التفسير الكبير - ج8

- الفخر الرازي‏ المزيد...
358 /
235

رَبَّنََا آمَنََّا بِمََا أَنْزَلْتَ وَ اِتَّبَعْنَا اَلرَّسُولَ فَاكْتُبْنََا مَعَ اَلشََّاهِدِينَ و ذلك لأن القوم آمنوا باللّه حين قالوا: في الآية المتقدمة آمَنََّا بِاللََّهِ ثم آمنوا بكتب اللّه تعالى حيث قالوا آمَنََّا بِمََا أَنْزَلْتَ و آمنوا برسول اللّه حيث، قالوا وَ اِتَّبَعْنَا اَلرَّسُولَ فعند ذلك طلبوا الزلفة و الثواب، فقالوا فَاكْتُبْنََا مَعَ اَلشََّاهِدِينَ و هذا يقتضى أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين، و يفضل على درجته، لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة قال اللّه تعالى: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: 143]الثاني: و هو منقول أيضا عن ابن عباس فَاكْتُبْنََا مَعَ اَلشََّاهِدِينَ أي اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه قال اللّه تعالى: فَلَنَسْئَلَنَّ اَلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ اَلْمُرْسَلِينَ [الأعراف: 6].

و قد أجاب اللّه دعاءهم و جعلهم أنبياء و رسلا، فأحيوا الموتى، و صنعوا كل ما صنع عيسى عليه السلام.

و القول الثالث: فَاكْتُبْنََا مَعَ اَلشََّاهِدِينَ أي اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد و لأنبيائك بالتصديق، و المقصود من هذا أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إسلام أنفسهم، حيث قالوا وَ اِشْهَدْ بِأَنََّا مُسْلِمُونَ فقد أشهدوا اللّه تعالى على ذلك تأكيدا للأمر، و تقوية له، و أيضا طلبوا من اللّه مثل ثواب كل مؤمن شهد للّه بالتوحيد و لأنبيائه بالنبوّة.

القول الرابع: إن قوله فَاكْتُبْنََا مَعَ اَلشََّاهِدِينَ إشارة إلى أن كتاب الأبرار إنما يكون في السموات مع الملائكة قال اللّه تعالى: كَلاََّ إِنَّ كِتََابَ اَلْأَبْرََارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: 18]فإذا كتب اللّه ذكرهم مع الشاهدين المؤمنين كان ذكرهم مشهورا في الملأ الأعلى و عند الملائكة المقربين.

القول الخامس: إنه تعالى قال: شَهِدَ اَللََّهُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ أُولُوا اَلْعِلْمِ [آل عمران: 18]فجعل أولو العلم من الشاهدين، و قرن ذكرهم بذكر نفسه، و ذلك درجة عظيمة، و مرتبة عالية، فقالوا: فَاكْتُبْنََا مَعَ اَلشََّاهِدِينَ أي اجعلنا من تلك الفرقة الذين قرنت ذكرهم بذكرك.

و القول السادس:

أن جبريل عليه السلام لما سأل محمدا صلى اللّه عليه و سلم عن الإحسان فقال: «أن تعبد اللّه كأنك تراه»

و هذا غاية درجة العبد في الاشتغال بالعبودية، و هو أن يكون العبد في مقام الشهود، لا في مقام الغيبة، فهؤلاء القوم لما صاروا كاملين في درجة الاستدلال أرادوا الترقي من مقام الاستدلال، إلى مقام الشهود و المكاشفة، فقالوا فَاكْتُبْنََا مَعَ اَلشََّاهِدِينَ .

القول السابع: إن كل من كان في مقام شهود الحق لم يبال بما يصل إليه من المشاق و الآلام، فلما قبلوا من عيسى عليه السلام أن يكونوا ناصرين له، ذابين عنه، قالوا فَاكْتُبْنََا مَعَ اَلشََّاهِدِينَ أي اجعلنا ممن يكون في شهود جلالك، حتى نصير مستحقرين لكل ما يصل إلينا من المشاق و المتاعب فحينئذ يسهل علينا الوفاء بما التزمناه من نصرة رسولك و نبيك.

ثم قال تعالى: وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اَللََّهُ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلْمََاكِرِينَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أصل المكر في اللغة، السعي بالفساد في خفية و مداجاة، قال الزجاج: يقال مكر الليل، و أمكر إذا أظلم، و قال اللّه تعالى: وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال: 30]و قال: وَ مََا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ [يوسف: 102]و قيل أصله من اجتماع الأمر و إحكامه، و منه امرأه ممكورة أي مجتمعة

236

الخلق و إحكام الرأي يقال له الإجماع و الجمع قال اللّه تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكََاءَكُمْ [يونس: 71]فلما كان المكر رأيا محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقص و الفتور، لا جرم سمي مكراً.

المسألة الثانية: أما مكرهم بعيسى عليه السلام، فهو أنهم هموا بقتله، و أما مكر اللّه تعالى بهم، ففيه وجوه الأول: مكر اللّه تعالى بهم هو أنه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، و ذلك أن يهودا ملك اليهود، أراد قتل عيسى عليه السلام، و كان جبريل عليه السلام، لا يفارقه ساعة، و هو معنى قوله/ وَ أَيَّدْنََاهُ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ* [البقرة: 87] فلما أرادوا ذلك أمره جبريل عليه السلام أن يدخل بيتاً فيه روزنة، فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل عليه السلام من تلك الروزنة، و كان قد ألقى شبهه على غيره، فأخذ و صلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق، فرقة قالت: كان اللّه فينا فذهب، و أخرى قالت: كان ابن اللّه، و الأخرى قالت: كان عبد اللّه و رسوله، فأكرمه بأن رفعه إلى السماء، و صار لكل فرقة جمع فظهرت الكافرتان على الفرقة المؤمنة إلى أن بعث اللّه تعالى محمدا صلى اللّه عليه و سلم، و في الجملة، فالمراد من مكر اللّه بهم أن رفعه إلى السماء و ما مكنهم من إيصال الشر إليه.

الوجه الثاني: أن الحواريين كانوا اثنى عشر، و كانوا مجتمعين في بيت فنافق رجل منهم، و دل اليهود عليه، فألقى اللّه شبهه عليه و رفع عيسى، فأخذوا ذلك المنافق الذي كان فيهم، و قتلوه و صلبوه على ظن أنه عيسى عليه السلام، فكان ذلك هو مكر اللّه بهم.

الوجه الثالث: ذكر محمد بن إسحاق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى عليه السلام، فشمسوهم و عذبوهم، فلقوا منهم الجهد فبلغ ذلك ملك الروم، و كان ملك اليهود من رعيته فقيل له إن رجلاً من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول اللّه، و أراهم إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص فقتل، فقال: لو علمت ذلك لحلت بينه و بينهم، ثم بعث إلى الحواريين، فانتزعهم من أيديهم و سألهم عن عيسى عليه السلام، فأخبروه فتابعهم على دينهم، و أنزل المصلوب فغيبه، و أخذ الخشبة فأكرمها و صانها، ثم غزا بني إسرائيل و قتل منهم خلقاً عظيماً و منه ظهر أصل النصرانية في الروم، و كان اسم هذا الملك طباريس، و هو صار نصرانياً، إلا أنه ما أظهر ذلك، ثم إنه جاء بعده ملك آخر، يقال له: مطليس، و غزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل و سبى و لم يترك في مدينة بيت المقدس حجراً على حجر فخرج عند ذلك قريظة و النضير إلى الحجاز فهذا كله مما جازاهم اللّه تعالى على تكذيب المسيح و ألهم بقتله.

القول الرابع: أن اللّه تعالى سلّط عليهم ملك فارس حتى قتلهم و سباهم، و هو قوله تعالى: بَعَثْنََا عَلَيْكُمْ عِبََاداً لَنََا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الإسراء: 5]فهذا هو مكر اللّه تعالى بهم.

القول الخامس: يحتمل أن يكون المراد أنهم مكروا في إخفاء أمره، و إبطال دينه و مكر اللّه بهم حيث أعلى دينه و أظهر شريعته و قهر بالذل و الدناءة أعداءه و هم اليهود و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: المكر عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر، و الاحتيال على اللّه تعالى محال فصار لفظ المكر في حقه من المتشابهات و ذكروا في تأويله وجوهاًأحدها: أنه تعالى سمى جزاء المكر بالمكر، كقوله‏ وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا [الشورى: 40]و سمى جزاء المخادعة بالمخادعة، و جزاء الاستهزاء بالاستهزاء و الثاني: أن معاملة اللّه معهم كانت شبيهة بالمكر فسمي بذلك الثالث: أن هذا اللفظ ليس من المتشابهات، لأنه عبارة عن التدبير المحكم الكامل ثم اختص في العرف بالتدبير في إيصال/الشر إلى الغير، و ذلك في حق اللّه تعالى غير ممتنع و اللّه أعلم.

237

في قوله تعالى إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسى‏ََ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رََافِعُكَ إِلَيَّ إلى قوله تعالى يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: العامل في إِذْ قوله وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اَللََّهُ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلْمََاكِرِينَ أي وجد هذا المكر إذ قال اللّه هذا القول، و قيل التقدير: ذاك إذ قال اللّه.

المسألة الثانية: اعترفوا بأن اللّه تعالى شرف عيسى في هذه الآية بصفات:

الصفة الأولى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ و نظيره قوله تعالى حكاية عنه‏ فَلَمََّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ اَلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة: 117]و اختلف أهل التأويل في هاتين الآيتين على طريقين أحدهما: إجراء الآية على ظاهرها من غير تقديم، و لا تأخير فيها و الثاني: فرض التقديم و التأخير فيها، أما الطريق الأول فبيانه من وجوه الأول: معنى قوله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ أي متمم عمرك، فحينئذ أتوفاك، فلا أتركهم حتى يقتلوك، بل أنا رافعك إلى سمائي، و مقربك بملائكتي، و أصونك عن أن يتمكنوا من قتلك و هذا تأويل حسن و الثاني: مُتَوَفِّيكَ أي مميتك، و هو مروي عن ابن عباس، و محمد بن إسحاق قالوا: و المقصود أن لا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله ثم إنه بعد ذلك أكرمه بأن رفعه إلى السماء ثم اختلفوا على ثلاثة أوجه أحدها: قال وهب: توفي ثلاث ساعات، ثم رفع و ثانيها: قال محمد بن إسحاق: توفي سبع ساعات، ثم أحياه اللّه و رفعه الثالث: قال الربيع بن أنس: أنه تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء، قال تعالى: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا وَ اَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنََامِهََا [الزمر: 42].

الوجه الرابع: في تأويل الآية أن الواو في قوله مُتَوَفِّيكَ وَ رََافِعُكَ إِلَيَّ تفيد الترتيب فالآية تدل على أنه تعالى يفعل به هذه الأفعال، فأما كيف يفعل، و متى يفعل، فالأمر فيه موقوف على الدليل، و قد ثبت الدليل أنه حي و

ورد الخبر عن النبي صلى اللّه عليه و سلم: «أنه سينزل و يقتل الدجال»

ثم إنه تعالى يتوفاه بعد ذلك.

الوجه الخامس: في التأويل ما قاله أبو بكر الواسطي، و هو أن المراد إِنِّي مُتَوَفِّيكَ عن شهواتك و حظوظ نفسك، ثم قال: وَ رََافِعُكَ إِلَيَّ و ذلك لأن من لم يصر فانياً عما سوى اللّه لا يكون له وصول إلى مقام معرفة اللّه، و أيضاً فعيسى لما رفع إلى السماء صار حاله كحال الملائكة في زوال الشهوة، و الغضب و الأخلاق الذميمة.

و الوجه السادس: إن التوفي أخذ الشي‏ء وافياً، و لما علم اللّه إن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه اللّه هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على أنه عليه الصلاة و السلام رفع بتمامه إلى السماء بروحه و بجسده و يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: وَ مََا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ‏ءٍ [النساء: 113].

و الوجه السابع: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ أي أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء و انقطع خبره و أثره عن الأرض كان كالمتوفى، و إطلاق اسم الشي‏ء على ما يشابهه في أكثر خواصه و صفاته جائز حسن.

الوجه الثامن: إن التوفي هو القبض يقال: و فاني فلان دراهمي و أوفاني و توفيتها منه، كما يقال: سلم فلان دراهمي إلي و تسلمتها منه، و قد يكون أيضاً توفي بمعنى استوفى و على كلا الاحتمالين كان إخراجه من‏

238

الأرض و إصعاده إلى السماء توفياً له.

فإن قيل: فعلى هذا الوجه كان التوفي عين الرفع إليه فيصير قوله وَ رََافِعُكَ إِلَيَّ تكراراً.

قلنا: قوله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ يدل على حصول التوفي و هو جنس تحته أنواع بعضها بالموت و بعضها بالإصعاد إلى السماء، فلما قال بعده وَ رََافِعُكَ إِلَيَّ كان هذا تعييناً للنوع و لم يكن تكراراً.

الوجه التاسع: أن يقدر فيه حذف المضاف و التقدير: متوفي عملك بمعنى مستوفي عملك وَ رََافِعُكَ إِلَيَّ أي و رافع عملك إلي، و هو كقوله‏ إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ [فاطر: 10]و المراد من هذه الآية أنه تعالى بشّره بقبول طاعته و أعماله، و عرفه أن ما يصل إليه من المتاعب و المشاق في تمشية دينه و إظهار شريعته من الأعداء فهو لا يضيع أجره و لا يهدم ثوابه، فهذه جملة الوجوه المذكورة على قول من يجري الآية على ظاهرها.

الطريق الثاني: و هو قول من قال: لا بد في الآية من تقديم و تأخير من غير أن يحتاج فيها إلى تقديم أو تأخير، قالوا إن قوله وَ رََافِعُكَ إِلَيَّ يقتضي إنه رفعه حياً، و الواو لا تقتضي الترتيب، فلم يبق إلا أن يقول فيها تقديم و تأخير، و المعنى: أني رافعك إليّ و مطهرك من الذين كفروا و متوفيك بعد إنزالي إياك في الدنيا، و مثله من التقديم و التأخير كثير في القرآن.

و اعلم أن الوجوه الكثيرة التي قدمناها تغني عن التزام مخالفة الظاهر و اللّه أعلم.

و المشبهة يتمسكون بهذه الآية في إثبات المكان للّه تعالى و أنه في المساء، و قد دللنا في المواضع الكثيرة من هذا الكتاب بالدلائل القاطعة على أنه يمتنع كونه تعالى في المكان فوجب حمل اللفظ/على التأويل، و هو من وجوه:

الوجه الأول: أن المراد إلى محل كرامتي، و جعل ذلك رفعاً إليه للتفخيم و التعظيم و مثله قوله‏ إِنِّي ذََاهِبٌ إِلى‏ََ رَبِّي [الصافات: 99]و إنما ذهب إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم من العراق إلى الشام و قد يقول السلطان: ارفعوا هذا الأمر إلى القاضي، و قد يسمى الحجاج زوار اللّه، و يسمى المجاورون جيران اللّه، و المراد من كل ذلك التفخيم و التعظيم فكذا هاهنا.

الوجه الثاني: في التأويل أن يكون قوله وَ رََافِعُكَ إِلَيَّ معناه إنه يرفع إلى مكان لا يملك الحكم عليه فيه غير اللّه لأن في الأرض قد يتولى الخلق أنواع الأحكام فأما السموات فلا حاكم هناك في الحقيقة و في الظاهر إلا اللّه.

الوجه الثالث: إن بتقدير القول بأن اللّه في مكان لم يكن ارتفاع عيسى إلى ذلك سبباً لانتفاعه و فرحه بل إنما ينتفع بذلك لو وجد هناك مطلوبه من الثواب و الروح و الراحة و الريحان، فعلى كلا القولين لا بد من حمل اللفظ على أن المراد: و رافعك إلى محل ثوابك و مجازاتك، و إذا كان لا بد من إضمار ما ذكرناه لم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان للّه تعالى.

الصفة الثالثة: من صفات عيسى قوله تعالى: وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا و المعنى مخرجك من بينهم و مفرق بينك و بينهم، و كما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه أخبر عن معنى التخليص بلفظ التطهير و كل ذلك يدل على المبالغة في إعلاء شأنه و تعظيم منصبه عند اللّه تعالى.

239

الصفة الرابعة: قوله وَ جََاعِلُ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ وجهان الأول: أن المعنى: الذين اتبعوا دين عيسى يكونون فوق الذين كفروا به، و هم اليهود بالقهر و السلطان و الاستعلاء إلى يوم القيامة، فيكون ذلك إخباراً عن ذل اليهود و إنهم يكونوا مقهورين إلى يوم القيامة، فأما الذين اتبعوا المسيح عليه السلام فهم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد اللّه و رسوله و أما بعد الإسلام فهم المسلمون، و أما النصارى فهم و إن أظهروا من أنفسهم موافقته فهم يخالفونه أشد المخالفة من حيث أن صريح العقل يشهد أنه عليه السلام ما كان يرضى بشي‏ء مما يقوله هؤلاء الجهال، و مع ذلك فإنا نرى أن دولة النصارى في الدنيا أعظم و أقوى من أمر اليهود فلا نرى في طرف من أطراف الدنيا ملكا يهوديا و لا بلدة مملوءة من اليهود بل يكونون أين كانوا بالذلة و المسكنة و أما النصارى فأمرهم بخلاف ذلك الثاني: أن المراد من هذه الفوقية الفوقية بالحجة و الدليل.

و اعلم أن هذه الآية تدل على أن رفعه في قوله وَ رََافِعُكَ إِلَيَّ هو الرفعة بالدرجة و المنقبة، لا بالمكان و الجهة، كما أن الفوقية في هذه ليست بالمكان بل بالدرجة و الرفعة.

أما قوله ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمََا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فالمعنى أنه تعالى بشّر عيسى عليه السلام بأنه يعطيه في الدنيا تلك الخواص الشريفة، و الدرجات الرفيعة العالية، و أما في القيامة/فإنه يحكم بين المؤمنين به، و بين الجاحدين برسالته، و كيفية ذلك الحكم ما ذكره في الآية التي بعد هذه الآية و بقي من مباحث هذه الآية موضع مشكل و هو أن نص القرآن دل على أنه تعالى حين رفعه ألقى شبهه على غيره على ما قال:

وَ مََا قَتَلُوهُ وَ مََا صَلَبُوهُ وَ لََكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء: 157]و الأخبار أيضا واردة بذلك إلا أن الروايات اختلفت، فتارة يروى أن اللّه تعالى ألقى شبهه على بعض الأعداء الذين دلوا اليهود على مكانه حتى قتلوه و صلبوه، و تارة يروى أنه عليه السلام رغب بعض خواص أصحابه في أن يلقي شبهه حتى يقتل مكانه، و بالجملة فكيفما كان ففي إلقاء شبهه على الغير إشكالات:

الإشكال الأول: إنا لو جوزنا إلقاء شبه إنسان على إنسان آخر لزم السفسطة، فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذ أجوز أن يكون هذا الذي رأيته ثانياً ليس بولدي بل هو إنسان ألقي شبهه عليه و حينئذ يرتفع الأمان على المحسوسات، و أيضاً فالصحابة الذين رأوا محمداً صلى اللّه عليه و سلم يأمرهم و ينهاهم وجب أن لا يعرفوا أنه محمد لاحتمال أنه ألقي شبهه على غيره و ذلك يفضي إلى سقوط الشرائع، و أيضاً فمدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس، فإذا جاز وقوع الغلط في المبصرات كان سقوط خبر المتواتر أولى و بالجملة ففتح هذا الباب أوله سفسطة و آخره إبطال النبوات بالكلية.

و الإشكال الثاني: و هو أن اللّه تعالى كان قد أمر جبريل عليه السلام بأن يكون معه في أكثر الأحوال، هكذا قاله المفسرون في تفسير قوله‏ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ اَلْقُدُسِ [المائدة: 110]ثم إن طرف جناح واحد من أجنحة جبريل عليه السلام كان يكفي العالم من البشر فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود عنه؟و أيضاً أنه عليه السلام لما كان قادراً على إحياء الموتى، و إبراء الأكمه و الأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء و على إسقامهم و إلقاء الزمانة و الفلج عليهم حتى يصيروا عاجزين عن التعرض له؟.

و الإشكال الثالث: إنه تعالى كان قادراً على تخليصه من أولئك الأعداء بأن يرفعه إلى السماء فما الفائدة

240

في إلقاء شبهه على غيره، و هل فيه إلا إلقاء مسكين في القتل من غير فائدة إليه؟.

و الإشكال الرابع: أنه إذا ألقى شبهه على غيره ثم إنه رفع بعد ذلك إلى السماء فالقوم اعتقدوا فيه أنه هو عيسى مع أنه ما كان عيسى، فهذا كان إلقاء لهم في الجهل و التلبيس، و هذا لا يليق بحكمة اللّه تعالى.

و الإشكال الخامس: أن النصارى على كثرتهم في مشارق الأرض و مغاربها و شدة محبتهم للمسيح عليه السلام، و غلوهم في أمره أخبروا أنهم شاهدوه مقتولاً مصلوباً، فلو أنكرنا ذلك كان طعناً فيما ثبت بالتواتر، و الطعن في التواتر يوجب الطعن في نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم، و نبوّة عيسى، بل في وجودهما، و وجود سائر الأنبياء عليهم الصلاة و السلام و كل ذلك باطل.

و الإشكال السادس: أنه ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً، فلو لم يكن ذلك عيسى بل كان غيره لأظهر الجزع، و لقال: إني لست بعيسى بل إنما أنا غيره، و لبالغ في تعريف هذا المعنى، و لو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلق هذا المعنى، فلما لم يوجد شي‏ء من هذا علمنا أن ليس الأمر على ما ذكرتم، فهذا جملة ما في الموضع من السؤالات:

و الجواب عن الأول: أن كل من أثبت القادر المختار، سلم أنه تعالى قادر على أن يخلق إنساناً آخر على صورة زيد مثلاً، ثم إن هذا التصوير لا يوجب الشك المذكور، فكذا القول فيما ذكرتم:

و الجواب عن الثاني: أن جبريل عليه السلام لو دفع الأعداء عنه أو أقدر اللّه تعالى عيسى عليه السلام على دفع الأعداء عن نفسه لبلغت معجزته إلى حد الإلجاء، و ذلك غير جائز.

و هذا هو الجواب عن الإشكال الثالث: فإنه تعالى لو رفعه إلى السماء و ما ألقي شبهه على الغير لبلغت تلك المعجزة إلى حد الإلجاء.

و الجواب عن الرابع: أن تلامذة عيسى كانوا حاضرين، و كانوا عالمين بكيفية الواقعة، و هم كانوا يزيلون ذلك التلبيس.

و الجواب عن الخامس: أن الحاضرين في ذلك الوقت كانوا قليلين و دخول الشبهة على الجمع القليل جائز و التواتر إذا انتهى في آخر الأمر إلى الجمع القليل لم يكن مفيداً للعلم.

و الجواب عن السادس: إن بتقدير أن يكون الذي ألقي شبه عيسى عليه السلام عليه كان مسلماً و قبل ذلك عن عيسى جائز أن يسكت عن تعريف حقيقة الحال في تلك الواقعة، و بالجملة فالأسئلة التي ذكروها أمور تتطرق الاحتمالات إليها من بعض الوجوه، و لما ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد صلى اللّه عليه و سلم في كل ما أخبر عنه امتنع صيرورة هذه الأسئلة المحتملة معارضة للنص القاطع، و اللّه ولي الهداية.

