التفسير الكبير - ج29

- الفخر الرازي‏ المزيد...
533 /
315

على أنه مصدر، لأن الإنجاء منه إنعام فكأنه تعالى قال: أنعمنا عليهم بالإنجاء إنعاما و قوله تعالى: كَذََلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ فيه وجهان أحدهما: ظاهر و عليه أكثر المفسرين و هو أنه من آمن كذلك ننجيه من عذاب الدنيا و لا نهلكه وعدا لأمة محمد صلى اللّه عليه و سلم المؤمنين بأنه يصونهم عن الإهلاكات العامة و السيئات المطبقة الشاملة و ثانيهما: و هو الأصح أن ذلك وعد لهم و جزاؤهم بالثواب في دار الآخرة كأنه قال: كما نجيناهم في الدنيا، أي كما أنعمنا عليهم ننعم عليهم يوم الحساب و الذي يؤيد هذا أن النجاة من الإهلاكات في الدنيا ليس بلازم، و من عذاب اللّه في الآخرة لازم بحكم الوعيد، و كذلك ينجي اللّه الشاكرين من عذاب النار و يذر الظالمين فيه، و يدل عليه قوله تعالى: مَنْ يُرِدْ ثَوََابَ اَلدُّنْيََا نُؤْتِهِ مِنْهََا وَ مَنْ يُرِدْ ثَوََابَ اَلْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهََا وَ سَنَجْزِي اَلشََّاكِرِينَ [آل عمران: 145]و قوله تعالى: فَأَثََابَهُمُ اَللََّهُ بِمََا قََالُوا جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلْمُحْسِنِينَ [المائدة: 85]و الشاكر محسن فعلم أن المراد جزاؤهم في الآخرة. ثم قال تعالى:

و فيه تبرئة لوط عليه السلام و بيان أنه أتى بما عليه فإنه تعالى لما رتب التعذيب على التكذيب و كان من الرحمة أن يؤخره و يقدم عليه الإنذارات البالغة بين ذلك فقال: أهلكناهم و كان قد أنذرهم من قبل، و في قوله:

بَطْشَتَنََا وجهان أحدهما: المراد البطشة التي وقعت و كان يخوفهم بها، و يدل عليه قوله تعالى: إِنََّا أَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ حََاصِباً [القمر: 34]فكأنه قال: إنا أرسلنا عليهم ما سبق، ذكرها للإنذار بها و التخويف و ثانيهما:

المراد بها ما في الآخرة كما في قوله تعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ اَلْبَطْشَةَ اَلْكُبْرى‏ََ [الدخان: 16]و ذلك لأن الرسل كلهم كانوا ينذرون قومهم بعذاب الآخرة كما قال تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ نََاراً تَلَظََّى [الليل: 14]و قال:

وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ اَلْآزِفَةِ [غافر: 18]و قال تعالى: إِنََّا أَنْذَرْنََاكُمْ عَذََاباً قَرِيباً [النبأ: 40]إلى غير ذلك، و على ذلك ففيه لطيفة و هي أن اللّه تعالى قال: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: 12]و قال هاهنا: بَطْشَتَنََا و لم يقل: بطشنا و ذلك لأن قوله تعالى: إِنَّ بَطْشَ/رَبِّكَ لَشَدِيدٌ بيان لجنس بطشه، فإذا كان جنسه شديدا فكيف الكبرى منه، و أما لوط عليه السلام فذكر لهم البطشة الكبرى لئلا يكون مقصرا في التبليغ، و قوله تعالى:

فَتَمََارَوْا بِالنُّذُرِ يدل على أن النذر هي الإنذارات. ثم قال تعالى:

و المراودة من الرود، و منه الإرادة و هي قريبة من المطالبة غير أن المطالبة تستعمل في العين يقال: طالب زيد عمرا بالدراهم، و المراودة لا تستعمل إلا في العمل يقال: راوده عن المساعدة، و لهذا تعدى المراودة إلى مفعول ثان بعن، و المطالبة بالباء، و ذلك لأن الشغل منوط باختيار الفاعل، و العين قد توجد من غير اختيار منه و هذا فرق الحال، فإذا قلت: أخبرني بأمره تعين عليه الخبر العين بخلاف ما إذا قيل عن كذا، و يزيد هذا ظهورا قول القائل: أخبرني زيد عن مجي‏ء فلان، و قوله: أخبرني بمجيئه فإن من قال عن مجيئه ربما يكون الإخبار عن كيفية المجي‏ء لا عن نفسه و أخبرني بمجيئه لا يكون إلا عن نفس المجي‏ء و الضيف يقع على الواحد و الجماعة، و قد ذكرناه في سورة الذاريات و كيفية المراودة مذكورة فيما تقدم، و هي أنهم كانوا مفسدين و سمعوا يضيف‏

316

دخلوا على لوط فراودوه عنهم. و قوله: فَطَمَسْنََا أَعْيُنَهُمْ نقول: إن جبريل كان فيهم فضرب ببعض جناحه على وجوههم فأعماهم، و في الآية مسائل:

الأولى: الضمير في راودوه إن كان عائدا إلى قوم لوط فما في قوله: أَعْيُنَهُمْ أيضا عائدا إليهم فيكون قد طمس أعين قوم و لم يطمس إلا أعين قليل منهم و هم الذين دخلوا دار لوط، و إن كان عائدا إلى الذين دخلوا الدار فلا ذكر لهم فكيف القول فيه؟نقول: المراودة حقيقة حصلت من جمع منهم لكن لما كان الأمر من القوم و كان غيرهم ذلك مذهبه أسندها إلى الكل ثم بقوله راودوه حصل قوم هم المراودون حقيقة فعاد الضمير في أعينهم إليهم مثاله قول القائل: الذين آمنوا صلوا فصحت صلاتهم فيكون هم في صلاتهم عائدا إلى الذين صلوا بعد ما آمنوا و لا يعود إلى مجرد الذين آمنوا لأنك لو اقتصرت على الذين آمنوا فصحت صلاتهم لم يكن كلاما منظوما و لو قلت الذين صلوا فصحت صلاتهم صح الكلام، فعلم أن الضمير عائد إلى ما حصل بعد قوله:

رََاوَدُوهُ و الضمير في راودوه عائد إلى المنذرين المتمارين بالنذر.

المسألة الثانية: قال هاهنا: فَطَمَسْنََا أَعْيُنَهُمْ و قال في يس: وَ لَوْ نَشََاءُ لَطَمَسْنََا عَلى‏ََ أَعْيُنِهِمْ [يس: 66]فما الفرق؟ نقول: هذا مما يؤيد قول ابن عباس فإنه نقل عنه أنه قال: المراد من الطمس الحجب عن الإدراك فما جعل على بصرهم شي‏ء غير أنهم دخلوا و لم يروا هناك شيئا فكانوا كالمطموسين، و في يس أراد أنه لو شاء لجعل على بصرهم غشاوة، أي ألزق أحد الجفنين بالآخر فيكون على/العين جلدة فيكون قد طمس عليها، و قال غيره: إنهم عموا و صارت عينهم مع وجههم كالصفحة الواحدة، و يؤيده قوله تعالى: فَذُوقُوا عَذََابِي لأنهم إن بقوا مصرين و لم يروا شيئا هناك لا يكون ذلك عذابا و الطمس بالمعنى الذي قاله غير ابن عباس عذاب، فنقول: الأولى أن يقال: إنه تعالى حكى هاهنا ما وقع و هو طمس العين و إذهاب ضوئها و صورتها بالكلية حتى صارت وجوههم كالصفحة الملساء و لم يمكنهم الإنكار لأنه أمر وقع، و أما هناك فقد خوفهم بالممكن المقدور عليه فاختار ما يصدقه كل أحد و يعرف به و هو الطمس على العين، لأن إطباق الجفن على العين أمر كثير الوقوع و هو بقدرة اللّه تعالى و إرادته فقال: وَ لَوْ نَشََاءُ لَطَمَسْنََا عَلى‏ََ أَعْيُنِهِمْ [يس: 66]و ما شققنا جفنهم عن عينهم و هو أمر ظاهر الإمكان كثير الوقوع و الطمس على ما وقع لقوم لوط نادر، فقال: هناك على أعينهم ليكون أقرب إلى القبول.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: فَذُوقُوا عَذََابِي وَ نُذُرِ خطاب ممن وقع و مع من وقع؟ قلنا: فيه وجوه أحدها: فيه إضمار تقديره فقلت: على لسان الملائكة ذوقوا عذابي ثانيها: هذا خطاب مع كل مكذب تقديره كنتم تكذبون فذوقوا عذابي فإنهم لما كذبوا ذاقوه ثالثها: أن هذا الكلام خرج مخرج كلام الناس فإن الواحد من الملوك إذا أمر بضرب مجرم و هو شديد الغضب فإذا ضرب ضربا مبرحا و هو يصرح و الملك يسمع صراخه يقول عند سماع صراخه ذق إنك مجرم مستأهل و يعلم الملك أن المعذب لا يسمع كلامه و يخاطب بكلامه المستغيث الصارخ و هذا كثير فكذلك لما كان كل أحد بمرأى من اللّه تعالى يسمع إذا عذب معاندا كان قد سخط اللّه عليه يقول: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ [الدخان: 49] فَذُوقُوا (بِمََا نَسِيتُمْ) لِقََاءَ يَوْمِكُمْ هََذََا [السجدة: 14] فَذُوقُوا عَذََابِي و لا يكون به مخاطبا لمن يسمع و يجيب، و ذلك إظهار العدل أي لست بغافل عن تعذيبك فتتخلص بالصراخ و الضراعة، و إنما أنا بك عالم و أنت له أهل لما قد صدر منك، فإن قيل: هذا وقع بغير الفاء، و أما

317

بالفاء فلا تقول: و بالفاء فإنه ربما يقول: كنتم تكذبون فذوقوا.

المسألة الرابعة: النذر كيف يذاق؟ نقول: معناه ذق فعلك أي مجازاة فعلك و موجبه و يقال: ذق الألم على فعلك و قوله: فَذُوقُوا عَذََابِي كقولهم: ذق الألم، و قوله: وَ نُذُرِ كقولهم ذق فعلك أي ذق ما لزم من إنذاري، فإن قيل: فعلى هذا لا يصح العطف لأن قوله: فَذُوقُوا عَذََابِي و ما لزم من إنذاري و هو العذاب يكون كقول القائل: ذوقوا عذابي و عذابي؟نقول: قوله تعالى: فَذُوقُوا عَذََابِي أي العاجل منه، و ما لزم من إنذاري و هو العذاب الآجل، لأن الإنذار كان به على ما تقدم بيانه، فكأنه قال: ذوقوا عذابي العاجل و عذابي الآجل، فإن قيل: هما لم يكونا في زمان واحد، فكيف يقال: ذوقوا، نقول: العذاب الآجل أوله متصل بآخر العذاب العاجل، فهما كالواقع في زمان واحد و هو كقوله تعالى: أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نََاراً [نوح: 25]. /ثم قال تعالى:

أي العذاب الذي عم القوم بعد الخاص الذي طمس أعين البعض، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: صَبَّحَهُمْ فيه دلالة على الصبح، فما معنى: بُكْرَةً ؟ نقول: فائدته تبيين انطراقه فيه، فقوله: بُكْرَةً يحتمل وجهين أحدهما: أنها منصوبة على أنها ظرف، و مثله نقوله في قوله تعالى:

أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً [الإسراء: 1]و فيه بحث، و هو أن الزمخشري قال: ما الفائدة في قوله: لَيْلاً و قال:

جوابا في التنكير دلالة على أنه كان في بعض الليل، و تمسك بقراءة من قرأ: من الليل و هو غير ظاهر، و الأظهر فيه أن يقال: بأن الوقت المبهم يذكر لبيان أن تعيين الوقت ليس بمقصود المتكلم و أنه لا يريد بيانه، كما يقول: خرجنا في بعض الأوقات، مع أن الخروج لا بد من أن يكون في بعض الأوقات، فإنه لا يريد بيان الوقت المعين، و لو قال: خرجنا، فربما يقول السامع: متى خرجتم، فإذا قال: في بعض الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته، فكذلك قوله تعالى: صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً أي بكرة من البكر و أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً أي ليلا من الليالي فلا أبينه، فإن المقصود نفس الإسراء، و لو قال: أسرى بعبده من المسجد الحرام، لكان للسامع أن يقول: أيما ليلة؟فإذا قال: ليلة من الليالي قطع سؤاله و صار كأنه قال: لا أبينه، و إن كان القائل ممن يجوز عليه الجهل، فإنه يقول: لا أعلم الوقت، فهذا أقرب فإذا علمت هذا في أسرى ليلا، فاعلم مثله في: صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً و يحتمل أن يقال: على هذا الوجه: صَبَّحَهُمْ بمعنى قال لهم: عموا صباحا استهزاء بهم، كما قال: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ* [آل عمران: 21]فكأنه قال: جاءهم العذاب بكرة كالمصبح، و الأول أصح، و يحتمل في قوله تعالى: صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً على قولنا: إنها منصوبة على الظرف ما لا يحتمله قوله تعالى:

أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً و هو أن: صَبَّحَهُمْ معناه أتاهم وقت الصبح، لكن التصبيح يطلق على الإتيان في أزمنة كثيرة من أول الصبح إلى ما بعد الإسفار، فإذا قال: بُكْرَةً أفاد أنه كان أول جزء منه، و ما أخر إلى الإسفار، و هذا أوجه و أليق، لأن اللّه تعالى أوعدهم به وقت الصبح، بقوله: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ اَلصُّبْحُ [هود: 81]و كان من الواجب بحكم الإخبار تحققه بمجي‏ء العذاب في أول الصبح، و مجرد قراءة: صَبَّحَهُمْ ما كان يفيد ذلك، و هذا أقوى لأنك تقول: صبيحة أمس بكرة و اليوم بكرة، فيأتي فيه ما ذكرنا من أن المراد بكرة من البكر الوجه الثاني: أنها منصوبة على المصدر من باب ضربته سوطا ضربا فإن المنصوب في ضربته ضربا على المصدر، و قد

318

يكون غير المصدر كما في ضربته سوطا ضربا، لا يقال: ضربا سوطا بين أحد أنواع الضرب، لأن الضرب قد يكون بسوط و قد يكون بغيره، و أما: بُكْرَةً فلا يبين ذلك، لأنا نقول: قد بينا أن بكرة بين ذلك، لأن الصبح قد يكون بالإتيان وقت الإسفار، و قد يكون بالإتيان بالأبكار، فإن قيل: مثله يمكن أن يقال: في/ أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً قلنا: نعم، فإن قيل: ليس هناك بيان نوع من أنواع الإسراء، نقول: هو كقول القائل: ضربته شيئا، فإن شيئا لا بد منه في كل ضرب، و يصح ذلك على أنه نصب على المصدر، و فائدته ما ذكرنا من بيان عدم تعلق الغرض بأنواعه، و كأن القائل يقول: إني لا أبين ما ضربته به، و لا أحتاج إلى بيانه لعدم تعلق المقصود به ليقطع سؤال السائل: بما ذا ضربه بسوط أو بعصا، فكذلك القول في: أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً يقطع سؤال السائل عن الإسراء، لأن الإسراء هو السير أول الليل، و السرى هو السير آخر الليل أو غير ذلك.

المسألة الثانية: مُسْتَقِرٌّ يحتمل وجوها أحدها: عذاب لا مدفع له، أي يستقر عليهم و يثبت، و لا يقدر أحد على إزالته و رفعه أو إحالته و دفعه ثانيها: دائم، فإنهم لما أهلكوا نقلوا إلى الجحيم، فكأن ما أتاهم عذاب لا يندفع بموتهم، فإن الموت يخلص من الألم الذي يجده المضروب من الضرب و المحبوس من الحبس، و موتهم ما خلصهم ثالثها: عذاب مستقر عليهم لا يتعدى غيرهم، أي هو أمر قد قدره اللّه عليهم و قرره فاستقر، و ليس كما يقال: إنه أمر أصابهم اتفاقا كالبرد الذي يضر زرع قوم دون قوم، و يظن به أنه أمر اتفاقي، و ليس لو خرجوا من أماكنهم لنجوا كما نجا آل لوط، بل كان ذلك يتبعهم، لأنه كان أمرا قد استقر.

المسألة الثالثة: الضمير في صَبَّحَهُمْ عائد إلى الذين عاد إليهم الضمير في أعينهم فيعود لفظا إليهم للقرب، و معنى إلى الذين تماروا بالنذر، أو الذين عاد إليهم الضمير في قوله: وَ لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنََا [القمر:

36]. ثم قال تعالى:

مرة أخرى، لأن العذاب كان مرتين*خاص بالمراودين، و الآخر عام. و قوله تعالى:

قد فسرناه مرارا و بينا ما لأجله تكرارا. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ما الفائدة في لفظ: آلَ فِرْعَوْنَ بدل قوم فرعون؟ نقول: القوم أعم من الآل، فالقوم كل من يقوم الرئيس بأمرهم أو يقومون بأمره، و الآل كل من يؤول إلى/الرئيس خيرهم و شرهم أو يؤول إليهم خيره و شره، فالبعيد الذي لا يعرفه الرئيس و لا يعرف هو عين الرئيس و إنما يسمع اسمه، فليس هو بآله، إذا عرفت الفرق، نقول: قوم الأنبياء الذين هم غير موسى عليهم السلام، لم يكن فيهم قاهر يقهر الكل و يجمعهم على كلمة واحدة، و إنما كانوا هم رؤساء و أتباعا، و الرؤساء إذا كثروا لا يبقى لأحد منهم حكم نافذ على أحد،

319

أما على من هو مثله فظاهر، و أما على الأراذل فلأنهم يلجئون إلى واحد منهم و يدفعون به الآخر، فيصير كل واحد برأسه، فكأن الإرسال إليهم جميعا، و أما فرعون فكان قاهرا يقهر الكل، و جعلهم بحيث لا يخالفونه في قليل و لا كثير، فأرسل اللّه إليه الرسول وحده، غير أنه كان عنده جماعة من التابعين المقربين مثل قارون تقدم عنده لماله العظيم، و هامان لدهائه، فاعتبرهم اللََّه في الإرسال، حيث قال: في مواضع: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا مُوسى‏ََ بِآيََاتِنََا إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِ [الزخرف: 46]و قال تعالى: بِآيََاتِنََا ... إِلى‏ََ فِرْعَوْنَ وَ هََامََانَ وَ قََارُونَ [غافر:

23، 24]و قال في العنكبوت: وَ قََارُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هََامََانَ وَ لَقَدْ جََاءَهُمْ مُوسى‏ََ [العنكبوت: 39]لأنهم إن آمنوا آمن الكل بخلاف الأقوام الذين كانوا قبلهم و بعدهم، فقال: وَ لَقَدْ جََاءَ آلَ فِرْعَوْنَ اَلنُّذُرُ و قال كثيرا مثل هذا كما في قوله: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اَلْعَذََابِ [غافر: 46]، وَ قََالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمََانَهُ [غافر: 28]و قال: بلفظ الملأ أيضا كثيرا.

المسألة الثانية: قال: وَ لَقَدْ جََاءَ و لم يقل في غيرهم جاء لأن موسى عليه السلام ما جاءهم، كما جاء المرسلون أقوامهم، بل جاءهم حقيقة حيث كان غائبا عن القوم فقدم عليهم، و لهذا قال تعالى: فَلَمََّا جََاءَ آلَ لُوطٍ اَلْمُرْسَلُونَ و قوله تعالى: لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: 128]حقيقة أيضا لأنه جاءهم من اللََّه من السموات بعد المعراج، كما جاء موسى قومه من الطور حقيقة.

المسألة الثالثة: النذر إن كان المراد منها الإنذارات و هو الظاهر، فالكلام الذي جاءهم على لسان موسى و يده تلك، و إن كان المراد الرسل فهو لأن موسى و هارون عليهما السلام جاءه و كل مرسل تقدمهما جاء لأنهم كلهم قالوا ما قالا من التوحيد و عبادة اللََّه و قوله بعد ذلك: كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا من غير فاء تقتضي ترتب التكذيب على المجي‏ء فيه وجهان أحدهما: أن الكلام تم عند قوله: وَ لَقَدْ جََاءَ آلَ فِرْعَوْنَ اَلنُّذُرُ و قوله: كَذَّبُوا كلام مستأنف و الضمير عائد إلى كل من تقدم ذكرهم من قوم نوح إلى آل فرعون ثانيهما: أن الحكاية مسوقة على سياق ما تقدم، فكأنه قال: (فكيف كان عذابي و نذر و قد كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم) ، و على الوجه الأول آياتنا كلها ظاهرة، و على الوجه الثاني المراد آياته التي كانت مع موسى عليه السلام و هي التسع في قول أكثر المفسرين، و يحتمل أن يقال: المراد أنهم كذبوا بآيات اللََّه كلها السمعية و العقلية فإن في كل شي‏ء له آية تدل على أنه واحد. و قوله تعالى: فَأَخَذْنََاهُمْ إشارة إلى أنهم كانوا كالآبقين أو إلى أنهم عاصون يقال: أخذ الأمير فلانا إذا حبسه، و في قوله: عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ لطيفة و هي أن العزيز المراد منه الغالب لكن العزيز قد يكون [الذي‏]يغلب على العدو و يظفر به و في الأول يكون غير متمكن من أخذه لبعده إن كان هاربا و لمنعته إن/كان محاربا، فقال أحد غالب لم يكن عاجزا و إنما كان ممهلا. ثم قال تعالى:

تنبيها لهم لئلا يأمنوا العذاب فإنهم ليسوا بخير من أولئك الذين أهلكوا و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الخطاب مع أهل مكة فينبغي أن يكون كفارهم بعضهم و إلا لقال: أنتم خير من أولئكم، و إذا كان كفارهم بعضهم فكيف قال: أَمْ لَكُمْ بَرََاءَةٌ و لم يقل: أم لهم كما يقول القائل: جاءنا الكرماء فأكرمناهم، و لا يقول: فأكرمناكم؟نقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن المراد منه أ كفاركم المستمرون‏

320

على الكفر الذين لا يرجعون و ذلك لأن جمعا عظيما ممن كان كافرا من أهل مكة يوم الخطاب أيقنوا بوقوع ذلك، و العذاب لا يقع إلا بعد العلم بأنه لم يبق من القوم من يؤمن فقال: الذين يصرون منكم على الكفر يا أهل مكة خير، أم الذين أصروا من قبل؟فيصح كون التهديد مع بعضهم، و أما قوله تعالى: أَمْ لَكُمْ بَرََاءَةٌ ففيه وجهان أحدهما: أم لكم لعمومكم براءة فلا يخاف المصر منكم لكونه في قوم لهم براءة و ثانيهما: أم لكم براءة إن أصررتم فيكون الخطاب عاما و التهديد كذلك، فالشرط غير مذكور و هو الإصرار.

المسألة الثانية: ما المراد بقوله: خَيْرٌ ، و قول القائل: خير يقتضي اشتراك أمرين في صفة محمودة مع رجحان أحدهما على الآخر و لم يكن فيهم خير و لا صفة محمودة؟نقول: الجواب عنه من وجوه أحدها: منع اقتضاء الاشتراك يدل عليه قول حسان:

[أ تهجوه و لست له بكف‏ء] # فشركما لخيركما الفداء

مع اختصاص الخير بالنبي عليه السلام و الشر بمن هجاه و عدم اشتراكهما في شي‏ء منهما ثانيها: أن ذلك عائد إلى ما في زعمهم أي: أ يزعم كفاركم أنهم خير من الكفار المتقدمين الذين أهلكوا و هم كانوا يزعمون في أنفسهم الخير، و كذا فيمن تقدمهم من عبدة الأوثان و مكذبي الرسل و كانوا يقولون: إن الهلاك كان بأسباب سماوية من اجتماع الكواكب على هيئة مذمومة ثالثها: المراد: أ كفاركم أشد قوة، فكأنه قال: أ كفاركم خير في القوة؟و القوة محمودة في العرف رابعها: أن كل موجود ممكن ففيه صفات محمودة و أخرى غير محمودة فإذا نظرت إلى المحمودة في الموضعين و قابلت إحداهما بالأخرى، تستعمل فيها لفظ الخير، و كذلك في الصفات المذمومة تستعمل فيها لفظ الشر؟فإذا نظرت إلى كافرين و قلت: أحدهما خير من الآخر فلك حينئذ أن تريد أحدهما خير من الآخر في الحسن و الجمال، و إذا نظرت إلى مؤمنين يؤذيانك قلت: أحدهما شر من الآخر، أي في الأذية لا الإيمان فكذلك هاهنا أ كفاركم خير لأن النظر وقع على ما يصلح مخلصا لهم من العذاب، فهو كما يقال أ كفاركم فيهم شي‏ء مما يخلصهم لم يكن في غيرهم فهم خير أم لا شي‏ء فيهم يخلصهم لكن اللََّه بفضله أمنهم لا بخصال فيهم.

المسألة الثالثة: أَمْ لَكُمْ بَرََاءَةٌ إشارة إلى سبب آخر من أسباب الخلاص، و ذلك لأن الخلاص إما أن يكون بسبب أمر فيهم أو لا يكون كذلك، فإن كان بسبب أمر فيهم و ذلك السبب لم يكن في غيرهم من الذين تقدموهم فيكونون خيرا منهم و إن كان لا بسبب أمر فيهم فيكون بفضل اللََّه و مسامحته إياهم و إيمانه إياهم من العذاب فقال لهم: أنتم خير منهم فلا تهلكون أم لستم بخير منهم لكن اللََّه آمنكم و أهلكهم و كل واحد منهما منتف فلا تأمنوا، و قوله تعالى: أَمْ لَكُمْ بَرََاءَةٌ فِي اَلزُّبُرِ إشارة إلى لطيفة و هي أن العاقل لا يأمن إلا إذا حصل له الجزم بالأمن أو صار له آيات تقرب الأمر من القطع، فقال: لكم براءة يوثق بها و تكون متكررة في الكتب، فإن الحاصل في بعض الكتب ربما يحتمل التأويل أو يكون قد تطرق إليه التحريف و التبديل كما في التوراة و الإنجيل، فقال: هل حصل لكم براءة متكررة في كتب تأمنون بسببها العذاب فإن لم يكن كذلك لا يجوز الأمن لكن البراءة لم تحصل في كتب و لا كتاب واحد و لا شبه كتاب، فيكون أمنهم من غاية الغفلة و عند هذا تبين فضل المؤمن، فإنه مع ما في كتاب اللََّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، من الوعد لا يأمن و إن بلغ درجة الأولياء و الأنبياء، لما في آيات الوعيد من احتمال التخصيص، و كون كل واحد ممن يستثنى من الأمة

321

و يخرج عنها فالمؤمن خائف و الكافر آمن في الدنيا، و في الآخرة الأمر على العكس. ثم قال تعالى:

تتميما لبيان أقسام الخلاص و حصره فيها، و ذلك لأن الخلاص إما أن يكون لاستحقاق من يخلص عن العذاب كما أن الملك إذا عذب جماعة و رأى فيهم من أحسن إليه فلا يعذبه، و إما أن يكون لأمر في المخلص كما إذا رأى فيهم من له ولد صغير أو أم ضعيفة فيرحمه و إن لم يستحق و يكتب له الخلاص، و إما أن لا يكون فيه ما يستحق الخلاص بسببه و لا في نفس المعذب مما يوجب الرحمة لكنه لا يقدر عليه بسبب كثرة أعوانه و تعصب إخوانه، كما إذا هرب واحد من الملك و التجأ إلى عسكر يمنعون الملك عنه، فكما نفى القسمين الأولين كذلك نفى القسم الثالث و هو التمتع بالأعوان و التحزب الإخوان، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في حسن الترتيب و ذلك لأن المستحق لذاته أقرب إلى الخلاص من المرحوم، فإن المستحق لم يوجد فيه سبب العذاب و المرحوم وجد فيه ذلك، و وجد المانع من العذاب، و ما لا سبب له لا يتحقق أصلا، و ماله مانع ربما لا يقوى المانع على دفع السبب، و ما في نفس المعذب من المانع أقوى من الذي بسبب الغير، لأن الذي من عنده يمنع الداعية و لا يتحقق الفعل عند عدم الداعية، و الذي من الغير بسبب التمتع لا يقطع قصده بل يجتهد و ربما يغلب فيكون تعذيبه أضعاف ما كان من قبل، بخلاف من يرق له قلبه و تمنعه الرحمة فإنها و إن لم تمنعه/لكن لا يزيد في حمله و حبسه و زيادته في التعذيب عند القدرة، فهذا ترتيب في غاية الحسن.

