التفسير الكبير - ج29

- الفخر الرازي‏ المزيد...
533 /
365

محذوفا رأسا ليفرض السامع بعده كل هائل، كما يقول القائل: إذا غضب السلطان على فلان لا يدري أحد ماذا يفعله، ثم ربما يسكت عند قوله إذا غضب السلطان متعجبا آتيا بقرينة دالة على تهويل الأمر، ليذهب السامع مع كل مذهب، و يقول: كأنه إذا غضب السلطان يقتل و يقول الآخر: إذا غضب السلطان ينهب و يقول الآخر غير ذلك و ثانيهما: ما بينا من بيان عدم الانتصار و يؤيد هذا قوله تعالى: وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ اَلسَّمََاءُ بِالْغَمََامِ إلى أن قال تعالى: وَ كََانَ يَوْماً عَلَى اَلْكََافِرِينَ عَسِيراً [الفرقان: 25، 26]فكأنه تعالى/قال: إذا أرسل عليهم شواظ من نار و نحاس فلا ينتصران، فإذا انشقت السماء كيف ينتصران؟فيكون الأمر عسيرا، فيكون كأنه قال: فإذا انشقت السماء يكون الأمر عسيرا في غاية العسر، و يحتمل أن يقال: فإذا انشقت السماء يلقى المرء فعله و يحاسب حسابه كما قال تعالى: إِذَا اَلسَّمََاءُ اِنْشَقَّتْ إلى أن قال: يََا أَيُّهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّكَ كََادِحٌ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاََقِيهِ [الانشقاق: 1-6]الآية.

المسألة الرابعة: ما المعنى من الانشقاق؟ نقول: حقيقته ذوبانها و خرابها كما قال تعالى: يَوْمَ نَطْوِي اَلسَّمََاءَ [السماء: 104]إشارة إلى خرابها و يحتمل أن يقال: انشقت بالغمام كما قال تعالى: وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ اَلسَّمََاءُ بِالْغَمََامِ [الفرقان: 25]و فيه وجوه منها أن قوله: بِالْغَمََامِ أي مع الغمام فيكون مثل ما ذكرنا هاهنا من الانفطار و الخراب.

المسألة الخامسة: ما معنى قوله تعالى: فَكََانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهََانِ ؟ نقول: المشهور أنها في الحال تكون حمراء يقال: فرس ورد إذا أثبت للفرس الحمرة، و حجرة وردة أي حمراء اللون. و قد ذكرنا أن لهيب النار يرتفع في السماء فتذوب فتكون كالصفر الذائب حمراء، و يحتمل وجها آخر و هو أن يقال: وردة للمرة من الورود كالركعة و السجدة و الجلسة و القعدة من الركوع و السجود و الجلوس و القعود، و حينئذ الضمير في كانت كما في قوله: إِنْ كََانَتْ إِلاََّ صَيْحَةً وََاحِدَةً* [يس: 53]أي الكائنة أو الداهية و أنت الضمير لتأنيث الظاهر و إن كان شيئا مذكرا، فكذا هاهنا قال: فَكََانَتْ وَرْدَةً واحدة أي الحركة التي بها الانشقاق كانت وردة واحدة، و تزلزل الكل و خرب دفعة، و الحركة معلومة بالانشقاق لأن المنشق يتحرك، و يتزلزل، و قوله تعالى:

كَالدِّهََانِ فيه وجهان أحدهما: جمع دهن و ثانيهما: أن الدهان هو الأديم الأحمر، فإن قيل: الأديم الأحمر مناسب للوردة فيكون معناه كانت السماء كالأديم الأحمر، و لكن ما المناسبة بين الوردة و بين الدهان؟نقول:

الجواب عنه من وجوه الأول: المراد من الدهان ما هو المراد من قوله تعالى: يَوْمَ تَكُونُ اَلسَّمََاءُ كَالْمُهْلِ [المعارج: 8]و هو عكر الزيت و بينهما مناسبة، فإن الورد يطلق على الأسد فيقال: أسد ورد، فليس الورد هو الأحمر القاني و الثاني: أن التشبيه بالدهن ليس في اللون بل في الذوبان و الثالث: هو أن الدهن المذاب ينصب انصبابة واحدة و يذوب دفعة و الحديد و الرصاص لا يذوب غاية الذوبان، فتكون حركة الدهن بعد الذوبان أسرع من حركة غيره فكأنه قال حركتها تكون وردة واحدة كالدهان المصبوبة صبا لا كالرصاص الذي يذوب منه ألطفه و ينتفع به و يبقي الباقي، و كذلك الحديد و النحاس، و جمع الدهان لعظمة السماء و كثرة ما يحصل من ذوبانها لاختلاف أجزائها، فإن الكواكب تخالف غيرها. ثم قال تعالى:

366

و فيه/وجهان أحدهما: لا يسأله أحد عن ذنبه، فلا يقال: له أنت المذنب أو غيرك، و لا يقال: من المذنب منكم بل يعرفونه بسواد وجوههم و غيره، و على هذا فالضمير في ذنبه عائد إلى مضمر مفسر بما يعده، و تقديره لا يسأل إنس عن ذنبه و لا جان يسأل، أي عن ذنبه و ثانيهما: معناه قريب من المعنى قوله تعالى: وَ لاََ تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ََ* [الأنعام: 164]كأنه يقول: لا يسأل عن ذنبه مذنب إنس و لا جان و فيه إشكال لفظي، لأن الضمير في ذنبه إن عاد إلى أمر قبله يلزم استحالة ما ذكرت من المعنى بل يلزم فساد المعنى رأسا لأنك إذا قلت: لا يسأل مسؤول واحد أو إنسي مثلا عن ذنبه فقولك بعد إنس و لا جان، يقتضي تعلق فعل بفاعلين و أنه محال، و الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن لا يفرض عائدا و إنما يجعل بمعنى المظهر لا غير و يجعل عن ذنبه كأنه قال: عن ذنب مذنب ثانيهما. و هو أدق و بالقبول أحق أن يجعل ما يعود إليه الضمير قبل الفعل فيقال:

تقديره فالمذنب يومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس و لا جان، و فيه مسائل لفظية و معنوية:

أما اللفظية المسألة الأولى: اللفظية الفاء للتعذيب و أنه يحتمل أن يكون زمانيا كأنه يقول: فإذا انشقت السماء يقع العذاب، فيوم وقوعه لا يسأل، و بين الأحوال فاصل زماني غير متراخ، و يحتمل أن يكون عقليا كأنه يقول: يقع العذاب فلا يتأخر تعلقه بهم مقدار ما يسألون عن ذنبهم، و يحتمل أن يكون أراد الترتيب الكلامي كأنه يقول:

تهربون بالخروج من أقطار السموات، و أقول لا تمتنعون عند انشقاق السماء، فأقول: لا تمهلون مقدار ما تسألون.

المسألة الثانية: ما المراد من السؤال؟ نقول: المشهور ما ذكرنا أنهم لا يقال لهم: من المذنب منكم، و هو على هذا سؤال استعلام، و على الوجه الثاني سؤال توبيخ أي لا يقال له: لم أذنب المذنب، و يحتمل أن يكون سؤال موهبة و شفاعة كما يقول القائل: أسألك ذنب فلان، أي أطلب منك عفوه، فإن قيل: هذا فاسد من وجوه أحدها: أن السؤال إذا عدى بعن لا يكون إلا بمعنى الاستعلام أو التوبيخ و إذا كان بمعنى الاستعطاء يعدى بنفسه إلى مفعولين فيقال: نسألك العفو و العافية ثانيها: الكلام لا يحتمل تقديرا و لا يمكن تقديره بحيث يطابق الكلام، لأن المعنى يصير كأنه يقول: لا يسأل واحد ذنب أحد بل أحد لا يسأل ذنب نفسه ثالثها: قوله:

يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمََاهُمْ [الرحمن: 41]لا يناسب ذلك نقول: أما الجواب عن الأول فهو أن السؤال ربما يتعدى إلى مفعولين غير أنه عند الاستعلام يحذف الثاني و يؤتى بما يتعلق به يقال: سألته عن كذا أي سألته الإخبار عن كذا فيحذف الإخبار و يكتفي بما يدل عليه، و هو الجار و المجرور فيكون المعنى طلبت منه أن يخبرني عن كذاو عن الثاني: أن يكون التقدير لا يسأل إنس ذنبه و لا جان، و الضمير يكون عائدا إلى المضمر لفظا لا معنى، كما نقول: قتلوا أنفسهم، فالضمير في أنفسهم عائد إلى ما في قولك: قتلوا لفظا لا معنى لأن ما في قتلوا ضمير الفاعل، و في أنفسهم ضمير المفعول، إذ الواحد لا يقتل نفسه و إنما المراد كل واحد قتل واحدا غيره، فكذلك‏[كل‏]إنس لا يسأل‏[عن‏]ذنبه أي ذنب إنس غيره، /و معنى الكلام لا يقال: لأحد اعف عن فلان، لبيان أن لا مسئول في ذلك الوقت من الإنس و الجن، و إنما كلهم سائلون اللّه و اللّه تعالى حينئذ هو المسئول.

و أما المعنوية فالأولى: كيف الجمع بين هذا و بين قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:

92] و بينه و بين قوله تعالى: وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ؟[الصافات: 24]نقول: على الوجه المشهور جوابان أحدهما: أن للآخرة مواطن. فلا يسأل في موطن، و يسأل في موطن و ثانيهما: و هو أحسن لا يسأل عن فعله

367

أحد منكم، و لكن يسأل بقوله: لم فعل الفاعل فلا يسأل سؤال استعلام، بل يسأل سؤال توبيخ، و أما على الوجه الثاني فلا يرد السؤال، فلا حاجة إلى بيان الجمع.

و الثانية: ما الفائدة في بيان عدم السؤال؟ نقول: على الوجه المشهور فائدته التوبيخ لهم كقوله تعالى:

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهََا غَبَرَةٌ*`تَرْهَقُهََا قَتَرَةٌ [عبس: 40، 41]و قوله تعالى: فَأَمَّا اَلَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ [آل عمران: 106]و على الثاني بيان أن لا يؤخذ منهم فدية، فيكون ترتيب الآيات أحسن، لأن فيها حينئذ بيان أن لا مفر لهم بقوله: إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا [الرحمن: 33]ثم بيان أن لا مانع عنهم بقوله: فَلاََ تَنْتَصِرََانِ [الرحمن: 35]ثم بيان أن لا فداء لهم عنهم بقوله: لا يسأل، و على الوجه الأخير، بيان أن لا شفيع لهم و لا راحم و فائدة أخرى: و هو أنه تعالى لما بين أن العذاب في الدنيا مؤخر بقوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ [الرحمن: 31] بين أنه في الآخرة لا يؤخر بقدر ما يسأل و فائدة أخرى: و هو أنه تعالى لما بين أن لا مفر لهم بقوله: لاََ تَنْفُذُونَ [الرحمن: 33]و لا ناصر لهم يخلصهم بقوله: فَلاََ تَنْتَصِرََانِ بين أمرا آخر، و هو أن يقول المذنب:

ربما أنجو في ظل خمول و اشتباه حال، فقال: و لا يخفى أحد من المذنبين بخلاف أمر الدنيا، فإن الشرذمة القليلة ربما تنجو من العذاب العام بسبب خمولهم. و قال تعالى:

اتصال الآيات بما قبلها على الوجه المشهور، ظاهر لا خفاء فيه، إذ قوله: يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ كالتفسير و على الوجه الثاني من أن المعنى لا يسأل عن ذنبه غيره كيف قال: يعرف و يؤخذ و على قولنا: لا يسأل سؤال حط و عفو أيضا كذلك، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: السيما كالضيزى و أصله سومى من السومة و هو يحتمل وجوها أحدها: كي على جباههم، قال تعالى: يَوْمَ يُحْمى‏ََ عَلَيْهََا فِي نََارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى‏ََ بِهََا جِبََاهُهُمْ [التوبة: 35]ثانيها: سواد كما قال تعالى: فَأَمَّا اَلَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ [آل عمران: 106]و قال تعالى: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: 60] ثالثها: غبرة و قترة.

المسألة الثانية: ما وجه إفراد (يؤخذ) مع أن (المجرمين) جمع، و هم المأخوذون؟ نقول فيه/و جهان أحدهما: أن يؤخذ متعلق بقوله تعالى: بِالنَّوََاصِي كما يقول القائل ذهب بزيد و ثانيهما: أن يتعلق بما يدل عليه يؤخذ، فكأنه تعالى قال، فيؤخذون بالنواصي، فإن قيل كيف عدى الأخذ بالباء و هو يتعدى بنفسه قال تعالى: لاََ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [الحديد: 15]و قال: خُذْهََا وَ لاََ تَخَفْ [طه: 21]نقول: الأخذ يتعدى بنفسه كما بينت، و بالباء أيضا كقوله تعالى: لاََ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لاََ بِرَأْسِي [طه: 94]لكن في الاستعمال تدقيق، و هو أن المأخوذ إن كان مقصودا بالأخذ توجه الفعل نحوه فيتعدى إليه من غير حرف، و إن كان المقصود بالأخذ غير الشي‏ء المأخوذ حسا تعدى إليه بحرف، لأنه لما لم يكن مقصودا فكأنه ليس هو المأخوذ، و كأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فذكر الحرف، و يدل على ما ذكرنا استعمال القرآن، فإن اللّه تعالى قال: خُذْهََا وَ لاََ تَخَفْ في العصا و قال تعالى: وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ [النساء: 102]و أَخَذَ اَلْأَلْوََاحَ [الأعراف: 154]

368

إلى غير ذلك، فلما كان ما ذكر هو المقصود بالأخذ عدى الفعل إليه من غير حرف، و قال تعالى: لاََ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لاََ بِرَأْسِي و قال تعالى: فَيُؤْخَذُ بِالنَّوََاصِي وَ اَلْأَقْدََامِ و يقال: خذ بيدي و أخذ اللّه بيدك إلى غير ذلك مما يكون المقصود بالأخذ غير ما ذكرنا، فإن قيل: ما الفائدة في توجيه الفعل إلى غير ما توجه إليه الفعل الأول، و لم قال: يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمََاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوََاصِي ؟نقول فيه بيان نكالهم و سوء حالهم و نبين هذا بتقديم مثال و هو أن القائل إذا قال ضرب زيد فقتل عمرو فإن المفعول في باب ما لم يسم فاعله قائم مقام الفاعل و مشبه به و لهذا أعرب إعرابه فلو لم يوجه يؤخذ إلى غير ما وجه إليه يعرف لكان الأخذ فعل من عرف فيكون كأنه قال: يعرف المجرمين عارف فيأخذهم ذلك العارف، لكن المجرم يعرفه بسيماه كل أحد، و لا يأخذه كل من عرفه بسيماه، بل يمكن أن يقال قوله: يُعْرَفُ اَلْمُجْرِمُونَ بِسِيمََاهُمْ المراد يعرفهم الناس و الملائكة الذين يحتاجون في معرفتهم إلى علامة، أما كتبة الأعمال و الملائكة الغلاظ الشداد فيعرفونهم كما يعرفون أنفسهم من غير احتياج إلى علامة، و بالجملة فقوله: يعرف معناه يكونون معروفين عند كل أحد فلو قال: يؤخذون يكون كأنه قال: فيكونون مأخوذين لكل أحد، كذلك إذا تأملت في قول القائل: شغلت فضرب زيد علمت عند توجه التعليق إلى مفعولين دليل تغاير الشاغل و الضارب لأنه يفهم منه أني شغلني شاغل فضرب زيدا ضارب، فالضارب غير ذلك الشاغل، و إذا قلت: شغل زيد فضرب لا يدل على ذلك حيث توجه إلى مفعول واحد، و إن كان يدل فلا يظهر مثل ما يظهر عند توجهه إلى مفعولين، أما بيان النكال فلأنه لما قال:

فَيُؤْخَذُ بِالنَّوََاصِي بين كيفية الأخذ و جعلها مقصود الكلام، و لو قال: فيؤخذون لكان الكلام يتم عنده و يكون قوله: بِالنَّوََاصِي فائدة جاءت بعد تمام الكلام فلا يكون هو المقصود، و أما إذا قال: فيؤخذ، فلا بد له من أمر يتعلق به فينتظر السامع وجود ذلك، فإذا قال: بِالنَّوََاصِي يكون هذا هو المقصود، و في كيفية الأخذ ظهور نكالهم لأن في نفس الأخذ بالناصية إذلالا و إهانة، و كذلك الأخذ بالقدم، لا يقال قد ذكرت أن التعدية بالباء إنما تكون حيث لا يكون المأخوذ مقصودا و الآن ذكرت أن الأخذ بالنواصي هو المقصود لأنا نقول: لا تنافي بينهما فإن الأخذ بالنواصي مقصود الكلام و الناصية ما أخذت لنفس كونها/ناصية و إنما أخذت ليصير صاحبها مأخوذا، و فرق بين مقصود الكلام و بين الأخذ، و قوله تعالى: فَيُؤْخَذُ بِالنَّوََاصِي وَ اَلْأَقْدََامِ فيه و جهان أحدهما: يجمع بين ناصيتهم و قدمهم، و على هذا ففيه قولان: أحدهما: أن ذلك قد يكون من جانب ظهورهم فيربط بنواصيهم أقدامهم من جانب الظهر فتخرج صدورهم نتأ و الثاني: أن ذلك من جانب وجوههم فتكون رءوسهم على ركبهم و نواصيهم في أصابع أرجلهم مربوطة الوجه الثاني: أنهم يسحبون سحبا فبعضهم يؤخذ بناصيته و بعضهم يجر برجله، و الأول أصح و أوضح. ثم قال تعالى:

و المشهور أن هاهنا إضمارا تقديره يقال لهم: هذه جهنم، و قد تقدم مثله في مواضع. و يحتمل أن يقال:

معناه هذه صفة جهنم فأقيم المضاف إليه مقام المضاف و يكون ما تقدم هو المشار إليه، و الأقوى أن يقال:

الكلام عند النواصي و الأقدام*قد تم، و قوله: هََذِهِ جَهَنَّمُ لقربها كما يقال هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، و يلائمه قوله: يُكَذِّبُ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون لأن في هذا الوقت لا يبقى مكذب،

369

و على هذا التقدير يضمر فيه: كان يكذب. و قوله تعالى:

هو كقوله تعالى: وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغََاثُوا بِمََاءٍ كَالْمُهْلِ [الكهف: 29]و كقوله تعالى: كُلَّمََا أَرََادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهََا أُعِيدُوا فِيهََا [السجدة: 20]لأنهم يخرجون فيستغيثون فيظهر لهم من بعد شي‏ء مائع هو صديدهم المغلي فيظنونه ماء، فيردون عليه كما يرد العطشان فيقعون و يشربون منه شرب الهيم، فيجدونه أشد حرا فيقطع أمعاءهم، كما أن العطشان إذا وصل إلى ماء مالح لا يبحث عنه و لا يذوقه، و إنما يشربه عبا فيحرق فؤاده و لا يسكن عطشه. و قوله: حَمِيمٍ إشارة إلى ما فعل فيه من الإغلاء، و قوله تعالى: آنٍ إشارة إلى ما قبله، و هو كما يقال: قطعته فانقطع فكأنه حمته النار فصار في غاية السخونة و آن الماء إذا انتهى في الحر نهاية. ثم قال تعالى:

و فيه بحث و هو أن هذه الأمور ليست من الآلاء فكيف قال: فَبِأَيِّ آلاََءِ ؟نقول: الجواب من وجهين أحدهما: ما ذكرناه و ثانيهما: أن المراد: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا مما أشرنا إليه في أول السورة. تُكَذِّبََانِ فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب، و كذلك نقول: في قوله: وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ [الرحمن: 46]هي الجنان ثم إن تلك الآلاء لا ترى، و هذا ظاهر لأن الجنان غير مرئية، و إنما حصل الإيمان بها بالغيب، فلا/يحسن الاستفهام بمعنى الإنكار مثل ما يحسن الاستفهام عن هيئة السماء و الأرض و النجم و الشجر و الشمس و القمر و غيرها مما يدرك و يشاهد، لكن النار و الجنة ذكرتا للترهيب و الترغيب كما بينا أن المراد فبأيهما تكذبان فتستحقان العذاب و تحرمان الثواب. ثم قال تعالى:

و فيه لطائف: الأولى: التعريف في عذاب جهنم قال: هََذِهِ جَهَنَّمُ [الرحمن: 43]و التنكير في الثواب بالجنة إشارة إلى أن كثرة المراتب التي لا تحد و نعمه التي لا تعد، و ليعلم أن آخر العذاب جهنم و أول مراتب الثواب الجنة ثم بعدها مراتب و زيادات الثانية: قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخََافُ وَعِيدِ [ق: 45]أن الخوف خشية سببها ذل الخاشي، و الخشية خوف سببه عظمة المخشى، قال تعالى: إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ [فاطر: 28]لأنهم عرفوا عظمة اللّه فخافوه لا لذل منهم، بل لعظمة جانب اللّه، و كذلك قوله: مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [المؤمنون: 57]و قال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنََا هََذَا اَلْقُرْآنَ عَلى‏ََ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خََاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ [الحشر: 21]أي لو كان المنزل عليه العالم بالمنزل كالجبل العظيم في القوة و الارتفاع لتصدع من خشية اللّه لعظمته، و كذلك قوله تعالى: وَ تَخْشَى اَلنََّاسَ وَ اَللََّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشََاهُ [الأحزاب: 37]و إنما قلنا: إن الخشية تدل على ما ذكرنا لأن الشيخ للسيد و الرجل الكبير يدل على حصول معنى العظمة في خ ش ي، و قال تعالى في الخوف: وَ لاََ تَخَفْ سَنُعِيدُهََا [طه: 21]لما كان الخوف يضعف‏

370

في موسى، و قال: لاََ تَخَفْ وَ لاََ تَحْزَنْ [العنكبوت: 33]و قال: فَأَخََافُ أَنْ يَقْتُلُونِ* [الشعراء: 14]و قال إني: خِفْتُ اَلْمَوََالِيَ مِنْ وَرََائِي [مريم: 5]و يدل عليه تقاليب خ و ف فإن قولك خفي قريب منه، و الخافي فيه ضعف و الأخيف يدل عليه أيضا، و إذا علم هذا فاللّه تعالى مخوف و مخشي، و العبد من اللّه خائف و خاش، لأنه إذا نظر إلى نفسه رآها في غاية الضعف فهو خائف، و إذا نظر إلى حضرة اللّه رآها في غاية العظمة فهو خاش، لكن درجة الخاشي فوق درجة الخائف، فلهذا قال: إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ مِنْ عِبََادِهِ اَلْعُلَمََاءُ جعله منحصرا فيهم لأنهم و إن فرضوا أنفسهم على غير ما هم عليه، و قدروا أن اللّه رفع عنهم جميع ما هم فيه من الحوائج لا يتركون خشيته، بل تزداد خشيتهم، و إما الذي يخافه من حيث إنه يفقره أو يسلب جاهه، فربما يقل خوفه إذا أمن ذلك، فلذلك قال تعالى: وَ لِمَنْ خََافَ مَقََامَ رَبِّهِ جَنَّتََانِ و إذا كان هذا للخائف فما ظنك بالخاشي؟ الثالثة:

لما ذكر الخوف ذكر المقام، و عند الخشية ذكر اسمه الكريم فقال: إِنَّمََا يَخْشَى اَللََّهَ و قال: لَرَأَيْتَهُ خََاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ و

قال عليه السلام: «خشية اللّه رأس كل حكمة»

لأنه يعرف ربه بالعظمة فيخشاه. و في مقام ربه قولان: أحدهما: مقام ربه أي المقام الذي يقوم هو فيه بين يدي ربه، و هو مقام عبادته كما يقال: هذا معبد اللّه و هذا معبد الباري أي المقام الذي يعبد اللّه العبد فيه و الثاني: مقام ربه الموضع الذي فيه اللّه قائم على عباده من قوله تعالى: / أَ فَمَنْ هُوَ قََائِمٌ عَلى‏ََ كُلِّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ [الرعد: 33]أي حافظ و مطلع أخذا من القائم على الشي‏ء حقيقة الحافظ له فلا يغيب عنه، و قيل: مقام مقحم يقال: فلان يخاف جانب فلان أي يخاف فلانا و على هذا الوجه يظهر الفرق غاية الظهور بين الخائف و الخاشي، لأن الخائف خاف مقام ربه بين يدي اللّه فالخاشي لو قيل له: افعل ما تريد فإنك لا تحاسب و لا تسأل عما تفعل لما كان يمكنه أن يأتي بغير التعظيم و الخائف ربما كان يقدم على ملاذ نفسه لو رفع عنه القلم و كيف لا، و يقال: خاصة اللّه من خشية اللّه في شغل شاغل عن الأكل و الشرب واقفون بين يدي اللّه سابحون في مطالعة جماله غائصون في بحار جلاله، و على الوجه الثاني قرب الخائف من الخاشي و بينهما فرق الرابعة: في قوله: جَنَّتََانِ و هذه اللطيفة نبينها بعد ما نذكر ما قيل في التثنية، قال بعضهم: المراد جنة واحدة كما قيل في قوله: أَلْقِيََا فِي جَهَنَّمَ [ق: 24]و تمسك بقول القائل:

و مهمهين سرت مرتين # قطعته بالسهم لا السهمين‏

فقال: أراد مهمها واحدا بدليل توحيد الضمير في قطعته و هو باطل، لأن قوله بالسهم يدل على أن المراد مهمهان، و ذلك لأنه لو كان مهمها واحدا لما كانوا في قطعته يقصدون جدلا، بل يقصدون التعجب و هو إرادته قطع مهمهين بأهبة واحدة و سهم واحد و هو من العزم القوي، و أما الضمير فهو عائد إلى مفهوم تقديره قطعت كليهما و هو لفظ مقصور معناه التثنية و لفظه للواحد، يقال: كلاهما معلوم و مجهول، قال تعالى: كِلْتَا اَلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهََا [الكهف: 33]فوحد اللفظ و لا حاجة هاهنا إلى التعسف، و لا مانع من أن يعطي اللّه جنتين و جنانا عديدة، و كيف و قد قال بعد: ذَوََاتََا أَفْنََانٍ [الرحمن: 48]و قال: فيهما. و الثاني و هو الصحيح أنهما جنتان و فيه وجوه أحدها: أنهما جنة للجن و جنة للإنس لأن المراد هذان النوعان و ثانيهما: جنة لفعل الطاعات، و جنة لترك المعاصي لأن التكليف بهذين النوعين و ثالثها: جنة هي جزاء و جنة أخرى زيادة على الجزاء، و يحتمل أن يقال: جنتان جنة جسمية و الأخرى روحية فالجسمية في نعيم و الروحية في روح فكان كما قال تعالى: فَرَوْحٌ

371

وَ رَيْحََانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ [الواقعة: 89]و ذلك لأن الخائف من المقربين و المقرب في روح و ريحان و جنة نعيم و أما اللطيفة: فنقول: لما قال تعالى في حق المجرم إنه يطوف بين نار و بين حميم آن، و هما نوعان ذكر لغيره و هو الخائف جنتين في مقابلة ما ذكر في حق المجرم، لكنه ذكر هناك أنهم يطوفون فيفارقون عذابا و يقعون في الآخر، و لم يقل: هاهنا يطوفون بين الجنتين بل جعلهم اللّه تعالى ملوكا و هم فيها يطاف عليهم و لا يطاف بهم احتراما لهم و إكراما في حقهم، و قد ذكرنا في قوله تعالى: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ* [الرعد: 35] و قوله: إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنََّاتٍ [الذاريات: 15]أنه تعالى ذكر الجنة و الجنات، فهي لاتصال أشجارها و مساكنها و عدم وقوع الفاصل بينهما كمهامه و قفار صارت كجنة واحدة، و لسعتها و تنوع أشجارها و كثرة مساكنها كأنها جنات، و لاشتمالها على ما تلتذ به الروح و الجسم كأنها جنتان، فالكل عائد إلى صفة مدح. ثم قال تعالى:

هي جمع فنن أي ذواتا أغصان أو جمع فن أي فيهما فنون من الأشجار و أنواع من الثمار. فإن قيل: أي الوجهين أقوى؟نقول: الأول لوجهين أحدهما: أن الأفنان في جمع فنن هو المشهور و الفنون في جمع الفن كذلك، و لا يظن أن الأفنان و الفنون جمع فن بل كل واحد منهما جمع معرف بحرف التعريف و الأفعال في فعل كثير و الفعول في فعل أكثر ثانيهما: قوله تعالى: فِيهِمََا مِنْ كُلِّ فََاكِهَةٍ زَوْجََانِ [الرحمن: 52]مستقل بما ذكر من الفائدة، و لأن ذلك فيما يكون ثابتا لا تفاوت فيه ذهنا و وجودا أكثر، فإن قيل: كيف تمدح بالأفنان و الجنات في الدنيا ذوات أفنان كذلك؟نقول: فيه وجهان أحدهما: أن الجنات في الأصل ذوات أشجار، و الأشجار ذوات أغصان، و الأغصان ذوات أزهار و أثمار، و هي لتنزه الناظر إلا أن جنة الدنيا لضرورة الحاجة و جنة الآخرة ليست كالدنيا فلا يكون فيها إلا ما فيه اللذة و أما الحاجة فلا، و أصول الأشجار و سوقها أمور محتاج إليها مانعة للإنسان عن التردد في البستان كيفما شاء، فالجنة فيها أفنان عليها أوراق عجيبة، و ثمار طيبة من غير سوق غلاظ، و يدل عليه أنه تعالى لم يصف الجنة إلا بما فيه اللذة بقوله: ذَوََاتََا أَفْنََانٍ أي الجنة هي ذات فنن غير كائن على أصل و عرق بل هي واقفة في الجو و أهلها من تحتها و الثاني: من الوجهين هو أن التنكير للأفنان للتكثير أو للتعجب. ثم قال تعالى:

أي في كل واحدة منهما عين جارية، كما قال تعالى: فِيهََا عَيْنٌ جََارِيَةٌ و في كل واحدة منهما من الفواكه نوعان، و فيها مسائل بعضها يذكر عند تفسير قوله تعالى: فِيهِمََا عَيْنََانِ نَضََّاخَتََانِ *... فِيهِمََا فََاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ

372

وَ رُمََّانٌ [الرحمن: 66-68]و بعضها يذكر هاهنا.

