التفسير الكبير - ج8

- الفخر الرازي‏ المزيد...
358 /
285

تعالى حكم بأن الذين كفروا بعد إيمانهم يمنعهم اللّه تعالى من هدايته، ثم بيّن أن الأمر غير مقصور عليه، بل كما لا يهديهم في الدنيا يلعنهم اللعن العظيم و يعذبهم في الآخرة، على سبيل التأبيد و الخلود.

و اعلم أن لعنة اللّه، مخالفة للعنة الملائكة، لأن لعنته بالإبعاد من الجنة و إنزال العقوبة و العذاب و اللعنة من الملائكة هي بالقول، و كذلك من الناس، و كل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم و كفرهم/فصح أن يكون جزاء لذلك و هاهنا سؤالان:

السؤال الأول: لم عم جميع الناس و من يوافقه لا يلعنه؟.

قلنا: فيه وجوه الأول: قال أبو مسلم له أن يلعنه و إن كان لا يلعنه الثاني: أنه في الآخرة يلعن بعضهم بعضاً قال تعالى: كُلَّمََا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهََا [الأعراف: 38]و قال: ثُمَّ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [العنكبوت: 25]و على هذا التقدير فقد حصل اللعن للكفار من الكفار و الثالث: كأن الناس هم المؤمنون، و الكفار ليسوا من الناس، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال: أَجْمَعِينَ الرابع: و هو الأصح عندي أن جميع الخلق يلعنون المبطل و الكافر، و لكنه يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل و لا بكافر، فإذا لعن الكافر و كان هو في علم اللّه كافرا، فقد لعن نفسه و إن كان لا يعلم ذلك.

السؤال الثاني: قوله خََالِدِينَ فِيهََا أي خالدين في اللعنة، فما خلود اللعنة؟.

قلنا: فيه وجهان الأول: أن التخليد في اللعنة على معنى أنهم يوم القيامة لا يزال يلعنهم الملائكة و المؤمنون و من معهم في النار فلا يخلو شي‏ء من أحوالهم، من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء الثاني: أن المراد بخلود اللعن خلود أثر اللعن، لأن اللعن يوجب العقاب، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن، و نظيره قوله تعالى: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وِزْراً*`خََالِدِينَ فِيهِ [طه: 100، 101]الثالث: قال ابن عباس قوله خََالِدِينَ فِيهََا أي في جهنم فعلى هذا الكناية عن غير مذكور، و اعلم أن قوله خََالِدِينَ فِيهََا نصب على الحال مما قبله، و هو قوله تعالى: عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اَللََّهِ .

ثم قال: لاََ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ اَلْعَذََابُ وَ لاََ هُمْ يُنْظَرُونَ معنى الانظار التأخير قال تعالى: فَنَظِرَةٌ إِلى‏ََ مَيْسَرَةٍ [البقرة: 280]فالمعنى أنه لا يجعل عذابهم أخف و لا يؤخر العقاب من وقت إلى وقت و هذا تحقيق قول المتكلمين: إن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة، نعوذ منه باللّه.

ثم قال: إِلاَّ اَلَّذِينَ تََابُوا مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ و المعنى إلا الذين تابوا منه، ثم بيّن أن التوبة وحدها لا تكفي حتى ينضاف إليها العمل الصالح فقال: وَ أَصْلَحُوا أي أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات و ظاهرهم مع الخلق بالعبادات، و ذلك بأن يلعنوا بأنا كنا على الباطل حتى أنه لو اغتر بطريقتهم الفاسدة مغتر رجع عنها.

ثم قال: فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ و فيه وجهان الأول: غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر، رحيم في الآخرة بالعفو الثاني: غفور بإزالة العقاب، رحيم بإعطاء الثواب، و نظيره قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مََا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38]و دخلت الفاء في قوله فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لأنه الجزاء، و تقدير الكلام: إن تابوا فإن اللّه يغفر لهم.

و في الآية مسألتان:

286

المسألة الأولى: اختلفوا فيما به يزداد الكفر، و الضابط أن المرتد يكون فاعلاً للزيادة بأن يقيم و يصر فيكون الإصرار كالزيادة، و قد يكون فاعلاً للزيادة بأن يضم إلى ذلك الكفر كفراً آخر، و على هذا التقدير الثاني ذكروا فيه وجوهاً الأول: أن أهل الكتاب كانوا مؤمنين بمحمد عليه الصلاة و السلام قبل مبعثه، ثم كفروا به عند المبعث، ثم ازدادوا كفراً بسبب طعنهم فيه في كل وقت، و نقضهم ميثاقه، و فتنتهم للمؤمنين، و إنكارهم لكل معجزة تظهر الثاني: أن اليهود كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام، ثم كفروا بسبب إنكارهم عيسى و الإنجيل، ثم ازدادوا كفراً، بسبب إنكارهم محمداً عليه الصلاة و السلام و القرآن و الثالث: أن الآية نزلت في الذين ارتدوا و ذهبوا إلى مكة، و ازديادهم الكفر أنهم قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد صلى اللّه عليه و سلم ريب المنون الرابع: المراد فرقة ارتدوا، ثم عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل النفاق، فسمى اللّه تعالى ذلك النفاق كفرا.

المسألة الثانية: أنه تعالى حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين، و حكم في هذه الآية بعدم قبولها و هو يوهم التناقض، و أيضا ثبت بالدليل أنه متى وجدت التوبة بشروطها فإنها تكون مقبولة لا محالة، فلهذا اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ على وجوه؛ الأول: قال الحسن و قتادة و عطاء: السبب أنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت و اللّه تعالى يقول: وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ حَتََّى إِذََا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قََالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ [النساء: 18]الثاني: أن يحمل هذا على ما إذا تابوا باللسان و لم يحصل في قلوبهم إخلاص الثالث: قال القاضي و القفال و ابن الأنباري: أنه تعالى لما قدم ذكر من كفر بعد الإيمان، و بيّن أنه أهل اللعنة، إلا أن يتوب ذكر في هذه الآية أنه لو كفر مرة أخرى بعد تلك التوبة فإن التوبة الأولى تصير غير مقبولة و تصير كأنها لم تكن، قال و هذا الوجه أليق بالآية من سائر الوجوه لأن التقدير: إلا الذين تابوا و أصلحوا فإن اللّه غفور رحيم، فإن كانوا كذلك ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم، الرابع: قال صاحب «الكشاف» : قوله لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ جعل كناية عن الموت على الكفر، لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر، كأنه قيل إن اليهود و المرتدين/الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم الخامس: لعلّ المراد ما إذا تابوا عن تلك الزيادة فقط فإن التوبة عن تلك الزيادة لا تصير مقبولة ما لم تحصل التوبة عن الأصل، و أقول: جملة هذه الجوابات إنما تتمشى على ما إذا حملنا قوله إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمََانِهِمْ ثُمَّ اِزْدََادُوا كُفْراً على المعهود السابق لا على الاستغراق و إلا فكم من مرتد تاب عن ارتداده توبة صحيحة مقرونة بالإخلاص في زمان التكليف، فأما الجواب الذي حكيناه عن القفال و القاضي فهو جواب مطرد سواء حملنا اللفظ على المعهود السابق أو على الاستغراق.

أما قوله وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلضََّالُّونَ ففيه سؤالان الأول: وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلضََّالُّونَ ينفي كون غيرهم ضالا، و ليس الأمر كذلك فإن كل كافر فهو ضال سواء كفر بعد الإيمان أو كان كافرا في الأصل و الجواب: هذا محمول على أنهم هم الضالون على سبيل الكمال.

السؤال الثاني: وصفهم أولا بالتمادي على الكفر و الغلو فيه و الكفر أقبح أنواع الضلال و الوصف إنما يراد للمبالغة، و المبالغة إنما تحصل بوصف الشي‏ء بما هو أقوى حالا منه لا بما هو أضعف حالا منه و الجواب: قد ذكرنا أن المراد أنهم هم الضالون على سبيل الكمال، و على هذا التقدير تحصل المبالغة.

287

اعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام أحدها: الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة و هو الذي ذكره اللّه تعالى في قوله إِلاَّ اَلَّذِينَ تََابُوا (مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ) وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: 89]و ثانيهما: الذي يتوب عن ذلك الكفر توبة فاسدة و هو الذي ذكره اللّه في الآية المتقدمة و قال: إنه لن تقبل توبته و ثالثهما: الذي يموت على الكفر من غير توبة ألبتة و هو المذكور في هذه الآية، ثم إنه تعالى أخبر عن هؤلاء بثلاثة أنواع.

النوع الأول: قوله فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‏ءُ اَلْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ اِفْتَدى‏ََ بِهِ قال الواحدي مل‏ء الشي‏ء قدر ما يملؤه و انتصب ذَهَباً على التفسير، و معنى التفسير: أن يكون الكلام تاما إلا أن يكون مبهما كقوله: عندي عشرون، فالعدد معلوم، و المعدود مبهم، فإذا قلت: درهما فسرت/العدد، و كذلك إذا قلت: هو أحسن الناس فقد أخبرت عن حسنه، و لم تبين في ماذا، فإذا قلت وجها أو فعلا فقد بينته و نصبته على التفسير و إنما نصبته لأنه ليس له ما يخفضه و لا ما يرفعه فلما خلا من هذين نصب لأن النصب أخف الحركات فيجعل كأنه لا عامل فيه قال صاحب «الكشاف» و قرأ الأعمش ذهب بالرفع ردا على مل‏ء كما يقال: عندي عشرون نفسا رجال.

و هاهنا ثلاثة أسئلة:

السؤال الأول: لم قيل في الآية المتقدمة لَنْ تُقْبَلَ بغير فاء و في هذه الآية فَلَنْ يُقْبَلَ بالفاء؟.

الجواب: أن دخول الفاء يدل على أن الكلام مبني على الشرط و الجزاء، و عند عدم الفاء لم يفهم من الكلام كونه شرطا و جزاء، تقول: الذي جاءني له درهم، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجي‏ء، و إذا قلت:

الذي جاءني فله درهم، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجي‏ء فذكر الفاء في هذا الآية يدل على أن عدم قبول الفدية معلل بالموت على الكفر.

السؤال الثاني: ما فائدة الواو في قوله وَ لَوِ اِفْتَدى‏ََ بِهِ ؟.

الجواب: ذكروا فيه وجوها الأول: قال الزجاج: إنها للعطف، و التقدير: لو تقرب إلى اللّه بمل‏ء الأرض ذهبا لم ينفعه ذلك مع كفره، و لو افتدى من العذاب بمل‏ء الأرض ذهبا لم يقبل منه، و هذا اختيار ابن الأنباري قال: و هذا أوكد في التغليظ، لأنه تصريح بنفي القبول من جميع الوجوه الثاني: الواو دخلت لبيان التفصيل بعد الإجمال و ذلك لأن قوله فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‏ءُ اَلْأَرْضِ ذَهَباً يحتمل الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول بجهة الفدية الثالث: و هو وجه خطر ببالي، و هو أن من غضب على بعض عبيده، فإذا أتحفه ذلك العبد بتحفة و هدية لم يقبلها ألبتة إلا أنه قد يقبل منه الفدية، فأما إذا لم يقبل منه الفدية أيضا كان ذلك غاية الغضب، و المبالغة إنما تحصل بتلك المرتبة التي هي الغاية، فحكم تعالى بأنه لا يقبل منه الفدية أيضا كان ذلك غاية الغضب، و المبالغة إنما تحصل بتلك المرتبة التي هي الغاية، فحكم تعالى بأنه لا يقبل منهم مل‏ء الأرض ذهبا و لو كان واقعا على سبيل الفداء تنبيها على أنه لما لم يكن مقبولا بهذا الطريق، فبأن لا يكون مقبولا منه بسائر الطرق أولى.

السؤال الثالث: أن من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة نقيرا و لا قطميرا و معلوم أن بتقدير أن يملك الذهب فلا ينفع الذهب ألبتة في الدار الآخرة، فما فائدة قوله فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‏ءُ اَلْأَرْضِ ذَهَباً .

288

الجواب: فيه وجهان أحدهما: أنهم إذا ماتوا على الكفر فلو أنهم كانوا قد أنفقوا في الدنيا مل‏ء الأرض ذهبا لن يقبل اللّه تعالى ذلك منهم، لأن الطاعة مع الكفر لا تكون مقبولة و الثاني: أن الكلام وقع على سبيل الفرض، و التقدير: فالذهب كناية عن أعز الأشياء، و التقدير: لو أن/الكافر يوم القيامة قدر على أعز الأشياء ثم قدر على بذله في غاية الكثرة لعجز أن يتوسل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب اللّه، و بالجملة فالمقصود أنهم آيسون من تخليص النفس من العقاب.

النوع الثاني: من الوعيد المذكور في هذه الآية قوله لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ و اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الكافر لا يمكنه تخليص النفس من العذاب، أردفه بصفة ذلك العذاب، فقال: لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ أي مؤلم.

النوع الثالث: من الوعيد قوله وَ مََا لَهُمْ مِنْ نََاصِرِينَ و المعنى أنه تعالى لما بيّن أنه لا خلاص لهم عن هذا العذاب الأليم بسبب الفدية، بيّن أيضا أنه تعالى ختم تعديد و عيد الكفار بعدم النصرة و الشفاعة فلو حصل هذا المعنى في حق غير الكافر بطل تخصيص هذا الوعيد بالكفر، و اللّه أعلم.

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة علم المؤمنين كيفية الإنفاق الذي ينتفعون به في الآخرة، فقال: لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ و بيّن في هذه الآية أن من أنفق مما أحب كان من جملة الأبرار، ثم قال في آية أخرى‏ إِنَّ اَلْأَبْرََارَ لَفِي نَعِيمٍ [المطففين: 22]و قال أيضا: إِنَّ اَلْأَبْرََارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كََانَ مِزََاجُهََا كََافُوراً [الإنسان: 5]و قال أيضا: إِنَّ اَلْأَبْرََارَ لَفِي نَعِيمٍ*`عَلَى اَلْأَرََائِكِ يَنْظُرُونَ*`تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ اَلنَّعِيمِ*`يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ*`خِتََامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذََلِكَ فَلْيَتَنََافَسِ اَلْمُتَنََافِسُونَ [المطففين: 22، 26]و قال:

لَيْسَ اَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ [البقرة: 177]فاللّه تعالى لما فصل في سائر الآيات كيفية ثواب الأبرار اكتفي هاهنا بأن ذكر أن من أنفق ما أحب نال البر، و فيه لطيفة أخرى.

و هي أنه تعالى قال: لَيْسَ اَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ اَلْمَلاََئِكَةِ إلى آخر الآية، فذكر في هذه الآية أكثر أعمال الخير، و سماه البر ثم قال في هذه الآية لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ و المعنى أنكم و إن أتيتم بكل تلك الخيرات المذكورة في تلك الآية فإنكم لا تفوزون بفضيلة البر حتى تنفقوا مما تحبون، و هذا يدل على أن الإنسان إذا أنفق ما يحبه كان ذلك أفضل الطاعات، و هاهنا بحث و هو: أن لقائل أن يقول كلمة حَتََّى لانتهاء الغاية فقوله لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ يقتضي أن من أنفق مما أحب فقد نال البر و من نال البر دخل تحت الآيات الدالة على عظم الثواب للأبرار، فهذا يقتضي أن من/أنفق ما أحب وصل إلى الثواب العظيم و إن لم يأت بسائر الطاعات، و هو باطل، و جواب هذا الإشكال: أن الإنسان لا يمكنه أن ينفق محبوبه إلا إذا توسل بإنفاق ذلك المحبوب إلى وجدان محبوب أشرف من الأول، فعلى هذا الإنسان لا يمكنه أن ينفق الدنيا إلا إذا تيقن سعادة الآخرة، و لا يمكنه أن يعترف بسعادة الآخرة إلا إذا أقر بوجود الصانع العالم القادر، و أقر بأنه يجب عليه الانقياد لتكاليفه و أوامره و نواهيه، فإذا تأملت علمت أن الإنسان لا يمكنه إنفاق في الدنيا إلا إذا كان مستجمعا لجميع الخصال‏

289

المحمودة في الدنيا، و لنرجع إلى التفسير فنقول في الآية مسائل:

المسألة الأولى: كان السلف إذا أحبوا شيئا جعلوه للّه،

روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة: يا رسول اللّه لي حائط بالمدينة و هو أحب أموالي إليّ أ فأتصدق به؟فقال عليه السلام: «بخ بخ ذاك مال رابح، و إني أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول اللّه، فقسمها في أقاربه،

و

يروى أنه جعلها بين حسّان بن ثابت و أبي بن كعب رضي اللّه عنهما،

و

روي أن زيد بن حارثة رضي اللّه عنه جاء عند نزول هذه الآية بفرس له كان يحبه و جعله في سبيل اللّه، فحمل عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أسامة، فوجد زيد في نفسه فقال عليه السلام: إن اللّه قد قبلها

و اشترى ابن عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له: لم أعتقتها و لم تصب منها؟فقال: لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ .

المسألة الثانية: للمفسرين في تفسير البر قولان أحدهما: ما به يصيرون أبرارا حتى يدخلوا في قوله‏ إِنَّ اَلْأَبْرََارَ لَفِي نَعِيمٍ* فيكون المراد بالبر ما يحصل منهم من الأعمال المقبولة و الثاني: الثواب و الجنة فكأنه قال: لن تنالوا هذه المنزلة إلا بالإنفاق على هذا الوجه.

أما القائلون بالقول الأول، فمنهم من قال: اَلْبِرَّ هو التقوى و احتج بقوله‏ وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ إلى قوله‏ أُولََئِكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُتَّقُونَ [البقرة: 177]و قال أبو ذر: إن البر هو الخير، و هو قريب مما تقدم.

و أما الذين قالوا: البر هو الجنة فمنهم من قال: لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ أي لن تنالوا ثواب البر، و منهم من قال:

المراد بر اللّه أولياءه و إكرامه إياهم و تفضله عليهم، و هو من قول الناس: برني فلان بكذا، و بر فلان لا ينقطع عني، و قال تعالى: لاََ يَنْهََاكُمُ اَللََّهُ عَنِ اَلَّذِينَ لَمْ يُقََاتِلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ إلى قول: أَنْ تَبَرُّوهُمْ [الممتحنة: 8].

المسألة الثالثة: اختلف المفسرون في قوله مِمََّا تُحِبُّونَ منهم من قال: إنه نفس المال، قال تعالى: وَ إِنَّهُ لِحُبِّ اَلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: 8]و منهم من قال: أن تكون الهبة رفيعة جيدة، قال تعالى: وَ لاََ تَيَمَّمُوا اَلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [البقرة: 267]و منهم من قال: ما يكون محتاجا إليه قال تعالى: وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعََامَ عَلى‏ََ/حُبِّهِ مِسْكِيناً [الإنسان: 8]أحد تفاسير الحب في هذه الآية على حاجتهم إليه، و قال: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كََانَ بِهِمْ خَصََاصَةٌ [الحشر: 9]و

قال عليه السلام: «أفضل الصدقة ما تصدقت به و أنت صحيح شحيح تأمل العيش و تخشى الفقر»

و الأولى أن يقال: كل ذلك معتبر في باب الفضل و كثرة الثواب.

المسألة الرابعة: اختلف المفسرون في أن هذا الانفاق، هل هو الزكاة أو غيرها؟قال ابن عباس: أراد به الزكاة، يعني حتى تخرجوا زكاة أموالكم، و قال الحسن: كل شي‏ء أنفقه المسلم من ماله طلب به وجه اللّه فإنه من الذين عنى اللّه سبحانه بقوله لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ حتى التمرة، و القاضي اختار القول الأول، و احتج عليه بأن هذا الانفاق، وقف اللّه عليه كون المكلف من الأبرار، و الفوز بالجنة، بحيث لو لم يوجد هذا الانفاق، لم يصر العبد بهذه المنزلة، و ما ذاك إلا الانفاق الواجب، و أقول: لو خصصنا الآية بغير الزكاة لكان أولى لأن الآية مخصوصة بإيتاء الأحب، و الزكاة الواجبة ليس فيها إيتاء الأحب، فإنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله و أكرمها، بل الصحيح أن هذه الآية مخصوصة بإيتاء المال على سبيل الندب. ـ

290

المسألة الخامسة: نقل الواحدي عن مجاهد و الكلبي: أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة، و هذا في غاية البعد لأن إيجاب الزكاة كيف ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه اللّه سبحانه و تعالى.

المسألة السادسة: قال بعضهم كلمة (من) في قوله مِمََّا تُحِبُّونَ للتبعيض، و قرأ عبد اللّه حتى تنفقوا بعض ما تحبون و فيه إشارة إلى أن إنفاق الكل لا يجوز ثم قال: وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كََانَ بَيْنَ ذََلِكَ قَوََاماً [الفرقان: 67]و قال آخرون: إنها للتبيين.

و أما قوله: وَ مََا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْ‏ءٍ فَإِنَّ اَللََّهَ بِهِ عَلِيمٌ .

ففيه سؤال:

و هو أن يقال: قيل فإن اللّه به عليم على جهة جواب الشرط مع أن اللّه تعالى يعلمه على كل حال.

و الجواب: من وجهين الأول: أن فيه معنى الجزاء تقديره: و ما تنفقوا من شي‏ء فإن اللّه به يجازيكم قل أم كثر، لأنه عليم به لا يخفى عليه شي‏ء منه، فجعل كونه عالماً بذلك الإنفاق كناية عن إعطاء الثواب، و التعريض في مثل هذا الموضع يكون أبلغ من التصريح و الثاني: أنه تعالى يعلم الوجه الذي لأجله يفعلونه و يعلم أن الداعي إليه أهو الإخلاص أم الرياء و يعلم أنكم تنفقون الأحب الأجود، أم الأخس الأرذل.

و اعلم أن نظير هذه الآية قوله‏ وَ مََا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اَللََّهُ و قوله‏ وَ مََا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة: 270]قال صاحب «الكشاف» (من) في قوله مِنْ شَيْ‏ءٍ لتبيين ما ينفقونه أي من شي‏ء كان طيباً تحبونه أو خبيثاً تكرهونه فإن اللّه به عليم يجازيكم على قدره.

اعلم أن الآيات المتقدمة إلى هذه الآية كانت في تقرير الدلائل الدالة على نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم، و في توجيه الإلزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب.

و أما هذه الآية فهي في بيان الجواب عن شبهات القوم فإن ظاهر الآية يدل على أنه صلى اللّه عليه و سلم كان يدعي أن كل الطعام كان حلاً ثم صار البعض حراماً بعد أن كان حلاً و القوم نازعوه في ذلك و زعموا أن الذي هو الآن حرام كان حراماً أبداً.

و إذا عرفت هذا فنقول: الآية تحتمل وجوهاً الأول: أن اليهود كانوا يعولون في إنكار شرع محمد صلى اللّه عليه و سلم على إنكار النسخ، فأبطل اللّه عليهم ذلك بأن كُلُّ اَلطَّعََامِ كََانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرََائِيلَ إِلاََّ مََا حَرَّمَ إِسْرََائِيلُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ فذاك الذي حرمه على نفسه، كان حلالاً ثم صار حراماً عليه و على أولاده فقد حصل النسخ، فبطل قولكم: النسخ غير جائز، ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال أنكروا أن يكون حرمة ذلك الطعام الذي حرم اللّه بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه، بل زعموا أن ذلك كان حراماً من لدن زمان آدم عليه السلام إلى هذا الزمان، فعند هذا طلب الرسول عليه السلام منهم أن يحضروا التوراة فإن التوراة ناطقة بأن بعض أنواع الطعام إنما حرم بسبب أن إسرائيل‏

291

حرمه على نفسه، فخافوا من الفضيحة و امتنعوا من إحضار التوراة، فحصل عند ذلك أمور كثيرة تقوي دلائل نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم أحدها: أن هذا السؤال قد توجه عليهم في إنكار النسخ، و هو لازم لا محيص عنه و ثانيها: أنه ظهر للناس كذبهم و أنهم ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها تارة، و يمتنعون عن الإقرار بما هو فيها أخرى و ثالثها: أن الرسول صلى اللّه عليه و سلم كان رجلاً أمياً لا يقرأ و لا يكتب فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر السماء فهذا وجه حسن علمي في تفسير الآية و بيان النظم.