اعلم أنه تعالى لما ذكر إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمََا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران: 55]بيّن بعد ذلك مفصلاً ما في ذلك الاختلاف، أما الاختلاف فهو أن كفر قوم و آمن آخرون، و أما الحكم فيمن كفر فهو/أن يعذبه عذاباً شديداً في الدنيا و الآخرة، و أما الحكم فيمن آمن و عمل الصالحات، فهو أن يوفيهم أجورهم، و في الآية مسائل: ـ

241

المسألة الأولى: أما عذاب الكافر في الدنيا فهو من وجهين أحدهما: القتل و السبي و ما شاكله، حتى لو ترك الكفر لم يحسن إيقاعه به، فذلك داخل في عذاب الدنيا و الثاني: ما يلحق الكافر من الأمراض و المصائب، و قد اختلفوا في أن ذلك هل هو عقاب أم لا؟قال بعضهم: إنه عقاب في حق الكافر، و إذا وقع مثله للمؤمن فإنه لا يكون عقاباً بل يكون ابتلاءً و امتحاناً، و قال الحسن: إن مثل هذا إذا وقع للكافر لا يكون عقاباً بل يكون أيضاً ابتلاءً و امتحاناً، و يكون جارياً مجرى الحدود التي تقام على النائب، فإنها لا تكون عقاباً بل امتحاناً، و الدليل عليه أنه تعالى يعد الكل بالصبر عليها و الرضا بها و التسليم لها و ما هذا حاله لا يكون عقاباً.

فإن قيل: فقد سلمتم في الوجه الأول إنه عذاب للكافر على كفره، و هذا على خلاف قوله تعالى: وَ لَوْ يُؤََاخِذُ اَللََّهُ اَلنََّاسَ بِظُلْمِهِمْ مََا تَرَكَ عَلَيْهََا مِنْ دَابَّةٍ [النحل: 61]و كلمة (لو) تفيد انتفاء الشي‏ء لانتفاء غيره، فوجب أن لا توجد المؤاخذة في الدنيا، و أيضاً قال تعالى: اَلْيَوْمَ تُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ [غافر: 17]و ذلك يقتضي حصول المجازاة في ذلك اليوم، لا في الدنيا، قلنا: الآية الدالة على حصول العقاب في الدنيا خاصة، و الآيات التي ذكرتموها عامة، و الخاص مقدم على العام.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول وصف العذاب بالشدة، يقتضي أن يكون عقاب الكافر في الدنيا أشد، و لسنا نجد الأمر كذلك، فإن الأمر تارة يكون على الكفار و أخرى على المسلمين، و لا نجد بين الناس تفاوتاً.

قلنا: بل التفاوت موجود في الدنيا، لأن الآية في بيان أمر اليهود الذين كذبوا بعيسى عليه السلام، و نرى الذلة و المسكنة لازمة لهم، فزال الإشكال.

المسألة الثالثة: وصف تعالى هذا العذاب بأنه ليس لهم من ينصرهم و يدفع ذلك العذاب عنهم.

فإن قيل: أليس قد يمتنع على الأئمة و المؤمنين قتل الكفار بسبب العهد و عقد الذمة.

قلنا: المانع هو العهد، و لذلك إذا زال العهد حل قتله.

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حفص عن عاصم فَيُوَفِّيهِمْ بالياء، يعني فيوفيهم اللّه، و الباقون بالنون حملاً على ما تقدم من قوله فَأَحْكُمُ ، ... فَأُعَذِّبُهُمْ و هو الأولى لأنه نسق الكلام.

المسألة الثانية: ذكر الذين آمنوا، ثم وصفهم بأنهم عملوا الصالحات، و ذلك يدل على أن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان، و قد تقدم ذكر هذه الدلالة مراراً.

المسألة الثالثة: احتج من قال بأن العمل علة للجزاء بقوله فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ فشبههم في عبادتهم لأجل طلب الثواب بالمستأجر، و الكلام فيه أيضاً قد تقدم و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: المعتزلة احتجوا بقوله وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ اَلظََّالِمِينَ على أنه تعالى لا يريد الكفر و المعاصي، قالوا: لأن مريد الشي‏ء لا بد و أن يكون محباً له، إذا كان ذلك الشي‏ء من الأفعال و إنما تخالف المحبة الإرادة إذا علقتا بالأشخاص، فقد يقال: أحب زيداً، و لا يقال: أريده، و أما إذا علقتا بالأفعال: فمعناهما واحد إذا استعملتا

242

على حقيقة اللغة، فصار قوله وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ اَلظََّالِمِينَ بمنزلة قوله (لا يريد ظلم الظالمين) (1) هكذا قرره القاضي، و عند أصحابنا أن المحبة عبارة عن إرادة إيصال الخير إليه فهو تعالى و إن أراد كفر الكافر إلا أنه لا يريد إيصال الثواب إليه، و هذه المسألة قد ذكرناها مراراً و أطواراً.

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ذََلِكَ إشارة إلى ما تقدم من نبأ عيسى و زكريا و غيرهما، و هو مبتدأ، خبره نَتْلُوهُ و مِنَ اَلْآيََاتِ خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف، و يجوز أن يكون ذلك بمعنى الذي، و نَتْلُوهُ صلته، و مِنَ اَلْآيََاتِ الخبر.

المسألة الثانية: التلاوة و القصص واحد في المعنى، فإن كلا منهما يرجع معناه إلى شي‏ء يذكر بعضه على إثر بعض، ثم إنه تعالى أضاف التلاوة إلى نفسه في هذه الآية، و في قوله‏ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى‏ََ [القصص: 3] و أضاف القصص إلى نفسه فقال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ [يوسف: 3]و كل ذلك يدل على أنه تعالى جعل تلاوة الملك جارية مجرى تلاوته سبحانه و تعالى، و هذا تشريف عظيم للملك، و إنما حسن ذلك لأن تلاوة جبريل صلى اللّه عليه و سلم لما كان بأمره من غير تفاوت أصلاً أضيف ذلك إليه سبحانه و تعالى.

المسألة الثالثة: قوله مِنَ اَلْآيََاتِ يحتمل أن يكون المراد منه، أن ذلك من آيات القرآن و يحتمل أن يكون المراد منه أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك، لأنها أخبار لا يعلمها إلا/قارئ من كتاب أو من يوحى إليه، فظاهر أنك لا تكتب و لا تقرأ، فبقي أن ذلك من الوحي.

المسألة الرابعة: وَ اَلذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ فيه قولان الأول: المراد منه القرآن و في وصف القرآن بكونه ذكراً حكيماً وجوه الأول: إنه بمعنى الحاكم مثل القدير و العليم، و القرآن حاكم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه و الثاني: معناه ذو الحكمة في تأليفه و نظمه و كثرة علومه و الثالث: أنه بمعنى المحكم، فعيل بمعنى مفعل، قال الأزهري: و هو شائع في اللغة، لأن حكمت يجري مجرى أحكمت في المعنى، فرد إلى الأصل، و معنى المحكم في القرآن أنه أحكم عن تطرق وجوه الخلل إليه قال تعالى: أُحْكِمَتْ آيََاتُهُ [هود: 1]و الرابع: أن يقال القرآن لكثرة حكمه إنه ينطق بالحكمة، فوصف بكونه حكيماً على هذا التأويل.

القول الثاني: أن المراد بالذكر الحكيم هاهنا غير القرآن، و هو اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم السلام، أخبر أنه تعالى أنزل هذا القصص مما كتب هنالك، و اللّه أعلم بالصواب.

أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور و قد نجران على الرسول صلى اللّه عليه و سلم، و كان من جملة شبههم أن قالوا: يا محمد، لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو اللّه تعالى، فقال: إن آدم ما كان له أب و لا أم و لم يلزم أن يكون ابناً للّه تعالى، فكذا القول في عيسى عليه السلام، هذا حاصل الكلام، و أيضاً إذا جاز أن

____________

(1) ليست هذه آية إنما المثبت في المصحف‏ وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبََادِ [غافر: 31].

243

يخلق اللّه تعالى آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم؟بل هذا أقرب إلى العقل، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس، هذا تلخيص الكلام.

ثم هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: مَثَلَ عِيسى‏ََ عِنْدَ اَللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ أي صفته كصفة آدم و نظيره قوله تعالى: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ* [الرعد: 35]أي صفة الجنة.

المسألة الثانية: قوله تعالى: خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ ليس بصلة لآدم و لا صفة و لكنه خبر مستأنف على جهة التفسير بحال آدم، قال الزجاج: هذا كما تقول في الكلام مثلك كمثل زيد، تريد أن تشبهه به في أمر من الأمور، ثم تخبر بقصة زيد فتقول فعل كذا و كذا.

المسألة الثالثة: اعلم أن العقل دل على أنه لا بد للناس من والد أول، و إلا لزم أن يكون كل ولد مسبوق بوالد لا إلى أول و هو محال، و القرآن دل على أن ذلك الوالد الأول هو آدم عليه السلام كما في هذه الآية، و قال:

يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهََا زَوْجَهََا [النساء: 1]و قال: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا [الأعراف: 189]ثم إنه تعالى ذكر في كيفية خلق آدم عليه السلام وجوهاً كثيرة أحدها: أنه مخلوق من التراب كما في هذه الآية و الثاني: أنه مخلوق من الماء، قال اللّه تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ مِنَ اَلْمََاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً [الفرقان: 54]و الثالث: أنه مخلوق من الطين قال اللّه تعالى: اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسََانِ مِنْ طِينٍ*`ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ مََاءٍ مَهِينٍ [السجدة: 7، 8] و الرابع: أنه مخلوق من سلالة من طين قال تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ*`ثُمَّ جَعَلْنََاهُ نُطْفَةً فِي قَرََارٍ مَكِينٍ [المؤمنون: 12، 13]الخامس: أنه مخلوق من طين لازب قال تعالى: إِنََّا خَلَقْنََاهُمْ مِنْ طِينٍ لاََزِبٍ [الصافات: 11]السادس: إنه مخلوق من صلصال قال تعالى: إِنِّي خََالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصََالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر: 28]السابع: أنه مخلوق من عجل، قال تعالى: خُلِقَ اَلْإِنْسََانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء: 37] الثامن: قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ فِي كَبَدٍ [البلد: 4]أما الحكماء فقالوا: إنما خلق آدم عليه السلام من تراب لوجوه: الأول: ليكون متواضعاً الثاني: ليكون ستاراًالثالث: ليكون أشد التصاقاً بالأرض، و ذلك لأنه إنما خلق لخلافة أهل الأرض، قال تعالى: إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30]الرابع: أراد إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام و ابتلاهم بظلمات الضلالة، و خلق الملائكة من الهواء الذي هو ألطف الأجرام و أعطاهم كمال الشدة و القوة، و خلق آدم عليه السلام من التراب الذي هو أكثف الأجرام، ثم أعطاه المحبة و المعرفة و النور و الهداية، و خلق السموات من أمواج مياه البحار و أبقاها معلقة في الهواء حتى يكون خلقه هذه الأجرام برهاناً باهراً و دليلاً ظاهراً على أنه تعالى هو المدبر بغير احتياج، و الخالق بلا مزاج و علاج الخامس:

خلق الإنسان من تراب ليكون مطفئاً لنار الشهوة، و الغضب، و الحرص، فإن هذه النيران لا تطفأ إلا بالتراب و إنما خلقه من الماء ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء، ثم إنه تعالى مزج بين الأرض و الماء ليمتزج الكثيف فيصير طيناً و هو قوله‏ إِنِّي خََالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ثم إنه في المرتبة الرابعة قال: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ طِينٍ و السلالة بمعنى المفعولة لأنها هي التي تسل من ألطف أجزاء الطين، ثم إنه في المرتبة السادسة أثبت له من الصفات ثلاثة أنواع:

244

أحدها: أنه من صلصال و الصلصال: اليابس الذي إذا حرك تصلصل كالخزف الذي يسمع من داخله صوت.

و الثاني: الحمأ و هو الذي استقر في الماء مدة، و تغير لونه إلى السواد. و الثالث: تغير رائحته قال تعالى: فَانْظُرْ إِلى‏ََ طَعََامِكَ وَ شَرََابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة: 259]أي لم يتغير.

فهذه جملة الكلام في التوفيق بين الآيات الواردة في خلق آدم عليه السلام.

المسألة الرابعة: في الآية إشكال، و هو أنه تعالى قال: خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ قََالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فهذا يقتضي أن يكون خلق آدم متقدماً على قول اللّه له كُنْ و ذلك غير جائز.

و أجاب عنه من وجوه الأول: قال أبو مسلم: قد بينا أن الخلق هو التقدير و التسوية، و يرجع معناه إلى علم اللّه تعالى بكيفية وقوعه و إرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص و كل ذلك متقدم على وجود آدم عليه السلام تقديماً من الأزل إلى الأبد، و أما قوله كُنْ فهو عبارة عن إدخاله في الوجود فثبت أن خلق آدم متقدم على قوله كُنْ .

و الجواب الثاني: و هو الذي عول عليه القاضي أنه تعالى خلقه من الطين ثم قال له كُنْ أي أحياه كما قال: ثُمَّ أَنْشَأْنََاهُ خَلْقاً آخَرَ فإن قيل الضمير في قوله خلقه راجع إلى آدم و حين كان تراباً لم يكن آدم عليه السلام موجوداً.

أجاب القاضي و قال: بل كان موجوداً و إنما وجد بعد حياته، و ليست الحياة نفس آدم و هذا ضعيف لأن آدم عليه السلام ليس عبارة عن مجرد الأجسام المشكلة بالشكل المخصوص، بل هو عبارة عن هوية أخرى مخصوصة و هي: إما المزاج المعتدل، أو النفس، و ينجر الكلام من هذا البحث إلى أن النفس ما هي، و لا شك أنها من أغمض المسائل.

الجواب: الصحيح أن يقال لما كان ذلك الهيكل بحيث سيصير آدم عن قريب سماه آدم عليه السلام قبل ذلك، تسمية لما سيقع بالواقع.

و الجواب الثالث: أن قوله ثُمَّ قََالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يفيد تراخي هذا الخبر عن ذلك الخبر كما في قوله تعالى: ثُمَّ كََانَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا [البلد: 17]و يقول القائل: أعطيت زيداً اليوم ألفاً ثم أعطيته أمس ألفين، و مراده: أعطيته اليوم ألفاً، ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ أي صيره خلقاً سوياً ثم إنه يخبركم أني إنما خلقته بأن قلت له كُنْ .

المسألة الخامسة: في الآية إشكال آخر و هو أنه كان ينبغي أن يقال: ثم قال له كن فكان فلم يقل كذلك بل قال: كُنْ فَيَكُونُ .

و الجواب: تأويل الكلام، ثم قال له كُنْ فَيَكُونُ فكان.

و اعلم يا محمد أن ما قال له ربك كُنْ فإنه يكون لا محالة.

و فيه مسائل:

245

المسألة الأولى: قال الفرّاء، و الزجاج قوله اَلْحَقُّ خبر مبتدأ محذوف، و المعنى: الذي أنبأتك من قصة عيسى عليه السلام، أو ذلك النبأ في أمر عيسى عليه السلام اَلْحَقُّ فحذف لكونه/معلوماً، و قال أبو عبيدة هو استئناف بعد انقضاء الكلام، و خبره قوله مِنْ رَبِّكَ و هذا كما تقول الحق من اللّه، و الباطل من الشيطان، و قال آخرون: الحق، رفع بإضمار فعل أي جاءك الحق.

و قيل: أيضاً إنه مرفوع بالصفة و فيه تقديم و تأخير، تقديره: من ربك الحق فلا تكن.

المسألة الثانية: الامتراء الشك، قال ابن الأنباري: هو مأخوذ من قول العرب مريت الناقة و الشاة إذا حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء كاللبن الذي يجتذب عند الحلب، يقال قد مارى فلان فلاناً إذا جادله، كأنه يستخرج غضبه، و منه قيل الشكر يمتري المزيد أي يجلبه.

المسألة الثالثة: في الحق تأويلان الأول: قال أبو مسلم المراد أن هذا الذي أنزلت عليك هو الحق من خبر عيسى عليه السلام لا ما قالت النصارى و اليهود، فالنصارى قالوا: إن مريم ولدت إلهاً، و اليهود رموا مريم عليها السلام بالإفك و نسبوها إلى يوسف النجار، فاللّه تعالى بيّن أن هذا الذي أنزل في القرآن هو الحق ثم نهى عن الشك فيه، و معنى ممتري مفتعل من المرية و هي الشك.

و القول الثاني: أن المراد أن الحق في بيان هذه المسألة ما ذكرناه من المثل و هو قصة آدم عليه السلام فإنه لا بيان لهذه المسألة و لا برهان أقوى من التمسك بهذه الواقعة و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: فَلاََ تَكُنْ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ خطاب في الظاهر مع النبي صلى اللّه عليه و سلم، و هذا بظاهره يقتضي أنه كان شاكاً في صحة ما أنزل عليه، و ذلك غير جائز، و اختلف الناس في الجواب عنه، فمنهم من قال: الخطاب و إن كان ظاهره مع النبي عليه الصلاة و السلام إلا أنه في المعنى مع الأمة قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ [الطلاق: 1]و الثاني: أنه خطاب للنبي عليه الصلاة و السلام و المعنى: فدم على يقينك، و على ما أنت عليه من ترك الامتراء.

اعلم أن اللّه تعالى بيّن في أول هذه السورة وجوهاً من الدلائل القاطعة على فساد قول النصارى/بالزوجة و الولد، و أتبعها بذكر الجواب عن جميع شبههم على سبيل الاستقصاء التام، و ختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لفساد كلامهم، و هو أنه لما لم يلزم من عدم الأب و الأم البشريين لآدم عليه السلام أن يكون ابناً للّه تعالى لم يلزم من عدم الأب البشري لعيسى عليه السلام أن يكون ابناً للّه، تعالى اللّه عن ذلك و لما لم يبعد انخلاق آدم عليه السلام من التراب لم يبعد أيضاً انخلاق عيسى عليه السلام من الدم الذي كان يجتمع في رحم أم عيسى عليه السلام، و من أنصف و طلب الحق، علم أن البيان قد بلغ إلى الغاية القصوى، فعند ذلك قال تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ بعد هذه الدلائل الواضحة و الجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم و عاملهم بما يعامل به المعاند، و هو أن تدعوهم إلى الملاعنة فقال: فَقُلْ تَعََالَوْا نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ إلى آخر الآية، ثم هاهنا مسائل:

246

المسألة الأولى: اتفق أني حين كنت بخوارزم، أخبرت أنه جاء نصراني يدعي التحقيق و التعمق في مذهبهم، فذهبت إليه و شرعنا في الحديث و قال لي: ما الدليل على نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم، فقلت له كما نقل إلينا ظهور الخوارق على يد موسى و عيسى و غيرهما من الأنبياء عليهم السلام، نقل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد صلى اللّه عليه و سلم، فإن رددنا التواتر، أو قبلناه لكن قلنا: إن المعجزة لا تدل على الصدق، فحينئذ بطلت نبوّة سائر الأنبياء عليهم السلام، و إن اعترفنا بصحة التواتر، و اعترفنا بدلالة المعجزة على الصدق، ثم إنهما حاصلان في حق محمد وجب الاعتراف قطعاً بنبوّة محمد عليه السلام ضرورة أن عند الاستواء في الدليل لا بد من الاستواء في حصول المدلول، فقال النصراني:

أنا لا أقول في عيسى عليه السلام إنه كان نبياً بل أقول إنه كان إلهاً، فقلت له الكلام في النبوّة لا بد و أن يكون مسبوقاً بمعرفة الإله و هذا الذي تقوله باطل و يدل عليه أن الإله عبارة عن موجود واجب الوجود لذاته، يجب أن لا يكون جسماً و لا متحيزاً و لا عرضا و عيسى عبارة عن هذا الشخص البشري الجسماني الذي وجد بعد أن كان معدوماً و قتل بعد أن كان حياً على قولكم و كان طفلا أولاً، ثم صار مترعرعا، ثم صار شاباً، و كان يأكل و يشرب و يحدث و ينام و يستيقظ، و قد تقرر في بداهة العقول أن المحدث لا يكون قديماً و المحتاج لا يكون غنياً و الممكن لا يكون واجباً و المتغير لا يكون دائماً.

و الوجه الثاني: في إبطال هذه المقالة أنكم تعترفون بأن اليهود أخذوه و صلبوه و تركوه حياً على الخشبة، و قد مزقوا ضلعه، و أنه كان يحتال في الهرب منهم، و في الاختفاء عنهم، و حين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد، فإن كان إلهاً أو كان الإله حالاً فيه أو كان جزءا من الإله حاك فيه، فلم لم يدفعهم عن نفسه؟و لم لم يهلكهم بالكلية؟و أي حاجة به إلى إظهار الجزع منهم و الاحتيال في الفرار منهم!و باللّه أنني لأتعجب جدا!إن العاقل كيف يليق به أن يقول هذا القول و يعتقد صحته، فتكاد أن تكون بديهة العقل شاهدة بفساده.

و الوجه الثالث: و هو أنه: إما أن يقال بأن الإله هو هذا الشخص الجسماني المشاهد، أو يقال حل الإله بكليته فيه، أو حل بعض الإله و جزء منه فيه و الأقسام الثلاثة باطلة أما الأول: فلأن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم، فحين قتله اليهود كان ذلك قولاً بأن اليهود قتلوا إله العالم، فكيف بقي العالم بعد ذلك من غير إله!ثم إن أشد الناس ذلاً و دناءة اليهود، فالإله الذي تقتله اليهود إله في غاية العجز!و أما الثاني: و هو أن الإله بكليته حل في هذا الجسم، فهو أيضاً فاسد، لأن الإله لم يكن جسماً و لا عرضاً امتنع حلوله في الجسم، و إن كان جسماً، فحينئذ يكون حلوله في جسم آخر عبارة عن اختلاط أجزاءه بأجزاء ذلك الجسم، و ذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإله، و إن كان عرضاً كان محتاجا إلى المحل، و كان الإله محتاجاً إلى غيره، و كل ذلك سخف، و أما الثالث: و هو أنه حل فيه بعض من أبعاض الإله، و جزء من أجزائه، فذلك أيضا محال لأن ذلك الجزء إن كان معتبرا في الإلهية، فعند انفصاله عن الإله، وجب أن لا يبقى الإله إلهاً، و إن لم يكن معتبر في تحقق الإلهية، لم يكن جزأ من الإله، فثبت فساد هذه الأقسام، فكان قول النصارى باطلاً.

الوجه الرابع: في بطلان قول النصارى ما ثبت بالتواتر أن عيسى عليه السلام كان عظيم الرغبة في العبادة و الطاعة للّه تعالى، و لو كان إلهاً لاستحال ذلك، لأن الإله لا يعبد نفسه، فهذه وجوه في غاية الجلاء و الظهور، دالة على فساد قولهم، ثم قلت للنصراني: و ما الذي دلك على كونه إلهاً؟فقال الذي دل عليه ظهور العجائب عليه من إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص، و ذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرة الإله تعالى، فقلت له هل تسلم إنه لا يلزم‏

247

من عدم الدليل عدم المدلول أم لا؟فإن لم تسلم لزمك من نفي العالم في الأزل نفي الصانع، و إن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فأقول: لما جوّزت حلول الإله في بدن عيسى عليه السلام، فكيف عرفت أن الإله ما حل في بدني و بدنك و في بدن كل حيوان و نبات و جماد؟فقال: الفرق ظاهر، و ذلك لأني إنما حكمت بذلك الحلول، لأنه ظهرت تلك الأفعال العجيبة عليه، و الأفعال العجيبة ما ظهرت على يدي و لا على يدك، فعلمنا أن ذلك الحلول مفقود هاهنا، فقلت له: تبين الآن أنك ما عرفت معنى قولي إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، و ذلك لأن ظهور تلك الخوارق دالة على حلول الإله في بدن عيسى: فعدم ظهور تلك الخوارق مني و منك ليس فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل، فإذا ثبت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لا يلزم من عدم ظهور تلك الخوارق مني و منك عدم الحلول في حقي و في حقك، و في حق الكلب و السنور و الفأر ثم قلت: إن مذهباً يؤدي القول به إلى تجويز حلول ذات اللّه في بدن الكلب و الذباب لفي غاية الخسة و الركاكة.

الوجه الخامس: أن قلب العصا حية، أبعد في العقل من إعادة الميت حياً، لأن المشاكلة/بين بدن الحي و بدن الميت أكثر من المشاكلة بين الخشبة و بين بدن الثعبان، فإذا لم يوجب قلب العصا حية كون موسى إلهاً و لا ابناً للإله، فبأن لا يدل إحياء الموتى على الإلهية كان ذلك أولى، و عند هذا انقطع النصراني و لم يبق له كلام و اللّه أعلم.