المسألة الأولى: هي أن قوله: ذَوََاتََا أَفْنََانٍ [الرحمن: 48]و فِيهِمََا عَيْنََانِ تَجْرِيََانِفِيهِمََا مِنْ كُلِّ فََاكِهَةٍ زَوْجََانِ كلها أوصاف للجنتين المذكورتين فهو كالكلام الواحد تقديره: جنتان ذواتا أفنان، ثابت فيهما عينان، كائن فيهما من كل فاكهة زوجان، فإن قيل: ما الفائدة في فصل بعضها عن بعض بقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ ثلاث مرات مع أنه في ذكر العذاب ما فصل بين كلامين بها حيث قال: يُرْسَلُ عَلَيْكُمََا شُوََاظٌ مِنْ نََارٍ وَ نُحََاسٌ فَلاََ تَنْتَصِرََانِ [الرحمن: 35]مع أن إرسال نحاس غير/إرسال شواظ، و قال:

يَطُوفُونَ بَيْنَهََا وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: 44]مع أن الحميم غير الجحيم، و كذا قال تعالى: هََذِهِ جَهَنَّمُ اَلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا اَلْمُجْرِمُونَ [الرحمن: 43]و هو كلام تام، و قوله تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَهََا وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: 44]كلام آخر و لم يفصل بينهما بالآية المذكورة؟نقول: فيه تغليب جانب الرحمة، فإن آيات العذاب سردها سردا و ذكرها جملة ليقصر ذكرها، و الثواب ذكره شيئا فشيئا، لأن ذكره يطيب للسامع فقال بالفصل و تكرار عود الضمير إلى الجنس بقوله: فِيهِمََا عَيْنََانِ ، فِيهِمََا مِنْ كُلِّ فََاكِهَةٍ لأن إعادة ذكر المحبوب محبوب، و التطويل بذكر اللذات مستحسن.

المسألة الثانية: قوله تعالى: فِيهِمََا عَيْنََانِ تَجْرِيََانِ أي في كل واحدة عين واحدة كما مر، و قوله:

فِيهِمََا مِنْ كُلِّ فََاكِهَةٍ زَوْجََانِ معناه كل واحدة منهما زوج، أو معناه في كل واحدة منهما من الفواكه زوجان، و يحتمل أن يكون المراد مثل ذلك أي في كل واحدة من الجنتين زوج من كل فاكهة ففيهما جميعا زوجان من كل فاكهة، و هذا إذا جعلنا الكنايتين فيهما للزوجين، أو نقول: من كل فاكهة لبيان حال الزوجين، و مثاله إذا دخلت من على ما لا يمكن أن يكون كائنا في شي‏ء كقولك: في الدار من الشرق رجل، أي فيها رجل من الشرق، و يحتمل أن يكون المراد في كل واحدة منها زوجان، و على هذا يكون كالصفة بما يدل عليه من كل فاكهة كأنه قال: فيهما من كل فاكهة، أي كائن فيهما شي‏ء من كل فاكهة، و ذلك الكائن زوجان، و هذا بين فيما تكون من داخله على ما لا يمكن أن يكون هناك كائن في الشي‏ء غيره، كقولك: في الدار من كل ساكن، فإذا قلنا: فيهما من كل فاكهة زوجان الثالث: عند ذكر الأفنان لو قال: فيهما من كل فاكهة زوجان كان متناسبا لأن الأغصان عليها الفواكه، فما الفائدة في ذكر العينين بين الأمرين المتصل أحدهما بالآخر؟نقول: جرى ذكر الجنة على عادة المتنعمين، فإنهم إذا دخلوا البستان لا يبادرون إلى أكل الثمار بل يقدمون التفرج على الأكل، مع أن الإنسان في بستان الدنيا لا يأكل حتى يجوع و يشتهي شهوة مؤلمة فكيف في الجنة فذكر ما يتم به النزهة و هو خضرة الأشجار، و جريان الأنهار، ثم ذكر ما يكون بعد النزهة و هو أكل الثمار، فسبحان من يأتي بالآي بأحسن المعاني في أبين المباني. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل نحوية و لغوية و معنوية.

المسألة الأولى من النحوية: هو أن المشهور أن (متكئين) حال و ذو الحال من في قوله: وَ لِمَنْ خََافَ‏

373

مَقََامَ رَبِّهِ [الرحمن: 46]و العامل ما يدل عليه اللام الجارة تقديره لهم في حال الاتكاء جنتان/و قال صاحب «الكشاف» : يحتمل أن يكون نصبا على المدح، و إنما حمله على هذا إشكال في قول من قال: إنه حال و ذلك لأن الجنة ليست لهم حال الاتكاء بل هي لهم في كل حال فهي قبل الدخول لهم، و يحتمل أن يقال: هو حال و ذو الحال ما تدل عليه الفاكهة. لأن قوله تعالى: فِيهِمََا مِنْ كُلِّ فََاكِهَةٍ زَوْجََانِ [الرحمن: 52]يدل على متفكهين بها كأنه قال: يتفكه المتفكهون بها، متكئين، و هذا فيه معنى لطيف، و ذلك لأن الأكل إن كان ذليلا كالخول و الخدم و العبيد و الغلمان، فإنه يأكل قائما، و إن كان عزيزا فإن كان يأكل لدفع الجوع يأكل قاعدا و لا يأكل متكئا إلا عزيز متفكه ليس عنده جوع يقعده للأكل، و لا هنالك من يحسمه، فالتفكه مناسب للاتكاء.

المسألة الثانية من المسائل النحوية: عَلى‏ََ فُرُشٍ متعلق بأي فعل هو؟ إن كان متعلقا بما في مُتَّكِئِينَ ، حتى يكون كأنه يقول: يتكئون على فرش كما كان يقال: فلان اتكأ على عصاه أو على فخذيه فهو بعيد لأن الفراش لا يتكأ عليه، و إن كان متعلقا بغيره فماذا هو؟نقول: متعلق بغيره تقديره يتفكه الكائنون على فرش متكئين من غير بيان ما يتكئون عليه، و يحتمل أن يكون اتكاؤهم على الفرش غير أن الأظهر ما ذكرنا ليكون ذلك بيانا لما تحتهم و هم بجميع بدنهم عليه و هو أنعم و أكرم لهم.

المسألة الثالثة: الظاهر أن لكل واحد فرشا كثيرة لا أن لكل واحد فراشا فلكلهم فرش عليها كائنون.

المسألة الرابعة لغوية: الإستبرق هو الديباج الثخين و كما أن الديباج معرب بسبب أن العرب لم يكن عندهم ذلك إلا من العجم، استعمل الاسم المعجم فيه غير أنهم تصرفوا فيه تصرفا و هو أن اسمه بالفارسية ستبرك بمعنى ثخين تصغير «ستبر» فزادوا فيه همزة متقدمة عليه، و بدلوا الكاف بالقاف، أما الهمزة، فلأن حركات أوائل الكلمة في لسان العجم غير مبنية في كثير من المواضع فصارت كالسكون، فأثبتوا فيه همزة كما أثبتوا همزة الوصل عند سكون أول الكلمة، ثم إن البعض جعلوها همزة وصل و قالوا: مِنْ إِسْتَبْرَقٍ و الأكثرون جعلوها همزة قطع لأن أول الكلمة في الأصل متحرك لكن بحركة فاسدة فأتوا بهمزة تسقط عنهم الحركة الفاسدة و تمكنهم من تسكين الأول و عند تساوي الحركة، فالعود إلى السكون أقرب، و أواخر الكلمات عند الوقف تسكن و لا تبدل حركة بحركة، و أما القاف فلأنهم لو تركوا الكاف لاشتبه ستبرك بمسجدك و دارك، فأسقطوا منه الكاف التي هي على لسان العرب في آخر الكلم للخطاب و أبدلوها قافا ثم عليه سؤال مشهور، و هو أن القرآن أنزل بلسان عربي مبين، و هذا ليس بعربي، و الجواب الحق أن اللفظة في أصلها لم تكن بين العرب بلغة، و ليس المراد أنه أنزل بلغة هي في أصل وضعها على لسان العرب، بل المراد أنه منزل بلسان لا يخفى معناه على أحد من العرب و لم يستعمل فيه لغة لم تتكلم العرب بها، فيصعب عليهم مثله لعدم مطاوعة لسانهم التكلم بها فعجزهم عن مثله ليس إلا لمعجز.

المسألة الخامسة: معنوية الاتكاء من الهيئات الدالة على صحة الجسم و فراغ القلب، فالمتكئ تكون أمور جسمه على ما ينبغي و أحوال قلبه على ما ينبغي، لأن العليل يضطجع و لا يستلقي أو يستند إلى شي‏ء على حسب ما يقدر عليه للاستراحة، و أما الاتكاء بحيث يضع كفه تحت رأسه و مرفقه على الأرض و يجافي جنبيه عن الأرض فذاك أمر لا يقدر عليه، و أما مشغول القلب في طلب شي‏ء فتحركه تحرك مستوفز.

المسألة السادسة: قال أهل التفسير قوله: بَطََائِنُهََا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ يدل على نهاية شرفها فإن ما تكون‏

374

بطائنها من الإستبرق تكون ظهائرها خيرا منها، و كأنه شي‏ء لا يدركه البصر من سندس و هو الديباج الرقيق الناعم، و فيه وجه آخر معنوي و هو أن أهل الدنيا يظهرون الزينة و لا يتمكنون من أن يجعلوا البطائن كالظهائر، لأن غرضهم إظهار الزينة و البطائن لا تظهر، و إذا انتفى السبب انتفى المسبب، فلما لم يحصل في جعل البطائن من الديباج مقصودهم و هو الإظهار تركوه، و في الآخرة الأمر مبني على الإكرام و التنعيم فتكون البطائن كالظهائر فذكر البطائن.

المسألة السابعة: قوله تعالى: وَ جَنَى اَلْجَنَّتَيْنِ دََانٍ فيه إشارة إلى مخالفتها لجنة دار الدنيا من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الثمرة في الدنيا على رءوس الشجرة و الإنسان عند الاتكاء يبعد عن رءوسها و في الآخرة هو متكئ و الثمرة تنزل إليه ثانيها: في الدنيا من قرب من ثمرة شجرة بعد عن الأخرى و في الآخرة كلها دان في وقت واحد و مكان واحد، و في الآخرة المستقر في جنة عنده جنة أخرى ثالثها: أن العجائب كلها من خواص الجنة فكان أشجارها دائرة عليهم ساترة إليهم و هم ساكنون على خلاف ما كان في الدنيا و جناتها و في الدنيا الإنسان متحرك و مطلوبه ساكن، و فيه الحقيقة و هي أن من لم يكسل و لم يتقاعد عن عبادة اللّه تعالى، و سعى في الدنيا في الخيرات انتهى أمره إلى سكون لا يحوجه شي‏ء إلى حركة، فأهل الجنة إن تحركوا تحركوا لا لحاجة و طلب، و إن سكنوا سكنوا لا لاستراحة بعد التعب، ثم إن الولي قد تصير له الدنيا أنموذجا من الجنة، فإنه يكون ساكنا في بيته و يأتيه الرزق متحركا إليه دائرا حواليه، يدلك عليه قوله تعالى: كُلَّمََا دَخَلَ عَلَيْهََا زَكَرِيَّا اَلْمِحْرََابَ وَجَدَ عِنْدَهََا رِزْقاً [آل عمران: 37].

المسألة الثامنة: الجنتان إن كانتا جسميتين فهو أبدا يكون بينهما و هما عن يمينه و شماله هو يتناول ثمارهما و إن كانت إحداهما روحية و الأخرى جسمية فلكل واحد منهما فواكه و فرش تليق بها. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

الأول: في الترتيب و أنه في غاية الحسن لأنه في أول الأمر بين المسكن و هو الجنة، ثم بين ما يتنزه به فإن من يدخل بستانا يتفرج أولا فقال: ذَوََاتََا أَفْنََانٍ ... فِيهِمََا عَيْنََانِ [الرحمن: 48-50]ثم ذكر ما يتناول من المأكول فقال: فِيهِمََا مِنْ كُلِّ فََاكِهَةٍ [الرحمن: 52]ثم ذكر موضع الراحة بعد التناول و هو الفراش، ثم ذكر ما يكون في الفراش معه.

الثاني: فِيهِنَّ الضمير عائد إلى ما ذا؟ نقول: فيه ثلاثة أوجه أحدها: إلى الآلاء و النعم أي قاصرات الطرف ثانيها: إلى الفراش أي في الفرش قاصرات و هما ضعيفان، أما الأول فلأن اختصاص القاصرات بكونهن في الآلاء مع أن الجنتين في الآلاء و العينين فيهما و الفواكه كذلك لا يبقى له فائدة، و أما الثاني فلأن الفرش جعلها ظرفهم حيث قال: مُتَّكِئِينَ عَلى‏ََ فُرُشٍ [الرحمن: 54]و أعاد الضمير إليها بقوله: بَطََائِنُهََا [الرحمن: 54]و لم يقل: بطائنهن، فقوله فِيهِنَّ يكون تفسيرا للضمير فيحتاج إلى بيان فائدة لأنه تعالى قال بعد هذا مرة أخرى: فِيهِنَّ خَيْرََاتٌ [الرحمن: 70]و لم يكن هناك ذكر الفرش فالأصح إذن هو الوجه الثالث: و هو أن الضمير عائد إلى الجنتين، و جمع الضمير هاهنا و ثنى في قوله: فِيهِمََا عَيْنََانِ [الرحمن: 50]

375

و: فِيهِمََا مِنْ كُلِّ فََاكِهَةٍ [الرحمن: 52]و ذلك لأنا بينا أن الجنة لها اعتبارات ثلاثة أحدها: اتصال أشجارها و عدم وقوع الفيافي و المهامة فيها و الأراضي الغامرة، و من هذا الوجه كأنها جنة واحدة لا يفصلها فاصل و ثانيها:

اشتمالها على النوعين الحاصرين للخيرات، فإن فيها ما في الدنيا، و ما ليس في الدنيا و فيها ما يعرف، و مالا يعرف، و فيها ما يقدر على وصفه، و فيها مالا يقدر، و فيها لذات جسمانية و لذات غير جسمانية فلاشتمالها على النوعين كأنها جنتان و ثالثها: لسعتها و كثرة أشجارها و أماكنها و أنهارها و مساكنها كأنها جنات، فهي من وجه جنة واحدة و من وجه جنتان و من وجه جنات. إذا ثبت هذا فنقول: اجتماع النسوان للمعاشرة مع الأزواج و المباشرة في الفراش في موضع واحد في الدنيا لا يمكن، و ذلك لضيق المكان، أو عدم الإمكان أو دليل ذلة النسوان، فإن الرجل الواحد لا يجمع بين النساء في بيت إلا إذا كن جواري غير ملتفت إليهن، فأما إذا كانت كل واحدة كبيرة النفس كثيرة المال فلا يجمع بينهن، و اعلم أن الشهوة في الدنيا كما تزداد بالحسن الذي في الأزواج تزداد بسبب العظمة و أحوال الناس في أكثر الأمر تدل عليه، إذا ثبت هذا فنقول: الحظايا في الجنة يجتمع فيهن حسن الصورة و الجمال و العز و الشرف و الكمال، فتكون الواحدة لها كذا و كذا من الجواري و الغلمان فتزداد اللذة بسبب كمالها، فإذن ينبغي أن يكون لكل واحدة ما يليق بها من المكان الواسع فتصير الجنة التي هي واحدة من حيث الاتصال كثيرة من حيث تفرق المساكن فيها فقال: فِيهِنَّ و أما الدنيا فليس فيها تفرق المساكن دليلا للعظمة و اللذة فقال‏ فِيهِمََا [الرحمن: 50]و هذا من اللطائف الثالث: قاصرات الطرف صفة لموصوف حذف، و أقيمت الصفة مكانه، و الموصوف النساء أو الأزواج كأنه قال فيهن، نساء قاصرات الطرف و فيه لطيفة:

فإنه تعالى لم يذكر النساء إلا بأوصافهن و لم يذكر اسم الجنس فيهن، فقال تارة: وَ حُورٌ عِينٌ [الواقعة: 22] /و تارة: عُرُباً أَتْرََاباً [الرحمن: 56]و تارة: قََاصِرََاتُ اَلطَّرْفِ و لم يذكر نساء كذا و كذا لوجهين أحدهما: الإشارة إلى تخدرهن و تسترهن، فلم يذكرهن باسم الجنس لأن اسم الجنس يكشف من الحقيقة ما لا يكشفه الوصف فإنك إذا قلت المتحرك المريد الآكل الشارب لا تكون بينته بالأوصاف الكثيرة أكثر مما بينته بقوله: حيوان و إنسان و ثانيهما: إعظاما لهن ليزداد حسنهن في أعين الموعودين بالجنة فإن بنات الملوك لا يذكرن إلا بالأوصاف.

المسألة الرابعة: قََاصِرََاتُ اَلطَّرْفِ من القصر و هو المنع أي المانعات أعينهن من النظر إلى الغير، أو من القصور، و هو كون أعينهن قاصرة لا طماح فيها للغير، أقول و الظاهر أنه من القصر إذ القصر مدح و القصور ليس كذلك، و يحتمل أن يقال: هو من القصر بمعنى أنهن قصرن أبصارهن، فأبصارهن مقصورة و هن قاصرات فيكون من إضافة الفاعل إلى المفعول و الدليل عليه هو أن القصر مدح و القصور ليس كذلك، و على هذا ففيه لطيفة و هي أنه تعالى قال من بعد هذه: حُورٌ مَقْصُورََاتٌ [الرحمن: 72]فهن مقصورات و هن قاصرات، و فيه وجهان أحدهما: أن يقال: هن قاصرات أبصارهن كما يكون شغل العفائف، و هن قاصرات أنفسهن في الخيام كما هو عادة المخدرات لأنفسهن في الخيام و لأبصارهن عن الطماح و ثانيهما: أن يكون ذلك بيانا لعظمتهن و عفافهن و ذلك لأن المرأة التي لا يكون لها رادع من نفسها و لا يكون لها أولياء يكون فيها نوع هوان، و إذا كان لها أولياء أعزة امتنعت عن الخروج و البروز، و ذلك يدل على عظمتهن، و إذا كن في أنفسهن عند الخروج لا ينظرن يمنة و يسرة فهن في أنفسهن عفائف، فجمع بين الإشارة إلى عظمتهن بقوله تعالى:

376

مَقْصُورََاتٌ منعهن أولياؤهن و هاهنا وليهن اللّه تعالى، و بين الإشارة إلى عفتهن بقوله تعالى: قََاصِرََاتُ اَلطَّرْفِ ثم تمام اللطف أنه تعالى قدم ذكر ما يدل على العفة على ما يدل على العظمة و ذكر في أعلى الجنتين قاصرات و في أدناهما مقصورات، و الذي يدل على أن المقصورات يدل على العظمة أنهن يوصفن بالمخدرات لا بالمتخدرات، إشارة إلى أنهن خدرهن خادر لهن غيرهن كالذي يضرب الخيام و يدلي الستر، بخلاف من تتخذه لنفسها و تغلق بابها بيدها، و سنذكر بيانه في تفسير الآية بعد.

المسألة الخامسة: قََاصِرََاتُ اَلطَّرْفِ فيها دلالة عفتهن، و على حسن المؤمنين في أعينهن، فيجبن أزواجهن حبا يشغلهن عن النظر إلى غيرهم، و يدل أيضا على الحياء لأن الطرف حركة الجفن، و الحورية لا تحرك جفنها و لا ترفع رأسها.

المسألة السادسة: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ فيه وجوه أحدها: لم يفرعهن ثانيها: لم يجامعهن ثالثها: لم يمسسهن، و هو أقرب إلى حالهن و أليق بوصف كمالهن، لكن لفظ الطمث غير ظاهر فيه و لو كان المراد منه المس لذكر اللفظ الذي يستحسن، و كيف و قد قال تعالى: وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: 237]و قال:

فَاعْتَزِلُوا [البقرة: 222]و لم يصرح بلفظ موضوع للوطء، فإن قيل: فما ذكرتم من/الإشكال باق و هو أنه تعالى كنى عن الوطء في الدنيا باللمس كما في قوله تعالى: أَوْ لاََمَسْتُمُ اَلنِّسََاءَ* [النساء: 43]على الصحيح في تفسير الآية و سنذكره، و إن كان على خلاف قول إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه و بالمس في قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ* [البقرة: 237]و لم يذكر المس في الآخرة بطريق الكناية، نقول: إنما ذكر الجماع في الدنيا بالكناية لما أنه في الدنيا قضاء للشهوة و أنه يضعف البدن و يمنع من العبادة، و هو في بعض الأوقات قبحه كقبح شرب الخمر، و في بعض الأوقات هو كالأكل الكثير و في الآخرة مجرد عن وجوه القبح، و كيف لا و الخمر في الجنة معدودة من اللذات و أكلها و شربها دائم إلى غير ذلك، فاللّه تعالى ذكره في الدنيا بلفظ مجازي مستور في غاية الخفاء بالكناية إشارة إلى قبحه و في الآخرة ذكره بأقرب الألفاظ إلى التصريح أو بلفظ صريح، لأن الطمث أدل من الجماع و الوقاع لأنهما من الجمع و الوقوع إشارة إلى خلوه عن وجوه القبح.

المسألة السابعة: ما الفائدة في كلمة قَبْلَهُمْ ؟ قلنا لو قال: لم يطمثهن إنس و لا جان يكون نفيا لطمث المؤمن إياهن و ليس كذلك.