الوجه الثاني:

أن اليهود قالوا له: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم، فلو كان الأمر كذلك فكيف تأكل لحوم الإبل و ألبانها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم فجعلوا هذا الكلام شبهة طاعنة في صحة دعواه، فأجاب النبي صلى اللّه عليه و سلم عن هذه الشبهة بأن قال: ذلك كان حلاً لإبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب عليهم السلام، إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب و بقيت تلك الحرمة في أولاده فأنكر اليهود ذلك، فأمرهم الرسول عليه السلام بإحضار التوراة و طالبهم بأن يستخرجوا منها آية تدل على أن لحوم الإبل و ألبانها كانت محرمة على إبراهيم عليه السلام فعجزوا عن ذلك و افتضحوا فظهر عند هذا أنهم كانوا كاذبين في ادعاء حرمة هذه الأشياء على إبراهيم عليه السلام.

الوجه الثالث: أنه تعالى لما أنزل قوله‏ وَ عَلَى اَلَّذِينَ هََادُوا حَرَّمْنََا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَ مِنَ اَلْبَقَرِ وَ اَلْغَنَمِ حَرَّمْنََا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمََا إِلاََّ مََا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمََا أَوِ اَلْحَوََايََا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذََلِكَ جَزَيْنََاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَ إِنََّا لَصََادِقُونَ [الأنعام: 146]و قال أيضا: فَبِظُلْمٍ مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا حَرَّمْنََا عَلَيْهِمْ طَيِّبََاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: 160]فدلت هذه الآية على أنه تعالى إنما حرم على اليهود هذه الأشياء جزاءً لهم على بغيهم و ظلمهم و قبيح فعلهم و إنه لم يكن شي‏ء من الطعام حراماً غير الطعام الواحد الذي حرمه إسرائيل على نفسه، فشق ذلك على اليهود من وجهين أحدهما: أن ذلك يدل على أن تلك الأشياء حرمت بعد أنت كانت مباحة، و ذلك يقتضي وقوع النسخ و هم ينكرونه و الثاني: أن ذلك يدل على أنهم كانوا موصوفين بقبائح الأفعال، فلما حق عليهم ذلك من هذين الوجهين أنكروا كون حرمة هذه الأشياء متجددة، بل زعموا أنها كانت محرمة أبداً، فطالبهم النبي صلى اللّه عليه و سلم بآية من التوراة تدل على صحة قولهم فعجزوا عنه فافتضحوا، فهذا وجه الكلام في تفسير هذه الآية و كله حسن مستقيم، و لنرجع إلى تفسير الألفاظ.

أما قوله كُلُّ اَلطَّعََامِ كََانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرََائِيلَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» كُلُّ اَلطَّعََامِ أي كل المطعومات أو كل أنواع الطعام و أقول:

اختلف الناس في أن اللفظ المفرد المحلى بالألف و اللام هل يفيد العموم أم لا؟ ذهب قوم من الفقهاء و الأدباء إلى أنه يفيده، و احتجوا عليه بوجوه أحدها: أنه تعالى أدخل لفظ كُلُّ على لفظ الطعام في هذه الآية، و لو لا أن لفظ الطعام قائم مقام لفظ المطعومات و إلا لما جاز ذلك و ثانيها: أنه استثنى عنه ما حرم إسرائيل على نفسه و الاستثناء يخرج من الكلام/ما لولاه لدخل، فلولا دخول كل الأقسام تحت لفظ الطعام و إلا لم يصح هذا الاستثناء و أكدوا هذا بقوله تعالى: إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ`إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا [العصر: 2، 3] و ثالثها: أنه تعالى وصف هذا اللفظ المفرد بما يوصف به لفظ الجمع، فقال: وَ اَلنَّخْلَ بََاسِقََاتٍ لَهََا طَلْعٌ نَضِيدٌ* `رِزْقاً لِلْعِبََادِ [ق: 10، 11]فعلى هذا من ذهب إلى هذا المذهب لا يحتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب «الكشاف» ، أما من قال إن الاسم المفرد المحلى بالألف و اللام لا يفيد العموم، و هو الذي نظرناه في أصول الفقه‏

292

احتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب «الكشاف» .

المسألة الثانية: الطعام اسم لكل ما يطعم و يؤكل، و زعم بعض أصحاب أبي حنيفة رحمة اللّه عليه إنه اسم للبر خاصة، و هذه الآية دالة على ضعف هذا الوجه، لأنه استثنى من لفظ الطعام ما حرم إسرائيل على نفسه، و المفسرون اتفقوا على أن ذلك الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان شيئاً سوى الحنطة، و سوى ما يتخذ منها و مما يؤكد ذلك قوله تعالى في صفة الماء وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [البقرة: 249]و قال تعالى: وَ طَعََامُ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعََامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة: 5]و أراد الذبائح، و قالت عائشة رضي اللّه عنها: ما لنا طعام إلا الأسودان، و المراد التمر و الماء.

إذا عرفت هذا فنقول: ظاهر هذه الآية يدل على أن جميع المطعومات كان حلاً لبني إسرائيل ثم قال القفال:

لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام، و كذا القول في الخنزير، ثم قال فيحتمل أن يكون ذلك على الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت الرسول صلى اللّه عليه و سلم أنها كانت محرمة على إبراهيم، و على هذا التقدير لا تكون الألف و اللام في لفظ الطعام للاستغراق، بل للعهد السابق، و على هذا التقدير يزول الإشكال و مثله قوله تعالى: قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ََ طََاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [الأنعام: 145] فإنه إنما خرج هذا الكلام على أشياء سألوا عنها فعرفوا أن المحرم منها كذا و كذا دون غيره فكذا في هذه الآية.

المسألة الثالثة: الحل مصدر يقال: حل الشي‏ء حلاً كقولك: ذلت الدابة ذلاً و عز الرجل عزاً، و لذلك استوى في الوصف به المذكر و المؤنث و الواحد و الجمع قال تعالى: لاََ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ [الممتحنة: 10]و الوصف بالمصدر يفيد المبالغة فههنا الحل و المحلل واحد، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في زمزم هي حل و بل رواه سفيان بن عيينة فسئل سفيان: ما حل؟فقال محلل.

أما قوله تعالى: إِلاََّ مََا حَرَّمَ إِسْرََائِيلُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في الشي‏ء الذي حرمه إسرائيل على نفسه على وجوه الأول:

روى ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن يعقوب مرض مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه اللّه ليحرمن أحب الطعام و الشراب عليه، و كان أحب الطعام إليه لحمان الإبل و أحب الشراب إليه ألبانها» و هذا قول أبي العالية و عطاء و مقاتل

و الثاني: قيل إنه كان به عرق النساء، فنذر إن شفاه/اللّه أن لا يأكل شيئا من العروق الثالث: جاء

في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد و الشحم إلا ما على الظهر،

و نقل القفال رحمه اللّه عن ترجمة التوراة، أن يعقوب لما خرج من حران إلى كنعان بعث برداً إلى عيصو أخيه إلى أرض ساعير، فانصرف الرسول إليه، و قال: إن عيصو هو ذا يتلقاك و معه أربعمائة رجل، فذعر يعقوب و حزن جداً و صلّى و دعا و قدم هدايا لأخيه و ذكر القصة إلى أن ذكر الملك الذي لقيه في صورة رجل، فدنا ذلك الرجل و وضع إصبعه على موضع عرق النسا، فخدرت تلك العصبة و جفت فمن أجل هذا لا يأكل بنو إسرائيل العروق.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن إسرائيل حرم ذلك على نفسه، و فيه سؤال: و هو أن التحريم و التحليل إنما يثبت بخطاب اللّه تعالى، فكيف صار تحريم يعقوب عليه السلام سبباً لحصوله الحرمة.

أجاب المفسرون عنه من وجوه الأول: أنه لا يبعد أن الإنسان إذا حرم شيئاً على نفسه فإن اللّه يحرمه عليه ألا

293

ترى أن الإنسان يحرم امرأته على نفسه بالطلاق، و يحرم جاريته بالعتق، فكذلك جائز أن يقول تعالى إن حرمت شيئاً على نفسك فأنا أيضاً أحرمه عليك الثاني: أنه عليه الصلاة و السلام ربما اجتهد فأدى اجتهاده إلى التحريم، فقال بحرمته و إنما قلنا: إن الاجتهاد جائز من الأنبياء لوجوه الأول: قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ [الحشر: 2]و لا شك أن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام رؤساء أولي الأبصار و الثاني: قال: لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83]مدح المستنبطين و الأنبياء أولى بهذا المدح و الثالث: قال تعالى لمحمد عليه الصلاة و السلام عَفَا اَللََّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: 43]فلو كان ذلك الإذن بالنص، لم يقل: لم أذنت، فدل على أنه كان بالاجتهاد الرابع: أنه لا طاعة إلا و للأنبياء عليهم الصلاة و السلام فيها أعظم نصيب و لا شك أن استنباط أحكام اللّه تعالى بطريق الاجتهاد طاعة عظيمة شاقة، فوجب أن يكون للأنبياء عليهم الصلاة و السلام فيها نصيب لا سيما و معارفهم أكثر و عقولهم أنور و أذهانهم أصفى و توفيق اللّه و تسديده معهم أكثر، ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد على الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته و الأظهر الأقوى أن إسرائيل صلوات اللّه عليه إنما حرم ذلك على نفسه بسبب الاجتهاد إذ لو كان ذلك بالنص لقال إلا ما حرّم اللّه على إسرائيل فلما أضاف التحريم إلى إسرائيل دل هذا على أن ذلك كان بالاجتهاد و هو كما يقال: الشافعي يحلل لهم الخيل و أبو حنيفة يحرمه بمعنى أن اجتهاده أدى إليه فكذا هاهنا.

الثالث: يحتمل أن التحريم في شرعه كالنذر في شرعنا، فكما يجب علينا الوفاء بالنذر كان يجب في شرعه الوفاء بالتحريم.

و اعلم أن هذا لو كان فإنه كان مختصاً بشرعه أما في شرعنا فهو غير ثابت قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ/تُحَرِّمُ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكَ [التحريم: 1]الرابع: قال الأصم: لعل نفسه كانت مائلة إلى أكل تلك الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس و طلباً لمرضاة اللّه تعالى، كما يفعله كثير من الزهاد فعبر من ذلك الامتناع بالتحريم الخامس: قال قوم من المتكلمين أنه يجوز من اللّه تعالى أن يقول لعبده: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب، و للمتكلمين في هذه المسألة منازعات كثيرة ذكرناها في أصول الفقه.

المسألة الثالثة: ظاهر هذه الآية يدل على أن الذي حرمه إسرائيل على نفسه فقد حرمه اللّه على بني إسرائيل، و ذلك لأنه تعالى قال: كُلُّ اَلطَّعََامِ كََانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرََائِيلَ فحكم بحل كل أنواع المطعومات لبني إسرائيل، ثم استثنى عنه ما حرمه إسرائيل على نفسه، فوجب بحكم الاستثناء أن يكون ذلك حراماً على بني إسرائيل و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ اَلتَّوْرََاةُ فالمعنى أن قبل نزول التوراة كان حلاً لبني إسرائيل كل أنواع المطعومات سوى ما حرّمه إسرائيل على نفسه، أما بعد التوراة فلم يبق كذلك بل حرم اللّه تعالى عليهم أنواعاً كثيرة، روي أن بني إسرائيل كانوا إذا أتوا بذنب عظيم حرم اللّه عليهم نوعاً من أنواع الطعام، أو سلّط عليهم شيئاً لهلاك أو مضرة، دليله قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا حَرَّمْنََا عَلَيْهِمْ طَيِّبََاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: 160].

ثم قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرََاةِ فَاتْلُوهََا إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ و هذا يدل على أن القوم نازعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، إما لأنهم ادعوا أن تحريم هذه الأشياء كان موجوداً من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان، فكذبهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في ذلك، و إما لأن الرسول صلى اللّه عليه و سلم ادعى كون هذه المطعومات مباحة في الزمان القديم، و أنها إنها حرمت بسبب أن إسرائيل حرمها على نفسه، فنازعوه في ذلك، فطلب الرسول عليه السلام إحضار التوراة ليستخرج منها المسلمون‏

294

من علماء أهل الكتاب آية موافقة لقول الرسول، و على كلا الوجهين، فالتفسير ظاهر، و لمنكري القياس أن يحتجوا بهذه الآية، و ذلك لأن الرسول عليه السلام طالبهم فيما ادعوه بكتاب اللّه، و لو كان القياس حجة لكان لهم أن يقولوا: لا يلزم من عدم هذا الحكم في التوراة عدمه، لأنا نثبته بالقياس، و يمكن أن يجاب عنه بأن النزاع ما وقع في حكم شرعي، و إنما وقع في أن هذا الحكم، هل كان موجوداً في زمان إبراهيم و سائر الأنبياء عليهم السلام أم لا؟ و مثل هذا لا يمكن إثباته إلا بالنص، فلهذا المعنى طالبهم الرسول صلوات اللّه و سلامه عليه، بنص التوراة.

ثم قال تعالى: فَمَنِ اِفْتَرى‏ََ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ الافتراء اختلاق الكذب، و الفرية الكذب و القذف، و أصله من فرى الأديم، و هو قطعه، فقيل للكذب افتراء، لأن الكاذب يقطع به في/القول من غير تحقيق في الوجود.

ثم قال: مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ أي من بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب، و لم يكن محرماً قبله فَأُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ المستحقون لعذاب اللّه لأن كفرهم ظلم منهم لأنفسهم و لمن أضلوه عن الدين.

ثم قال تعالى: قُلْ صَدَقَ اَللََّهُ و يحتمل وجوهاًأحدها: قُلْ صَدَقَ في أن ذلك النوع من الطعام صار حراماً على إسرائيل و أولاده بعد أن كان حلالاً لهم، فصح القول بالنسخ، و بطلت شبهة اليهود و ثانيها: صَدَقَ اَللََّهُ في قوله إن لحوم الإبل و ألبانها كانت محللة لإبراهيم عليه السلام و إنما حرمت على بني إسرائيل لأن إسرائيل حرمها على نفسه، فثبت أن محمداً صلى اللّه عليه و سلم لما أفتى بحل لحوم الإبل و ألبانها، فقد أفتى بملة إبراهيم و ثالثها: صَدَقَ اَللََّهُ في أن سائر الأطعمة كانت محللة لبني إسرائيل و أنها إنما حرمت على اليهود جزاءً على قبائح أفعالهم.

ثم قال تعالى: فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ حَنِيفاً أي اتبعوا ما يدعوكم إليه محمد صلوات اللّه عليه من ملة إبراهيم، و سواء قال: ملة إبراهيم حنيفاً، أو قال: ملة إبراهيم الحنيف لأن الحال و الصفة سواء في المعنى.

ثم قال: وَ مََا كََانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ أي لم يدع مع اللّه إلهاً آخر، و لا عبد سواه، كما فعله بعضهم من عبادة الشمس و القمر، أو كما فعله العرب من عبادة الأوثان، أو كما فعله اليهود من ادعاء أن عزير ابن اللّه، و كما فعله النصارى من ادعاء أن المسيح ابن اللّه، و الغرض منه بيان أن محمداً صلوات اللّه عليه على دين إبراهيم عليه السلام، في الفروع و الأصول.

أما في الفروع، فلما ثبت أن الحكم بحله كان إبراهيم قد حكم بحله أيضاً، و أما في الأصول فلأن محمداً صلوات اللّه و سلامه عليه لا يدعو إلا إلى التوحيد، و البراءة عن كل معبود سوى اللّه تعالى و ما كان إبراهيم صلوات اللّه عليه و سلامه إلا على هذا الدين.

قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنََّاسِ قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنََّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبََارَكاً وَ هُدىً لِلْعََالَمِينَ، `فِيهِ آيََاتٌ بَيِّنََاتٌ مَقََامُ إِبْرََاهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كََانَ آمِناً في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه الأول: أن المراد منه الجواب عن شبهة أخرى من شبه اليهود في إنكار نبوّة محمد عليه الصلاة و السلام، و ذلك لأنه عليه السلام لما حول القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته،

295

و قالوا إن بيت المقدس أفضل من الكعبة و أحق/بالاستقبال، و ذلك لأنه وضع قبل الكعبة، و هو أرض المحشر، و قبلة جملة الأنبياء، و إذا كان كذلك كان تحويل القبلة منه إلى الكعبة باطلاً، فأجاب اللّه تعالى عنه بقوله إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنََّاسِ فبيّن تعالى أن الكعبة أفضل من بيت المقدس و أشرف، فكان جعلها قبلة أولى و الثاني: أن المقصود من الآية المتقدمة بيان أن النسخ هل يجوز أم لا؟فإن النبي صلى اللّه عليه و سلم استدل على جوازه بأن الأطعمة كانت مباحة لبني إسرائيل، ثم إن اللّه تعالى حرم بعضها، و القوم نازعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيه، و أعظم الأمور التي أظهر رسول اللّه نسخها هو القبلة، لا جرم ذكر تعالى في هذه الآية بيان ما لأجله حولت الكعبة، و هو كون الكعبة أفضل من غيرها الثالث: أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ حَنِيفاً وَ مََا كََانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ [آل عمران: 95]و كان من أعظم شعار ملة إبراهيم الحج، ذكر في هذه الآية فضيلة البيت، ليفرع عليه إيجاب الحج الرابع: أن اليهود و النصارى زعم كل فرقة منهم أنه على ملة إبراهيم، و قد سبقت هذه المناظرة في الآيات المتقدمة، فإن اللّه تعالى بيّن كذبهم، من حيث أن حج الكعبة كان ملة إبراهيم و اليهود و النصارى لا يحجون، فيدل هذا على كذبهم في ذلك، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال المحققون الأول: هو الفرد السابق، فإذا قال: أول عبد أشتريه فهو حر فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق أحد منهما لأن الأول هو الفرد، ثم لو اشترى في المرة الثانية عبداً واحداً لم يعتق، لأن شرط الأول كونه سابقاً فثبت أن الأول هو الفرد السابق.

إذا عرفت هذا فنقول: إن قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنََّاسِ لا يدل على أنه أول بيت خلقه اللّه تعالى، و لا أنه أول بيت ظهر في الأرض، بل ظاهر الآية يدل على أنه أول بيت وضع للناس، و كونه موضوعاً للناس يقتضي كونه مشتركاً فيه بين جميع الناس، فأما سائر البيوت فيكون كل واحد منها مختصاً بواحد من الناس فلا يكون شي‏ء من البيوت موضوعاً للناس، و كون البيت مشتركاً فيه بين كل الناس، لا يحصل إلا إذا كان البيت موضوعاً للطاعات و العبادات و قبلة للخلق، فدل قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنََّاسِ على أن هذا البيت وضعه اللّه موضعاً للطاعات و الخيرات و العبادات فيدخل فيه كون هذا البيت قبلة للصلوات، و موضعاً للحج، و مكانا يزداد ثواب العبادات و الطاعات فيه.

فإن قيل: كونه أولاً في هذا الوصف يقتضي أن يكون له ثان، و هذا يقتضي أن يكون بيت المقدس يشاركه في هذه الصفات التي منها وجوب حجه، و معلوم أنه ليس كذلك.

و الجواب: من وجهين الأول: أن لفظ الأول: في اللغة اسم للشي‏ء الذي يوجد ابتداء، سواء حصل عقيبه شي‏ء آخر أو لم يحصل، يقال: هذا أول قدومي مكة، و هذا أول مال أصبته/و لو قال: أول عبد ملكته فهو حر فملك عبداً عتق و إن لم يملك بعده عبداً آخر، فكذا هنا، و الثاني: أن المراد من قوله إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنََّاسِ أي أول بيت وضع لطاعات الناس و عباداتهم و بيت المقدس يشاركه في كونه بيتاً موضوعاً للطاعات و العبادات، بدليل‏

قوله عليه الصلاة و السلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام، و المسجد الأقصى، و مسجدي هذا»

فهذا القدر يكفي في صدق كون الكعبة أول بيت وضع للناس، و أما أن يكون بيت المقدس مشاركاً له في جميع الأمور حتى في وجوب الحج، فهذا غير لازم و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أن قوله إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنََّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبََارَكاً يحتمل أن يكون المراد كونه أولاً

296

في الوضع و البناء و أن يكون المراد كونه أولاً في كونه مباركاً و هدىً فحصل للمفسرين في تفسير هذه الآية قولان الأول: أنه أول في البناء و الوضع، و الذاهبون إلى هذا المذهب لهم أقوال أحدها: ما روى الواحدي رحمه اللّه تعالى في «البسيط» بإسناده عن مجاهد أنه قال: خلق اللّه تعالى هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرضين، و في رواية أخرى: خلق اللّه موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرض بألفي سنة، و إن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى و

روي أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين عن أبيه عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن اللّه تعالى بعث ملائكته فقال ابنوا لي في الأرض بيتاً على مثال البيت المعمور و أمر اللّه تعالى من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، و هذا كان قبل خلق آدم» .

و أيضاً ورد في سائر كتب التفسير عن عبد اللّه بن عمر، و مجاهد و السدي: أنه أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق الأرض و السماء، و قد خلقه اللّه تعالى قبل الأرض بألفي عام و كان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض تحته،

قال القفال في «تفسيره» : روى حبيب بن ثابت عن ابن عباس أنه قال: وجد في كتاب في المقام أو تحت المقام «أنا اللّه ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس و القمر، و حرمتها يوم وضعت هذين الحجرين، و حففتها بسبعة أملاك حنفاء»

و ثانيها: أن آدم صلوات اللّه عليه و سلامه لما أهبط إلى الأرض شكا الوحشة، فأمره اللّه تعالى ببناء الكعبة و طاف بها، و بقي ذلك إلى زمان نوح عليه السلام، فلما أرسل اللّه تعالى الطوفان، رفع البيت إلى السماء السابعة حيال الكعبة، يتعبد عنده الملائكة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك سوى من دخل من قبل فيه، ثم بعد الطوفان اندرس موضع الكعبة، و بقي مختفياً إلى أن بعث اللّه تعالى جبريل صلوات اللّه عليه إلى إبراهيم عليه السلام و دله على مكان البيت، و أمره بعمارته، فكان المهندس جبريل و البناء إبراهيم و المعين إسماعيل عليهم السلام.

و اعلم أن هذين القولين يشتركان في أن الكعبة كانت موجودة في زمان آدم عليه السلام، و هذا/هو الأصوب و يدل عليه وجوه الأول: أن تكليف الصلاة كان لازماً في دين جميع الأنبياء عليهم السلام، بدليل قوله تعالى في سورة مريم‏ أُولََئِكَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَ مِمَّنْ حَمَلْنََا مَعَ نُوحٍ وَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْرََائِيلَ وَ مِمَّنْ هَدَيْنََا وَ اِجْتَبَيْنََا إِذََا تُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ آيََاتُ اَلرَّحْمََنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا [مريم: 58]فدلت الآية على أن جميع الأنبياء عليهم السلام كانوا يسجدون للّه و السجدة لا بد لها من قبلة، فلو كانت قبلة شيث و إدريس و نوح عليهم السلام موضعاً آخر سوى القبلة لبطل قوله إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنََّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ فوجب أن يقال: إن قبلة أولئك الأنبياء المتقدمين هي الكعبة، فدل هذا على أن هذه الجهة كانت أبداً مشرفة مكرمة الثاني: أن اللّه تعالى سمى مكة أم القرى، و ظاهر هذا يقتضي أنها كانت سابقة على سائر البقاع في الفضل و الشرف منذ كانت موجودة الثالث:

روي أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال في خطبته يوم فتح مكة «ألا إن اللّه قد حرم مكة يوم خلق السموات و الأرض و الشمس و القمر»

و تحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجود مكة الرابع: أن الآثار التي حكيناها عن الصحابة و التابعين دالة على أنها كانت موجودة قبل زمان إبراهيم عليه السلام.

