التفسير الكبير - ج8

- الفخر الرازي‏ المزيد...
358 /
335

[البقرة: 197] وَ مََا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ (1) و ما تفعلوا من خير تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللََّهِ* (2) و أما أبو عمرو فالمنقول عنه أنه كان يقرأ هذه الآية بالقراءتين.

المسألة الثانية: فلن تكفروه أي لن تمنعوا ثوابه و جزاءه و إنما سمي منع الجزاء كفر لوجهين الأول: أنه تعالى سمى إيصال الثواب شكراً قال اللّه تعالى: فَإِنَّ اَللََّهَ شََاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة: 158]و قال: فَأُولََئِكَ كََانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء: 19]فلما سمى إيصال الجزاء شكراً سمى منعه كفراً و الثاني: أن الكفر في اللغة هو الستر فسمي منع الجزاء كفراً، لأنه بمنزلة الجحد و الستر.

فإن قيل: لم قال: فلن تكفروه فعداه إلى مفعولين مع أن شكر و كفر لا يتعديان إلا إلى واحد يقال شكر النعمة و كفرها.

قلنا: لأنا بينا أن معنى الكفر هاهنا هو المنع و الحرمان، فكان كأنه قال: فلن تحرموه، و لن/تمنعوا جزاءه.

المسألة الثالثة: احتج القائلون بالموازنة من الذاهبين إلى الإحباط بهذه الآية فقال: صريح هذه الآية يدل على أنه لا بد من وصول أثر فعل العبد إليه، فلو انحبط و لم ينحبط من المحبط بمقداره شي‏ء لبطل مقتضى هذه الآية، و نظير هذه الآية قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ*`وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7، 8].

ثم قال: وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ و المعنى أنه تعالى لما أخبر عن عدم الحرمان و الجزاء أقام ما يجري مجرى الدليل عليه و هو أن عدم إيصال الثواب و الجزاء إما أن يكون للسهو و النسيان و ذلك محال في حقه لأنه عليم بكل المعلومات، و إما أن يكون للعجز و البخل و الحاجة و ذلك محال لأنه إله جميع المحدثات، فاسم اللّه تعالى يدل على عدم العجز و البخل و الحاجة، و قوله عَلِيمٌ يدل على عدم الجهل، و إذا انتفت هذه الصفات امتنع المنع من الجزاء، لأن منع الحق لا بد و أن يكون لأجل هذه الأمور و اللّه أعلم، إنما قال: عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ مع أنه عالم بالكل بشارة للمتقين بجزيل الثواب و دلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى.

اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآيات مرة أحوال الكافرين في كيفية العقاب، و أخرى أحوال المؤمنين في الثواب جامعاً بين الزجر و الترغيب و الوعد و الوعيد، فلما وصف من آمن من الكفار بما تقدم من الصفات الحسنة أتبعه تعالى بوعيد الكفار، فقال: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوََالُهُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُهُمْ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في قوله إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا قولان الأول: المراد منه بعض الكفار ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوهاًأحدها: قال ابن عباس: يريد قريظة و النضير، و ذلك لأن مقصود رؤساء اليهود في معاندة الرسول ما كان إلا المال و الدليل عليه قوله تعالى في سورة البقرة وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً* [البقرة: 41]و ثانيها: أنها نزلت في مشركي قريش، فإن أبا جهل كان كثير الافتخار بماله و لهذا السبب نزل فيه قوله

____________

(1) ليست هذه آية إنما المثبت في المصحف‏ وَ مََا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ [البقرة: 272].

(2) ليست هذه آية إنما المثبت في المصحف‏ وَ مََا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللََّهِ* [البقرة: 110].

336

وَ كَمْ أَهْلَكْنََا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثََاثاً وَ رِءْياً [مريم: 74]/و قوله‏ فَلْيَدْعُ نََادِيَهُ*`سَنَدْعُ اَلزَّبََانِيَةَ [العلق: 17، 18]و ثالثها: أنها نزلت في أبي سفيان، فإنه أنفق مالاً كثيراً على المشركين يوم بدر و أحد في عداوة النبي صلى اللّه عليه و سلم.

و القول الثاني: أن الآية عامة في حق جميع الكفار، و ذلك لأنهم كلهم كانوا يتعززون بكثرة الأموال، و كانوا يعيرون الرسول صلى اللّه عليه و سلم و أتباعه بالفقر، و كان من جملة شبههم أن قالوا: لو كان محمد على الحق لما تركه ربه في هذا الفقر و الشدة و لأن اللفظ عام، و لا دليل يوجب التخصيص فوجب إجراؤه على عمومه، و للأولين أن يقولوا: إنه تعالى قال بعد هذه الآية مَثَلُ مََا يُنْفِقُونَ [آل عمران: 177]فالضمير في قوله يُنْفِقُونَ عائد إلى هذا الموضع، و هو قوله إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ثم إن قوله يُنْفِقُونَ مخصوص ببعض الكفار، فوجب أن يكون هذا أيضاً مخصوصاً.

المسألة الثانية: إنما خص تعالى الأموال و الأولاد بالذكر لأن أنفع الجمادات هو الأموال و أنفع الحيوانات هو الولد، ثم بيّن تعالى أن الكافر لا ينتفع بهما ألبتة في الآخرة، و ذلك يدل على عدم انتفاعه بسائر الأشياء بطريق الأولى، و نظيره قوله تعالى: يَوْمَ لاََ يَنْفَعُ مََالٌ وَ لاََ بَنُونَ*`إِلاََّ مَنْ أَتَى اَللََّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 88، 89]و قوله وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً* [البقرة: 48]الآية و قوله‏ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‏ءُ اَلْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ اِفْتَدى‏ََ بِهِ [آل عمران: 91]و قوله‏ وَ مََا أَمْوََالُكُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنََا زُلْفى‏ََ [سبأ: 37]و لما بيّن تعالى أنه لا انتفاع لهم بأموالهم و لا بأولادهم، قال: وَ أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ .

و احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فساق أهل الصلاة لا يبقون في النار أبداً فقالوا قوله وَ أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ كلمة تفيد الحصر فإنه يقال: أولئك أصحاب زيد لا غيرهم و هم المنتفعون به لا غيرهم و لما أفادت هذه الكلمة معنى الحصر ثبت أن الخلود في النار ليس إلا للكافر.

في قوله تعالى مَثَلُ مََا يُنْفِقُونَ فِي هََذِهِ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهََا صِرٌّ اعلم أنه تعالى لما بيّن أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً، ثم إنهم ربما أنفقوا أموالهم/في وجوه الخيرات، فيخطر ببال الإنسان أنهم ينتفعون بذلك، فأزال اللّه تعالى بهذه الآية تلك الشبهة، و بيّن أنهم لا ينتفعون بتلك الإنفاقات، و إن كانوا قد قصدوا بها وجه اللّه.

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: المثل الشبه الذي يصير كالعلم لكثرة استعماله فيما يشبه به و حاصل الكلام أن كفرهم يبطل ثواب نفقتهم، كما أن الريح الباردة تهلك الزرع.

فإن قيل: فعلى هذا التقدير مثل إنفاقهم هو الحرث الذي هلك، فكيف شبه الإنفاق بالريح الباردة المهلكة.

قلنا: المثل قسمان منه ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود من الجملتين و إن لم تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين، و هذا هو المسمى بالتشبيه المركب، و منه ما حصلت المشابهة فيه بين المقصود من الجملتين، و بين أجزاء كل واحدة منهما، فإذا جعلنا هذا المثل من القسم الأول زال السؤال، و إن جعلناه من‏

337

القسم الثاني ففيه وجوه الأول: أن يكون التقدير: مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون، كمثل الريح المهلكة للحرث الثاني: مثل ما ينفقون، كمثل مهلك ريح، و هو الحرث الثالث: لعلّ الإشارة في قوله مَثَلُ مََا يُنْفِقُونَ إلى ما أنفقوا في إيذاء رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في جمع العساكر عليه، و كان هذا الإنفاق مهلكاً لجميع ما أتوا به من أعمال الخير و البر و حينئذ يستقيم التشبيه من غير حاجة إلى إضمار و تقديم و تأخير، و التقدير: مثل ما ينفقون في كونه مبطلاً لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر كمثل ريح فيها صر في كونها مبطلة للحرث، و هذا الوجه خطر ببالي عند كتابتي على هذا الموضع، فإن انفاقهم في إيذاء الرسول صلى اللّه عليه و سلم من أعظم أنواع الكفر و من أشدها تأثيراً في إبطال آثار أعمال البر.

المسألة الثانية: اختلفوا في تفسير هذا الإنفاق على قولين الأول: أن المراد بالإنفاق هاهنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة سماه اللّه إنفاقاً كما سمى ذلك بيعاً و شراء في قوله‏ إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ [التوبة: 111]إلى قوله‏ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ اَلَّذِي بََايَعْتُمْ بِهِ [التوبة: 111]و مما يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92]و المراد به جميع أعمال الخير و قوله تعالى: لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبََاطِلِ* [البقرة: 188]و المراد جميع أنواع الانتفاعات.

و القول الثاني: و هو الأشبه أن المراد إنفاق الأموال، و الدليل عليه ما قبل هذه الآية و هو قوله‏ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوََالُهُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُهُمْ* [آل عمران: 10].

المسألة الثالثة: قوله مَثَلُ مََا يُنْفِقُونَ المراد منه جميع الكفار أو بعضهم، فيه قولان: الأول: المراد بالإخبار عن جميع الكفار، و ذلك لأن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا أو لمنافع الآخرة فإن كان لمنافع الدنيا لم يبق منه أثر ألبتة في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر و إن كان/لمنافع الآخرة لم ينتفع به في الآخرة لأن الكفر مانع من الانتفاع به، فثبت أن جميع نفقات الكفار لا فائدة فيها في الآخرة، و لعلّهم أنفقوا أموالهم في الخيرات نحو بناء الرباطات و القناطر و الإحسان إلى الضعفاء و الأيتام و الأرامل، و كان ذلك المنفق يرجو من ذلك الإنفاق خيراً كثيراً فإذا قدم الآخرة رأى كفره مبطلاً لآثار الخيرات، فكان كمن زرع زرعاً و توقع منه نفعاً كثيراً فأصابته ريح فأحرقته فلا يبقى معه إلا الحزن و الأسف، هذا إذا أنفقوا الأموال في وجوه الخيرات أما إذا أنفقوها فيما ظنوه أنه الخيرات لكنه كان من المعاصي مثل إنفاق الأموال في إيذاء الرسول صلى اللّه عليه و سلم و في قتل المسلمين و تخريب ديارهم، فالذي قلناه فيه أسد و أشد، و نظير هذه الآية قوله تعالى: وَ قَدِمْنََا إِلى‏ََ مََا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنََاهُ هَبََاءً مَنْثُوراً [الفرقان: 23]و قال: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ فَسَيُنْفِقُونَهََا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً [الأنفال: 36]و قوله‏ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمََالُهُمْ كَسَرََابٍ بِقِيعَةٍ [النور: 39] فكل ذلك يدل على الحسنات من الكفار لا تستعقب الثواب، و كل ذلك مجموع في قوله تعالى: إِنَّمََا يَتَقَبَّلُ اَللََّهُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ [المائدة: 27]و هذا القول هو الأقوى و الأصح.

و اعلم أنا إنما فسرنا الآية بخيبة هؤلاء الكفار في الآخرة و لا يبعد أيضاً تفسيرها بخيبتهم في الدنيا، فإنهم أنفقوا الأموال الكثيرة في جمع العساكر و تحملوا المشاق ثم انقلب الأمر عليهم، و أظهر اللّه الإسلام و قواه فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الخيبة و الحسرة.