المسألة الثامنة: ما الفائدة في ذكر الجان مع أن الجان لا يجامع؟ نقول: ليس كذلك بل الجن لهم أولاد و ذريات و إنما الخلاف في أنهم هل يواقعون الإنس أم لا؟و المشهور أنهم يواقعون و إلا لما كان في الجنة أحساب و لا أنساب، فكأن مواقعة الإنس إياهن كمواقعة الجن من حيث الإشارة إلى نفيها. ثم قال تعالى:

و هذا التشبيه فيه وجهان أحدهما: تشبيه بصفائهما و ثانيهما: بحسن بياض اللؤلؤ و حمرة الياقوت، و المرجان صغار اللؤلؤ و هي أشد بياضا و ضياء من الكبار بكثير، فإن قلنا: إن التشبيه لبيان صفائهن، فنقول:

فيه لطيفة هي أن قوله تعالى: قََاصِرََاتُ اَلطَّرْفِ إشارة إلى خلوصهن عن القبائح، و قوله: كَأَنَّهُنَّ اَلْيََاقُوتُ‏

377

وَ اَلْمَرْجََانُ إشارة إلى صفائهن في الجنة، فأول ما بدأ بالعقليات و ختم بالحسيات، كما قلنا: إن التشبيه لبيان مشابهة جسمهن بالياقوت و المرجان في الحمرة و البياض، فكذلك القول فيه حيث قدم بيان العفة على بيان الحسن و لا يبعد أن يقال: هو مؤكد لما مضى لأنهن لما كن قاصرات الطرف ممتنعات عن الاجتماع بالإنس و الجن لم يطمثهن فهن كالياقوت الذي يكون في معدنه و المرجان المصون في صدفه لا يكون قد مسه يد لامس، و قد بينا مرة أخرى في قوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات: 49]أن (كأن) الداخلة على المشبه به لا تفيد من التأكيد ما تفيده الداخلة على المشبه، فإذا قلت: زيد كالأسد، كان معناه زيد يشبه الأسد، و إذا قلت كأن زيدا الأسد فمعناه يشبه أن زيدا هو الأسد حقيقة، لكن قولنا: زيد يشبه الأسد ليس فيه مبالغة عظيمة، فإنه يشبهه في أنهما حيوانان/و جسمان و غير ذلك، و قولنا: زيد يشبه لا يمكن حمله على الحقيقة، أما من حيث اللفظ فنقول: إذا دخلت الكاف على المشبه به، و قيل: إن زيدا كالأسد عملت الكاف في الأسد عملا لفظيا و العمل اللفظي مع العمل المعنوي، فكأن الأسد عمل به عمل حتى صار زيدا، و إذا قلت: كأن زيدا الأسد تركت الأسد على إعرابه فإذن هو متروك على حاله و حقيقته و زيد يشبه به في تلك الحال و لا شك في أن زيدا إذا شبه بأسد هو على حاله باق يكون أقوى مما إذا شبه بأسد لم يبق على حاله، و كأن من قال: زيد كالأسد نزل الأسد عن درجته فساواه زيد، و من قال: كأن زيدا الأسد رفع زيدا عن درجته حتى ساوى الأسد، و هذا تدقيق لطيف. ثم قال تعالى:

و فيه وجوه كثيرة حتى قيل: إن في القرآن ثلاث آيات في كل آية منها مائة قول الأولى: قوله تعالى:

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: 152]، الثانية: قوله تعالى: إِنْ عُدْتُمْ عُدْنََا [الإسراء: 8]، الثالثة: قوله تعالى:

هَلْ جَزََاءُ اَلْإِحْسََانِ إِلاَّ اَلْإِحْسََانُ و لنذكر الأشهر منها و الأقرب. أما الأشهر فوجوه أحدها: هل جزاء التوحيد غير الجنة، أي جزاء من قال: لا إله إلا اللّه إدخال الجنة ثانيها: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان في الآخرة ثالثها: هل جزاء من أحسن إليكم في الدنيا بالنعم و في العقبى بالنعيم إلا أن تحسنوا إليه بالعبادة و التقوى، و أما الأقرب فإنه عام فجزاء كل من أحسن إلى غيره أن يحسن هو إليه أيضا، و لنذكر تحقيق القول فيه و ترجع الوجوه كلها إلى ذلك، فنقول: الإحسان يستعمل في ثلاث معان أحدها: إثبات الحسن و إيجاده قال تعالى: فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ* [غافر: 64]و قال تعالى: اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ [السجدة:

7]ثانيها: الإتيان بالحسن كالإظراف و الإغراب للإتيان بالظريف و الغريب قال تعالى: مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا [الأنعام: 160]ثالثها: يقال: فلان لا يحسن الكتابة و لا يحسن الفاتحة أي لا يعلمهما، و الظاهر أن الأصل في الإحسان الوجهان الأولان و الثالث مأخوذ منهما، و هذا لا يفهم إلا بقرينة الاستعمال مما يغلب على الظن إرادة العلم، إذا علمت هذا فنقول: يمكن حمل الإحسان في الموضعين على معنى متحد من المعنيين و يمكن حمله فيهما على معنيين مختلفين أما الأول: فنقول: هَلْ جَزََاءُ اَلْإِحْسََانِ أي هل جزاء من أتى بالفعل الحسن إلا أن يؤتى في مقابلته بفعل حسن، لكن الفعل الحسن من العبد ليس كل ما يستحسنه هو، بل الحسن هو ما استحسنه اللّه منه، فإن الفاسق ربما يكون الفسق في نظره حسنا و ليس بحسن بل الحسن ما طلبه اللّه منه،

378

كذلك الحسن من اللّه هو كل ما يأتي به مما يطلبه العبد كما أتى العبد بما يطلبه اللّه تعالى منه، و إليه الإشارة بقوله تعالى: وَ فِيهََا مََا تَشْتَهِيهِ اَلْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ اَلْأَعْيُنُ [الزخرف: 71]و قوله تعالى: وَ هُمْ فِي مَا اِشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خََالِدُونَ [الأنبياء: 102]و قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنى‏ََ [يونس: 26]أي ما هو حسن عندهم و أما الثاني: فنقول: هل جزاء من أثبت/الحسن في عمله في الدنيا إلا أن يثبت اللّه الحسن فيه و في أحواله في الدارين و بالعكس هل جزاء من أثبت الحسن فينا و في صورنا و أحوالنا إلا أن نثبت الحسن فيه أيضا، لكن إثبات الحسن في اللّه تعالى محال، فإثبات الحسن أيضا في أنفسنا و أفعالنا فنحسن أنفسنا بعبادة حضرة اللّه تعالى، و أفعالنا بالتوجه إليه و أحوال باطننا بمعرفته تعالى، و إلى هذا رجعت الإشارة، و ورد في الأخبار من حسن وجوه المؤمنين و قبح وجوه الكافرين و أما الوجه الثالث: و هو الحمل على المعنيين فهو أن تقول: على جزاء من أتى بالفعل الحسن إلا أن يثبت اللّه فيه الحسن، و في جميع أحواله فيجعل وجهه حسنا و حاله حسنا، ثم فيه لطائف:

اللطيفة الأولى: هذه إشارة إلى رفع التكليف عن العوام في الآخرة، و توجيه التكليف على الخواص فيها أما الأول: فلأنه تعالى لما قال: هَلْ جَزََاءُ اَلْإِحْسََانِ إِلاَّ اَلْإِحْسََانُ و المؤمن لا شك في أنه يثاب بالجنة فيكون له من اللّه الإحسان جزاء له و من جازى عبدا على عمله لا يأمره بشكره، و لأن التكليف لو بقي في الآخرة فلو ترك العبد القيام بالتكليف لاستحق العقاب، و العقاب ترك الإحسان لأن العبد لما عبد اللّه في الدنيا ما دام و بقي يليق بكرمه تعالى أن يحسن إليه في الآخرة ما دام و بقي، فلا عقاب على تركه بلا تكليف و أما الثاني: فنقول:

خاصة اللّه تعالى عبدنا اللّه تعالى في الدنيا لنعم قد سبقت له علينا، فهذا الذي أعطانا اللّه تعالى ابتداء نعمة و إحسان جديد فله علينا شكره، فيقولون الحمد للّه، و يذكرون اللّه و يثنون عليه فيكون نفس الإحسان من اللّه تعالى في حقهم سببا لقيامهم بشكره، فيعرضون هم على أنفسهم عبادته تعالى فيكون لهم بأدنى عبادة شغل شاغل عن الحور و القصور و الأكل و الشرب فلا يأكلون و لا يشربون و لا يتنابذون و لا يلعبون فيكون حالهم كحال الملائكة في يومنا هذا لا يتناكحون و لا يلعبون، فلا يكون ذلك تكليفا مثل هذه التكاليف الشاقة، و إنما يكون ذلك لذة زائدة على كل لذة في غيرها.

اللطيفة الثانية: هذه الآية تدل على أن العبد محكم في الآخرة كما قال تعالى: لَهُمْ فِيهََا فََاكِهَةٌ وَ لَهُمْ مََا يَدَّعُونَ [يس: 57]و ذلك لأنا بينا أن الإحسان هو الإتيان بما هو حسن عند من أتى بالإحسان، لكن اللّه لما طلب منا العبادة طلب كما أراد، فأتى به المؤمن كما طلب منه، فصار محسنا فهذا يقتضي أن يحسن اللّه إلى عبده و يأتي بما هو حسن عنده، و هو ما يطلبه كما يريد فكأنه قال: هَلْ جَزََاءُ اَلْإِحْسََانِ أي هل جزاء من أتى بما طلبته منه على حسب إرادتي إلا أن يؤتى بما طلبه مني علىّ حسب إرادته، لكن الإرادة متعلقة بالرؤية، فيجب بحكم الوعد أن تكون هذه آية دالة على الرؤية البلكفية.

اللطيفة الثالثة: هذه الآية تدل على أن كل ما يفرضه الإنسان من أنواع الإحسان من اللّه تعالى فهو دون الإحسان الذي وعد اللّه تعالى به لأن الكريم إذا قال للفقير: افعل كذا و لك كذا دينارا، و قال لغيره افعل كذا على أن أحسن إليك يكون رجاء من لم يعين له أجرا أكثر من/رجاء من عين له، هذا إذا كان الكريم في غاية الكرم و نهاية الغنى، إذا ثبت هذا فاللّه تعالى قال: جزاء من أحسن إلى أن أحسن إليه بما يغبط به، و أوصل إليه فوق ما يشتهيه فالذي يعطي اللّه فوق ما يرجوه و ذلك على وفق كرمه و إفضاله. ثم قال تعالى:

379

لما ذكر الجزاء ذكر بعده مثله و هو جنتان أخريان، و هذا كقوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنى‏ََ وَ زِيََادَةٌ [يونس: 26]و في قوله تعالى: دُونِهِمََا وجهان: أحدهما: دونهما في الشرف، و هو ما اختاره صاحب «الكشاف» و قال قوله: مُدْهََامَّتََانِ مع قوله في الأوليين: ذَوََاتََا أَفْنََانٍ [الرحمن: 48]و قوله في هذه:

عَيْنََانِ نَضََّاخَتََانِ مع قوله في الأوليين: عَيْنََانِ تَجْرِيََانِ [الرحمن: 50]لأن النضخ دون الجري، و قوله في الأولين: مِنْ كُلِّ فََاكِهَةٍ زَوْجََانِ [الرحمن: 52]مع قوله في هاتين: فََاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمََّانٌ [الرحمن: 68] و قوله في الأوليين: فُرُشٍ بَطََائِنُهََا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ حيث ترك ذكر الظهائر لعلوها و رفعتها و عدم إدراك العقول إياها مع قوله في هاتين: رَفْرَفٍ خُضْرٍ [الرحمن: 76]دليل عليه، و لقائل أن يقول: هذا ضعيف لأن عطايا اللّه في الآخرة متتابعة لا يعطي شيئا بعد شي‏ء إلا و يظن الظان أنه ذلك أو خير منه. و يمكن أن يجاب عنه تقريرا لما اختاره الزمخشري أن الجنتين اللتين دون الأولين لذريتهم اللذين ألحقهم اللّه بهم و لأتباعهم، و لكنه إنما جعلهما لهم إنعاما عليهم، أي هاتان الأخريان لكم أسكنوا فيهما من تريدون الثاني: أن المراد دونهما في المكان كأنهم في جنتين و يطلعوا من فوق على جنتين أخريين دونهما، و يدل عليه قوله تعالى‏ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهََا غُرَفٌ [الزمر: 20]الآية. و الغرف العالية عندها أفنان، و الغرف التي دونها أرضها مخضرة، و على هذا ففي الآيات لطائف:

الأولى: قال في الأوليين: ذَوََاتََا أَفْنََانٍ و قال في هاتين: مُدْهََامَّتََانِ أي مخضرتان في غاية الخضرة، و إدهام الشي‏ء أي اسواد لكن لا يستعمل في بعض الأشياء و الأرض إذا اخضرت غاية الخضرة تضرب إلى أسود، و يحتمل أن يقال: الأرض الخالية عن الزرع يقال لها: بياض أرض و إذا كانت معمورة يقال لها: سواد أرض كما يقال: سواد البلد، و

قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «عليكم بالسواد الأعظم و من كثر سواد قوم فهو منهم»

و التحقيق فيه أن ابتداء الألوان هو البياض/و انتهاءها هو السواد، فإن الأبيض يقبل كل لون و الأسود لا يقبل شيئا من الألوان، و لهذا يطلق الكافر على الأسود و لا يطلق على لون آخر، و لما كانت الخالية عن الزرع متصفة بالبياض و اللاخالية بالسواد فهذا يدل على أنهما تحت الأوليين مكانا، فهم إذا نظروا إلى ما فوقهم، يرون الأفنان تظلهم، و إذا نظروا إلى ما تحتهم يرون الأرض مخضرة، }و قوله تعالى: فِيهِمََا عَيْنََانِ نَضََّاخَتََانِ أي فائرتان ماؤهما متحرك إلى جهة فوق، و أما العينان المتقدمتان فتجريان إلى صوب المؤمنين فكلاهما حركتهما إلى جهة مكان أهل الإيمان، و أما قول صاحب «الكشاف» : النضخ دون الجري فغير لازم لجواز أن يكون الجري يسيرا و النضخ قويا كثيرا، بل المراد أن النضخ فيه الحركة إلى جهة العلو، و العينان في مكان المؤمنين، فحركة الماء تكون إلى‏

380

جهتهم، فالعينان الأوليان في مكانهم فتكون حركة مائهما إلى صوب المؤمنين جريا. و أما قوله تعالى:

فهو كقوله تعالى: فِيهِمََا مِنْ كُلِّ فََاكِهَةٍ زَوْجََانِ [الرحمن: 52]و ذلك لأن الفاكهة أرضية نحوه البطيخ و غيره من الأرضيات المزروعات و شجرية نحو النخل و غيره من الشجريات فقال: مُدْهََامَّتََانِ [الرحمن: 64] بأنواع الخضر التي منها الفواكه الأرضية و فيهما أيضا الفواكه الشجرية و ذكر منها نوعين و هما الرمان و الرطب لأنهما متقابلان فأحدهما حلو و الآخر غير حلو و كذلك أحدهما حار و الآخر بارد و أحدهما فاكهة و غذاء، و الآخر فاكهة، و أحدهما من فواكه البلاد الحارة و الآخر من فواكه البلاد الباردة، و أحدهما أشجاره في غاية الطول و الآخر أشجاره بالضد و أحدهما ما يؤكل منه بارز و مالا يؤكل كامن، و الآخر بالعكس فهما كالضدين و الإشارة إلى الطرفين تتناول الإشارة إلى ما بينهما، كما قال: رَبُّ اَلْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ اَلْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: 17] و قدمنا ذلك. ثم قال تعالى:

أي في باطنهن الخير و في ظاهرهن الحسن و الخيرات جمع خيرة و قد بينا أن في قوله تعالى: قََاصِرََاتُ اَلطَّرْفِ إلى أن قال: كَأَنَّهُنَّ [الرحمن: 56-58]إشارة إلى كونهن حسانا. و قوله تعالى:

إشارة إلى عظمتهن فإنهن ما قصرن حجرا عليهن، و إنما ذلك إشارة إلى ضرب الخيام لهن و إدلاء الستر عليهن، و الخيمة مبيت الرجل كالبيت من الخشب، حتى إن العرب تسمي البيت من الشعر خيمة لأنه معد للإقامة، إذا ثبت هذا فنقول: قوله: مَقْصُورََاتٌ فِي اَلْخِيََامِ إشارة إلى معنى في غاية اللطف، و هو أن المؤمن في الجنة لا يحتاج إلى التحرك لشي‏ء و إنما الأشياء تتحرك إليه فالمأكول و المشروب يصل إليه من غير حركة منه، و يطاف عليهم بما يشتهونه فالحور يكن في بيوت، و عند الانتقال إلى المؤمنين في وقت إرادتهم تسير بهن للارتحال إلى المؤمنين خيام و للمؤمنين قصور تنزل الحور من الخيام إلى القصور، }و قوله تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لاََ جَانٌّ قد سبق تفسيره. ثم قال تعالى:

381

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ما الحكمة في تأخير ذكر اتكائهم عن ذكر نسائهم في هذا الموضع مع أنه تعالى قدم ذكر اتكائهم على ذكر نسائهم في الجنتين المتقدمتين حيث قال: مُتَّكِئِينَ عَلى‏ََ فُرُشٍ [الرحمن: 54]ثم قال:

قََاصِرََاتُ اَلطَّرْفِ [الرحمن: 56]و قال هاهنا: فِيهِنَّ خَيْرََاتٌ حِسََانٌ [الرحمن: 70]ثم قال: مُتَّكِئِينَ ؟ و الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن أهل الجنة ليس عليهم تعب و حركة فهم منعمون دائما لكن الناس في الدنيا على أقسام منهم من يجتمع مع أهله اجتماع مستفيض و عند قضاء وطره يستعمل الاغتسال و الانتشار في الأرض للكسب، و منهم من يكون مترددا في طلب الكسب و عند تحصيله يرجع إلى أهله و يريح قلبه من التعب قبل قضاء الوطر فيكون التعب لازما قبل قضاء الوطر أو بعده فاللّه تعالى قال في بيان أهل الجنة: متكئين قبل الاجتماع بأهلهم و بعد الاجتماع كذلك، ليعلم أنهم دائم على السكون فلا تعب لهم لا قبل الاجتماع و لا بعد الاجتماع و ثانيهما: هو أنا بينا في الوجهين المتقدمين أن الجنتين المتقدمتين لأهل الجنة الذين جاهدوا و المتأخرين لذرياتهم الذين ألحقوا بهم، فهم فيهما و أهلهم في الخيام منتظرات قدوم أزواجهن، فإذا دخل المؤمن جنته التي هي سكناه يتكئ على الفرش و تنتقل إليه أزواجه الحسان، فكونهن في الجنتين المتقدمتين بعد اتكائهم على الفرش، و أما كونهم في الجنتين المتأخرتين فذلك حاصل في يومنا، و اتكاء المؤمن غير حاصل في يومنا، فقدم ذكر كونهن فيهن هنا و أخره هناك. و مُتَّكِئِينَ حال و العامل فيه/ما دل عليه قوله:

لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ [الرحمن: 74]و ذلك في قوة الاستثناء كأنه قال: لم يطمثهن إلا المؤمنون فإنهم يطمثوهن متكئين و ما ذكرنا من قبل في قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلى‏ََ فُرُشٍ [الرحمن: 54]يقال هنا.

المسألة الثانية: الرفرف إما أن يكون أصله من رف الزرع إذا بلغ من نضارته فيكون مناسبا لقوله تعالى:

مُدْهََامَّتََانِ [الرحمن: 64]و يكون التقدير أنهم متكئون على الرياض و الثياب العبقرية، و إما أن يكون من رفرفة الطائر، و هي حومة في الهواء حول ما يريد النزول عليه فيكون المعنى أنهم على بسط مرفوعة كما قال تعالى: وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة: 34]و هذا يدل على أن قوله تعالى: وَ مِنْ دُونِهِمََا جَنَّتََانِ [الرحمن:

62]أنهما دونهما في المكان حيث رفعت فرشهم، و قوله تعالى: خُضْرٍ صيغة جمع فالرفرف يكون جمعا لكونه اسم جنس و يكون واحده رفرفة كحنظلة و حنظل و الجمع في متكئين يدل عليه فإنه لما قال: مُتَّكِئِينَ دل على أنهم على رفارف.

المسألة الثالثة: ما الفرق بين الفرش و الرفرف حيث لم يقل: رفارف اكتفاء بما يدل عليه قوله:

مُتَّكِئِينَ و قال: فُرُشٍ و لم يكتف بما يدل عليه ذلك؟نقول: جمع الرباعي أثقل من جمع الثلاثي، و لهذا لم يجي‏ء للجمع في الرباعي إلا مثال واحد و أمثلة الجمع في الثلاثي كثيرة و قد قرئ: (على رفارف خضر) ، و (رفارف خضار و عباقر) .

المسألة الرابعة: إذا قلنا: إن الرفرف هي البسط فما الفائدة في الخضر حيث وصف تعالى ثياب الجنة بكونها خضرا قال تعالى: ثِيََابُ سُندُسٍ خُضْرٌ ؟[الإنسان: 21]نقول: ميل الناس إلى اللون الأخضر في الدنيا أكثر، و سبب الميل إليه هو أن الألوان التي يظن أنها أصول الألوان سبعة و هي الشفاف و هو الذي لا يمنع نفوذ البصر فيه و لا يحجب ما وراءه كالزجاج و الماء الصافي و غيرهما ثم الأبيض بعده ثم الأصفر ثم الأحمر ثم‏

382

الأخضر ثم الأزرق ثم الأسود و الأظهر أن الألوان الأصلية ثلاثة الأبيض و الأسود و بينهما غاية الخلاف و الأحمر متوسط بين الأبيض و الأسود فإن الدم خلق على اللون المتوسط، فإن لم تكن الصحة على ما ينبغي فإن كان لفرط البرودة فيه كان أبيض و إن كان لفرط الحرارة فيه كان أسود لكن هذه الثلاثة يحصل منها الألوان الأخر فالأبيض إذا امتزج بالأحمر حصل الأصفر يدل عليه مزج اللبن الأبيض بالدم و غيره من الأشياء الحمر و إذا امتزج الأبيض بالأسود حصل اللون الأزرق يدل عليه خلط الجص المدقوق بالفحم و إذا امتزج الأحمر بالأسود حصل الأزرق أيضا لكنه إلى السواد أميل، و إذا امتزج الأصفر بالأزرق حصل الأخضر من الأصفر و الأزرق و قد علم أن الأصفر من الأبيض و الأحمر و الأزرق من الأبيض و الأسود و الأحمر و الأسود فالأخضر حصل فيه الألوان الثلاثة الأصلية فيكون ميل الإنسان إليه لكونه مشتملا على الألوان الأصلية و هذا بعيد جدا و الأقرب أن الأبيض يفرق البصر و لهذا لا يقدر الإنسان على إدامة النظر في الأرض عند كونها مستورة بالثلج و إنه يورث الجهر و النظر إلى الأشياء السود يجمع البصر و لهذا كره الإنسان النظر إليه و إلى الأشياء الحمر كالدم و الأخضر لما اجتمع فيه الأمور الثلاثة دفع بعضها أذى بعض و حصل اللون الممتزج من الأشياء التي في بدن الإنسان و هي الأحمر/و الأبيض و الأصفر و الأسود و لما كان ميل النفس في الدنيا إلى الأخضر ذكر اللّه تعالى في الآخرة ما هو على مقتضى طبعه في الدنيا.

المسألة الخامسة: العبقري منسوب إلى عبقر و هو عند العرب موضع من مواضع الجن فالثياب المعمولة عملا جيدا يسمونها عبقريات مبالغة في حسنها كأنها ليست من عمل الإنس، و يستعمل في غير الثياب أيضا حتى يقال للرجل الذي يعمل عملا عجيبا: هو عبقري أي من ذلك البلد

قال النبي صلى اللّه عليه و سلم في المنام الذي رآه: «فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه»

و اكتفى بذكر اسم الجنس عن الجمع و وصفه بما توصف به الجموع فقال حسان: و ذلك لما بينا أن جمع الرباعي يستثقل بعض الاستثقال، و أما من قرأ: عباقري فقد جعل اسم ذلك الموضع عباقر فإن زعم أنه جمعه فقد وهم، و إن جمع العبقري ثم نسب فقد التزم تكلفا خلاف ما كلف الأدباء التزامه فإنهم في الجمع إذا نسبوا ردوه إلى الواحد و هذا القارئ تكلف في الواحد وروده إلى الجمع ثم نسبه لأن عند العرب ليس في الوجود بلاد كلها عبقر حتى تجمع و يقال: عباقر، فهذا تكلف الجمع فيما لا جمع له ثم نسب إلى ذلك الجمع و الأدباء تكره الجمع فيما ينسب لئلا يجمعوا بين الجمع و النسبة. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في الترتيب و فيه وجوه أحدها: أنه تعالى لما ختم نعم الدنيا بقوله تعالى: وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ [الرحمن: 27]ختم نعم الآخرة بقوله: تَبََارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ إشارة إلى أن الباقي و الدائم لذاته هو اللّه تعالى لا غير و الدنيا فانية، و الآخرة و إن كانت باقية لكن بقاؤها بإبقاء اللّه تعالى ثانيها: هو أنه تعالى في أواخر هذه السور كلها ذكر اسم اللّه فقال في السورة التي قبل هذه: عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: 55]و كون العبد عند اللّه من أتم النعم كذلك هاهنا بعد ذكر الجنات و ما فيها من النعم قال: تَبََارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي اَلْجَلاََلِ وَ اَلْإِكْرََامِ إشارة إلى أن أتم النعم عند اللّه تعالى، و أكمل اللذات ذكر اللّه تعالى، و قال في السورة التي بعد هذه: فَرَوْحٌ وَ رَيْحََانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ [الواقعة: 89]ثم قال تعالى في آخر

383

السورة: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ [الواقعة: 96]ثالثها: أنه تعالى ذكر جميع اللذات في الجنات، و لم يذكر لذة السماع و هي من أتم أنواعها، فقال: مُتَّكِئِينَ عَلى‏ََ رَفْرَفٍ خُضْرٍ يسمعون ذكر اللّه تعالى.

المسألة الثانية: أصل التبارك من البركة و هي الدوام و الثبات، و منها بروك البعير و بركة الماء، فإن الماء يكون فيها دائما و فيه وجوه أحدها: دام اسمه و ثبت و ثانيها: دام الخير عنده لأن البركة و إن كانت من الثبات لكنها تستعمل في الخير و ثالثها: تبارك بمعنى علا و ارتفع شأنا لا مكانا.

المسألة الثالثة: قال بعد ذكر نعم الدنيا: وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: 27]و قال بعد ذكر نعم الآخرة: تَبََارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ لأن الإشارة بعد عد نعم الدنيا وقعت إلى عدم كل شي‏ء من الممكنات و فنائها في ذواتها، و اسم اللّه تعالى ينفع الذاكرين و لا ذاكر هناك يوحد اللّه غاية التوحيد فقال: و يبقى وجه اللّه تعالى و الإشارة هنا، وقعت إلى أن بقاء أهل الجنة بإبقاء اللّه ذاكرين اسم اللّه متلذذين به فقال: تَبََارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ أي في ذلك اليوم لا يبقى اسم أحد إلا اسم اللّه تعالى به تدور الألسن و لا يكون لأحد عند أحد حاجة بذكره و لا من أحد خوف، فإن تذاكروا تذاكروا باسم اللّه.

المسألة الرابعة: الاسم مقحم أو هو أصل مذكور له التبارك، نقول: فيه وجهان أحدهما: و هو المشهور أنه مقحم كالوجه في قوله تعالى: وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ يدل عليه قوله: فَتَبََارَكَ اَللََّهُ أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ [المؤمنين: 14]و: تَبََارَكَ اَلَّذِي بِيَدِهِ اَلْمُلْكُ [الملك: 1]و غيره من صور استعمال لفظ تبارك و ثانيهما: هو أن الاسم تبارك، و فيه إشارة إلى معنى بليغ، أما إذا قلنا: تبارك بمعنى علا فمن علا اسمه كيف يكون مسماه و ذلك لأن الملك إذا عظم شأنه لا يذكر اسمه إلا بنوع تعظيم ثم إذا انتهى الذاكر إليه يكون تعظيمه له أكثر، فإن غاية التعظيم للاسم أن السامع إذا سمعه قام كما جرت عادة الملوك أنهم إذا سمعوا في الرسائل اسم سلطان عظيم يقومون عند سماع اسمه، ثم إن أتاهم السلطان بنفسه بدلا عن كتابه الذي فيه اسمه يستقبلونه و يضعون الجباه على الأرض بين يديه، و هذا من الدلائل الظاهرة على أن علو الاسم يدل على علو زائد في المسمى، أما إن قلنا: بمعنى دام الخير عنده فهو إشارة إلى أن ذكر اسم اللََّه تعالى يزيل الشر و يهرب الشيطان و يزيد الخير و يقرب السعادات، و أما إن قلنا: بمعنى دام اسم اللََّه، فهو إشارة إلى دوام الذاكرين في الجنة على ما قلنا من قبل.