و اعلم أن لمن أنكر ذلك أن يحتج بوجوه الأول: ما

روي أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «اللّهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة»

و ظاهر هذا يقتضي أن مكة بناء إبراهيم عليه السلام و لقائل أن يقول: لا يبعد أن يقال البيت كان موجوداً قبل إبراهيم و ما كان محرماً ثم حرمه إبراهيم عليه السلام الثاني: تمسكوا بقوله تعالى: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمََاعِيلُ [البقرة: 127]و لقائل أن يقول: لعل البيت كان موجوداً قبل ذلك ثم انهدم، ثم أمر

297

اللّه إبراهيم برفع قواعده و هذا هو الوارد في أكثر الأخبار الثالث: قال القاضي: إن الذي يقال من أنه رفع زمان الطوفان إلى السماء بعيد، و ذلك لأن الموضع الشريف هو تلك الجهة المعينة، و الجهة لا يمكن رفعها إلى السماء أ لا ترى أن الكعبة و العياذ باللّه تعالى لو انهدمت و نقل الأحجار و الخشب و التراب إلى موضع آخر لم يكن له شرف ألبتة، و يكون شرف تلك الجهة باقياً بعد الانهدام، و يجب على كل مسلم أن يصلي إلى تلك الجهة بعينها، و إذا كان كذلك فلا فائدة في نقل تلك الجدران إلى السماء و لقائل أن يقول: لما صارت تلك الأجسام في العزة إلى حيث أمر اللّه بنقلها إلى السماء، و إنما حصلت لها هذه العزة بسبب أنها كانت حاصلة في تلك الجهة، فصار نقلها إلى السماء من أعظم الدلائل على غاية تعظيم تلك الجهة و إعزازها، فهذا جملة ما في هذا القول:

القول الثاني: أن المراد من هذه الأولية كون هذا البيت أولاً في كونه مباركاً و هدى للخلق‏

روي أن النبي عليه الصلاة و السلام سئل عن أول مسجد وضع للناس، فقال عليه الصلاة و السلام: «المسجد الحرام ثم بيت المقدس» فقيل كم بينهما؟قال: «أربعون سنة»

و

عن علي رضي اللّه عنه /أن رجلاً قال له: أ هو أول بيت؟قال: لا قد كان قبله بيوت و لكنه أول بيت وضع للناس مباركاً فيه الهدى و الرحمة و البركة أول من بناه إبراهيم، ثم بناه قوم من العرب من جرهم، ثم هدم فبناه العمالقة، و هم ملوك من أولاد عمليق بن سام بن نوح، ثم هدم فبناه قريش.

و اعلم أن دلالة الآية على الأولية في الفضل و الشرف أمر لا بد منه، لأن المقصود الأصلي من ذكر هذه الأولية بيان الفضيلة، لأن المقصود ترجيحه على بيت المقدس، و هذا إنما يتم بالأولية في الفضيلة و الشرف، و لا تأثير للأولية في البناء في هذا المقصود، إلا أن ثبوت الأولية بسبب الفضيلة لا ينافي ثبوت الأولية في البناء، و قد دللنا على ثبوت هذا المعنى أيضاً.

المسألة الثالثة: إذا ثبت أن المراد من هذه الأولية زيادة الفضيلة و المنقبة فلنذكر هاهنا وجوه فضيلة البيت:

الفضيلة الأولى: اتفقت الأمم على أن باني هذا البيت هو الخليل عليه السلام، و باني بيت المقدس سليمان عليه السلام، و لا شك أن الخليل أعظم درجة و أكثر منقبة من سليمان عليه السلام فمن هذا الوجه يجب أن تكون الكعبة أشرف من بيت المقدس.

و اعلم أن اللّه تعالى أمر الخليل عليه السلام بعمارة هذا البيت، فقال: وَ إِذْ بَوَّأْنََا لِإِبْرََاهِيمَ مَكََانَ اَلْبَيْتِ أَنْ لاََ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطََّائِفِينَ وَ اَلْقََائِمِينَ وَ اَلرُّكَّعِ اَلسُّجُودِ [الحج: 26]و المبلغ لهذا التكليف هو جبريل عليه السلام، فلهذا قيل: ليس في العالم بناء أشرف من الكعبة، فالآمر هو الملك الجليل و المهندس هو جبريل، و الباني هو الخليل، و التلميذ إسماعيل عليهم السلام.

الفضيلة الثانية: مَقََامُ إِبْرََاهِيمَ و هو الحجر الذي وضع إبراهيم قدمه عليه فجعل اللّه ما تحت قدم إبراهيم عليه السلام من ذلك الحجر دون سائر أجزائه كالطين حتى غاص فيه قدم إبراهيم عليه السلام، و هذا مما لا يقدر عليه إلا اللّه و لا يظهره إلا على الأنبياء، ثم لما رفع إبراهيم قدمه عنه خلق فيه الصلابة الحجرية مرة أخرى، ثم إنه تعالى أبقى ذلك الحجر على سبيل الاستمرار و الدوام فهذه أنواع من الآيات العجيبة و المعجزات الباهرة أظهرها اللّه سبحانه في ذلك الحجر.

298

الفضيلة الثالثة: قلة ما يجتمع فيه من حصى الجمار، فإنه منذ آلاف سنة و قد يبلغ من يرمي في كل سنة ستمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة، ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير و ليس الموضع الذي ترمى إليه الجمرات مسيل ماء و لا مهب رياح شديدة و قد جاء في الآثار أن من كانت حجته مقبولة رفعت حجارة جمراته إلى السماء.

الفضيلة الرابعة: إن الطيور تترك المرور فوق الكعبة عند طيرانها في الهواء بل تنحرف عنها إذا ما وصلت إلى فوقها.

الفضيلة الخامسة: أن عنده يجتمع الوحش لا يؤذي بعضها بعضاً كالكلاب و الظباء، و لا/يصطاد فيه الكلاب و الوحوش و تلك خاصية عجيبة و أيضاً كل من سكن مكة أمن من النهب و الغارة و هو بركة دعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال: رَبِّ اِجْعَلْ هََذََا بَلَداً آمِناً [البقرة: 126]و قال تعالى في صفة أمنه‏ أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا جَعَلْنََا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ اَلنََّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: 67]و قال: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هََذَا اَلْبَيْتِ‏`اَلَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: 3، 4]و لم ينقل ألبتة أن ظالماً هدم الكعبة و خرب مكة بالكلية؛ و أما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية.

الفضيلة السادسة: أن صاحب الفيل و هو أبرهة الأشرم لما قاد الجيوش و الفيل إلى مكة لتخريب الكعبة و عجز قريش عن مقاومة أولئك الجيوش و فارقوا مكة و تركوا له الكعبة فأرسل اللّه عليهم طيراً أبابيل، و الأبابيل هم الجماعة من الطير بعد الجماعة، و كانت صغارا تحمل أحجاراً ترميهم بها فهلك الملك و هلك العسكر بتلك الأحجار مع أنها كانت في غاية الصغر، و هذه آية باهرة دالة على شرف الكعبة و إرهاص لنبوّة محمد عليه الصلاة و السلام.

فإن قال قائل: لم لا يجوز أن يقال إن كل ذلك بسبب طلسم موضوع هناك بحيث لا يعرفه أحد فإن الأمر في تركيب الطلسمات مشهور.

قلنا: لو كان هذا من باب الطلسمات لكان هذا طلسماً مخالفاً لسائر الطلسمات فإنه لم يحصل لشي‏ء سوى الكعبة مثل هذا البقاء الطويل في هذه المدة العظيمة، و مثل هذا يكون من المعجزات، فلا يتمكن منها سوى الأنبياء.

الفضيلة السابعة: إن اللّه تعالى وضعها بواد غير ذي زرع، و الحكمة من وجوه أحدها: إنه تعالى قطع بذلك رجاء أهل حرمه و سدنة بيته عمن سواه حتى لا يتوكلوا إلا على اللّه و ثانيها: أنه لا يسكنها أحد من الجبابرة و الأكاسرة فإنهم يريدون طيبات الدنيا فإذا لم يجدوها هناك تركوا ذلك الموضع، فالمقصود تنزيه ذلك الموضع عن لوث وجود أهل الدنيا و ثالثها: أنه فعل ذلك لئلا يقصدها أحد للتجارة بل يكون ذلك لمحض العبادة و الزيارة فقطو رابعها: أظهر اللّه تعالى بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيوت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا، فكأنه قال: جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين، فكذلك أجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين، لهم في الدنيا بيت الأمن و في الآخرة دار الأمن و خامسها: كأنه قال: لما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في كل قلب خال عن محبة الدنيا، فهذا ما يتعلق‏

299

بفضائل الكعبة، و عند هذا ظهر أن هذا البيت أول بيت وضع للناس في أنواع الفضائل و المناقب، و إذا ظهر هذا بطل قول اليهود: إن بيت المقدس أشرف من الكعبة و اللّه أعلم.

ثم قال تعالى: لَلَّذِي بِبَكَّةَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: لا شك أن المراد من بِبَكَّةَ هو مكة ثم اختلفوا فمنهم من قال: بكة و مكة/اسمان لمسمى واحد، فإن الباء و الميم حرفان متقاربان في المخرج فيقام كل واحد منهما مقام الآخر فيقال: هذه ضربة لازم، و ضربة لازب، و يقال: هذا دائم و دائب، و يقال: راتب و راتم، و يقال: سمد رأسه، و سبده، و في اشتقاق بكة وجهان الأول: أنه من البك الذي هو عبارة عن دفع البعض بعضاً، يقال: بكه يبكه بكاً إذا دفعه و زحمه، و تباك القوم إذا ازدحموا فلهذا

قال سعيد بن جبير: سميت مكة بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف، و هو قول محمد بن علي الباقر و مجاهد و قتادة

قال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل و هو يصلي، و الرجل بين يدي المرأة و هي تصلي لا بأس بذلك في هذا المكان.

الوجه الثاني: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة لا يريدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه قال قطرب:

تقول العرب بككت عنقه أبكه بكاً إذا وضعت منه و رددت نخوته.

و أما مكة ففي اشتقاقها وجوه الأول: أن اشتقاقها من أنها تمك الذنوب أي تزيلها كلها، من قولك: أمتك الفصيل ضرع أمه، إذا امتص ما فيه الثاني: سميت بذلك لاجتلابها الناس من كل جانب من الأرض، يقال أمتك الفصيل، إذا استقصى ما في الضرع، و يقال تمككت العظم، إذا استقصيت ما فيه الثالث: سميت مكة، لقلة مائها، كأن أرضها امتكت ماءها الرابع: قيل: إن مكة وسط الأرض، و العيون و المياه تنبع من تحت مكة، فالأرض كلها تمك من ماء مكة، و من الناس من فرق بين مكة و بكة، فقال بعضهم: إن بكة اسم للمسجد خاصة، و أما مكة، فهو اسم لكل البلد، قالوا: و الدليل عليه أن اشتقاق بكة من الازدحام و المدافعة، و هذا إنما يحصل في المسجد عند الطواف، لا في سائر المواضع، و قال الأكثرون: مكة اسم للمسجد و المطاف. و بكة اسم البلد، و الدليل عليه أن قوله تعالى: لَلَّذِي بِبَكَّةَ يدل على أن البيت حاصل في بكة و مظروف في بكة فلو كان بكة اسماً للبيت لبطل كون بكة ظرفا للبيت، أما إذا جعلنا بكة اسماً للبلد، استقام هذا الكلام.

المسألة الثانية: لمكة أسماء كثيرة، قال القفال رحمه اللّه في «تفسيره» : مكة و بكة و أم رحم و كويساء و البشاشة و الحاطمة تحطم من استخف بها، و أم القرى قال تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ اَلْقُرى‏ََ وَ مَنْ حَوْلَهََا* [الأنعام: 92]و سميت بهذا الاسم لأنها أصل كل بلدة و منها دحيت الأرض، و لهذا المعنى يزار ذلك الموضع من جميع نواحي الأرض.

المسألة الثالثة: للكعبة أسماء أحدها: الكعبة قال تعالى: جَعَلَ اَللََّهُ اَلْكَعْبَةَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرََامَ [المائدة: 97]و السبب فيه أن هذا الاسم يدل على الإشراف و الارتفاع، و سمي الكعب كعباً لإشرافه و ارتفاعه على الرسغ، و سميت المرأة الناهدة الثديين كاعباً، لارتفاع ثديها، فلما كان هذا البيت أشرف بيوت/الأرض و أقدمها زماناً، و أكثرها فضيلة سمى بهذا الاسم و ثانيها: البيت العتيق: قال تعالى: ثُمَّ مَحِلُّهََا إِلَى اَلْبَيْتِ‏

300

اَلْعَتِيقِ [الحج: 33]و قال: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ اَلْعَتِيقِ [الحج: 29]و في اشتقاقه وجوه الأول: العتيق هو القديم، و قد بينا أنه أقدم بيوت الأرض بل عند بعضهم أن اللّه خلقه قبل الأرض و السماء و الثاني: أن اللّه أعتقه من الغرق حيث رفعه إلى السماء الثالث: من عتق الطائر إذا قوي في وكره، فلما بلغ في القوة إلى حيث أن كل من قصد تخريبه أهلكه اللّه سمي عتيقاًالرابع: أن اللّه أعتقه من أن يكون ملكاً لأحد من المخلوقين الخامس: أنه عتيق بمعنى أن كل من زاره أعتقه اللّه تعالى من النار و ثالثها: المسجد الحرام قال سبحانه: سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى [الإسراء: 1]و المراد من كونه حراماً سيجي‏ء إن شاء اللّه في تفسير هذه الآية.

فإن قال قائل: كيف الجمع بين قوله إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنََّاسِ و بين قوله‏ وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطََّائِفِينَ [الحج: 26]فأضافه مرة إلى نفسه و مرة إلى الناس.

و الجواب: كأنه قيل: البيت لي و لكن وضعته لا لأجل منفعتي فإني منزّه عن الحاجة و لكن وضعته لك ليكون قبلة لدعائك و اللّه أعلم.

ثم قال تعالى: مُبََارَكاً وَ هُدىً لِلْعََالَمِينَ .

و اعلم أنه تعالى: وصف هذا البيت بأنواع الفضائل فأولها: أنه أول بيت وضع للناس، و قد ذكرنا معنى كونه أولاً في الفضل و نزيد هاهنا وجوهاً أخر الأول:

قال علي رضي اللّه عنه، هو أول بيت خص بالبركة، و بأن من دخله كان آمناً،

و قال الحسن: هو أول مسجد عبد اللّه فيه في الأرض و قال مطرف. أول بيت جعل قبلة و ثانيها: أنه تعالى وصفه بكونه مباركاً، و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: انتصب مُبََارَكاً على الحال و التقدير الذي استقر هو ببكة مباركاً.

المسألة الثانية: البركة لها معنيان أحدهما: النمو و التزايد و الثاني: البقاء و الدوام، يقال تبارك اللّه، لثبوته لم يزل، و البركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها، و برك البعير إذا وضع صدره على الأرض و ثبت و استقر، فإن فسرنا البركة بالتزايد و النمو فهذا البيت مبارك من وجوه أحدها: أن الطاعات إذا أتى بها في هذا البيت ازداد ثوابها.

قال صلى اللّه عليه و سلم: «فضل المسجد الحرام على مسجدي، كفضل مسجدي على سائر المساجد» ثم قال صلى اللّه عليه و سلم:

صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه»

فهذا في الصلاة، و أما الحج،

فقال عليه الصلاة و السلام: «من حج و لم يرفث و لم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» و في حديث آخر «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»

و معلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة و الرحمة و ثانيها: قال القفال رحمه اللّه تعالى: و يجوز أن يكون بركته ما ذكر في قوله تعالى: يُجْبى‏ََ إِلَيْهِ ثَمَرََاتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ [القصص: 57]فيكون كقوله‏ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى اَلَّذِي بََارَكْنََا حَوْلَهُ [الإسراء: 1]/و ثالثها: أن العاقل يجب أن يستحضر في ذهنه أن الكعبة كالنقطة و ليتصور أن صفوف المتوجهين إليها في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز، و ليتأمل كم عدد الصفوف المحيطة بهذه الدائرة حال اشتغالهم بالصلاة، و لا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية، و قلوبهم قدسية و أسرارهم نورانية و ضمائرهم ربانية ثم إن تلك الأرواح الصافية إذا توجهت إلى كعبة المعرفة و أجسادهم توجهت إلى هذه الكعبة الحسيّة فمن كان في الكعبة يتصل أنوار أرواح أولئك المتوجهين‏

301

بنور روحه، فتزداد الأنوار الإلهية في قلبه، و يعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره و هذا بحر عظيم و مقام شريف، و هو ينبهك على معنى كونه مباركاً.

و أما إن فسرنا البركة بالدوام فهو أيضاً كذلك لأنه لا تنفك الكعبة من الطائفين و العاكفين و الركع السجود، و أيضاً الأرض كرة، و إذا كان كذلك فكل وقت يمكن أن يفرض فهو صبح لقوم، و ظهر لثان و عصر لثالث، و مغرب لرابع و عشاء لخامس، و متى كان الأمر كذلك لم تكن الكعبة منفكة قط عن توجه قوم إليها من طرف من أطراف العالم لأداء فرض الصلاة، فكان الدوام حاصلاً من هذه الجهة، و أيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفاً من السنين دوام أيضاً فثبت كونه مباركاً من الوجهين.

الصفة الثالثة: من صفات هذا البيت كونه هُدىً لِلْعََالَمِينَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قيل: المعنى أنه قبلة للعالمين يهتدون به إلى جهة صلاتهم، و قيل: هدى للعالمين أي دلالة على وجود الصانع المختار، و صدق محمد صلى اللّه عليه و سلم في النبوّة بما فيه من الآيات التي ذكرناها و العجائب التي حكيناها فإن كل ما يدل على النبوة فهو بعينه يدل أولا على وجود الصانع، و جميع صفاته من العلم و القدرة و الحكمة و الاستغناء، و قيل: هدىً للعالمين إلى الجنة لأن من أدى الصلوات الواجبة إليها استوجب الجنة.

المسألة الثانية: قال الزجاج: المعنى و ذا هدىً للعالمين، قال: و يجوز أن يكون وَ هُدىً في موضع رفع على معنى و هو هدى.

أما قوله تعالى: فِيهِ آيََاتٌ بَيِّنََاتٌ ففيه قولان الأول: أن المراد ما ذكرناه من الآيات التي فيه و هي: أمن الخائف، و انمحاق الجمار على كثرة الرمي، و امتناع الطير من العلو عليه و استشفاء المريض به و تعجيل العقوبة لمن انتهك فيه حرمة، و إهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا تخريبه فعلى هذا تفسير الآيات و بيانها غير مذكور.

و قوله مَقََامُ إِبْرََاهِيمَ لا تعلق له بقوله فِيهِ آيََاتٌ بَيِّنََاتٌ فكأنه تعالى قال: فِيهِ آيََاتٌ بَيِّنََاتٌ و مع ذلك فهو مقام إبراهيم و مقره و الموضع الذي اختاره و عبد اللّه فيه، لأن كل ذلك من الخلال التي بها يشرف و يعظم.

القول الثاني: أن تفسير الآيات مذكور، و هو قوله مَقََامُ إِبْرََاهِيمَ أي: هي مقام إبراهيم.

فإن قيل: الآيات جماعة و لا يصح تفسيرها بشي‏ء واحد، أجابوا عنه من وجوه الأول: أن مقام إبراهيم بمنزلة آيات كثيرة، لأن ما كان معجزة لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فهو دليل على وجود الصانع، و علمه و قدرته و إرادته و حياته، و كونه غنياً منزّهاً مقدساً عن مشابهة المحدثات فمقام إبراهيم و إن كان شيئاً واحداً إلا أنه لما حصل فيه هذه الوجوه الكثيرة كان بمنزلة الدلائل كقوله‏ إِنَّ إِبْرََاهِيمَ كََانَ أُمَّةً قََانِتاً [النحل: 120]الثاني: أن مقام إبراهيم اشتمل على الآيات، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، و غوصه فيها إلى الكعبين آية، و إلانة بعض الصخرة دون بعض آية، لأنه لان من الصخرة ما تحت قدميه فقط، و إبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية خاصة لإبراهيم عليه السلام و حفظه مع كثرة أعدائه من اليهود و النصارى و المشركين و الملحدين ألوف سنين فثبت أن مقام إبراهيم عليه السلام آيات كثيرة الثالث: قال الزجاج إن قوله وَ مَنْ دَخَلَهُ كََانَ آمِناً من بقية تفسير الآيات، كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم و أمن من دخله، و لفظ الجمع قد يستعمل في الاثنين، قال‏

302

تعالى: إِنْ تَتُوبََا إِلَى اَللََّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمََا [التحريم: 4]و

قال عليه السلام: «الاثنان فما فوقهما جماعة»

و منهم من تمم الثلاثة فقال: مقام إبراهيم، و أن من دخله كان آمناً، و أن للّه على الناس حجه، ثم حذف (أن) اختصاراً، كما في قوله‏ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [الأعراف: 29]أي أمر ربي بأن تقسطوا الرابع: يجوز أن يذكر هاتان الآيتان و يطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم، و أمن من دخله، و كثير سواهما الخامس: قرأ ابن عباس و مجاهد و أبو جعفر المدني في رواية قتيبة آية بينة على التوحيد السادس: قال المبرّد مَقََامُ مصدر فلم يجمع كما قال: وَ عَلى‏ََ سَمْعِهِمْ و المراد مقامات إبراهيم، و هي ما أقامه إبراهيم عليه السلام من أمور الحج و أعمال المناسك و لا شك أنها كثيرة و على هذا فالمراد بالآيات شعائر الحج كما قال: وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعََائِرَ اَللََّهِ [الحج: 32].

ثم قال تعالى: مَقََامُ إِبْرََاهِيمَ و فيه أقوال أحدها: أنه لما ارتفع بنيان الكعبة، و ضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه و الثاني: أنه جاء زائراً من الشام إلى مكة، و كان قد حلف لامرأته أن لا ينزل بمكة حتى يرجع، فلما وصل إلى مكة قالت له أم إسماعيل: انزل حتى نغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على الجانب الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت أحد جانبي رأسه، ثم حولته إلى الجانب الأيسر، حتى غسلت الجانب الآخر، فبقي أثر قدميه عليه و الثالث: أنه هو الحجر الذي قام إبراهيم عليه عند الأذان بالحج، قال القفال رحمه اللّه: و يجوز أن يكون إبراهيم قام على ذلك الحجر في هذه المواضع كلها.

ثم قال تعالى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كََانَ آمِناً و لهذه الآية نظائر: منها قوله تعالى: وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ/مَثََابَةً لِلنََّاسِ وَ أَمْناً [البقرة: 125]و قوله‏ أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا جَعَلْنََا حَرَماً آمِناً [العنكبوت: 67]و قال إبراهيم‏ رَبِّ اِجْعَلْ هََذََا بَلَداً آمِناً [إبراهيم: 35]و قال تعالى: أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: 4]قال أبو بكر الرازي: لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنََّاسِ موجودة في الحرم ثم قال:

وَ مَنْ دَخَلَهُ كََانَ آمِناً وجب أن يكون مراده جميع الحرم، و أجمعوا على أنه لو قتل في الحرم فإنه يستوفي القصاص منه في الحرم و أجمعوا على أن الحرم لا يفيد الأمان فيما سوى النفس، إنما الخلاف فيما إذا وجب القصاص عليه خارج الحرم فالتجأ إلى الحرم فهل يستوفي منه القصاص في الحرم؟قال الشافعي: يستوفي، و قال أبو حنيفة: لا يستوفي، بل يمنع منه الطعام و الشراب و البيع و الشراء و الكلام حتى يخرج، ثم يستوفي منه القصاص، و الكلام في هذه المسألة قد تقدم في تفسير قوله‏ وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ مَثََابَةً لِلنََّاسِ وَ أَمْناً و احتج أبو حنيفة رضي اللّه عنه بهذه الآية، فقال: ظاهر الآية الاخبار عن كونه آمناً، و لكن لا يمكن حمله عليه إذ قد لا يصير آمناً فيقع الخلف في الخبر، فوجب حمله على الأمر ترك العمل به في الجنايات التي دون النفس، لأن الضرر فيها أخف من الضرر في القتل، و فيما إذا وجب عليه القصاص لجناية أتى بها في الحرم، لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم، فيبقى في محل الخلاف على مقتضى ظاهر الآية.