المسألة الثانية:

روي أنه عليه السلام لما أورد الدلائل على نصارى نجران، ثم إنهم أصروا على جهلهم، فقال عليه السلام: «إن اللّه أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم» فقالوا: يا أبا القاسم، بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فلما رجعوا قالوا للعاقب: و كان ذا رأيهم، يا عبد المسيح ما ترى، فقال: و اللّه لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، و لقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم، و اللّه ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم و لا نبت صغيرهم و لئن فعلتم لكان الاستئصال فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم و الإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل و انصرفوا إلى بلادكم و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خرج و عليه مرط من شعر أسود، و كان قد احتضن الحسين و أخذ بيد الحسن، و فاطمة تمشي خلفه، و علي رضي اللّه عنه خلفها، و هو يقول، إذا دعوت فأمنوا، فقال أسقف نجران:

يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا و لا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، ثم قالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك و أن نقرك على دينك فقال صلوات اللّه عليه: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين، و عليكم ما على المسلمين، فأبوا، فقال:

فإني أناجزكم القتال، فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة، و لكن نصالحك على أن لا تغزونا و لا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة: ألفا في صفر، و ألفا في رجب، و ثلاثين درعاً عادية من حديد، فصالحهم على ذلك، و قال: و الذي نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، و لو لاعنوا لمسخوا قردة و خنازير، و لاضطرم عليهم الوادي ناراً، و لاستأصل اللّه نجران و أهله، حتى الطير على رؤوس الشجر، و لما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا،

و

روي أنه عليه السلام لما خرج في المرط الأسود، فجاء الحسن رضي اللّه عنه فأدخله، ثم جاء الحسين رضي اللّه عنه فأدخله ثم فاطمة، ثم علي رضي اللّه عنهما ثم قال: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: 33]

و اعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير و الحديث.

المسألة الثالثة: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ أي في عيسى عليه السلام، و قيل: الهاء تعود إلى الحق، في قوله اَلْحَقُ‏

248

مِنْ رَبِّكَ [هود: 17] مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ [البقرة: 145]بأن عيسى عبد اللّه و رسوله عليه السلام و ليس المراد هاهنا بالعلم نفس العلم لأن العلم الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك، بل المراد بالعلم ما ذكره بالدلائل العقلية، و الدلائل الواصلة إليه بالوحي و التنزيل، فقل تعالوا: أصله تعاليوا، لأنه تفاعلوا من العلو، فاستثقلت الضمة على الياء، فسكنت، ثم حذفت لاجتماع الساكنين، و أصله العلو و الارتفاع، /فمعنى تعالى ارتفع، إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار لكل مجي‏ء، و صار بمنزلة هلم.

المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على أن الحسن و الحسين عليهما السلام كانا ابني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، وعد أن يدعو أبناءه، فدعا الحسن و الحسين، فوجب أن يكونا ابنيه، و مما يؤكد هذا قوله تعالى في سورة الأنعام‏ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ [الأنعام: 84]إلى قوله‏ وَ زَكَرِيََّا وَ يَحْيى‏ََ وَ عِيسى‏ََ [الأنعام: 85]و معلوم أن عيسى عليه السلام إنما انتسب إلى إبراهيم عليه السلام بالأم لا بالأب، فثبت أن ابن البنت قد يسمى ابناً و اللّه أعلم.

المسألة الخامسة: كان في الري رجل يقال له: محمود بن الحسن الحمصي، و كان معلم الاثنى عشرية، و كان يزعم أن علياً رضي اللّه عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد عليه السلام، قال: و الذي يدل عليه قوله تعالى: وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ و ليس المراد بقوله وَ أَنْفُسَنََا نفس محمد صلى اللّه عليه و سلم لأن الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد به غيره، و أجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد، و لا يمكن أن يكون المراد منه، أن هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس، و ذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة، و في حق الفضل لقيام الدلائل على أن محمداً عليه السلام كان نبياً و ما كان علي كذلك، و لانعقاد الإجماع على أن محمداً عليه السلام كان أفضل من علي رضي اللّه عنه، فيبقى فيما وراءه معمولاً به، ثم الإجماع دل على أن محمداً عليه السلام كان أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء، فهذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية، ثم قال: و يؤيد الاستدلال بهذه الآية، الحديث المقبول عند الموافق و المخالف، و هو

قوله عليه السلام: «من أراد أن يرى آدم في علمه، و نوحاً في طاعته، و إبراهيم في خلته، و موسى في هيبته، و عيسى في صفوته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه»

فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقاً فيهم، و ذلك يدل على أن علياً رضي اللّه عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلى اللّه عليه و سلم، و أما سائر الشيعة فقد كانوا قديماً و حديثاً يستدلون بهذه الآية على أن علياً رضي اللّه عنه مثل نفس محمد عليه السلام إلا فيما خصه الدليل، و كان نفس محمد أفضل من الصحابة رضوان اللّه عليهم، فوجب أن يكون نفس علي أفضل أيضاً من سائر الصحابة، هذا تقدير كلام الشيعة، و الجواب: أنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمداً عليه السلام أفضل من علي، فكذلك انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان، على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، و أجمعوا على أن علياً رضي اللّه عنه ما كان نبياً، فلزم القطع بأن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد صلى اللّه عليه و سلم، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء عليهم السلام.

المسألة السادسة: قوله ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتباهل، كما يقال اقتتل القوم و تقاتلوا و اصطحبوا و تصاحبوا، و الابتهال فيه وجهان أحدهما: أن الابتهال هو الاجتهاد في الدعاء، و إن لم يكن باللعن، و لا يقال: ابتهل في الدعاء إلا إذا كان هناك اجتهاد و الثاني: أنه مأخوذ من قولهم عليه بهلة اللّه، أي لعنته و أصله مأخوذ مما يرجع‏

249

إلى معنى اللعن، لأن معنى اللعن هو الإبعاد و الطرد و بهله اللّه، أي لعنه و أبعده من رحمته من قولك أبهله إذا أهمله و ناقة باهل لا صرار عليها، بل هي مرسلة مخلاة، كالرجل الطريد المنفي، و تحقيق معنى الكلمة: أن البهل إذا كان هو الإرسال و التخلية فكان من بهله اللّه فقد خلاه اللّه و وكله إلى نفسه و من وكله إلى نفسه فهو هالك لا شك فيه فمن باهل إنساناً، فقال: علي بهلة اللّه إن كان كذا، يقول: وكلني اللّه إلى نفسي، و فرضني إلى حولي و قوتي، أي من كلاءته و حفظه، كالناقة الباهل التي لا حافظ لها في ضرعها، فكل من شاء حلبها و أخذ لبنها لا قوة لها في الدفع عن نفسها، و يقال أيضاً: رجل باهل، إذا لم يكن معه عصًا، و إنما معناه أنه ليس معه ما يدفع عن نفسه، و القول الأول أولى، لأنه يكون قوله ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي ثم نجتهد في الدعاء، و نجعل اللعنة على الكاذب و على القول الثاني يصير التقدير: ثم نبتهل، أي ثم نلتعن فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللََّهِ عَلَى اَلْكََاذِبِينَ و هي تكرار، بقي في الآية سؤالات أربع.

السؤال الأول: الأولاد إذا كانوا صغاراً لم يجز نزول العذاب بهم و قد ورد في الخبر أنه صلوات اللّه عليه أدخل في المباهلة الحسن و الحسين عليهما السلام فما الفائدة فيه؟.

و الجواب: إن عادة اللّه تعالى جارية بأن عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم هلكت معهم الأولاد و النساء، فيكون ذلك في حق البالغين عقاباً، و في حق الصبيان لا يكون عقاباً، بل يكون جارياً مجرى إماتتهم و إيصال الآلام و الأسقام إليهم و معلوم أن شفقة الإنسان على أولاده و أهله شديدة جداً فربما جعل الإنسان نفسه فداءً لهم وجنة لهم، و إذا كان كذلك فهو عليه السلام أحضر صبيانه و نساءه مع نفسه و أمرهم بأن يفعلوا مثل ذلك ليكون ذلك أبلغ في الزجر و أقوى في تخويف الخصم، و أدل على وثوقه صلوات اللّه عليه و على آله بأن الحق معه.

السؤال الثاني: هل دلت هذه الواقعة على صحة نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم؟.

الجواب: أنها دلّت على صحة نبوته عليه السلام من وجهين أحدهما: و هو أنه عليه السلام خوفهم بنزول العذاب عليهم، و لو لم يكن واثقاً بذلك، لكان ذلك منه سعياً في إظهار كذب نفسه لأن بتقدير: أن يرغبوا في مباهلته، ثم لا ينزل العذاب، فحينئذ كان يظهر كذبه فيما أخبر و معلوم أن محمداً صلى اللّه عليه و سلم كان من أعقل الناس، فلا يليق به أن يعمل عملاً يفضي إلى ظهور كذبه فلما أصر على ذلك علمنا أنه إنما أصر عليه لكونه واثقاً بنزول العذاب عليهم و ثانيهما: إن القوم لما تركوا مباهلته، فلولا أنهم عرفوا من التوراة و الإنجيل ما يدل على نبوته، و إلا لما/أحجموا عن مباهلته.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنهم كانوا شاكين، فتركوا مباهلته خوفاً من أن يكون صادقاً فينزل بهم ما ذكر من العذاب؟.

قلنا هذا مدفوع من وجهين الأول: أن القوم كانوا يبذلونه النفوس و الأموال في المنازعة مع الرسول عليه الصلاة و السلام، و لو كانوا شاكين لما فعلوا ذلك الثاني: أنه قد نقل عن أولئك النصارى أنهم قالوا: إنه و اللّه هو النبي المبشر به في التوراة و الإنجيل، و إنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال فكان ذلك تصريحا منهم بأن الامتناع عن المباهلة كان لأجل علمهم بأنه نبي مرسل من عند اللّه تعالى.

السؤال الثالث: أ ليس إن بعض الكفار اشتغلوا بالمباهلة مع محمد صلى اللّه عليه و سلم؟حيث قالوا اَللََّهُمَّ إِنْ كََانَ هََذََا هُوَ

250

اَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنََا حِجََارَةً مِنَ اَلسَّمََاءِ [الأنفال: 32]ثم إنه لم ينزل العذاب بهم ألبتة، فكذا هاهنا، و أيضاً فبتقدير نزول العذاب، كان ذلك مناقضاً لقوله‏ وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33].

و الجواب: الخاص مقدم على العام، فلما أخبر عليه السلام بنزول العذاب في هذه السورة على التعيين وجب أن يعتقد أن الأمر كذلك.

السؤال الرابع: قوله إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ هل هو متصل بما قبله أم لا؟.

و الجواب: قال أبو مسلم: إنه متصل بما قبله و لا يجوز الوقف على قوله اَلْكََاذِبِينَ و تقدير الآية فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين بأن هذا هو القصص الحق و على هذا التقدير كان حق (إن) أن تكون مفتوحة، إلا أنها كسرت لدخول اللام في قوله لَهُوَ كما في قوله‏ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ [العاديات: 11]و قال الباقون:

الكلام تم عند قوله عَلَى اَلْكََاذِبِينَ و ما بعده جملة أخرى مستقلة غير متعلقة بما قبلها و اللّه أعلم.

في قوله تعالى إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله إِنَّ هََذََا إشارة إلى ما تقدم ذكره من الدلائل، و من الدعاء إلى المباهلة لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ و القصص هو مجموع الكلام المشتمل على ما يهدي إلى الدين، و يرشد/إلى الحق و يأمر بطلب النجاة فبين تعالى إن الذي أنزله على نبيه هو القصص الحق ليكون على ثقة من أمره، و الخطاب و إن كان معه فالمراد به الكل.

المسألة الثانية: (هو) في قوله لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ فيه قولان أحدهما: أن يكون فصلا و عماداً، و يكون خبر إِنَّ هو قوله اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ .

فإن قيل: فكيف جاز دخول اللام على الفصل؟.

قلنا: إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجود، لأنه أقرب إلى المبتدأ منه، و أصلها أن تدخل على المبتدأ.

و القول الثاني: إنه مبتدأ، و القصص خبره، و الجملة خبر إِنَّ .

المسألة الثالثة: قرئ لَهُوَ بتحريك الهاء على الأصل، و بالسكون لأن اللام ينزل من (هو) منزلة بعضه فخفف كما خفف عضد.

المسألة الرابعة: يقال: قص فلان الحديث يقصه قصاً و قصصاً، و أصله اتباع الأثر، يقال: خرج فلان قصصاً، في أثر فلان، و قصاً، و ذلك إذا اقتص أثره، و منه قوله تعالى: وَ قََالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [القصص: 11]و قيل للقاص إنه قاص لاتباعه خبراً بعد خبر، و سوقه الكلام سوقاً، فمعنى القصص الخبر المشتمل على المعاني المتتابعة.

ثم قال: وَ مََا مِنْ إِلََهٍ إِلاَّ اَللََّهُ و هذا يفيد تأكيد النفي، لأنك لو قلت عندي من الناس أحد، أفاد أن عندك بعض الناس، فإذا قلت ما عندي من الناس من أحد، أفاد أنه ليس عندك بعضهم، و إذا لم يكن عندك بعضهم، فبأن‏

251

لا يكون عندك كلهم أولى فثبت أن قوله وَ مََا مِنْ إِلََهٍ إِلاَّ اَللََّهُ مبالغة في أنه لا إله إلا اللّه الواحد الحق سبحانه و تعالى.

ثم قال: وَ إِنَّ اَللََّهَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ و فيه إشارة إلى الجواب عن شبهات النصارى، و ذلك لأن اعتمادهم على أمرين أحدهما: أنه قدر على إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص، فكأنه تعالى قال: هذا القدر من القدرة لا يكفي في الإلهية، بل لا بد و أن يكون عزيزاً غالباً لا يدفع و لا يمنع، و أنتم قد اعترفتم بأن عيسى ما كان كذلك، و كيف و أنتم تقولون إن اليهود قتلوه؟و الثاني: أنهم قالوا: إنه كان يخبر عن الغيوب و غيرها، فيكون إلهاً، فكأنه تعالى قال: هذا القدر من العلم لا يكفي في الإلهية، بل لا بد و أن يكون حكيماً، أي عالماً بجميع المعلومات و بجميع عواقب الأمور، فذكر اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ هاهنا إشارة إلى الجواب عن هاتين الشبهتين و نظير هذه الآية ما ذكره تعالى في أول السورة من قوله‏ هُوَ اَلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي اَلْأَرْحََامِ كَيْفَ يَشََاءُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ [آل عمران: 6].

ثم قال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اَللََّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ و المعنى: فإن تولوا عما وصفت من أن اللّه هو/الواحد، و أنه يجب أن يكون عزيزاً غالباً قادراً على جميع المقدورات، حكيماً عالماً بالعواقب و النهايات مع أن عيسى عليه السلام ما كان عزيزاً غالباً، و ما كان حكيماً عالماً بالعواقب و النهايات. فاعلم أن توليهم و إعراضهم ليس إلا على سبيل العناد فاقطع كلامك عنهم و فوض أمرهم إلى اللّه، فإن اللّه عليم بفساد المفسدين، مطلع على ما في قلوبهم من الأغراض الفاسدة، قادر على مجازاتهم.

و اعلم أن النبي صلى اللّه عليه و سلم لما أورد على نصارى نجران أنواع الدلائل و انقطعوا، ثم دعاهم إلى المباهلة فخافوا و ما شرعوا فيها و قبلوا الصغار بأداء الجزية، و قد كان عليه السلام حريصاً على إيمانهم، فكأنه تعالى قال: يا محمد اترك ذلك المنهج من الكلام و اعدل إلى منهج آخر يشهد كل عقل سليم و طبع مستقيم أنه كلام مبني على الإنصاف و ترك الجدال، و قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ تَعََالَوْا إِلى‏ََ كَلِمَةٍ سَوََاءٍ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمْ أي هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض، و لا ميل فيه لأحد على صاحبه، و هي أَلاََّ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللََّهَ وَ لاََ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً هذا هو المراد من الكلام و لنذكر الآن تفسير الألفاظ.

أما قوله تعالى: يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ ففيه ثلاثة أقوال أحدها: المراد نصارى نجران و الثاني: المراد يهود المدينة و الثالث: أنها نزلت في الفريقين، و يدل عليه وجهان الأول: أن ظاهر اللفظ يتناولهما و الثاني: روي في سبب النزول، أن اليهود قالوا للنبي عليه الصلاة و السلام، ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى!و قالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزيز!فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، و عندي أن الأقرب حمله على النصارى، لما بينا أنه لما أورد الدلائل عليهم أولاً، ثم باهلهم ثانياً، فعدل في هذا المقام إلى الكلام المبني على رعاية الإنصاف، و ترك المجادلة، و طلب الإفحام و الإلزام، و مما يدل عليه، أنه خاطبهم هاهنا بقوله تعالى: يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ و هذا الاسم من أحسن الأسماء و أكمل الألقاب حيث جعلهم أهلاً/لكتاب اللّه، و نظيره،

252

ما يقال لحافظ القرآن يا حامل كتاب اللّه، و للمفسر يا مفسر كلام اللّه، فإن هذا اللقب يدل على أن قاتله أراد المبالغة في تعظيم المخاطب و في تطييب قلبه، و ذلك إنما يقال عند عدول الإنسان مع خصمه عن طريقة اللجاج و النزاع إلى طريقة طلب الإنصاف.

أما قوله تعالى: تَعََالَوْا فالمراد تعيين ما دعوا إليه و التوجه إلى النظر فيه و إن لم يكن انتقالاً من مكان إلى مكان لأن أصل اللفظ مأخوذ من التعالي و هو الارتفاع من موضع هابط إلى مكان عال، ثم كثر استعماله حتى صار دالاً على طلب التوجه إلى حيث يدعى إليه.

أما قوله تعالى: إِلى‏ََ كَلِمَةٍ سَوََاءٍ بَيْنَنََا فالمعنى هلموا إلى كلمة فيها إنصاف من بعضنا لبعض، لا ميل فيه لأحد على صاحبه، و السواء هو العدل و الإنصاف، و ذلك لأن حقيقة الإنصاف، إعطاء النصف، فإن الواجب في العقول ترك الظلم على النفس و على الغير، و ذلك لا يحصل إلا بإعطاء النصف، فإذا أنصف و ترك ظلمه أعطاه النصف فقد سوى بين نفسه و بين غيره و حصل الاعتدال، و إذا ظلم و أخذ أكثر مما أعطى زال الاعتدال فلما كان من لوازم العدل و الإنصاف التسوية جعل لفظ التسوية عبارة عن العدل.

ثم قال الزجاج سَوََاءٍ نعت للكلمة يريد: ذات سواء، فعلى هذا قوله كَلِمَةٍ سَوََاءٍ أي كلمة عادلة مستقيمة مستوية، فإذا آمنا بها نحن و أنتم كنا على السواء و الاستقامة، ثم قال: أَلاََّ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللََّهَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: محل (أن) في قوله أَلاََّ نَعْبُدَ ، فيه وجهان الأول: إنه رفع بإضمار، هي: كأن قائلاً قال:

ما تلك الكلمة؟فقيل هي أن لا نعبد إلا اللّه و الثاني: خفض على البدل من: كلمة.

المسألة الثانية: إنه تعالى ذكر ثلاثة أشياء أولها: أَلاََّ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللََّهَ و ثانيها: أن لاََ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً و ثالثها: أن لاََ يَتَّخِذَ بَعْضُنََا بَعْضاً أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ و إنما ذكر هذه الثلاثة لأن النصارى جمعوا بين هذه الثلاثة فيعبدون غير اللّه و هو المسيح، و يشركون به غيره و ذلك لأنهم يقولون إنه ثلاثة: أب و ابن و روح القدس، فأثبتوا ذوات ثلاثة قديمة سواء، و إنما قلنا: إنهم أثبتوا ذوات ثلاثة قديمة، لأنهم قالوا: إن أقنوم الكلمة تدرعت بناسوت المسيح، و أقنوم روح القدس تدرعت بناسوت مريم، و لو لا كون هذين الأقنومين ذاتين مستقلتين و إلا لما جازت عليهما مفارقة ذات الأب و التدرع بناسوت عيسى و مريم، و لما أثبتوا ذوات ثلاثة مستقلة فقد أشركوا، و أما إنهم اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون اللّه فيدل عليه وجوه:

أحدها: إنهم كانوا يطيعونهم في التحليل و التحريم و الثاني: إنهم كانوا يسجدون لأحبارهم و الثالث: قال أبو مسلم: من مذهبهم أن من صار كاملاً في الرياضة و المجاهدة يظهر فيه أثر حلول اللاهوت، فيقدر على إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص، فهم و إن لم يطلقوا عليه لفظ الرب/إلا أنهم أثبتوا في حقه معنى الربوبية و الرابع:

هو أنهم كانوا يطيعون أحبارهم في المعاصي، و لا معنى للربوبية إلا ذلك، و نظيره قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ [الجاثية: 23]فثبت أن النصارى جمعوا بين هذه الأمور الثلاثة، و كان القول ببطلان هذه الأمور الثلاثة كالأمر المتفق عليه بين جمهور العقلاء و ذلك، لأن قبل المسيح ما كان المعبود إلا اللّه، فوجب أن يبقى الأمر بعد ظهور المسيح على هذا الوجه، و أيضاً القول بالشركة باطل باتفاق الكل، و أيضاً إذا كان الخالق و المنعم بجميع النعم هو اللّه، وجب أن لا يرجع في التحليل و التحريم و الانقياد و الطاعة إلا إليه، دون الأحبار و الرهبان، فهذا هو شرح هذه الأمور الثلاثة.

253

ثم قال تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنََّا مُسْلِمُونَ و المعنى إن أبوا إلا الإصرار، فقولوا إنا مسلمون، يعني أظهروا أنكم على هذا الدين، لا تكونوا في قيد أن تحملوا غيركم عليه.

اعلم أن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم كان على ديننا، و النصارى كانوا يقولون: كان إبراهيم على ديننا، فأبطل اللّه عليهم ذلك بأن التوراة و الإنجيل ما أنزلا إلا من بعده فكيف يعقل أن يكون يهودياً أو نصرانياً؟.

فإن قيل: فهذا أيضاً لازم عليكم لأنكم تقولون: إن إبراهيم كان على دين الإسلام، و الإسلام إنما أنزل بعده بزمان طويل، فإن قلتم إن المراد أن إبراهيم كان في أصول الدين على المذهب الذي عليه المسلمون الآن، فنقول:

فلم لا يجوز أيضاً أن تقول اليهود إن إبراهيم كان يهودياً بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه اليهود، و تقول النصارى إن إبراهيم كان نصرانياً بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه النصارى، فكون التوراة و الإنجيل نازلين بعد إبراهيم لا ينافي كونه يهودياً أو نصرانياً بهذا التفسير، كما إن كون القرآن نازلاً بعده لا ينافي كونه مسلماً.

و الجواب: إن القرآن أخبر أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، و ليس في التوراة و الإنجيل أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، فظهر الفرق، ثم نقول: أما إن النصارى ليسوا على ملة إبراهيم، فالأمر فيه ظاهر، لأن المسيح ما كان موجوداً في زمن إبراهيم، فما كانت عبادته مشروعة في زمن/إبراهيم لا محالة، فكان الاشتغال بعبادة المسيح مخالفة لملة إبراهيم لا محالة، و أما إن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم، فذلك لأنه لا شك إنه كان للّه سبحانه و تعالى تكاليف على الخلق قبل مجي‏ء موسى عليه السلام، و لا شك أن الموصل لتلك التكاليف إلى الخلق واحد من البشر، و لا شك أن ذلك الإنسان قد كان مؤيداً بالمعجزات، و إلا لم يجب على الخلق قبول تلك التكاليف منه فإذن قد كان قبل مجي‏ء موسى أنبياء، و كانت لهم شرائع معينة، فإذا جاء موسى فإما أن يقال إنه جاء بتقرير تلك الشرائع، أو بغيرهما فإن جاء بتقريرها لم يكن موسى صاحب تلك الشريعة، بل كان كالفقيه المقرر لشرع من قبله، و اليهود لا يرضون بذلك، و إن كان قد جاء بشرع آخر سوى شرع من تقدمه فقد قال بالنسخ، فثبت أنه لا بد و أن يكون دين كل الأنبياء جواز القول بالنسخ و اليهود ينكرون ذلك، فثبت أن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم، فبطل قول اليهود و النصارى بأن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانيا، فهذا هو المراد من الآية و اللّه أعلم.

