل فارس المرباع‏

و قال أيضا يذكر هربه:

أقرّ بعيني أنّه عقّ أمّه‏[8] # دعته فولاّها استه و هو يهرب

و قال: عليك الصبر كوني سبيّة # كما كنت أو موتي؛ فذلك أقرب

و قد هتفت هند: بما ذا أمرتني؟ # أبن لي و حدّثني إلى أين أذهب؟

فقال: اقصدي للأزد في عرصاتها[9] # و بكر فما إن عنهم متجنّب

أخاف تميما و المسالح‏[10]دونها # و نيران أعدائي عليّ تلهّب

و ولّى و ماء العين يغسل وجهها[11] # كأن لم يكن و الدّهر بالناس قلّب

بما قدّمت كفّاك لا لك مهرب # إلى أيّ قوم و الدّماء تصبّب

فكم من كريم قد جررت جريرة # عليه فمقبور و عان يعذّب

و من حرّة زهراء قامت بسحرة # تبكّي قتيلا أو صدى يتأوّب‏[12]

فصبرا عبيد بن العبيد فإنما # يقاسي الأمور المستعدّ المجرّب

و ذق كالذي قد ذاق منك معاشر # لعبت بهم إذ أنت بالنّاس تلعب‏

[1]الجعجاع: الضيق الخشن الغليظ.

[2]الكراع: الخيل. و يقال: فلان ما ينضح الكراع أي ضعيف الدفاع.

[3]اليلمق: القباء.

[4]ف: «يهد لسانه» .

[5]يذمر: يهدد.

[6]ب، ف: «على السماحة» .

[7]ف: «يا عدي اللّه» .

[8]ب: «أفر عبيد و السيوف عن أمه» .

[9]العرصة: ساحة الدار، و هي البقعة الواسعة بين الدور التي ليس فيها بناء.

[10]المسالح جمع مسلحة و هي موضع السلاح أو القوم ذوو السلاح.

[11]ف: «يغسل جفنها» .

[12]ف: «و كم حرّة زهراء» . و في ب، ما: «أو فتى يتأوب» . و يتأوب: يرجع.

443

فلو كنت حرّا أو حفظت وصيّة # عطفت على هند و هند تسحّب

/و قاتلت حتى لا تري لك مطمعا[1] # بسيفك في القوم الذين تحزّبوا

و قلت لأمّ العبد أمّك: إنني # و إن كثر الأعداء حام مذبّب‏[2]

و لكن أبى قلب أطيرت بناته‏[3] # و عرق لكم في آل ميسان يضرب‏

و قال في ذلك أيضا:

ألا أبلغ عبيد اللّه عنّي # عبيد اللّؤم عبد بني علاج

عليّ لكم قلائد باقيات # يثرن عليكم نقع العجاج

تدعّيت الخضارم من قريش # فما في الدّين بعدك من حجاج‏[4]

أبن لي هل بيثرب زندورد # قرى آبائك النّبط العجاج![5]

و قال فيه أيضا:

عبيد اللّه عبد بني علاج # كذاك نسبته و كذاك كانا

أعبد الحارث الكنديّ ألا # جعلت لإست أمّك ديدبانا[6]

/فتستر عورة كانت قديما # و تمنع أمّك النّبط البطانا

و قال يهجو عبيد اللّه و عبّادا، أنشدناه جماعة، منهم هاشم بن محمد الخزاعيّ، عن دماذ، عن أبي عبيدة، و هذا من قصيدة له طويلة أوّلها:

جرت أمّ الظّباء ببين ليلى # و كلّ وصال حبل لانقطاع‏

/يقول فيها:

و ما لاقيت من أيّام بؤس‏[7] # و لا أمر يضيق به ذراعي

و لم تك شيمتي عجزا و لؤما # و لم أك بالمضلّل في المساعي

سوى يوم الهجين و من يصاحب # لئام الناس يغض على القذاع‏[8]

حلفت بربّ مكّة لو سلاحي # بكفي‏[9]إذ تنازعني متاعي

لباشر أمّ رأسك مشرفيّ # كذاك دواؤنا وجع الصّداع‏

[1]ف: «مطعما» .

[2]مذبب: مدافع.

[3]ب: «ثيابه» .

[4]ف: «خلاج» . و الخضارم جمع خضرم، و هو السيد الحمول أو الجواد المعطاء.

[5]ما، مد:

«بربي إيليا النبط العجاج»

. و في ب، س:

«فربي إيليا... »

. و زندورد: بلد قرب واسط، و العجاج: رعاع الناس ( «قاموس» ) .

[6]الديدبان: الرقيب.

[7]ف: «شرّ» .

[8]القذاع: الفحش و المشاتمة.

[9]ف: «لو بكفي سلاحي» .

444

أ في أحسابنا تزري علينا # هبلت و أنت زائدة الكراع‏[1]

تبغّيت الذّنوب عليّ جهلا # جنونا ما جننت ابن اللّكاع‏[2]

فما أسفي على تركي سعيدا # و إسحاق بن طلحة و اتّباعي

ثنايا الوبر عبد بني علاج # عبيدة[3]فقع قرقرة بقاع

إذا ما راية رفعت لمجد # و ودّع أهلها خير الوداع

فأير في است أمّك من أمير # كذاك يقال للحمق اليراع‏[4]

و لا بلّت سماؤك من أمير # فبئس معرّس الرّكب الجياع‏[5]

أ لم تر إذ تحالف حلف حرب # عليك غدوت‏[6]من سقط المتاع

و كدت تموت أن صاح ابن آوى # و مثلك مات من صوت السّباع

و يوم فتحت سيفك من بعيد # أضعت و كلّ أمرك للضّياع

/إذا أودى معاوية بن حرب # فبشّر شعب قعبك‏[7]بانصداع

فأشهد أنّ أمّك لم تباشر # أبا سفيان واضعة القناع

و لكن كان أمرا فيه لبس # على عجل شديد و ارتياع‏

قال: و كان عبّاد في بعض حروبه ذات ليلة نائما في عسكره، فصاحت بنات آوى، فثارت الكلاب إليها، و نفر بعض الدّوابّ ففزع عبّاد و ظنها كبسة من العدوّ، فركب فرسه و دهش، فقال: افتحوا سيفي، فعيّره بذلك ابن مفرّغ.

و مما قاله ابن مفرّغ في هجاء بني زياد و غنّي فيه:

صوت‏

كم بالدّروب و أرض الهند من‏[8]قدم # و من جماجم قتلى ما هم قبروا

و من سرابيل أبطال مضرّجة # ساروا إلى الموت ما خاموا[9]و لا ذعروا

بقندهار[10]و من تحتم منيّته # بقندهار يرجّم دونه الخبر

غنّى في هذه الأبيات ابن جامع:

أجدّ أهلك، لا يأتيهم خبر # منّا و لا منهم عين و لا أثر

/و لم تكلّم قريش في حليفهم # إذ غاب أنصاره بالشّام و احتضروا

[1]ف: «و أنت هبلت زائدة الكراع» . و الكراع من كل شي‏ء: طرفه.