و الجواب: أن قوله كََانَ آمِناً إثبات لمسمى الأمن، و يكفي في العمل به إثبات الأمن من بعض الوجوه، و نحن نقول به و بيانه من وجوه الأول: أن من دخله للنسك تقرباً إلى اللّه تعالى كان آمناً من النار يوم القيامة،

قال النبي عليه السلام: «من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً» و قال أيضا: «من صبر على‏

303

حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام» و قال: «من حج و لم يرفث و لم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»

و الثاني: يحتمل أن يكون المراد ما أودع اللّه في قلوب الخلق من الشفقة على كل من التجأ إليه و دفع المكروه عنه، و لما كان الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأكثر أخبر بوقوعه على هذا الوجه مطلقا و هذا أولى مما قالوه لوجهين الأول: أنا على هذا التقدير لا نجعل الخبر قائماً مقام الأمر و هم جعلوه قائماً مقام الأمر و الثاني: أنه تعالى إنما ذكر هذا لبيان فضيلة البيت و ذلك إنما يحصل بشي‏ء كان معلوماً للقوم حتى يصير ذلك حجة على فضيلة البيت، فأما الحكم الذي بيّنه اللّه في شرع محمد عليه السلام فإنه لا يصير ذلك حجة على اليهود و النصارى في إثبات فضيلة الكعبة.

الوجه الثالث: في تأويل الآية: أن المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع النبي صلى اللّه عليه و سلم كان آمناً لأنه تعالى قال: لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ إِنْ شََاءَ اَللََّهُ آمِنِينَ [الفتح: 27]الرابع: قال الضحاك: من حج حجة كان آمناً من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك.

و اعلم أن طرق الكلام في جميع هذه الأجوبة شي‏ء واحد، و هو أن قوله كََانَ آمِناً حكم/بثبوت الأمن و ذلك يكفي في العمل به إثبات الأمن من وجه واحد و في صورة واحدة فإذا حملناه على بعض هذه الوجوه فقد عملنا بمقتضى هذا النص فلا يبقى للنص دلالة على ما قالوه، ثم يتأكد ذلك بأن حمل النص على هذا الوجه لا يفضي إلى تخصيص النصوص الدالة على وجوب القصاص و حمله على ما قالوه يفضي إلى ذلك فكان قولنا أولى و اللّه أعلم.

قوله تعالى: وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطََاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً .

اعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل البيت و مناقبه، أردفه بذكر إيجاب الحج و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي و حفص عن عاصم حِجُّ اَلْبَيْتِ بكسر الحاء و الباقون بفتحها، قيل الفتح لغة الحجاز، و الكسر لغة نجد و هما واحد في المعنى، و قيل هما جائزان مطلقاً في اللغة، مثل رطل و رطل، و بزر و بزر، و قيل المكسورة اسم للعمل و المفتوحة مصدر، و قال سيبويه: يجوز أن تكون المكسورة أيضاً مصدراً، كالذكر و العلم.

المسألة الثانية: في قوله مَنِ اِسْتَطََاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وجوه الأول: قال الزجاج: موضع (من) خفض على البدل من (الناس) و المعنى: و للّه على من استطاع من الناس حج البيت الثاني: قال الفرّاء إن نويت الاستئناف بمن كانت شرطاً و أسقط الجزاء لدلالة ما قبله عليه، و التقدير من استطاع إلى الحج سبيلاً فللّه عليه حج البيت الثالث: قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون (من) في موضع رفع على معنى الترجمة للناس، كأنه قيل: من الناس الذين عليهم للّه حج البيت؟فقيل هم من استطاع إليه سبيلاً.

المسألة الثالثة: اتفق الأكثرون على أن الزاد و الراحلة شرطان لحصول الاستطاعة،

روى جماعة من الصحابة عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه فسّر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد و الراحلة،

و روى القفال عن جويبر عن الضحاك أنه قال: إذا كان شابا صحيحاً ليس له مال فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه فقال له قائل: أكلف اللّه الناس أن يمشوا إلى البيت؟فقال: لو كان لبعضهم ميراث بمكة أ كان يتركه؟قال: لا بل ينطلق إليه و لو

304

حبواً، قال: فكذلك يجب عليه حج البيت، عن عكرمة أيضاً أنه قال: الاستطاعة هي صحة البدن، و إمكان المشي إذا لم يجد ما يركبه.

و اعلم أن كل من كان صحيح البدن قادراً على المشي إذا لم يجد ما يركب فإن يصدق عليه أنه يستطيع لذلك الفعل، فتخصيص هذه الاستطاعة بالزاد و الراحلة ترك لظاهر اللفظ فلا بد فيه من دليل منفصل، و لا يمكن التعويل في ذلك على الأخبار المروية في هذا الباب لأنها أخبار آحاد فلا يترك لأجلها ظاهر الكتاب لا سيما و قد طعن محمد بن جرير الطبري في رواة تلك الأخبار، و طعن فيها/من وجه آخر، و هو أن حصول الزاد و الراحلة لا يكفي في حصول الاستطاعة، فإنه يعتبر في حصول الاستطاعة صحة البدن و عدم الخوف في الطريق، و ظاهر هذه الأخبار يقتضي أن لا يكون شي‏ء من ذلك معتبراً، فصارت هذه الأخبار مطعوناً فيها من هذا الوجه بل يجب أن يعول في ذلك على ظاهر قوله تعالى: وَ مََا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78]و قوله‏ يُرِيدُ اَللََّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاََ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ [البقرة: 185].

المسألة الرابعة: احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع قالوا لأن ظاهر قوله تعالى: وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ يعم المؤمن و الكافر و عدم الإيمان لا يصلح معارضاً و مخصصاً لهذا العموم، لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد صلى اللّه عليه و سلم مع أن الإيمان باللّه الذي هو شرط صحة الإيمان بمحمد عليه السلام غير حاصل و المحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة غير حاصل، فلم يكن عدم الشرط مانعاً من كونه مكلفاً بالمشروط، فكذا هاهنا و اللّه أعلم.

المسألة الخامسة: احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن الاستطاعة قبل الفعل، فقالوا: لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من لم يحج مستطيعاً للحج، و من لم يكن مستطيعاً للحج لا يتناوله التكليف المذكور في هذه الآية فيلزم أن كل من لم يحج أن لا يصير مأموراً بالحج بسبب هذه الآية و ذلك باطل بالاتفاق.

أجاب الأصحاب بأن هذا أيضاً لازم لهم، و ذلك لأن القادر إما أن يصير مأمورا بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل أو بعد حصوله أما قبل حصول الداعي فمحال، لأن قبل حصول الداعي يمتنع حصول الفعل، فيكون التكليف به تكليف ما لا يطاق، و أما بعد حصول الداعي فالفعل يصير واجب الحصول، فلا يكون في التكليف به فائدة، و إذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف المذكور في هذه الآية على أحد.

المسألة السادسة:

روي أنه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول اللّه أكتب الحج علينا في كل عام، ذكروا ذلك ثلاثاً، فسكت الرسول صلى اللّه عليه و سلم، ثم قال في الرابعة: «لو قلت نعم لوجبت و لو وجبت ما قمتم بها و لو لم تقوموا بها لكفرتم ألا فوادعوني ما وادعتكم و إذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه ما استطعتم و إذا نهيتكم عن أمر فانتهوا عنه فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة اختلافهم على أنبيائهم» ،

ثم احتج العلماء بهذا الخبر على أن الأمر لا يفيد التكرار من وجهين الأول: أن الأمر ورد بالحج و لم يفد التكرار و الثاني: أن الصحابة استفهموا أنه هل يوجب التكرار أم لا؟و لو كانت هذه الصيغة تفيد التكرار لما احتاجوا إلى الاستفهام مع كونهم عالمين باللغة.

المسألة السابعة: استطاعة السبيل إلى الشي‏ء عبارة عن إمكان الوصول، قال تعالى: فَهَلْ إِلى‏ََ خُرُوجٍ‏

305

مِنْ سَبِيلٍ [غافر: 11]و قال: هَلْ إِلى‏ََ مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: 44]و قال: مََا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: 91]فيعتبر في حصول هذا الإمكان صحة البدن، و زوال خوف التلف من السبع أو العدو، و فقدان الطعام و الشراب و القدرة على المال الذي يشتري به الزاد و الراحلة و أن يقضي جميع الديون و يرد جميع الودائع، و إن وجب عليه الإنفاق على أحد لم يجب عليه الحج إلا إذا ترك من المال ما يكفيهم في المجي‏ء و الذهاب و تفاصيل هذا الباب مذكور في كتب الفقهاء و اللّه أعلم.

ثم قال تعالى: وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللََّهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعََالَمِينَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في هذه الآية قولان:

القول الأول: أنها كلام مستقل بنفسه و وعيد عام في حق كل من كفر باللّه و لا تعلق له بما قبله.

القول الثاني: أنه متعلق بما قبله و القائلون بهذا القول منهم من حمله على تارك الحج و منهم من حمله على من لم يعتقد وجوب الحج، أما الذين حملوه على تارك الحج فقد عولوا فيه على ظاهر الآية فإنه لما تقدم الأمر بالحج ثم أتبعه بقوله وَ مَنْ كَفَرَ فهم منه أن هذا الكفر ليس إلا ترك ما تقدم الأمر به ثم إنهم أكدوا هذا الوجه بالأخبار،

روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «من مات و لم يحج فليمت إن شاء يهودياً و إن شاء نصرانياً»

و

عن أبي أمامة قال: قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «من مات و لم يحج حجة الإسلام و لم تمنعه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً»

و عن سعيد بن جبير: لو مات جار لي و له ميسرة و لم يحج لم أصل عليه، فإن قيل: كيف يجوز الحكم عليه بالكفر بسبب ترك الحج؟ أجاب القفال رحمه اللّه تعالى عنه: يجوز أن يكون المراد منه التغليظ، أي قد قارب الكفر و عمل ما يعمله من كفر بالحج، و نظيره قوله تعالى: وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنََاجِرَ [الأحزاب: 10]أي كادت تبلغ و نظيره‏

قوله عليه الصلاة و السلام: «من ترك صلاة متعمداً فقد كفر»

و

قوله عليه الصلاة و السلام: «من أتى امرأة حائضاً أو في دبرها فقد كفر»

و أما الأكثرون: فهم الذين حملوا هذا الوعيد على من ترك اعتقاد وجوب الحج،

قال الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع الرسول صلى اللّه عليه و سلم أهل الأديان الستة المسلمين، و النصارى و اليهود و الصابئين و المجوس و المشركين فخطبهم و قال: «إن اللّه تعالى كتب عليكم الحج فحجوا» فآمن به المسلمون و كفرت به الملل الخمس، و قالوا: لا نؤمن/به، و لا نصلي إليه، و لا نحجه، فأنزل اللّه تعالى قوله وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللََّهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعََالَمِينَ

و هذا القول هو الأقوى.

المسألة الثانية: اعلم أن تكليف الشرع في العبادات قسمان، منها ما يكون أصله معقولاً إلا أن تفاصيله لا تكون معقولة مثل الصلاة فإن أصلها معقول و هو تعظيم اللّه أما كيفية الصلاة فغير معقولة، و كذا الزكاة أصلها دفع حاجة الفقير و كيفيتها غير معقولة، و الصوم أصله معقول، و هو قهر النفس و كيفيته غير معقولة، أما الحج فهو سفر إلى موضع معين على كيفيات مخصوصة، فالحكمة في كيفيات هذه العبادات غير معقولة و أصلها غير معلومة.

إذا عرفت هذا فنقول: قال المحققون إن الإتيان بهذا النوع من العبادة أدل على كمال العبودية و الخضوع و الانقياد من الإتيان بالنوع الأول، و ذلك لأن الآتي بالنوع الأول يحتمل أنه إنما أتى به لما عرف بعقله من وجوه‏

306

المنافع فيه، أما الآتي بالنوع الثاني فإنه لا يأتي به إلا لمجرد الانقياد و الطاعة و العبودية، فلأجل هذا المعنى اشتمل الأمر بالحج في هذه الآية على أنواع كثيرة من التوكيد أحدها: قوله وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ و المعنى أنه سبحانه لكونه إلهاً ألزم عبيده هذه الطاعة فيجب الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أو لم يعرفوا و ثانيها: أنه ذكر اَلنََّاسِ ثم أبدل منه مَنِ اِسْتَطََاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً و فيه ضربان من التأكيد، أما أولاً فلأن الإبدال تثنية للمراد و تكرير، و ذلك يدل على شدة العناية، و أما ثانياً فلأنه أجمل أولاً و فصل ثانياً و ذلك يدل على شدة الاهتمام و ثالثها: أنه سبحانه عبّر عن هذا الوجوب بعبارتين إحداهما: لام الملك في قوله وَ لِلََّهِ و ثانيتهما:

كلمة (على) و هي للوجوب في قوله وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ و رابعها: أن ظاهر اللفظ يقتضي إيجابه على كل إنسان يستطيعه، و تعميم التكليف يدل على شدة الاهتمام و خامسها: أنه قال وَ مَنْ كَفَرَ مكان، و من لم يحج و هذا تغليظ شديد في حق تارك الحج و سادسها: ذكر الاستغناء و ذلك مما يدل على المقت و السخط و الخذلان و سابعها: قوله عَنِ اَلْعََالَمِينَ و لم يقل عنه لأن المستغني عن كل العالمين أولى أن يكون مستغنياً عن ذلك الإنسان الواحد و عن طاعته، فكان ذلك أدل على السخط و ثامنها: أن في أول الآية قال: وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ فبيّن أن هذا الإيجاب كان لمجرد عزة الإلهية و كبرياء الربوبية، لا لجر نفع و لا لدفع ضر، ثم أكد هذا في آخر الآية بقوله فَإِنَّ اَللََّهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعََالَمِينَ و مما يدل من الأخبار على تأكيد الأمر بالحج،

قوله عليه الصلاة و السلام: «حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين و يرفع في الثالث»

و

روي «حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه»

قيل: معناه أنه يتعذر عليكم السفر في البر في مكة لعدم الأمن أو غيره، و عن ابن مسعود «حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا هلكت» .

في قوله تعالى يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ اعلم أن في كيفية النظم وجهين الأول: و هو الأوفق: أنه تعالى لما أورد الدلائل على نبوّة محمد عليه الصلاة و السلام مما ورد في التوراة و الإنجيل من البشارة بمقدمه، ثم ذكر عقيب ذلك شبهات القوم.

فالشبهة الأولى: ما يتعلق بإنكار النسخ.

و أجاب عنها بقوله‏ كُلُّ اَلطَّعََامِ كََانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرََائِيلَ إِلاََّ مََا حَرَّمَ إِسْرََائِيلُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ [آل عمران: 93].

و الشبهة الثانية: ما يتعلق بالكعبة و وجوب استقبالها في الصلاة و وجوب حجها.

و أجاب عنها بقوله إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنََّاسِ [آل عمران: 96]إلى آخرها، فعند هذا تمت وظيفة الاستدلال و كمل الجواب عن شبهات أرباب الضلال، فعند ذلك خاطبهم بالكلام اللين و قال: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ بعد ظهور البينات و زوال الشبهات، و هذا هو الغاية القصوى في ترتيب الكلام و حسن نظمه.

الوجه الثاني: و هو أنه تعالى لما بين فضائل الكعبة و وجوب الحج، و القوم كانوا عالمين بأن هذا هو الدين الحق و الملة الصحيحة قال لهم: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ بعد أن علمتم كونها حقة صحيحة.

307

و اعلم أن المبطل إما أن يكون ضالاً فقط، و إما أن يكون مع كونه ضالاً يكون مضلاً، و القوم كانوا موصوفين بالأمرين جميعاً فبدأ تعالى بالإنكار عليهم في الصفة الأولى على سبيل الرفق و اللطف.

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قوله يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ و اختلفوا فيمن المراد بأهل الكتاب، فقال الحسن: هم علماء أهل الكتاب الذين علموا صحة نبوته، و استدل عليه بقوله وَ أَنْتُمْ شُهَدََاءُ و قال بعضهم: بل المراد كل أهل الكتاب لأنهم و إن لم يعلموا فالحجة قائمة عليهم فكأنهم بترك الاستدلال و العدول إلى التقليد بمنزلة من علم ثم أنكر.

فإن قيل: و لم خص أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار؟.

قلنا لوجهين: الأول: أنا بينا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة و الإنجيل على صحة نبوّة محمد عليه الصلاة و السلام، ثم أجاب عن شبههم في ذلك، ثم لما تمّ ذلك خاطبهم فقال: يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ فهذا الترتيب الصحيح الثاني: أن معرفتهم بآيات اللّه أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد و أصل النبوّة، و لمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول و البشارة بنبوته.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة في قوله تعالى: لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ دلالة على أن الكفر من قبلهم حتى يصح هذا التوبيخ و كذلك لا يصح توبيخهم على طولهم و صحتهم و مرضهم.

و الجواب عنه: المعارضة بالعلم و الداعي.

المسألة الثالثة: المراد من آيات الله الآيات التي نصبها اللّه تعالى على نبوّة محمد عليه الصلاة و السلام، و المراد بكفرهم بها كفرهم بدلالتها على نبوّة محمد عليه الصلاة و السلام.

ثم قال: وَ اَللََّهُ شَهِيدٌ عَلى‏ََ مََا تَعْمَلُونَ الواو للحال و المعنى: لم تكفرون بآيات اللّه التي دلتكم على صدق محمد عليه الصلاة و السلام، و الحال أن اللّه شهيد على أعمالكم و مجازيكم عليها و هذه الحال توجب أن لا تجترؤا على الكفر بآياته.

ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم ذكر بعد ذلك الإنكار عليهم في إضلالهم لضعفة المسلمين فقال:

قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ مَنْ آمَنَ قال الفرّاء: يقال صددته أصده صداً و أصددته إصداداً، و قرأ الحسن تصدون بضم التاء من أصده، قال المفسرون: و كان صدهم عن سبيل اللّه بإلقاء الشبه و الشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين و كانوا ينكرون كون صفته صلى اللّه عليه و سلم في كتابهم.

ثم قال: تَبْغُونَهََا عِوَجاً العوج بكسر العين الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى، و هو الدين و القول، فأما الشي‏ء الذي يرى فيقال فيه: عوج بفتح العين كالحائط و القناة و الشجرة، قال ابن الأنباري: البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام كقولك: بغيت المال و الأجر و الثواب و أريد هاهنا: تبغون لها عوجاً، ثم أسقطت اللام كما قالوا: وهبتك درهماً أي وهبت لك درهما، و مثله صدت لك ظبياً و أنشد:

فتولى غلامهم ثم نادى # أظليما أصيدكم أم حماراً

308

أراد أصيد لكم و الهاء في تَبْغُونَهََا عائدة إلى السبيل لأن السبيل يؤنث و يذكر و العوج يعني به الزيغ و التحريف، أي تلتمسون لسبيله الزيغ و التحريف بالشبه التي توردونها على الضعفة نحو قولهم: النسخ يدل على البداء و قولهم: إنه ورد في التوراة أن شريعة موسى عليه السلام باقية إلى الأبد، و في الآية وجه آخر و هو أن يكون عِوَجاً في موضع الحال و المعنى: تبغونها ضالين/و ذلك أنهم كأنهم كانوا يدعون أنهم على دين اللّه و سبيله فقال اللّه تعالى: إنكم تبغون سبيل اللّه ضالين و على هذا القول لا يحتاج إلى إضمار اللام في تبغونها.

ثم قال: وَ أَنْتُمْ شُهَدََاءُ و فيه وجوه الأول: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: يعني أنتم شهداء أن في التوراة أن دين اللّه الذي لا يقبل غيره هو الإسلام الثاني: و أنتم شهداء على ظهور المعجزات على نبوته صلى اللّه عليه و سلم الثالث: و أنتم شهداء أنه لا يجوز الصد عن سبيل اللّه الرابع: و أنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يثقون بأقوالكم و يعولون على شهادتكم في عظام الأمور وهم الأحبار و المعنى: أن من كان كذلك فكيف يليق به الإصرار على الباطل و الكذب و الضلال و الإضلال.

ثم قال: وَ مَا اَللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ و المراد التهديد، و هو كقول الرجل لعبده، و قد أنكر طريقة لا يخفى على ما أنت عليه و لست غافلاً عن أمرك و إنما ختم الآية الأولى بقوله وَ اَللََّهُ شَهِيدٌ و هذه الآية بقوله وَ مَا اَللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ و ذلك لأنهم كانوا يظهرون الكفر بنبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم و ما كانوا يظهرون إلقاء الشبه في قلوب المسلمين، بل كانوا يحتالون في ذلك بوجوه الحيل فلا جرم قال فيما أظهروه وَ اَللََّهُ شَهِيدٌ و فيما أضمروه وَ مَا اَللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ و إنما كرر في الآيتين قوله قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ* لأن المقصود التوبيخ على ألطف الوجوه، و تكرير هذا الخطاب اللطيف أقرب إلى التلطف في صرفهم عن طريقتهم في الضلال و الإضلال و أدل على النصح لهم في الدين و الإشفاق.

في قوله تعالى يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ كََافِرِينَ و اعلم انه تعالى لما حذر الفريق من أهل الكتاب في الآية الأولى عن الإغواء و الإضلال حذر المؤمنين في هذه الآية عن إغوائهم و إضلالهم و منعهم عن الالتفات إلى قولهم،

روي أن شاس بن قيس اليهودي كان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد، فاتفق أنه مرّ على نفر من الأنصار من الأوس و الخزرج فرآهم في مجلس لهم يتحدثون، و كان قد زال ما كان بينهم في الجاهلية من العداوة ببركة الإسلام، فشق ذلك على اليهودي فجلس إليهم و ذكرهم ما كان بينهم من الحروب قبل ذلك و قرأ عليهم بعض ما قيل في تلك الحروب من الأشعار فتنازع القوم و تغاضبوا و قالوا: السلاح السلاح، فوصل الخبر إلى النبي عليه السلام، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين و الأنصار، و قال: أ ترجعون إلى أحوال الجاهلية و أنا بين أظهركم، و قد أكرمكم اللّه بالإسلام و ألف بين قلوبكم فعرف القوم أن ذلك كان من عمل الشيطان، و من كيد ذلك اليهودي، فألقوا السلاح و عانق بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فما كان يوم أقبح أولاً و أحسن آخراً من ذلك اليوم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية

فقوله إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ يحتمل أن يكون المراد هذه‏

309

الواقعة، و يحتمل أن يكون المراد جميع ما يحاولونه من أنواع الإضلال، فبيّن تعالى أن المؤمنين إن لانوا و قبلوا منهم قولهم أدى ذلك حالاً بعد حال إلى أن يعودوا كفاراً، و الكفر يوجب الهلاك في الدنيا و الدين، أما في الدنيا فبوقوع العداوة و البغضاء و هيجان الفتنة و ثوران المحاربة المؤدية إلى سفك الدماء، و أما في الدين فظاهر.

