الأغاني - ج18

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
503 /
459

أشاقك من أرض العراق طلول # تحمّل منها جيرة و حمول!

و كيف ألذّ العيش بعد معاشر # بهم كنت عند النّائبات أصول!

الشعر لأبي العتاهية، و الغناء لإبراهيم ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر، عن أحمد بن المكّيّ، و فيه للحسين بن محرز ثقيل أوّل بالوسطى.

و هذان البيتان من قصيدة مدح بها أبو العتاهية الفضل بن الرّبيع، قال: أنشدنيها/عبد اللّه بن الرّبيع الربيعيّ، قال: أنشدنيها/أبو سويد عبد القويّ‏[1]بن محمد بن أبي العتاهية لجدّه يمدح الفضل بن الربيع، و إنما ذكرت ذلك هاهنا لأنّ من الناس من ينسبهما إلى غيره، فذكرت الأبيات الأول، و فيها يقول في مدح الفضل بن الرّبيع:

قبائل من أقصى و أدنى تجمّعت # فهنّ على آل الرّبيع كلول

تمرّ ركاب السّفر تثني عليهم # عليها من الخير الكثير حمول

إليك أبا العبّاس حنّت بأهلها # مغان و حنّت ألسن و عقول

و أنت جبين الملك بل أنت سمعه # و أنت لسان الملك حين تقول

و للملك ميزان يداك تقيمه # يزول مع الإحسان حيث يزول‏

الرشيد يرضى عن أم جعفر بعد أن سمع غناء للزبير من شعر ابن الأحنف‏

حدثني الصّوليّ، قال: حدثني المغيرة بن محمد المهلّبيّ، قال: حدّثنا الزّبير، قال: حدثني رجل من ثقيف، قال:

غضب الرشيد على أمّ جعفر، ثم ترضّاها فأبت أن ترضى عنه، فأرق ليلته ثم قال: افرشوا لي على دجلة، ففعلوا، فقعد ينظر إلى الماء و قد رأى زيادة عجيبة، فسمع غناء في هذا الشعر:

صوت‏

جرى السيل فاستبكاني السّيل إذ جرى # و فاضت له من مقلتيّ غروب

و ما ذاك إلاّ حين خبّرت أنّه # يمرّ بواد أنت منه قريب

يكون أجاجا ماؤه فإذا انتهى‏[2] # إليكم تلقّى طيبكم فيطيب

فيا ساكني شرقيّ دجلة كلّكم # إلى القلب من أجل الحبيب حبيب‏

/الشعر للعبّاس بن الأحنف، و الغناء للزّبير بن دحمان، خفيف رمل بالوسطى، عن الهشاميّ.

فسأل عن النّاحية التي فيها الغناء فقيل: دار ابن المسيّب، فبعث إليه أن ابعث بالمغنيّ، فإذا هو الزّبير بن دحمان، فسأله عن الشعر فقال: هو للعبّاس بن الأحنف، فأحضر و استنشده، فأنشده إياه، و جعل الزّبير يغنّيه و عبّاس ينشده، و هو يستعيدهما، حتى أصبح، و قام فدخل إلى أمّ جعفر، فسألت عن سبب دخوله فعرّفته، فوجّهت إلى العبّاس بألف دينار، و إلى الزّبير بألف دينار أخرى.

[1]ف: «عبد العزيز» .

[2]ف: «يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى» .

460

الرشيد يفضل لحنه على عشرين لحنا صنعها زملاؤه‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثني عليّ بن محمد، عن جدّه حمدون، قال:

تشوّق الرّشيد بغداد و هو بالرّقّة، فانحدر إليها، و أقام بها مدّة، و خلّف هناك بعض جواريه، و كانت حظيّة له فيهن خلّفها لمغاضبة كانت بينه و بينها، فتشوّقها تشوّقا شديدا، و قال فيها:

صوت‏

سلام على النّازح المغترب # تحيّة صبّ به مكتئب

غزال مراتعه بالبليخ # إلى دير زكّى فجسر الخشب‏[1]

أيا من أعان على نفسه # بتخليفه طائعا من أحبّ

سأستر و السّتر من شيمتي # هوى من أحبّ لمن لا أحبّ‏[2]

و جمع المغنين، فحضر إبراهيم الموصليّ، و ابن جامع، و فليح، و زبير بن دحمان، و المعلّى بن طريف، و حسين بن محرز، و سليم بن سلام، و يحيى المكيّ، و ابنه، و إسحاق، و أبو زكار/الأعمى، و أعطاهم الشعر و قال: ليعمل كل واحد منكم فيه/لحنا. قال: فلقد عملوا فيه عشرين لحنا، فما أعجب منها إلا بلحن الزّبير وحده، أعجب به إعجابا شديدا، و أجازه خاصّة دون الجماعة بجائزة سنيّة.

غنّى إبراهيم في هذه الأبيات و لحنه ما خوريّ بالوسطى‏[3]، و لفليح فيها ثاني ثقيل بالوسطى، و لابن جامع رمل بالبنصر، و لابن المكيّ ثقيل أول بالوسطى، و للزبير بن دحمان خفيف ثقيل بالسبابة في تجرى البنصر، و للمعلّى خفيف رمل بالوسطى، و لإسحاق رمل بالوسطى، و للحسين بن محرز هزج بالوسطى.

صوت‏

يا ناعش الجدّ إذا الجدّ عثر # و جابر العظم إذا العظم انكسر

أنت ربيعي و الرّبيع ينتظر # و خير أنواء[4]الرّبيع ما بكر

الشعر للعمانيّ الراجز، و الغناء لشارية خفيف رمل، من كتاب ابن المعتز و روايته.

[1]ب: «بقصر الخشب» ، و في ف: «بقصر الحزب» . و البليخ: نهر بالرقة. و دير زكي: دير بالرها.

[2]ب: «هوى من أحب بمن لا أحب» .

[3]ف: «و لحنه ماخوري بالوسطى و لابن صغير العين خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر و للمعلى خفيف رمل... الخ» .

[4]ب: «أنواع» .

461

20-نسب العماني و خبره‏[1]

نسبه‏

اسمه محمد بن ذؤيب بن محجن بن قدامة بن بلهيّة[2]الحنظليّ ثمّ الدّارميّ صليبة، و قيل له: العمانيّ، و هو بصريّ؛ لأنه كان شديد صفرة اللون، و ليس هو و لا أبوه من أهل عمان، و كان شاعرا راجزا متوسطا، من شعراء الدولة العباسية، ليس من نظراء الشعراء الذين شاهدهم في عصره، مثل أشجع و سلم و مروان، و لكنه كان لطيفا داهيا مقبولا، فأفاد بشعره‏[3]أموالا جليلة.

يدخل على الرشيد و ينشده فيجزل صلته‏

أخبرني ابن أبي الأزهر، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه، عن جبر بن رياط الأسديّ:

أنّ عبد الملك بن صالح أدخل العمانيّ على الرّشيد فأنشده:

يا ناعش الجدّ إذا الجدّ عثر # و جابر العظم إذا العظم انكسر

أنت ربيعي و الربيع ينتظر # و خير أنواء الربيع ما بكر

فقال له الرشيد: إذا يبكر عليك ربيعنا، يا فضل، أعطه خمسة آلاف دينار، و خمسين ثوبا.

قال إسحاق: قال جبر: لما دخل الرّشيد الرّقّة استقبله العمانيّ، فلما بصر به ناداه:

هارون يا ابن الأكرمين منصبا # لما ترحّلت فصرت كثبا

من أرض بغداد تؤمّ المغربا # طابت لنا ريح الجنوب و الصّبا

و نزل الغيث لنا حتى ربا # ما كان من نشز و ما تصوّبا[4]

فمرحبا و مرحبا و مرحبا

/فقال له الرّشيد: و بك مرحبا يا عمانيّ و أهلا، و أجزل صلته.

ينشد الرشيد أرجوزة طويلة أثناء قعوده للبيعة لابنه محمد

أخبرني محمد بن جعفر النّحويّ صهر المبرّد المعروف بابن الصّيدلانيّ‏[5]، قال: حدّثنا محمد بن موسى، [1]ف: «و أخباره» .

[2]ب: «باسية» .

[3]ب، ما: «بفعله» . و في مد: «فأفاد أموالا جليلة» .

[4]ف: «حيث ربا» بدل «حتى ربا» . و تصوب: انحدر، و منه قول الصنوبري:

و كأنّ محمرّ الشقيـ # ق إذا تصوّب أو تصعّد

أعلام ياقوت نشر # ن على رماح من زبرجد

[5]ف: «المعروف بالصيدلاني» . ـ

462

عن حمّاد، قال: قال العتبيّ‏[1]:

لما وجّه الفضل بن يحيى الوفد من خراسان إلى الرّشيد يحضّونه على البيعة لابنه محمّد قعد لهم‏[2]الرّشيد، و تكلم القوم على مراتبهم، و أظهروا السرور بما دعاهم إليه من البيعة لابنه، و كان فيمن حضر محمد بن ذؤيب العمانيّ، فقام بين صفوف القوّاد، ثم أنشأ يقول:

لمّا أتانا خبر مشهّر # أغرّ لا يخفى على من يبصر

جاء به الكوفيّ و المبصّر # و الراكب المنجد و المغوّر

/يخبّر النّاس و ما يستخبر # قلت لأصحابي و وجهي و مسفر

و للرجال: حسبكم لا تكثروا # فاز بها محمد فأقصروا

قد كان هذا قبل هذا يذكر # في كتب العلم التي تسطّر[3]

فقل لمن كان قديما يتجر: # قد نشر العدل‏[4]فبيعوا و اشتروا

و شرّقوا و غرّبوا و بشّروا[5] # فقد كفى اللّه الذي يستقدر

بمنّه أفعال ما قد يحذر # و السيف عنّا مغمد ما يشهر

و قلّد الأمر الأغرّ الأزهر # نوء السّماكين الذي يستمطر

بوجهه إن كان عام أغبر # سرّت به أسرّة و منبر

و ابتهج‏[6]النّاس به و استبشروا # و هلّلوا لربّهم و كبّروا

/شكرا و من حقّهم أن يشكروا # إذ ثبتت أوتاد ملك يعمر

من هاشم في حيث طاب العنصر # و طاح من كان عليها يزفر

إنّ بني العبّاس لم يقصّروا # إذ نهضوا لملكهم فشمّروا

و عقدوا و نزعوا و أمّروا # و دبّروا فأحكموا ما دبّروا

و أوردوا بالحزم ثم أصدروا # و الحزم رأي مثله لا ينكر

إذا الرّجال في الرّجال خيّروا # يا أيها الخليفة المطهّر

و المؤمن المبارك الموقّر[7] # و الطّيّب الأغصان و المظفّر

ما النّاس إلا غنم تنشّر # إن لم تداركهم براع يخطر

على قواصي طرقها و يستر[8] # و يمنع الذّئب فلا ينفّر

فامنن علينا بيد لا تكفر # مشهورة ما دام زيت يعصر

[1]ف: «الفقيمي» .

[2]ب: «فعذلهم» ، تصحيف.

[3]ب: «الذي يسطر» .

[4]ف: «قد يسر العدل» .

[5]ف: «و غربوا و سيروا» .

[6]ف: «و انتجع الناس» .

[7]ف: «المؤمر» .

[8]مد:

«على قواصي طوقها و يستر»

. و في ب:

«على قلوص طرقها و يستر»

.

463

و انظر لنا و خلّ من لا ينظر # و اجسر كما كان أبوك يجسر

لا خير في مجمجم‏[1]لا يظهر # و لا كتاب بيعة لا ينشر

و قد تربّصت فليس تعذر[2] # فليت شعري ما الذي تنتظر!

أ أنت قائم به أم تسخر[3] # ما لك في محمد لا تعذر!

و ليت شعري و الحديث يؤثر # أ ترقد الليل و نحن نسهر!

خوفا على أمورنا و نضجر # و اللّه و اللّه الذي يستغفر

/لأن يموت معشر و معشر # خير لنا من فتنة تسعّر

يهلك فيها دينهم و يوزروا # و قد وفى القوم الذين انتصروا[4]

لصاحب الرّوم و ذاك أصغر # منه و هذا البحر لا يكدّر

و ذاكم العلج و هذا الجوهر # ينمي به محمد و جعفر

و الخلفاء و النّبيّ الأكبر # و نبعة من هاشم و عنصر

و اعلم و أنت المرء لا يبصّر # [5] (و اللّه يبقيك و تجبر[5]

منّا ذوي العسرة حتى يوسروا # /أنّ الرّجال إن و لوها آثروا

ذوي القرابات بها، و استأثروا # بها، و ضلّ أمرهم و استكبروا

و الملك لا رحم له فيأصر # ذا رحم و الناس قد تغيّروا

فأحكم الأمر و أنت تقدر # فمثل هذا الأمر لا يؤخّر

فلما فرغ من أرجوزته قال له الرشيد: أبشر يا عمانيّ بولاية محمد العهد، فقال: إي و اللّه يا أمير المؤمنين، بشرى الأرض المجدبة بالغيث، و المرأة النّزور بالولد، و المريض المدنف بالبرء، قال: و لم ذاك؟قال: لأنه نسيج وحده، و حامي مجده، و موري زنده. قال: فما لك في عبد اللّه‏[6]، قال: مرعى و لا كالسّعدان، فتبسّم الرّشيد و قال: قاتله اللّه من أعرابيّ ما أعرفه بمواضع الرغبة، و أسرعه إلى أهل البذل و العائدة، و أبعده من أهل الحزم و العزم، و الذين لا يستمنح ما لديهم بالثّناء، أما و اللّه إني لأعرف في عبد اللّه حزم المنصور و نسك المهديّ، و عزّ نفس الهادي، و لو أشاء أن أنسبه إلى الرّابعة لنسبته إليها.

يرشح القاسم لولاية العهد في أرجوزة ينشدها للرشيد

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثنا عليّ بن الحسن الشّيبانيّ، و أخبرني به محمد بن جعفر، عن محمد بن موسى، عن حمّاد، عن أبي محمد المطبخيّ‏[7]، عن عليّ بن الحسن [1]جمجم الشي‏ء في صدره: أخفاه و لم يبده فهو مجمجم.

[2]ب: «فلست تغدر» .

[3]ف: «أ نائم أنت به أم تسهر» .

[4]مد، ما: «انتظروا» . و في ف: «نصّروا» . و يوزروا: يصابوا بالوزر، و هو الذنب.

(5-5) التكملة من ف.

[6]يعني المأمون.

[7]ب: «المضهنجي» .

464

الشّيبانيّ، قال: أخبرني أبو خالد الطائيّ، عن جبير بن ضبينة الطائيّ، قال: أخبرني الفضل‏[1]، قال:

حضرت الرّشيد يوما و جلس للشعراء، فدخل عليه الفضل بن الرّبيع و خلفه العمانيّ، فأدناه الرّشيد و استنشده، فأنشده أرجوزة له فيه، حتى انتهى إلى هذا الموضع:

قل للإمام المقتدى بأمّه‏[2]: # ما قاسم دون مدى ابن أمّه

و قد رضيناه فقم فسمّه‏

قال: فتبسّم الرّشيد ثم قال: ويحك!أ ما رضيت أن أولّيه العهد و أنا جالس حتى أقوم على رجلي!فقال له العمانيّ: ما أردت يا أمير المؤمنين قيامك على رجليك؛ إنما أردت قيام العزم، قال: فإنا قد ولّيناه العهد، و أمر بالقاسم أن يحضر. و مرّ العمانيّ في أرجوزته يهدر حتى أتى على آخرها، و أقبل القاسم فأومأ إليه الرشيد، فجلس مع أخويه فقال له: يا قاسم، عليك جائزة هذا الشّيخ، فقد سألنا أن نولّيك العهد و قد فعلنا، فقال: حكمك يا أمير المؤمنين، فقال: و ما أنا و هذا!بل حكمك، و أمر له الرّشيد بجائزة، و أمر له القاسم بجائزة أخرى مفردة.

يمدح أبا الحرّ التميمي‏

أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه قال:

دخل محمد بن ذؤيب العمانيّ على أبي الحرّ التّميميّ بالبصرة، فأطعمه و سقاه و جلّله بكساء فقال فيه:

إن أبا الحرّ لعين الحرّ # يدفع عنّا سبرات القرّ[3]

باللحم و الشّحم و خبز البرّ # و نطفة مكنونة في الجرّ[4]

يشربها أشياخنا في السّرّ # حتى نرى حديثنا كالدّرّ

و يمدح عبد الملك بن صالح فيثيبه‏

أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدّثنا حمّاد[5]، عن أبيه، قال:

قصد العمانيّ عبد الملك بن صالح/الهاشميّ متوسّلا به إلى الرشيد في الوصول إليه مع الشعراء، و مدح عبد الملك بقصيدته التي يقول فيها:

نمته العرانين‏[6]من هاشم # إلى النّسب الأوضح الأصرح

إلى نبعة فرعها في السماء # و مغرسها سرّة الأبطح‏

فأدخله عبد الملك إلى الرّشيد بالرّقة فأنشده:

هارون يا ابن الأكرمين حسبا # لما ترحّلت فكنت كثبا

من أرض بغداد تؤمّ المغربا # طابت لنا ريح الجنوب و الصّبا

[1]ف: «أبو خالد عن يحيى بن صفية الطائي، قال: أخبرني الفضل» .