المسألة الخامسة: القراءة المشهورة هاهنا: ذِي اَلْجَلاََلِ و في قوله تعالى: وَ يَبْقى‏ََ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاََلِ لأن الجلال للرب، و الإسم غير المسمى، و أما وجه الرب فهو الرب فوصف هناك الوجه و وصف هاهنا الرب، دون الإسم و لو قال: و يبقى الرب للتوهم أن الرب إذا بقي ربا فله في ذلك الزمان مربوب، فإذا قال وجه أنسى المربوب فحصل القطع بالبقاء للحق فوصف الوجه يفيد هذه الفائدة، و اللََّه أعلم و الحمد للََّه رب العالمين و صلاته على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلامه.

384

بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم

سورة الواقعة

و هي ست و تسعون آية مكية

أما تعلق هذه السورة بما قبلها، فذلك من وجوه أحدها: أن تلك السورة مشتملة على تعديد النعم على الإنسان و مطالبته بالشكر و منعه عن التكذيب كما مر، و هذه السورة مشتملة على ذكر الجزاء بالخير لمن شكر و بالشر لمن كذب و كفر ثانيها: أن تلك السورة متضمنة للتنبيهات بذكر الآلاء في حق العباد، و هذه السورة كذلك لذكر الجزاء في حقهم يوم التناد ثالثها: أن تلك السورة سورة إظهار الرحمة و هذه السورة سورة إظهار الهيبة على عكس تلك السورة مع ما قبلها، و أما تعلق الأول بالآخر ففي آخر تلك السورة إشارة إلى الصفات من باب النفي و الإثبات، و في أول هذه السورة إلى القيامة و إلى ما فيها من المثوبات و العقوبات، و كل واحد منهما يدل على علو اسمه و عظمة شأنه، و كمال قدرته و عز سلطانه. ثم في الآية مسائل:

المسألة الأولى: ففي تفسيرها جملة وجوه أحدها: المراد إذا وقعت القيامة الواقعة أو الزلزلة الواقعة يعترف بها كل أحد، و لا يتمكن أحد من إنكارها، و يبطل عناد المعاندين فتخفض الكافرين في دركات النار، و ترفع المؤمنين في درجات الجنة، هؤلاء في الجحيم و هؤلاء في النعيم الثاني: إِذََا وَقَعَتِ اَلْوََاقِعَةُ تزلزل الناس، فتخفض المرتفع، و ترفع المنخفض، و على هذا فهي كقوله تعالى: فَجَعَلْنََا عََالِيَهََا سََافِلَهََا [الحجر:

74]في الإشارة إلى شدة الواقعة، لأن العذاب الذي جعل العالي سافلا بالهدم، و السافل عاليا حتى صارت الأرض المنخفضة كالجبال الراسية، و الجبال الراسية كالأرض المنخفضة أشد و أبلغ، فصارت البروج العالية مع الأرض متساوية، و الواقعة التي تقع ترفع المنخفضة فتجعل من الأرض أجزاء عالية و من السماء أجزاء سافلة، و يدل عليه قوله تعالى: إِذََا رُجَّتِ اَلْأَرْضُ رَجًّا*`وَ بُسَّتِ اَلْجِبََالُ بَسًّا [الواقعة: 4، 5]فإنه إشارة إلى أن الأرض تتحرك بحركة مزعجة، و الجبال تتفتت، فتصير الأرض المنخفضة كالجبال الراسية، و الجبال الشامخة كالأرض السافلة، كما يفعل هبوب الريح في الأرض المرملة الثالث: إِذََا وَقَعَتِ اَلْوََاقِعَةُ يظهر وقوعها/لكل أحد، و كيفية وقوعها، فلا يوجد لها كاذبة و لا متأول يظهر فقوله: خََافِضَةٌ رََافِعَةٌ معطوف على كََاذِبَةٌ نسقا،

385

فيكون كما يقول القائل: ليس لي في الأمر شك و لا خطأ، أي لا قدرة لأحد على رفع المنخفض و لا خفض المرتفع.

المسألة الثانية: إِذََا وَقَعَتِ اَلْوََاقِعَةُ يحتمل أن تكون الواقعة صفة لمحذوف و هي القيامة أو الزلزلة على ما بينا، و يحتمل أن يكون المحذوف شيئا غير معين، و تكون تاء التأنيث مشيرة إلى شدة الأمر الواقع و هوله، كما يقال: كانت الكائنة و المراد كان الأمر كائنا ما كان، و قولنا: الأمر كائن لا يفيد إلا حدوث أمر و لو كان يسيرا بالنسبة إلى قوله: كانت الكائنة، إذ في الكائنة وصف زائد على نفس كونه شيئا، و لنبين هذا ببيان كون الهاء للمبالغة في قولهم: فلان راوية و نسابة، و هو أنهم إذا أرادوا أن يأتوا بالمبالغة في كونه راويا كان لهم أن يأتوا بوصف بعد الخبر و يقولون: فلان راو جيد أو حسن أو فاضل، فعدلوا عن التطويل إلى الإيجاز مع زيادة فائدة، فقالوا: نأتي بحرف نيابة عن كلمة كما أتينا بهاء التأنيث حيث قلنا: ظالمة بدل قول القائل: ظالم أنثى، و لهذا لزمهم بيان الأنثى عند ما لا يمكن بيانها بالهاء في قولهم شاة أنثى و كالكتابة في الجمع حيث قلنا: قالوا بدلا عن قول القائل: قال و قال و قال، و قالا بدلا عن قوله: قال و قال فكذلك في المبالغة أرادوا أن يأتوا بحرف يغني عن كلمة و الحرف الدال على الزيادة ينبغي أن يكون في الآخر، لأن الزيادة بعد أصل الشي‏ء، فوضعوا الهاء عند عدم كونها للتأنيث و التوحيد في اللفظ المفرد لا في الجمع للمبالغة إذا ثبت هذا فنقول: في كانت الكائنة و وقعت الواقعة حصل هذا معنى لا لفظا، أما معنى فلأنهم قصدوا بقولهم: كانت الكائنة أن الكائن زائد على أصل ما يكون، و أما لفظا فلأن الهاء لو كانت للمبالغة لما جاز إثبات ضمير المؤنث في الفعل، بل كان ينبغي أن يقولوا: كان الكائنة و وقع الواقعة، و لا يمكن ذلك لأنا نقول: المراد به المبالغة.

المسألة الثالثة: العامل في إِذََا ما ذا؟ نقول: فيه ثلاث أوجه أحدها: فعل متقدم يجعل إذا مفعولا به لا ظرفا و هو اذكر، كأنه قال: اذكر القيامة ثانيها: العامل فيها ليس لوقعتها كاذبة كما تقول: يوم الجمعة ليس لي شغل ثالثها: يخفض قوم و يرفع قوم، و قد دل عليه خََافِضَةٌ رََافِعَةٌ ، و قيل: العامل فيها قوله: فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ [الواقعة: 8]أي في يوم وقوع الواقعة.

المسألة الرابعة: لَيْسَ لِوَقْعَتِهََا إشارة إلى أنها تقع دفعة واحدة فالواقعة للمرة الواحدة، و قوله:

كََاذِبَةٌ يحتمل وجوها أحدها: كاذبة صفة لمحذوف أقيمت مقامه تقديره ليس لها نفس تكذب ثانيها: الهاء للمبالغة كما تقول في الواقعة و قد تقدم بيانه ثالثها: هي مصدر كالعاقبة فإن قلنا بالوجه الأول فاللام تحتمل وجهين أحدهما: أن تكون للتعليل أي لا تكذب نفس في ذلك اليوم لشدة وقعتها كما يقال: لا كاذب عند الملك لضبطه الأمور فيكون نفيا عاما بمعنى أن كل أحد يصدقه فيما يقول و قال: و قبله نفوس كواذب في أمور كثيرة و لا كاذب فيقول: /لا قيامة لشدة وقعتها و ظهور الأمر و كما يقال: لا يحتمل الأمر الإنكار لظهوره لكل أحد فيكون نفيا خاصا بمعنى لا يكذب أحد فيقول: لا قيامة و قبله نفوس قائلة به كاذبة فيه ثانيهما: أن تكون للتعدية و ذلك كما يقال: ليس لزيد ضارب، و حينئذ تقديره إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها امرؤ يوجد لها كاذب إن أخبر عنها فهي خافضة رافعة تخفض قوما و ترفع قوما و على هذا لا تكون عاملا في إِذََا و هو بمعنى ليس لها كاذب يقول: هي أمر سهل يطاق يقال لمن يقدم على أمر عظيم ظانا أنه يطيقه سل نفسك أي سهلت الأمر عليك و ليس بسهل، و إن قلنا بالوجه الثاني و هو المبالغة ففيه وجهان أحدهما: ليس لها كاذب عظيم بمعنى أن من يكذب‏

386

و يقدم على الكذب العظيم لا يمكنه أن يكذب لهول ذلك اليوم و ثانيهما: أن أحدا لو كذب و قال في ذلك اليوم لا قيامة و لا واقعة لكان كاذبا عظيما و لا كاذب لهذه العظمة في ذلك اليوم و الأول أدل على هول اليوم، و على الوجه الثالث يعود ما ذكرنا إلى أنه لا كاذب في ذلك اليوم بل كل أحد يصدقه.

المسألة الخامسة: خََافِضَةٌ رََافِعَةٌ تقديره هي خافضة رافعة و قد سبق ذكره في التفسير الجملي و فيه وجوه أخرى أحدها: خافضة رافعة صفتان للنفس الكاذبة أي ليس لوقعتها من يكذب و لا من يغير الكلام فتخفض أمرا و ترفع آخر فهي خافضة أو يكون هو زيادة لبيان صدق الخلق في ذلك اليوم و عدم إمكان كذبهم و الكاذب يغير الكلام، ثم إذا أراد نفي الكذب عن نفسه يقول ما عرفت مما كان كلمة واحدة و ربما يقول ما عرفت حرفا واحدا، و هذا لأن الكاذب قد يكذب في حقيقة الأمر و ربما يكذب في صفة من صفاته و الصفة قد يكون ملتفتا إليها و قد لا يكون ملتفتا إليها التفاتا معتبرا و قد لا يكون ملتفتا إليها أصلا مثال الأول: قول القائل: ما جاء زيد و يكون قد جاء و مثال الثاني: ما جاء يوم الجمعة و مثال الثالث: ما جاء بكرة يوم الجمعة و يكون قد جاء بكرة يوم الجمعة و ما جاء أول بكرة يوم الجمعة و الثاني دون الأول و الرابع دون الكل، فإذا قال القائل: ما أعرف كلمة كاذبة نفى عنه الكذب في الإخبار و في صفته و الذي يقول: ما عرفت حرفا واحدا نفى أمرا وراءه، و الذي يقول: ما عرفت أعرافة واحدة يكون فوق ذلك فقوله: لَيْسَ لِوَقْعَتِهََا كََاذِبَةٌ`خََافِضَةٌ رََافِعَةٌ أي من يغير تغييرا و لو كان يسيرا. ثم قال تعالى:

أي كانت الأرض كثيبا مرتفعا و الجبال مهيلا منبسطا، و قوله تعالى: فَكََانَتْ هَبََاءً مُنْبَثًّا كقوله تعالى في وصف الجبال: كَالْعِهْنِ اَلْمَنْفُوشِ [القارعة: 5]و قد تقدم بيان فائدة ذكر المصدر و هي أنه يفيد أن الفعل كان قولا معتبرا و لم يكن شيئا لا يلتفت إليه، و يقال فيه: إنه ليس بشي‏ء فإذا قال القائل: ضربته ضربا معتبرا لا يقول القائل فيه: ليس بضرب محتقرا له كما يقال: هذا ليس بشي‏ء، و العامل في: إِذََا رُجَّتِ /يحتمل وجوها أحدها: أن يكون إذا رجت بدلا عن إذا وقعت فيكون العامل فيها ما ذكرنا من قبل ثانيها: أن يكون العامل في:

إِذََا وَقَعَتِ [الواقعة: 1]هو قوله: لَيْسَ لِوَقْعَتِهََا [الواقعة: 2]و العامل في: إِذََا رُجَّتِ هو قوله:

خََافِضَةٌ رََافِعَةٌ [الواقعة: 3]تقديره تخفض الواقعة و ترفع وقت رج الأرض‏}و بس الجبال و الفاء للترتيب الزماني لأن الأرض ما لم تتحرك و الجبال ما لم تنبس لا تكون هباء منبثا، و البس التقليب، }و الهباء هو الهواء المختلط بأجزاء أرضية تظهر في خيال الشمس إذا وقع شعاعها في كوة، و قال: الذين يقولون: إن بين الحروف و المعاني مناسبة إن الهواء إذا خالطه أجزاء ثقيلة أرضية ثقل من لفظه حرف فأبدلت الواو الخفيفة بالباء التي لا ينطق بها إلا بإطباق الشفتين بقوة ما لو في الباء ثقل ما. ثم قال تعالى:

387

أي في ذلك اليوم أنتم أزواج ثلاثة أصناف و فسرها بعدها بقوله: فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الفاء تدل على التفسير، و بيان ما ورد على التقسيم كأنه قال: (أزواجا ثلاثة أصحاب الميمنة و أصحاب المشأمة) إلخ، ثم بين حال كل قوم، فقال: مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ فترك التقسيم أولا و اكتفى بما يدل عليه، فإنه ذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها، و سبق قوله تعالى: وَ كُنْتُمْ أَزْوََاجاً ثَلاََثَةً يغني عن تعديد الأقسام، ثم أعاد كل واحدة لبيان حالها.

المسألة الثانية: أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ هم أصحاب الجنة، و تسميتهم بأصحاب الميمنة إما لكونهم من جملة من كتبهم بأيمانهم، و إما لكون أيمانهم تستنير بنور من اللََّه تعالى، كما قال تعالى: يَسْعى‏ََ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمََانِهِمْ [الحديد: 12]و إما لكون اليمين يراد به الدليل على الخير، و العرب تتفاءل بالسانح، و[هو] الذي يقصد جانب اليمين من الطيور و الوحوش عند الزجر و الأصل فيه أمر حكمي، و هو أنه تعالى لما خلق الخلق كان له في كل شي‏ء دليل على قدرته و اختياره، حتى إن في نفس الإنسان له دلائل لا تعد و لا تحصى، و دلائل الاختيار إثبات مختلفين في محلين متشابهين، أو إثبات متشابهين في محلين مختلفين، إذ حال الإنسان من أشد الأشياء مشابهة فإنه مخلوق من متشابه، ثم إنه تعالى أودع في الجانب الأيمن من الإنسان قوة ليست في الجانب الأيسر لو اجتمع أهل العلم على أن يذكروا له مرجحا غير قدرة اللََّه و إرادته لا يقدرون عليه، فإن كان بعضهم يدعى كياسة و ذكاء يقول: إن الكبد في الجانب الأيمن، و بها قوة التغذية، و الطحال في الجانب الأيسر، و ليس فيه قوة ظاهرة/النفع فصار الجانب الأيمن قويا لمكان الكبد على اليمين؟فنقول: هذا دليل الاختيار لأن اليمين كالشمال، و تخصيص اللََّه اليمين يجعله مكان الكبد دليل الاختيار إذا ثبت أن الإنسان يمينه أقوى من شماله، فضلوا اليمين على الشمال، و جعلوا الجانب الأيمن للأكابر، و قيل: لمن له مكانة هو من أصحاب اليمين، و وضعوا له لفظا على وزن العزيز، فينبغي أن يكون الأمر على ذلك الوجه كالسميع و البصير، و ما لا يتغير كالطويل و القصير، و قيل له، اليمين، و هو يدل على القوة، و وضعوا مقابلته اليسار على الوزن الذي اختص به الاسم المذموم عند النداء بذلك الوزن، و هو الفعال، فإن عند الشتم و النداء بالاسم المذموم يؤتى بهذا الوزن مع البناء على الكسر، فيقال: يا فجار يا فساق يا خباث، و قيل: اليمين اليسار، ثم بعد ذلك استعمل في اليمين، و أما الميمنة فهي مفعلة كأنه الموضع الذي فيه اليمين و كل ما وقع بيمين الإنسان في جانب من المكان، فذلك موضع اليمين فهو ميمنة كقولنا: ملعبة.

المسألة الثالثة: جعل اللََّه تعالى الخلق على ثلاثة أقسام دليل غلبة الرحمة، و ذلك لأن جوانب الإنسان أربعة، يمينه و شماله، و خلفه و قدامه، و اليمين في مقابلة الشمال و الخلف في مقابلة القدام ثم إنه تعالى أشار بأصحاب اليمين إلى الناجين الذين يعطون كتبهم بأيمانهم و هم من أصحاب الجانب الأشرف المكرمون، و بأصحاب الشمال إلى الذين حالهم على خلاف أصحاب اليمين و هم الذين يعطون كتبهم بشمائلهم مهانون و ذكر السابقين الذين لا حساب عليهم و يسبقون الخلق من غير حساب بيمين أو شمال، أن الذين يكونون في المنزلة العليا من الجانب الأيمن، و هم المقربون بين يدي اللََّه يتكلمون في حق الغير و يشفعون للغير و يقضون‏

388

أشغال الناس و هؤلاء أعلى منزلة من أصحاب اليمين، ثم إنه تعالى لم يقل: في مقابلتهم قوما يكونون متخلفين مؤخرين عن أصحاب الشمال لا يلتفت إليهم لشدة الغضب عليهم و كانت القسمة في العادة رباعية فصارت بسبب الفضل ثلاثية و هو كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سََابِقٌ بِالْخَيْرََاتِ [فاطر: 32] لم يقل: منهم متخلف عن الكل.

المسألة الرابعة: ما الحكمة في الابتداء بأصحاب اليمين و الانتقال إلى أصحاب الشمال ثم إلى السابقين مع أنه في البيان بين حال السابقين ثم أصحاب الشمال على الترتيب و الجواب: أن نقول: ذكر الواقعة و ما يكون عند وقوعها من الأمور الهائلة إنما يكون لمن لا يكون عنده من محبة اللََّه تعالى ما يكفه مانعا عن المعصية، و أما الذين سرهم مشغول بربهم فلا يجزون بالعذاب، فلما ذكر تعالى: إِذََا وَقَعَتِ اَلْوََاقِعَةُ [الواقعة: 1]و كان فيه من التخويف مالا يخفى و كان التخويف بالذين يرغبون و يرهبون بالثواب و العقاب أولى ذكر ما ذكره لقطع العذر لا نفع الخبر، و أما السابقون فهم غير محتاجين إلى ترغيب أو ترهيب فقدم سبحانه أصحاب اليمين الذين يسمعون و يرغبون ثم ذكر السابقين ليجتهد أصحاب اليمين و يقربوا من درجتهم و إن كان لا ينالها أحد إلا بجذب من اللََّه فإن السابق يناله ما يناله بجذب، و إليه الإشارة

بقوله: جذبة من جذبات الرحمن خير من عبادة سبعين سنة.

المسألة الخامسة: ما معنى قوله: مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ ؟ نقول: هو ضرب من البلاغة و تقريره هو أن يشرع المتكلم في بيان أمر ثم يسكت عن الكلام و يشير إلى أن السامع لا يقدر على سماعه كما يقول القائل لغيره: أخبرك بما جرى عليّ ثم يقول هناك هو مجيبا لنفسه لا أخاف أن يحزنك و كما يقول القائل: من يعرف فلانا فيكون أبلغ من أن يصفه، لأن السامع إذا سمع وصفه يقول: هذا نهاية ما هو عليه، فإذا قال: من يعرف فلانا بفرض السامع من نفسه شيئا، ثم يقول: فلان عند هذا المخبر أعظم مما فرضته و أنبه مما علمت منه.

المسألة السادسة: ما إعرابه و منه يعرف معناه؟ نقول: فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ مبتدأ أراد المتكلم أن يذكر خبره فرجع عن ذكره و تركه و قوله: مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ جملة استفهامية على معنى التعجب كما تقول:

لمدعي العلم ما معنى كذا مستفهما ممتحنا زاعما أنه لا يعرف الجواب حتى إنك تحب و تشتهي ألا يجيب عن سؤالك و لو أجاب لكرهته لأن كلامك مفهوم كأنك تقول: إنك لا تعرف الجواب، إذا عرفت هذا فكأن المتكلم في أول الأمر مخبرا ثم لم يخبر بشي‏ء لأن في الأخبار تطويلا ثم لم يسكت و قال ذلك ممتحنا زاعما أنك لا تعرف كنهه، و ذلك لأن من يشرع في كلام و يذكر المبتدأ ثم يسكت عن الخبر قد يكون ذلك السكوت لحصول علمه بأن المخاطب قد علم الخبر من غير ذكر الخبر، كما أن قائلا: إذا أراد أن يخبره غيره بأن زيدا وصل، و قال: إن زيدا ثم قبل قوله: جاء وقع بصره على زيد و رآه جالسا عنده يسكت و لا يقول جاء لخروج الكلام عن الفائدة و قد يسكت عن ذكر الخبر من أول الأمر لعلمه بأن المبتدأ وحده يكفي لمن قال: من جاء فإنه إن قال:

زيد يكون جوابا و كثيرا ما نقول: زيد و لا نقول: جاء، و قد يكون السكوت عن الخبر إشارة إلى طول القصة كقول القائل: الغضبان من زيد و يسكت ثم يقول: ماذا أقول عنه. إذا علم هذا فنقول لما قال: فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ كان كأنه يريد أن يأتي بالخبر فسكت عنه ثم قال في نفسه: إن السكوت قد يوهم أنه لظهور حال الخبر كما يسكت على زيد في جواب من جاء فقال: مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ ممتحنا زاعما أنه لا يفهم ليكون ذلك‏

389

دليلا على أن سكوته على المبتدأ لم يكن لظهور الأمر بل لخفائه و غرابته، و هذا وجه بليغ، و فيه وجه ظاهر و هو أن يقال: معناه أنه جملة واحدة استفهامية كأنه قال: و أصحاب الميمنة ما هم؟على سبيل الاستفهام غير أنه أقام المظهر مقام المضمر و قال: فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ و الإتيان بالمظهر إشارة إلى تعظيم أمرهم حيث ذكرهم ظاهرا مرتين و كذلك القول في قوله تعالى: وَ أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ مََا أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ و كذلك في قوله: اَلْحَاقَّةُ*`مَا اَلْحَاقَّةُ [الحاقة: 1، 2]و في قوله: اَلْقََارِعَةُ*`مَا اَلْقََارِعَةُ [القارعة: 1، 2].

المسألة السابعة: ما الحكمة في اختيار لفظ اَلْمَشْئَمَةِ في مقابلة اَلْمَيْمَنَةِ ، مع أنه قال في بيان أحوالهم: وَ أَصْحََابُ اَلشِّمََالِ مََا أَصْحََابُ اَلشِّمََالِ ؟نقول: اليمين وضع للجانب المعروف أولا ثم تفاءلوا به و استعملوا منه ألفاظا في مواضع و قالوا: هذا ميمون و قالوا: أيمن به و وضعوا للجانب المقابل/له اليسار من الشي‏ء اليسير إشارة إلى ضعفه، فصار في مقابلة اليمين كيفما يدور فيقال: في مقابلة اليمنى اليسرى، و في مقابلة الأيمن الأيسر، و في مقابلة الميمنة الميسرة، و لا تستعمل الشمال كما تستعمل اليمين، فلا يقال: الأشمل و لا المشملة، و تستعمل المشأمة كما تستعمل الميمنة، فلا يقال: في مقابلة اليمين لفظ من باب الشؤم، و أما الشآم فليس في مقابلة اليمين بل في مقابلة يمان، إذا علم هذا فنقول: بعد ما قالوا باليمين لم يتركوه و اقتصروا على استعمال لفظ اليمين في الجانب المعروف من الآدمي، و لفظ الشمال في مقابلته و حدث لهم لفظان آخران فيه أحدهما: الشمال و ذلك لأنهم نظروا إلى الكواكب من السماء و جعلوا ممرها وجه الإنسان و جعلوا السماء جانبين و جعلوا أحدهما أقوى كما رأوا في الإنسان، فسموا الأقوى بالجنوب لقوة الجانب كما يقال: غضوب و رؤوف، ثم رأوا في مقابلة الجنوب جانبا آخر شمل ذلك الجانب عمارة العالم فسموه شمالا و اللفظ الآخر:

المشأمة و الأشأم في مقابلة الميمنة و الأيمن، و ذلك لأنهم لما أخذوا من اليمين اليمن و غيره للتفاؤل وضعوا الشؤم في مقابلته لا في أعضائهم و جوانبهم تكرها لجعل جانب من جوانب نفسه شؤما، و لما وضعوا ذلك و استمر الأمر عليه نقلوا اليمين من الجانب إلى غيره، فاللََّه تعالى ذكر الكفار بلفظين مختلفين فقال: وَ أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ وَ أَصْحََابُ اَلشِّمََالِ [الواقعة: 41]و ترك لفظ الميسرة و اليسار الدال على هون الأمر، فقال هاهنا: وَ أَصْحََابُ اَلْمَشْئَمَةِ بأفظع الاسمين، و لهذا قالوا في العساكر: الميمنة و الميسرة اجتنابا من لفظ الشؤم. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في إعرابه ثلاثة أوجه أحدها: وَ اَلسََّابِقُونَ عطف على فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ [الواقعة:

8]و عنده تم الكلام، و قوله: وَ اَلسََّابِقُونَ ... أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ جملة واحدة و الثاني: أن قوله: وَ اَلسََّابِقُونَ اَلسََّابِقُونَ جملة واحدة، كما يقول القائل: أنت أنت و كما قال الشاعر:

أنا أبو النجم و شعري شعري‏

و فيه وجهان أحدهما: أن يكون لشهرة أمر المبتدأ بما هو عليه فلا حاجة إلى الخبر عنه و هو مراد الشاعر و هو المشهور عند النحاة و الثاني: للإشارة إلى أن في المبتدأ مالا يحيط العلم به و لا يخبر عنه و لا يعرف منه إلا

390

نفس المبتدأ، و هو كما يقول القائل لغيره أخبرني عن حال الملك فيقول: لا أعرف من الملك إلا أنه ملك فقوله: وَ اَلسََّابِقُونَ اَلسََّابِقُونَ أي لا يمكن الإخبار عنهم إلا بنفسهم فإن حالهم و ما هم عليه فوق أن يحيط به علم البشر و هاهنا لطيفة: و هي أنه في أصحاب الميمنة قال: مََا أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ [الواقعة: 8]بالاستفهام و إن كان للإعجاز لكن جعلهم مورد الاستفهام و هاهنا لم يقل: و السابقون ما السابقون، لأن الاستفهام الذي للإعجاز يورد على مدعي العلم فيقال/له: إن كنت تعلم فبين الكلام و أما إذا كان يعترف بالجهل فلا يقال له: كذبت و لا يقال: كيف كذا، و ما الجواب عن ذلك، فكذلك في: وَ اَلسََّابِقُونَ ما جعلهم بحيث يدعون، فيورد عليهم الاستفهام فيبين عجزهم بل بنى الأمر على أنهم معترفون في الابتداء بالعجز، و على هذا فقوله تعالى:

وَ اَلسََّابِقُونَ اَلسََّابِقُونَ كقول العالم: لمن سأل عن مسألة معضلة و هو يعلم أنه لا يفهمها و إن كان أبانها غاية الإبانة أن الأمر فيها على ما هو عليه و لا يشتغل بالبيان و ثالثها: هو أن السابقون ثانيا تأكيد لقوله: وَ اَلسََّابِقُونَ و الوجه الأوسط هو الأعدل الأصح، و على الوجه الأوسط قول آخر: و هو أن المراد منه أن السابقين إلى الخيرات في الدنيا هم السابقون إلى الجنة في العقبى.