ثم قال تعالى: وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ آيََاتُ اَللََّهِ وَ فِيكُمْ رَسُولُهُ و كلمة (كيف) تعجب، و التعجب إنما يليق بمن لا يعلم السبب، و ذلك على اللّه محال، و المراد منه المنع و التغليظ و ذلك لأن تلاوة آيات اللّه عليهم حالاً بعد حال مع كون الرسول فيهم الذي يزيل كل شبهة و يقرر كل حجة، كالمانع من وقوعهم في الكفر، فكان صدور الكفر على الذين كانوا بحضرة الرسول أبعد من هذا الوجه، فقوله إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ كََافِرِينَ تنبيه على أن المقصد الأقصى لهؤلاء اليهود و المنافقين أن يردوا المسلمين عن الإسلام ثم أرشد المسلمين إلى أنه يجب أن لا يلتفتوا إلى قولهم، بل الواجب أن يرجعوا عند كل شبهة يسمعونها من هؤلاء اليهود إلى الرسول صلى اللّه عليه و سلم، حتى يكشف عنها و يزيل وجه الشبهة فيها.

ثم قال: وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللََّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ و المقصود: إنه لما ذكر الوعيد أردفه بهذا الوعد، و المعنى: و من يتمسك بدين اللّه، و يجوز أن يكون حثاً لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار و الاعتصام في اللغة الاستمساك بالشي‏ء و أصله من العصمة، و العصمة المنع في كلام العرب، و العاصم المانع، و اعتصم فلان بالشي‏ء إذا تمسك بالشي‏ء في منع نفسه من الوقوع في آفة، /و منه قوله تعالى: وَ لَقَدْ رََاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ [يوسف: 32]قال قتادة: ذكر في الآية أمرين يمنعان عن الوقوع في الكفر أحدهما: تلاوة كتاب اللّه و الثاني: كون الرسول فيهم، أما الرسول صلى اللّه عليه و سلم فقد مضى إلى رحمة اللّه، و أما الكتاب فباق على وجه الدهر.

و أما قوله فَقَدْ هُدِيَ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ فقد احتج به أصحابنا على أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى، قالوا: لأنه جعل اعتصامهم هداية من اللّه، فلما جعل ذلك الاعتصام فعلاً لهم و هداية من اللّه ثبت ما قلناه، أما المعتزلة فقد ذكروا فيه وجوهاً الأول: أن المراد بهذه الهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات كما قال تعالى: يَهْدِي بِهِ اَللََّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوََانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاََمِ [المائدة: 16]و هذا اختاره القفال رحمه اللّه و الثاني:

أن التقدير من يعتصم باللّه فنعم ما فعل فإنه إنما هدي إلى الصراط المستقيم ليفعل ذلك الثالث: أن من يعتصم باللّه فقد هدي إلى طريق الجنة و الرابع: قال صاحب «الكشاف» فَقَدْ هُدِيَ أي فقد حصل له الهدى لا محالة، كما تقول: إذا جئت فلانا فقد أفلحت، كأن الهدى قد حصل فهو يخبر عنه حاصلاً و ذلك لأن المعتصم باللّه متوقع للهدى كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.

310

اعلم أنه تعالى لما حذر المؤمنين من إضلال الكفار و من تلبيساتهم في الآية الأولى أمر المؤمنين في هذه الآيات بمجامع الطاعات، و معاقد الخيرات، فأمرهم أولاً: بتقوى اللّه و هو قوله اِتَّقُوا اَللََّهَ /و ثانياً: بالاعتصام بحبل اللّه، و هو قوله وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ و ثالثاً: بذكر نعم اللّه و هو قوله‏ وَ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ و السبب في هذا الترتيب أن فعل الإنسان لا بد و أن يكون معللاً، إما بالرهبة و إما بالرغبة، و الرهبة مقدمة على الرغبة، لأن دفع الضرر مقدم على جلب النفع، فقوله اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ إشارة إلى التخويف من عقاب اللّه تعالى، ثم جعله سبباً للأمر بالتمسك بدين اللّه و الاعتصام بحبل اللّه، ثم أردفه بالرغبة، و هي قوله‏ وَ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ فكأنه قال:

خوف عقاب اللّه يوجب ذلك، و كثرة نعم اللّه توجب ذلك فلم تبق جهة من الجهات الموجبة للفعل إلا و هي حاصلة في وجوب انقيادكم لأمر اللّه و وجوب طاعتكم لحكم اللّه، فظهر بما ذكرناه أن الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية مرتبة على أحسن الوجوه، و لنرجع إلى التفسير:

أما قوله تعالى: اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال بعضهم هذه الآية منسوخة و ذلك لما يروى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين لأن حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، و أن يشكر فلا يكفر، و أن يذكر فلا ينسى، و العباد لا طاقة لهم بذلك، فأنزل اللّه تعالى بعد هذه‏ فَاتَّقُوا اَللََّهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ و نسخت هذه الآية أولها و لم ينسخ آخرها و هو قوله وَ لاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ و زعم جمهور المحققين أن القول بهذا النسخ باطل و احتجوا عليه من وجوه الأول: ما

روي عن معاذ أنه عليه السلام قال له: «هل تدري ما حق اللّه على العباد؟ قال اللّه و رسوله أعلم، قال: هو أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئاً»

و هذا لا يجوز أن ينسخ الثاني: أن معنى قوله اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ أي كما يحق أن يتقى، و ذلك بأن يجتنب جميع معاصيه، و مثل هذا لا يجوز أن ينسخ لأنه إباحة لبعض المعاصي، و إذا كان كذلك صار معنى هذا و معنى قوله تعالى: فَاتَّقُوا اَللََّهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] واحداً لأن من اتقى اللّه ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته، و لا يجوز أن يكون المراد بقوله حَقَّ تُقََاتِهِ ما لا يستطاع من التقوى، لأن اللّه سبحانه أخبر أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها و الوسع دون الطاقة و نظير هذه الآية قوله‏ وَ جََاهِدُوا فِي اَللََّهِ حَقَّ جِهََادِهِ [الحج: 78].

فإن قيل: أليس أنه تعالى قال: وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ* [الأنعام: 91].

قلنا: سنبين في تفسير هذه الآية أنها جاءت في القرآن في ثلاثة مواضع كلها في صفة الكفار لا في صفة المسلمين؛ أما الذين قالوا: إن المراد هو أن يطاع فلا يعصى فهذا صحيح و الذي يصدر عن الإنسان على سبيل السهو و النسيان فغير قادح فيه لأن التكليف مرفوع في هذه الأوقات، و كذلك قوله: أن يشكر فلا يكفر، لأن ذلك واجب عليه عند خطور نعم اللّه بالبال، فأما عند السهو فلا يجب، و كذلك قوله: أن يذكر فلا ينسى، فإن هذا إنما يجب عند الدعاء و العبادة و كل ذلك مما لا يطاق، فلا وجه لما ظنوه أنه منسوخ.

قال المصنف رضي اللّه تعالى عنه، أقول: للأولين أن يقرروا قولهم من وجهين الأول: أن كنه الإلهية غير معلوم للخلق، فلا يكون كمال قهره و قدرته و عزته معلوماً للخلق، و إذا لم يحصل العلم بذلك لم يحصل الخوف اللائق بذلك فلم يحصل الاتقاء اللائق به الثاني: أنهم أمروا بالاتقاء المغلظ و المخفف معاً فنسخ المغلظ و بقي المخفف، و قيل: إن هذا باطل، لأن الواجب عليه أن يتقي ما أمكن و النسخ إنما يدخل في الواجبات لا في النفي، ـ

311

لأنه يوجب رفع الحجر عما يقتضي أن يكون الإنسان محجوراً عنه و إنه غير جائز.

المسألة الثانية: قوله تعالى: حَقَّ تُقََاتِهِ أي كما يجب أن يتقى يدل عليه قوله تعالى: حَقُّ اَلْيَقِينِ* [الواقعة: 95]و يقال: هو الرجل حقاً، و منه‏

قوله عليه السلام: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»

و

عن علي رضي اللّه عنه أنه قال: أنا علي لا كذب أنا ابن عبد المطلب،

و التقى اسم الفعل من قولك اتقيت، كما أن الهدى اسم الفعل من قولك اهتديت.

أما قوله تعالى: وَ لاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فلفظ النهي واقع على الموت، لكن المقصود الأمر بالإقامة على الإسلام، و ذلك لأنه لما كان يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت أتاهم و هم على الإسلام، صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم، و مضى الكلام في هذا عند قوله‏ إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفى‏ََ لَكُمُ اَلدِّينَ فَلاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: 132].

ثم قال تعالى: وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً .

و اعلم أنه تعالى لما أمرهم بالاتقاء عن المحظورات أمرهم بالتمسك بالاعتصام بما هو كالأصل لجميع الخيرات و الطاعات، و هو الاعتصام بحبل اللّه.

و اعلم أن كل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله، فإذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف، و لا شك أن طريق الحق طريق دقيق، و قد انزلق رجل الكثير من الخلق عنه، فمن اعتصم بدليل اللّه و بيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف، فكان المراد من الحبل هاهنا كل شي‏ء يمكن التوصل به إلى الحق في طريق الدين، و هو أنواع كثيرة، فذكر كل واحد من المفسرين واحداً من تلك الأشياء، فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: المراد بالحبل هاهنا العهد المذكور في قوله‏ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: 40]و قال:

إِلاََّ بِحَبْلٍ مِنَ اَللََّهِ وَ حَبْلٍ مِنَ اَلنََّاسِ [آل عمران: 112]أي بعهد، و إنما سمي العهد حبلاً لأنه يزيل عنه الخوف من الذهاب إلى أي موضع شاء، و كان كالحبل الذي من تمسك به زال عنه الخوف، و قيل: إنه القرآن،

روي عن علي رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «أما إنها ستكون فتنة» قيل: فما المخرج منها؟قال: «كتاب اللّه فيه نبأ من قبلكم و خبر من بعدكم و حكم ما بينكم و هو حبل اللّه المتين»

و

روي عن ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «هذا القرآن حبل اللّه»

و

روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه و سلم/أنه قال: «إني تارك فيكم الثقلين، كتاب اللّه تعالى حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي»

و قيل: إنه دين اللّه، و قيل: هو طاعة اللّه، و قيل: هو إخلاص التوبة، و قيل: الجماعة، لأنه تعالى ذكر عقيب ذلك قوله وَ لاََ تَفَرَّقُوا و هذه الأقوال كلها متقاربة، و التحقيق ما ذكرنا أنه لما كان النازل في البئر يعتصم بحبل تحرزاً من السقوط فيها، و كان كتاب اللّه و عهده و دينه و طاعته و موافقته لجماعة المؤمنين حرزاً لصاحبه من السقوط في قعر جهنم جعل ذلك حبلاً للّه، و أمروا بالاعتصام به.

ثم قال تعالى: وَ لاََ تَفَرَّقُوا و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: في التأويل وجوه الأول: أنه نهى عن الاختلاف في الدين و ذلك لأن الحق لا يكون إلا واحدا، و ما عداه يكون جهلاً و ضلالاً، فلما كان كذلك وجب أن يكون النهي عن الاختلاف في الدين، و إليه الإشارة

312

بقوله تعالى: فَمََا ذََا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاََلُ [يونس: 32]و الثاني: أنه نهى عن المعاداة و المخاصمة، فإنهم كانوا في الجاهلية مواظبين على المحاربة و المنازعة فنهاهم اللّه عنها الثالث: أنه نهى عما يوجب الفرقة و يزيل الألفة و المحبة.

و اعلم أنه‏

روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «ستفترق أمتي على نيف و سبعين فرقة الناجي منهم واحد و الباقي في النار فقيل: و من هم يا رسول اللّه؟قال الجماعة» و روي «السواد الأعظم» و روي «ما أنا عليه و أصحابي»

و الوجه المعقول فيه: أن النهي عن الاختلاف و الأمر بالاتفاق يدل على أن الحق لا يكون إلا واحداً، و إذا كان كذلك كان الناجي واحداً.

المسألة الثانية: استدلت نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: الأحكام الشرعية إما أن يقال: إنه سبحانه نصب عليها دلائل يقينية أو نصب عليها دلائل ظنية، فإن كان الأول امتنع الاكتفاء فيها بالقياس الذي يفيد الظن، لأن الدليل الظني لا يكتفى به في الموضع اليقيني، و إن كان الثاني كان الأمر بالرجوع إلى تلك الدلائل الظنية يتضمن وقوع الاختلاف و وقوع النزاع، فكان ينبغي أن لا يكون التفرق و التنازع منهياً عنه، لكنه منهي عنه لقوله تعالى:

وَ لاََ تَفَرَّقُوا و قوله‏ وَ لاََ تَنََازَعُوا و لقائل أن يقول: الدلائل الدالة على العمل بالقياس تكون مخصصة لعموم قوله وَ لاََ تَفَرَّقُوا و لعموم قوله‏ وَ لاََ تَنََازَعُوا و اللّه أعلم.

ثم قال تعالى: وَ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ و اعلم أن نعم اللّه على الخلق إما دنيوية و إما أخروية و إنه تعالى ذكرهما في هذه الآية، أما النعمة الدنيوية فهي قوله تعالى: إِذْ كُنْتُمْ أَعْدََاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوََاناً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قيل إن ذلك اليهودي لما ألقى الفتنة بين الأوس و الخزرج و هم كل واحد منهما بمحاربة صاحبه، فخرج الرسول صلى اللّه عليه و سلم و لم يزل يرفق بهم حتى سكنت الفتنة و كان/الأوس و الخزرج أخوين لأب و أم، فوقعت بينهما العداوة، و تطاولت الحروب مائة و عشرين سنة إلى أن أطفأ اللّه ذلك بالإسلام، فالآية إشارة إليهم و إلى أحوالهم، فإنهم قبل الإسلام كان يحارب بعضهم بعضاً و يبغض بعضهم بعضاً، فلما أكرمهم اللّه تعالى بالإسلام صاروا إخواناً متراحمين متناصحين و صاروا إخوة في اللّه: و نظير هذه الآية قوله‏ لَوْ أَنْفَقْتَ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً مََا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: 63].

و اعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا كان معادياً لأكثر الخلق، و من كان وجهه إلى خدمة اللّه تعالى لم يكن معادياً لأحد، و السبب فيه أنه ينظر من الحق إلى الخلق فيرى الكل أسيراً في قبضة القضاء و القدر فلا يعادي أحداً، و لهذا قيل: إن العارف إذا أمر أمر برفق و يكون ناصحاً لا يعنف و يعير فهو مستبصر بسر اللّه في القدر.

المسألة الثانية: قال الزجاج: أصل الأخ في اللغة من التوخي و هو الطلب فالأخ مقصده مقصد أخيه، و الصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين صاحبه ما في قلبه، و لا يخفى عنه شيئاً و قال أبو حاتم قال أهل البصرة: الاخوة في النسب و الإخوان في الصداقة، قال و هذا غلط، قال اللّه تعالى: إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10]و لم يعن النسب، و قال: أَوْ بُيُوتِ إِخْوََانِكُمْ [النور: 61]و هذا في النسب.

المسألة الثالثة: قوله فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوََاناً يدل على أن المعاملات الحسنة الجارية بينهم بعد الإسلام‏

313

إنما حصلت من اللّه، لأنه تعالى خلق تلك الداعية في قلوبهم و كانت تلك الداعية نعمة من اللّه مستلزمة لحصول الفعل، و ذلك يبطل قول المعتزلة في خلق الأفعال، قال الكعبي: إن ذلك بالهداية و البيان و التحذير و المعرفة و الألطاف.

قلنا: كل هذا كان حاصلاً في زمان حصول المحاربات و المقاتلات، فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة و المحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم.

ثم قال تعالى: وَ كُنْتُمْ عَلى‏ََ شَفََا حُفْرَةٍ مِنَ اَلنََّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهََا .

و اعلم أنه تعالى لما شرح النعمة الدنيوية ذكر بعدها النعمة الأخروية، و هي ما ذكره في آخر هذه الآية، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: المعنى أنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم، لأن جهنم مشبهة بالحفرة التي فيها النار فجعل استحقاقهم للنار بكفرهم كالإشراف منهم على النار، و المصير منهم إلى حفرتها، فبيّن تعالى أنه أنقذهم من هذه الحفرة، و قد قربوا من الوقوع فيها.

قالت المعتزلة: و معنى ذلك أنه تعالى لطف بهم بالرسول عليه السلام و سائر ألطافه حتى آمنوا قال أصحابنا:

جميع الألطاف مشترك فيه بين المؤمن و الكافر، فلو كان فاعل الإيمان و موجده هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، و اللّه تعالى حكم بأنه هو الذي أنقذهم من النار، /فدل هذا على أن خالق أفعال العباد هو اللّه سبحانه و تعالى.

المسألة الثانية: شفا الشي‏ء حرفه مقصور، مثل شفا البئر و الجمع الإشفاء، و منه يقال: أشفى على الشي‏ء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه، أي حده و حرفه و قوله فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهََا قال الأزهري: يقال نقذته و أنقذته و استنقذته، أي خلصته و نجيته.

و في قوله فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهََا سؤال و هو: أنه تعالى إنما ينقذهم من الموضع الذي كانوا فيه و هم كانوا على شفا حفرة، و شفا الحفرة مذكر فكيف قال منها؟.

و أجابوا عنه من وجوه الأول: الضمير عائد إلى الحفرة و لما أنقذهم من الحفرة فقد أنقذهم من شفا الحفرة لأن شفاها منها و الثاني: أنها راجعة إلى النار، لأن القصد الإنجاء من النار لا من شفا الحفرة، و هذا قول الزجاج الثالث: أن شفا الحفرة، و شفتها طرفها، فجاز أن يخبر عنه بالتذكير و التأنيث.

المسألة الثالثة: أنهم لو ماتوا على الكفر لوقعوا في النار، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها، و هذا فيه تنبيه على تحقير مدة الحياة، فإنه ليس بين الحياة و بين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشي‏ء، و بين ذلك الشي‏ء، ثم قال: كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اَللََّهُ الكاف في موضع نصب، أي مثل البيان المذكور يبين اللّه لكم سائر الآيات لكي تهتدوا بها، قال الجبائي: الآية تدل على أنه تعالى يريد منهم الاهتداء، أجاب الواحدي عنه في «البسيط» فقال: بل المعنى لتكونوا على رجاء هداية.

و أقول: و هذا الجواب ضعيف لأن على هذا التقدير يلزم أن يريد اللّه منهم ذلك الرجاء و من المعلوم أن على مذهبنا قد لا يريد ذلك الرجاء، فالجواب الصحيح أن يقال كلمة (لعلّ) للترجي، و المعنى أنا فعلنا فعلاً يشبه فعل من يترجى ذلك و اللّه أعلم.

314

اعلم أنه تعالى في الآيات المتقدمة عاب أهل الكتاب على شيئين أحدهما: أنه عابهم على الكفر، فقال:

يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لِمَ تَكْفُرُونَ* [آل عمران: 70]ثم بعد ذلك عابهم على سعيهم في إلقاء الغير في الكفر، فقال:

يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ [آل عمران: 99]فلما انتقل منه إلى مخاطبة المؤمنين أمرهم أولاً بالتقوى و الإيمان، فقال: اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ وَ لاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ‏`وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً [آل عمران: 102، 103]ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في الإيمان و الطاعة، فقال: وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى اَلْخَيْرِ و هذا هو الترتيب الحسن الموافق للعقل، و في الآية مسألتان:

المسألة الأولى: في قوله مِنْكُمْ قولان أحدهما: أن (من) هاهنا ليست للتبعيض لدليلين الأول: أن اللّه تعالى أوجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على كل الأمة في قوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ [آل عمران: 110]و الثاني: هو أنه لا مكلف إلا و يجب عليه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إما بيده، أو بلسانه، أو بقلبه، و يجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس إذا ثبت هذا فنقول:

معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، و أما كلمة (من) فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثََانِ [الحج: 30]و يقال أيضاً: لفلان من أولاده جند و للأمير من غلمانه عسكر يريد بذلك/جميع أولاده و غلمانه لا بعضهم، كذا هاهنا، ثم قالوا: إن ذلك و إن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين، و نظيره قوله تعالى: اِنْفِرُوا خِفََافاً وَ ثِقََالاً [التوبة: 41] و قوله‏ إِلاََّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذََاباً أَلِيماً [التوبة: 39]فالأمر عام، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية و زال التكليف عن الباقين.

و القول الثاني: أن (من) هاهنا للتبعيض، و القائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً على قولين أحدهما: أن فائدة كلمة (من) هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة و لا على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مثل النساء و المرضى و العاجزين و الثاني: أن هذا التكليف مختص بالعلماء و يدل عليه وجهان الأول: أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء: الدعوة الى الخير، و الأمر بالمعروف، و النهى عن المنكر، و معلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير و بالمعروف و بالمنكر، فإن الجاهل ربما عاد إلى الباطل و أمر بالمنكر و نهى عن المعروف، و ربما

315

عرف الحكم في مذهبه و جهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، و قد يغلظ في موضع اللين و يلين في موضع الغلظة، و ينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء، و لا شك أنهم بعض الأمة، و نظير هذه الآية قوله تعالى: فَلَوْ لاََ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طََائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي اَلدِّينِ [التوبة: 122]و الثاني: أنا جمعنا على أن ذلك واجب على سبيل الكفاية بمعنى أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين، و إذا كان كذلك كان المعنى ليقم بذلك بعضكم، فكان في الحقيقة هذا إيجاباً على البعض لا على الكل، و اللّه أعلم.

و فيه قول رابع: و هو قول الضحاك: إن المراد من هذه الآية أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم لأنهم كانوا يتعلمون من الرسول عليه السلام و يعلمون الناس، و التأويل على هذا الوجه كونوا أمة مجتمعين على حفظ سنن الرسول صلى اللّه عليه و سلم و تعلم الدين.

المسألة الثانية: هذه الآية اشتملت على التكليف بثلاثة أشياء، أولها: الدعوة إلى الخير ثم الأمر بالمعروف، ثم النهي عن المنكر، و لأجل العطف يجب كون هذه الثلاثة متغايرة، فنقول: أما الدعوة إلى الخير فأفضلها الدعوة إلى إثبات ذات اللّه و صفاته و تقديسه عن مشابهة الممكنات و إنما قلنا إن الدعوة إلى الخير تشتمل على ما ذكرنا لقوله تعالى: اُدْعُ إِلى‏ََ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [النحل: 125]و قوله تعالى: قُلْ هََذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللََّهِ عَلى‏ََ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي [يوسف: 108].

إذا عرفت هذا فنقول: الدعوة إلى الخير جنس تحته نوعان أحدهما: الترغيب في فعل ما ينبغي و هو بالمعروف و الثاني: الترغيب في ترك ما لا ينبغي و هو النهي عن المنكر فذكر الجنس أولاً ثم أتبعه بنوعية مبالغة في البيان، و أما شرائط الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فمذكورة في كتب الكلام.

ثم قال تعالى: وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ و قد سبق تفسيره و فيه مسائل:

المسألة الأولى: منهم من تمسك بهذه الآية في أن الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، قال لأن هذه الآية تدل على أن الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر من المفلحين، و الفاسق ليس من المفلحين، فوجب أن يكون الآمر بالمعروف ليس بفاسق، و أجيب عنه بأن هذا ورد على سبيل الغالب فإن الظاهر أن من أمر بالمعروف و نهى عن المنكر لم يشرع فيه إلا بعد صلاح أحوال نفسه، لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير، ثم إنهم أكدوا هذا بقوله تعالى: أَ تَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: 44]و بقوله‏ لِمَ تَقُولُونَ مََا لاََ تَفْعَلُونَ*`كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللََّهِ أَنْ تَقُولُوا مََا لاََ تَفْعَلُونَ [الصف: 2، 3]و لأنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت وجهها؟و معلوم أن ذلك في غاية القبح، و العلماء قالوا: الفاسق له أن يأمر بالمعروف لأنه وجب عليه ترك ذلك المنكر و وجب عليه النهي عن ذلك المنكر، فبأن ترك أحد الواجبين لا يلزمه ترك الواجب الآخر، و عن السلف: مروا بالخير و إن لم تفعلوا، و عن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد اللّه يقول: لا أقول ما لا أفعل، فقال: و أينا يفعل ما يقول؟ودّ الشيطان لو ظفر بهذه الكلمة منكم فلا يأمر أحد بمعروف و لا ينهى عن المنكر.