[2]أمّ القوم و بهم: تقدّمهم.

[3]السبرات جمع سبرة، و هي الغداة الباردة.

[4]ب: «في الحر» و الجر جمع جرّة، و هي إناء من خزف.

[5]ف: «حماد بن إسحاق» .

[6]ف: «الغرانيق» . و عرانين القوم: سادتهم و أشرافهم.

465

و نزل الغيث لنا حتى ربا # ما كان من نشز و ما تصوّبا[1]

فمرحبا و مرحبا و مرحبا

/فأعطاه خمسة آلاف دينار و خمسين ثوبا.

يصف طعاما قدمه له محمد بن سليمان‏

أخبرني عمّي و الحسين بن القاسم الكوكبيّ، قالا: حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثنا إسحاق بن عبد اللّه الأزديّ، عن محمد بن عبد اللّه العامريّ القرشيّ، عن العمانيّ الشاعر:

أنه تغدّى مع محمد بن سليمان بن عليّ، فكان أوّل ما قدّم إليهم فرنيّة[2]في لبن عليها سكر، ثم تتابع الطّعام، فقال له: قل فيما أكلت شعرا تصفه، فقال:

جاءوا بفرنى لهم ملبون # بات يسقّى خالص السّمون

مصومع أكوم ذي غضون‏[3] # قد حشيت بالسكّر المطحون

و لوّنوا ما شئت من تلوين # من بارد الطّعام و السّخين

و من شراسيف و من طردين # و من هلام و مصوص جون‏[4]

و من إوزّ فائق سمين # و من دجاج قيت بالعجين‏[5]

فالشّحم في الظّهور و البطون # و أتبعوا ذلك بالجوزين

و بالخبيص الرّطب و اللّوزين # و فكّهوا بعنب و تين

و الرّطب الأزاذ[6]و الهيرون‏[7] # محمد يا سيّد البنين

/و بكر بنت المصطفى الأمين‏[8] # الصادق المبارك الميمون

و ابن ولاة البيت و الحجون # اسمع لنعت غير ذي تغنين

يخرج من فنّ إلى فنون # إن الحديث فيك ذو شجون‏

سبب تسميته العماني‏

أخبرنا الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني أحمد بن أبي كامل، قال:

حدّثني أبو هاشم القينيّ، قال:

كان محمد بن ذؤيب العمانيّ الراجز من أهل البصرة، و يكنى أبا عبد اللّه و إنّما قيل له العمانيّ؛ لأنّه أقبل يوما [1]انظر ص 311 (الحاشية 4) .

[2]الفرنية: خبز مستدير.

[3]مصومع: مجمع عال. و في ف: «أكرم» بدل «أكوم» .

[4]الشراسيف جمع شرسوف: و هو مقط الضلع، و هو الطرف المشرف على البطن. و الطردين: طعام للأكراد. و الهلام: طعام من لحم عجلة بجلدها أو مرق السكباج المبرد المصفى من الدهن. و المصوص: طعام يطبخ و ينقع في الخلّ أو من لحم الطير خاصة.

[5]ب: «فت» .

[6]الأزاذ: نوع جيد من التمر.

[7]الهيرون: البرّيّ من التمر و الرطب.

[8]ف: «و ابن عم المصطفى الأمين» .

466

و قد خرج من علّة و وجهه أصفر، فقال له بعض أصحابنا: يا أبا عبد اللّه قد خرجت من هذه العلّة كأنك جمل عمانيّ، قال: و كانت جمال عمان تحمل الورس من اليمن إلى عمان فتصفرّ، قال: و هو من بني تميم، ثم من بني فقيم.

يمدح عيسى بن موسى فيصله‏

قال: فقدم على عيسى بن موسى، فلمّا وصل إليه أنشده مديحا له وفد إليه به، فاستحسنه و وصله و اقتطعه إليه و خصّه، و جعله في جلسائه، فقال العمانيّ فيه:

/

ما كنت أدري ما رخاء العيش # و لا لبست الوشي بعد الخيش

حتى تمدّحت فتى قريش # عيسى، و عيسى عند وقت الهيش‏[1]

حين يخفّ غيره للطّيش‏[2] # زين المقيمين و عزّ الجيش

راش جناحيّ و فوق الرّيش‏

ينشد الرشيد قصيدة أثناء حصاره هرقلة يذكر فيها بغداد

أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني أحمد بن عليّ بن أبي نعيم، قال: حدّثنا موسى بن صبيح المروزيّ، قال:

/خرج الرّشيد غازيا بلاد الرّوم، فنزل بهرقلة، و نصب الحرب عليها، فدخل عليه العمانيّ و هو يذكر بغداد و طيبها و ما فيها أهلها من النّعمة، فأنشده العمانيّ قصيدة له في هذا المعنى، يذكر فيها طيب العيش ببغداد، وسعة النعم، و كثرة اللذّات، يقول فيها:

ثم أتوهم بالدّجاج الدّجّج # بين قديد و شواء منضج

و بعبيط ليس بالملهوج # فدقّ دقّ الكودنيّ الدّيرج‏[3]

حتى ملا أعفاج‏[4]بطن نفّج # و قال للقينة: صبّي و امزجي‏

قال: فوهب له على القصيدة ثلاثين ألف درهم.

ابن جامع يغني الرشيد شعرا في ضرب هرقلة

ثم دخل إليه ابن جامع و قد أمر الرّشيد أن يوضع الكبريت و النّفط الأبيض على الحجارة، و تلفّ بالمشاقة[5]، و توقد فيها النار، ثم توضع في كفّة المنجنيق و يرمى بها السّور، ففعلوا ذلك، و كانت النار تثبت في السّور و تصدّعه حتى طلبوا الأمان حينئذ، فغنّاه ابن جامع و قال:

هوت هرقلة لمّا أن رأت عجبا # حوائما[6]ترتمي بالنّفط و النّار

[1]الهيش: الفتنة.

[2]ب، مد، ما: «حين تجف عبرة للطيش» .

[3]لحم عبيط: طري. و الكودني: الفيل. و في ف: «فدق دق الكودرين الديرج» .

[4]الأعفاج جمع عفج، و هو ما ينتقل الطعام إليه بعد المعدة. و في ف: «حتى ملأ أنفاج بطن تنتجي» .

[5]المشاقة: ما سقط من الشعر و الكتان و نحوهما عند المشط.

[6]ب، مد، ما: «جواثما» .

467

كأنّ نيراننا في جنب قلعتهم # مصبّغات على أرسان قصّار

فأمر له بثلاثين ألف درهم أخرى.

يرتجل شعرا في فرس للمهديّ فيجيزه‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني أبو هفّان، قال: حدّثني أحمد بن سليمان، قال: قال يزيد بن عقال‏[1]:

/كنا وقوفا و المهديّ قد أجرى الخيل فسبقها فرس له يقال له الغضبان، فطلب الشّعراء فلم يحضر أحد منهم إلا أبو دلامة، فقال له: قلّده يا زند، فلم يفهم ما أراد فقلّده عمامته، فقال له المهديّ: يا بن اللّخناء، أنا أكثر عمائم منك؛ إنما أردت أن تقلّده شعرا، ثم قال: يا لهفي على العمانيّ، فلم يتكلّم بها حتى أقبل العمانيّ، فقيل له:

ها هو ذا قد أقبل الساعة يا أمير المؤمنين، فقال: قدّموه، فقدّموه فقال: قلّد فرسي هذا، فقال غير متوقف:

قد غضب الغضبان إذ جدّ الغضب # و جاء يحمي حسبا فوق الحسب

من إرث عبّاس بن عبد المطّلب # و جاءت الخيل به تشكو التّعب

له عليها ما لكم على العرب‏

فقال له المهديّ: أحسنت و اللّه، و أمر له بعشرة آلاف درهم.

صوت‏

لقد علمت و ما الإسراف من خلقي # أن الذي هو رزقي سوف يأتيني

أسعى له فيعنّيني تطلّبه # و لو قعدت أتاني لا يعنّيني‏

الشعر لعروة بن أذينة، و الغناء لمخارق ثقيل أول بالبنصر عن عمرو.

[1]ب، ما، مد: «يزيد بن عفان» .

468

21-أخبار عروة بن أذينة و نسبه‏[1]

نسبه‏

هو عروة بن أذينة، و أذينة لقبه، و اسمه يحيى بن مالك‏[2]بن الحارث بن عمرو بن عبد اللّه بن زحل بن يعمر، و هو الشّدّاخ بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. و سمّي يعمر بالشّدّاخ لأنه تحمّل ديات قتلى كانت بين قريش و خزاعة، و قال: قد شدخت هذه الدّماء تحت قدميّ، فسمّي الشّدّاخ.

قال ابن الكلبيّ: الشّدّاخ، بضمّ الشّين.

شاعر و فقيه و محدّث‏

و يكنى عروة بن أذينة أبا عامر، و هو شاعر غزل مقدّم، من شعراء أهل المدينة، و هو معدود في الفقهاء و المحدّثين، روى عنه مالك بن أنس، و عبيد اللّه بن عمر العدويّ. أخبرني بذلك أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، عن عمر بن شبّة، و روى جدّه مالك بن الحارث عن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.

روى قصة عن جده مالك‏

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن موسى، قال: حدّثنا أحمد بن الحارث، عن المدائنيّ، عن ابن دأب، عن عروة بن أذينة، عن أبيه، قال: حدّثني أبي مالك بن الحارث قال:

خرج مع عليّ بن أبي طالب عليه السلام رجل من قومي كان مصطلما[3]، فخرجت في أثره و خشيت انقراض أهل بيته، فأردت أن أستأذن له من عليّ، فأدركت عليّا عليه السلام بالبصرة، و قد هزم النّاس و دخل البصرة، فجئته فقال: /مرحبا بك يا بن الفقيمة، أبدا لك فينا بداء[4]؟قلت: و اللّه إنّ نصرتك لحقّ، و إنّي لعلى ما عهدت أحبّ العزلة، ثم ذاكرته أمر ابن عمّي ذلك، فلم يبعد عنه‏[5]، فكنت آتيه أتحدّث إليه. فركب يوما يطوف و ركبت معه، فإني لأسير إلى جانبه إذ مررنا بقبر طلحة، فنظر إليه نظرا شديدا، ثم أقبل عليّ فقال: أمسى و اللّه أبو محمد بهذا المكان غريبا، ثم تمثّل:

و ما تدري و إن أزمعت أمرا # بأيّ الأرض يدركك المقيل‏

[1]جاءت هذه الترجمة في الجزء الحادي و العشرون 105-111 بعد أن سقطت من نسخة بولاق و موضعها هنا، كما جاءت في نسخة ف و غيرها من النسخ الخطية الموثوقة.

[2] «مهذب الأغاني» : «يحيى بن مالك الليثي الكناني» .

[3]المصطلم: المقطوع.

[4]البداء، بفتح الباء: ظهور الرأي بعد أن لم يكن. و يقال: بدا لي في هذا الأمر بداء: ظهر لي فيه رأي آخر.

[5]ف: «يبعد منه» .

469

و اللّه إنّي لأكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب. قال: فوقع العراقيّون يشتمون طلحة و سكت عليّ و سكتّ، حتى إذا فرغوا أقبل عليّ عليه السلام عليّ فقال: إيه يا ابن الفقيمة، و اللّه إنه و إن قالوا ما سمعت لكما قال أخو جعفيّ:

فتى كان يدنيه الغنى من صديقه # إذا ما هو استغنى و يبعده الفقر

ثم أردت أن أكلّمه بشي‏ء فقلت: يا أمير المؤمنين، فقال: و ما منعك أن تقول: يا أبا الحسن‏[1]!فقلت:

أبيت، فقال: و اللّه إنّها لأحبّهما إليّ و لو لا الحمقى، و لوددت أني خنقت بحبل حتى أموت قبل أن يفعل عثمان ما فعل، و ما أعتذر من قيام بحقّ، و لكنّ العافية مما ترى كانت خيرا.

ذهب مع أبيه لمكة و رأى حريق الكعبة

حدّثنا محمد خلف وكيع، و الحسن بن عليّ الخفّاف، قالا: حدّثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدّثنا محمد بن سعد، عن الواقديّ، عن عبد اللّه بن يزيد، عن عروة بن أذينة، قال:

قدمت مع أبي مكّة يوم احترقت الكعبة، فرأيت الخشب و قد خلصت إليه/النّار، و رأيت الكعبة متجرّدة، من الحريق، و رأيت الرّكن قد اسودّ و تصدّع من ثلاثة أمكنة، فقلت: ما أصاب الكعبة؟فأشاروا إلى رجل من أصحاب ابن الزّبير فقالوا: هذا احترقت بسببه؛ أخذ قبسا في رأس رمح، فطيّرت الرّيح‏[2]منه شيئا، فضربت أستار الكعبة فيما بين اليمانيّ إلى الأسود.

وفد على هشام فذكّره بشعره في القناعة و لامه ثم ندم فأرسل إليه جائزة

حدّثني محمد بن جرير الطّبريّ و حفظته، و أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالوا: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني عمر بن محروس الورّاق بن أقيصر السّلميّ، قال: حدّثنا يحيى بن عروة بن أذينة، قال:

أتى أبي و جماعة من الشعراء هشام بن عبد الملك، فنسبهم، فلما عرف أبي قال له: أنت القائل:

لقد علمت و ما الإسراف من خلقي # أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني‏[3]

أسعى له فيعنّيني تطلّبه # و لو جلست‏[4]أتاني لا يعنّيني‏

هذان البيتان فقط ذكرهما المهلّبيّ و الجوهريّ، و ذكر محمد بن جرير في خبره الأبيات كلها:

و أنّ حظّ امرئ غيري سيبلغه # لا بدّ لا بدّ أن يحتازه‏[5]دوني

لا خير في طمع يدني لمنقصة # و غفّة[6]من قوام العيش تكفيني

/لا أركب الأمر تزري بي عواقبه # و لا يعاب به عرضي و لا ديني‏

[1]ف: «يا أبا حسن» .

[2]في «تاريخ الطبري» 5-499 ط. المعارف: «فطيرت الريح به» .

[3]في «الشعر و الشعراء» 2-579:

«... فما الإسراف في طمعي»

. و في اللسان (شرف) :

«و ما الإشراف في طمعي»

.

[4]ف، و «الشعر و الشعراء» 2-579، و «التجريد» :

«و لو قعدت»

.

[5]مج، «التجريد» : «يجتازه» .

[6]ف، «التجريد» ، س:

«و غبر من كفاف العيش»

. و في «المختار» :

«و غفة من كفاف العيش»

. و الغفة: البلغة من العيش.

470

كم من فقير غنيّ النّفس تعرفه # و من غنيّ فقير النّفس مسكين

و من عدوّ رماني لو قصدت له # لم يأخذ النّصف مني حين يرميني‏[1]

و من أخ لي طوى كشحا فقلت له: # إنّ انطواءك عني سوف يطويني

إني لأنطق فيما كان من أربي # و أكثر الصّمت فيما ليس يعنيني

لا أبتغي وصل من يبغي مفارقتي‏[2] # و لا ألين لمن لا يشتهي ليني‏

فقال له ابن أذينة: نعم أنا قائلها، قال: أ فلا قعدت في بيتك حتى يأتيك رزقك!.

و غفل عنه هشام، فخرج من وقته و ركب راحلته و مضى منصرفا، ثم افتقده هشام فعرف خبره، فأتبعه بجائزة و قال للرّسول: قل له: أردت أن تكذّبنا و تصدّق نفسك. فمضى الرسول فلحقه و قد نزل على ماء يتغذّى عليه، فأبلغه رسالته و دفع الجائزة. فقال: قل له: صدّقني ربّي و كذّبك.

قال يحيى بن عروة: و فرض له فريضتين، فكنت أنا في إحداهما.