[2]امرأة لكاع: لئيمة، و لم يرد هذا البيت في ف.

[3]ف: «عبيدا» . و الوبر: حيوان في حجم الأرنب.

[4]اليراع: الجبان. و جاء هذا البيت في ف مكان الذي قبله.

[5] «و لا بلت سماؤك» : يدعو عليه بالجدب. و المعرّس: مكان التعريس أي النزول.

[6]ف: «عددت» .

[7]القعب: القدح الضخم. و في «المختار» : «شعب قلبك» .

[8]ب، ما، مد:

«... و أرض الروم من قرم»

. و في «معجم ياقوت» :

«كم بالجروم... »

.

[9]خاموا: جبنوا. و في ف: «ما خافوا» .

[10]في «معجم ياقوت» : قندهار: مدينة من بلاد السند أو الهند، سار إليها عباد بن زياد و فتحها.

445

لو أنّني شهدتني حمير غضبت # إذا فكان لها فيما جرى غير

رهط الأغرّ شراحيل بن ذي كلع # و رهط ذي فائش ما فوقهم بشر[1]

قولا لطلحة ما أغنت صحيفتكم # و هل لجارك إذ أوردته صدر!

/فمن لنا بشقيق أو بأسرته # و من لنا ببني ذهل إذا خطروا!

هم الذين سموا و الخيل عابسة # و الناس عند زياد كلهم حذر

لولاهم كان سلاّم بمنزلتي # أولى لهم ثمّ أولى بعد ما ظفروا

أخبرني محمد بن خلف، عن أبي بكر العامريّ، عن إسحاق بن محمد، عن القحذميّ‏[2]قال: هجا سلام الرّافعيّ مقاتل‏[3]بن مسمع فقال فيه:

أبى لك يا ذا المجد أنّ مقاتلا # زنى و استحلّ الفارسيّ المشعشعا[4]

في أبيات هجاه بها فحبسه مقاتل بالعربة[5]فركب شقيق بن ثور في جماعة من بني ذهل إلى الحبس فأخرجه؛ فضرب به ابن مفرّغ المثل في الشّعر الماضي.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني أبو عبد اللّه اليمانيّ، قال: حدّثنا الأصمعيّ، عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد قال:

قال لي عبيد اللّه بن زياد: ما هجيت بشي‏ء أشدّ عليّ من قول ابن مفرّغ:

فكّر؛ ففي ذاك إن فكّرت معتبر # هل نلت مكرمة إلا بتأمير!

عاشت سميّة ما تدري و قد عمرت # أنّ ابنها من قريش في الجماهير

و روى‏[6]اليزيديّ في روايته عن الأحول: قال أبو عبيدة:

كان زياد يزعم أنّ أمّه سميّة بنت الأعور من بني عبد شمس بن زيد مناة بن تميم، فقال ابن مفرّغ يردّ ذلك عليه:

فأقسم ما زياد من قريش # و لا كانت سميّة من تميم

و لكن نسل عبد من بغيّ # عريق الأصل في النّسب اللّئيم‏

يتابع هجاء ابن زياد و يرميه بالأبنة

أخبرني هاشم بن محمد قال: حدّثنا أبو غسّان دماذ قال: أنشدني أبو عبيدة لابن مفرّغ يهجو ابن زياد و يرميه بالأبنة:

أبلغ قريشا قضّها و قضيضها # أهل السّماحة و الحلوم الرّاجحه‏

[1]ب: «ذي قابس» . و في ما: «ما مثلهم بشر» .

[2]ما، مد، ب: الفخذمي «تصحيف» . و القحذمي هو الوليد بن هشام القحذمي.

[3]ف: «مهلهل بن مسمع» .

[4]ب، مد: «أ ما لك... » . و استحل الفارسيّ المشعشعا يريد الخمر.

[5]العربة: موضع. و في مد: «بالغربة» ، تصحيف. و في ب: «بالغرفة» ، تحريف.

[6]ف: «و قال اليزيدي» .

446

أنّي ابتليت بحيّة ساورته‏[1] # بيد لعمري لم تكن لي رابحه

صفق المبخّل صفقة ملعونة # جرّت عليه من البلايا فادحه‏[2]

شتّان من بطحاء مكّة داره # و بنو المضاف إلى السّباخ المالحة

جعدت أنامله و لام نجاره # و بذاك تخبرنا الظّباء السانحه

فإذا أميّة صلصلت أحسابها # فبنو زياد في الكلاب النّابحه

قالوا: يناك، فقلت: في جوف استه # و بذاك خبّرني الصّدوق الفاضحه

لم يبق أير أسود أو أبيض # إلاّ له استك في الخلاء مصافحه‏

مقتل عبيد اللّه و شعر ابن مفرغ في ذلك‏

و أخبرني إبراهيم بن السريّ بن يحيى، قال: حدّثني أبي، عن شعيب، عن سيف، قال:

لما قتل/عبيد اللّه بن زياد يوم الزّاب، قتله أصحاب المختار بن أبي عبيد و يقال: إن إبراهيم بن الأشتر حمل على كتيبته فانهزموا، و لقي عبيد اللّه فضربه فقتله، و جاءه إلى أصحابه فقال: إنّي ضربت رجلا فقددته نصفين فشرّقت يداه و غرّبت رجلاه، و فاح منه المسك، و أظنّه ابن مرجانة، و أومأ لهم إلى موضعه، فجاءوا إليه و فتّشوا عليه، فوجدوه كما ذكر، و إذا هو ابن زياد، فقال ابن مفرّغ يهجوه:

إنّ الّذي عاش ختّارا[3]بذمّته # و عاش عبدا قتيل اللّه بالزّاب

العبد للعبد لا أصل و لا طرف‏[4] # ألوت به ذات أظفار و أنياب

إن المنايا إذا ما زرن‏[5]طاغية # هتكن عنه ستورا بين أبواب

/هلاّ جموع نزار إذا لقيتهم # كنت امرأ من نزار[6]غير مرتاب

لا أنت زاحمت عن ملك فتمنعه # و لا مددت إلى قوم بأسباب‏[7]

ما شقّ جيب و لا ناحتك نائحة # و لا بكتك جياد عند أسلاب

لا يترك اللّه أنفا تعطسون بها # بني العبيد شهودا غير غيّاب

أقول بعدا و سحقا عند مصرعه # لابن الخبيثة و ابن الكودن الكابي‏[8]

الحسين بن علي يتمثل بالبيتين الأخيرين من هذه القصيدة

و القصيدة المذكورة بها غناء فيه منها، و قال:

حيّ ذا الزّور و انهه أن يعودا # إنّ بالباب حارسين قعودا

[1]ب: «ساورتهم» . و الحية: الأفعى (تذكر و تؤنث) فيقال: هو الحية و هي الحية.