المسألة الثانية: جَمِيعٌ فيه فائدتان إحداهما الكثرة و الأخرى الاتفاق، كأنه قال: نحن كثير متفقون فلنا الانتصار و لا يقوم غير هذه اللفظة مقامها من الألفاظ المفردة، إنما قلنا: إن فيه فائدتين لأن الجمع يدل على الجماعة بحروفه الأصلية من ج م ع و بوزنه و هو فعيل بمعنى مفعول على أنهم جمعوا جمعيتهم العصبية، و يحتمل أن يقال: معناه نحن الكل لا خارج عنا إشارة إلى أن من اتبع النبي صلى اللّه عليه و سلم لا اعتداد به قال تعالى في نوح:

أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اِتَّبَعَكَ اَلْأَرْذَلُونَ [الشعراء: 111] إِلاَّ اَلَّذِينَ هُمْ أَرََاذِلُنََا بََادِيَ اَلرَّأْيِ [هود: 27]و على هذا جَمِيعٌ يكون التنوين فيه لقطع الإضافة كأنهم قالوا: نحن جمع الناس.

المسألة الثالثة: ما وجه إفراد المنتصر مع أن نحن ضمير الجمع؟ نقول: على الوجه الأول ظاهر لأنه وصف الجزء الآخر الواقع خبرا فهو كقول القائل: أنتم جنس منتصر و هم عسكر غالب و الجميع كالجنس لفظه لفظ واحد، و معناه جمع فيه الكثرة، و أما على الوجه الثاني فالجواب عنه من وجهين أحدهما: أن المعنى و إن كان جميع الناس لا خارج عنهم إلا من لا يعتد به، لكن لما قطع و نون صار كالمنكر في الأصل فجاز وصفه بالمنكر نظرا إلى اللفظ فعاد إلى الوجه الأول و ثانيهما: أنه خبر بعد خبر، و يجوز أن يكون أحد الخبرين معرفة و الآخرين نكرة، قال تعالى: وَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلْوَدُودُ*`ذُو اَلْعَرْشِ اَلْمَجِيدُ*`فَعََّالٌ لِمََا يُرِيدُ [البروج: 14-16] و على هذا فقوله: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ أفرده لمجاورته جَمِيعٌ ، و يحتمل أن يقال معنى: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ أن جميعا بمعنى كل واحد كأنه قال: نحن كل واحد منا منتصر، كما تقول: هم جميعهم أقوياء بمعنى أن كل واحد منهم قوي، و هم كلهم علماء أي كل واحد عالم فترك الجمع و اختار الإفراد لعود الخبر إلى كل‏

322

واحد فإنهم كانوا يقولون: كل واحد منا يغلب محمدا صلى اللّه عليه و سلم كما قال أبي بن خلف الجمحي و هذا فيه معنى لطيف و هو أنهم ادعوا أن كل واحد غالب، و اللََّه رد عليهم بأجمعهم بقوله:

و هو أنهم ادعوا القوة العامة بحيث يغلب كل واحد منهم محمدا صلى اللّه عليه و سلم و اللََّه تعالى بين ضعفهم الظاهر الذي يعمهم جميعهم بقوله: وَ يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ و حينئذ يظهر سؤال و هو أنه قال: يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ و لم يقل: يولون الأدبار.

و قال في موضع آخر: يُوَلُّوكُمُ اَلْأَدْبََارَ ثُمَّ لاََ يُنْصَرُونَ [آل عمران: 111]و قال: وَ لَقَدْ كََانُوا عََاهَدُوا اَللََّهَ مِنْ قَبْلُ لاََ يُوَلُّونَ اَلْأَدْبََارَ [الأحزاب: 15]و قال في موضع آخر: فَلاََ تُوَلُّوهُمُ اَلْأَدْبََارَ [الأنفال: 15]فكيف تصحيح الإفراد و ما الفرق بين المواضع؟نقول: أما التصحيح فظاهر لأن قول القائل: فعلوا كقوله فعل هذا و فعل ذاك و فعل الآخر. قالوا: و في الجمع تنوب مناب الواوات التي في العطف، و قوله: يُوَلُّونَ بمثابة يول هذا/الدبر، و يول ذاك و يول الآخر أي كل واحد يولي دبره، و أما الفرق فنقول اقتضاء أواخر الآيات حسن الإفراد، فقوله: يُوَلُّونَ اَلدُّبُرَ إفراده إشارة إلى أنهم في التولية كنفس واحدة، فلا يتخلف أحد عن الجمع و لا يثبت أحد للزحف فهم كانوا في التولية كدبر واحد، و أما في قوله: فَلاََ تُوَلُّوهُمُ اَلْأَدْبََارَ أي كل واحد يوجد به ينبغي أن يثبت و لا يولي دبره، فليس المنهي هناك توليتهم بأجمعهم بل المنهي أن يولي واحد منهم دبره، فكل أحد منهي عن تولية دبره، فجعل كل واحد برأسه في الخطاب ثم جمع الفعل بقوله: فَلاََ تُوَلُّوهُمُ و لا يتم إلا بقوله: اَلْأَدْبََارَ و كذلك في قوله: وَ لَقَدْ كََانُوا عََاهَدُوا اَللََّهَ [الأحزاب: 15]أي كل واحد قال: أنا أثبت و لا أولي دبري، و أما في قوله: لَيُوَلُّنَّ اَلْأَدْبََارَ [الحشر: 12]فإن المراد المنافقون الذين و عدوا اليهود و هم متفرقون بدليل قوله تعالى: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتََّى [الحشر: 14]، و أما في هذا الموضع فهم كانوا يدا واحدة على من سواهم. ثم قال تعالى:

إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر على انهزامهم و إدبارهم بل الأمر أعظم منه فإن الساعة موعدهم فإنه ذكر ما يصيبهم في الدنيا من الدبر، ثم بين ما هو منه على طريقة الإصرار، هذا قول أكثر المفسرين، و الظاهر أن الإنذار بالساعة عام لكل من تقدم، كأنه قال: أهلكنا الذين كفروا من قبلك و أصروا و قوم محمد عليه السلام ليسوا بخير منهم فيصيبهم ما أصابهم إن أصروا، ثم إن عذاب الدنيا ليس لإتمام المجازاة فإتمام المجازاة بالأليم الدائم. و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ما الحكمة في كون اختصاص الساعة موعدهم مع أنها موعد كل أحد؟ نقول: الموعد الزمان الذي فيه الوعد و الوعيد و المؤمن موعود بالخير و مأمور بالصبر فلا يقول هو: متى يكون، بل يفوض الأمر إلى اللََّه، و أما الكافر فغير مصدق فيقول: متى يكون العذاب؟فيقال له: اصبر فإنه آت يوم القيامة، و لهذا كانوا يقولون: عَجِّلْ لَنََا قِطَّنََا [ص: 16]و قال: وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذََابِ* [الحج: 47].

المسألة الثانية: أدهى من أي شي‏ء؟ نقول: يحتمل وجهين أحدهما: ما مضى من أنواع عذاب الدنيا ثانيهما: أدهى الدواهي فلا داهية مثلها.

323

المسألة الثالثة: ما المراد من قوله: وَ أَمَرُّ ؟ قلنا: فيه وجهان أحدهما: هو مبالغة من المر و هو مناسب لقوله تعالى: فَذُوقُوا عَذََابِي* [القمر: 37]و قوله: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر: 48]و على هذا فأدهي أي أشد و أمر أي آلم، و الفرق بين الشديد و الأليم أن الشديد يكون إشارة إلى أنه لا يطيقه أحد لقوته و لا يدفعه أحد بقوته، مثاله ضعيف ألقى في ماء يغلبه أو نار لا يقدر على الخلاص منها، و قوي ألقي في بحر أو نار عظيمة يستويان في الألم و العذاب و يتساويان في الإيلام لكن يفترقان في الشدة فإن نجاة الضعيف من الماء الضعيف بإعانة معين ممكن، و نجاة القوي من البحر العظيم غير ممكن ثانيهما: أمر مبالغة/في المار إذ هي أكثر مرورا بهم إشارة إلى الدوام، فكأنه يقول: أشد و أدوم، و هذا مختص بعذاب الآخرة، فإن عذاب الدنيا إن اشتد قتل المعذب و زال فلا يدوم و إن دام بحيث لا يقتل فلا يكون شديدا ثالثها: أنه المرير و هو من المرة التي هي الشدة، و على هذا فإما أن يكون الكلام كما يقول القائل: فلان نحيف نحيل و قوي شديد، فيأتي بلفظين مترادفين إشارة إلى التأكيد و هو ضعيف، و إما أن يكون أدهى مبالغة من الداهية التي هي اسم الفاعل من دهاه أمر كذا إذا أصابه، و هو أمر صعب لأن الداهية صارت كالاسم الموضوع للشديد على وزن الباطية و السائبة التي لا تكون من أسماء الفاعلين، و إن كانت الداهية أصلها ذلك، غير أنها استعملت استعمال الأسماء و كتبت في أبوابها و على هذا يكون معناه ألزم و أضيق، أي هي بحيث لا تدفع.

ثم قال تعالى: إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ و في الآية مسائل:

الأولى: فيمن نزلت الآية في حقهم؟ أكثر المفسرين اتفقوا على أنها نازلة في القدرية

روى الواحدي في تفسيره قال: سمعت الشيخ رضي الدين المؤيد الطوسي بنيسابور، قال: سمعت عبد الجبار قال: أخبرنا الواحدي قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج قال: أخبرنا أبو محمد عبد اللََّه الكعبي، قال:

حدثنا حمدان بن صالح الأشج حدثنا عبد اللََّه بن عبد العزيز بن أبي داود، حدثنا سفيان الثوري عن زياد بن إسماعيل المخزومي عن محمد بن عباد بن جعفر عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلم في القدر، فأنزل اللََّه تعالى: إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ إلى قوله: إِنََّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 47-49]

و كذلك‏

نقل عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أن هذه الآية نزلت في القدرة.

و

روي عن عائشة عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «مجوس هذه الأمة القدرية»

و هم المجرمون الذين سماهم اللََّه تعالى في قوله: إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ و كثرت الأحاديث في القدرية و فيها مباحث الأول: في معنى القدرية الذين قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: نزلت الآية فيهم، فنقول: كل فريق في خلق الأعمال يذهب إلى أن القدري خصمه، فالجبري يقول: القدري من يقول: الطاعة و المعصية ليستا بخلق اللّه و قضائه و قدره، فهم قدرية لأنهم ينكرون القدر و المعتزلي يقول: القدري هو الجبري الذي يقول حين يزني و يسرق اللََّه قدرني فهو قدري لإثباته القدر، و هما جميعا يقولان لأهل السنة الذي يعترف بخلق اللََّه و ليس من العبد إنه قدري، و الحق أن القدري الذي نزلت فيه الآية هو الذي ينكر القدر و يقول بأن الحوادث كلها حادثة بالكواكب و اتصالاتها و يدل عليه قوله جاء مشركوا قريش يحاجون رسول اللََّه صلى اللّه عليه و سلم/في القدر فإن مذهبهم ذلك، و ما كانوا يقولون مثل ما يقول المعتزلة إن اللََّه خلق لي سلامة الأعضاء و قوة الإدراك

324

و مكنني من الطاعة و المعصية، و اللََّه قادر على أن يخلق في الطاعة إلجاء و المعصية إلجاء، و قادر على أن يطعم الفقير الذي أطعمه أنا بفضل اللََّه، و المشركون كانوا يقولون: أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشََاءُ اَللََّهُ أَطْعَمَهُ [يس: 47] منكرين لقدرة اللََّه تعالى على الإطعام، و أما

قوله صلى اللّه عليه و سلم: «مجوس هذه الأمة هم القدرية»

فنقول: المراد من هذه الأمة، إما الأمة التي كان محمد صلى اللّه عليه و سلم مرسلا إليهم سواء آمنوا به أو لم يؤمنوا كلفظ القوم، و إما أمته الذين آمنوا به فإن كان المراد الأول فالقدرية في زمانه هم المشركون الذين أنكروا قدرة اللََّه على الحوادث فلا يدخل فيهم المعتزلة، و إن كان المراد هو الثاني‏

فقوله: «مجوس هذه الأمة»

يكون معناه الذين نسبتهم إلى هذه الأمة كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة، لكن الأمة المتقدمة أكثرهم كفرة، و المجوس نوع منهم أضعف شبهة و أشد مخالفة للعقل فكذلك القدرية في هذه الأمة تكون نوعا منهم أضعف دليلا و لا يقتضي ذلك الجزم بكونهم في النار فالحق أن القدري هو الذي ينكر قدرة اللََّه تعالى، إن قلنا: إن النسبة للنفي أو الذي يثبت قدرة غير اللََّه تعالى على الحوادث إن قلنا: إن النسبة للإثبات و حينئذ يقطع بكونه: فِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ و إنه ذائق مس سقر.

البحث الثاني: في بيان من يدخل في القدرية التي في النص ممن هو منتسب إلى أنه من أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم، إن قلنا: القدرية سموا بهذا الاسم لنفيهم قدرة اللََّه تعالى فالذي يقول لا قدرة للََّه على تحريك العبد بحركة هي الصلاة و حركة هي الزنا مع أن ذلك أمر ممكن لا يبعد دخوله فيهم، و أما الذي يقول: بأن اللََّه قادر غير أنه لم يجبره و تركه مع داعية العبد كالوالد الذي يجرب الصبي في حمل شي‏ء تركه معه لا لعجز الوالد بل للابتلاء و الامتحان، لا كالمفلوج الذي لا قوة له إذا قال لغيره: احمل هذا فلا يدخل فيهم ظاهرا و إن كان مخطئا، و إن قلنا إن القدرية سموا بهذا الاسم لإثباتهم القدرة على الحوادث لغير اللََّه من الكواكب، و الجبري الذي قال: هو الحائط الساقط الذي لا يجوز تكليفه بشي‏ء لصدور الفعل من غيره و هم أهل الإباحة، فلا شك في دخوله في القدرية فإنه يكفر بنفيه التكليف و أما الذي يقول: خلق اللََّه تعالى فينا الأفعال و قدرها و كلفنا، و لا يسأل عما يفعل فما هو منهم.

البحث الثالث: اختلف القائلون في التعصب أن الاسم بالمعتزلة أحق أن بالأشاعرة؟ فقالت: المعتزلة الاسم بكم أحق لأن النسبة تكون للإثبات لا للنفي، يقال للدهري: دهري لقوله بالدهر، و إثباته، و للمباحي إباحي لإثباته الإباحة و للتنوية ثنوية لإثباتهم الإثنين و هما النور و الظلمة، و كذلك أمثله و أنتم تثبتون القدر، و قالت الأشاعرة: النصوص تدل على أن القدري من ينفي قدرة اللّه تعالى و مشركو قريش ما كانوا قدرية إلا لإثباتهم قدرة لغير اللّه، قالت: المعتزلة إنما سمي المشركون قدرية لأنهم قالوا: إن كان قادرا على الحوادث كما تقول يا محمد فلو شاء اللّه لهدانا و لو شاء/لأطعم الفقير، فاعتقدوا أن من لوازم قدرة اللّه تعالى على الحوادث خلقه الهداية فيهم إن شاء، و هذا مذهبكم أيها الأشاعرة، و الحق الصراح أن كل واحد من المسلمين الذين ذهبوا إلى المذهبين خارج عن القدرية، و لا يصير واحد منهم قدريا إلا إذا صار النافي نافيا للقدرة و المثبت منكرا للتكليف.

المسألة الثانية: المجرمون هم المشركون هاهنا كما في قوله تعالى: وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذِ اَلْمُجْرِمُونَ نََاكِسُوا رُؤُسِهِمْ [السجدة: 12]و قوله: يَوَدُّ اَلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي [المعارج: 11]و في قوله: يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمََاهُمْ [الرحمن: 41]فالآية عامة، و إن نزلت في قوم خاص. و جرمهم تكذيب الرسل و النذر بالإشراك‏

325

و إنكار الحشر و إنكار قدرة اللّه تعالى على الإحياء بعد الإماتة، و على غيره من الحوادث.

المسألة الثالثة: فِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ يحتمل وجوها ثلاثة أحدها: الجمع بين الأمرين في الدنيا أي هم في الدنيا في ضلال و جنون لا يعقلون و لا يهتدون، }و على هذا فقوله: يُسْحَبُونَ بيان حالهم في تلك الصورة و هو أقرب ثانيها: الجمع في الآخرة أي هم في ضلال الآخرة و سعر أيضا. أما السعر فكونهم فيها ظاهر، و أما الضلال فلا يجدون إلى مقصدهم أو إلى ما يصلح مقصدا و هم متحيرون سبيلا، فإن قيل: الصحيح هو الوجه الأخير لا غير لأن قوله تعالى: يَوْمَ يُسْحَبُونَ ظرف القول أي يوم يسحبون يقال لهم ذوقوا، و سنبين ذلك فنقول: يَوْمَ يُسْحَبُونَ يحتمل أن يكون منصوبا بعامل مذكور أو مفهوم غير مذكور، و الاحتمال الأول له وجهان أحدهما: العامل سابق و هو معنى كائن و مستقر غير أن ذلك صار نسيا منسيا ثانيهما: العامل متأخر و هو قوله: ذُوقُوا تقديره: ذوقوا مس سقر يوم يسحب المجرمون، و الخطاب حينئذ مع من خوطب بقوله:

أَ كُفََّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولََئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرََاءَةٌ [القمر: 43]و الاحتمال الثالث‏ (1) : أن المفهوم هو أن يقال لهم: يوم يسحبون ذوقوا، و هذا هو المشهور، و قوله تعالى: ذُوقُوا استعارة و فيه حكمة و هو أن الذوق من جملة الإدراكات فإن المذوق إذا لاقى اللسان يدرك أيضا حرارته و برودته و خشونته و ملاسته، كما يدرك سائر أعضائه الحسية و يدرك أيضا طعمه و لا يدركه غير اللسان، فإدراك اللسان أتم، فإذا تأذى من نار تأذى بحرارته و مرارته إن كان الحار أو غيره لا يتأذى إلا بحرارته فإذن الذوق إدراك لمسي أتم من غيره في الملموسات فقال:

ذُوقُوا إشارة إلى أن إدراكهم بالذوق أتم الإدراكات فيجتمع في العذاب شدته و إيلامه بطول مدته و دوامه، و يكون المدرك له لا عذر له يشغله و إنما هو على أتم ما يكون من الإدراك فيحصل الألم العظيم. و قد ذكرنا أن على قول الأكثرين يقال لهم أو نقول مضمر. و قد ذكرنا أنه لا حاجة إلى الإضمار إذا كان الخطاب مع غير من قيل في حقهم: إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاََلٍ فإنه يصير كأنه قال: ذوقوا أيها المكذبون بمحمد صلى اللََّه عليه و سلم مس سقر يوم يسحب المجرمون المتقدمون في النار. /ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

الأولى: المشهور أن قوله: إِنََّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ متعلق بما قبله كأنه قال: ذوقوا فإنا كل شي‏ء خلقناه بقدر، أي هو جزاء لمن أنكر ذلك، و هو كقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ [الدخان: 49]و الظاهر أنه ابتداء كلام و تم الكلام عند قوله: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر: 48]ثم ذكر بيان العذاب لأن عطف: وَ مََا أَمْرُنََا إِلاََّ وََاحِدَةٌ [القمر: 50]يدل على أن قوله: إِنََّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ ليس آخر الكلام. و يدل عليه قوله تعالى: أَلاََ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ [الأعراف: 54]و قد ذكر في الآية الأولى الخلق بقوله: إِنََّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ فيكون من اللائق أن يذكر الأمر فقال: وَ مََا أَمْرُنََا إِلاََّ وََاحِدَةٌ و أما ما ذكر من الجدل فنقول النبي صلى اللّه عليه و سلم تمسك عليهم بقوله: إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاََلٍ إلى قوله: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر: 47، 48]و تلا آية أخرى على قصد التلاوة، و لم يقرأ الآية الأخيرة اكتفاء بعلم من علم الآية كما تقول في الاستدلالات: لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ*

____________

(1) في النسخة الأميرية و الاحتمال الثاني و هو خطأ ظاهر و قد علق عليها بما لا طائل تحته.

326

[النساء: 29]الآية: وَ لاََ تَأْكُلُوا مِمََّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اَللََّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: 121]الآية: و إِذََا تَدََايَنْتُمْ [البقرة:

283]الآية إلى غير ذلك.

المسألة الثانية: كُلَّ قرئ بالنصب و هو الأصح المشهور، و بالرفع فمن قرأ بالنصب فنصبه بفعل مضمر يفسره الظاهر كقوله: وَ اَلْقَمَرَ قَدَّرْنََاهُ [يس: 39]و قوله: وَ اَلظََّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ [الإنسان: 31] و ذلك الفعل هو خلقناه و قد فسره قوله: خَلَقْنََاهُ كأنه قال: إنا خلقنا كل شي‏ء بقدر، و خلقناه على هذا لا يكون صفة لشي‏ء كما في قوله تعالى: وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََا زَوْجَيْنِ [الذاريات: 49]غير أن هناك يمنع من أن يكون صفة كونه خاليا عن ضمير عائد إلى الموصوف، و هاهنا لم يوجد ذلك المانع، و على هذا فالآية حجة على المعتزلة لأن أفعالنا شي‏ء فتكون داخلة في كل شي‏ء فتكون مخلوقة للََّه تعالى، و من قرأ بالرفع لم يمكنه أن يقول كما يقول في قوله: وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ [فصلت: 17]حيث قرئ بالرفع لأن كل شي‏ء نكرة فلا يصح مبتدأ فيلزمه أن يقول: كل شي‏ء خلقناه فهو بقدر، كقوله تعالى: وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدََارٍ [الرعد: 8]في المعنى، و هذان الوجهان ذكرهما ابن عطية في تفسيره و ذكر أن المعتزلي يتمسك بقراءة الرفع و يحتمل أن يقال:

القراءة الأولى و هو النصب له وجه آخر، و هو أن يقال: نصبه بفعل معلوم لا بمضمر مفسر و هو قدرنا أو خلقنا، كأنه قال: إنا خلقنا كل شي‏ء خلقناه بقدر، أو قدرنا كل شي‏ء خلقناه بقدر، و إنما قلنا: إنه معلوم لأن قوله:

ذََلِكُمُ اَللََّهُ رَبُّكُمْ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ [غافر: 62]دل عليه، و قوله: وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدََارٍ دل على أنه قدر و حينئذ لا يكون في الآية دلالة على بطلان قول المعتزلي و إنما يدل على بطلان قوله: اَللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ* [الزمر:

62]و أما على القراءة الثانية و هي الرفع، فنقول: جاز أن يكون كل شي‏ء مبتدأ و خلقناه بقدر خبره و حينئذ تكون الحجة قائمة عليهم بأبلغ وجه، و قوله: كُلَّ شَيْ‏ءٍ نكرة فلا يصلح مبتدأ ضعيف لأن قوله: كُلَّ شَيْ‏ءٍ عم الأشياء كلها بأسرها، فليس فيه/المحذور الذي في قولنا: رجل قائم، لأنه لا يفيد فائدة ظاهرة، و قوله: كُلَّ شَيْ‏ءٍ يفيد ما يفيد زيد خلقناه و عمرو خلقناه مع زيادة فائدة، و لهذا جوزوا ما أحد خير منك لأنه أفاد العموم و لم يحسن قول القائل أحد خير منك حيث لم يفد العموم.