أخبرنا وكيع قال: حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك، قال: حدّثني الزّبير بن بكّار، قال: حدّثني أبو غزيّة، قال: حدّثني أنس بن حبيب، قال:

خرج ابن أذينة إلى هشام بن عبد الملك في قوم من أهل المدينة وفدوا عليه، و كان ابنه مسلمة بن هشام سنة حجّ أذن لهم في الوفود عليه، فلما دخلوا على هشام انتسبوا له و سلّموا عليه، فقال: ما جاء بك يا ابن أذينة؟ فقال:

أتينا نمتّ بأرحامنا # و جئنا بإذن أبي شاكر

فإنّ الذي سار معروفه # بنجد و غار مع الغائر

/إلى خير خندف في ملكها # لباد من النّاس أو حاضر

فقال له هشام: ما أراك إلا قد أكذبت نفسك حيث تقول:

لقد علمت و ما الإسراف من خلقي # أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني

أسعى له فيعنّيني تطلّبه # و لو جلست أتاني لا يعنّيني‏

فقال له ابن أذينة: ما أكذبت نفسي يا أمير المؤمنين، و لكني صدّقتها، و هذا من ذاك. ثم خرج من عنده فركب راحلته إلى المدينة، فلما أمر لهم هشام بجوائزهم فقده، فقال: أين ابن أدينة؟فقالوا: غضب من تقريعك له يا أمير المؤمنين، فانصرف راجعا إلى المدينة، فبعث إليه هشام بجائزته.

مرّ بغنمه و راعيه نائم فضربه و قال شعرا

أخبرنا وكيع، قال: حدّثنا هارون بن محمد، قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدّثني عمّي، عن عروة بن عبيد اللّه، قال:

كان عروة بن أذينة نازلا مع أبي في قصر عروة بالعقيق، و خرج أبي يوما يمشي و أنا معه و ابن أذينة، و نظر إلى [1]هذا البيت ساقط من ف. و النّصف: الإنصاف. يقال: ما جعلوا بيني و بينهم نصفا.

[2] «المختار» : «مقاطعتي» .

471

غنم كانت له في يدي راع يقال له كعب، و هي مهملة، و كعب نائم حجرة[1]، فجعل ابن أذينة ينزو حوله و هو يضربه و يقول:

لو يعلم الذّئب بنوم كعب # إذا لأمسى عندنا ذا ذنب

اضربه و لا يقول حسبي # لا بدّ عند ضيعة من ضرب‏

غنّى ابن عائشة بشعره‏

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، و حبيب بن نصر المهلّبيّ، و إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قالوا: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني أبو غسّان محمد بن يحيى، عن بعض أصحابه، قال:

/مرّ ابن عائشة المغنيّ بعروة بن أذينة، فقال له: قل لي أبياتا هزجا أغنّي فيها، فقال له: اجلس، فجلس، فقال:

صوت‏

سليمى أجمعت بينا # فأين تقولها أينا!

و قد قالت لأتراب # لها زهر تلاقينا:

تعالين فقد طاب # لنا العيش تعالينا

و غاب البرم‏[2]الليـ # لة و العين فلا عينا

فأقبلن إليها مسـ # رعات يتهادينا

إلى مثل مهاة الرّمـ # ل تكسو المجلس الزّينا

تمنّين مناهن # فكنّا ما تمنّينا

قال أبو غسّان: فحدّثت أنّ ابن عائشة رواها، ثم ضحك لمّا سمع قوله:

تمنّين مناهنّ # فكنّا ما تمنّينا

ثم قال: يا أبا عامر تمنّينك‏[3]لمّا أقبل بخرك و أدبر ذكرك.

ذكر عند عمر بن عبد العزيز فامتدحه‏

قال عمر بن شبّة: قال أبو غسّان: فحدّثني حمّاد الحسينيّ قال:

ذكر ابن أذينة عند عمر بن عبد العزيز، فقال: نعم الرّجل أبو عامر، على أنه الذي يقول:

و قد قالت لأتراب # لها زهر تلاقينا

/و أخبرني بهذا الخبر وكيع، قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزّيات، عن الزّبير، عن محمد بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن قسطاس قال:

[1]حجرة: ناحية.

[2]البرم: الضجر السّئوم.

[3] «المختار» : «تمنتك» .

472

مرّ ابن عائشة بابن أذينة، ثمّ ذكر الخبر مثل الذي قبله.

اعتراض سكينة على ادعائه العفة مع شعر قاله‏

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، و الحرميّ بن أبي العلاء، قالا: حدّثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدثني أبو معاوية عبد الجبّار بن سعيد المساحقيّ، و أخبرنا به وكيع، قال: حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ، عن الحارث بن محمد العوفيّ، قال:

وقفت سكينة بنت الحسين بن عليّ عليهما السّلام على عروة بن أذينة في موكبها و معها جواريها، فقالت: يا أبا عامر، أنت الذي تزعم أن لك مروءة، و أنّ غزلك من وراء عفّة و أنّك تقيّ؟قال: نعم، قالت: أ فأنت الذي تقول:

صوت‏

قالت و أبثثتها وجدي فبحت به: # قد كنت عندي تحبّ السّتر فاستتر

أ لست تبصر من حولي؟فقلت لها: # غطّى هواك و ما ألقى على بصري‏[1]

قال لها: بلى، قالت: هنّ حرائر إن كان هذا خرج من قلب سليم، أو قالت: من قلب صحيح.

في هذين البيتين لعلّوية رمل بالبنصر، و فيهما لإسحاق هزج بالوسطى، /و فيهما لمخارق ثقيل أول بالبنصر، عن الهشاميّ و عمرو بن بانة، و ذكر حبش أنّ الثقيل الأول لمعبد اليقطينيّ.

تمثل المتوكل للمنتصر بشعره‏

و ذكر عليّ بن محمد بن نصر البسّاميّ أن خاله أبا عبد اللّه بن حمدون بن إسماعيل قال:

كنت جالسا بين يدي المتوكل، و بين يديه المنتصر، فأحضر المعتزّ و هو صبيّ صغير، فلعب فأفرط في اللّعب، و المنتصر يرمقه كالمنكر لفعله، فنظر إليه المتوكّل عدّة دفعات، ثم التفت إلى المنتصر فقال: يا محمد:

قالت و أبثثتها وجدي فبحت به: # قد كنت عندي تحب السّتر فاستتر

قال: فاعتذر إليه المنتصر عذرا قبله و هو مقطّب معرض. قال: و كان المنتصر أشدّ خلق اللّه بغضا للمعتز، و طعنا عليه. و لقد دخلت إليه يوما و دخل إليه أبو خالد المهلّبيّ بعد قتل المتوكل و إفضاء الخلافة إليه، و مع المهلبيّ درع كأنها فضة، فقال: يا أمير المؤمنين، هذه درع المهلّب، فأخذها و قام فلبسها، و رأى المعتزّ و عليه و شي‏ء مثقل و ما أشبه ذلك، فتمثّل ببيت جرير:

لبست سلاحي و الفرزدق لعبة # عليه وشاحا كرّج‏[2]و جلاجله‏

اعترضت امرأة على شعر قاله‏

أخبرني وكيع، قال: حدثني هارون بن محمد، قال: حدّثني عبد اللّه بن شعيب الزّبيريّ، قال: حدثني عبد العزيز بن أبي سلمة قال:

[1]البيتان في «الشعر و الشعراء» 2-579 ط. المعارف. و في «التنبيه» -27 ط. دار الكتب.

[2]الكرّج: مهر خشبي يلعب عليه الأطفال. ـ

473

مرّت امرأة بابن أذينة و هو بفناء داره فقالت له: أ أنت ابن أذينة؟قال: نعم، قالت: أ أنت الذي يقول النّاس إنّك امرؤ صالح‏[1]، و أنت الّذي تقول:

إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي # عمدت نحو سقاء القوم أبترد

/هبني بردت ببرد الماء ظاهره # فمن لحرّ على الأحشاء يتّقد![2]

أبو السائب المخزومي يطلب إنشاده شعرا قاله عروة

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدّثني عمّي، عن عروة بن عبد اللّه، و أخبرنا به وكيع، عن هارون بن الزّيّات، عن الزّبيريّ، عن عمه، عن عروة بن عبد اللّه، و ذكره حمّاد، عن أبيه، عن الزّبيريّ، عن عروة هذا قال:

كان عروة بن أذينة نازلا في دار أبي بالعقيق، فسمعه ينشد:

صوت‏

إنّ التي زعمت فؤادك ملّها # جعلت هواك كما جعلت هوى لها

فبك الّذي‏[3]زعمت بها و كلاكما # يبدي لصاحبه الصّبابة كلّها

و يبيت بين جوانحي حبّ لها # لو كان تحت فراشها لأقلّها[4]

و لعمرها لو كان حبّك فوقها # يوما و قد ضحيت إذا لأظلّها

و إذا وجدت لها وساوس سلوة # شفع الفؤاد إلى الضّمير فسلّها[5]

بيضاء باكرها النّعيم فصاغها # بلباقة فأدقّها و أجلّها[6]

لما عرضت مسلّما لي حاجة # أرجو معونتها و أخشى دلّها[7]

منعت تحيّتها فقلت لصاحبي: # ما كان أكثرها لنا و أقلّها

/فدنا فقال: لعلّها معذورة # من أجل رقبتها، فقلت: لعلّها

قال: فأتاني أبو السّائب المخزوميّ و أنا في داري بالعقيق، فقلت له بعد التّرحيب: هل بدت لك حاجة؟ فقال: نعم، أبيات لعروة بن أذينة، بلغني أنّك سمعتها منه، فقلت له: و أيّة أبيات؟فقال: و هل يخفى القمر؟قوله:

إنّ الّتي زعمت فؤادك ملّها

فأنشدته إيّاها، فلما بلغت إلى قوله: «فقلت: لعلّها» . قال: أحسن و اللّه، هذا و اللّه الدّائم العهد، الصادق الصبابة، لا الذي يقول:

[1]ف، «التجريد» : «يقول الناس: إنك بري‏ء و إنك صالح» .

[2]البيتان في «التنبيه» -26 ط. دار الكتب، و روي الشطر الأخير من البيت الثاني:

«فمن لنار على الأحشاء تتقد»

.

[3]مج، «المختار» : «التي زعمت» .

[4]أقلها: أصابها و أتعبها. و هذا البيت ساقط من ف.

[5]في «الأمالي» 1-156:

«شفع الضمير لها إلى فسلها»

، و في «المختار» :

«شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها»

.

[6]في «الأمالي» 1-156:

«بلبانه فأرقها و أجلها»

.

[7]س: «ذلّها» .

474

إن كان أهلك يمنعونك رغبة # عنّي فأهلي بي أضنّ و أرغب‏

اذهب لا صحبك اللّه و لا وسّع عليك-يعني قائل هذا البيت-لقد عدا الأعرابيّ طوره، و إني لأرجو أن يغفر اللّه لصاحبك-يعني عروة-لحسن ظنّه بها، و طلبه العذر لها. قال: فعرضت عليه الطّعام فقال: لا، و اللّه ما كنت لآكل بهذه الأبيات طعاما إلى اللّيل، و انصرف.

ذكر ما في هذا الخبر من الغناء

في الشّعر المذكور فيه لعروة في البيت الأول و الرّابع من الأبيات خفيف رمل بالوسطى، نسبه ابن المكّيّ إلى ابن مسجح، و قيل: إنّه من منحوله إليه، و فيهما و في البيت الثالث من شعر ابن أذينة خفيف ثقيل لابن الهربذ، و البيت:

و يبيت بين جوانحي حبّ لها # لو كان تحت فراشها لأقلّها

رأي لأبي السائب في شعر قاله‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدّثنا عمر بن أبي بكر المؤمّليّ، قال:

أخبرنا عبد اللّه بن أبي عبيدة[1]، قال: قلت: لأبي السّائب المخزومي: ما أحسن عروة بن أذينة حيث يقول:

صوت‏

لبثوا ثلاث منّى بمنزل غبطة # و هم على غرض لعمرك ما هم

متجاورين بغير دار إقامة # لو قد أجدّ رحيلهم لم يندموا

و لهنّ بالبيت العتيق لبانة # و البيت يعرفهنّ لو يتكلّم‏[2]

لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا # حيّا الحطيم وجوههنّ و زمزم

و كأنّهنّ و قد حسرن لواغبا # بيض بأكناف الحطيم مركّم‏

في هذه الأبيات الثّلاثة لابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو.

قال: فقال: لا، و اللّه ما أحسن و لا أجمل، و لكنّه أهجر و أخطل في صفتهنّ بهذه الصفة، ثم لا يندم على رحيلهن، أ هكذا قال كثيّر حيث يقول:

صوت‏

تفرّق أهواء الحجيج على منّى # و صدّعهم شعب النّوى صبح أربع‏[3]

فريقان: منهم سالك بطن نخلة # و آخر منهم سالك بطن تضرع‏[4]

-في هذين البيتين للدلال ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ و حبش-.

[1]ف: «أخبرنا عبد اللّه بن عبيدة» .

[2]ف: «لا يتكلم» .

[3]في ف: «منذ أربع» . و في «معجم البلدان» 1-853:

«إلى منى # ... مشى أربع»

.

[4]في «معجم البلدان» 1-853: تضرع: جبل لكنانة قرب مكة.

475

فلم أر دارا مثلها غبطة # و ملقى إذا التفّ الحجيج بمجمع

أقلّ مقيما راضيا بمكانه # و أكثر جارا ظاعنا لم يودّع‏

انظر إليه كيف تقدّمت شهادته علمه و كبا لسانه ببيانه‏[1]، و هل يغتبط عاقل بمقام لا يرضى به‏[2]، و لكن مكره أخوك لا بطل، و العرجيّ كان أوفي بالعهد منهما و أولى بالصّواب، حين تعرّض لها نافرة من منّى، فقال لها عاتبا مستكينا:

/

عوجي عليّ فسلّمي جبر # فيم الصّدود و أنتم سفر!

ما نلتقي إلاّ ثلاث منى # حتى يفرّق بيننا النّفر

في هذين البيتين غناء قد تقدّمت نسبته في أخبار ابن جامع في أوّل الكتاب‏[3].

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار، قال: حدّثني جعفر بن موسى اللّهبي، قال:

كان عبد الملك بن مروان إذا قدم مكّة أذن للقرشيّين في السّلام عليه، فإذا أراد الخروج لم يأذن لأحد منهم و قال: أكذبنا إذا قول الملحّى-يعني كثيّرا-حيث يقول:

تفرّق أهواء الحجيج على منى # و صدّعهم شعب النوى صبح أربع‏

و ذكر الأبيات الأربعة.

خالد صامة يغني شعره بين يدي الوليد بن يزيد

أخبرنا عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد، قال: حدّث الزبيريّ، عن خالد صامة، و كان أحد المغنّين قال:

قدمت على الوليد بن يزيد، فدخلت إليه و هو في مجلس ناهيك به، و هو على سرير، و بين يديه معبد و مالك و ابن عائشة و أبو كامل، فجعلوا يغنّون، حتى بلغت النّوبة إليّ فغنّيته:

صوت‏

سرى همّي و همّ المرء يسري # و غار النّجم إلا قيس فتر[4]

/أراقب في المجرّة كلّ نجم # تعرّض للمجرّة كيف يجري

لهمّ ما أزال له مديما # كأنّ القلب أضرم حرّ جمر[5]

على بكر أخي ولّى حميدا # و أيّ العيش يصفو بعد بكر!

[1]ف: «و كفى لسانه ببيانه» .

[2]ف: «و جعل يغتبط عاقل بمقام و لا يرضى به» .

[3]البيتان في الجزء الأول ص 422 (طبع الهيئة المصرية العامة للتأليف و النشر) معزوان للعرجي، و هو يشبب ببجيرة المخزومية زوجة محمد بن هشام و جاء بعدهما بيت ثالث و هو:

الحول بعد الحول يجمعنا # ما الدهر إلا الحول و الهشر

[4]في «رغبة الآمل» 2-238:

«و غار النجم إلا قيد فتر»

. و قيس فتر: مقداره.

[5]ف: «قديما» بدل: «مديما» . و في «رغبة الآمل» 2-238:

«كأن القلب سعر حر جمر»

.

476

فقال لي الوليد: أعد يا صام‏[1]، ففعلت، فقال لي: من يقول هذا الشّعر؟قلت: عروة[2]بن أذينة يرثي أخاه بكرا. فقال لي: و أيّ العيش لا يصفو بعده هذا العيش و اللّه الذي نحن فيه على رغم أنفه، و اللّه لقد تحجّر واسعا[3].

لابن سريج في هذه الأبيات ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو و ابن المكّيّ و غيرهما و فيها رمل ينسب إلى ابن عباد الكاتب، و إلى حاجب الحزّور[4]، و إلى مسكين بن صدقة.

حدّثنا الأخفش، عن محمد بن يزيد، قال: قال الزّبيري:

حدّثت أن سكينة بنت الحسين عليه السلام أنشدت هذا الشعر فقالت: من بكر هذا؟أ ليس هو الأسود الدّحداح‏[5]الذي كان يمرّ بنا؟قالوا: نعم، فقالت: لقد طاب كلّ شي‏ء بعده حتى الخبز و الزّيت.