[2]لم يرد هذا البيت و الذي بعده في ف.

[3]الختّار: الغادر.

[4]الطرف: الشريف.

[5]ب: «رزن» .

[6]ف، «التجريد» : «من قريش» .

[7] «التجريد» ، ف: «بأحساب» .

[8]الكودن: البرذون الهجين أو البغل. و الكابي: المنكب على وجهه.

447

من أساوير ما ينون قياما # و خلاخيل تذهل المولودا

[1]و طماطيم من مشايخ جون‏[2] # ألبسوني مع الصّباح قيودا

أيّ بلوى معيشة قد بلونا # فنعمنا و ما رجونا خلودا

و دهور لقيننا موجعات # و زمان يكسّر الجلمودا

فصبرنا على مواطن ضيق # و خطوب تصيّر البيض سودا

ظلّ فيها النصيح يرسل سرّا # لا تهالنّ إن سمعت الوعيدا

أ فإنس ما هكذا صبر إنس # أم من الجنّ أم خلقت حديدا

لا ذعرت السّوام في فلق الصـ # بح مغيرا و لا دعيت يزيدا[3]

يوم أعطي مخافة الموت ضيما # و المنايا يرصدنني أن أحيدا[1]

قال: و هي قصيدة طويلة
.

و تمثّل الحسين بن عليّ صلوات اللّه عليه بهذين البيتين لمّا خرج من المدينة إلى مكة عند بيعة يزيد:

لا ذعرت السّوام في فلق الصّ # بح مغيرا و لا دعيت يزيدا

يوم أعطي مخافة الموت ضيما # و المنايا يرصدنني أن أحيدا

حدّثني أحمد بن عيسى أبو موسى العجليّ العطّار بالكوفة قال: حدّثني الحسين‏[4]بن نصر بن مزاحم المنقريّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا عمر بن سعد، عن أبي مخنف، قال: حدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن أبي سعيد المقبريّ قال:

و اللّه لرأيت حسينا عليه السلام و هو يمشي بين رجلين، يعتمد على هذا مرّة، و على هذا مرة، حتى دخل المسجد و هو يقول:

لا ذعرت السّوام..... البيتين.

قال: فقلت عند ذلك إنّه لا يلبث إلا قليلا حتى يخرج، فما لبث أن خرج فلحق بمكة، فلما خرج من المدينة قال: فَخَرَجَ مِنْهََا خََائِفاً يَتَرَقَّبُ قََالَ: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ [5]. و لما توجّه نحو مكة قال: وَ لَمََّا تَوَجَّهَ تِلْقََاءَ مَدْيَنَ قََالَ عَسى‏ََ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوََاءَ اَلسَّبِيلِ [6].

مروان بن الحكم يعطيه و يكسوه‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني عليّ بن الصبّاح، عن ابن الكلبيّ قال:

لما قدم ابن مفرّغ إلى معاوية مع خمخام الذي وجّهه إليه، فانتزعه من عبّاد بن زياد، نزل على مروان بن (1-1) التكملة من ف.

[2] «الشعر و الشعراء» 1-322:

«و طماطيم من سبابيج غتم»

. و الطماطيم: الأعاجم في لسانهم طمطمة أي عجمة لا يفصحون.

[3]مد، ما: «لا دعوت» . و في «الشعر و الشعراء» 1-322:

«لا ذعرت السوام في غلس الليل»

.

[4]ب، مد، ما: «الحسن بن نصر» .

[5]القصص/21.

[6]القصص/22.

448

الحكم و هو يومئذ عند معاوية، فأعطاه و كساه، و قام بأمره و استرفد له كلّ من قدر عليه من بني أبي العاص‏[1]/بن أمية، فقال ابن مفرّغ يمدحه من قصيدته:

/

و أقمتم سوق الثّناء و لم تكن # سوق الثّناء تقام في الأسواق‏[2]

فكأنما جعل الإله إليكم # قبض النّفوس و قسمة الأرزاق‏

كان يهوى أناهيد بنت الأعنق‏

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ، قال: حدّثنا أبو غسّان دماذ، عن أبي عبيدة قال:

كان ابن مفرّغ يهوى أناهيد بنت الأعنق، و كان الأعنق دهقانا من الأهواز، له ما بين الأهواز و سرّق و مناذر و السّوس، و كان لها أخوات يقال لهنّ أسماء و الجمانة، و أخرى قد سقط عن دماذ، فكان يذكرهن جميعا في شعره، فمن ذلك قوله في صاحبته أناهيد من أبيات:

سيري أناهيد بالعيرين آمنة # قد سلّم اللّه من قوم بهم طبع‏[3]

[4]لا بارك اللّه فيهم معشرا جبنا # و لا سقى دارهم قطرا و لا ربعوا

السارقين إذا جاعوا نزيلهم # و الأخبثين بطونا كلما شبعوا

لا تأمننّ حزاميّا نزلت به # قوم لديهم تناهى اللّؤم و الصّرع

جاور بني خلف تحمد جوراهم # الأعظمين دفاعا كلما دفعوا

و المطعمين إذا ما شتوة أزمت # فالناس شتّى إلى أبوابهم شرع‏[5]

هم خير قومهم إن حدّثوا صدقوا # أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا

المانعين من المخزاة جارهم # و الرّافعين من الأذنين ما صنعوا

انزل بطلحة يوما إنّ منزله # سهل المباءة بالعلياء مرتفع‏[4]

و في أسماء أختها يقول:

/

تعلّق من أسماء ما قد تعلّقا # و مثل الذي لاقى من الحبّ‏[6]أرّقا

و حسبك من أسماء نأي و أنها # إذا ذكرت هاجت فؤادا معلّقا

سقى هزم الإرعاد منبجس العرى # منازلها بالمسرقان فسرّقا[7]

و تستر[8]لا زالت خصيبا جنابها # إلى مدفع السّلّان من بطن دورقا

[1]ف: «من بني العاص بن أمية» .

[2]ف:

«و أقام سوقا للثناء... # تعد في الأسواق»

.

[3]الطبع: الشّين و العيب.

(4-4) التكملة من ف.

[5]يقال: الناس في هذا شرع أي سواء.

[6]ف، و «شرح نهج البلاغة» : «من الشوق» . و في «معجم البلدان» : «من الوجد» .

[7] «معجم البلدان» : «من مسرقان فسرقا» ، و مسرقان: نهر بخوزستان عليه عدة قرى. و في ف: «بالمشرقان فشرقا» تصحيف. و سرّق إحدى كنوز الأهواز. و في «شرح نهج البلاغة» : «منبعج الكلى» بدل «منبجس العرى» .