المسألة الثالثة: ما معنى القدر؟ قلنا: فيه وجوه أحدها: المقدار كما قال تعالى: وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدََارٍ [الرعد: 8]و على هذا فكل شي‏ء مقدر في ذاته و في صفاته، أما المقدر في الذات فالجسم و ذلك ظاهر فيه و كذلك القائم بالجسم من المحسوسات كالبياض و السواد، و أما الجوهر الفرد ما لا مقدار له و القائم بالجوهر ما لا مقدار له بمعنى الامتداد كالعلم و الجهل و غيرهما، فنقول: هاهنا مقادير لا بمعنى الامتداد، أما الجواهر الفرد فإن الإثنين منه أصغر من الثلاثة، و لو لا أن حجما يزداد به الامتداد، و إلا لما حصل دون الامتداد فيه، و أما القائم بالجوهر فله نهاية و بداية، فمقدار العلوم الحادثة و القدر المخلوقة متناهية، و أما الصفة فلأن لكل شي‏ء ابتدئ زمانا فله مقدار في البقاء لكون كل شي‏ء حادثا، فإن قيل: اللََّه تعالى وصف به، و لا مقدار له و لا ابتداء لوجوده، نقول: المتكلم إذا كان موصوفا بصفة أو مسمى باسم، ثم ذكر الأشياء المسماة بذلك الاسم أو الأشياء الموصوفة بتلك الصفة، و أسند فعلا من أفعاله إليه يخرج هو عنه، كما يقول القائل: رأيت جميع من في هذا البيت فرأيتهم كلهم أكرمني، و يقول ما في البيت أحد إلا و ضربني أو ضربته يخرج هو عنه لا لعدم كونه مقتضى الاسم، بل بما في التركيب من الدليل على خروجه عن الإرادة، فكذلك قوله: خَلَقْنََاهُ و خََالِقُ كُلِ‏

327

شَيْ‏ءٍ* [الزمر: 62]يخرج عنه لا بطريق التخصيص، بل بطريق الحقيقة إذا قلنا: إن التركيب وضعي، فإن هذا التركيب لم يوضع حينئذ إلا لغير المتكلم ثانيها: القدر التقدير، قال اللََّه تعالى: فَقَدَرْنََا فَنِعْمَ اَلْقََادِرُونَ [المرسلات: 23]و قال الشاعر:

و قد قدر الرحمن ما هو قادر

أي قدر ما هو مقدر، و على هذا فالمعنى أن اللََّه تعالى لم يخلق شيئا من غير تقدير، كما يرمي الرامي السهم فيقع في موضع لم يكن قد قدره، بل خلق اللََّه كما قدر بخلاف قول الفلاسفة إنه فاعل لذاته و الاختلاف للقوابل، فالذي جاء قصيرا أو صغيرا فلاستعداد مادته، و الذي جاء طويلا أو كبيرا فلاستعداد آخر، فقال تعالى:

كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ منا فالصغير جاز أن يكون كبيرا، و الكبير جاز خلقه صغيرا ثالثها: بِقَدَرٍ هو ما يقال مع القضاء، يقال بقضاء اللََّه و قدره، و قالت الفلاسفة في القدر الذي مع القضاء: إن ما يقصد إليه فقضاء و ما يلزمه فقدر، فيقولون: خلق النار حارة بقضاء و هو مقضي به لأنها ينبغي أن تكون كذلك، لكن من لوازمها أنها إذا تعلقت بقطن عجوز أو وقعت في قصب صعلوك تخرقه، فهو بقدر لا بقضاء، و هو كلام فاسد، بل القضاء ما في العلم و القدر ما في الإرادة فقوله: كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ أي بقدره مع إرادته، لا على ما يقولون إنه موجب ردا على المشركين. /ثم قال تعالى:

أي إلا كلمة واحدة، و هو قوله له: (كن) هذا هو المشهور الظاهر، و على هذا فاللََّه إذا أراد شيئا قال له: (كن) فهناك شيئان: الإرادة و القول، فالإرادة قدر، و القول قضاء، و قوله: وََاحِدَةٌ يحتمل أمرين أحدهما: بيان أنه لا حاجة إلى تكرير القول إشارة إلى نفاذ الأمر ثانيهما: بيان عدم اختلاف الحال، فأمره عند خلق العرش العظيم كأمره عند خلق النمل الصغير، فأمره عند الكل واحد و قوله: كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ تشبيه الكون لا تشبيه الأمر، فكأنه قال: أمرنا واحدة، فإذن المأمور كائن كلمح بالبصر، لأنه لو كان راجعا إلى الأمر لا يكون ذلك صفة مدح يليق به، فإن كلمة (كن) شي‏ء أيضا يوجد كلمح بالبصر هذا هو التفسير الظاهر المشهور، و فيه وجه ظاهر ذهب إليه الحكماء، و هي أن مقدورات اللََّه تعالى هي الممكنات يوجدها بقدرته، و في عدمها خلاف لا يليق بيانه بهذا الموضع لطوله لا لسبب غيره، ثم إن الممكنات التي يوجدها اللََّه تعالى قسمان أحدهما: أمور لها أجزاء ملتئمة عند التئامها يتم وجودها، كالإنسان و الحيوان و الأجسام النباتية و المعدنية و كذلك الأركان الأربعة، و السموات، و سائر الأجسام و سائر ما يقوم بالأجسام من الأعراض، فهي كلها مقدرة له و حوادث، فإن أجزاءها توجد أولا، ثم يوجد فيها التركيب و الالتئام بعينها، ففيها تقديرات نظرا إلى الأجزاء و التركيب و الأعراض و ثانيهما: أمور ليس لها أجزاء و مفاصل و مقادير امتدادية، و هي الأرواح الشريفة المنورة للأجسام، و قد أثبتها جميع الفلاسفة إلا قليلا منهم، و وافقهم جمع من المتكلمين، و قطع بها كثير ممن له قلب من أصحاب الرياضات و أرباب المجاهدات، فتلك الأمور وجودها واحد ليس يوجد أولا أجزاء، و ثانيا تتحقق تلك الأجزاء بخلاف الأجسام و الأعراض القائمة بها، إذا عرفت هذا قالوا: الأجسام خلقية قدرية، و الأرواح إبداعية أمرية، و قالوا إليه الإشارة بقوله تعالى: أَلاََ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ [الأعراف: 54] فالخلق في الأجسام و الأمر في الأرواح ثم قالوا: لا ينبغي أن يظن بهذا الكلام أنه على خلاف الأخبار

فإنه صلى‏

328

اللََّه عليه و سلم قال: «أول ما خلق اللََّه العقل» ،

و

روي عنه عليه السلام أنه قال: «خلق اللََّه الأرواح قبل الأجسام بألفي عام»

و قال تعالى: اَللََّهُ خََالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ* [الزمر: 62]فالخلق أطلق على إيجاد الأرواح و العقل لأن إطلاق الخلق على ما يطلق عليه الأمر جائز، و إن العالم بالكلية حادث و إطلاق الخلق بمعنى الإحداث جائز، و إن كان في حقيقة الخلق تقدير في أصل اللغة و لا كذلك في الأحداث، و لو لا الفرق بين العبارتين و إلا لاستقبح الفلسفي من أن يقول المخلوق قديم كما يستقبح من أن المحدث قديم، فإذن قوله صلى اللّه عليه و سلم خلق اللََّه الأرواح بمعنى أحدثها بأمره، و في هذا الإطلاق فائدة عظيمة و هي أنه صلى اللّه عليه و سلم لو غير العبارة و قال في الأرواح أنها موجودة/بالأمر و الأجسام بالخلق لظن الذي لم يرزقه اللََّه العلم الكثير أن الروح ليست بمخلوقة بمعنى ليست بمحدثة فكان يضل و النبي صلى اللّه عليه و سلم بعث رحمة، و قالوا: إذا نظرت إلى قوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: 85]و إلى قوله تعالى: خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ* [الحديد: 4]و إلى قوله تعالى: ثُمَّ خَلَقْنَا اَلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا اَلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا اَلْمُضْغَةَ عِظََاماً [المؤمنون: 14]تجد التفاوت بين الأمر و الخلق و الأرواح و الأشباح حيث جعل لخلق بعض الأجسام زمانا ممتدا هو ستة أيام و جعل لبعضها تراخيا و ترتيبا بقوله: ثُمَّ خَلَقْنَا و بقوله: فَخَلَقْنَا* و لم يجعل للروح ذلك، ثم قالوا: ينبغي أن لا يظن بقولنا هذا إن الأجسام لا بد لها من زمان ممتد و أيام حتى يوجدها اللََّه تعالى فيه، بل اللََّه مختار إن أراد خلق السموات و الأرض و الإنسان و الدواب و الشجر و النبات في أسرع من لمح البصر لخلقها كذلك، و لكن مع هذا لا تخرج عن كونها موجودات حصلت لها أجزاء و وجود أجزائها قبل وجود التركيب فيها و وجودها بعد وجود الأجزاء و التركيب فيها فهي ستة ثلاثة في ثلاثة كما يخلق اللََّه الكسر و الانكسار في زمان واحد و لهما ترتيب عقلي.

فالجسم إذن كيفما فرضت خلقه ففيه تقدير وجودات كلها بإيجاد اللََّه على الترتيب و الروح لها وجود واحد بإيجاد اللََّه تعالى هذا قولهم. و لنذكر ما في الخلق و الأمر من الوجود المنقولة و المعقولة أحدها: ما ذكرنا أن الأمر هو كلمة: كُنْ* و الخلق هو ما بالقدرة و الإرادة ثانيها: ما ذكروا في الأجسام أن منها الأرواح ثالثها: هو أن اللََّه له قدرة بها الإيجاد و إرادة بها التخصيص، و ذلك لأن المحدث له وجود مختص بزمان و له مقدار معين فوجوده بالقدرة و اختصاصه بالزمان بالإرادة فالذي بقدرته خلق و الذي بالإرادة أمر حيث يخصصه بأمره بزمان و يدل عليه المنقول و المعقول، أما المنقول فقوله تعالى: إِذََا أَرََادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] جعل‏ كُنْ لتعلق الإرادة، و اعلم أن المراد من: كُنْ ليس هو الحرف و الكلمة التي من الكاف و النون، لأن الحصول أسرع من كلمة كن إذا حملتها على حقيقة اللفظ فإن الكاف و النون لا يوجد من متكلم واحد إلا الترتيب ففي كن لفظ زمان و الكون بعد بدليل قوله تعالى: فَيَكُونُ بالفاء فإذن لو كان المراد بكن حقيقة الحرف و الصوت لكان الحصول بعده بزمان و ليس كذلك، فإن قال قائل: يمكن أن يوجد الحرفان معا و ليس كلام اللّه تعالى ككلامنا يحتاج إلى الزمان قلنا: قد جعل له معنى غير ما نفهمه من اللفظ. و أما المعقول فلأن الاختصاص بالزمان ليس لمعنى و علة و إن كان بعض الناس ذهب إلى أن الخلق و الإيجاد لحكمة و قال: بأن اللّه خلق الأرض لتكون مقر الناس أو مثل هذا من الحكم و لم يمكنه أن يقول: خلق الأرض في الزمان المخصوص لتكون مقرا لهم لأنه لو خلقها في غير ذلك لكانت أيضا مقرا لهم فإذن التخصيص ليس لمعنى فهو لمحض الحكمة فهو يشبه أمر الملك الجبار الذي يأمر و لا يقال له: لم أمرت و لم فعلت و لا يعلم مقصود الآمر إلا منه رابعها: هو أن الأشياء المخلوقة لا تنفك عن أوصاف ثلاثة أو عن وصفين متقابلين، مثاله الجسم لا بد له بعد

329

خلقه أن يكون متحيزا و لا بد له من أن يكون/ساكنا أو متحركا فإيجاده أولا يخلقه و ما هو عليه بأمره يدل عليه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ إلى أن قال: مُسَخَّرََاتٍ بِأَمْرِهِ [الأعراف: 54]فجعل مالها بعد خلقها من الحركة و السكون و غيرهما بأمره و يدل عليه‏

قوله صلى اللّه عليه و سلم: «أول ما خلق اللّه تعالى العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر»

جعل الخلق في الحقيقة و الأمر في الوصف، و كذلك قوله تعالى: خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ ثم قال: يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مِنَ اَلسَّمََاءِ إِلَى اَلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كََانَ مِقْدََارُهُ [السجدة: 4، 5]و قد ذكرنا تفسيره خامسها: مخلوقات اللّه تعالى على قسمين أحدهما: خلقه اللّه تعالى في أسرع ما يكون كالعقل و غيره و ثانيهما: خلقه بمهلة كالسماوات و الإنسان و الحيوان و النبات، فالمخلوق سريعا أطلق عليه الأمر و المخلوق بمهلة أطلق عليه الخلق، و هذا مثل الوجه الثاني.

سادسها: ما قاله فخر الدين الرازي في تفسير قوله تعالى: فَقََالَ لَهََا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [فصلت:

11]و هو أن الخلق هو التقدير و الإيجاد بعده بعدية ترتيبية لا زمانية ففي علم اللّه تعالى أن السموات تكون سبع سموات في يومين تقديرية فهو قدر خلقه كما علم و هو إيجاد فالأول خلق و الثاني و هو الإيجاد أمر و أخذ هذا من المفهوم اللغوي قال الشاعر:

و بعض الناس يخلق ثم لا يفري‏

أي يقدر و لا يقطع و لا يفصل كالخياط الذي يقدر أولا و يقطع ثانيا و هو قريب إلى اللغة لكنه بعيد الاستعمال في القرآن، لأن اللّه تعالى حيث ذكر الخلق أراد الإيجاد منه قوله تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ* [العنكبوت: 61]و منه قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَ اَلْإِنْسََانُ أَنََّا خَلَقْنََاهُ مِنْ نُطْفَةٍ [يس: 77]و ليس المراد أنا قدرنا أنه سيوجد منها إلى غير ذلك. سابعها: الخلق هو الإيجاد ابتداء و الأمر هو ما به الإعادة فإن اللّه خلق الخلق أولا بمهلة ثم يوم القيامة يبعثهم في أسرع من لحظة، فيكون قوله: وَ مََا أَمْرُنََا إِلاََّ وََاحِدَةٌ كقوله تعالى: فَإِنَّمََا هِيَ زَجْرَةٌ وََاحِدَةٌ* [الصافات: 19]و قوله: صَيْحَةً وََاحِدَةً* [يس: 29]و نَفْخَةٌ وََاحِدَةٌ [الحاقة: 13]و على هذا فقوله: إِنََّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]إشارة إلى الوحدانية. و قوله تعالى: وَ مََا أَمْرُنََا إِلاََّ وََاحِدَةٌ إلى الحشر فكأنه بين الأصل الأول و الأصل الآخر بالآيات. ثامنها: الإيجاد خلق و الإعدام أمر، يعني يقول للملائكة الغلاظ الشداد أهلكوا و افعلوا فلا يعصون اللّه ما أمرهم و لا يقفون الامتثال على إعادة الأمر مرة أخرى فأمره مرة واحدة يعقبه العدم و الهلاك.

و فيه لطيفة: و هي أن اللّه تعالى جعل الإيجاد الذي هو من الرحمة بيده، و الإهلاك يسلط عليه رسله و ملائكته، و جعل الموت بيد ملك الموت و لم يجعل الحياة بيد ملك، و هذا مناسب لهذا الموضع لأنه بين النعمة بقوله: إِنََّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]و بين قدرته على النقمة فقال: وَ مََا أَمْرُنََا إِلاََّ وََاحِدَةٌ .

وَ إِنََّا عَلى‏ََ ذَهََابٍ بِهِ لَقََادِرُونَ [المؤمنون: 18]و هو كقوله: فَإِذََا جََاءَ أَمْرُنََا وَ فََارَ اَلتَّنُّورُ [المؤمنون: 27] عند العذاب، و قوله تعالى: فَلَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا نَجَّيْنََا صََالِحاً [هود: 66]و قوله تعالى: فَلَمََّا جََاءَ أَمْرُنََا جَعَلْنََا عََالِيَهََا سََافِلَهََا [هود: 82]و كما ذكر في هذه الحكايات العذاب بلفظ الأمر و بين الإهلاك به كذلك هاهنا/و لا سيما إذا نظرت إلى ما تقدم من الحكايات و وجدتها عين تلك الحكايات يقوي هذا القول و كذلك قوله تعالى:

وَ لَقَدْ أَهْلَكْنََا أَشْيََاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: 51]يدل على صحة هذا القول تاسعها: في معنى اللمح بالبصر

330

وجهان أحدهما: النظر بالعين يقال: لمحته ببصري كما يقال: نظرت إليه بعيني و الباء حينئذ كما يذكر في الآيات فيقال: كتبت بالقلم، و اختار هذا المثال لأن النظر بالعين أسرع حركة توجد في الإنسان لأن العين وجد فيها أمور تعين على سرعة الحركة أحدها: قرب المحرك منها فإن المحرك العصبية و منبتها الدماغ و العين في غاية القرب منه ثانيها: صغر حجمها فإنها لا تعصى على المحرك و لا تثقل عليه بخلاف العظام ثالثها: استدارة شكلها فإن دحرجة الكرة أسهل من دحرجة المربع و المثلث رابعها: كونها في رطوبة مخلوقة في العضو الذي هو موضعها و هذه الحكمة في أن المرئيات في غاية الكثرة بخلاف المأكولات و المسموعات و المقاصد التي تقصد بالأرجل و المذوقات، فلو لا سرعة حركة الآلة التي بها إدراك المبصرات لما وصل إلى الكل إلا بعد طول زمان.

و ثانيهما: اللمح بالبصر معناه البرق يخطف بالبصر و يمر به سريعا و الباء حينئذ للإلصاق لا للاستعانة كقوله:

مررت به و ذلك في غاية السرعة، و قوله: بِالْبَصَرِ فيه فائدة و هي غاية السرعة فإنه لو قال: كلمح البرق حين برق و يبتدئ حركته من مكان و ينتهي إلى مكان آخر في أقل زمان يفرض لصح، لكن مع هذا فالقدر الذي مروره يكون بالبصر أقل من الذي يكون من مبتداه إلى منتهاه، فقال: كَلَمْحٍ لا كما قيل: من المبدأ إلى المنتهى بل القدر الذي يمر بالبصر و هو غاية القلة و نهاية السرعة. ثم قال تعالى:

و الأشياع الأشكال، و قد ذكرنا أن هذا يدل على أن قوله: وَ مََا أَمْرُنََا إِلاََّ وََاحِدَةٌ [القمر: 50]تهديد بالإهلاك و الثاني ظاهر. و قوله تعالى:

إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر على إهلاكهم بل الإهلاك هو العاجل و العذاب الآجل الذي هو معد لهم على ما فعلوه، مكتوب عليهم، و الزبر هي كتب الكتبة الذين قال تعالى فيهم: كَلاََّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ*`وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحََافِظِينَ*`كِرََاماً كََاتِبِينَ [الانفطار: 9-11]و: فَعَلُوهُ صفة شي‏ء و النكرة توصف بالجمل. و قوله تعالى:

تعميم للحكم أي ليست الكتابة مقتصرة على ما فعلوه بل ما فعله غيرهم أيضا مسطور فلا يخرج عن الكتب صغيرة و لا كبيرة، و قد ذكرنا في قوله تعالى: لاََ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقََالُ ذَرَّةٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ لاََ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ أَصْغَرُ مِنْ ذََلِكَ وَ لاََ أَكْبَرُ/إِلاََّ فِي كِتََابٍ [سبأ: 3]أن في قوله‏ أَكْبَرُ فائدة عظيمة و هي أن من يكتب حساب إنسان فإنما يكتبه في غالب الأمر لئلا ينسى فإذا جاء بالجملة العظيمة التي يأمن نسيانها ربما يترك كتابتها و يشتغل بكتابة ما يخاف نسيانه، فلما قال: وَ لاََ أَكْبَرُ أشار إلى الأمور العظام التي يؤمن من نسيانها أنها مكتوبة أي ليست كتابتنا مثل كتابتكم التي يكون المقصود منها الأمن من النسيان، فكذلك نقول: هاهنا و في قوله تعالى: مََا لِهََذَا اَلْكِتََابِ لاََ يُغََادِرُ صَغِيرَةً وَ لاََ كَبِيرَةً إِلاََّ أَحْصََاهََا [الكهف: 49]و في جميع هذه المواضع قدم الصغيرة لأنها أليق بالتثبت عند الكتابة فيبتدئ بها حفظا عن النسيان في عادة الخلق فأجرى اللّه الذكر على

331

عادتهم، و هذا يؤيد ما ذكرنا من قبل أن كلا و إن كان نكرة يحسن الابتداء به للعموم و عدم الإبهام. ثم قال تعالى:

قد ذكرنا تفسير المتقين و الجنات في سور منها: اَلطُّورِ و أما النهر ففيه قراءات فتح النون و الهاء كحجر و هو اسم جنس و يقوم مقام الأنهار و هذا هو الظاهر الأصح و فيه مسائل:

المسألة الأولى: لا شك أن كمال اللذة بالبستان أن يكون الإنسان فيه، و ليس من اللذة بالنهر أن يكون الإنسان فيه، بل لذته أن يكون في الجنة عند النهر، فما معنى قوله تعالى: وَ نَهَرٍ ؟نقول: قد أجبنا عن هذا في تفسير قوله تعالى: إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ [الذاريات: 15]في سورة الذاريات، و قلنا: المراد في خلال العيون، و فيما بينها من المكان و كذلك في جنات لأن الجنة هي الأشجار التي تستر شعاع الشمس، و لهذا قال تعالى: فِي ظِلاََلٍ وَ عُيُونٍ [المرسلات: 41]. و إذا كانت الجنة هي الأشجار الساترة فالإنسان لا يكون في الأشجار و إنما يكون بينها أو خلالها، فكذلك النهر، و نزيد هاهنا وجها آخر و هو أن المراد في جنات و عند نهر لكون المجاورة تحسن إطلاق اللفظ الذي لا يحسن إطلاقه عند عدم المجاورة كما قال:

«علفتها تبنا و ماء باردا»

و قالوا: تقلدت سيفا و رمحا، و الماء لا يعلف و الرمح لا يتقلد و لكن لمجاورة التبن و السيف حسن الإطلاق فكذلك هنا لم يأت في الثاني بما أتى به في الأول من كلمة في.

المسألة الثانية: و حد النهر مع جمع الجنات و جمع الأنهار و في كثير من المواضع كما في قوله تعالى:

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ* [البقرة: 25]إلى غيره من المواضع فما الحكمة فيه؟نقول: أما على الجواب الأول فنقول: لما بين أن معنى في نهر في خلال فلم يكن للسامع حاجة إلى سماع الأنهار، لعلمه بأن النهر الواحد لا يكون له خلال. و أما في قوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ* فلو لم يجمع الأنهار لجاز أن يفهم أن في الجنات كلها نهرا واحدا كما في الدنيا فقد يكون نهر واحد ممتد جار في جنات كثيرة و أما على الثاني فنقول: الإنسان يكون في جنات لأنا بينا أن الجمع في جنات إشارة إلى سعتها و كثرة/أشجارها و تنوعها و التوحيد عند ما قال: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ* [محمد: 15]و قال: إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ [التوبة: 111]لاتصال أشجارها و لعدم وقوع القيعان الخربة بينها، و إذا علمت هذا فالإنسان في الدنيا إذا كان في بيت في دار و تلك الدار في محلة، و تلك المحلة في مدينة، يقال إنه في بلدة كذا، و أما القرب فإذا كان الإنسان في الدنيا بين نهرين بحيث يكون قربه منهما على السواء يقال إنه جالس عند نهرين، فإذا قرب من أحدهما يقال من عند أحد نهرين دون الآخر، لكن في دار الدنيا لا يمكن أن يكون عند ثلاثة أنهار و إنما يمكن أن يكون عند نهرين، و الثالث منه أبعد من النهرين، فهو في الحقيقة ليس يكون في زمان واحد عند أنهار و اللََّه تعالى يذكر أمر الآخرة على ما نفهمه في الدنيا، فقال: عند نهر لما بينا أن قوله: وَ نَهَرٍ و إن كان يقتضي في نهر لكن ذلك للمجاورة كما في تقلدت سيفا و رمحا، و أما قوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ* فحقيقته مفهومة عندنا لأن الجنة الواحدة قد يجري فيها أنهار كثيرة أكثر من ثلاثة و أربعة، فهذا ما فيه مع أن أواخر

332

الآيات يحسن فيها التوحيد دون الجمع، و يحتمل أن يقال وَ نَهَرٍ التنكير للتعظيم. و في الجنة نهر و هو أعظم الأنهر و أحسنها، و هو الذي من الكوثر، و من عين الرضوان و كان الحصول عنده شرفا و غبطه و كل أحد يكون له مقعد عنده و سائر الأنهار تجري في الجنة و يراها أهلها و لا يرون القاعد عندها فقال: فِي جَنََّاتٍ وَ نَهَرٍ أي ذلك النهر الذي عنده مقاعد المؤمنين، و في قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ [البقرة: 249]لكونه غير معلوم لهم، و في هذا وجه حسن أيضا و لا يحتاج على الوجهين أن نقول: نهر في معنى الجمع لكونه اسم جنس.

المسألة الثالثة: قال هاهنا: وَ نَهَرٍ و قال في الذاريات: وَ عُيُونٍ [الذاريات: 15]فما الفرق بينهما؟ نقول: إنا إن قلنا في نهر معناه في خلال فالإنسان يمكن أن يكون في الدنيا في خلال عيون كثيرة تحيط به إذا كان على موضع مرتفع من الأرض و العيون تنفجر منه و تجري فتصير أنهارا عند الامتداد و لا يمكن أن يكون و في خلال أنهار و إنما هي نهران فحسب، و أما إن قلنا: إن المراد عند نهر فكذلك و إن قلنا: ... (1) أي عظيم عليه مقاعد، فنقول: يكون ذلك النهر ممتدا و أصلا إلى كل واحد و له عنده مقعد عيون كثيرة تابعة، فالنهر للتشريف و العيون للتفرج و التنزه مع أن النهر العظيم يجتمع مع العيون الكثيرة فكان النهر مع وحدته يقوم مقام العيون مع كثرتها و هذا كله مع النظر إلى أواخر الآيات هاهنا و هناك يحسن ذكر لفظ الواحد هاهنا و الجمع هناك.

المسألة الرابعة: قرئ: فِي جَنََّاتٍ وَ نَهَرٍ على أنها جمع نهار إذ لا ليل هناك و على هذا فكلمة في حقيقة فيه فقوله: فِي جَنََّاتٍ ظرف مكان، و قوله: وَ نَهَرٍ أي و في نهر إشارة إلى ظرف زمان، و قرئ وَ نَهَرٍ بسكون الهاء و ضم النون على أنه جمع نهر كأسد في جمع أسد نقله الزمخشري، و يحتمل أن يقال: نهر بضم الهاء جمع نهر كثمر في جمع ثمر. /ثم قال تعالى:

فيه مسائل:

المسألة الأولى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ، كيف مخرجه؟ نقول: يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون على صورة بدل كما يقول القائل: فلان في بلدة كذا في دار كذا و على هذا يكون مقعد من جملة الجنات موضعا مختارا له مزية على ما في الجنات من المواضع و على هذا قوله: عِنْدَ مَلِيكٍ لأنا بينا في أحد الوجوه أن المراد من قوله: فِي جَنََّاتٍ وَ نَهَرٍ [القمر: 54]في جنات عند نهر فقال: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ و يحتمل أن يقال: عِنْدَ مَلِيكٍ صفة مقعد صدق تقول درهم في ذمة ملئ خير من دينار في ذمة معسر، و قليل عند أمين أفضل من كثير عند خائن فيكون صفة و إلا لما حسن جعله مبتدأ ثانيهما: أن يكون: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ كالصفة لجنات و نهر أي في جنات و نهر موصوفين بأنهما في مقعد صدق، تقول: وقفة في سبيل اللََّه أفضل من كذا و: عِنْدَ مَلِيكٍ صفة بعد صفة.

المسألة الثانية: قوله: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ يدل على لبث لا يدل عليه المجلس، و ذلك لأن قعد و جلس ليسا على ما يظن أنهما بمعنى واحد لا فرق بينهما بل بينهما فرق و لكن لا يظهر إلا للبارع، و الفرق هو أن

____________

(1) هنا كلمة محذوفة بالأصل لم نهتد إليها.