اعترض ابن أبي عتيق على شعره في رثاء أخيه فخاصمه‏

و أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف، قال: حدّثنا أحمد بن سعيد الدّمشقيّ، قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار، قال:

حدثني عمّي، قال:

لقي ابن أبي عتيق عروة بن أذينة فأنشده قوله:

لا بكر لي إذ دعوت بكرا # و دون بكر ثرى و طين‏

/حتى فرغ منها، ثم أنشده:

سرى همّي و همّ المرء يسري‏

حتى بلغ إلى قوله:

و أيّ العيش يصلح بعد بكر!

فقال له ابن أبي عتيق‏[6]: كلّ العيش و اللّه يصلح بعده حتى الخبز و الزيت. فغضب عروة من قوله، و قام عن مجلسه، و حلف ألاّ يكلّمه أبدا، فماتا متهاجرين.

[1]ف، مج: «يا أصم» .

[2]ف: «عمر بن أذينة» .

[3]تحجر واسعا: ضيّق على نفسه.

[4]س: «ينسب إلى أبي عباد الكلب، و إلى صاحب الحرون» .

[5]الدحداح: القصير.

[6]س، مج: «ابن عتيق» .

477

22-ذكر مخارق و أخباره‏[1]

نسبه‏

هو مخارق بن يحيى بن ناووس الجزّار مولى الرّشيد، و قيل: بل ناووس لقب أبيه يحيى، و يكنى أبا المهنّأ، كناه الرشيد بذلك.

و كان قبله لعاتكة بنت شهدة، و هي من المغنّيات المحسنات المتقدّمات في الضّرب، ذكر ذلك مخارق و اعترف به. و نشأ بالمدينة، و قيل: بل كان منشؤه بالكوفة.

بان طيب صوته فعلمته مولاته الغناء

و كان أبوه جزّارا مملوكا، و كان مخارق و هو صبيّ ينادي على ما يبيعه أبوه‏[2]من اللحم، فلما بان طيب صوته علّمته مولاته طرفا من الغناء، ثم أرادت بيعه، فاشتراه إبراهيم الموصليّ منها، و أهداه للفضل بن يحيى، فأخذه الرّشيد منه، ثم أعتقه.

اشتراه إبراهيم الموصلي ثم وهبه إلى الفضل بن يحيى ثم صار إلى الرشيد

أخبرني الحسين بن يحيى، قال: قال حمّاد: حدّثني زكريّا مولاهم، و أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ، قال: حدّثني عبيد اللّه بن محمد بن عبد الملك، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن زكريّا مولاهم، قال:

قدمت مولاة مخارق به من الكوفة، فنزلت المخرّم‏[3]، و صار إبراهيم إلى جدّي الأصبغ بن سنان المقيّن‏[4] و سيرين‏[5]بن طرخان النّخّاس، فقالا له: إن/ هاهنا امرأة من أهل الكوفة قد قدمت و معها غلام يتغنّى، فأحبّ أن تنفعها فيه، قال: فوجّهني مع مولاته لأحمله، فوجدته متمرّغا في رمل الجزيرة التي بإزاء المخرّم و هو يلعب، فحملته خلفي و أتيت به إبراهيم، فتغنّى بين يديه فقال لها: كم أملك فيه؟قالت: عشرة آلاف درهم، قال: قد أخذته بها و هو خير منها. فقالت: أقلني، قال: قد فعلت، فكم أملك فيه؟قالت: عشرون ألفا، قال: قد أخذته بها و هو خير منها. فقالت: و اللّه ما تطيب نفسي أن أمتنع‏[6]من عشرين ألف درهم بكبد رطبة، فهل لك فيّ خصلة تعطيني به ثلاثين ألف درهم و لا أستقيلك‏[7]بعدها؟فقال: قد فعلت و هو خير منها، فصفقت على يده‏[8]و بايعته، و أمر [1]جاءت هذه الترجمة في الجزء الحادي و العشرين 143-159، و سقطت من طبعة بولاق و موضعها هنا، كما جاءت في نسخة ف و غيرها من النسخ الخطية الموثوقة.

[2]ف: «أبو مخارق» .

[3]المخرم (بكسر الراء) : محلة كانت ببغداد بين الرصافة و نهر المعلى منسوبة إلى مخرم بن يزيد بن شريح.

[4]المقين من قيّنه تقيينا: زيّنه.

[5]في «المختار» : «شيرين بن طرخان» . و في مج: «بشر بن طرخان» ، و في ما: «ابن طرخان» .

[6]ف، «المختار» : «و اللّه ما تطيب نفسي أن أمنع كبدا رطبة عشرين ألف درهم» .

[7]ف: «و لا أستقلك» . و استقاله البيع: طلب إليه أن يفسخه.

[8]صفقت على يده: ضربت يدها على يده، و ذلك وجوب البيع.

478

بالمال فأحضر، و أمر بثلاثة آلاف درهم فزيدت عليه، و قال: تكون هذه لهديّة تهدينها أو كسوة تكتسينها، و لا تثلمين المال.

و راح إلى الفضل بن يحيى فقال له: ما خبر غلام بلغني أنك اشتريته؟قال: هو ما بلغك، قال: فأرنيه، فأحضره، فلما تغنّى بين يدي الفضل قال له: ما أرى فيه الذي رأيت، قال: أنت تريد أن يكون في الغناء مثلي في ساعة واحدة، و لم يكن مثله في الدّنيا و لا يكون أبدا. فقال: بكم تبيعه؟فقال: اشتريته بثلاثة و ثلاثين ألف درهم، و هو حرّ لوجه اللّه تعالى إن بعته إلا بثلاثة و ثلاثين ألف دينار، فغضب الفضل و قال: إنما أردت أن تمنعنيه أو تجعله سببا لأن تأخذ منّي ثلاثة و ثلاثين ألف دينار، فقال له: أنا أصنع بك خصلة؛ أبيعك نصفه بنصف هذا المال، و أكون شريكك في نصفه و أعلّمه، فإن أعجبك إذا علّمته أتممت لي باقي المال. و إلا بعته بعد ذلك و كان الرّبح بيني و بينك. فقال له الفضل: إنما أردت أن تأخذ منّي المال الذي قدّمت ذكره، فلما لم تقدر على ذلك أردت أن تأخذ نصفه.

/و غضب، فقال له إبراهيم: فأنا أهبه لك، على أنه يساوي ثلاثة و ثلاثين ألف دينار، قال: قد قبلته، قال:

قد وهبته لك، و غدا إبراهيم على الرّشيد، فقال له: يا إبراهيم ما غلام بلغني أنك وهبته للفضل؟قال: فقلت: غلام يا أمير المؤمنين لم تملك العرب و لا العجم مثله، و لا يكون مثله أبدا، قال: فوجّه إلى الفضل فأمره بإحضاره، فوجّه به إليه فتغنّى بين يديه، فقال لي: كم يساوي؟قال: قلت: يساوي خراج مصر و ضياعها.

فقال لي: ويلك، أ تدري ما تقول!مبلغ هذا المال كذا و كذا، فقلت: و ما مقدار هذا المال في شي‏ء لم يملك أحد مثله قطّ!قال: فالتفت إلى مسرور الكبير و قال:

قد عرفت يميني ألاّ أسأل أحدا من البرامكة شيئا بعد فنفنة[1]، فقال مسرور: فأنا أمضي إلى الفضل فأستوهبه منه، فإذا وهبه لي و كان عبدي فهو عبدك، فقال له: شأنك. فمضى مسرور إلى الفضل فقال له: قد عرفتم ما وقعتم فيه من أمر فنفنة[1]، و إن منعتموه هذا الغلام قامت القيامة، و استوهبه منه فوهبه له، فبلغ ما رأيت. فكان علّوية إذا غضب على مخارق يقول له-حيث يقول: أنا مولى أمير المؤمنين-متى كنت كذلك؟إنما أنت عبد الفضل بن يحيى أو مولى مسرور.

سبب تلقيب أبيه بناووس‏

أخبرني ابن أبي الأزهر، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، عن أبيه قال:

كان مخارق بن ناووس الجزّار؛ و إنما لقّب بناووس لأنه بايع رجلا أنه يمضي إلى ناووس‏[2]الكوفة فيطبخ فيه قدرا بالليل حتى تنضج، فطرح رهنه بذلك، فدسّ الرجل الذي راهنه رجلا، فألقى نفسه في النّاووس‏[2]بين الموتى، فلمّا فرغ من الطّبيخ‏[3]/مدّ الرّجل يده من بين الموتى و قال له: أطعمني، فغرف مل‏ء المغرفة من المرقة فصبّها في يد الرجل فأحرقها، و ضربها بالمغرفة و قال له: اصبر حتى نطعم الأحياء أولا ثم نتفرّغ للموتى، فلقّب بناووس لذلك، فنشأ ابنه مخارق، و كان ينادي عليه إذا باع الجزور، فخرج له صوت عجيب، فاشتراه أبي و أهداه [1] «المختار» ، «قنقنة» ، و لعله خادم أو جارية.

[2]الناووس: مقبرة النصارى.

[3]ف، «التجريد» : «فلما فرغ ناووس من طبيخه» .

479

للرّشيد فأمره بتعليمه فعلّمه حتى بلغ المبلغ الذي بلغه.

غنى لرشيد بعد ابن جامع ففاقه‏

و كان يقف بين يدي الرّشيد مع الغلمان لا يجلس، و يغنّي و هو واقف، فغنّى ابن جامع ذات يوم بين يدي الرّشيد:

كأنّ نيراننا في جنب قلعتهم # مصبّغات على أرسان قصّار[1]

هوت هرقلة لمّا أن رأت عجبا # حوائما[2]ترتمي بالنّفط و النّار

فطرب الرشيد و استعاده عدّة مرّات، و هو شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة، و أقبل يومئذ على ابن جامع دون غيره، فغمز مخارق إبراهيم بعينه، و تقدّمه إلى الخلاء، فلما جاءه قال له: ما لي أراك منكسرا[3]؟قال: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على ابن جامع بسبب هذا الصوت؟فقال: قد و اللّه أخذته، فقال له: ويحك إنه الرّشيد، و ابن جامع من تعلم، و لا يمكن معارضته إلا بما يزيد على غنائه، و إلا فهو الموت، و قال: دعني و خلاك ذمّ، و عرّفه أنّي أغنّي به، فإن أحسنت فإليك ينسب، و إن أسأت فإليّ يعود[4]. فقال للرّشيد: يا أمير المؤمنين، أراك متعجبا من هذا/الصوت بغير ما يستحقه و أكثر ممّا يستوجبه، فقال: لقد أحسن ابن جامع ما شاء، قال: أو لابن جامع هو؟قال: نعم، كذا ذكر، قال له: فإن عبدك مخارقا يغنّيه، فنظر إلى مخارق، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: هاته، فغنّاه و تحفّظ فيه، فأتى بالعجائب؛ فطرب الرّشيد حتى كاد يطير فرحا، و شرب، ثم أقبل على ابن جامع فقال له: ويلك، ما هذا!فابتدأ يحلف له بالطّلاق و كلّ محرجة أنّه لم يسمع ذلك الصوت قطّ إلاّ منه، و لا صنعه غيره، و أنها حيلة جرت عليه، فأقبل على إبراهيم و قال: أصدقني بحياتي، فصدقه‏[5]عن قصّة مخارق، فقال له: أ كذلك هو يا مخارق؟قال: نعم يا مولاي، فقال: اجلس إذن مع أصحابك، فقد تجاوزت مرتبة من يقوم، و أعتقه و وصله بثلاثة آلاف دينار، و أقطعه ضيعة و منزلا.

كان سبب عتقه و غناه لحنا غناه أمام الرشيد

أخبرني محمد بن خلف وكيع، و حدّثني محمد بن خلف بن المرزبان، قال وكيع: حدّثني هارون بن مخارق، و قال ابن المرزبان: ذكر هارون بن مخارق، قال:

كان أبي إذا غنّى هذا الصوت:

يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا # زدت الفؤاد على علاّته وصبا[6]

ربع تبدّل ممّن كان يسكنه # عفر الظّباء و ظلمانا به عصبا[7]

[1]المصبغات: الملونات، و الأرسان من الأرض: الحزنة. و القصار: المبيض الثياب.

[2] «المختار» : «جواثما» . و جاء البيت الثاني في «التجريد» مكان الأول.

[3]ف: «ما لي رأيتك مفكرا» .

[4] «التجريد» ، ف: «و إن أسأت فعليّ يعود» .

[5] «المختار» : «فصدق» .

[6]ف: «نصبا» .

[7]العصب: جمع عصبه، و هي الجماعة.

480

يبكي و يقول: أنا مولى هذا الصّوت، فقلت له: و كيف ذاك يا أبت؟فقال: غنّيته مولاي الرّشيد فبكى و شرب عليه رطلا، ثمّ قال: أحسنت يا مخارق فسلني حاجتك، فقلت: أن تعتقني يا أمير المؤمنين أعتقك اللّه من/النّار، فقال: أنت حرّ لوجه اللّه، فأعد الصوت، فأعدته فبكى و شرب رطلا ثم قال: أحسنت يا مخارق فسلني حاجتك، فقلت: ضيعة تقيمني غلّتها، قال: قد أمرت لك بها، أعد الصوت، فأعدته فبكى و قال: سل حاجتك، فقلت:

يا أمير المؤمنين تأمر لي بمنزل و فرش و خادم، قال: ذلك لك، أعد الصّوت، فأعدته، فبكى و قال: سل حاجتك، فقبّلت الأرض بين يديه و قلت: حاجتي أن يطيل اللّه بقاءك و يديم عزّك و يجعلني من كلّ سوء فداءك، فأنا مولى هذا الصوت بعد مولاي.

المأمون يسأل إسحاق عنه و عن إبراهيم بن المهدي‏

[1]و ذكر محمد بن الحسن الكاتب أنّ أبان بن سعيد حدّثه:

أنّ المأمون سأل إسحاق، عن إبراهيم بن المهديّ و مخارق فقال: يا أمير المؤمنين إذا تغنّى إبراهيم بن المهديّ بعلمه فضل مخارقا، و إذا تغنّى مخارق بطبعه و فضل صوته فضل إبراهيم، فقال له: صدقت‏[1].

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا المبرد بهذا الخبر فقال: حدّثني بعض حاشية السلطان:

أنّ إبراهيم الموصليّ غنّى الرّشيد يوما هذا الصوت فأعجب به و طرب له و استعاده مرارا، فقال له: فكيف لو سمعته من عبدك مخارق، فإنّه أخذه عنّي و هو يفضل فيه الخلق جميعا و يفضلني، فدعا بمخارق فأمره أن يغنّيه، و ذكر باقي الخبر مثل الذي تقدّم.

كناه الرشيد أبا لنهنأ لإحسانه في الغناء

أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدثنا ابن أبي الدّنيا، عن إسحاق بن محمد النّخعيّ، عن الحسين بن الضّحّاك، عن مخارق:

أن الرّشيد قال يوما للمغنّين و هو مصطبح، من منكم يغنّي‏[2]:

يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا

/فقمت فقلت: أنا يا أمير المؤمنين، فقال: هاته، فغنّيته، فطرب و شرب ثم قال: عليّ بهرثمة بن أعين، فقلت في نفسي: ما يريد منه؟فجاءوا بهرثمة، فأدخل إليه و هو يجرّ سيفه، فقال له: يا هرثمة، مخارق الشّاري‏[3] الذي قتلناه بناحية الموصل ما كانت كنيته؟فقال: أبو المهنّأ، فقال: انصرف، فانصرف، ثم أقبل عليّ و قال: قد كنيتك أبا المهنأ لإحسانك، و أمر لي بمائة ألف درهم، فانصرفت بها و بالكنية.

الواثق يعذر غلمانه حين تركوا قصره و ذهبوا لسماع غنائه‏

أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثني عليّ بن محمد بن نصر البسّاميّ، قال: حدّثني خالي أبو عبد اللّه بن حمدون، قال:

[1]- (1) هذا الخبر ساقط من ف.

[2]ف: «يغنيني» .

[3]الشاري: من يبيع نفسه في طاعة اللّه، واحد الشراة. و الشراة: فرقة من الخوارج.

481

رحنا إلى الواثق و أمّه عليلة، فلمّا صلّى المغرب دخل إلى أمه، و أمر بألاّ نبرح، و كان في الصّحن حصر غير مفروشة. فقال لي مخارق: امض بنا حتى نفرش‏[1]حصيرا من هذه الحصر فنجلس على بعضه و نتّكئ على المدرّج منه، و كانت ليلة مقمرة، فمضينا ففرشنا بعض تلك الحصر، و استلقينا و تحدثنا، و أبطأ الواثق عند أمّه، فاندفع مخارق فغنّى:

أيا بيت ليلى إنّ ليلى عربية # براذان لا خال لديها و لا ابن عم‏[2]

فاجتمع علينا الغلمان و خرج الواثق فصاح: يا غلام، فلم يجبه أحد، و مشى من المجلس إلى أن توسّط الدّار، فلما رأيته بادرت إليه، فقال: /لي: ويلك، هل حدث في داري شي‏ء؟[3]فقلت: لا يا سيّدي، فقال:

فمالي أصيح فلا أجاب![3]فقلت: مخارق يغنّي و الغلمان قد اجتمعوا عليه، فليس فيهم فضل لسماع غير ما يسمعونه منه، فقال: عذر و اللّه لهم يا ابن حمدون، و أيّ عذر!ثم جلس و جلسنا بين يديه إلى السّحر.