المسألة الثانية: أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ يقتضي الحصر فينبغي أن لا يكون غيرهم مقربا، و قد قال في حق الملائكة إنهم مقربون، نقول: أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ من الأزواج الثلاثة، فإن قيل: فَأَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ ليسوا من المقربين، نقول: للتقريب درجات وَ اَلسََّابِقُونَ في غاية القرب، و لا حد هناك، و يحتمل وجها آخر، و هو أن يقال: المراد السابقون مقربون من الجنات حال كون أصحاب اليمين متوجهين إلى طريق الجنة لأنه بمقدار ما يحاسب المؤمن حسابا يسيرا و يؤتى كتابه بيمينه يكون السابقون قد قربوا من المنزل أو قربهم إلى اللََّه في الجنة و أصحاب اليمين بعد متوجهون إلى ما وصل إليه المقربون، ثم إن السير و الارتفاع لا ينقطع فإن السير في اللََّه لا انقطاع له، و الارتفاع لا نهاية له، فكلما تقرب أصحاب اليمين من درجة السابق، يكون قد انتقل هو إلى موضع أعلى منه، فأولئك هم المقربون في جنات النعيم، في أعلى عليين حال وصول أصحاب اليمين إلى الحور العين.

المسألة الثالثة: بعد بيان أقسام الأزواج لم يعد إلى بيان حالهم على ترتيب ذكرهم، بل بين حال السابقين مع أنه أخرهم، و أخر ذكر أصحاب الشمال مع أنه قدمهم أولا في الذكر على السابقين، نقول: قد بينا أن عند ذكر الواقعة قدم من ينفعه ذكر الأهوال، و أخر من لا يختلف حاله بالخوف و الرجاء، و أما عند البيان فذكر السابق لفضيلته و فضيلة حاله. ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: عرف النعيم باللام هاهنا و قال في آخر السورة: فَرَوْحٌ وَ رَيْحََانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ [الواقعة:

89]بدون اللام، و المذكور في آخر السورة هو واحد من السابقين فله جنة من هذه الجنات و هذه معرفة بالإضافة إلى المعرفة، و تلك غير معرفة فما الفرق بينهما؟فنقول: الفرق لفظي و معنوي فاللفظي هو أن السابقين معرفون باللام المستغرقة لجنسهم، فجعل موضع المعرفين معرفا، و أما هناك فهو غير معرف، لأن قوله: ـ

391

إِنْ كََانَ مِنَ اَلْمُقَرَّبِينَ [الواقعة: 88]أي إن كان فردا منهم فجعل موضعه غير معرف/مع جواز أن يكون الشخص معرفا و موضعه غير معرف، كما قال تعالى: إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ* [الذاريات: 15]و إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنََّاتٍ وَ نَهَرٍ [القمر: 54]و بالعكس أيضا، و أما المعنوي: فنقول: عند ذكر الجمع جمع الجنات في سائر المواضع فقال تعالى: إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنََّاتٍ* و قال تعالى: أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ*`فِي جَنََّاتِ [الواقعة: 11، 12]لكن السابقون نوع من المتقين، و في المتقين غير السابقين أيضا، ثم إن السابقين لهم منازل ليس فوقها منازل، فهي صارت معروفة لكونها في غاية العلو أو لأنها لا أحد فوقها، و أما باقي المتقين فلكل واحد مرتبة و فوقها مرتبة فهم في جنات متناسبة في المنزلة لا يجمعها صقع واحد لاختلاف منازلهم، و جنات السابقين على حد واحد في على عليين يعرفها كل أحد، و أما الواحد منهم فإن منزلته بين المنازل، و لا يعرف كل أحد أنه لفلان السابق فلم يعرفها، و أما منازلهم فيعرفها كل أحد، و يعلم أنها للسابقين، و لم يعرف الذي للمتقين على وجه كذا.

المسألة الثانية: إضافة الجنة إلى النعيم من أي الأنواع؟ نقول: إضافة المكان إلى ما يقع في المكان يقال:

دار الضيافة، و دار الدعوة، و دار العدل، فكذلك جنة النعيم، و فائدتها أن الجنة في الدنيا قد تكون للنعيم، و قد تكون للاشتغال و التعيش بأثمان ثمارها، بخلاف الجنة في الآخرة فإنها للنعيم لا غير.

المسألة الثالثة: فِي جَنََّاتِ اَلنَّعِيمِ ، يحتمل أن يكون خبرا بعد خبر، و يحتمل أن يكون خبرا واحدا، أما الأول فتقديره: أولئك المقربون كائنون في جنات، كقوله: ذُو اَلْعَرْشِ اَلْمَجِيدُ`فَعََّالٌ لِمََا يُرِيدُ [البروج: 16]، و أما الثاني فتقديرهم المقربون في الجنات من اللّه كما يقال: هو المختار عند الملك في هذه البلدة، و على الوجه الأول فائدته بيان تنعيم جسمهم، و كرامة نفسهم فهم مقربون عند اللّه فهم في غاية اللذة و في جنات، فجسمهم في غاية النعيم، بخلاف المقربين عند الملوك، فإنهم يلتذون بالقرب لكن لا يكون لجسمهم راحة، بل يكونون في تعب من الوقوف و قضاء الأشغال، و لهذا قال: فِي جَنََّاتِ اَلنَّعِيمِ و لم يقتصر على جنات، و على الوجه الثاني فائدته التمييز عن الملائكة، فإن المقربين في يومنا هذا في السموات هم الملائكة و السابقون المقربون في الجنة فيكون المقربون في غيرها هم الملائكة و فيه لطيفة: و هي أن قرب الملائكة قرب الخواص عند الملك الذين هم للأشغال، فهم ليسوا في نعيم، و إن كانوا في لذة عظيمة و لا يزالون مشفقين قائمين بباب اللّه يرد عليهم الأمر و لا يرتفع عنهم التكليف، و السابقون لهم قرب عند اللّه، كما يكون لجلساء الملوك، فهم لا يكون بيدهم شغل و لا يرد عليهم أمر، فيلتذون بالقرب، و يتنعمون بالراحة. ثم قال تعالى:

و هذا خبر بعد خبر، و فيه مسائل.

المسألة الأولى: قد ذكرت أن قوله: وَ اَلسََّابِقُونَ اَلسََّابِقُونَ [الواقعة: 10]جملة، و إنما كان الخبر عين المبتدأ لظهور حالهم أو لخفاء أمرهم على غيرهم، فكيف جاء خبر بعده؟نقول: ذلك المقصود قد أفاد ذكر خبر آخر لمقصود آخر، كما أن واحدا يقول: زيد لا يخفى عليك حاله إشارة إلى كونه من المشهورين ثم يشرع‏

392

في حال يخفى على السامع مع أنه قال: لا يخفى، لأن ذلك كالبيان كونه ليس من الغرباء كذلك هاهنا قال:

وَ اَلسََّابِقُونَ اَلسََّابِقُونَ لبيان عظمتهم ثم ذكر حال عددهم.

المسألة الثانية: اَلْأَوَّلِينَ من هم؟ نقول: المشهور أنهم من كان قبل نبينا صلى اللّه عليه و سلم و إنما قال: ثُلَّةٌ* و الثلة الجماعة العظيمة، لأن من قبل نبينا من الرسل و الأنبياء من كان من كبار أصحابهم إذا جمعوا يكونون أكثر بكثير من السابقين من أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم، و على هذا قيل: إن الصحابة لما نزلت هذه الآية صعب عليهم قلتهم، فنزل بعده: ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ* [الواقعة: 13]، وَ ثُلَّةٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ [الواقعة: 40]هذا في غاية الضعف من وجوه أحدها: أن عدد أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم إذا كان في ذلك الزمان بل إلى آخر الزمان، بالنسبة إلى من مضى في غاية القلة فماذا كان عليهم من إنعام اللّه على خلق كثير من الأولين و ما هذا إلا خلف غير جائز و ثانيها: أن هذا كالنسخ في الأخبار و أنه في غاية البعد ثالثها: ما ورد بعدها لا يرفع هذا لأن الثلة من الأولين هنا في السابقين من الأولين و هذا ظاهر لأن أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم كثروا و رحمهم اللّه تعالى فعفا عنهم أمورا لم تعف عن غيرهم، و جعل للنبي صلى اللّه عليه و سلم الشفاعة فكثر عدد الناجين و هم أصحاب اليمين، و أما من لم يأثم و لم يرتكب الكبيرة من أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم فهم في غاية القلة و هم السابقون و رابعها: هذا توهم و كان ينبغي أن يفرحوا بهذه الآية لأنه تعالى لما قال: ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ دخل فيهم الأول من الرسل و الأنبياء، و لا نبي بعد محمد صلى اللّه عليه و سلم، فإذا جعل قليلا من أمته مع الرسل و الأنبياء و الأولياء الذين كانوا في درجة واحدة، يكون ذلك إنعاما في حقهم و لعله إشارة إلى‏

قوله عليه الصلاة و السلام: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»

الوجه الثاني: المراد منه: اَلسََّابِقُونَ اَلْأَوَّلُونَ مِنَ اَلْمُهََاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصََارِ [التوبة: 100]فإن أكثرهم لهم الدرجة العليا، لقوله تعالى: لاََ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ [الحديد:

10]الآية. } وَ قَلِيلٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، و على هذا فقوله: وَ كُنْتُمْ أَزْوََاجاً ثَلاََثَةً [الواقعة: 7]يكون خطابا مع الموجودين وقت التنزيل، و لا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا قبل نبينا عليه السلام، و هذا ظاهر فإن الخطاب لا يتعلق إلا بالموجودين من حيث اللفظ، و يدخل فيه غيرهم بالدليل الوجه الثالث: ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ الذين آمنوا و عملوا الصالحات بأنفسهم وَ قَلِيلٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ الذين قال اللّه تعالى فيهم: و أتبعتهم ذرياتهم [الطور: 21]فالمؤمنون و ذرياتهم إن كانوا من أصحاب اليمين فهم في الكثرة سواء، لأن كل صبي مات و أحد أبويه مؤمن فهو من أصحاب اليمين، و أما إن كانوا من المؤمنين السابقين، فقلما يدرك ولدهم درجة السابقين و كثيرا ما يكون ولد المؤمن أحسن حالا من الأب لتقصير في أبيه و معصية لم توجد في الابن الصغير و على هذا فقوله: اَلْآخِرِينَ المراد منه الآخرون التابعون من الصغار. ثم قال تعالى:

و الموضونة هي المنسوجة القوية اللحمة و السدى، و منه يقال للدرع المنسوجة: موضونة و الوضين هو الحبل العريض الذي يكون منه الحزم لقوة سداه و لحمته، و السرر التي تكون للملوك يكون لها قوائم من شي‏ء صلب و يكون مجلسهم عليها معمولا بحرير و غير ذلك لأنه أنعم من الخشب و ما يشبهه في الصلابة و هذه السرر قوائمها من الجواهر النفيسة، و أرضها من الذهب الممدود، }و قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلَيْهََا للتأكيد، و المعنى أنهم كائنون على سرر متكئين عليها متقابلين، ففائدة التأكيد هو أن لا يظن أنهم كائنون على سرر متكئين على‏

393

غيرها كما يكون حال من يكون على كرسي صغير لا يسعه للاتكاء فيوضع تحته شي‏ء آخر للاتكاء عليه، فلما قال: على سرر متكئين عليها دل هذا على أن استقرارهم و اتكاءهم جميعا على سرر، و قوله تعالى: مُتَقََابِلِينَ فيه وجهان أحدهما: أن أحدا لا يستدبر أحدا و ثانيهما: أن أحدا من السابقين لا يرى غيره فوقه، و هذا أقرب لأن قوله: مُتَقََابِلِينَ على الوجه الأول يحتاج إلى أن يقال: متقابلين معناه أن كل أحد يقابل أحدا في زمان واحد، و لا يفهم هذا إلا فيما لا يكون فيه اختلاف جهات، و على هذا فيكون معنى الكلام أنهم أرواح ليس لهم أدبار و ظهور، فيكون المراد من السابقين هم الذين أجسامهم أرواح نورانية جميع جهاتهم وجه كالنور الذي يقابل كل شي‏ء و لا يستدبر أحدا، و الوجه الأول أقرب إلى أوصاف المكانيات. ثم قال تعالى:

و الولدان جمع الوليد، و هو في الأصل فعيل بمعنى مفعول و هو المولود لكن غلب على الصغار مع قطع النظر عن كونهم مولودين، و الدليل أنهم قالوا للجارية الصغيرة وليدة، و لو نظروا إلى الأصل لجردوها عن الهاء كالقتيل، إذا ثبت هذا فنقول: في الولدان وجهان أحدهما: أنه على الأصل و هم صغار المؤمنين و هو ضعيف، لأن صغار المؤمنين أخبر اللّه تعالى عنهم أنه يلحقهم بآبائهم، و من الناس المؤمنين الصالحين من لا ولد له فلا يجوز أن يخدم ولد المؤمن مؤمنا غيره، فيلزم إما أن يكون لهم اختصاص ببعض الصالحين و أن لا يكون لمن لا يكون له ولد من يطوف عليه من الولدان، و إما أن يكون ولد الآخر يخدم غير أبيه و فيه منقصة بالأب، و على هذا الوجه قيل: هم صغار الكفار و هو أقرب من الأول إذ ليس فيه ما ذكرنا من المفسدة و الثاني: أنه على الاستعمال الذي لم يلحظ فيه الأصل و هو إرادة الصغار مع قطع النظر عن كونهم مولودين و هو حينئذ كقوله تعالى:

وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمََانٌ لَهُمْ [الطور: 24]و في قوله تعالى: مُخَلَّدُونَ وجهان أحدهما: أنه من الخلود و الدوام، و على هذا الوجه يظهر/وجهان آخران أحدهما: أنهم مخلدون و لا موت لهم و لا فناء و ثانيهما: لا يتغيرون عن حالهم و يبقون صغارا دائما لا يكبرون و لا يلتحون و الوجه الثاني: أنه من الخلدة و هو القرط بمعنى في آذانهم حلق، و الأول أظهر و أليق. ثم قال تعالى:

أواني الخمر تكون في المجالس، و في الكوب وجهان أحدهما: أنه من جنس الأقداح و هو قدح كبير ثانيهما: من جنس الكيزان و لا عروة له و لا خرطوم و الإبريق له عروة و خرطوم، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: ما الفرق بين الأكواب و الأباريق و الكأس حيث ذكر الأكواب و الأباريق بلفظ الجميع و الكأس بلفظ الواحد و لم يقل: و كئوس؟ نقول: هو على عادة العرب في الشرب يكون عندهم أوان كثيرة فيها الخمر معدة موضوعة عندهم، و أما الكأس فهو القدح الذي يشرب به الخمر إذا كان فيه الخمر و لا يشرب واحد في زمان واحد إلا من كأس واحد، و أما أواني الخمر المملوءة منها في زمان واحد فتوجد كثيرا، فإن قيل:

الطواف بالكأس على عادة أهل الدنيا و أما الطواف بالأكواب و الأباريق فغير معتاد فما الفائدة فيه؟نقول: عدم الطواف بها في الدنيا لدفع المشقة عن الطائف لثقلها و إلا فهي محتاج إليها بدليل أنه عند الفراغ يرجع إلى الموضع الذي هي فيه، و أما في الآخرة فالآنية تدور بنفسها و الوليد معها إكراما لا للحمل، و فيه وجه آخر من‏

394

حيث اللغة و هو أن الكأس إناء فيه شراب فيدخل في مفهومه المشروب، و الإبريق آنية لا يشترط في إطلاق اسم الإبريق عليها أن يكون فيها شراب، و إذا ثبت هذا فنقول الإناء المملوء الاعتبار لما فيه لا للإناء، و إذا كان كذلك فاعتبار الكأس بما فيه لكن فيه مشروب من جنس واحد و هو المعتبر، و الجنس لا يجمع إلا عند تنوعه فلا يقال للأرغفة من جنس واحد: أخباز، و إنما يقال: أخباز عند ما يكون بعضها أسود و بعضها أبيض و كذلك اللحوم يقال عند تنوع الحيوانات التي منها اللحوم و لا يقال للقطعتين من اللحم لحمان، و أما الأشياء المصنفة فتجمع، فالأقداح و إن كانت كبيرة لكنها لما ملئت خمرا من جنس واحد لم يجز أن يقال لها: خمور فلم يقل:

كئوس و إلا لكان ذلك ترجيحا للظروف، لأن الكأس من حيث إنها شراب من جنس واحد لا بجمع واحد فيترك الجمع ترجيحا لجانب المظروف بخلاف الإبريق فإن المعتبر فيه الإناء فحسب، و على هذا يتبين بلاغة القرآن حيث لم يرد فيه لفظ الكئوس إذ كان ما فيها نوع واحد من الخمر، و هذا بحث عزيز في اللغة.

المسألة الثانية: في تأخير الكأس ترتيب حسن، فكذلك في تقديم الأكواب إذا كان الكوب منه يصب الشراب في الإبريق و من الإبريق الكأس.

المسألة الثالثة: مِنْ مَعِينٍ بيان ما في الكأس أو بيان ما في الأكواب و الأباريق، نقول: يحتمل أن يكون الكل من معين و الأول أظهر بالوضع، و الثاني ليس كذلك، فلما قال: وَ كَأْسٍ فكأنه قال: و مشروب، و كأن السامع محتاجا إلى معرفة المشروب، و أما الإبريق فدلالته على المشروب ليس بالوضع، و أما المعنى فلأن كون الكل ملآنا هو الحق، و لأن الطواف بالفارغ لا يليق فكان الظاهر بيان ما في الكل، و مما يؤيد الأول هو أنه تعالى عند ذكر الأواني ذكر جنسها لا نوع ما فيها فقال تعالى: وَ يُطََافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَ أَكْوََابٍ [الإنسان: 15]الآية، و عند ذكر الكأس بين ما فيها فقال: وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ فيحتمل أن الطواف بالأباريق، و إن كانت فارغة للزينة و التجمل و في الآخرة تكون للإكرام و التنعم لا غير.

المسألة الرابعة: ما معنى المعين؟ قلنا: ذكرنا في سورة الصافات أنه فعيل أو مفعول و مضى فيه خلاف، فإن قلنا: فعيل فهو من معن الماء إذا جرى و إن قلنا: مفعول فهو من عانه إذا شخصه بعينه و ميزه، و الأول أصح و أظهر لأن المعيون يوهم بأنه معيوب لأن قول القائل: عانني فلان معناه ضرني إذا أصابتني عينه، و لأن الوصف بالمفعول لا فائدة فيه، و أما الجريان في المشروب فهو إن كان في الماء فهو صفة مدح و إن كان في غيره فهو أمر عجيب لا يوجد في الدنيا، فيكون كقوله تعالى: وَ أَنْهََارٌ مِنْ خَمْرٍ [محمد: 15]ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: لاََ يُصَدَّعُونَ فيه وجهان أحدهما: لا يصيبهم منها صداع يقال: صدعني فلان أي أورثني الصداع و الثاني: لا ينزفون عنها و لا ينفدونها من الصدع، و الظاهر أن أصل الصداع منه، و ذلك لأن الألم الذي في الرأس يكون في أكثر الأمر بخلط و ريح في أغشية الدماغ فيؤلمه فيكون الذي به صداع كأنه يتطرف في غشاء دماغه.

المسألة الثانية: إن كان المراد نفي الصداع فكيف يحسن عنها مع أن المستعمل في السبب كلمة من،

395

فيقال: مرض من كذا و في المفارقة يقال: عن، فيقال: برى‏ء عن المرض؟نقول: الجواب هو أن السبب الذي يثبت أمرا في شي‏ء كأنه ينفصل عنه شي‏ء و يثبت في مكانه فعله، فهناك أمران و نظران إذا نظرت إلى المحل و رأيت فيه شيئا تقول: هذا من ماذا، أي ابتداء وجوده من أي شي‏ء فيقع نظرك على السبب فتقول: هذا من هذا أي ابتداء وجوده منه، و إذا نظرت إلى جانب المسبب ترى الأمر الذي صدر عنه كأنه فارقه و التصق بالمحل، و لهذا لا يمكن أن يوجد ذلك مرة أخرى، و السبب كأنه كان فيه و انتقل عنه في أكثر الأمر فههنا يكون الأمران من الأجسام و الأمور التي لها قرب و بعد، إذا علم هذا فنقول: المراد هاهنا بيان خمر الآخرة في/نفسها و بيان ما عليها، فالنظر وقع عليها لا على الشاربين و لو كان المقصود أنهم لا يصدعون عنها لوصف منهم لما كان مدحا لها، و أما إذا قال: هي لا تصدع لأمر فيها يكون مدحا لها فلما وقع النظر عليها قال عنها، و أما إذا كنت تصف رجلا بكثرة الشرب و قوته عليه، فإنك تقول: في حقه هو لا يصدع من كذا من الخمر، فإذا وصفت الخمر تقول هذه لا يصدع عنها أحد.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: وَ لاََ يُنْزِفُونَ تقدم تفسيره في الصافات و الذي يحسن ذكره هنا أن نقول:

إن كان معنى لاََ يُنْزِفُونَ لا يسكرون، فنقول: إما أن نقول معنى: لاََ يُصَدَّعُونَ أنهم لا يصيبهم الصداع، و إما أنهم لا يفقدون، فإن قلنا: بالقول الأول فالترتيب في غاية الحسن لأنه على طريقة الارتقاء، فإن قوله تعالى: لاََ يُصَدَّعُونَ معناه لا يصيبهم الصداع لكن هذا لا ينفي السكر فقال: بعده و لا يورث السكر، كقول القائل: ليس فيه مفسدة كثيرة، ثم يقول: و لا قليلة، تتميما للبيان، و لو عكست الترتيب لا يكون حسنا، و إن قلنا: لاََ يُنْزِفُونَ لا يفقدون فالترتيب أيضا كذلك لأن قولنا: لاََ يُصَدَّعُونَ أي لا يفقدونه و مع كثرته و دوام شربه لا يسكرون فإن عدم السكر لنفاد الشراب ليس بعجب، لكن عدم سكرهم مع أنهم مستديمون للشراب عجيب و إن قلنا: لاََ يُنْزِفُونَ بمعنى لا ينفد شرابهم كما بينا هناك. فنقول: أيضا إن كان لا يصدعون بمعنى لا يصيبهم صداع فالترتيب في غاية الحسن، و ذلك لأن قوله: لاََ يُصَدَّعُونَ لا يكون بيان أمر عجيب إن كان شرابهم قليلا فقال: لاََ يُصَدَّعُونَ عَنْهََا مع أنهم لا يفقدون الشراب و لا ينزفون الشراب، و إن كان بمعنى لا ينزفون عنها فالترتيب حسن لأن معناه لا ينزفون عنها بمعنى لا يخرجون عما هم فيه و لا يؤخذ منهم ما أعطوا من الشراب، ثم إذا أفنوها بالشراب يعطون. ثم قال تعالى:

}و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ما وجه الجر، و الفاكهة لا يطوف بها الولدان و العطف يقتضي ذلك؟ نقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن الفاكهة و اللحم في الدنيا يطلبان في حالتين أحدهما: حالة الشرب و الأخرى حال عدمه، فالفاكهة من رءوس الأشجار تؤخذ، كما قال تعالى: قُطُوفُهََا دََانِيَةٌ [الحاقة: 23]و قال: وَ جَنَى اَلْجَنَّتَيْنِ دََانٍ [الرحمن: 54]إلى غير ذلك، و أما حالة الشراب فجاز أن يطوف بها الولدان، فيناولوهم الفواكه الغريبة و اللحوم العجيبة لا للأكل بل للإكرام، كما يضع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده عنده و إن كان كل‏

396

واحد منهما مشاركا للآخر في القرب منها و الوجه الثاني: أن يكون عطفا في المعنى على جنات النعيم، أي هم المقربون في جنات و فاكهة، و لحم و حور، أي في هذه النعم يتقلبون، و المشهور أنه عطف في اللفظ للمجاورة لا في المعنى، و كيف لا يجوز هذا، و قد جاز تقلد سيفا و رمحا.

المسألة الثانية: هل في تخصيص التخيير بالفاكهة و الاشتهاء باللحم بلاغة؟ قلت: و كيف لا و في كل حرف من حروف القرآن بلاغة و فصاحة، و إن كان لا يحيط بها ذهني الكليل، و لا يصل إليها علمي القليل، و الذي يظهر لي فيه أن اللحم و الفاكهة إذا حضرا عند الجائع تميل نفسه إلى اللحم، و إذا حضرا عند الشبعان تميل إلى الفاكهة، و الجائع مشته و الشبعان غير مشته، و إنما هو مختار إن أراد أكل، و إن لم يرد لا يأكل، و لا يقال في الجائع إن أراد أكل لأن أن لا تدخل إلا على المشكوك، إذا علم هذا ثبت أن في الدنيا اللحم عند المشتهي مختار و الفاكهة عند غير المشتهى مختارة و حكاية الجنة على ما يفهم في الدنيا فحص اللحم بالاشتهاء و الفاكهة بالاختيار، و التحقيق فيه من حيث اللفظ أن الاختيار هو أخذ الخير من أمرين و الأمران اللذان يقع فيهما الاختيار في الظاهر لا يكون للمختار أو لا ميل إلى أحدهما، ثم يتفكر و يتروى، و يأخذ ما يغلبه نظره على الآخر فالتفكه هو ما يكون عند عدم الحاجة، و أما إن اشتهى واحد فاكهة بعينها فاستحضرها و أكلها فهو ليس بمتفكه و إنما هو دافع حاجة، و أما فواكه الجنة تكون أولا عند أصحاب الجنة من غير سبق ميل منهم إليها ثم يتفكهون بها على حسب اختيارهم، و أما اللحم فتميل أنفسهم إليه أدنى ميل فيحضر عندهم، و ميل النفس إلى المأكول شهوة، و يدل على هذا قوله تعالى: قُطُوفُهََا دََانِيَةٌ [الحاقة: 23]و قوله: وَ جَنَى اَلْجَنَّتَيْنِ دََانٍ [الرحمن: 54]و قوله تعالى: وَ فََاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ*`لاََ مَقْطُوعَةٍ وَ لاََ مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: 32، 33]فهو دليل على أنها دائمة الحضور، و أما اللحم‏

فالمروي أن الطائر يطير فتميل نفس المؤمن إلى لحمه فينزل مشويا و مقليا على حسب ما يشتهيه،

فالحاصل أن الفاكهة تحضر عندهم فيتخير المؤمن بعد الحضور و اللحم يطلبه المؤمن و تميل نفسه إليه أدنى ميل، و ذلك لأن الفاكهة تلذ الأعين بحضورها، و اللحم لا تلذ الأعين بحضوره، ثم إن في اللفظ لطيفة، و هي أنه تعالى قال: مِمََّا يَتَخَيَّرُونَ و لم يقل: مما يختارون مع قرب أحدهما إلى الآخر في المعنى، و هو أن التخير من باب التكلف فكأنهم يأخذون ما يكون في نهاية الكمال، و هذا لا يوجد إلا ممن لا يكون له حاجة و لا اضطرار.