و القول الثاني: المراد منه الإخبار عن بعض الكفار، و على هذا القول ففي الآية وجوه الأول: أن المنافقين‏

338

كانوا ينفقون أموالهم في سبيل اللّه و لكن على سبيل التقية و الخوف من المسلمين و على سبيل المداراة لهم فالآية فيهم الثاني: نزلت هذه الآية في أبي سفيان و أصحابه يوم بدر عند تظاهر هم على الرسول عليه السلام الثالث:

نزلت في إنفاق سفلة اليهود على أحبارهم لأجل التحريف و الرابع: المراد ما ينفقون و يظنون أنه تقرب إلى اللّه تعالى مع أنه ليس كذلك.

المسألة الرابعة: اختلفوا في (الضر) على وجوه الأول: قال أكثر المفسرين و أهل اللغة: الصر البرد الشديد و هو قول ابن عباس و قتادة و السدي و ابن زيد و الثاني: أن الصر: هو السموم الحارة و النار التي تغلي، و هو اختيار أبي بكر الأصم و أبي بكر بن الأنباري، قال ابن الأنباري: و إنما وصفت النار بأنها صِرٌّ لتصويتها عند الالتهاب، و منه صرير الباب، و الصرصر مشهور، و الصرة الصيحة و منه قوله تعالى: فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ [الذاريات: 29]و روى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في فِيهََا صِرٌّ قال فيها نار، و على القولين فالمقصود من التشبيه حاصل، لأنه سواء كان برداً مهلكاً أو حراً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث و الزرع فيصح التشبيه به.

المسألة الخامسة: المعتزلة احتجوا بهذه الآية على صحة القول بالإحباط، و ذلك لأنه كما أن هذه الريح تهلك الحرث فكذلك الكفر يهلك الإنفاق، و هذا إنما يصح إذا قلنا: إنه لو لا الكفر/لكان ذلك الإنفاق موجباً لمنافع الآخرة و حينئذ يصح القول بالإحباط، و أجاب أصحابنا عنه بأن العمل لا يستلزم الثواب إلا بحكم الوعد، و الوعد من اللّه مشروط بحصول الإيمان، فإذا حصل الكفر فات المشروط لفوات شرطه لأن الكفر أزاله بعد ثبوته، و دلائل بطلان القول بالإحباط قد تقدمت في سورة البقرة.

ثم قال تعالى: أَصََابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ و فيه سؤال: و هو أن يقال: لم لم يقتصر على قوله أَصََابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ و ما الفائدة في قوله ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ .

قلنا: في تفسير قوله ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وجهان الأول: أنهم عصوا اللّه فاستحقوا هلاك حرثهم عقوبة لهم، و الفائدة في ذكره هي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشي‏ء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه شي‏ء، و حرث الكافرين الظالمين هو الذي يذهب بالكلية و لا يحصل منه منفعة لا في الدنيا و لا في الآخرة، فأما حرث المسلم المؤمن فلا يذهب بالكلية لأنه و إن كان يذهب صورة فلا يذهب معنى، لأن اللّه تعالى يزيد في ثوابه لأجل وصول تلك الأحزان إليه و الثاني: أن يكون المراد من قوله ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ هو أنهم زرعوا في غير موضع الزرع أو في غير وقته، لأن الظلم وضع الشي‏ء في غير موضعه، و على هذا التفسير يتأكد وجه التشبيه، فإن من زرع لا في موضعه و لا في وقته يضيع، ثم إذا أصابته الريح الباردة كان أولى بأن يصير ضائعاً، فكذا هاهنا الكفار لما أتوا بالإنفاق لا في موضعه و لا في وقته ثم أصابه شؤم كفرهم امتنع أن لا يصير ضائعاً و اللّه أعلم.

ثم قال تعالى: وَ مََا ظَلَمَهُمُ اَللََّهُ وَ لََكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ و المعنى أن اللّه تعالى ما ظلمهم حيث لم يقبل نفقاتهم، و لكنهم ظلموا أنفسهم حيث أتوا بها مقرونة بالوجوه المانعة من كونها مقبولة للّه تعالى قال صاحب «الكشاف» : قرئ و لكن بالتشديد بمعنى و لكن أنفسهم يظلمونها، و لا يجوز أن يراد، و لكنه أنفسهم يظلمون على إسقاط ضمير الشأن، لأنه لا يجوز إلا في الشعر.

339

في قوله تعالى يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا بِطََانَةً اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المؤمنين و الكافرين شرع في تحذير المؤمنين عن مخالطة الكافرين في هذه الآية و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن الذين نهى اللّه المؤمنين عن مخالطتهم من هم؟على أقوال: الأول: أنهم هم اليهود و ذلك لأن المسلمين كانوا يشاورونهم في أمورهم و يؤانسونهم لما كان بينهم من الرضاع و الحلف ظناً منهم أنهم و إن خالفوهم في الدين فهم ينصحون لهم في أسباب المعاش فنهاهم اللّه تعالى بهذه الآية عنه، و حجة أصحاب هذا القول أن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مخاطبة مع اليهود فتكون هذه الآية أيضاً كذلك الثاني: أنهم هم المنافقون، و ذلك لأن المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوال المنافقين و يظنون أنهم صادقون فيفشون إليهم الأسرار و يطلعونهم على الأحوال الخفية، فاللّه تعالى منعهم عن ذلك، و حجة أصحاب هذا القول أن ما بعد هذه الآية يدل على ذلك و هو قوله وَ إِذََا لَقُوكُمْ قََالُوا آمَنََّا وَ إِذََا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ اَلْأَنََامِلَ مِنَ اَلْغَيْظِ [آل عمران: 119]و معلوم أن هذا لا يليق باليهود بل هو صفة المنافقين، و نظيره قوله تعالى في سورة البقرة: وَ إِذََا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قََالُوا آمَنََّا وَ إِذََا خَلَوْا إِلى‏ََ شَيََاطِينِهِمْ قََالُوا إِنََّا مَعَكُمْ إِنَّمََا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: 14]الثالث: المراد به جميع أصناف الكفار و الدليل عليه قوله تعالى: بِطََانَةً مِنْ دُونِكُمْ فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين فيكون ذلك نهياً عن جميع الكفار و قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيََاءَ [الممتحنة: 1]و مما يؤكد ذلك ما روي أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: هاهنا رجل من أهل الحيرة نصراني لا يعرف أقوى حفظاً و لا أحسن خطأ منه، فإن رأيت أن تتخذه كاتباً، فامتنع عمر من ذلك و قال: إذن اتخذت بطانة من غير المؤمنين، فقد جعل عمر رضي اللّه عنه هذه الآية دليلاً على النهي عن اتخاذ بطانة، و أما ما تمسكوا به من أن ما بعد الآية مختص بالمنافقين فهذا لا يمنع عموم أول الآية، فإنه ثبت في أصول الفقه أن أول الآية إذا كان عاماً و آخرها إذا كان خاصاً لم يكن خصوص آخر الآية مانعاً من عموم أولها.

المسألة الثانية: قال أبو حاتم عن الأصمعي: بطن فلان بفلان يبطن به بطوناً و بطانة، إذا كان خاصاً به داخلاً في أمره، فالبطانة مصدر يسمى به الواحد و الجمع، و بطانة الرجل خاصته الذين يبطنون أمره و أصله من البطن خلاف الظهر، و منه بطانة الثوب خلاف ظهارته، و الحاصل أن الذي يخصه الإنسان بمزيد التقريب يسمى بطانة لأنه بمنزلة ما يلي بطنه في شدة القرب منه.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: لاََ تَتَّخِذُوا بِطََانَةً نكرة في سياق النفي فيفيد العموم.

أما قوله مِنْ دُونِكُمْ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: من دونكم أي من دون المسلمين و من غير أهل ملتكم و لفظ مِنْ دُونِكُمْ يحسن حمله على هذا الوجه كما يقول الرجل: قد أحسنتم إلينا و أنعمتم علينا، و هو يريد أحسنتم إلى/إخواننا، و قال تعالى:

وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: 21]أي آباؤهم فعلوا ذلك.

340

المسألة الثانية: في قوله مِنْ دُونِكُمْ احتمالان أحدهما: أن يكون متعلقاً بقوله لاََ تَتَّخِذُوا أي لا تتخذوا من دونكم بطانة و الثاني: أن يجعل وصفاً للبطانة و التقدير: بطانة كائنات من دونكم.

فإن قيل: ما الفرق بين قوله: لا تتخذوا من دونكم بطانة، و بين قوله لاََ تَتَّخِذُوا بِطََانَةً مِنْ دُونِكُمْ ؟.

قلنا: قال سيبويه: إنهم يقدمون الأهم و الذي هم بشأنه أعني و هاهنا ليس المقصود اتخاذ البطانة إنما المقصود أن يتخذ منهم بطانة فكان قوله: لا تتخذوا من دونكم بطانة أقوى في إفادة المقصود.

المسألة الثالثة: قيل مِنْ زائدة، و قيل للنبيّين: لا تتخذوا بطانة من دون أهل ملتكم. فإن قيل: هذه الآية تقتضي المنع من مصاحبة الكفار على الإطلاق، و قال تعالى: لاََ يَنْهََاكُمُ اَللََّهُ عَنِ اَلَّذِينَ لَمْ يُقََاتِلُوكُمْ فِي اَلدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيََارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ [الممتحنة: 8] إِنَّمََا يَنْهََاكُمُ اَللََّهُ عَنِ اَلَّذِينَ قََاتَلُوكُمْ [الممتحنة: 9]فكيف الجمع بينهما؟قلنا: لا شك أن الخاص يقدم على العام.

و اعلم أنه تعالى لما منع المؤمنين من أن يتخذوا بطانة من الكافرين ذكر علة هذا النهي و هي أمور أحدها:

قوله تعالى: لاََ يَأْلُونَكُمْ خَبََالاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : يقال (ألا) في الأمر يألوا إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحاً، و لا آلوك جهداً على التضمين، و المعنى لا أمنعك نصحا و لا أنقصك جهداً.

المسألة الثانية: الخبال الفساد و النقصان، و أنشدوا:

لستم بيد إلا يداً أبدا مخبولة العضد

أي فاسدة العضد منقوضتها، و منه قيل: رجل مخبول و مخبل و مختبل لمن كان ناقص العقل، و قال تعالى:

لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مََا زََادُوكُمْ إِلاََّ خَبََالاً [التوبة: 47]أي فساداً و ضررًا.

المسألة الثالثة: قوله لاََ يَأْلُونَكُمْ خَبََالاً أي لا يدعون جهدهم في مضرتكم و فسادكم، يقال: ما ألوته نصحاً، أي ما قصرت في نصيحته، و ما ألوته شرًّا مثله.

المسألة الرابعة: انتصب الخبال بلا يألونكم لأنه يتعدى إلى مفعولين كما ذكرنا و إن شئت نصبته على المصدر، لأن معنى قوله لاََ يَأْلُونَكُمْ خَبََالاً لا يخبلونكم خبالا و ثانيها: قوله تعالى: وَدُّوا مََا عَنِتُّمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: يقال وددت كذا، أي أحببته و (العنت) شدة الضرر و المشقة قال تعالى: وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَأَعْنَتَكُمْ [البقرة: 220].

المسألة الثانية: ما مصدرية كقوله‏ ذََلِكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَ بِمََا/كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ [غافر: 75]أي بفرحكم و مرحكم و كقوله‏ وَ اَلسَّمََاءِ وَ مََا بَنََاهََا*`وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا طَحََاهََا [الشمس: 5، 6]أي بنائه إياها و طحيه إياها.