[8]تستر: أعظم مدينة بخوزستان ( «ياقوت» ) .

449

إلى الكوثج الأعلى إلى رامهرمز # إلى قريات الشّيح من فوق سفسقا[1]

رامهرمز: بلد من أعمال الأهواز معروف.

بلاد بنات الفارسية إنّها # سقتنا على لوح شرابا معتقا[2]

يترك زوجته عند أخواله و يذهب إلى محبوبته أناهيد

أخبرني عمّي، قال: حدثنا الكرانيّ، قال: حدثنا العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، و أخبرنا هاشم بن محمد قال: حدثنا دماذ أبو غسّان، عن أبي عبيدة، قالا:

لما فصل ابن مفرّغ من عند معاوية، نزل بالموصل على أقواله من آل ذي العشراء من حمير، قال الهيثم في روايته: فزوّجوه امرأة منهم-و لم يذكر ذلك أبو عبيدة-فلما كان اليوم الذي يكون البناء في ليلته، خرج يتصيّد و معه غلامه برد، فإذا هو بدهقان‏[3]على حمار يبيع عطرا و أدهانا. فقال له ابن مفرّغ: من أين أقبلت؟قال: من الأهواز، قال: ويحك!كيف خلّفت المسرقان و برد مائه؟قال: على حاله، قال: ما فعلت دهقانة يقال لها أناهيد بنت أعنق؟ قال: أ صديقة ابن مفرّغ؟قال: نعم، قال: ما تجفّ جفونها من البكاء عليه، فقال لغلامه: أي برد، أ ما تسمع؟/قال:

بلى، قال: هو بالرّحمن كافر إن لم يكن هذا وجهي إليها، فقال له برد: أكرمك القوم و قاموا دونك، و زوّجوك كريمتهم، ثم تصنع هذا بهم، و تقدم على ابن زياد بعد خلاصك منه من غير أمره و لا عهد منه و لا عقد!أبق أيها الرجل على نفسك، و أقم بموضعك، و ابن بأهلك، و انظر في أمرك، فإن جدّ عزمك كنت حينئذ و ما تختاره. قال: دع ذا عنك، هو بالرحمن كافر إن عدل‏[4]عن الأهواز و لا عرّج على شي‏ء غيرها، و مضى لوجهه من غير أن يعلم أهله، و قال قصيدته:

سما[5]برق الجمانة فاستطارا # لعلّ البرق ذاك يحور[6]نارا

قعدت له العشاء فهاج شوقي # و ذكّرني المنازل و الدّيارا

ديار للجمانة مقفرات # بلين و هجن للقلب ادّكارا

/فلم أملك دموع العين منّي # و لا النّفس التي جاشت مرارا

بسرّق فالقرى من صهرتاج‏[7] # فدير الراهب الطلل القفارا

فقلت لصاحبي: عرّج قليلا # نذاكر شوقنا الدّرس البوارا

بآية ما غدوا و هم جميع # فكاد الصبّ ينتحر انتحارا

فقال: بكوا لفقدك منذ حين # زمانا ثم إنّ الحيّ سارا

بدجلة فاستمرّ بهم سفين # يشقّ صدورها اللّجج الغمارا

كأن لم أغن في العرصات منها # و لم أذعر بقاعتها صوارا[8]

[1]ف: «إلى الكرج» . و في «شرح البلاغة» :

«إلى الشرف الأعلى... # إلى قريات الشيخ من أنهر أربقا»

.

[2]ف: «نبات» بدل «بنات» ، و «شرابا مروقا» بدل «شرابا معتقا» .

[3]ب، مد، ما: «بدهان» .

[4]ف: «إن عاج عن الأهواز» .

[5]ب، ما، مد: «سقى» .

[6]يحور: يرجع.

[7]ب، ما، مد: «صهرياج» ، تصحيف، و هي موضع بالأهواز. ( «معجم ياقوت» ) .

[8]الصوّار (بالضم و يكسر) : القطيع من البقر.

450

و لم أسمع غناء من خليل # و صوت مقرطق خلع العذارا[1]

قال: فقدم البصرة فذكر لعبيد اللّه بن زياد مقدمه، فلم يعرض له، و أرسل/إليه أن أقم آمنا، فأقام بالبصرة أشهرا يختلف من البصرة إلى الأهواز، فيزور أناهيد، و يقيم عندها.

ثم أتى عبيد اللّه بن زياد فقال له: إني امرؤ لي أعداء، و لست آمن بعضهم أن يقول شيئا على لساني يحفظ الأمير عليّ، و أحب أن يأذن لي أن أتنحّى عنه، فقال له: حلّ حيث شئت، فخرج حتى قدم على شريك بن الأعور الحارثيّ و هو يومئذ عامل عبيد اللّه بن زياد على فارس و كرمان، فأعطاه ثلاثين ألف درهم، فقدم بها الأهواز فأعطاها أناهيد.

ذهب إلى عبيد اللّه بن أبي بكر فأعطاه و أكرمه‏

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار، قال: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ، قال:

حدثني محمد بن الحكم، عن عوانة:

أنّ عبيد اللّه بن أبي بكرة كتب إلى يزيد بن مفرّغ: إني قد توجهت إلى سجستان فالحق بي، فلعلك إن قدمت عليّ ألاّ تندم و لا يذمّ رأيك. فتجهّز ابن مفرّغ و خرج حتى قدم سجستان ممسيا، فدخل عليه فشغله بالحديث، و أمر له بمنزل‏[2]و فرش و خدم، و جعل يطاوله حتى علم أنه قد استتمّ له ما أمر له به، ثم صرفه إلى المنزل الذي قد هيّئ له، ثم دعا به في اليوم الثاني فقال له: يا بن مفرّغ، إنّك قد تجشّمت إليّ شقّة بعيدة، و اتّسع لك الأمل فرحلت إليّ لأقضي عنك دينك و لأغنيك عن الناس، و قلت: أبو حاتم بسجستان فمن لي بالغنى‏[3]بعده!فقال: و اللّه ما أخطأت أيّها الأمير ما كان في نفسي، فقال عبيد اللّه: أما و اللّه لأفعلنّ و لأقلّنّ‏[4]لبثك عندي، و لأحسننّ صلتك، و أمر له بمائة ألف درهم، و مائة وصيفة[5]و مائة نجيبة، /و أمر له بما ينفقه إلى أن يبلغ بلده سوى المائة الألف، و بمن يكفيه الخدمة من غلمانه و أعوانه‏[6]، و قال له: إن من خفّة السّفر ألاّ تهتمّ بخفّ و لا حافر، و كان مقامه عنده سبعة أيّام.