إبراهيم الموصلي يعرف جودة طبعه فيخصه بالتعليم‏

و ذكر هارون بن محمد بن عبد الملك أنّ مخارقا كان ينادي على اللّحم الذي يبيعه أبوه، فيسمع له صوت عجيب، فاشترته عاتكة بنت شهدة و علّمته شيئا من الغناء ليس بالكثير، ثم باعته من آل الزّبير، فأخذه منهم الرّشيد و سلمه إلى إبراهيم الموصليّ، فأخذ عنه، و كان إبراهيم يقدّمه و يؤثره و يخصّه بالتّعليم لما تبيّنه منه و من جودة طبعه.

كان عبدا لعاتكة بنت شهدة الحاذقة بالغناء

أخبرني عليّ بن عبد العزيز الكاتب قال: حدّثني ابن خرداذبه قال:

كان مخارق بن يحيى بن ناووس الجزّار، و كان عبدا لعاتكة بنت شهدة، و كانت عاتكة أحذق الناس بالغناء، و كان ابن جامع يلوذ منها بالتّرجيع‏[4]الكثير، فتقول له: أين يذهب بك؟هلمّ إلى معظم الغناء و دعني من جنونك، قال: فحدّثني من حضرهما أنّ عاتكة أفرطت يوما في الردّ على ابن جامع بحضرة الرّشيد، فقال لها: أي أمّ العبّاس، أنا-يشهد اللّه-أحبّ‏[5]أن تحتك شعرتي بشعرتك، فقالت له: اسكت قطع اللّه لسانك، و لم تعاود بعد ذلك أذيّته، قال: و كانت شهدة أمّ عاتكة نائحة. هكذا ذكر ابن خرداذبه، و ليس الأمر في ذلك كما ذكره.

محمد بن داود يغني الرشيد بلحن أخذه عن شهدة فيفوق المغنين‏

حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ، قال: حدّثنا الغلابيّ، قال: حدّثني عليّ/بن محمد النّوفليّ عن عبد اللّه بن [1]في س، ف: «نبسط حصيرا» .

[2]راذان «بعد الألف ذال معجمة» الأسفل، و راذان الأعلى: كورتان بسواد بغداد تشتملان على قرى كثيرة، و أورد ياقوت في «معجمه» 2-730 البيت بعد قوله: و قال مرّة بن عبد اللّه النهدي في راذان المدينة، و جاء بعده البيتان:

و يا بيت ليلى لو شهدتك أعولت # عليك رجال من فصيح و من عجم

و يا بيت ليلى لا يبست و لا تزل # بلادك يسقيها من الواكف الدّيم‏

و في ف: «بداران» بدل «براذان» .

(3-3) ساقط من ف.

[4]رجع صوته، و فيه: ردده في حلقه.

[5]ف: «أشتهي» . ـ

482

العبّاس الرّبيعيّ، أنّه كان هو و ابن جامع و إبراهيم الموصليّ و إسماعيل بن عليّ عند الرّشيد، و معهم محمد بن داود بن عليّ، فغنّى المغنّون جميعا، ثم اندفع محمد بن داود فغنّاه:

صوت‏

أمّ الوليد سلمتني حلمي # و قتلتني فتحلّلي إثمي‏[1]

باللّه يا أمّ الوليد أ ما # تخشين فيّ عواقب الظّلم!

و تركتني أبغي الطّبيب و ما # لطبيبنا بالدّاء من علم‏[2]

قال: فاستحسنه الرّشيد و كلّ من حضر و طروا له، فسأله الرّشيد: عمّن أخذته، فقال: أخذته عن شهدة جارية الوليد بن يزيد، قال عبد اللّه بن العبّاس، و هي أمّ عاتكة بنت شهدة.

الأبيات المذكورة التي فيها الغناء لعبيد اللّه بن قيس الرّقيّات، و تمامها:

للّه درّك في ابن عمّك قد # زوّدته سقما على سقم

في وجهها ماء الشّباب و لم # تقبل بمكروه و لا جهم‏[3]

و الغناء فيه لابن محرز لحنان، كلاهما له، أحدهما ثقيل الأوّل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق، و الآخر خفيف ثقيل الأول بالبنصر عن/عمرو بن بانة، و فيه لمالك ثاني ثقيل عن الهشاميّ و حبش، و فيه لسليمان خفيف رمل بالبنصر عنهما، و ثقيل أوّل للحسين بن محرز.

الواثق يوازن بين جماعة من المغنين و يذكر أثر غناء مخارق‏

و قال هارون بن محمد بن عبد الملك الزّيات، قال أبي:

قال الواثق أمير المؤمنين: خطأ مخارق كصواب علّوية، و خطأ إسحاق كصواب مخارق، و ما غنّاني مخارق قطّ إلا قدّرت أنّه من قلبي خلق، و لا غنّاني إسحاق إلا ظننت أنه قد زيد في ملكي ملك آخر.

قال: و كان يقول: أ تريدون أن تنظروا فضل مخارق على جميع أصحابه: انظروا إلى هؤلاء الغلمان الذين يقفون في السّماط. فكانوا يتفقّدونهم و هم وقوف، فكلهم يسمع الغناء من المغنين جميعا و هو واقف مكانه ضابط لنفسه، فإذا تغنّى مخارق خرجوا عن صورهم فتحرّكت أرجلهم و مناكبهم، و بانت أسباب الطّرب فيهم، و ازدحموا على الحبل الذي يقفون من ورائه.

يستوقف الناس بحسن صوته في الأذان‏

قال هارون: و حدّثت أنه خرج مرّة إلى باب الكناسة بمدينة السّلام، و النّاس يرتحلون‏[4]للخروج إلى مكة، [1]تحللي إثمي: أبيحيه أو اجعليه حلالا. و في «الديوان» -149 ط. بيروت: «فتحملي إثمي» ، و في ف: «فتجللي» .

[2]في «الديوان» -149:

باللّه يا أم البنين أ لم # تخشي عليك عواقب الإثم

و تركتني أدعو الطبيب و ما # لطبيبكم بالداء من علم‏

[3]في «الديوان» -150:

«و بوجهها ماء الشباب و لم # ... تقبل بملعون و لا جهم»

. و الجهم: الاستقبال بوجه كريه.

[4]ف، مج: «يترحلون» . و في ما: «يرحلون» .

483

فنظر إليهم و اجتماعهم و ازدحامهم‏[1]، فقال لأصحابه الذين خرجوا معه: قد جاء في الخبر أنّ ابن سريج كان يتغنّى في أيّام الحجّ، و النّاس بمنى فيستوقفهم بغنائه، و سأستوقف لكم هؤلاء الناس و أستلهيهم جميعا، لتعلموا أنه لم يكن ليفضلني إلا بصنعته دون صوته، ثم اندفع يؤذّن، فاستوقف أولئك الخلق و استلهاهم، حتى جعلت المحامل يغشى بعضها بعضا، و هو كالأعمى عنها لما خامر قلبه من الطّرب لحسن ما يسمع.

أبو العتاهية يعجب بغنائه إعجابا شديدا

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة، قال: حدثني ابن أخت الحاركيّ و أبو سعيد/الرّامهرمزيّ، و أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد الأزديّ‏[2]، عن أحمد بن عيسى الجلوديّ عن محمد بن سعيد التّرمذيّ-و كان إسحاق إذا ذكر محمدا وصفه بحسن الصّوت، ثم قال: قد أفلتنا منه، فلو كان يغنّي لتقدّمنا جميعا بصوته-قالوا:

جاء أبو العتاهية إلى باب مخارق فطرقه و استفتح‏[3]، فإذا مخارق قد خرج إليه، فقال له أبو العتاهية:

يا حسّان‏[4]هذا الإقليم، يا حكيم أرض بابل، اصبب في أذني شيئا يفرح به قلبي، و تنعم به نفسي، فقال: انزلوا، فنزلنا، فغنّانا، قال محمد بن سعيد: فكدت أسعى على وجهي طربا. قال: و جعل أبو العتاهية يبكي، ثم قال له:

يا دواء المجانين لقد رقّقت حتّى كدت أحسوك، فلو كان الغناء طعاما لكان غناؤك أدما، و لو كان شرابا لكان ماء الحياة.

أبو العتاهية يشتهي سماعه حين حضرته الوفاة

نسخت من كتاب ابن أبي الدّنيا، حدّثني بعض خدم السّلطان، قال:

قال رجل لأبي العتاهية و قد حضرته الوفاة: هل في نفسك شي‏ء تشتهيه؟قال: أن يحضر مخارق الساعة فيغنّيني:

سيعرض عن ذكري و تنسى مودّتي‏[5] # و يحدث بعدي للخليل خليل

إذا ما انقضت عنّي من الدهر مدّتي # فإن غناء الباكيات قليل‏

سأل أبا العتاهية عن شعره في تبخيل الناس‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا محمد بن عليّ بن حمزة العلويّ، قال: حدّثنا علي بن الحسين بن الأعرابيّ، قال:

لقي مخارق أبا العتاهية، فقال له: يا أبا إسحاق، أ أنت القائل:

/

اصرف بطرفك حيث شئـ # ت فلن ترى إلاّ بخيلا

قال له: نعم. قال: بخّلت الناس جميعا، قال: فاصرف بطرفك يا أبا المهنّأ فانظر فإنّك لن ترى إلاّ بخيلا، [1]س: «فنظر إلى كثرتهم و اجتماعهم و ازدحامهم» .

[2]س: «محمد بن يزيد المبرد الأزدي» .

[3]ف: «إلى باب مخارق و استفتح» .

[4]حسن الشي‏ء: جمل، فهو حاسن و حسن و حسين و حسّان.

[5]ف، «المختار» : «ستعرض عن ذكري و تنسى مودتي» بالبناء للفاعل.

484

و إلا فأكذبني بجواد واحد، فالتفت مخارق يمينا و شمالا ثم أقبل عليه فقال: صدقت يا أبا إسحاق، فقال له أبو العتاهية: فديتك، لو كنت ممّا يشرب لذررت على الماء و شربت.

غنّى بين قبرين فترك الناس أعمالهم و التفوا حوله‏

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدّثني بعض آل نوبخت، قال:

كان أبي و عبد اللّه بن أبي سهل و جماعة من آل نوبخت و غيرهم وقوفا بكناسة الدّوابّ في الجانب الغربيّ من بغداد يتحدّثون، فإنهم لكذلك إذ أقبل مخارق على حمار أسود، و عليه قميص رقيق و رداء مسهّم‏[1]، قال: فيم كنتم؟فأخبروه، فقال: دعوني من وسواسكم هذا، أيّ شي‏ء لي عليكم إن رميت بنفسي بين قبرين من هذه القبور و غطّيت وجهي و غنّيت صوتا، فلم يبق أحد بهذه الكناسة و لا في الطّريق من مشتر و لا بائع و لا صادر و لا وارد إلا ترك عمله و قرب منّي و اتّبع صوتي؟فقال له عبد اللّه: إنّي لأحبّ أن أرى هذا، فقل ما شئت، فقال: فرسك الأشقر الذي طلبته منك فمنعتنيه، قال: هو لك إن فعلت ما قلت، ثمّ دخلها و رمى بنفسه بين قبرين و تغطّى بردائه، ثمّ اندفع يغنّي فغنّى في شعر أبي العتاهية:

نادت بوشك رحيلك الأيام # أ فلست تسمع أم بك استصمام!

/قال: فرأيت الناس يتقوّضون إلى المقبرة أرسالا[2]من بين راكب و راجل و صاحب شول و صاحب جدي‏[3]و مارّ بالطريق، حتى لم يبق بالطريق أحد، ثم قال لنا من تحت ردائه: هل بقي أحد؟قلنا: لا، و قد وجب الرّهن، فقام فركب حماره، و عاد النّاس إلى صنائعهم، فقال لعبد اللّه: أحضر الفرس، فقال: على أن تقيم اليوم عندي، قال: نعم، فانصرفنا معهما، و سلّم الفرس إليه و برّه و أحسن إليه و أحسن رفده.

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

نادت بوشك رحيلك الأيّام # أ فلست تسمع أم بك استصمام!

و مضى أمامك من رأيت و أنت للـ # باقين‏[4]حتّى يلحقوك إمام

ما لي أراك كأنّ عينك لا ترى # عبرا[5]تمرّ كأنّهنّ سهام

تمضي الخطوب و أنت منتبه لها # فإذا مضت فكأنّها أحلام‏

الشّعر لأبي العتاهية، و الغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى، و فيه لمخارق هزج بالوسطى، كلاهما عن عمرو، و فيه رمل يقال: إنه لعلّوية، و يقال: إنه لمخارق عن الهشاميّ.

[1]سهّم الثوب: صور فيه سهاما؛ فهو مسهّم.

[2]يتقوضون: يجيئون و يذهبون، و في «المختار» : «ينفضون» . و الأرسال جمع رسل: الجماعة من الناس.

[3]ما، «المختار» : «و صاحب شوك و صاحب كرى» . و الشول جمع شائلة على غير قياس، و هي من الإبل: التي أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر فجف لبنها.

[4]ف: «و أنت في الباقين» .

[5]ف: «عيرا» .

485

بكى أبو العتاهية حين سمع جارية تغني لحنا لمخارق في شعر له‏

أخبرني جحظة، قال: ذكر ابن المكّيّ المرتجل عن أبيه:

أنّ أبا العتاهية دخل يوما إلى صديق له و عنده جارية تغنّي، فقال: /أبا إسحاق إن هذه الجارية تغنّي صوتا حسنا في شعر لك، أ فتنشط إلى سماعه؟قال: هاتيه، فغنّته لحنا لعمرو بن بانة في قوله:

نادت بوشك رحيلك الأيّام‏

فعبس و بسر و قال: لا جزى اللّه خيرا من صنع هذه الصّنعة في شعري، قال: فإنّها تغنّي فيه لحنا لمخارق، قال: فلتغنّه فغنّته، فأعجبه و طرب حتى بكى ثم قال: جزى اللّه هذا عنّي خيرا، و قام فانصرف.

و قد روى هذا الخبر هارون بن الزّيات، عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه، عن غزوان: أنه كان و عبيد اللّه بن أبي غسّان، و أبو العتاهية، و محمد بن عمرو الرّوميّ، عند ابن أبي مريم‏[1]و معهم مغنّية يقال لها بنت إبليس، فغنّى عبيد اللّه بن أبي غسّان في لحن مخارق:

نادت بوشك رحيلك الأيّام‏

فلم يستحسنه أبو العتاهية، ثمّ غنّى فيه لحنا لإبراهيم بن المهديّ فأطربه، و قال: جزى اللّه عنّي هذا خيرا.

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: بلغني أنّ المتوكل دخل إلى جارية من جواريه و هي تغنّي:

صوت‏

أ من قطر النّدى نظّمـ # ت ثغرك أم من البرد!

و ريقك من سلاف الكر # م أم من صفوة الشّهد!

أيا من قد جرى منّي # كمجرى الرّوح في الجسد[2]

ضميرك شاهدي فيما # أقاسيه من الكمد

/و الغناء لمخارق رمل، فقال لها: ويحك، لمن هذا الغناء؟فقالت: أخذته من مخارق، قال: فألقيه على الجواري جميعا، ففعلت، فلما أخذنه عنها أمر بإخراجهنّ إليه، و دعا بالنّبيذ، و أمر بألاّ يغنّينه غيره ثلاثة أيام متوالية، و كان ذلك بعد وفاة مخارق.

أدخل أبا المضاء الأسدي بيته و سقاه و غنّاه و كساه فقال فيه شعرا

و أخبرنا إسماعيل بن يونس الشّيعيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، قال: قال عمر بن نوح بن جرير:

سألت أبا المضاء الأسديّ أن ينشدني فقال: أنشدك من شعري شيئا، قلته لرجل لقيته على الجسر ببغداد، فأعجبه مني ما يرى من دماثتي، و أقبلت أحدّثه و هو ينصت لي، و أنشده و هو يحسن الإصغاء إلى إنشادي، و يحدّثني فيحسن الحديث، حتى بلغنا منزله، فأدخلني فغدّاني ثم لم يرم حتى كساني و سقاني فروّاني، ثم أسمعني و اللّه شيئا [1]ف: «عند ابن أبي موسى» .

[2]ف: «في جسدي» .