المسألة الثالثة: تقدير الآية: أحبوا أن يضروكم في دينكم و دنياكم أشد الضرر.

المسألة الرابعة: قال الواحدي رحمه اللّه: لا محل لقوله وَدُّوا مََا عَنِتُّمْ لأنه استئناف بالجملة و قيل: إنه‏

341

صفة لبطانة، و لا يصح هذا لأن البطانة قد وصفت بقوله لاََ يَأْلُونَكُمْ خَبََالاً فلو كان هذا صفة أيضاً لوجب إدخال حرف العطف بينهما.

المسألة الخامسة: الفرق بين قوله لاََ يَأْلُونَكُمْ خَبََالاً و بين قوله وَدُّوا مََا عَنِتُّمْ في المعنى من وجوه الأول: لا يقصرون في إفساد دينكم، فإن عجزوا عنه ودوا إلقاءكم في أشد أنواع الضرر الثاني: لا يقصرون في إفساد أموركم في الدنيا، فإذا عجزوا عنه لم يزل عن قلوبهم حب إعناتكم و الثالث: لا يقصرون في إفساد أموركم، فإن لم يفعلوا ذلك لمانع من خارج، فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم و ثالثها: قوله تعالى: قَدْ بَدَتِ اَلْبَغْضََاءُ مِنْ أَفْوََاهِهِمْ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: البغضاء أشد البغض، فالبغض مع البغضاء كالضر مع الضراء.

المسألة الثانية: الأفواه جمع الفم و الفم أصله فوه بدليل أن جمعه أفواه، يقال: فوه و أفواه كسوط و أسواط، و طوق و أطواق، و يقال رجل مفوه إذا أجاد القول، و أفوه إذا كان واسع الفم، فثبت أن أصل الفم فوه بوزن سوط، ثم حذفت الهاء تخفيفاً ثم أقيم الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان.

المسألة الثالثة: قوله قَدْ بَدَتِ اَلْبَغْضََاءُ مِنْ أَفْوََاهِهِمْ إن حملناه على المنافقين ففي تفسيره وجهان الأول:

أنه لا بد في المنافق من أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه و مفارقة لطريق المخالصة في الود و النصيحة، و نظيره قوله تعالى: وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ [محمد: 30]الثاني: قال قتادة: قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين و الكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك، أما إن حملناه على اليهود فتفسير قوله قَدْ بَدَتِ اَلْبَغْضََاءُ مِنْ أَفْوََاهِهِمْ فهو أنهم يظهرون تكذيب نبيّكم و كتابكم و ينسبونكم إلى الجهل و الحمق، و من اعتقد في غيره الإصرار على الجهل و الحمق امتنع أن يحبه، بل لا بد و أن يبغضه، فهذا هو المراد بقوله قَدْ بَدَتِ اَلْبَغْضََاءُ مِنْ أَفْوََاهِهِمْ .

ثم قال تعالى: وَ مََا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ يعني الذي يظهر على لسان المنافق من علامات البغضاء أقل مما في قلبه من النفرة، و الذي يظهر من علامات الحقد على لسانه أقل مما في قلبه من الحقد، ثم بيّن تعالى أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من نعمه عليهم، فقال: قَدْ بَيَّنََّا لَكُمُ اَلْآيََاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أي من أهل العقل و الفهم و الدراية، و قيل: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ الفصل بين ما يستحقه العدو و الولي، و المقصود بعثهم على استعمال العقل في تأمل هذه الآية و تدبر هذه البينات، و اللّه أعلم.

في قوله تعالى هََا أَنْتُمْ أُولاََءِ تُحِبُّونَهُمْ وَ لاََ يُحِبُّونَكُمْ إلى قوله عَضُّوا عَلَيْكُمُ اَلْأَنََامِلَ مِنَ اَلْغَيْظِ و اعلم أن هذا نوع آخر من تحذير المؤمنين عن مخالطة المنافقين، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال السيد السرخسي سلمه اللّه هََا للتنبيه و أَنْتُمْ مبتدأ و أُولاََءِ خبره و تُحِبُّونَهُمْ في موضع النصب على الحال من اسم الإشارة، و يجوز أن تكون أُولاََءِ بمعنى الذين و تُحِبُّونَهُمْ صلة له، و الموصول مع الصلة خبر أَنْتُمْ و قال الفرّاء أُولاََءِ خبر و تُحِبُّونَهُمْ خبر بعد خبر.

المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر في هذه الآية أموراً ثلاثة، كل واحد منها على أن المؤمن لا يجوز أن يتخذ غير

342

المؤمن بطانة لنفسه فالأول: قوله تُحِبُّونَهُمْ وَ لاََ يُحِبُّونَكُمْ و فيه وجوه: أحدها: قال المفضل تُحِبُّونَهُمْ تريدون لهم الإسلام و هو خير الأشياء وَ لاََ يُحِبُّونَكُمْ لأنهم يريدون بقاءكم على الكفر، و لا شك أنه يوجب الهلاك الثاني:

تُحِبُّونَهُمْ بسبب ما بينكم و بينهم من الرضاعة و المصاهرة وَ لاََ يُحِبُّونَكُمْ بسبب كونكم مسلمين الثالث:

تُحِبُّونَهُمْ بسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان وَ لاََ يُحِبُّونَكُمْ بسبب أن الكفر مستقر في باطنهم الرابع: قال أبو بكر الأصم تُحِبُّونَهُمْ بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات و المحن وَ لاََ يُحِبُّونَكُمْ بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات و المحن و يتربصون بكم الدوائر الخامس: تُحِبُّونَهُمْ بسبب أنهم يظهرون لكم محبة الرسول و محب المحبوب محبوب وَ لاََ يُحِبُّونَكُمْ لأنهم يعلمون أنكم تحبون الرسول و هم يبغضون الرسول و محب المبغوض مبغوض السادس: تُحِبُّونَهُمْ أي تخالطونهم، و تفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم وَ لاََ يُحِبُّونَكُمْ أي لا يفعلون مثل ذلك بكم.

و اعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى الأسباب الموجبة لكون المؤمنين يحبونهم و لكونهم يبغضون المؤمنين، فالكل داخل تحت الآية، و لما عرفهم تعالى كونهم مبغضين للمؤمنين و عرفهم أنهم مبطلون في ذلك البغض صار ذلك داعياً من حيث الطبع، و من حيث الشرع إلى أن يصير المؤمنون مبغضين لهؤلاء المنافقين.

و السبب الثاني لذلك: لذلك: قوله تعالى: وَ تُؤْمِنُونَ بِالْكِتََابِ كُلِّهِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في الآية إضمار، و التقدير: و تؤمنون بالكتاب كله و هم لا يؤمنون به، و حسن الحذف لما بينا أن الضدين يعلمان معا فكان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر.

المسألة الثانية: ذكر (الكتاب) بلفظ الواحد لوجوه أحدها: أنه ذهب به مذهب الجنس كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس و ثانيها: أن المصدر لا يجمع إلا على التأويل، فلهذا لم يقل الكتب بدلا من الكتاب، و إن كان لو قاله لجاز توسعا.

المسألة الثالثة: تقدير الكلام: أنكم تؤمنون بكتبهم كلها و هم مع ذلك يبغضونكم فما بالكم مع ذلك تحبونهم و هم لا يؤمنون بشي‏ء من كتابكم، و فيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم، و نظيره قوله تعالى:

فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمََا تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اَللََّهِ مََا لاََ يَرْجُونَ [النساء: 104].

السبب الثالث لقبح هذه المخالطة: قوله تعالى: وَ إِذََا لَقُوكُمْ قََالُوا آمَنََّا وَ إِذََا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ اَلْأَنََامِلَ مِنَ اَلْغَيْظِ و المعنى: أنه إذا خلا بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة، و شدة الغيظ على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل، كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه و عظم حزنه على فوات مطلوبه، و لما كثر هذا الفعل من الغضبان، صار ذلك كناية عن الغضب حتى يقال في الغضبان: إنه يعض يده غيظا و إن لم يكن هناك عض، قال المفسرون: و إنما حصل لهم هذا الغيظ الشديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين و اجتماع كلمتهم و صلاح ذات بينهم.

ثم قال تعالى: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ و هو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، و المراد من ازدياد الغيظ ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام و عزة أهله و ما لهم في ذلك من الذل و الخزي.

فإن قيل: قوله قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ أمر لهم بالإقامة على الغيظ، و ذلك الغيظ كفر، فكان هذا أمرا بالإقامة على الكفر و ذلك غير جائز.

343

قلنا: قد بينا أنه دعاء بازدياد ما يوجب هذا الغيظ و هو قوة الإسلام فسقط السؤال:

و أيضا فإنه دعاء عليهم بالموت قبل بلوغ ما يتمنون.

ثم قال: إِنَّ اَللََّهَ عَلِيمٌ بِذََاتِ اَلصُّدُورِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: (ذات) كلمة وضعت لنسبة المؤنث كما أن (ذو) كلمة وضعت لنسبة المذكر و المراد بذات الصدور الخواطر القائمة بالقلب و الدواعي و الصوارف الموجودة فيه و هي لكونها حالة في القلب منتسبة إليه فكانت ذات الصدور، و المعنى أنه تعالى عالم بكل ما حصل في قلوبكم من الخواطر و البواعث و الصوارف.

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» يحتمل أن تكون هذه الآية داخلة في جملة المقول/و أن لا تكون أما الأول: فالتقدير: أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظا إذا خلوا و قل لهم: إن اللّه عليم بما هو أخفي مما تسرونه بينكم، و هو مضمرات الصدور، فلا تظنوا أن شيئا من أسراركم يخفى عليه أما الثاني: و هو أن لا يكون داخلا في المقول فمعناه: قل لهم ذلك يا محمد و لا تتعجب من اطلاعي إياك على ما يسرون، فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك، و هو ما أضمروه في صدورهم و لم يظهروه بألسنتهم و يجوز أن لا يكون، ثم قول و أن يكون قوله قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ أمر الرسول صلى اللّه عليه و سلم بطيب النفس و قوة الرجاء و الاستبشار بوعد اللّه إياه أنهم يهلكون غيظا بإعزاز الإسلام و إذلالهم به، كأنه قيل: حدث نفسك بذلك و اللّه تعالى أعلم.

في قوله تعالى إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهََا و اعلم أن هذه الآية من تمام وصف المنافقين، فبيّن تعالى أنهم مع ما لهم من الصفات الذميمة و الأفعال القبيحة مترقبون نزول نوع من المحنة و البلاء بالمؤمنين، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: المس أصله باليد ثم يسمى كل ما يصل إلى الشي‏ء (ماسا) على سبيل التشبيه فيقال: فلان مسّه التعب و النصب، قال تعالى: وَ مََا مَسَّنََا مِنْ لُغُوبٍ [ق: 38]و قال: وَ إِذََا مَسَّكُمُ اَلضُّرُّ فِي اَلْبَحْرِ [الإسراء: 67]قال صاحب «الكشاف» : المس هاهنا بمعنى الإصابة، قال تعالى: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ [التوبة: 50]و قوله‏ مََا أَصََابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللََّهِ وَ مََا أَصََابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: 79] و قال: إِذََا مَسَّهُ اَلشَّرُّ جَزُوعاً*`وَ إِذََا مَسَّهُ اَلْخَيْرُ مَنُوعاً [المعارج: 20، 21].