في قوله تعالى هََا أَنْتُمْ هََؤُلاََءِ حََاجَجْتُمْ فِيمََا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم و حمزة و الكسائي هََا أَنْتُمْ بالمد و الهمزة و قرأ نافع و أبو عمرو بغير همز و لا مد، إلا بقدر خروج الألف الساكنة و قرأ ابن كثير بالهمز و القصر على وزن صنعتم و قرأ ابن عامر بالمد دون‏

254

الهمز، فمن حقق فعلى الأصل، لأنهما حرفان (ها) و (أنتم) و من لم/يمد و لم يهمز فللتخفيف من غير إخلال.

المسألة الثانية: اختلفوا في أصل هََا أَنْتُمْ فقيل هََا تنبيه و الأصل أَنْتُمْ و قيل أصله (أ أنتم) فقلبت الهمزة الأولى هاء كقولهم هرقت الماء و أرقت و هََؤُلاََءِ مبني على الكسر و أصله أولاء دخلت عليه ها التنبيه، و فيه لغتان: القصر و المد، فإن قيل: أين خبر أنتم في قوله ها أنتم؟قلنا في ثلاثة أوجه الأول: قال صاحب «الكشاف» هََا للتنبيه و أَنْتُمْ مبتدأ و هََؤُلاََءِ خبره و حََاجَجْتُمْ جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى بمعنى: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى و بيان حماقتكم و قلة عقولكم أنكم و إن جادلتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم؟و الثاني: أن يكون أَنْتُمْ مبتدأ، و خبر هََؤُلاََءِ بمعنى أولاء على معنى الذي و ما بعده صلة له الثالث: أن يكون أَنْتُمْ مبتدأ و هََؤُلاََءِ عطف بيان و حََاجَجْتُمْ خبره و تقديره: أنتم يا هؤلاء حاججتم.

المسألة الثالثة: المراد من قوله حََاجَجْتُمْ فِيمََا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ هو أنهم زعموا أن شريعة التوراة و الإنجيل مخالفة لشريعة القرآن فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به و هو ادعاؤكم أن شريعة إبراهيم كانت مخالفة لشريعة محمد عليه السلام؟.

ثم يحتمل في قوله هََا أَنْتُمْ هََؤُلاََءِ حََاجَجْتُمْ فِيمََا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أنه لم يصفهم في العلم حقيقة و إنما أراد إنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه، فكيف تحاجونه فيما لا علم لكم به ألبتة؟.

ثم حقق ذلك بقوله وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ كيف كانت حال هذه الشرائع في المخالفة و الموافقة وَ أَنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ كيفية تلك الأحوال.

ثم بيّن تعالى ذلك مفصلاً فقال: مََا كََانَ إِبْرََاهِيمُ يَهُودِيًّا وَ لاََ نَصْرََانِيًّا فكذبهم فيما ادعوه من موافقة لهما.

ثم قال: وَ لََكِنْ كََانَ حَنِيفاً مُسْلِماً و قد سبق تفسير الحنيف في سورة البقرة.

ثم قال: وَ مََا كََانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ و هو تعريض بكون النصارى مشركين في قولهم بإلهية المسيح و بكون اليهود مشركين في قولهم بالتشبيه.

فإن قيل: قولكم إبراهيم على دين الإسلام أ تريدون به الموافقة في الأصول أو في الفروع؟فإن كان الأول لم يكن مختصاً بدين الإسلام بل نقطع بأن إبراهيم أيضاً على دين اليهود، أعني ذلك الدين الذي جاء به موسى، فكان أيضاً على دين النصارى، أعني تلك النصرانية التي جاء بها عيسى فإن أديان الأنبياء لا يجوز أن تكون مختلفة في الأصول، و إن أردتم به الموافقة في الفروع، فلزم أن لا يكون محمد عليه السلام صاحب الشرع ألبتة، بل كان كالمقرر لدين غيره، و أيضاً من المعلوم بالضرورة أن التعبد بالقرآن ما كان موجوداً في زمان إبراهيم عليه السلام فتلاوة القرآن مشروعة في صلاتنا و غير مشروعة في صلاتهم. قلنا: جاز أن يكون المراد به الموافقة في الأصول و الغرض/منه بيان إنه ما كان موافقاً في أصول الدين لمذهب هؤلاء الذين هم اليهود و النصارى في زماننا هذا، و جاز أيضاً أن يقال المراد به الفروع و ذلك لأن اللّه نسخ تلك الفروع بشرع موسى، ثم في زمن محمد صلى اللّه عليه و سلم نسخ شرع موسى عليه السلام الشريعة التي كانت ثابتة في زمن إبراهيم عليه السلام و على هذا التقدير يكون محمد عليه السلام صاحب الشريعة ثم لما كان غالب شرع محمد عليه السلام موافقاً لشرع إبراهيم عليه السلام، فلو وقعت المخالفة

255

في القليل لم يقدح ذلك في حصول الموافقة.

ثم ذكر تعالى: إِنَّ أَوْلَى اَلنََّاسِ بِإِبْرََاهِيمَ فريقان أحدهما: من اتبعه ممن تقدم و الآخر: النبي و سائر المؤمنين.

ثم قال: وَ اَللََّهُ وَلِيُّ اَلْمُؤْمِنِينَ بالنصرة و المعونة و التوفيق و الإعظام و الإكرام.

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن من طريقة أهل الكتاب العدول عن الحق، و الإعراض عن قبول الحجة بيّن أنهم لا يقتصرون على هذا القدر، بل يجتهدون في إضلال من آمن بالرسول عليه السلام بإلقاء الشبهات كقولهم: إن محمداً عليه السلام مقر بموسى و عيسى و يدعي لنفسه النبوّة، و أيضاً إن موسى عليه السلام أخبر في التوراة بأن شرعه لا يزول، و أيضاً القول بالنسخ يفضي إلى البداء، و الغرض منه تنبيه المؤمنين على أن لا يغتروا بكلام اليهود، و نظير قوله تعالى في سورة البقرة: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمََانِكُمْ كُفََّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة: 109]و قوله‏ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمََا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوََاءً [النساء: 89].

و اعلم أن (من) هاهنا للتبعيض و إنما ذكر بعضهم و لم يعمهم لأن منهم من آمن و أثنى اللّه عليهم بقوله‏ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ [المائدة: 66]و مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ أُمَّةٌ قََائِمَةٌ [آل عمران: 113]و قيل نزلت هذه الآية في معاذ و عمّار بن ياسر و حذيفة دعاهم اليهود إلى دينهم، و إنما قال: لَوْ يُضِلُّونَكُمْ و لم يقل أن يضلوكم، لأن (لو) للتمني فإن قولك لو كان كذا يفيد التمني و نظيره قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ [البقرة: 96].

ثم قال تعالى: وَ مََا يُضِلُّونَ إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ و هو يحتمل وجوهاً منها إهلاكهم أنفسهم باستحقاق العقاب على قصدهم إضلال الغير و هو كقوله‏ وَ مََا ظَلَمُونََا وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ* [البقرة: 57]و قوله‏ وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقََالَهُمْ وَ أَثْقََالاً مَعَ أَثْقََالِهِمْ [العنكبوت: 13] لِيَحْمِلُوا أَوْزََارَهُمْ كََامِلَةً يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ مِنْ أَوْزََارِ اَلَّذِينَ/يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاََ سََاءَ مََا يَزِرُونَ [النحل: 25]و منها إخراجهم أنفسهم عن معرفة الهدى و الحق لأن الذاهب عن الاهتداء يوصف بأنه ضال و منها أنهم لما اجتهدوا في إضلال المؤمنين ثم إن المؤمنين لم يلتفتوا إليهم فهم قد صاروا خائبين خاسرين، حيث اعتقدوا شيئاً و لاح لهم أن الأمر بخلاف ما تصوروه.

ثم قال تعالى: وَ مََا يَشْعُرُونَ أي ما يعلمون أن هذا يضرهم و لا يضر المؤمنين.

اعلم أنه تعالى لما بيّن حال الطائفة التي لا تشعر بما في التوراة من دلالة نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم، بيّن أيضاً حال الطائفة العارفة بذلك من أحبارهم.

فقال: يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: لِمَ أصلها لما، لأنها: ما، التي للاستفهام، دخلت عليها اللام فحذفت الألف لطلب الخفة، و لأن حرف الجر صار كالعوض عنها و لأنها وقعت طرفاً و يدل عليها الفتحة و على هذا قوله‏ عَمَّ يَتَسََاءَلُونَ [النبأ: 1]و فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: 54]و الوقف على هذه الحروف يكون بالهاء نحو: فبمه، و لمه.

256

المسألة الثانية: في قوله بِآيََاتِ اَللََّهِ وجوه الأول: أن المراد منها الآيات الواردة في التوراة و الإنجيل، و على هذا القول فيه وجوه أحدها: ما في هذين الكتابين من البشارة بمحمد عليه السلام، و منها ما في هذين الكتابين، أن إبراهيم عليه السلام كان حنيفاً مسلماً، و منها أن فيهما أن الدين هو الإسلام.

و اعلم أن على هذا القول المحتمل لهذه الوجوه نقول: إن الكفر بالآيات يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم ما كانوا كافرين بالتوراة بل كانوا كافرين بما يدل عليه التوراة فأطلق اسم الدليل على المدلول على سبيل المجاز و الثاني: أنهم كانوا كافرين بنفس التوراة لأنهم كانوا يحرفونها و كانوا ينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم.

فأما قوله تعالى: وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ فالمعنى على هذا القول أنهم عند حضور المسلمين، و عند حضور عوامهم، كانوا ينكرون اشتمال التوراة و الإنجيل على الآيات الدالة على نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم، ثم إذا خلا بعضهم مع بعض شهدوا بصحتها، و مثله قوله تعالى: تَبْغُونَهََا عِوَجاً وَ أَنْتُمْ شُهَدََاءُ [آل عمران: 99].

و اعلم أن تفسير الآية بهذا القول، يدل على اشتمال هذه الآية على الإخبار عن الغيب لأنه عليه الصلاة و السلام أخبرهم بما يكتمونه في أنفسهم، و يظهرون غيره، و لا شك أن الإخبار عن/الغيب معجز.

القول الثاني: في تفسير آيات اللّه أنها هي القرآن و قوله وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ يعني أنكم تنكرون عند العوام كون القرآن معجزاً ثم تشهدون بقلوبكم و عقولكم كونه معجزاً.

القول الثالث: أن المراد بآيات اللّه جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي صلى اللّه عليه و سلم و على هذا القول فقوله تعالى: وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ معناه أنكم إنما اعترفتم بدلالة المعجزات التي ظهرت على سائر الأنبياء عليهم الصلاة و السلام الدالة على صدقهم، من حيث أن المعجز قائم مقام التصديق من اللّه تعالى فإذا شهدتم بأن المعجز إنما دل على صدق سائر الأنبياء عليهم الصلاة و السلام من هذا الوجه، و أنتم تشهدون حصول هذا الوجه في حق محمد صلى اللّه عليه و سلم كان إصرار كم على إنكار نبوته و رسالته مناقضاً لما شهدتهم بحقيته من دلالة معجزات سائر الأنبياء عليهم الصلاة و السلام على صدقهم.

اعلم أن علماء اليهود و النصارى كانت لهم حرفتان إحداهما: أنهم كانوا يكفرون بمحمد صلى اللّه عليه و سلم مع أنهم كانوا يعلمون بقلوبهم أنه رسول حق من عند اللّه و اللّه تعالى نهاهم عن هذه الحرفة في الآية الأولى و ثانيتهما: إنهم كانوا يجتهدون في إلقاء الشبهات، و في إخفاء الدلائل و البينات و اللّه تعالى نهاهم عن هذه الحرفة في هذه الآية الثانية، فالمقام الأول مقام الغواية و الضلالة و المقام الثاني مقام الإغواء و الإضلال، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرئ تَلْبِسُونَ بالتشديد، و قرأ يحيى بن و ثاب تَلْبِسُونَ بفتح الباء، أي تلبسون الحق مع الباطل، كقوله عليه السلام: «كلابس ثوبي زور» و قوله

إذا هو بالمجد ارتدى و تأزرا

المسألة الثانية: اعلم أن الساعي في إخفاء الحق لا سبيل له إلى ذلك إلا من أحد وجهين: إما بإلقاء شبهة تدل‏

257

على الباطل، و إما بإخفاء الدليل الذي يدل على الحق، فقوله لِمَ تَلْبِسُونَ اَلْحَقَّ بِالْبََاطِلِ إشارة إلى المقام الأول و قوله وَ تَكْتُمُونَ اَلْحَقَّ إشارة إلى المقام الثاني أما لبس الحق بالباطل فإنه يحتمل هاهنا وجوهاًأحدها: تحريف التوراة، فيخلطون المنزل بالمحرف، عن الحسن و ابن زيد و ثانيها: إنهم تواضعوا على إظهار الإسلام أول النهار، ثم الرجوع عنه في آخر النهار، /تشكيكاً للناس، عن ابن عباس و قتادة و ثالثها: أن يكون في التوراة ما يدل على نبوته صلى اللّه عليه و سلم من البشارة و النعت و الصفة و يكون في التوراة أيضاً ما يوهم خلاف ذلك، فيكون كالمحكم و المتشابه فيلبسون على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعله كثير من المشبهة، و هذا قول القاضي و رابعها: أنهم كانوا يقولون محمداً معترف بأن موسى عليه السلام حق، ثم إن التوراة دالة على أن شرع موسى عليه السلام لا ينسخ و كل ذلك إلقاء للشبهات.

أما قوله تعالى: وَ تَكْتُمُونَ اَلْحَقَّ فالمراد أن الآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم كان الاستدلال بها مفتقراً إلى التفكر و التأمل، و القوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي كان بمجموعها يتم هذا الاستدلال مثل ما أن أهل البدعة في زماننا يسعون في أن لا يصل إلى عوامهم دلائل المحققين.

أما قوله وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ففيه وجوه أحدها: إنكم تعلمون أنكم إنما تفعلون ذلك عناداً و حسداً و ثانيها:

وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي أنتم أرباب العلم و المعرفة لا أرباب الجهل و الخرافة و ثالثها: وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن عقاب من يفعل مثل هذه الأفعال عظيم.

المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله تعالى: لِمَ تَكْفُرُونَ و لِمَ تَلْبِسُونَ اَلْحَقَّ بِالْبََاطِلِ دال على أن ذلك فعلهم، لأنه لا يجوز أن يخلقه فيهم، ثم يقول: لم فعلتم؟و جوابه: أن الفعل يتوقف على الداعية فتلك الداعية إن حدثت لا لمحدث لزم نفي الصانع، و إن كان محدثها هو العبد افتقر إلى إرادة أخرى و إن كان محدثها هو اللّه تعالى لزمكم ما ألزمتموه علينا و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يلبسون الحق بالباطل أردف ذلك بأن حكى عنهم نوعاً واحداً من أنواع تلبيساتهم، و هو المذكور في هذه الآية و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: قول بعضهم لبعض آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ اَلنَّهََارِ و يحتمل أن يكون المراد كل ما أنزل و أن يكون المراد بعض ما أنزل.

أما الاحتمال الأول: ففيه وجوه الأول: أن اليهود و النصارى استخرجوا حيلة في/تشكيك ضعفه المسلمين في صحة الإسلام، و هو أن يظهروا تصديق ما ينزل على محمد صلى اللّه عليه و سلم من الشرائع في بعض الأوقات، ثم يظهروا بعد ذلك تكذيبه، فإن الناس متى شاهدوا هذا التكذيب، قالوا: هذا التكذيب ليس لأجل الحسد و العناد، و إلا لما آمنوا به في أول الأمر و إذا لم يكن هذا التكذيب لأجل الحسد و العناد وجب أن يكون ذلك لأجل أنهم أهل الكتاب و قد تفكروا في أمره و استقصوا في البحث عن دلائل نبوته فلاح لهم بعد التأمل التام، و البحث الوافي أنه كذاب، فيصير هذا الطريق شبهة لضعفة المسلمين في صحة نبوته، و قيل: تواطأ اثنا عشر رجلاً من أحبار يهود خيبر على هذا الطريق.

258

و قوله لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ معناه أنا متى ألقينا هذه الشبهة فلعل أصحابه يرجعون عن دينه.

الوجه الثاني: يحتمل أن يكون معنى الآية أن رؤساء اليهود و النصارى قال بعضهم لبعض نافقوا و أظهروا الوفاق للمؤمنين، و لكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء المؤمنين في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم و اضمحل دينهم و يرجعوا إلى دينكم، و هذا قول أبي مسلم الأصفهاني و يدل عليه وجهان الأول: أنه تعالى لما قال: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا [النساء: 137]أتبعه بقوله‏ بَشِّرِ اَلْمُنََافِقِينَ [النساء: 138]و هو بمنزلة قوله‏ وَ إِذََا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قََالُوا آمَنََّا وَ إِذََا خَلَوْا إِلى‏ََ شَيََاطِينِهِمْ قََالُوا إِنََّا مَعَكُمْ إِنَّمََا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: 14]الثاني: أنه تعالى اتبع هذه الآية بقوله وَ لاََ تُؤْمِنُوا إِلاََّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ فهذا يدل على أنهم نهوا عن غير دينهم الذي كانوا عليه فكان قولهم آمَنُوا وَجْهَ اَلنَّهََارِ أمر بالنفاق.

الوجه الثالث: قال الأصم: قال بعضهم لبعض إن كذبتموه في جميع ما جاء به فإن عوامكم يعلمون كذبكم، لأن كثيرا مما جاء به حق و لكن صدقوه في بعض و كذبوه في بعض حتى يحمل الناس تكذيبكم له على الإنصاف لا على العناد فيقبلوا قولكم.

الاحتمال الثاني: أن يكون قوله آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ اَلنَّهََارِ وَ اُكْفُرُوا آخِرَهُ بعض ما أنزل اللّه و القائلون بهذا القول حملوه على أمر القبلة و ذكروا فيه وجهين الأول: قال ابن عباس: وجه النهار أوله، و هو صلاة الصبح و اكفروا آخره: يعني صلاة الظهر و تقريره أنه صلى اللّه عليه و سلم كان يصلي إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة ففرح اليهود بذلك و طمعوا أن يكون منهم، فلما حوله اللّه إلى الكعبة كان ذلك عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف و غيره آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ اَلنَّهََارِ يعني آمنوا بالقبلة التي صلّى إليها صلاة الصبح فهي الحق، و اكفروا بالقبلة التي صلّى إليها صلاة الظهر، و هي آخر النهار، و هي الكفر الثاني: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم، فقال بعضهم لبعض صلوا إلى الكعبة في أول النهار، ثم اكفروا بهذه القبلة في آخر النهار و صلوا إلى الصخرة لعلّهم يقولون إن أهل الكتاب أصحاب/العلم فلولا أنهم عرفوا بطلان هذه القبلة لما تركوها فحينئذ يرجعون عن هذه القبلة.

المسألة الثانية: الفائدة في إخبار اللّه تعالى عن تواضعهم على هذه الحيلة من وجوه الأول: أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم، و ما أطلعوا عليها أحداً من الأجانب، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخباراً عن الغيب، فيكون معجزاًالثاني: أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين، و لو لا هذا الإعلان لكان ربما أثرت هذه الحيلة في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف الثالث: أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعاً لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل و التلبيس.

المسألة الثالثة: وجه النهار هو أوله، و الوجه في اللغة هو مستقبل كل شي‏ء، لأنه أول ما يواجه منه، كما يقال لأول الثوب وجه الثوب، روى ثعلب عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار و صدر نهار، و شباب نهار، أي أول النهار، و أنشد الربيع بن زياد فقال:

259

من كان مسروراً بمقتل مالك # فليأت نسوتنا بوجه نهار

اتفق المفسرون على أن هذا بقية كلام اليهود، و فيه و وجهان الأول: المعنى: و لا تصدقوا إلا نبياً يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شي‏ء من أحكام التوراة فلا تصدقوه، و هذا هو مذهب اليهود إلى اليوم، و على هذا التفسير تكون (اللام) في قوله إِلاََّ لِمَنْ تَبِعَ صلة زائدة فإنه يقال صدقت فلاناً. و لا يقال صدقت لفلان، و كون هذه اللام صلة زائدة جائز، كقوله تعالى: رَدِفَ لَكُمْ [النمل: 72]و المراد ردفكم و الثاني: أنه ذكر قبل هذه الآية قوله آمَنُوا وَجْهَ اَلنَّهََارِ وَ اُكْفُرُوا آخِرَهُ .

ثم قال في هذه الآية: وَ لاََ تُؤْمِنُوا إِلاََّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ أي لا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم.

كأنهم قالوا: ليس الغرض من الإتيان بذلك التلبيس إلا بقاء أتباعكم على دينكم، فالمعنى و لا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم، فإن مقصود كل واحد حفظ أتباعه و أشياعه على متابعته.

ثم قال تعالى: قُلْ إِنَّ اَلْهُدى‏ََ هُدَى اَللََّهِ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما. معناه: الدين دين اللّه و مثله في سورة البقرة قُلْ إِنَّ هُدَى اَللََّهِ هُوَ اَلْهُدى‏ََ* [البقرة: 120].

و اعلم أنه لا بد من بيان أنه كيف صار هذا الكلام جواباً عما حكاه عنهم؟فنقول: أما على الوجه الأول و هو قولهم لا دين إلا ما هم عليه، فهذا الكلام إنما صلح جواباً عنه من حيث أن الذي هم عليه إنما ثبت ديناً من جهة اللّه، لأنه تعالى أمر به و أرشد إليه و أوجب الانقياد له و إذا كان كذلك، فمتى أمر بعد ذلك بغيره، و أرشد إلى غيره، و أوجب الانقياد إلى غيره كان نبياً يجب أن يتبع، و إن كان مخالفا لما تقدم، لأن الدين إنما صار ديناً بحكمه و هدايته، فحيثما كان حكمه وجبت متابعته، و نظيره قوله تعالى جواباً لهم عن قولهم‏ مََا وَلاََّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ اَلَّتِي كََانُوا عَلَيْهََا قُلْ لِلََّهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ [البقرة: 142]يعني الجهات كلها للّه، فله أن يحول القبلة إلى أي جهة شاء، و أما على الوجه الثاني فالمعنى أن الهدى هدى اللّه، و قد جئتكم به فلن ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف.

ثم قال تعالى: أَنْ يُؤْتى‏ََ أَحَدٌ مِثْلَ مََا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحََاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ .

و اعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة، فنقول هذا إما أن يكون من جملة كلام اللّه تعالى أو يكون من جملة كلام اليهود، و من تتمة قولهم وَ لاََ تُؤْمِنُوا إِلاََّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ، و قد ذهب إلى كل واحد من هذين الاحتمالين قوم من المفسرين.