المسألة الثانية:

عن النبي صلى اللّه عليه و سلم: «من أمر بالمعروف و نهى عن المنكر كان خليفة اللّه في أرضه و خليفة

316

رسوله و خليفة كتابه»

و

عن علي رضي اللّه عنه: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و قال أيضاً: من لم يعرف بقلبه معروفاً و لم ينكر منكرا نكس و جعل أعلاه أسفله،

و روى الحسن عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه قال: يا أيها الناس ائتمروا بالمعروف و انتهوا عن المنكر تعيشوا بخير، و عن الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن.

المسألة الثالثة: قال اللّه سبحانه و تعالى: وَ إِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدََاهُمََا عَلَى اَلْأُخْرى‏ََ فَقََاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتََّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ََ أَمْرِ اَللََّهِ [الحجرات: 9]قدم الإصلاح على القتال، و هذا يقتضي أن يبدأ في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بالأرفق مترقياً إلى الأغلظ فالأغلظ، و كذا قوله تعالى: وَ اُهْجُرُوهُنَّ فِي اَلْمَضََاجِعِ وَ اِضْرِبُوهُنَّ [النساء: 34]يدل على ما ذكرناه، ثم إذا لم يتم الأمر بالتغليظ و التشديد وجب عليه القهر باليد، فإن عجز فباللسان، فإن عجز فبالقلب، و أحوال الناس مختلفة في هذا الباب.

ثم قال تعالى: وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ اَلْبَيِّنََاتُ .

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في النظم وجهان الأول: أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة أنه بيّن في/التوراة و الإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام و صحة نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم، ثم ذكر أن أهل الكتاب حسدوا محمداً صلى اللّه عليه و سلم و احتالوا في إلقاء الشكوك و الشبهات في تلك النصوص الظاهرة، ثم إنه تعالى أمر المؤمنين بالإيمان باللّه و الدعوة إلى اللّه، ثم ختم ذلك بأن حذر المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب، و هو إلقاء الشبهات في هذه النصوص و استخراج التأويلات الفاسدة الرافعة لدلالة هذه النصوص فقال: وَ لاََ تَكُونُوا أيها المؤمنون عند سماع هذه البينات كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اِخْتَلَفُوا من أهل الكتاب مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ في التوراة و الإنجيل تلك النصوص الظاهرة، فعلى هذا الوجه تكون الآية من تتمة جملة الآيات المتقدمة و الثاني: و هو أنه تعالى لما أمر بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ذلك مما لا يتم إلا إذا كان الآمر بالمعروف قادراً على تنفيذ هذا التكليف على الظلمة و المتغالين، و لا تحصل هذه القدرة إلا إذا حصلت الألفة و المحبة بين أهل الحق و الدين، لا جرم حذرهم تعالى من الفرقة و الاختلاف لكي لا يصير ذلك سببا لعجزهم عن القيام بهذا التكليف، و على هذا الوجه تكون هذه الآية من تتمة الآية السابقة فقط.

المسألة الثانية: قوله تَفَرَّقُوا وَ اِخْتَلَفُوا فيه وجوه الأول: تفرقوا و اختلفوا بسبب اتباع الهوى و طاعة النفس و الحسد، كما أن إبليس ترك نص اللّه تعالى بسبب حسده لآدم الثاني: تفرقوا حتى صار كل فريق منهم يصدق من الأنبياء بعضا دون بعض، فصاروا بذلك إلى العداوة و الفرقة الثالث: صاروا مثل مبتدعة هذه الأمة، مثل المشبهة و القدرية و الحشوية.

المسألة الثالثة: قال بعضهم تَفَرَّقُوا وَ اِخْتَلَفُوا معناهما واحد و ذكرهما للتأكيد و قيل: بل معناهما مختلف، ثم اختلفوا فقيل: تفرقوا بالعداوة و اختلفوا في الدين، و قيل: تفرقوا بسبب استخراج التأويلات الفاسدة من تلك النصوص، ثم اختلفوا بأن حاول كل واحد منهم نصرة قوله و مذهبه و الثالث: تفرقوا بأبدانهم‏

317

بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيساً في بلد، ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق و أن صاحبه على الباطل، و أقول: إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة فنسأل اللّه العفو و الرحمة.

المسألة الرابعة: إنما قال: مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ اَلْبَيِّنََاتُ و لم يقل (جاءتهم) لجواز حذف علامة من الفعل إذا كان فعل المؤنث متقدماً.

ثم قال تعالى: وَ أُولََئِكَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ يعني الذين تفرقوا لهم عذاب عظيم في الآخرة بسبب تفرقهم، فكان ذلك زجراً للمؤمنين عن التفرق.

ثم قال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ اعلم أنه تعالى لما أمر اليهود ببعض الأشياء و نهاهم عن بعض، ثم أمر المسلمين بالبعض و نهاهم عن البعض أتبع ذلك بذكر أحوال الآخرة، تأكيداً للأمر، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في نصب يَوْمَ وجهان الأول: أنه نصب على الظرف، و التقدير: و لهم عذاب عظيم في هذا اليوم، و على هذا التقدير ففيه فائدتان إحداهما: أن ذلك العذاب في هذا اليوم، و الأخرى أن من حكم هذا اليوم أن تبيض فيه وجوه و تسود وجوه و الثاني: أنه منصوب بإضمار (اذكر) .

المسألة الثانية: هذه الآية لها نظائر منها قوله تعالى: وَ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ تَرَى اَلَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اَللََّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: 60]و منها قوله‏ وَ لاََ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَ لاََ ذِلَّةٌ [يونس: 26]و منها قوله‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ*`ضََاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ*`وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهََا غَبَرَةٌ*`تَرْهَقُهََا قَتَرَةٌ [عبس: 38-41]و منها قوله‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ*`إِلى‏ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ*`وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بََاسِرَةٌ*`تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهََا فََاقِرَةٌ [القيامة: 22-25]و منها قوله‏ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ اَلنَّعِيمِ [المطففين: 24]و منها قوله‏ يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمََاهُمْ [الرحمن: 41].

إذا عرفت هذا فنقول: في هذا البياض و السواد و الغبرة و القترة و النضرة للمفسرين قولان أحدهما: أن البياض مجاز عن الفرح و السرور، و السواد عن الغم، و هذا مجاز مستعمل، قال تعالى: وَ إِذََا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى‏ََ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ [النحل: 58]و يقال: لفلان عندي يد بيضاء، أي جلية سارة، و لما سلم الحسن بن علي رضي اللّه عنه الأمر لمعاوية قال له بعضهم: يا مسود وجوه المؤمنين، و لبعضهم في الشيب.

يا بياض القرون سودت وجهي # عند بيض الوجوه سود القرون

فلعمري لأخفينك جهدي # عن عياني و عن عيان العيون

بسواد فيه بياض لوجهي # و سواد لوجهك الملعون‏

و تقول العرب لمن نال بغيته و فاز بمطلوبه: ابيض وجهه و معناه الاستبشار و التهلل و عند التهنئة بالسرور يقولون: الحمد للّه الذي بيض وجهك، و يقال لمن وصل إليه مكروه: اربد وجهه و اغبر لونه و تبدلت صورته، فعلى هذا معنى الآية أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فإن كان ذلك من الحسنات ابيض وجهه

318

بمعنى استبشر بنعم اللّه و فضله، و على ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة اسود وجهه بمعنى شدة الحزن و الغم و هذا قول أبي مسلم الأصفهاني.

و القول الثاني: إن هذا البياض و السواد يحصلان في وجوه المؤمنين و الكافرين، و ذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما، و لا دليل يوجب ترك الحقيقة، فوجب المصير إليه، قلت: و لأبي مسلم أن يقول: الدليل دل على ما قلناه، و ذلك لأنه تعالى قال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ`ضََاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ`وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهََا غَبَرَةٌ`تَرْهَقُهََا قَتَرَةٌ فجعل الغبرة و القترة في مقابلة الضحك و الاستبشار، فلو لم يكن المراد بالغبرة و القترة ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلاً، فعلمنا أن المراد من هذه الغبرة و القترة الغم و الحزن حتى يصح هذا التقابل، ثم قال القائلون بهذا القول: الحكمة في ذلك أن أهل/الموقف إذا رأوا البياض في وجه إنسان عرفوا أنه من أهل الثواب فزادوا في تعظيمه فيحصل له الفرح بذلك من وجهين أحدهما: أن السعيد يفرح بأن يعلم قومه أنه من أهل السعادة، قال تعالى مخبراً عنهم‏ يََا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ‏`بِمََا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُكْرَمِينَ [يس: 26، 27] الثاني: أنهم إذا عرفوا ذلك خصوه بمزيد التعظيم فثبت أن ظهور البياض في وجه المكلف سبب لمزيد سروره في الآخرة و بهذا الطريق يكون ظهور السواد في وجه الكفار سببا لمزيد غمهم في الآخرة، فهذا وجه الحكمة في الآخرة، و أما في الدنيا فالمكلف حين يكون في الدنيا إذا عرف حصول هذه الحالة في الآخرة صار ذلك مرغباً له في الطاعات و ترك المحرمات لكي يكون في الآخرة من قبيل من يبيض وجهه لا من قبيل من يسود وجهه، فهذا تقرير هذين القولين.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المكلف إما مؤمن و إما كافر، و أنه ليس هاهنا منزلة بين المنزلتين كما يذهب إليه المعتزلة، فقالوا: إنه تعالى قسم أهل القيامة إلى قسمين منهم من يبيض وجهه و هم المؤمنون، و منهم من يسود وجهه و هم الكافرون و لم يذكر الثالث، فلو كان هاهنا قسم ثالث لذكره اللّه تعالى قالوا و هذا أيضاً متأكد بقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ*`ضََاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ*`وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهََا غَبَرَةٌ* `تَرْهَقُهََا قَتَرَةٌ*`أُولََئِكَ هُمُ اَلْكَفَرَةُ اَلْفَجَرَةُ [عبس: 38-42].

أجاب القاضي عنه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه، يبين ذلك أنه تعالى إنما قال: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فذكرهما على سبيل التنكير، و ذلك لا يفيد العموم، و أيضاً المذكور في الآية المؤمنون و الذين كفروا بعد الإيمان و لا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين، فكذا القول في الفساق.

و اعلم أن وجه الاستدلال بالآية هو أنا نقول: الآيات المتقدمة ما كانت إلا في الترغيب في الإيمان بالتوحيد و النبوّة و في الزجر عن الكفر بهما ثم إنه تعالى اتبع ذلك بهذه الآية فظاهرها يقتضي أن يكون ابيضاض الوجه نصيباً لمن آمن بالتوحيد و النبوّة، و اسوداد الوجه يكون نصيبا لمن أنكر ذلك، ثم دل ما بعد هذه الآية على أن صاحب البياض من أهل الجنة، و صاحب السواد من أهل النار، فحينئذ يلزم نفي المنزلة بين المنزلتين، و أما قوله يشكل هذا بالكافر الأصلي فجوابنا عنه من وجهين الأول: أن نقول لم لا يجوز أن يكون المراد منه أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم؟و إذا كان كذلك كان الكل داخلاً فيه و الثاني: و هو أنه تعالى قال في آخر الآية فَذُوقُوا اَلْعَذََابَ بِمََا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فجعل موجب العذاب هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر

319

من حيث أنه بعد الإيمان، و إذا وقع التعليل بمطلق الكفر دخل كل الكفار فيه سواء كفر بعد الإيمان، أو كان كافراً أصلياً و اللّه أعلم.

ثم قال: فَأَمَّا اَلَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ و في الآية سؤالات:

السؤال الأول: أنه تعالى ذكر القسمين أولاً فقال: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فقدم البياض على السواد في اللفظ، ثم لما شرع في حكم هذين القسمين قدم حكم السواد، و كان حق الترتيب أن يقدم حكم البياض.

و الجواب عنه من وجوه: أحدها: أن الواو للجمع المطلق لا للترتيب و ثانيها: أن المقصود من الخلق إيصال الرحمة لا إيصال العذاب‏

قال عليه الصلاة و السلام حاكياً عن رب العزة سبحانه: «خلقتهم ليربحوا علي لا لأربح عليهم»

و إذا كان كذلك فهو تعالى ابتدأ بذكر أهل الثواب و هم أهل البياض، لأن تقديم الأشرف على الأخس في الذكر أحسن، ثم ختم بذكرهم أيضا تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما

قال:

«سبقت رحمتي غضبي»

و ثالثها: أن الفصحاء و الشعراء قالوا: يجب أن يكون مطلع الكلام و مقطعه شيئاً يسر الطبع و يشرح الصدر و لا شك أن ذكر رحمة اللّه هو الذي يكون كذلك فلا جرم وقع الابتداء بذكر أهل الثواب و الاختتام بذكرهم.

السؤال الثاني: أين جواب (أما) ؟.

و الجواب: هو محذوف، و التقدير فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، و إنما حسن الحذف لدلالة الكلام عليه و مثله في التنزيل كثير قال تعالى: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ*`سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ [الرعد: 23، 24]و قال: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمََاعِيلُ رَبَّنََا تَقَبَّلْ مِنََّا [البقرة: 127]و قال: وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذِ اَلْمُجْرِمُونَ نََاكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنََا [السجدة: 12].

السؤال الثالث: من المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم؟.

و الجواب: للمفسرين فيه أقوال أحدها:

قال أبي بن كعب: الكل آمنوا حال ما استخرجهم من صلب آدم عليه السلام، فكل من كفر في الدنيا، فقد كفر بعد الإيمان، و رواه الواحدي في «البسيط» بإسناده عن النبي صلى اللّه عليه و سلم

و ثانيها: أن المراد: أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان و هو الدلائل التي نصبها اللّه تعالى على التوحيد و النبوّة، و الدليل على صحة هذا التأويل، قوله تعالى فيما قبل هذه الآية يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [آل عمران: 70]فذمهم على الكفر بعد وضوح الآيات، و قال للمؤمنين وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ اَلْبَيِّنََاتُ [آل عمران: 105].

ثم قال هاهنا أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ فكان ذلك محمولاً على ما ذكرناه حتى تصير هذه الآية مقررة لما قبلها، و على هذين الوجهين تكون الآية عامة في حق كل الكفار، و أما الذين خصصوا هذه الآية ببعض الكفار فلهم وجوه الأول: قال عكرمة و الأصم و الزجاج المراد أهل الكتاب فإنهم قبل مبعث النبي صلى اللّه عليه و سلم كانوا مؤمنين به، فلما بعث صلى اللّه عليه و سلم كفروا به الثاني: قال قتادة: المراد الذين كفروا بعد الإيمان بسبب الارتداد الثالث: قال الحسن:

الذين كفروا بعد الإيمان بالنفاق الرابع: قيل هم أهل البدع و الأهواء من هذه الأمة الخامس: قيل هم‏

320

الخوارج،

فإنه عليه الصلاة و السلام قال فيهم: «إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»

و هذان الوجهان الأخيران في غاية البعد لأنهما لا يليقان بما قبل هذه الآية، و لأنه تخصيص لغير دليل، و لأن الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة.

السؤال الرابع: ما الفائدة في همزة الاستفهام في قوله أَ كَفَرْتُمْ ؟.

الجواب: هذا استفهام بمعنى الإنكار، و هو مؤكد لما ذكر قبل هذه الآية و هو قوله‏ قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ شَهِيدٌ عَلى‏ََ مََا تَعْمَلُونَ‏`قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ [آل عمران: 98، 99].

ثم قال تعالى: فَذُوقُوا اَلْعَذََابَ بِمََا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ .

و فيه فوائد الأولى: أنه لو لم يذكر ذلك لكان الوعيد مختصاً بمن كفر بعد إيمانه، فلما ذكر هذا ثبت الوعيد لمن كفر بعد إيمانه و لمن كان كافراً أصلياًالثانية: قال القاضي قوله أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ يدل على أن الكفر منه لا من اللّه و كذا قوله فَذُوقُوا اَلْعَذََابَ بِمََا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الثالثة: قالت المرجئة: الآية تدل على أن كل نوع من أنواع العذاب وقع معللاً بالكفر، و هذا ينفي حصول العذاب لغير الكافر.

ثم قال تعالى: وَ أَمَّا اَلَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اَللََّهِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ و فيه سؤالات:

السؤال الأول: ما المراد برحمة اللّه؟ الجواب: قال ابن عباس: المراد الجنة، و قال المحققون من أصحابنا: هذا إشارة إلى أن العبد و إن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمة اللّه، و كيف لا نقول ذلك و العبد ما دامت داعيته إلى الفعل و إلى الترك على السوية يمتنع منه الفعل؟فإذن ما لم يحصل رجحان داعية الطاعة امتنع أن يحصل منه الطاعة و ذلك الرجحان لا يكون إلا بخلق اللّه تعالى، فإذن صدور تلك الطاعة من العبد نعمة من اللّه في حق العبد فكيف يصير ذلك موجباً على اللّه شيئاً، فثبت أن دخول الجنة لا يكون إلا بفضل اللّه و برحمته و بكرمه لا باستحقاقنا.

السؤال الثاني: كيف موقع قوله هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ بعد قوله فَفِي رَحْمَتِ اَللََّهِ .

الجواب: كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟فقيل هم فيها خالدون لا يظعنون عنها و لا يموتون.

السؤال الثالث: الكفار مخلدون في النار كما أن المؤمنين مخلدون في الجنة، ثم إنه تعالى لم ينص على خلود أهل النار في هذه الآية مع أنه نص على خلود أهل الجنة فيها فما الفائدة؟.

و الجواب: كل ذلك إشعارات بأن جانب الرحمة أغلب، و ذلك لأنه ابتدأ في الذكر بأهل الرحمة و ختم بأهل الرحمة، و لما ذكر العذاب ما أضافه إلى نفسه، بل قال: فَذُوقُوا اَلْعَذََابَ مع أنه ذكر/الرحمة مضافة إلى نفسه حيث قال: فَفِي رَحْمَتِ اَللََّهِ و لما ذكر العذاب ما نص على الخلود مع أنه نص على الخلود في جانب الثواب، و لما ذكر العذاب علله بفعلهم فقال: فَذُوقُوا اَلْعَذََابَ بِمََا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ و لما ذكر الثواب علله برحمته فقال: فَفِي رَحْمَتِ اَللََّهِ ثم قال في آخر الآية وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعََالَمِينَ و هذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب، و كل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب، يا أرحم الراحمين لا تحرمنا من برد رحمتك و من كرامة غفرانك و إحسانك.

321

ثم قال تعالى: تِلْكَ آيََاتُ اَللََّهِ نَتْلُوهََا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فقوله تِلْكَ فيه وجهان الأول: المراد أن هذه الآيات التي ذكرناها هي دلائل اللّه، و إنما جاز إقامة تِلْكَ مقام (هذه) لأن هذه الآيات المذكورة قد انقضت بعد الذكر، فصار كأنها بعدت فقيل فيها تِلْكَ و الثاني: إن اللّه تعالى وعده أن ينزل عليه كتاباً مشتملاً على كل ما لا بد منه في الدين، فلما أنزل هذه الآيات قال: تلك الآيات الموعودة هي التي نتلوها عليك بالحق، و تمام الكلام في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة في تفسير قوله‏ ذََلِكَ اَلْكِتََابُ [البقرة: 2]و قوله بِالْحَقِّ فيه وجهان الأول: أي ملتبسة بالحق و العدل من إجزاء المحسن و المسي‏ء بما يستوجبانه الثاني: بالحق، أي بالمعنى الحق، لأن معنى التلو حق.

ثم قال تعالى: وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعََالَمِينَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: إنما حسن ذكر الظلم هاهنا لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة و هو سبحانه و تعالى أكرم الأكرمين، فكأنه تعالى يعتذر عن ذلك و قال إنهم ما وقعوا فيه إلا بسبب أفعالهم المنكرة، فإن مصالح العالم لا تستقيم إلا بتهديد المذنبين، و إذا حصل هذا التهديد فلا بد من التحقيق دفعاً للكذب، فصار هذا الاعتذار من أدل الدلائل، على أن جانب الرحمة غالب، و نظيره قوله تعالى في سورة (عم) بعد أن ذكر وعيد الكفار إِنَّهُمْ كََانُوا لاََ يَرْجُونَ حِسََاباً`وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا كِذََّاباً [النبأ: 27، 28]أي هذا الوعيد الشديد إنما حصل بسبب هذه الأفعال المنكرة.

المسألة الثانية: قال الجبائي: هذه الآية تدل على أنه سبحانه لا يريد شيئاً من القبائح لا من أفعاله و لا من أفعال عباده، و لا يفعل شيئاً من ذلك، و بيانه: و هو أن الظلم إما أن يفرض صدوره من اللّه تعالى، أو من العبد، و بتقدير صدوره من العبد، فإما أن يظلم نفسه و ذلك بسبب إقدامه على المعاصي أو يظلم غيره، فأقسام الظلم هي هذه الثلاثة، و قوله تعالى: وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعََالَمِينَ نكرة في سياق النفي، فوجب أن لا يريد شيئاً مما يكون ظلماً، سواء كان ذلك صادراً عنه أو صادراً عن غيره، فثبت أن هذه الآية تدل على أنه لا يريد شيئاً من هذه الأقسام الثلاثة، و إذا ثبت ذلك وجب أن لا يكون فاعلاً لشي‏ء من هذه الأقسام، و يلزم منه أن لا يكون فاعلاً للظلم أصلاً و يلزم أن لا يكون فاعلاً لأعمال العباد، لأن من جملة أعمالهم ظلمهم لأنفسهم و ظلم بعضهم بعضاً، و إنما قلنا: إن الآية تدل على كونه تعالى غير فاعل للظلم ألبتة لأنها دلت على أنه غير مريد لشي‏ء منها، /و لو كان فاعلاً لشي‏ء من أقسام الظلم لكان مريداً لها، و قد بطل ذلك، قالوا: فثبت بهذه الآية أنه تعالى غير فاعل للظلم، و غير فاعل لأعمال العباد، و غير مريد للقبائح من أفعال العباد، ثم قالوا: إنه تعالى تمدح بأنه لا يريد ذلك، و التمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشي‏ء و صح منه كونه مريداً له، فدلت هذه الآية على كونه تعالى قادراً على الظلم و عند هذا تبجحوا و قالوا: هذه الآية الواحدة وافية بتقرير جميع أصول المعتزلة في مسائل العدل، }ثم قالوا: و لما ذكر تعالى أنه لا يريد الظلم و لا يفعل الظلم قال بعده وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ إِلَى اَللََّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ و إنما ذكر هذه الآية عقيب ما تقدم لوجهين الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم و القبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح إما للجهل، أو العجز، أو الحاجة، و كل ذلك على اللّه محال لأنه مالك لكل ما في السموات و ما في الأرض، و هذه المالكية تنافي الجهل و العجز و الحاجة، و إذا امتنع ثبوت هذه الصفات في حقه تعالى امتنع كونه فاعلاً للقبيح‏و الثاني: أنه تعالى لما ذكر أنه‏

322

لا يريد الظلم بوجه من الوجوه كان لقائل أن يقول: إنما نشاهد وجود الظلم في العالم، فإذا لم يكن وقوعه بإرادته كان على خلاف إرادته، فيلزم كونه ضعيفاً عاجزاً مغلوباً و ذلك محال.