المسألة الثانية: المراد من الحسنة هاهنا منفعة الدنيا على اختلاف أحوالها، فمنها صحة البدن و حصول الخصب و الفوز بالغنيمة و الاستيلاء على الأعداء و حصول المحبة و الالفة بين الأحباب و المراد بالسيئة أضدادها، و هي المرض و الفقر و الهزيمة و الانهزام من العدو و حصول التفرق بين الأقارب، و القتل و النهب و الغارة، فبيّن تعالى أنهم يحزنون و يغتمون بحصول نوع من أنواع الحسنة للمسلمين و يفرحون بحصول نوع من أنواع السيئة لهم.

المسألة الثالثة: يقال ساء الشي‏ء يسوء فهو سي‏ء، و الأنثى سيئة أي قبح، و منه قوله تعالى: سََاءَ مََا يَعْمَلُونَ [المائدة: 66]و السوأى ضد الحسنى.

ثم قال: وَ إِنْ تَصْبِرُوا يعني على طاعة اللّه و على ما ينالكم فيها من شدة و غم وَ تَتَّقُوا كل ما نهاكم‏

344

عنه و تتوكلوا في أموركم على اللّه لاََ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير و نافع و أبو عمرو لا يضركم بفتح الياء و كسر الضاد و سكون الراء، و هو من ضاره يضيره، و يضوره ضورا إذا ضرّه، و الباقون لاََ يَضُرُّكُمْ بضم الضاد و الراء المشددة و هو من الضر، و أصله يضرركم جزما، فأدغمت الراء في الراء و نقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد و ضمت الراء الآخرة، اتباعا لأقرب الحركات و هي ضمة الضاد، و قال بعضهم: هو على التقديم و التأخير تقديره: و لا يضركم كيدهم شيئا إن تصبروا و تتقوا، قال صاحب «الكشاف» : و روى المفضل عن عاصم لا يضركم بفتح الراء.

المسألة الثانية: الكيد هو أن يحتال الإنسان ليوقع غيره في مكروه، و ابن عباس فسّر الكيد هاهنا بالعداوة.

المسألة الثالثة: شَيْئاً نصب على المصدر أي شيئا من الضر.

المسألة الرابعة: معنى الآية: أن كل من صبر على أداء أوامر اللّه تعالى و اتقى كل ما نهى اللّه عنه كان في حفظ اللّه فلا يضره كيد الكافرين و لا حيل المحتالين.

و تحقيق الكلام في ذلك هو أنه سبحانه إنما خلق الخلق للعبودية كما قال: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]فمن و في بعهد العبودية في ذلك فاللّه سبحانه أكرم من أن لا يفي بعهد الربوبية في حفظه عن الآفات و المخافات، و إليه الإشارة بقوله‏ وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً*`وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاََ يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3]إشارة إلى أنه يوصل إليه كل ما يسره، و قال بعض الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسد فاجتهد في اكتساب الفضائل.

ثم قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ بِمََا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرئ بما يعملون بالياء على سبيل المغايبة بمعنى أنه عالم بما يعملون في معاداتكم فيعاقبهم عليه، و من قرأ بالتاء على سبيل المخاطبة، فالمعنى أنه عالم محيط بما تعملون من الصبر و التقوى فيفعل بكم ما أنتم أهله.

المسألة الثانية: إطلاق لفظ المحيط على اللّه مجاز، لأن المحيط بالشي‏ء هو الذي يحيط به من كل جوانبه، و ذلك من صفات الأجسام، لكنه تعالى لما كان عالما بكل الأشياء قادرا على كل الممكنات، جاز في مجاز اللغة أنه محيط بها، و منه قوله‏ وَ اَللََّهُ مِنْ وَرََائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: 20]و قال: وَ اَللََّهُ مُحِيطٌ بِالْكََافِرِينَ [البقرة: 19]و قال: وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [طه: 110]و قال: وَ أَحََاطَ بِمََا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصى‏ََ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عَدَداً [الجن: 28].

المسألة الثالثة: إنما قال: إِنَّ اَللََّهَ بِمََا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ و لم يقل إن اللّه محيط بما يعملون لأنهم يقدمون الأهم و الذي هم بشأنه، أعني و ليس المقصود هاهنا بيان كونه تعالى عالما، بينا أن/جميع أعمالهم معلومة للّه تعالى و مجازيهم عليها فلا جرم قد ذكر العمل و اللّه أعلم.

في قوله تعالى وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اَلْمُؤْمِنِينَ مَقََاعِدَ لِلْقِتََالِ

345

اعلم أنه تعالى لما قال: وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا لاََ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران: 120]أتبعه بما يدلهم على سنة اللّه تعالى فيهم في باب النصرة و المعونة و دفع مضار العدو إذا هم صبروا و اتقوا، و خلاف ذلك فيهم إذا لم يصبروا فقال: وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ يعني أنهم يوم أحد كانوا كثيرين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول انهزموا، و يوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين للقتال فلما أطاعوا أمر الرسول غلبوا و استولوا على خصومهم، و ذلك يؤكد قولنا، و فيه وجه آخر و هو أن الانكسار يوم أحد إنما حصل بسبب تخلف عبد اللّه بن أبي بن سلول المنافق، و ذلك يدل على أنه لا يجوز اتخاذ هؤلاء المنافقين بطانة و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ فيه ثلاثة أوجه الأول: تقديره و اذكر إذ غدوت و الثاني: قال أبو مسلم: هذا كلام معطوف بالواو على قوله‏ قَدْ كََانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتََا فِئَةٌ تُقََاتِلُ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ أُخْرى‏ََ كََافِرَةٌ [آل عمران: 13]يقول: قد كان لكم في نصر اللّه تلك الطائفة القليلة من المؤمنين على الطائفة الكثيرة من الكافرين موضع اعتبار لتعرفوا به أن اللّه ناصر المؤمنين، و كان لهم مثل ذلك من الآية إذ غدا الرسول صلى اللّه عليه و سلم يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال‏و الثالث: العامل فيه محيط: تقديره و اللّه بما يعملون محيط و إذ غدوت.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن هذا اليوم أي يوم هو؟فالأكثرون: أنه يوم أحد: و هو قول ابن عباس و السدي و ابن إسحاق و الربيع و الأصم و أبي مسلم، و قيل: إنه يوم بدر، و هو قول الحسن، و قيل إنه يوم الأحزاب و هو قول مجاهد و مقاتل، حجة من قال هذا اليوم هو يوم أحد وجوه الأول: أن أكثر العلماء بالمغازي زعموا أن هذه الآية نزلت في وقعة أحد الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللََّهُ بِبَدْرٍ [آل عمران: 123]و الظاهر أنه معطوف على ما تقدم، /و من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه، و أما يوم الأحزاب، فالقوم إنما خالفوا أمر الرسول صلى اللّه عليه و سلم يوم أحد لا يوم الأحزاب، فكانت قصة أحد أليق بهذا الكلام لأن المقصود من ذكر هذه القصة تقرير قوله وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا لاََ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً فثبت أن هذا اليوم هو يوم أحد الثالث: أن الانكسار و استيلاء العدو كان في يوم أحد أكثر منه في يوم الأحزاب لأن في يوم أحد قتلوا جمعا كثيرا من أكابر الصحابة و لم يتفق ذلك يوم الأحزاب فكان حمل الآية على يوم أحد أولى.

المسألة الثالثة:

روي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أصحابه و دعا عبد اللّه بن أبي بن سلول و لم يدعه قط قبلها فاستشاره فقال عبد اللّه و أكثر الأنصار: يا رسول اللّه أقم بالمدينة و لا تخرج إليهم و اللّه ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا و لا دخل عدو علينا إلا أصبنا منه، فكيف و أنت فينا؟فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر موضع و إن دخلوا قتلهم الرجال في وجوههم، و رماهم النساء و الصبيان بالحجارة، و إن رجعوا رجعوا خائبين و قال آخرون: أخرج بنا إلى هؤلاء الأكلب لئلا يظنوا أنا قد خفناهم، فقال عليه الصلاة و السلام: «إني قد رأيت في منامي بقرا تذبح حولي فأولتها خيرا و رأيت في ذباب سيفي ثلما فأوليه هزيمة و رأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة و تدعوهم» فقال قوم من المسلمين من الذين فاتتهم (بدر) و أكرمهم اللّه بالشهادة يوم أحد أخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به حتى دخل فلبس لأمته، فلما لبس ندم القوم، و قالوا: بئسما صنعنا نشير على رسول اللّه و الوحي يأتيه، فقالوا له اصنع يا رسول اللّه ما رأيت، فقال: «لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل» فخرج يوم الجمعة و أصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال، فمشى على رجليه و جعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدرا خارجا قال

346

له تأخر، و كان نزوله في جانب الوادي، و جعل ظهره و عسكره إلى أحد و أمر عبد اللّه بن جبير على الرماة، و قال:

ادفعوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا، و قال عليه الصلاة و السلام لأصحابه: اثبتوا في هذا المقام، فإذا عاينوكم ولوكم الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين و لا تخرجوا من هذا المقام، ثم إن الرسول عليه الصلاة و السلام لما خالف رأي عبد اللّه بن أبي شق عليه ذلك، و قال: أطاع الولدان و عصاني، ثم قال لأصحابه: إن محمداً إنما يظفر بعدوه بكم، و قد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا، فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعوكم، فيصير الأمر على خلاف ما قاله محمد عليه السلام، فلما التقى الفريقان انهزم عبد اللّه بالمنافقين، و كان جملة عسكر المسلمين ألفاً، فانهزم عبد اللّه بن أبي مع ثلاثمائة، فبقيت سبعمائة، ثم قواهم اللّه مع ذلك حتى هزموا المشركين، فلما رأى المؤمنون انهزام القوم، و كان اللّه تعالى بشرهم بذلك، طمعوا أن/تكون هذه الواقعة كواقعة بدر، فطلبوا المدبرين و تركوا ذلك الموضع، و خالفوا أمر الرسول صلى اللّه عليه و سلم بعد أن أراهم ما يحبون، فأراد اللّه تعالى أن يفطمهم عن هذا الفعل لئلا يقدموا على مخالفة الرسول عليه السلام و ليعلموا أن ظفرهم إنما حصل يوم بدو ببركة طاعتهم للّه و لرسوله، و متى تركهم اللّه مع عدوهم لم يقوموا لهم فنزع اللّه الرعب من قلوب المشركين، فكثر عليهم المشركون و تفرق العسكر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، كما قال تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاََ تَلْوُونَ عَلى‏ََ أَحَدٍ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرََاكُمْ [آل عمران: 153]و شج وجه الرسول صلى اللّه عليه و سلم و كسرت رباعيته و شلت يد طلحة دونه، و لم يبق معه إلا أبو بكر و علي و العباس و سعد، و وقعت الصيحة في العسكر أن محمداً قد قتل، و كان رجل يكنى أبا سفيان من الأنصار نادى الأنصار و قال: هذا رسول اللّه، فرجع إليه المهاجرون و الأنصار، و كان قتل منهم سبعون و كثر فيهم الجراح، فقال صلى اللّه عليه و سلم: «رحم اللّه رجلاً ذب عن إخوانه» و شد على المشركين بمن معه حتى كشفهم عن القتلى و الجرحى‏

و اللّه أعلم.

و المقصود من القصة أن الكفار كانوا ثلاثة آلاف و المسلمون كانوا ألفاً و أقل، ثم رجع عبد اللّه بن أبي مع ثلاثمائة من أصحابه فبقي الرسول صلى اللّه عليه و سلم مع سبعمائة، فأعانهم اللّه حتى هزموا الكفار، ثم لما خالفوا أمر الرسول و اشتغلوا بطلب الغنائم انقلب الأمر عليهم و انهزموا و وقع ما وقع، و كل ذلك يؤكد قوله تعالى: وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا لاََ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران: 120]و أن المقبل من أعانه اللّه، و المدبر من خذله اللّه.