و أما الاحتمال الأول: ففيه وجوه الأول: قرأ ابن كثير (أن يؤتى) بمد الألف على الاستفهام و الباقون بفتح الألف من غير مد و لا استفهام، فإن أخذنا بقراءة ابن كثير، فالوجه ظاهر و ذلك لأن هذه اللفظة موضوعة للتوبيخ كقوله تعالى: أَنْ كََانَ ذََا مََالٍ وَ بَنِينَ*`إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِ آيََاتُنََا قََالَ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ [القلم: 14، 15]و المعنى أمن أجل أن يؤتي أحد شرائع مثل ما أوتيتم من الشرائع ينكرون اتباعه؟ثم حذف الجواب للاختصار، و هذا الحذف كثير يقول‏

260

الرجل بعد طول العتاب لصاحبه، و تعديده عليه ذنوبه بعد كثرة إحسانه إليه أ من قلة إحساني إليك أ من إهانتي لك؟ و المعنى أ من أجل هذا فعلت ما فعلت؟و نظيره قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قََانِتٌ آنََاءَ اَللَّيْلِ سََاجِداً وَ قََائِماً يَحْذَرُ اَلْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: 9]و هذا الوجه مروي عن مجاهد و عيسى بن عمر. أما قراءة من قرأ بقصر الألف من (أن) فقد يمكن أيضاً حملها على معنى الاستفهام كما قرئ‏ سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ* [البقرة: 6] بالمد و القصر، و كذا قوله‏ أَنْ كََانَ ذََا مََالٍ وَ بَنِينَ قرئ بالمد و القصر، و قال امرؤ القيس:

تروح من الحي أم تبتكر؟ # و ماذا عليك و لم تنتظر

أراد أروح من الحي؟فحذف ألف الاستفهام، و إذا ثبت أن هذه القراءة محتملة لمعنى الاستفهام كان التقدير ما شرحناه في القراءة الأولى.

الوجه الثاني: أن أولئك لما قالوا لأتباعهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه و سلم أن يقول لهم إن الهدى هدى اللّه فلا تنكروا أن يؤتي أحد سواكم من الهدى مثل ما أوتيتموه أَوْ يُحََاجُّوكُمْ يعني هؤلاء المسلمين بذلك عِنْدَ رَبِّكُمْ إن لم تقبلوا ذلك منهم، أقصى ما في الباب أنه يفتقر في هذا التأويل إلى إضمار قوله فلا تنكروا لأن عليه دليلاً و هو قوله إِنَّ اَلْهُدى‏ََ هُدَى اَللََّهِ فإنه لما كان الهدى اللّه كان له تعالى أن يؤتيه من يشاء من عباده و متى كان كذلك لزم ترك الإنكار.

الوجه الثالث: إن الهدى اسم للبيان كقوله تعالى: وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمى‏ََ عَلَى اَلْهُدى‏ََ [فصلت: 17]فقوله إِنَّ اَلْهُدى‏ََ مبتدأ و قوله هُدَى اَللََّهِ بدل منه و قوله أَنْ يُؤْتى‏ََ أَحَدٌ مِثْلَ مََا أُوتِيتُمْ خبر بإضمار حرف لا، و التقدير: قل يا محمد لا شك أن بيان اللّه هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، و هو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان و أن لا يحاجوكم يعني هؤلاء اليهود عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم محقون و أنهم مضلون، و هذا التأويل ليس فيه إلا أنه لا بد من إضمار حرف (لا) و هو جائز كما في قوله تعالى:

أَنْ تَضِلُّوا* [النساء: 44]أي أن لا تضلوا.

الوجه الرابع: اَلْهُدى‏ََ اسم و هُدَى اَللََّهِ بدل منه و أَنْ يُؤْتى‏ََ أَحَدٌ خبره و التقدير: إن هدى اللّه هو أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم، و على هذا التأويل فقوله أَوْ يُحََاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ لا بد فيه من إضمار، و التقدير: أو يحاجوكم عند ربكم فيقضى لكم عليهم، و المعنى: أن الهدى هو ما هديتكم به من دين الإسلام الذي من حاجكم به عندي قضيت لكم عليه، و في قوله عِنْدَ رَبِّكُمْ ما يدل على هذا الإضمار و لأن حكمه بكونه رباً لهم يدل على كونه راضياً عنهم و ذلك مشعر بأنه يحكم لهم و لا يحكم عليهم.

و الاحتمال الثاني: أن يكون قوله أَنْ يُؤْتى‏ََ أَحَدٌ مِثْلَ مََا أُوتِيتُمْ من تتمة كلام اليهود، و فيه تقديم و تأخير، و التقدير: و لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم، قل إن الهدى هدى اللّه، و أن الفضل بيد اللّه، قالوا، و المعنى لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم، و أسروا تصديقكم، بأن المسلمين قد أوتوا من كتب اللّه مثل ما أوتيتم، و لا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً و دون المشركين لئلا يدعوهم ذلك إلى الإسلام.

أما قوله أَوْ يُحََاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ فهو عطف على أن يؤتى، و الضمير في يحاجوكم لأحد، لأنه في معنى‏

261

الجمع بمعنى و لا تؤمنوا لغير أتباعكم، إن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق و يغالبونكم عند اللّه بالحجة، و عندي أن هذا التفسير ضعيف، و بيانه من وجوه الأول: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد عليه السلام كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم و أشياعهم عنه، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضاً بالإقرار بما يدل على صحة دين محمد صلى اللّه عليه و سلم عند أتباعهم و أشياعهم، و أن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب؟هذا في غاية البعد الثاني: أن على هذا التقدير يختل النظم و يقع فيه تقديم و تأخير لا يليق بكلام الفصحاء و الثالث: إن على هذا التقدير لا بد من الحذف فإن التقدير: قل إن الهدى هدى اللّه و إن الفضل بيد اللّه، و لا بد من حذف (قل) في قوله قُلْ إِنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ اَللََّهِ الرابع: إنه كيف وقع قوله قُلْ إِنَّ اَلْهُدى‏ََ هُدَى اَللََّهِ فيما بين جزأى كلام واحد؟فإن هذا في غاية البعد عن الكلام المستقيم، قال القفال: يحتمل أن يكون قوله قُلْ إِنَّ اَلْهُدى‏ََ هُدَى اَللََّهِ كلام أمر اللّه نبيه أن يقوله عند انتهاء الحكاية عن اليهود إلى هذا الموضع لأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله صلى اللّه عليه و سلم بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر، فيقول: عند بلوغه إلى تلك الكلمة آمنت باللّه، أو يقول لا إله إلا اللّه، أو يقول تعالى اللّه ثم يعود إلى تمام الحكاية فيكون قوله تعالى: قُلْ إِنَّ اَلْهُدى‏ََ هُدَى اَللََّهِ من هذا الباب، ثم أتى بعده بتمام قول اليهود إلى قوله أَوْ يُحََاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ثم أمر النبي صلى اللّه عليه و سلم بمحاجتهم في هذا و تنبيههم على بطلان قولهم، فقيل له قُلْ إِنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ اَللََّهِ إلى آخر الآية.

الإشكال الخامس: في هذه الوجوه: أن الإيمان إذا كان بمعنى التصديق لا يتعدى إلى المصدق بحرف اللام لا يقال صدقت لزيد بل يقال: صدقت زيداً، فكان ينبغي أن يقال: و لا تؤمنوا إلا من تبع دينكم، و على هذا التقدير يحتاج إلى حذف اللام في قوله لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ و يحتاج إلى إضمار الباء أو ما يجري مجراه في قوله أَنْ يُؤْتى‏ََ لأن التقدير: و لا تصدقوا إلا من تبع دينكم، بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، فقد اجتمع في هذا التفسير الحذف و الإضمار و سوء النظم و فساد المعنى، قال أبو علي الفارسي: لا يبعد أن يحمل الإيمان على الإقرار فيكون المعنى:

و لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، و على هذا التقدير لا تكون اللام زائدة، لكن لا بد من إضمار حرف الباء أو ما يجري مجراه على كل حال، فهذا محصل ما قيل في تفسير هذه الآية و اللّه أعلم بمراده.

ثم قال تعالى: قُلْ إِنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ وََاسِعٌ عَلِيمٌ .

و اعلم أنه تعالى حكى عن اليهود أمرين أحدهما: أن يؤمنوا وجه النهار، و يكفروا آخره، /ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام.

فأجاب عنه بقوله قُلْ إِنَّ اَلْهُدى‏ََ هُدَى اَللََّهِ و المعنى: أن مع كمال هداية اللّه و قوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة قوة و لا أثر و الثاني: أنه حكى عنهم أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا من الكتاب و الحكم و النبوة.

فأجاب عنه بقوله قُلْ إِنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ و المراد بالفضل الرسالة، و هو في اللغة عبارة عن الزيادة، و أكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان، و الفاضل الزائد على غيره في خصال الخير، ثم كثر استعمال الفضل لكل نفع قصد به فاعله الإحسان إلى الغير و قوله بِيَدِ اَللََّهِ أي إنه مالك له قادر عليه، و قوله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ أي هو تفضل موقوف على مشيئته، و هذا يدل على أن النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق، لأنه تعالى جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله و أن لا يفعله، و لا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز و قوله وَ اَللََّهُ وََاسِعٌ‏

262

عَلِيمٌ ـمؤكد لهذا المعنى، لأن كونه واسعاً، يدل على كمال القدرة، و كونه عليماً على كمال العلم، فيصح منه لمكان القدرة أن يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء، و يصح منه لمكان كمال العلم أن لا يكون شي‏ء من أفعاله إلا على وجه الحكمة و الصواب.

ثم قال: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ و هذا كالتأكيد لما تقدم، و الفرق بين هذه الآية و بين ما قبلها أن الفضل عبارة عن الزيادة، ثم إن الزيادة من جنس المزيد عليه، فبيّن بقوله إِنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ اَللََّهِ إنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاهم من المناصب العالية و يزيد عليها من جنسها، ثم قال: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشََاءُ و الرحمة المضافة إلى اللّه سبحانه أمر أعلى من ذلك الفضل، فإن هذه الرحمة ربما بلغت في الشرف و علو الرتبة إلى أن لا تكون من جنس ما آتاهم، بل تكون أعلى و أجل من أن تقاس إلى ما آتاهم، و يحصل من مجموع الآيتين إنه لا نهاية لمراتب إعزاز اللّه و إكرامه لعباده، و أن قصر إنعامه و إكرامه على مراتب معينة، و على أشخاص معينين جهل بكمال اللّه في القدرة و الحكمة.

في قوله تعالى وَ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطََارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين الأول: أنه تعالى حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من المناصب الدينية، ما لم يؤت أحد غيرهم مثله، ثم إنه تعالى بيّن أن الخيانة مستقبحة عند جميع أرباب الأديان، و هم مصرون عليها، فدل هذا على كذبهم و الثاني: أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان و هو أنهم قالوا لاََ تُؤْمِنُوا إِلاََّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ [آل عمران: 73]حكى في هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس، و هو إصرارهم على الخيانة و الظلم و أخذ أموال الناس في القليل.

و الكثير و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: الآية دالة على انقسامهم إلى قسمين: بعضهم أهل الأمانة، و بعضهم أهل الخيانة و فيه أقوال الأول: أن أهل الأمانة منهم هم الذين أسلموا، أما الذين بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من خالفهم في الدين و أخذ أموالهم و نظير هذه الآية قوله تعالى: لَيْسُوا سَوََاءً مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ أُمَّةٌ قََائِمَةٌ يَتْلُونَ آيََاتِ اَللََّهِ آنََاءَ اَللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ [آل عمران: 113]مع قوله‏ مِنْهُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ اَلْفََاسِقُونَ [آل عمران: 110]الثاني: أن أهل الأمانة هم النصارى، و أهل الخيانة هم اليهود، و الدليل عليه ما ذكرنا، أن مذهب اليهود أنه يحل قتل المخالف و يحل أخذ ماله بأي طريق كان الثالث: قال ابن عباس: أودع رجل عبد اللّه بن سلاّم ألفاً و مائتي أوقية من ذهب فأدى إليه، و أودع آخر فنحاص بن عازوراء ديناراً فخانه فنزلت الآية.

المسألة الثانية: يقال أمنته بكذا و على كذا، كما يقال مررت به و عليه، فمعنى الباء إلصاق الأمانة، و معنى:

على استعلاء الأمانة، فمن اؤتمن على شي‏ء فقد صار ذلك الشي‏ء في معنى الملتصق به لقربه منه، و اتصاله بحفظه و حياطته، و أيضاً صار المودع كالمستعلي على تلك الأمانة و المستولي عليها، فلهذا حسن التعبير عن هذا المعنى‏

263

بكلتا العبارتين، و قيل إن معنى قولك أمنتك بدينار أي وثقت بك فيه، و قولك أمنتك عليه، أي جعلتك أميناً عليه و حافظاً له.

المسألة الثالثة: المراد من ذكر القنطار و الدينار هاهنا العدد الكثير و العدد القليل، يعني أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها، و منهم من هو في غاية الخيانة حتى لو اؤتمن على الشي‏ء القليل، فإنه يجوز فيه الخيانة، و نظيره قوله تعالى: وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدََالَ زَوْجٍ مَكََانَ زَوْجٍ وَ آتَيْتُمْ إِحْدََاهُنَّ قِنْطََاراً فَلاََ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء: 20]و على هذا الوجه، /فلا حاجة بنا إلى ذكر مقدار القنطار و ذكروا فيه وجوهاً الأول: إن القنطار ألف و مائتا أوقية قالوا: لأن الآية نزلت في عبد اللّه بن سلاّم حين استودعه رجل من قريش ألفاً و مائتي أوقية من الذهب فرده و لم يخن فيه، فهذا يدل على القنطار هو ذلك المقدار الثاني: روي عن ابن عباس أنه مل‏ء جلد ثور من المال الثالث: قيل القنطار هو ألف ألف دينار أو ألف ألف درهم، و قد تقدم القول في تفسير القنطار.

المسألة الرابعة: قرأ حمزة و عاصم في رواية أبي بكر يؤده بسكون الهاء، و روي ذلك عن أبي عمرو، و قال الزجاج: هذا غلط من الراوي عن أبي عمرو كما غلط في‏ بََارِئِكُمْ* بإسكان الهمزة و إنما كان أبو عمرو يختلس الحركة، و احتج الزجاج على فساد هذه القراءة بأن قال: الجزاء ليس في الهاء و إنما هو فيما قبل الهاء و الهاء اسم المكنى و الأسماء لا تجزم في الوصل، و قال الفراء: من العرب من يجزم الهاء إذا تحرك ما قبلها.

فيقول: ضربته ضرباً شديداً كما يسكنون (ميم) أنتم و قمتم و أصلها الرفع، و أنشد:

لما رأى أن لا دعه و لا شبع‏

و قرئ أيضاً باختلاس حركة الهاء اكتفاء بالكسرة من الياء، و قرئ بإشباع الكسرة في الهاء و هو الأصل.

ثم قال تعالى: وَ مِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينََارٍ لاََ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاََّ مََا دُمْتَ عَلَيْهِ قََائِماً و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: في لفظ (القائم) و جهان: منهم من حمله على حقيقته، قال السدي: يعني إلا ما دمت قائماً على رأسه بالاجتماع معه و الملازمة له، و المعنى: أنه إنما يكون معترفاً بما دفعت إليه ما دمت قائماً على رأسه، فإن أنظرت و أخرت أنكر، و منهم من حمل لفظ (القائم) على مجازه ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال ابن عباس المراد من هذا القيام الإلحاح و الخصومة و التقاضي و المطالبة، قال ابن قتيبة: أصله أن المطالب للشي‏ء يقوم فيه و التارك له يقعد عنه، دليل قوله تعالى: أُمَّةٌ قََائِمَةٌ [آل عمران: 113]أي عامله بأمر اللّه غير تاركه، ثم قيل: لكل من واظب على مطالبة أمر أنه قام به و إن لم يكن ثم قيام الثاني: قال أبو علي الفارسي: القيام في اللغة بمعنى الدوام و الثبات، و ذكرنا ذلك في قوله تعالى: يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ* [البقرة: 3]و منه قوله‏ دِيناً قِيَماً [الأنعام: 161]أي دائماً ثابتاً لا ينسخ فمعنى قوله إِلاََّ مََا دُمْتَ عَلَيْهِ قََائِماً أي دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال.

المسألة الثانية: يدخل تحت قوله مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطََارٍ و بِدِينََارٍ العين و الدين، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة و على المبايعة و على المقارضة و ليس في الآية ما يدل على التعيين و المنقول عن ابن عباس أنه حمله على المبايعة، فقال منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك و منهم من تبايعه بثمن الدينار فلا

264

يؤده إليك و نقلنا أيضاً أن الآية نزلت في أن رجلاً أودع مالاً كثيراً/عند عبد اللّه بن سلام، و مالاً قليلاً عند فنحاص بن عازوراء، فخان هذا اليهودي في القليل، و عبد اللّه بن سلام أدى الأمانة، فثبت أن اللفظ محتمل لكل الأقسام.

ثم قال تعالى: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ قََالُوا لَيْسَ عَلَيْنََا فِي اَلْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ و المعنى إن ذلك الاستحلال و الخيانة هو بسبب أنهم يقولون ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل. و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا الاستحلال وجوهاً الأول: أنهم مبالغون في التعصب لدينهم، فلا جرم يقولون: يحل قتل المخالف و يحل أخذ ماله بأي طريق كان و

روي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام: «كذب أعداء اللّه ما من شي‏ء كان في الجاهلية إلا و هو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر و الفاجر»

الثاني: أن اليهود قالوا نَحْنُ أَبْنََاءُ اَللََّهِ وَ أَحِبََّاؤُهُ [المائدة: 18]و الخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا اموال عبيدنا الثالث: أن اليهود إنما ذكروا هذا الكلام لا مطلقاً لكل من خالفهم، بل للعرب الذين آمنوا بالرسول صلى اللّه عليه و سلم،

روي أن اليهود بايعوا رجالاً في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم بالأموال فقالوا: ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم،

و أقول: من المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد، فهم و إن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة.

المسألة الثانية: نفي السبيل المراد منه نفي القدرة على المطالبة و الإلزام. قال تعالى: مََا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: 91]و قال: وَ لَنْ يَجْعَلَ اَللََّهُ لِلْكََافِرِينَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء: 141]و قال: وَ لَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولََئِكَ مََا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ*`إِنَّمَا اَلسَّبِيلُ عَلَى اَلَّذِينَ يَظْلِمُونَ اَلنََّاسَ [الشورى: 41، 42].

المسألة الثالثة: (الأمي) منسوب إلى الأم، و سمي النبي صلى اللّه عليه و سلم أمياً قيل لأنه كان لا يكتب و ذلك لأن الأم أصل الشي‏ء فمن لا يكتب فقد بقي على أصله في أن لا يكتب، و قيل: نسب إلى مكة و هي أم القرى.

ثم قال تعالى: وَ يَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ و فيه وجوه الأول: أنهم قالوا: إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة و كانوا كاذبين في ذلك و عالمين بكونهم كاذبين فيه و من كان كذلك كانت خيانته أعظم و جرمه أفحش الثاني: أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة الثالث: أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم.

ثم قال تعالى: بَلى‏ََ مَنْ أَوْفى‏ََ بِعَهْدِهِ وَ اِتَّقى‏ََ فَإِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَّقِينَ .

اعلم أن في بَلى‏ََ وجهين أحدهما: أنه لمجرد نفي ما قبله، و هو قوله لَيْسَ عَلَيْنََا فِي اَلْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ فقال اللّه تعالى راداً عليهم بَلى‏ََ عليهم سبيل في ذلك و هذا اختيار الزجاج، قال: و عندي وقف التمام على (بلى) و بعده استئناف و الثاني: أن كلمة (بلى) كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر/يذكر بعده، و ذلك لأن قولهم:

ليس علينا فيما نفعل جناح قائم مقام قولهم: نحن أحباء اللّه تعالى، فذكر اللّه تعالى أن أهل الوفاء بالعهد و التقى هم الذين يحبهم اللّه تعالى لا غيرهم، و على هذا الوجه فإنه لا يحسن الوقف على (بلى) و قوله مَنْ أَوْفى‏ََ بِعَهْدِهِ مضى الكلام في معنى الوفاء بالعهد و الضمير في بِعَهْدِهِ يجوز أن يعود على اسم اَللََّهَ في قوله‏

265

وَ يَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ و يجوز أن يعود على (من) لأن العهد مصدر فيضاف إلى المفعول و إلى الفاعل و هاهنا سؤالان:

السؤال الأول: بتقدير (أن) يكون الضمير عائداً إلى الفاعل و هو (من) فإنه يحتمل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم و تركوا الخيانة، فإنهم يكتسبون محبة اللّه تعالى.

الجواب: الأمر كذلك، فإنهم إذا أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شي‏ء بالعهد الأعظم، و هو ما أخذ اللّه عليهم في كتابهم من الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه و سلم، و لو اتقوا اللّه في ترك الخيانة، لاتقوه في ترك الكذب على اللّه، و في ترك تحريف التوراة.

السؤال الثاني: أين الضمير الراجع من الجزاء إلى (من) ؟.

الجواب: عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير.

و اعلم أن هذه الآية دالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد، و ذلك لأن الطاعات محصورة في أمرين التعظيم لأمر اللّه، و الشفقة على خلق اللّه، فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معاً، لأن ذلك سبب لمنفعة الخلق، فهو شفقة على خلق اللّه، و لما أمر اللّه به، كان الوفاء به تعظيماً لأمر اللّه، فثبت أن العبارة مشتملة على جميع أنواع الطاعات و الوفاء بالعهد، كما يمكن في حق الغير يمكن أيضاً في حق النفس لأن الوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات و التارك للمحرمات، لأن عند ذلك تفوز النفس بالثواب و تبعد عن العقاب.

اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً الأول: أنه تعالى لما وصف اليهود بالخيانة في/أموال الناس، ثم من المعلوم أن الخيانة في أموال الناس لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة لا جرم ذكر عقيب تلك الآية هذه الآية المشتملة على وعيد من يقدم على الأيمان الكاذبة الثاني: أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: 75]و لا شك أن عهد اللّه على كل مكلف أن لا يكذب على اللّه و لا يخون في دينه، لا جرم ذكر هذا الوعيد عقيب ذلك الثالث: أنه تعالى ذكر في الآية السابقة خيانتهم في أموال الناس، ثم ذكر في هذه الآية خيانتهم في عهد اللّه و خيانتهم في تعظيم أسمائه حين يحلفون بها كذباً، و من الناس من قال: هذه الآية ابتداء كلام مستقل بنفسه في المنع عن الأيمان الكاذبة، و ذلك لأن اللفظ عام و الروايات الكثيرة دلت على أنها إنما نزلت في أقوام أقدموا على الأيمان الكاذبة، و إذا كان كذلك وجب اعتقاد كون هذا الوعيد عاماً في حق كل من يفعل هذا الفعل و أنه غير مخصوص باليهود.

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلف الروايات في سبب النزول، فمنهم من خصها باليهود الذين شرح اللّه أحوالهم في الآيات المتقدمة، و منهم من خصها بغيرهم.

أما الأول ففيه وجهان الأول: قال عكرمة إنها نزلت في أحبار اليهود، كتموا ما عهد اللّه إليهم في التوراة من‏

266

أمر محمد صلى اللّه عليه و سلم و كتبوا بأيديهم غيره و حلفوا بأنه من عند اللّه لئلا يفوتهم الرشا، و احتج هؤلاء بقوله تعالى في سورة البقرة أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: 40]الثاني: أنها نزلت في ادعائهم أنه لَيْسَ عَلَيْنََا فِي اَلْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران: 75]كتبوا بأيديهم كتاباً في ذلك و حلفوا أنه من عند اللّه و هو قول الحسن.

و أما الاحتمال الثاني: ففيه وجوه الأول:

أنها نزلت في الأشعث بن قيس، و خصم له في أرض، اختصما إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال للرجل: «أقم بيّنتك» فقال الرجل: ليس لي بينة فقال للأشعث «فعليك اليمين» فهم الأشعث باليمين فأنزل اللّه تعالى هذه الآية فنكل الأشعث عن اليمين ورد الأرض إلى الخصم و اعترف بالحق، و هو قول ابن جريج

الثاني: قال مجاهد: نزلت في رجل حلف يميناً فاجرة في تنفيق سلعته الثالث: نزلت في عبدان و امرئ القيس اختصما إلى الرسول صلى اللّه عليه و سلم في أرض، فتوجه اليمين على امرئ القيس، فقال: أنظرني إلى الغد، ثم جاء من الغد و أقر له بالأرض، و الأقرب الحمل على الكل.