486

ما طار في مسامعي شي‏ء قطّ أحسن منه، فلما خرجت سألت عنه، فقال لي غلمانه: هذا أبو المهنّأ مخارق، فقلت فيه:

أعاد اللّه يوم أبي المهنّأ # علينا إنّه يوم نضير[1]

تغيّب نحسه عنّا و أرخى # علينا وابل جود[2]مطير

فلمّا أن رأيت القطر فوقي # و أقداحا يحثّ بها المدير

و أسعدنا بصوت لو وعاه # وليّ العهد خفّ به السّرير[3]

تذكّرت الحبيب و أهل نجد # و روضا نبته غضّ نضير

قال: فقلت له: و لم ذكرت نجدا مع ما كنت فيه؟و كان ينبغي لك أن تنساه، قال: كلاّ، إنّ المرء إذا كان فيما يحبّ تذكّر أهله، قلت: فما غنّاك؟قال: غنّاني:

/

و ما روضة جاد الرّبيع بهطله # عليها فروّاها و رقّت غصونها

و هبّت عليها الرّيح حتى تبسّمت # و حتى بدت فوق الغصون عيونها

بأحسن منها إذ بدت وسط مجلس # و في يدها عود فصيح يزينها

و قد أنطقته و الشّمال جريّة # على عقد ما تلقي عليها يمينها[4]

قال: فلم يزل يردّده عليّ حتى قضيت و طري من لذّتي، و حفظته عنه.

غنى لإبراهيم الموصلي فجرت دموعه و نشج أحرّ نشيج‏

أخبرني جحظة، قال: حدّثني حمّاد بن إسحاق، عن أبيه قال:

دخلت على جدّك إبراهيم و هو جالس بين بابين له، و مخارق بين يديه يغنّيه:

يا ربع بشرة إن أضرّ بك البلى # فلقد رأيتك آهلا معمورا

قال: و اللّحن الذي كان يغنّيه لمالك، و فيه عدّة ألحان مشتركة، فرأيت دموع أبي تجري عمى خدّيه من أربعة أماكن و هو ينشج أحرّ نشيج‏[5]، فلمّا رآني قال: يا إسحاق هذا و اللّه صاحب اللواء غدا إن مات أبوك.

رأى رؤيا فسّرها إبراهيم الموصلي بأن إبليس قد عقد له لواء صنعة الغناء

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني هارون بن مخارق، عن أبيه، قال:

رأيت و أنا حدث كأنّ شيخا جالسا على سرير في روضة حسنة قد دعاني، فقال لي: غنّني يا مخارق، فقلت:

أصوتا تقترحه أم ما حضر؟فقال: ما حضر، فغنّيته بصنعتي في:

[1]ف: «يوم قصير» .

[2]الجود: المطر الغزير، و قد يأتي وصفا كما ورد في البيت.

[3]في: «حف به السرور» .

[4]ف:

«ما تلقى عليه يمينها»

، و الشمال: الريح التي تهب من جهة الشمال و تقابل الجنوب. و الجرية: الوكيلة.

[5]نشج الباكي نشيجا: غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب.

487
صوت‏

دعي القلب لا يزدد خبالا مع الذي # به منك أو داوي جواه المكتّما

و ليس بتزويق اللسان و صوغه # و لكنّه قد خالط اللّحم و الدّما

/و لحن مخارق فيه ثقيل أول، و فيه لابن سريج رمل.

قال: فقال لي: أحسنت يا مخارق، ثم أخذ وترا من أوتار العود فلفّه على المضراب، و دفعه إليّ، فجعل المضراب يطول و يغلظ، و الوتر ينتشر و يعرض حتى صار المضراب كالرّمح، و الوتر كالعذبة عليه، و صار في يدي علما، ثم انتبهت فحدّثت برؤياي إبراهيم الموصليّ، فقال لي: الشّيخ، بلا شك، إبليس، و قد عقد لك لواء صنعتك، فأنت ما حييت رئيس أهلها.

قال مؤلّف هذا الكتاب: و أظنّ أنّ الشاعر الذي مدح مخارقا إنما عنى هذه الرؤيا بقوله:

لقد عقد الشّيخ الذي غرّ آدما # و أخرجه من جنة و حدائق

لواءي فنون للقريض و للغناء # و أقسم لا يعطيهما غير حاذق‏

أرسل الواثق جواريه إلى بيته ليصحح لهن صوتا

و ذكر محمد بن الحسن الكاتب، أنّ هارون بن مخارق حدّثه فقال:

كان الواثق شديد الشّغف بأبي، و كان قد اقتطعه عنّا، و أمر له بحجرة في قصره، و جعل له يوما في الأسبوع لنوبته في منزله، و كان جواريه يختلفن‏[1]لذلك اليوم، قال: فانصرف إلينا مرّة في نوبته فصلّى الغداة مع الفجر على أسرّة في صحن الدّار في يوم صائف و جلس يسبّح، فما راعنا إلا خدم بيض قد دخلوا فسلّموا عليه و قالوا:

إن أمير المؤمنين قد دعا بنا في هذه الساعة، فأعدنا عليه الصوت الذي طرحته علينا فلم يرضه من أحد منا، و أمرنا بالمصير إليك لنصحّحه عليك، قال: فأمر غلمانه فطرحوا لهم عدّة كراسيّ فجلسوا عليها، ثم قال لهم:

ردّوا الصوت، فردّوه، فلم يرضه من أحد منهم، فدعا بجاريته عميم، فردّته عليهم، فلم يرضه منها، قال:

/فتحوّل إليهم ثم اندفع فردّ الصوت على الخدم، فخرج الوصائف من حجر جواريه حتى وقفن حوالي الأسرّة، و دخل غلام من غلمانه و كان يستقي الماء، فهجم على الصّحن بدلوه، و جاءت جارية على كتفها جرّة من جرار المزمّلات‏[2]، حتى وقفت بالقرب منه، قال: و سبقتني عيناي فما كففت دموعها[3]حتى فاضت.

ثمّ قطع الصوت حين استوفاه، فرجع الوصائف الأصاغر سعيا إلى حجر الجواري، و خرج الغلام السّقّاء يشتدّ إلى بغلة، و رجعت الجارية الحاملة الجرة المزمّلة شدّا إلى الموضع الذي خرجت منه، فتبسّم أبي و قال: ما شأنك يا هارون؟فقلت: يا أبت جعلني اللّه فداءك، ما ملكت عيني، قال: و أبوك أيضا لم يملك عينه.

نام في بيت إبراهيم بن المهدي و هو يغني ثم انتبه و أكمل الغناء

و ذكر هارون بن الزّيات عن أصحابه قال:

[1]في ما، ف: «يحتففن» .

[2]المزملات: جمع مزمّلة؛ و هي الجرة يبرد فيها الماء، و في وسطها ثقب فيه قصبة من الفضة أو الرصاص يشرب منها (عراقية) .

[3]ف: «دموعهما» .

488

جمع إبراهيم بن المهديّ المغنّين ذات يوم في منزله، فأقاموا، فلمّا دخلوا في الليل ثمل مخارق و سكر سكرا شديدا، فسألوه أن يغني صوتا، فغنّى هذا البيت من شعر عمر بن أبي ربيعة المخزوميّ:

قال: ساروا و أمعنوا و استقلّوا # و برغمي لو استطعت سبيلا

فانتهى منه إلى قوله: و استقلوا. و انثنى نائما، فقال إبراهيم بن المهديّ: مهّدوه‏[1]و لا تزعجوه، فمهّدوه و نام، حتى مضى أكثر الليل، ثم استقلّ من نومه فانتبه و هو يغني تمام البيت:

و برغمي لو استطعت سبيلا

[2]و هو تمام البيت من حيث قطعه و سكت عليه من صوته‏[2].

/قال: فجعل إبراهيم يتعجّب منه، و يعجب منه من حضره، من جودة طبعه و ذكائه و صحّة فهمه.

محمد بن الحسن بن مصعب يسأل إسحاق عنه و عن إبراهيم بن المهدي: أيهما أحذق غناء

حدثنا يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، قال: قال محمد بن الحسن بن مصعب:

قلت لإسحاق يوما: أسألك باللّه إلاّ صدقتني في مخارق و إبراهيم بن المهديّ، أيهما أحذق و أحسن غناء؟ فقال لي إسحاق: أ جادّ أنت؟و اللّه ما تقاربا قطّ، و الدّليل على فضل مخارق عليه أنّ إبراهيم لا يؤدّي صوتا قديما ثقيلا جيّدا أبدا و لا يستوفيه، و إنما يغنّي الأهزاج و الغناء الخفيف، و أمّا الذي فيه عمل شديد فلا يصيبه.

طلب منه سعيد بن سلم الغناء في شعر ضعيف‏

أخبرني يحيى، قال: حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ، قال: حدثني بعض ولد سعيد بن سلم، قال:

دخل مخارق على سعيد بن سلم فسأله حاجة، فلما خرج قيل له: أ ما تعرف هذا؟هذا مخارق، فقال:

ويحكم !دخل و لم نعرفه، و خرج و لم نعرفه، ردّوه، فردّوه، فقال له: دخلت علينا و لم نعرفك، فلمّا عرفناك‏[3] أحببنا ألاّ تخرج حتى نسمعك، فقال له: أيّ شي‏ء تشتهي أن أسمعك؟فقال:

يا ريح ما تصنعين بالدّمن‏[4] # كم لك من محو منظر حسن!

فغنّاه مخارق، فلمّا خرج قال لبعض بنيه: أبوكم هذا نكس‏[5]يتشهّى على مثلي:

يا ريح ما تصنعين بالدّمن‏

/أخبرنا يحيى بن عليّ، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، قال: حدّثني عمّي محمد، قال:

سمعت أبي يقول و قد غنّى مخارق: نعم الفسيلة[6]غرس إبليس في الأرض.

[1]مهدوء: مكنوه من النوم.

(2-2) التكملة من ف.

[3]ف: «عرفنا» .

[4]الدمن جمع دمنة، و هي آثار الدار.

[5]النكس: الضعيف الذي لا خير فيه.

[6]الفسيلة: جزء من النبات يفصل عنه و يغرس، أو النخلة الصغيرة تقطع من الأم أو تقلع من الأرض فتغرس.

489

جارية تغني صوتا له بحضرته فتحسن‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني محمد بن محمد، قال:

سمع محمد بن سعيد القارئ مهديّة جارية يعقوب بن السّاحر تغني صوتا لمخارق بحضرته، و قد كانت أخذته عنه و هو:

ما لقلبي يزداد في اللهو غيّا # و الليالي قد أنضجتني كيّا

سهلت بعدك الحوادث حتّى # لست أخشى و لا أحاذر شيّا

فأحسنت فيه ما شاءت، و انصرف محمد بن سعيد، و قرأ على لحنه: يََا يَحْيى‏ََ خُذِ اَلْكِتََابَ بِقُوَّةٍ [1].

قصة رجل حلف بالطلاق أن يسمعه ثلاث مرات‏

حدّثني عمّي، قال: حدثنا عبد اللّه، قال: حدثني محمد، قال:

كنت عند مخارق أنا و هارون بن أحمد بن هشام، فلعب مع هارون بالنّرد فقمره مخارق مائتي رطل باقلا طريّا، فقال مخارق: و أنتم عندي أطعمكم من لحم جزور من الصناعة، يعني من صناعة أبيه يحيى بن ناووس الجزّار.

قال: و مرّ بهارون بن أحمد فصيل ينادى عليه، فاشتراه بأربعة دنانير، و وجّه به إلى مخارق، و قال: يكون ما تطعمنا من هذا الفصيل، فاجتمعنا و طبخ مخارق بيده جزوريّة، و عمل من سنامه و كبده و لحمه غضائر[2]شويت في التّنّور، و عمل من لحمه لونا يشبه الهريسة بشعير مقشّر[3]في نهاية الطّيب، فأكلنا و جلسنا نشرب، فإذا نحن بامرأة تصيح من الشّطّ: /يا أبا المهنّأ، اللّه اللّه فيّ، حلف زوجي عليّ بالطّلاق أن يسمع غناءك و يشرب عليه، فقال: اذهبي و جيئي به، فجاء فجلس، فقال له: ما حملك على ما صنعت، فقال له: يا سيّدي، كنت سمعت صوتا من صنعتك فطربت عليه حتى استخفّني الطّرب، فحلفت أن أسمعه منك ثقة بإيجابك حقّ زوجتي، و كانت زوجته داية هارون بن مخارق. فقال: و ما هو الصوت؟فقال:

صوت‏

بكرت عليّ فهيّجت وجدا # هوج‏[4]الرّياح و أذكرت نجدا

أ تحنّ من شوق إذا ذكرت # نجد و أنت تركتها عمدا

الشعر لحسين بن مطير، و الغناء لمخارق ثقيل أول، و فيه لإسحاق ثقيل أول آخر، فغنّاه إياه و سقاه رطلا، و أمره بالانصراف، و نهاه أن يعاود، و خرج. فما لبثنا أن عادت المرأة تصرخ: اللّه اللّه فيّ يا أبا المهنّأ، قد أعاد زوجي المشئوم اليمين أنك تغنّيه صوتا آخر، فقال لها: أحضريه، فأحضرته أيضا، فقال له: ويلك، ما لي و لك! أيّ شي‏ء قصّتك‏[5]!فقال له: يا سيّدي أنا رجل طروب، و كنت قد سمعت صوتا لك آخر فاستفزّني الطّرب إلى أن [1]مريم/12.

[2]ف، ما: «ضفائر» . و الغضائر: القطع.

[3]ف: «مقشور» .

[4]الهوج: جمع هوجاء، و هي الرياح المتداركة الهبوب كأن بها هوجا.

[5]س: «أيش قصتك» !.

490

حلفت بالطلاق ثلاثا أنّي أسمعه منك، قال: و ما هو؟قال لحنك:

أبلغ سلامة أنّ البين قد أفدا[1] # و أنّ صحبك عنها رائحون غدا

هذا الفراق يقينا إن صبرت له # أو لا فإنّك منها ميّت كمدا

لا شكّ أنّ الذي بي سوف يهلكني # إن كان أهلك حبّ قبله أحدا

/فغنّاه إيّاه مخارق و سقاه رطلا، و قال له: احذر ويلك أن تعاود، فانصرف. و لم تلبث أن عاودت الصّياح تصرخ: يا سيّدي، قد عاود اليمين ثلاثة، اللّه اللّه فيّ و في أولادي، قال: هاتيه، فأحضرته، فقال لها: انصرفي أنت، فإن هذا كلما انصرف حلف و عاد، فدعيه يقيم يومه كلّه، فتركته و انصرفت، فقال له مخارق: ما قصّتك أيضا؟قال:

قد عرّفتك يا سيّدي أنّني رجل طروب، و كنت سمعت صوتا من صنعتك فاستخفّني الطّرب له فحلفت أنّي أسمعه منك، قال: و ما هو؟قال:

ألف الظّبي بعادي # و نفى الهمّ رقادي

و عدا الهجر على الوصـ # ل بأسياف حداد

قل لمن زيّف ودّي: # لست أهلا لودادي‏

قال: فغنّاه إيّاه و سقاه رطلا، ثم قال: يا غلام، مقارع، فجي‏ء بها، فأمر به فبطح، و أمر بضربه فضرب خمسين مقرعة، و هو يستغيث فلا يكلّمه، ثم قال له: احلف بالطّلاق أنك لا تذكرني أبدا، و إلاّ كان هذا دأبك إلى الليل، فحلف بالطّلاق ثلاثا على ما أمره به، ثمّ أقيم فأخرج عن الدار، فجعلنا نضحك بقيّة يومنا من حمقه.

أشرف من بيته على القبور و غنى باكيا

أخبرني عمّي، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثنا أحمد بن محمد، قال: حدّثني إسحاق بن عمر بن بزيع، قال:

أتيت مخارقا ذات يوم و معي زرزور الكبير لنقيم عنده، فوجدته قد أخرج رأسه من جناح له، و هو مشرف على المقابر يغنّي هذا البيت و يبكي:

أين الملوك التي كانت مسلّطة

قال: فاستحسنّا ما سمعناه منه استحسان من لم يسمع قطّ غناء غيره، فقال/لنا: انصرفوا، فليس فيّ فضل اليوم بعد ما رأيتم. قال محمد: و كان و اللّه مخارق ممّن لو تنفّس لأطرب من يسمعه استماع نفسه.

سمعت الظباء غناءه فوقفت بالقرب منه مصغية

و ذكر محمد بن الحسن الكاتب أنّ محمد بن أحمد بن يحيى المكّيّ حدّثه عن أبيه قال:

خرج مخارق مع بعض إخوانه إلى بعض المتنزّهات، فنظر إلى قوس مذهبة مع أحد من خرج معه، فسأله إيّاها، فكأنّ المسئول ضنّ بها. قال: و سنحت ظباء بالقرب منه، فقال لصاحب القوس: أ رأيت إن تغنّيت صوتا فعطفت عليك به خدود هذه الظباء، أ تدفع إليّ هذه القوس؟قال: نعم، فاندفع يغني.