المسألة الرابعة: يقال: بوأته منزلاً و بوأت له منزلاً أي أنزلته فيه، و المباءة و الباءة المنزل و قوله مَقََاعِدَ لِلْقِتََالِ أي مواطن و مواضع، و قد اتسعوا في استعمال المقعد و المقام بمعنى المكان، و منه قوله تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ [القمر: 55]و قال: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقََامِكَ [النمل: 39]أي من مجلسك و موضع حكمك و إنما عبر عن الأمكنة هاهنا بالمقاعد لوجهين الأول: و هو أنه عليه السلام أمرهم أن يثبتوا في مقاعدهم لا ينتقلوا عنها، و القاعد في مكان لا ينتقل عنه فسمى تلك الأمكنة بالمقاعد، تنبيهاً على أنهم مأمورون بأن يثبتوا فيها و لا ينتقلوا عنها البتة و الثاني: أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدو فيقوموا عند الحاجة إلى المحاربة فسميت تلك الأمكنة بالمقاعد لهذا الوجه.

المسألة الخامسة: قوله وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اَلْمُؤْمِنِينَ مَقََاعِدَ لِلْقِتََالِ

يروى أنه عليه السلام غدا من منزل عائشة رضي اللّه عنها فمشى على رجليه إلى أحد، و هذا قول مجاهد و الواقدي،

فدل هذا النص على أن عائشة رضي اللّه عنها كانت أهلاً للنبي صلى اللّه عليه و سلم و قال تعالى: اَلطَّيِّبََاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ اَلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبََاتِ [النور: 26]فدل هذا النص‏

347

على أنها مطهرة مبرأة عن كل قبيح، /ألا ترى أن ولد نوح لما كان كافراً قال: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: 46] و كذلك امرأة لوط.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي سميع لأقوالكم عليم بضمائركم و نياتكم، فإنا ذكرنا أنه عليه السلام شاور أصحابه في ذلك الحرب، فمنهم من قال له: أقم بالمدينة، و منهم من قال: اخرج إليهم، و كان لكل أحد غرض آخر فيما يقول، فمن موافق، و من مخالف فقال تعالى: أنا سميع لما يقولون عليم بما يضمرون.

ثم قال تعالى: إِذْ هَمَّتْ طََائِفَتََانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاََ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: العامل في قوله إِذْ هَمَّتْ طََائِفَتََانِ مِنْكُمْ فيه وجوه الأول: قال الزجاج: العامل فيه التبوئة، و المعنى كانت التبوئة في ذلك الوقت الثاني: العامل فيه قوله سَمِيعٌ عَلِيمٌ الثالث: يجوز أن يكون بدلاً من إِذْ غَدَوْتَ .

المسألة الثانية: الطائفتان حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج و بنو حارثة من الأوس لما انهزم عبد اللّه بن أبي همت الطائفتان باتباعه، فعصمهم اللّه، فثبتوا مع الرسول صلى اللّه عليه و سلم، و من العلماء من قال: إن اللّه تعالى أبهم ذكرهما و ستر عليهما، فلا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر.

المسألة الثالثة: الفشل الجبن و الخور، فإن قيل: الهم بالشي‏ء هو العزم، فظاهر الآية يدل على أن الطائفتين عزمتا على الفشل و الترك و ذلك معصية فكيف بهما أن يقال و اللّه وليهما؟.

و الجواب: الهم قد يراد به العزم، و قد يراد به الفكر، و قد يراد به حديث النفس، و قد يراد به ما يظهر من القول الدال على قوة العدو و كثرة عدده و وفور عدده، لأن أي شي‏ء ظهر من هذا الجنس صح أن يوصف من ظهر ذلك منه بأنه هم بأن يفشل من حيث ظهر منه ما يوجب ضعف القلب، فكان قوله إِذْ هَمَّتْ طََائِفَتََانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاََ لا يدل على أن معصية وقعت منهما، و أيضاً فبتقدير أن يقال: إن ذلك معصية لكنها من باب الصغائر لا من باب الكبائر، بدليل قوله تعالى: وَ اَللََّهُ وَلِيُّهُمََا فإن ذلك الهم لو كان من باب الكبائر لما بقيت ولاية اللّه لهما.

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ وَلِيُّهُمََا و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عبد اللّه وَ اَللََّهُ وَلِيُّهُمََا كقوله‏ وَ إِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا [الحجرات: 9].

المسألة الثانية: في المعنى وجوه الأول: أن المراد منه بيان أن ذلك الهم ما أخرجهما عن ولاية اللّه تعالى الثاني: كأنه قيل: اللّه تعالى ناصرهما و متولي أمرهما فكيف يليق بهما هذا الفشل و ترك التوكل على اللّه تعالى؟ الثالث: فيه تنبيه على أن ذلك الفشل إنما لم يدخل في الوجود لأن اللّه تعالى وليهما فأمدهما بالتوفيق و العصمة، و الغرض منه بيان أنه لولا توفيقه سبحانه و تسديده لما تخلص أحد عن ظلمات المعاصي، و يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى بعده هذه الآية وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ .

فإن قيل: ما معنى ما روي عن بعضهم عند نزول هذه الآية أنه قال: و اللّه ما يسرنا أنا لم نهم بما همت الطائفتان به، و قد أخبرنا اللّه تعالى بأنه وليهما؟.

قلنا: معنى ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء اللّه تعالى، و إنزاله فيهم آية ناطقة بصحة

348

الولاية، و أن تلك الهمة ما أخرجتهم عن ولاية اللّه تعالى.

ثم قال: وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ التوكل: تفعل، من وكل أمره إلى فلان إذا اعتمد فيه كفايته عليه و لم يتوله بنفسه، و في الآية إشارة إلى أنه ينبغي أن يدفع الإنسان ما يعرض له من مكروه و آفة بالتوكل على اللّه، و أن يصرف الجزع عن نفسه بذلك التوكل.

في قوله تعالى وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللََّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ في كيفية النظم وجهان الأول: أنه تعالى لما ذكر قصة أحد أتبعها بذلك قصة بدر، و ذلك لأن المسلمين يوم بدر كانوا في غاية الفقر و العجز، و الكفار كانوا في غاية الشدة و القوة، ثم إنه تعالى سلّط المسلمين على المشركين فصار ذلك من أقوى الدلائل على أن العاقل يجب أن لا يتوسل إلى تحصيل غرضه و مطلوبه إلا بالتوكل على اللّه و الاستعانة به و المقصود من ذكر هذه القصة تأكيد قوله‏ وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا لاََ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران: 120]و تأكيد قوله وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: 122]الثاني: أنه تعالى حكى عن الطائفتين أنهما همتا بالفشل.

ثم قال: وَ اَللََّهُ وَلِيُّهُمََا وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ يعني من كان اللّه ناصراً له و معيناً له فكيف يليق به هذا الفشل و الجبن و الضعف؟ثم أكد ذلك بقصة بدر فإن المسلمين كانوا في غاية الضعف و لكن لما كان اللّه ناصراً لهم فازوا بمطلوبهم و قهروا خصومهم فكذا هاهنا، فهذا تقرير وجه النظم، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في بدر أقوال الأول: بدر اسم بئر لرجل يقال له بدر فسميت البئر باسم صاحبها هذا قول الشعبي الثاني: أنه اسم للبئر كما يسمى البلد باسم من غير أن ينقل إليه اسم صاحبه و هذا قول الواقدي و شيوخه، و أنكروا قول الشعبي و هو ماء بين مكة و المدينة.

المسألة الثانية: أَذِلَّةٌ جمع ذليل قال الواحدي: الأصل في الفعيل إذا كان صفة أن يجمع على فعلاء كظريف و ظرفاء و كثير و كثراء و شريك و شركاء إلا أن لفظ فعلاء اجتنبوه في التضعيف لأنهم لو قالوا: قليل و قللاء و خليل و خللاء لاجتمع حرفان من جنس واحد فعدل إلى أفعلة لأن من جموع الفعيل: الأفعلة، كجريب و أجربة، و قفيز و أقفزة فجعلوه جمع ذليل أذلة، قال صاحب/ «الكشاف» : الأذلة جمع قلة، و إنما ذكر جمع القلة ليدل على أنهم مع ذلهم كانوا قليلين.

المسألة الثالثة: قوله وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ في موضع الحال، و إنما كانوا أذلة لوجوه الأول: أنه تعالى قال: وَ لِلََّهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8]فلا بد من تفسير هذا الذل بمعنى لا ينافي مدلول هذه الآية، و ذلك هو تفسيره بقلة العدد و ضعف الحال و قلة السلاح و المال و عدم القدرة على مقاومة العدو و معنى الذل الضعف عن المقاومة و نقيضه العز و هو القوة و الغلبة، روي أن المسلمين كانوا ثلاثمائة و بضعة عشر، و ما كان فيهم إلا فرس واحد، و أكثرهم كانوا رجالة، و ربما كان الجمع منهم يركب جملاً واحداً، و الكفار قريبين من ألف مقاتل و معهم مائة فرس مع الأسلحة الكثيرة و العدة الكاملة الثاني: لعل المراد أنهم كانوا أذلة في زعم المشركين و اعتقادهم لأجل قلة عددهم و سلاحهم، و هو مثل ما حكى اللّه عن الكفار أنهم قالوا لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ [المنافقون: 8] الثالث: أن الصحابة قد شاهدوا الكفار في مكة في القوة و الثروة و إلى ذلك الوقت ما اتفق لهم استيلاء على أولئك‏

349

الكفار، فكانت هيبتهم باقية في قلوبهم و استعظامهم مقرراً في نفوسهم فكانوا لهذا السبب يهابونهم و يخافون منهم.

ثم قال تعالى: فَاتَّقُوا اَللََّهَ أي في الثبات مع رسوله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصرته أو لعلّ اللّه ينعم عليكم نعمة أخرى تشكرونها، فوضع الشكر موضع الإنعام، لأنه سبب له.

ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اختلف المفسرون في أن هذا الوعد حصل يوم بدر، أو يوم أحد و يتفرع على هذين القولين بيان العامل في إِذْ فإن قلنا هذا الوعد حصل يوم بدر كان العامل في إِذْ قوله نَصَرَكُمُ اَللََّهُ [آل عمران: 123]و التقدير: إذ نصركم اللّه ببدر و أنتم أذلة تقول للمؤمنين، و إن قلنا إنه حصل يوم أحد كان ذلك بدلاً ثانيا من قوله‏ وَ إِذْ غَدَوْتَ .

إذا عرفت هذا فنقول:

القول الأول: أنه يوم أحد، و هو مروي عن ابن عباس و الكلبي و الواقدي و مقاتل/و محمد بن إسحاق، و الحجة عليه من وجوه:

الحجة الأولى: أن يوم بدر إنما أمد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بألف من الملائكة قال تعالى في سورة الأنفال: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجََابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ [الأنفال: 9]فكيف يليق ما ذكر فيه ثلاثة آلاف و خمسة آلاف بيوم بدر؟.

الحجة الثانية: أن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً أو ما يقرب منه و المسلمون كانوا على الثلث منهم لأنهم كانوا ثلاثمائة و بضعة عشر، فأنزل اللّه تعالى يوم بدر ألفا من الملائكة، فصار عدد الكفار مقابلاً بعدد الملائكة مع زيادة عدد المسلمين فلا جرم وقعت الهزيمة على الكفار فكذلك يوم أحد كان عدد المسلمين ألفاً، و عدد الكفار ثلاثة آلاف، فكان عدد المسلمين على الثلث من عدد الكفار في هذا اليوم، كما في يوم بدر، فوعدهم اللّه في هذا اليوم أن ينزل ثلاثة آلاف من الملائكة ليصير عدد الكفار مقابلاً بعدد الملائكة مع زيادة عدد المسلمين، فيصير ذلك دليلاً على أن المسلمين يهزمونهم في هذا اليوم كما هزموهم يوم بدر ثم جعل الثلاثة آلاف خمسة آلاف لتزداد قوة قلوب المسلمين في هذا اليوم و يزول الخوف عن قلوبهم، و معلوم أن هذا المعنى إنما يحصل إذا قلنا إن هذا الوعد إنما حصل يوم أحد.