فقوله: إِنَّ اَلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اَللََّهِ يدخل فيه جميع ما أمر اللّه به و يدخل فيه ما نصب عليه الأدلة و يدخل فيه المواثيق المأخوذة من جهة الرسول، و يدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه، لأن كل ذلك من عهد اللّه الذي يلزم الوفاء به.

قال تعالى: وَ مِنْهُمْ مَنْ عََاهَدَ اَللََّهَ لَئِنْ آتََانََا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ [التوبة: 75]الآية و قال: وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ اَلْعَهْدَ/كََانَ مَسْؤُلاً [الإسراء: 34]و قال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان: 7]و قال: مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: 23]و قد ذكرنا في سورة البقرة معنى الشراء، و ذلك لأن المشتري يأخذ شيئاً و يعطي شيئاً فكل واحد من المعطى و المأخوذ ثمن للآخر، و أما الأيمان فحالها معلوم و هي الحلف التي يؤكد بها الإنسان خبره من وعد، أو وعيد، أو إنكار، أو إثبات.

ثم قال تعالى: أُولََئِكَ لاََ خَلاََقَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ وَ لاََ يُكَلِّمُهُمُ اَللََّهُ وَ لاََ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ لاََ يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ و اعلم أنه تعالى فرع على ذلك الشرط و هو الشراء بعهد اللّه و الأيمان ثمنا قليلاً، خمسة أنواع من الجزاء أربعة منها في بيان صيرورتهم محرومين عن الثواب و الخامس في بيان وقوعهم في أشد العذاب، أما المنع من الثواب فاعلم أن الثواب عبارة عن المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم.

فالأول: و هو قوله أُولََئِكَ لاََ خَلاََقَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ إشارة إلى حرمانهم عن منافع الآخرة.

و أما الثلاثة الباقية: و هي قوله لاََ يُكَلِّمُهُمُ اَللََّهُ وَ لاََ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ... وَ لاََ يُزَكِّيهِمْ فهو إشارة إلى حرمانهم عن التعظيم و الإعزاز.

و أما الخامس: و هو قوله وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ فهو إشارة إلى العقاب، و لما نبهت لهذا الترتيب فلنتكلم في شرح كل واحد من هذه الخمسة:

أما الأول: و هو قوله لاََ خَلاََقَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ فالمعنى لا نصيب لهم في خير الآخرة و نعيمها و اعلم أن هذا العموم مشروط بإجماع الأمة بعدم التوبة، فإنه إن تاب عنها سقط الوعيد بالإجماع و على مذهبنا مشروط أيضاً بعدم العفو فإنه تعالى قال: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ* [النساء: 48].

و أما الثاني: و هو قوله وَ لاََ يُكَلِّمُهُمُ اَللََّهُ ففيه سؤال، و هو أنه تعالى قال: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*`عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 92، 93]و قال: فَلَنَسْئَلَنَّ اَلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ اَلْمُرْسَلِينَ [الأعراف: 6]فكيف‏

267

الجمع بين هاتين الآيتين، و بين تلك الآية؟قال القفال في الجواب: المقصود من كل هذه الكلمات بيان شدة سخط اللّه عليهم، لأن من منع غيره كلامه في الدنيا، فإنما ذلك بسخط اللّه عليه و إذا سخط إنسان على آخر، قال له لا أكلمك، و قد يأمر بحجبه عنه و يقول لا أرى وجه فلان، و إذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل فثبت أن هذه الكلمات كنايات عن شدة الغضب نعوذ باللّه منه. و هذا هو الجواب الصحيح، و منهم من قال: لا يبعد أن يكون إسماع اللّه جلّ جلاله أولياءه كلامه بغير سفير تشريفاً عالياً يختص به أولياءه، و لا يكلم هؤلاء الكفرة و الفساق، و تكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة و منهم من قال معنى هذه الآية أنه تعالى لا يكلمهم بكلام يسرهم و ينفعهم و المعتد هو الجواب الأول.

و أما الثالث: و هو قوله تعالى: وَ لاََ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فالمراد إنه لا ينظر إليهم بالإحسان، يقال فلان لا ينظر إلى فلان، و المراد به نفي الاعتداد به و ترك الإحسان إليه، و السبب لهذا المجاز أن من اعتد بالإنسان التفت إليه و أعاد نظره إليه مرة بعد أخرى، فلهذا السبب صار نظر اللّه عبارة عن الاعتداد و الإحسان، و إن لم يكن ثم نظر، و لا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية، لأنه تعالى يراهم كما يرى غيرهم، و لا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام، و تعالى إلهنا عن أن يكون جسماً، و قد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف (إلى) ليس للرؤية و إلا لزم في هذه الآية أن لا يكون اللّه تعالى رائياً لهم و ذلك باطل.

و أما الرابع: و هو قوله وَ لاََ يُزَكِّيهِمْ ففيه وجوه الأول: أن لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة بل يعاقبهم عليها و الثاني: لا يزكيهم أي لا يثني عليهم كما يثني على أوليائه الأزكياء و التزكية من المزكى للشاهد مدح منه له.

و اعلم أن تزكية اللّه عباده قد تكون على ألسنة الملائكة كما قال: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ `سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ بِمََا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى اَلدََّارِ [الرعد: 23، 24]و قال: وَ تَتَلَقََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ هََذََا يَوْمُكُمُ اَلَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: 103] نَحْنُ أَوْلِيََاؤُكُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ فِي اَلْآخِرَةِ [فصلت: 21]و قد تكون بغير واسطة، أما في الدنيا فكقوله‏ اَلتََّائِبُونَ اَلْعََابِدُونَ [التوبة: 112]و أما في الآخرة فكقوله‏ سَلاََمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58].

و أما الخامس: و هو قوله وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ فاعلم أنه تعالى لما بيّن حرمانهم من الثواب بيّن كونهم في العقاب الشديد المؤلم.

اعلم أن هذه الآية تدل على أن الآية المتقدمة نازلة في اليهود بلا شك لأن هذه الآية نازلة في حق اليهود و هي معطوفة على ما قبلها فهذا يقتضي كون تلك الآية المتقدمة نازلة في اليهود أيضاً/و اعلم أن (اللي) عبارة عن عطف الشي‏ء و رده عن الاستقامة إلى الاعوجاج، يقال: لويت يده، و التوى الشي‏ء إذا انحرف و التوى فلان علي إذا غير أخلاقه عن الاستواء إلى ضده، و لوى لسانه عن كذا إذا غيره، و لوى فلاناً عن رأيه إذا أماله عنه، و

في الحديث: «لي الواجد ظلم»

و قال تعالى: وَ رََاعِنََا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي اَلدِّينِ [النساء: 46].

268

إذا عرفت هذا الأصل ففي تأويل الآية وجوه الأول: قال القفال رحمه اللّه قوله يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ معناه و أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفونها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى، و هذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية، فلما فعلوا مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوّة محمد عليه الصلاة و السلام من التوراة كان ذلك هو المراد من قوله تعالى: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ و هذا تأويل في غاية الحسن الثاني: نقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: إن النفر الذين لا يكلمهم اللّه يوم القيامة و لا ينظر إليهم كتبوا كتاباً شوشوا فيه نعت محمد صلى اللّه عليه و سلم و خلطوه بالكتاب الذي كان فيه نعت محمد صلى اللّه عليه و سلم ثم قالوا هََذََا مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ .

إذا عرفت هذا فنقول: إن لي اللسان تثنيه بالتشدق و التنطع و التكلف و ذلك مذموم فعبّر اللّه تعالى عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلى اللسان ذماً لهم و عيباً و لم يعبر عنها بالقراءة، و العرب تفرق بين ألفاظ المدح و الذم في الشي‏ء الواحد، فيقولون في المدح: خطيب مصقع، و في الذم: مكثار ثرثار.

فقوله وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتََابِ المراد قراءة ذلك الكتاب الباطل، و هو الذي ذكره اللّه تعالى في قوله‏ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتََابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هََذََا مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ [البقرة: 79]ثم قال: وَ مََا هُوَ مِنَ اَلْكِتََابِ أي و ما هو الكتاب الحق المنزّل من عند اللّه، بقي هاهنا سؤالان:

السؤال الأول: إلى ما يرجع الضمير في قوله لِتَحْسَبُوهُ ؟.

الجواب: إلى ما دل عليه قوله يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ و هو المحرّف.

السؤال الثاني: كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة بين الناس؟.

الجواب: لعله صدر هذا العمل عن نفر قليل، يجوز عليهم التواطؤ على التحريف، ثم إنهم عرضوا ذلك المحرف على بعض العوام و على هذا التقدير يكون هذا التحريف ممكنا، و الأصوب عندي في تفسير الآية وجه آخر و هو أن الآيات الدالة على نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم كان يحتاج فيها إلى تدقيق النظر و تأمل القلب، و القوم كانوا يوردون عليها الأسئلة المشوشة و الاعتراضات المظلمة فكانت تصير تلك الدلائل مشتبهة على السامعين، و اليهود كانوا يقولون:

مراد اللّه من هذه الآيات ما ذكرناه لا ما ذكرتم، فكان هذا هو المراد بالتحريف و بلي الألسنة و هذا مثل ما أن المحق في زماننا إذا استدل بآية من كتاب اللّه تعالى، فالمبطل يورد عليه الأسئلة و الشبهات و يقول: ليس/مراد اللّه ما ذكرت، فكذا في هذه الصورة.

ثم قال تعالى: وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ و اعلم أن من الناس من قال: إنه لا فرق بين قوله لِتَحْسَبُوهُ مِنَ اَلْكِتََابِ وَ مََا هُوَ مِنَ اَلْكِتََابِ و بين قوله وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ مََا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ [آل عمران: 78]و كرر هذا الكلام بلفظين مختلفين لأجل التأكيد، أما المحققون فقالوا: المغايرة حاصلة، و ذلك لأنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند اللّه، فإن الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب، و تارة بالسنة، و تارة بالإجماع، و تارة بالقياس و الكل من عند اللّه.

فقوله لِتَحْسَبُوهُ مِنَ اَلْكِتََابِ وَ مََا هُوَ مِنَ اَلْكِتََابِ هذا نفي خاص، ثم عطف عليه النفي العام فقال:

وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ مََا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ و أيضاً يجوز أن يكون المراد من الكتاب التوراة، و يكون المراد من قولهم: هو من عند اللّه، أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة و السلام مثل أشعياء، و أرمياء، و حيقوق، ـ

269

و ذلك لأن القوم في نسبة ذلك التحريف إلى اللّه كانوا متحيرين، فإن وجدوا قوماً من الأغمار و البله الجاهلين بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنه من التوراة، و إن وجدوا قوما عقلاء أذكياء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة و السلام الذين جاءوا بعد موسى عليه السلام، و احتج الجبائي و الكعبي به على أن فعل العبد غير مخلوق للّه تعالى فقالا: لو كان لي اللسان بالتحريف و الكذب خلقاً للّه تعالى لصدق اليهود في قولهم: إنه من عند اللّه و لزم الكذب في قوله تعالى: إنه ليس من عند اللّه، و ذلك لأنهم أضافوا إلى اللّه ما هو من عنده، و اللّه ينفي عن نفسه ما هو من عنده، ثم قال: و كفى خزياً لقوم يجعلون اليهود أولى بالصدق من اللّه قال: ليس لأحد أن يقول المراد من قولهم لِتَحْسَبُوهُ مِنَ اَلْكِتََابِ وَ مََا هُوَ مِنَ اَلْكِتََابِ و بين قوله وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ مََا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ فرق، و إذا لم يبق الفرق لم يحسن العطف، و أجاب الكعبي عن هذا السؤال أيضاً من وجهين آخرين الأول: أن كون المخلوق من عند الخالق أوكد من كون المأمور به من عند الآمر به، و حمل الكلام على الوجه الأقوى أولى و الثاني: أن قوله وَ مََا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ نفي مطلق لكونه من عند اللّه و هذا ينفي كونه من عند اللّه بوجه من الوجوه، فوجب أن لا يكون من عنده لا بالخلق و لا بالحكم.

و الجواب: أما قول الجبائي لو حملنا قوله تعالى: وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ على أنه كلام اللّه لزم التكرار، فجوابه ما ذكرنا أن قوله وَ مََا هُوَ مِنَ اَلْكِتََابِ معناه أنه غير موجود في الكتاب و هذا لا يمنع من كونه حكماً للّه تعالى ثابتاً بقول الرسول أو بطريق آخر فلما قال: وَ مََا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ ثبت نفي كونه حكماً للّه تعالى و على هذا الوجه زال التكرار.

و أما الوجه الأول: من الوجهين اللذين ذكرهما الكعبي فجوابه، أن الجواب لا بد و أن يكون منطبقاً على السؤال، و القوم ما كانوا في ادعاء أن ما ذكروه و فعلوه خلق اللّه تعالى، بل كانوا/يدعون أنه حكم اللّه و نازل في كتابه.

فوجب أن يكون قوله وَ مََا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ عائداً إلى هذا المعنى لا إلى غيره، و بهذا الطريق يظهر فساد ما ذكره في الوجه الثاني و اللّه أعلم.

ثم قال تعالى: وَ يَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ و المعنى أنهم يتعمدون ذلك الكذب مع العلم.

و اعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة، و إعراب ألفاظها، فالمقدمون عليه يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب، و إن كان المراد منه تشويش دلالة تلك الآيات على نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم بسبب إلقاء الشكوك و الشبهات في وجوه الاستدلالات لم يبعد إطباق الخلق الكثير عليه و اللّه أعلم.

في قوله تعالى مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اَللََّهُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ اعلم أنه تعالى لما بيّن أن عادة علماء أهل الكتاب التحريف و التبديل أتبعه بما يدل على أن من جملة ما حرّفوه ما زعموا أن عيسى عليه السلام كان يدعي الإلهية، و أنه كان يأمر قومه بعبادته فلهذا قال: مََا كََانَ لِبَشَرٍ الآية، و هاهنا مسائل:

270

المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية وجوه الأول: قال ابن عباس: لما قالت اليهود عزير ابن اللّه، و قالت النصارى: المسيح ابن اللّه نزلت هذه الآية الثاني:

قيل إن أبا رافع القرظي من اليهود و رئيس وفد نجران من النصارى قالا لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: أ تريد أن نعبدك و نتخذك رباً، فقال عليه الصلاة و السلام «معاذ اللّه أن نعبد غير اللّه أو أن نأمر بغير عبادة اللّه/فما بذلك بعثني؛ و لا بذلك أمرني» فنزلت هذه الآية

الثالث:

قال رجل يا رسول اللّه نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟فقال عليه الصلاة و السلام: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد من دون اللّه، و لكن أكرموا نبيكم و اعرفوا الحق لأهله»

الرابع: أن اليهود لما ادعوا أن أحداً لا ينال من درجات الفضل و المنزلة ما نالوه، فاللّه تعالى قال لهم: إن كان الأمر كما قلتم، وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس و استخدامهم و لكن يجب أن تأمروا الناس بالطاعة للّه و الانقياد لتكاليفه و حينئذ يلزمكم أن تحثوا الناس على الإقرار بنبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم، لأن ظهور المعجزات عليه يوجب ذلك، و هذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله ثُمَّ يَقُولَ لِلنََّاسِ كُونُوا عِبََاداً لِي مِنْ دُونِ اَللََّهِ مثل قوله‏ اِتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَ رُهْبََانَهُمْ أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ [التوبة: 31].

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اَللََّهُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنََّاسِ كُونُوا عِبََاداً لِي مِنْ دُونِ اَللََّهِ على وجوه الأول: قال الأصم: معناه، أنهم لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الدليل عليه قوله تعالى: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا بَعْضَ اَلْأَقََاوِيلِ*`لَأَخَذْنََا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة: 44، 45]قال:

لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً*`إِذاً لَأَذَقْنََاكَ ضِعْفَ اَلْحَيََاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمََاتِ [الإسراء: 74، 75]الثاني: أن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام موصوفون بصفات لا يحسن مع تلك الصفات ادعاء الإلهية و الربوبية منها أن اللّه تعالى آتاهم الكتاب و الوحي و هذا لا يكون إلا في النفوس الطاهرة و الأرواح الطيبة، كما قال اللّه تعالى: اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته [الأنعام: 124]و قال: وَ لَقَدِ اِخْتَرْنََاهُمْ عَلى‏ََ عِلْمٍ عَلَى اَلْعََالَمِينَ [الدخان: 32] و قال اللّه تعالى: اَللََّهُ يَصْطَفِي مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ رُسُلاً وَ مِنَ اَلنََّاسِ [الحج: 75]و النفس الطاهرة يمتنع أن يصدر عنها هذه الدعوى، و منها أن إيتاء النبوّة لا يكون إلا بعد كمال العلم و ذلك لا يمنع من هذه الدعوى، و بالجملة فللإنسان قوتان: نظرية و عملية، و ما لم تكن القوة النظرية كاملة بالعلوم و المعارف الحقيقية و لم تكن القوة العملية مطهرة عن الأخلاق الذميمة لا تكون النفس مستعدة لقبول الوحي و النبوّة، و حصول الكمالات في القوة النظرية و العملية يمنع من مثل هذا القول و الاعتقاد، الثالث: أن اللّه تعالى لا يشرف عبده بالنبوّة و الرسالة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل هذا الكلام الرابع: أن الرسول ادعى أنه يبلغ الأحكام عن اللّه تعالى، و احتج على صدقه في هذه الدعوى فلو أمرهم بعبادة نفسه فحينئذ تبطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً، و ذلك غير جائز، و اعلم أنه ليس المراد من قوله مََا كََانَ لِبَشَرٍ ذلك أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق، و ظاهر الآية يدل على أنه إنما لم يكن له ذلك لأجل أن اللّه آتاه الكتاب و الحكم و النبوّة، و أيضاً لو كان المراد منه التحريم لما كان ذلك تكذيباً للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح عليه السلام لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلان لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن تكذيباً له فيما ادعى عليه و إنما أراد في ادعائهم أن عيسى عليه السلام قال لهم: اتخذوني إلهاً/من دون اللّه فالمراد إذن ما قدمناه، و نظيره قوله تعالى: مََا كََانَ لِلََّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [مريم: 35]على سبيل النفي لذلك عن نفسه، لا على وجه التحريم و الحظر، و كذا قوله تعالى: مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [آل عمران: 161]و المراد النفي لا النهي و اللّه أعلم.

271

المسألة الثالثة: قوله أَنْ يُؤْتِيَهُ اَللََّهُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ إشارة إلى ثلاثة أشياء ذكرها على ترتب في غاية الحسن، و ذلك لأن الكتاب السماوي ينزل أولاً ثم إنه يحصل في عقل النبي فهم ذلك الكتاب و إليه الإشارة بالحكم، فإن أهل اللغة و التفسير اتفقوا على أن هذا الحكم هو العلم، قال تعالى: وَ آتَيْنََاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: 12]يعني العلم و الفهم، ثم إذا حصل فهم الكتاب، فحينئذ يبلغ ذلك إلى الخلق و هو النبوّة فما أحسن هذا الترتيب.

ثم قال تعالى: ثُمَّ يَقُولَ لِلنََّاسِ كُونُوا عِبََاداً لِي مِنْ دُونِ اَللََّهِ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: القراءة الظاهرة، ثم يقول بنصب اللام، و روي عن أبي عمرو برفعها، أما النصب فعلى تقدير: لا تجتمع النبوّة و هذا القول، و العامل فيه (أن) و هو معطوف عليه بمعنى ثم أن يقول و أما الرفع فعلى الاستئناف.

المسألة الثانية: حكى الواحدي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال في قوله تعالى: كُونُوا عِبََاداً لِي إنه لغة مزينة يقولون للعبيد عباداً.

ثم قال: وَ لََكِنْ كُونُوا رَبََّانِيِّينَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: في هذه الآية إضمار، و التقدير: و لكن يقول لهم كونوا ربانيين فأضمر القول على حسب مذهب العرب في جواز الإضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه، و نظيره قوله تعالى: فَأَمَّا اَلَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ [آل عمران: 106]أي فيقال لهم ذلك.

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير (الرباني) أقولاً الأول: قال سيبويه: الرباني المنسوب إلى الرب، بمعنى كونه عالماً به، و مواظباً على طاعته، كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله و طاعته و زيادة الألف و النون فيه للدلالة على كمال هذه الصفة، كما قالوا: شعراني و لحياني و رقباني إذا وصف بكثرة الشعر و طول اللحية و غلظ الرقبة، فإذا نسبوا إلى الشعر قالوا: شعري و إلى الرقبة رقبي و إلى اللحية لحيي و الثاني: قال المبرّد (الربانيون) أرباب العلم واحدهم رباني، و هو الذي يرب العلم و يرب الناس أي: يعلمهم و يصلحهم و يقوم بأمرهم، فالألف و النون للمبالغة كما قالوا: ربان و عطشان و شبعان و عريان، ثم ضمت إليه ياء النسبة كما قيل:

لحياني و رقباني قال الواحدي: فعلى قول سيبويه الرباني: منسوب إلى الرب على معنى التخصيص بمعرفة الرب و بطاعته، و على قول المبرد (الرباني) مأخوذ من التربية الثالث: قال ابن زيد: الرباني. هو الذي يرب الناس، فالربانيون هم ولاة الأمة و العلماء، و ذكر هذا أيضاً في قوله تعالى: لَوْ لاََ يَنْهََاهُمُ/اَلرَّبََّانِيُّونَ وَ اَلْأَحْبََارُ [المائدة: 63]أي الولاة و العلماء و هما الفريقان اللذان يطاعان و معنى الآية على هذا التقدير: لا أدعوكم إلى أن تكونوا عباداً لي، و لكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً و علماء باستعمالكم أمر اللّه تعالى و مواظبتكم على طاعته، قال القفال رحمه اللّه: و يحتمل أن يكون الوالي سمي ربانياً، لأنه يطاع كالرب تعالى، فنسب إليه الرابع: قال أبو عبيدة أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية، أو سريانية، و سواء كانت عربية أو عبرانية، فهي تدل على الإنسان الذي علم و عمل بما علم، و اشتغل بتعليم طرق الخير.

ثم قال تعالى: بِمََا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ اَلْكِتََابَ وَ بِمََا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ و فيه مسائل:

272

المسألة الأولى: في قوله بِمََا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ اَلْكِتََابَ قراءتان إحداهما: تعلمون من العلم، و هي قراءة عبد اللّه بن كثير، و أبي عمرو، و نافع و الثانية: تُعَلِّمُونَ من التعليم و هي قراءة الباقين من السبعة و كلاهما صواب، لأنهم كانوا يعلمونه في أنفسهم و يعلمونه غيرهم، و احتج أبو عمرو على أن قراءته أرجح بوجهين الأول: أنه قال: تَدْرُسُونَ و لم يقل تدرسون بالتشديد الثاني: أن التشديد يقتضي مفعولين و المفعول هاهنا واحد، و أما الذين قرءوا بالتشديد فزعموا أن المفعول الثاني محذوف تقديره: بما كنتم تعلمون الناس الكتاب، أو غيركم الكتاب و حذف، لأن المفعول به قد يحذف من الكلام كثيراً، ثم احتجوا على أن التشديد أولى بوجهين الأول: أن التعليم يشتمل على العلم و لا ينعكس فكان التعليم أولى الثاني: أن الربانيين لا يكتفون بالعلم حتى يضموا إليه التعليم للّه تعالى ألا ترى أنه تعالى أمر محمداً صلى اللّه عليه و سلم بذلك فقال: اُدْعُ إِلى‏ََ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ [النحل: 125]و يدل عليه قول مرة بن شراحيل: كان علقمة من الربانيين الذين يعلمون الناس القرآن.