[1]أفد: دنا أو عجل. ـ

491
صوت‏

ما ذا تقول الظّباء # أ فرقة أم لقاء!

أم عهدها بسليمى # و في البيان شفاء!

مرّت بنا سانحات # و قد دنا الإمساء

فما أحارت جوابا # و طال فيها[1]العناء

في هذه الأبيات ليحيى المكّيّ ثقيل أول بالوسطى.

قال: فعطفت الظّباء راجعة إليه حتى وقفت بالقرب منه، مستشرفة تنظر إليه مصغية تسمع صوته، فعجب من حضر من رجوعها و وقوفها، و ناوله الرّجل القوس فأخذها و قطع الغناء، فعاودت الظّباء نفارها، و مضت راجعة على سننها[2].

غنى وسط دجلة فتسابق الناس لسماعه‏

قال ابن المكّيّ: و حدّثني رجل من أهل البصرة كان يألف مخارقا و يصحبه، قال:

كنت‏[3]معه مرّة في طيّار ليلا و هو سكران، فلما توسّط دجلة اندفع بأعلى صوته فغنّى، فما بقي أحد في الطّيّار من ملاّح و لا غلام و لا خادم إلا بكى من رقّة صوته، و رأيت الشّمع و السّرج من جانبي دجلة في صحون القصور و الدّور يتساعون بين يدي أهلها[4]يستمعون غناءه.

ابن الأعرابي يستكثر الهبة التي أخذها لشعر غناه‏

حدّثني الصّوليّ، قال: حدثني محمد بن عبد اللّه التّميميّ الحزنبل، قال:

كنا في مجلس ابن الأعرابيّ إذ أقبل رجل من ولد سعيد بن سلم كان يلزم ابن الأعرابيّ، و كان يحبّه و يأنس به، فقال له: ما أخّرك عنّي؟فاعتذر بأشياء منها أنه قال: كنت مع مخارق عند بعض بني الرّشيد، فوهب له مائة ألف درهم على صوت غنّاه إياه، فاستكثر[5]ابن الأعرابيّ ذلك و استهوله، و عجب منه و قال له: بأيّ شي‏ء غنّاه؟ قال: غنّاه بشعر العبّاس بن الأحنف:

صوت‏

بكت عيني لأنواع # من الحزن و أوجاع

و إني كلّ يوم عنـ # دكم يحظى بي السّاعي‏

فقال ابن الأعرابيّ: أمّا الغناء فما أدري ما هو، و لكن هذا و اللّه كلام قريب مليح.

[1]ف: «و طال منها» .

[2]السنن: الطريقة.

[3]ف، ما: «ركبت معه في طيار... الخ» . و الطيار: القارب السريع.

[4]يتساعون بين يدي أهلها: يتسابقون.

[5]ف: «فاستكبر ذلك ابن الأعرابي و استهاله» .

492

لحن مخارق في هذين البيتين ثقيل أول من جامع صنعته، و فيهما لإبراهيم الموصليّ ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة. و ذكر حبش أنّ فيهما لإبراهيم بن المهديّ لحنا ماخوريّا.

نصح إبراهيم بن المهدي شارية بألاّ تتشبه به في تزايده و إلا هلكت‏

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة، قال: حدّثني هبة اللّه بن إبراهيم بن المهديّ، قال:

غنّت شارية يوما بحضرة أبي صوتا، فأحدّ النظر إليها و صبر حتى قطعت نفسها ثم قال لها: أمسكي، فأمسكت، فقال لها: قد عرفت إلى أيّ شي‏ء ذهبت؛ أردت أن تتشبّهي بمخارق في تزايده، قالت: نعم يا سيدي.

قال: إيّاك ثم إياك أن تعودي، فإن مخارقا خلقه اللّه وحده في طبعه و صوته و نفسه، يتصرّف في ذلك أجمع كيف أحبّ، و لا يلحقه في ذلك أحد، و قد أراد غيرك أن يتشبه به في هذه الحال فهلك، و افتضح و لم يلحقه، فلا أسمعنّك تتعرّضين لمثل هذا بعد وقتك هذا[1].

غلمان المعتصم يتركونه و يجتمعون لسماع مخارق فيعذرهم‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثني عليّ بن محمد بن نصر البسّامي، قال: حدثني خالي أبو عبد اللّه عن أبيه، قال:

كنّا بين يدي المعتصم ذات ليلة نشرب إلى أن سكرنا جميعا، فقام، فنام‏[2]و توسّدنا أيدينا[2]و نمنا في مواضعنا، ثمّ انتبه فصاح فلم يجبه أحد، و سمعنا صياحه فتبادرنا نسأل عن الغلمان، فإذا مخارق قد انتبه قبلنا فخرج إلى الشّطّ يتنسّم الهواء، و اندفع يغنّي، فتلاحق به الغلمان جميعا، فجئت إلى المعتصم فأخبرته و قلت: مخارق على الشّطّ يغنّي و الغلمان قد اجتمعوا عليه، فليس فيهم فضل لشي‏ء غير استماعه، فقال لي: يا بن حمدون، عذر و اللّه و أيّ عذر!ثمّ جلس و جلسنا بين يديه إلى السّحر.

المأمون يسأل إسحاق عن غناء مخارق و إبراهيم بن المهدي‏

و ذكر محمد بن الحسن‏[3]الكاتب أنّ أبان بن سعيد حدّثه:

أنّ المأمون سأل إسحاق عن إبراهيم بن المهديّ و مخارق، فقال: يا أمير/المؤمنين، إذا تغنّى إبراهيم بعلمه فضل مخارقا، و إذا تغنّى مخارق بطبعه و فضل صوته فضل إبراهيم، فقال له: صدقت.

غنى الأمين فخلع عليه جبة ثم ندم حين رآها عليه‏

نسخت من كتاب هارون بن الزّيات:

حدّثني هارون بن مخارق عن أبيه، قال: دعاني محمد الأمين يوما و قد اصطبح فاقترح عليّ:

استقبلت ورق الرّيحان تقطفه # و عنبر الهند و الورديّة الجددا

أ لست تعرفني في الحيّ جارية # و لم أخنك و لم ترفع إليّ يدا[4]

[1]ف: «بعد و قبل هذا» .

(2-2) التكملة من ما.

[3]ف: «محمد بن الحسين الكاتب» .

[4]س: «.. و لم أرفع إليك يدا» .

493

فغنّيته إياه، فطرب طربا شديدا و شرب عليه ثلاثة أرطال ولاء، و أمر لي بألف دينار و خلع عليّ جبّة وشي كانت عليه مذهبة، و درّاعة مثلها و عمامة مثلها تكاد تعشي البصر من كثرة الذّهب، فلمّا لبست ذلك و رآه عليّ ندم، و كان كثيرا ما يفعل ذلك، فقال لبعض الخدم: قل للطبّاخ يأتينا بمصليّة[1]معقودة الساعة، فأتى بها، فقال لي: كل معي، و كنت أعرف النّاس بمذهبه و بكراهته لذلك، فامتنعت. فحلف أن آكل معه، فحين أدخلت يدي في الغضارة[2]رفع يده، ثم قال: أفّ نغّصتها عليّ و اللّه و قذّرتها عندي بإدخالك يدك فيها، ثمّ رفس القصعة رفسة فإذا هي في حجري، و ودكها[3]يسيل على الخلعة حتى نفذ إلى جلدي، فقمت مبادرا فنزعتها، و بعثت بها إلى منزلي و غيّرت ثيابي و عدت و أنا مغموم منها و هو يضحك، فلمّا رجعت إلى منزلي جمعت كلّ صانع حاذق فجهدوا في إخراج ذلك الأثر منها فلم يخرج، و لم أنتفع بها حتى أحرقتها فأخذت ذهبها، و ضرب الدّهر بعد ذلك ضرباته.

يؤاكل المأمون و يغنيه فيعبس في وجهه ثم يدعوه ثانية و يكافئه‏

ثم دعاني المأمون يوما، فدخلت إليه و هو جالس، و بين يديه مائدة عليها رغيفان و دجاجتان، فقال لي: تعال فكل، فامتنعت، فقال لي: تعال ويلك فساعدني. فجلست فأكلت معه حتى استوفى، و وضع النبيذ و دعا علّوية فجلس، و قال لي: يا مخارق، أ تغنّي:

أقول التماس العذر لمّا ظلمتني # و حمّلتني ذنبا و ما كنت مذنبا

فقلت: نعم يا سيّدي، قال: غنّه، فغنّيته فعبس في وجهي ثم قال: قبّحك اللّه أ هكذا يغنّى هذا!ثم أقبل على علّوية فقال: أ تغنّيه؟قال: نعم يا سيّدي، قال: غنّه، فغنّاه، فو اللّه ما قاربني فيه، فقال: أحسنت و اللّه، و شرب رطلا، و أمر له بعشرة آلاف درهم، و استعاده ثلاثا، و شرب عليه ثلاثة أرطال يعطيه مع كلّ عشرة آلاف درهم، ثم خذف بإصبعه‏[4]و قال: برق يمان، و كان إذا أراد قطع الشرب فعل ذلك، و قمنا فعلمت من أين أتيت.

فلمّا كان بعد أيام دعاني فدخلت إليه و هو جالس في ذلك الموضع بعينه يأكل هناك، فقال لي: تعال ويلك فساعدني، فقلت: الطلاق لي لازم إن فعلت، فضحك ثم قال: ويلك، أ تراني بخيلا على الطّعام!لا و اللّه، و لكنني أردت أن أؤدّبك، إنّ السادة لا ينبغي لعبيدها أن تؤاكلها، أ فهمت؟فقلت: نعم، قال: فتعال الآن فكل على الأمان فقلت: أكون إذا أوّل من أضاع تأديبك إياه و استحقّ العقوبة من قريب، فضحك حتى استغرب‏[5]، ثمّ أمر لي بألف دينار، و مضيت إلى حجرتي المرسومة لي‏[6]للخدمة، و أتيت هناك بطعام فأكلت، و وضع النّبيذ و دعاني و بعلّوية، فلمّا جلسنا قال له: يا عليّ، أ تغنّي:

/

أ لم تقولي: نعم، قالت: أرى و هما # منيّ و هل يؤخذ الإنسان بالوهم![7]

[1]صلى اللحم يصليه صليا: شواه فهو مصليّ، و يقال: أتى بشاة مصليّة.

[2]الغضارة كسحابة: القصعة الكبيرة.

[3]الودك: ما يتحلب من اللحم و الشحم من دسم.

[4]خذف بإصبعه: حركه كأنه يرمي شيئا.

[5]استغرب: بالغ في الضحك.

[6]ف، ما: «المرسومة بي» .

[7]الوهم: السهو أو الخطأ.

494

فقال: نعم يا سيّدي، فقال: هاته، فغنّاه، فعبس في وجهه و بسر[1]و قال: قبّحك اللّه، أ تغنّي هذا هكذا!ثمّ أقبل عليّ فقال: أ تغنّيه يا مخارق؟فقلت: نعم يا سيّدي، و علمت أنه أراد أن يستقيد[2]لي من علّوية و يرفع مني، و إلا فما أتى علّوية بما يعاب فيه، فغنّيته، فطرب و شرب رطلا، و أمر لي بعشرة آلاف درهم، و فعل ذلك ثلاث مرّات كما فعل به.

ثمّ أمر بالانصراف فانصرفنا، و ما عاودت بعد ذلك مؤاكلة خليفة إلى وقتنا هذا.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت‏

استقبلت ورق الرّيحان تقطفه # و عنبر الهند و الورديّة الجددا

أ لست تعرفني في الحيّ جارية # و لم أخنك و لم تمدد إليّ يدا

الشعر-فيما يقال-لعمر بن أبي ربيعة، و الغناء للغريض خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، و أصله يماني، و فيه لابن جامع هزج.

صوت‏

أقول التماس العذر لما ظلمتني # و حمّلتني ذنبا و ما كنت مذنبا

هبيني امرأ إمّا بريئا ظلمته # و إمّا مسيئا قد أناب و أعتبا[3]

الشعر للأحوص، و الغناء لمالك خفيف رمل بالوسطى عن عمرو.

صوت‏

أ لم تقولي: نعم، قالت: أرى و هما # منّي و هل يؤخذ الإنسان بالوهم!

قولي: نعم، إنّ «لا» -إن قلت-قاتلتي # ما ذا تريدين من قتلي بغير دم!

الغناء لسياط خفيف رمل بالبنصر عن عمرو، و لم يقع إليّ لمن الشّعر.

يتنافس هو و علوية في غناء صوت فيسبق علوية

قال هارون: و حدّثني أبو معاوية الباهليّ، قال:

حضرت علّوية و مخارقا مجتمعين في مجلس، فغنّى علوية صوتا فأحسن فيه و أجاده، فأعاده مخارق و برّز عليه و زاد، فردّه علّوية و تعمّل فيه و اجتهد فزاد على مخارق، فجثا مخارق على ركبتيه و غنّاه و صاح فيه حتى اهتزّ منكباه، فما ظننّا إلا أنّ الأرض قد زلزلت بنا، و غلب و اللّه ما سمعنا على عقولنا، و نظرت إلى لون علّوية و قد امتقع [1]بسر: أظهر العبوس.

[2]يستقيد لي: يأخذ لي بثأري.

[3]أعتبه: أرضاه بعد العتاب.

495

و طار دمه، فلمّا فرغ مخارق توقّعنا أن يغنّي علّوية، فما فعل و لا غنّى بقية يومه. قال: و كان مخارق إذا صاح قطع أصحاب النايات.

سأله الأمين أن يغنيه أصواتا فلم يحسن فأرسله إلى إسحاق ليعلمه‏

أخبرني وسواسة بن الموصليّ، و هو أحمد[1]بن إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق، قال:

قال لي مخارق: دعاني يوما محمد المخلوع فدخلت عليه و عنده إبراهيم بن المهديّ، فقال: غنّني يا مخارق، فغنّيته أصواتا عديدة، فلم يطرب لها و قال: هذا كله معاد، فغنّني:

لقد أزمعت للبين هند زيالها[2]

فقلت: لا و اللّه ما أحسنه، فقال: غنّني:

لا و الذي نحرت له البدن‏

/فقلت: لا و اللّه ما أحسنه، فقال: غنّني:

يا دار سعدى سقى أطلالك الدّيما

فقلت: لا و اللّه لا أحسنه، فغضب، و قال: ويلك!أسألك عن ثلاثة أصوات فلا تحسن منها واحدا!فقال له إبراهيم بن المهديّ: و ما ذنبه؟إسحاق أستاذه و عليه يعتمد، و هو يضايقه‏[3]في صوت يعلّمه إياه، فقلت: قد و اللّه صدق، ما يعطيني شيئا و لا يعلّمنيه، قال: فما دواؤه؟فقد و اللّه أعياني، فقال له إبراهيم: توكّل به من يصبّ على رأسه العذاب حتى يعلّمه مائة صوت، قال: أمّا هذا فبعيد، و لكن اذهب إليه عني فمره أن يعلّمك هذه الثلاثة الأصوات، فإن فعل و إلا فصبّ السّوط على رأسه حتى يعلّمك.

يذهب إلى إسحاق ليعلمه فيكله إلى جارية له‏

فدخلت إلى إسحاق، فجلست بغير أمره، و سلّمت سلاما منكرا. ثم أقبلت عليه فقلت: يأمرك أمير المؤمنين أن تعلّمني كذا و كذا قال: ما أحسنه، فقلت: إني أنفّذ فيك ما أمرني به، فقال: تنفّذ فيّ ما أمرت به، أ لا تستحي ويحك مني و من تربيتي إياك!قلت: فلا بدّ من أن تعلّمني ما أمرك به أمير المؤمنين، قال: فإني لست أحسنه و لكن فلانة تحسنه، هاتوها. فجاءت و جعلت تطارحني حتى أخذت الأصوات الثّلاثة، و جعل كل من جاء يومئذ لا يحجبه ليروني و جاريته تطارحني.

فلمّا أخذت الأصوات رجعت إلى محمد و أخبرته الخبر و حضر إسحاق، فغنّيته إياها، فطرب، و جعل إبراهيم بن المهديّ يقول: أحسن و اللّه، أحسن و اللّه، فلما فرغت قال إسحاق: لا و اللّه ما أحسن و لا أصاب هو و لا إبراهيم في استحسانه، و لقد جهدت الجارية جهدها أن يأخذه عنها فلم يتوجّه له، ثم اندفع فغنّاها، فكأني و اللّه كنت ألعب عند ما سمعت.

/ثم أقبل على إبراهيم بن المهديّ فقال له: كم أقول لك: ليس هذا من علمك و لا ممّا تحسنه و أنت تكابر [1]ف: «و هو ابن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم» .

[2]ف: «زوالها» .

[3]س: «و هو يطابقه» .