الحجة الثالثة: أنه تعالى قال في هذه الآية وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هََذََا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاََفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران: 125]و المراد و يأتوكم أعداؤكم من فورهم، و يوم أحد هو اليوم الذي كان يأتيهم الأعداء، فأما يوم بدر فالأعداء ما أتوهم، بل هم ذهبوا إلى الأعداء.

فإن قيل: لو جرى قوله تعالى: أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاََثَةِ آلاََفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ في يوم أحد، ثم إنه ما حصل هذا الإمداد لزم الكذب.

350

و الجواب عنه من وجهين الأول: أن إنزاله خمسة آلاف من الملائكة كان مشروطاً بشرط أن يصبروا و يتقوا في المغانم ثم أنهم لم يصبروا و لم يتقوا في المغانم بل خالفوا أمر الرسول صلى اللّه عليه و سلم، فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط و أما إنزال ثلاثة آلاف من الملائكة فإنما وعد الرسول بذلك للمؤمنين الذين بوأهم مقاعد للقتال و أمرهم بالسكون و الثبات في تلك المقاعد، فهذا يدل على أنه صلى اللّه عليه و سلم إنما وعدهم بهذا الوعد بشرط أن يثبتوا في تلك المقاعد، فلما أهملوا هذا الشرط لا جرم لم يحصل المشروط.

الوجه الثاني: في الجواب: لا نسلم أن الملائكة ما نزلت، روى الواقدي عن مجاهد أنه قال: حضرت الملائكة يوم أحد و لكنهم لم يقاتلوا، و

روي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أعطى اللواء معصب بن عمير فقتل مصعب فأخذه ملك في صورة مصعب، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم تقدم يا مصعب فقال الملك لست بمصعب فعرف الرسول صلى اللّه عليه و سلم أنه ملك أمد/به،

و عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه أنه قال: كنت أرمي السهم يومئذ فيرده علي رجل أبيض حسن الوجه و ما كنت أعرفه، فظننت أنه ملك، فهذا ما نقوله في تقرير هذا الوجه.

إذا عرفت هذا فنقول: نظم الآية على هذا التأويل أنه تعالى ذكر قصة أحد، ثم قال: وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ أي يجب أن يكون توكلهم على اللّه لا على كثرة عددهم و عددهم فلقد نصركم اللّه ببدر و أنتم أذلة فكذلك هو قادر على مثل هذه النصرة في سائر المواضع، ثم بعد هذا أعاد الكلام إلى قصة أحد فقال: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاََثَةِ آلاََفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ .

القول الثاني: أن هذا الوعد كان يوم بدر، و هو قول أكثر المفسرين، و احتجوا على صحته بوجوه.

الحجة الأولى: أن اللّه تعالى قال: وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللََّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران: 123]، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ كذا و كذا، فظاهر هذا الكلام يقتضي أن اللّه تعالى نصرهم ببدر حينما قال الرسول للمؤمنين هذا الكلام، و هذا يقتضي أنه عليه الصلاة و السلام قال هذا الكلام يوم بدر.

الحجة الثانية: أن قلة العدد و العدد كانت يوم بدر أكثر و كان الاحتياج إلى تقوية القلب ذلك اليوم أكثر، فكان صرف هذا الكلام إلى ذلك اليوم أولى.

الحجة الثالثة: أن الوعد بإنزال ثلاثة آلاف من الملائكة كان مطلقاً غير مشروط بشرط، فوجب أن يحصل، و هو إنما حصل يوم بدر لا يوم أحد، و ليس لأحد أن يقول إنهم نزلوا لكنهم ما قاتلوا لأن الوعد كان بالإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، و بمجرد الإنزال لا يحصل الإمداد بل لا بد من الإعانة، و الإعانة حصلت يوم بدر و لم تحصل يوم أحد، ثم القائلون بهذا القول أجابوا عن دلائل الأولين فقالوا:

ما الحجة الأولى: و هي قولكم: الرسول صلى اللّه عليه و سلم إنما أمد يوم بدر بألف من الملائكة.

فالجواب عنها: من وجهين الأول: أنه تعالى أمد أصحاب الرسول صلى اللّه عليه و سلم بألف ثم زاد فيهم ألفين فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زاد ألفين آخرين فصاروا خمسة آلاف، فكأنه عليه الصلاة و السلام قال لهم: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بألف من الملائكة فقالوا بلى، ثم قال: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف فقالوا بلى، ثم قال لهم: إن تصبروا و تتقوا يمددكم ربكم بخمسة آلاف، و هو كما

روي أنه صلى اللّه عليه و سلم قال لأصحابه: «أ يسركم أن تكونوا ربع أهل الجنة قالوا نعم قال أ يسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة قالوا نعم قال فإني أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة» .

351

الوجه الثاني في الجواب: أن أهل بدر إنما أمدوا بألف على ما هو مذكور في سورة/الأنفال، ثم بلغهم أن بعض المشركين يريد إمداد قريش بعدد كثير فخافوا و شق عليهم ذلك لقلة عددهم، فوعدهم اللّه بأن الكفار إن جاءهم مدد فأنا أمدكم بخمسة آلاف من الملائكة، ثم إنه لم يأت قريشاً ذلك المدد، بل انصرفوا حين بلغهم هزيمة قريش، فاستغنى عن إمداد المسلمين بالزيادة على الألف.

و أما الحجة الثانية: و هي قولكم: إن الكفار كانوا يوم بدر ألفاً فأنزل اللّه ألفاً من الملائكة و يوم أحد ثلاثة آلاف فأنزل اللّه ثلاثة آلاف.

فالجواب: إنه تقريب حسن، و لكنه لا يوجب أن لا يكون الأمر كذلك، بل اللّه تعالى قد يزيد و قد ينقص في العدد بحسب ما يريد.

و أما الحجة الثالثة: و هي التمسك بقوله وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ [آل عمران: 125].

فالجواب عنه: أن المشركين لما سمعوا أن الرسول صلى اللّه عليه و سلم و أصحابه قد تعرضوا للعير ثار الغضب في قلوبهم و اجتمعوا و قصدوا النبي صلى اللّه عليه و سلم، ثم إن الصحابة لما سمعوا ذلك خافوا فأخبرهم اللّه تعالى: أنهم إن يأتوكم من فورهم يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة فهذا حاصل ما قيل في تقرير هذين القولين، و اللّه أعلم بمراده.

المسألة الثانية: اختلفوا في عدد الملائكة، و ضبط الأقوال فيها أن من الناس من ضم العدد الناقص إلى العدد الزائد، فقالوا: لأن الوعد بإمداد الثلاثة لا شرط فيه، و الوعد بإمداد الخمسة مشروط بالصبر و التقوى و مجي‏ء الكفار من فورهم، فلا بد من التغاير و هو ضعيف، لأنه لا يلزم من كون الخمسة مشروطة بشرط أن تكون الثلاثة التي جزؤها مشروطة بذلك الشرط و منهم من أدخل العدد الناقص في العدد الزائد، أما على تقدير الأول: فإن حملنا الآية على قصة بدر كان عدد الملائكة تسعة آلاف لأنه تعالى ذلك الألف، و ذكر ثلاثة آلاف، و ذكر خمسة آلاف، و المجموع تسعة آلاف، و إن حملناها على قصة أحد، فليس فيها ذلك الألف، بل فيها ذكر ثلاثة آلاف، و خمسة آلاف، و المجموع: ثمانية آلاف، و أما على التقدير الثاني: و هو إدخال الناقص في الزائد فقالوا: عدد الملائكة خمسة آلاف، ثم ضم إليها ألفان آخران، فلا جرم و عدوا بالألف ثم ضم إليه ألفان فلا جرم و عدوا بثلاثة آلاف، ثم ضم إليها ألفان آخران فلام جر و عدوا بخمسة آلاف، و

قد حكينا عن بعضهم أنه قال أمد أهل بدر بألف فقيل: إن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك على المسلمين، فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم لهم: ألن يكفيكم‏

يعني بتقدير أن يجي‏ء المشركين مدد فاللّه تعالى يمدكم أيضا بثلاثة آلاف و خمسة آلاف، ثم إن المشركين ما جاءهم المدد، فكذا هاهنا الزائد على الألف ما جاء المسلمين فهذه وجوه كلها محتملة و اللّه أعلم بمراده.

المسألة الثالثة: أجمع أهل التفسير و السير أن اللّه تعالى أنزل الملائكة يوم بدر و أنهم قاتلوا الكفار، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر و فيما سواه كانوا عدداً و مدداً لا يقاتلون و لا يضربون، و هذا قول الأكثرين، و أما أبو بكر الأصم، فإنه أنكر ذلك أشد الإنكار، و احتج عليه بوجوه:

الحجة الأولى: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك الأرض، و من المشهور أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت المدائن الأربع لقوم لوط و بلغ جناحه إلى الأرض السابعة، ثم رفعها إلى السماء و قلب عاليها

352

سافلها، فإذا حضر هو يوم بدر، فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟ثم بتقدير حضوره، فأي فائدة في إرسال سائر الملائكة؟.

الحجة الثانية: أن أكابر الكفار كانوا مشهورين و كل واحد منهم مقابله من الصحابة معلوم و إذا كان كذلك امتنع إسناد قتله إلى الملائكة.

الحجة الثالثة: الملائكة لو قاتلوا لكانوا إما أن يصيروا بحيث يراهم الناس أو لا يراهم الناس فإن رآهم الناس فإما أن يقال إنهم رأوهم في صورة الناس أو في غير صورة الناس، فإن كان الأول فعلى هذا التقدير صار المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف، أو أكثر، و لم يقل أحد بذلك، و لأن هذا على خلاف قوله تعالى:

وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: 44]و إن شاهدوهم في صورة غير صور الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق فإن من شاهد الجن لا شك أنه يشتد فزعه و لم ينقل ذلك ألبتة.

و أما القسم الثاني: و هو أن الناس ما رأوا الملائكة فعلى هذا التقدير: إذا حاربوا و حزوا الرؤوس، و مزقوا البطون و أسقطوا الكفار عن الأفراس، فحينئذ الناس كانوا يشاهدون حصول هذه الأفعال مع أنهم ما كانوا شاهدوا أحداً من الفاعلين، و مثل هذا يكون من أعظم المعجزات، و حينئذ يجب أن يصير الجاحد لمثل هذه الحالة كافراً متمرداً، و لما لم يوجد شي‏ء من ذلك عرف فساد هذا القسم أيضاً.

الحجة الرابعة: أن هؤلاء الملائكة الذين نزلوا، إما أن يقال: إنهم كانوا أجساماً كثيفة أو لطيفة، فإن كان الأول وجب أن يراهم الكل و أن تكون رؤيتهم كرؤية غيرهم، و معلوم أن الأمر ما كان كذلك، و إن كانوا أجساماً لطيفة دقيقة مثل الهواء لم يكن فيهم صلابة و قوة، و يمتنع كونهم راكبين على الخيول و كل ذلك مما ترونه.