333

القعود جلوس فيه مكث حقيقة و اقتضاء، و يدل عليه وجوه الأول: هو أن الزمن يسمى مقعدا و لا يسمى مجلسا لطول المكث حقيقة و منه سمي قواعد البيت و القواعد من النساء قواعد و لا يقال لهن: جوالس لعدم دلالة الجلوس على المكث الطويل فذكر القواعد في الموضعين لكونه مستقرا بين الدوام و الثبات على حالة واحدة و يقال للمركوب من الإبل قعود لدوام اقتعاده اقتضاء، و إن لم يكن حقيقة فهو لصونه عن الحمل و اتخاذه للركوب كأنه وجد فيه نوع قعود دائم اقتضى ذلك و لم يرد للإجلاس الثاني: النظر إلى تقاليب الحروف فإنك إذا نظرت إلى ق ع د و قلبتها تجد معنى المكث في الكل فإذا قدمت القاف رأيت قعد و قدع بمعنى و منه تقادع الفراش بمعنى تهافت، و إذا قدمت العين رأيت عقد و عدق بمعنى المكث في غاية الظهور و في عدق لخفاء يقال: أعدق بيدك الدلو في البئر إذا أمره بطلبه بعد وقوعه فيها و العودقة خشبة عليها كلاب يخرج معه الدلو الواقع في البئر، و إذا قدمت الدال رأيت دقع و دعق و المكث في الدقع ظاهر و الدقعاء هي التراب الملتصق بالأرض و الفقر المدقع هو الذي يلصق صاحبه بالتراب. و في دعق أيضا إذ الدعق مكان تطؤه الدواب بحوافرها فيكون صلبا أجزاؤه متداخل بعضها ببعض لا يتحرك شي‏ء منها عن موضعه الوجه الثالث: الاستعمالات في القعود إذا اعتبرت ظهر ما ذكرنا قال تعالى: لاََ يَسْتَوِي اَلْقََاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي اَلضَّرَرِ [النساء: 95] و المراد الذي لا يكون بعده اتباع و قال تعالى: مَقََاعِدَ لِلْقِتََالِ [آل عمران: 121]مع أنه تعالى قال: إِنَّ اَللََّهَ /يُحِبُّ اَلَّذِينَ يُقََاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيََانٌ مَرْصُوصٌ [الصف: 4]فأشار إلى الثبات العظيم. و قال تعالى: إِذََا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [الأنفال: 45]فالمقاعد إذن هي المواضع التي يكون فيها المقاتل بثبات و مكث و إطلاق مقعدة على العضو الذي عليه القعود أيضا يدل عليه، إذا عرفت هذا الفرق بين الجلوس و القعود حصل لك فوائد منها هاهنا فإنه يدل على دوام المكث و طول اللبث، و منها في قوله تعالى: عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ قَعِيدٌ [ق: 17]فإن القعيد بمعنى الجليس و النديم، ثم إذا عرف هذا و قيل للمفسرين الظاهرين فما الفائدة في اختيار لفظ القعيد يدل لفظ الجليس مع أن الجليس أشهر؟يكون جوابهم أن آخر الآيات من قوله: حَبْلِ اَلْوَرِيدِ [ق: 16]و لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق: 23]و قوله: جَبََّارٍ عَنِيدٍ* [هود: 59]يناسب القعيد، و لا الجليس و إعجاز القرآن ليس في السجع، و إذا نظرت إلى ما ذكر تبين لك فائدة جليلة معنوية حكمية في وضع اللفظ المناسب لأن القعيد دل على أنهما لا يفارقانه و يداومان الجلوس معه، و هذا هو المعجز و ذلك لأن الشاعر يختار اللفظ الفاسد لضرورة الشعر و السجع و يجعل المعنى تبعا للفظ، و اللََّه تعالى بين الحكمة على ما ينبغي و جاء باللفظ على أحسن ما ينبغي، و فائدة أخرى في قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي اَلْمَجََالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اَللََّهُ لَكُمْ وَ إِذََا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا [المجادلة: 11]فإن قوله: فَافْسَحُوا إشارة إلى الحركة، و قوله: فَانْشُزُوا إشارة إلى ترك الجلوس فذكر المجلس إشارة إلى أن ذلك موضع جلوس فلا يجب ملازمته و ليس بمقعد حتى لا يفارقونه.

المسألة الثالثة: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ وجهان أحدهما: مقعد صدق، أي صالح يقال: رجل صدق للصالح و رجل سوء للفاسد، و قد ذكرناه في سورة: إِنََّا فَتَحْنََا في قوله تعالى: وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ اَلسَّوْءِ [الفتح: 12]، و ثانيهما: الصدق المراد منه ضد الكذب، و على هذا ففيه و وجهان الأول: مقعد صدق من أخبر عنه و هو اللََّه و رسوله الثاني: مقعد ناله من صدق فقال: بأن اللََّه واحد و أن محمدا رسوله، و يحتمل أن يقال المراد أنه مقعد لا

334

يوجد فيه كذب لأن اللََّه تعالى صادق و يستحيل عليه الكذب و من وصل إليه امتنع عليه الكذب لأن مظنة الكذب الجهل و الواصل إليه، يعلم الأشياء كما هي و يستغني بفضل اللََّه عن أن يكذب ليستفيد بكذبه شيئا فهو مقعد صدق و كلمة عِنْدَ قد عرفت معناها و المراد منه قرب المنزلة و الشأن لا قرب المعنى و المكان، و قوله تعالى:

مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ لأن القربة من الملوك لذيذة كلما كان الملك أشد اقتدارا كان المتقرب منه أشد التذاذا و فيه إشارة إلى مخالفة معنى القرب منه من معنى القرب من الملوك، فإن الملوك يقربون من يكون ممن يحبونه و ممن يرهبونه، مخالفة أن يعصوا عليه و ينحازوا إلى عدوه فيغلبونه، و اللََّه تعالى قال: مُقْتَدِرٍ لا يقرب أحدا إلا بفضله.

و الحمد للََّه و صلاته على سيدنا محمد خير خلقه و آله و صحبه و سلامه.

335

بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم

سورة الرحمن‏

خمسون و خمس آيات مكية

في قوله تعالى اَلرَّحْمََنُ‏`عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ اعلم أولا أن مناسبة هذه السورة لما قبلها بوجهين أحدهما: أن اللََّه تعالى افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على العزة و الجبروت و الهيبة و هو انشقاق القمر، فإن من يقدر على شق القمر يقدر على هد الجبال و قد الرجال، و افتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة و الرحموت و هو القرآن الكريم، فإن شفاء القلوب بالصفاء عن الذنوب ثانيهما: أنه تعالى ذكر في السورة المتقدمة: فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ* [القمر:

16]غير مرة، و ذكر في السورة: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ* [الرحمن: 13]مرة بعد مرة لما بينا أن تلك السورة سورة إظهار الهيبة، و هذه السورة سورة إظهار الرحمة، ثم إن أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها حيث قال في آخر تلك السورة: عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: 55]، و الاقتدار إشارة إلى الهيبة و العظمة و قال هاهنا: اَلرَّحْمََنُ أي عزيز شديد منتقم مقتدر بالنسبة إلى الكفار و الفجار، رحمن منعم غافر للأبرار. ثم في التفسير مسائل:

المسألة الأولى: في لفظ اَلرَّحْمََنُ أبحاث، و لا يتبين بعضها إلا بعد البحث في كلمة اللََّه فنقول:

المبحث الأول: من الناس من يقول: إن اللََّه مع الألف و اللام اسم علم لموجد الممكنات و على هذا فمنهم من قال: اَلرَّحْمََنُ أيضا اسم علم له و تمسك بقوله تعالى: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ أَيًّا مََا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ [الإسراء: 110]أي أيا ما منهما، و جوز بعضهم قول القائل: يا الرحمن كما يجوز يا اللََّه و تمسك بالآية و كل هذا ضعيف و بعضها أضعف من بعض، أما قوله: اللََّه مع الألف و اللام اسم علم ففيه بعض الضعف و ذلك لأنه لو كان كذلك لكانت الهمزة فيه أصلية، فلا يجوز أن تجعل وصلية، و كان يجب أن يقال:

خلق اللََّه كما يقال: علم أحمد و فهم إسماعيل، بل الحق فيه أحد القولين: إما أن نقول: إله أو لاه اسم لموجد الممكنات اسم علم، ثم استعمل مع الألف و اللام كما في الفضل و العباس و الحسن و الخليل، و على هذا فمن‏

336

سمى غيره إلها فهو كمن يستعمل في مولود له فيقول لابنه محمد و أحمد و إن كان علمين لغيره قبله في أنه جائز لأن من سمى ابنه أحمد لم يكن له من الأمر المطاع/ما يمنع الغير عن التسمية به و لم يكن له الاحتجار و أخذ الاسم لنفسه أو لولده بخلاف الملك المطاع إذا استأثر لنفسه اسما لا يستجرئ أحد ممن تحت ولايته ما دام له الملك أن يسمى ولده أو نفسه بذلك الاسم خصوصا من يكون مملوكا لا يمكنه أن يسمي نفسه باسم الملك و لا أن يسمي ولده به، و اللََّه تعالى ملك مطاع و كل من عداه تحت أمره فإذا استأثر لنفسه اسما لا يجوز للعبيد أن يتسموا بذلك الاسم، فمن يسمى فقد تعدى فالمشركون في التسمية متعدون، و في المعنى ضالون و إما أن نقول: إله أو لاه اسم لمن يعبد و الألف و اللام للتعريف، و لما امتنع المعنى عن غير اللََّه امتنع الاسم، فإن قيل: فلو سمى أحد ابنه به كان ينبغي أن يجوز؟قلنا: لا يجوز لأنه يوهم أنه اسم موضوع لذلك الابن لمعنى لا لكونه علما، فإن قيل: تسمية الواحد بالكريم و الودود جائزة قلنا: كل ما يكون حمله على العلم و على اسم لمعنى ملحوظ في اللفظ الذكرى لا يفضي إلى خلل يجوز ذلك فيه فيجوز تسمية الواحد بالكريم و الودود و لا يجوز تسميته بالخالق، و القديم لأن على تقدير حمله على أنه علم غير ملحوظ فيه المعنى يجوز، و على تقدير حمله على أنه اسم لمعنى هو قائم به كالقدرة التي بها بقاء الخلق أو العدم، فلا يجوز لكن اسم المعبود من هذا القبيل فلا يجوز التسمية به، فأحد هذين القولين حق و قولهم مع الألف و اللام علم ليس بحق، إذا عرفت البحث في اللََّه فما يترتب عليه، و هو أن الرحمن اسم على أضعف منه، و تجويز يا الرحمن أضعف من الكل.

البحث الثاني: اللََّه و الرحمن في حق اللََّه تعالى كالاسم الأول و الوصف الغالب الذي يصير كالاسم بعد الاسم الأول كما في قولنا: عمر الفاروق، و على المرتضى و موسى الرضا، و غير ذلك مما نجده في أسماء الخلفاء و أوصافهم المعرفة لهم التي كانت لهم وصفا و خرجت بكثرة الاستعمال عن الوصفية، حتى إن الشخص و إن لم يتصف به أو فارقه الوصف يقال له ذلك كالعلم فإذن للرحمن اختصاص باللََّه تعالى، كما أن لتلك الأوصاف اختصاصا بأولئك غير أن في تلك الأسماء و الأوصاف جاز الوضع لما بينا حيث استوى الناس في الاقتدار و العظمة، و لا يجوز في حق اللََّه تعالى، فإن قيل: إن من الناس من أطلق لفظ الرحمن على اليمامي، نقول: هو كما أن من الناس من أطلق لفظ الإله على غير اللََّه تعديا و كفرا، نظرا إلى جوازه لغة و هو اعتقاد باطل.

البحث الثالث: للََّه تعالى رحمتان سابقة و لاحقة فالسابقة هي التي بها خلق الخلق و اللاحقة هي التي أعطى بها الخلق بعد إيجاده إياهم من الرزق و الفطنة و غير ذلك فهو تعالى بالنظر إلى الرحمة السابقة رحمن، و بالنظر إلى اللاحقة رحيم، و لهذا يقال: يا رحمن الدنيا و رحيم الآخرة، فهو رحمن، لأنه خلق الخلق أولا برحمته، فلما لم يوجد في غيره هذه الرحمة و لم يخلق أحد أحدا لم يجز أن يقال لغيره: رحمن، و لما تخلق الصالحون من عباده ببعض أخلاقه على قدر الطاقة البشرية، و أطعم الجائع و كسا العاري، وجد شي‏ء من الرحمة اللاحقة التي بها الرزق و الإعانة فجاز أن يقال له رحيم، و قد ذكرنا هذا كله في تفسير سورة الفاتحة غير أنا أردنا أن يصير ما ذكرنا مضموما إلى ما ذكرناه هناك، /فأعدناه هاهنا لأن هذا كله كالتفصيل لما ذكرناه في الفاتحة.

المسألة الثانية: اَلرَّحْمََنُ مبتدأ خبره الجملة الفعلية التي هي قوله: عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ و قيل اَلرَّحْمََنُ

337

[خبر]مبتدأ تقديره هو الرحمن، ثم أتى بجملة بعد جملة فقال: عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ و الأول أصح، و على القول الضعيف الرحمن آية.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ لا بد له من مفعول ثان فما ذلك؟ نقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: قيل: علم بمعنى جعله علامة أي هو علامة النبوة و معجزة و هذا يناسب قوله تعالى: وَ اِنْشَقَّ اَلْقَمَرُ [القمر: 1]على ما بينا أنه ذكر في أول تلك السورة معجزة من باب الهيئة و هو أنه شق ما لا يشقه أحد غيره، و ذكر في هذه السورة معجزة من باب الرحمة، و هو أنه نشر من العلوم ما لا ينشره غيره، و هو ما في القرآن، و على هذا الوجه من الجواب ففيه احتمال آخر، و هو أنه جعله بحيث يعلم فهو كقوله: وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ* [القمر: 17]و التعليم على هذا الوجه مجاز. يقال: إن أنفق على متعلم و أعطى أجرة على تعليمة علمه و ثانيهما: أن المفعول الثاني لا بد منه و هو جبريل و غيره من الملائكة علمهم القرآن ثم أنزله على عبده كما قال تعالى: نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ*`عَلى‏ََ قَلْبِكَ [الشعراء: 193، 194]و يحتمل أن يقال: المفعول الثاني هو محمد صلى اللََّه عليه و سلم، و فيه إشارة إلى أن القرآن كلام اللََّه تعالى لا كلام محمد، و فيه وجه ثالث: و هو أنه تعالى علم القرآن الإنسان، و هذا أقرب ليكون الإنعام أتم و السورة مفتتحة لبيان الأعم من النعم الشاملة.

المسألة الرابعة: لم ترك المفعول الثاني؟ نقول: إشارة إلى أن النعمة في تعميم التعليم لا في تعليم شخص دون شخص، يقال: فلان يطعم الطعام إشارة إلى كرمه، و لا يبين من يطعمه.

المسألة الخامسة: ما معنى التعليم؟ نقوله على قولنا له مفعول ثان إفادة العلم به، فإن قيل: كيف يفهم قوله تعالى: عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ مع قوله: وَ مََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللََّهُ [آل عمران: 7]نقول: من لا يقف عند قوله: إِلاَّ اَللََّهُ و يعطف: اَلرََّاسِخُونَ على اللََّه عطف المفرد على المفرد لا يرد عليه هذا، و من يقف و يعطف قوله تعالى: وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ على قوله: وَ مََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عطف جملة على جملة يقول: إنه تعالى علم القرآن، لأن من علم كتابا عظيما و وقع على ما فيه، و فيه مواضع مشكلة فعلم ما في تلك المواضع بقدر الإمكان، يقال: فلان يعلم الكتاب الفلاني و يتقنه بقدر وسعه، و إن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب بيقين، و كذلك القول في تعليم القرآن، أو تقول: لا يعلم تأويله إلا اللََّه و أما غيره فلا يعلم من تلقاء نفسه ما لم يعلم، فيكون إشارة إلى أن كتاب اللََّه تعالى ليس كغيره من الكتب التي يستخرج ما فيها بقوة الذكاء و العلوم.

ثم قال تعالى: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ*`عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في وجه الترتيب و هو على وجهين أحدهما: ما ذكرنا أن المراد من علم علم الملائكة و تعليمه الملائكة قبل خلق الإنسان، فعلم تعالى ملائكته المقربين القرآن حقيقة/يدل عليه قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ*`فِي كِتََابٍ مَكْنُونٍ*`لاََ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ ثم قال تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ [الواقعة: 77- 80]إشارة إلى تنزيله بعد تعليمه، و على هذا ففي النظم حسن زائد و ذلك من حيث إنه تعالى ذكر أمورا علوية و أمورا سفلية، و كل علوي قابله بسفلي، و قدم العلويات على السفليات إلى آخر الآيات، فقال: عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ إشارة إلى تعليم العلويين، }و قال: عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ إشارة إلى تعليم السفليين، و قال: اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ [الرحمن: 5]في العلويات و قال في مقابلتهما من السفليات: وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ يَسْجُدََانِ [الرحمن: 6].

338

ثم قال تعالى: وَ اَلسَّمََاءَ رَفَعَهََا [الرحمن: 7]و في مقابلتها: وَ اَلْأَرْضَ وَضَعَهََا [الرحمن: 10]، و ثانيهما: أن تقديم تعليم القرآن إشارة إلى كونه أتم نعمة و أعظم إنعاما، ثم بين كيفية تعليم القرآن، فقال:

خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ*`عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ و هو كقول القائل: علمت فلانا الأدب حملته عليه، و أنفقت عليه مالي، فقوله:

حملته و أنفقت بيان لما تقدم، و إنما قدم ذلك لأنه الإنعام العظيم.

المسألة الثانية: ما الفرق بين هذه السورة و سورة العلق، حيث قال هناك: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ [العلق: 1]ثم قال: وَ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ*`اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق: 3، 4]فقدم الخلق على التعليم؟نقول: في تلك السورة لم يصرح بتعليم القرآن فهو كالتعليم الذي ذكره في هذه السورة بقوله: عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ بعد قوله:

خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ .

المسألة الثالثة: ما المراد من الإنسان؟ نقول: هو الجنس، و قيل: المراد محمد صلى اللََّه عليه و سلم، و قيل: المراد آدم و الأول أصح نظرا إلى اللفظ في خَلَقَ و يدخل فيه محمد و آدم و غيرهما من الأنبياء.

المسألة الرابعة: ما البيان و كيف تعليمه؟ نقول: من المفسرين من قال: البيان المنطق فعلمه ما ينطق به و يفهم غيره ما عنده، فإن به يمتاز الإنسان عن غيره من الحيوانات، و قوله: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ إشارة إلى تقدير خلق جسمه الخاص، و عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ إشارة إلى تميزه بالعلم عن غيره. و قد خرج ما ذكرنا أولا أن البيان هو القرآن و أعاده ليفصل ما ذكره إجمالا بقوله تعالى: عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ كما قلنا في المثال حيث يقول القائل: علمت فلانا الأدب حملته عليه، و على هذا فالبيان مصدر أريد به ما فيه المصدر، و إطلاق البيان بمعنى القرآن على القرآن في القرآن كثير، قال تعالى: هََذََا بَيََانٌ لِلنََّاسِ [آل عمران: 138]و قد سمى اللََّه تعالى القرآن فرقانا و بيانا و البيان فرقان بين الحق و الباطل، فصح إطلاق البيان، و إرادة القرآن.

المسألة الخامسة: كيف صرح بذكر المفعولين في علمه البيان و لم يصرح بهما في علم القرآن نقول: أما إن قلنا: إن المراد من قوله علم القرآن هو أنه علم الإنسان القرآن، فنقول حذفه لعظم نعمة التعليم و قدم ذكره على من علمه و على بيان خلقه، ثم فصل بيان كيفية تعليم القرآن، فقال: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ*`عَلَّمَهُ و قد بين ذلك، و أما إن قلنا: المراد عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ الملائكة فلأن المقصود تعديد النعم على الإنسان و مطالبته بالشكر و منعه من التكذيب به، و تعليمه للملائكة لا يظهر للإنسان أنه فائدة/راجعة إلى الإنسان‏ (1) و أما تعليم الإنسان فهي نعمة ظاهرة، فقال: عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ أي علم الإنسان تعديدا للنعم عليه و مثل هذا قال في: اِقْرَأْ قال مرة: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ من غير بيان المعلم، ثم قال مرة أخرى: عَلَّمَ اَلْإِنْسََانَ مََا لَمْ يَعْلَمْ و هو البيان، و يحتمل أن يتمسك بهذه الآية على أن اللغات توقيفية حصل العلم بها بتعليم اللََّه. ثم قال تعالى:

____________

(1) أقول: إن كان اطراد علم الملائكة فيه نعمة أعظم على الإنسان و إشارة إلى نوع المنة التي أنعم بها عليه بالقرآن و إلى شرف القرآن بأنه مما تعلمه الملائكة و لا ريب أن الملائكة و قد نزلوا بالقرآن على محمد صلى اللََّه عليه و سلم و حملوه إليه فإن علمهم به و لا شك ألزم و إنزال ملائكة موصوفين بالعلم على الرسول فيه تبجيل للرسول و لأمته و للقرآن نفسه، و بهذا تظهر الفائدة في إرادة هذا المعنى ربما تعين هذا المراد مراعاة للترتيب الذي في الآية، و وقوع خلق الإنسان بعد خلقه الملائكة.

339

و في الترتيب وجوه أحدها: هو أن اللّه تعالى لما ثبت كونه رحمن و أشار إلى ما هو شفاء و رحمة و هو القرآن ذكر نعمه و بدأ بخلق الإنسان فإنه نعمة جميع النعم به تتم، و لو لا وجوده لما انتفع بشي‏ء، ثم بين نعمة الإدراك بقوله: عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ [الرحمن: 4]و هو كالوجود إذ لولاه لما حصل النفع و الانتفاع، ثم ذكر من المعلومات نعمتين ظاهرتين هما أظهر أنواع النعم السماوية و هما الشمس و القمر و لو لا الشمس لما زالت الظلمة، و لو لا القمر لفات كثير من النعم الظاهرة بخلاف غيرهما من الكواكب فإن نعمها لا تظهر لكل أحد مثل ما تظهر نعمتهما، ثم بين كمال نفعهما في حركتهما بحساب لا يتغير و لو كانت الشمس ثابتة في موضع لما انتفع بها أحد، و لو كان سيرها غير معلوم للخلق لما انتفعوا بالزراعات في أوقاتها و بناء الأمر على الفصول، ثم بين في مقابلتهما نعمتين ظاهرتين من الأرض و هما النبات الذي لا ساق له و الذي له ساق، فإن الرزق أصله منه، و لو لا النبات لما كان للآدمي رزق إلا ما شاء اللّه، و أصل النعم على الرزق الدار، و إنما قلنا: النبات هو أصل الرزق لأن الرزق إما نباتي و إما حيواني كاللحم و اللبن و غيرهما من أجزاء الحيوان، و لو لا النبات لما عاش الحيوان و النبات و هو الأصل و هو قسمان قائم على ساق كالحنطة و الشعير و الأشجار الكبار و أصول الثمار و غير قائم كالبقول المنبسطة على الأرض و الحشيش و العشب الذي هو غذاء الحيوان ثانيها: هو أنه تعالى لما ذكر القرآن و كان هو كافيا لا يحتاج معه إلى دليل آخر قال بعده: اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبََانٍ*`وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ و غيرها من الآيات إشارة إلى أن بعض الناس إن تكن له النفس الزكية التي يغنيها اللّه بالدلائل التي في القرآن، فله في الآفاق آيات منها الشمس و القمر، و إنما اختارهما للذكر لأن حركتهما بحسبان تدل على فاعل مختار سخرهما على وجه مخصوص، و لو اجتمع من في العالم من الطبيعيين و الفلاسفة و غيرهم و تواطئوا أن يثبتوا حركتهما على الممر المعين على الصواب المعين و المقدار المعلوم في البطء و السرعة لما بلغ أحد مراده إلى أن يرجع إلى الحق/و يقول: حركهما اللّه تعالى كما أراد، و ذكر الأرض و السماء و غيرهما إشارة إلى ما ذكرنا من الدلائل العقلية المؤكدة لما في القرآن من الدلائل السمعية ثالثها: هو أنا ذكرنا أن هذه السورة مفتتحة بمعجزة دالة عليها من باب الهيئة فذكر معجزة القرآن بما يكون جوابا لمنكري النبوة على الوجه الذي نبهنا عليه، و ذلك هو أنه تعالى أنزل على نبيه الكتاب و أرسله إلى الناس بأشرف خطاب، فقال: بعض المنكرين كيف يمكن نزول الجرم من السماء إلى الأرض و كيف يصعد ما حصل في الأرض إلى السماء؟ فقال تعالى: اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبََانٍ إشارة إلى‏[أن‏]حركتهما بمحرك مختار ليس بطبيعي و هم وافقونا فيه و قالوا: إن الحركة الدورية لا يمكن أن تكون طبيعية اختيارية فنقول: من حرك الشمس و القمر على الاستدارة أنزل الملائكة على الاستقامة ثم النجم و الشجر يتحركان إلى فوق على الاستقامة مع أن الثقيل على مذهبكم لا يصعد إلى جهة فوق فذلك بقدرة اللّه تعالى و إرادته، فكذلك حركة الملك جائزة مثل الفلك، و أما قوله: بِحُسْبََانٍ ففيه إشارة إلى الجواب عن قولهم: أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنََا [ص: 8]و ذلك لأنه تعالى كما اختار لحركتهما ممرا معينا و صوبا معلوما و مقدارا مخصوصا كذلك اختار للملك وقتا معلوما و ممرا معينا بفضله و في التفسير مباحث:

340

الأول: ما الحكمة في تعريفه عما يرجع إلى اللّه تعالى حيث قال هما: بِحُسْبََانٍ و لم يقل: حركهما اللّه بحسبان أو سخرهما أو أجراهما كما قال: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ و قال: عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ ؟[الرحمن: 3، 4]نقول:

فيه حكم منها أن يكون إشارة إلى أن خلق الإنسان و تعليمه البيان أتم و أعظم من خلق المنافع له من الرزق و غيره، حيث صرح هناك بأنه فاعله و صانعه و لم يصرح هنا، و منها أن قوله: اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ هاهنا بمثل هذا في العظم يقول القائل: إني أعطيتك الألوف و المئات مرارا و حصل لك الآحاد و العشرات كثيرا و ما شكرت، و يكون معناه حصل لك مني و من عطائي لكنه يخصص التصريح بالعطاء عند الكثير، و منها أنه لما بينا أن قوله:

اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ إشارة إلى دليل عقلي مؤكد السمعي و لم يقل: فعلت صريحا إشارة إلى أنه معقول إذا نظرت إليه عرفت أنه مني و اعترفت به، و أما السمعي فصرح بما يرجع إليه من الفعل الثاني: على أي وجه تعلق الباء من بِحُسْبََانٍ ، نقول: هو بين من تفسيره و التفسير أيضا مر بيانه و خرج من وجه آخر، فنقول: في الحسبان وجهان الأول: المشهور أن المراد الحساب يقال: حسب حسابا و حسبانا، و على هذا فالباء للمصالحة تقول:

قدمت بخير أي مع خير و مقرونا بخير فكذلك الشمس و القمر يجريان و معهما حسابهما و مثله: إِنََّا كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنََاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]، وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدََارٍ [الرعد: 8]و يحتمل أن تكون للاستعانة كما في قولك:

بعون اللّه غلبت، و بتوفيق اللّه حجت، فكذلك يجريان بحسبان من اللّه و الوجه الثاني: أن الحسبان هو الفلك تشبيها له بحسبان الرحا و هو ما يدور فيدير الحجر، و على هذا فهو للاستعانة كما يقال في الآلات كتبت بالقلم فهما يدوران بالفلك و هو كقوله تعالى: وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: 40]، الثالث: على الوجه المشهور هل كل واحد يجري بحسبان أو كلاهما بحسبان واحد ما المراد؟ نقول: كلاهما محتمل فإن نظرنا إليهما فلكل واحد منهما حساب على حدة فهو/كقوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ* [الأنبياء: 33]لا بمعنى أن الكل مجموع في فلك واحد و كقوله: وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدََارٍ [الرعد: 8]و إن نظرنا إلى اللّه تعالى فللكل حساب واحد قدر الكل بتقدير حسبانهما بحساب، مثاله من يقسم ميراث نفسه لكل واحد من الورثة نصيبا معلوما بحساب واحد، ثم يختلف الأمر عندهم فيأخذ البعض السدس و البعض كذا و البعض كذا، فكذلك الحساب الواحد. و أما قوله:

وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ يَسْجُدََانِ ففيه أيضا مباحث:

الأول: ما الحكمة في ذكر الجمل السابقة من غير واو عاطفة، و من هنا ذكرها بالواو العاطفة؟ نقول ليتنوع الكلام نوعين، و ذلك لأن من بعد النعم على غيره تارة يذكر نسقا من غير حرف، فيقول: فلان أنعم عليك كثيرا، أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذلك، قواك بعد ضعف، و أخرى يذكرها بحرف عاطف و ذلك العاطف قد يكون واوا و قد يكون فاء و قد يكون ثم، فيقول: فلان أكرمك و أنعم عليك و أحسن إليك، و يقول: رباك فعلمك فأغناك، و يقول: أعطاك ثم أغناك ثم أحوج الناس إليك، فكذلك هنا ذكر التعديد بالنوعين جميعا، فإن قيل:

زده بيانا و بين الفرق بين النوعين في المعنى، قلنا: الذي يقول بغير حرف كأنه يقصد به بيان النعم الكثيرة فيترك الحرف ليستوعب الكل من غير تطويل كلام، و لهذا يكون ذلك النوع في أغلب الأمر عند مجاوزة النعم ثلاثا أو عند ما تكون أكثر من نعمتين فإن ذكر ذلك عند نعمتين فيقول: فلان أعطاك المال و زوجك البنت، فيكون في كلامه إشارة إلى نعم كثيرة و إنما اقتصر على النعمتين للأنموذج، و الذي يقول بحرف فكأنه يريد التنبيه على استقلال كل نعمة بنفسها، و إذهاب توهم البدل و التفسير، فإن قول القائل: أنعم عليك أعطاك المال هو تفسير

341

للأول فليس في كلامه ذكر نعمتين معا بخلاف ما إذا ذكر بحرف، فإن قيل: إن كان الأمر على ما ذكرت فلو ذكر النعم الأول بالواو ثم عند تطويل الكلام في الآخر سردها سردا، هل كان أقرب إلى البلاغة؟و ورود كلامه تعالى عليه كفاه دليلا على أن ما ذكره اللّه تعالى أبلغ، و له دليل تفصيلي ظاهر يبين ببحث و هو أن الكلام قد يشرع فيه المتكلم أولا على قصد الاختصار فيقتضي الحال التطويل، إما لسائل يكثر السؤال، و إما لطالب يطلب الزيادة للطف كلام المتكلم، و إما لغيرهما من الأسباب و قد يشرع على قصد الإطناب و التفصيل، فيعرض ما يقتضي الاقتصار على المقصود من شغل السامع أو المتكلم و غير ذلك مما جاء في كلام الآدميين، نقول: كلام اللّه تعالى فوائده لعباده لا له ففي هذه السورة ابتدأ الأمر بالإشارة إلى بيان أتم النعم إذ هو المقصود، فأتى بما يختص بالكثرة، ثم إن الإنسان ليس بكامل العلم يعلم مراد المتكلم إذا كان الكلام من أبناء جنسه، فكيف إذا كان الكلام كلام اللّه تعالى، فبدأ اللّه به على الفائدة الأخرى و إذهاب توهم البدل و التفسير و النعي على أن كل واحد منها نعمة كاملة، فإن قيل: إذا كان كذلك فما الحكمة في تخصيص العطف بهذا الكلام و الابتداء به لا بما قبله و لا بما بعده؟قلنا: ليكون النوعان على السواء فذكر الثمانية من النعم كتعليم القرآن و خلق الإنسان و غير ذلك أربعا منها بغير واو و أربعا بواو، /و أما قوله تعالى: فِيهََا فََاكِهَةٌ وَ اَلنَّخْلُ [الرحمن: 11]و قوله:

وَ اَلْحَبُّ ذُو اَلْعَصْفِ [الرحمن: 12]فلبيان نعمة الأرض على التفصيل ثم في اختيار الثمانية لطيفة، و هي أن السبعة عدد كامل و الثمانية هي السبعة مع الزيادة فيكون فيه إشارة إلى أن نعم اللّه خارجة عن حد التعديد لما أن الزائد على الكمال لا يكون معينا مبينا، فذكر الثمانية منها إشارة إلى بيان الزيادة على حد العدد لا لبيان الانحصار فيه.

المسألة الثانية: النجم ما ذا؟ نقول: فيه وجهان أحدهما: النبات الذي لا ساق له و الثاني: نجم السماء و الأول أظهر لأنه ذكره مع الشجر في مقابلة الشمس و القمر ذكر أرضين في مقابلة سماوين، و لأن قوله:

يَسْجُدََانِ يدل على أن المراد ليس نجم السماء لأن من فسر به قال: يسجد بالغروب، و على هذا فالشمس و القمر أيضا كذلك يغربان، فلا يبقى للاختصاص فائدة، و أما إذا قلنا: هما أرضان فنقول: يَسْجُدََانِ بمعنى ظلالهما تسجد فيختص السجود بهما دون الشمس و القمر، و في سجودهما وجوه أحدها: ما ذكرنا من سجود الظلال ثانيها: خضوعهما للّه تعالى و خروجهما من الأرض و دوامهما و ثباتهما عليها بإذن اللّه تعالى، فسخر الشمس و القمر بحركة مستديرة و النجم بحركة مستقيمة إلى فوق، فشبه النبات في مكانها بالسجود لأن الساجد يثبت. ثالثها: حقيقة السجود توجد منهما و إن لم تكن مرئية كما يسمح كل منهما و إن لم يفقه كما قال تعالى:

وَ لََكِنْ لاََ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44]، رابعها: السجود وضع الجبهة أو مقاديم الرأس على الأرض و النجم و الشجر في الحقيقة رؤوسهما على الأرض و أرجلهما في الهواء، لأن الرأس من الحيوان ما به شربه و اغذاؤه، و للنجم و الشجر اغتذاؤهما و شربهما بأجذالهما و لأن الرأس لا تبقى بدونه الحياة و الشجر و النجم لا يبقى شي‏ء منهما ثابتا غضا عند وقوع الخلل في أصولهما، و يبقى عند قطع فروعهما و أعاليهما، و إنما يقال:

للفروع رؤوس الأشجار، لأن الرأس في الإنسان هو ما يلي جهة فوق فقيل لأعالي الشجر رؤوس، إذا علمت هذا فالنجم و الشجر رؤوسهما على الأرض دائما، فهو سجودهما بالشبه لا بطريق الحقيقة.

المسألة الثالثة: في تقديم النجم على الشجر موازنة لفظية للشمس و القمر و أمر معنوي، و هو أن النجم في‏

342

معنى السجود أدخل لما أنه ينبسط على الأرض كالساجد حقيقة، كما أن الشمس في الحسبان أدخل، لأن حساب سيرها أيسر عند المقومين من حساب سير القمر، إذ ليس عند المقومين أصعب من تقويم القمر في حساب الزيج. ثم قال تعالى:

و رفع السماء معلوم معنى، و نصبها معلوم لفظا فإنها منصوبة بفعل يفسره قوله: رَفَعَهََا كأنه تعالى قال:

رفع السماء، و قرئ وَ اَلسَّمََاءَ بالرفع على الابتداء و العطف على الجملة الابتدائية التي هي قوله: اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ [الرحمن: 5]و أما وضع الميزان/فإشارة إلى العدل و فيه لطيفة و هي أنه تعالى بدأ أولا بالعلم ثم ذكر ما فيه أشرف أنواع العلوم و هو القرآن، ثم ذكر العدل و ذكر أخص الأمور له و هو الميزان، و هو كقوله تعالى:

وَ أَنْزَلْنََا مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْمِيزََانَ [الحديد: 25]ليعمل الناس بالكتاب و يفعلوا بالميزان ما يأمرهم به الكتاب فقوله:

عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ [الرحمن: 2] وَ وَضَعَ اَلْمِيزََانَ مثل: وَ أَنْزَلْنََا مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْمِيزََانَ فإن قيل: العلم لا شك في كونه نعمة عظيمة، و أما الميزان فما الذي فيه من النعم العظيمة التي بسببها يعد في الآلاء؟نقول: النفوس تأبى الغبن و لا يرضى أحد بأن يغلبه الآخر و لو في الشي‏ء اليسير، و يرى أن ذلك استهانة به فلا يتركه لخصمه لغلبة، فلا أحد يذهب إلى أن خصمه يغلبه فلو لا التبيين ثم التساوي لأوقع الشيطان بين الناس البغضاء كما وقع عند الجهل و زوال العقل و السكر، فكما أن العقل و العلم صارا سببا لبقاء عمارة العالم، فكذلك العدل في الحكمة سبب، و أخص الأسباب الميزان فهو نعمة كاملة و لا ينظر إلى عدم ظهور نعمته لكثرته و سهولة الوصول إليه كالهواء و الماء اللذين لا يتبين فضلهما إلا عند فقدهما. ثم قال تعالى:

و على هذا قيل: المراد من الميزان الأول العدل و وضعه شرعه كأنه قال: شرع اللّه العدل لئلا تطغوا في الميزان الذي هو آلة العدل، هذا هو المنقول، و الأولى أن يعكس الأمر، و يقال: الميزان الأول هو الآلة، و الثاني هو بمعنى المصدر و معناه وضع الميزان لئلا تطغوا في الوزن أو بمعنى العدل و هو إعطاء كل مستحق حقه، فكأنه قال: وضع الآلة لئلا تطغوا في إعطاء المستحقين حقوقهم. و يجوز إرادة المصدر من الميزان كإرادة الوثوق من الميثاق و الوعد من الميعاد، فإذن المراد من الميزان آلة الوزن. و الوجه الثاني: (إنّ) (أن) مفسرة و التقدير شرع العدل، أي لا تطغوا، فيكون وضع الميزان بمعنى شرع العدل، و إطلاق الوضع للشرع و الميزان للعدل جائز، و يحتمل أن يقال: وضع الميزان أي الوزن.

و قوله: أَلاََّ تَطْغَوْا فِي اَلْمِيزََانِ على هذا الوجه، المراد منه الوزن، فكأنه نهى عن الطغيان في الوزن، و الاتزان و إعادة الميزان بلفظه يدل على أن المراد منهما واحد، فكأنه قال: ألا تطغوا فيه، فإن قيل: لو كان المراد الوزن، لقال: ألا تطغوا في الوزن، نقول: لو قال في الوزن لظن أن النهي مختص بالوزن للغير لا بالاتزان للنفس، فذكر بلفظ الآلة التي تشتمل على الأخذ و الإعطاء، و ذلك لأن المعطي لو وزن و رجح رجحانا ظاهرا يكون قد أربى، و لا سيما في الصرف و بيع المثل.

343

و قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا اَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ يدل على أن المراد من قوله: أَلاََّ تَطْغَوْا فِي اَلْمِيزََانِ هو بمعنى لا تطغوا في الوزن، لأن قوله: وَ أَقِيمُوا اَلْوَزْنَ كالبيان لقوله: أَلاََّ تَطْغَوْا فِي اَلْمِيزََانِ و هو الخروج عن إقامته بالعدل، و قوله: وَ أَقِيمُوا اَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ يحتمل وجهين أحدهما: أقيموا بمعنى قوموا به كما في قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ* [البقرة: 43]أي قوموا بها دواما، لأن الفعل تارة يعدى بحرف الجر، و تارة بزيادة الهمزة، تقول: أذهبه و ذهب به ثانيها: أن يكون أقيموا بمعنى قوموا، يقال: في العود أقمته و قومته، و القسط العدل، فإن قيل: كيف جاء قسط بمعنى جار لا بمعنى عدل؟نقول: القسط اسم ليس بمصدر، و الأسماء التي لا تكون مصادر إذا أتى بها آت أو وجدها موجد، يقال فيها: أفعل بمعنى أثبت، كما قال: فلان أطرف و أتحف و أعرف بمعنى جاء بطرفة و تحفة و عرف، و تقول: أقبض السيف بمعنى أثبت له قبضة، و أعلم الثوب بمعنى جعل له علما، و أعلم بمعنى أثبت العلامة، و كذا ألجم الفرس و أسرج، فإذا أمر بالقسط أو أثبته فقد أقسط، و هو بمعنى عدل، و أما قسط فهو فعل من اسم ليس بمصدر، و الاسم إذا لم يكن مصدرا في الأصل، و يورد عليه فعل فربما يغيره عما هو عليه في أصله، مثاله الكتف إذا قلت كتفته كتافا فكأنك قلت: أخرجته عما كان عليه من الانتفاع و غيرته، فإن معنى كتفته شددت كتفيه بعضهما إلى بعض فهو مكتوف، فالكتف كالقسط صارا مصدرين عن اسم و صار الفعل معناه تغير عن الوجه الذي ينبغي أن يكون، و على هذا لا يحتاج إلى أن يقال: القاسط و المقسط ليس أصلهما واحدا و كيف كان يمكن أن يقال: أقسط بمعنى أزال القسط، كما يقال: أشكى بمعنى أزال الشكوى أو أعجم بمعنى أزال العجمة، و هذا البحث فيه فائدة فإن قول القائل: فلان أقسط من فلان و قال اللّه تعالى: ذََلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اَللََّهِ [البقرة: 282]و الأصل في أفعل التفضيل أن يكون من الثلاثي المجرد تقول: أظلم و أعدل من ظالم و عادل، فكذلك أقسط كان ينبغي أن يكون من قاسط، و لم يكن كذلك، لأنه على ما بينا الأصل القسط، و قسط فعل فيه لا على الوجه، و الإقساط إزالة ذلك، ورد القسط إلى أصله، فصار أقسط موافقا للأصل، و أفعل التفضيل يؤخذ مما هو أصل لا من الذي فرع عليه، فيقال: أظلم من ظالم لا من متظلم و أعلم من عالم لا من معلم، و الحاصل أن الأقسط و إن كان نظرا إلى اللفظ، كان ينبغي أن يكون من القاسط، لكنه نظرا إلى المعنى، يجب أن يكون من المقسط، لأن المقسط أقرب من الأصل المشتق و هو القسط، و لا كذلك الظالم و المظلم، فإن الأظلم صار مشتقا من الظالم، لأنه أقرب إلى الأصل لفظا و معنى، و كذلك العالم و المعلم و الخبر و المخبر.

ثم قال: وَ لاََ تُخْسِرُوا اَلْمِيزََانَ أي لا تنقصوا الموزون. و الميزان ذكره اللََّه تعالى ثلاث مرات كل مرة بمعنى آخر، فالأول هو الآلة وَ وَضَعَ اَلْمِيزََانَ [الرحمن: 7]، و الثاني بمعنى المصدر أَلاََّ تَطْغَوْا فِي اَلْمِيزََانِ [الرحمن: 8]أي الوزن، و الثالث للمفعول: وَ لاََ تُخْسِرُوا اَلْمِيزََانَ أي الموزون، و ذكر الكل بلفظ الميزان لما بينا أن الميزان أشمل للفائدة و هو كالقرآن ذكره اللََّه تعالى بمعنى المصدر في قوله تعالى: فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: 18]و بمعنى المقروء في قوله: إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ [القيامة: 17]و بمعنى الكتاب الذي فيه المقروء في/قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ [الرعد: 31]فكأنه آلة و مجل له، و في قوله تعالى: آتَيْنََاكَ سَبْعاً مِنَ اَلْمَثََانِي وَ اَلْقُرْآنَ اَلْعَظِيمَ [الحجر: 87]و في كثير من المواضع ذكر القرآن لهذا

344

الكتاب الكريم، و بين القرآن و الميزان مناسبة، فإن القرآن فيه من العلم ما لا يوجد في غيره من الكتب، و الميزان فيه من العدل مالا يوجد في غيره من الآلات، فإن قيل: ما الفائدة في تقديم السماء على الفعل حيث قال:

وَ اَلسَّمََاءَ رَفَعَهََا و تقديم الفعل على الميزان حيث قال: وَ وَضَعَ اَلْمِيزََانَ [الرحمن: 7]نقول: قد ذكرنا مرارا أن في كل كلمة من كلمات اللََّه فوائد لا يحيط بها علم البشر إلا ما ظهر و الظاهر هاهنا أنه تعالى لما عد النعم الثمانية كما بينا و كان بعضها أشد اختصاصا بالإنسان من بعض فما كان شديد الاختصاص بالإنسان قدم فيه الفعل، كما بينا أن الإنسان يقول: أعطيتك الألوف و حصلت لك العشرات، فلا يصرح في القليل بإسناد الفعل إلى نفسه، و كذلك يقول: في النعم المختصة، أعطيتك كذا، و في التشريك وصل إليك مما اقتسمتم بينكم كذا، فيصرح بالإعطاء عند الاختصاص، و لا يسند الفعل إلى نفسه عند التشريك، فكذلك هاهنا ذكر أمورا أربعة بتقديم الفعل، قال تعالى: عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ*`خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ*`عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ [الرحمن: 2-4] وَ وَضَعَ اَلْمِيزََانَ [الرحمن:

7]و أمورا أربعة بتقديم الاسم، قال تعالى: اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ ... وَ اَلنَّجْمُ وَ اَلشَّجَرُ ... وَ اَلسَّمََاءَ رَفَعَهََا ...

وَ اَلْأَرْضَ وَضَعَهََا [الرحمن: 5-10]لما أن تعليم القرآن نفعه إلى الإنسان أعود، و خلق الإنسان مختص به، و تعليمه البيان كذلك و وضع الميزان، كذلك لأنهم هم المنتفعون به الملائكة، و لا غير الإنسان من الحيوانات، و أما الشمس و القمر و النجم و الشجر و السماء و الأرض فينتفع به كل حيوان على وجه الأرض و تحت السماء. ثم قال تعالى:

فيه مباحث:

الأول: هو أنه قد مر أن تقديم الاسم على الفعل كان في مواضع عدم الاختصاص و قوله تعالى: لِلْأَنََامِ يدل على الاختصاص، فإن اللام لعود النفع نقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: ما قيل: إن الأنام يجمع الإنسان و غيره من الحيوان، فقوله لِلْأَنََامِ لا يوجب الاختصاص بالإنسان ثانيهما: أن الأرض موضوعة لكل ما عليها، و إنما خص الإنسان بالذكر لأن انتفاعه بها أكثر فإنه ينتفع بها و بما فيها و بما عليها، فقال لِلْأَنََامِ لكثرة انتفاع الأنام بها، إذا قلنا إن الأنام هو الإنسان، و إن قلنا إنه الخلق فالخلق يذكر و يراد به الإنسان في كثير من المواضع. و قوله تعالى:

إشارة إلى الأشجار، و قوله: وَ اَلْحَبُّ ذُو اَلْعَصْفِ [الرحمن: 12]إشارة إلى النبات الذي ليس بشجر و الفاكهة ما تطيب به النفس، و هي فاعلة إما على طريقة: عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ* [الحاقة: 21]أي ذات رضي يرضى بها كل أحد، و إما على تسمية الآلة بالفاعل يقال: راوية للقربة التي يروى بها العطشان، و فيه معنى المبالغة كالراحلة لما يرحل عليه، ثم صار اسما لبعض الثمار/وضعت أولا من غير اشتقاق، و التنكير للتكثير، أي كثيرة كما يقال لفلان مال أي عظيم، و قد ذكرنا وجه دلالة التنكير على التعظيم و هو أن القائل: كأنه يشير إلى أنه عظيم لا يحيط به معرفة كل أحد فتنكيره إشارة إلى أنه خارج عن أن يعرف كنهه.

345

و قوله تعالى: وَ اَلنَّخْلُ ذََاتُ اَلْأَكْمََامِ إشارة إلى النوع الآخر من الأشجار، لأن الأشجار المثمرة أفضل الأشجار و هي منقسمة إلى أشجار ثمار هي فواكه لا يقتات بها و إلى أشجار ثمار هي قوت و قد يتفكه بها، كما أن الفاكهة قد يقتات بها، فإن الجائع إذا لم يجد غير الفواكه يتقوت بها و يأكل غير متفكه بها، و فيه مباحث:

الأول: ما الحكمة في تقديم الفاكهة على القوت؟ نقول: هو باب الابتداء بالأدنى و الارتقاء إلى الأعلى، و الفاكهة في النفع دون النخل الذي منه القوت، و التفكه و هو دون الحب الذي عليه المدار في سائر المواضع، و به يتغذى الأنام في جميع البلاد، فبدأ بالفاكهة ثم ذكر النخل ثم ذكر الحب الذي هو أتم نعمة لموافقته مزاج الإنسان، و لهذا خلقه اللّه في سائر البلاد و خصص النخل بالبلاد الحارة.

البحث الثاني: ما الحكمة في تنكير الفاكهة و تعريف النخل؟ و جوابه من وجوه أحدها: أن القوت محتاج إليه في كل زمان متداول في كل حين و أوان فهو أعرف و الفاكهة تكون في بعض الأزمان و عند بعض الأشخاص و ثانيها: هو أن الفاكهة على ما بينا ما يتفكه به و تطيب به النفس و ذلك عند كل أحد بحسب كل وقت شي‏ء، فمن غلب عليه حرارة و عطش، يريد التفكه بالحامض و أمثاله، و من الناس من يريد التفكه بالحلو و أمثاله، فالفاكهة غير متعينة فنكرها و النخل و الحب معتادان معلومان فعرفهما و ثالثها: النخل وحدها نعمة عظيمة تعلقت بها منافع كثيرة، و أما الفاكهة فنوع منها كالخوخ و الإجاص مثلا ليس فيه عظيم النعمة كما في النخل، فقال: فََاكِهَةٌ بالتنكير ليدل على الكثرة و قد صرح بالكثرة في مواضع أخر فقال: يَدْعُونَ فِيهََا بِفََاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ [ص: 51] و قال: وَ فََاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ*`لاََ مَقْطُوعَةٍ وَ لاََ مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: 32، 33]، فالفاكهة ذكرها اللّه تعالى و وصفها بالكثرة صريحا و ذكرها منكرة، لتحمل على أنها موصوفة بالكثرة اللائقة بالنعمة في النوع الواحد منها بخلاف النخل.

البحث الثالث: ما الحكمة في ذكر الفاكهة باسمها لا باسم أشجارها، و ذكر النخل باسمها لا باسم ثمرها؟ نقول: قد تقدم بيانه في سورة: يس حيث قال تعالى: مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنََابٍ [يس: 34]و هو أن شجرة العنب، و هي الكرم بالنسبة إلى ثمرتها و هي العنب حقيرة، و شجرة النخل بالنسبة إلى ثمرتها عظيمة، و فيها من الفوائد الكثيرة على ما عرف من اتخاذ الظروف منها و الانتفاع بجمارها و بالطلع و البسر و الرطب و غير ذلك، فثمرتها في أوقات مختلفة كأنها ثمرات مختلفة، فهي أتم نعمة بالنسبة إلى الغير من الأشجار، فذكر النخل باسمه و ذكر الفاكهة دون أشجارها، فإن فوائد أشجارها في عين ثمارها.