496

و تدخل نفسك فيما لا تحسنه!فقال: أ لا تراه يا أمير المؤمنين يصيّرني مغنّيا!فقال له إسحاق: و لم تجحد ذلك!أ و أسررت إليّ منه شيئا لم تظهره للناس و تعلّمهم إياه!و متى صرت تأنف من هذا و أنت تتبحبح به!فليتك تحسنه، و اللّه ما تفرق بين الخطأ و الصواب فيه، و إن شئت الآن ألقيت عليك ثلاثين مسألة من أيّ علم شئت، فإن أجبت في واحدة منهن و إلاّ علمت أنك متكلّف. فقال: يا أمير المؤمنين يستقبلني بهذا بين يديك!قال‏[1]: و ما هذا مما لا أستقبلك به؟فقال له محمد: نعم اختر ما شئت حتى نسألك عنه فقال: إنما يفعل هذا الصبيان‏[2]، و انكسر حتى رحمته، فقلت لمحمد: يا أمير المؤمنين لعلك ترى مع هذا القول أنه لا يحسن، بلى و اللّه إنه ليحسن كلّ شي‏ء و ما يقدر أحد أن يقول هذا غيري، و إنه ليتقدّم كثيرا من الناس في كل شي‏ء، فجعل محمد يضحك و هو يقول، تشجّه بيد و تدهنه بيد، و تجرّحه بيد و تأسوه بيد!.

نسبة هذه الأصوات‏

صوت‏

لقد أزمعت للبين هند زيالها # و زمّوا[3]إلى أرض العراق جمالها

فما ظبية أدماء واضحة القرا # تنصّ إلى برد الظّلال غزالها[4]

/تحتّ بقرنيها برير أراكة # و تعطو بظلفيها إذا الغصن طالها[5]

بأحسن منها مقلة و مقلّدا # و جيدا إذا دانت تنوط شكالها[6]

الشّعر لكثيّر، و الغناء لمعبد خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو، و فيه لابن سريج في الثّالث و الثّاني ثقيل أول بالسّبابة في مجرى البنصر، عن إسحاق، و لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى عن عمرو، في الثّاني ثمّ في الثّالث، و في كتاب حكم: لحكم فيه خفيف ثقيل، و عن حبش لطويس فيه رمل بالوسطى، و ذكر أيضا أن لحن معبد ثاني ثقيل.

صوت‏[7]

يا دار سعدى سقى أطلالك الدّيما # مسقي الرّوايا و إن هيّجت لي سقما

دار خلت و عفت منها معالمها # إلاّ الثّمام و إلاّ النّؤي و الحمما[8]

الغناء لقفا النّجّار ثقيل أول بالوسطى عن عمرو و الهشاميّ و إبراهيم.

[1]ف: «فقلت» .

[2]ف: «بالصبيان» .

[3]يقال: زمّ القوم: تقدّمهم كأنه زمام. و زموا جمالها: أرسلوها متقدمة.

[4]القرا: الظهر. و النص من الشي‏ء: منتهاه و مبلغ أقصاه. و تنص غزالها: تستحثه.

[5]البرير: ثمر الأراك. و تعطو بظلفيها: ترتفع بهما. و طالها ارتفع عنها.

[6]تنوط: تعلق. الشكال: وثاق بين الحقب و البطان و بين اليد و الرجل.

[7]في ف جاء هذا الصوت تاليا للذي بعد.

[8]الثمام: نبت ضعيف لا يطول. و النؤي: الحفير حول الخيمة يمنع السيل. و الحمم جمع حمة و هو الفحم و كل ما احترق بالنار.

497
صوت‏

لا و الذي نحرت له البدن # و له بمكّة قبّل الرّكن

ما زلت يا سكني أخا أرق # متكنّفا بي الهمّ و الحزن

أخشى عليك و بعضه شفق # أن يفتنوك و أنت مفتتن‏

الغناء لابن سريج رمل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، عن إسحاق/و ذكر الهشاميّ أنه لسليمان الوادي أوله فيه لحن، و نسبه إبراهيم إلى ابن عبّاد و لم يجنّسه.

أخبرني عمّي: حدّثنا أحمد بن أبي طاهر، قال:

حدّثني عبد الوهّاب المؤذّن، قال: انحدرنا مع المعتصم من السنّ‏[1]و نحن في حرّاقته‏[2]، و حضر وقت الأذان فأذّنت، فلما فرغت من الأذان اندفع مخارق بعدي فأذّن و هو جاث على ركبتيه، فتمنيت و اللّه أن دجلة أهرقت‏[3]لي فغرقت فيها.

غضب عليه المعتصم ثم صالحه و أعاده إلى مرتبته‏

أخبرني عمّي، قال: حدّثني عبد اللّه بن عبد اللّه بن حمدون، قال: حدّثني أبي، قال:

غضب المعتصم على مخارق فأمر به أن يجعل في المؤذّنين و يلزمهم، ففعل ذلك، و أمهل حتى علم أنّ المعتصم يشرب و أذّنت العصر، فدخل هو إلى السّتر حيث يقف المؤذّن للسلام، ثمّ رفع صوته جهده و قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، الصّلاة يرحمك اللّه، فبكى حتى جرت دموعه، و بكى كلّ من حضره، ثمّ قال: أدخلوه إليّ، ثم أقبل علينا و قال: سمعتم هكذا قطّ!هذا الشيطان لا يترك أحدا يغضب عليه، فأمر به فأدخل إليه، فقبّل الأرض بين يديه، فدعاه المعتصم إليه و أعطاه يده فقبّلها، و أمره بإحضار عوده فأحضر، فأعاده إلى مرتبته.

إسحاق الموصلي يبدي رأيه في علوية و مخارق‏

وجدت في بعض الكتب، عن عليّ بن محمد[4]البسّاميّ، عن جدّه حمدون بن إسماعيل قال:

/غنّى علّوية يوما بين يدي إسحاق الموصليّ:

هجرتك إشفاقا عليك من الأذى # و خوف الأعادي و اتّقاء النّمائم‏

فقال له إسحاق: أحسنت يا أبا الحسن أحسنت، و استعاده ثلاثا و شرب، فقال له علّوية: يا أستاذ، أين أنا الآن من صاحبي-يعني مخارقا-مع قولك هذا لي؟فقال: لا ترد أن تعرف هذا، قال: بي و اللّه إلى معرفته أعظم الحاجة، فقال: إذا غنيتما ملكا اختاره عليك و أعطاه الجائزة دونك، فضجر علّوية و قال لإسحاق: أفّ من رضاك و غضبك!.

[1]السنّ: مدينة على دجلة.

[2]الحرّاقة: سفينة خفيفة المر.

[3]س، ف: «انفرقت» .

[4]ف: «عن علي بن البسامي» .

498

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

هجرتك إشفاقا عليك من الأذى # و خوف الأعادي و اتّقاء النمائم

و إنّي و ذاك الهجر لو تعلمينه # كسالية عن طفلها و هي رائم‏[1]

الشّعر لهلال بن عمرو الأسديّ، و الغناء لعلّوية ثقيل أوّل بالوسطى، عن عمرو.

رأي أبي يعقوب الخريمي في علوية و مخارق‏

و قال الجاحظ: قال أبو يعقوب الخريميّ‏[2]:

ما رأيت كثلاثة رجال كانوا يأكلون النّاس أكلا، حتى إذا رأوا ثلاثة رجال ذابوا كما يذوب الرّصاص على النّار: كان هشام بن الكلبيّ علاّمة نسّابة و راوية للمثالب عيّابة، فإذا رأى الهيثم بن عديّ ذاب كما يذوب الرّصاص، و كان عليّ بن الهيثم جونقا مفقعا[3]نيّا صاحب تقعّر يستولي على كل كلام، لا يحفل بخطيب و لا شاعر، فإذا رأى موسى الضّبيّ/ذاب كما يذوب الرّصاص، و كان علّوية واحد الناس في الغناء رواية و حكاية و دراية و صنعة و جودة ضرب و أضراب و حسن خلق، فإذا رأى مخارقا ذاب كما يذوب الرّصاص على النار.

حج في السنة التي حجت فيها أم جعفر بسبب جاريتها بهار

أخبرني عليّ بن عبد العزيز الكاتب، عن ابن خرداذبه قال:

هوي مخارق جارية لأمّ جعفر، فحجّ في السنة التي حجت فيها أمّ جعفر بسبب الجارية، فقال أحمد بن هشام فيه:

يحجّ النّاس من برّ و تقوى # و حجّ أبي المهنّا للتّصابي‏

وهب المعتصم دار مخارق ليونازة خليفة الأفشين فقال عيسى ابن زينب شعرا في ذلك‏

قال: و كان المعتصم قد وهب دار مخارق لمّا قدم بغداد ليونازة خليفة الأفشين، فقال عيسى ابن زينب في ذلك:

يا دار غيّر رسمها يونازه # و بقي مخارق قاعدا في فازه‏[4]

لا تجزعنّ أبا المهنّا إنّها # دنيا تنال بذلّة و عزازه‏

أم جعفر تهب له جاريتها بهار

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبّة، و حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ، قال:

[1]رائم من رأمت الناقة ولدها: عطفت عليه، فهي رائم. و في الشعر إقواء لاختلاف حركة الروي بالرفع في هذا البيت، و الجر في البيت الذي قبله.

[2]ف: «قال أبو عمرو الخريمي» .

[3]المفقع: الفقير المجهود، و جونقا: لقب له.

[4]الفازة: مظلة من نسيج أو غيره تمد على عمود أو عمودين.

499

وجدت بخطّ عبد اللّه بن الحسين: حدثني الحسن بن إبراهيم بن رياح، قالا:

كان مخارق يهوى جارية لأم جعفر يقال لها بهار[1]، و يستر ذلك عن أمّ جعفر، حتى بلغها ذلك، فأقصته و منعته من المرور ببابها، و كان بها كلفا. قال الصّوليّ في خبره: فلما علم أن الخبر قد بلغ أمّ جعفر قطعها و تجافاها؛ إجلالا لأم جعفر، و طمعا في السلوّ عنها، و ضاق ذرعه بذلك، فبينا/هو ذات ليلة في زلاّل‏[2]، و قد انصرف من دار المأمون، و أمّ جعفر تشرب على دجلة، إذ حاذى دارها، فرأى الشمع يزهر فيها، فلما صار بمسمع منها و مرأى اندفع فغنّى:

صوت‏

إن تمنعوني ممرّي قرب دارهم # فسوف أنظر من بعد إلى الدّار

سيما الهوى شهرت حتى عرفت بها # أنّي محبّ و ما بالحبّ من عار

ما ضرّ جيرانكم-و اللّه يصلحهم # لو لا شقائي-إقبالي و إدباري

لا يقدرون على منعي و لو جهدوا # إذا مررت و تسليمي بإضماري‏

الشعر للعباس بن الأحنف، و الغناء لمخارق رمل بالوسطى.

فقالت أمّ جعفر: مخارق و اللّه، ردّوه، فصاحوا بملاّحه: قدّم، فقدّم، و أمره الخدم بالصّعود، فصعد، و أمرت له أمّ جعفر بكرسيّ و صينيّة فيها نبيذ، فشرب، و خلعت عليه، و أمرت الجواري فغنّين، ثمّ ضربن عليه فغنّى فكان أوّل ما غنّى:

صوت‏

أغيب عنك بودّ ما يغيّره # نأي المحلّ و لا صرف من الزمن

فإن أعش فلعلّ الدّهر يجمعنا # و إن أمت فقتيل الهمّ و الحزن

قد حسّن اللّه في عينيّ ما صنعت # حتّى أرى حسنا ما ليس بالحسن‏

الشّعر للعبّاس بن الأحنف، و الغناء لمخارق رمل.

/قال: فاندفعت بهار فغنّت كأنها تباينه، و إنما أجابته عن معنى ما عرّض لها به:

تعتلّ بالشّغل عنا ما تلمّ بنا # و الشّغل للقلب ليس الشّغل للبدن‏

ففطنت أمّ جعفر أنها خاطبته في نفسها، فضحكت و قالت: ما سمعنا بأملح ممّا صنعتما، و قال إسماعيل بن يونس في خبره: و وهبتها له.

غنّى المأمون حين قدم مكة أحدث صوت صنعه‏

و قال هارون بن الزّيات:

[1]ف، س: «نهار» .

[2]زلال: شبه قارب يسير في النهر.

500

حدّثني هارون بن مخارق عن أبيه: أنّ المأمون سأله لما قدم مكة عن أحدث صوت صنعه، فغنّاه:

صوت‏

أقبلت تحصب الجمار و أقبلـ # ت لرمي الجمار من عرفات

ليتني كنت في الجمار أنا المحـ # صوب‏[1]من كفّ زينب حصيات‏

الشّعر للنّميريّ، و الغناء لمخارق خفيف رمل بالبنصر، قال: فضحك، ثمّ قال: لعمري إن هذا لأحدث ما صنعت، و لقد قنعت بيسير، و ما أظنّ بهار كانت تبخل عليك بأن تحصبك بحصاة كما تحصب الجمار. و استعاده الصوت مرّات.

غنى بشعر للمأمون في جارية له فأبكاه‏

أخبرني جعفر بن قدامة قال:

حدّثني هارون بن مخارق، قال: حدثني أبي، قال: كنّا عند المأمون يوما، فجاءه الخادم الحرميّ فأسرّ إليه شيئا، فوثب فدخل معه، ثمّ أبطأ علينا ساعة و عاود و عينه تذرف، فقال لنا: دخلت الساعة إلى جارية لي كنت أتحظّاها، فوجدتها/في الموت، فسلّمت عليها فلم تستطع ردّ السّلام إلا إيماء بإصبعها، فقلت هذين البيتين:

سلام على من لم يطق عند بينه # سلاما، فأومى بالبنان المخضّب

فما اسطعت توديعا له بسوى البكا # و ذلك جهد المستهام المعذّب‏

ثمّ قال: غنّ فيها يا مخارق، ففعلت، فما استعادني ذلك الغناء قطّ إلا بكى.

حج رجل معه و غناه صوتا فوهب له حجته‏

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ إجازة، قال: حدّثني أحمد بن أبي العلاء، قال: حدّثني أبي، قال:

حجّ رجل مع مخارق، فلما قضيا الحجّ و عادا، قال له الرّجل في بعض طريقه: بحقّي عليك غنّني صوتا، فغنّاه:

رحلنا فشرّقنا و راحوا فغرّبوا # ففاضت لروعات الفراق عيون‏

فرفع الرجل يده إلى السماء و قال: اللهمّ إني أشهدك أنّي قد وهبت‏[2]حجّتي له.

وفاته‏

و توفّي مخارق في أوّل خلافة المتوكّل، و قيل: بل في آخر خلافة الواثق، و ذكر ابن خرداذبه أن سبب وفاته أنه كان أكل قنّبيطيّة باردة فقتلته من فوره‏[3].

[1]ف:

«ليتني في الجمار كنت أنا المحصوب»

.

[2]ف: «وجهت حجتي له» .

[3]ف: «فقتلته من يومه» .

501
صوت‏

إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة # تروّي مشاشي‏[1]بعد موتي عروقها

و لا تدفننّي‏[2]بالفلاة فإنّني # أخاف إذا ما متّ ألاّ أذوقها

عروضه من الطويل، و يروى:

إذا رحت مدفونا فلست أذوقها

الشعر لأبي محجن الثقفيّ، و الغناء لإبراهيم الموصليّ ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو، و فيه لحنين لحن ذكره إبراهيم و لم يجنّسه.

إلى هنا انتهى الجزء الثامن عشر من كتاب الأغاني، و يليه الجزء التاسع عشر، و أوله «ذكر أبي محجن و نسبه» .

[1]المشاش: العظم.

[2]في هذا البيت إقواء، و بالرواية الأخرى لا إقواء فيه.

502

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

503

فهرس موضوعات الجزء الثامن عشر

الموضوع الصفحة

ذكر ذي الرمة و خبره 259

ذكر خبر إبراهيم 293

ذكر مقتل الزبير و خبره 297

ذكر أخبار دنانير و أخبار عقيد 304

أخبار خفاف و نسبه 310

أخبار جبهاء و نسبه 322

أخبار والبة بن الحباب 325

أخبار عمران بن حطان و نسبه 330

أخبار عمارة بن الوليد و نسبه 338

أخبار الأضبط و نسبه 342

أخبار الأعشى و نسبه 344

أخبار عمرو بن قميئة و نسبه 348

أخبار المؤمل بن جميل 353

أخبار مساور و نسبه 355

أخبار سعيد بن حميد و نسبه 359

أخبار ابن مناذر و نسبه 369

نسب أشجع و أخباره 397

أخبار ابن مفرغ و نسبه 425

أخبار الزبير بن دحمان 454

نسب العماني و خبره 461

أخبار عروة بن أذينة و نسبه 468

ذكر مخارق و أخباره 477

فهرس الموضوعات 503