و اعلم أن هذه الشبهة إنما تليق بمن ينكر القرآن و النبوّة، فأما من يقر بهما فلا يليق به شي‏ء من هذه الكلمات، فما كان يليق بأبي بكر الأصم إنكار هذه الأشياء مع أن نص القرآن ناطق بها و ورودها في الأخبار قريب من التواتر، روى عبد اللّه بن عمر قال لما رجعت قريش من أحد/جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا، و يقولون: لم نر الخيل البلق و لا الرجال البيض الذين كنا نراهم يوم بدر و الشبهة المذكورة إذا قابلناها بكمال قدرة اللّه تعالى زالت و طاحت فإنه تعالى يفعل ما يشاء لكونه قادراً على جميع الممكنات و يحكم ما يريد لكونه منزّهاً عن الحاجات.

المسألة الرابعة: اختلفوا في كيفية نصرة الملائكة قال بعضهم: بالقتال مع المؤمنين، و قال بعضهم:

بل بتقوية نفوسهم و إشعارهم بأن النصرة لهم و بإلقاء الرعب في قلوب الكفار، و الظاهر في المدد أنهم يشركون الجيش في القتال إن وقعت الحاجة إليهم، و يجوز أن لا تقع الحاجة إليهم في نفس القتال و أن يكون مجرد حضورهم كافياً في تقوية القلب، و زعم كثير من المفسرين أنهم قاتلوا يوم بدر و لم يقاتلوا في سائر الأيام.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ معنى الكفاية هو سد الخلة و القيام بالأمر، يقال كفاه أمر كذا إذا سد خلته، و معنى الإمداد إعطاء الشي‏ء حالاً بعد حال قال المفضل: ما كان على جهة القوة و الإعانة قيل

353

فيه أمده يمده، و ما كان على جهة الزيادة قيل فيه: مده يمده و منه قوله‏ وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ [لقمان: 27].

المسألة السادسة: قرأ ابن عامر منزلين مشدد الزاي مفتوحة على التكثير، و الباقون بفتح الزاي مخففة و هما لغتان.

المسألة السابعة: قال صاحب «الكشاف» : إنما قدم لهم الوعد بنزول الملائكة لتقوى قلوبهم و يعزموا على الثبات و يثقوا بنصر اللّه و معنى أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ إنكار أن لا يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة و إنما جي‏ء بلن التي هي لتأكيد النفي للاشعار بأنهم كانوا لقلتهم و ضعفهم و كثرة عددهم كالآيسين من النصر.

ثم قال تعالى:

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: بلى: إيجاب لما بعد (لن) يعني بل يكفيكم الإمداد فأوجب الكفاية، ثم قال: إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هََذََا يعني و المشركون يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بأكثر من ذلك العدد و هو خمسة آلاف، فجعل مجي‏ء خمسة آلاف من الملائكة مشروطة بثلاثة أشياء، الصبر و التقوى و مجي‏ء الكفار على الفور، فلما لم توجد هذه الشرائط لا جرم/لم يوجد المشروط.

المسألة الثانية: الفور مصدر من: فارت القدر إذا غلت، قال تعالى: حَتََّى إِذََا جََاءَ أَمْرُنََا وَ فََارَ اَلتَّنُّورُ [هود: 40]قيل إنه أول ارتفاع الماء منه ثم جعلوا هذه اللفظة استعارة في السرعة، يقال جاء فلان و رجع من فوره، و منه قول الأصوليين الأمر للفور أو التراخي، و المعنى حدة مجي‏ء العدو و حرارته و سرعته.

المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير و أبو عمرو و عاصم مُسَوِّمِينَ بكسر الواو أي معلمين علموا أنفسهم بعلامات مخصوصة، و أكثر الأخبار أنهم سوموا خيولهم بعلامات جعلوها عليها، و الباقون بفتح الواو، أي سومهم اللّه أو بمعنى أنهم سوموا أنفسهم، فكان في المراد من التسويم في قوله مُسَوِّمِينَ قولان الأول: السومة العلامة التي يعرف بها الشي‏ء من غيره، و مضى شرح ذلك في قوله‏ وَ اَلْخَيْلِ اَلْمُسَوَّمَةِ [آل عمران: 14]و هذه العلامة يعلمها الفارس يوم اللقاء ليعرف بها، و

في الخبر أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال يوم بدر: «سوموا فإن الملائكة قد سومت»

قال ابن عباس: كانت الملائكة قد سوموا أنفسهم بالعمائم الصفر، و خيولهم و كانوا على خيل بلق، بأن علقوا الصوف الأبيض في نواصيها و أذنابها، و روي أن حمزة بن عبد المطلب كان يعلم بريشة نعامة، و أن علياً كان يعلم بصوفة بيضاء و أو الزبير كان يتعصب بعصابة صفراء و أن أبا دجانة كان يعلم بعصابة حمراء.

القول الثاني: في تفسير المسومين إنه بمعنى المرسلين مأخوذاً من الإبل السائمة المرسلة في الرعي، تقول أسمت الإبل إذا أرسلتها، و يقال في التكثير سومت كما تقول أكرمت و كرمت، فمن قرأ مُسَوِّمِينَ بكسر الواو فالمعنى أن الملائكة أرسلت خيلها على الكفار لقتلهم و أسرهم، و من قرأ بفتح الواو فالمعنى أن اللّه تعالى أرسلهم على المشركين ليهلكوهم كما تهلك الماشية النبات و الحشيش.

في قوله تعالى وَ مََا جَعَلَهُ اَللََّهُ إِلاََّ بُشْرى‏ََ لَكُمْ

354

الكناية في قوله وَ مََا جَعَلَهُ اَللََّهُ عائدة على المصدر، كأنه قال: و ما جعل اللّه المدد و الإمداد إلا بشرى لكم بأنكم تنصرون فدل يُمْدِدْكُمْ على الإمداد فكنى عنه، كما قال: وَ لاََ تَأْكُلُوا مِمََّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اَللََّهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: 121]معناه: و إن أكله لفسق فدل‏ تَأْكُلُوا على الأكل فكنى عنه و قال الزجاج وَ مََا جَعَلَهُ اَللََّهُ أي ذكر المدد إِلاََّ بُشْرى‏ََ و البشرى اسم من الإبشار و مضى الكلام في معنى التبشير في سورة البقرة في قوله وَ بَشِّرِ اَلَّذِينَ آمَنُوا* [البقرة: 25].

ثم قال: وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ و فيه سؤال:

و هو أن قوله وَ لِتَطْمَئِنَّ فعل و قوله إِلاََّ بُشْرى‏ََ اسم و عطف الفعل على الاسم مستنكر، فكان الواجب أن يقال إلا بشرى لكم و اطمئناناً، أو يقال إلا ليبشركم و لتطمئن قلوبكم به فلم ترك ذلك و عدل عنه إلى عطف الفعل على الاسم.

و الجواب عنه من وجهين الأول: في ذكر الإمداد مطلوبان، و أحدهما أقوى في المطلوبية من الآخر، فأحدهما إدخال السرور في قلوبهم، و هو المراد بقوله إِلاََّ بُشْرى‏ََ و الثاني: حصول الطمأنينة على أن إعانة اللّه و نصرته معهم فلا يجبنوا عن المحاربة، و هذا هو المقصود الأصلي ففرق بين هاتين العبارتين تنبيهاً على حصول التفاوت بين هذين الأمرين في المطلوبية فكونه بشرى مطلوب و لكن المطلوب الأقوى حصول الطمأنينة، فلهذا أدخل حرف التعليل على فعل الطمأنينة، فقال: وَ لِتَطْمَئِنَّ و نظيره قوله‏ وَ اَلْخَيْلَ وَ اَلْبِغََالَ وَ اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهََا وَ زِينَةً [النحل: 8]و لما كان المقصود الأصلي هو الركوب أدخل حرف التعليل عليها، فكذا هاهنا الثاني: قال بعضهم في الجواب: الواو زائدة و التقدير و ما جعله اللّه إلا بشرى لكم لتطمئن به قلوبكم.

ثم قال: وَ مَا اَلنَّصْرُ إِلاََّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ و الغرض منه أن يكون توكلهم على اللّه لا على الملائكة و هذا تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب و الإقبال بالكلية على مسبب الأسباب أو قوله اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته، و الحكيم إشارة إلى كمال علمه، فلا يخفى عليه حاجات العباد و لا يعجز عن إجابة الدعوات، و كل من كان كذلك لم يتوقع النصر إلا من رحمته و لا الإعانة إلا من فضله و كرمه.

ثم قال: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا و اللام في لِيَقْطَعَ طَرَفاً متعلق بقوله وَ مَا اَلنَّصْرُ إِلاََّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ و المعنى أن المقصود من نصركم بواسطة إمداد الملائكة هو أن يقطعوا طرفاً من الذين كفروا، أي يهلكوا طائفة منهم و يقتلوا قطعة منهم، قيل: إنه راجع إلى قوله وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ، لِيَقْطَعَ طَرَفاً و لكنه ذكر بغير حرف العطف لأنه إذا كان البعض قريباً من البعض جاز حذف العاطف، و هو كما يقول السيد لعبده: أكرمتك لتخدمني لتعينني لتقوم بخدمتي حذف العاطف، لأن البعض يقرب من البعض، فكذا هاهنا، و قوله طَرَفاً أي طائفة/و قطعة و إنما حسن في هذا الموضع ذكر الطرف و لم يحسن ذكر الوسط لأنه لا وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من الطرف، و هذا يوافق قوله تعالى: قََاتِلُوا اَلَّذِينَ يَلُونَكُمْ [التوبة: 123]و قوله‏ أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا نَأْتِي اَلْأَرْضَ نَنْقُصُهََا مِنْ أَطْرََافِهََا [الرعد: 41].

355

ثم قال: أَوْ يَكْبِتَهُمْ الكبت في اللغة صرع الشي‏ء على وجهه، يقال: كبته فانكبت هذا تفسيره، ثم قد يذكر و المراد به الاخزاء و الإهلاك و اللعن و الهزيمة و الغيظ، و الإذلال، فكل ذلك ذكره المفسرون في تفسير الكبت، و قوله خََائِبِينَ الخيبة هي الحرمان و الفرق بين الخيبة و بين اليأس أن الخيبة لا تكون إلا بعد التوقع، و أما اليأس فإنه قد يكون بعد التوقع و قبله، فنقيض اليأس الرجاء، و نقيض الخيبة الظفر، و اللّه أعلم.

في قوله تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية قولان الأول: و هو المشهور: أنها نزلت في قصة أحد، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا على ثلاثة أوجه أحدها: أنه أراد أن يدعو على الكفار فنزلت هذه الآية و القائلون بهذا ذكروا احتمالات أحدها:

روي أن عتبة بن أبي وقاص شجه و كسر رباعيته فجعل يمسح الدم عن وجهه و سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم و هو يقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم و هو يدعوهم إلى ربهم» ثم أراد أن يدعو عليهم فنزلت هذه الآية

و ثانيها: ما

روى سالم بن عبد اللّه عن أبيه عبد اللّه بن عمر أن النبي صلى اللّه عليه و سلم لعن أقواماً فقال: «اللّهم العن أبا سفيان، اللّهم العن الحرث بن هشام، اللّهم العن صفوان بن أميّة» فنزلت هذه الآية أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فتاب اللّه على هؤلاء و حسن إسلامهم‏

و ثالثها: أنها نزلت في حمزة بن عبد المطلب و ذلك‏

لأنه صلى اللّه عليه و سلم لما رآه و رأى ما فعلوا به من المثلة قال: «لأمثلن منهم بثلاثين» ، فنزلت هذه الآية،

قال القفال رحمه اللّه، و كل هذه الأشياء حصلت يوم أحد، فنزلت هذه الآية عند الكل فلا يمتنع حملها على كل الاحتمالات الثاني: في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت بسبب‏

أنه صلى اللّه عليه و سلم أراد أن يلعن المسلمين الذين خالفوا أمره و الذين انهزموا فمنعه اللّه من ذلك و هذا القول مروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما.