المسألة الثالثة: ما الحكمة في تقديم الفاكهة على اللحم؟ نقول: الجواب عنه من وجوه أحدها: العادة في الدنيا التقديم للفواكه في الأكل و الجنة وضعت بما علم في الدنيا من الأوصاف و على ما علم فيها، و لا سيما عادة أهل الشرب و كأن المقصود بيان حال شرب أهل الجنة و ثانيها: الحكمة في الدنيا تقتضي أكل الفاكهة أولا لأنها ألطف و أسرع انحدارا و أقل حاجة إلى المكث الطويل في المعدة للهضم، و لأن الفاكهة تحرك الشهوة للأكل و اللحم يدفعها و ثالثها: يخرج مما ذكرنا جوابا خلا عن لفظ التخيير و الاشتهاء هو أنه تعالى لما بين أن الفاكهة دائمة الحضور و الوجود، و اللحم يشتهي و يحضر عند الاشتهاء دل هذا على عدم الجوع لأن الجائع حاجته إلى اللحم أكثر من اختياره اللحم فقال: وَ فََاكِهَةٍ لأن الحال في الجنة يشبه حال الشبعان في الدنيا فيميل إلى الفاكهة أكثر فقدمها، و هذا الوجه أصح لأن من الفواكه ما لا يؤكل إلا بعد الطعام، فلا يصح الأول جوابا في الكل/. ثم قال تعالى:

397

و فيها قراءات الأولى: الرفع و هو المشهور، و يكون عطفا على ولدان، فإن قيل قال قبله: حُورٌ مَقْصُورََاتٌ فِي اَلْخِيََامِ [الرحمن: 72]إشارة إلى كونها مخدرة و مستورة، فكيف يصح قولك: إنه عطف على ولدان؟نقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: و هو المشهور أن نقول: هو عطف عليهم في اللفظ لا في المعنى، أو في المعنى على التقدير و المفهوم لأن قوله تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدََانٌ [الواقعة: 17]معناه لهم ولدان كما قال تعالى: وَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمََانٌ لَهُمْ [الطور: 24]فيكون: وَ حُورٌ عِينٌ بمعنى و لهم حور عين و ثانيهما: و هو أن يقال: ليست الحور منحصرات في جنس، بل لأهل الجنة: حُورٌ مَقْصُورََاتٌ في حظائر معظمات و لهن جواري و خوادم، و حور تطوف مع الولدان السقاة فيكون كأنه قال: يطوف عليهم ولدان و نساء الثانية: الجر عطفا على أكواب و أباريق، فإن قيل: كيف يطاف بهن عليهم؟نقول: الجواب سبق عند قوله: وَ لَحْمِ طَيْرٍ [الواقعة: 21]أو عطفا على: جَنََّاتِ [الواقعة: 12]أي: أولئك المقربون في جنات النعيم و حور. و قرئ حورا عينا بالنصب، و لعل الحاصل على هذه القراءة على غير العطف بمعنى العطف لكن هذا القارئ لا بد له من تقدير ناصب فيقول: يؤتون حورا فيقال: قد رافعا فقال: و لهم حور عين فلا يلزم الخروج عن موافقة العاطف‏}و قوله تعالى: كَأَمْثََالِ اَللُّؤْلُؤِ اَلْمَكْنُونِ فيه مباحث:

الأول: الكاف للتشبيه، و المثل حقيقة فيه، فلو قال: أمثال اللؤلؤ المكنون لم يكن إلى الكاف حاجة، فما وجه الجمع بين كلمتي التشبيه؟نقول: الجواب المشهور أن كلمتي التشبيه يفيدان التأكيد و الزيادة في التشبيه، فإن قيل: ليس كذلك بل لا يفيدان ما يفيد أحدهما لأنك إن قلت مثلا: هو كاللؤلؤة للمشبه، دون المشبه به في الأمر الذي لأجله التشبيه؟نقول: التحقيق فيه، هو أن الشي‏ء إذا كان له مثل فهو مثله، فإذا قلت هو مثل القمر لا يكون في المبالغة مثل قولك هو قمر و كذلك قولنا: هو كالأسد، و هو أسد، فإذا قلت: كمثل اللؤلؤ كأنك قلت: مثل اللؤلؤ و قولك: هو اللؤلؤ أبلغ من قولك: هو كاللؤلؤ، و هذا البحث يفيدنا هاهنا، و لا يفيدنا في قوله تعالى:

لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ [الشورى: 11]لأن النفي في مقابلة الإثبات، و لا يفهم معنى النفي من الكلام ما لم يفهم معنى الإثبات الذي يقابله، فنقول قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ في مقابلة قول من يقول: كمثله شي‏ء، فنفى ما أثبته لكن معنى قوله: كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ إذا لم نقل بزيادة الكاف هو أن مثل مثله شي‏ء، و هذا كلام يدل على أن له مثلا، ثم إن لمثله مثلا، فإذا قلنا: ليس كذلك كان ردا عليه، و الرد عليه صحيح بقي أن يقال: إن الراد على من يثبت أمورا لا يكون نافيا لكل ما أثبته، فإذا قال قائل: زيد عالم جيد، ثم قيل ردا عليه: ليس زيد عالما جيدا لا يلزم من هذا أن يكون نافيا لكونه عالما، فمن يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ بمعنى ليس مثل مثله شي‏ء لا يلزم أن يكون نافيا لمثله، بل يحتمل أن يكون نافيا لمثل المثل، فلا يكون/الراد أيضا موحدا فيخرج الكلام عن إفادة التوحيد، فنقول: يكون مفيدا للتوحيد لأنا إذا قلنا: ليس مثل مثله شي‏ء لزم أن لا يكون له مثل لأنه لو كان له مثل لكان هو مثل مثله، و هو شي‏ء بدليل قوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْ‏ءٍ أَكْبَرُ شَهََادَةً قُلِ اَللََّهُ [الأنعام: 19]فإن حقيقة الشي‏ء هو الموجود فيكون مثل مثله شي‏ء و هو منفي بقولنا: ليس مثل مثله شي‏ء، فعلم أن الكلام لا

398

يخرج عن إفادة التوحيد، فعلم أن الحمل على الحقيقة يفيد في الكلام مبالغة في قوله تعالى: كَأَمْثََالِ و أما عدم الحمل عليها في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ فهو أوجز فتجعل الكاف زائدة لئلا يلزم التعطيل، و هو نفي الإله، نقول: فيه فائدة، و هو أن يكون ذلك نفيا مع الإشارة إلى وجه الدليل على النفي، و ذلك لأنه تعالى واجب الوجود، و قد وافقنا من قال بالشريك، و لا يخالفنا إلا المعطل، و ذلك إثباته ظاهرا، و إذا كان هو واجب الوجود فلو كان له مثل لخرج عن كونه واجب الوجود، لأنه مع مثله تعادلا في الحقيقة، و إلا لما كان ذلك مثله و قد تعدد فلا بد من انضمام مميز إليه به يتميز عن مثله، فلو كان مركبا فلا يكون واجبا لأن كل مركب ممكن، فلو كان له مثل لما كان هو هو فيلزم من إثبات المثل له نفيه، فقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ إذا حملناه أنه ليس مثل مثله شي‏ء، و يكون في مقابلته قول الكافر: مثل مثله شي‏ء فيكون مثبتا لكونه مثل مثله و يكون مثله يخرج عن حقيقة نفسه و منه لا يبقى واجب الوجود فذكر المثلين لفظا يفيد التوحيد مع الإشارة إلى وجه الدليل على بطلان قول المشرك و لو قلنا: ليس مثله شي‏ء يكون نفيا من غير إشارة إلى دليل، و التحقيق فيه أنا نقول: في نفي المثل ردا على المشرك لا مثل للّه، ثم نستدل عليه و نقول: لو كان له مثل لكان هو مثلا لذلك المثل فيكون ممكنا محتاجا فلا يكون إلها و لو كان له مثل لما كان اللّه إلها واجب الوجود، لأن عند فرض مثل له يشاركه بشي‏ء و ينافيه بشي‏ء، فيلزم تركه فلو كان له مثل لخرج عن حقيقة كونه إلها فإثبات الشريك يفضي إلى نفي الإله فقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ توحيد بالدليل و ليس مثله شي‏ء توحيد من غير دليل و شي‏ء من هذا رأيته في كلام الإمام فخر الدين الرازي رحمه اللّه‏ (1) بعد ما فرغت من كتابة هذا مما وافق خاطري خاطره على أني معترف بأني أصبت منه فوائد لا لا أحصيها، و أما قوله تعالى: اَللُّؤْلُؤِ اَلْمَكْنُونِ إشارة إلى غاية صفائهن أي اللؤلؤ الذي لم يغير لونه الشمس و الهواء. ثم قال تعالى:

و في نصبه وجهان أحدهما: أنه مفعول له و هو ظاهر تقديره فعل بهم هذا ليقع جزاء و ليجزون بأعمالهم، و على هذا فيه لطيفة: و هي أن نقول: المعنى أن هذا كله جزاء عملكم و أما الزيادة/فلا يدركها أحد منكم و ثانيهما: أنه مصدر لأن الدليل على أن كل ما يفعله اللّه فهو جزاء فكأنه قال: تجزون جزاء، و قوله: بِمََا كََانُوا قد ذكرنا فائدته في سورة الطور و هي أنه تعالى قال في حق المؤمنين: جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة: 24]و في حق الكافرين: إِنَّمََا تُجْزَوْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* [التحريم: 7]إشارة إلى أن العذاب عين جزاء ما فعلوا فلا زيادة عليهم، و الثواب: جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17]فلا يعطيهم اللّه عين عملهم، بل يعطيهم بسبب عملهم ما يعطيهم، و الكافر يعطيه عين ما فعل، فيكون فيه معنى قوله تعالى: مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا وَ مَنْ جََاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاََ يُجْزى‏ََ إِلاََّ مِثْلَهََا [الأنعام: 160] و فيه مسائل:

المسألة الأولى: أصولية ذكرها الإمام فخر الدين رحمه اللّه في مواضع كثيرة، و نحن نذكر بعضها فالأولى: قالت المعتزلة: هذا يدل على أن يقال: الثواب على اللّه واجب، لأن الجزاء لا يجوز المطالبة به، و قد أجاب عنه الإمام فخر الدين رحمه اللّه بأجوبة كثيرة، و أظن به أنه لم يذكر ما أقوله فيه و هو ما ذكروه. و لو صح

____________

(1) هذه العبارة تشعر و تؤكد أن الكتاب أو هذه السورة لمؤلف آخر غير فخر الدين الرازي و إنما هذا لأحد تلاميذه أكملها بعد وفاته أو نقص بالأصل و كمله أحد العلماء المتأخرين و اللّه أعلم.

399

لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة، و ذلك لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح و علم بالعقل أن القبيح من اللّه لا يوجد علم أن اللّه يعطي هذه الأشياء لأنها أجزية، و إيصال الجزاء واجب، و أما إذا قلنا: بمذهبنا تكون الآيات مفيدة مبشرة، لأن البشارة لا تكون إلا بالخير عن أمر غير معلوم، لا يقال: الجزاء كان واجبا على اللّه و أما الخبر بهذه الأشياء فلا يذكرها مبشرا، لأنا نقول: إذا وجب نفس الجزاء فما أعطانا اللّه تعالى من النعم في الدنيا جزاء فثواب الآخرة لا يكون إلا تفضلا منه، غاية ما في الباب أنه تعالى كمل النعمة بقوله: هذا جزاؤكم، أي جعلته لكم جزاء، و لم يكن متعينا و لا واجبا، كما أن الكريم إذا أعطى من جاء بشي‏ء يسير شيئا كثيرا، فيظن أنه يودعه إيداعا أو يأمره بحمله إلى موضع، فيقول له: هذا لك فيفرح، ثم إنه يقول: هذا إنعام عظيم يوجب على خدمة كثيرة، فيقول له هذا جزاء ما أتيت به، و لا أطلب منك على هذا خدمة، فإن أتيت بخدمة فلها ثواب جديد، فيكون هذا غاية الفضل، و عند هذا نقول: هذا كله إذا كان الآتي غير العبد، و أما إذا فعل العبد ما أوجب عليه سيده لا يستحق عليه أجرا، و لا سيما إذا أتى بما أمر به على نوع اختلال، فما ظنك بحالنا مع اللّه عز و جل، مع أن السيد لا يملك من عبده إلا البنية، و اللّه تعالى يملك منا أنفسنا و أجسامنا، ثم إنك إذا تفكرت في مذهب أهل السنة تجدهم قد حققوا معنى العبودية غاية التحقيق، و اعترفوا أنهم عبيد لا يملكون شيئا و لا يجب للعبد على السيد دين، و المعتزلة لم يحققوا العبودية، و جعلوا بينهم و بين اللّه معاملة توجب مطالبة، و نرجو أن يحقق اللّه تعالى معناه المالكية غاية التحقيق، و يدفع حاجاتنا الأصلية و يطهر أعمالنا، كما أن السيد يدفع حاجة عبده بإطعامه و كسوته، و يطهر صومه بزكاة فطره، و إذا جنى جناية لم يمكن المجنى عليه منه، بل يختار فداءه و يخلص رقبته من الجناية، كذلك يدفع اللّه حاجاتنا في الآخرة، و أهم الحاجات أن يرحمنا و يعفو عنا، و يتغمدنا /بالمغفرة و الرضوان، حيث منع غيره عن تملك رقابنا باختيار الفداء عنا، و أرجو أن لا يفعل مع إخواننا المعتزلة ما يفعله المتعاملان في المحاسبة بالنقير و القطمير، و المطالبة بما يفضل لأحدهما من القليل و الكثير.

المسألة الثانية: قالوا: لو كان في الآخرة رؤية لكانت جزاء، و قد حصر اللّه الجزاء فيما ذكر و الجواب عنه: أن نقول: لم قلتم: إنها لو كانت تكون جزاء، بل تكون فضلا منه فوق الجزاء، وهب أنها تكون جزاء، و لكن لم قلتم: إن ذكر الجزاء حصر و إنه ليس كذلك، لأن من قال لغيره: أعطيتك كذا جزاء على عمل لا ينافي قوله: و أعطيتك شيئا آخر فوقه أيضا جزاء عليه، وهب أنه حصر، لكن لم قلتم: إن القربة لا تدل على الرؤية، فإن قيل: قال في حق الملائكة: وَ لاَ اَلْمَلاََئِكَةُ اَلْمُقَرَّبُونَ [النساء: 172]، و لم يلزم من قربهم الرؤية، نقول:

أجبنا أن قربهم مثل قرب من يكون عند الملك لقضاء الأشغال، فيكون عليه التكليف و الوقوف بين يديه بالباب تخرج أوامره عليه، كما قال تعالى: وَ يَفْعَلُونَ مََا يُؤْمَرُونَ* [التحريم: 6]و قرب المؤمن قرب المنعم من الملك، و هو الذي لا يكون إلا للمكالمة و المجالسة في الدنيا، لكن المقرب المكلف ليس كلما يروح إلى باب الملك يدخل عليه و أما المنعم لا يذهب إليه إلا و يدخل عليه فظهر الفرق.

و الذي يدل على أن قوله: أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ [الواقعة: 11]فيه إشارة إلى الرؤية هو أن اللّه تعالى في سورة المطففين ذكر الأبرار و الفجار، ثم إنه تعالى قال في حق الفجار: إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: 15]و قال في الأبرار: يَشْرَبُ بِهَا اَلْمُقَرَّبُونَ [المطففين: 28]و لم يذكر في مقابلة المحجوبون ما يدل على مخالفة حال الأبرار حال الفجار في الحجاب و القرب، لأن قوله: لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: 18]

400

و إن كان دليلا على القرب و علو المنزلة لكنه في مقابلة قوله: لَفِي سِجِّينٍ [المطففين: 7]فقوله تعالى في حقهم: يَشْرَبُ بِهَا اَلْمُقَرَّبُونَ مع قوله تعالى: وَ سَقََاهُمْ رَبُّهُمْ شَرََاباً طَهُوراً [الإنسان: 21]يدل على أن المراد منه القرب الذي يكون لجلساء الملك عند الملك، و قوله في حق الملائكة في تلك السورة: يَشْهَدُهُ اَلْمُقَرَّبُونَ [المطففين: 21]يدل على أن المراد منه القرب الذي يكون للكتاب و الحساب عند الملك لما أنه في الدنيا يحسد أحدهما الآخر، فإن الكاتب إن كان قربه من الملك بسبب الخدمة لا يختار قرب الكتاب و الحساب، بل قرب النديم، ثم إنه بين ذلك النوع من القرب و بين القرب الذي بسبب الكتابة ما يحمله على أن يختار غيره، و في سورة المطففين قوله: لَمَحْجُوبُونَ يدل على أن المقربين غير محجوبين عن النظر إلى اللّه تعالى، و ينبغي أن لا ينظر إلى اللّه قولنا: جلساء الملك في ظاهر النظر الذي يقتضي في نظر القوم الجهة و إلى القرب الذي يفهم العامي منه المكان إلا بنظر العلماء الأخبار الحكماء الأخبار.

المسألة الثالثة: قالوا قوله تعالى: بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ يدل على أن العمل عملهم و حاصل بفعلهم، نقول: لا نزاع في أن العلم في الحقيقة اللغوية وضع للفعل و المجنون للذي لا عقل له و العاقل للذي بلغ الكمال فيه، و ذلك ليس إلا بوضع اللغة لما يدرك بالحس، و كل أحد يرى/الحركة من الجسمين فيقول: تحرك و سكن على سبيل الحقيقة، كما يقول: تدور الرحا و يصعد الحجر، و إنما الكلام في القدرة التي بها الفعل في المحل المرئي، و ذلك خارج عن وضع اللغة. ثم قال تعالى:

المسألة الأولى: ما الحكمة في تأخير ذكره عن الجزاء مع أنه من النعم العظيمة؟ نقول فيه لطائف الأولى:

أن هذا من أتم النعم، فجعلها من باب الزيادة التي منها الرؤية عند البعض و لا مقابل لها من الأعمال، و إنما قلنا: إنها من أتم النعم، لأنها نعمة سماع كلام اللّه تعالى على ما سنبين أن المراد من قوله: سَلاََماً هو ما قال في سورة يس: سَلاََمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58]فلم يذكرها فيما جعله جزاء، و هذا على قولنا:

أُولََئِكَ اَلْمُقَرَّبُونَ [الواقعة: 11]ليس فيه دلالة على الرؤية الثانية: أنه تعالى بدأ بأتم النعم و هي نعمة الرؤيا، و هي الرؤية بالنظر كما مر و ختم بمثلها، و هي نعمة المخاطبة الثالثة: هي أنه تعالى لما ذكر النعم الفعلية و قابلها بأعمالهم حيث قال: جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة: 24]ذكر النعم القولية في مقابلة أذكارهم الحسنة و لم يذكروا اللذات العقلية التي في مقابلة أعمال قلوبهم من إخلاصهم و اعتقادهم، لأن العمل القلبي لم ير و لم يسمع، فما يعطيهم اللّه تعالى من النعمة تكون نعمة لم ترها عين و لا سمعتها أذن، و إليه الإشارة

بقوله صلى اللّه عليه و سلم فيها: «مالا عين رأت، و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر»

و

قوله عليه السلام: «و لا خطر»

إشارة إلى الزيادة، و الذي يدل على النعمة القولية في مقابلة قولهم الطيب قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةُ أَلاََّ تَخََافُوا وَ لاََ تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا إلى قوله: نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت: 30-32].

المسألة الثانية: قوله تعالى: لاََ يَسْمَعُونَ فِيهََا لَغْواً وَ لاََ تَأْثِيماً نفي للمكروه لما أن اللغو كلام غير

401

معتبر، لأنه عند المعتبرين من الرجال مكروه، و نفي المكروه لا يعد من النعم العظيمة التي مر ذكرها، كيف و قد ذكرت أن تأخير هذه النعمة لكونها أتم، و لو قال: إن فلانا في بلدة كذا محترم مكرم لا يضرب و لا يشتم فهو غير مكرم و هو مذموم و الواغل مذموم و هو الذي يدخل على قوم يشربون و يأكلون فيأكل و يشرب معهم من غير دعاء و لا إذن فكأنه بالنسبة إليهم في عدم الاعتبار كلام غير معتبر و هو اللغو، و كذلك ما يتصرف منه مثل الولوغ لا يقال إلا إذا كان الوالغ كلبا أو ما يشبهه من السباع، و أما التأثيم فهو النسبة إلى الإثم و معناه لا يذكر إلا باطلا و لا ينسبه أحد إلا إلى الباطل، و أما التقديم فلأن اللغو أعم من التأثيم أي يجعله آثما كما تقول: إنه فاسق أو سارق و نحو ذلك و بالجملة فالمتكلم ينقسم إلى أن يلغو و إلى أن لا يلغو و الذي لا يلغو يقصد الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فيأخذ الناس بأقوالهم و هو لا يؤخذ عليه شي‏ء، فقال/تعالى: لا يلغو أحد و لا يصدر منه لغو و لا ما يشبه اللغو فيقول له: الصادق لا يلغو و لا يأثم و لا شك في أن الباطل أقبح ما يشبهه فقال:

لا يأثم أحد.

المسألة الثالثة: قال تعالى في سورة النبأ: لاََ يَسْمَعُونَ فِيهََا لَغْواً وَ لاََ كِذََّاباً [النبأ: 35]فهل بينهما فرق؟ قلنا: نعم الكذاب كثير التكذيب و معناه هناك أنهم لا يسمعون كذبا و لا أحدا يقول لآخر: كذبت و فائدته أنهم لا يعرفون كذبا من معين من الناس و لا من واحد منهم غير معين لتفاوت حالهم و حال الدنيا فإنا نعلم أن بعض الناس بأعيانهم كذابون فإن لم نعرف ذلك نقطع بأن في الناس كذابا لأن أحدهم يقول لصاحبه: كذبت فإن صدق فصاحبه كذاب، و إن لم يصدق فهو كاذب فيعلم أن في الدنيا كذابا بعينه أو بغير عينه و لا كذلك في الآخرة فلا كذب فيها، و قال هاهنا: وَ لاََ تَأْثِيماً و هو أبلغ من التكذيب فإن من يقول في حق من لا يعرفه: إنه زان أو شارب الخمر مثلا فإنه يأثم و قد يكون صادقا، فالذي ليس عن علم إثم فلا يقول أحد لأحد: قلت ما لا علم لك به فالكلام هاهنا أبلغ لأنه قصر السورة على بيان أحوال الأقسام لأن المذكورين هنا هم السابقون و في سورة النبأ هم المتقون، و قد بينا أن السابق فوق المتقي.

المسألة الرابعة: إِلاََّ قِيلاً استثناء متصل أو منقطع، فنقول: فيه وجهان أحدهما: و هو الأظهر أنه منقطع لأن السلام ليس من جنس اللغو تقديره لكن يسمعون قيلا سلاما سلاما ثانيهما: أنه متصل و وجهه أن نقول:

المجاز قد يكون في المعنى، و من جملته أنك تقول: مالي ذنب إلا أحبك، فلهذا تؤذيني فتستثني محبته من الذنب و لا تريد المنقطع لأنك لا تريد بهذا القول بيان أنك تحبه إنما تريد في تبرئتك عن الذنوب و وجهه هو أن بينهما غاية الخلاف و بينهما أمور متوسطة مثاله: الحار و البارد و بينهما الفاتر الذي هو أقرب إلى الحار من البارد و أقرب إلى البارد من الحار، و المتوسط يطلق عليه اسم البارد عند النسبة إلى الحار فيقال: هذا بارد و يخبر عنه بالنسبة إلى البارد فيقال: إنه حار، إذا ثبت هذا فنقول قول القائل: مالي ذنب إلا أني أحبك، معناه لا تجد ما يقرب من الذنب إلا المحبة فإن عندي أمورا فوقها إذا نسبتها إلى الذنب تجد بينها غاية الخلاف فيكون ذلك كقوله: درجات الحب عندي طاعتك و فوقها إن أفضل جانب أقل أمر من أمورك على جانب الحفظ لروحي، إشارة إلى المبالغة كما يقول القائل: ليس هذا بشي‏ء مستحقرا بالنسبة إلى ما فوقه فقوله: لاََ يَسْمَعُونَ فِيهََا لَغْواً أي يسمعون فيها كلاما فائقا عظيم الفائدة كامل اللذة أدناها و أقربها إلى اللغو قول بعضهم لبعض:

سلام عليك فلا يسمعون ما يقرب من اللغو إلا سلاما، فما ظنك بالذين يبعد منه كما يبعد الماء البارد الصادق‏

402

و الماء الذي كسرت الشمس برودته و طلب منه ماء حار ليس عندي ماء جار إلا هذا أي ليس عندي ما يبعد من البارد الصادق البرودة و يقرب من الحار إلا هذا و فيه المبالغة الفائقة و البلاغة الرائقة و حينئذ يكون اللغو مجازا، و الاستثناء متصلا فإن قيل: إذا لم يكن بد من مجاز و حمل اللغو على ما يقرب منه بالنسبة إليه فليحمل إلا على لكن لأنهما/مشتركان في إثبات خلاف ما تقدم، نقول: المجاز في الأسماء أولى من المجاز في الحروف لأنها تقبل التغير في الدلالة و تتغير في الأحوال، و لا كذلك الحروف لأن الحروف لا تصير مجازا إلا بالاقتران باسم و الإسم يصير مجازا من غير الاقتران بحرف فإنك تقول: رأيت أسدا يرمي و يكون مجازا و لا اقتران له بحرف، و كذلك إذا قلت لرجل: هذا أسد و تريد بأسد كامل الشجاعة، و لأن عرض المتكلم في قوله مالي ذنب إلا أني أحبك، لا يحصل بما ذكرت من المجاز، و لأن العدول عن الأصل لا يكون له فائدة من المبالغة و البلاغة.