ثم ارتحل و شيّعه عبيد اللّه‏[7]إلى قرية على أربعة فراسخ يقال لها: زالق، ثم قال له: يا ابن مفرّغ، إنه ينبغي للمودّع أن ينصرف، و للمتكلّم أن يسكت، و أنا من قد عرفت، فأبق على الأمل و حسن ظنّك بي و رجائك فيّ، و إذا بدا لك أن تعود فعد، و السلام.

قال: و سار ابن مفرّغ حتى أتى رامهرمز، فنزل بقرية[8]أبجر، فنزلت إليه بنت الأبجر فقالت: يا ابن مفرّغ، لمن هذا المال؟قال: لابنة أعنق دهقانة الأهواز، و إذا رسولها في القافلة بكتابها: إنك لو كنت على العهد الأول لتعجّلت إليّ و لم تساير ثقلك، و لكن قد علمت أن المال الذي أعطاكه عبيد اللّه قد شغلك عنّي، /قال: فأعطى رسولها مالا على أن يقول فيه خيرا، و قد قال لابنة أبجر في جواب قولها له:

[1]ف: «و صوت مقصب خلع العذارا» . و المقرطق: الذي يلبس القرطق؛ و هو قباء ذو طاق واحد (معرب) .

[2]ف: «و أمر له سرّا بمنزل و فرش» .

[3]ب: «بالغناء» .

[4]ب، مد: «و لأقيمن لبثك» .

[5]ف: «و مائة و صيفة و مائة و صيف، و مائة نحيبة... » .

[6]ف: «من غلمانه و مواليه» .

[7]ف: «عبيد اللّه بن أبي بكرة» .

[8]ف: «بقلعة أبجر» .

451

حباني عبيد اللّه يا ابنة أبجر # بهذا، و هذا للجمانة أجمع

يقرّ بعيني أن أراها و أهلها # بأفضل حال ذاك مرأى و مسمع

و خبّرتها قالت: لقد حال بعدنا # فقد جعلت نفسي إليها تطلّع

و قلت لها لمّا أتاني رسولها # و أيّ رسول لا يضرّ و ينفع

أحبّك ما دامت بنجد وشيجة[1] # و ما رفعت يوما إلى اللّه إصبع

و إني ملي‏ء يا جمانة بالهوى # و صدق الهوى إن كان ذلك يقنع‏

/قال: فلما انتهت رسل عبيد اللّه بن أبي بكرة معه إلى الأهواز قالوا له: قد بلغنا حيث أمرنا، قال: أجل، ثم أمر ابنة أعنق أن تفتح الباب و قال لها: كلّ ما دخل دارك فهو لك.

يمدح عبيد اللّه بن أبي بكرة

و أقام بالأهواز، و دعا ندماء كانوا له من فتيان العرب فلم يبق ظريف و لا مغنّ إلا أتاه، و استماحه جماعة قصدوه من أهل البصرة و الكوفة و الشّام فأعطاهم، و لم يفارق أناهيد و معه شي‏ء من المال، و جعل القوم يسألونه عن عبيد اللّه بن أبي بكرة و كيف هو و أخلاقه وجوده فقال:

يسائلني أهل العراق عن النّدى # فقلت: عبيد اللّه حلف المكارم

فتى حاتميّ في سجستان رحله # و حسبك جودا أن يكون كحاتم

سما لينال المكرمات فنالها # بشدّة ضرغام و بذل الدّراهم

و حلم إذا ما سورة الحقد[2]أطلقت # حبا القوم عند الفادح المتفاقم

و إنّ له في كلّ حيّ صنيعة # يحدّثها الرّكبان أهل المواسم

دعاني إليه جوده و وفاؤه # و من دون مسراه عداة الأعاجم

فلم أبق إلا جمعة في جواره # و يومين حلاّ من أليّة آثم‏[3]

إلى أن دعاني زانه اللّه بالعلا # فأنبت ريشي من صميم القوادم‏[4]

و قال: إذا ما شئت يا بن مفرّغ # فعد عودة ليست كأضغاث حالم

فقلت له-لا يبعد اللّه داره-: # أعود إذا ما جئتكم غير حاشم

و أحمدت وردي إذ وردت حياضه # و كلّ كريم نهزة[5]للأكارم

/فأصبح لا يرجو العراق و أهله # سواه لنفع أو لدفع العظائم

و إنّ عبيد اللّه هنّا رفده # سراحا و أعطى رفده غير غانم‏[6]

[1]الوشيجة: عرق الشجرة.

[2]ف، «المختار» : «سورة الجهل» . و سورة الحقد: حدته و شدته.

[3]الألية: القسم. و في ف، «المختار» : «فلم أثو» بدل «فلم أبق» .

[4]ف، «المختار» : «فأنبت من ريشي مهيض القوادم» .

[5]النهزة: الفرصة.

[6]هنّأ رفده: أكثره. و في «المختار» : «غير عاتم» أي غير كافّ عنه بعد أن مضى فيه.

452
يخدع عمه في أناهيد

و قال الهيثم في خبره: كان عمرو بن مفرّغ، عمّ يزيد بن ربيعة بن مفرّغ، رجلا له جاه و قدر عند السّلطان، و كان ذا مال و ثروة، و ذا دين و فضل و صلاح، فكان يعنّف ابن أخيه في أمر أناهيد عشيقته، و يعذله و يعيّره بها، فلما أكثر عليه أتاه يوما فقال له: يا عمّ، جعلت فداك، إنّ لي بالأهواز حاجة، و لي على قوم بها نحو من ثلاثين ألف درهم قد خفت أن تتوى‏[1]عليّ، فإن رأيت أن تتجشّم العناء معي إليها حتى تطالب لي بحقي، و تعينني بجاهك على غرمائي. /و كان عمرو بن مفرّغ قد استخلفه ابن عبّاس عليها؛ إذ كان عامل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه و على آله على البصرة، و كان عامل الأهواز-حين سأل ابن مفرّغ عمّه أن يخرج معه-ميمون بن عامر أخو بني قيس بن ثعلبة الذي يقال لدراهمه اليوم الميمونية[2]. فلم يزل ابن مفرّغ بعمه حتى أجابه إلى الخروج فاستأجر سفينة و توجّه إلى الأهواز، و كتب إلى أناهيد أن تهيّئي و تزيّني بأحسن زينتك، و اخرجي إليّ مع جواريك فإني موافيك، و منزلها يومئذ بين سرّق و رامهرمز.

فلما نزلوا منزلها خرجت إليهم. و جلست معهم في هيئتها و زيّها و حليّها و آلتها، فلما رآها عمّه قال له: قبّحك اللّه!أ فهلاّ إذ فعلت ما فعلت كنت علقت مثل هذه![3]فقال: يا عمّ، أو قد أعجبتك؟فقال: و من لا تعجبه هذه‏[3] قال: أ لجدّ هذا منك؟قال: نعم و اللّه، قال: فإنها و اللّه هذه بعينها، فقال: يا خبيث إنما أشخصتني لهذا، يا غلام ارحل بنا. فانصرف عمّه إلى البصرة/و أقام هو معها، و لم يزل يتردّد كذلك حتى مات في الطاعون في أيام مصعب بن الزبير.