الوجه الثالث: أنه صلى اللّه عليه و سلم أراد أن يستغفر للمسلمين الذين انهزموا و خالفوا أمره و يدعو عليهم فنزلت الآية، فهذه الاحتمالات و الوجوه كلها مفرعة على قولنا إن هذه الآية نزلت في قصة أحد.

القول الثاني: أنها نزلت في واقعة أخرى و هي‏

أن النبي صلى اللّه عليه و سلم بعث جمعاً من خيار أصحابه إلى أهل بئر معونة ليعلموهن القرآن فذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره و أخذهم و قتلهم فجزع من ذلك الرسول صلى اللّه عليه و سلم جزعاً شديداً و دعا على الكفار أربعين يوماً، فنزلت هذه الآية، هذا قول مقاتل

و هو بعيد لأن أكثر العلماء اتفقوا على أن هذه الآية في قصة أحد، و سياق الكلام يدل عليه و إلقاء قصة أجنبية عن أول الكلام و آخره غير لائق.

المسألة الثانية: ظاهر هذه الآية يدل على أنها وردت في أمر كان النبي صلى اللّه عليه و سلم يفعل فيه فعلاً، و كانت هذه الآية كالمنع منه، و عند هذا يتوجه الإشكال، و هو أن ذلك الفعل إن كان بأمر اللّه تعالى، فكيف منعه اللّه منه؟و إن قلنا إنه ما كان بأمر اللّه تعالى و بإذنه، فكيف يصح هذا مع قوله‏ وَ مََا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى‏ََ [النجم: 3]و أيضاً دلت الآية على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة و السلام فالأمر الممنوع عنه في هذه الآية إن كان حسناً فلم منعه اللّه؟و إن كان قبيحاً، فكيف يكون فاعله معصوما؟.

و الجواب من وجوه الأول: أن المنع من الفعل لا يدل على أن الممنوع منه كان مشتغلاً به فإنه تعالى قال للنبي صلى اللّه عليه و سلم‏ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65]و أنه عليه الصلاة و السلام ما أشرك قط و قال: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُ‏

356

اِتَّقِ اَللََّهَ [الأحزاب: 1]فهذا لا يدل على أنه ما كان يتقي اللّه، ثم قال: وَ لاََ تُطِعِ اَلْكََافِرِينَ و هذا لا يدل على أنه أطاعهم، و الفائدة في هذا المنع أنه لما حصل ما يوجب الغم الشديد، و الغضب العظيم، و هو مثلة عمه حمزة، و قتل المسلمين، و الظاهر أن الغضب يحمل الإنسان على ما لا ينبغي من القول و الفعل، فلأجل أن لا تؤدي مشاهدة تلك المكاره إلى ما لا يليق من القول و الفعل نص اللّه تعالى على المنع تقوية لعصمته و تأكيداً لطهارته و الثاني: لعله عليه الصلاة و السلام إن فعل لكنه كان ذلك من باب ترك الأفضل و الأولى، فلا جرم أرشده اللّه إلى اختيار الأفضل و الأولى، و نظيره قوله تعالى: وَ إِنْ عََاقَبْتُمْ فَعََاقِبُوا بِمِثْلِ مََا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصََّابِرِينَ‏`وَ اِصْبِرْ وَ مََا صَبْرُكَ إِلاََّ بِاللََّهِ [النحل: 126، 127]كأنه تعالى قال: إن كنت تعاقب ذلك الظالم فاكتف بالمثل، ثم قال ثانياً: و إن تركته كان ذلك أولى، ثم أمره أمراً جازما بتركه، فقال: وَ اِصْبِرْ وَ مََا صَبْرُكَ إِلاََّ بِاللََّهِ .

الوجه الثالث: في الجواب: لعلّه صلى اللّه عليه و سلم لما مال قلبه إلى اللعن عليهم استأذن ربه فيه، فنص اللّه تعالى على المنع منه، و على هذا التقدير لا يدل هذا النهي على القدح في العصمة.

المسألة الثالثة: قوله لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ فيه قولان الأول: أن معناه ليس لك من قصة هذه الواقعة و من شأن هذه الحادثة شي‏ء و على هذا فنقل عن المفسرين عبارات أحدهما: ليس لك من مصالح عبادي شي‏ء إلا ما أوحي إليك و ثانيها: ليس لك من مسألة إهلاكهم شي‏ء، لأنه تعالى أعلم بالمصالح فربما تاب عليهم و ثالثها: ليس لك في أن يتوب اللّه عليهم، و لا في أن يعذبهم شي‏ء.

و القول الثاني: أن المراد هو الأمر الذي يضاد النهي، و المعنى: ليس لك من أمر خلقي شي‏ء إلا إذا كان على وفق أمري، و هو كقوله‏ أَلاََ لَهُ اَلْحُكْمُ [الأنعام: 62]و قوله‏ لِلََّهِ اَلْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ [الروم: 4] و على القولين فالمقصود من الآية منعه صلى اللّه عليه و سلم من كل فعل و قول إلا ما كان بإذنه و أمره و هذا هو الإرشاد إلى أكمل درجات العبودية، ثم اختلفوا في أن المنع من اللعن لأي معنى كان؟منهم من قال الحكمة فيه أنه تعالى ربما علم من حال بعض الكفار أنه يتوب، أو إن لم يتب لكنه علم أنه سيولد منه ولد يكون مسلماً براً تقياً، و كل من كان كذلك، فإن اللائق برحمة اللّه تعالى أن يمهله في الدنيا و أن يصرف عنه الآفات إلى أن يتوب أو إلى أن يحصل ذلك الولد فإذا حصل دعاء الرسول عليهم بالإهلاك، فإن قبلت دعوته فات هذا المقصود، و إن لم تقبل دعوته كان ذلك كالاستخفاف بالرسول صلى اللّه عليه و سلم، فلأجل هذا المعنى منعه اللّه تعالى من اللعن و أمره بأن يفوض الكل إلى علم اللّه تعالى، و منهم من قال: المقصود منه إظهار عجز العبودية و أن لا يخوض العبد في أسرار اللّه تعالى في ملكه و ملكوته، هذا هو الأحسن عندي و الأوفق لمعرفة الأصول الدالة على حقيقة الربوبية و العبودية.

المسألة الرابعة: ذكر الفرّاء و الزجاج و غيرهما في هذه الآية قولين أحدهما: أن قوله أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ عطف على ما قبله، و التقدير: ليقطع طرفاً من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، و يكون قوله لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف و المعطوف عليه، كما تقول: ضربت زيداً، فاعلم ذلك عمراً، فعلى هذا القول هذه الآية متصلة بما قبلها.

و القول الثاني: أن معنى أَوْ هاهنا معنى حتى، أو إلا أن كقولك: لألزمنك أو تعطيني حقي و المعنى: إلا أن‏

357

تعطيني أو حتى تعطيني، و معنى الآية ليس ذلك من أمرهم شي‏ء إلا أن يتوب اللّه عليهم فتفرح بحالهم، أو يعذبهم فتتشفى منهم.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ مفسر عند أصحابنا بخلق التوبة فيهم و ذلك عبارة عن خلق الندم فيهم على ما مضى، و خلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل قال أصحابنا: و هذا المعنى متأكد ببرهان العقل و ذلك لأن الندم عبارة عن حصول إرادة في المضي/متعلقة بترك فعل من الأفعال في المستقبل، و حصول الإرادات و الكراهات في القلب لا يكون بفعل العبد، لأن فعل العبد مسبوق بالإرادة، فلو كانت الإرادات فعلاً للعبد لافتقر العبد في فعل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى و يلزم التسلسل و هو محال، فعلمنا أن حصول الإرادة و الكراهات في القلب ليس إلا بتخليق اللّه تعالى و تكوينه ابتداء، و لما كانت التوبة عبارة عن الندم و العزم، و كل ذلك من جنس الإرادات و الكراهات، علمنا أن التوبة لا تحصل للعبد إلا بخلق اللّه تعالى، فصار هذا البرهان مطابقاً لما دل عليه ظاهر القرآن، و هو قوله أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ و أما المعتزلة فإنهم فسروا قوله أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة.

أما قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ ظََالِمُونَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: إن كان الغرض من الآية منعه من الدعاء على الكفر صح الكلام و هو أنه تعالى سماهم ظالمين، لأن الشرك ظلم قال تعالى: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]و إن كان الغرض منها منعه من الدعاء على المسلمين الذين خالفوا أمره صح الكلام أيضاً، لأن من عصى اللّه فقد ظلم نفسه.

المسألة الثانية: يحتمل أن يكون المراد من العذاب المذكور في هذه الآية عذاب الدنيا، و هو القتل و الأسر و أن يكون عذاب الآخرة، و على التقديرين فعلم ذلك مفوض إلى اللّه.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: فَإِنَّهُمْ ظََالِمُونَ جملة مستقلة، إلا أن المقصود من ذكرها تعليل حسن التعذيب، و المعنى: أو يعذبهم فإنه إن عذبهم إنما يعذبهم لأنهم ظالمون.

في قوله تعالى وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ فيه مسألتان:

المسألة الأولى: إن المقصود من هذا تأكيد ما ذكره أولاً من قوله لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ [آل عمران: 128]و المعنى أن الأمر إنما يكون لمن له الملك، و ملك السموات و الأرض و ليس إلا للّه تعالى فالأمر في السموات و الأرض ليس إلا للّه، و هذا برهان قاطع.

المسألة الثانية: إنما قال: مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ و لم يقل (من) لأن المراد الإشارة إلى الحقائق و الماهيات، فدخل فيه الكل.

أما قوله يَغْفِرُ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشََاءُ فاعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على أنه سبحانه له أن يدخل الجنة بحكم إلهيته جميع الكفار و المردة، و له أن يدخل النار بحكم إلهيته جميع المقربين و الصدّيقين و أنه لا اعتراض عليه في فعل هذه الأشياء و دلالة الآية على هذا المعنى ظاهرة و البرهان العقلي يؤكد ذلك أيضاً، و ذلك أن‏

358

فعل العبد يتوقف على الإرادة و تلك الإرادة مخلوقة للّه تعالى، فإذا خلق اللّه تلك الإرادة أطاع، و إذا خلق النوع الآخر من الإرادة عصى، فطاعة العبد من اللّه و معصيته أيضاً من اللّه، و فعل اللّه لا يوجب على اللّه شيئاً ألبتة، فلا الطاعة توجب الثواب، و لا المعصية توجب العقاب، بل الكل من اللّه بحكم إلهيته و قهره و قدرته، فصح ما ادعيناه أنه لو شاء يعذب جميع المقربين حسن منه، و لو شاء يرحم جميع الفراعنة حسن منه ذلك، و هذا البرهان هو الذي دل عليه ظاهر قوله تعالى: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشََاءُ .

فإن قيل: أ ليس أنه ثبت أنه لا يغفر للكفار و لا يعذب الملائكة و الأنبياء.

قلنا: مدلول الآية أنه لو أراد لفعل و لا اعتراض عليه، و هذا القدر لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل، و هذا الكلام في غاية الظهور.

ثم ختم الكلام بقوله وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ و المقصود بيان أنه و إن حسن كل ذلك منه إلا أن جانب الرحمة و المغفرة غالب لا على سبيل الوجوب بل على سبيل الفضل و الإحسان.

تم الجزء الثامن، و يليه إن شاء اللّه تعالى الجزء التاسع، و أوله قوله تعالى يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَأْكُلُوا اَلرِّبَوا أعان اللّه تعالى على إكماله‏