المسألة الخامسة: في قوله تعالى: قِيلاً قولان: أحدهما: إنه مصدر كالقول فيكون قيلا مصدرا، كما أن القول مصدر لكن لا يظهر له في باب فعل يفعل إلا حرف ثانيهما: إنه اسم و القول مصدر فهو كالسدل و الستر بكسر السين اسم و بفتحها مصدر و هو الأظهر، و على هذا نقول: الظاهر أنه اسم مأخوذ من فعل هو: قال و قيل، لما لم يذكر فاعله، و ما قيل: إن النبي صلى اللََّه عليه و سلم نهى عن القيل و القال، يكون معناه نهى عن المشاجرة، و حكاية أمور جرت بين أقوام لا فائدة في ذكرها، و ليس فيها إلا مجرد الحكاية من غير وعظ و لا حكمة

لقوله صلى اللََّه عليه و سلم: «رحم اللََّه عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم»

و على هذا فالقيل اسم لقول لم يعلم قائله، و القال اسم للقول مأخوذ من قيل لما لم يذكر فاعله، تقول: قال فلان كذا، ثم قيل له: كذا، فقال: كذا، فيكون حاصل كلامه قيل و قال، و على هذا فالقيل اسم لقول لم يعلم قائله، و القال مأخوذ من قيل هو قال، و لقائل أن يقول: هذا باطل لقوله تعالى: وَ قِيلِهِ يََا رَبِّ إِنَّ هََؤُلاََءِ قَوْمٌ لاََ يُؤْمِنُونَ [الزخرف: 88]فإن الضمير للرسول صلى اللََّه عليه و سلم أي يعلم اللََّه قيل محمد: يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، كما قال نوح عليه السلام: «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبََادَكَ [نوح: 27]، و على هذا فقوله تعالى: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَ قُلْ سَلاََمٌ [الزخرف: 89] إرشاد له لئلا يدعو على قومه عند يأسه منهم كما دعا عليهم نوح عنده، و إذا كان القول مضافا إلى محمد صلى اللََّه عليه و سلم فلا يكون القيل اسما لقول لم يعلم قائله؟فنقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: إن قولنا: إنه اسم مأخوذ من قيل الموضوع لقول لم يعلم قائله في الأصل لا ينافي جواز استعماله في قول من علم بغير الموضوع و ثانيهما:

و هو الجواب الدقيق أن نقول: الهاء في: وَ قِيلِهِ ضمير كما في ربه و كالضمير المجهول عند الكوفيين و هو ضمير الشأن، و عند البصريين قال: فَإِنَّهََا لاََ تَعْمَى اَلْأَبْصََارُ [الحج: 46]و الهاء غير عائد إلى مذكور، غير أن الكوفيين جعلوه لغير معلوم و البصريين جعلوه ضمير القصة، و الظاهر في هذه المسألة قول الكوفيين، و على هذا معنى عبارتهم بلغ غاية علم اللََّه تعالى قيل القائل منهم: يََا رَبِّ إِنَّ هََؤُلاََءِ ، إشارة إلى أن الاختصاص بذلك القول في كل أحد إنهم لا يؤمنون لعلمه أنهم قائلون بهذا و أنهم عالمون، و أهل السماء علموا بأن عند اللََّه علم الساعة يعلمها فيعلم قول من يقول: يََا رَبِّ إِنَّ هََؤُلاََءِ قَوْمٌ لاََ يُؤْمِنُونَ [الزخرف: 88]من غير تعيين قول لاشتراك الكل فيه، و يؤيد هذا أن الضمير لو كان عائدا إلى معلوم فإما أن يكون إلى مذكور قبله، و لا شي‏ء فيما /قبله يصح عود الضمير إليه، و إما إلى معلوم غير مذكور و هو محمد صلى اللََّه عليه و سلم لكن الخطاب بقوله: فَاصْفَحِ* [الحجر: 85]كان يقتضي أن يقول، و قيلك يا رب لأن محمدا صلى اللََّه عليه و سلم هو المخاطب أولا بكلام اللََّه، و قد قال‏

403

قبله: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ* [الزخرف: 87]و قال من قبل: قُلْ إِنْ كََانَ لِلرَّحْمََنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ اَلْعََابِدِينَ [الزخرف: 81]و كان هو المخاطب أولا، إذا تحقق هذا؟نقول: إذا تفكرت في استعمال لفظ القيل في القرآن ترى ما ذكرنا ملحوظا مراعى، فقال هاهنا: إِلاََّ قِيلاً سَلاََماً سَلاََماً لعدم اختصاص هذا القول بقائل دون قائل فيسمع هذا القول دائما من الملائكة و الناس كما قال تعالى: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ*`سَلاََمٌ [الرعد: 23، 24]و قال تعالى: سَلاََمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58]حيث كان المسلم منفردا، و هو اللََّه كأنه قال: سلام قولا منا، و قال تعالى: وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعََا إِلَى اَللََّهِ وَ عَمِلَ صََالِحاً [فصلت: 33] و قال: هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلاً [المزمل: 6]لأن الداعي معين و هم الرسل و من اتبعهم من الأمة و كل من قام ليلا فإن قوله: قويم، و نهجه مستقيم، و قال تعالى: وَ قِيلِهِ يََا رَبِّ [الزخرف: 88]لأن كل أحد يقول:

إنهم لا يؤمنون. أما هم فلاعترافهم و لإقرارهم و أما غيرهم فلكفرانهم بإسرافهم و إصرارهم، و يؤيد ما ذكرنا أنه تعالى قال: لاََ يَسْمَعُونَ فِيهََا لَغْواً وَ لاََ تَأْثِيماً و الاستثناء المتصل يقرب إلى المعنى بالنسبة إلى غيره و هو قول لا يعرف قائله، فقال: إِلاََّ قِيلاً و هو سلام عليك، و أما قول من يعرف و هو اللََّه فهو الأبعد عن اللغو غاية البعد و بينهما نهاية الخلاف فقال: سَلاََمٌ قَوْلاً [يس: 58].

المسألة السادسة: (سلام) ، فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه صفة وصف اللََّه تعالى بها قِيلاً كما يوصف الشي‏ء بالمصدر حيث يقال: رجل عدل، و قوم صوم، و معناه إلا قيلا سالما عن العيوب، و ثانيها: هو مصدر تقديره، إلا أن يقولوا سلاما و ثالثها: هو بدل من قِيلاً ، تقديره: إلا سلاما.

المسألة السابعة: تكرير السلام هل فيه فائدة؟ نقول: فيه إشارة إلى تمام النعمة، و ذلك لأن أثر السلام في الدنيا لا يتم إلا بالتسليم ورد السلام، فكما أن أحد المتلاقيين في الدنيا يقول للآخر: السلام عليك، فيقول الآخر: و عليك السلام، فكذلك في الآخرة يقولون: سَلاََماً سَلاََماً ثم إنه تعالى لما قال: سَلاََمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس: 58]لم يكن له رد لأن تسليم اللََّه على عبده مؤمن له، فأما اللََّه تعالى فهو منزه عن أن يؤمنه أحد، بل الرد إن كان فهو قول المؤمن: سلام علينا و على عباد اللََّه الصالحين.

المسألة الثامنة: ما الفرق بين قوله تعالى: سَلاََماً سَلاََماً بنصبهما، و بين قوله تعالى: قََالُوا سَلاََماً قََالَ سَلاََمٌ* [هود: 69] قلنا: قد ذكرنا هناك أن قوله: سَلاََمٌ عَلَيْكَ أتم و أبلغ من قولهم سلاما عليك فإبراهيم عليه السلام أراد أن يتفضل عليهم بالذكر و يجيبهم بأحسن ما حيوا، و أما هنا فلا يتفضل أحد من أهل الجنة على الآخر مثل التفضل في تلك الصورة إذ هم من جنس واحد، و هم المؤمنون و لا ينسب أحد إلى أحد تقصيرا.

المسألة التاسعة: إذا كان قول القائل: سَلاََمٌ عَلَيْكَ أتم و أبلغ فما بال القراءة المشهورة/صارت بالنصب، و من قرأ (سلام) ليس مثل الذي قرأ بالنصب، نقول ذلك من حيث اللفظ و المعنى، أما اللفظ فلأنه يستثنى من المسموع و هو مفعول منصوب، فالنصب بقوله: لاََ يَسْمَعُونَ فِيهََا لَغْواً و أما المعنى فلأنا بينا أن الاستثناء متصل، و قولهم: سَلاََمٌ أبعد من اللغو من قولهم: سَلاََماً فقال: إِلاََّ قِيلاً سَلاََماً ليكون أقرب إلى اللغو من غيره، و إن كان في نفسه بعيدا عنه. ثم قال تعالى:

404

لما بين حال السابقين شرع في شأن أصحاب الميمنة من الأزواج الثلاثة، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ما الفائدة في ذكرهم بلفظ: أَصْحََابُ اَلْمَيْمَنَةِ [الواقعة: 8]عند ذكر الأقسام، و بلفظ أَصْحََابُ اَلْيَمِينِ عند ذكر الإنعام؟ نقول: الميمنة مفعلة إما بمعنى موضع اليمين كالمحكمة لموضع الحكم، أي الأرض التي فيها اليمين و إما بمعنى موضع اليمين كالمنارة موضع النار، و المجمرة موضع الجمر، فكيفما كان الميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميز بعضهم عن بعض، و يتفرقون لقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [الروم: 14]و قال: يَصَّدَّعُونَ* [الروم: 43]فيتفرقون بالمكان فأشار في الأول إليهم بلفظ يدل على المكان، ثم عند الثواب وقع تفرقهم بأمر مبهم لا يتشاركون فيه كالمكان، فقال: وَ أَصْحََابُ اَلْيَمِينِ و فيه وجوه أحدها: أصحاب اليمين الذين يأخذون بأيمانهم كتبهم ثانيها: أصحاب القوة ثالثها: أصحاب النور، و قد تقدم بيانه.

المسألة الثانية: ما الحكمة في قوله تعالى: فِي سِدْرٍ و أية نعمة تكون في كونهم في سدر، و السدر من أشجار البوادي، لا بمر و لا بحلو و لا بطيب؟نقول: فيه حكمة بالغة غفلت عنها الأوائل و الأواخر، و اقتصروا في الجواب و التقريب أن الجنة تمثل بما كان عند العرب عزيزا محمودا، و هو صواب و لكنه غير فائق، و الفائق الرائق الذي هو بتفسير كلام اللََّه لائق، هو أن نقول: إنا قد بينا مرارا أن البليغ يذكر طرفي أمرين، يتضمن ذكرهما الإشارة إلى جميع ما بينهما، كما يقال: فلان ملك الشرق و الغرب، و يفهم منه أنه ملكهما و ملك ما بينهما، و يقال: فلان أرضى الصغير و الكبير، و يفهم منه أنه أرضى كل أحد إلى غير ذلك، فنقول: لا خفاء في أن تزين المواضع التي يتفرج فيها بالأشجار، و تلك الأشجار تارة يطلب منها نفس الورق و النظر إليه و الاستظلال به، و تارة يقصد إلى ثمارها، و تارة يجمع بينهما، لكن الأشجار أوراقها على أقسام كثيرة، و يجمعها نوعان: أوراث صغار، و أوراق كبار، و السدر في غاية الصغر، و الطلح و هو شجر الموز في غاية الكبر، فقوله تعالى: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ`وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ إشارة إلى ما يكون ورقه/في غاية الصغر من الأشجار، و إلى ما يكون ورقه في غاية الكبر منها، فوقعت الإشارة إلى الطرفين جامعة لجميع الأشجار نظرا إلى أوراقها، و الورق أحد مقاصد الشجر و نظيره في الذكر ذكر النخل و الرمان عند القصد إلى ذكر الثمار، لأن بينهما غاية الخلاف كما بيناه في موضعه، فوقعت الإشارة إليهما جامعة لجميع الأشجار نظرا إلى ثمارها، و كذلك قلنا في النخيل و الأعناب، فإن النخل من أعظم الأشجار المثمرة، و الكرم من أصغر الأشجار المثمرة، و بينهما أشجار فوقعت الإشارة إليهما جامعة لسائر الأشجار، و هذا جواب فائق وفقنا اللََّه تعالى له.

المسألة الثالثة: ما معنى المخضود؟ نقول فيه وجهان أحدهما: مأخوذ الشوك، فإن شوك السدر يستقصف ورقها، و لولاه لكان منتزه العرب، ذلك لأنها تظل لكثرة أوراقها و دخول بعضها في بعض و ثانيهما: مخضود أي متعطف إلى أسفل، فإن رؤوس أغصان السدر في الدنيا تميل إلى فوق بخلاف أشجار الثمار، فإن رؤوسها تتدلى، و حينئذ معناه أنه يخالف سدر الدنيا، فإن لها ثمرا كثيرا. ـ

405

المسألة الرابعة: ما الطلح؟ نقول: الظاهر أنه شجر الموز، و به يتم ما ذكرنا من الفائدة

روي أن عليا عليه السلام سمع من يقرأ: وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال: ما شأن الطلح؟إنما هو (و طلع) ، و استدل بقوله تعالى: لَهََا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق: 10]فقالوا: في المصاحف كذلك، فقال: لا تحول المصاحف،

فنقول: هذا دليل معجزة القرآن، و غرارة علم علي رضي اللّه عنه. أما المعجزة فلأن عليا كان من فصحاء العرب و لما سمع هذا حمله على الطلع و استمر عليه، و ما كان قد اتفق حرفه لمبادرة ذهنه إلى معنى، ثم قال في نفسه: إن هذا الكلام في غاية الحسن، لأنه تعالى ذكر الشجر المقصود منه الورق للاستظلال به، و الشجر المقصود منه الثمر للاستغلال به، فذكر النوعين، ثم إنه لما اطلع على حقيقة اللفظ علم أن الطلح في هذا الموضع أولى، و هو أفصح من الكلام الذي ظنه في غاية الفصاحة فقال: المصحف بين لي أنه خير مما كان في ظني فالمصحف لا يحول.

و الذي يؤيد هذا أنه لو كان طلع لكان قوله تعالى: وَ فََاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ [الواقعة: 32]تكرار أحرف من غير فائدة، و أما على الطلح فتظهر فائدة قوله تعالى: وَ فََاكِهَةٍ و سنبينها إن شاء اللّه تعالى.

المسألة الخامسة: ما المنضود؟ فنقول: إما الورق و إما الثمر، و الظاهر أن المراد الورق، لأن شجر الموز من أوله إلى أعلاه يكون ورقا بعد ورق، و هو ينبت كشجر الحنطة ورقا بعد ورق و ساقه يغلظ و ترتفع أوراقه، و يبقى بعضها دون بعض، كما في القصب، فموز الدنيا إذا ثبت كان بين القصب و بين بعضها فرجة، و ليس عليها ورق، و موز الآخرة يكون ورقه متصلا بعضه ببعض فهو أكثر أوراقا، و قيل: المنضود المثمر، فإن قيل:

إذا كان الطلح شجرا فهو لا يكون منضودا و إنما يكون له ثمر منضود، فكيف وصف به الطلح؟نقول: هو من باب حسن الوجه وصف بسبب اتصاف ما يتصل به، يقال: زيد حسن الوجه، و قد يترك الوجه و يقال: زيد حسن و المراد/حسن الوجه و لا يترك إن أوهم فيصح أن يقال: زيد مضروب الغلام، و لا يجوز ترك الغلام لأنه يوهم الخطأ، و أما حسن الوجه فيجوز ترك الوجه. ثم قال تعالى:

و فيه وجوه الأول: ممدود زمانا، أي لا زوال له فهو دائم، كما قال تعالى: أُكُلُهََا دََائِمٌ وَ ظِلُّهََا [الرعد:

35]أي كذلك الثاني: ممدود مكانا، أي يقع على شي‏ء كبير و يستره من بقعة الجنة الثالث: المراد ممدود أي منبسط، كما قال تعالى: وَ اَلْأَرْضَ مَدَدْنََاهََا* [الحجر: 19]فإن قيل: كيف يكون الوجه الثاني؟نقول: الظل قد يكون مرتفعا، فإن الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو فيتراكم الظل فيسود وجه الأرض و إذا كانت على أحد جانبيها قريبة من الأفق ينبسط على وجه الأرض فيضي‏ء الجو و لا يسخن وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ أي عند قيامه عمودا على الأرض كالظل بالليل، و على هذا فالظل ليس ظل الأشجار بل ظل يخلقه اللّه تعالى. و قوله تعالى:

فيه أيضا وجوه الأول: مسكوب من فوق، و ذلك لأن العرب أكثر ما يكون عندهم الآبار و البرك فلا سكب للماء عندهم بخلاف المواضع التي فيها العيون النابعة من الجبال الحاكمة على الأرض تسكب عليها الثاني:

جار في غير أخدود، لأن الماء المسكوب يكون جاريا في الهواء و لا نهر هناك، كذلك الماء في الجنة الثالث:

406

كثير و ذلك الماء عند العرب عزيز لا يسكب، بل يحفظ و يشرب، فإذا ذكروا النعم يعدون كثرة الماء و يعبرون عن كثرتها بإراقتها و سكبها، و الأول أصح. ثم قال تعالى:

لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها ذكر بعدها الأشجار التي يقصد ثمرها، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ما الحكمة في تقديم الأشجار المورقة على غير المورقة؟ نقول: هي ظاهرة، و هو أنه قدم الورق على الشجر على طريقة الارتقاء من نعمة إلى ذكر نعمة فوقها، و الفواكه أتم نعمة.

المسألة الثانية: ما الحكمة في ذكر الأشجار المورقة بأنفسها، و ذكر أشجار الفواكه بثمارها؟ نقول: هي أيضا ظاهرة، فإن الأوراق حسنها عند كونها على الشجر، و أما الثمار فهي في أنفسها مطلوبة سواء كانت عليها أو مقطوعة، و لهذا صارت الفواكه لها أسماء بها تعرف أشجارها، فيقال: شجر التين و ورقه.

المسألة الثالثة: ما الحكمة في وصف الفاكهة بالكثرة، لا بالطيب و اللذة؟ نقول: قد بينا في سورة الرحمن أن الفاكهة فاعلة كالراضية في قوله: فِي عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ* [الحاقة: 21]أي ذات فكهة، و هي لا تكون بالطبيعة إلا بالطيب و اللذة، و أما الكثرة، فبينا أن اللّه تعالى حيث ذكر الفاكهة ذكر ما يدل على الكثرة، لأنها ليست لدفع الحاجة حتى تكون بقدر الحاجة، بل هي للتنعم، فوصفها بالكثرة و التنوع.

المسألة الرابعة: لاََ مَقْطُوعَةٍ أي ليست كفواكه الدنيا، فإنها تنقطع في أكثر الأوقات و الأزمان، و في كثير من المواضع و الأماكن وَ لاََ مَمْنُوعَةٍ أي لا تمنع من الناس لطلب الأعواض و الأثمان، و الممنوع من الناس لطلب الأعواض و الأثمان ظاهر في الحس، لأن الفاكهة في الدنيا تمنع عن البعض فهي ممنوعة، و في الآخرة ليست ممنوعة. و أما القطع فيقال في الدنيا: إنها انقطعت فهي منقطعة لا مقطوعة، فقوله تعالى: لاََ مَقْطُوعَةٍ في غاية الحسن، لأن فيه إشارة إلى دليل عدم القطع، كما أن في: لاََ مَمْنُوعَةٍ دليلا على عدم المنع، و بيانه هو أن الفاكهة في الدنيا لا تمنع إلا لطلب العوض، و حاجة صاحبها إلى ثمنها لدفع حاجة به، و في الآخرة مالكها اللّه تعالى و لا حاجة له، فلزم أن لا تمنع الفاكهة من أحد كالذي له فاكهة كثيرة، و لا يأكل و لا يبيع، و لا يحتاج إليها بوجه من الوجوه لا شك في أن يفرقها و لا يمنعها من أحد. و أما الانقطاع فنقول الذي يقال في الدنيا: الفاكهة انقطعت، و لا يقال عند وجودها: امتنعت، بل يقال: منعت، و ذلك لأن الإنسان لا يتكلم إلا بما يفهمه الصغير و الكبير، و لكن كل أحد إذا نظر إلى الفاكهة زمان وجودها يرى أحدا يحوزها و يحفظها و لا يراها بنفسها تمتنع فيقول: إنها ممنوعة، و أما عند انقطاعها و فقدها لا يرى أحدا قطعها حسا و أعدمها فيظنها منقطعة بنفسها لعدم إحساسه بالقاطع و وجود إحساسه بالمانع، فقال تعالى: لو نظرتم في الدنيا حق النظر علمتم أن كل زمان نظرا إلى كونه ليلا و نهارا ممكن فيه الفاكهة فهي بنفسها لا تنقطع، و إنما لا توجد عند المحقق لقطع اللّه إياها و تخصيصها بزمان دون زمان، و عند غير المحقق لبرد الزمان و حره، و كونه محتاجا إلى الظهور و النمو و الزهر و لذلك تجري العادة بأزمنة فهي يقطعها الزمان في نظر غير المحقق فإذا كانت الجنة

407

ظلها ممدودا لا شمس هناك و لا زمهرير استوت الأزمنة و اللّه تعالى يقطعها فلا تكون مقطوعة بسبب حقيقي و لا ظاهر، فالمقطوع يتفكر الإنسان فيه و يعلم أنه مقطوع لا منقطع من غير قاطع، و في الجنة لا قاطع فلا تصير مقطوعة.

المسألة الخامسة: قدم نفي كونها مقطوعة لما أن القطع للموجود و المنع بعد الوجود لأنها توجد أولا ثم تمنع فإن لم تكن موجودة لا تكون ممنوعة محفوظة فقال: لا تقطع فتوجد أبدا ثم إن ذلك الموجود لا يمنع من أحد و هو ظاهر غير أنا نحب أن لا نترك شيئا مما يخطر بالبال و يكون صحيحا. ثم قال تعالى:

و قد ذكرنا معنى الفرش و نذكر وجها آخر فيها إن شاء اللّه تعالى، و أما المرفوعة ففيها ثلاثة أوجه أحدها: مرفوعة القدر يقال: ثوب رفيع أي عزيز مرتفع القدر و الثمن و يدل عليه قوله تعالى: عَلى‏ََ فُرُشٍ بَطََائِنُهََا [الرحمن: 54]و ثانيها: مرفوعة بعضها فوق بعض ثالثها: مرفوعة فوق السرير. ثم قال تعالى:

و في الإنشاء مسائل:

المسألة الأولى: الضمير في: أَنْشَأْنََاهُنَّ عائد إلى من؟ فيه ثلاثة أوجه أحدها: إلى‏ حُورٌ عِينٌ [الواقعة: 22]و هو بعيد لبعدهن و وقوعهن في قصة أخرى ثانيها: أن المراد من الفرش النساء و الضمير عائد إليهن لقوله تعالى: هُنَّ لِبََاسٌ لَكُمْ [البقرة: 187]، و يقال للجارية صارت فراشا و إذا صارت فراشا رفع قدرها بالنسبة إلى جارية لم تصر فراشا، و هو أقرب من الأول لكن يبعد ظاهرا لأن وصفها بالمرفوعة ينبئ عن خلاف ذلك و ثالثها: أنه عائد إلى معلوم دل عليه فرش لأنه قد علم في الدنيا و في مواضع من ذكر الآخرة، أن في الفرش حظايا تقديره و في فرش مرفوعة حظايا منشآت و هو مثل ما ذكر في قوله تعالى: قََاصِرََاتُ اَلطَّرْفِ [الرحمن: 56]و مَقْصُورََاتٌ [الرحمن: 72]فهو تعالى أقام الصفة مقام الموصوف و لم يذكر نساء الآخرة بلفظ حقيقي أصلا و إنما عرفهن بأوصافهن و لباسهن إشارة إلى صونهن و تخدرهن، و قوله تعالى: إِنََّا أَنْشَأْنََاهُنَّ يحتمل أن يكون المراد الحور فيكون المراد الإنشاء الذي هو الابتداء، و يحتمل أن يكون المراد بنات آدم فيكون الإنشاء بمعنى إحياء الإعادة، }و قوله تعالى: أَبْكََاراً يدل على الثاني لأن الإنشاء لو كان بمعنى الابتداء لعلم من كونهن أبكارا من غير حاجة إلى بيان و لما كان المراد إحياء بنات آدم قال: أَبْكََاراً أي نجعلهن أبكارا و إن متن ثيبات، فإن قيل: فما الفائدة على الوجه الأول؟نقول: الجواب من وجهين الأول: أن الوصف بعدها لا يكون من غيرها إذا كن أزواجهم بين الفائدة لأن البكر في الدنيا لا تكون عارفة بلذة الزوج فلا

408

ترضى بأن تتزوج من رجل لا تعرفه و تختار التزويج بأقرانها و معارفها لكن أهل الجنة إذا لم يكن من جنس أبناء آدم و تكون الواحدة منهن بكرا لم تر زوجا ثم تزوجت بغير جنسها فربما يتوهم منها سوء عشرة فقال: أَبْكََاراً فلا يوجد فيهن ما يوجد في أبكار الدنيا الثاني: المراد أبكارا بكارة تخالف بكارة الدنيا، فإن البكارة لا تعود إلا على بعد. }و قوله تعالى: أَتْرََاباً يحتمل وجوها أحدها: مستويات في السن فلا تفضل إحداهن على الأخرى بصغر و لا كبر كلهن خلقن في زمان/واحد، و لا يلحقهن عجز و لا زمانة و لا تغير لون، و على هذا إن كن من بنات آدم فاللفظ فيهن حقيقة، و إن كن من غيرهن فمعناه ما كبرن سمين به لأن كلا منهن تمس وقت مس الأخرى لكن نسي الأصل، و جعل عبارة عن ذلك كاللذة للمتساويين من العقلاء، فأطلق على حور الجنة أترابا ثانيها:

أترابا متماثلات في النظر إليهن كالأتراب سواء وجدن في زمان أو في أزمنة، و الظاهر أنه في أزمنة لأن المؤمن إذا عمل عملا صالحا خلق له منهن ما شاء اللّه ثالثها: أترابا لأصحاب اليمين، أي على سنهم، و فيه إشارة إلى الاتفاق، لأن أحد الزوجين إذا كان أكبر من الآخر فالشاب يعيره.