لزوم غرمائه له لديون ركبته و احتياله لقضائها

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا: حدثنا عمر بن شبّة قال: حدثنا القحذميّ قال:

لزم يزيد بن مفرّغ غرماؤه بدين، فقال لهم: انطلقوا نجلس على باب الأمير، عسى أن يخرج الأشراف من عنده فيروني فيقضوا عنّي، فانطلقوا به، فكان أوّل من خرج إما عمر بن عبيد اللّه بن معمر و أما طلحة الطّلحات، فلما رآه قال: أبا عثمان، ما أقعدك هاهنا؟قال: غرمائي هؤلاء لزموني بدين لهم عليّ، قال: و كم هو؟قال:

سبعون ألفا، قال: عليّ منها عشرة آلاف درهم.

ثمّ خرج الآخر على الأثر، فسأله ما سأل صاحبه، فقال: هل خرج أحد قبلي؟قالوا: نعم، فلان، قال: فما صنع؟قالوا: ضمن عشرة آلاف درهم، قال: فعليّ مثلها.

ابن أبي بكرة يقضي دينه فيمدحه‏

قال: ثم جعل الناس يخرجون، فمنهم من يضمن الألف إلى أكثر من ذلك، حتى ضمنوا أربعين ألفا[4].

و كان يأمل عبيد اللّه بن أبي بكرة، فلم يخرج حتى غربت الشمس، فخرج مبادرا، فلم يره حتى كاد يبلغ بيته، [1]تتوى: تذهب و تهلك.

[2]ب: «المأمونية» .

(3-3) تكملة من ف.

[4]ف: «أربعين ألف درهم» .

453

فقيل له: إنك مررت بابن مفرّغ ملزوما[1]، و قد مرّ به الأشراف فضمنوا عنه، فقال: وا سوأتاه!إنّي أخاف أن يظنّ أنّي تغافلت عنه، فكرّ راجعا، فوجده قاعدا، فقال له: أبا عثمان ما يجلسك هاهنا؟قال: غرمائي هؤلاء يلزمونني، قال: /كم عليك؟قال: سبعون ألفا، قال: و كم ضمن عنك؟قال: أربعون ألفا، قال: فاستمتع بها و عليّ دينك أجمع، فقال فيه يخاطب نفسه:

لو شئت لم تعني و لم تنصبي # عشت بأسباب أبي حاتم

عشت بأسباب الجواد الذي # لا يختم الأموال بالخاتم

من كفّ بهلول له عدّة[2] # ما إن لمن عاداه من عاصم

المطعم النّاس إذ حاردت # نكباؤها في الزّمن العارم‏[3]

و الفاصل الخطة يوم اللّجا # للأمر عند الكربة اللاّزم

جاورته حينا فأحمدته # أثني و ما الحامد كاللاّئم

كم من عدوّ شامت كاشح # أخزيته يوما و من ظالم

/أذقته الموت على غرّة # بأبيض ذي رونق صارم‏

بديح يغني شعرا لابن مفرغ فيصله و يكسوه‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثني أبو أيّوب المدينيّ، قال: حدّثني حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال:

قدم بديح‏[4]الكوفة، فغنّى بها دهرا، و أصاب مالا كثيرا، ثمّ خرج إلى البصرة، ثمّ أتى الأهواز، ثمّ عاد إلى البصرة، فصحب ابن مفرّغ‏[5]في سفينة حتى إذا كان في نهر معقل تغنّى و هو لا يعرف ابن مفرّغ بقوله:

/

سما برق الجمانة فاستطارا # لعلّ البرق ذاك يعود نارا[6]

قال: فطرب ابن مفرّغ و قال: يا ملاّح، كرّ بنا إلى الأهواز، فكرّ و هو يغنّيه، ثمّ كرّ راجعا إلى البصرة، و كرّوا معه، و هو يعيد هذا الصوت. قال: و وصل ابن مفرّغ بديحا[7]و كساه.

صوت‏

رضيت الهوى إذ حلّ بي متخيّرا # نديما و ما غيري له من ينادمه

أعاطيه كأس الصّبر بيني و بينه # يقاسمنيها مرّة و أقاسمه‏

يقال: إنّ الشّعر لبشّار، و الغناء للزّبير بن دحمان، هزج بالوسطى عن الهشاميّ و أحمد بن المكّيّ.

[1]لزم المال فلانا: وجب عليه، فهو ملزوم.

[2]البهلول: السيد الجامع لصفات الخير. و في ب: «له غرّة» .

[3]حاردت السنة: قلّ مطرها. و النكباء: ريح انحرفت عن مهابّ الرياح. و الزمن العارم: الشديد.

[4]ب: «بدوي» .

[5]ف: «ابن مفرغ الحميري» .

[6]ف: «يحور نارا» .

[7]ب: «بدويا» .

454

19-أخبار الزبير بن دحمان‏

قدم على الرشيد من الحجاز و المغنون حزبان‏

قد مضت أخبار أبيه، و نسبه و ولاؤه في متقدّم الكتاب، و كان الزّبير أحد المحسنين المتقنين الرّواة الضّرّاب، المتقدّمين في الصّنعة، و قدم على الرشيد من الحجاز، و كان المغنون في أيّامه حزبين: أحدهما في حزب إبراهيم الموصليّ و ابنه إسحاق، و الآخر في حزب ابن جامع و ابن المهديّ، و كان إبراهيم بن المهديّ أوكد أسباب هذا التّحزّب و التّعصّب لما كان بينه و بين إسحاق‏[1]و كان الزبير بن دحمان في حزب إسحاق، و أخوه عبيد اللّه في حزب إبراهيم بن المهديّ‏[1].

يغني الرشيد من غناء المتقدمين فيفضل أخاه‏

فأخبرني محمد بن مزيد، قال: حدّثني حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، قال:

لما قدم الزّبير بن دحمان على الرّشيد من الحجاز، قدم رجل ما شئت من رجل؛ عقلا و نبلا و دينا و أدبا و سكونا و وقارا، و كان أبوه قبله كذلك، و قدم معه أخوه عبيد اللّه‏[2]، فما وصلا إلى الرشيد، و جلسا معنا، تخيّلت في الزّبير الفضل فقلت لأبي: يا أبت، أخلق بالزّبير أن يكون أفضل من أخيه، فقال: هذا لا يجي‏ء بالظّنّ و التّخيّل‏[3]، و الجواد إنّما يمتحن في الميدان، فقلت له: فالجواد عينه فراره‏[4]، فضحك، و قال: ننظر في فراستك، فلما غنّيا بان فضل الزّبير و تقدّمه، فاصطفاه أبي و اصطفيته لأنفسنا، و قرّظناه‏[5]و وصفناه، و صار في حيّزنا.