فأجاب اللّه تعالى عنه بقوله وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ أي أنه تعالى قادر على أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء و القهر، و لما كان قادراً على ذلك خرج عن كونه عاجزاً ضعيفاً لا أنه تعالى أراد منهم ترك المعصية اختياراً و طوعاً ليصيروا بسبب ذلك مستحقين للثواب فلو قهرهم على ترك المعصية لبطلت هذه الفائدة، فهذا تلخيص كلام المعتزلة في هذه الآية، و ربما أوردوا هذا الكلام من وجه آخر، فقالوا: المراد من قوله وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعََالَمِينَ إما أن يكون هو لا يريد أن يظلمهم أو أنه لا يريد منهم أن يظلم بعضهم بعضاً فإن كان الأول فهذا لا يستقيم على قولكم، لأن مذهبكم أنه تعالى لو عذب البري‏ء عن الذنب بأشد العذاب لم يكن ظلماً، بل كان عادلاً، لأن الظلم تصرف في ملك الغير، و هو تعالى إنما يتصرف في ملك نفسه فاستحال كونه ظالماً و إذا كان كذلك لم يكن حمل الآية على أنه لا يريد أن يظلم الخلق و إن حملتم الآية على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضاً، فهذا أيضاً لا يتم على قولكم لأن كل ذلك بإرادة اللّه و تكوينه على قولكم، فثبت أن على مذهبكم لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح و الجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد أنه تعالى لا يريد أن يظلم أحداً من عباده؟قوله الظلم منه محال على مذهبكم فامتنع التمدح به قلنا: الكلام عليه من وجهين الأول: أنه تعالى تمدح بقوله‏ لاََ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاََ نَوْمٌ [البقرة: 255]و بقوله‏ وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لاََ يُطْعَمُ [الأنعام: 14]و لا يلزم من ذلك صحة النوع و الأكل عليه فكذا هاهنا الثاني: أنه تعالى إن عذب من لم يكن مستحقاً للعذاب فهو و إن لم يكن ظلماً في نفسه لكنه في صور الظلم، و قد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله‏ وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا [الشورى: 40]و نظائره كثيرة في القرآن هذا تمام/الكلام في هذه المناظرة.

المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بقوله وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ على كونه خالقاً لأعمال العباد، فقالوا لا شك أن أفعال العباد من جملة ما في السموات و الأرض، فوجب كونها له بقوله وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ و إنما يصح قولنا: إنها له لو كانت مخلوقة له فدلت هذه الآية على أنه خالق لأفعال العباد.

أجاب الجبائي عنه بأن قوله لِلََّهِ إضافة ملك لا إضافة فعل، ألا ترى أنه يقال: هذا البناء لفلان فيريدون أنه مملوكه لا أنه مفعوله، و أيضاً المقصود من الآية تعظيم اللّه لنفسه و مدحه لإلهية نفسه، و لا يجوز أن يتمدح بأن ينسب إلى نفسه الفواحش و القبائح، و أيضاً فقوله مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ إنما يتناول ما كان مظروفاً في السموات و الأرض و ذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض.

أجاب أصحابنا عنه بأن هذه الإضافة إضافة الفعل بدليل أن القادر على القبيح و الحسن لا يرجح الحسن على القبيح إلا إذا حصل في قلبه ما يدعوه إلى فعل الحسن، و تلك الداعية حاصلة بتخليق اللّه تعالى دفعاً للتسلسل، و إذا كان المؤثر في حصول فعل العبد هو مجموع القدرة و الداعية، و ثبت أن مجموع القدرة و الداعية بخلق اللّه تعالى ثبت أن فعل العبد مستند إلى اللّه تعالى خلقاً و تكويناً بواسطة فعل السبب، فهذا تمام القول في هذه المناظرة.

323

المسألة الرابعة: قوله تعالى وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ زعمت الفلاسفة أنه إنما قدم ذكر ما في السموات على ذكر ما في الأرض لأن الأحوال السماوية أسباب للأحوال الأرضية، فقدم السبب على المسبب، و هذا يدل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأحوال السماوية، و لا شك أن الأحوال السماوية مستندة إلى خلق اللّه و تكوينه فيكون الجبر لازماً أيضاً من هذا الوجه.

المسألة الخامسة: قال تعالى: وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ إِلَى اَللََّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ فأعاد ذكر اللّه في أول الآيتين و الغرض منه تأكيد التعظيم، و المقصود أن منه مبدأ المخلوقات و إليه معادهم، فقوله وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول و قوله وَ إِلَى اَللََّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ إشارة إلى أنه هو الآخر، و ذلك يدل إحاطة حكمه و تصرفه و تدبيره بأولهم و آخرهم، و أن الأسباب منتسبة إليه و أن الحاجات منقطعة عنده.

المسألة السادسة: كلمة (إلى) في قوله وَ إِلَى اَللََّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ لا تدل على كونه تعالى في مكان وجهة، بل المراد أن رجوع الخلق إلى موضع لا ينفذ فيه حكم أحد إلا حكمه و لا يجري فيه قضاء أحد إلا قضاؤه.

في النظم وجهان الأول: أنه تعالى لما أمر المؤمنين ببعض الأشياء و نهاهم عن بعضها و حذرهم من أن يكونوا مثل أهل الكتاب في التمرد و العصيان، و ذكر عقيبه ثواب المطيعين و عقاب الكافرين، كان الغرض من كل هذه الآيات حمل المؤمنين المكلفين على الانقياد و الطاعة و منعهم عن التمرد و المعصية، ثم إنه تعالى أردف ذلك بطريق آخر يقتضي حمل المؤمنين على الانقياد و الطاعة فقال كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ و المعنى أنكم كنتم في اللوح المحفوظ خير الأمم و أفضلهم، فاللائق بهذا أن لا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة، و أن لا تزيلوا عن أنفسكم هذه الخصلة المحمودة، و أن تكونوا منقادين مطيعين في كل ما يتوجه عليكم من التكاليف الثاني: أن اللّه تعالى لما ذكر كمال حال الأشقياء و هو قوله‏ فَأَمَّا اَلَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ [آل عمران: 106]و كمال حال السعداء و هو قوله وَ أَمَّا اَلَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ [آل عمران: 107]نبه على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعََالَمِينَ [آل عمران: 108]يعني أنهم إنما استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة، ثم نبه في هذه الآية على ما هو السبب لوعد السعداء بقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ أي تلك السعادات و الكمالات و الكرامات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: لفظة (كان) قد تكون تامة و ناقصة و زائدة على ما هو مشروح في النحو و اختلف المفسرون في قوله كُنْتُمْ على وجوه الأول: أن (كان) هاهنا تامة بمعنى الوقوع و الحدوث و هو لا يحتاج إلى خبر، و المعنى:

حدثتم خير أمة و وجدتم و خلقتم خير أمة، و يكون قوله خَيْرَ أُمَّةٍ بمعنى الحال و هذا قول جمع من المفسرين الثاني: أن (كان) هاهنا ناقصة و فيه سؤال: /و هو أن هذا يوهم أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة و أنهم ما بقوا الآن عليها.

324

و الجواب عنه: أن قوله (كان) عبارة عن وجود الشي‏ء في زمان ماض على سبيل الإبهام، و لا يدل ذلك على انقطاع طارئ بدليل قوله‏ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كََانَ غَفََّاراً [نوح: 10]قوله‏ وَ كََانَ اَللََّهُ غَفُوراً رَحِيماً* [الفتح: 14]إذا ثبت هذا فنقول: للمفسرين على هذا التقدير أقوال أحدها: كنتم في علم اللّه خير أمة و ثانيها: كنتم في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة و هو كقوله‏ أَشِدََّاءُ عَلَى اَلْكُفََّارِ رُحَمََاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29] إلى قوله‏ ذََلِكَ مَثَلُهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ [الفتح: 29]فشدتهم على الكفار أمرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر و ثالثها:

كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة و رابعها: كنتم منذ آمنتم خير أمة أخرجت للناس و خامسها: قال أبو مسلم قوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ تابع لقوله‏ وَ أَمَّا اَلَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ [آل عمران: 107]و التقدير: أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة: كنتم في دنياكم خير أمة فاستحقيتم ما أنتم فيه من الرحمة و بياض الوجه بسببه، و يكون ما عرض بين أول القصة و آخرها كما لا يزال يعرض في القرآن من مثله و سادسها: قال بعضهم: لو شاء اللّه تعالى لقال (أنتم) و كان هذا التشريف حاصلاً لكلنا و لكن قوله كُنْتُمْ مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول صلى اللّه عليه و سلم و هم السابقون الأولون، و من صنع مثل ما صنعوا و سابعها: كنتم مذ آمنتم خير أمة تنبيهاً على أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة مذ كانوا.

الاحتمال الثالث: أن يقال (كان) هاهنا زائدة، و قال بعضهم قوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ هو كقوله‏ وَ اُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ [الأعراف: 86]و قال في موضع آخر وَ اُذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ [الأنفال: 26]و إضمار كان و إظهارها سواء إلا أنها تذكر للتأكيد و وقوع الأمر لا محالة: قال ابن الأنباري: هذا القول ظاهر الاختلال، لأن (كان) تلغى متوسطة و مؤخرة، و لا تلغى متقدمة، تقول العرب: عبد اللّه كان قائم، و عبد اللّه قائم كان على أن كان ملغاة، و لا يقولون: كان عبد اللّه قائم على إلغائها، لأن سبيلهم أن يبدؤا بما تنصرف العناية إليه، و الملغى لا يكون في محل العناية، و أيضاً لا يجوز إلغاء الكون في الآية لانتصاب خبره، و إذا عمل الكون في الخبر فنصبه لم يكن ملغى.

الاحتمال الرابع: أن تكون (كان) بمعنى صار، فقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ معناه صرتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر، أي صرتم خير أمة بسبب كونكم آمرين بالمعروف و ناهين عن المنكر و مؤمنين باللّه.

ثم قال: وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ يعني كما أنكم اكتسبتم هذه الخيرية بسبب هذه الخصال، فأهل الكتاب لو آمنوا لحصلت لهم أيضاً صفة الخيرية و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن إجماع الأمة حجة، و تقريره من وجهين الأول: قوله تعالى:

وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ََ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ [الأعراف: 159]ثم قال في هذه الآية كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ فوجب/بحكم هذه الآية أن تكون هذه الآية أفضل من أولئك الذين يهدون بالحق من قوم موسى، و إذا كان هؤلاء أفضل منهم وجب أن تكون هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق إذ لو جاز في هذه الآية أن تحكم بما ليس بحق لامتنع كون هذه الأمة أفضل من الأمة التي تهدي بالحق، لأن المبطل يمتنع أن يكون خيراً من المحق، فثبت أن هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق، و إذا كان كذلك كان إجماعهم حجة. ـ

325

الوجه الثاني: و هو (أن الألف و اللام) في لفظ بِالْمَعْرُوفِ و لفظ اَلْمُنْكَرِ يفيدان الاستغراق، و هذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف، و ناهين عن كل منكر و متى كانوا كذلك كان إجماعهم حقا و صدقاً لا محالة فكان حجة، و المباحث الكثيرة فيه ذكرناها في الأصول.

المسألة الثالثة: قال الزجاج: قوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ظاهر الخطاب فيه مع أصحاب النبي صلى اللّه عليه و سلم، و لكنه عام في كل الأمة، و نظيره قوله‏ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ [البقرة: 183] كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ [البقرة: 178]فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ، و لكنه عام في حق الكل كذا هاهنا.

المسألة الرابعة: قال القفال رحمه اللّه: أصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشي‏ء الواحد فأمة نبينا صلى اللّه عليه و سلم هم الجماعة الموصوفون بالإيمان به و الإقرار بنبوته، و قد يقال لكل من جمعتهم دعوته أنهم أمته إلا أن لفظ الأمة إذا أطلقت وحدها وقع على الأول، ألا ترى أنه إذا قيل أجمعت الأمة على كذا فهم منه الأول و

قال عليه الصلاة و السلام: «أمتي لا تجتمع على ضلالة»

و

روي أنه عليه الصلاة و السلام يقول يوم القيامة «أمتي أمتي»

فلفظ الأمة في هذه المواضع و أشباهها يفهم منه المقرون بنبوته، فأما أهل دعوته فإنه إنما يقال لهم: إنهم أمة الدعوة و لا يطلق عليهم إلا لفظ الأمة بهذا الشرط.

أما قوله أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ ففيه قولان الأول: أن المعنى كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار، فقوله أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ أي أظهرت للناس حتى تميزت و عرفت و فصل بينها و بين غيرها و الثاني: أن قوله لِلنََّاسِ من تمام قوله كُنْتُمْ و التقدير: كنتم للناس خير أمة، و منهم من قال: أُخْرِجَتْ صلة، و التقدير: كنتم خير أمة للناس.

ثم قال: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ .

و اعلم أن هذا كلام مستأنف، و المقصود منه بيان علة تلك الخيرية، كما تقول: زيد كريم يطعم الناس و يكسوهم و يقوم بما يصلحهم، و تحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقروناً بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فههنا حكم تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم و هذه الطاعات، أعني الأمر/بالمعروف و النهي عن المنكر و الإيمان، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات.

و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: من أي وجه يقتضي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الإيمان باللّه كون هذه الأمة خير الأمم مع أن هذه الصفات الثلاثة كانت حاصلة في سائر الأمم؟.

و الجواب: قال القفال: تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر بآكد الوجوه و هو القتال لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب و باللسان و باليد، و أقواها ما يكون بالقتال، لأنه إلقاء النفس في خطر القتل و أعرف المعروفات الدين الحق و الإيمان بالتوحيد و النبوة، و أنكر المنكرات: الكفر باللّه، فكان الجهاد في الدين محملاً لأعظم المضار لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع، و تخليصه من أعظم المضار، فوجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات، و لما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في‏

326

سائر الشرائع، لا جرم صار ذلك موجباً لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، و هذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: قوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا اللّه و يقروا بما أنزل اللّه، و تقاتلونهم عليه و «لا إله إلا اللّه» أعظم المعروف، و التكذيب هو أنكر المنكر.

ثم قال القفال: فائدة القتال على الدين لا ينكره منصف، و ذلك لأن أكثر الناس يحبون أديانهم بسبب الألف و العادة، و لا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم فإذا أكره على الدخول في الدين بالتخويف بالقتل دخل فيه، ثم لا يزال يضعف ما في قلبه من حب الدين الباطل، و لا يزال يقوى في قلبه حب الدين الحق إلى أن ينتقل من الباطل إلى الحق، و من استحقاق العذاب الدائم إلى استحقاق الثواب الدائم.

السؤال الثاني: لم قدم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على الإيمان باللّه في الذكر مع أن الإيمان باللّه لا بد و أن يكون مقدماً على كل الطاعات؟.

و الجواب: أن الإيمان باللّه أمر مشترك فيه بين جميع الأمم المحقة، ثم إنه تعالى فضل هذه الأمة على سائر الأمم المحقة، فيمتنع أن يكون المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الإيمان الذي هو القدر المشترك بين الكل، بل المؤثر في حصول هذه الزيادة هو كون هذه الأمة أقوى حالاً في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من سائر الأمم، فإذن المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و أما الإيمان باللّه فهو شرط لتأثير هذا المؤثر في هذا الحكم لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يصر شي‏ء من الطاعات مؤثراً في صفة الخيرية، فثبت أن الموجب لهذه الخيرية هو كونهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، و أما إيمانهم فذاك شرط التأثير، و المؤثر ألصق/بالأثر من شرط التأثير، فلهذا السبب قدم اللّه تعالى ذكر الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على ذكر الإيمان.

السؤال الثالث: لم اكتفى بذكر الإيمان باللّه و لم يذكر الإيمان بالنبوة مع أنه لا بد منه.

و الجواب: الإيمان باللّه يستلزم الإيمان بالنبوّة، لأن الإيمان باللّه لا يحصل إلا إذا حصل الإيمان بكونه صادقاً، و الإيمان بكونه صادقاً لا يحصل إلا إذا كان الذي أظهر المعجز على وفق دعواه صادقا لأن المعجز قائم مقام التصديق بالقول، فلما شاهدنا ظهور المعجز على وفق دعوى محمد صلى اللّه عليه و سلم كان من ضرورة الإيمان باللّه الإيمان بنبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم، فكان الاقتصار على ذكر الإيمان باللّه تنبيهاً على هذه الدقيقة.

ثم قال تعالى: وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ و فيه وجهان الأول: و لو آمن أهل الكتاب بهذا الدين الذي لأجله حصلت صفة الخيرية لأتباع محمد عليه الصلاة و السلام لحصلت هذه الخيرية أيضاً لهم، فالمقصود من هذا الكلام ترغيب أهل الكتاب في هذا الدين الثاني: إن أهل الكتاب إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة و استتباع العلوم و لو آمنوا لحصلت لهم هذه الرياسة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة، فكان ذلك خيراً لهم مما قنعوا به.

و اعلم أنه تعالى أتبع هذا الكلام بجملتين على سبيل الابتداء من غير عاطف إحداهما: قوله مِنْهُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ اَلْفََاسِقُونَ [آل عمران: 110]و ثانيتهما: قوله لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاََّ أَذىً وَ إِنْ يُقََاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ اَلْأَدْبََارَ ثُمَّ لاََ يُنْصَرُونَ قال صاحب «الكشاف» : هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل: و على ذكر فلان فإن من شأنه كيت و كيت، و لذلك جاء آمَنَ غير عاطف.

327

أما قوله مِنْهُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ اَلْفََاسِقُونَ ففيه سؤالان:

السؤال الأول: الألف و اللام في قوله اَلْمُؤْمِنُونَ للاستغراق أو للمعهود السابق؟.

و الجواب: بل للمعهود السابق، و المراد: عبد اللّه بن سلاّم و رهطه من اليهود، و النجاشي و رهطه من النصارى.

السؤال الثاني: الوصف إنما يذكر للمبالغة فأي مبالغة تحصل في وصف الكافر بأنه فاسق.

و الجواب: الكافر قد يكون عدلاً في دينه و قد يكون فاسقاً في دينه فيكون مردوداً عند الطوائف كلهم، لأن المسلمين لا يقبلونه لكفره، و الكفار لا يقبلونه لكونه فاسقاً فيما بينهم، فكأنه قيل أهل الكتاب فريقان: منهم من آمن، و الذين ما آمنوا فهم فاسقون في أديانهم، فليسوا ممن يجب الاقتداء بهم ألبتة عند أحد من العقلاء.

أما قوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاََّ أَذىً فاعلم أنه تعالى لما رغب المؤمنين في التصلب في إيمانهم/و ترك الالتفات إلى أقوال الكفار و أفعالهم بقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ رغبهم فيه من وجه آخر، و هو أنهم لا قدرة لهم على الإضرار بالمسلمين إلا بالقليل من القول الذي لا عبرة به، و لو أنهم قاتلوا المسلمين صاروا منهزمين مخذولين، و إذا كان كذلك لم يجب الالتفات إلى أقوالهم و أفعالهم، و كل ذلك تقرير لما تقدم من قوله‏ إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ [آل عمران: 100]فهذا وجه النظم، فأما قوله لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاََّ أَذىً فمعناه: أنه ليس على المسلمين من كفار أهل الكتاب ضرر و إنما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللسان، إما بالطعن في محمد و عيسى عليهما الصلاة و السلام، و إنما بإظهار كلمة الكفر، كقولهم‏ عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللََّهِ [التوبة: 30]و اَلْمَسِيحُ اِبْنُ اَللََّهِ [التوبة: 30]و اَللََّهَ ثََالِثُ ثَلاََثَةٍ [المائدة: 73]و إما بتحريف نصوص التوراة و الإنجيل، و إما بإلقاء الشبه في الأسماع، و إما بتخويف الضعفة من المسلمين، و من الناس من قال: إن قوله إِلاََّ أَذىً استثناء منقطع و هو بعيد، لأن كل الوجوه المذكورة يوجب وقوع الغم في قلوب المسلمين و الغم ضرر، فالتقدير لا يضروكم إلا الضرر الذي هو الأذى، فهو استثناء صحيح، و المعنى لن يضروكم إلا ضررًا يسيراً، و الأذى وقع موقع الضرر، و الأذى مصدر أذيت الشي‏ء أذى.

ثم قال تعالى: وَ إِنْ يُقََاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ اَلْأَدْبََارَ ثُمَّ لاََ يُنْصَرُونَ و هو إخبار بأنهم لو قاتلوا المسلمين لصاروا منهزمين مخذولين ثُمَّ لاََ يُنْصَرُونَ أي إنهم بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة و لا قوة ألبتة، و مثله قوله تعالى: وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لاََ يَنْصُرُونَهُمْ وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ اَلْأَدْبََارَ ثُمَّ لاََ يُنْصَرُونَ [الحشر: 12]و قوله‏ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَ تُحْشَرُونَ إِلى‏ََ جَهَنَّمَ [آل عمران: 12]و قوله‏ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ*`سَيُهْزَمُ اَلْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ [القمر: 44، 45]و كل ذلك وعد بالفتح و النصرة و الظفر.

و اعلم أن هذه الآية اشتملت على الإخبار عن غيوب كثيرة، منها أن المؤمنين آمنون من ضررهم، و منها أنهم لو قاتلوا المؤمنين لانهزموا، و منها أنه لا يحصل لهم قوة و شوكة بعد الانهزام و كل هذه الأخبار وقعت كما أخبر اللّه عنها، فإن اليهود لم يقاتلوا إلا انهزموا، و ما أقدموا على محاربة و طلب رئاسة إلا خذلوا، و كل ذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزاً و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: هب أن اليهود كذلك، لكن النصارى ليسوا كذلك فهذا يقدح في صحة هذه الآيات قلنا: هذه‏

328

الآيات مخصوصة باليهود، و أسباب النزول على ذلك فزال هذا الإشكال.

السؤال الثاني: هلا جزم قوله ثُمَّ لاََ يُنْصَرُونَ .

قلنا: عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الأخبار ابتداء كأنه قيل أخبركم أنهم لا ينصرون، و الفائدة فيه أنه لو جزم لكان نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم كتولية الأدبار، و حين رفع كان نفي النصر وعداً مطلقاً كأنه قال: ثم شأنهم و قصتهم التي أخبركم عنها و أبشركم بها بعد التولية أنهم لا يجدون النصرة بعد ذلك قط بل يبقون في الذلة و المهانة أبداً دائماً.

السؤال الثالث: ما الذي عطف عليه قوله ثُمَّ لاََ يُنْصَرُونَ ؟.

الجواب: هو جملة الشرط و الجزاء، كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون و إنما ذكر لفظ (ثم) لإفادة معنى التراخي في المرتبة، لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الاخبار بتوليتهم الأدبار.

في قوله تعالى ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ أَيْنَ مََا ثُقِفُوا إِلاََّ بِحَبْلٍ مِنَ اَللََّهِ وَ حَبْلٍ مِنَ اَلنََّاسِ و اعلم أنه تعالى لما بيّن أنهم إن قاتلوا رجعوا مخذولين غير منصورين ذكر أنهم مع ذلك قد ضربت عليهم الذلة، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قد ذكرنا تفسير هذه اللفظة في سورة البقرة، و المعنى جعلت الذلة ملصقة ربهم كالشي‏ء يضرب على الشي‏ء فيلصق به، و منه قولهم: ما هذا علي بضربة لازب، و منه تسمية الخراج ضريبة.

المسألة الثانية: الذلة هي الذل، و في المراد بهذا الذل أقوال الأول: و هو الأقوى أن المراد أن يحاربوا و يقتلوا و تغنم أموالهم و تسبى ذراريهم و تملك أراضيهم فهو كقوله تعالى: اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ* [البقرة: 191].

ثم قال تعالى: إِلاََّ بِحَبْلٍ مِنَ اَللََّهِ و المراد إلا بعهد من اللّه و عصمة و ذمام من اللّه و من المؤمنين لأن عند ذلك تزول الأحكام، فلا قتل و لا غنيمة و لا سبي الثاني: أن هذه الذلة هي الجزية، و ذلك لأن ضرب الجزية عليهم يوجب الذلة و الصغار و الثالث: أن المراد من هذه الذلة أنك لا ترى فيهم ملكاً قاهراً و لا رئيساً معتبراً، بل هم مستخفون في جميع البلاد ذليلون مهينون.