البحث الرابع: ما معنى: ذََاتُ اَلْأَكْمََامِ ؟ نقول: فيه وجهان أحدهما: الأكمام كل ما يغطي/جمع كم بضم الكاف، و يدخل فيه لحاؤها و ليفها و نواها و الكل منتفع به، كما أن النخل منتفع بها و أغصانها و قلبها الذي هو الجمار ثانيهما: الأكمام جمع كم بكسر الكاف و هو وعاء الطلع فإنه يكون أولا في وعاء فينشق و يخرج منه الطلع، فإن قيل على الوجه الأول: ذََاتُ اَلْأَكْمََامِ في ذكرها فائدة لأنها إشارة إلى أنواع النعم، و أما على الوجه الثاني فما فائدة ذكرها؟نقول: الإشارة إلى سهولة جمعها و الانتفاع بها فإن النخلة شجرة عظيمة لا يمكن هزها لتسقط منها الثمرة فلا بد من قطف الشجرة فلو كان مثل الجميز الذي يقال: إنه يخرج من الشجرة متفرقا واحدة لصعب قطافها فقال: ذََاتُ اَلْأَكْمََامِ أي يكون في كم شي‏ء كثير إذا أخذ عنقود واحد منه كفى رجلا و اثنين كعناقيد العنب، فانظر إليها فلو كان العنب حباتها في الأشجار متفرقة كالجميز و الزعرور لم يمكن

346

جمعه بالهز متى أريد جمعه، فخلقه اللّه تعالى عناقيد مجتمعة، كذلك الرطب فكونها ذََاتُ اَلْأَكْمََامِ من جملة إتمام الإنعام. ثم قال تعالى:

اقتصر من الأشجار على النخل لأنها أعظمها و دخل في الحب القمح و الشعير و كل حب يقتات به خبزا أو يؤدم به بينا أنه أخره في الذكر على سبيل الارتقاء درجة فدرجة فالحبوب أنفع من النخل و أعم وجودا في الأماكن. و قوله تعالى: ذُو اَلْعَصْفِ فيه وجوه أحدها: التبن الذي تنتفع به دوابنا التي خلقت لنا ثانيها:

أوراق النبات الذي له ساق الخارجة من جوانب الساق كأوراق السنبلة من أعلاها إلى أسفلها ثالثها: العصف هو ورق ما يؤكل فحسب وَ اَلرَّيْحََانُ فيه وجوه، قيل: ما يشم و قيل: الورق، و قيل: هو الريحان المعروف عندنا و بزره ينفع في الأدوية، و الأظهر أن رأسها كالزهر و هو أصل وجود المقصود، فإن ذلك الزهر يتكون بذلك الحب و ينعقد إلى أن يدرك فالعصف إشارة إلى ذلك الورق و الريحان إلى ذلك الزهر، و إنما ذكرهما لأنهما يؤولان إلى المقصود من أحدهما علف الدواب، و من الآخر دواء الإنسان، و قرئ الريحان بالجر معطوفا على العصف، و بالرفع عطفا على الحب و هذا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون المراد من الريحان المشموم فيكون أمرا مغايرا للحب فيعطف عليه و الثاني: أن يكون التقدير ذو الريحان بحذف المضاف، و إقامة المضاف إليه مقامه كما في: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]و هذا مناسب للمعنى الذي ذكرنا، ليكون الريحان الذي ختم به أنواع النعم الأرضية أعز و أشرف، و لو كان المراد من الريحان هو المعروف أو المشمومات لما حصل ذلك الترتيب، و قرئ: وَ اَلرَّيْحََانُ و لا يقرأ هذا إلا من يقرأ: وَ اَلْحَبُّ ذُو اَلْعَصْفِ و يعود الوجهان فيه. ثم قال تعالى:

و فيه مباحث:

الأول: الخطاب مع من؟ نقول: فيه وجوه الأول: الإنس و الجن و فيه ثلاثة أوجه أحدها: يقال: الأنام اسم للجن و الإنس و قد سبق ذكره، فعاد الضمير إلى ما في الأنام من الجنس ثانيها: الأنام اسم الإنسان و الجان لما كان منويا و ظهر من بعد بقوله: وَ خَلَقَ اَلْجَانَّ [الرحمن: 15]جاز عود الضمير إليه، و كيف لا و قد جاز عود الضمير إلى المنوي، و إن لم يذكر منه شي‏ء، تقول: لا أدري أيهما خير من زيد و عمرو ثالثها: أن يكون المخاطب في النية لا في اللفظ كأنه قال فبأي آلاء ربكما تكذبان أيها الثقلان الثاني: الذكر و الأنثى. فعاد الضمير إليهما و الخطاب معهما الثالث: فبأي آلاء ربك تكذب، بلفظ واحد و المراد التكرار للتأكيد الرابع: المراد العموم، لكن العام يدخل فيه قسمان بهما ينحصر الكل و لا يبقى شي‏ء من العام خارجا عنه فإنك إذا قلت: إنه تعالى خلق من يعقل و من لا يعقل، أو قلت: اللّه يعلم ما ظهر و ما لم يظهر إلى غير ذلك من التقاسيم الحاصرة يلزم التعميم، فكأنه قال: يا أيها القسمان: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ و اعلم أن التقسيم الحاصر لا يخرج عن أمرين أصلا و لا يحصل الحصر إلا بهما، فإن زاد فهناك قسمان قد طوى أحدهما في الآخر، مثاله إذا قلت: اللون إما سواد و إما بياض، و إما حمرة و إما صفرة و إما غيرها فكأنك قلت:

اللون إما أسود و إما ليس بسواد أو إما بياض، و إما ليس ببياض، ثم الذي ليس ببياض إما حمرة و إما ليس بحمرة

347

و كذلك إلى جملة التقسيمات، فأشار إلى القسمين الحاصرين على أن ليس لأحد و لا لشي‏ء أن ينكر نعم اللّه الخامس: التكذيب قد يكون بالقلب دون اللسان، كما في المنافقين، و قد يكون باللسان دون القلب كما في المعاندين و قد يكون بهما جميعا، فالكذب لا يخرج عن أن يكون باللسان أو بالقلب فكأنه تعالى قال: يا أيها القلب و اللسان فبأي آلاء ربكما تكذبان فإن النعم بلغت حدا لا يمكن المعاند أن يستمر على تكذيبها، السادس:

المكذب مكذب بالرسول و الدلائل السمعية التي بالقرآن و مكذب بالعقل و البراهين و التي في الآفاق و الأنفس فكأنه تعالى قال: يا أيها المكذبان بأي آلاء ربكما تكذبان، و قد ظهرت آيات الرسالة فإن الرحمن علم القرآن، و آيات الوحدانية فإنه تعالى خلق الإنسان و علمه البيان، و رفع السماء و وضع الأرض السابع: المكذب قد يكون مكذبا بالفعل و قد يكون التكذيب منه غير واقع بعد لكنه متوقع فاللّه تعالى قال: يا أيها المكذب تكذب و تتلبس بالكذب، و يختلج في صدرك أنك تكذب، فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ ، و هذه الوجوه قريبة بعضها من بعض و الظاهر منها الثقلان، لذكر هما في الآيات من هذه السورة بقوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ اَلثَّقَلاََنِ [الرحمن: 31]، و بقوله: يََا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ [الرحمن: 33]و بقوله: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ صَلْصََالٍ كَالْفَخََّارِ*`وَ خَلَقَ اَلْجَانَّ [الرحمن: 14، 15]إلى غير ذلك، (و الزوجان) لوروده في القرآن كثير و التعميم بإرادة نوعين حاصرين للجميع، و يمكن أن يقال: التعميم أولى لأن المراد لو كان الإنس و الجن اللذان خاطبهما بقوله: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ ما كان يقول بعد خلق الإنسان، بل كان يخاطب و يقول: خلقناك يا أيها الإنسان من صلصال و خلقناك يا أيها الجان أو يقول: خلقك يا أيها الإنسان/لأن الكلام صار خطابا معهما، و لما قال الإنسان، دل على أن المخاطب غيره و هو العموم فيصير كأنه قال: يا أيها الخلق و السامعون إنا خلقنا الإنسان من صلصال كالفخار، و خلقنا الجان من مارج من نار. و سيأتي باقي البيان في مواضع من تفسير هذه السورة إن شاء اللّه تعالى الثاني:

ما الحكمة في الخطاب و لم يسبق ذكر مخاطب، نقول: هو من باب الالتفات إذ مبنى افتتاح السورة على الخطاب مع كل من يسمع، فكأنه لما قال: اَلرَّحْمََنُ*`عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ [الرحمن: 1، 2]قال: اسمعوا أيها السامعون، و الخطاب للتقريع و الزجر كأنه تعالى نبه الغافل المكذب على أنه يفرض نفسه كالواقف بين يدي ربه يقول له ربه: أنعمت عليك بكذا و كذا، ثم يقول: فبأي آلائي تكذب و لا شك أنه عند هذا يستحي استحياء لا يكون عنده فرض الغيبة الثالث: ما الفائدة في اختيار لفظة الرب و إذا خاطب أراد خطاب الواحد فلم قال:

رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ و هو الحاضر المتكلم فكيف يجعل التكذيب المسند إلى المخاطب واردا على الغائب و لو قال: بأي آلائي تكذبان كان أليق في الخطاب؟نقول: في السورة المتقدمة قال: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ [القمر:

23]و كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ [القمر: 33]و قال: كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا [القمر: 42]و قال: فَأَخَذْنََاهُمْ [القمر: 42]و قال: فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ* [القمر: 21]كلها بالاستناد إلى ضمير المتكلم حيث كان ذلك للتخويف فاللّه تعالى أعظم من أن يخشى فلو قال: أخذهم القادر أو المهلك لما كان في التعظيم مثل قوله:

فَأَخَذْنََاهُمْ* و لهذا قال تعالى: وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللََّهُ نَفْسَهُ* [آل عمران: 28]و هذا كما أن المشهور بالقوة يقول أنا الذي تعرفني فيكون في إثبات الوعيد فوق قوله أنا المعذب فلما كان الإسناد إلى النفس مستعملا في تلك السورة عند الإهلاك و التعذيب ذكر في هذه السورة عند بيان الرحمة لفظ يزيل الهيبة و هو لفظ الرب فكأنه تعالى قال فبأي آلاء ربكما تكذبان و هو رباكما الرابع: ما الحكمة في تكرير هذه الآية و كونه إحدى و ثلاثين مرة؟ نقول: الجواب عنه من وجوه الأول: إن فائدة التكرير التقرير و أما هذا العدد الخاص فالأعداد توقيفية لا تطلع‏

348

على تقدير المقدرات أذهان الناس و الأولى أن لا يبالغ الإنسان في استخراج الأمور البعيدة في كلام اللّه تعالى تمسكا بقول عمر رضي اللّه تعالى عنه حيث قال مع نفسه عند قراءته سورة عبس: كل هذا قد عرفناه فما الأب ثم رفع عصا كانت بيده و قال هذا لعمر اللّه التكليف و ما عليك يا عمر أن لا تدري ما الأب ثم قال: اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب و ما لا فدعوه و سيأتي فائدة كلامه تعالى في تفسير السورة إن شاء اللّه تعالى الجواب الثاني:

ما قلناه: إنه تعالى ذكر في السورة المتقدمة: فَكَيْفَ كََانَ عَذََابِي وَ نُذُرِ* أربع مرات لبيان ما في ذلك من المعنى و ثلاث مرات للتقرير و التكرير و للثلاث و السبع من بين الأعداد فوائد ذكرناها في قوله تعالى: وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [لقمان: 27]فلما ذكرنا العذاب ثلاث مرات ذكر الآلاء إحدى و ثلاثين مرة لبيان ما فيه من المعنى و ثلاثين مرة للتقرير الآلاء مذكورة عشر مرات أضعاف مرات ذكر العذاب إشارة إلى معنى قوله تعالى:

مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا وَ مَنْ جََاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاََ يُجْزى‏ََ إِلاََّ مِثْلَهََا [الأنعام: 160]، الثالث: إن الثلاثين مرة تكرير بعد البيان في المرة الأولى لأن/الخطاب مع الجن و الإنس، و النعم منحصرة في دفع المكروه و تحصيل المقصود، لكن أعظم المكروهات عذاب جهنم و لها سبعة أبواب و أتم المقاصد نعيم الجنة و لها ثمانية أبواب فإغلاق الأبواب السبعة و فتح الأبواب الثمانية جميعه نعمة و إكرام، فإذا اعتبرت تلك النعم بالنسبة إلى جنسي الجن و الإنس تبلغ ثلاثين مرة و هي مرات التكرير للتقرير، و المرة الأولى لبيان فائدة الكلام، و هذا منقول و هو ضعيف، لأن اللّه تعالى ذكر نعم الدنيا و الآخرة، و ما ذكره اقتصار على بيان نعم الآخرة الرابع: هو أن أبواب النار سبعة و اللّه تعالى ذكر سبع آيات تتعلق بالتخويف من النار، من قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ اَلثَّقَلاََنِ ، إلى قوله تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَهََا وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: 31-44]ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك جنتين حيث قال: وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ [الرحمن: 46]و لكل جنة ثمانية أبواب تفتح كلها للمتقين، و ذكر من أول السورة إلى ما ذكرنا من آيات التخويف ثماني مرات: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ* سبع مرات للتقرير بالتكرير استيفاء للعدد الكثير الذي هو سبعة، و قد بينا سبب اختصاصه في قوله تعالى: سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [لقمان: 27]و سنعيد منه طرفا إن شاء اللّه تعالى، فصار المجموع ثلاثين مرة المرة الواحدة التي هي عقيب النعم الكثيرة لبيان المعنى و هو الأصل و التكثير تكرار فصار إحدى و ثلاثين مرة. ثم قال تعالى:

و في الصلصال وجهان أحدهما: هو بمعنى المسنون من صل اللحم إذا أنتن، و يكون الصلصال حينئذ من الصلول و ثانيهما: من الصليل يقال: صل الحديد صليلا إذا حدث منه صوت، و على هذا فهو الطين اليابس الذي يقع بعضه على بعض فيحدث فيما بينهما صوت، إذ هو الطين اللازب الحر الذي إذا التزق بالشي‏ء ثم انفصل عنه دفعة سمع منه عند الانفصال صوت، فإن قيل: الإنسان إذا خلق من صلصال كيف ورد في القرآن أنه خلق من التراب و ورد أنه خلق من الطين و من حمأ و من ماء مهين إلى غير ذلك نقول: أما قوله‏ مِنْ تُرََابٍ* [الحج: 5]تارة، و مِنْ مََاءٍ مَهِينٍ* [المرسلات: 20]أخرى، فذلك باعتبار شخصين آدم خلق من الصلصال و من حمأ و أولاده خلقوا من ماء مهين، و لو لا خلق آدم لما خلق أولاده، و يجوز أن يقال: زيد خلق من حمأ بمعنى أن أصله الذي هو جده خلق منه، و أما قوله: مِنْ طِينٍ لاََزِبٍ [الصافات: 11]و مِنْ حَمَإٍ* [الحجر:

26]و غير ذلك فهو إشارة إلى أن آدم عليه السلام خلق أولا من التراب، ثم صار طينا ثم حمأ مسنونا ثم لازبا،

349

فكأنه خلق من هذا و من ذاك، و من ذلك، و الفخار الطين المطبوخ بالنار و هو الخزف مستعمل على أصل الاشتقاق، و هو مبالغة الفاخر كالعلام في العالم، و ذلك أن التراب الذي من شأنه التفتت إذا صار بحيث يجعل ظرف الماء و المائعات و لا يتفتت و لا ينقع فكأنه يفخر على أفراد جنسه. /ثم قال تعالى:

و في الجان وجهان أحدهما: هو أبو الجن كما أن الإنسان المذكور هنا هو أبو الإنس و هو آدم ثانيهما: هو الجن بنفسه فالجان و الجن و صفان من باب واحد، كما يقال: ملح و مالح، أو نقول الجن اسم الجنس كالملح و الجان مثل الصفة كالمالح.

و فيه بحث: و هو أن العرب تقول: جن الرجل و لا يعلم له فاعل يبني الفعل معه على المذكور، و. أصل ذلك جنه الجان فهو مجنون، فلا يذكر الفاعل لعدم العلم به، و يقتصر على قولهم: جن فهو مجنون، و ينبغي أن يعلم أن القائل الأول لا يقول: الجان اسم علم لأن الجان للجن كآدم لنا، و إنما يقول بأن المراد من الجان أبوهم، كما أن المراد من الإنسان أبونا آدم، فالأول منا خلق من صلصال، و من بعده خلق من صلبه، كذلك الجن الأول خلق من نار، و من بعده من ذريته خلق من مارج، و المارج المختلط ثم فيه وجهان أحدهما: أن المارج هو النار المشوبة بدخان و الثاني: النار الصافية و الثاني أصح من حيث اللفظ و المعنى أما اللفظ: فلأنه تعالى قال: مِنْ مََارِجٍ مِنْ نََارٍ أي نار مارجة، و هذا كقول القائل: هو مصوغ من ذهب فإن قوله من ذهب فيه بيان تناسب الأخلاط فيكون المعنى الكل من ذهب غير أنه يكون أنواعا مختلفة مختلطة بخلاف ما إذا قلت: هذا قمح مختلط فلك أن تقول: مختلط بما ذا فيقول: من كذا و كذا فلو اقتصر على قوله: من قمح و كان منه و من و غيره أيضا لكان اقتصاره عليه مختلط بما طلب من البيان و أما المعنى: فلأنه تعالى كما قال: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ صَلْصََالٍ [الرحمن: 14]أي من طين حر كذلك بين أن خلق الجان من نار خالصة فإن قيل: فكيف يصح قوله: مََارِجٍ بمعنى مختلط مع أنه خالص؟نقول: النار إذا قويت التهبت، و دخل بعضها في بعض كالشي‏ء الممتزج امتزاجا جيدا لا تميز فيه بين الأجزاء المختلطة و كأنه من حقيقة واحدة كما في الطين المختمر، و ذلك يظهر في التنور المسجور، إن قرب منه الحطب تحرقه فكذلك مارج بعضها ببعض لا يعقل بين أجزائها دخان و أجزاء أرضية، و سنبين هذا في قوله تعالى: مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ* [الرحمن: 19]فإن قيل: المقصود تعديد النعم على الإنسان، فما وجه بيان خلق الجان؟نقول: الجواب عندي من وجوه أحدها: ما بينا أن قوله: رَبِّكُمََا خطاب مع الإنس و الجن يعدد عليهما النعم بل على الإنسان وحده ثانيها: أنه بيان فضل اللّه تعالى على الإنسان، حيث بين أنه خلق من أصل كثيف كدر، و خلق الجان من أصل لطيف، و جعل الإنسان أفضل من الجان فإنه إذا نظر إلى أصله، علم أنه ما نال الشرف إلا بفضل اللّه تعالى فكيف يكذب بآلاء اللّه ثالثها: أن الآية مذكورة لبيان القدرة لا لبيان النعمة، و كأنه تعالى لما بين النعم الثمانية التي ذكرها في أول السورة، فكأنه ذكر الثمانية لبيان خروجها عن العدد الكثير الذي هو سبعة و دخولها في/الزيادة التي يدل عليها الثمانية كما بينا و قلنا إن العرب عند الثامن تذكر الواو إشارة إلى أن الثامن من جنس آخر، فبعد تمام السبعة الأول شرع في بيان قدرته الكاملة، و قال: هو الذي خلق الإنسان من تراب و الجان من نار: (فبأي آلاء) الكثيرة المذكورة التي سبقت من السبعة،

350

و التي دلت عليها الثامنة: (تكذبان) و إذا نظرت إلى ما دلت عليه الثمانية و إلى قوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ* `فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ [الرحمن: 29، 30]، يظهر لك صحة ما ذكر أنه بين قدرته و عظمته ثم يقول: فبأي تلك الآلاء التي عددتها أولا تكذبان، و سنذكر تمامه عند تلك الآيات. ثم قال تعالى:

و فيه وجوه أولها مشرق الشمس و القمر و مغربهما، و البيان حينئذ في حكم إعادة ما سبق مع زيادة، لأنه تعالى لما قال: اَلشَّمْسُ وَ اَلْقَمَرُ بِحُسْبََانٍ [الرحمن: 5]دل على أن لهما مشرقين و مغربين، و لما ذكر:

خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ*`عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ [الرحمن: 3، 4]دل على أنه مخلوق من شي‏ء فبين أنه الصلصال الثاني:

مشرق الشتاء و مشرق الصيف فإن قيل: ما الحكمة في اختصاصهما مع أن كل يوم من ستة أشهر للشمس مشرق و مغرب يخالف بعضها البعض؟نقول: غاية انحطاط الشمس في الشتاء و غاية ارتفاعها في الصيف و الإشارة إلى الطرفين تتناول ما بينهما فهو كما يقول القائل في وصف ملك عظيم له المشرق و المغرب و يفهم أن له ما بينهما أيضا الثالث: التثنية إشارة إلى النوعين الحاصرين كما بينا أن كل شي‏ء فإنه ينحصر في قسمين فكأنه قال: رب مشرق الشمس و مشرق غيرها فهما مشرقان فتناول الكل، أو يقال: مشرق الشمس و القمر و ما يغرض إليهما العاقل من مشرق غيرهما فهو تثنية في معنى الجمع. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في تعلق الآية بما قبلها فنقول: لما ذكر تعالى المشرق و المغرب و هما حركتان في الفلك ناسب ذلك ذكر البحرين لأن الشمس و القمر يجريان في الفلك كما يجري الإنسان في البحر قال تعالى: وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: 33]فذكر البحرين عقيب المشرقين و المغربين و لأن المشرقين و المغربين فيهما إشارة إلى البحر لانحصار البر و البحر بين المشرق و المغرب، لكن البر كان مذكورا بقوله تعالى: وَ اَلْأَرْضَ وَضَعَهََا [الرحمن: 10]فذكر هاهنا ما لم يكن مذكورا.

المسألة الثانية: مَرَجَ ، إذا كان متعديا كان بمعنى خلط أو ما يقرب منه فكيف قال تعالى: مِنْ مََارِجٍ مِنْ نََارٍ [الرحمن: 15]و لم يقل: من ممروج؟ نقول: مرج متعد و مرج بكسر الراء لازم فالمارج و المريج من مرج يمرج كفرح يفرح، و الأصل في فعل أن يكون غريزيا و الأصل في الغريزي أن يكون لازما، و يثبت له حكم الغريزي، و كذلك فعل في كثير من المواضع.

المسألة الثالثة: في البحرين وجوه أحدها: بحر السماء و بحر الأرض ثانيها: البحر الحلو و البحر المالح كما قال تعالى: وَ مََا يَسْتَوِي اَلْبَحْرََانِ هََذََا عَذْبٌ فُرََاتٌ سََائِغٌ شَرََابُهُ وَ هََذََا مِلْحٌ أُجََاجٌ [فاطر: 12]و هو أصح و أظهر من الأول ثالثها: ما ذكر في المشرقين و في قوله: تُكَذِّبََانِ إنه إشارة إلى النوعين الحاصرين فدخل فيه‏

351

بحر السماء و بحر الأرض و البحر العذب و البحر المالح، رابعها: أنه تعالى خلق في الأرض بحارا تحيط بها الأرض و ببعض جزائرها يحيط الماء و خلق بحرا محيطا بالأرض و عليه الأرض و أحاط به الهواء كما قال به أصحاب علم الهيئة و ورد به أخبار مشهورة، و هذه البحار التي في الأرض لها اتصال بالبحر المحيط، ثم إنهما لا يبغيان على الأرض و لا يغطيانها بفضل اللّه تعالى لتكون الأرض بارزة يتخذها الإنسان مكانا و عند النظر إلى أمر الأرض يحار الطبيعي و يتلجلج في الكلام، فإن عندهم موضع الأرض بطبعه أن يكون في المركز و يكون الماء محيطا بجميع جوانبه، فإذا قيل لهم: فكيف ظهرت الأرض من الماء و لم ترسب يقولون لانجذاب البحار إلى بعض جوانبها، فإن قيل: لما ذا انجذب؟فالذي يكون عنده قليل من العقل يرجع إلى الحق و يجعله بإرادة اللّه تعالى و مشيئته، و الذي يكون عديم العقل يجعل سببه من الكواكب و أوضاعها و اختلاف مقابلاتها، و ينقطع في كل مقام مرة بعد أخرى، و في آخر الأمر إذا قيل له: أوضاع الكواكب لم اختلفت على الوجه الذي أوجب البرد في بعض الأرض دون بعض آخر صار كما قال تعالى: فَبُهِتَ اَلَّذِي كَفَرَ [البقرة: 258]و يرجع إلى الحق إن هداه اللّه تعالى.

المسألة الرابعة: إذا كان المرج بمعنى الخلط فما الفائدة في قوله تعالى: يَلْتَقِيََانِ ؟ نقول قوله تعالى:

مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ أي أرسل بعضهما في بعض و هما عند الإرسال بحيث يلتقيان أو من شأنهما الاختلاط و الالتقاء و لكن اللّه تعالى منعهما عما في طبعهما، و على هذا يلتقيان حال من البحرين، و يحتمل أن يقال: من محذوف تقديره تركهما فهما يلتقيان إلى الآن و لا يمتزجان و على الأول: فالفائدة إظهار القدرة في النفع فإنه إذا أرسل الماءين بعضهما على بعض و في طبعهما بخلق اللّه و عادته السيلان و الالتقاء و يمنعهما البرزخ الذي هو قدرة اللّه أو بقدرة اللّه، يكون أدل على القدرة مما إذا لم يكونا على حال يلتقيان، و فيه إشارة إلى مسألة حكمية و هي: أن الحكماء اتفقوا على أن الماء له حيز واحد بعضه ينجذب إلى بعض كأجزاء الزئبق غير أن عند الحكماء المحققين ذلك بإجراء اللّه تعالى ذلك عليه و عند من يدعي الحكمة و لم يوفقه اللّه من الطبيعيين يقول: ذلك له بطبعه، فقوله: يَلْتَقِيََانِ أي من شأنهما أن يكون مكانهما واحدا، ثم إنهما بقيا/في مكان متميزين فذلك برهان القدرة و الاختيار و على الوجه الثاني: الفائدة في بيان القدرة أيضا على المنع من الاختلاط، فإن الماءين إذا تلاقيا لا يمتزجان في الحال بل يبقيان زمانا يسيرا كالماء المسخن إذا غمس إناء مملوء منه في ماء بارد إن لم يمكث فيه زمانا لا يمتزج بالبارد، لكن إذا دام مجاورتهما فلا بد من الامتزاج فقال تعالى: مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ خلاهما ذهابا إلى أن يلتقيان و لا يمتزجان فذلك بقدرة اللّه تعالى.

ثم قال تعالى: بَيْنَهُمََا بَرْزَخٌ لاََ يَبْغِيََانِ إشارة إلى ما ذكرنا من منعه إياهما من الجريان على عادتهما، و البرزخ الحاجز و هو قدرة اللّه تعالى في البعض و بقدرة اللّه في الباقي، فإن البحرين قد يكون بينهما حاجز أرضي محسوس و قد لا يكون، و قوله: لاََ يَبْغِيََانِ فيه وجهان أحدهما: من البغي أي لا يظلم أحدهما على الآخر بخلاف قول الطبيعي حيث يقول: الماءان كلاهما جزء واحد، فقال: هما لا يَبْغِيََانِ ذلك و ثانيهما: أن يقال: لا يبغيان من البغي بمعنى الطلب أي لا يطلبان شيئا، و على هذا ففيه وجه آخر، و هو أن يقال: إن يبغيان لا مفعول له معين، بل هو بيان أنهما لا يبغيان في ذاتهما و لا يطلبان شيئا أصلا، بخلاف ما يقول الطبيعي: أنه يطلب الحركة و السكون في موضع عن موضع. ثم قال تعالى:

352

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في القراءات التي فيها قرئ يخرج من خرج و يخرج بفتح الراء من أخرج و على الوجهين فاللؤلؤ و المرجان مرفوعان و يخرج بكسر الراء بمعنى يخرج اللّه و نخرج بالنون المضمومة و الراء المكسورة، و على القراءتين ينصب اللؤلؤ و المرجان، اللؤلؤ كبار الدر و المرجان صغاره و قيل: المرجان هو الحجر الأحمر.

المسألة الثانية: اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح فكيف قال: مِنْهُمَا ؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن ظاهر كلام اللّه تعالى أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس الذي لا يوثق بقوله، و من علم أن اللؤلؤ لا يخرج من الماء العذب وهب أن الغواصين ما أخرجوه إلا من المالح و ما وجدوه إلا فيه، لكن لا يلزم من هذا أن لا يوجد في الغير سلمنا لم قلتم: أن الصدف يخرج بأمر اللّه من الماء العذب إلى الماء المالح و كيف يمكن الجزم و الأمور الأرضية الظاهرة خفيت عن التجار الذين قطعوا المفاوز و داروا البلاد فكيف لا يخفى أمر ما في قعر البحر عليهم ثانيهما: أن نقول: إن صح قولهم في اللؤلؤ إنه لا يخرج إلا من البحر المالح فنقول: فيه وجوه أحدها: أن الصدف لا يتولد فيه اللؤلؤ إلا من المطر و هو بحر السماء ثانيها: أنه يتولد في ملتقاهما ثم يدخل الصدف في المالح عند انعقاد الدر فيه طالبا للملوحة كالمتوحمة التي تشتهي الملوحة أوائل/الحمل فيثقل هناك فلا يمكنه الدخول في العذب ثالثها: أن ما ذكرتم إنما كان يرد أن لو قال: يخرج من كل واحد منهما فأما على قوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا لا يرد إذ الخارج من أحدهما مع أن أحدهما مبهم خارج منهما كما قال تعالى:

وَ جَعَلَ اَلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نوح: 16]يقال: فلان خرج من بلاد كذا و دخل في بلاد كذا و لم يخرج إلا من موضع من بيت من محلة في بلدة رابعها: أن (من) ليست لابتداء شي‏ء كما يقال: خرجت الكوفة بل لابتداء عقلي كما يقال: خلق آدم من تراب و وجدت الروح من أمر اللّه فكذلك اللؤلؤ يخرج من الماء أي منه يتولد.