الرشيد يستعيده صوتا من صنعته ثلاث مرات‏

و غنّى الرّشيد غناء/كثيرا من غناء المتقدّمين فأجاد و أحسن، و سأله الرّشيد أن يغنّيه شيئا من صنعته، فالتوى بعض الالتواء و قال: قد سمع أمير المؤمنين غناء الحذّاق من المتقدمين و غناء من بحضرته من خدمه، و من وفد عليه من الحجازيّين، و ما عسى أن يأتي من صنعتي؟فأقسم عليه أن يغنّيه شيئا من صنعته، و جدّ به في ذلك، فكان أول صوت غنّاه منها:

(1-1) التكملة من ف.

[2]ب: «عبد اللّه» .

[3] «المختار» : «و التخمين» .

[4]المثل: «إن الجواد عينه فراره» في «مجمع الأمثال بترتيب الكرماني» -37 ط. طهران، و جاء فيه: الفرار-بالكسر-النظر إلى أسنان الدابة ليعرف قدر سنه، و هو مصدر، و منه قول الحجاج: فررت عن ذكاء، و يروى فراره-بالضم-و هو اسم منه؛ يضرب لمن يدل ظاهره على باطنه فيغني عن الاختبار حتى لقد يقال: إن الخبيث عينه فراره.

[5]ف: «و قرّبناه» .

455
صوت‏

ارحلا صاحبيّ حان الرّحيل # و ابكياني فليس تبكي الطّلول

/قد تولّى النّهار و انقضت الشّ # مس يمينا و حان منها أفول‏

لحن هذا الصوت خفيف ثقيل.

قال:

فسمعت و اللّه صنعة حسنة متقنة لا مطعن عليها، فطرب الرّشيد و استعاده هذا الصّوت ثلاث مرّات، و أمر له بثلاثين ألف درهم، و لأخيه بعشرين ألف درهم. ثم لم يزل زبير معنا كواحد منا، و انحاز عبيد اللّه‏[1]إلى جنبة إبراهيم بن المهديّ، فكان معه. قال حمّاد: فقلت لأبي: كيف كانت صنعة عبيد اللّه‏[1]؟قال: أنا أجمل لك القول، لو كان زبير مملوكا لاشتريته بعشرين ألف دينار، و لو كان عبيد اللّه مملوكا ما طابت نفسي على أن أشتريه بأكثر من عشرين دينارا، فقلت: قد أجبتني بما يكفيني.

يغني الرشيد بشعر مدحه به‏

حدّثني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ، قال: حدثنا يوسف بن إبراهيم، قال: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ، و محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر: أنّ الرّشيد كتب في إشخاص الزّبير بن دحمان إلى مدينة السّلام‏[2]، فوافاها و اتّفق قدومه في وقت خروج‏[3]الرّشيد إلى الرّيّ لمحاربة بندار هرمز أصبهبد طبرستان، فأقام الزّبير بمدينة /السّلام إلى أن دخل الرّشيد، فلما قدم دخل عليه بالخيزرانة[4]، و هو الموضع الذي يعرف بالشّمّاسيّة[5]، فغنّاه في أول غنائه صوتا في شعر قاله هو أيضا في الرّشيد مدحه به، و ذكر خروجه إلى طبرستان و هو:

صوت‏

ألا إنّ حزب اللّه ليس بمعجز # و أنصاره في منعة المتحرّز

أبى اللّه أن يعصى لهارون أمره # و ذلّت له طوعا يد المتعزّز

إذا الرّاية السّوداء راحت أو اغتدت # إلى هارب منها فليس بمعجز

لطاعت لهارون العداة لدى الوغا # و كبّر للإسلام بندار هرمز[6]

لم أجد هذا الصّوت منسوبا في شي‏ء من الكتب إلاّ في كتاب بذل، و هو فيه غير مجنس.

و ذكر إبراهيم بن المهدي أنّ الشّعر للزّبير بن دحمان، و هذا خطأ؛ الشّعر لأبي العتاهية و هو موجود في شعره من قصيدة طويلة مدح بها الرشيد.

[1]ب: «عبد اللّه» .

[2]مدينة السلام هي بغداد.

[3]ب: «يخرج الرشيد... » .

[4]ف: «الخيزرانية» .

[5]الشماسية: منسوبة إلى بعض شماسي النصارى، و هي مجاورة لدار الروم التي في أعلى مدينة بغداد. ( «معجم ياقوت» ) .

[6]ف:

«أطاعت... لذي الوغا # ... و كفّر للإسلام»

.

456

قال أبو إسحاق: فاستحسن الرّشيد الشّعر و الغناء، و أمر له بألف دينار فدفعت إليه، و مكث ساعة ثم غنّى صوتا ثانيا و هو:

صوت‏

و أحور كالغصن يشفي السّقام # و يحكي الغزال إذا مارنا

شربت المدام على وجهه # و عاطيته الكأس حتى انثنى

و قلت مديحا أرجّي به # من الأجر حظّا و نيل الغنى

و أعني بذاك الإمام الذي # به اللّه أعطى العباد المنى‏

/لحن هذا الصوت ثاني ثقيل مطلق.

قال: فما فرغ من الصّوت حتى أمر له بألف دينار آخر فقبضه، و خفّ على قلبه و استظرفه، فأغناه في مدّة يسيرة من الأيّام.

يغني الرشيد بشعر يزيد ندمه على ما فعله بالبرامكة

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدثني أبو توبة، عن القطرانيّ، عن محمد بن حبيب قال:

كان الرّشيد بعد قتله البرامكة شديد الأسف عليهم، و التّندّم/على ما فعله بهم، ففطن لذلك الزّبير بن دحمان، فكان يغنّيه في هذا المعنى و يحرّكه، فغنّاه يوما و الشعر لامرأة من بني أسد:

من للخصوم إذا جد الخصام بهم # يوم النّزال و من للضّمر القود[1]

و موقف قد كفيت النّاطقين به # في مجمع من نواصي النّاس مشهود[2]

فرّجته بلسان غير ملتبس # عند الحفاظ و قول غير مردود[3]

فقال له الرّشيد: أعد، فأعاد، فقال له: ويحك!كأن قائل هذا الشّعر يصف به يحيى بن خالد، و جعفر بن يحيى، و بكى حتى جرت دموعه، و وصل الزّبير صلة سنيّة.