المسألة الثانية: إن قيل ما الفائدة في قوله: فَجَعَلْنََاهُنَّ ؟ نقول: فائدته ظاهرة تتبين بالنظر إلى اللام في: لِأَصْحََابِ اَلْيَمِينِ فنقول: إن كانت اللام متعلقة بأترابا يكون معناه: أَنْشَأْنََاهُنَّ و هذا لا يجوز و إن كانت متعلقة بأنشأناهن يكون معناه أنشأناهن لأصحاب اليمين و الإنشاء حال كونهن أبكارا و أترابا فلا يتعلق الإنشاء بالأبكار بحيث يكون كونهن أبكارا بالإنشاء لأن الفعل لا يؤثر في الحال تأثيرا واجبا فنقول: صرفه للإنشاء لا يدل على أن الإنشاء كان بفعل فيكون الإنعام عليهم بمجرد إنشائهن لأصحاب اليمين: فَجَعَلْنََاهُنَّ أَبْكََاراً ليكون ترتيب المسبب على السبب فاقتضى ذلك كونهن أبكارا، و أما إن كان الإنشاء أولا من غير مباشرة للأزواج ما كان يقتضي جعلهن أبكارا فالفاء لترتيب المقتضى على المقتضى. ثم قال تعالى:

و قد ذكرنا ما فيه لكن هنا لطيفة: و هي أنه تعالى قال في السابقين: ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ [الواقعة: 13]قبل ذكر السرر و الفاكهة و الحور و ذكر في أصحاب اليمين: ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ بعد ذكر هذه النعم، نقول: السابقون لا يلتفتون إلى الحور العين و المأكول و المشروب و نعم الجنة تتشرف بهم، و أصحاب اليمين يلتفتون إليها فقدم ذكرها عليهم ثم قال: هذا لكم و أما السابقون فذكرهم أولا ثم ذكر مكانهم، فكأنه قال لأهل الجنة هؤلاء واردون عليكم. و الذي يتمم هذه اللطيفة أنه تعالى لم يقدم ثلة السابقين إلا لكونهم مقربين حسا فقال:

اَلْمُقَرَّبُونَ‏`فِي جَنََّاتِ [الواقعة: 11، 12]ثم قال: ثُلَّةٌ ثم ذكر النعم لكونها فوق الدنيا إلا المودة في القربى من اللّه فإنها فوق كل شي‏ء، و إلى هذا أشار بقوله تعالى: قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ [الشورى: 23]أي في المؤمنين و وعد المرسلين بالزلفى في قوله: وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنََا لَزُلْفى‏ََ* [ص: 25] و أما قوله: فِي جَنََّاتِ اَلنَّعِيمِ [الواقعة: 12]فقد ذكرنا أنه لتمييز مقربي المؤمنين من مقربي الملائكة، فإنهم مقربون في الجنة و هم مقربون في أماكنهم لقضاء الأشغال التي للناس و غيرهم بقدرة اللّه و قد بان من هذا أن المراد من أصحاب اليمين هم الناجون الذين أذنبوا و أسرفوا و عفا اللّه عنهم بسبب أدنى حسنة لا الذين غلبت‏

409

حسناتهم و كثرت و سنذكر الدليل عليه في قوله تعالى: فَسَلاََمٌ لَكَ مِنْ أَصْحََابِ اَلْيَمِينِ [الواقعة: 91]. /ثم قال تعالى:

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ما الحكمة في ذكر السموم و الحميم و ترك ذكر النار و أهوالها؟ نقول: فيه إشارة بالأدنى إلى الأعلى فقال: هواؤهم الذي يهب عليهم سموم، و ماؤهم الذي يستغيثون به حميم، مع أن الهواء و الماء أبرد الأشياء، و هما أي السموم و الحميم من أضر الأشياء بخلاف الهواء و الماء في الدنيا فإنهما من أنفع الأشياء فما ظنك بنارهم التي هي عندنا أيضا أحر، و لو قال: هم في نار، كنا نظن أن نارهم كنارنا لأنا ما رأينا شيئا أحر من التي رأيناها، و لا أحر من السموم، و لا أبرد من الزلال، فقال: أبرد الأشياء لهم أحرها فكيف حالهم مع أحرها، فإن قيل: ما السموم؟نقول: المشهور هي ريح حارة تهب فتمرض أو تقتل غالبا، و الأولى أن يقال:

هي هواء متعفن، يتحرك من جانب إلى جانب فإذا استنشق الإنسان منه يفسد قلبه بسبب العفونة و يقتل الإنسان، و أصله من السم كسم الحية و العقرب و غيرهما، و يحتمل أن يكون هذا السم من السم، و هو خرم الإبرة، كما قال تعالى: حَتََّى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيََاطِ [الأعراف: 40]لأن سم الأفعى ينفذ في المسام فيفسدها، و قيل: إن السموم مختصة بما يهب ليلا، و على هذا فقوله: } سَمُومٍ إشارة إلى ظلمة ما هم فيه غير أنه بعيد جدا، لأن السموم قد ترى بالنهار بسبب كثافتها.

المسألة الثانية: الحميم هو الماء الحار و هو فعيل بمعنى فاعل من حمم الماء بكسر الميم، أو بمعنى مفعول من حمم الماء إذا سخنه، و قد ذكرناه مرارا غير أن هاهنا لطيفة لغوية: و هي أن فعولا لما تكرر منه الشي‏ء و الريح لما كانت كثيرة الهبوب تهب شيئا بعد شي‏ء خص السموم بالفعول، و الماء الحار لما كان لا يفهم منه الورود شيئا بعد شي‏ء لم يقل: فيه حموم، فإن قيل: ما اليحموم؟نقول: فيه وجوه أولها: أنه اسم من أسماء جهنم ثانيها: أنه الدخان ثالثها: أنه الظلمة، و أصله من الحمم و هو الفحم فكأنه لسواده فحم فسموه باسم مشتق منه، و زيادة الحرف فيه لزيادة ذلك المعنى فيه، و ربما تكون الزيادة فيه جاءت لمعنيين: الزيادة في سواده و الزيادة في حرارته، و في الأمور الثلاثة إشارة إلى دونهم في العذاب دائما لأنهم إن تعرضوا لمهب الهواء أصابهم الهواء الذي هو السموم، و إن استكنوا كما يفعله الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان في الكن يكونوا}في ظل من يحموم و إن أرادوا الرد عن أنفسهم السموم بالاستكنان في مكان من حميم فلا انفكاك لهم من عذاب الحميم، و يحتمل أن يقال فيه ترتيب و هو أن السموم يضربه فيعطش و تلتهب نار السموم في أحشائه فيشرب الماء/فيقطع أمعاءه و يريد الاستظلال بظل فيكون ذلك الظل ظل اليحموم، فإن قيل: كيف وجه استعمال (من) في قوله تعالى: مِنْ يَحْمُومٍ ؟فنقول: إن قلنا إنه اسم جهنم فهو لابتداء الغاية كما تقول:

جاءني نسيم من الجنة، و إن قلنا: إنه دخان فهو كما في قولنا: خاتم من فضة، و إن قلنا: إنه الظلمة فكذلك،

410

فإن قيل: كيف يصح تفسيره بجهنم مع أنه اسم منصرف منكر فكيف وضع لمكان معرف، و لو كان اسما لها، قلنا: استعماله بالألف و اللام كالجحيم، أو كان غير منصرف كأسماء جهنم يكون مثله على ثلاثة مواضع كلها يحموم. ثم قال تعالى:

قال الزمخشري: كرم الظل نفعه الملهوف، و دفعه أذى الحر عنه، و لو كان كذلك لكان البارد و الكريم بمعنى واحد، و الأقرب أن يقال: فائدة الظل أمران: أحدهما دفع الحر، و الآخر كون الإنسان فيه مكرما، و ذلك لأن الإنسان في البرد يقصد عين الشمس ليتدفأ بحرها إذا كان قليل الثياب، فإذا كان من المكرمين يكون أبدا في مكان يدفع الحر و البرد عن نفسه في الظل، أما الحر فظاهر، و أما البرد فيدفعه بإدفاء الموضع بإيقاد ما يدفئه، فيكون الظل في الحر مطلوبا للبرد فيطلب كونه باردا، و في البرد يطلب لكونه ذا كرامة لا لبرد يكون في الظل فقال: لاََ بََارِدٍ يطلب لبرده، و لا ذي كرامة قد أعد للجلوس فيه، و ذلك لأن المواضع التي يقع عليها ظل كالمواضع التي تحت أشجار و أمام الجدار يتخذ منها مقاعد فتصير تلك المقاعد محفوظة عن القاذورات، و باقي المواضع تصير مزابل، ثم إذا وقعت الشمس في بعض الأوقات عليها تطلب لنظافتها، و كونها معدة للجلوس، فتكون مطلوبة في مثل هذا الوقت لأجل كرامتها لا لبردها، فقوله تعالى: لاََ بََارِدٍ وَ لاََ كَرِيمٍ يحتمل هذا، و يحتمل أن يقال: إن الظل يطلب لأمر يرجع إلى الحس، أو لأمر يرجع إلى العقل، فالذي يرجع إلى الحس هو برده، و الذي يرجع إلى العقل أن يكون الرجوع إليه كرامة، و هذا لا برد له و لا كرامة فيه، و هذا هو المراد بما نقله الواحدي عن الفراء أن العرب تتبع كل منفي بكريم إذا كان المنفي أكرم فيقال: هذه الدار ليست بواسعة و لا كريمة، و التحقيق فيه ما ذكرنا أن وصف الكمال، إما حسي، و إما عقلي، و الحسي يصرح بلفظه، و أما العقلي فلخفائه عن الحس يشار إليه بلفظ جامع، لأن الكرامة، و الكرامة عند العرب من أشهر أوصاف المدح و نفيهما نفي وصف الكمال العقلي، فيصير قوله تعالى: لاََ بََارِدٍ وَ لاََ كَرِيمٍ معناه لا مدح فيه أصلا لا حسا و لا عقلا.

ثم قال تعالى:

و في الآيات لطائف، نذكرها في مسائل:

المسألة الأولى: ما الحكمة في بيان سبب كونهم في العذاب مع أنه تعالى لم يذكر سبب كون أصحاب اليمين في النعيم، و لم يقل: إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين؟فنقول: قد ذكرنا مرارا أن اللّه تعالى عند إيصال الثواب لا يذكر أعمال العباد الصالحة، و عند إيصال العقاب يذكر أعمال المسيئين لأن الثواب فضل و العقاب عدل، و الفضل سواء ذكر سببه أو لم يذكر لا يتوهم في المتفضل به نقص و ظلم، و أما العدل فإن لم‏

411

يعلم سبب العقاب، يظن أن هناك ظلما فقال: هم فيها بسبب ترفهم، و الذي يؤيد هذه اللطيفة أن اللّه تعالى قال في حق السابقين: جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة: 24]و لم يقل: في حق أصحاب اليمين، ذلك لأنا أشرنا أن أصحاب اليمين هم الناجون بالفضل العظيم، و سنبين ذلك في قوله تعالى: فَسَلاََمٌ لَكَ [الواقعة: 91] و إذا كان كذلك فالفضل في حقهم متمحض فقال: هذه النعم لكم، و لم يقل جزاء لأن قوله: جَزََاءً في مثل هذا الموضع، و هو موضع العفو عنهم لا يثبت لهم سرورا بخلاف من كثرت حسناته، فيقال له: نعم ما فعلت خذ هذا لك جزاء.

المسألة الثانية: جعل السبب كونهم مترفين و ليس كل من هو من أصحاب الشمال يكون مترفا فإن فيهم من يكون فقيرا؟ نقول قوله تعالى: إِنَّهُمْ كََانُوا قَبْلَ ذََلِكَ مُتْرَفِينَ ليس بذم، فإن المترف هو الذي جعل ذا ترف أي نعمة، فظاهر ذلك لا يوجب ذما، لكن ذلك يبين قبح ما ذكر عنهم بعده‏}و هو قوله تعالى: وَ كََانُوا يُصِرُّونَ لأن صدور الكفران ممن عليه غاية الإنعام أقبح القبائح فقال: إنهم كانوا مترفين، و لم يشكروا نعم اللّه بل أصروا على الذنب و على هذا فنقول: النعم التي تقتضي شكر اللّه و عبادته في كل أحد كثيرة فإن الخلق و الرزق و ما يحتاج إليه و تتوقف مصالحه عليه حاصل للكل، غاية ما في الباب أن حال الناس في الإتراف متقارب، فيقال في حق البعض بالنسبة إلى بعض: إنه في ضر، و لو حمل نفسه على القناعة لكان أغنى الأغنياء و كيف لا و الإنسان إذا نظر إلى حالة يجدها مفتقرة إلى مسكن يأوي إليه و لباس الحر و البرد و ما يسد جوعه من المأكول و المشروب، و غير هذا من الفضلات التي يحمل عليها شح النفس، ثم إن أحدا لا يغلب عن تحصيل مسكن باشتراء أو اكتراء، فإن لم يكن فليس هو أعجز من الحشرات، لا تفقد مدخلا أو مغارة، و أما اللباس فلو اقتنع بما يدفع الضرورة كان يكفيه في عمره لباس واحد، كلما تمزق منه موضع يرفعه من أي شي‏ء كان، بقي أمر المأكول و المشروب، فإذا نظر الناظر يجد كل أحد في جميع الأحوال غير مغلوب عن كسرة خبز و شربة ماء، غير أن طلب الغنى يورث الفقر فيريد الإنسان بيتا مزخرفا و لباسا فاخرا و مأكولا طيبا، و غير ذلك من أنواع الدواب/و الثياب، فيفتقر إلى أن يحمل المشاق، و طلب الغنى يورث فقره، و ارتياد الارتفاع يحط قدره، و بالجملة شهوة بطنه و فرجه تكسر ظهره على أننا نقول في قوله تعالى: كََانُوا قَبْلَ ذََلِكَ مُتْرَفِينَ لا شك أن أهل القبور لما فقدوا الأيدي الباطشة، و الأعين الباصرة، و بأن لهم الحقائق، علموا أنهم كانوا قبل ذلك مترفين بالنسبة إلى تلك الحالة.

المسألة الثالثة: ما الإصرار على الحنث العظيم؟ نقول: الشرك، كما قال تعالى: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]و فيها لطيفة و هي أنه أشار في الآيات الثلاث إلى الأصول الثلاثة فقوله تعالى: إِنَّهُمْ كََانُوا قَبْلَ ذََلِكَ مُتْرَفِينَ من حيث الاستعمال يدل على ذمهم بإنكار الرسل، إذ المترف متكبر بسبب الغنى فينكر الرسالة، و المترفون كانوا يقولون: أَ بَشَراً مِنََّا وََاحِداً نَتَّبِعُهُ [القمر: 34]و قوله: يُصِرُّونَ عَلَى اَلْحِنْثِ اَلْعَظِيمِ [الواقعة: 46]إشارة إلى الشرك و مخالفة التوحيد، }و قوله تعالى: وَ كََانُوا يَقُولُونَ أَ إِذََا مِتْنََا وَ كُنََّا تُرََاباً إشارة إلى إنكار الحشر و النشر، و قوله تعالى: وَ كََانُوا يُصِرُّونَ عَلَى اَلْحِنْثِ اَلْعَظِيمِ فيه مبالغات من وجوه أحدها: قوله تعالى: كََانُوا يُصِرُّونَ و هو آكد من قول القائل: إنهم قبل ذلك أصروا لأن اجتماع لفظي الماضي و المستقبل يدل على الاستمرار، لأن قولنا: فلان كان يحسن إلى الناس، يفيد كون ذلك عادة له ثانيها:

412

لفظ الإصرار فإن الإصرار مداومة المعصية و الغلول، و لا يقال: في الخير أصر ثالثها: الحنث فإنه فوق الذنب فإن الحنث لا يكاد في اللغة يقع على الصغيرة و الذنب يقع عليها، و أما الحنث في اليمين فاستعملوه لأن نفس الكذب عند العقلاء قبيح، فإن مصلحة العالم منوطة بالصدق و إلا لم يحصل لأحد بقول أحد ثقة فلا يبنى على كلامه مصالح، و لا يجتنب عن مفاسد، ثم إن الكذب لما وجد في كثير من الناس لأغراض فاسدة أرادوا توكيد الأمر بضم شي‏ء إليه يدفع توهمه فضموا إليه الأيمان و لا شي‏ء فوقها، فإذا حنث لم يبق أمر يفيد الثقة فيلزم منه فساد فوق فساد الزنا و الشرب، غير أن اليمين إذا كانت على أمر مستقبل و رأى الحالف غيره جوز الشرع الحنث و لم يجوزه في الكبيرة كالزنا و القتل لكثرة وقوع الأيمان و قلة وقوع القتل و الذي يدل على أن الحنث هو الكبيرة قولهم للبالغ: بلغ الحنث، أي بلغ مبلغا بحيث يرتكب الكبيرة و قبله ما كان ينفي عنه الصغيرة، لأن الولي مأمور بالمعاقبة على إساءة الأدب و ترك الصلاة.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: اَلْعَظِيمِ هذا يفيد أن المراد الشرك، فإن هذه الأمور لا تجتمع في غيره.

المسألة الخامسة: كيف اشتهر مِتْنََا بكسر الميم مع أن استعمال القرآن في المستقبل يموت قال تعالى عن يحيى و عيسى عليهما السلام: وَ يَوْمَ أَمُوتُ [مريم: 33]و لم يقرأ أمات على وزن أخاف، و قال تعالى:

قُلْ مُوتُوا [آل عمران: 119]و لم يقل: قل ماتوا، و قال تعالى: وَ لاََ تَمُوتُنَّ [آل عمران: 102]و لم يقل: و لا تماتوا كما قال: أَلاََّ تَخََافُوا [فصلت: 30]قلنا: فيه وجهان أحدهما: أن هذه الكلمة خالفت غيرها، فقيل فيها: أَمُوتُ و السماع مقدم على القياس و الثاني: مات يمات لغة في مات يموت، فاستعمل ما فيها الكسر لأن/الكسر في الماضي يوجد أكثر الأمرين أحدهما: كثرة يفعل على يفعل و ثانيهما: كونه على فعل يفعل، مثل خاف يخاف، و في مستقبلها الضم لأنه يوجد لسببين أحدهما: كون الفعل على فعل يفعل، مثل طال يطول، فإن وصفه بالتطويل دون الطائل يدل على أنه من باب قصر يقصر، و ثانيهما: كونه على فعل يفعل، تقول: فعلت في الماضي بالكسر و في المستقبل بالضم.

المسألة السادسة: كيف أتى باللام المؤكدة في قوله: لَمَبْعُوثُونَ مع أن المراد هو النفي و في النفي لا يذكر في خبر إن اللام يقال: إن زيدا ليجي‏ء و إن زيدا لا يجي‏ء، فلا تذكر اللام، و ما مرادهم بالاستفهام إلا الإنكار بمعنى إنا لا نبعث؟نقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: عند إرادة التصريح بالنفي يوجد التصريح بالنفي و صيغته ثانيهما: أنهم أرادوا تكذيب من يخبر عن البعث فذكروا أن المخبر عنه يبالغ في الإخبار و نحن نستكثر مبالغته و تأكيده فحكوا كلامهم على طريقة الاستفهام بمعنى الإنكار، ثم إنهم أشاروا في الإنكار إلى أمور اعتقدوها مقررة لصحة إنكارهم فقالوا أولا: أَ إِذََا مِتْنََا و لم يقتصروا عليه بل قالوا بعده: وَ كُنََّا تُرََاباً وَ عِظََاماً أي فطال عهدنا بعد كوننا أمواتا حتى صارت اللحوم ترابا و العظام رفاتا، ثم زادوا و قالوا: مع هذا يقال لنا: إنكم لمبعوثون بطريق التأكيد من ثلاثة أوجه أحدها: استعمال كلمة إن ثانيها: إثبات اللام في خبرها ثالثها: ترك صيغة الاستقبال، و الإتيان بالمفعول كأنه كائن، فقالوا لنا: إنكم لمبعوثون ثم زادوا}و قالوا:

أَ وَ آبََاؤُنَا اَلْأَوَّلُونَ يعني هذا أبعد فإنا إذا كنا ترابا بعد موتنا و الآباء حالهم فوق حال العظام الرفات فكيف يمكن البعث؟و قد بينا في سورة و الصافات هذا كله و قلنا: إن قوله: أَ وَ آبََاؤُنَا اَلْأَوَّلُونَ [الصافات: 17]

413

معناه: أو يقولوا: آباؤنا الأولون، إشارة إلى أنهم في الإشكال أعظم، ثم إن اللّه تعالى أجابهم ورد عليهم في الجواب في كل مبالغة بمبالغة أخرى فقال:

} فقوله: قُلْ إشارة إلى أن الأمر في غاية الظهور، و ذلك أن في الرسالة أسرارا لا تقال إلا للأبرار، و من جملتها تعيين وقت القيامة لأن العوام لو علموا لاتّكلوا و الأنبياء ربما اطلعوا على علاماتها أكثر مما بينوا و ربما بينوا للأكابر من الصحابة علامات على ما نبين ففيه وجوه أولها: قوله: قُلْ يعني أن هذا من جملة الأمور التي بلغت في الظهور إلى حد يشترك فيه العوام و الخواص، فقال: قل قولا عاما و هكذا في كل موضع، قال:

قل كان الأمر ظاهرا، قال اللّه تعالى: قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ [الصمد: 1]و قال: قُلْ إِنَّمََا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ* [الكهف: 110]و قال: قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: 85]أي هذا هو الظاهر من أمر الروح و غيره خفي ثانيها: قوله تعالى: إِنَّ اَلْأَوَّلِينَ وَ اَلْآخِرِينَ بتقديم الأولين على الآخرين في جواب قولهم: أَ وَ آبََاؤُنَا اَلْأَوَّلُونَ [الواقعة: 48]فإنهم أخروا ذكر الآباء لكون الاستبعاد فيهم أكثر، فقال إن الأولين الذين تستبعدون بعثهم و تؤخرونهم يبعثهم اللّه في أمر مقدم على الآخرين، يتبين منه إثبات/حال من أخرتموه مستبعدين، إشارة إلى كون الأمر هينا ثالثها: قوله تعالى: لَمَجْمُوعُونَ فإنهم أنكروا قوله: لَمَبْعُوثُونَ فقال: هو واقع مع أمر زائد، و هو أنهم يحشرون و يجمعون في عرصة الحساب، و هذا فوق البعث، فإن من بقي تحت التراب مدة طويلة ثم حشر ربما لا يكون له قدرة على الحركة، و كيف لو كان حيا محبوسا في قبره مدة لتعذرت عليه الحركة، ثم إنه تعالى بقدرته يحركه بأسرع حركة و يجمعه بأقوى سير، و قوله تعالى: لَمَجْمُوعُونَ فوق قول القائل: مجموعون كما قلنا: إن قول قول القائل: إنه يموت في إفادة التوكيد دون قوله: إنه ميت رابعها: قوله تعالى: إِلى‏ََ مِيقََاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فإنه يدل على أن اللّه تعالى يجمعهم في يوم واحد معلوم، و اجتماع عدد من الأموات لا يعلم عددهم إلا اللّه تعالى في وقت واحد أعجب من نفس البعث و هذا كقوله تعالى في سورة و الصافات: فَإِنَّمََا هِيَ زَجْرَةٌ وََاحِدَةٌ* [الصافات: 19]أي أنتم تستبعدون نفس البعث، و الأعجب من هذا أنه يبعثهم بزجرة واحدة أي صيحة واحدة: فَإِذََا هُمْ يَنْظُرُونَ أي يبعثون مع زيادة أمر، و هو فتح أعينهم و نظرهم، بخلاف من نعس فإنه إذا انتبه يبقى ساعة ثم ينظر في الأشياء، فأمر الإحياء عند اللّه تعالى أهون من تنبيه نائم خامسها: حرف (إلى) أدل على البعث من اللام، و لنذكر هذا في جواب سؤال هو أن اللّه تعالى قال:

يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ اَلْجَمْعِ [التغابن: 9]و قال هنا: لَمَجْمُوعُونَ إِلى‏ََ مِيقََاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ و لم يقل: لميقاتنا و قال: وَ لَمََّا جََاءَ مُوسى‏ََ لِمِيقََاتِنََا [الأعراف: 143]نقول: لما كان ذكر الجمع جوابا للمنكرين المستبعدين ذكر كلمة (إلى) الدالة على التحرك و الانتقال لتكون أدل على فعل غير البعث و لا يجمع هناك قال: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ و لا يفهم النشور من نفس الحرف و إن كان يفهم من الكلام، و لهذا قال هاهنا: لَمَجْمُوعُونَ بلفظ التأكيد، و قال هناك: يَجْمَعُكُمْ و قال هاهنا: إِلى‏ََ مِيقََاتِ و هو مصير الوقت إليه، و أما قوله تعالى:

وَ لَمََّا جََاءَ مُوسى‏ََ لِمِيقََاتِنََا فنقول: الموضع هناك لم يكن مطلوب موسى عليه السلام، و إنما كان مطلوبه الحضور، لأن من وقت له وقت و عين له موضع كانت حركته في الحقيقة لأمر بالتبع إلى أمر، و أما هناك فالأمر الأعظم‏

414

الوقوف في موضعه لا زمانه فقال بكلمة دلالتها على الموضع و المكان أظهر. ثم قال تعالى:

في تفسير الآيات مسائل:

المسألة الأولى: الخطاب مع من؟ نقول: قال بعض المفسرين مع أهل مكة، و الظاهر أنه عام مع كل ضال مكذب و قد تقدم مثل هذا في مواضع، و هو تمام كلام النبي صلى اللّه عليه و سلم كأنه تعالى قال لنبيه: قل إن الأولين و الآخرين لمجموعون ثم إنكم تعذبون بهذه الأنواع من العذاب.

المسألة الثانية: قال هاهنا: اَلضََّالُّونَ اَلْمُكَذِّبُونَ بتقديم الضال و قال في آخر السورة: وَ أَمََّا إِنْ كََانَ مِنَ اَلْمُكَذِّبِينَ اَلضََّالِّينَ [الواقعة: 92]بتقديم المكذبين، فهل بينهما فرق؟قلت: نعم، و ذلك أن المراد من الضالين هاهنا هم الذين صدر منهم الإصرار على الحنث العظيم، فضلوا في سبيل اللّه و لم يصلوا إليه و لم يوحدوه، و ذلك ضلال عظيم، ثم كذبوا رسله و قالوا: أَ إِذََا مِتْنََا فكذبوا بالحشر، فقال: أَيُّهَا اَلضََّالُّونَ الذين أشركتم: اَلْمُكَذِّبُونَ الذين أنكرتم الحشر لتأكلون ما تكرهون، و أما هناك فقال لهم: أيها المكذبون الذين كذبتم بالحشر الضالون في طريق الخلاص الذين لا يهتدون إلى النعيم، و فيه وجه آخر و هو أن الخطاب هنا مع الكفار فقال: يا أيها الذين ضللتم أولا و كذبتم ثانيا، و الخطاب في آخر السورة مع محمد صلى اللّه عليه و سلم يبين له حال الأزواج الثلاثة فقال: المقربون في روح و ريحان و جنة و نعيم، و أصحاب اليمين في سلام، و أما المكذبون الذين كذبوا فقد ضلوا فقدم تكذيبهم إشارة إلى كرامة محمد صلى اللّه عليه و سلم حيث بين أن أقوى سبب في عقابهم تكذيبهم و الذي يدل على أن الكلام هناك مع محمد صلى اللّه عليه و سلم قوله: فَسَلاََمٌ لَكَ مِنْ أَصْحََابِ اَلْيَمِينِ [الواقعة: 91].

المسألة الثالثة: ما الزقوم؟ نقول: قد بيناه في موضع آخر و اختلف فيه أقوال الناس و مآل الأقوال إلى كون ذلك في الطعم مرا و في اللمس حارا، و في الرائحة منتنا، و في المنظر أسود لا يكاد آكله يسيغه فيكره على ابتلاعه، و التحقيق اللغوي فيه أن الزقوم لغية عربية دلنا تركيبه على قبحه، و ذلك لأن زق لم يجتمع إلا في مهمل أو في مكروه منه مزق، و منه زمق شعره إذا نتفه، و منه القزم للدناءة، و أقوى من هذا أن القاف مع كل حرف من الحرفين الباقيين يدل على المكروه في أكثر الأمر، فالقاف مع الميم قمامة و قمقمة، و بالعكس مقامق، الغليظ الصوت و القمقمة هو السور، و أما القاف مع الزاي فالزق رمي الطائر بذرقه، و الزقزقة الخفة، و بالعكس القزنوب فينفر الطبع من تركيب الكلمة من حروف اجتماعها دليل الكراهة و القبح، ثم قرن بالأكل فدل على أنه طعام ذو غضة، و أما ما يقال بأن العرب تقول: زقمتني بمعنى أطعمتني الزبد و العسل و اللبن، فذلك للمجانة كقولهم: أرشقني بثوب حسن، و أرجمني بكيس من ذهب، }و قوله: مِنْ شَجَرٍ لابتداء الغاية أي تناولكم منه،