المسألة الثانية: نقل ابن جني في «المحتسب» ، عن أبي حيوة أنه قرأ تدرسون بضم التاء ساكنة الدال مكسورة الراء، قال ابن جني: ينبغي أن يكون هذا منقولاً من درس هو، أو درس غيره، و كذلك قرأ و أقرأ غيره، و أكثر العرب على درس و درس، و عليه جاء المصدر على التدريس.

المسألة الثالثة: (ما) في القراءتين، هي التي بمعنى المصدر مع الفعل، و التقدير: كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين و معلمين و بسبب دراستكم الكتاب، و مثل هذا من كون (ما) مع الفعل بمعنى المصدر قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نَنْسََاهُمْ كَمََا نَسُوا لِقََاءَ يَوْمِهِمْ هََذََا [الأعراف: 51]و حاصل الكلام أن العلم و التعليم و الدراسة توجب على صاحبها كونه ربانياً و السبب لا محالة مغاير للمسبب، فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً، و أمراً مغايراً لكونه عالماً، و معلماً، و مواظباً على الدراسة، و ما ذاك إلا أن يكون بحيث يكون تعلمه للّه، و تعليمه و دراسته للّه، و بالجملة أن يكون الداعي له إلى جميع/الأفعال طلب مرضاة اللّه، و الصارف له عن كل الأفعال الهرب عن عقاب اللّه، و إذا ثبت أن الرسول يأمر جميع الخلق بهذا المعنى ثبت أنه يمتنع منه أن يأمر الخلق بعبادته، و حاصل الحرف شي‏ء واحد، و هو أن الرسول هو الذي يكون منتهى جهده وجده صرف الأرواح و القلوب عن الخلق إلى الحق، فمثل هذا الإنسان كيف يمكن أن يصرف عقول الخلق عن طاعة الحق إلى طاعة نفسه. و عند هذا يظهر أنه يمتنع في أحد من الأنبياء صلوات اللّه عليهم أن يأمر غيره بعبادته.

المسألة الرابعة: دلّت الآية على أن العلم و التعليم و الدراسة توجب كون الإنسان ربانياً، فمن اشتغل بالتعلم و التعليم لا لهذا المقصود ضاع سعيه و خاب عمله و كان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها و لا منفعة بثمرها و لهذا

قال عليه الصلاة و السلام: «نعوذ باللّه من علم لا ينفع و قلب لا يخشع» .

ثم قال تعالى: وَ لاََ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا اَلْمَلاََئِكَةَ وَ اَلنَّبِيِّينَ أَرْبََاباً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم و حمزة و ابن عامر وَ لاََ يَأْمُرَكُمْ بنصب الراء، و الباقون بالرفع أما النصب فوجهه أن يكون عطفاً على ثُمَّ يَقُولَ و فيه وجهان أحدهما: أن تجعل (لا) مزيدة و المعنى: ما كان لبشر أن يؤتيه اللّه الكتاب و الحكم و النبوّة أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون اللّه و يأمركم أن تتخذوا الملائكة

273

و النبيّين أرباباً، كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني و يستخف بي و الثاني: أن تجعل (لا) غير مزيدة، و المعنى أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة، و اليهود و النصارى عن عبادة عزير و المسيح، فلما قالوا: أ تريد أن نتخذك ربا؟قيل لهم: ما كان لبشر أن يجعله اللّه نبياً ثم يأمر الناس بعبادة نفسه و ينهاهم عن عبادة الملائكة و الأنبياء، و أما القراءة بالرفع على سبيل الاستئناف فظاهر لأنه بعد انقضاء الآية و تمام الكلام، و مما يدل على الانقطاع عن الأولى ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ و لن يأمركم .

المسألة الثانية: قال الزجاج: و لا يأمركم اللّه، و قال ابن جريج: لا يأمركم محمد، و قيل: لا يأمركم الأنبياء بأن تتخذوا الملائكة أرباباً كما فعلته قريش.

المسألة الثالثة: إنما خص الملائكة و النبيّين بالذكر لأن الذين وصفوا من أهل الكتاب بعبادة غير اللّه لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة و عبادة المسيح و عزير، فلهذا المعنى خصهما بالذكر.

ثم قال تعالى: أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ و فيه و مسائل:

المسألة الأولى: الهمزة في أَ يَأْمُرُكُمْ استفهام بمعنى الإنكار، أي لا يفعل ذلك.

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» قوله بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين و هم الذين استأذنوا الرسول صلى اللّه عليه و سلم في أن يسجدوا له.

المسألة الثالثة: قال الجبائي: الآية دالة على فساد قول من يقول: الكفر باللّه هو الجهل به و الإيمان باللّه هو المعرفة به، و ذلك لأن اللّه تعالى حكم بكفر هؤلاء، و هو قوله تعالى: أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ ثم إن هؤلاء كانوا عارفين باللّه تعالى بدليل قوله ثُمَّ يَقُولَ لِلنََّاسِ كُونُوا عِبََاداً لِي مِنْ دُونِ اَللََّهِ و ظاهر هذا يدل على معرفتهم باللّه فلما حصل الكفر هاهنا مع المعرفة باللّه دل ذلك على أن الإيمان به ليس هو المعرفة و الكفر به تعالى ليس هو الجهل به.

و الجواب: أن قولنا الكفر باللّه هو الجهل به لا نعني به مجرد الجهل بكونه موجوداً بل نعني به الجهل بذاته و بصفاته السلبية و صفاته الإضافية أنه لا شريك له في المعبودية، فلما جهل هذا فقد جهل بعض صفاته.

اعلم أن المقصود من هذه الآيات تعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم قطعاً لعذرهم و إظهاراً لعنادهم و من جملتها ما ذكره اللّه تعالى في هذه الآية و هو أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء الذين آتاهم الكتاب و الحكمة بأنهم كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم آمنوا به و نصروه، و أخبر أنهم قبلوا ذلك و حكم تعالى بأن من رجع عن ذلك كان من الفاسقين، فهذا هو المقصود من الآية فحصل الكلام أنه تعالى أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول جاء مصدقاً لما معهم إلا أن هذه المقدمة الواحدة لا تكفي في إثبات نبوّة

274

محمد صلى اللّه عليه و سلم ما لم يضم إليها مقدمة أخرى، و هي أن محمداً رسول اللّه جاء مصدقاً لما معهم، و عند هذا لقائل أن يقول: هذا إثبات للشي‏ء بنفسه، لأنه إثبات لكونه رسولا بكونه رسولاً.

و الجواب: أن المراد من كونه رسولاً ظهور المعجز عليه، و حينئذ يسقط هذا السؤال و اللّه أعلم، و لنرجع إلى تفسير الألفاظ:

أما قوله وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ فقال ابن جرير الطبري: معناه و اذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ اللّه ميثاق النبيّين، و قال الزجاج: و اذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ اللّه ميثاق النبيّين.

أما قوله مِيثََاقَ اَلنَّبِيِّينَ فاعلم أن المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل و إلى المفعول، فيحتمل أن يكون الميثاق مأخوذاً منهم، و يحتمل أن يكون مأخوذاً لهم من غيرهم، فلهذا السبب اختلفوا في تفسير هذه الآية على هذين الوجهين.

أما الاحتمال الأول: و هو أنه تعالى أخذ الميثاق منهم في أن يصدق بعضهم بعضاً، و هذا قول سعيد بن جبير و الحسن و طاوس رحمهم اللّه، و

قيل: إن الميثاق هذا مختص بمحمد صلى اللّه عليه و سلم، و هو مروي عن علي و ابن عباس و قتادة و السدي رضوان اللّه عليهم،

و احتج أصحاب هذا القول على صحته من وجوه الأول: أن قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلنَّبِيِّينَ يشعر بأن آخذ الميثاق هو اللّه تعالى، و المأخوذ منهم هم النبيون، فليس في الآية ذكر الأمة، فلم يحسن صرف الميثاق إلى الأمة، و يمكن أن يجاب عنه من وجوه الأول: أن على الوجوه الذي قلتم يكون الميثاق مضافاً إلى الموثق عليه، و على الوجه الذي قلنا يكون إضافته إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل، و هو الموثق له، و لا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل أقوى من إضافته إلى المفعول، فإن لم يكن فلا أقل من المساواة، و هو كما يقال ميثاق اللّه و عهده، فيكون التقدير: و إذ أخذ اللّه الميثاق الذي وثقه اللّه للأنبياء على أممهم الثاني: أن يراد ميثاق أولاد النبيّين، و هو بنو إسرائيل على حذف المضاف و هو كما يقال: فعل بكر بن وائل كذا، و فعل معد بن عدنان كذا، و المراد أولادهم و قومهم، فكذا هاهنا الثالث: أن يكون المراد من لفظ اَلنَّبِيِّينَ أهل الكتاب و أطلق هذا اللفظ عليهم تهكماً بهم على زعمهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوّة من محمد عليه الصلاة و السلام لأنا أهل الكتاب و منا كان النبيون الرابع: أنه كثيراً ورد في القرآن لفظ النبي و المراد منه أمته قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ [الطلاق: 1].

الحجة الثانية: لأصحاب هذا القول: ما

روي أنه عليه الصلاة و السلام قال: «لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما و اللّه لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي» .

الحجة الثالثة: ما

نقل عن علي رضي اللّه عنه أنه قال: إن اللّه تعالى ما بعث آدم عليه السلام و من بعده من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد عليه الصلاة و السلام و هو حي ليؤمنن به و لينصرنه،

فهذا يمكن نصرة هذا القول به و اللّه أعلم.

الاحتمال الثاني: إن المراد من الآية أن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام كانوا يأخذون/الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد صلى اللّه عليه و سلم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به و أن ينصروه، و هذا قول كثير من العلماء، و قد بينا أن اللفظ محتمل له و قد احتجوا على صحته بوجوه الأول: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني فقال: ظاهر الآية يدل على أن الذين‏

275

أخذ اللّه الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه و سلم عند مبعثه، و كل الأنبياء عليهم الصلاة و السلام يكونون عند مبعث محمد صلى اللّه عليه و سلم من زمرة الأموات، و الميت لا يكون مكلفاً فلما كان الذين أخذ الميثاق عليهم يجب عليهم الإيمان بمحمد عليه السلام عند مبعثه و لا يمكن إيجاب الإيمان على الأنبياء عند مبعث محمد عليه السلام، علمنا أن الذين أخذ الميثاق عليهم ليسوا هم النبيّين بل هم أمم النبيّين قال: و مما يؤكد هذا أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين و هذا الوصف لا يليق بالأنبياء عليهم السلام و إنما يليق بالأمم، أجاب القفال رحمه اللّه فقال لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد عليه الصلاة و السلام، و نظيره قوله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65]و قد علم اللّه تعالى أنه لا يشرك قط و لكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير و الفرض فكذا هاهنا، و قال: وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا بَعْضَ اَلْأَقََاوِيلِ*`لَأَخَذْنََا مِنْهُ بِالْيَمِينِ*`ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ اَلْوَتِينَ [الحاقه: 44، 45، 46]و قال في صفة الملائكة وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلََهٌ مِنْ دُونِهِ فَذََلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذََلِكَ نَجْزِي اَلظََّالِمِينَ [الأنبياء: 29]مع أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يسبقونه بالقول و بأنهم يخافون ربهم من فوقهم، فكل ذلك خرج على سبيل الفرض و التقدير فكذا هاهنا، و نقول إنه سماهم فاسقين على تقدير التولي فإن اسم الفسق ليس أقبح من اسم الشرك، و قد ذكر تعالى ذلك على سبيل الفرض و التقدير في قوله‏ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65]فكذا هاهنا.

الحجة الثانية: أن المقصود من هذه الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول صلى اللّه عليه و سلم، و إذا كان الميثاق مأخوذاً عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذاً على الأنبياء عليهم السلام، و قد أجيب عن ذلك بأن درجات الأنبياء عليهم السلام، أعلى و أشرف من درجات الأمم، فإذا دلت هذه الآية على أن اللّه تعالى أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام لو كانوا في الأحياء، و أنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين فلأن يكون الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه و سلم واجباً على أممهم لو كان ذلك أولى، فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل المطلوب من هذا الوجه.

الحجة الثالثة: ما روي عن ابن عباس أنه قيل له إن أصحاب عبد اللّه يقرؤن‏ وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ و نحن نقرأ وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلنَّبِيِّينَ فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: إنما أخذ اللّه ميثاق النبيّين على قومهم.

الحجة الرابعة: أن هذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى: يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي/أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ و بقوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنََّاسِ وَ لاََ تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: 187]فهذا جملة ما قيل في هذا الموضوع و اللّه أعلم بمراده.

و أما قوله تعالى: لَمََا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتََابٍ وَ حِكْمَةٍ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ الجمهور لَمََا بفتح اللام و قرأ حمزة بكسر اللام و قرأ سعيد بن جبير لما مشددة، أما القراءة بالفتح فلها وجهان الأول: أن (ما) اسم موصول و الذي بعده صلة له و خبره قوله لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ و التقدير: للذي آتيتكم من كتاب و حكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، و على هذا التقدير (ما) رفع بالابتداء و الراجع إلى لفظة (ما) و موصولتها محذوف و التقدير: لما آتيتكموه فحذف الراجع كما حذف من قوله‏ أَ هََذَا اَلَّذِي بَعَثَ اَللََّهُ رَسُولاً [الفرقان: 41]و عليه سؤالان: ـ

276

السؤال الأول: إذا كانت (ما) موصولة لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة على الصلة ذكر إلى الموصول و إلا لم يجز، ألا ترى أنك لو قلت: الذي قام أبوه ثم انطلق زيد لم يجز.

و قوله ثُمَّ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَكُمْ ليس فيه راجع إلى الموصول، قلنا: يجوز إقامة المظهر مقام المضمر عند الأخفش و الدليل عليه قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اَللََّهَ لاََ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ [يوسف: 90]و لم يقل: فإن اللّه لا يضيع أجره، و قال: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ إِنََّا لاََ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف: 30]و لم يقل: إنا لا نضيع أجرهم و ذلك لأن المظهر المذكور قائم مقام المضمر فكذا هاهنا.

السؤال الثاني: ما فائدة اللام في قوله لَمََا قلنا: هذه اللام هي لام الابتداء بمنزلة قولك: لزيد أفضل من عمرو، و يحسن إدخالها على ما يجري مجرى المقسم عليه لأن قوله وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلنَّبِيِّينَ بمنزلة القسم و المعنى استحلفهم، و هذه اللام المتلقية للقسم، فهذا تقرير هذا الكلام.

الوجه الثاني: و هو اختيار سيبويه و المازني و الزجاج أن (ما) هاهنا هي المتضمنة لمعنى الشرط و التقدير ما آتيتكم من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، فاللام في قوله لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ هي المتلقية للقسم، أما اللام في لَمََا هي لام تحذف تارة، و تذكر أخرى، و لا يتفاوت المعنى و نظيره قولك: و اللّه لو أن فعلت، فعلت فلفظة (أن) لا يتفاوت الحال بين ذكرها و حذفها فكذا هاهنا، و على هذا التقدير كانت (ما) في موضع نصب بآتيتكم‏ وَ جََاءَكُمُ جزم بالعطف على آتَيْتُكُمْ و لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ هو الجزاء، و إنما لم يرض سيبويه بالقول الأول لأنه لا يرى إقامة المظهر مقام المضمر، و أما الوجه في قراءة لما بكسر اللام فهو أن هذا لام التعليل كأنه قيل: أخذ ميثاقهم لهذا لأن من يؤتى الكتاب و الحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء و الرسل و ما على هذه القراءة تكون موصولة، و تمام/البحث فيه ما قدمناه في الوجه الأول، و أما قراءة لما بالتشديد فذكر صاحب «الكشاف» فيه وجهين الأول: أن المعنى: حين آتيتكم بعض الكتاب و الحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق له، وجب عليكم الإيمان به و نصرته و الثاني: أن أصل (لما) لمن ما فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات، و هي الميمان و النون المنقلبة ميماً بإدغامها في الميم فحذفوا إحداها فصارت (لما) و معناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، و هذا قريب من قراءة حمزة في المعنى.

المسألة الثانية: قرأ نافع آتيناكم بالنون على التفخيم، و الباقون بالتاء على التوحيد، حجة نافع قوله‏ وَ آتَيْنََا دََاوُدَ زَبُوراً* [النساء: 163] وَ آتَيْنََاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: 12] وَ آتَيْنََاهُمَا اَلْكِتََابَ اَلْمُسْتَبِينَ [الصافات: 117] و لأن هذا أدل على العظمة فكان أكثر هيبة في قلب السامع، و هذا الموضع يليق به هذا المعنى، و حجة الجمهور قوله‏ هُوَ اَلَّذِي يُنَزِّلُ عَلى‏ََ عَبْدِهِ آيََاتٍ بَيِّنََاتٍ [الحديد: 9]و اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ اَلْكِتََابَ [الكهف: 1]و أيضاً هذه القراءة أشبه بما قبل هذه الآية و بما بعدها لأنه تعالى قال قبل هذه الآية وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ و قال بعدها إِصْرِي و أجاب نافع عنه بأن أحد أبواب الفصاحة تغيير العبارة من الواحد إلى الجمع و من الجمع إلى الواحد قال تعالى: وَ جَعَلْنََاهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرََائِيلَ أَلاََّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي [الإسراء: 2]و لم يقل من دوننا كما قال:

وَ جَعَلْنََاهُ و اللّه أعلم.

277

المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر النبيّين على سبيل المغايبة ثم قال: آتَيْتُكُمْ و هو مخاطبة إضمار و التقدير:

و إذ أخذ اللّه ميثاق النبيّين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم من كتاب و حكمة، و الإضمار باب واسع في القرآن، و من العلماء من التزم في هذه الآية إضماراً آخر و أراح نفسه عن تلك التكلفات التي حكيناها عن النحويين فقال تقدير الآية: و إذ أخذ اللّه ميثاق النبيّين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب و حكمة، قال إلا أنه حذف لتبلغن لدلالة الكلام عليه لأن لام القسم إنما يقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل لا جرم حذفه اختصاراً ثم قال تعالى بعده ثُمَّ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَكُمْ و هو محمد صلى اللّه عليه و سلم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ و على هذا التقدير يستقيم النظم و لا يحتاج إلى تكليف تلك التعسفات، و إذا كان لا بد من التزام الإضمار فهذا الإضمار الذي به ينتظم الكلام نظماً بيناً جلياً أولى من تلك التكلفات.

المسألة الرابعة: في قوله لَمََا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتََابٍ إشكال، و هو أن هذا الخطاب إما أن يكون مع الأنبياء أو مع الأمم، فإن كان مع الأنبياء فجميع الأنبياء ما أوتوا الكتاب، و إنما أوتي بعضهم و إن كان مع الأمم، فالإشكال أظهر، و الجواب عنه من وجهين الأول: أن جميع الأنبياء عليهم السلام أوتوا الكتاب، بمعنى كونه مهتدياً به داعياً إلى العمل به، و إن لم ينزل عليه و الثاني: أن أشرف الأنبياء عليهم السلام هم الذين أوتوا الكتاب، فوصف الكل بوصف أشرف الأنواع.

المسألة الخامسة: الكتاب هو المنزل المقروء و الحكمة هي الوحي الوارد بالتكاليف المفصلة التي لم يشتمل الكتاب عليها.

المسألة السادسة: كلمة (من) في قوله مِنْ كِتََابٍ دخلت تبييناً لما كقولك: ما عندي من الورق دانقان.

أما قوله تعالى: ثُمَّ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَكُمْ ففيه سؤالات:

السؤال الأول: ما وجه قوله ثُمَّ جََاءَكُمْ و الرسول لا يجي‏ء إلى النبيّين و إنما يجي‏ء إلى الأمم؟.

و الجواب: إن حملنا قوله وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلنَّبِيِّينَ على أخذ ميثاق أممهم فقد زال السؤال و إن حملناه على أخذ ميثاق النبيّين أنفسهم كان قوله ثُمَّ جََاءَكُمْ أي جاء في زمانكم.

السؤال الثاني: كيف يكون محمد صلى اللّه عليه و سلم مصدقاً لما معهم مع مخالفة شرعه لشرعهم، قلنا: المراد به حصول الموافقة في التوحيد، و النبوات، و أصول الشرائع، فأما تفاصيلها و إن وقع الخلاف فيها؛ فذلك في الحقيقة ليس بخلاف، لأن جميع الأنبياء عليهم السلام متفقون على أن الحق في زمان موسى عليه السلام ليس إلا شرعه و أن الحق في زمان محمد صلى اللّه عليه و سلم ليس إلا شرعه، فهذا و إن كان يوهم الخلاف، إلا أنه في الحقيقة وفاق، و أيضاً فالمراد من قوله ثُمَّ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَكُمْ هو محمد صلى اللّه عليه و سلم، و المراد بكونه مصدقاً لما معهم هو أن وصفه و كيفية أحواله مذكورة في التوراة و الإنجيل، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكوراً في تلك الكتب، كان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم، فهذا هو المراد بكونه مصدقاً لما معهم.

السؤال الثالث: حاصل الكلام أن اللّه تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمنوا بكل رسول يجي‏ء مصدقاً لما معهم فما معنى ذلك الميثاق.

278

و الجواب: يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر اللّه واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه فإذا أخبرهم بعد ذلك أن اللّه أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه، فتقدير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من أخذ الميثاق، و يحتمل أن يكون المراد من أخذ الميثاق أنه تعالى شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية المتقدمة وجب الانقياد له، فقوله تعالى: ثُمَّ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَكُمْ يدل على هذين الوجهين، أما على الوجه الأول، فقوله رَسُولٌ و أما على الوجه الثاني، فقوله مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَكُمْ .

أما قوله لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ فالمعنى ظاهر، و ذلك لأنه تعالى أوجب الإيمان به أولاً، ثم/الاشتغال بنصرته ثانياً، و اللام في لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ لام القسم، كأنه قيل: و اللّه لتؤمنن به.

ثم قال تعالى: قََالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ََ ذََلِكُمْ إِصْرِي و فيه مسائل:

المسألة الأولى: إن فسرنا قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلنَّبِيِّينَ بأنه تعالى أخذ المواثيق على الأنبياء كان قوله تعالى أَ أَقْرَرْتُمْ معناه: قال اللّه تعالى للنبيّين أ أقررتم بالإيمان به و النصرة له و إن فسرنا أخذ الميثاق بأن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام أخذوا المواثيق على الأمم كان معنى قوله قََالَ أَ أَقْرَرْتُمْ أي قال كل نبي لأمته أ أقررتم، و ذلك لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه، و إن كان النبيون أخذوه على الأمم، فكذلك طلب هذا الإقرار أضافه إلى نفسه و إن وقع من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و المقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى و تأكيده، فلم يقتصروا على أخذ الميثاق على الأمم، بل طالبوهم بالإقرار بالقول، و أكدوا ذلك بالإشهاد.

المسألة الثانية: الإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشي‏ء يقر، إذا ثبت و لزم مكانه و أقره غيره و المقر بالشي‏ء يقره على نفسه أي يثبته.

أما قوله تعالى: وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ََ ذََلِكُمْ إِصْرِي أي قبلتم عهدي، و الأخذ بمعنى القبول كثير في الكلام قال تعالى: وَ لاََ يُؤْخَذُ مِنْهََا عَدْلٌ [البقرة: 48]أي يقبل منها فدية و قال: وَ يَأْخُذُ اَلصَّدَقََاتِ [التوبة: 104]أي يقبلها و الإصر هو الذي يلحق الإنسان لأجل ما يلزمه من عمل قال تعالى: وَ لاََ تَحْمِلْ عَلَيْنََا إِصْراً [البقرة: 286]فسمى العهد إصراً لهذا المعنى، قال صاحب «الكشاف» : سمى العهد إصراً لأنه مما يؤصر أي يشد و يعقد، و منه الإصار الذي يعقد به و قرئ إِصْرِي و يجوز أن يكون لغة في إصر.