و اعلم أنه لا يمكن أن يقال المراد من الذلة هي الجزية فقط أو هذه المهانة فقط لأن قول إِلاََّ/بِحَبْلٍ مِنَ اَللََّهِ يقتضي زوال تلك الذلة عند حصول هذا الحبل و الجزية و الصغار و الدناءة لا يزول شي‏ء منها عند حصول هذا الحبل، فامتنع حمل الذلة على الجزية فقط، و بعض من نصر هذا القول، أجاب عن هذا السؤال بأن قال: إن هذا الاستثناء منقطع، و هو قول محمد بن جرير الطبري، فقال: اليهود قد ضربت عليهم الذلة، سواء كانوا على عهد من اللّه أو لم يكونوا فلا يخرجون بهذا الاستثناء من الذلة إلى العزة، فقوله إِلاََّ بِحَبْلٍ مِنَ اَللََّهِ تقديره لكن قد يعتصمون بحبل من اللّه و حبل من الناس. و اعلم أن هذا ضعيف لأن حمل لفظ (إلا) على (لكن) خلاف الظاهر، و أيضاً إذا

329

حملنا الكلام على أن المراد: لكن قد يعتصمون بحبل من اللّه و حبل من الناس لم يتم هذا القدر فلا بد من إضمار الشي‏ء الذي يعتصمون بهذه الأشياء لأجل الحذر عنه و الإضمار خلاف الأصل، فلا يصار إلى هذه الأشياء إلا عند الضرورة فإذا كان لا ضرورة هاهنا إلى ذلك كان المصير إليه غير جائز، بل هاهنا وجه آخر و هو أن يحمل الذلة على كل هذه الأشياء أعني: القتل، و الأسر، و سبي الذراري، و أخذ المال، و إلحاق الصغار، و المهانة، و يكون فائدة الاستثناء هو أنه لا يبقى مجموع هذه الأحكام، و ذلك لا ينافي بقاء بعض هذه الأحكام، و هو أخذ القليل من أموالهم الذي هو مسمى بالجزية، و بقاء المهانة و الحقارة و الصغار فيهم، فهذا هو القول في هذا الموضع، و قوله‏ أَيْنَمََا ثُقِفُوا أي وجدوا و صودفوا، يقال: ثقفت فلاناً في الحرب أي أدركته، و قد مضى الكلام فيه عند قوله‏ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ* [البقرة: 191].

المسألة الثالثة: قوله إِلاََّ بِحَبْلٍ مِنَ اَللََّهِ فيه وجوه الأول: قال الفرّاء: التقدير إلا أن يعتصموا بحبل من اللّه، و أنشد على ذلك:

رأتني بحبلها فصدت مخافة # و في الحبل روعاء الفؤاد فروق‏

و اعترضوا عليه، فقالوا: لا يجوز حذف الموصول و إبقاء صلته، لأن الموصول هو الأصل و الصلة فرع فيجوز حذف الفرع لدلالة الأصل عليه، أما حذف الأصل و إبقاء الفرع فهو غير جائز الثاني: أن هذا الاستثناء واقع على طريق المعنى، لأن معنى ضرب الذلة لزومها إياهم على أشد الوجوه بحيث لا تفارقهم و لا تنفك عنهم، فكأنه قيل:

لا تنفك عنهم الذلة، و لن يتخلصوا إلا بحبل من اللّه و حبل من الناس الثالث: أن تكون الباء بمعنى (مع) كقولهم:

اخرج بنا نفعل كذا، أي معنا، و التقدير: إلا مع حبل من اللّه.

المسألة الرابعة: المراد من حبل اللّه عهده، و قد ذكرنا فيما تقدم أن العهد إنما سمي بالحبل لأن الإنسان لما كان قبل العهد خائفاً، صار ذلك الخوف مانعاً له من الوصول إلى مطلوبه، فإذا حصل العهد توصل بذلك العهد إلى الوصول إلى مطلوبه، فصار ذلك شبيهاً بالحبل الذي من تمسك به تخلص من خوف الضرر.

فإن قيل: إنه عطف على حبل اللّه حبلاً من الناس و ذلك يقتضي المغايرة فكيف هذه المغايرة؟ قلنا: قال بعضهم: حبل اللّه هو الإسلام، و حبل الناس هو العهد و الذمة، و هذا بعيد لأنه لو كان المراد ذلك لقال: أو حبل من الناس، و قال آخرون: المراد بكلام الحبلين العهد و الذمة و الأمان، و إنما ذكر تعالى الحبلين لأن الأمان المأخوذ من المؤمنين هو الأمان المأخوذ بإذن اللّه و هذا عندي أيضا ضعيف، و الذي عندي فيه أن الأمان الحاصل للذمي قسمان أحدهما: الذي نص اللّه عليه و هو أخد الجزية و الثاني: الذي فوض إلى رأي الإمام فيزيد فيه تارة و ينقص بحسب الاجتهاد فالأول: هو المسمى بحبل اللّه و الثاني: هو المسمى بحبل المؤمنين و اللّه أعلم.

ثم قال: وَ بََاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اَللََّهِ* و قد ذكرنا أن معناه: أنهم مكثوا، و لبثوا و داموا في غضب اللّه، و أصل ذلك مأخوذ من البوء و هو المكان، و منه: تبوأ فلان منزل كذا و بوأته إياه، و المعنى أنهم مكثوا في غضب من اللّه و حلوا فيه، و سواء قولك: حل بهم الغضب و حلوا به.

ثم قال: وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلْمَسْكَنَةُ و الأكثرون حملوا المسكنة على الجزية و هو قول الحسن قال و ذلك‏

330

لأنه تعالى أخرج المسكنة عن الاستثناء و ذلك يدل على أنها باقية عليهم غير زائلة عنهم، و الباقي عليهم ليس إلا الجزية، و قال آخرون: المراد بالمسكنة أن اليهودي يظهر من نفسه الفقر و إن كان غنياً موسراً، و قال بعضهم:

هذا إخبار من اللّه سبحانه بأنه جعل اليهود أرزاقاً للمسلمين فيصيرون مساكين، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأنواع من الوعيد قال: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كََانُوا يَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ يَقْتُلُونَ اَلْأَنْبِيََاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ و المعنى: أنه تعالى ألصق باليهود ثلاثة أنواع من المكروهات أولها: جعل الذلة لازمة لهم و ثانيها: جعل غضب اللّه لازماً لهم و ثالثها: جعل المسكنة لازمة لهم، ثم بيّن في هذه الآية أن العلة لإلصاق هذه الأشياء المكروهة بهم هي: أنهم كانوا يكفرون بآيات اللّه و يقتلون الأنبياء بغير حق، و هنا سؤالات:

السؤال الأول: هذه الذلة و المسكنة إنما التصقت باليهود بعد ظهور دولة الإسلام، و الذين قتلوا الأنبياء بغير حق هم الذين كانوا قبل محمد صلى اللّه عليه و سلم بأدوار و أعصار، فعلى هذا الموضع الذي حصلت فيه العلة و هو قتل الأنبياء لم يحصل فيه المعلول الذي هو الذلة و المسكنة، و الموضع الذي حصل فيه هذا المعلول لم تحصل فيه العلة، فكان الإشكال لازماً.

و الجواب عنه: أن هؤلاء المتأخرين و إن كان لم يصدر عنهم قتل الأنبياء عليهم السلام لكنهم كانوا راضين بذلك، فإن أسلافهم هم الذين قتلوا الأنبياء و هؤلاء المتأخرون كانوا راضين بفعل أسلافهم، فنسب ذلك الفعل إليهم من حيث كان ذلك الفعل القبيح فعلاً لآبائهم و أسلافهم مع أنهم كانوا مصوبين لأسلافهم في تلك الأفعال.

السؤال الثاني: لم كرر قوله ذََلِكَ بِمََا عَصَوْا و ما الحكمة فيه و لا يجوز أن يقال التكرير/للتأكيد، لأن التأكيد يجب أن يكون بشي‏ء أقوى من المؤكد، و العصيان أقل حالاً من الكفر فلم يجز تأكيد الكفر بالعصيان؟.

و الجواب: من وجهين الأول: أن علة الذلة و الغضب و المسكنة هي الكفر و قتل الأنبياء، و علة الكفر و قتل الأنبياء هي المعصية، و ذلك لأنهم لما توغلوا في المعاصي و الذنوب فكانت ظلمات المعاصي تتزايد حالاً فحالاً، و نور الإيمان يضعف حالاً فحالاً، و لم يزل كذلك إلى أن بطل نور الإيمان و حصلت ظلمة الكفر، و إليه الإشارة بقوله‏ كَلاََّ بَلْ رََانَ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ مََا كََانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: 14] فقوله ذََلِكَ بِمََا عَصَوْا إشارة إلى علة العلة و لهذا المعنى قال أرباب المعاملات، من ابتلي بترك الآداب وقع في ترك السنن، و من ابتلي بترك السنن وقع في ترك الفريضة، و من ابتلي بترك الفريضة وقع في استحقار الشريعة، و من ابتلي بذلك وقع في الكفر الثاني: يحتمل أن يريد بقوله ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كََانُوا يَكْفُرُونَ من تقدم منهم، و يريد بقوله ذََلِكَ بِمََا عَصَوْا من حضر منهم في زمان الرسول صلى اللّه عليه و سلم، و على هذا لا يلزم التكرار، فكأنه تعالى بيّن علة عقوبة من تقدم، ثم بيّن أن من تأخر لما تبع من تقدم كان لأجل معصيته و عداوته مستوجباً لمثل عقوبتهم حتى يظهر للخلق أن ما أنزله اللّه بالفريقين من البلاء و المحنة ليس إلا من باب العدل و الحكمة.

في قوله تعالى لَيْسُوا سَوََاءً مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ إلى قوله تعالى وَ أُولََئِكَ مِنَ اَلصََّالِحِينَ

331

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن في قوله لَيْسُوا سَوََاءً قولين أحدهما: أن قوله لَيْسُوا سَوََاءً كلام تام، و قوله مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ أُمَّةٌ قََائِمَةٌ كلام مستأنف لبيان قوله لَيْسُوا سَوََاءً كما وقع قوله‏ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [آل عمران: 110]بياناً لقوله‏ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: 110]و المعنى أن أهل الكتاب الذين سبق ذكرهم/ليسوا سواء، و هو تقرير لما تقدم من قوله‏ مِنْهُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ اَلْفََاسِقُونَ ، ثم ابتدأ فقال: مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ أُمَّةٌ قََائِمَةٌ و على هذا القول احتمالان أحدهما: أنه لما قال: مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ أُمَّةٌ قََائِمَةٌ و كان تمام الكلام أن يقال:

و منهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر و تحقيقه أن الضدين يعلمان معاً، فذكر أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر.

قال أبو ذؤيب:

دعاني إليها القلب إني لامرؤ # مطيع فلا أدري أرشد طلابها

أراد (أم غي) فاكتفى بذكر الرشد عن ذكر الغي، و هذا قول الفراء و ابن الأنباري، و قال الزجاج: لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة، لأن ذكر الأمة المذمومة قد جرى فيما قبل هذه الآيات فلا حاجة إلى إضمارها مرة أخرى، لأنا قد ذكرنا أنه لما كان العلم بالضدين معاً كان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر، و هذا كما يقال زيد و عبد اللّه لا يستويان زيد عاقل دين زكي، فيغني هذا عن أن يقال: و عبد اللّه ليس كذلك، فكذا هاهنا لما تقدم قوله لَيْسُوا سَوََاءً أغنى ذلك عن الإضمار.

و القول الثاني: أن قوله لَيْسُوا سَوََاءً كلام غير تام و لا يجوز الوقت عنده، بل هو متعلق بما بعده، و التقدير: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة و أمة مذمومة، فأمة رفع بليس و إنما قيل لَيْسُوا على مذهب من يقول: أكلوني البراغيث، و على هذا التقدير لا بد من إضمار الأمة المذمومة و هو اختيار أبي عبيدة إلا أن أكثر النحويين أنكروا هذا القول لاتفاق الأكثرين على أن قوله أكلوني البراغيث و أمثالها لغة ركيكة و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: يقال فلان و فلان سواء، أي متساويان و قوم سواء، لأنه مصدر لا يثنى و لا يجمع و مضى الكلام في سَوََاءً في أول سورة البقرة.

المسألة الثالثة: في المراد بأهل الكتاب قولان الأول: و عليه الجمهور: أن المراد منه الذين آمنوا بموسى و عيسى عليهما السلام،

روي أنه لما أسلم عبد اللّه بن سلاّم و أصحابه قال لهم بعض كبار اليهود: لقد كفرتم و خسرتم، فأنزل اللّه تعالى لبيان فضلهم هذه الآية،

و قيل: إنه تعالى لما وصف أهل الكتاب في الآية المتقدمة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك، بل فيهم من يكون موصوفاً بالصفات الحميدة و الخصال المرضية، قال الثوري: بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يصلون ما بين المغرب و العشاء، و عن عطاء: أنها نزلت في أربعين من أهل نجران و اثنين و ثلاثين من الحبشة و ثلاثة من الروم كانوا على دين عيسى و صدقوا بمحمد عليه الصلاة و السلام.

و القول الثاني: أن يكون المراد بأهل الكتاب كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان، و على هذا القول يكون

332

المسلمون من جملتهم، قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا [فاطر: 32]و مما يدل على هذا ما

روى ابن مسعود أن النبي صلى اللّه عليه و سلم أخر صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: «أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر اللّه تعالى هذه الساعة غيركم» و قرأ هذه الآية،

قال القفال رحمه اللّه: و لا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب، فقيل ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه و سلم فأقاموا صلاة العتمة في الساعة التي ينام فيها غيرهم من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا، و لم يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد صلى اللّه عليه و سلم فسماهم اللّه بأهل الكتاب، كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم و صفتهم تلك الخصال الذميمة و المسلمون الذين سماهم اللّه بأهل الكتاب حالهم و صفتهم هكذا، يستويان؟ فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً لما تقدم من قوله‏ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: 110] و هو كقوله‏ أَ فَمَنْ كََانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كََانَ فََاسِقاً لاََ يَسْتَوُونَ [السجدة: 18].

ثم اعلم أنه تعالى مدح الأمة المذكورة في هذه الآية بصفات ثمانية.

الصفة الأولى: أنها قائمة و فيها أقوال الأول: أنها قائمة في الصلاة يتلون آيات اللّه آناء الليل فعبّر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل و هو كقوله‏ وَ اَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِيََاماً [الفرقان: 64]و قوله‏ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ََ مِنْ ثُلُثَيِ اَللَّيْلِ [المزمل: 20]و قوله‏ قُمِ اَللَّيْلَ [المزمل: 2]و قوله‏ وَ قُومُوا لِلََّهِ قََانِتِينَ [البقرة: 238]و الذي يدل على أن المراد من هذا القيام في الصلاة قوله وَ هُمْ يَسْجُدُونَ و الظاهر أن السجدة لا تكون إلا في الصلاة.

و القول الثاني: في تفسير كونها قائمة: أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ملازمة له غير مضطربة في التمسك به كقوله‏ إِلاََّ مََا دُمْتَ عَلَيْهِ قََائِماً [آل عمران: 75]أي ملازماً للاقتضاء ثابتاً على المطالبة مستقصياً فيها، و منه قوله تعالى: قََائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران: 18].

و أقول: إن هذه الآية دلّت على كون المسلم قائماً بحق العبودية و قوله‏ قََائِماً بِالْقِسْطِ يدل على أن المولى قائم بحق الربوبية في العدل و الإحسان فتمت المعاهدة بفضل اللّه تعالى كما قال: أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: 40]و هذا قول الحسن البصري، و احتج عليه بما

روي أن عمر بن الخطاب قال يا رسول اللّه: إن أناساً من أهل الكتاب يحدثوننا بما يعجبنا فلو كتبناه، فغضب صلى اللّه عليه و سلم و قال: أ متهوكون أنتم يا ابن الخطاب كما تهوكت اليهود،

قال الحسن: متحيرون مترددون «أما و الذي نفسي بيده لقد أتيتكم بها بيضاء نقية» و في رواية أخرى قال عند ذلك: «إنكم لم تكلفوا أن تعملوا بما في التوراة و الإنجيل و إنما أمرتم أن تؤمنوا بهما و تفوضوا علمهما إلى اللّه تعالى، و كلفتم/أن تؤمنوا بما أنزل علي في هذا الوحي غدوةً و عشياً و الذي نفس محمد بيده لو أدركني إبراهيم و موسى و عيسى لآمنوا بي و اتبعوني»

فهذا الخبر يدل على أن الثبات على هذا الدين واجب و عدم التعلق بغيره واجب، فلا جرم مدحهم اللّه في هذه الآية بذلك فقال: مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ أُمَّةٌ قََائِمَةٌ .

القول الثالث: أُمَّةٌ قََائِمَةٌ أي مستقيمة عادلة من قولك: أقمت العود فقام بمعنى استقام، و هذا كالتقرير لقوله‏ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ .

الصفة الثانية: قوله تعالى: يَتْلُونَ آيََاتِ اَللََّهِ آنََاءَ اَللَّيْلِ و فيه مسائل:

333

المسألة الأولى: (يتلون و يؤمنون) في محل الرفع صفتان لقوله أُمَّةٌ أي أمة قائمة تالون مؤمنون.

المسألة الثانية: التلاوة القراءة و أصل الكلمة من الاتباع فكأن التلاوة هي اتباع اللفظ اللفظ.

المسألة الثالثة: آيات اللّه قد يراد بها آيات القرآن، و قد يراد بها أصناف مخلوقاته التي هي دالة على ذاته و صفاته و المراد هاهنا الأولى.

المسألة الرابعة: آنََاءَ اَللَّيْلِ أصلها في اللغة الأوقات و الساعات و واحدها إنا، مثل: معى و أمعاء و إنى مثل نحى و إنحاء، مكسور الأول ساكن الثاني، قال القفال رحمه اللّه، كأن الثاني مأخوذ منه لأنه انتظار الساعات و الأوقات، و

في الخبر أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال للرجل الذي أخر المجي‏ء إلى الجمعة «آذيت و آنيت»

أي دافعت الأوقات.

الصفة الثالثة: قوله تعالى: وَ هُمْ يَسْجُدُونَ و فيه وجوه الأول: يحتمل أن يكون حالاً من التلاوة كأنهم يقرؤن القرآن في السجدة مبالغة في الخضوع و الخشوع إلا أن القفال رحمه اللّه روى في «تفسيره» حديثاً: أن ذلك غير جائز، و هو

قوله عليه السلام: «ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً»

الثاني: يحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً و المعنى أنهم يقومون تارة يبتغون الفضل و الرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع للّه تعالى و هو كقوله وَ اَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِيََاماً [الفرقان: 64]و قوله‏ أَمَّنْ هُوَ قََانِتٌ آنََاءَ اَللَّيْلِ سََاجِداً وَ قََائِماً يَحْذَرُ اَلْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: 9]قال الحسن: يريح رأسه بقدميه و قدميه برأسه، و هذا على معنى إرادة الراحة و إزالة التعب و إحداث النشاط الثالث: يحتمل أن يكون المراد بقوله وَ هُمْ يَسْجُدُونَ أنهم يصلون و صفهم بالتهجد بالليل و الصلاة تسمى سجوداً و سجدة و ركوعاً و ركعة و تسبيحاً و تسبيحة، قال تعالى: وَ اِرْكَعُوا مَعَ اَلرََّاكِعِينَ [البقرة: 43]أي صلوا و قال: فَسُبْحََانَ اَللََّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ [الروم: 17]و المراد الصلاة الرابع:

يحتمل أن يكون المراد بقوله وَ هُمْ يَسْجُدُونَ أي يخضعون و يخشعون للّه لأن العرب تسمي الخشوع سجوداً كقوله وَ لِلََّهِ يَسْجُدُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ [النحل: 49]و كل هذه الوجوه ذكرها القفال رحمه اللّه.

الصفة الرابعة: قوله يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ و اعلم أن اليهود كانوا أيضاً يقومون/في الليالي للتهجد و قراءة التوراة، فلما مدح المؤمنين بالتهجد و قراءة القرآن أردف ذلك بقوله يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ و قد بينا أن الإيمان باللّه يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه و رسله و الإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي، و هؤلاء اليهود ينكرون أنبياء اللّه و لا يحترزون عن معاصي اللّه، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ و المعاد.

و اعلم أن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته، و الخير لأجل العمل به، و أفضل الأعمال الصلاة و أفضل الأذكار ذكر اللّه، و أفضل المعارف معرفة المبدأ و معرفة المعاد، فقوله يَتْلُونَ آيََاتِ اَللََّهِ آنََاءَ اَللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم و قوله يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية و في القوة النظرية، و ذلك أكمل أحوال الإنسان، و هي المرتبة التي يقال لها: إنها آخر درجات الإنسانية و أول درجات الملكية.

الصفة الخامسة: قوله وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ .

الصفة السادسة: قوله وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ و اعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاماً و فوق التمام فكون الإنسان تاماً ليس إلا في كمال قوته العملية و النظرية و قد تقدم ذكره، و كونه فوق التمام أن يسعى في تكميل‏

334

الناقصين، و ذلك بطريقين، إما بإرشادهم إلى ما ينبغي و هو الأمر بالمعروف، أو بمنعهم عما لا ينبغي و هو النهي عن المنكر، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي بتوحيد اللّه و بنبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ أي ينهون عن الشرك باللّه، و عن إنكار نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم، و اعلم أن لفظ المعروف و المنكر مطلق فلم يجز تخصيصه بغير دليل، فهو يتناول كل معروف و كل منكر.

الصفة السابعة: قوله وَ يُسََارِعُونَ فِي اَلْخَيْرََاتِ و فيه وجهان أحدهما: أنهم يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت، و الآخر: يعملونها غير متثاقلين. فإن قيل: أليس أن العجلة مذمومة

قال عليه الصلاة و السلام: «العجلة من الشيطان و التأني من الرحمن»

فما الفرق بين السرعة و بين العجلة؟قلنا: السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، و العجلة و مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين، لأن من رغب في الأمر، آثر الفور على التراخي، قال تعالى: وَ سََارِعُوا إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: 133]و أيضاً العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل قوله تعالى: وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى‏ََ [طه: 84].

الصفة الثامنة: قوله وَ أُولََئِكَ مِنَ اَلصََّالِحِينَ و المعنى و أولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند اللّه تعالى و رضيهم، و اعلم أن الوصف بذلك غاية المدح و يدل عليه القرآن و المعقول، أما القرآن، فهو أن اللّه تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم/الصلاة و السلام فقال: بعد ذكر إسماعيل و إدريس و ذي الكفل و غيرهم‏ وَ أَدْخَلْنََاهُمْ فِي رَحْمَتِنََا إِنَّهُمْ مِنَ اَلصََّالِحِينَ [الأنبياء: 86]و ذكر حكاية عن سليمان عليه السلام أنه قال: وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبََادِكَ اَلصََّالِحِينَ [النمل: 19]و قال: فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ مَوْلاََهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صََالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ [التحريم: 4]و أما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد، و كل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون، فقد حصل الصلاح، فكان الصلاح دالاً على أكمل الدرجات.

ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال: وَ مََا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و الكسائي و حفص عن عاصم وَ مََا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ بالياء على المغايبة، لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب، يتلون و يسجدون و يؤمنون و يأمرون و ينهون و يسارعون، و لن يضيع لهم ما يعلمون، و المقصود أن جهال اليهود لما قالوا لعبد اللّه بن سلاّم إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان، قال تعالى بل فازوا بالدرجات العظمى، فكان المقصود تعظيمهم ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال، ثم هذا و إن كان بحسب اللفظ يرجع إلى كل ما تقدم ذكره من مؤمني أهل الكتاب، فإن سائر الخلق يدخلون فيه نظراً إلى العلة.

و أما الباقون فإنهم قرءوا بالتاء على سبيل المخاطبة فهو ابتداء خطاب لجميع المؤمنين على معنى أن أفعال مؤمني أهل الكتاب ذكرت، ثم قال: و ما تفعلوا من خير معاشر المؤمنين الذين من جملتكم هؤلاء، فلن تكفروه، و الفائدة أن يكون حكم هذه الآية عاماً بحسب اللفظ في حق جميع المكلفين، و مما يؤكد ذلك أن نظائر هذه الآية جاءت مخاطبة لجميع الخلائق من غير تخصيص بقوم دون قوم كقوله‏ وَ مََا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اَللََّهُ