المسألة الثالثة: أي نعمة عظيمة في اللؤلؤ و المرجان حتى يذكرهما اللّه مع نعمة تعلم القرآن و خلق الإنسان؟ و في الجواب قولان: الأول: أن نقول: النعم منها خلق الضروريات كالأرض التي هي مكاننا و لو لا الأرض لما أمكن وجود التمكين و كذلك الرزق الذي به البقاء و منها خلق المحتاج إليه و إن لم يكن ضروريا كأنواع الحبوب و إجراء الشمس و القمر، و منها النافع و إن لم يكن محتاجا إليه كأنواع الفواكه و خلق البحار من ذلك، كما قال تعالى: وَ اَلْفُلْكِ اَلَّتِي تَجْرِي فِي اَلْبَحْرِ بِمََا يَنْفَعُ اَلنََّاسَ [البقرة: 164]و منها الزينة و إن لم يكن نافعا كاللؤلؤ و المرجان كما قال تعالى: وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهََا [فاطر: 12]فاللّه تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة التي تتعلق بالقوى الجسمانية و صدرها بالقوة العظيمة التي هي الروح و هي العلم بقوله: عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ [الرحمن: 2]و الثاني: أن نقول: هذه بيان عجائب اللّه تعالى لا بيان النعم، و النعم قد تقدم ذكرها هنا، و ذلك لأن خلق الإنسان من صلصال، و خلق الجان من نار، من باب العجائب لا من باب النعم، و لو خلق اللّه الإنسان من أي شي‏ء خلقه لكان إنعاما، إذا عرفت هذا فنقول: الأركان أربعة، التراب و الماء و الهواء و النار فاللّه تعالى

353

بين بقوله: خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ صَلْصََالٍ [الرحمن: 14]أن الإنسان خلقه من تراب و طين و بين بقوله: خَلَقَ اَلْجَانَّ مِنْ مََارِجٍ مِنْ نََارٍ [الرحمن: 15]أن النار أيضا أصل لمخلوق عجيب، و بين بقوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَ اَلْمَرْجََانُ أن الماء أصل لمخلوق آخر، كالحيوان عجيب، بقي الهواء لكنه غير محسوس، فلم يذكر أنه أصل مخلوق بل بين كونه منشأ للجواري في البحر كالأعلام. فقال:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ما الفائدة في جعل الجواري خاصة له و له السموات و ما فيها و الأرض و ما عليها؟ نقول:

هذا الكلام مع العوام، فذكر ما لا يغفل عنه من له أدنى عقل فضلا عن الفاضل الذكي، فقال: لا شك أن الفلك في البحر لا يملكه في الحقيقة أحد إذ لا تصرف لأحد في هذا الفلك و إنما كلهم منتظرون رحمة اللّه تعالى معترفون بأن أموالهم و أرواحهم في قبضة قدرة اللّه تعالى و هم في ذلك يقولون لك: الفلك و لك الملك و ينسبون البحر و الفلك إليه، ثم إذا خرجوا و نظروا إلى/بيوتهم المبنية بالحجارة و الكلس و خفي عليهم وجوه الهلاك، يدعون مالك الفلك، و ينسبون ما كانوا ينسبون البحر و الفلك إليه، و إليه الإشارة بقوله: فَإِذََا رَكِبُوا فِي اَلْفُلْكِ [العنكبوت: 65]الآية.

المسألة الثانية: (الجواري) جمع جارية، و هي اسم للسفينة أو صفة، فإن كانت اسما لزم الاشتراك و الأصل عدمه، و إن كانت صفة الأصل أن تكون الصفة جارية على الموصوف، و لم يذكر الموصوف هنا، فنقول: الظاهر أن تكون صفة للتي تجري و نقل عن الميداني أن الجارية السفينة التي تجري لما أنها موضوعة للجري، و سميت المملوكة جارية لأن الحرة تراد للسكن و الازدواج، و المملوكة لتجري في الحوائج، لكنها غلبت السفينة، لأنها في أكثر أحوالها تجري، و دل العقل على ما ذكرنا من أن السفينة هي التي تجري غير أنها غلبت بسبب الاشتقاق على السفينة الجارية، ثم صار يطلق عليها ذلك و إن لم تجر، حتى يقال: للسفينة الساكنة أو المشدودة على ساحل البحر جارية، لما أنها تجري، و للمملوكة الجالسة جارية للغلبة، ترك الموصوف، و أقيمت الصفة مقامه فقوله تعالى: وَ لَهُ اَلْجَوََارِ أي السفن الجاريات، على أن السفينة أيضا فعيلة من السفن و هو النحت، و هي فعيلة بمعنى فاعلة عند ابن دريد أي تسفن الماء، أو فعيلة بمعنى مفعولة عند غيره بمعنى منحوتة فالجارية و السفينة جاريتان على الفلك و فيه لطيفة لفظية: و هي أن اللّه تعالى لما أمر نوحا عليه السلام باتخاذ السفينة، قال: وَ اِصْنَعِ اَلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنََا [هود: 37]ففي أول الأمر قال لها: الفلك لأنها بعد لم تكن جرت، ثم سماها بعد ما عملها سفينة كما قال تعالى: فَأَنْجَيْنََاهُ وَ أَصْحََابَ اَلسَّفِينَةِ [العنكبوت: 15]و سماها جارية كما قال تعالى: إِنََّا لَمََّا طَغَى اَلْمََاءُ حَمَلْنََاكُمْ فِي اَلْجََارِيَةِ [الحاقة: 11]و قد عرفنا أمر الفلك و جريها و صارت كالمسماة بها، فالفلك قبل الكل، ثم السفينة ثم الجارية.

المسألة الثالثة: ما معنى المنشآت؟ نقول: فيه وجهان أحدهما: المرفوعات من نشأت السحابة إذا ارتفعت، و أنشأ اللّه إذا رفعه و حينئذ إما هي بأنفسها مرتفعة في البحر، و إما مرفوعات الشراع و ثانيهما:

354

المحدثات الموجودات من أنشأ اللّه المخلوق أي خلقه فإن قيل: الوجه الثاني بعيد لأن قوله: فِي اَلْبَحْرِ كَالْأَعْلاََمِ متعلق بالمنشآت فكأنه قال: و له الجواري التي خلقت في البحر كالأعلام، و هذا غير مناسب، و أما على الأول فيكون كأنه قال: الجواري التي رفعت في البحر كالأعلام، و ذلك جيد و الدليل على صحة ما ذكرنا أنك تقول: الرجل الجري‏ء في الحرب كالأسد فيكون حسنا، و لو قلت: الرجل العالم بدل الجري‏ء في الحرب كالأسد لا يكون كذلك، نقول: إذا تأملت فيما ذكرنا من كون الجارية صفة أقيمت مقام الموصوف، كان الإنشاء بمعنى الخلق لا ينافي قوله: فِي اَلْبَحْرِ كَالْأَعْلاََمِ لأن التقدير حينئذ له السفن الجارية في البحر كالأعلام، فيكون أكثر بيانا للقدرة كأنه قال: له السفن التي تجري في البحر كالأعلام، أي كأنها الجبال و الجبال لا تجري إلا بقدرة اللّه تعالى، فالأعلام جمع العلم الذي هو الجبل و أما الشراع المرفوع كالعلم الذي هو معروف، فلا عجب فيه، و ليس العجب فيه كالعجب في جري الجبل في الماء و تكون المنشآت/معروفة، كما أنك تقول:

الرجل الحسن الجالس كالقمر فيكون متعلق قولك كالقمر الحسن لا الجالس فيكون منشأ للقدرة، إذ السفن كالجبال و الجبال لا تجري إلا بقدرة اللّه تعالى.

المسألة الرابعة: قرئ اَلْمُنْشَآتُ بكسر الشين، و يحتمل حينئذ أن يكون قوله: كَالْأَعْلاََمِ ، يقوم مقام الجملة، و الجواري معرفة و لا توصف المعارف بالجمل، فلا نقول: الرجل كالأسد جاءني و لا الرجل هو أسد جاءني، و تقول: رجل كالأسد جاءني، و رجل هو أسد جاءني، فلا تحمل قراءة الفتح إلا على أن يكون حالا و هو على وجهين أحدهما: أن تجعل الكاف اسما فيكون كأنه قال: الجواري المنشآت شبه الأعلام ثانيهما: يقدر حالا هذا شبهه كأنه يقول: كالأعلام و يدل عليه قوله: فِي مَوْجٍ كَالْجِبََالِ [هود: 42].

المسألة الخامسة: في جمع الجواري و توحيد البحر و جمع الأعلام فائدة عظيمة، و هي أن ذلك إشارة إلى عظمة البحر، و لو قال: في البحار لكانت كل جارية في بحر، فيكون البحر دون بحر يكون فيه الجواري التي هي كالجبال، و أما إذا كان البحر واحدا و فيه الجواري التي هي كالجبال يكون ذلك بحرا عظيما و ساحله بعيدا فيكون الإنجاء بقدرة كاملة. ثم قال تعالى:

و فيه وجهان أحدهما: و هو الصحيح أن الضمير عائد إلى الأرض، و هي معلومة و إن لم تكن مذكورة قال تعالى: وَ لَوْ يُؤََاخِذُ اَللََّهُ اَلنََّاسَ بِمََا كَسَبُوا [فاطر: 45]الآية و على هذا فله ترتيب في غاية الحسن، و ذلك لأنه تعالى لما قال: وَ لَهُ اَلْجَوََارِ اَلْمُنْشَآتُ [الرحمن: 24]إشارة إلى أن كل أحد يعرف و يجزم بأنه إذا كان في البحر فروحه و جسمه و ماله في قبضة اللّه تعالى فإذا خرج إلى البر و نظر إلى الثبات الذي للأرض و التمكن الذي له فيها ينسى أمره فذكره و قال: لا فرق بين الحالتين بالنسبة إلى قدرة اللّه تعالى و كل من على وجه الأرض فإنه كمن على وجه الماء، و لو أمعن العاقل النظر لكان رسوب الأرض الثقيلة في الماء الذي هي عليه أقرب إلى العقل من رسوب الفلك الخفيفة فيه الثاني: أن الضمير عائد إلى الجارية إلا أنه بضرورة ما قبلها كأنه تعالى قال:

الجواري و لا شك في أن كل من فيها إلى الفناء أقرب، فكيف يمكنه إنكار كونه في ملك اللّه تعالى و هو لا يملك لنفسه في تلك الحالة نفعا و لا ضرا، و قوله تعالى: وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ [الرحمن: 27] يدل على أن الصحيح الأول و فيه مسائل:

355

المسألة الأولى: (من) للعقلاء و كل ما على وجه الأرض مع الأرض فان، فما فائدة الاختصاص بالعقلاء؟ نقول: المنتفع بالتخويف هو العاقل فخصه تعالى بالذكر.

المسألة الثانية: الفاني هو الذي فنى و كل من عليها سيفنى فهو باق بعد ليس بفان، نقول كقوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ [الزمر: 30]و كما يقال للقريب إنه واصل، و جواب آخر: و هو أن وجود الإنسان/عرض و هو غير باق و ما ليس بباق فهو فان، فأمر الدنيا بين شيئين حدوث و عدم، أما البقاء فلا بقاء له لأن البقاء استمرار، و لا يقال هذا تثبيت بالمذهب الباطل الذي هو القول بأن الجسم لا يبقى زمانين كما قيل في العرض، لأنا نقول قوله (من) بدل قوله (ما) ينفي ذلك التوهم لأني قلت: (من عليها فان) لا بقاء له، و ما قلت: ما عليها فان، و من مع كونه على الأرض يتناول جسما قام به أعراض بعضها الحياة و الأعراض غير باقية، فالمجموع لم يبق كما كان و إنما الباقي أحد جزأيه و هو الجسم و ليس يطلق عليه بطريق الحقيقة لفظة (من) ، فالفاني ليس ما عليها و ما عليها ليس بباق.

المسألة الثالثة: ما الفائدة في بيان أنه تعالى قال: فََانٍ ؟ نقول: فيه فوائد منها: الحث على العبادة و صرف الزمان اليسير إلى الطاعة، و منها: المنع من الوثوق بما يكون للمرء فلا يقول: إذا كان في نعمة إنها لن تذهب فيترك الرجوع إلى اللّه معتمدا على ماله و ملكه، و منها: الأمر بالصبر إن كان في ضر فلا يكفر باللّه معتمدا على أن الأمر ذاهب و الضر زائل، و منها: ترك اتخاذ الغير معبودا و الزجر على الاغترار بالقرب من الملوك و ترك التقرب إلى اللّه تعالى فإن أمرهم إلى الزوال قريب فيبقى القريب منهم عن قريب في ندم عظيم لأنه إن مات قبلهم يلقى اللّه كالعبد الآبق، و إن مات الملك قبله فيبقى بين الخلق و كل أحد ينتقم منه و يتشفى فيه، و يستحي ممن كان يتكبر عليه و إن ماتا جميعا فلقاء اللّه عليه بعد التوفي في غاية الصعوبة، و منها: حسن التوحيد و ترك الشرك الظاهر و الخفي جميعا لأن الفاني لا يصلح لأن يعبد. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الوجه يطلق على الذات و المجسم يحمل الوجه على العضو و هو خلاف العقل و النقل أعني القرآن لأن قوله تعالى: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ [القصص: 88]يدل على أن لا يبقى إلا وجه اللّه تعالى، فعلى القول الحق لا إشكال فيه لأن المعنى لا يبقى غير حقيقة اللّه أو غير ذات اللّه شي‏ء و هو كذلك، و على قول المجسم يلزم أن لا تبقى يده التي أثبتها و رجله التي قال بها، لا يقال: فعلى قولكم أيضا يلزم أن لا يبقى علم اللّه و لا قدرة اللّه، لأن الوجه جعلتموه ذاتا، و الذات غير الصفات فإذا قلت: كل شي‏ء هالك إلا حقيقة اللّه خرجت الصفات عنها فيكون قولكم نفيا للصفات، نقول: الجواب عنه بالعقل و النقل، أما النقل فذلك أمر يذكر في غير هذا الموضع، و أما العقل فهو أن قول القائل: لم يبق لفلان إلا ثوب يتناول الثوب و ما قام به من اللون و الطول و العرض، و إذا قال: لم يبق إلا كمه لا يدل على بقاء جيبه و ذيله، فكذلك قولنا: يبقى ذات اللّه تعالى يتناول صفاته و إذا قلتم: لا يبقى غير وجهه بمعنى العضو يلزمه أن لا تبقى يده.

356

المسألة الثانية: فما السبب في حسن إطلاق لفظ الوجه على الذات؟ نقول: إنه مأخوذ من عرف الناس، فإن الوجه يستعمل في العرف لحقيقة الإنسان، ألا ترى أن الإنسان إذا رأى وجه غيره يقول: رأيته، و إذا رأى غير الوجه من اليد و الرجل مثلا لا يقول: رأيته، و ذلك لأن اطلاع الإنسان على حقائق الأشياء في أكثر الأمر يحصل بالحس، فإن الإنسان إذا رأى شيئا علم منه ما لم يكن يعلم حال غيبته، لأن الحس لا يتعلق بجميع المرئي و إنما يتعلق ببعضه، ثم إن الحس يدرك و الحدس يحكم فإذا رأى شيئا بحسه يحكم عليه بأمر بحدسه، لكن الإنسان اجتمع في وجهه أعضاء كثيرة كل واحد يدل على أمر، فإذا رأى الإنسان وجه الإنسان حكم عليه بأحكام ما كان يحكم بها لو لا رؤيته وجهه، فكان أدل على حقيقة الإنسان و أحكامه من غيره، فاستعمل الوجه في الحقيقة في الإنسان ثم نقل إلى غيره من الأجسام، ثم نقل لي ما ليس بجسم، يقال في الكلام هذا وجه حسن و هذا وجه ضعيف، و قول من قال: إن الوجه من المواجهة كما هو المسطور في البعض من الكتب الفقهية فليس بشي‏ء إذ الأمر على العكس، لأن الفعل من المصدر و المصدر من الاسم الأصلي و إن كان بالنقل، فالوجه أول ما وضع للعضو ثم استعمل و اشتق منه غيره، و يعرف ذلك العارف بالتصريف البارع في الأدب.

المسألة الثالثة: لو قال: و يبقى ربك أو اللّه أو غيره فحصلت الفائدة من غير وقوع في توهم ما هو ابتدع، نقول: ما كان يقوم مقام الوجه لفظ آخر و لا وجه فيه إلا ما قاله اللّه تعالى، و ذلك لأن سائر الأسماء المعروفة للّه تعالى أسماء الفاعل كالرب و الخالق و اللّه عند البعض بمعنى المعبود، فلو قال: و يبقى ربك ربك، و قولنا: ربك معنيان عند الاستعمال أحدهما أن يقال: شي‏ء من كل ربك، ثانيهما أن يقال: يبقى ربك مع أنه حالة البقاء ربك فيكون المربوب في ذلك الوقت، و كذلك لو قال: يبقى الخالق و الرازق و غيرهما.

المسألة الرابعة: ما الحكمة في لفظ الرب و إضافة الوجه إليه، و قال في موضع آخر: فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ [البقرة: 115]و قال: يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللََّهِ [الروم: 38]نقول: المراد في الموضعين المذكورين هو العبادة. أما قوله: فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ فظاهر لأن المذكور هناك الصلاة، و أما قوله: يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللََّهِ فالمذكور هو الزكاة قال تعالى من قبل: فَآتِ ذَا اَلْقُرْبى‏ََ حَقَّهُ وَ اَلْمِسْكِينَ وَ اِبْنَ اَلسَّبِيلِ [الروم: 38] ذََلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اَللََّهِ [الروم: 38]و لفظ اللّه يدل على العبادة، لأن اللّه هو المعبود، و المذكور في هذا الموضع النعم التي بها تربية الإنسان فقال: وَجْهُ رَبِّكَ .

المسألة الخامسة: الخطاب بقوله: رَبِّكَ مع من؟ نقول: الظاهر أنه مع كل أحد كأنه يقول: و يبقى وجه ربك أيها السامع، و يحتمل أن يكون الخطاب مع محمد صلى اللّه عليه و سلم، فإن قيل: فكيف قال: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ خطابا مع الإثنين، و قال: وَجْهُ رَبِّكَ خطابا مع الواحد؟نقول: عند قوله: وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ وقعت الإشارة إلى فناء كل أحد، و بقاء اللّه فقال/وجه ربك أي يا أيها السامع فلا تلتفت إلى أحد غير اللّه تعالى، فإن كل من عداه فان، و المخاطب كثيرا ما يخرج عن الإرادة في الكلام، فإنك إذا قلت: لمن يشكو إليك من أهل موضع سأعاقب لأجلك كل من في ذلك الموضع يخرج المخاطب عن الوعيد، و إن كان من أهل الموضع فقال: وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ليعلم كل أحد أن غيره فان، و لو قال: وجه ربكما لكان كل واحد يخرج نفسه و رفيقه المخاطب من الفناء، فإن قلت: لو قال و يبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء الكل؟ نقول: كأن الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف و الإبقاء إشارة إلى القهر، و الموضع موضع بيان اللطف و تعديد

357

النعم، فلو قال: بلفظ الرب لم يدل عليه الخطاب، و في لفظ الرب عادة جارية و هي أنه لا يترك استعماله مع الإضافة. فالعبد يقول: ربنا اغفر لنا، و رب اغفر لي، و اللّه تعالى يقول: رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبََائِكُمُ* [الدخان: 8] و رَبِّ اَلْعََالَمِينَ* [الفاتحة: 2]و حيث ترك الإضافة ذكره مع صفة أخرى من أوصاف اللفظ، حيث قال تعالى: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ [سبأ: 15]و قال تعالى: سَلاََمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58]و لفظ الرب يحتمل أن يكون مصدرا بمعنى التربية، يقال: ربه يربه ربا مثل رباه يربيه، و يحتمل أن يكون وصفا من الرب الذي هو مصدر بمعنى الراب كالطب للطبيب، و السمع للحاسة، و البخل للبخيل، و أمثال ذلك لكن من باب فعل، و على هذا فيكون كأنه فعل من باب فعل يفعل أي فعل الذي للغريزي كما يقال فيما إذا قلنا: فلان أعلم و أحكم، فكان وصفا له من باب فعل اللازم ليخرج عن التعدي.

المسألة السادسة: اَلْجَلاََلِ إشارة إلى كل صفة من باب النفي، كقولنا: اللّه ليس بجسم و لا جوهر و لا عرض، و لهذا يقال: جل أن يكون محتاجا، و جل أن يكون عاجزا، و التحقيق فيه أن الجلال هو بمعنى العظمة غير أن العظمة أصلها في القوة، و الجلال في الفعل، فهو عظيم لا يسعه عقل ضعيف فجل أن يسعه كل فرض معقول: وَ اَلْإِكْرََامِ إشارة إلى كل صفة هي من باب الإثبات، كقولنا: حي قادر عالم، و أما السميع و البصير فإنهما من باب الإثبات كذلك عند أهل السنة، و عند المعتزلة من باب النفي، و صفات باب النفي قبل صفات باب الإثبات عندنا، لأنا أولا نجد الدليل و هو العالم فنقول: العالم محتاج إلى شي‏ء و ذلك الشي‏ء ليس مثل العالم فليس بمحدث و لا محتاج، و لا ممكن، ثم نثبت له القدرة و العلم و غيرهما، و من هنا قال تعالى لعباده:

لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَللََّهُ* [الصافات: 35]و

قال صلى اللّه عليه و سلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه»

و نفي الإلهية عن غير اللّه، نفى صفات غير اللّه عن اللّه، فإنك إذا قلت: الجسم ليس بإله لزم منه قولك: اللّه ليس بجسم و (الجلال و الإكرام) و صفان مرتبان على أمرين سابقين، فالجلال مرتب على فناء الغير و الإكرام على بقائه تعالى، فيبقى الفرد و قد عز أن يحد أمره بفناء من عداه و ما عداه، و يبقى و هو مكرم قادر عالم فيوجد بعد فنائهم من يريد، و قرئ: ذُو اَلْجَلاََلِ ، و ذِي اَلْجَلاََلِ . و سنذكر ما يتعلق به في تفسير آخر السورة إن شاء اللّه تعالى. /ثم قال تعالى:

و فيه وجهان أحدهما: أنه حال تقديره: يبقى وجه ربك مسئولا و هذا منقول معقول، و فيه إشكال و هو أنه يفضي إلى التناقض لأنه لما قال: وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: 27]كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولا لمن في الأرض؟فأما إذا قلنا: الضمير عائد إلى‏[الأمور]الجارية [في يومنا]فلا إشكال في هذا الوجه، و أما على الصحيح فنقول عنه أجوبة أحدها: لما بينا أنه فان نظرا إليه و لا يبقى إلا بإبقاء اللّه، فيصح أن يكون اللّه مسئولا ثانيها: أن يكون مسئولا معنى لا حقيقة، لأن الكل إذا فنوا و لم يكن وجود إلا باللّه، فكأن القوم فرضوا سائلين بلسان الحال ثالثها: أن قوله: وَ يَبْقى‏ََ للاستمرار فيبقى و يعيد من كان في الأرض و يكون مسئولا و الثاني: أنه ابتداء كلام و هو أظهر و فيه مسائل:

358

المسألة الأولى: ما ذا يسأله السائلون؟ فنقول: يحتمل وجوها أحدها: أنه سؤال استعطاء فيسأله كل أحد الرحمة و ما يحتاج إليه في دينه و دنياه ثانيها: أنه سؤال استعلام أي عنده علم الغيب لا يعلمه إلا هو، فكل أحد يسأله عن عاقبة أمره و عما فيه صلاحه و فساده. فإن قيل: ليس كل أحد يعترف بجهله و علم اللّه نقول: هذا كلام في حقيقة الأمر من جاهل، فإن كان من جاهل معاند فهو في الوجه الأول أيضا وارد، فإن من المعاندين من لا يعترف بقدرة اللّه فلا يسأله شيئا بلسانه و إن كان يسأله بلسان حاله لإمكانه، و الوجه الأول إشارة إلى كمال القدرة أي كل أحد عاجز عن تحصيل ما يحتاج إليه. و الوجه الثاني إشارة إلى كمال العلم أي كل أحد جاهل بما عند اللّه من المعلومات ثالثها: أن ذلك سؤال استخراج، أمر. و قوله: مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أي من الملائكة يسألونه كل يوم و يقولون: إلهنا ماذا نفعل و بما ذا تأمرنا، و هذا يصلح جوابا آخر عن الإشكال على قول من قال:

يسأله حال لأنه يقول: قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ [الرحمن: 26]و من عليها تكون الأرض مكانه و معتمده و لو لاها لا يعيش و أما من فيها من الملائكة الأرضية فهم فيها و ليسوا عليها و لا تضرهم زلزلتها، فعند ما يفنى من عليها و يبقى اللّه تعالى لا يفنى هؤلاء في تلك الحال فيسألونه و يقولون: ماذا نفعل فيأمرهم بما يأمرهم و يفعلون ما يؤمرون، ثم يقول لهم: عند ما يشاء موتوا فيموتوا هذا على قول من قال: يَسْئَلُهُ حال و على الوجه الآخر لا إشكال.

المسألة الثانية: هو عائد إلى من؟ نقول: الظاهر المشهور أنه عائد إلى اللّه تعالى و عليه اتفاق المفسرين، و يدل عليه ما

روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه سئل عن ذلك الشأن فقال: «يغفر/ذنبا و يفرج كربا، و يرفع من يشاء و يضع من يشاء»

و يحتمل أن يقال: هو عائد إلى يوم و كُلَّ يَوْمٍ ظرف سؤالهم أي يقع سؤالهم في كل يوم و هو في شأن يكون جملة وصف بها يوم و هو نكرة كما يقال: يسألني فلان كل يوم هو يوم راحتي أي يسألني أيام الراحة، و قوله: هُوَ فِي شَأْنٍ يكون صفة مميزة للأيام التي فيها شأن عن اليوم الذي قال تعالى فيه: لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلََّهِ اَلْوََاحِدِ اَلْقَهََّارِ [غافر: 16]فإنه تعالى في ذلك اليوم يكون هو السائل و هو المجيب، و لا يسأل في ذلك اليوم لأنه ليس يوما هو في شأن يتعلق بالسائلين من الناس و الملائكة و غيرهم، و إنما يسألونه في يوم هو في شأن يتعلق بهم فيطلبون ما يحتاجون إليه أو يستخرجون أمره بما يفعلون فيه، فإن قيل: فهذا ينافي ما ورد في الخبر، نقول: لا منافاة

لقوله عليه السلام في جواب من قال: ما هذا الشأن؟فقال: «يغفر ذنبا[و يفرج كربا]»

أي فاللّه تعالى جعل بعض الأيام موسومة بوسم يتعلق بالخلق من مغفرة الذنوب و التفريج عن المكروب فقال تعالى: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ في تلك الأيام التي في ذلك الشأن و جعل بعضها موسومة بأن لا داعي فيها و لا سائل، و كيف لا نقول بهذا، و لو تركنا كل يوم على عمومه لكان كل يوم فيه فعل و أمر و شأن فيفضي ذلك إلى القول بالقدم و الدوام، اللهم إلا أن يقال: عام دخله التخصيص كقوله تعالى: وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ [النمل: 23]و تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْ‏ءٍ [الأحقاف: 25].