ثم قال تعالى: قََالُوا أَقْرَرْنََا قََالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ اَلشََّاهِدِينَ و في تفسير قوله فَاشْهَدُوا وجوه الأول: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، و أنا على إقراركم و إشهاد بعضكم بعضاً مِنَ اَلشََّاهِدِينَ و هذا توكيد عليهم و تحذير من الرجوع إذا علموا شهادة اللّه و شهادة بعضهم على بعض الثاني: أن قوله فَاشْهَدُوا خطاب للملائكة الثالث: أن قوله فَاشْهَدُوا أي ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه و نظيره قوله وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ شَهِدْنََا [الأعراف: 172]على أنفسنا و هذا من باب المبالغة الرابع: فَاشْهَدُوا أي بينوا هذا الميثاق للخاص و العام، لكي لا يبقى لأحد عذر في الجهل به، و أصله أن‏

279

الشاهد هو الذي يبين صدق الدعوى الخامس: فَاشْهَدُوا أي فاستيقنوا ما قررته عليكم من هذا الميثاق، و كونوا فيه كالمشاهد للشي‏ء المعاين له السادس: إذا قلنا إن أخذ الميثاق كان من الأمم فقوله فَاشْهَدُوا خطاب للأنبياء عليهم السلام بأن يكونوا شاهدين عليهم.

و أما قوله تعالى: وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ اَلشََّاهِدِينَ فهو للتأكيد و تقوية الإلزام، و فيه فائدة أخرى و هي أنه تعالى و إن أشهد غيره، فليس محتاجاً إلى ذلك الإشهاد، لأنه تعالى لا يخفي عليه خافية لكن/لضرب من المصلحة لأنه سبحانه و تعالى يعلم السر و أخفى، }ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيداً آخر فقال: فَمَنْ تَوَلََّى بَعْدَ ذََلِكَ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ يعني من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول و بنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الفاسقين و وعيد الفاسق معلوم، و قوله فَمَنْ تَوَلََّى بَعْدَ ذََلِكَ هذا شرط، و الفعل الماضي ينقلب مستقبلاً في الشرط و الجزاء، و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أن الإيمان بمحمد عليه الصلاة و السلام شرع شرعه اللّه و أوجبه على جميع من مضى من الأنبياء و الأمم، لزم أن كل من كره ذلك فإنه يكون طالباً ديناً غير دين اللّه، فلهذا قال بعده أَ فَغَيْرَ دِينِ اَللََّهِ يَبْغُونَ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حفص عن عاصم يَبْغُونَ و يُرْجَعُونَ بالياء المنقطة من تحتها، لوجهين أحدهما:

رداً لهذا إلى قوله‏ وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْفََاسِقُونَ [آل عمران: 82]و الثاني: أنه تعالى إنما ذكر حكاية أخذ الميثاق حتى يبين أن اليهود و النصارى يلزمهم الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه و سلم، فلما أصروا على كفرهم قال على جهة الاستنكار أَ فَغَيْرَ دِينِ اَللََّهِ يَبْغُونَ و قرأ أبو عمرو تبغون بالتاء خطابا لليهود و غيرهم من الكافر و يُرْجَعُونَ بالياء ليرجع إلى جميع المكلفين المذكورين في قوله وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و قرأ الباقون فيهما بالتاء على الخطاب، لأن ما قبله خطاب كقوله أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ [آل عمران: 81]و أيضاً فلا يبعد أن يقال للمسلم و الكفار و لكل أحد:

أ فغير دين اللّه تبغون مع علمكم بأنه أسلم له من في السموات و الأرض، و أن مرجعكم إليه و هو كقوله‏ وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ آيََاتُ اَللََّهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران: 101].

المسألة الثانية: الهمزة للاستفهام و المراد استنكار أن يفعلوا ذلك أو تقرير أنهم يفعلونه، و موضع الهمزة هو لفظة يَبْغُونَ تقديره: أ يبغون غير دين اللّه؟لأن الاستفهام إنما يكون عن الأفعال و الحوادث، إلا أنه تعالى قدم المفعول الذي هو فَغَيْرَ دِينِ اَللََّهِ على فعله، لأنه أهم من حيث أن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود الباطل و أما الفاء فلعطف جملة على جملة و فيه وجهان أحدهما: التقدير: فأولئك هم الفاسقون، فغير دين اللّه يبغون.

و اعلم أنه لو قيل أو غير دين اللّه يبغون جاز إلا أن في الفاء فائدة زائدة كأنه قيل: أ فبعد أخذ هذا الميثاق المؤكد بهذه التأكيدات البليغة تبغون؟.

المسألة الثالثة:

روي أن فريقين من أهل الكتاب اختصموا إلى الرسول صلى اللّه عليه و سلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم‏

280

عليه السلام، و كل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به، فقال عليه الصلاة و السلام: كلا الفريقين برى‏ء من دين إبراهيم عليه السلام، فقالوا: ما نرضى بقضائك و لا نأخذ بدينك فنزلت هذه الآية،

و يبعد عندي حمل هذه الآية على هذا السبب لأن على هذا التقدير تكون هذه الآية منقطعة عما قبلها، و الاستفهام على سبيل الإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها، فالوجه في الآية أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كتبهم و هم كانوا عارفين بذلك فقد كانوا عالمين بصدق محمد صلى اللّه عليه و سلم في النبوّة فلم يبق لكفرهم سبب إلا مجرد العداوة و الحسد فصاروا كإبليس الذي دعاه الحسد إلى الكفر، فأعلمهم اللّه تعالى أنهم متى كانوا طالبين ديناً غير دين اللّه، و معبودا سوى اللّه سبحانه، ثم بيّن أن التمرد على اللّه تعالى و الإعراض عن حكمه مما لا يليق بالعقلاء فقال: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً و إليه ترجعون و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: الإسلام، هو الاستسلام و الانقياد و الخضوع.

إذا عرفت هذا ففي خضوع كل من في السموات و الأرض للّه وجوه الأول: و هو الأصح عندي أن كل ما سوى اللّه سبحانه ممكن لذاته و كل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده و لا يعدم إلا بإعدامه فإذن كل ما سوى اللّه فهو منقاد خاضع لجلال اللّه في طرفي وجوده و عدمه، و هذا هو نهاية الانقياد و الخضوع، ثم إن في هذا الوجه لطيفة أخرى و هي أن قوله وَ لَهُ أَسْلَمَ يفيد الحصر أي و له أسلم كل من في السموات و الأرض لا لغيره، فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد و أن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوينه و لا يفنى إلا بإفنائه سواء كان عقلاً أو نفساً أو روحاً أو جسماً أو جوهراً أو عرضاً أو فاعلاً أو فعلاً، و نظير هذه الآية في الدلالة على هذا المعنى قوله تعالى: وَ لِلََّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [الرعد: 15]و قوله‏ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44].

الوجه الثاني: في تفسير هذه الآية أنه لا سبيل لأحد إلى الامتناع عليه في مراده، و إما أن ينزلوا عليه طوعاً أو كرهاً، فالمسلمون الصالحون ينقادون للّه طوعاً فيما يتعلق بالدين، و ينقادون له كرهاً فيما يخالف طباعهم من المرض و الفقر و الموت و أشباه ذلك، و أما الكافرون فهم ينقادون للّه تعالى على كل حال كرهاً لأنهم لا ينقادون فيما يتعلق بالدين، و في غير ذلك مستسلمون له سبحانه كرها، لأنه لا يمكنهم دفع قضائه و قدره الثالث: أسلم المسلمون طوعاً، و الكافرون عند موتهم كرها لقوله تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمََانُهُمْ لَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا [غافر: 85]الرابع: أن كل الخلق منقادون لإلهيته طوعا بدليل قوله تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اَللََّهُ* [لقمان: 25]و منقادون/لتكاليفه و إيجاده للآلام كرهاًالخامس: أن انقياد الكل إنما حصل وقت أخذ الميثاق و هو قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ [الأعراف: 172][السادس: ]قال الحسن: الطوع لأهل السموات خاصة، و أما أهل الأرض فبعضهم بالطوع و بعضهم بالكره، و أقول: إنه سبحانه ذكر في تخليق السموات و الأرض هذا و هو قوله‏ فَقََالَ لَهََا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ [فصلت: 11]و فيه أسرار عجيبة.

أما قوله و إليه ترجعون فالمراد أن من خالفه في العاجل فسيكون مرجعه إليه، و المراد إلى حيث لا يملك الضر و النفع سواه هذا وعيد عظيم لمن خالف الدين الحق.

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه اللّه: الطوع الانقياد، يقال: طاعة يطوعه طوعاً إذا انقاد له و خضع، و إذا مضى لأمره فقد أطاعه، و إذا وافقه فقد طاوعه، قال ابن السكيت: يقال طاع له و أطاع، فانتصب طوعاً و كرهاً على‏

281

أنه مصدر وقع موقع الحال، و تقديره طائعاً و كارهاً، كقولك أتاني راكضاً، و لا يجوز أن يقال: أتاني كلاماً أي متكلماً، لأن الكلام ليس يضرب للإتيان و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما ذكره في الآية المتقدمة أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدق لما معهم بيّن في هذه الآية أن من صفة محمد صلى اللّه عليه و سلم كونه مصدقاً لما معهم فقال: قُلْ آمَنََّا بِاللََّهِ إلى آخر الآية و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: و حد الضمير في قُلْ و جمع في آمَنََّا و فيه وجوه الأول: إنه تعالى حين خاطبه، إنما خاطبه بلفظ الوحدان، و علمه أنه حين يخاطب القوم يخاطبهم بلفظ الجمع على وجه التعظيم و التفخيم، مثل ما يتكلم الملوك و العظماء و الثاني: أنه خاطبه أولاً بخطاب الوجدان ليدل هذا الكلام على أنه لا مبلغ لهذا التكليف من اللّه إلى الخلق إلا هو، ثم قال: آمَنََّا تنبيهاً على أنه حين يقول هذا القول فإن أصحابه يوافقونه عليه الثالث: إنه تعالى عينه في هذا التكليف بقوله/ قُلْ ليظهر به كونه مصدقاً لما معهم ثم قال آمَنََّا تنبيهاً على أن هذا التكليف ليس من خواصه بل هو لازم لكل المؤمنين كما قال: وَ اَلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللََّهِ وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لاََ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: 285].

المسألة الثانية: قدم الإيمان باللّه على الإيمان بالأنبياء، لأن الإيمان باللّه أصل الإيمان بالنبوة، و في المرتبة الثانية ذكر الإيمان بما أنزل عليه، لأن كتب سائر الأنبياء حرفوها و بدلوها فلا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بما أنزل اللّه على محمد صلى اللّه عليه و سلم، فكان ما أنزل على محمد كالأصل لما أنزل على سائر الأنبياء فلهذا قدمه عليه، و في المرتبة الثالثة ذكر بعض الأنبياء و هم الأنبياء الذين يعترف أهل الكتاب بوجودهم، و يختلفون في نبوتهم وَ اَلْأَسْبََاطِ هم أسباط يعقوب عليه السلام الذين ذكر اللّه أممهم الاثنى عشر في سورة الأعراف، و إنما أوجب اللّه تعالى الإقرار بنبوّة كل الأنبياء عليهم السلام لفوائد إحداها: إثبات كونه عليه السلام مصدقاً لجميع الأنبياء، لأن هذا الشرط كان معتبراً في أخذ الميثاق و ثانيها: التنبيه على أن مذاهب أهل الكتاب متناقضة، و ذلك لأنهم إنما يصدقون النبي الذي يصدقونه لمكان ظهور المعجزة عليه، و هذا يقتضي أن كل من ظهرت المعجزة عليه كان نبياً، و على هذا يكون تخصيص البعض بالتصديق و البعض بالتكذيب متناقضاً، بل الحق تصديق الكل و الاعتراف بنبوّة الكل و ثالثها: إنه قال قبل هذه الآية أَ فَغَيْرَ دِينِ اَللََّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [آل عمران: 83]و هذا تنبيه على أن إصرارهم على تكذيب بعض الأنبياء إعراض عن دين اللّه و منازعة مع اللّه، فههنا أظهر الإيمان بنبوّة جميع الأنبياء، ليزول عنه و عن أمته ما وصف أهل الكتاب به من منازعة اللّه في الحكم و التكليف و رابعها: أن في الآية الأولى ذكر أنه أخذ الميثاق على جميع النبيّين، أن يؤمنوا بكل من أتى بعدهم من الرسل، و هاهنا أخذ الميثاق على محمد صلى اللّه عليه و سلم بأن يؤمن بكل من أتى قبله من الرسل، و لم يأخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده من الرسل، فكانت هذه الآية دالة من هذا الوجه على أنه لا نبي بعده ألبتة، فإن قيل: لم عدّى أُنْزِلَ في هذه الآية بحرف الاستعلاء، و فيما تقدم من مثلها بحرف الانتهاء؟قلنا: لوجود المعنيين جميعاً، لأن الوحي ينزل من فوق و ينتهي إلى الرسل، فجاء تارة بأحد

282

المعنيين و أخرى بالآخر، و قيل أيضاً إنما قيل عَلَيْنََا في حق الرسول، لأن الوحي ينزل عليه و إلينا في حق الأمة لأن الوحي يأتيهم من الرسول على وجه الانتهاء و هذا تعسف، ألا ترى إلى قوله‏ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ* [البقرة: 4] و أنزل إليك الكتاب و إلى قوله‏ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران: 72].

المسألة الثالثة: اختلف العلماء في أن الإيمان بهؤلاء الأنبياء الذين تقدموا و نسخت شرائعهم كيف يكون؟ و حقيقة الخلاف، أن شرعه لما صار منسوخاً، فهل تصير نبوته/منسوخة؟فمن قال إنها تصير منسوخة قال: نؤمن أنهم كانوا أنبياء و رسلاً، و لا نؤمن بأنهم الآن أنبياء و رسل، و من قال إن نسخ الشريعة لا يقتضي نسخ النبوّة قال:

نؤمن أنهم أنبياء و رسل في الحال فتنبه لهذا الموضع.

المسألة الرابعة: قوله لاََ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فيه وجوه الأول: قال الأصم: التفرق قد يكون بتفضيل البعض على البعض، و قد يكون لأجل القول بأنهم ما كانوا على سبيل واحد في الطاعة للّه و المراد من هذا الوجه يعني: نقر بأنهم كانوا بأسرهم على دين واحد في الدعوة إلى اللّه و في الانقياد لتكاليف اللّه الثاني: قال بعضهم المراد لاََ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بأن نؤمن ببعض دون بعض كما تفرقت اليهود و النصارى الثالث: قال أبو مسلم لاََ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أي لا نفرق ما أجمعوا عليه، و هو كقوله‏ وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً وَ لاََ تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103]و ذم قوماً وصفهم بالتفرق فقال: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ مََا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: 94].

أما قوله وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ففيه وجوه الأول: إن إقرارنا بنبوّة هؤلاء الأنبياء إنما كان لأجل كوننا منقادين للّه تعالى مستسلمين لحكمه و أمره، و فيه تنبيه على أن حاله على خلاف الذين خاطبهم اللّه بقوله أَ فَغَيْرَ دِينِ اَللََّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و الثاني: قال أبو مسلم وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أي مستسلمون لأمر اللّه بالرضا و ترك المخالفة و تلك صفة المؤمنين باللّه و هم أهل السلم و الكافرون يوصفون بالمحاربة للّه كما قال: إِنَّمََا جَزََاءُ اَلَّذِينَ يُحََارِبُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ [المائدة: 33]الثالث: أن قوله وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ يفيد الحصر و التقدير: له أسلمنا لا لغرض آخر من سمعة و رياء و طلب مال، و هذا تنبيه على أن حالهم بالضد من ذلك فإنهم لا يفعلون و لا يقولون إلا للسمعة و الرياء و طلب الأموال و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 84]أتبعه بأن بيّن في هذه الآية أن الدين ليس إلا الإسلام، و أن كل دين سوى الإسلام فإنه غير مقبول عند اللّه، لأن القبول للعمل هو أن يرضى اللّه ذلك العمل، و يرضى عن فاعله و يثيبه عليه، و لذلك قال تعالى: إِنَّمََا يَتَقَبَّلُ اَللََّهُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ [المائدة: 27]ثم بيّن تعالى أن كل من له دين سوى الإسلام فكما أنه لا يكون مقبولا عند اللّه، فكذلك يكون من الخاسرين، و الخسران في الآخرة يكون بحرمان الثواب، و حصول العقاب، /و يدخل فيه ما يلحقه من التأسف و التحسر على ما فاته في الدنيا من العمل الصالح و على ما تحمله من التعب و المشقة في الدنيا في تقريره ذلك الدين الباطل و اعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان الإيمان غير الإسلام رجب أن لا يكون الإيمان مقبولاً لقوله تعالى: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاََمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ إلا أن ظاهر قوله تعالى: قََالَتِ اَلْأَعْرََابُ آمَنََّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لََكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنََا [الحجرات: 14]يقتضي كون الإسلام مغايراً للإيمان و وجه التوفيق بينهما أن

283

تحمل الآية الأولى على العرف الشرعي، و الآية الثانية على الوضع اللغوي.

اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإسلام و الإيمان بقوله وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاََمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي اَلْآخِرَةِ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ [آل عمران: 85]أكد ذلك التعظيم بأن بيّن وعيد من ترك الإسلام، فقال: كَيْفَ يَهْدِي اَللََّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمََانِهِمْ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في سبب النزول أقوال الأول: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: نزلت هذه الآية في عشرة رهط كانوا آمنوا ثم ارتدوا و لحقوا بمكة ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون فأنزل اللّه تعالى فيهم هذه الآية، و كان فيهم من تاب فاستثنى التائب منهم بقوله إِلاَّ اَلَّذِينَ تََابُوا الثاني: نقل أيضاً عن ابن عباس أنه قال: نزلت في يهود قريظة و النضير و من دان بدينهم كفروا/بالنبي صلى اللّه عليه و سلم بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه، و كانوا يشهدون له بالنبوّة، فلما بعث و جاءهم بالبينات و المعجزات كفروا بغياً و حسداً و الثالث: نزلت في الحرث بن سويد و هو رجل من الأنصار حين ندم على ردته فأرسل إلى قوله أن اسألوا لي هل لي من توبة؟فأرسل إليه أخوه بالآية، فأقبل إلى المدينة و تاب على يد الرسول صلى اللّه عليه و سلم و قبل الرسول صلى اللّه عليه و سلم توبته، قال القفال رحمه اللّه: للناس في هذه الآية قولان: منهم من قال إن قوله تعالى: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاََمِ دِيناً [آل عمران: 85]و ما بعده من قوله كَيْفَ يَهْدِي اَللََّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمََانِهِمْ إلى قوله وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلضََّالُّونَ [آل عمران: 86-90]نزل جميع ذلك في قصة واحدة، و منهم من جعل ابتداء القصة من قوله إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ مََاتُوا وَ هُمْ كُفََّارٌ [آل عمران: 90]ثم على التقديرين ففيها أيضاً قولان أحدهما: أنها في أهل الكتاب و الثاني: أنها في قوم مرتدين عن الإسلام آمنوا ثم ارتدوا على ما شرحناه.

المسألة الثانية: اختلف العقلاء في تفسير قوله كَيْفَ يَهْدِي اَللََّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمََانِهِمْ أما المعتزلة فقالوا: إن أصولنا تشهد بأنه تعالى هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف، و وضع الدلائل و فعل الألطاف، إذ لو يعم الكل بهذه الأشياء لصار الكافر و الضال معذوراً، ثم إنه تعالى حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار، فلا بد من تفسير هذه الهداية بشي‏ء آخر سوى نصب الدلائل، ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول: المراد من هذه الآية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثوابا لهم على إيمانهم كما قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا فِينََا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنََا [العنكبوت: 69]و قال تعالى: وَ يَزِيدُ اَللََّهُ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا هُدىً [مريم: 76]و قال تعالى:

وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً [محمد: 17]و قال: يَهْدِي بِهِ اَللََّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوََانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاََمِ [المائدة: 16] فدلت هذه الآيات على أن المهتدي قد يزيده اللّه هدى الثاني: أن المراد أن اللّه تعالى لا يهديهم إلى الجنة قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ ظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اَللََّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لاََ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً*`إِلاََّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ [النساء: 168،

284

169]و قال: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمََانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ اَلْأَنْهََارُ [يونس: 9]و الثالث: أنه لا يمكن أن يكون المراد من الهداية خلق المعرفة فيه لأن على هذا التقدير يلزم أن يكون أيضاً من اللّه تعالى لأنه تعالى إذا خلق المعرفة كان مؤمناً مهتدياً، و إذا لم يخلقها كان كافراً ضالاً، و لو كان الكفر من اللّه تعالى لم يصح أن يذمهم اللّه على الكفر و لم يصح أن يضاف الكفر إليهم، لكن الآية ناطقة بكونهم مذمومين بسبب الكفر و كونهم فاعلين للكفر فإنه تعالى قال: كَيْفَ يَهْدِي اَللََّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمََانِهِمْ فضاف الكفر إليهم و ذمهم على ذلك الكفر فهذا جملة أقوالهم في هذه الآية، و أما أهل السنة فقالوا: المراد من الهداية خلق المعرفة، قالوا: و قد جرت سنة اللّه في دار التكليف أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فإن اللّه تعالى يخلقه عقيب قصد العبد، فكأنه تعالى قال: كيف يخلق اللّه فيهم المعرفة و هم قصدوا تحصيل الكفر أو أرادوه و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: قوله وَ شَهِدُوا فيه قولان:

الأول: أنه عطف و التقدير بعد أن آمنوا و بعد أن شهدوا أن الرسول حق، لأن عطف الفعل على الاسم لا يجوز فهو في الظاهر و إن اقتضى عطف الفعل على الإسم لكنه في المعنى عطف الفعل على الفعل الثاني: أن الواو للحال بإضمار (قد) و التقدير: كيف يهدي اللّه قوماً كفروا بعد إيمانهم حال ما شهدوا أن الرسول حق.

المسألة الرابعة: تقدير الآية: كيف يهدي اللّه قوما كفروا بعد إيمانهم، و بعد الشهادة بأن الرسول حق، و قد جاءتهم البينات، فعطف الشهادة بأن الرسول حق، على الإيمان، و المعطوف مغاير للمعطوف عليه، فيلزم أن الشهادة بأن الرسول حق مغاير للإيمان و جوابه: إن مذهبنا أن الإيمان هو التصديق بالقلب، و الشهادة هو الإقرار باللسان، و هما متغايران فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على أن الإيمان مغاير للإقرار باللسان و أنه معنى قائم بالقلب.

المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى استعظم كفر القوم من حيث أنه حصل بعد خصال ثلاث أحدها: بعد الإيمان و ثانيها: بعد شهادة كون الرسول حقاً و ثالثها: بعد مجي‏ء البينات، و إذا كان الأمر كذلك كان ذلك الكفر صلاحاً بعد البصيرة و بعد إظهار الشهادة، فيكون الكفر بعد هذه الأشياء أقبح لأن مثل هذا الكفر يكون كالمعاندة و الجحود، و هذا يدل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل.

أما قوله تعالى: وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ ففيه سؤالان:

السؤال الأول: قال في أول الآية كَيْفَ يَهْدِي اَللََّهُ قَوْماً و قال في آخرها وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ و هذا تكرار.

و الجواب: أن قوله كَيْفَ يَهْدِي اَللََّهُ مختص بالمرتدين، ثم إنه تعالى عمم ذلك الحكم في المرتد و في الكافر الأصلى فقال: وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ السؤال الثاني: لم سمي الكافر ظالماً؟.

الجواب: قال تعالى: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]و السبب فيه أن الكافر أورد نفسه موارد البلاء و العقاب بسبب ذلك الكفر، فكان ظالماً لنفسه.

ثم قال تعالى: أُولََئِكَ جَزََاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اَللََّهِ وَ اَلْمَلاََئِكَةِ وَ اَلنََّاسِ أَجْمَعِينَ‏`خََالِدِينَ فِيهََا و المعنى أنه‏