إسحاق يفضّل الزبير على أبيه و أخيه في الغناء

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد قال:

كان أبي يقول: ما كان دحمان يساوي على الغناء أربعمائة درهم، و أشبه خلق اللّه به غناء ابنه عبيد اللّه، و كان يفضّل الزبير بن دحمان على أبيه و أخيه‏[4]تفضيلا بعيدا. و في الزبير يقول إسحاق و له فيه غناء و هو:

[1]ف: «يوم الجدال» بدل «يوم النزال» . و القود جمع أقود، و هو من الخيل الذلول المنقاد، أو الشديد العنق لقلة التفاته.

[2]نواصي الناس: أشرافهم و المتقدمون منهم.

[3]ف: «بلسان غير مشتبه» . و في «المختار» ، ف: «و قلب غير مزءود» .

[4]ب: «و إخوته» .

457

أسعد بدمعك يا أبا العوّام # صبّا صريع هوى و نضو سقام

ذكر الأحبّة فاستجنّ و هاجه # للشوق نوح حمامة و حمام

لم يبد ما في الصّدر إلاّ أنّه # حيّا العراق و أهله بسلام

و دعاه داع للهوى فأجابه # شوقا إليه و قاده بزمام‏

الشّعر و الغناء لإسحاق ثقيل أول بالوسطى عن عمرو، و هذا الشعر قاله إسحاق و هو بالرّقّة مع الرّشيد يتشوّق إلى العراق.

إسحاق يغني الرشيد بالرقة شعرا يحنّ فيه إلى بغداد

أخبرني عمّي قال: حدثني عليّ بن محمد بن نصر، قال: حدّثني جدّي حمدون‏[1]بن إسماعيل، قال: قال لي إسحاق:

كنّا مع الرشيد بالرّقّة، و خرج يوما إلى ظهرها يصيد[2]، و كنت في موكبه أساير الزّبير بن دحمان فذكّرني بغداد و طيبها و أهلي و إخواني و حرمي فتشوّقت لذلك شوقا شديدا، و عرض لي همّ و فكر حتى أبكاني، فقال لي الزّبير: ما لك يا أبا محمد؟فشكوت إليه ما عرض لي، و قلت:

أسعد بدمعك يا أبا العوّام # صبّا صريع هوى و نضو سقام‏

و ذكر باقي الأبيات، و علمت أن الخبر سينمي إلى الرشيد، فصنعت في الأبيات لحنا، فلما جلس الرّشيد للشّرب ابتدأت فغنّيته إياه، فقال لي: تشوّقت و اللّه يا إسحاق و شوّقت و بلغت ما أردت، و أمر لي بثلاثين ألف درهم، و للزّبير بعشرين ألفا، و رحل إلى بغداد بعد أيّام.

الفضل بن الربيع يغضب من إسحاق‏

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم، قال: أخبرني أبي، قال: قال لي إسحاق، /و أخبرني به الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن عمرو[3]بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك، عن إسحاق قال:

جاءني الزّبير بن دحمان ذات يوم مسلّما، فاحتبسته فقال: قد أمرني الفضل بن الرّبيع بأن أصير إليه فقلت:

أقم يا أبا العوّام ويحك نشرب # و نلهو مع اللاّهين يوما و نطرب

إذا ما رأيت اليوم قد جاء خيره # فخذه بشكر و اترك الفضل يغضب‏

/قال: فأقام عندي فشربنا باقي يومنا، ثم سار[4]الزّبير إلى الفضل، فسأله عن سبب تأخره عنه، فحدّثه بالحديث، و أنشده الشعر، فغضب و حوّل وجهه عنّي، و أمر عونا حاجبه ألاّ يدخلني اليوم و لا يستأذن لي عليه، و لا يوصّل لي رقعة إليه، قال: فقلت:

[1]ب: «جدي عن حمدون بن إسماعيل» .

[2]ف: «يتصيّد» .

[3]ف: «عبد اللّه بن عمر» .

[4]ف: «صار» .

458

حرام عليّ الكأس ما دمت غضبانا # و ما لم يعد عنّي رضاك كما كانا

فأحسن فإنّي قد أسأت و لم تزل # تعوّدني عند الإساءة إحسانا

قال: و أنشدته إياهما، فضحك و رضي عنّي، و عاد إلى ما كان عليه.

و أخبرني الحسين‏[1]بن يحيى، عن حمّاد، عن أبيه بهذا الخبر، فذكر نحو ما ذكره الآخران‏[2]و زاد فيه:

و قلت في عون حاجبه:

عون يا عون ليس مثلك عون # أنت لي عدّة إذا كان كون

لك عندي و اللّه إن رضي الفضـ # ل غلام يرضيك أو برذون‏

فأتى عون الفضل بالشّعرين جميعا، فلما قرأهما ضحك و قال له: ويلك إنما عرّض لك بقوله: «غلام يرضيك» بالسّوأة، فقال: قد وعدني ما سمعت، فإن شئت أن تحرمنيه فأنت أعلم، فأمره أن يرسل إليّ و أتاني رسوله، فصرت إليه و رضي عنّي.

إسحاق و الزبير يحكمان حبشيّا في غنائهما

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك، قال:

حدّثني إسحاق، قال:

كان عندي الزّبير بن دحمان يوما، فغنّيت لحن أبي‏[3]:

أشاقك من أرض العراق طلول # تحمّل منها جيرة و حمول!

فقال لي الزّبير: أنت الأستاذ و ابن الأستاذ السيد، و قد أخذت عن أبيك هذا الصوت و أنا أغنّيه أحسن، فقلت له: و اللّه إني لا أحبّ أن يكون ذلك كذلك‏[4]فغضب و قال: فأنا و اللّه أحسن غناء منك. و تلاحينا طويلا، فقلت له:

هلمّ نخرج إلى صحراء الرّقّة، فيكون أكلنا و شربنا هناك، و نرضى في الحكم بأول من يطلع علينا، قال: أفعل.

فأخرجنا طعامنا و شرابنا و جلسنا نشرب على الفرات، فأقبل حبشيّ يحفر الأرض بالبال‏[5]، فقلت له: أ ترضى بهذا قال: نعم، فدعوناه فأطعمناه و سقيناه، و بدرني الزبير بالغناء، فغنّى الصوت، فطرب الحبشيّ و حرّك رأسه حتى طمع الزبير فيّ، ثم أخذت العود فغنيته فتأملني الحبشيّ ساعة ثم صاح، و أيّ شيطان هوه!و مدّ بها صوته، فما أذكر أنّي ضحكت مثل ضحكي يومئذ، و انخزل الزّبير.

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏
شعر لأبي العتاهية يمدح به الفضل بن الربيع و فيه غناء

[1]ب: «الحسن بن يحيى» .

[2]ب: «الآخر» .

[3]ب: «لحن إسحاق» .

[4]ب: «و اللّه إني لأحب» .

[5]البال: ما يعتمل به في أرض الزرع. و في ب: «بالناب» .