المسألة الثالثة: فعلى المشهور يكون اللّه تعالى في كل يوم و وقت في شأن، و قد جف القلم بما هو كائن، نقول: فيه أجوبة منقولة في غاية الحسن فلا نبخل بها و أجوبة معقولة نذكرها بعدها: أما المنقولة فقال بعضهم:

المراد سوق المقادير إلى المواقيت، و معناه أن القلم جف بما يكون في كل‏[يوم و]وقت، فإذا جاء ذلك الوقت تعلقت إرادته بالفعل فيه فيوجد، و هذا وجه حسن لفظا و معنى و قال بعضهم: شؤون يبديها لا شؤون يبتديها،

359

و هو مثل الأول معنى، أي لا يتغير حكمه بأنه سيكون و لكن يأتي وقت قدر اللّه فيه فعله فيبدو فيه ما قدره اللّه، و هذان القولان ينسبان إلى الحسن بن الفضل أجاب بهما عبد اللّه بن طاهر و قال بعضهم: يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل و يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي و يشفي سقيما و يمرض سليما، و يعز ذليلا و يذل عزيزا، إلى غير ذلك و هو مأخوذ من‏

قوله عليه السلام: «يغفر ذنبا و يفرج كربا»

و هو أحسن و أبلغ حيث بين أمرين أحدهما يتعلق بالآخرة و الآخر بالدنيا، و قدم الأخروي على الدنيوي و أما المعقولة: فهي أن نقول هذا بالنسبة إلى الخلق، و من يسأله من أهل السموات و الأرض لأنه تعالى حكم بما أراد و قضى و أبرم فيه حكمه و أمضى، غير أن ما حكمه يظهر كل يوم، فنقول: أبرم اللّه اليوم رزق فلان و لم يرزقه أمس، و لا يمكن أن يحيط علم خلقه بما أحاط به علمه، فتسأله الملائكة كل يوم إنك يا إلهنا في هذا اليوم في أي شأن في نظرنا و علمنا الثاني: هو أن الفعل يتحقق بأمرين من جانب الفاعل بأمر خاص، و من جانب المفعول في بعض الأمور، و لا يمكن غيره و على وجه يختاره الفاعل من وجوه متعددة مثال الأول: تحريك الساكن لا يمكن إلا بإزالة السكون/عنه و الإتيان بالحركة عقيبه من غير فصل و مثال الثاني: تسكين الساكن فإنه يمكن مع إبقاء السكون فيه و مع إزالته عقيبه من غير فصل أو مع فصل، إذ يمكن أن يزيل عنه السكون و لا يحركه مع بقاء الجسم، إذا عرفت هذا فاللّه تعالى خلق الأجسام الكثيرة في زمان واحد و خلق فيها صفات مختلفة في غير ذلك الزمان، فإيجادها فيه لا في زمان آخر بعد ذلك الزمان فمن خلقه فقيرا في زمان لم يمكن خلقه غنيا في عين ذلك الزمان مع خلقه فقيرا فيه و هذا ظاهر، و الذي يظن أن ذلك يلزم منه العجز أو يتوهم فليس كذلك بل العجز في خلاف ذلك لأنه لو خلقه فقيرا في زمان يريد كونه غنيا لما وقع الغنى فيه مع أنه أراده، فيلزم العجز من خلاف ما قلنا:

لا فيما قلنا، فإذن كل زمان هو غير الزمان الآخر فهو معنى قوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ و هو المراد من قول المفسرين: أغني فقيرا و أفقر غنيا، و أعز ذليلا و أذل عزيزا، إلى غير ذلك من الأضداد. ثم اعلم أن الضدين ليسا منحصرين في مختلفين بل المثلان في حكمهما فإنهما لا يجتمعان، فمن وجد فيه حركة إلى مكان في زمان لا يمكن أن توجد فيه في ذلك الزمان حركة أخرى أيضا إلى ذلك المكان، و ليس شأن اللّه مقتصرا على إفقار غني أو إغناء فقير في يومنا دون إفقاره أو إغنائه أمس، و لا يمكن أن يجمع في زيد إغناء هو أمسي مع إغناء هو يومي، فالغنى المستمر للغني في نظرنا في الأمر متبدل الحال، فهو أيضا من شأن اللّه تعالى، و اعلم أن اللّه تعالى يوصف بكونه: لا يشغله شأن عن شأن، و معناه أن الشأن الواحد لا يصير مانعا له تعالى عن شأن آخر كما أنه يكون مانعا لنا، مثاله: واحد منا إذا أراد تسويد جسم بصبغة يسخنه بالنار أو تبييض جسم يبرده بالماء و الماء و النار متضادان إذا طلب منه أحدهما و شرع فيه يصير ذلك مانعا له من فعل الآخر، و ليس ذلك الفعل مانعا من الفعل لأن تسويد جسم و تبييض آخر لا تنافي بينهما، و كذلك تسخينه و تسويده بصبغة لا تنافي فيه، فالفعل صار مانعا للفاعل من فعله و لم يصر مانعا من الفعل، و في حق اللّه ما لا يمنع الفعل لا يمنع الفاعل، فيوجد تعالى من الأفعال المختلفة ما لا يحصر و لا يحصى في آن واحد، أما ما يمنع من الفعل كالذي يسود جسما في آن لم يمكنه أن يبيضه في ذلك الآن، فهو قد يمنع الفاعل أيضا و قد لا يمنع و لكن لا بد من منعه للفاعل، فالتسويد لا يمكن معه التبييض، و اللّه تعالى لا يشغله شأن عن شأن أصلا لكن أسبابه تمنع أسبابا آخر لا تمنع الفاعل. إذا علمت هذا البحث فقد أفادك. ـ

360

التحقيق في قوله تعالى:

و لنذكر أولا ما قيل فيه تبركا بأقوال المشايخ ثم نحققه بالبيان الشافي فنقول: اختلف المفسرون فيه و أكثرهم على أن المراد سنقصدكم بالفعل، و قال بعضهم: خرج ذلك مخرج التهديد على ما هي عادة استعمال الناس/فإن السيد يقول لعبده عند الغضب: سأفرغ لك، و قد يكون السيد فارغا جالسا لا يمنعه شغل، و أما التحقيق فيه، فنقول: عدم الفراغ عبارة عن أن يكون الفاعل في فعل لا يمكنه معه إيجاد فعل آخر فإن من يخيط يقول: ما أنا بفارغ للكتابة، لكن عدم الفراغ قد يكون لكون أحد الفعلين مانعا للفاعل من الفعل الآخر، يقال:

هو مشغول بكذا عن كذا كما في قول القائل: أنا مشغول بالخياطة عن الكتابة، و قد يكون عدم الفراغ لكون الفعل مانعا من الفعل لا لكونه مانعا من الفاعل كالذي يحرك جسما في زمان لا يمكن تسكينه في ذلك الزمان فهو ليس بفارغ للتسكين، و لكن لا يقال في مثل هذا الوقت أنا مشغول بالتحريك عن التسكين، فإن في مثل هذا الموضع لو كان غير مشغول به بل كان في نفس المحل حركة لا بفعل ذلك الفاعل لا يمكنه التسكين فليس امتناعه منه إلا لاستحالته بالتحريك، و في الصورة الأولى لو لا اشتغاله بالخياطة لتمكن من الكتابة، إذا عرفت هذا صار عدم الفراغ قسمين أحدهما: بشغل و الآخر ليس بشغل، فنقول: إذا كان اللّه تعالى باختياره أوجد الإنسان و أبقاه مدة أرادها بمحض القدرة و الإرادة لا يمكن مع هذا إعدامه، فهو في فعل لا يمنع الفاعل لكن يمنع الفعل و مثل هذا بينا أنه ليس بفراغ، و إن كان له شغل، فإذا أوجد ما أراد أولا ثم بعد ذلك أمكن الإعدام و الزيادة في آنه فيتحقق الفراغ لكن لما كان للإنسان مشاهدة مقتصرة على أفعال نفسه و أفعال أبناء جنسه و عدم الفراغ منهم بسبب الشغل يظن أن اللّه تعالى فارغ فحمل الخلق عليه أنه ليس بفارغ، فيلزم منه الفعل و هو لا يشغله شأن عن شأن يلزمه حمل اللفظ على غير معناه، و اعلم أن هذا ليس قولا آخر غير قول المشايخ، بل هو بيان لقولهم: سنقصدكم، غير أن هذا مبين، و الحمد للّه على أن هدانا للبيان من غير خروج عن قول أرباب اللسان. و اعلم أن أصل الفراغ بمعنى الخلو، لكن ذلك إن كان في المكان فيتسع ليتمكن آخر، و إن كان في الزمان فيتسع للفعل، فالأصل أن زمان الفاعل فارغ عن فعله و غير فارغ لكن المكان مرئي بالخلو فيه، فيطلق الفراغ على خلو المكان في الظرف الفلاني و الزمان غير مرئي، فلا يرى خلوه. و يقال: فلان في زمان كذا فارغ لأن فلانا هو المرئي لا الزمان و الأصل أن هذا الزمان من أزمنة فلان فارغ فيمكنه وصفه للفعل فيه، و قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ استعمال على ملاحظة الأصل، لأن المكان إذا خلا يقال: لكذا و لا يقال: إلى كذا فكذلك الزمان لكن لما نقل إلى الفاعل و قيل: الفاعل على فراغ و هو عند الفراغ يقصد إلى شي‏ء آخر قيل في الفاعل: فرغ من كذا إلى كذا، و في الظرف يقال: فرغ من كذا لكذا فقال لكم على ملاحظة الأصل، و هو يقوي ما ذكرنا أن المانع ليس بالنسبة إلى الفعل بل بالنسبة إلى الفعل. و أما أَيُّهَ فنقول: الحكمة في نداء المبهم و الإتيان بالوصف بعده هي أن المنادي يريد صون كلامه عن الضياع، فيقول أولا: يا أي نداء لمبهم ليقبل عليه كل من يسمع و يتنبه لكلامه من يقصده، ثم عند إقبال السامعين يخصص المقصود فيقول: الرجل و التزم فيه‏

361

أمران أحدهما: الوصف بالمعرف باللام أو باسم الإشارة، فتقول: يا أيها الرجل/أو يا أيهذا لا الأعرف منه و هو العلم، لأن بين المبهم الواقع على كل جنس و العلم المميز عن كل شخص تباعد أو ثانيهما: توسط (ها) التنبيه بينه و بين الوصف لأن الأصل في أي الإضافة لما أنه في غاية الإبهام فيحتاج إلى التمييز، و أصل التمييز على ما بينا الإضافة، فوسط بينهما لتعويضه عن الإضافة، و التزم أيضا حذف لام التعريف عند زوال أي فلا تقول: يا الرجل لأن في ذلك تطويلا من غير فائدة، فإنك لا تفيد باللام التنبيه الذي ذكرنا، فقولك: يا رجل مفيد فلا حاجة إلى اللام فهو يوجب إسقاط اللام عند الإضافة المعنوية، فإنها لما أفادت التعريف كان إثبات اللام تطويلا من غير فائدة لكونه جمعا بين المعرفين، و قوله تعالى: اَلثَّقَلاََنِ المشهور أن المراد الجن و الإنس و فيه وجوه أحدها: أنهما سميا بذلك لكونهما مثقلين بالذنوب ثانيهما: سميا بذلك لكونهما ثقيلين على وجه الأرض فإن التراب و إن لطف في الخلق ليتم خلق آدم لكنه لم يخرج عن كونه ثقيلا، و أما النار فلما ولد فيها خلق الجن كثفت يسيرا، فكما أن التراب لطف يسيرا فكذلك النار صارت ثقيلة، فهما ثقلان فسميا بذلك ثالثها: الثقيل أحدهما: لا غير و سمي الآخر به للمجاورة و الاصطحاب كما يقال: العمران و القمران و أحدهما عمر و قمر، أو يحتمل أن يكون المراد العموم بالنوعين الحاصرين، تقول: يا أيها الثقل الذي هو كذا، و الثقل الذي ليس كذا، و الثقل الأمر العظيم.

قال عليه السلام: «إني تارك فيكم الثقلين» .

ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في وجه الترتيب و حسنه، و ذلك لأنه تعالى لما قال: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ اَلثَّقَلاََنِ [الرحمن: 31]و بينا أنه لم يكن له شغل فكأن قائلا قال: فلم كان التأخير إذا لم يكن شغل هناك مانع؟فقال:

المستعجل يستعجل. إما لخوف فوات الأمر بالتأخير و إما لحاجة في الحال، و إما لمجرد الاختيار و الإرادة على وجه التأخير، و بين عدم الحاجة من قبل بقوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ*`وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: 26، 27]لأن ما يبقى بعد فناء الكل لا يحتاج إلى شي‏ء، فبين عدم الخوف من الفوات، و قال: لا يفوتون و لا يقدرون على الخروج من السموات و الأرض، و لو أمكن خروجهم عنهما لما خرجوا عن ملك اللّه تعالى فهو آخذهم أين كانوا و كيف كانوا.

المسألة الثانية: المعشر الجماعة العظيمة، و تحقيقه هو أن المعشر العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلا بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد و يقول: أحد عشر و إثنا عشر و عشرون و ثلاثون، /أي ثلاث عشرات فالمعشر كأنه محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.

المسألة الثالثة: هذا الخطاب في الدنيا أو في الآخرة؟ نقول: الظاهر فيه أنه في الآخرة، فإن الجن و الإنس يريدون الفرار من العذاب فيجدون سبعة صفوف من الملائكة محيطين بأقطار السموات و الأرض، و الأولى ما ذكرنا أنه عام بمعنى لا مهرب و لا مخرج لكم عن ملك اللّه تعالى، و أينما توليتم فثم ملك اللّه، و أينما تكونوا أتاكم حكم اللّه.

362

المسألة الرابعة: ما الحكمة في تقديم الجن على الإنس هاهنا و تقديم الإنس على الجن في قوله تعالى:

قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلى‏ََ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هََذَا اَلْقُرْآنِ لاََ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ؟[الإسراء: 88]نقول: النفوذ من أقطار السموات و الأرض بالجن أليق إن أمكن، و الإتيان بمثل القرآن بالإنس أليق إن أمكن، فقدم في كل موضع من يظن به القدرة على ذلك.

المسألة الخامسة: ما معنى: لاََ تَنْفُذُونَ إِلاََّ بِسُلْطََانٍ ؟ نقول: ذلك يحتمل وجوها أحدها: أن يكون بيانا بخلاف ما تقدم أي ما تنفذون و لا تنفذون إلا بقوة و ليس لكم قوة على ذلك. ثانيها: أن يكون على تقدير وقوع الأمر الأول، و بيان أن ذلك لا ينفعكم، و تقديره ما تنفذوا و إن نفذتم ما تنفذون إلا و معكم سلطان اللّه، كما يقول: خرج القوم بأهلهم أي معهم ثالثها: أن المراد من النفوذ ما هو المقصود منه؟و ذلك لأن نفوذهم إشارة إلى طلب خلاصهم فقال: لا تنفذون من أقطار السموات لا تتخلصون من العذاب و لا تجدون ما تطلبون من النفود و هو الخلاص من العذاب إلا بسلطان من اللّه يجيركم و إلا فلا مجير لكم، كما تقول: لا ينفعك البكاء إلا إذا صدقت و تريد به أن الصدق وحده ينفعك، لا أنك إن صدقت فينفعك البكاء رابعها: أن هذا إشارة إلى تقرير التوحيد، و وجهه هو كأنه تعالى قال: يا أيها الغافل لا يمكنك أن تخرج بذهنك عن أقطار السموات و الأرض فإذا أنت أبدا تشاهد دليلا من دلائل الوحدانية، ثم هب أنك تنفذ من أقطار السموات و الأرض، فاعلم أنك لا تنفذ إلا بسلطان تجده خارج السموات و الأرض قاطع دال على وحدانيته تعالى و السلطان هو القوة الكاملة. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ما وجه تعلق الآية بما قبلها؟ نقول: إن قلنا يا معشر الجن و الإنس نداء ينادى به يوم القيامة، فكأنه تعالى قال: يوم يرسل عليكما شواظ من نار فلا يبقى لكما انتصار/إن استطعتما النفوذ فانفذا، و إن قلنا: إن النداء في الدنيا، فنقول قوله: إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ إشارة إلى أنه لا مهرب لكم من اللّه فيمكنكم الفرار قبل الوقوع في العذاب و لا ناصر لكم فيخلصكم من النار بعد وقوعكم فيها و إرسالها عليكم، فكأنه قال: إن استطعتم الفرار لئلا تقعوا في العذاب ففروا ثم إذا تبين لكم أن لا فرار لكم و لا بد من الوقوع فيه فإذا وقعتم فيه و أرسل عليكم فاعلموا أنكم لا تنصرون فلا خلاص لكم إذن، لأن الخلاص إما بالدفع قبل الوقوع و إما بالرفع بعده، و لا سبيل إليهما.

المسألة الثانية: كيف ثنى الضمير في قوله: عَلَيْكُمََا مع أنه جمع قبله بقوله: إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ [الرحمن: 33] و الخطاب مع الطائفتين و قال: فَلاََ تَنْتَصِرََانِ و قال من قبل: لاََ تَنْفُذُونَ إِلاََّ بِسُلْطََانٍ ؟ [الرحمن: 33]نقول: فيه لطيفة، و هي أن قوله: إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ لبيان عجزهم و عظمة ملك اللّه تعالى، فقال:

إن استطعتم أن تنفذوا باجتماعكم و قوتكم فانفذوا، و لا تستطيعون لعجزكم فقد بان عند اجتماعكم و اعتضادكم بعضكم ببعض فهو عند افتراقكم أظهر، فهو خطاب عام مع كل أحد عند الانضمام إلى جميع من عداه من‏

363

الأعوان و الإخوان، و أما قوله تعالى: يُرْسَلُ عَلَيْكُمََا فهو لبيان الإرسال على النوعين لا على كل واحد منهما لأن جميع الإنس و الجن لا يرسل عليهم العذاب و النار، فهو يرسل على النوعين و يتخلص منه بعض منهما بفضل اللّه و لا يخرج أحد من الأقطار أصلا، و هذا يتأيد بما ذكرنا أنه قال: لا فرار لكم قبل الوقوع، و لا خلاص لكم عند الوقوع لكن عدم الفرار عام و عدم الخلاص ليس بعام و الجواب الثاني: من حيث اللفظ، هو أن الخطاب مع المعشر فقوله: إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أيها المعشر و قوله: يُرْسَلُ عَلَيْكُمََا ليس خطابا مع النداء بل هو خطاب مع الحاضرين و هما نوعان و ليس الكلام مذكورا بحرف واو العطف حتى يكون النوعان مناديين في الأول و عند عدم التصريح بالنداء فالتثنية أولى كقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا و هذا يتأيد بقوله تعالى:

سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ اَلثَّقَلاََنِ [الرحمن: 31]و حيث صرح بالنداء جمع الضمير، و قال بعد ذلك: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا حيث لم يصرح بالنداء.

المسألة الثالثة: ما الشواظ و ما النحاس؟ نقول: الشواظ لهب النار و هو لسانه، و قيل ذلك لا يقال إلا للمختلط بالدخان الذي من الحطب، و الظاهر أن هذا مأخوذ من قول الحكماء إن النار إذا صارت خالصة لا ترى كالتي تكون في الكير الذي يكون في غاية الاتقاد، و كما في التنور المسجور فإنه يرى فيه نور و هو نار، و أما النحاس ففيه و جهان، أحدهما الدخان، و الثاني القطر و هو النحاس المشهور عندنا، ثم إن ذكر الأمرين بعد خطاب النوعين يحتمل أن يكون لاختصاص كل واحد بواحد. و حينئذ فالنار الخفيف للإنس لأنه يخالف جوهره، و النحاس الثقيل للجن لأنه يخالف جوهره أيضا. فإن الإنس ثقيل و النار خفيفة، و الجن خفاف و النحاس ثقيل، و كذلك إن قلنا: المراد من النحاس الدخان، و يحتمل أن يكون ورودهما على حد واحد منهما و هو الظاهر الأصح.

المسألة الرابعة: من قرأ نُحََاسٌ بالجر كيف يعربه و لو زعم أنه عطف على النار يكون شواظ من نحاس و الشواظ لا يكون من نحاس؟نقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: تقديره شي‏ء من نحاس كقولهم:

تقلدت سيفا و رمحا و ثانيهما: و هو الأظهر أن يقول: الشواظ لم يكن إلا عند ما يكون في النار أجزاء هوائية و أرضية، و هو الدخان، فالشواظ مركب من نار و من نحاس و هو الدخان، و على هذا فالمرسل شي‏ء واحد لا شيئان غير أنه مركب، فإن قيل: على هذا لا فائدة لتخصيص الشواظ بالإرسال إلا بيان كون تلك النار بعد غير قوية قوة تذهب عنه الدخان، نقول: العذاب بالنار التي لا ترى دون العذاب بالنار التي ترى، لتقدم الخوف على الوقوع فيه و امتداد العذاب و النار الصرفة لا ترى أو ترى كالنور، فلا يكون لها لهيب و هيبة، و قوله تعالى: فَلاََ تَنْتَصِرََانِ نفي لجميع أنواع الانتصار، فلا ينتصر أحدهما بالآخر، و لا هما بغيرهما، و إن كان الكفار يقولون في الدنيا: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [القمر: 44]و الانتصار التلبس بالنصرة، يقال لمن أخذ الثأر انتصر منه كأنه انتزع النصرة منه لنفسه و تلبس بها، و من هذا الباب الانتقام و الادخار و الادهان، و الذي يقال فيه: إن الانتصار بمعنى الامتناع: فَلاََ تَنْتَصِرََانِ بمعنى لا تمتنعان، و هو في الحقيقة راجع إلى ما ذكرنا لأنه يكون متلبسا بالنصرة فهو ممتنع لذلك. ثم قال تعالى:

364

إشارة إلى ما هو أعظم من إرسال الشواظ على الإنس و الجن، فكأنه تعالى ذكر أولا ما يخاف منه الإنسان، ثم ذكر ما يخاف منه كل واحد ممن له إدراك من الجن و الإنس و الملك حيث تخلوا أماكنهم بالشق و مساكن الجن و الإنس بالخراب، و يحتمل أن يقال: إنه تعالى لما قال: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ [الرحمن: 26]إشارة إلى سكان الأرض، قال بعد ذلك: فَإِذَا اِنْشَقَّتِ اَلسَّمََاءُ بيانا لحال سكان السماء، و فيه مسائل.

المسألة الأولى: الفاء في الأصل للتعقيب على وجوه ثلاثة منها: التعقيب الزماني للشيئين اللذين لا يتعلق أحدهما بالآخر عقلا كقوله قعد زيد فقام عمرو، لمن سألك عن قعود زيد و قيام عمر، و إنهما كانا معا أو متعاقبين و منها: التعقيب الذهني للذين يتعلق أحدهما بالآخر كقولك: جاء زيد فقام عمرو إكراما له إذ يكون في مثل هذا قيام عمرو مع مجي‏ء زيد زمانا و منها: التعقيب في القول كقولك: لا أخاف الأمير فالملك فالسلطان، كأنك تقول: أقول لا أخاف الأمير، و أقول لا أخاف الملك، و أقول لا أخاف السلطان، إذا عرفت هذا فالفاء هنا تحتمل الأوجه جميعا، أما الأول: فلأن إرسال الشواظ عليهم يكون قبل انشقاق السموات، و يكون ذلك الإرسال/إشارة إلى عذاب القبر، و إلى ما يكون عند سوق المجرمين إلى المحشر، إذ ورد في التفسير أن الشواظ يسوقهم إلى المحشر، فيهربون منها إلى أن يجتمعوا في موضع واحد، و على هذا معناه يرسل عليكما شواظ، فإذا انشقت السماء يكون العذاب الأليم، و الحساب الشديد على ما سنبين إن شاء اللّه و أما الثاني:

فوجهه أن يقال: يرسل عليكما شواظ من نار و نحاس فيكون ذلك سببا لكون السماء تكون حمراء، إشارة إلى أن لهيبها يصل إلى السماء و يجعلها كالحديد المذاب الأحمر، و أما الثالث: فوجهه أن يقال: لما قال: فَلاََ تَنْتَصِرََانِ [الرحمن: 35]أي في وقت إرسال الشواظ عليكما قال: فإذا انشقت السماء و صارت كالمهل، و هو كالطين الذائب، كيف تنتصران؟إشارة إلى أن الشواظ المرسل لهب واحد، أو فإذا انشقت السماء و ذابت، و صارت الأرض و الجو و السماء كلها نارا فكيف تنتصران؟ المسألة الثانية: كلمة (إذا) قد تستعمل لمجرد الظرف و قد تستعمل للشرط و قد تستعمل للمفاجأة و إن كانت في أوجهها ظرفا لكن بينها فرق فالأول: مثل قوله تعالى: وَ اَللَّيْلِ إِذََا يَغْشى‏ََ*`وَ اَلنَّهََارِ إِذََا تَجَلََّى [الليل: 1، 2]و الثاني: مثل قوله: إذا أكرمتني أكرمك و من هذا الباب قوله تعالى: فَإِذََا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ [آل عمران: 159]و في الأول لا بد و أن يكون الفعل في الوقت المذكور متصلا به و في الثاني لا يلزم ذلك، فإنك إذا قلت: إذا علمتني تثاب يكون الثواب بعده زمانا لكن استحقاقه يثبت في ذلك الوقت متصلا به و الثالث: مثال ما يقول: خرجت فإذا قد أقبل الركب أما لو قال: خرجت إذا أقبل الركب فهو في جواب من يقول متى خرجت إذا عرفت هذا فنقول: على أي وجه استعمل (إذا) هاهنا؟نقول: يحتمل وجهين أحدهما:

الظرفية المجردة على أن الفاء للتعقيب الزماني، فإن قوله: فَإِذَا اِنْشَقَّتِ اَلسَّمََاءُ بيان لوقت العذاب، كأنه قال: إذا انشقت السماء يكون العذاب أي بعد إرسال الشواظ، و عند انشقاق السماء يكون و ثانيهما: الشرطية و ذلك على الوجه الثالث و هو قولنا: فَلاََ تَنْتَصِرََانِ عند إرسال الشواظ فكيف تنتصران إذا انشقت السماء، كأنه قال: إذا انشقت السماء فلا تتوقعوا الانتصار أصلا، و أما الحمل على المفاجأة على أن يقال: يرسل عليكما شواظ فإذا السماء قد انشقت، فبعيد و لا يحمل ذلك إلا على الوجه الثاني من أن الفاء للتعقيب الذهني.

المسألة الثالثة: ما المختار من الأوجه؟ نقول: الشرطية و حينئذ له وجهان أحدهما: أن يكون الجزاء